مشارق الشموس في شرح الدروس - ج3

- الشيخ آقا حسين الخوانساري المزيد...
594 /
1

تتمة كتاب الطهارة

درس: 17- [في الماء المطلق]

[الماء المطلق طاهر مطهّر ما دام على أصل الخلقة]

الماء المطلق طاهر مطهّر ما دام على أصل الخلقة المراد بالماء المطلق: ما يصح إطلاق اسم الماء عليه مطلقا من دون تقييد و إن صحّ التقييد أيضاً، كما يقولون: ماء البحر و ماء البرّ البر يا البئر) و ماء النهر و نحوها.

و المضاف ما يقابله، و هو: ما لا يصح إطلاق الماء عليه مطلقا، بل لا بدّ من تقييد كماء الورد و نحوه، إذ لا يصح أن يقال: عليه أنّه ماء بدون تقييد.

و المراد بكونه على أصل الخلقة، كون لونه و ريحه و طعمه الأصلي باقياً، ثمّ كونه طاهراً مطهراً من الحدث و الخبث مطلقا، سواء كان نازلًا من السماء أو نابعاً من الأرض أو ذائباً من الثلج أو البرد (1) أو منقلباً عن الهواء ممّا وقع عليه إجماع المسلمين.

و يدلّ عليه: الكتاب و السنة أيضاً.

أمّا الكتاب: فالدال منه على طهارته، قوله تعالى وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً.

و الدال على (2) مطهّريته، قوله تعالى وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ.

____________

(1) في نسخة ألف و ب: و البرد.

(2) لم ترد في نسخة ألف.

2

و قد نوقش في دلالته على عموم التطهير، و أجاب عنها القوم، و لا حاجة كثيراً إلى التعرض له.

و قد استدل عليه: بالآية الكريمة الأولى أيضاً و قد طال فيه التشاجر و التنازع، و لا حاجة إلى التعرض له (1) أيضاً لأنّ المطلب ممّا لا ينحصر دليله فيها، حتّى يلزم أن يتجشم لإتمامها.

و أمّا السنّة: فالدّال منها على طهارته، ما رواه التهذيب، في باب المياه و أحكامها، عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي بإسناده قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): الماء كلّه طاهر حتّى يعلم أنّه قذر.

و كذا عن حمّاد بن عيسى مثله، و كذا عن حمّاد بن عثمان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) مثله. و الرواية الأولى و الأخيرة في الكافي [أيضاً]، في باب طهور الماء.

و روى الفقيه مرسلًا، في باب المياه، قال: و قال الصادق جعفر بن محمّد (عليه السلام): كلّ ماء طاهر إلّا ما علمت أنّه قذر.

و الدّال على مطهريّته: ما رواه التهذيب، في زيادات باب آداب الأحداث، في الصحيح، عن داود بن فرقد، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض،

____________

(1) لم ترد في نسخة ألف.

3

و قد وسّع اللّٰه عليكم بأوسع ما بين السماء و الأرض، و جعل لكم الماء طهوراً، فانظروا كيف تكونون (1).

و قد رواه الفقيه مرسلًا، عن الصادق (عليه السلام)، في الباب المذكور.

و لا يخفى أنّ المناقشة التي في كون الطهور في الآية بمعنى المطهّر لا يتأتى هيهنا،// (185) لأنّ القرينة قائمة على إرادة هذا المعنى.

و ما رواه التهذيب أيضاً (3)، في باب المياه، و الكافي، في الباب المتقدم، عن السكوني، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله): الماء يطهّر و لا يطهّر.

و رواه الفقيه أيضاً مرسلًا، في الباب المذكور. إلى غير ذلك.

و اعلم أنّ ما ذكرنا من إجماع المسلمين عليه بناء على إخراج ماء البحر عن موضوع الحكم لتغيّر طعمه و لو جعل طعمه داخلًا تحت الطعم الأصلي فالخلاف فيه موجود لبعض العامة، فإنّ سعيد بن المسيّب و عبد اللّٰه بن عمرو و عبد اللّٰه بن عمرو بن العاص خالفوا في ماء البحر.

فقال سعيد: إن ألجئت إليه توض منه و قال الآخر: إنّ التيمّم أحبّ

____________

(1) في التهذيب: كانوا بدل كان،

(3) لم ترد في نسخة ألف.

4

إلينا، لكن أصحابنا أجمعوا على مطهّريته.

و يدلّ عليه أيضاً مضافاً إلى الإجماع و إطلاق الآية و الروايتين المذكورتين (1) ما رواه التهذيب، في باب المياه، و الكافي في الباب المذكور، في الصحيح، عن عبد اللّٰه بن سنان، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن ماء البحر، أ طهور هو؟ قال: نعم.

و رويا أيضاً مثله في البابين، في الموثق أو الحسن (3)، عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام).

و لا يذهب عليك أنّ المناقشة، في كون الطهور بمعنى المطهّر و إن صحت نظراً إلى قياس اللغة لكونه مبالغة في الظاهر فيكون معناه زياد (5) الطهارة كالأكول و الضروب و لكنّ الظاهر (6) أنّ الطهور قد جعل اسماً لما يتطهر به، و فسّره به بعض من المفسرين و جمع كثير من اللغويين. و تتبع الروايات ممّا يورث ظنا، بأنّ الطهور في إطلاقاتهم المراد منه المطهّر، إمّا لكونه صفة بهذا المعنى أو اسماً لما يتطهر به، و على التقديرين يثبت المرام.

[فإن خرج بمخالطة طاهر فهو على الطهارة فإن سلبه الإطلاق فمضاف]

فإن خرج بمخالطة طاهر فهو على الطهارة، فإن سلبه الإطلاق فمضاف و إلّا كره الطهارة

____________

(1) لم ترد في نسخة «ألف».

(3) في نسخة ألف: و الحسن.

(5) في نسخة ألف و ب: زيادة.

(6) لم ترد في نسخة ألف.

5

لا خلاف بين المسلمين على ما في المنتهي، أنّ الماء المطلق إذا تغيّر أحد أوصافه الثلاثة بمخالطة جسم طاهر و لم يسلبه إطلاق الاسم، يكون طاهراً مطهّراً، إذا كان الجسم المخالط ممّا لا ينفك عنه الماء عادة، كالتراب و الطحلب (1) و ورق الشجر و الملح و الكبريت الذين يكونان في مقرّه أو ممرّه، و كذا إذا كان التغيّر بمجرد مجاورة الجسم الطاهر لا مخالطته، سواء كان ممّا ينفك عادة أو لا.

و أمّا إذا كان التغيّر بالمخالطة و كان الجسم المخلوط ممّا ينفك (2) عنه الماء عادة كقليل الزعفران مثلًا، فقد انعقد إجماعنا أيضاً على كونه طاهراً مطهّراً، و قد خالف فيه بعض العامّة، فإنّ مالك و الشافعي لا يجوّزان الطهارة به، و عن أحمد روايتان.

و الدليل على الحكمين الأوليين مضافاً إلى إجماع المسلمين: إطلاق الآيات و الروايات و لزوم الحرج و المشقّة، و لأنّ الصحابة (3) كانوا يسافرون و كان أسقيتهم الآدم و هي لا تنفك عن الدباغ المغيّر للماء، و لم ينقل عن أحد منهم الاحتراز عنه.

و على الحكم الثالث مضافاً إلى إجماعنا-: إطلاق الآيات و الروايات.

و يؤيّده أيضاً: ما رواه التهذيب في باب المياه، و الاستبصار في باب الوضوء بنبيذ التمر، عن الكلبي النسّابة أنّه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن النبيذ؟ فقال

____________

(1) في نسخة ألف: الطولب.

(2) في نسخة ب: ممّا لا ينفك.

(3) في نسخة ب: الأصحاب.

6

حلال، فقال: إنّا ننبذه فنطرح فيه العكر (2) و ما سوى ذلك، فقال: شُه شُه (3)، تلك الخمرة المنتنة.

قال: قلت (4): جعلت فداك فأي نبيذ تعني؟ فقال: إنّ أهل المدينة شكوا إلى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) تغيّر الماء، و فساد طبائعهم، فأمرهم أن ينبذوا، فكان الرجل يأمر خادمه أن ينبذ له، فيعمد إلى كفّ من تمر فيقذف به في الشنّ (5)، فمنه شربه، و منه طهوره.

فقلت: فكم كان عدد التمر الذي في الكفّ؟ فقال: ما حمل الكفّ، قلت: واحدة أو اثنتين؟ فقال: ربّما كانت واحدة، و ربّما كانت ثنتين.

فقلت: و كم كان يسع الشنّ؟ فقال: ما بين الأربعين إلى الثمانين إلى [ما] فوق ذلك فقلت: بأيّ الأرطال؟ فقال: أرطال مكيال العراق.

و اعلم أنّ الصدوق (ره) في الفقيه قال: و لا بأس بالتوضي بالنبيذ، لأنّ النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) قد توضأ به و كان ذلك ما قد نبذ فيه تميرات (6) و كان صافياً فوقها فتوضأ به، فإذا غيّر التمر لون الماء لم يجز التوضي به انتهى.

____________

(2) العكر بفتحين: دردي الزيت و دردي النبيذ، و نحوه ممّا خثر و رسب، يقال: عكر الشيء عكراً إذا لم يرسب خائره، و عكّرته تعكيراً: جعلت فيه العكر.

(3) شُه: كلمة استقذار و استقباح.

(4) هكذا في المصدر.

(5) الشنّ: القِربة الخلق.

(6) في نسخة ألف: تمرات.

7

و ظاهر هذا الكلام يخالف ما نقلنا من المنتهي من إجماع أصحابنا على الحكم إلّا أن يحمل التغيّر على سلب الإطلاق، كما في التهذيب و الاستبصار، و استدل عليه [في المنتهي (3)] بحديث مسافرة الصحابة و في جعله من باب الخلط تأمّل.

ثمّ إنّه لو خرج الماء بسبب المخالطة عن الإطلاق فهو مضاف، و حكمه سيجيء إن شاء اللّٰه تعالى. هذا كلّه فيما إذا كان التغيّر بسبب مخالطة الجسم الطاهر أو مجاورته.

و أمّا إذا كان تغيّر الماء من قبل نفسه لطول المكث، فإن سلب عنه الإطلاق، فحكمه حكم المضاف و لو لم يسلب (4) فهو طاهر مطهّر بإجماعنا، كما هو الظاهر من المنتهي و عليه أكثر العامة، و قد خالف ابن سيرين فلم يجوّز الطهارة به، و عندنا تكره الطهارة به.

أمّا الجواز فيدل عليه: الإجماع، و الإطلاقات (5).

و أمّا الكراهة فيدل عليها: ما رواه التهذيب في الباب المذكور، و الاستبصار في باب حكم الماء الكثير، في الحسن، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال في الماء الآجن (6): تتوضّأ منه، إلّا أن تجد ماءً غيره.

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، في باب الماء الذي فيه قلّة، بزيادة فتنز منه

____________

(3) ما بين المعقوفتين لم يرد في ألف.

(4) في نسخة ألف: و لو يسلب.

(5) في نسخة ب: و الإطلاق.

(6) لآجن: الماء المتغيّر الطعم و اللون.

8

في آخرها.

و كذا رواها التهذيب أيضاً، في زيادات باب المياه.

و هذه الرواية كما تدلّ على الكراهة تدلّ على الجواز أيضاً.

و اعلم أنّ ظاهر هذا الكتاب، كراهة الطهارة بالماء المتغيّر مطلقا، سواء تغيّر من قبل نفسه أو بمخالطة جسم طاهر، و هو الظاهر من الإستبصار أيضاً، لكنّ الظاهر من المعتبر، و المنتهى، و الذكرى اختصاص الكراهة بالأوّل فقط.

و ظاهر الحسنة المذكورة يساعد ما في هذا الكتاب، لأنّ أهل اللغة على ما رأيناه في الصحاح، و القاموس، و النهاية فسّروا الأجن بالماء المتغيّر الطعم و اللون و لم يقيّدوا بشيء، لكن نقل بعض مشيخنا (1)، عن بعض أهل اللغة أنّه الماء المتغيّر من قبل نفسه، و هو يقوّي الثاني.

و لا يبعد أن يكون المعتبر في الكراهة، التغيّر الذي يصير سبب النفرة و استكراه الطبع، و أمّا التغيّر الذي ليس كذلك فلا يكون سبباً للكراهة، لما تشعر (2) به رواية الكلبي المذكورة، إلّا أن يحمل على الضرورة، و الأحوط الاجتناب عن التغيّر بأيّ شيء كان، و بأيّ نحو كان، ما لم يكن ضرورة (4).

[و إن خالطه نجس فأقسامه أربعة]

و إن خالطه نجس، فأقسامه أربعة باعتبار اختلاف أحكامها.

[أحدها الواقف القليل]

[و هو ينجس بالملاقاة تغيّر بالنجاسة أو لا]

أحدها: الواقف القليل و هو: ما نقص عن الكرّ و هو ينجس

____________

(1) في نسخة ألف و ب: مشايخنا.

(2) في نسخة ب: كما تشعر.

(4) في نسخة ب: و إن لم يكن ضرورة.

9

بالملاقاة، تغيّر بالنجاسة// (186) أو لا نجاسة القليل بملاقاة النجاسة مع التغيّر بها إجماعي، و يدلّ عليها أيضاً: روايات كثيرة، سنذكر إن شاء اللّٰه تعالى.

و أمّا نجاسته بالملاقاة بدون التغيّر، فهو المعروف بين الأصحاب.

و قد ادّعى الشيخ في الخلاف إجماع الفرقة عليه في مواضع، لكن نقل الأصحاب، عن الحسن بن أبي عقيل الحكم بعدم النجاسة، فكان الشيخ لم يعتدّ به، لشذوذه أو لكون قائله معلوم النسب، أو لتحقق الإجماع قبله أو بعده.

حجّة المشهور روايات:

منها: ما رواه التهذيب، في باب آداب الأحداث، في الصحيح، و كذا الإستبصار، في باب مقدار الماء الذي لا ينجسه شيء، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، و سئل عن الماء تبول فيه الدّواب، و تلغ فيه الكلاب، و يغتسل فيه الجنب؟ قال: إذا كان الماء قدر كرّ، لم ينجّسه شيء.

و قد روى هذا الخبر في الكافي أيضاً، عن محمّد، في باب الماء الذي لا ينجّسه شيء، لكن بغير طريق الشيخ، بأدنى تغيير في المتن.

و التهذيب و الاستبصار أيضاً، روياه بالطريق الآخر مع ذلك التغيّر، لكن لا من الكافي، و إن كان أكثر السند مشتركاً.

10

و منها: ما رواه التهذيب و الاستبصار، في البابين المذكورين، في الصحيح، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجسه شيء.

و منها: ما رواه التهذيب و الكافي، في البابين، في (1) الحسن، عن معاوية (2) بن عمّار قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجسه شيء.

و اعلم أنّ الروايات الواردة بهذا المضمون كثيرة، كادت أن تبلغ حد التواتر، و سنذكر بعضاً (4) آخر منها أيضاً إن شاء اللّٰه تعالى في تحديد الكرّ.

و وجه الاستدلال في الجميع: أنّ مفهوم الشرط دلّ على أنّه، إذا لم يكن الماء كرّاً ينجسه شيء، و لا يمكن أن يحمل على (5) التنجيس بالتغيّر، إذ على هذا لم يبق فرق بين الكرّ و غيره، لأنّ الكرّ أيضاً إنّما (6) ينجس بالتغيّر، كما سيجيء إن شاء اللّٰه تعالى، فلا بدّ من حمله على التنجيس بالملاقاة في الجملة، و لمّا لم يفرق أحد بين أفراد الملاقاة إلّا في بعض الأفراد التي سنذكر إن شاء اللّٰه تعالى فيجب الحكم بالتنجيس بمقتضى هذه الروايات، فيما عدا المواضع المختلف فيها، لئلّا يلزم خرق الإجماع المركب.

____________

(1) في نسخة ألف: في البابين المذكورين في الحسن.

(2) في نسخة «ألف و ب»: في البابين عن معاوية قال.

(4) في نسخة ألف: بعضها.

(5) لم ترد في نسخة ألف.

(6) لم ترد في نسخة ألف.

11

و أورد على هذا الاستدلال أولًا: بمنع حجيّة المفهوم، و فيه ضعف، إذ لا شكّ في حجيته عند عدم فائدة أخرى، و فيما نحن فيه لا فائدة سوى الاشتراط، كما لا يخفى.

و ثانياً: بمنع كون النجاسة في عرفهم (عليهم السلام) بالمعنى المصطلح الآن، إذ (1) يجوز أن يكون بمعنى الاستقذار و الاستكراه، و حينئذٍ لا يثبت نجاسة القليل بالمعنى المصطلح، بل إنّما يثبت استقذاره، و غاية ما يلزم منه، كراهة استعماله بعد ملاقاة النجاسة، و لا نزاع فيه.

و لو سلّم كونها في عرفهم (عليهم السلام) بهذا المعنى فنقول: إنّما يعارضها عمومات دالة على عدم نجاسة الماء ما لم يتغيّر، كما سنذكر في حجة عدم التنجيس، و لا نسلّم أنّ تخصيص العمومات بها أولى من حملها على المجاز، و لو لم يكن أولى، لكان الرجحان مع الثاني، لاعتضاده بالأصل، و الاستصحاب، و العمومات المتقدمة الدالة على طهارة الماء ما لم يعلم أنّه قذر.

و أيّد أيضاً بالاختلاف الوارد في الروايات في تحديد الكرّ، كما ستطلع عليه إن شاء اللّٰه تعالى، فلو لم يكن الأمر على الاستحباب و الأولوية لمّا كان كذلك، كما لا يخفى.

و منها: ما رواه التهذيب في باب المياه، و الاستبصار في باب حكم الماء إذا ولغ فيه الكلب، في الصحيح، عن محمّد، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن الكلب يشرب من الإناء؟ قال: اغسل الإناء. و عن السنّور؟ قال

____________

(1) لم ترد في نسخة ب.

12

لا بأس أن يتوضّأ من فضلها، إنّما هي من السباع.

و منها: ما رواه أيضاً، في البابين، في الصحيح، عن أبي العباس، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن فضل الهرّة و الشاة و البقرة، و الإبل و الحمار و الخيل، و البغال و الوحش و السباع، فلم أترك شيئاً إلّا سألته عنه؟ فقال: لا بأس به، حتّى انتهيت إلى الكلب؟ فقال: رجس نجس لا تتوضّأ بفضله و أصبب ذلك الماء، و اغسله بالتراب أوّل مرّة ثمّ بالماء.

و منها: ما رواه التهذيب، في باب آداب الأحداث، في الصحيح، عن ابن أبي نصر قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل، يدخل يده في الإناء و هي قذرة؟ قال: يكفئ (3) الإناء.

و منها: ما رواه التهذيب، في الزيادات، في باب المياه، و الاستبصار، في باب ماء القليل الذي يحصل فيه النجاسة، في الصحيح، عن عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الدجاجة و الحمامة و أشباههما تطأ العذرة ثمّ تدخل في الماء، يتوضأ منه للصلاة؟ قال: لا، إلّا أن يكون الماء كثيراً قدر كرّ من ماء.

____________

(3) كفأه كمنعه: كبّه و قلبه، كأكفاه.

13

و وجه الاستدلال: أنّ عدم التوضّؤ إمّا لأجل عدم الطهوريّة فقط أو لعدم الطهارة، و الأوّل منتف بالإجماع، فتعيّن الثاني.

و منها: ما رواه التهذيب، في باب تطهير الثياب، في الصحيح، عن عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: و سألته عن خنزير يشرب من إناء الماء، كيف يصنع به؟ قال: يغسل سبع مرّات.

و منها: ما رواه الكافي، في باب النوادر قبل أبواب الحيض، في الصحيح و روياه أيضاً في البابين، لكن لا في الصحيح عن عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن رجل رعف فامتخط، فصار ذلك الدّم قطعاً صغاراً، فأصاب إناءه، هل يصلح الوضوء منه؟ قال: إن لم يكن شيء يستبين في الماء فلا بأس، فإن كان شيئاً بيّناً فلا يتوضّأ منه.

و زاد الكافي في آخره: و سألته عن رجل رعف و هو يتوضّأ، فقطر قطرة في إنائه هل يصلح الوضوء منه؟ قال: لا (3). و هذا أيضاً حجة أخرى.

و منها: صحيحة عليّ بن جعفر المتقدمة في بحث كون الغسل بصاع.

____________

(3) في الوسائل: قطراً صغاراً بدل قطعاً صغاراً.

14

و منها: صحيحة زرارة المتقدمة، في بحث غسل اليدين من المرفقين.

و أورد على هذه الروايات، مثل ما سبق، من عدم الظهور في النجاسة، و مع تسليم الظهور إنّما يحمل على استحباب التنزه منه، جمعاً بين الروايات، [كما يشعر به بعض الروايات (3)] التي سنورد في حجة الخصم، و أيضاً بعضها صريح في التغيّر، و يمكن حمل البعض الآخر عليه على بعد.

و في حديثي الولوغ وجه آخر ظاهر، و هو أن يكون النهي عن الوضوء من فضله و الأمر بصبّه، بناء على دخول اللعاب فيه، و كذا في حديث الخنزير، مع أنّ فيه شيئاً آخر، لأنّه يمكن أن يكون الأمر بغسل الإناء، لأجل نجاسة الإناء بالملاقاة لا الماء، و كذا الحال في صحيحة محمّد.

هذه جملة من الروايات الصحيحة، و عليه روايات كثيرة أيضاً غير صحيحة.

أمّا الموثقات: فمنها: ما رواه التهذيب، في باب آداب الأحداث، و الاستبصار، في// (187) باب الماء القليل يحصل فيه النجاسة، عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: إذا أصابت الرجل جنابة فأدخل يده في الإناء فلا بأس، إن لم يكن أصاب يده شيء من المنيّ.

و منها: ما رواه التهذيب، في الباب المذكور، عن سماعة قال: سألته عن

____________

(3) ما بين المعقوفتين لم يرد في ألف.

15

رجل يمس الطست، أو الركوة (2)، ثمّ يدخل يده في الإناء قبل أن يفرغ على كفّيه؟ قال: يهريق من الماء ثلاث حفنات، و إن لم يفعل فلا بأس، و إن كانت أصابته جنابة فأدخل يده في الماء، فلا بأس به إن لم يكن أصاب يده شيء من المني، و إن كان أصاب يده فأدخل يده في الماء قبل أن يفرغ على كفّيه فليهرق الماء كلّه. و أورد عليهما (4) مثل ما سبق.

و أيّد الحمل على الاستحباب، بما رواه التهذيب، في الباب المذكور، في الموثق، و كذا الإستبصار، في باب غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، عن عبد الكريم ابن عتبة الكوفي الهاشمي، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يبول و لم يمسّ يده اليمنى شيء، أ يدخلها في وضوئه قبل أن يغسلها؟ قال: لا، حتّى يغسلها.

قلت: فإنّه استيقظ من نومه و لم يبل، أ يدخل يده في وضوئه قبل أن يغسلها؟ قال: لا، لأنّه لا يدري حيث باتت يده، فليغسلها (5)، فإنّه محمول على الاستحباب اتفاقاً، فليكن هما أيضاً كذلك.

و الجزء الأخير من هذا الخبر في الكافي أيضاً، في باب الرجل يدخل يده في الماء.

____________

(2) الركوة: إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء، و الجمع ركاء.

(4) في نسخة ألف: عليها.

(5) في الإستبصار: أين باتت بدل حيث باتت

16

و منها: ما رواه أيضاً في باب المياه، عن أبي بصير قال: ليس بفضل السنّور بأس أن يتوضّأ منه و يشرب، و لا يشرب سؤر الكلب إلّا أن يكون حوضاً كبيراً يستسقي و يشرب منه (2)، و فيه أيضاً ما ذكر (3) سابقاً.

و يؤيّد الحمل على الاستحباب استثناء الحوض الكبير من دون تقدير بالكرّ.

و منها: ما رواه في هذا الباب، و الاستبصار في الباب المتقدم، و الكافي في باب الوضوء من سؤر الدوابّ، عن عمّار بن موسى، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سئل عمّا يشرب منه الحمامة؟ فقال: كلّما أكل لحمه يتوضّأ من سؤره و يشرب. و عمّا يشرب منه باز، أو صغر، أو عقاب؟ فقال: كلّ شيء من الطير يتوضّأ ممّا يشرب منه، إلّا أن ترى في منقاره دماً، فإن رأيت في منقاره دماً فلا تتوضّأ منه و لا تشرب.

و زاد الاستبصار: و سئل عن ماء شربت منه الدجاجة؟ قال: إن كان في منقارها قذر، لم تشرب و لم تتوضّأ منه، و إن لم تعلم أنّ في منقارها قذراً توضّأ و اشرب.

و هذه الزيادة في التهذيب أيضاً، في آخر باب تطهير الثياب، في أثناء حديث طويل موثّق، عن عمّار، و فيه أيضاً: و عن ماء يشرب منه باز. إلى

____________

(2) في التهذيب و الاستبصار:" يستقى منه" بدل" يستسقى منه".

(3) في نسخة ألف: ما ذكره.

17

آخره.

و روى الفقيه في باب المياه، زيادة (3) الدجاجة، مرسلة عن الصادق (عليه السلام).

و منها: ما رواه التهذيب في الباب المذكور، و الاستبصار في باب ما ليس له نفس سائلة، عن حفص بن غياث، عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) قال: لا يفسد الماء إلّا ما كانت له نفس سائلة.

و منها: ما رواه التهذيب في الزيادات، في باب المياه، و الفقيه أيضاً في باب المياه قال: و سأل عمّار بن موسى الساباطي أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يجد في إنائه فأرة، و قد توضّأ من ذلك الإناء مراراً، و غسل منه ثيابه، و اغتسل منه، و قد كانت الفأرة منسلخة؟ فقال:

إن كان رآها في الإناء قبل أن يغتسل أو يتوضّأ أو يغسل ثيابه، ثمّ فعل ذلك بعد ما رآها في الإناء، فعليه أن يغسل ثيابه و يغسل كلّ ما أصابه ذلك الماء و يعيد الوضوء و الصلاة، و إن كان إنّما رآها بعد ما فرغ من ذلك و فعله، فلا يمسّ من الماء شيئاً، و ليس عليه شيء، لأنّه لا يعلم متى سقطت فيه، ثمّ قال: لعلّه أن يكون إنّما سقطت في تلك الساعة التي رآها.

____________

(3) في نسخة ب: بزيادة.

18

و منها: ما رواه أيضاً في هذا الباب، عن سعيد الأعرج قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الجرّة، تسع مأة رطل من ماء، يقع فيها أوقية من دم، أشرب منه و أتوضّأ؟ قال: لا.

و في هذه الروايات أيضاً مثل ما ذكر، و يمكن أيضاً حمل أكثرها على التغيّر، سيّما الأخيرة منها.

و منها: ما رواه التهذيب، في باب تطهير المياه، عن عمّار الساباطي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في حديث طويل قال: سئل عن رجل معه إناءان فيهما ماء، وقع في أحدهما قذر لا يدري أيّهما هو، و ليس يقدر على ماء غيره؟ قال: يهريقهما جميعاً و يتيمّم (1).

و روى أيضاً في هذا الباب، عن سماعة مثله.

و الرواية الأخيرة في الإستبصار أيضاً، في باب الماء القليل.

و في الكافي أيضاً، في الباب المتقدم.

و لا يخفى أنّه لا يتوجّه عليهما، ما أورد على ما تقدم، من الحمل على

____________

(1) في قرب الإسناد:" و حضرت الصلاة و ليس يقدر. إلى آخر الحديث"

19

الاستحباب، لأنّ الحكم بالإهراق و التيمّم مع عدم (5) نجاسة الماء، ممّا لا يصحّ على قول، إلّا أن يعترض بجواز الحمل على التغيّر، أو بالقدح في السند.

و أمّا الحسان (6): فمنها: ما رواه التهذيب في باب المياه، و الاستبصار في باب استعمال أسآر الكفّار، و الكافي في باب الوضوء من سؤر الحائض، عن سعيد الأعرج قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن سؤر اليهودي و النصراني؟ فقال: لا.

و فيه أيضاً جواز الحمل على الاستحباب لما تقدّم، مع أنّه قد (7) ورد روايات دالّة على عدم نجاسة سؤرهما، و سنذكر إن شاء اللّٰه تعالى في بحث نجاسة أهل الكتاب.

و منها: ما رواه الكافي، في باب الرجل يدخل يده في الماء، عن أبي بصير، عنهم (عليهم السلام) قال: إذا أدخلت يدك في الإناء قبل أن تغسلها فلا بأس، إلّا أن يكون أصابها قذر بول أو جنابة، فإن أدخلت يدك في الإناء و فيها شيء من ذلك، فأهرق ذلك الماء (8).

و منها: ما رواه الكافي أيضاً في هذا الباب، عن شهاب بن عبد ربّه، عن أبي

____________

(5) لم ترد في نسخة ألف.

(6) في نسخة ألف: و أمّا الحسنات.

(7) لم ترد في نسخة ب.

(8) في الكافي:" دخلت" بدل" أدخلت"، و في الوسائل:" فإن أدخلت يدك في الماء و فيها شيء".

20

عبد اللّٰه (عليه السلام) في الرجل الجنب يسهو، فيغمس يده في الإناء قبل أن يغسله-: أنّه لا بأس إذا لم يكن أصاب يده شيء.

و منها: مضمرة زرارة المتقدمة، في بحث ترتيب الغسل.

و في هذه الروايات أيضاً ما (2) تقدّم.

و أمّا الضعاف: فمنها: ما رواه التهذيب في باب آداب الأحداث، و الاستبصار في باب الماء القليل، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن الجنب يجعل الركوة أو التور (3)، فيدخل إصبعه فيه؟ قال: إن كانت يده قذرة فليهرقه، و إن كان لم يصبها قذر فليغتسل منه، هذا ممّا قال اللّٰه تعالى مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (4).

و منها: ما رواه التهذيب، في باب المياه، عن حريز، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: إذا ولغ الكلب في الإناء فصبّه.

و منها: ما رواه أيضاً في هذا الباب، و الاستبصار في باب حكم الماء إذا ولغ

____________

(2) في نسخة ألف و ب: مثل ما.

(3) التور: إناء من صفر أو حجارة كالاجانة، و قد يتوضّأ منه.

(4) في الإستبصار و الوسائل:" فأهرقه" بدل" فليهرقه".

21

فيه الكلب، عن معاوية بن شريح، قال: سأل عذافر أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) و أنا عنده عن سؤر// (188) السنّور و الشاة و البقرة، و البعير و الحمار، و الفرس و البغل و السباع، يشرب منه أو يتوضّأ منه؟ فقال: نعم، اشرب منه و توضّأ. قال: قلت له: الكلب؟ قال: لا، قلت: أ ليس هو سبع؟ قال: لا و اللّٰه إنّه نجس، [لا و اللّٰه إنّه نجس (5)].

و منها: ما رواه التهذيب في هذا الباب، و الكافي في باب البئر و ما يقع فيها، عن محمّد بن يحيى، رفعه، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: لا يفسد الماء إلّا ما كانت له نفس سائلة.

و منها: ما رواه التهذيب في باب تطهير المياه، و الاستبصار في باب البئر يقع فيها الفأرة، عن عليّ بن حديد، عن بعض أصحابنا، قال: كنت مع أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في طريق مكّة، فصرنا إلى بئر فاستقى غلام أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) دلواً فخرج فيه فأرتان، فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): أرقه، فاستقى آخر، فخرجت فيه فأرة، فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): أرقه، قال: فاستقى الثالث، فلم يخرج شيء فقال: صبّه في الإناء، فصبّه في الإناء.

____________

(5) هكذا في المصادر.

22

و منها: ما رواه التهذيب في الزيادات، في باب دخول الحمّام، و الكافي في باب ماء الحمّام، عن بكر بن حبيب، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ماء الحمّام لا بأس به إذا كانت له مادّة.

و منها: ما رواه الكافي، في الباب المذكور، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: لا تغتسل من البئر التي تجتمع فيها غسالة الحمّام، فإنّ فيها غسالة ولد الزنا، و هو لا يطهر إلى سبعة آباء، و فيها غسالة الناصب و هو شرّهما، إنّ اللّٰه لم يخلق خلقاً شرّاً من الكلب، و إنّ الناصب أهون على اللّٰه من الكلب.

و يرد على هذه الروايات، مثل ما يرد على ما تقدم، مع القدح في السند، و يرد أيضاً على الأخيرة، أنّ قوله (عليه السلام) و هو لا يطهر إلى سبعة أيّام، قرينة على أنّه ليس المراد، النجاسة بالمعنى المصطلح، و أيضاً، المنع عن الغسل يجوز أن يكون لأجل كون الغسالة من المستعمل، لا لنجاستها.

و منها: رواية عليّ بن جعفر (عليه السلام)، المتقدمة في بحث كون الغسل بصاع. و فيها أيضاً، مثل ما تقدم.

هذه حجة المشهور، و سيجيء أيضاً إن شاء اللّٰه تعالى في بحث ماء المطر، عدّة روايات يمكن أن يحتج بها عليه مع ما فيها.

و أمّا ما يمكن الاحتجاج به لابن أبي عقيل فروايات أيضاً

23

منها: ما رواه التهذيب في باب المياه، و الاستبصار في حكم الماء الكثير، في الصحيح (1)، عن حريز بن عبد اللّٰه، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: كلّما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضّأ من الماء و اشرب، فإذا تغيّر الماء، و تغيّر الطعم، فلا توضّأ منه و لا تشرب (2).

و اعترض عليه أوّلًا: بأنّه لا عموم له في المياه، بل العموم باعتبار الغلبة.

و أنت خبير؛ بأنّه لو سلّم أنّ الماء، محمول على طبيعة الماء و يكون [اللام فيه (3)] للطبيعة، فلا وقع لهذا الإيراد، و لو لم يسلّم، بل يحمل اللام على العهد، إشارة إلى الماء الكثير، فلا يخفى أنّه خلاف الظاهر، إذ معهوديته غير ظاهرة.

و ثانياً: بتسليم (4) العموم، و القول بأنّ الروايات السابقة إنّما تخصّصه، و قد مرّ الكلام فيه.

و منها: ما رواه التهذيب في باب آداب الأحداث، و الاستبصار في باب مقدار الماء، في الصحيح، عن أبي خالد القمّاط، أنّه سمع أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول في الماء يمرّ به الرجل و هو نقيع فيه الميتة الجيفة، فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): إن كان الماء قد تغيّر ريحه أو طعمه فلا تشرب و لا تتوضّأ منه، و إن لم يتغيّر ريحه و طعمه فاشرب و توضّأ.

____________

(1) لم ترد في نسخة ألف و ب.

(2) في التهذيب:" أو تغيّر" بدل" و تغيّر"

(3) أثبتنا الزيادة من نسخة ألف و ب.

(4) في نسخة ب: فيسلم.

24

و منها: ما رواه الكافي، في باب الماء الذي فيه قلّة، في الصحيح، عن عبد اللّٰه سنان، قال: سأل رجل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) و أنا جالس عن غدير [أتوه (1)] و فيه جيفة؟ فقال: إذا كان الماء قاهراً و لا يوجد فيه الريح فتوضّأ (2).

و رواه الفقيه مرسلًا، عن الصادق (عليه السلام)، في باب المياه، بأدنى تغيير.

و منها: ما رواه التهذيب، في باب حكم الجنابة، في الصحيح، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، قال: كتبت إلى من يسأله عن الغدير، يجتمع فيه ماء السماء، أو يستقى فيه من بئر، فيستنجي فيه الإنسان من بول، أو يغتسل فيه الجنب، ما حدّه الذي لا يجوز؟ فكتب: لا تتوضّأ من مثل هذا إلّا من ضرورة إليه (4).

وجه الاستدلال: أنّه لو كان نجساً لم يجز الوضوء منه عند الضرورة أيضاً بالاتفاق.

و أورد على هذه الروايات أيضاً بتخصيصها بالكثير.

لا يقال: إنّ الرواية الأخيرة، لا يمكن فيها هذا التخصيص، لأنّه سأل عن حدّ الماء و أجاب (عليه السلام) بأنّه لا يتوضأ إلّا من ضرورة، و هذا يدلّ (5) على أنّه

____________

(1) هكذا في المصدر.

(2) في الوسائل:" حاضر" بدل" جالس".

(4) في التهذيب و الوسائل:" لا توضّأ" بدل" لا تتوضّأ".

(5) في نسخة ب: لا يدل.

25

لا فرق بين قليله و كثيره في الحكم و إلّا لما كان الجواب مطابقاً، لأنّا نقول: لا نسلّم أنّ قوله ما حدّه، سؤال عن قدر الماء، بل عن حدّ حكمه، و المراد بقوله لا يجوز، لا يتعدى فيكون المراد ما حكمه الذي لا يتعدى عنه.

و منها: ما رواه التهذيب في زيادات باب المياه، و الكافي في باب البئر، في الصحيح، عن زرارة، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير، يستسقى به الماء من البئر، هل يتوضّأ من ذلك الماء؟ قال: لا بأس (2).

و اعترض عليه: بحمله على عدم وصول الحبل إلى الماء، و لا يخلو عن بعد. و بأنّه: يمكن أن يكون شعر الخنزير طاهراً، كما هو رأي السيّد، و فيه ضعف.

و منها: ما رواه التهذيب في زيادات باب المياه، و الاستبصار في باب الماء القليل، في الصحيح، عن صفوان بن مهران الجمّال، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الحياض التي ما بين مكّة إلى المدينة تردّها السباع، و تلغ فيها الكلاب، و تشرب منها الحمير، و يغتسل فيها الجنب، و يتوضّأ منها؟ قال: و كم قدر الماء؟ قلت: إلى نصف الساق و إلى الركبة. فقال: توضّأ منه (3).

و فيه نظر ظاهر، لجواز أن يكون الحياض المذكورة، إذا كان مائها بقدر نصف الساق يكون كرّاً، بل سؤاله (عليه السلام) عن قدر الماء يدلّ على خلاف المراد، إذ لو لم ينجس القليل بالملاقاة، لمّا احتاج إلى السؤال، إلّا أن يقول: السؤال

____________

(2) في التهذيب:" أ يتوضّأ" بدل" هل يتوضّأ"

(3) في الإستبصار:" و يغتسل منها الجنب".

26

لأجل أنّه إذا كان دون الكرّ، نهاه عن الوضوء تنزيهاً.

ثمّ إنّ الكافي روى هذا الخبر في الباب المتقدم، و زاد فيه بعد قوله:" و إلى الركبة"" و أقلّ"، و على هذا يصير دلالته على المراد ظاهرة، لكنّ سنده على ما فيه غير صحيح.

و أيضاً: يمكن أن يقال: المراد من الأقلّ، أقلّ من الركبة، لا أقلّ من نصف الساق أيضاً، و لا يخفى أنّه لو لم يحمل الأقلّ على هذا، يشكل توجيه سؤاله (عليه السلام) عن القدر، ثمّ جوابه بما أجاب.

و منها: ما رواه التهذيب، في باب المياه، في الموثق، عن سماعة، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يمرّ بالماء و فيه دابّة ميتة قد أنتنت؟ قال: إن كان النتن الغالب على الماء فلا// (189) يتوضّأ و لا يشرب.

و منها: ما رواه أيضاً في زيادات باب المياه، في الموثق، عن سماعة قال: سألته عن الرجل يمرّ بالميتة في الماء؟ قال: يتوضّأ من الناحية التي ليس فيها الميتة.

و منها: ما رواه أيضاً في هذا الباب، و الاستبصار في باب الماء القليل، في الموثق، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): إنّا نسافر، فربّما

27

بلينا بالغدير من المطر يكون إلى جانب القرية، فتكون فيه العذرة، و يبول فيه الصبي، و تبول فيه الدابّة و تروث؟ فقال: إن عرض في قلبك منه شيء فقل هكذا، يعني أفرج الماء بيدك، ثمّ توضّأ، فإنّ الدّين ليس بمضيّق، فإنّ اللّٰه تعالى يقول مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.

و ردّ عليها أيضاً بعد القدح في السند أنّها مخصّصة بالكثير.

و منها: ما رواه التهذيب في أواخر باب حكم الجنابة، و الاستبصار في باب الجنب ينتهي إلى البئر، و الكافي في باب الماء الذي فيه قلّة، في الحسن، بإبراهيم، عن محمّد بن ميسر قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق، و يريد أن يغتسل منه، و ليس معه إناء يغرف به، و يداه قذرتان، قال: يضع يده و يتوضّأ و يغتسل، هذا ممّا قال اللّٰه عزّ و جلّ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (4).

و ردّ بعد القدح في السند، بحمل القليل على العرفي لا الشرعي، أو على الجاري القليل، و كلاهما خلاف الظاهر كما لا يخفى.

و اعترض أيضاً، بمنع كون القذر بمعنى النجس، و هو أيضاً بعيد، و على هذا دلالته على المطلوب ظاهرة.

____________

(4) في التهذيب:" يغترف" بدل" يغرف"

28

نعم، يخدشها عدم صحّة السند، لكن لا يخفى أنّ سنده و إن لم يكن صحيحاً بالمعنى المصطلح، لكنّه معتبر جدّاً صالح للاعتماد، لو لا تطرق خدشة ضعيفة باعتبار اشتراك محمّد.

و منها: ما رواه التهذيب في باب آداب الأحداث، و الاستبصار في باب الماء القليل، عن عثمان بن زياد قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أكون في السفر فآتي الماء النقيع، و يدي قذرة، فأغمسها في الماء؟ قال: لا بأس.

و منها: ما رواه التهذيب في الباب المذكور، و الاستبصار في باب مقدار الماء الذي لا ينجّسه شيء، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنّه سئل عن الماء النقيع تبول فيه الدوابّ؟ فقال: إن تغيّر الماء فلا تتوضّأ منه، و إن لم تغيّره أبوالها فتوضّأ منه، و كذلك الدم إذا سال في الماء و أشباهه.

و منها: ما رواه الكافي، في الباب المتقدم، عن حريز، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنّه قال: كلّما غلب الماء ريح الجيفة فتوضّأ و اشرب.

و منها: ما رواه الكافي أيضاً في هذا الباب، و التهذيب في زيادات باب المياه، عن عليّ بن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الماء

29

الساكن، و الاستنجاء منه و الجيفة فيه؟ فقال: توضّأ من الجانب الآخر، و لا تتوضّأ من جانب الجيفة (2).

و رواه الفقيه أيضاً مرسلًا، عن الصادق (عليه السلام)، في باب المياه.

و منها: ما رواه التهذيب في باب المياه، و الاستبصار في باب حكم الماء إذا ولغ فيه الكلب، عن ابن مسكان، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن الوضوء ممّا ولغ الكلب فيه و السنّور، أو شرب منه جمل، أو دابّة، أو غير ذلك، أ يتوضّأ منه أو يغتسل؟ قال: نعم، إلّا أن تجد غيره فتنزّه عنه.

و ردّ هذه الروايات أيضاً بالضعف، و الحمل على الكثير.

و اعلم أنّ العلّامة (ره)، حكم في المنتهي بصحّة الرواية الأخيرة، لكنّ الظاهر أنّها ليست كذلك، لأنّ في سندها حسين بن سعيد عن ابن سنان، و الظاهر أنّه محمّد كما يظهر من تتبع الروايات، و لا أقلّ من الاشتراك.

و منها: ما رواه التهذيب في زيادات باب المياه، و الاستبصار في باب مقدار الماء، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: راوية من الماء سقطت فيها فأرة، أو جرذ، أو صعوة ميتة؟ قال: إذا تفسّخ فيها فلا تشرب من مائها، و لا تتوضّأ، و صبّها، و إن كان غير متفسّخ فاشرب منه و توضّأ، و اطرح الميتة إذا أخرجتها طريّة، و كذلك الجرّة، و حبّ الماء،

____________

(2) في التهذيب:" و الاستنجاء منه فقال".

30

و القربة، و أشباه ذلك من أوعية الماء.

قال: و قال أبو جعفر (عليه السلام): إذا كان الماء أكثر من راوية، لم ينجّسه شيء، تفسّخ فيه أو لم يتفسّخ، إلّا أن يجيء له ريح يغلب على ريح الماء.

فإن قلت: هذا لا يوافق مذهب ابن أبي عقيل أيضاً، لأنّه إذا تنجّس القليل بالملاقاة، لم يكن فرق بين التفسخ و عدمه.

قلت: كأنّه إذا تفسّخ يستلزم تغيّر بعض الماء، و إن لم يظهر على الحسن بمخالطته بالأجزاء الأخرى و قلّته، و لمّا لم يتميز الأجزاء المتغيرة عن الأجزاء الغير المتغيرة، يجب صبّ الجميع.

و أيضاً: يمكن أن يكون النهي عن التوضؤ عند التفسخ للتنزيه. و ردّ هذه الرواية أيضاً بالضعف، و بالحمل على الكثير.

و اعترض الشيخ في التهذيب على هذا الحمل، بأنّ الجرّة و الحبّ و القربة، كيف يمكن أن يسع الكرّ؟

ثمّ أجاب بأنّه ليس في الخبر أنّ جرّة واحدة ذلك حكمها، بل ذكرها بالألف و اللام، و ذلك يدلّ على العموم، عند كثير من أهل اللغة.

و لا يخفى ما فيه: لأنّه على تقدير العموم، يكون المعنى أنّ كل جرة كذلك، و هذا لا ينفعه، إنّما ينفعه أن يحمل الجرة على مائها، و يحمل اللام على الجنس،

31

و فيه من التكلّف ما لا يخفى، و أيضاً في الحمل على الكثير شيء آخر، إذ على هذا، لا فرق بين التفسخ و عدمه.

[و الشيخ حمله على التغيّر و عدمه (1)]، و فيه تكلّف، لأنّ عجز الرواية يأبى عنه، نعم يمكن الحمل على الاستحباب و التنزّه على قياس ما ذكرنا.

و اعلم أنّ جمعاً من الأصحاب ذكروا، في جملة احتجاجات ابن أبي عقيل، ما روي عن الباقر (عليه السلام) قال: سئل عن الجرة و القربة، تسقط فيهما فأرة أو جرذ أو غير ذلك، فتموت فيهما؟ قال: إذا غلبت رائحته على طعم الماء، أو لونه فأرقه، و إن لم تغلب فاشرب منه و توضأ، و ردّوه بالضعف.

و ذكر العلّامة [في المنتهي (2)]، أنّ راويه عليّ ابن حديد، و لم نجد في الكتب الأربعة رواية عليّ بن حديد بالنحو الذي ذكروه، و إنّما وجدنا على ما نقلنا آنفاً، و كأنّها كانت في كتاب آخر، و اللّٰه أعلم.

و منها: ما رواه التهذيب، في الباب المذكور، عن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن جلد الخنزير يجعل دلواً يستقى به الماء؟ قال: لا بأس.

و رواه الفقيه أيضاً، في باب المياه، مرسلًا، عن الصادق (عليه السلام).

و ردّ بالضعف، و بأنّه، لا دلالة له على المدّعى، لجواز أن يكون الاستسقاء

____________

(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في ألف.

(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في ألف.

32

لأجل الزرع، و سقي الدّواب و شبه ذلك، لا للوضوء و الشرب.

لا يقال: يكون السؤال حينئذٍ لغواً، لأنّ الانتفاع بالميتة مطلقا في محلّ التردد أنّه، هل يجوز أم لا، فسأل عن ذلك.

و منها: ما رواه التهذيب أيضاً في الباب المذكور، و الاستبصار في باب البئر يقع فيها العذرة، عن أبي مريم الأنصاري، قال: كنت مع أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في حائط له، فحضرت// (190) الصلاة، فنزح دلواً للوضوء من ركيّ له، فخرج عليه قطعة عذرة يابسة، فأكفأ (3) رأسه و توضّأ بالباقي (4).

و ردّ أيضاً بالضعف، و بحمل العذرة على عذرة ما يؤكل لحمه.

و فيه ضعف، لأنّها فسّرت في اللغة بغائط الإنسان.

و منها: ما رواه التهذيب في هذا الباب، و الاستبصار في باب الماء القليل، عن العلاء بن الفضيل قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الحياض يبال فيها؟ قال: لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول.

و ردّ أيضاً بالضعف، و بالحمل على الكرّ، و هو قريب.

و منها: ما رواه التهذيب، في الباب المذكور، عن إسماعيل بن مسلم، عن جعفر، عن أبيه، أنّ النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) أتى الماء، فأتاه أهل الماء فقالوا

____________

(3) أكفأ الشيء: أماله.

(4) في التهذيب:" فأكفى برأسه".

33

يا رسول اللّٰه إنّ حياضنا هذه تردّها السباع، و الكلاب، و البهائم؟ قال: لها ما أخذت بأفواهها، و لكم سائر ذلك.

و ردّ بالضعف، و بجواز (3) أن يكون الحياض المذكورة كرّاً.

و أنت خبير، بأنّ عموم لها ما أخذت، كاف في المطلب و إن كانت الحياض كرّاً، إلّا أن يقال: أنّه بناء على الغالب، من عدم أخذها ما يخرجها عن الكريّة.

و منها: ما رواه التهذيب في باب المياه، و الكافي في باب الوضوء من سؤر الحائض، عن الوشّاء، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أنّه كره سؤر ولد الزناء، و سؤر اليهودي و النصراني، و المشرك، و كلّ ما خالف الإسلام، و كان أشدّ [ذلك (4)] عنده سؤر الناصب.

و ردّ بالضعف، و بأنّ الكراهة في عرفهم (عليه السلام) إنّما (5) يستعمل كثيراً بمعنى الحرمة، أو الأعمّ منها.

و منها: ما رواه الكافي، في باب الرجل يدخل يده في الماء، عن بكار بن أبي بكر قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): الرجل يضع الكوز الذي يغرف به [من] الحبّ في مكان قذر، ثمّ يدخله الحبّ؟ قال: يصبّ من الماء ثلاثة أكفّ، ثمّ يدلك الكوز.

____________

(3) في نسخة ألف: و يجوز.

(4) هكذا في المصادر.

(5) لم ترد في نسخة ألف و ب.

34

و ردّ بالضعف، و باحتمال الحمل على الكثير، أو أن لا يكون أسفل الكوز رطباً، أو لا يكون القذر بمعنى النجس، و الكلّ لا يخلو عن بعد.

و منها: ما رواه الكافي، في باب اختلاط ماء المطر بالبول، عن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أغتسل في مغتسل يبال فيه، و يغتسل من الجنابة، فيقع في الإناء ما ينزو من الأرض؟ فقال: لا بأس به.

و ردّ أيضاً بالضعف، و بأنّه لا دليل فيه على عدم التنجس مطلقا كما هو المدعى، بل على (1) عدم تنجسه (2)، إذا كان وارداً على النجاسة، كما هو مذهب السيّد (ره).

هذا ما وجدنا ممّا يصلح (3) الاحتجاج به على الطرفين، و قد عرفت إمكان المناقشة في الجميع، و لو لم يكن الشهرة العظيمة بين الأصحاب، لأمكن القول بعدم التنجس، و تأويل الروايات الدالة على خلافه بما مرّ (4)، للأصل، و الاستصحاب، و الروايات المنقولة الدالة عليه، و إن كان يمكن المناقشة في كلّ منها، لكن يحصل من المجموع ظن صالح بالمراد، خصوصاً مع تأييدها بالاختلاف الواقع، في باب الكرّ كما أشرنا إليه.

و شيوع استعمال الأوامر و النواهي في عرفهم (عليه السلام) في الاستحباب و التنزيه، و كذا شيوع استعمال الطهارة، و النجاسة في غير المعنى المصطلح،

____________

(1) لم ترد في نسخة ألف.

(2) في نسخة ألف: تنجيسه.

(3) في نسخة ألف: لا يصلح.

(4) في نسخة ب: مما مرّ.

35

و سيجيء طرف منه، في بحث البئر إن شاء اللّٰه تعالى.

نعم، ما يشكل حمله على الاستحباب و التنزيه، من الروايات السابقة، موثقتا عمّار، و سماعة، المتضمنتان للإهراق و التيمّم، لكن أمرهما أيضاً سهل، لعدم صحتهما، و إمكان الحمل على التغيّر، لأنّ السؤال فيهما عن حكم الاشتباه، و ليس سبب التنجّس (5) متطوراً، حتّى يكون إطلاق وقوع القذر مخالفاً ظاهراً للحمل على التغيّر، و أيضاً الغالب أنّ القذر يغيّر جزء من الماء، و عند تغيّره لا يمكن استعمال ذلك الماء، فيجب الصبّ، فيكون الأمر بالإهراق، محمولًا على الغالب، و يمكن إجراء هذا الوجه الأخير في بعض الروايات الأخرى أيضاً.

لكن مع هذا كلّه، الأولى متابعة المشهور، و اقتفاء الجمهور، سيّما مع تضمنه غالباً، الاحتياط في الدّين و حصول البراءة باليقين، و إن كان في (6) بعض الأوقات يتعارض الاحتياطان، بل قد يصير الاحتياط في خلافه، كما لا يخفى، و الاحتياط في الصورة الأخيرة، أن يتطهر بهذا الماء، ثمّ يتيمم.

ثمّ اعلم، أنّ الظاهر من كلام الأصحاب أنّه، لا فرق في تنجس القليل، بين ملاقاته بالنجاسة و المتنجس.

و يمكن الاستدلال عليه أيضاً، بظاهر بعض الروايات السالفة (7) المتضمنة للتنجس بسبب إدخال اليد فيه، و إن كان يمكن حمله على بقاء عين النجاسة فيها، و بالجملة، الأولى تعميم الحكم، و اللّٰه أعلم بحقائق أحكامه.

____________

(5) في نسخة ألف و ب: التنجيس.

(6) في نسخة ألف: و إنّ فيّ.

(7) في نسخة ب: السابقة.

36

كانت النجاسة دماً، لا يدركه الطرف على الأصح أو لا المشهور بين القائلين بنجاسته القليل بالملاقاة، عدم التفرقة بين نجاسته و نجاسة، (عبارت به دقت ملاحظة گردد) و بين قليلها و كثيرها.

و الشيخ في المبسوط، حكم بعدم نجاسته، بما لا يمكن التحرز منه، مثل رؤوس الإبر من الدّم و غيره، فإنّه معفو عنه، لأنّه لا يمكن التحرز منه.

و استدل أيضاً على مختار الشيخ: بصحيحة عليّ بن جعفر المتقدمة، في البحث السابق المتضمنة لامتخاط الرعاف.

و اعترض عليه: بأنّها لا ظهور لها في الوصول إلى الماء.

لا يقال: إن لم يصل إلى الماء، فلا وجه للسؤال، سيّما مع عظم شأن السائل، لأنّه لا يمكن أن يكون السؤال في موضع يكون الوصول إلى الإناء متيقناً، و الوصول إلى الماء مشكوكاً، أو مظنوناً، و لا ريب أنّ في هاتين الصورتين، سيّما الأخيرة، للسؤال مجالًا، فحينئذٍ يكون جواب الإمام (عليه السلام)، أنّه إذا كان يرى شيء في الماء، و يحصل اليقين بالوصول فينجس الماء، و إلّا فلا.

و لا يخفى، أنّ هذا أيضاً لا يخلو من خدشة، إذ لا حاجة حينئذٍ إلى بيان أنّ في صورة اليقين بالوصول ينجس الماء، لكنّ الأمر سهل.

فإن قلت: قد تقرّر، أنّ النفي إنّما يرجع إلى القيد، إذا كان في الكلام قيد، فحينئذٍ يكون النفي في قوله (عليه السلام) إن لم يكن شيء يستبين في الماء راجعاً إلى الاستبانة التي يكون صفة لشيء، فيفهم منه ظاهراً وجود شيء في

37

الماء، لكن غير ظاهر.

قلت: يمكن أن يكون يستبين، خبراً لكان، لا صفة لشيء، فحينئذٍ لا دلالة.

فإن قلت: ما تقول في قوله (عليه السلام)، فإن كان شيئاً بيّنا، لأنّ شيئاً خبر لكان، و اسمه، الشيء الذي في الماء، و حينئذٍ يتمّ الدلالة، كما لا يخفى.

قلت: يجوز أن يكون اسمه، الشيء الذي امتخط فأصاب الإناء، و لم يعلم (1) وصوله إلى الماء، فيصير المعنى، فإن [كان الشيء (2)] الذي امتخط شيئاً يظهر في الماء، فلم يتوضأ (3)، و مفهومه أنّه إذا لم يكن شيئاً يظهر في الماء، فلا بأس، و على قاعدة رجوع النفي [إلى القيد، يرجع (4)] إلى الظهور في الماء، لا إلى كونه شيئاً، و هذا ليس ينفعكم، فافهم.

و استشهد لهذا الاعتراض، بالرواية الأخرى عنه أيضاً// (191) المنقولة سابقاً عن الكافي.

و فيه نظر، لأنّ هذه الرواية إنّما تدلّ على التنجّس بالقطرة من الدم، و مثل ما ذكره الشيخ، لا يسمّى قطرة، و أيضاً يرد على هذا الاستدلال، أنّه على تقدير تمامه، إنّما يدلّ على الدم فقط، فإجرائه في غيره كما هو مختار المبسوط، لا بدّ له من دليل، و سيجيء لهذا تتمّة في بحث النجاسات إن شاء اللّٰه تعالى.

و أجيب عن استدلاله الأوّل، بعدم إمكان التحرّز بالمنع، [إن أريد معناه

____________

(1) في نسخة «ب»: و لم يظهره.

(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في ألف.

(3) في نسخة ب: فلا يتوضأ.

(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في ألف.

38

الظاهر (1)]، و إن أريد به (2) المشقة، فربّما يمنع أيضاً، و لو سلّم، فوصولها إلى حدّ يكون حرجاً متيقناً (3) في الدّين، غير مسلم.

و احتج القائلون بالنجاسة، بأنّ القليل قابل للنجاسة، و الدّم نجس و كذا غيره، فيثبت التنجيس.

و لا يخفى أنّ هذا الاستدلال، إنّما كان متجهاً، لو ثبت عموم تنجّس القليل، و قد ظهر ممّا سبق أنّه ليس كذلك، إذ غاية ما تدلّ (4) عليه، الروايات المتضمنة لحديث الكرّ، الدالة بمفهومها على نجاسة القليل، تنجّسه بالملاقاة في الجملة.

و أمّا العموم فلا، إذ لا عموم لمفهومها، و ما يقال: إنّه لو لم يكن عاما، لخلي عن الفائدة التامّة، و هو غير جائز على الحكيم غير مسلم، إذ وجود الفائدة التامّة في المنطوق كاف، و الروايات الدّالة بالمنطوق، كانت مختصة ببعض الموارد، و لا عموم لها أيضاً، و إنّما كان التعدي إلى غير هذه الموارد، باعتبار عدم القول بالفصل، و لمّا وجد فيما نحن فيه القول بالفصل، كان إجراء الحكم فيه مشكلًا.

فإن قلت: صحيحة علىّ المتقدمة، في بحث نجاسة القليل المتضمنة لدخول الدجاجة التي تطأ (5) العذرة [في الماء (6)] ظاهرة في العموم.

قلت: ظهورها أيضاً في العموم ممنوع، لأنّ الماء في قول السائل، ثمّ تدخل في الماء، جنس معرّف باللّام، و هو ليس في حدّ صيغ العموم، بل إنّما يحمل

____________

(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في ألف.

(2) لم ترد في نسخة ب.

(3) في نسخة ألف: منتفياً. و في نسخة ب: منفياً.

(4) في نسخة ب: يدلّ.

(5) في نسخة ألف و ب: قطأ.

(6) ما بين المعقوفتين لم يرد في ألف.

39

عليه (1)، في كلام الحكيم عند تقنين القوانين، حيث لا عهد و لا تعارض لبعض الأفراد، حذراً عن اللغو، و هاهنا ليس كذلك، إذ السؤال عن دخول الدجاجة و الحمامة، قرينة على أنّ المراد، المياه التي يتعارف كونها في الدّور و المساكن، من مياه الأواني و الظروف و أشباهها، فتأمّل على أنّ تعميم الماء، لا ينفع في مسألتنا هذه، إذ النافع فيها تعميم النجاسة، كما لا يخفى. لكن مع ذلك، الأولى، متابعة المشهور، و الاحتياط.

و بما نقلنا عن المبسوط، ظهر أنّ الأولى، أن يضمّ المصنف غير الدّم أيضاً من النجاسات إليه، كأنّه نظر إلى الاستبصار، إذ فيه ذكر الدّم فقط، لكنّ الظاهر أنّه (2) أيضاً لا اختصاص له بالدّم، بل يحتمل حمله على ما يوافق المبسوط احتمالًا قريباً، كما لا يخفى على الناظر فيه.

[و طهره بإلقاء كرّ عليه دفعة يزيل تغيّره]

و طهره بإلقاء كرّ عليه دفعة يزيل تغيّره إن كان و لو لم يزله، افتقر إلى كرّ آخر و هكذا اعلم أنّه لا يوجد في روايات أصحابنا (رحمهم اللّٰه تعالى) نصّ في تطهير المياه النجسة، سوى رواية دالّة على تطهير الجاري بعضه بعضاً، و كذا ماء الحمّام كما سنذكر إن شاء اللّٰه تعالى فيما بعد و الروايات المختصّة بالبئر، بل الظاهر من رواية الماء يطهّر و لا يطهّر المتقدمة عدم إمكان تطهير

____________

(1) لم ترد في نسخة ألف.

(2) لم ترد في نسخة «ألف».

40

الماء، إلّا أن يحمل على أنّه لا يطهّر بغيره.

لكنّ الأصحاب (ره) ذكروا وجوهاً لتطهير الماء، كما سنشرح مفصلًا إن شاء اللّٰه تعالى مع ما يتعلّق بها من الأبحاث.

أمّا الماء القليل: فإن كان نجاسته بالملاقاة فقط بدون تغيّر، فذكروا، أنّ من جملة مطهّراته، إلقاء كرّ عليه دفعة، و إن كان نجاسته بالتغيّر، فبإلقاء كرّ أيضاً، فإن زال تغيّره به، فلا حاجة إلى شيء آخر، و إن لم يزل، فلا بدّ من إلقاء كرّ آخر، و هكذا.

و لا يخفى، أنّهم لم يوجبوا إلقاء الكرّ في زوال التغيّر، بل لو أزيل بغير الماء، أو بالماء القليل، أو زال بنفسه، كفى حينئذٍ إلقاء كرّ عليه، و إن كان ظاهر بعض عباراتهم كعبارة المتن، يوهم خلافه.

و استدلوا على تطهيره بإلقاء الكرّ: بأنّ الماء الطاري لكونه كرّاً، لا يقبل النجاسة، و النجس مستهلك به، فيطهر.

و لا يخفى ما فيه من الضعف، لأنّ مرادهم بالاستهلاك، إن كان الاستهلاك حقيقة (1) بمعنى انعدامه و فنائه، فبطلانه ظاهر، و إن كان الاستهلاك بحسب الحسّ و العرف، ففيه أولًا: أنّه ليس بمسلم، خصوصاً إذا كان القليل النجس أنقص من الكرّ بقليل، و هو ظاهر.

و ثانياً: أنّه لو سلّم الاستهلاك الحسّي، فما الدليل على طهارته بذلك، إذ الدليل لو تمّ، لدلّ على الطهارة بالاستحالة، كما سيجيء إن شاء اللّٰه تعالى، مع أنّ الأصل،

____________

(1) في نسخة ألف حقيقة.

41

بقاء النجاسة حتّى يثبت مزيلها، سيّما على رأيهم من حجيّة الاستصحاب مطلقا، و إذ قد عرفت ضعف الاستدلال، فالذي يمكن أن يعوّل عليه في هذا الباب، اتفاق الأصحاب، إذ لم ينقل لأحد فيه خلاف.

ثمّ إنّ هيهنا أموراً، لا بدّ من التنبيه عليها.

الأوّل: أنّه، هل يشترط في التطهير، الامتزاج مع كرّ طاهر أو لا؟ بل يكفي الاتصال به؟

ذهب المحقق في المعتبر، [و العلّامة في التذكرة، و المصنف في الذكرى، إلى عدم تطهيره بالاتصال (1)]، و العلّامة في التحرير، و النهاية، و المحقق الشيخ عليّ، و الشهيد الثاني (رحمهم اللّٰه)، على الاكتفاء بالاتصال، و في المنتهي، كالمتردد.

و احتج على الاكتفاء بالاتصال بوجوه: الأوّل: أنّ الاتفاق، واقع على أنّ تطهير ما نقص عن الكرّ بإلقاء الكرّ عليه، و لا شكّ أنّ المداخلة ممتنعة، فالمعتبر إذن، الاتصال الموجود هيهنا، توضيحه، أنّ حال إلقاء الكرّ عليه، إمّا أن يلاقي جميع أجزائه ماء الكرّ، و هو محال، لامتناع التداخل، الّا على القول بالجزء الذي لا يتجزى، و هو باطل، و على تقدير وجوده، نقول: إن كان المعتبر، ملاقاة الجميع، فلا بدّ لا أقل من حصول الظنّ بها في الطهارة، و لا شكّ أنّه لا ظنّ فيما نحن فيه بملاقاة الأجزاء بالأسر، بل لا يبعد ادّعاء الظنّ، بل العلم بعدمها.

____________

(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في ألف.

42

و إمّا أن لا يلاقي جميع الأجزاء، بل بعضها فقط، فلم يكن المطهّر للبعض الآخر وصول الماء إليه، بل مجرّد اتصاله بما يصل إلى الماء، و لا يخفى أنّ عند اتصاله بالكرّ أيضاً هذا المعنى حاصل، لأنّ بعضه متصل بالكرّ، و البعض الآخر متصل بذلك البعض، فيجب أن يكون كافياً في التطهير.

الثاني: أنّ الأجزاء الملاقية للكثير يطهر بمجرد الاتصال قطعاً، لطهورية الماء، فتطهر (1) الأجزاء المتّصلة بذلك الإجزاء أيضاً، لاتصالها بالكثير الطاهر، لأنّ الأجزاء الأول، صارت طاهرة و هي مع الكرّ المفروض أولًا بمجموعهما كرّ طاهر، و الأجزاء الثواني متّصلة بذلك المجموع، و هكذا. الثالث: الأصل.

و يرد على الأوّل: إنّا نختار الثاني، و نقول: أنّ طهارة بعض الأجزاء، باتصاله بما يصل إلى الماء، لا يستلزم الاكتفاء بمطلق الاتصال، لجواز// (192) أن يكون ملاقاة أكثر الأجزاء، أو القدر المعتدّ به منها، لها مدخل في الطهارة.

و بالجملة: التطهير إنّما هو أمر شرعي، لا مدخل للعقل فيه، و قد ثبت بالإجماع، أنّ الإلقاء دفعة مطهّر، فالتعدّي إلى غيره ممّا لا نصّ فيه ليس بجائز، و إن لم يظهر (2) لنا الفرق بينهما، لما عرفت من عدم مدخلية العقل في هذه الأمور، فكيف مع ظهور الفرق، إذ ما لا يدرك كلّه، لا يترك كلّه، فلمّا لم يكن الملاقاة بالأسر، فلا أقلّ من ملاقاة الأكثر أو القدر المعتدّ به.

____________

(1) في نسخة ألف و ب: فيطهر.

(2) في نسخة ألف: و إن يظهر.

43

و على الثاني: أنّ عموم طهورية الماء غير على طهوريته في الجملة أولًا إذ مع انتفاء آل دفعة يخرج)) 0! بالنجس و هكذا فلا يفيد التطهير فلا بدّ من الدفعة لئلّا يخرج.

عن استواء السطح [و لم ينفعل عن النجاسة، و إن لم يعتبر استواء السطح (2)]، و اعتبر الممازجة، فحينئذٍ أيضاً لا يلزم الدفعة، بل لا بدّ من شيوع أجزائه فيه، و إن لم يدخل جميع الكرّ// (193) فإن لم يكن متغيّراً، فيكفي الشيوع (3).

و إن كان متغيراً، فيجب أن يزول التغيّر بشيوعه، بشرط أن لا يتغيّر ماء الكرّ، أو يزيد (4) على الكرّ بقدر الأجزاء المتغيّرة، و إذ قد عرفت هذا، فيمكن أن يكون اكتفاء المصنف في الذكرى بالاتصال، بناء على عدم اعتبار استواء السطح، و يمكن أن يكون مراده بالاتصال، الدفعة.

____________

(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في ألف.

(3) في نسخة ألف: الشرع.

(4) في نسخة ألف: يزيل.

44

و قد حمل الشهيد الثاني، الدفعة في كلام العلّامة على الاتصال، نظراً إلى أنّ إلقائه متفرقاً بحيث يقطع بين أجزائه يوجب تعدّد دفعات الإلقاء، و مع اتصال بعضه ببعض، يصدق الدفعة.

و قد قيل بأنّه: لا حاجة إلى هذا الحمل، لأنّ كلامه في الحمّام يعطي الحكم باشتراط استواء السطح، و هو بعيد، إذ الظاهر من كلماته كما سنذكر إن شاء اللّٰه تعالى عدم اعتباره، الاستواء، بل إنّما يقول بتقوّي الأسفل بالأعلى، و توجيه كلامه في الحمّام سيجيء إن شاء اللّٰه تعالى.

فإن قلت: فعلى هذا، هل يجب حمل كلام العلّامة (ره) على ما حمل عليه الشهيد الثاني (ره)، أم يمكن حمله على معناه التبادر؟

قلت: لا، بل يمكن حمله على المتبادر، لأنّه (ره)، إمّا أن يكتفي بالاتصال في التطهير، كما في بعض كتبه أم لا، فإن اكتفى بالاتصال، فيمكن أن يكون مراده به، الاتصال الذي يحصل به الوحدة، و يعتقد أنّه إنّما يتحقق عند استواء السطوح، فعند الالتقاء تدريجاً، لا يحصل ذلك الاتصال، و إن لم ينجس أجزاء الكرّ، لتقوّيها بالأعلى.

لا يقال: إنّ الحكم بتقوّي الأسفل بالأعلى، يدلّ على أنّ الوحدة عنده يحصل بدون استواء السطوح، لأنّه ممنوع، إذ يجوز أن يكون لأمر آخر، أ لا يرى (1) أنّه لم يقل بتقوّى الأعلى بالأسفل، و لو كان بناء الحكم على الوحدة، لما كان فرق بين الصورتين ظاهراً، و إن لم يكتف بالاتصال، فيظهر حاله عن قريب.

____________

(1) في نسخة ألف: لا يرى.

45

ثمّ اعلم، أنّ في بعض ما ذكر من التفصيل نظراً، و هو أنّه، إن لم تعتبر المساواة، و لا الممازجة، فحينئذٍ لا يشترط الدفعة مطلقا (2) (ممنوع، لما ذكرت آنفاً. نعم، لو اكتفى بالاتصال مطلقا، لكان الظاهر ما ذكر.

و أيضاً أنّ (3) في (4) صورة اعتبار الممازجة، يكفي دخول الماء فيه بقدر أن يحصل الامتزاج، و لا يلزم دخول جميع الكرّ، ممّا لا دليل عليه، لما عرفت سابقاً، من أنّ النصّ في باب التطهير مفقود، سوى ما ذكر، و الأصل، بقاء النجاسة حتّى يثبت مزيلها، و غاية ما ثبت، الإجماع على التطهير بإلقاء الكرّ دفعة، و الظاهر منه، وجوب دخول جميع أجزاء الكرّ.

و الحاصل: أنّ الإجماع في غير صورة دخول جميع الأجزاء، ممنوع، و القائلون باعتبار الممازجة، لا يعلم أنّهم يكتفون بممازجة بعض أجزاء الكرّ، أو يعتبرون ممازجة جميعه، بل الظاهر من كلماتهم، اشتراط ورود جميع الكرّ عليه، فالقول بالاكتفاء بممازجة البعض، ممّا لا دليل عليه، فيجب أن يحكم بنجاسة الماء، بناء على الاستصحاب حتّى يعلم المزيل.

إلّا أن يقال: على نحو ما ذكرنا سابقاً، أنّ المتمسك في النجاسة، هو الشهرة و ليست هيهنا، و قد حصل الشك في التكليف، فلا يجب الزائد على القدر المتيقن، و حينئذٍ ينهدم بنيان اعتبار الامتزاج، و أيضاً ما ذكره، من أنّ عند عدم اعتبار

____________

(2) لم ترد في نسخة ألف و ب.

(3) لم ترد في نسخة ألف.

(4) لم ترد في نسخة ب.

46

استواء السطح و عدم الاكتفاء بالاتصال، لا حاجة إلى الدفعة، بل يكفي شيوعه فيه، ممنوع بعين ما ذكرنا آنفاً.

و القول بعدم تعقل الفرق حينئذٍ، بين الدفعة و الأدفعة، غير محصّل، إذ العقل لا سبيل له إلى هذه الأمور، مع أنّ الفرق أيضاً حاصل بالقوّة، و كمال الاستيلاء و عدمهما، و مقتضى الاحتياط، يعتبر الدفعة مطلقا، و إن يدخل جميع أجزاء الكرّ في النجس.

الثالث: أنّهم ذكروا أنّ في صورة التغيّر، يجب إلقاء كرّ يزيل تغيّره، و ظاهر هذا الكلام، أنّ زوال التغيّر بإلقاء [الكرّ يكفي في التطهير، و إن تغيّر بعض (1)] الكرّ في ابتداء الوصول، لكنّ الظاهر أنّ ليس مرادهم هذا، بل لا بدّ من أن لا يتغيّر أجزاء هذا (2) الكرّ، أو تكون أجزائه زائدة على الكرّ بقدر المتغيّر.

و الحاصل: أنّه يشترط بقاء كرّ بعد تغيّر بعض أجزائه، كما ذكرنا في التفصيل.

و اعلم أيضاً، أنّه يظهر من التفصيل السابق أنّه، لا بدّ في صورة اعتبار الممازجة، و كذا في صورة التغيّر، أن لا ينفصل أجزاء هذا الكرّ الملقي بعضها عن بعض، و إلّا ينفعل بالنجاسة، و حينئذٍ حصول الظنّ أو العلم به، متعذر أو متعسّر جدّاً، على أنّ في صورة اعتبار مساواة السطح، لا يبعد، ادّعاء الخروج عن المساواة بعد الامتزاج، فيشكل حينئذٍ التطهير (3).

إلّا أن يقال: الإجماع منعقد على التطهير به، و بعد انعقاد الإجماع، لا مجال

____________

(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في ألف.

(2) لم ترد في نسخة ألف.

(3) في نسخة ب: التطهّر.

47

للإشكال.

و بالجملة: في كل صورة ينعقد الإجماع بالتطهير، يجب القول به، و إن كان يجري فيه الإشكال، إذ الإجماع مخصّص (4) للحكم. و أمّا إذا لم يكن إجماع، فللإشكال مجال، و هذا أيضاً ممّا يؤيّد اعتبار الدفعة، فتدبّر.

الرابع: أنّ ما ذكروا، من وجوب إلقاء كرّ آخر إن لم يزل التغيّر بالأوّل، إنّما هو على تقدير أن لا يتميز (5) كرّ طاهر غير متغيّر عن النجس، [إذ لو بقي، فيكفي حينئذٍ في تطهير النجس] التموج (6)، حتّى يزول التغيّر، بشيوع أجزاء الكرّ الطاهر فيه على اعتبار الامتزاج، أو يزول التغيّر مع الاتصال به على عدمه، كما سيجيء في تنجّس (7) بعض الكثير الواقف إن شاء اللّٰه تعالى.

الخامس: أنّه على القول بكفاية الاتصال، هل يكفي الاتصال بأيّ وجه كان، أو لا بدّ من مساواة المطهّر، أو علوه؟ يعلم من كلام بعضهم، كالشهيد الثاني (ره)، اشتراط أحد الأمرين، بل يفهم ميله إلى اشتراط الأخير فقط، و قد مرّ آنفاً أنّه، يمكن أن يكون ميل العلّامة إلى الاتصال، بطريق المساواة، و اللّٰه أعلم.

[و كذا تطهّر بالجاري]

و كذا تطهّر بالجاري الظاهر أنّ تطهيره بالجاري في الجملة، ممّا لا خلاف فيه، نعم على القول باعتبار الامتزاج، يشترط شيوع الجاري فيه، و على القول بعدمه، لا يشترط، بل

____________

(4) في نسخة ألف: مخصوص.

(5) في نسخة ألف و ب: أن يتميز.

(6) ما بين المعقوفتين لم يرد في ألف.

(7) في نسخة ألف: تنجيس.

48

يكفي الاتصال، و على تقدير الاكتفاء بالاتصال، الكلام في اشتراط أحد الأمرين، من المساواة، و العلو على قياس ما مرّ آنفاً.

و ممّا يتعلّق بهذا المقام، تحقيق الكلام في موضعين: الأوّل: فيما (3) إذا نبع الماء من تحت النجس، لأنّ كلامهم (4) فيه، مشوش جدّاً.

و الثاني: فيما إذا وصل الماء من الجاري، أو الكثير، [إلى الماء النجس (5) بالفوّارة، لكن سنذكر البحث الثاني، في مبحث ماء الحمّام إن شاء اللّٰه تعالى، و لنذكر الآن، ما يتعلّق بالبحث الأوّل، و نبيّن أولًا: ما هو الظاهر بحسب النظر، ثمّ نذكر: كلام القوم، فالذي يقتضيه النظر، أن لا يكون فرق بين النبع، من تحت و بين إجرائه إليه من خارج، فيكون حكمه حكمه، من الاكتفاء// (194) بالاتصال، أو اشتراط الممازجة، و على القول بعدم كفاية الاتصال من تحت، لا بدّ هيهنا من الممازجة، و لما علمت من أنّ الاكتفاء بالاتصال، لا ظهور له، خصوصاً، الاتصال من تحت.

فالأولى حينئذٍ: رعاية الامتزاج، و إن كان بعد الامتزاج أيضاً إشكال، لعدم ظهور إجماع فيه، كما سيظهر من كلام الأصحاب، و لا دليل سواه في هذا الباب.

نعم، لو نبع بقدر كرّ، من دون انقطاع أجزائه بسبب ملاقاة النجس و امتزج بالنجس، لكان الظاهر حينئذٍ تطهيره له، و يقل الإشكال.

____________

(3) لم ترد في نسخة ألف.

(4) في نسخة ألف: كلام.

(5)] ما بين المعقوفتين لم يرد في «ألف».

49

و أمّا كلام الأصحاب: فالعلامة (ره) حكم في القواعد، و التحرير، بعدم التطهير بالنبع من تحت، و أطلق، و كذا في التذكرة.

و بناء هذا، يمكن أن يكون على أمرين: الأوّل: اشتراط العلوّ في المطهّر، و يرد عليه: أنّه حكم في الكثير إذا تغيّر بعضه و كان الباقي كرّاً بالطهارة، إذا تموج و زال (1) التغيّر، و لا شكّ أنّه (2) لا علوّ هناك، إلّا أن يتمسك فيه بالإجماع، لكن إثباته مشكل، و على تقدير التسليم، يرد عليه: أنّه حينئذٍ الحكم بعدم الطهر هيهنا مطلقا غير صحيح، إذ لو نبع بقدر الكرّ و امتزج بالنجس، لكان حكمه حكم ما فيه الإجماع، إلّا أن يقيّد كلامه بغير هذه الصورة.

فإن قلت: لعلّه اشترط أحد الأمرين، من المساواة و العلوّ.

قلت: الإيراد الثاني حينئذٍ باق بحاله، و أيضاً حكم في الجاري المتغيّر (3) بطهره بالتدافع و التكاثر مطلقا، و هو شامل لرأس المنبع الذي يكون نبع مائه من تحت، إلّا أن يقيّد أيضاً، بغير ما ذكر.

الثاني: ما هو مختاره، من نجاسة الجاري بالملاقاة، إذا كان قليلًا.

و يرد عليه: أنّه حينئذٍ (4) حكم في طهر الجاري بالتدافع و التكاثر، و لا شكّ أنّ هذا يجري فيه أيضاً، و التخصيص بالكثير مشترك، فإطلاق القول بالطهر هناك، و بعدمه هيهنا، لا وجه له.

إلّا أن يقال: الوجه أنّ في غير صورة النبع من تحت، يمكن تحقق الكثرة، و في

____________

(1) في نسخة ألف: و زوال.

(2) لم ترد في نسخة ألف.

(3) في نسخة «ب»: التغيّر.

(4) لم ترد في نسخة ب.

50

صورة النبع لا يمكن، إذ كلّ ما ينبع يصير نجساً.

و يرد عليه حينئذٍ: أنّه يلزم على هذا، أن لا يطهر الماء الجاري الذي في منبعه نجاسة و إن كان نهراً عظيماً كالدّجلة و الفرات، و لا يقول به عاقل، إلّا أن يكتفي بخروج الكرّ دفعة عرفيّة، و حينئذٍ إطلاق الحكم في عدم الطهر بالنبع بناء على الغالب، إذا الغالب، عدم خروج كرّ دفعة عرفيّة، أو على أنّ حكم ما إذا خرج كرّ دفعة ظاهر، لاندراجه تحت إلقاء الكرّ.

و يمكن توجيه كلامه: بحمل النبع على غير النبع من الأرض، أي (1) الجريان الشرعي، بل النبع من ماء كثير تحته و سيجيء حكمه إن شاء اللّٰه تعالى أو من غيره.

و قال في النهاية: و لو نبع من تحته، فإن كان على التدريج لم يطهّره، و إلّا طهّره و لم يعلم أنّ مراده من النبع هيهنا ماذا؟ أ هو النبع من الأرض، أي الجاري، أو النبع من الكثير؟

فإن كان الأوّل: فمراده من التدريج و عدمه، إن كان ما سبق، من خروج الكرّ دفعة عرفية و عدمه، فإنّما ينطبق ظاهراً على ما ذهب إليه، لكن في بعض صوره استبعاد. و إن كان غيره، فيظهر حاله ممّا سيأتي.

و إن كان الثاني: فيمكن أن يكون مراده من التدريج و عدمه، القوّة، و الفوران، و عدمهما، فحينئذٍ يكون الحكم بالتطهير في الأوّل، بناء على القوّة، و الاستيلاء، و الكثرة الفعلية، و بعدم (2) التطهير في الثاني، بناء على عدمها، و الفرق مشكل،

____________

(1) في نسخة ألف: إلى.

(2) في نسخة ب: و عدم.