مشارق الشموس في شرح الدروس - ج4

- الشيخ آقا حسين الخوانساري المزيد...
229 /
1

تتمة كتاب الطهارة

درس: 19- [في النجاسات]

[الأول و الثاني البول و الغائط من غير المأكول]

النجاسات عشر: البول و الغائط من غير المأكول.

ادّعى الفاضلان في المعتبر و المنتهي و التذكرة إجماع علماء الإسلام على نجاسة بول الإنسان و غائطه.

و قد حكيا في المعتبر و التذكرة عن بعض العامّة القول بطهارة بول رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله).

و الروايات الدالّة على نجاستهما أيضاً إمّا خصوصاً أو عموماً كثيرة مستفيضة لا حاجة إلى ذكرها، لإغناء الإجماع المتاخم للضرورة عنه، و سنورد أكثرها أيضاً إن شاء اللّٰه تعالى بتقريب المسائل الأخرى، و قد استثنى عن هذا الإجماع بول الرضيع، فإنّ فيه خلافاً سيجيء.

و كذا ادّعيا إجماع علماء الإسلام على نجاسة بول و روث ما لا يؤكل لحمه ممّا له نفس سائلة، و المراد بالنفس الدّم، و سيلانه خروجه بقوّة و دفع إذا قطع شيء من عروق صاحبه، لاجتماعه فيها، و كان على المصنف أن يقيّد به.

و العلّامة (ره) استثنى بعضاً شاذّاً من أهل الخلاف من الإجماع المذكور، فحكى عنه في المنتهي القول بطهارة أبوال البهائم كلّها، و ذكر أنّه لا يعرف له دليلًا؛ و في التذكرة القول بطهارة أبوال و أرواث جميع البهائم و السباع، و حكم

2

بخرقة للإجماع.

ثمّ إنّه سيجيء الخلاف من علمائنا في خرء الطير، فعدم استثناء الفاضلين له من دعوى الإجماع إمّا للاكتفاء بنقلهما الخلاف بعدها قريباً، و إمّا لعدم اعتدادهما به، بناء على معلوميّة نسب صاحبه.

و الروايات الدالّة على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه إمّا عموماً أو خصوصاً كثيرة مستفيضة يطول الكلام بذكرها.

و أمّا غائطه فليس بتلك المنزلة، و ما وجدنا من الروايات الدالّة على نجاسته ما رواه التهذيب، في باب تطهير الثياب، عن ابن مسكان قال: حدثني أبو بصير، إلى أن قال: و سألته عن العذرة تقع في البئر؟ فقال ينزح منها عشر دلاء.

و هذا الخبر في الاستبصار أيضاً، في باب البئر يقع فيها العذرة.

و ما رواه التهذيب أيضاً، في باب تطهير الثياب، في الصحيح، عن زرارة بن أعين قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): رجل وطأ على عذرة، فساخت (6) رجله فيها، أ ينقض ذلك وضوءه؟ و هل يجب عليه غسلها؟ فقال لا يغسلها، إلّا أن يقذرها، و لكنّه يمسحها حتّى يذهب أثرها، و يصلّي، و معنى يقدرها يكرهها.

و ما رواه التهذيب أيضاً في هذا الباب، عن عمّار الساباطي، عن أبي عبد اللّٰه

____________

(6) ساخت قوائمه في الأرض: غابت.

3

(عليه السلام) قال: سئل عن الكوز، إلى أن قال: و عن الدقيق يصيب فيه خرء الفأرة، هل يجوز أكله؟ قال إذا بقي شيء فلا بأس بأكله، يؤخذ أعلاه فيرمى به.

و منها: ما رواه التهذيب أيضاً، في زيادات كتاب الطهارة، باب المياه، في الموثق، عن عمّار قال: سئل أبو عبد اللّٰه عن البئر يقع فيها زنبيل عذرة يابسة أو رطبة؟ فقال لا بأس به إذا كان فيها ماء كثير.

و هذا الخبر في الاستبصار أيضاً، في باب البئر يقع فيها العذرة، و الدلالة باعتبار مفهوم الشرط.

و ما رواه التهذيب أيضاً في هذا الباب، في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام)، قال: سألته عن الدجاجة و الحمامة و أشباههما، تطأ العذرة ثمّ تدخل في الماء، يتوضّأ منه للصلاة؟ قال لا، إلّا أن يكون الماء كثيراً قدر كرّ من ماء.

و هذا الخبر في الاستبصار أيضاً، في باب الماء القليل.

و ما رواه التهذيب أيضاً في الزيادات، باب تطهير الثياب، عن علي بن محمّد قال: سألته، إلى أن قال: و سألته عن الفأرة و الدجاجة و الحمام و أشباهها تطأ

4

العذرة ثمّ تطأ الثوب، أ يغسل؟ قال إن كان استبان من أثره شيء فاغسله، و إلّا فلا بأس.

و ما رواه التهذيب أيضاً، في زيادات الجزء الأوّل من كتاب الصلاة، عن أبي يزيد القسميّ (4)، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، أنّه سئل عن جلود الدارش (5) التي يتخذ منها الخفاف؟ فقال لا تصلّ فيها، فإنّها تدبغ بخرء الكلاب.

و ما رواه التهذيب أيضاً، في كتاب الصيد و الذبائح، باب الصيد و الذكاة، عن موسى بن أكيل، عن بعض أصحابه، عن أبي جعفر (عليه السلام)، في شاة شربت بولًا ثمّ ذبحت، فقال يغسل ما في جوفها، ثمّ لا بأس به، و كذلك إذا اعتلفت العذرة ما لم يكن جلّالة، و الجلّالة: التي يكون ذلك غذاؤها.

و ما رواه التهذيب، في زيادات الجزء// (294) الأوّل من كتاب الصلاة، باب ما يجوز الصلاة فيه من اللباس، و الاستبصار في باب الرجل يصلّي في ثوب فيه نجاسة قبل أن يعلم، في الصحيح، عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يصلّي و في ثوبه عذرة من إنسان أو سنّور أو

____________

(4) في المصادر: قسم حيّ من اليمن بالبصرة.

(5) الدارش: جلد كانوا في تلك الأيّام يصنعون منه أحذيتهم.

الدارش: جلد أسود كانوا يصنعون منه أحذيتهم.

5

كلب، أ يعيد صلاته؟ قال إن كان لم يعلم فلا يعيد، و الدلالة باعتبار مفهوم الشرط.

و هذا الخبر في الكافي أيضاً، في باب الرجل يصلّي في ثوب و هو غير طاهر، بتغير في السند (3).

و ما رواه الكافي، في باب البئر، عن علي بن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن العذرة تقع في البئر؟ قال ينزح منها عشرة دلاء.

و ما رواه الكافي أيضاً، في باب الرجل يطأ على العذرة، في الحسن، عن محمّد بن مسلم قال: كنت مع أبي جعفر (عليه السلام)، إذ مرّ على عذرة يابسة فوطأ عليها فأصابت ثوبه، فقلت: جعلت فداك، قد وطأت على عذرة فأصابت ثوبك، فقال: أ ليس هي يابسة؟ فقلت: بلى، فقال لا بأس، إنّ الأرض يطهّر بعضها بعضاً.

و قد يستشكل في هذا الخبر، من حيث إنّ قوله (عليه السلام): «إنّ الأرض» إلى آخره لا ينتظم مع سابقه، [إذ لا دخل للأرض في الحكم المسئول عنه (4)].

و أيضاً: في معنى قوله: «يطهّر الأرض بعضها بعضاً».

و قد تعرّض صاحب منتقى الجمان لدفع الإشكال و بيان معنى التطهير، و لا بأس أن نورده بعبارته، قال قلت: لا يخفى أنّ

____________

(3) في الكافي رواه عن عبد اللّٰه بن سنان.

(4) أثبتنا الزيادة من نسخة «م».

6

«الأرض» إلى آخره لا ينتظم مع نفي البأس، إذ لا دخل للأرض في الحكم المسئول عنه، فهو كلام مستقل أفاده الإمام (عليه السلام) لمحمّد بن مسلم، و لعلّه كان مفصولًا عن الأوّل نطقاً أو بواو الاستيناف فسقطت من سهو الناسخين.

و وجه المناسبة في إيراده مع الكلام الأوّل واضح، و هو البيّنة على أنّ العذرة لو كانت رطبة لكان الأمر بالنسبة إلى الوطي عليها سهلًا أيضاً، لأنّ الأثر الحاصل منها في النعل أو القدم يطهر بالأرض.

و كان معنى تطهير بعضها بعضاً: أنّ النجاسة الحاصلة في أسفل القدم و ما هو بمعناه من الوطي على الموضع النجس و علوق شيء منه بأحدها كما هو الغالب يزول بالوطي على موضع آخر منها بحيث يذهب تلك الأجزاء التي علقت بالمحلّ، فسمّي إزالة الأثر الحاصل منها في المحلّ تطهيراً لها توسّعاً، كما يقال: الماء يطهّر البول مثلًا.

و على هذا يختصّ الحكم المستفاد من هذه العبارة بالنجاسة الحاصلة من الأرض المنجّسة، و لا ضير فيه، إذ حكم غيرها يؤخذ من محلّ آخر انتهى كلامه.

أقول: لا يبعد أن يوجّه بوجه آخر لا يحتاج إلى أن يجعل الكلام مفصولًا، و هو: أنّه لمّا قال محمّد: إنّ العذرة كانت يابسة قال (عليه السلام): لا بأس إذن،

7

لأنّ العذرة لمّا كانت يابسة فالثوب الذي أصابها يطهّر بإصابته الأرض كما هو الغالب في تلك البلاد من تطويل الثياب.

و أيضاً: إصابته العذرة التي على الأرض يشعر بإصابته الأرض أيضاً، و يكون التطهير التطهير التنزيهي، كما ذكروا أنّ عند مصافحة الكافر و نحوها إذا لم يكن رطوبة يضرب اليد مثلًا بالحائط أو التراب، و هذا شائع.

و يكون المراد من تطهير الأرض بعضها بعضاً أنّ ما نجس من بعض الأرض و إن كان باعتبار ما فيه من العذرة و نحوها يطهر من بعضها الآخر الذي ليس فيه قذر، و ظاهر أنّ هذا الحمل ليس ببعيد، و حينئذٍ ينتظم الكلام، و لعلّه أقرب ممّا ذكر في المنتقى، لأنّ حمل الكلام على الفصل بعيد.

و أيضاً: وجه المناسبة في إيراده مع الكلام الأوّل الذي ذكره و حكم عليه بالوضوح خفيّ جدّاً، لأنّ الكلام في الأوّل كان في الثوب، فلو كان في الكلام الثاني تنبيه على أنّ العذرة لو كانت رطبة لكان الأمر بالنسبة إلى الثوب أيضاً سهلًا لكان شيئاً، و أمّا أنّ الأمر بالنسبة إلى الوطي عليها سهل فلا.

و يرد عليه أيضاً: أنّ ما ذكره من معنى تطهير (1) الأرض بعضها بعضاً و جعله الحكم مختصّاً في هذا الخبر بالنجاسة الحاصلة من الأرض المنجّسة يستر وجه المناسبة الذي بيّنه، إذ حينئذٍ لا يظهر من الكلام الثاني أنّ العذرة لو كانت رطبة لكان الأمر بالنسبة إلى الوطي عليها سهلًا، و هو ظاهر (2).

____________

(1) في نسخة «م»: من أنّ تطهير.

(2) في هامش نسخة «ج»: حمل الأستاد كلام صاحب المنتقى على أنّ ما يستفاد من الخبر تطهير الأرض إزالتها الأجزاء الأرضيّة فقط لا أجزاء العذرة أيضاً و هو (دام ظلّه) حمله على الأعمّ و كون التطهير تنزيهاً ليس مناط الفرق، و لهذا قال: و لا يخفى إلى آخره.

8

و ما رواه الكافي أيضاً متصلًا بما نقلنا في الموثق، عن محمّد الحلبي قال: نزلنا في مكان بيننا و بين المسجد زقاق قذر، فدخلت على أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فقال أين نزلتم؟ فقلت: نزلنا في دار فلان، فقال: إنّ بينكم و بين المسجد زقاقاً قذراً، أو قلنا له: إنّ بيننا و بين المسجد زقاقاً قذراً؟

فقال: لا بأس، الأرض تطهّر بعضها بعضاً، قلت: و السرقين الرطب أطأ عليه؟ فقال: لا يضرّك مثله.

بناء الدلالة على أنّ مثله إشارة إلى الحكم السابق، أي هذا أيضاً لا يضرّ، مثل ما ذكرنا من أنّ الأرض يطهّر بعضها بعضاً؛ أو يكون الضمير راجعاً إلى الزقاق القذر.

و لا يخفى أنّه على هذا لا بدّ من جعل التطهير بالمعنى الذي ذكرنا، إذ حمله على ما في المنتقى لا يستقيم، لكن يمكن أن يحمل الخبر على المعنى الآخر، بأن يكون ضمير مثله راجعاً إلى السرقين الرطب و يكون محمولًا على السرقين، الطاهر و حينئذٍ ينتفي الدلالة، و لا يخلّ أيضاً بمعنى التطهير الذي في المنتقى.

و لا يبعد أن يرجّح الحمل الأوّل بعدم الاحتياج إلى التقييد بالطاهر.

إلّا أن يقال: الشائع في السرقين إطلاقه على سرقين ما يؤكل لحمه من الدوابّ و البغال و نحوهما.

و ما رواه الكافي أيضاً متصلًا بما نقل عن الحلبي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في الرجل يطأ في العذرة أو البول، أ يعيد الوضوء؟ قال لا، و لكن

9

يغسل ما أصابه.

و لا يخفى أنّ بناء دلالة أكثر هذه الأخبار على المراد باعتبار كون لفظة العذرة شاملة لعذرة غير الإنسان أيضاً، و سنتكلم (2) عليه إن شاء اللّٰه تعالى.

هذا، فإن قلت: نجاسة البول و الغائط ممّا لا يؤكل لحمه هل يختصّ بما له نفس سائلة أو لا؟

قلت: الظاهر الاختصاص، إذ لم ينقل خلاف في طهارتهما ممّا ليس له نفس سائلة لأحد من علمائنا على ما رأينا و العلّامة في التذكرة و المنتهي نسب الخلاف إلى الشافعي و أبي حنيفة و أبي يوسف، و لم ينسبه إلى أحد من علمائنا، فالظاهر أنّه اتفاقي.

و احتجّ عليه في المنتهي بأصل الطهارة، و بأنّ التحرّز عنه متعذر أو حرج، فيكون منفيّاً، و في التذكرة بأنّ دم ما لا نفس له و ميتته طاهر، فرجيعه أيضاً كذلك.

و لا يخفى أنّ الاستدلال الأخير قياس لا تعويل عليه.

و الاستدلال الأوّل إنّما يتمّ إذا لم يكن الأدلّة الدالّة على نجاسة البول و الغائط شاملة لما لا نفس له سائلة أيضاً، إذ بعد شمولها له أيضاً لا وجه للتمسّك بالأصل، و لعلّه لا يبعد منع الشمول و القول بأنّ الظاهر أنّ البول و العذرة الواقعين في الروايات ظاهرهما الأفراد// (295) المتعارفة الظاهرة، مع أنّ في شمول العذرة

____________

(2) في نسخة «م»: سنشكل.

10

لعذرة غير الإنسان أيضاً كلاماً سيجيء، و كأنّه أيضاً لا يتحقق البول فيما لا نفس له سائلة.

و أمّا الدليل الثاني فجيّدٌ، لكن في مثل البقّ و البراغيث و نحوهما.

و المحقق أيضاً تمسّك بمثل ما في التذكرة، قال أمّا رجيع ما لا نفس له كالذباب و الخنافس، ففيه تردّد أشبهه أنّه طاهر، لأنّ ميتته و دمه و لعابه طاهر، فصارت فضلاته كعصارة النبات انتهى.

و قد عرفت أنّه قياس، و كلامه كأنّه يشعر بأن لا يثبت عنده الاتفاق و إلّا لتمسّك به.

و بالجملة: الحكم فيما يكون التحرّز عنه متعذّراً أو متعسّراً كأنّه لا خفاء فيه، و أمّا فيما عداه فالاحتياط في التحرّز، و المصنف كأنّه ذاهب إلى نجاسته، إذ لم يقيّد الحكم هنا بما له نفس سائلة، كما قيّد في المني و الدّم و الميتة، لكن يبعد القول به مع عدم وجدان موافق في الأصحاب، مع أنّه في الذكرى و البيان صرّح بالاختصاص، و لعلّه لم يذكر هنا اعتماداً على ما يذكره في المنيّ و الدّم، و فيه بعد؛ أو وقع الغفلة عنه في الكتاب، و هو أقرب.

ثمّ وجه تخصيص الحكم بغير المأكول فسنذكره إن شاء اللّٰه تعالى في بحث بول الدابّة و البغل و الحمار.

[و هكذا في التحريم العرضي كالموطوء للإنسان و الجلّال و شارب لبن الخنزير]

و إن عرض تحريمه.

11

كالموطوء للإنسان، و الجلّال، و شارب لبن الخنزير حتّى يشتدّ لحمه.

الظاهر من كلام العلّامة في التذكرة أنّه أيضاً إجماعي، قال فيها رجيع الجلّال من كلّ الحيوان و موطوء الإنسان نجس، لأنّه حينئذٍ غير مأكول، و لا خلاف فيه، و في المختلف ادّعى الإجماع على نجاسة ذرق الدجاج الجلّال.

و يدلّ أيضاً على الحكم إطلاق البول و العذرة في الروايات الدالّة على نجاستهما، و عموم ما رواه التهذيب، في الحسن، في باب تطهير الثياب، عن عبد اللّٰه بن سنان قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه.

و مفهوم ما رواه التهذيب أيضاً، في الباب المذكور، في الحسن، عن زرارة، أنّهما قالا لا تغسل ثوبك من بول شيء يؤكل لحمه.

و هذان الخبران في الكافي أيضاً، في باب أبوال الدواب و أرواثها.

و الخبر الأخير كرّر في التهذيب، في باب تطهير المياه، بتبديل لفظة «شيء» ب«ما».

و مفهوم ما رواه التهذيب أيضاً، في الباب المذكور، في الصحيح، عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل يمسّه

12

بعض أبوال البهائم، أ يغسله أم لا؟

قال يغسل بول الحمار و الفرس و البغل، فأمّا الشاة و كلّ ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله.

و هذا الخبر في الاستبصار أيضاً، في باب أبوال الدوابّ.

و كرّر في التهذيب، في باب تطهير المياه.

و مفهوم ما رواه أيضاً، في الباب المذكور، في الموثق، عن عمّار الساباطي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال كلّ ما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه.

و مفهوم ما رواه أيضاً، في باب تطهير الثياب و البدن، في الزيادات، عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يصيبه أبوال البهائم، أ يغسله أم لا؟

قال يغسل بول الفرس و البغل و الحمار، و ينضح بول البعير و الشاة، و كلّ شيء يؤكل لحمه فلا بأس ببوله.

و لا يذهب عليك أنّه يمكن معارضة هذه الروايات بما ورد في خصوص بعض الحيوانات بطهارة بوله و روثه، مثل الشاة و البعير الواردين في طيّ الروايات التي ذكرنا و غيرهما من الدواب و البغال و الحمير، كما سنذكر إن شاء اللّٰه تعالى

13

في بحث أبوالها و الدجاج و الحمام، و سنذكر أيضاً إن شاء اللّٰه تعالى في بحث (1) ذرقه.

طريق المعارضة أن يقال: ورد النصّ بطهارة بول البعير مثلًا، و هو شامل لحال جلله و غيرها، و ورد النصّ إمّا منطوقاً أو مفهوماً بنجاسة بول ما لا يؤكل لحمه، و هو شامل للبعير حالة الجلل و غيره ممّا لا يؤكل لحمه بالأصالة، فيكون بينهما عموم من وجه، فلم يخصّص الأوّل بالثاني دون العكس، مع أنّ الأوّل منطوق و كثير من الثاني مفهوم، على أنّ حمل ما لا يؤكل لحمه على ما لا يؤكل لحمه بالأصالة حمل ظاهر، و كذا ما يؤكل لحمه.

و على فرض التساوي و التساقط الأصل مع الأوّل، فيرجّح هذا بالنسبة إلى معارضة هذه النصوص بالروايات التي فيها المنع عمّا لا يؤكل لحمه منطوقاً أو مفهوماً، و أمّا بالنسبة إلى الروايات المطلقة في البول و العذرة فالأمر أظهر، إذ بينها و بينها عموم و خصوص مطلق، فينبغي تخصيصها بها.

لكن لمّا عرفت أنّ الحكم كأنّه إجماعي و مع ذلك الاحتياط فيه في أكثر الأوقات فالمصير إليه أولى، و لو فرض نادراً احتمال احتياط في خلافه كما إذا فرض وجود ماء وقع فيه مثل ذلك و لم يوجد ماء غيره، و فرض أنّه لو توضأ به تيسّر تطهير الأعضاء بماء آخر قبل الصلاة بدون تيسّر الوضوء به فحينئذٍ يتوضأ و يتيمم احتياطاً.

و أمر خوف التشريع كأنّه سهل، إذ لم يظهر أمر الإجماع في المسألة بحيث

____________

(1) أثبتنا الزيادة من نسخة «م».

14

يحصل به ظنّ قويّ.

[أو كان طيراً على الأقوى]

أو كان طيراً على الأقوى اختلف الأصحاب فيه، قال العلّامة في المختلف قال الشيخ في المبسوط: «بول الطيور و ذرقها كلّها طاهر إلّا الخشّاف، فإنّه نجس».

و قال ابن أبي عقيل: «كلّما استقل بالطيران فلا بأس بذرقه و بالصلاة فيه».

و قال ابن بابويه: «لا بأس بخرء ما طار و بوله، و لا بأس ببول كلّ شيء أكل لحمه».

و المشهور نجاسة رجيع ما لا يؤكل لحمه من الطيور و غيرها و هو المعتمد انتهى.

و يمكن الاحتجاج على المشهور إن كان للطير بول، أمّا على نجاسة بولها فبالمطلقات الواردة في البول، و بعموم حسنة ابن سنان المتقدمة آنفاً، و بالعمومات المتقدمة أيضاً؛ و أمّا على نجاسة خرئها، فأوّلًا: بعدم القول بالفصل بين البول و الخرء، ثبت نجاسة البول فكذا الخرء.

و ثانياً: بما ذكرنا آنفاً من الروايات الدالّة على نجاسة العذرة. و بمفهوم موثقة عمّار الساباطي المنقولة آنفاً.

و إن لم يكن لها بول، فيستدل على نجاسة خرئها بالدليل الثاني فقط.

و قد يقال: أمّا أوّلًا: فبمنع شمول العذرة لخرء الطير، بل الظاهر من كلام

15

النهاية أنّها غائط الإنسان، و كذا نقل عن الهروي، و لا يعلم من القاموس و الصحاح في باب العذرة لا عمومها و لا خصوصها.

و أمّا مفهوم الموثقة فقد مرّ أنّ المفهوم على تقدير حجيّته لا عموم له، فيكفي فيما لا يؤكل وجود البأس بما يخرج عن بعض أفراده.

و أمّا ثانياً: فبتقييد الروايات و تخصيصها منطوقاً أو مفهوماً بما رواه التهذيب، في الحسن، بإبراهيم بن هاشم، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال كلّ شيء يطير فلا بأس بخرئه و بوله.

و هذه الرواية في الكافي أيضاً في باب أبوال الدوابّ، و البول فيه مقدّم على الخرء.

و يمكن دفع الأوّل: بأنّ ما في// (296) النهاية معارض لما وقع في صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه المنقولة في البحث السابق، عن الاستبصار من إطلاق العذرة على عذرة السنور و الكلب، و الأصل في الإطلاق الحقيقة، لكن هذا الأصل ممّا لا عبرة به عندنا.

نعم، أنّ المحقق كما سننقل عنه شهد بأنّ العذرة شاملة لخرء الطير و أنّها مرادفة للخرء، و شهادته (ره) إن لم يكن أزيد من شهادة أهل اللغة فليس بأنقص منها، و هو ظاهر تفسير الخرء (1) في الصحاح و القاموس بالعذرة.

و لا يبعد أن يقال: إنّ العذرة و إن كانت بحسب اللغة عامّة، لكن لا بُعد في ادّعاء

____________

(1) في نسخة «م»: و هو ظاهر و أيضاً فسّر الخرء.

16

كونها في الروايات إمّا مخصوصة بعذرة الإنسان أو يعمّها و غيرها أيضاً، لكن لا بحيث يشمل خرء الطائر أيضاً، لأنّ الظاهر حمل الروايات على الأفراد المتعارفة الشائعة، و خرؤ الطير ليس منها.

و لو لم يدّع الظهور في التخصيص فلا أقلّ من عدم الظهور في عدمه فيبقى الحكم على الطهارة؛ فتأمّل.

و دفع الثاني: بأنّه لا يخلو إمّا أن يكون للطير بول أو لا، فإن كان فحينئذٍ لا يصلح هذه الرواية لتقييد الروايات الكثيرة الدالّة على نجاسة البول أو تخصيصها، لأنّها من الكثرة بمكانٍ.

و أيضاً يوجد فيها الصحاح، و هذه الرواية الواحدة مع عدم صحّتها لا تصلح لمعارضتها، مع أنّ عمل أكثر الأصحاب على خلافها، على ما نقلنا من المختلف.

و إن لم يكن فحينئذٍ يضعف الرواية، لأنّها مشتملة على خلاف واقع، فلا يجوز نسبتها إلى المعصوم إلّا لتقيّة، فاندفعت المعارضة.

و مع ذلك للكلام مجال، بأن نقول (3): نختار الثاني كما هو الظاهر من عدم وجود البول للطير و نقول: بمجرد ذلك لا يلزم (4) طرح الرواية، لجواز حمل البول على التجوّز بإطلاقه على رطوبات الطير و نحوها.

و سندها و إن لم يكن صحيحة على الاصطلاح، لكنّها صالحة للاعتماد، لأنّ

____________

(3) في نسخة «م»: بأن يقال.

(4) في نسخة «م»: بمجرد ذلك يلزم.

17

إبراهيم بن هاشم كأنّه لا يقصر عن الموثقين، و أبا بصير أيضاً من الوثوق بحالٍ، و حينئذٍ إن لم يسلّم إطلاق العذرة على خرء الطير فالأمر واضح، حيث إنّه لا يبقى في الطرف الآخر من الروايات إلّا مفهوم موثقة عمّار، و المفهوم على تقدير عمومه لا يصلح هذه الحسنة بمنطوقها مخصّصة له كما لا يخفى، مع تأييدها بالأصل، خصوصاً مع عدم صراحة البأس في النجاسة.

و إن سلّم فنقول: لا عموم ظاهراً في شيء من الروايات الدالّة على نجاسة العذرة و الإطلاق، و لا نسلّم قوّة التمسّك به في عموم الأحكام، سيّما مع وجود مقيّد صالح للاعتماد، مع أنّ تخصيص العمومات أيضاً شائع واقع في الروايات، فالعمومات و إن كانت كثيرة لا يبعد ارتكاب تخصيصها بخبر واحد، سيّما مع عدم ظهور الأمر في الوجوب في أحاديثنا.

و بما ذكرنا ظهر أنّه لو سلّم أنّ للطير بولًا أيضاً يمكن المناقشة في الحكم، لكن ليست في قوّة المناقشة على تقدير عدم تسليمه، مع أنّها و إن ضعفت من وجه، لكن قويت من وجهٍ آخر.

بيانه: أنّه حينئذٍ يوجد في طرف النجاسة الإطلاقات الواردة في البول و العذرة و حسنة ابن سنان، و في طرف الطهارة حسنة أبي بصير.

و قد عرفت أنّ الإطلاقات و إن سلّم عمومها كأنّه يصلح هذه الحسنة لتخصيصها و إن وجد فيها الصحيح، لأنّ الدليل على حجيّة خبر الواحد الصحيح على تقدير تمامه لا نسلّم شموله مثل هذه الصورة أيضاً، أي صورة معارضتها بمثل هذه الحسنة، مع أنّ في إطلاقات العذرة منع عدم الشمول لخرء الطائر أيضاً.

18

و أمّا حسنة ابن سنان فعلى تقدير صحّة العمل بها يصحّ تخصيصها أيضاً بالحسنة الأخرى.

و لو قيل: إنّها أقوى من هذه الحسنة باعتبار أنّ إبراهيم مشترك بينهما و باقي رجالها إماميّون موثقون، و في هذه الحسنة يوجد أبو بصير و حاله غير معلوم، فعلى تقدير التسليم مثل هذه القوّة لا يوجب العمل بها و طرح الأخرى، لما عرفت [من (1)] أنّ الصحيح مع معارضته لمثل هذه الحسنة يشكل العمل به، فكيف بالحسن؟

و أيضاً: هذه القوّة معارضة بقوّة دلالة هذه الحسنة، إذ لا شكّ أنّ شمول هذه الحسنة للأفراد الغير المأكولة من الطير أظهر من شمول حسنة ابن سنان لها، ففي التعارض لا رجحان لتخصيص حسنة أبي بصير بها من دون العكس، لأنّ لكلّ منهما قوّة من جهة المتن و السند، مع أنّ حسنة أبي بصير معتضدة بالأصل.

و أمّا وجه ضعف المناقشة من وجهٍ و قوّتها من وجه الذي ذكرنا حينئذٍ فهو: أنّه يعارض حسنة أبي بصير حسنة ابن سنان أيضاً في هذه الصورة دون الصورة الأولى، لكنّ الوهن الذي كان فيها باعتبار تضمّن البول الذي هو خلاف الواقع يندفع حينئذٍ.

هذا، فإن قلت: إذا فرض أنّ العذرة لا يشمل الخرء، و فرض أنّ للطير بولًا، فهل يمكن أن يستدل على طهارة بول الطير؟ بأن يقال: قد ثبت طهارة خرئها من دون معارض، و لا قائل بالفصل، فطهر بولها أيضاً.

____________

(1) زيادة اقتضاها السياق.

19

قلت: الظاهر لا، لأنّ طهارة الخرء إن تمسّك فيها بحسنة أبي بصير فهي ليست من القوّة بحيث يمكن إثبات الحكم بها.

نعم، في صورة معارضتها لشيء يضعف الاعتماد على ذلك الشيء بحيث لا يصلح التعويل، و ذلك لا يوجب صحّة إثبات الحكم بها.

و أيضاً: و إن لم يكن معارضاً بالذات في الخرء و بالفرض، لكنّ المعارضات التي في البول يصير معارضته في الخرء أيضاً بواسطة عدم القول بالفصل، فيرجع الأمر أيضاً إلى المعارضة بين هذه الحسنة و بين الروايات التي في البول من حسنة ابن سنان و غيرها.

و إن تمسّك فيها بالأصل فلا عبرة به في مقابل تلك المعارضات، لما عرفت [من (1)] أنّها معارضات حينئذٍ أيضاً بالواسطة.

و لو قيل: إنّ الحسنة ليست حجّة و الإطلاقات لا عموم لها فهو كلام آخر، و لا حاجة حينئذٍ إلى التمسّك بالأصل في الخرء و انضمام عدم القول بالفصل إليه حتّى يثبت الحكم في البول، فليتمسك أوّلًا في البول بالأصل و أنّه لا مخرج عنه و هو ظاهر.

ثمّ إنّ العلّامة (ره) في المنتهي بعد ما ذكر تعارض الحسنتين قال إلّا أنّ لقائل أن يقول: إنّها غير مصرّحة بالتنجيس، أقصى ما في الباب أنّه أمر بالغسل منه، و هذا غير دالّ على النجاسة إلّا من حيث المفهوم، و دلالة المنطوق أقوى انتهى، و ضمير إنّها راجع إلى حسنة ابن سنان.

____________

(1) زيادة اقتضاها السياق

20

و فيه نظر، إذ مع الإغماض عن المسامحة التي وقعت منه في الاصطلاح حيث سمّى هذا مفهوماً نقول: إنّ النجاسة يثبت في أكثر الأشياء النجسة بمثل هذا، أي وجوب الغسل و نحوه، بل لا معنى لها بالنظر إلينا سوى ذلك، إذ لا نريد من النجاسة في الأحكام سوى أنّها يجب غسلها في الصلاة و نحوها، فإذا ثبت وجوب الغسل فذلك يكفينا.

نعم، لو نوقش فيه بأنّ الأمر لا يدلّ على الوجوب في عرف الأحاديث فلا يثبت النجاسة، لكانت متّجهة على ما أشرنا إليه لكن لا يمكن حمل كلام العلّامة (ره) عليها.

هذا، ثمّ لا يخفى أنّ مع هذا كلّه الاحتياط في اتّباع المشهور في أكثر الأحوال، و إن كان في بعض الفروض النادرة في خلافه؛ فاحتط و تثبت.

و الشيخ و موافقوه احتجّوا بما نقلنا// (297) من رواية أبي بصير و الأصل، و حالها ظهرت في طيّ ما ذكرنا بما لا مزيد عليه.

و قيل في التذكرة قول الشيخ بالطهارة لرواية أبي بصير ضعيف، لأنّ أحداً لم يعمل بها.

و ضعفه ظاهر، إلّا أن يراد عمل الأكثر على خلافه، أو يدّعى الإجماع قبل الشيخ، و هو أيضاً مشكل.

و العلّامة (ره) في المختلف احتجّ على ما رجّحه بحسنة ابن سنان المنقولة،

21

و بأنّ الذمة مشغولة بالصلاة و لا تبرّء بأدائها قطعاً مع ملاقاة الثوب أو البدن لهذه الأبوال، فيبقى في عهدة التكليف.

ثمّ نقل احتجاج الشيخ برواية أبي بصير، و بأنّ الأصل الطهارة، و قال و الجواب عن الأوّل: أنّه مخصوص بالخشّاف إجماعاً، فيختصّ بما يشاركه في العلّة، و هو عدم كونه مأكولًا. و عن الثاني: بالمعارضة بالاحتياط انتهى (5)].

و حال الحسنة قد عرفتها، و اليقين ببراءة الذمّة مع أنّه يمكن منع وجوب تحصيله في مثل ما نحن فيه على ما مرّ غير مرّة بل يكفي تحصيل اليقين بقدر حصل اليقين به نقول: اليقين حاصل، بناءً على أنّ الأصل في الماء الطهارة حتّى يعلم أنّه قذر، و فيما نحن فيه لا يعلم.

و لو قيل: نعلم بالرواية، فقد خرج عن هذا الاستدلال و رجع إلى الآخر، و قد علم حاله، مع أنّ يقين البراءة في بعض الصور في خلافه.

و الجواب الأوّل (6) أيضاً مردود بأنّ التخصيص بالخشّاف بدليل من خارج خاص به لا يوجب التخصيص بما شاركه في عدم أكل اللحم، إذ لم يعلم أنّ علّة التخصيص ماذا، و من ادّعى أنّ العلّة عدم أكل اللحم فعليه البيان.

و أمّا أمر الاحتياط فقد ظهر أمره (7).

ثمّ دعواه الإجماع على تخصيص الخشّاف مشكل، إذ الظاهر من قول ابن أبي

____________

(5) أثبتنا الزيادة من نسخة «م».

(6) في نسخة «م»: عن الأوّل.

(7) لم ترد في نسخة «م».

22

عقيل و الصدوق أنّهما يقولان بعدم البأس بخرء الطير مطلقا من دون تخصيص بالخشّاف، إلّا أن يكون مراده الإجماع من الشيخ و منهم حتّى يكون إلزاماً على الشيخ.

هذا، ثمّ إنّ صاحب المعالم قال فيه قال المعتبر بعد الإشارة إلى قول الشيخ في المبسوط: و لعلّ الشيخ استند إلى رواية أبي بصير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «كلّ شيء يطير فلا بأس بخرئه و بوله».

ثمّ احتجّ المحقق لما ذهب إليه من مساواة الطير لغيره بأنّ ما دلّ على نجاسة العذرة ممّا لا يؤكل لحمه يتناول موضع النزاع، لأنّ الخرء و العذرة مترادفان، و ردّ الاستناد إلى رواية أبي بصير بأنّها و إن كانت حسنة لكنّ العامل بها من الأصحاب قليل.

و لي في كلامه هيهنا تأمّل، لأنّ الإجماع الذي ادّعاه على نجاسة البول و الغائط من مطلق الحيوان غير المأكول، إن كان على عمومه فهو الحجّة في عدم التفرقة بين الطير و غيره.

و إن كان مخصوصاً بما عدا الطير فأين الأدلّة العامّة على نجاسة العذرة ممّا لا يؤكل؟ و الحال أنّا لم نقف في هذا الباب إلّا على حسنة عبد اللّٰه بن سنان، و لا ذكر أحد من الأصحاب الذين وصل إلينا كلامهم في احتجاجهم لهذا الحكم سواها، و هي كما ترى واردة في البول، و لم يذكرها هو في بحثه للمسألة، بل اقتصر على

23

نقل الإجماع كما حكيناه عنه فلا يدري لفظة العذرة أين وقع معلّقاً عليه الحكم؟ ليضطر إلى بيان مرادفة الخرء له و يجعلها دليلًا على التسوية التي صار إليها، ما هذا إلّا عجيب من مثل المحقق (ره) انتهى.

أقول: قد نقلنا آنفاً الروايات الدالّة على نجاسة العذرة بإطلاقها مع صحّة بعضها، فإنكاره (ره) كون لفظة العذرة معلّقاً عليها ممّا لا وجه له.

و لو كان كلامه في العموم و أنّ الروايات المذكورة لا عموم لها، فمع بعده عن العبارة حيث أنكر كون لفظة العذرة معلّقاً عليها للحكم فأمره أيضاً أسهل، إذ ظاهر أنّ الإطلاق في تلك الروايات الكثيرة (1) و ترك الاستفصال في شيء منها مع قيام الاحتمال ظاهره العموم، مع أنّ المحقق (ره) ذهب إلى أنّ المفرد المحلّى باللّام حيث لا عهد و يكون المقام مقام بيان الأحكام يكون ظاهره العموم و يقوم مقام الألفاظ العامّة.

و صاحب المعالم قد استحسن هذا الرأي منه و تبعه فيه، و ظاهر أنّ فيما نحن فيه لا عهد، فيثبت العموم، و بعد ذلك لا مجال لإنكاره، فلا عجب من المحقق (ره).

نعم، لو نوقش معه في شمول العذرة لخرء الطير أمّا لغة أو عرفاً، لكان لا يخلو عن وجه، كما أشرنا إليه.

هذا، و قد احتجّ أيضاً للشيخ (ره) و موافقيه بما رواه الفقيه، في باب ما يصلّي فيه و ما لا يصلّي فيه، في الصحيح، عن علي بن جعفر (عليه السلام) قال: و سئل

____________

(1) في نسخة «م»: الكثرة.

24

على بن جعفر أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام)، عن الرجل يصلي، إلى أن قال: «و عن الرجل يرى في ثوبه خرء الطير أو غيره، هل يحكه و هو في صلاته قال: لا بأس».

وجه الاحتجاج: أنّ ترك الاستفصال مع قيام الاحتمال يفيد العموم.

و فيه ضعف، لأنّ إفادة ترك الاستفصال مع قيام الاحتمال للعموم إنّما يسلّم فيما إذا كان الغرض متعلقاً بحكم، مثلًا إذا كان الغرض بيان حكم الطير و خرئه و أنّه يجب الاجتناب عنه أو لا.

و [لو] قيل في هذا المقام: خرؤ الطير لا بأس به من دون تفصيل، لكان الظاهر العموم لكن لا مطلقا أيضاً، على ما ذهب إليه المحقق و صاحب المعالم، محتجّاً بأنّه يخرج الكلام عن الإفادة و لا يليق بالحكيم، لأنّ احتجاجهم ضعيف كما لا يخفى سيّما إذا كان أكثر الأفراد داخلًا في الحكم، و يلزم عليهم أن لا يوجد في كلام الحكيم مجمل من دون أن يكون مبيّنة معه.

و فساده ظاهر، بل مع انضمام قرينة، مثل ما إذا تكرّر و تكثّر و لم يقع التقييد في شيء من المواضع، سيّما مع انضمام عمل الأصحاب كلًّا أو جلًّا على ما ادّعينا آنفاً في روايات العذرة، و نحو ذلك ممّا يظهر في خصوصيات المقامات.

و أمّا إذا لم يكن الغرض متعلقاً به كما فيما نحن فيه فلا، إذ ظاهر أنّ الغرض من السؤال أنَّ حكّ شيء من الثوب ينافي الصلاة أم لا؟ و ذكر خرء الطير من باب

25

المثال.

و في مثل هذا المقام إذا أجيب بأنّه لا بأس به و لم يفصّل الكلام في الطير بأنّه ممّا يؤكل لحمه أو لا، لا يدلّ أصلًا على أنّ خرء الطير مطلقا طاهر، و هو ظاهر لمن له أدنى دربه بأساليب الكلام.

و توهّم تأخير البيان عن وقت الحاجة أيضاً لا مجال له كما لا يخفى.

أ لا ترى أنّ غيره أيضاً في كلام السائل يشمل النجس و غيره، سواء جعل عطفاً على الطير أو الخرء، مع أنّ الإمام (عليه السلام) لم يفصّل فيه أيضاً.

و لو قيل: لعلّه كان الحكم فيه معلوماً و لذا لم يفصّله، ففي خرء الطير أيضاً نقول كذلك، من دون تفاوت أصلًا.

ثمّ الاستثناء الذي نقلنا من الشيخ (ره) للخفّاش فقد احتجّ عليه بما رواه التهذيب، في باب تطهير الثياب، و الاستبصار في باب بول الخفّاش، عن داود البرقي قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن بول الخشاشيف يصيب ثوبي فأطلبه و لا أجده؟ قال اغسل ثوبك.

و فيه مع ضعف السند جدّاً احتمال كون الأمر للاستحباب على أنّه معارض أيضاً بما روياه متصلًا بما ذكر عن غياث، عن جعفر،// (298) عن أبيه قال لا بأس بدم البراغيث و البقّ و بول الخشاشيف، مع رجحان هذه الرواية

26

عليه من حيث السند، و من حيث الدلالة، و من حيث الاعتضاد بالأصل.

و ردّ الشيخ على هذه الرواية بأنّها شاذ، و يجوز أن تكون وردت للتقيّة.

و الشذوذ إن كان باعتبار العمل بها فمشكل، لأنّ المستثنين للطير (1) عمّا لا يؤكل لحمه لم ينقل عن غير الشيخ منهم استثناء الخفاش عنه، فلعلّه باعتبار النقل و عدم تكرّرها في الأصول، [و اللّٰه أعلم (2)]، و تجويز التقية أيضاً ليس بنافع في المقام كما، لا يخفى.

و بالجملة: بعد القول باستثناء الطير عمّا لا يؤكل لحمه استثناء الخفاش عنه بمجرد خبر داود كأنّه لا وجه له، إلّا أن يدّعى الإجماع عليه، كما هو ظاهر كلام العلّامة في المختلف.

و حينئذٍ فإمّا أن يقال بتقييد كلام الصدوق و ابن أبي عقيل أيضاً، أو يقال: إنّ الإجماع وقع قبلهما أو بعدهما.

و أمّا إذا لم يستثن الطير و لم يعمل برواية أبي بصير فلا بدّ من عدم استثناء الخفاش أيضاً استناداً إلى خبر غياث، أمّا أوّلًا: فلضعف سنده و عدم صلاحيته لمعارضته ما ذكرنا من الروايات الدالّة على نجاسة البول و العذرة مطلقا مع معارضته لخبر داود؛ و أمّا ثانياً: فللزوم خرق الإجماع المركّب.

ثمّ إنّ صاحب المعالم في هذا المقام قال فإن تحقق للخشّاف بول و عملنا بالحديث الحسن تعيّن اطراح هذه، لدلالة حسنة عبد اللّٰه بن سنان على نجاسة

____________

(1) لم ترد في نسخة «م».

(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في «م».

27

البول من كلّ حيوان غير مأكول، فتتناول بعمومها الخفاش و تقصر هذه عن تخصيصها، و كذا إن ثبت عموم محلّ الإجماع، و إلّا فالأصل يساعد على العمل بهذه و إن ضعفت، و يكون ذكر البول محمولًا على التجوّز انتهى.

و هذه في مواضع كلامه إشارة إلى رواية غياث، و في كلا شقّي كلامه نظر.

أمّا الأوّل: فلأنّ حسنة عبد اللّٰه على تقدير تحقق البول للطير لا تخصّص بمجرد خبر غياث حتّى يقال: إنّه يقصر عن تخصيصها، بل تخصّص بحسنة أبي بصير، مع تأييدها بخبر غياث، بل بصحيحة علي بن جعفر (عليه السلام) المنقولة أيضاً.

و لا شكّ أنّ حسنة أبي بصير سيّما مع التأييد يصلح لتخصيص حسنة ابن سنان، لأنّ أبا بصير و إن سلّم أنّه ليس ليثاً و أنّه واقفي فليس ممّا لا يصلح خبره مخصّصاً للحسنة، إذ بعد تجويز العمل بالحسن ينبغي تجويز العمل بالموثق أيضاً، بل لا يبعد أولويّته بذلك.

إلّا أن يقال: إنّ حسنة إبراهيم حكمها حكم الصحاح، و لذا قد يصف العلّامة (ره) الخبر الذي هو في طريقه بالصحّة، لكن ظاهر أنّ نظر صاحب المعالم ليس إلى هذا، بل بنى الكلام على تجويز العمل بالحسن مطلقا.

و أمّا الثاني: فبعد الإغماض عن أنّ التجوّز ليس منحصراً في حمل البول على الخرء إذ يجوز أن يكون المراد شيئاً آخر منه نقول: إنّ مثل هذا الخبر

28

الضعيف و إن ساعده الأصل لا يعارض ما ذكرنا من الروايات الدالّة على نجاسة العذرة مطلقا، إلّا أن يتمسك برواية أبي بصير، و حينئذٍ لا حاجة إلى التمسك بهذا الخبر إلّا أن يجعل مؤيّداً لتلك الرواية، أو بمنع فهم العموم، أو إطلاق العذرة على خرء الطير، و حينئذٍ أيضاً لا حاجة إلى هذا الخبر، بل يكفي التمسّك بالأصل، سيّما مع تأييده بما هو أقوى منه من رواية أبي بصير، اللّهم إلّا للتأييد و تفنن الطريق.

هذا، ثمّ لا يذهب عليك أنّ الاحتياط في الاجتناب عن خرئه و بوله، سواء قلنا باستثناء الطير من غير مأكول اللحم أو لا.

أمّا على الثاني فظاهر، لما في القول بطهارة خرئه و بوله فقط من دون الطيور من خرق للإجماع المركب.

و أمّا على الأوّل فلما نقلنا من العلّامة من دعوى الإجماع. و طريق الاحتياط في صورة فرض الاحتياط في خلافه واضح.

[أو بول رضيع لم يأكل اللحم]

أو بول رضيع لم يأكل اللحم، خلافاً لابن الجنيد قال العلّامة (ره) في المختلف المشهور أنّ بول الرضيع قبل أن يأكل الطعام نجس، لكن يكفي صبّ الماء عليه من غير عصر، حتّى أنّ سيّد المرتضى ادّعى إجماع العلماء على نجاسته.

قال ابن الجنيد: «بول البالغ و غير البالغ من الناس نجس، إلّا أن يكون غير البالغ صبيّاً ذكراً، فإنّ بوله و لبنه ما لم يأكل اللحم ليس بنجس» و المعتمد

29

الأوّل انتهى كلامه.

و تحقيق معنىٰ (2) أكل الطعام سيجيء إن شاء اللّٰه تعالى في بحث إزالة النجاسات، و لعلّ مراد ابن الجنيد من أكل اللحم أيضاً أكل الطعام لا خصوص اللحم.

ثمّ إنّ الأقرب هو المشهور، للروايات المستفيضة الواردة في نجاسة البول مطلقا من دون تقييد، و في خصوص بول الصبي أيضاً من دون تقييد بحيث يفضي ذكرها إلى تطويل، و سنورد إن شاء اللّٰه تعالى في المباحث الآتية.

هذا مع عمل جلّ الأصحاب بل كلّها على ما نقل عن المرتضى-، و العلّامة (ره) أيضاً في التذكرة ادّعى إجماع العلماء عليه سيّما مع تأييد الاحتياط.

و احتجّ ابن الجنيد بما رواه التهذيب، في باب يظهر الثياب، عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، أنّ علياً (عليه السلام) قال لبن الجارية و بولها يغسل منه الثوب قبل أن تطعم، لأنّ لبنها يخرج من مثانة أمّها، و لبن الغلام لا يغسل منه الثوب و لا من بوله قبل أن يطعم، لأنّ لبن الغلام يخرج من العضدين و المنكبين.

و هذا الخبر في الاستبصار أيضاً في باب بول الصبي.

و رواه الفقيه أيضاً، مرسلًا، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، في باب ما

____________

(2) لم ترد في نسخة «ج».

30

ينجس الثوب و الجسد.

و بأنّه لو كان نجساً لوجب غسله كبول البالغ، و لم يكتف بالصبّ كغيره من الأبوال، على ما هو رأي القائلين بالنجاسة.

و الجواب عن الأوّل بعد القدح في سند الخبر أنّه لا ينفي ما نقوله، لأنّا نقول أيضاً بعدم وجوب الغسل، بل وجوب الصبّ فقط، على ما يدلّ عليه الروايات، و سنذكرها إن شاء اللّٰه تعالى في بحث إزالة النجاسات.

و عن الثاني بالمنع من المشاركة في كيفية الإزالة، فإنّ النجاسات تتفاوت و تقبل الشدّة و الضعف، فجاز أن يكون بول الرضيع ضعيف النجاسة فاكتفى فيه بالصبّ دون بول غيره، و هو ظاهر.

[و في بول الدابّة و البغل و الحمار قولان أقربهما الكراهة]

و في بول الدابّة و البغل و الحمار قولان، أقربهما الكراهة.

اعلم أنّ هيهنا أحكاماً ثلاثة (2): الأوّل: طهارة بول ما يؤكل لحمه و روثه، سوى هذه الثلاثة.

و الثاني: طهارتهما من هذه الثلاثة.

و الثالث: كراهتهما منها.

أمّا الأوّل: فالظاهر أنّه إجماعي، و يدلّ عليه أيضاً روايات:

منها: صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه، المتقدمة في بحث نجاسة البول و الغائط ممّا عرض تحريمه.

و منها: حسنة زرارة المتقدمة في البحث المذكور أيضاً.

____________

(2) لم ترد في نسخة «م».

31

و منها: حسنة ابن سنان المتقدمة فيه أيضاً الدالّة بمفهومها على المدّعى.

و منها: موثقة عمّار المتقدمة فيه أيضاً.

و منها: رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه المتقدمة فيها أيضاً.

و منها: ما رواه التهذيب في باب تطهير الثياب، و الكافي في باب أبوال الدوابّ، في الحسن، عن محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن ألبان الإبل و البقر و الغنم و أبوالها و لحومها؟

فقال:// (299) لا توضّأ منه، و إن أصابك منه شيء أو ثوباً لك فلا تغسله، إلّا أن تتنظف. قال: و سألته عن أبوال الدواب و البغال و الحمير؟ فقال: اغسله، فإن لم تعلم مكانه فاغسل الثوب كلّه، فإن شككت فانضحه.

و هذه الرواية في الإستبصار أيضاً في باب أبوال الدواب.

و يمكن التمسّك بالأصل العقلي و النقلي أيضاً إن لم يسلّم أنّ الإطلاقات التي وقعت في البول ظاهرها العموم و كذا في العذرة، مع أنّ في العذرة شيئاً آخر و هو منع شمولها لأرواث ما يؤكل لحمه إمّا لغة أو عرفاً، و بالجملة: الحكم واضح بحمد اللّٰه تعالى.

و أمّا الثاني: فقد اختلف فيه، قال العلّامة (ره) في المختلف مسألة: و في أبوال البغال و الحمير و الخيول و أرواثها قولان: أحدهما و هو المشهور-

32

الطهارة على كراهية، و هو اختيار الشيخ (ره) في كتابي الأخبار و مذهب ابن إدريس.

و قال في المبسوط: «ما يكره لحمه يكره بوله و روثه مثل البغال و الحمير و الدواب و إن كان بعضه أشدّ كراهية من بعض، و في أصحابنا من قال: بول البغال و الحمير و الدواب و أرواثها نجس يجب إزالة قليله و كثيره» و هذا كما اختاره في كتابي الأخبار.

و قال في النهاية: «يجب إزالتها» و هو اختيار ابن الجنيد، و المعتمد الأوّل انتهى كلامه.

و استدل على الطهارة بوجوه:

أحدها: الأصل، على ما ذكره العلّامة في المختلف و صاحب المعالم.

و فيه نظر، لما عرفت [من (6)] أنّ الظاهر من المطلقات الواردة في البول العموم و كذا في العذرة، إلّا أن يمنع إطلاق العذرة على أرواثها، و ليس ببعيد، بل هو الظاهر، لكن بعد ظهور العموم في البول يمكن التمسّك في الروث أيضاً بعدم القول بالفصل ظاهراً.

و لا يمكن القلب بأن يقال: لمّا كان الروث طاهراً بالأصل كان البول أيضاً كذلك، لعدم القائل بالفصل، لأنّ الأصل لا يعارض الخبر الصالح للاحتجاج، و قد

____________

(6) زيادة اقتضاها السياق.

33

مرّ نظيره سابقاً.

و ثانيها: على ما ذكره صاحب المعالم- اتفاق من عدا ابن الجنيد من أصحاب الذين نعرف فتاواهم، فإنّهم ما نسبوا الخلاف إلّا إلى الشيخ في النهاية و ابن الجنيد.

و الشيخ في الاستبصار قال بالطهارة و ظاهر كلامه في الاستبصار أنّ تصنيفه متأخّر عن النهاية، فالشيخ أيضاً رجع عن القول بالنجاسة، فلم يبق إلّا ابن الجنيد، و هذا لا يصلح للاحتجاج. نعم، يصير مؤيّداً بعد تحقق دليل آخر على المطلب.

و ثالثها: ما ذكره العلّامة في المختلف و هو أنّ طهارة أبوال الإبل مع نجاسة هذه الأبوال ممّا لا يجتمعان، و الأوّل ثابت فينتفي الثاني.

وجه المنافاة: أنّ كون الحيوان مأكول اللحم إمّا أن يقتضي طهارة رجيعه أو لا، و على كلا التقديرين يلزم التنافي، أمّا على الأوّل فلوجود المشترك في صورة النزاع، و أمّا على الثاني فلأنّه يلزم نجاسة أبوال الإبل، عملًا بالعموم الدالّ على نجاسة البول مطلقا السالم عن معارضة كون الحيوان مأكولًا [علة]، و أمّا ثبوت الأوّل فبالإجماع.

و ضعفه ظاهر، لأنّ مراده بالاقتضاء إمّا الاقتضاء التامّ أو في الجملة، فإن كان المراد الاقتضاء التامّ إمّا بحسب الإثبات أو بحسب الثوب فنختار الشقّ الثاني، و لا نسلّم أنّه يلزم حينئذٍ نجاسة أبوال الإبل.

34

أمّا إذا كان الكلام في الإثبات فلأنّه يجوز أن يثبت الحكم لا باعتبار معارضة كون الحيوان مأكولًا، بل بمعارضة أمر آخر، كالإجماع الذي ادّعاه في ثبوت الأوّل، أو الروايات الدالّة على خصوص الإبل على ما نقلنا أو باعتبار تلك المعارضة أيضاً، لكن لا من حيث الاقتضاء التامّ بل من حيث الخصوص، و يكون الخصوصية مفهومة من استثناء الثلاثة ممّا يؤكل لحمه، على ما سيجيء من الروايات.

و أمّا إذا كان في الثبوت فلأنّه يجوز أن يكون علّة الحكم أمراً آخر غير أكل اللحم ممّا لا نعلمه، إذ علل الأحكام الشرعية لا يهتدي العقل إليها سبيلًا؛ أو يكون أكل اللحم أيضاً، لكن باعتبار خصوصيّة يوجد في الإبل دون الثلاثة، ككونه ممّا يعدّ للأكل و غيره ممّا لا نتصوره.

و إن كان المراد الاقتضاء في الجملة إثباتاً أو ثبوتاً أيضاً فنختار الأوّل، و نمنع لزوم الطهارة في الثلاثة، و هو ظاهر.

و يمكن اختيار الشقّ الثاني أيضاً و منع لزوم نجاسة أبوال الإبل، لجواز أن يكون المقتضي للطهارة إثباتاً أو ثبوتاً غير أكل اللحم مطلقا، إمّا الإجماع، أو الخبر في الإثبات، أو أمر آخر لا نعلمه في الثبوت.

و رابعها: الروايات:

فمنها: حسنة زرارة المنقولة في بحث ما عرض له التحريم.

و منها: حسنة ابن سنان المنقولة فيه أيضاً، الدالّة بمفهومها على الحكم.

35

و منها: موثقة عمّار المنقولة فيه أيضاً.

و منها: ما رواه التهذيب في باب تطهير الثياب، و الاستبصار و الكافي في باب أبوال الدوابّ، عن زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام)، في أبوال الدوابّ تصيب الثوب فكرهه، فقلت: أ ليس لحومها حلالًا؟ قال بلى، و لكن ليس ممّا جعله اللّٰه للأكل.

و كرّر هذه الرواية في التهذيب، في باب تطهير الثياب من الزيادات بتغيير في السند.

و يمكن المناقشة بجواز حمل الكراهة على الحرمة أو المطلق، و يكون تحققها في ضمن الحرمة، و ليس مثل هذا الحمل ممّا يعدّ مخالفاً للظاهر.

و منها: ما رواه التهذيب، في باب تطهير الثياب من الزيادات، عن المعلّى بن خنيس و عبد اللّٰه بن أبي يعفور، قالا: كنّا في جنازة و قربنا حمار، فبال، فجاءت الريح ببوله حتّى صكّت وجوهنا و ثيابنا، فدخلنا على أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فأخبرناه، فقال ليس عليكم شيء.

و هذا الخبر في الاستبصار أيضاً، في باب أبوال الدوابّ.

و منها: ما رواه الفقيه، في باب ما ينجس الثوب و الجسد، قال: و سأل أبو الأغر النخاس أبا عبد اللّٰه (عليه السلام)، فقال إنّي أعالج الدوابّ، فربّما

36

خرجت بالليل و قد بالت و راثت، فيضرب إحديها بيدها أو برجلها، فينضح على ثوبي؟ فقال: لا بأس به.

و هذا الخبر في الكافي أيضاً، في باب أبوال الدوابّ، عن الأعز النخاس، لكن لا بطريق الفقيه، و بتغيير ما في المتن، حيث فيه فيضرب أحدهما برجله أو بيده، فينتضح على ثيابي، فأصبح فأرى أثره فيه؟ فقال: ليس عليك شيء.

و أكثر هذه الروايات مختصّ بالبول، لكن يمكن إجراؤه في الروث بعدم القول بالفصل، و في خصوص الروث أيضاً روايات سنذكرها إن شاء اللّٰه تعالى في طيّ ذكر الاحتجاج للقول بالنجاسة.

و وجدت أيضاً رواية مختصّة بالروث في كتاب قرب الإسناد لعبد اللّٰه بن جعفر الحميري، روى عن أحمد و عبد اللّٰه ابني محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الروث يصيب ثوبي و هو رطب؟ قال إن لم تقذره فصلّ فيه.

و هذه الرواية مع صحّة سندها واضحة الدلالة على المطلوب، و يمكن إجراؤها في البول بعدم القول بالفصل، إلّا أن يناقش فيها بعدم ثبوت انتساب الكتاب إلى مؤلفه، و لا يخلو عن بعد.

هذا ما// (300) وجدنا من الروايات المتعلقة بهذا البحث.

و أمّا حجّة القول بالنجاسة:

37

فأمّا أوّلًا: فإنّها غير مأكولة بالعادة، فدخلت تحت حكم ما لا يؤكل لحمه.

و فيه ضعف، لأنّ ما لا يؤكل لحمه ظاهره أنّه لا يؤكل لحمه، لا ما لا يعتاد أكله، تنزّلنا عن الظهور فلا أقلّ من عدم الظهور في خلافه، فكيف يمكن الاستدلال.؟

إلّا أن يقال: الإطلاقات الواردة في البول تدلّ ظاهراً على العموم، و ما يصلح مخصّصاً لها حسنتا زرارة و ابن سنان المنقولتان في البحث المذكور، الدالّة إحديهما منطوقاً و الأخرى مفهوماً على التخصيص، و موثقة عمّار المتقدمة أيضاً، لأنّ باقي الروايات من الضعف بحالٍ.

و في هذه الثلاثة علّق الحكم بأكل اللحم نفياً و إثباتاً، و على تقدير تساوى الحملين المذكورين لا يثبت التخصيص في الثلاثة، فبقي حكم النجاسة فيها على عمومها، لكن للمناقشة في العموم مجال، كما مرّ غير مرّة.

و على تسليمه أيضاً نقول: إذا وردت مخصّصات لم يتيقن المراد منها فلا نسلّم أنّ في الأفراد المشكوكة يجب الحكم بالعام، لِمَ لا يحكم بأصل البراءة و غيرها،؟ و وجوب تحصيل اليقين ببراءة الذمة من التكليف اليقيني قد مرّ القول فيه غير مرّة.

و أمّا ثانياً: فالروايات:

فمنها: صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه، المنقولة في البحث المذكور.

و منها: ما رواه التهذيب، في باب تطهير الثياب، في الصحيح، عن الحلبي

38

قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن أبوال الخيل و البغال؟ فقال اغسل ما أصابك منه. و حكم الحمار أيضاً يعلم منه بعدم القول بالفصل.

و هذا الخبر في الاستبصار أيضاً، في باب أبوال الدوابّ.

و منها: ما رواه التهذيب [و الإستبصار]، في البابين المذكورين، في الصحيح، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال لا بأس بروث الحمير، و اغسل أبوالها.

و فيه: أنّه دليل على النجاسة لا لها، لأنّه نفى البأس عن روث الحمير صريحاً الدالّ على طهارته، فيكون بوله أيضاً كذلك، لعدم القول بالفصل، و يكون الأمر الوارد بالغسل محمولًا على الاستحباب و التنزّه، مع أنّ ورود الأمر الاستحبابي في أحاديث أئمتنا (عليهم السلام) شائع ذائع، من دون حاجة له إلى قرينة.

و منها: حسنة محمّد بن مسلم، المنقولة في الحكم الأوّل.

و منها: ما رواه التهذيب في باب تطهير الثياب من الزيادات، و الاستبصار في باب أبوال الدوابّ، في الموثق، عن سماعة قال: سألته عن بول السنّور و الكلب، و الحمار و الفرس؟ فقال كأبوال الإنسان.

و أجاب الشيخ في الاستبصار بجواز حمله على أنّ بول السنور و الكلب كأبوال

39

الإنسان، و لا خفي بعده؛ و بجواز حمله على التقيّة، و هو قريب، لأنّ كثيراً من عظماء العامّة قالوا بنجاسة بول ما يؤكل لحمه مطلقا.

و منها: ما رواه التهذيب في باب تطهير الثياب، و الاستبصار و الكافي في باب أبوال الدوابّ، عن أبي مريم قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): ما تقول في أبوال الدواب و أرواثها؟ قال أمّا أبوالها فاغسل ما أصابك، و أمّا أرواثها فهي أكثر من ذلك.

قال في المعتبر: «يعني انّ كثرتها يمنع التكليف بإزالتها».

و على هذا يرد عليه أيضاً أنّه دليل للقول المخالف، بتقريب ما تقدّم من أنّ طهارة الروث يستلزم طهارة البول، لعدم القول بالفصل، فيكون الأمر محمولًا على الاستحباب.

إلّا أن يقال: يحتمل أن يكون معناه أنّ الروث أكثر من البول في اقتضاء الغسل.

و في بعض النسخ بالباء الموحّدة، و حينئذٍ حمله على هذا المعنى أظهر، لكن مجرّد الاحتمال لا يكفي في الاستدلال، لجواز أن يكون المراد المعنى الأوّل، فينقلب الحال.

إلّا أن يقال: الأصل في الأمر الوجوب، فينبغي أن يبقى على أصله حتّى يظهر المخرج، و المخرج غير معلوم حينئذٍ، لجواز الحمل على المعنى الثاني، و إذا بقي الأمر على أصله فيثبت الحكم في البول، و يتعدّى إلى الروث أيضاً، باعتبار عدم

40

القول بالفصل.

بل يقال: لمّا وجب إبقاء الأمر على الوجوب فيلزم حمل الخبر على المعنى الثاني، و إلّا يلزم خروجه عنه، و بعبارة أخرى: يجب الحمل على المعنى الثاني، و إلّا يلزم حمل لفظ الأمر على خلاف حقيقته و هو خلاف الأصل، لكن أنت خبير بما في أصالة وجوب الأمر و أصالة كون الإطلاق حقيقة.

و على تسليمهما أيضاً لا نسلّم أنّ مع قيام مثل ذلك الاحتمال القريب في الخبر تبقى حجّيته بحالها، بل لا يبعد الرجوع إلى أصل البراءة و الطهارة.

و منها: ما رواه التهذيب و الاستبصار، في البابين المذكورين، عن عبد الأعلى بن أعين، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن أبوال الحمير و البغال؟ فقال اغسل ثوبك. قال: قلت: فأرواثها؟ قال: هو أكثر من ذلك، و الكلام فيه أيضاً كالكلام في سابقه.

و منها: رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، المنقولة في بحث عروض التحريم عن زيادات التهذيب.

و منها: ما رواه التهذيب في باب آداب الأحداث، و الاستبصار في باب مقدار الماء الذي لا ينجّسه شيء، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، أنّه سئل عن الماء النقيع تبول فيه الدوابّ؟ فقال إن تغيّر الماء فلا تتوضّأ منه، و إن لم تغيّره أبوالها فتوضّأ منه، و كذلك الدم إذا سال في الماء و أشباهه.

41

هذا جملة ما وجدنا من الروايات في هذا الباب، و قد تكلّمنا على بعضها، و بعضها ضعيف السند ممّا لم نصفه بالصحّة و الحسن و التوثيق، فلا يصلح للاحتجاج، إلّا أن يجعل مؤيّداً.

و إذ قد اطلعت على الأخبار من الطرفين و بعض ما فيها، فلا بأس أن نتصدي لتتميم الكلام و ترجيح ما هو الراجح من القولين، على حسب مشي (1) القوم و طريقتهم.

فنقول: قد حمل الشيخ (ره) في التهذيب و الاستبصار هذه الأخبار المتضمنة للأمر بالغسل من بول هذه الثلاثة و روثها- على ضرب من الاستحباب و التنزّه و كراهة الأبوال و الأرواث.

قال في الاستبصار و الذي يدلّ على ذلك ما أوردناه من أنّ ما يؤكل لحمه لا بأس ببوله و روثه، و إذا كانت هذه الأشياء غير محرّمة اللحوم لم يكن أبوالها و أرواثها محرّمة.

و استدل أيضاً على ذلك الحمل برواية زرارة المنقولة آنفاً، المتضمنة لحديث الكراهة، ثمّ قال: «فجاء هذا الخبر مفسّراً لهذه الأخبار كلّها [جليّا]، و مصرّحاً بكراهة ما تضمنه.، و يجوز أن يكون الوجه في هذه الأحاديث أيضاً ضرباً من التقيّة، لأنّها موافقة لمذهب بعض العامّة» انتهى.

و قد عرفت المناقشة في ظهور الكراهة في المعنى المصطلح.

____________

(1) في نسخة «م»: تمشي.

42

و قد أيّد صاحب المعالم أيضاً الحمل على الاستحباب بما في حسنة محمّد بن مسلم المنقولة، من الأمر بالنضح مع الشكّ، و هو للاستحباب باعتراف الخصم، مع أنّه وقع في الحديث مجرّداً عن القرينة الدالّة على ذلك، فلا بُعد في كون الأوامر الواقعة في صحّته مثله، بل المستبعد من الحكيم سوق الكلام على نمط يعطي الاتفاق في الحكم و الحال على الاختلاف،// (301) و هو جيّد، و إن كان يوجد مثله في الروايات كثيراً، مع أنّك قد علمت أنّ الحمل على الاستحباب لا حاجة له إلى تأييد و تقوية في أحاديثنا.

ثمّ أورد على ما نقلنا من الشيخ (ره) بقوله و لا يخفى ما في قوله: «يدلّ على ذلك ما أوردناه من أنّ ما يؤكل لحمه» إلى آخره، فإنّ هذا المضمون عامّ، و الأخبار التي يحاول تأويلها خاصّة، فطريق الجمع بينهما حمل العامّ على الخاصّ لا ما ذكره.

و قد كان الصواب التمسّك في ذلك بالأخبار التي ذكرناها في الاحتجاج للطهارة، فإنّها خاصّة كأخبار النجاسة، فيقع التعارض انتهى.

و يمكن أن يقال: إنّ ما أورده الشيخ و إن كان عامّاً، لكن لا دليل على وجوب تخصيصه بالأخبار الخاصّة، لجواز الجمع بينهما بحمل الأخبار الخاصّة على التجوّز، و لا نسلّم رجحان التخصيص على مثل هذا التجوّز الشائع في الروايات، و لو فرض أدنى رجحان له أيضاً فيعارضه موافقة العامّ، للأصل و لِعمل جلّ الأصحاب، و لا شكّ أنّه حينئذٍ الرجحان للعامّ، فلذا ارتكب الشيخ التجوّز في

43

الخاصّ.

إلّا أن يقال: إنّ المطلقات الواردة في البول و العذرة الظاهرة في العموم مرجّحة للخاصّ، إذ على تقدير التجوّز في الخاصّ يلزم زيادة تخصيص مع ارتكاب التجوّز فيها، و على تقدير تخصيص العامّ الذي أورده الشيخ يلزم التخصيص فيه فقط، فيكون أولى، لقلّة المحذور.

لكن قد عرفت المناقشة في ظهور تلك المطلقات في العموم ظهوراً بيّناً، مع أنّ العذرة لا شمول لها للأرواث، و مع ذلك عمل الأصحاب و أصالة البراءة و الطهارة مرجّحان قويّان لا يعارضهما ما ذكر.

و بعد ذلك أورد صاحب المعالم الاعتراض على استقامة الجمع الذي ذكره الشيخ من الحمل على الكراهة و التقيّة و قال إنّ تكلّف الجمع فرع حصول التعارض، و المصير إلى التأويل إنّما يصحّ عند قيام المعارض، و ذلك مفقود هنا، فإنّ في أخبار التنجيس ما هو صحيح السند، و ليس في جانب الطهارة حديث صحيح- و بيّن وجه عدم الصحّة في روايات الطهارة جميعاً.

ثمّ بالغ جهداً في تقوية بعض تلك الروايات سيّما رواية الأغر النخاس بما ذكره يفضي إلى التطويل، و أثبت أن لا تفاوت بين روايات الطهارة و النجاسة في الصلاحية للاحتجاج على طريقة القوم، و أنّ على طريقته لا شيء منها جميعاً بصحيح، و رجّح على الوجهين جانب الطهارة، لأنّه لا يبقى عليهما المقتضى

44

للأصل المعتضد (1) بعمل جمهور الأصحاب، و مخالفة ما عليه أهل الخلاف معارض.

و أنا أقول: لا يخفى أنّه لو فرض التفاوت بين الروايات أيضاً، و أنّ في طرق النجاسة يوجد ما هو صحيح دون طرق الطهارة، لكان الترجيح أيضاً للطهارة، لأنّ الاستدلال على النجاسة إمّا باعتبار المطلقات التي في الأبوال و العذرة التي ظاهرها النجاسة، و يوجد فيها ما هو صحيح، و إمّا باعتبار الروايات الواردة في خصوص هذه الثلاثة التي بعضها صحيح؛ أمّا الأوّل: فقد عرفت الحال فيه مراراً، و أنّ تلك المطلقات قاصرة عن إفادة المرام مع وجود تلك المعارضات.

و أمّا الثاني: فغير تمام أيضاً، لما ظهر من أنّ بناء دلالة الروايات جميعاً إلّا موثقة سماعة على الأمر بالغسل، و الأمر حاله ظاهر في عدم ظهوره في الوجوب، سيّما مع وجود تلك المعارضات الكثيرة التي لا يخلو عن قوّة، و إن لم يوجد فيها صحيح.

و مع وجود تلك الروايات الدالّة على طهارة الروث من دون معارض لعدم شمول العذرة له المستلزمة لطهارة البول أيضاً، لعدم القول بالفصل، مع أنّ حمل الأمر على الوجوب يوجب اطراح هذه الروايات، و أمر موثقة سماعة أيضاً سهل بعد ملاحظة تلك الأمور و معارضتها بما هو أقوى منها، و هذا كلّه مع معاضدة الأصل العقلي و النقلي و عمل جلّ الأصحاب و لزوم العسر و المشقّة الغير المناسبين

____________

(1) في نسخة «م»: و المعتضد.

45

للشريعة السمحة السهلة.

و بالجملة: الخبر الواحد و إن كان صحيحاً لا جزم في وجوب العمل به، مع عدم معاضدته بعمل الأصحاب و مخالفته للأصل، سيّما مع وجود المعارضات له، و إن لم تكن صحيحة، و خصوصاً مع تحقق قوّة ما لبعض تلك المعارضات كما فيما نحن فيه إذ الدليل على وجوب العمل بخبر الواحد الصحيح لا نسلّم شموله لهذه الصورة أيضاً؛ فتدبّر.

و لكن مع ذلك الاحتياط في الاجتناب غالباً، سيّما في البول الذي هو مورد النصوص.

هذا، و أمّا الحكم الثالث فقد ظهر ممّا ذكر، من دون حاجة إلى التصريح به.

[الثالث المني من ذي النفس السائلة]

و المني و الدّم من ذي النفس.

أمّا المني: فقد ادّعى العلّامة في التذكرة أنّه نجس عند علمائنا أجمع، من كلّ حيوان ذي نفس سائلة، آدمياً كان أو غيره.

و ظاهر المنتهي أيضاً ذلك، حيث قال قال علماؤنا: «المني نجس،» و يدلّ عليه أيضاً مضافاً إلى الإجماع قوله تعالى وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطٰانِ قال أهل التفسير: «المراد بذلك أثر الاحتلام».

هكذا استدل العلّامة في المنتهي، ثمّ قال و استدل المرتضى بهذه الآية في

46

المسائل الناصريّة بوجه آخر، و هو: أنّ الرجز و الرجس بمعنى واحد، لقوله تعالى وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ و أراد به عبادة الأوثان، فعبّر عنها مرّة بالرجز و الأخرى بالرجس، فاتحد معناهما، و إذا سمّى اللّٰه تعالى المني رجساً ثبت نجاسته، و لأنّه تعالى أطلق اسم التطهير و لا يراد شرعاً إلّا في إزالة النجاسة أو غَسل الأعضاء الأربعة انتهى كلام المنتهي.

و في كلا الاستدلالين نظر:

أمّا في استدلال العلّامة (ره): فلأنّ قول المفسّرين بأنّ الرجز أثر الاحتلام بعد ما سلّم صحّة التعويل عليه، يحتمل أن يكون المراد به النجاسة الحدثيّة التي يحصل عقيب الاحتلام لا المني، و لو سلّم أنّه المني فلا يدلّ على نجاسته، إذ لا شكّ في كراهته للطبع و استقذاره له، فيجوز أن يكون امتنان اللّٰه تعالى سبحانه بإذهابه، باعتبار إذهاب تلك الكراهة و الاستقذار لا باعتبار النجاسة، و لو تمسّك بإطلاق التطهير فيرجع إلى الوجه الأخير الذي نقله عن المرتضى (ره)، و سنتكلم عليه.

و أمّا في الاستدلالي المرتضى (ره):

ففي الأوّل: بعد تسليم كون المراد من الرجز هو المني أنّ إطلاق الرجز و الرجس على عبادة الأوثان لا يدلّ على اتّحاد معناهما، و هو ظاهر.

و أيضاً: الرجس الذي أطلق على عبادة الأوثان لا يجوز أن يكون المراد منه النجس، بل لا بدّ من حمله على معنى آخر و إن كان مجازياً للرجس، فغاية ما

47

يلزم من إطلاق الرجز أيضاً عليه اتّحاد معنى الرجز مع هذا المعنى للرجس لا بمعناه الآخر الذي هو النجس لو كان.

و في الثاني: أنّ إطلاق التطهير شرعاً على الغسل ممّا لا شكّ فيه، و حينئذٍ نقول: يجوز أن يكون المراد منه في الآية غسل الجنابة// (302) و إذهاب رجز الشيطان أيضاً، أمّا المراد به إزالة النجاسة الحكمية التي يتفرع على غسل الجنابة فلا يتمّ الاستدلال، أو إزالة المني، و لم يطلق عليها التطهير حتّى يقال: إنّ التطهير لا يستعمل إلّا في إزالة النجاسة أو غسل الأعضاء الأربعة، بل أطلق عليها الإذهاب، و هو لا يدلّ على المراد كما علمت، و التطهير حكم آخر.

و تدلّ أيضاً على نجاسة المني روايات كثيرة مستفيضة:

فمنها: ما رواه التهذيب، في باب تطهير الثياب، في الصحيح، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال ذكر المني فشدّده، و جعله أشدّ من البول.

و كرّر هذا الخبر في التهذيب، في كتاب الصلاة، باب ما يجوز الصلاة فيه و ما لا يجوز.

و روى الفقيه أيضاً في باب ما يصلّى فيه.

و منها: ما رواه التهذيب أيضاً في الباب المذكور، و كرّر أيضاً في كتاب الصلاة في الباب المذكور، في الصحيح، عن محمّد، عن أحدهما (عليهما السلام)

48

قال: سألته عن المذي يصيب الثوب؟ فقال ينضحه بالماء إن شاء، و قال في المني الذي يصيب الثوب: فإن عرفت مكانه فاغسله، و إن خفي عليك فاغسله كلّه.

و منها: ما رواه الفقيه، في باب ما ينجس الثوب و الجسد، في الصحيح، قال: و سأل محمّد الحلبي أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل أجنب في ثوبه و ليس معه ثوب غيره؟ فقال يصلّي فيه، فإذا وجد الماء غسله.

قال: و في خبر آخر و أعاد الصلاة.

و هذا الخبر في التهذيب أيضاً في الباب المذكور، بطريق صحيح، عن أبان، عن محمّد.

و في الإستبصار أيضاً، في باب عرق الجنب و الحائض.

و منها: ما رواه التهذيب أيضاً في الباب المذكور، و الكافي في باب المني و المذي يصيبان الثوب و الجسد، و كرّر في التهذيب في كتاب الصلاة في الباب المذكور، في الموثق، عن سماعة قال: سألته عن المني يصيب الثوب؟ قال اغسل الثوب كلّه إذا خفي عليك مكانه، قليلًا كان أو كثيراً.

49

و منها: ما رواه التهذيب، في باب تطهير الثياب من الزيادات، في الموثق، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الثوب يجنب فيه الرجل و يعرق فيه؟ فقال أمّا أنا فلا أحبّ أن أنام فيه، و إن كان الشتاء فلا بأس ما لم يعرق فيه.

و منها: ما رواه التهذيب، في باب آداب الأحداث، و الاستبصار في باب الماء القليل، في الموثق، عن سماعة، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال إذا أصابت الرجل جنابة فأدخل يده في الإناء فلا بأس، إن لم يكن أصاب يده شيء من المني.

و منها: ما رواه التهذيب في الباب المذكور، عن سماعة قال: سألته عن رجل يمسّ الطست أو الركوة (1)، إلى آخر الحديث. و قد مرّ في مبحث الماء القليل، و قد مرّ فيه غيره أيضاً من الروايات ممّا يدلّ على نجاسة المني.

و منها: ما رواه التهذيب، في باب تطهير الثياب، و الكافي في باب المني، في الحسن، بإبراهيم الحلبي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال إذا احتلم الرجل فأصاب ثوبه مني فليغسل الذي أصابه، فإن ظنّ أنّه أصابه مني و لم يستيقن و لم ير مكانه فلينضحه بالماء، و إن استيقن أنّه أصابه و لم ير مكانه فليغسل ثوبه

____________

(1) الركوة: إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء، و الجمع ركاء.

50

كلّه، فإنّه أحسن.

و في الكافي بدل «المني» في الموضعين «شيء».

و منها: ما روياه أيضاً في البابين المذكورين، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سألته عن المني يصيب الثوب؟ قال إن عرفت مكانه فاغسله، فإن خفي عليك مكانه فاغسله كلّه.

و منها: ما رواه التهذيب، في الباب المذكور، عن عنبسة بن مصعب قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المني يصيب الثوب فلا يدري أين مكانه؟ قال يغسله كلّه، و إن علم مكانه فليغسله.

و هاهنا روايات أخرى تدلّ على المرام، سنوردها إن شاء اللّٰه تعالى في بحث الصلاة مع نجاسة الثوب أو البدن و ما يتعلّق به.

فأمّا ما رواه التهذيب في باب تطهير الثياب من الزيادات، و الاستبصار في باب عرق الجنب و الحائض، في الصحيح، عن زرارة قال: سألته عن الرجل يجنب في ثوبه، أ يتجّفف فيه من غسله؟ فقال نعم، لا بأس به، إلّا أن تكون النطفة فيه رطبة، فإن كانت جافّة فلا بأس فيمكن حمله على التقيّة.

و حمله الشيخ في الاستبصار على أنّه إذا لم يتنشف بالموضع الذي يكون فيه