الوافي - ج1

- الفيض الكاشاني المزيد...
568 /
3

مقدمة المصنف

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

نحمدك اللهم يا من هدانا بأنوار القرآن و الحديث لمعرفة الفرائض و السنن و نجانا بسفينة أهل بيت نبيه من أمواج الفتن و أغنانا بعلمهم عن اجتهاد الرأي و القول بالظن و أراحنا بمتابعتهم عن تقليد آراء الناس في الأعصار و الزمن.

فألهمنا اللهم طاعتك و جنبنا معصيتك و يسر لنا بلوغ ما نتمنى من ابتغاء رضوانك و أحللنا بحبوحة جنانك و اقشع عن بصائرنا سحائب الارتياب و اكشف عن قلوبنا أغشية الريب و الحجاب و أزهق الباطل عن ضمائرنا و أثبت الحق في سرائرنا فإن الشكوك و الظنون لواقح الفتن و مكدرة الصفح و المنن.

و احملنا في سفن نجاتك و متعنا بلذيذ مناجاتك و أوردنا حياض حبك و أذقنا حلاوة ودك و قربك و اجعل شغلنا فيك و همنا في طاعتك و أخلص نياتنا في معاملتك فإنا بك و لك و لا وسيلة لنا إليك إلا أنت سبحانك ما أضيق الطريق على من لم تكن دليله و ما أوضح الحق عند من هديته سبيله فاسلك بنا سبل الوصول إليك و سيرنا

4

في أقرب الطرق للوفود عليك قرب علينا البعيد و سهل لدينا العسير الشديد و ألحقنا بعبادك الذين هم بالبدار إليك يسارعون و بابك على الدوام يطرقون و إياك في الليل و النهار يعبدون و هم من هيبتك مشفقون.

الذين صفيت لهم المشارب و بلغتهم الرغائب و أنجحت لهم المطالب و قضيت لهم من فضلك المآرب و ملأت ضمائرهم من حبك و رؤيتهم من صافي شراب ودك فبك إلى لذيذ مناجاتك وصلوا و منك على أقصى مقاصدهم حصلوا.

اللهم و صل و سلم على أوفرهم منك حظا و أعلاهم عندك منزلا و أجزلهم من حبك قسما و أفضلهم في معرفتك نصيبا محمد المصطفى و على أخيه و صنوه علي المرتضى و على سبطيه الحسن و الحسين و على التسعة من ولد الحسين الأئمة المجتبين و على سائر أنبيائك و أوليائك و أهل اصطفائك و اجعلنا لأنعمك من الشاكرين و لآلائك من الذاكرين.

أما بعد فيقول خادم علوم الدين و راصد أسرار الأئمة المعصومين محمد بن مرتضى المدعو بمحسن أحسن اللّٰه تعالى حاله و جعل إلى الرفيق الأعلى مآله هذا يا إخواني كتاب واف في فنون علوم الدين يحتوي على جملة ما ورد منها في القرآن المبين و جميع ما تضمنته أصولنا الأربعة التي عليها المدار في هذه الأعصار أعني الكافي و الفقيه و التهذيب و الاستبصار من أحاديث الأئمة الأطهار س حداني إلى تأليفه ما رأيت من قصور كل من الكتب الأربعة عن الكفاية و عدم وفائه بمهمات الأخبار الواردة

5

للهداية و تعسر الرجوع إلى المجموع لاختلاف أبوابها في العنوانات و تباينها في مواضع الروايات و طولها المنبعث عن المكررات.

أما الكافي فهو و إن كان أشرفها و أوثقها و أتمها و أجمعها لاشتماله على الأصول من بينها و خلوه من الفضول و شينها إلا أنه أهمل كثيرا من الأحكام و لم يأت بأبوابها على التمام و ربما اقتصر على أحد طرفي الخلاف من الأخبار الموهمة للتنافي و لم يأت بالمنافي ثم إنه لم يشرح المبهمات و المشكلات و أخل بحسن الترتيب في بعض الكتب و الأبواب و الروايات.

و ربما أورد حديثا في غير بابه و ربما أهمل العنوان لأبوابه و ربما أخل بالعنوان لما يستدعيه و ربما عنون ما لا يقتضيه.

و أما الفقيه فهو كالكافي في أكثر ذلك مع خلوه من الأصول و قصوره عن كثير من الأبواب و الفصول.

و ربما يشبه الحديث فيه بكلامه و يشبه كلامه في ذيل الحديث بتمامه و ربما يرسل الحديث إرسالا و يهمل الأسناد إهمالا.

و أما التهذيب فهو و إن كان جامعا للأحكام موردا لها قريبا من التمام إلا أنه كالفقيه في الخلو من الأصول مع اشتماله على تأويلات بعيدة و توفيقات غير سديدة و تفريق

6

لما ينبغي أن يجمع و جمع لما ينبغي أن يفرق و وضع لكثير من الأخبار في غير موضعها و إهمال لكثير منها في موضعها و تكررات مملة و تطويلات للأبواب مع عنوانات قاصرة مخلة.

و أما الإستبصار فهو بضعة من التهذيب أفردها منه مقتصرا على الأخبار المختلفة و الجمع بينها بالقريب و الغريب.

و بالجملة فالمشايخ الثلاثة شكر اللّٰه مساعيهم و إن بذلوا جهدهم فيما أرادوا و سعوا في نقل الأحاديث و جمع شتاتها و أجادوا إلا أنهم لم يأتوا فيها بنظام تام و لا وفى كل واحد منهم بجميع الأصول و الأحكام و لم يشرحوا المبهمات منها شرحا شافيا و لم يكشفوا كثيرا مما كان منها خافيا و لم يتعاطوا حل غوامضه و لا تفرغوا لتفسير مغامضه و لكن الإنصاف أن الجمع بين ما فعلوا و بين ما تركوا أمر غير ميسر بل خطب لا تبلغه مقدرة البشر فهم قد فعلوا ما كان عليهم و إنما بقي ما لم يكن موكولا إليهم فكم من سرائر بقيت تحت السواتر و كم ترك الأول للآخر فجزاهم اللّٰه عنا خير الجزاء بما بلغوا إلينا و أسكنهم الجنان في العقبى لما تلوا علينا.

و لم أر أحدا تصدى لتتميم هذا الأمر إلى الآن و لا صدع به أحد من مشايخنا في طول الزمان مع أن الأفئدة في الأعصار و الأدوار هاوية إليه و الأكباد في الأقطار و الأمصار هائمة عليه.

و إني و إن كنت في هذا الشأن لقليل البضاعة غير ممتط ظهر الخطر في بوادي هذه الصناعة إلا أن الدهر لما كان عن إبراز الرجال في وسن و لم يكن لمعضلات

7

القضايا أبو حسن و كانت آمال جماعة من الإخوان متوجهة إلي و وجوه قلوبهم مقبلة علي اضطرني ذلك إلى الخوض في هذا الخطب الشريف و الأخذ في هذا الجمع و التأليف و الإتيان من المباني و المعاني بالتليد و الطريف.

فشرعت فيه مستعينا بالله عز و جل و جمعته جمعا و تدوينا و نظمته نظما و ترقينا و هذبته تهذيبا و رتبته ترتيبا و فصلته تفصيلا و سهلت طريق تناوله تسهيلا و بذلت جهدي في أن لا يشذ عنه حديث و لا إسناد يشتمل عليه الكتب الأربعة ما استطعت إليه سبيلا و شرحت منه ما لعله يحتاج إلى بيان شرحا مختصرا في غير طول.

و أوردت بتقريب الشرح أحاديث مهمة من غيرها من الكتب و الأصول و وفقت بين أكثر ما يكاد يكون متنافيا منه توفيقا سديدا و أولت بعضه إلى بعض تأويلا غير بعيد ليكون قانونا يرجع إليه أهل المعرفة و الهدى من الفرقة الناجية الإمامية و دستورا يعول عليه من يطلب النجاة في العقبى من شيعة العترة النبوية و لا يحتاجوا معه إلى كتاب آخر و لا يفتقروا بعده في استنباط المسائل و الأحكام إلى كثير نظر و يستريحوا من الاجتهادات الفاسدة و الإجماعات الكاسدة و الأصول الفقهية المختلقة و الأنظار الوهمية المختلفة و سميته بالوافي لوفائه بالمهمات و كشف المبهمات و أسأل اللّٰه تعالى التوفيق للبلوغ إلى انتهائه كما هيأ لي أسباب ابتدائه و أن يجعله خالصا لوجهه و رضائه و يشركني في أجر كل من انتفع به إلى يوم لقائه.

و نقدم أمام الخوض في المقصود ثلاث مقدمات

ننبه في إحداها على طريق معرفة العلوم الدينية من كان غافلا أو مريبا ف إِنَّهُمْ

8

يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَ نَرٰاهُ قَرِيباً.

و نوقف في الأخرى لقسط من معرفة أسانيد الأخبار من أراد منها نصيبا.

و نمهد في الثالثة اصطلاحات و قواعد نختصر بتمهيدها الكتاب و نهذبه تهذيبا و من اللّٰه الاستعانة في كل باب إنه كان قريبا مجيبا

9

المقدمة الأولى في التنبيه على طريق معرفة العلوم الدينية

تنبيه العلوم الدينية قسمان قسم يقصد لذاته و هو العلم بالله و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر و هو إما تحقيقي أو تقليدي.

فالتحقيقي نور يظهر في القلب فينشرح فيشاهد الغيب و ينفسح فيحتمل البلاء و يحفظ السر و علامته التجافي عن دار الغرور و الإنابة إلى دار الخلود و التأهب للموت قبل نزوله و يسمى بالعلم اللدني أخذا من قوله سبحانه وَ عَلَّمْنٰاهُ مِنْ لَدُنّٰا عِلْماً.

و هو أفضل العلوم و أعلاها بل هو العلم حقيقة و ما عداه بالإضافة إليه جهل و هو المقصد الأقصى من الإيجاد.

و التقليدي تلقي بعض مسائل هذا العلم من صاحب الشرع على قدر الفهم و الحوصلة كما و كيفا ثم التدين به.

و قسم يقصد للعمل ليتوسل به إلى ذلك النور و هو العلم بما يقرب إلى اللّٰه تعالى و ما يبعد منه من طاعات الجوارح و معاصيها و مكارم الأخلاق و مساويها و هو تقليد

10

كله لصاحب الشرع إلا ما لا يختلف فيه العقول منه و له التقدم بالنسبة إلى تحقيقي الأول لأنه الشرط فيه.

و طريق معرفة العلم التحقيقي اللدني تفريغ القلب للتعلم و تصفية الباطن بتخليته من الرذائل و تحليته بالفضائل و متابعة الشرع و ملازمة التقوى كما قال اللّٰه تعالى وَ اتَّقُوا اللّٰهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللّٰهُ و قال إِنْ تَتَّقُوا اللّٰهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقٰاناً.

و قال وَ الَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا

و في الحديث النبوي

ليس العلم بكثرة التعلم إنما هو نور يقذفه اللّٰه في قلب من يريد اللّٰه أن يهديه

و فيه

من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه

و فيه

من علم و عمل بما علم ورثه اللّٰه علم ما لم يعلم.

و مثل ذلك مثل من يمشي بسراج في ظلمة فكلما أضاء له من الطريق قطعة مشى فيها فيصير ذلك المشي سببا لإضاءة قطعة أخرى منه و هكذا فالعلم بمنزلة السراج و العمل بمنزلة المشي

و في الحديث النبوي أيضا

ما من عبد إلا و لقلبه عينان و هما غيب يدرك بهما الغيب فإذا أراد اللّٰه بعبد خيرا فتح عيني قلبه فيرى ما هو غائب عن بصره.

و في أخبار أهل البيت(ع)من أمثال هذه الكلمات أكثر من أن تحصى و لا سيما في كلام أمير المؤمنين(ص)و ستقف على بعضها في هذا الكتاب إن شاء اللّٰه تعالى.

و هذا العلم يجب أن يكون مكنونا عن كل ذي عمه و جهل مضنونا عمن

11

ليس له بأهل إذ كل أحد لا يفهم كل علم و إلا لفهم كل حائك و حجام ما يفهمه العلماء من دقائق العلوم فكما أنهم لا يفهمون فكذلك علماء الرسوم لا يفهمون أسرار الدين و لا يحتملون و إن كانوا مدققين فيما يعلمون و لهذا أكابر الصحابة رضي اللّٰه عنهم يكتم بعضهم علمه عن بعض.

قال أمير المؤمنين و إمام المتقين(ع)مشيرا إلى صدره المبارك إن هاهنا لعلما جما لو وجدت له حملة

و قال سيد العابدين و زينهم(ص)

لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله و في رواية لكفره

و لقد آخى رسول اللّٰه(ص)بينهما

و قال (ع)

إني لأكتم من علمي جواهره * * *

كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا

و قد تقدم في هذا أبو حسن

* * *

إلى الحسين و وصي قبله الحسنا

و رب جوهر علم لو أبوح به

* * *

لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا

و لاستحل رجال مسلمون دمي

* * *

يرون أقبح ما يأتونه حسنا

و قال أبو جعفر الباقر(ع)

ما زال العلم مكتوما منذ بعث اللّٰه نوحا على نبيا و (عليه السلام)

و قال أبو عبد اللّٰه الصادق(ع)

خالطوا الناس بما يعرفون و دعوهم مما ينكرون و لا تحتملوا على أنفسكم و علينا إن أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو مؤمن امتحن اللّٰه قلبه للإيمان.

و ذلك لأن أسرار العلوم على ما هي عليه لا تطابق ما يفهمه الجمهور من ظواهر الشرع و طريق معرفة العلم التقليدي بنوعيه أعني الاعتقادي و العملي ليس إلا تعرف آثار أهل البيت(ع)و تعلم أحاديثهم من الأصول المنقولة عنهم لأنهم هم خلفاء النبي(ص)و مهابط الوحي و خزنة العلم

12

و الراسخون فيه و أهل الذكر الذين أمرنا بمسألتهم و أولوا الأمر الذين أمرنا بطاعتهم.

و قد صعدوا ذرى الحقائق بإقدام النبوة و الولاية و نوروا طبقات أعلام الفتوى بالهداية و سائر العلماء و الحكماء إنما استضاءوا بأنوارهم بل الأنبياء و الأوصياء إنما اقتدوا في عالم الأرواح بآثارهم.

فالكليم ألبس حلة الاصطفاء لما شاهدوا منه الوفاء و روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقهم الباكورة فهم منار الهدى و العروة الوثقى و الحجة على أهل الدنيا خزائن أسرار الوحي و التنزيل و معادن جواهر العلم و التأويل الأمناء على الحقائق و الخلفاء على الخلائق مفاتيح الكرم و مصابيح الأمم طهرهم اللّٰه من الرجس تطهيرا و صلى اللّٰه عليهم و سلم تسليما كثيرا.

و نحن بحمد اللّٰه عازمون على أن نجمع مهمات أحاديثهم بل جل ما بأيدينا اليوم منها في هذا الكتاب بتوفيق اللّٰه و تأييده.

و أما طريقة المتكلمين و أهل الجدل و الاجتهاد فحاشا أن تكون مصححة للاعتقاد أو أساسا لعبادة العباد بل هي مما يقسي القلب و يبعد عن اللّٰه سبحانه غاية الأبعاد و تربو به الشبه و الشكوك و تزداد.

فالإنسان لا بد أن يكون أحد رجلين إما محققا صاحب كشف و يقين أو مقلدا صاحب تصديق و تسليم و أما الثالث فهالك و إلى الضلال سالك و هو الذي يمزج الحق بالباطل و يحمل الكتاب و السنة على رأيه و يتصرف فيهما بعقله كما ورد في وصفه و ذمة الأخبار عن الأئمة الأطهار و ستقف على بعضها.

13

و قد قالوا(ع)

كن عالما أو متعلما و لا تكن الثالث فتهلك

و قالوا أيضا

نحن العلماء و شيعتنا المتعلمون و سائر الناس غثاء

و إنما رخص في التكلم لدفع شبه المعاندين و رد الجاحدين

و قد ورد

أن إثمه أكبر من نفعه

و أول من أحدث الجدال في الدين و استنباط الأحكام بالرأي و التخمين في هذه الأمة أئمة الضلال خذلهم اللّٰه ثم تبعهم في ذلك علماء العامة ثم جرى على منوالهم فريق من متأخري الفرقة الناجية بخطإ و جهالة و نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ.

تنبيه إنه لما افتتن الناس بعد وفاة رسول اللّٰه(ص)فغرقوا في لجج الفتن و هلكوا في طوفان المحن إلا شرذمة ممن عصمه اللّٰه و بسفينة أهل البيت(ع)نجاة و بالتمسك بالثقلين أبقاه استكتم الناجون دينهم و صانوا وتينهم فاستبقى اللّٰه عز و جل بهم رمق الشريعة في هذه الأمة و أبقى بإبقاء نوعهم سنة خاتم النبيين إلى يوم القيامة.

فبعث إمام هدى بعد إمام و أقام خلف شيعة لهم بعد سلف فكان لا تزال طائفة من الشيعة رضي اللّٰه عنهم يحملون الأحاديث في الفروع و الأصول عن أئمتهم(ع)بأمرهم و ترغيبهم و يروونها لآخرين و يروي الآخرون لآخرين و هكذا إلى أن وصلت إلينا و الحمد لله رب العالمين.

و كانوا يثبتونها في الصدور و يسطرونها في الدفاتر و يعونها كما يسمعونها

14

و يحفظونها كما يتحملونها و يبالغون في نقدها و تصحيحها و رد زيفها و قبول صحيحها و تخريج صوابها و سليمها من خطئها و سقيمها حتى يرى أحدهم لا يستحل نقل ما لا وثوق به و لا إثبات ذلك في كتبه إلا مقرونا بالتضعيف و مشفوعا بالتزييف طاعنا في من يروي كل ما يروى و يسطر كل ما يحكى كما هو غير خاف على من تتبع كتب الرجال و تعرف منها الأحوال.

و كانوا لا يعتمدون على الخبر الذي كان ناقله منحصرا في مطعون أو مجهول و ما لا قرينة معه تدل على صحة المدلول و يسمونه الخبر الواحد الذي لا يوجب علما و لا عملا و كانوا لا يعتقدون في شيء من تفاصيل الأصول الدينية و لا يعملون في شيء من الأحكام الشرعية إلا بالنصوص المسموعة عن أئمتهم(ع)و لو بواسطة ثقة أو وسائط ثقات و كانوا مأمورين بذلك من قبل أولئك السادات و لا يستندون في شيء منها إلى تخريج الرأي بتأويل المتشابهات و تحصيل الظن باستعانة الأصول المخترعات الذي يسمى بالاجتهاد و لا إلى اتفاق آراء الناس الذي يسمى بالإجماع كما يفعل ذلك كله الجمهور من العامة و كانوا ممنوعين عن ذلك كله من جهتهم(ع)و من جهة صاحب الشرع بالآيات الصريحة و الأخبار الصحيحة و كان المنع من ذلك كله معروفا من مذهبهم مشهورا منهم حتى بين مخالفيهم كما صرح به طائفة من الفريقين.

ثم لما انقضت مدة ظهور الأئمة المعصومين (صلوات اللّٰه عليهم أجمعين) و انقطعت السفراء بينهم و بين شيعتهم و طالت الغيبة و اشتدت الفرقة و امتدت دولة الباطل و خالطت الشيعة بمخالفيهم و ألفت في صغر سنهم بكتبهم إذ كانت هي المتعارف تعليمها في المدارس و المساجد و غيرها لأن الملوك و أرباب الدول كانوا منهم و الناس إنما يكونون مع الملوك و أرباب الدول فعاشرت معهم في مدارسة العلوم الدينية

15

و طالعوا كتبهم التي صنفوها في أصول الفقه التي دونوها لتسهيل اجتهاداتهم التي عليها مدار أحكامهم فاستحسنوا بعضا و استهجنوا بعضا أداهم ذلك إلى أن صنفوا في ذلك العلم كتبا إبراما و نقضا و تكلموا فيها تكلم العامة فيه من الأشياء التي لم يأت بها الرسول(ص)و لا الأئمة المعصومون(ص)و كثروا بها المسائل و لبسوا على الناس طرق الدلائل.

و كانت العامة قد أحدثوا في القضايا و الأحكام أشياء كثيرة بآرائهم و عقولهم في جنب اللّٰه و اشتبهت أحكامهم بأحكام اللّٰه و لم يقنعوا بإبهام ما أبهم اللّٰه و السكوت عما سكت اللّٰه بل جعلوا لله شركاء حكموا كحكمه فتشابه الحكم عليهم بل لله الحكم جميعا و إليه ترجعون و سيجزيهم اللّٰه بما كانوا يعملون.

ثم لما كثرت تصانيف أصحابنا في ذلك و تكلموا في أصول الفقه و فروعه باصطلاحات العامة اشتبهت أصول الطائفتين و اصطلاحاتهم بعضها ببعض و انجر ذلك إلى أن التبس الأمر على طائفة منهم حتى زعموا جواز الاجتهاد و الحكم بالرأي و وضع القواعد و الضوابط لذلك و تأويل المتشابهات بالتظني و الترئي و الأخذ باتفاق الآراء و تأيد ذلك عندهم بأمور أحدها ما رأوه من الاختلاف في ظواهر الآيات و الأخبار التي لا تتطابق إلا بتأويل بعضها بما يرجع إلى بعض و ذلك نوع من الاجتهاد المحتاج فيه إلى وضع الأصول و الضوابط.

و الثاني ما رأوه من كثرة الوقائع التي لا نص فيها على الخصوص مع مسيس الحاجة إلى معرفة أحكامها.

و الثالث ما رأوه من اشتباه بعض الأحكام و ما فيه من الإبهام الذي لا ينكشف و لا يتعين إلا بتحصيل الظن فيه بالترجيح و هو عين الاجتهاد.

فأولوا الآيات و الأخبار الواردة في المنع من الاجتهاد و العمل بالرأي بتخصيصها

16

بالقياس و الاستحسان و نحوهما من الأصول التي تختص بها العامة و الواردة في النهي عن تأويل المتشابهات و متابعة الظن بتخصيصها بأصول الدين و الواردة في ذم الأخذ باتفاق الآراء بتخصيصها بالآراء الخالية من قول المعصوم لما ثبت عندهم أن الزمان لا يخلو من إمام معصوم.

فصار ذلك كله سببا لكثرة الاختلاف بينهم في المسائل و تزايده ليلا و نهارا و توسع دائرته مددا و أعصارا حتى انتهى إلى أن تراهم يختلفون في المسألة الواحدة على عشرين قولا أو ثلاثين أو أزيد بل لو شئت أقول لم تبق مسألة فرعية لم يختلفوا فيها أو في بعض متعلقاتها.

و ذلك لأن الآراء لا تكاد تتوافق و الظنون قلما تتطابق و الأفهام تتشاكس و وجوه الاجتهاد تتعاكس و الاجتهاد يقبل التشكيك و يتطرق إليه الركيك فيتشبه بالقوم من ليس منهم و يدخل نفسه في جملتهم من هو بمعزل عنهم فظلت المقلدة في غمار آرائهم يعمهون و أصبحوا في لجج أقاويلهم يغرقون.

تنبيه

ليت شعري كيف ذهب عنهم ما ينحل به عقد هذه المشكلات عن ضمائرهم أم كيف خفي عنهم ما ينقلع به أصول هذه الشبهات من سرائرهم أ لم يسمعوا حديث التثليث المشهور المستفيض المتفق عليه بين العامة و الخاصة المتضمن لإثبات الإبهام في بعض الأحكام.

و أن الأمور ثلاثة بين رشده و بين غيه و أمر مشكل يرد حكمه إلى اللّٰه

17

و رسوله.

و هلا سوغوا أن في إبهام بعض الأحكام حكما و مصالح مع أن من تلك الحكم ما يمكن أن يتعرف و لعل ما لا يعرف منها يكون أكثر على أن الاجتهاد لا يغني من ذلك لبقاء الشبهات بعده إن لم تزد به كلا بل زادت و زادت أ حسبوا أنهم خلصوا منها باجتهادهم كلا بل أمعنوا فيها بازديادهم أ زعموا أنهم هدوا بالتظني إلى التثني كلا بل التثلث باق و ما لهم منه من واق.

أ و لم يدبروا قول اللّٰه عز و جل فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مٰا تَشٰابَهَ مِنْهُ ابْتِغٰاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغٰاءَ تَأْوِيلِهِ وَ مٰا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّٰهُ وَ الرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ.

أ ما طن آذانهم أن المراد بالراسخين في العلم الأئمة(ع)لا هم أغفلوا عن الأحاديث المعصومية المتضمنة لكيفية الترجيح بين الروايات عند تعارضها و إثبات التخيير في العمل عند عدم جريانه و أنه يؤخذ بخبر الأوثق و ما للقرآن أوفق أو عن آراء المخالفين أبعد و أسحق ثم التخيير على وجه التسليم المطلق.

أ و ما بلغهم و بلغك

بأيها أخذت من باب التسليم وسعك.

أ و خفي عليهم أن قول المعصوم(ع)إنما يعرف بالحديث المسموع عنه عند حضوره و المحفوظ في صدور الثقات أو المثبت في دفاترهم عند غيبته و لا مدخل لضم الآراء معه اتفقوا أو اختلفوا.

نعم قد يكون الحديث مما اتفقت الطائفة المحقة على نقله أو العمل بمضمونه بحيث اشتهر عنهم و فيما بينهم و يسمى ذلك الحديث بالمجمع عليه

كما ورد في

18

كلام أبي عبد اللّٰه(ع)

في حديث الترجيح بين الروايات المتعارضة خذ بالمجمع عليه بين أصحابك فإن المجمع عليه لا ريب فيه.

و هذا معنى الإجماع الصحيح المشتمل على قول المعصوم عند قدماء الشيعة لا غير.

فلو أنهم تركوا المتشابه على حاله من غير تصرف فيه و سكتوا عما سكت اللّٰه عنه و أبهموا ما أبهم اللّٰه و جعلوا الأحكام ثلاثة و احتاطوا في المتشابه و ردوا علمه إلى اللّٰه و رسوله و خيروا في المتعارض و وسعوا في المتناقض كما ورد بذلك كله النصوص عن أهل الخصوص لاجتمعت أقوالهم و اتفقت كلمتهم و مقالهم و كانوا فقهاء متوافقين و لأحاديث أئمتهم ناقلين لا خصماء متشاكسين و عن النصوص ناكلين.

و لكان كلما جاء منهم خلف دعوا لسلفهم لا كلما دخلت منهم أمة طعنت في أختها بصلفهم و لكان كل امرئ منهم بالقرآن و الحديث منطيقا و عن الآراء سكيتا وَ لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مٰا يُوعَظُونَ بِهِ لَكٰانَ خَيْراً لَهُمْ وَ أَشَدَّ تَثْبِيتاً.

و ليت شعري ما حملهم على أن تركوا السبيل الذي هداهم إليه أئمة الهدى و أخذوا سبلا شتى و اتبعوا الآراء و الأهواء كل يدعو إلى طريقة و يذود عن الأخرى.

ثم ما الذي حمل مقلدتهم على تقليدهم في الآراء دون تقليد الأئمة(ع)على الطريقة المثلي إن هي إلا سنة ضيزى ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكٰاءُ مُتَشٰاكِسُونَ وَ رَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيٰانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلّٰهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لٰا يَعْلَمُونَ.

و قد أشبعنا الكلام في تحقيق هذه الكلمات و تشييدها بالآيات و الروايات في كتابنا الموسوم بسفينة النجاة و في الأصول الأصيلة و غيرهما من المصنفات و الحمد لله وحده

المقدمة الثانية في التوقيف لمعرفة الأسانيد

توقيف

قد يعبر عن بعض الرواة باسم مشترك يوجب الالتباس على بعض الناس لكن كثرة الممارسة تكشف في الأغلب عن حقيقة الحال فمن ذلك محمد بن إسماعيل المذكور في صدر السند من كتاب الكافي الذي يروي عن الفضل بن شاذان النيسابوري و هو محمد بن إسماعيل النيسابوري الذي يروي عنه أبو عمرو الكشي أيضا عن الفضل بن شاذان و يصدر به السند و هو أبو الحسن المتكلم الفاضل المتقدم البارع المحدث تلميذ الفضل بن شاذان الخصيص به يقال له بندفر و توهم كونه محمد بن إسماعيل بن بزيع أو محمد بن إسماعيل البرمكي صاحب الصومعة بعيد جدا.

و من ذلك العباس الذي يروي عنه محمد بن علي بن محبوب فإنه كثيرا ما يقع مطلقا غير مقرون بفصل مميز و لكنه ابن معروف الثقة القمي.

و من ذلك حماد الذي يروي عنه الحسين بن سعيد فإنه ابن عيسى الثقة الجهني الذي يروي غالبا عن حريز و حريز هذا هو ابن عبد اللّٰه السجستاني.

و من ذلك العلاء الذي يروي عن محمد بن مسلم و قد يقال العلاء عن محمد

19

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

20

من غير تقييد بابن مسلم و المراد ابن رزين الثقة و محمد الذي يروي عنه هو ابن مسلم.

و من ذلك محمد بن يحيى فإنه مشترك بين جماعة منهم العطار القمي شيخ أبي جعفر الكليني الذي هو مراده عند إطلاقه هذا الاسم في أول السند.

و منهم الخزاز بالمعجمات الذي يروي كثيرا عن غياث بن إبراهيم و يروي عنه البرقي.

و منهم الخثعمي الكوفي الذي يروي عنه ابن سماعة و ابن أبي عمير و كلاهما يرويان عن الصادق(ع)و الثلاثة ثقات و تميزهم بالطبقات.

و من ذلك محمد بن قيس و هو مشترك بين أربعة اثنان ثقتان و هما الأسدي أبو نصر و البجلي أبو عبد اللّٰه و كلاهما يرويان عن الباقر و الصادق(ع)و الثالث ممدوح من غير توثيق و هو الأسدي مولى بني نصر و لم يذكروا عمن يروي و الرابع ضعيف و هو أبو أحمد يروي عن الباقر(ع)خاصة فالراوي عن الصادق(ع)غير ضعيف البتة و احتمال كونه الثقة أقرب من احتمال كونه الممدوح و الذي له كتاب قضايا أمير المؤمنين(ع)الذي يرويه عن أبي جعفر(ع)و يروي عنه عاصم بن حميد الحناط و يوسف بن عقيل هو البجلي الثقة على ما قاله الشيخ أبو جعفر الطوسي في فهرسته و رجاله و لكن النجاشي نسب الكتاب إلى الأسدي الثقة و الأمر فيه سهل.

و من ذلك أحمد بن محمد فإنه مشترك بين جماعة يزيدون على الثلاثين و لكن

21

أكثرهم إطلاقا و تكرارا في الأسانيد أربعة ثقات ابن الوليد القمي و ابن عيسى الأشعري و ابن خالد البرقي و ابن أبي نصر البزنطي فالأول يذكر في أوائل السند و الأوسطان في أواسطه و الأخير في أواخره و أكثر ما يقع الاشتباه بين الأوسطين و لكن حيث أنهما ثقتان لم يكن في البحث عن التعيين فائدة يعتد بها و أما البواقي فأغلب ما يذكرون مع قيد مميز و النظر في من روى عنهم و رووا عنه ربما يعين الممارس على استكشاف الحال.

و من ذلك ابن سنان فإنه يذكر كثيرا من غير فصل مميز يعلم به أنه عبد اللّٰه الثقة أو محمد الضعيف و يمكن استعلام كونه عبد اللّٰه بوجوه منها أن يروي عن الصادق(ع)بغير واسطة فإن محمدا إنما يروي عنه بواسطة.

و منها أن يروي عنه(ع)بتوسط عمر بن يزيد أو أبي حمزة أو حفص الأعور فإن محمدا لا يروي عنه بتوسط بعض هؤلاء.

و منها أن ابن سنان الذي يروي عنه النضر بن سويد أو عبد اللّٰه بن المغيرة أو عبد الرحمن بن أبي نجران أو أحمد بن محمد بن أبي نصر أو فضالة أو عبد اللّٰه بن جبلة فهو عبد اللّٰه لا محمد.

و ابن سنان الذي يروي عنه أيوب بن نوح أو موسى بن القاسم أو أحمد بن محمد بن عيسى أو علي بن الحكم فهو محمد لا عبد اللّٰه.

و قد يختلف كلام علماء الرجال في ترجمة الرجل الواحد فيظن بسبب ذلك اشتراكه كما ظن الحسن بن داود في محمد بن الحسن الصفار و العلامة الحلي في علي بن الحكم.

و قد يكون الرجل متعددا فيظن أنه واحد كما ظنه العلامة في إسحاق بن عمار فإنه مشترك بين اثنين أحدهما من أصحابنا و هو ابن عمار بن حيان الكوفي أبو يعقوب الصيرفي و الآخر فطحي و هو ابن عمار بن موسى الساباطي كما يظهر على المتأمل إلى غير ذلك فلا بد من إمعان النظر لمن أراد زيادة التبصر.

22

توقيف

قد اصطلح متأخرو فقهائنا على تنويع الحديث المعتبر في صحيح و حسن و موثق.

فإن كان جميع سلسلة سنده إماميين ممدوحين بالتوثيق سموه صحيحا أو إماميين ممدوحين بدونه كلا أو بعضا مع توثيق الباقي سموه حسنا أو كانوا كلا أو بعضا غير إماميين مع توثيق الكل سموه موثقا.

و أول من اصطلح على ذلك و سلك هذا المسلك العلامة الحلي (رحمه اللّٰه) و هذا الاصطلاح لم يكن معروفا بين قدمائنا (قدس اللّٰه أرواحهم) كما هو ظاهر لمن مارس كلامهم بل كان المتعارف بينهم إطلاق الصحيح على كل حديث اعتضد بما يقتضي الاعتماد عليه و اقترن بما يوجب الوثوق به و الركون إليه كوجوده في كثير من الأصول الأربعمائة المشهورة المتداولة بينهم التي نقلوها عن مشايخهم بطرقهم المتصلة بأصحاب العصمة س و كتكرره في أصل أو أصلين منها فصاعدا بطرق مختلفة و أسانيد عديدة معتبرة و كوجوده في أصل معروف الانتساب إلى أحد الجماعة الذين أجمعوا على تصديقهم كزرارة و محمد بن مسلم و الفضيل بن يسار.

أو على تصحيح ما يصح عنهم كصفوان بن يحيى و يونس بن عبد الرحمن و أحمد بن محمد بن أبي نصر أو على العمل بروايتهم كعمار الساباطي و نظرائه.

و كاندراجه في أحد الكتب التي عرضت على أحد الأئمة المعصومين(ع)فأثنوا على مؤلفيها ككتاب عبيد اللّٰه الحلبي الذي عرض على الصادق ع

23

و كتابي يونس بن عبد الرحمن و الفضل بن شاذان المعروضين على العسكري ع.

و كأخذه من أحد الكتب التي شاع بين سلفهم الوثوق بها و الاعتماد عليها سواء كان مؤلفوها من الإمامية ككتاب الصلاة لحريز بن عبد اللّٰه السجستاني و كتب بني سعيد و علي بن مهزيار.

أو من غير الإمامية ككتاب حفص بن غياث القاضي و الحسين بن عبد اللّٰه السعدي و كتاب القبلة لعلي بن الحسن الطاطري.

و قد جرى صاحبا كتابي الكافي و الفقيه على متعارف المتقدمين في إطلاق الصحيح على ما يركن إليه و يعتمد عليه فحكما بصحة جميع ما أورداه في كتابيهما من الأحاديث و إن لم يكن كثير منه صحيحا على مصطلح المتأخرين.

قال صاحب الكافي في أول كتابه في جواب من التمس عنه التصنيف و قلت إنك تحب أن يكون عندك كتاب كاف يجمع من جميع فنون علوم الدين ما يكتفي به المتعلم و يرجع إليه المسترشد و يأخذ منه من يريد علم الدين و العمل بالآثار الصحيحة عن الصادقين(ع)و السنن القائمة التي عليها العمل و بها يؤدي فرض اللّٰه و سنة نبيه(ص)إلى أن قال و قد يسر اللّٰه و له الحمد تأليف ما سألت و أرجو أن يكون بحيث توخيت.

و قال صاحب الفقيه في أوله إني لم أقصد فيه قصد المصنفين في إيراد جميع ما رووه بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به و أحكم بصحته و أعتقد فيه أنه حجة فيما بيني و بين ربي تقدس ذكره و جميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعول و إليها المرجع.

و قال صاحب التهذيب في كتاب العدة إن ما أورده في كتابي الأخبار إنما آخذه من الأصول المعتمدة عليها و قد سلك على ذلك المنوال كثير من علماء الرجال

24

فحكموا بصحة حديث بعض الرواة الغير الإمامية كعلي بن محمد بن رباح و غيره لما لاح لهم من القرائن المقتضية للوثوق بهم و الاعتماد عليهم و إن لم يكونوا في عداد الجماعة الذين انعقد الإجماع على تصحيح ما يصح عنهم بل المتأخرون ربما يسلكون طريقة القدماء فيصفون بعض الأحاديث التي في سندها من يعتقدون أنه فطحي أو ناووسي بالصحة نظرا إلى اندراجه في من أجمعوا على تصحيح ما يصح عنهم بل يصفون مراسيل هؤلاء و مقاطيعهم و مرافيعهم و مسانيدهم إلى الضعفاء و المجاهيل بالصحة لذلك.

و على هذا جرى العلامة و الشهيد في مواضع من كتبهما مع أنهما الأصل في الاصطلاح الجديد و ربما يقال الباعث لهم على العدول عن طريقة القدماء طول المدة و اندراس بعض الأصول المعتمدة و التباس الأحاديث المأخوذة من الأصول المعتمدة بالمأخوذة من غير المعتمدة و اشتباه المتكررة في كتب الأصول بغير المتكررة و عدم إمكانهم الجري على أثر القدماء في تمييز ما يعتمد عليه مما لا يركن إليه.

و هذا إن صح فهذا الاصطلاح لا يغني عنه شيئا مع أن مدار الأحكام الشرعية اليوم على هذه الأصول الأربعة و هي المشهود عليها بالصحة من مصنفيها و لا مدخل لما ذكر في ذلك فإن كانوا لا يعتمدون على شهادتهم بصحة كتبهم فلا يعتمدوا على شهادتهم و شهادة أمثالهم في الجرح و التعديل أيضا و أي فرق بين الأمرين.

و بعد فأي مدخل لفساد العقيدة في صدق حديث المرء إذا كان ثقة في مذهبه و أي منافاة للممدوحية بفضيلة ما مع المسامحة في نقل الحديث.

25

و أيضا فإن كثيرا من الرواة المعتنين بشأنهم الذين هم مشايخ مشايخنا المشاهير الذين يكثرون الرواية عنهم ليسوا بمذكورين في كتب الجرح و التعديل بمدح و لا قدح و يلزم على هذا الاصطلاح أن يعد حديثهم في الضعيف مع أن أصحاب هذا الاصطلاح أيضا لا يرضون بذلك و ذلك مثل أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد الذي هو من مشايخ شيخنا المفيد و الواسطة بينه و بين أبيه و الرواية عنه كثيرة.

و مثل أحمد بن محمد بن يحيى العطار الذي هو من مشايخ الشيخ الصدوق و يروي عنه كثيرا و هو الواسطة بينه و بين سعد بن عبد اللّٰه.

و مثل الحسين بن الحسن بن أبان الذي هو من مشايخ محمد بن الحسن بن الوليد و الواسطة بينه و بين الحسين بن سعيد.

و مثل أبي الحسين علي بن أبي جيد و هو من مشايخ الشيخ الطوسي و النجاشي و الواسطة بين الشيخ و بين محمد بن الحسن بن الوليد.

و مثل إبراهيم بن هاشم القمي الذي أكثر صاحب الكافي الرواية عنه بواسطة ابنه علي و هو أول من نشر حديث الكوفيين بقم إلى غير ذلك من الرجال.

و بعد فإن في الجرح و التعديل و شرائطهما اختلافات و تناقضات و اشتباهات لا يكاد ترتفع بما تطمئن إليه النفوس كما لا يخفى على الخبير بها فالأولى الوقوف على طريقة القدماء و عدم الاعتناء بهذا الاصطلاح المستحدث رأسا و قطعا و الخروج عن هذه المضايق.

نعم إذا تعارض الخبران المعتمد عليهما على طريقة القدماء فاحتجنا إلى الترجيح بينهما فعلينا أن نرجع إلى حال رواتهما في الجرح و التعديل المنقولين عن المشايخ فيهم و نبني الحكم على ذلك كما أشير إليه في الأخبار الواردة في التراجيح

بقولهم(ع)

فالحكم ما حكم به أعدلهما و أورعهما و أصدقهما في الحديث

26

و هو أحد وجوه التراجيح المنصوص عليها و هذا هو عمدة الأسباب الباعثة لنا على ذكر الأسانيد في هذا الكتاب.

توقيف

نقل عن أبي عمرو الكشي (رحمه اللّٰه) أنه قال في كتاب رجاله عند تسمية الفقهاء من أصحاب أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه(ع)أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأولين من أصحاب أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه(ع)و انقادوا لهم بالفقه و قالوا أفقه الأولين ستة زرارة و معروف بن خربوذ و بريد و أبو بصير الأسدي و الفضيل بن يسار و محمد بن مسلم الطائفي.

قالوا و أفقه الستة زرارة و قال بعضهم مكان أبي بصير الأسدي أبو بصير المرادي و هو ليث بن البختري

و روى بإسناده عن الصادق(ع)أنه قال

أوتاد الأرض و أعلام الدين أربعة محمد بن مسلم و بريد بن معاوية و ليث بن البختري المرادي و زرارة بن أعين

و قال في تسمية الفقهاء من أصحاب أبي عبد اللّٰه(ع)أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عن هؤلاء و تصديقهم لما يقولون و أقروا لهم بالفقه من دون هؤلاء الستة الذين عددناهم و سميناهم ستة نفر جميل بن دراج و عبد اللّٰه بن مسكان و عبد اللّٰه بن بكير و حماد بن عيسى و حماد بن عثمان و أبان بن عثمان.

قال و زعم أبو إسحاق الفقيه يعني ثعلبة بن ميمون أن أفقه هؤلاء جميل بن دراج و هم أحداث أبي عبد اللّٰه ع.

و قال في تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم و أبي الحسن الرضا(ع)أجمع الأصحاب على تصحيح ما يصح عن هؤلاء و تصديقهم و أقروا لهم بالفقه و العلم و هم ستة نفر آخر دون الستة نفر الذين ذكرناهم في أصحاب أبي عبد اللّٰه ع

27

منهم يونس بن عبد الرحمن و صفوان بن يحيى بياع السابري و محمد بن أبي عمير و عبد اللّٰه بن المغيرة و الحسن بن محبوب و أحمد بن محمد بن أبي نصر و قال بعضهم مكان الحسن بن محبوب الحسن بن علي بن فضال و فضالة بن أيوب و قال بعضهم مكان ابن فضال عثمان بن عيسى و أفقه هؤلاء يونس بن عبد الرحمن و صفوان بن يحيى انتهى كلامه.

و قد فهم جماعة من المتأخرين من قوله أجمعت العصابة أو الأصحاب على تصحيح ما يصح عن هؤلاء الحكم بصحة الحديث المنقول عنهم و نسبته إلى أهل البيت(ع)بمجرد صحته عنهم من دون اعتبار العدالة في من يروون عنه حتى لو رووا عن معروف بالفسق أو بالوضع فضلا عما لو أرسلوا الحديث كان ما نقلوه صحيحا محكوما على نسبته إلى أهل العصمة(ص)و أنت خبير بأن هذه العبارة ليست صريحة في ذلك و لا ظاهرة فيه فإن ما يصح عنهم إنما هو الرواية لا المروي بل كما يحتمل ذلك يحتمل كونها كناية عن الإجماع على عدالتهم و صدقهم بخلاف غيرهم ممن لم ينقل الإجماع على عدالته.

توقيف

اعلم أن إضمار الحديث من الثقات المشهورين من أصحاب الأئمة(ع)ليس طعنا في الحديث إذ قد يكون ذلك اعتمادا على القرينة و قد يكون للتقية و قد يكون لقطع الأخبار بعضها عن بعض فإن الراوي كان يصرح باسم الإمام الذي يروي عنه في أول الروايات ثم قال و سألته عن كذا و سألته عن كذا إلى أن يستوفي الروايات التي رواها عن ذلك الإمام(ع)فلما حصل القطع توهم الإضمار.

و كذلك الرواية عن أحد تارة بواسطة و أخرى بدونها لا توجب الاضطراب في الرواية كما ظن لجواز تعدد سماعة.

أما رواية الحديث تارة على وجه و أخرى على وجه آخر مخالف له فهي توجب

28

الاضطراب و عدم الاعتماد.

و مما يوجب عدم الاعتماد القطع و هو أن لا يبلغ الإسناد إلى المعصوم بل ينتهي إلى بعض الوسائط.

و منه الإرسال و هو أن يروي عن المعصوم من لم يدركه بغير واسطة أو بوسائط نسيها أو تركها أو أبهمها كما قيل عن رجل أو عمن أخبره أو عن بعض أصحابه.

توقيف

قد يعبر عن المعصوم(ع)بالعالم و الفقيه و الشيخ و العبد الصالح و الرجل و الماضي و غير ذلك للتقية و شدة الزمان المانعة من التصريح بالاسم أو الكنية و يعرف ذلك بقرينة الراوي و أكثر ما يكون ذلك في أبي الحسن موسى بن جعفر ع.

و قد يعبر عن الإمام باسم مشترك كمحمد بن علي أو كنية مشتركة كأبي جعفر و أبي الحسن و يعرف ذلك أيضا بقرينة الراوي و طبقته.

و كلما قيل أبو الحسن الأول أو الماضي فالمراد به الكاظم(ع)أو الثاني فالرضا(ع)أو الثالث أو الأخير فالهادي ع.

و إذا قيل أبو جعفر الأول فالباقر أو الثاني فالجواد أو أبو عبد اللّٰه فالصادق ع.

توقيف

لي إلى رواية الأصول الأربعة عن مؤلفيها الثلاثة طرق متعددة و كذا إلى غيرها من الكتب و الأصول و لكن أقتصر فأقول إني أروي الأصول الأربعة تارة عن أستادي و من عليه في العلوم الشرعية استنادي و عليه اعتمادي السيد ماجد بن هاشم

29

الصادقي البحراني تغمده اللّٰه بغفرانه عن الشيخ الفاضل الكامل بهاء الدين محمد العاملي طاب ثراه.

و تارة عن الشيخ المذكور بلا وساطة الأستاد و هو يروي عن أبيه و أستاده الحسين بن عبد الصمد الحارثي و هو عن شيخه الأجل السعيد زيد الدين بن علي بن أحمد العاملي الشهيد.

و تارة أروي الأصول الأربعة و سائر كتب الحديث و غيرها عن الشيخ محمد بن الشيخ حسن بن الشيخ زين الدين الشهيد عن أبيه عن جده.

و هو يروي عن الشيخ الفاضل علي بن عبد العالي العاملي الميسي عن الشيخ شمس الدين محمد بن المؤذن الجزيني عن الشيخ ضياء الدين علي عن والده الأجل الشيخ شمس الدين محمد بن مكي الشهيد عن الشيخ فخر الدين أبي طالب محمد عن والده العلامة جمال الملة و الدين الحسن بن مطهر الحلي عن شيخه المحقق نجم الملة و الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن بن سعيد عن السيد الجليل أبي علي فخار بن معد الموسوي عن الشيخ أبي الفضل شاذان بن جبرئيل القمي عن الشيخ الفقيه عماد الدين أبي جعفر محمد بن أبي القاسم الطبري عن الشيخ أبي علي الحسن عن والده شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي.

و له إلى ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني طرق متعددة منها عن أبي عبد اللّٰه محمد بن محمد بن النعمان المفيد عن شيخه أبي القاسم جعفر بن قولويه عنه طاب ثراه.

و كذلك له إلى الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه القمي طرق منها عن الشيخ المفيد عنه (قدس اللّٰه أسرارهم) جميعا

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

المقدمة الثالثة في تمهيد الاصطلاحات و القواعد

تمهيد

قد سلك كل من مشايخنا الأبي جعفرين المحمدين الثلاثة في كتابه مسلكا لم يسلكه الآخر أما ثقة الإسلام أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني طاب ثراه فإنه ملتزم في الكافي أن يذكر في كل حديث إلا نادرا جميع سلسلة السند بينه و بين المعصوم(ع)و قد يحذف صدر السند و لعله لنقله عن أصل المروي عنه من غير واسطة أو لحوالته على ما ذكره قريبا و هذا في حكم المذكور.

و أما رئيس المحدثين أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي عطر اللّٰه مرقده فدأبه في كتاب من لا يحضره الفقيه ترك أكثر السند و الاقتصار في الأغلب على ذكر الراوي الذي أخذ عن المعصوم فقط أو مع من يروي عنه ثم إنه ذكر في آخر الكتاب طريقه المتصل بذلك الراوي و لم يخل بذلك إلا نادرا كإخلاله بطريقه إلى بريد بن معاوية العجلي و إلى يحيى بن سعيد الأهوازي.

و أما شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (رحمه اللّٰه) فقد يجري في كتابي التهذيب و الاستبصار على وتيرة الكليني فيذكر جميع السند حقيقة أو حكما و قد يقتصر على البعض فيذكر أواخر السند و يترك أوائله و كل موضع سلك هذا المسلك أعني الاقتصار على البعض فقد ابتدأ فيه بذكر صاحب الأصل الذي أخذ الحديث من أصله أو مؤلف الكتاب الذي نقل الحديث من كتابه و ذكر في آخر

32

الكتابين بعض طرقه إلى أصحاب تلك الأصول و مؤلفي تلك الكتب و أحال البواقي على ما أورده في كتاب فهرست الشيعة.

و أنا أسلك في كل حديث أنقله في هذا الكتاب من أحد كتب هؤلاء المشايخ ما سلكه صاحب ذلك الكتاب فأذكر جميع السند إن ذكره و أقتصر على البعض إن اقتصر عليه و لا أنقل الحديث الذي نقل بعض هؤلاء عن بعض إلا عن الأعلى و لا المتكرر في الكتب المتعددة أو الكتاب الواحد بسند واحد بعينه إلا مرة إلا نادرا فأرقم علامات لتلك الكتب في أول السند إلا الإستبصار فأكتفي بالتهذيب عنه لأنهما في حكم واحد و من أراد أن يكتب علامة الإستبصار أيضا فليكتبها في الحاشية و كذلك فليفعل فيما نقل في الكتابين عن صاحب الكافي فيكتب علامتهما في الحاشية إذ ثبت العلامة في هذه الصورة ليس بمهم.

و إن تعدد سند حديث واحد في كتاب واحد أو أكثر أذكر تلك الأسناد أولا مع علامة ذلك الكتاب أو تلك الكتب ثم أذكر الحديث إن اتحد الراوي عن المعصوم و المعصوم جميعا و إلا فإن اختلف تمام السند أنقل الحديث من الكافي أولا بإسناده ثم أذكر الأسناد الآخر مشيرا إلى الحديث من غير تكرير.

و إن اختص الاختلاف ببعض السند أرقم علامة المنفرد في أول ما انفرد به و علامة شريكه فقط في أول المشترك إن كان في موضع لم يشتبه فيه بالمنفرد كوقوعه بعد لفظة عن و إلا فأكرر ذكر رجل لرفع الاشتباه كما هو مصطلحهم في مثله.

و في بعض المواضع أرقم علامة ش إن اشترك فيه جميع ما سبق علامته ثلاثة كان أو اثنين و إلا فعلامة الشريكين و كذلك أفعل في متن الحديث إذا اختلف ألفاظه في كتابين أو أكثر بزيادة أو نقصان.

و إن اختلف اللفظ بتبديل قليل فإن لم يختلف به المعنى أقتصر على ذكر الأوضح لفظا أو الأقدم مصنفا و إن اختلف المعنى أو كان التفاوت كثيرا أذكر الأسناد مرة أخرى مفصلا مع التعدد و مجملا مع الاتحاد.

33

ثم أذكر الحديث تارة أخرى مفصلا إن اختلف المعنى و مجملا مع الإشارة إلى التفاوت إن لم يختلف و ربما أشير إلى اختلاف النسخ إذا كان مما يعتنى به في مقام البيان و اللّٰه المستعان.

تمهيد

كثيرا ما يتكرر في أوائل أسانيد الكافي ذكر قوله عدة من أصحابنا فإن قال بعده عن أحمد بن محمد بن عيسى فالمراد بهم محمد بن يحيى العطار و علي بن موسى الكميداني و داود بن كورة و أحمد بن إدريس و علي بن إبراهيم بن هاشم.

و إن قال بعده عن سهل بن زياد فهم علي بن محمد بن علان و محمد بن أبي عبد اللّٰه و محمد بن الحسن و محمد بن عقيل الكليني.

و إن قال بعده عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي فهم علي بن إبراهيم و علي بن محمد بن عبد اللّٰه بن أذينة و أحمد بن محمد بن أمية و علي بن الحسن كذا

34

نقل العلامة الحلي (رحمه اللّٰه) عنه في خلاصته.

و أنا أعبر عن الجماعة في كل من المواضع الثلاثة بقولي العدة.

و كثيرا ما يتكرر في أوائل أسانيده أو أسانيد التهذيب محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان و أنا أعبر عنهما بقولي النيسابوريان.

و كثيرا ما يتكرر في أوائل أسانيدهما أبو علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار و قد يعبر عنهما بأحمد بن إدريس عن محمد بن أبي الصهبان و أنا أعبر عنهما بقولي القميان.

و إن تفرد أحدهما عن الآخر أعبر عن الأول بالقمي و عن الثاني بالصهباني.

و إن اجتمع الأربعة بالعطف و كان المروي عنه صفوان بن يحيى قلت الأربعة عن صفوان و كثيرا ما يتكرر في أوائل أسانيدهما الحسين بن محمد عن معلى بن محمد و أنا أكتفي عن ذكرهما بقولي الاثنان و كثيرا ما يتكرر في أوائل أسانيدهما هؤلاء الثلاثة هكذا علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير و أنا أكتفي عن تعدادهم بقولي الثلاثة.

فإن كان تتمة السند عن حماد عن الحلبي أعبر عنهم بالخمسة.

و حماد هذا هو حماد بن عثمان و الحلبي عبيد اللّٰه بن محمد.

و كثيرا ما يتكرر في أوائل أسانيدهما هؤلاء الخمسة هكذا علي بن إبراهيم عن أبيه و محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعا عن ابن أبي عمير و أنا أكتفي

35

عن تعدادهم بالخمسة و كثيرا ما يتكرر في تمام أسانيدهما هؤلاء الأربعة هكذا علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني و أنا أكتفي عن تعدادهم بالأربعة.

و ربما يتكرر في تمام أسانيدهما هؤلاء الخمسة هكذا علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد عن حريز عن محمد بن مسلم و أنا أكتفي عنهم بقولي الأربعة عن محمد.

و ربما يكون مكان محمد غيره فأقول الأربعة عن فلان.

و ربما يتكرر في تمام أسانيدهما هؤلاء الخمسة هكذا محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن العلاء عن محمد بن مسلم و أنا أكتفي عنهم بقولي محمد عن الأربعة.

و ربما يتكرر في أسانيدهما هؤلاء الأربعة الفطحية هكذا أحمد بن الحسن عن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة عن عمار بن موسى و أنا أكتفي عن تعدادهم بالفطحية.

و ربما يتكرر في أوائل أسانيد التهذيب هؤلاء المشايخ الثلاثة هكذا محمد بن محمد بن النعمان عن أحمد بن محمد بن الحسن عن أبيه محمد بن الحسن بن الوليد و أنا أكتفي عن تعدادهم بالمشايخ.

و ربما يتكرر في الكتابين و لا سيما التهذيب رواية الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير عن حماد عن الحلبي أو رواية سهل بن زياد عن محمد بن الحسن بن شمون عن عبد اللّٰه بن عبد الرحمن الأصم عن مسمع بن عبد الملك أو رواية الصفار عن الحسن بن موسى الخشاب عن غياث بن كلوب عن إسحاق بن عمار و أنا أقول الحسين أو سهل أو الصفار عن الثلاثة و ربما يتكرر في أواسط السند محمد بن إسماعيل عن محمد بن الفضيل و أنا أكتفي عنهما بالمحمدين

36

و ربما يتكرر في أواخر السند هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة و أنا أكتفي عنهما بالاثنين.

و ربما يتكرر القاسم بن يحيى عن جده الحسن بن راشد و أنا أكتفي عنهما بالقاسم عن جده و كذلك يتكرر علي بن حسان عن عمه عبد الرحمن بن كثير الهاشمي فأقول علي عن عمه و كذلك يتكرر ابن أسباط عن عمه يعقوب بن سالم الأحمر فأكتفي بقولي ابن أسباط عن عمه و كثيرا ما يتكرر في السند أسماء رجال كثيرة الألفاظ مثل أحمد بن محمد بن خالد البرقي و أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي و عبد الرحمن بن الحجاج البجلي و عبد الرحمن بن أبي نجران التميمي و عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه البصري و عبد الرحمن بن محمد العرزمي و محمد بن عيسى العبيدي اليقطيني و إبراهيم بن أبي محمود الخراساني و عبد اللّٰه بن يحيى الكاهلي و بريد بن معاوية العجلي و أحمد بن الحسن الميثمي و علي بن محمد القاساني و جعفر بن محمد الأشعري و سليمان بن جعفر الجعفري و سليمان بن داود المنقري و الهيثم بن أبي مسروق النهدي و إبراهيم بن عمر اليماني و محمد بن خالد الطيالسي و إسماعيل بن الفضل الهاشمي و الحسن بن الحسين اللؤلؤي و الحسن بن علي الكوفي و هارون بن حمزة الغنوي و إبراهيم بن زياد الكرخي و علي بن الحسن بن علي بن فضال التيملي و يقال له التيمي و ربما يصحف بالميثمي

37

و علي بن الحسن الطاطري و القاسم بن محمد الجوهري و شعيب بن يعقوب العقرقوفي و موسى بن أكيل النميري و أحمد بن محمد السياري و بكر بن محمد الأزدي و أيوب بن نوح النخعي و محمد بن أحمد العلوي و سليمان بن حفص المروزي و محمد بن سليمان الديلمي و أبي محمد هارون بن موسى التلعكبري و محمد بن مسعود العياشي و أبي الصباح الكناني و أبي حمزة الثمالي و أبي بكر الحضرمي و أبي عبد اللّٰه أحمد بن محمد العاصمي و أبي عبد اللّٰه محمد بن أحمد الرازي الجاموراني و أنا أكتفي عنها بكلمات النسبة كما أكتفي عن أبي عبد اللّٰه محمد بن محمد بن النعمان الملقب بالمفيد و محمد بن الحسن الصفار.

و الحسن بن موسى الخشاب و الحسن بن محبوب السراد و الحسن بن زياد الصيقل و الحسن بن علي الوشاء و الحسين بن نعيم الصحاف و أبي عبيدة الحذاء و أبي أيوب الخراز و عبد اللّٰه بن محمد الحجال و عبد اللّٰه بن ميمون القداح و عبيد اللّٰه بن عبد اللّٰه الدهقان و عبد اللّٰه بن عبد الرحمن الأصم و محمد بن الحسين بن أبي الخطاب الزيات و أبي أسامة زيد الشحام و أبي العباس محمد بن جعفر الرزاز و أبي العباس الفضل بن عبد الملك البقباق و أبي جعفر محمد بن النعمان الأحول الملقب بمؤمن الطاق و يزيد بن إسحاق شعر و منصور بن يونس بزرج بالأوصاف و الألقاب.

و كما أكتفي عن

38

علي بن محمد بن بندار و أحمد بن محمد بن عيسى و الحسن بن محمد بن سماعة و محمد بن الحسن بن شمون و الحسن بن علي بن يوسف بن بقاح و الحسن بن علي بن فضال و علي بن الحسن بن رباط و علي بن أحمد بن أشيم و جعفر بن محمد بن قولويه و محمد بن إسماعيل بن بزيع و الحسين بن الحسن بن أبان و محمد بن علي بن محبوب و الحسن بن علي بن يقطين و الحسن بن علي بن أبي حمزة و محمد بن عبد اللّٰه بن هلال و محمد بن عبد اللّٰه بن زرارة و أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة و علي بن محمد بن الزبير بنسبتهم إلى أجدادهم و حذف أسمائهم.

و كذلك أكتفي عمن له اسم غريب باسمه عن اسم أبيه كمسمع بن عبد الملك أبي سيار الملقب بكردين.

و درست بن أبي منصور الواسطي و ذريح بن محمد بن يزيد المحاربي أبي الوليد و يقال له ذريح بن يزيد و ذبيان بن حكيم الأودي بضم المعجمة و إسكان الموحدة و بنان بن محمد بن عيسى أخي أحمد بن محمد بن عيسى بتقديم الموحدة على النون و يقال له عبد اللّٰه بن محمد و سماعة بن مهران الحضرمي و رفاعة بن موسى النخاس الأسدي.

و كذلك أكتفي عمن كان لأبيه اسم غريب بنسبته إليه و حذف اسمه كعلي بن رئاب و علي بن أسباط و غياث بن كلوب و إسماعيل بن مرار و عن معاوية بن عمار و معاوية بن وهب كذلك و عن أكثر العباد له المشاهير المتكررة كذلك.

كما يفعلونه كثيرا مثل عبد اللّٰه بن المغيرة و ابن أبي يعفور و ابن مسكان و ابن بكير و عن الحسين بن علي بن يقطين إذا كان مع أخيه الحسن بأخيه و عن أبيهما إذا كان معهما بأبيه كل ذلك إذا لم يحتمل غيره.

و ربما أحذف أسماء الآباء لدلالة القرائن عليها كما أفعل في علي بن إبراهيم

39

و محمد بن يحيى المتكررين في أوائل أسانيد الكافي و في سهل بن زياد و أحمد بن محمد المتكررين في ثوانيها.

و قد يقعان في أوائلها بحذف الصدر و كما أفعل في أحمد بن محمد و الحسين بن سعيد و سعد بن عبد اللّٰه المتكررين في أوائل أسانيد التهذيب أو أواسطها و موسى بن القاسم البجلي المتكرر في أوائلها في كتاب الحج و النضر بن سويد و فضالة بن أيوب المتكررين بعد الحسين غالبا و أبان بن عثمان و عثمان بن عيسى و صفوان بن يحيى و حماد بن عثمان و حسين بن عثمان المتكررين غالبا فيما قبل آخر السند أو آخره.

و يكتب حسين هذا بلا لام و كما أفعل في عاصم بن حميد الراوي عن محمد بن قيس و حميد بن زياد الراوي عن ابن سماعة و علي بن أبي حمزة الراوي عن أبي بصير و العلاء بن رزين و محمد بن مسلم المتكررين معا في أواخر السند.

و أحذف اسم الجد في مثل محمد بن أحمد بن يحيى و اسم الأب في مثل علي بن إسماعيل الميثمي المتكرر في أوائل أسانيد التهذيب ممن لا يشتبه.

و ربما يتكرر في أثناء أسانيد التهذيب أبو جعفر و لا سيما في كتابي الزكاة و الصيام منه و يشبه أن يكون أحمد بن محمد بن عيسى و قد قطع بعض أصحاب كتب الرجال بأنه هو إذا روى عنه سعد إلا أنا اتبعنا صاحب التهذيب في التعبير عنه بأبي جعفر في الأكثر لعدم الجزم.

و قد وضعت لكل من الأصول الأربعة علامة فعلامة الكافي كا و علامة الفقيه يه و علامة التهذيب يب و علامة الاستبصار صا و عنوان ما يتعلق بشرح الحديث بيان و اللّٰه المستعان.

تمهيد

لقد كنت أردت أن أرتب كتب هذا الكتاب أولا على ما هو به خليق ثم أضع أبواب كل كتاب في مواضعها كما يليق ثم أورد كل حديث في بابه واضعا له على ترتيب هو به حقيق فتعسر ذلك علي على ما هو حقه و كما أردت و أبى أن يأتيني على

40

وجهه و كما شئت و ذلك لتشابه بعض الأخبار و العنوانات في التناسب و التقارب مع بعض و كونه ذا وجوه في التقدم و التأخر مع آخر و لقرب بعض العنوانات من بعض و تشاركهما في أمر مع وجود موانع من الجمع بينهما و لتشتت الأخبار المتناسبة المتقاربة في الأماكن المتباينة المتباعدة من الكتب الأربعة و ذهابها عن النظر في أوقات نقلها و لاشتمال بعضها على الأحكام المتباينة مع تعسر التفريق و حزازة التكرير إلى غير ذلك من الأسباب.

و مع ذلك كله قد بذلت جهدي في الإتيان بما أردت على حسب المقدور و بقدر الميسور فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله فربما فرقت حديثا واحدا يشتمل على حكمين في بابين و كررت الأسناد رعاية لمناسبة العنوان و هذا مما يفعله أرباب الحديث كثيرا.

و ربما أوردت طائفة من الأخبار الواردة في حكم واحد في باب و ذكرت سائرها في باب آخر مع الإشارة إلى ذلك في كل منهما لكون هذه أربط بهذا و ذاك بذاك و كل حديث يناسب بابين أو أكثر أو كتابين أو أكثر أوردته في الأقدم ثم أحلت عليه فيما تأخر و ربما عكست الأمر إذا كان بالمتأخر أربط و ربما كررت فجاء بحمد اللّٰه قريبا مما أردت و حافظت على عنوانات أبواب الكافي و ترتيباته ما أمكن و ابتدأت في كل باب غالبا بذكر ما فيه حتى إذا استوفيت ما في الباب منه أتيت بما في التهذيب و الفقيه إلا إذا كان في الباب أمور مختلفة فمهما فرغت من أمرها من الكافي أوردت ذلك الأمر من غيره أولا ثم أتيت بالأمر الآخر منه.

و كل حديث يحتاج إلى شرح فإن وجدت شرحه من حديث آخر و لو من غير الكتب الأربعة شرحته به و لو بذكره في جنبه إذا كان منها و إلا فإن تعرض لشرحه أحد المشايخ الثلاثة و لو نادرا أو ألفيته في كلام غيرهم من أهل العلم أو أئمة اللغة و لو أحيانا نقلته عنهم و إلا شرحته بعقلي بمقدار فهمي القاصر و على مبلغ علمي الناصر فإن أصبت فمن اللّٰه جل و عز و له الحمد و المنة على ذلك و إن أخطأت فمن

41

نفسي و اللّٰه غفور رحيم.

و أما التوفيق و الجمع بين الأخبار المختلف ظاهرها بالتأويل فما وجدت منه في الفقيه و لو على الشذوذ نقلته عنه و كذا ما ذكره في التهذيب و الاستبصار مما كان قريبا معبرا عنهما معا بالتهذيبين و ما كان بعيدا فربما لم أتعرض له و ربما أشرت إلى بعده من غير ذكر له ثم إن خطر لي فيه تأويل غير بعيد ذكرته و إلا فإن أمكن الترجيح بحسب الإسناد أو موافقة القرآن و السنة أو مخالفة العامة بالحمل على التقية أشرت إليه و إلا تركته على حاله ليكون من المتعارضات التي يكون الحكم فيها التخيير.

تمهيد

اعلم أن لفظة الواجب و السنة و الأمر بالشيء في كلام أهل البيت(ع)أعم من الفرض و الاستحباب و كذا لفظة الكراهة و النهي عن الشيء أعم من التحريم و التنزيه و لكل مراتب في الشدة و التأكد و عدمهما و تخصيص الألفاظ الخمسة بالأحكام الخمسة مجرد اصطلاح من المتأخرين محدث.

و على هذا فإطلاق الوجوب على فعل شيء أو الأمر به في حديث لا ينافي نفي البأس عن تركه في آخر و كذا إطلاق السنة على فعل في خبر لا ينافي الحكم بالمعصية على تركه في آخر و كذا إطلاق الكراهة على فعل شيء أو النهي عنه في رواية لا ينافي نفي البأس عن فعله في أخرى.

و ربما يكون إيجاب شيء أو تحريمه أصلا فيه و مع هذا وردت رخصة في خلافه و تكون تلك الرخصة لذوي الأعذار و أهل الزمانة و الاضطرار و هذه قواعد يمكن أن يجمع بها بين كثير من الأخبار المتنافية بحسب الظاهر و قد تعرض لها في التهذيب و الاستبصار في غير موضع و أما نحن فنكتفي غالبا بهذا التمهيد و في مواضعه فلا نعيد.

42

تمهيد

قد رتبت هذا الكتاب على أربعة عشر جزء و خاتمة كل جزء كتاب على حدة هذا فهرسه كتاب العقل و العلم و التوحيد كتاب الحجة كتاب الإيمان و الكفر كتاب الطهارة و التزين كتاب الصلاة و الدعاء و القرآن كتاب الزكاة و الخمس و المبرات كتاب الصيام و الاعتكاف و المعاهدات كتاب الحج و العمرة و الزيارات كتاب الحسبة و الأحكام و الشهادات كتاب المعايش و المكاسب و المعاملات كتاب المطاعم و المشارب و التجملات كتاب النكاح و الطلاق و الولادات كتاب الجنائز و الفرائض و الوصيات كتاب الروضة الجامعة للمتفرقات.

و أما الخاتمة

فنذكر فيها ما ترك في كل من الفقيه و التهذيبين من صدر الأسناد و استدرك في آخر الكتاب بالإيراد و يندرج في المبرات القرض و العتق و المكاتبة و الوقوف و الهبات و في الحسبة الحدود و الجهاد و القصاص و الديات.

و في المكاسب و المعاملات الصناعات و التجارات و الزراعات و الإجارات و الديون و الضمانات و الرهون و الأمانات.

و في التجملات الملابس و المراكب و المساكن و الدواجن.

و جعلت كل كتاب على أبواب و أفردت كل جملة من أبواب كتاب واحد اشتركت في معنى بعنوان يخصها و عنونت الباب الأخير من تلك الجملة بالنوادر و هي الأحاديث المتفرقة التي لا يكاد يجمعها معنى واحد حتى تدخل معا تحت عنوان

43

و أوردت من الآيات القرآنية في أول كل كتاب ما يناسبه ثم في أول كل جملة من الأبواب ما يناسبها.

و كررت البيانات اللغوية في الجمل المتعددة من الأبواب لبعد العهد دون الجملة الواحدة أو ما مر منها في أواخر الجملة السابقة و احتيج إليها في أوائل اللاحقة في كتاب واحد لقربه و لم أكرر البيانات المعنوية التي احتاجت إلى بسط في الكلام بل أحلت إلى موضعه الأول.

و ربما تعرضت لتفسير بعض الألفاظ التي لا يكاد يحتاج إلى التفسير عند المحصل لالتماس جماعة من الإخوان ذلك لكي يعم نفعه من لم يكن له كثير معرفة بالفنون العربية ممن خلصت نيته و صلحت سريرته من الطالبين و لم أتعرض لكشف غوامض بعض الأحاديث الأصولية و حل مرموزاته كما ينبغي لقصور أفهام الجمهور عن دركها على ما هي عليه إذ كانت من العلوم التحقيقية التي أمرنا بكتمانها.

و بذلت جهدي في أن لا أتنطق في البيانات إلا باصطلاحات أهل ظواهر الشرائع و الديانات ما استطعت دون اصطلاحات أهل السر ممن خفيت مقاصدهم عن أفهام الجماهير وَ مٰا تَوْفِيقِي إِلّٰا بِاللّٰهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

<بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ> الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول اللّٰه ثم على أهل بيت رسول اللّٰه ثم على رواة أحكام اللّٰه ثم على من انتفع بمواعظ اللّٰه

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

كتاب العقل و العلم و التوحيد

و هو الجزء الأول من أجزاء كتاب الوافي تصنيف محمد بن مرتضى المدعو بمحسن أيده اللّٰه تعالى الآيات قال اللّٰه عز و جل وَ إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وٰاحِدٌ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ الرَّحْمٰنُ الرَّحِيمُ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلٰافِ اللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمٰا يَنْفَعُ النّٰاسَ وَ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ مِنَ السَّمٰاءِ مِنْ مٰاءٍ فَأَحْيٰا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهٰا وَ بَثَّ فِيهٰا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّيٰاحِ وَ السَّحٰابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.

و قال سبحانه في غير موضع من كتابه إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.

و قال جل اسمه هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَ إِنَّمٰا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبٰابِ.

و قال عز و جل شَهِدَ اللّٰهُ أَنَّهُ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ وَ الْمَلٰائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ.

48

و قال إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ.

و قال وَ يَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ.

و قال سبحانه يَرْفَعِ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجٰاتٍ

49

أبواب العقل و العلم

الآيات

قال اللّٰه تبارك و تعالى وَ تِلْكَ الْأَمْثٰالُ نَضْرِبُهٰا لِلنّٰاسِ وَ مٰا يَعْقِلُهٰا إِلَّا الْعٰالِمُونَ

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

باب 1 العقل و الجهل

[1]

1- 1 الكافي، 1/ 10/ 1/ 1 محمد عن أحمد عن السراد عن العلاء عن محمد عن أبي جعفر(ع)قال

لما خلق اللّٰه تعالى العقل استنطقه ثم قال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر ثم قال و عزتي و جلالي ما خلقت خلقا هو أحب إلي منك و لا أكملتك إلا في من أحب أما إني إياك آمر و إياك أنهى و إياك أعاقب و إياك أثيب

[2]

2- 2 الكافي، 1/ 26/ 26/ 1 محمد بن الحسن عن سهل عن التميمي عن العلاء عن محمد عن أبي جعفر(ع)قال

لما خلق اللّٰه تعالى العقل قال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر فقال و عزتي ما خلقت خلقا أحسن منك إياك آمر و إياك أنهى و إياك أثيب و إياك أعاقب

52

بيان

هذا الحديث مما روته العامة و الخاصة بأسانيد مختلفة و ألفاظ متغايرة و العقل جوهر ملكوتي نوراني خلقه اللّٰه سبحانه من نور عظمته و به أقام السماوات و الأرضين و ما فيهن و ما بينهن من الخيرات و لأجله ألبس الجميع حلة نور الوجود و بوساطته فتح أبواب الكرم و الجود و لولاه لكن جميعا في ظلمة العدم و لأغلقت دوننا أبواب النعم و هو أول خلق من الروحانيين عن يمين العرش و هو بعينه نور نبينا(ص)و روحه الذي تشعب منه أنوار أوصيائه المعصومين و أرواح الأنبياء و المرسلين (سلام اللّٰه عليهم أجمعين) ثم خلقت من شعاعها أرواح شيعتهم من الأولين و الآخرين.

قال نبينا(ص)

أول ما خلق اللّٰه تعالى نوري و في رواية أخرى روحي

و في الحديث القدسي

مخاطبا إياه لولاك لما خلقت الأفلاك

و في هذا المعنى وردت روايات كثيرة.

و في حديث المفضل عن الصادق(ع)

إنا خلقنا أنوارا و خلقت شيعتنا من شعاع ذلك النور فلذلك سميت شيعة فإذا كان يوم القيامة التحقت السفلى بالعليا.

استنطقه جعله ذا نطق و كلام يليق بذلك المقام ليصير أهلا للخطاب أو طلب منه النطق بأن قال له تكلم كما ورد في رواية أخرى يأتي ذكرها في آخر هذا البيان إن شاء اللّٰه تعالى.

أقبل الإقبال و الإدبار في هذا الحديث يحتملان معنيين مبتنيين على معنيي