الوافي - ج2

- الفيض الكاشاني المزيد...
476 /
17

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول اللّٰه ثم على أهل بيت رسول اللّٰه ثم على رواة أحكام اللّٰه ثم على من انتفع بمواعظ اللّٰه

كتاب الحجة

و هو الثاني من أجزاء كتاب الوافي تصنيف محمد بن مرتضى المدعو بمحسن أيده اللّٰه

الآيات

قال اللّٰه عز و جل لَقَدْ أَرْسَلْنٰا رُسُلَنٰا بِالْبَيِّنٰاتِ وَ أَنْزَلْنٰا مَعَهُمُ الْكِتٰابَ وَ الْمِيزٰانَ لِيَقُومَ النّٰاسُ بِالْقِسْطِ

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

20

أبواب وجوب الحجة و معرفته و حقوقه و كونه مبتلى و مبتلى به

الآيات

قال اللّٰه عز و جل وَ مٰا كُنّٰا مُعَذِّبِينَ حَتّٰى نَبْعَثَ رَسُولًا و قال سبحانه وَ لَوْ أَنّٰا أَهْلَكْنٰاهُمْ بِعَذٰابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقٰالُوا رَبَّنٰا لَوْ لٰا أَرْسَلْتَ إِلَيْنٰا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيٰاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزىٰ.

و قال عز و علا إِنَّمٰا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هٰادٍ و قال سبحانه يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ

21

باب 1 الاضطرار إلى الحجة

[1]

479- 1 الكافي، 1/ 168/ 1/ 1 علي عن أبيه عن العباس بن عمرو الفقيمي عن هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّٰه(ع)

أنه قال للزنديق الذي سأله من أين أثبت الأنبياء و الرسل قال إنا لما أثبتنا أن لنا خالقا صانعا متعاليا عنا و عن جميع ما خلق و كان ذلك الصانع حكيما متعاليا- لم يجز أن يشاهده خلقه و لا يلامسوه فيباشرهم و يباشروه و يحاجهم و يحاجوه ثبت أن له سفراء في خلقه يعبرون عنه إلى خلقه و عباده- و يدلونهم على مصالحهم و منافعهم و ما به بقاؤهم و في تركه فناؤهم فثبت الآمرون و الناهون عن الحكيم العليم في خلقه و المعبرون عنه جل و عز و هم الأنبياء و صفوته من خلقه حكماء مؤدبين في الحكمة مبعوثين بها غير

22

مشاركين للناس على مشاركتهم لهم في الخلق و التركيب في شيء من أحوالهم [و أفعالهم] مؤيدون عند الحكيم العليم بالحكمة ثم ثبت ذلك في كل دهر و زمان مما أتت به الرسل و الأنبياء من الدلائل و البراهين لكيلا تخلو أرض اللّٰه من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقالته و جواز عدالته

بيان

هذا الحديث كأنه من تتمة الحديث الذي مضى في باب الدليل على أنه تعالى واحد و السفراء الرسل جمع سفير

[2]

480- 2 الكافي، 1/ 169/ 3/ 1 علي عن أبيه عن الحسن بن إبراهيم عن يونس بن يعقوب قال

كان عند أبي عبد اللّٰه(ع)جماعة من أصحابه- منهم حمران بن أعين و محمد بن النعمان و هشام بن سالم و الطيار و جماعة فيهم هشام بن الحكم و هو شاب فقال أبو عبد اللّٰه(ع)يا هشام أ لا تخبرني كيف صنعت بعمرو بن عبيد و كيف سألته قال هشام يا بن رسول اللّٰه إني أجلك و أستحييك و لا يعمل لساني بين يديك

23

فقال أبو عبد اللّٰه(ع)إذا أمرتكم بشيء فافعلوا- قال هشام بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد و جلوسه في مسجد البصرة فعظم ذلك علي فخرجت إليه و دخلت البصرة يوم الجمعة فأتيت مسجد البصرة فإذا أنا بحلقة عظيمة فيها عمرو بن عبيد و عليه شملة سوداء- متزر بها من صوف و شملة مرتد بها و الناس يسألونه فاستفرجت الناس فأفرجوا لي ثم قعدت في آخر القوم على ركبتي ثم قلت أيها العالم إني رجل غريب تأذن لي في مسألة فقال لي نعم- فقلت له أ لك عين فقال يا بني أي شيء هذا من السؤال و شيء تراه كيف تسأل عنه فقلت هكذا مسألتي- فقال يا بني سل و إن كانت مسألتك حمقاء قلت أجبني فيها قال لي سل قلت أ لك عين قال نعم

24

قلت فما تصنع بها قال أرى بها الألوان و الأشخاص- قلت فلك أنف قال نعم قلت فما تصنع به قال أشم به الرائحة- قلت أ لك فم قال نعم قلت فما تصنع به قال أذوق به الطعم- قلت فلك أذن قال نعم قلت فما تصنع بها قال أسمع بها الصوت- قلت أ لك قلب قال نعم- قلت فما تصنع به قال أميز به كل ما ورد على هذه الجوارح و الحواس- قلت أ و ليس في هذه الجوارح غنى عن القلب فقال لا- قلت و كيف ذلك و هي صحيحة سليمة قال يا بني إن الجوارح إذا شكت في شيء شمته أو رأته أو ذاقته أو سمعته ردته إلى القلب- فتستيقن اليقين و تبطل الشك- قال هشام فقلت له فإنما أقام اللّٰه القلب لشك الجوارح قال نعم

25

قلت لا بد من القلب و إلا لم تستيقن الجوارح قال نعم- فقلت له يا أبا مروان فالله تعالى لم يترك جوارحك حتى جعل لها إماما يصحح لها الصحيح و تتيقن به ما شكت فيه و يترك هذا الخلق كلهم في حيرتهم و شكهم و اختلافهم لا يقيم لهم إماما يردون إليه شكهم و حيرتهم- و يقيم لك إماما لجوارحك ترد إليه حيرتك و شكك- قال فسكت و لم يقل لي شيئا ثم التفت إلي فقال أنت هشام بن الحكم فقلت لا- فقال أ من جلسائه قلت لا- قال فمن أين أنت قال قلت من أهل الكوفة قال فأذن أنت هو- ثم ضمني إليه و أقعدني في مجلسه و زال عن مجلسه و ما نطق حتى قمت- قال فضحك أبو عبد اللّٰه(ع)و قال يا هشام من علمك هذا قلت شيء أخذته منك و ألفته فقال هذا و اللّٰه مكتوب في صحف إبراهيم و موسى

بيان

وصف المسألة بالحمقاء تجوز من قبيل نهاره صائم و ليله قائم

[3]

481- 3 الكافي، 1/ 171/ 4/ 1 علي عن أبيه عمن ذكره عن يونس بن يعقوب قال

كنت عند أبي عبد اللّٰه(ع)فورد عليه رجل من أهل

26

الشام فقال إني رجل صاحب كلام و فقه و فرائض و قد جئت لمناظرة أصحابك فقال أبو عبد اللّٰه(ع)كلامك من كلام رسول اللّٰه(ص)أو من عندك- فقال من كلام رسول اللّٰه(ص)و من عندي- فقال أبو عبد اللّٰه(ع)فأنت إذن شريك رسول اللّٰه(ص)قال لا- قال فسمعت الوحي عن اللّٰه عز و جل يخبرك قال لا- قال فتجب طاعتك كما تجب طاعة رسول اللّٰه(ص)قال لا- فالتفت أبو عبد اللّٰه(ع)إلي فقال يا يونس بن يعقوب هذا قد خصم نفسه قبل أن يتكلم- ثم قال يا يونس لو كنت تحسن الكلام كلمته قال يونس فيا لها من حسرة فقلت جعلت فداك إني سمعتك تنهى عن الكلام و تقول ويل لأصحاب الكلام يقولون هذا ينقاد و هذا لا ينقاد و هذا ينساق و هذا لا ينساق و هذا نعقله و هذا لا نعقله- فقال أبو عبد اللّٰه(ع)إنما قلت فويل لهم إن تركوا ما أقول- و ذهبوا إلى ما يريدون- ثم قال لي اخرج إلى الباب فانظر من ترى من المتكلمين فأدخله- قال فأدخلت حمران بن أعين و كان يحسن الكلام و أدخلت الأحول و كان يحسن الكلام و أدخلت هشام بن سالم و كان يحسن الكلام و أدخلت

27

قيس الماصر و كان عندي أحسنهم كلاما و كان قد تعلم الكلام من علي بن الحسين(ع)فلما استقر بنا المجلس و كان أبو عبد اللّٰه(ع)قبل الحج يستقر أياما في جبل في طرف الحرم في فازة له مضروبة- قال فأخرج أبو عبد اللّٰه(ع)رأسه من فازته فإذا هو ببعير يخب فقال هشام و رب الكعبة قال فظننا أن هشاما رجل من ولد عقيل كان شديد المحبة له قال فورد هشام بن الحكم و هو أول ما اختطت لحيته و ليس فينا إلا من هو أكبر منه سنا- قال فوسع له أبو عبد اللّٰه(ع)و قال ناصرنا بقلبه و لسانه و يده ثم قال يا حمران كلم الرجل فكلمه فظهر عليه حمران ثم قال يا طاقي كلمه فكلمه فظهر عليه الأحول ثم قال يا هشام بن سالم كلمه فتعاركا ثم قال أبو عبد اللّٰه(ع)لقيس الماصر كلمه فكلمه فأقبل أبو عبد اللّٰه(ع)يضحك من كلامهما مما قد أصاب الشامي فقال للشامي كلم هذا الغلام يعني هشام بن الحكم فقال نعم فقال لهشام يا غلام سلني في إمامة هذا فغضب هشام حتى ارتعد ثم قال للشامي يا هذا أ ربك أنظر لخلقه أم خلقه لأنفسهم- فقال الشامي بل ربي أنظر لخلقه قال ففعل بنظره ما ذا قال

28

أقام لهم حجة دليلا كيلا يتشتتوا أو يختلفوا يتألفهم و يقيم أودهم و يخبرهم بفرض ربهم- قال فمن هو قال رسول اللّٰه(ص)قال هشام فبعد رسول اللّٰه(ص)من قال الكتاب و السنة- قال هشام فهل نفعنا اليوم الكتاب و السنة في رفع الاختلاف عنا- قال الشامي نعم قال فلم اختلفت أنا و أنت و صرت إلينا من الشام في مخالفتنا إياك قال فسكت الشامي- فقال أبو عبد اللّٰه(ع)للشامي ما لك لا تتكلم قال الشامي إن قلت لم نختلف كذبت و إن قلت إن الكتاب و السنة يرفعان عنا الاختلاف أبطلت لأنهما يحتملان الوجوه و إن قلت قد اختلفنا و كل واحد منا يدعي الحق فلم ينفعنا إذا الكتاب و السنة إلا أن لي عليه هذه الحجة- فقال أبو عبد اللّٰه(ع)سله تجده مليا فقال الشامي يا هذا من أنظر للخلق أ ربهم أو أنفسهم فقال هشام ربهم أنظر لهم منهم لأنفسهم فقال الشامي فهل أقام لهم من يجمع لهم كلمتهم و يقيم أودهم و يخبرهم بحقهم من باطلهم قال هشام في وقت رسول اللّٰه(ص)أو الساعة قال الشامي في وقت رسول اللّٰه(ص)و الساعة من فقال هشام هذا القاعد الذي يشد إليه الرحال و يخبرنا بأخبار السماء وراثة عن أب عن جد- قال الشامي فكيف لي أن أعلم ذلك قال هشام سله عما بدا لك- قال الشامي قطعت عذري فعلي السؤال

29

فقال أبو عبد اللّٰه(ع)يا شامي أخبرك كيف كان سفرك و كيف كان طريقك كان كذا و كان كذا فأقبل الشامي يقول صدقت أسلمت لله الساعة- فقال أبو عبد اللّٰه(ع)بل آمنت بالله الساعة إن الإسلام قبل الإيمان و عليه يتوارثون و يتناكحون و الإيمان عليه يثابون- فقال الشامي صدقت فأنا الساعة أشهد أن لا إله إلا اللّٰه و أن محمدا رسول اللّٰه و أنك وصي الأوصياء ثم التفت أبو عبد اللّٰه(ع)إلى حمران فقال تجري الكلام على الأثر فتصيب و التفت إلى هشام بن سالم فقال تريد الأثر و لا تعرفه ثم التفت إلى الأحول فقال قياس رواغ تكسر باطلا بباطل إلا أن باطلك أظهر ثم التفت إلى قيس الماصر فقال تتكلم و أقرب ما تكون من الخبر عن رسول اللّٰه(ص)أبعد ما تكون منه تمزج الحق مع الباطل و قليل الحق يكفي عن كثير الباطل أنت و الأحول قفازان حاذقان- قال يونس فظننت و اللّٰه إنه يقول لهشام قريبا مما قال لهما ثم قال يا هشام لا تكاد تقع تلوي رجليك إذا هممت بالأرض طرت مثلك فليكلم الناس فاتق الزلة و الشفاعة من ورائها إن شاء اللّٰه

بيان

هذا ينقاد و هذا لا ينقاد إشارة إلى ما يقوله أهل المناظرة في مجادلاتهم سلمنا هذا و لكن لا نسلم ذلك و هذا ينساق و هذا لا ينساق إشارة إلى قولهم للخصم أن يقول كذا و ليس له أن يقول كذا.

إن تركوا ما أقول و ذهبوا إلى ما يريدون أي تركوا ما ثبت منا و صح نقله عنا من مسائل الدين و أخذوا بآرائهم فيها فنصروها بمثل هذه المجادلات و الأحول هو أبو جعفر محمد بن النعمان الملقب بالطاقي و مؤمن الطاق و الفازة الخيمة

30

الصغيرة و الخبب بالخاء المعجمة و الموحدتين ضرب من العدو.

فقال هشام يعني هذا الراكب هشام فظننا أن هشاما رجل أي ظننا أنه يريد بقوله هشام ذلك الرجل ناصرنا أي هو ناصرنا فظهر عليه غلبة فتعاركا لم يغلب أحدهما على الآخر في إمامة هذا يعني أبا عبد اللّٰه(ع)كأنه أساء أدب الإمام(ع)أو استهزأ بهشام و لهذا غضب كيلا يتشتتوا يتفرقوا أودهم اعوجاجهم هذه الحجة يعني الحجة التي كانت له علي يشد إليه الرحال كناية عن إتيان الناس إليه من كل فج و إقبالهم عليه في مواسم الحج و الرحل مركب البعير و ما يصحبه الإنسان من الأثاث.

تجري الكلام على الأثر أي تتبع كلامك ما وصل إليك من الأخبار تريد الأثر أي الخبر قياس على صيغة المبالغة أي أنت كثير القياس و كذلك رواغ بإهمال أوله و إعجام آخره أي كثير الروغان و هو ما يفعله الثعلب من المكر و الحيل و يقال للمصارعة أيضا و أقرب ما تكون من الخبر عن رسول اللّٰه(ص)أبعد ما تكون منه أي إذا قربت من الاستشهاد بحديث نبوي و أمكنك أن تتشبث به تركته و أخذت أمرا آخر بعيدا من مطلوبك و القفاز بالقاف ثم الفاء ثم الزاي الوثاب تلوي رجليك يعني مع أنك لا تكاد تقع تلوي رجليك كأنك تكاد تقع إذا هممت بالأرض أي إذا صرت كأنك تكاد تقع طرت أي قمت منتصبا قياما سريعا رفيعا يشبه الطيران و في الكلام استعارات و ترشيحات

[4]

482- 4 الكافي، 1/ 188/ 15/ 1 النيسابوريان عن صفوان عن منصور بن حازم قال

قلت لأبي عبد اللّٰه(ع)إن اللّٰه أجل و أكرم من أن يعرف

31

بخلقه بل الخلق يعرفون بالله قال صدقت قلت إن من عرف أن له ربا فقد ينبغي له أن يعرف أن لذلك الرب رضاء و سخطا و أنه لا يعرف رضاه و سخطه إلا بوحي أو رسول فمن لم يأته الوحي فينبغي له أن يطلب الرسل فإذا لقيهم عرف أنهم الحجة و أن لهم الطاعة المفترضة فقلت للناس أ ليس تعلمون أن رسول اللّٰه(ص)كان هو الحجة من اللّٰه على خلقه قالوا بلى- قلت فحين مضى(ع)من كان الحجة قالوا القرآن فنظرت في القرآن فإذا هو يخاصم به المرجئي و القدري و الزنديق الذي لا يؤمن به حتى يغلب الرجال بخصومته فعرفت أن القرآن لا يكون حجة إلا بقيم فما قال فيه من شيء كان حقا فقلت لهم من قيم القرآن فقالوا ابن مسعود قد كان يعلم و عمر يعلم و حذيفة يعلم قلت كله قالوا لا فلم أجد أحدا يقال إنه يعرف القرآن كله إلا عليا(ع)و إذا كان الشيء بين القوم فقال هذا لا أدري و قال هذا لا أدري و قال هذا لا أدري و قال هذا أنا أدري- فأشهد أن عليا(ع)كان قيم القرآن و كانت طاعته مفترضة- و كان الحجة على الناس بعد رسول اللّٰه(ص)و أن ما قال في القرآن فهو حق فقال رحمك اللّٰه فقلت إن عليا(ع)لم يذهب حتى ترك حجة من بعده كما ترك رسول اللّٰه ص

32

و إن الحجة بعد علي الحسن بن علي(ع)و أشهد على الحسن(ع)أنه لم يذهب حتى ترك حجة من بعده كما ترك أبوه و جده و أن الحجة بعد الحسن الحسين(ع)و كانت طاعته مفترضة فقال رحمك اللّٰه فقبلت رأسه فقلت و أشهد على الحسين(ع)أنه لم يذهب حتى ترك حجة من بعده علي بن الحسين(ع)و كانت طاعته مفترضة- فقال رحمك اللّٰه فقبلت رأسه قلت و أشهد على علي بن الحسين(ع)أنه لم يذهب حتى ترك حجة من بعده محمد بن علي أبا جعفر(ع)و كانت طاعته مفترضة فقال رحمك اللّٰه قلت أعطني رأسك حتى أقبله فضحك قلت أصلحك اللّٰه قد علمت أن أباك لم يذهب حتى ترك حجة من بعده كما ترك أبوه و أشهد بالله أنك أنت الحجة و أن طاعتك مفترضة فقال كف رحمك اللّٰه قلت أعطني رأسك أقبله فقبلت رأسه فضحك و قال سلني عما شئت فلا أنكرك بعد اليوم أبدا

بيان

يعني عرفتك اليوم و عرفت أنك من شيعتنا

[5]

483- 5 الكافي، 1/ 242/ 1/ 1 محمد بن أبي عبد اللّٰه و محمد بن الحسن عن سهل و محمد عن أحمد جميعا عن الحسن بن العباس بن الحريش عن أبي

33

جعفر الثاني(ع)قال قال أبو عبد اللّٰه(ع)

بينا أبي(ع)يطوف بالكعبة إذا رجل معتجر قد قيض له فقطع عليه أسبوعه حتى أدخله إلى دار جنب الصفا فأرسل إلي فكنا ثلاثة فقال مرحبا بابن رسول اللّٰه ص- ثم وضع يده على رأسي و قال بارك اللّٰه فيك يا أمين اللّٰه بعد آبائه يا أبا جعفر إن شئت فأخبرني و إن شئت فأخبرتك و إن شئت سلني و إن شئت سألتك و إن شئت فاصدقني و إن شئت صدقتك قال كل ذلك أشاء- قال فإياك أن ينطق لسانك عند مسألتي بأمر تضمر لي غيره قال إنما يفعل ذلك من في قلبه علمان يخالف أحدهما صاحبه فإن اللّٰه تبارك و تعالى أبى أن يكون له علم فيه اختلاف قال هذه مسألتي و قد فسرت طرفا منها أخبرني عن هذا العلم الذي ليس فيه اختلاف من يعلمه- قال أما جملة العلم فعند اللّٰه تعالى و أما ما لا بد للعباد منه فعند الأوصياء- قال ففتح الرجل عجيرته و استوى جالسا و تهلل وجهه و قال هذه أردت و لها أتيت زعمت أن علم ما لا اختلاف فيه من العلم عند الأوصياء- فكيف يعلمونه قال كما كان رسول اللّٰه(ص)يعلمه إلا أنهم لا يرون ما كان رسول اللّٰه(ص)يرى لأنه كان نبيا و هم

34

محدثون و أنه كان يفد إلى اللّٰه تعالى فيسمع الوحي و هم لا يسمعون- فقال صدقت يا بن رسول اللّٰه سأسألك مسألة صعبة أخبرني عن هذا العلم ما له لا يظهر كما كان يظهر مع رسول اللّٰه(ص)قال فضحك أبي(ع)و قال أبى اللّٰه أن يطلع على علمه إلا ممتحنا للإيمان به كما قضى على رسول اللّٰه(ص)أن يصبر على أذى قومه و لا يجاهدهم إلا بأمره فكم من اكتتام قد اكتتم به حتى قيل له-

فَاصْدَعْ بِمٰا تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ

و ايم اللّٰه أن لو صدع قبل ذلك لكان آمنا و لكنه إنما نظر في الطاعة و خاف الخلاف فلذلك كف فوددت أن عينك تكون مع مهدي هذه الأمة و الملائكة بسيوف آل داود بين السماء و الأرض تعذب أرواح الكفرة من الأموات و تلحق بهم أرواح أشباههم من الأحياء- ثم أخرج سيفا ثم قال ها إن هذا منها قال فقال أبي إي و الذي اصطفى محمدا على البشر قال فرد الرجل اعتجاره و قال أنا اليأس ما سألتك عن أمرك و بي منه جهالة غير أني أحببت أن يكون هذا الحديث قوة لأصحابك و سأخبرك بآية أنت تعرفها إن خاصموا بها فلجوا قال فقال له أبي إن شئت أخبرتك بها قال قد شئت قال إن شيعتنا إن قالوا لأهل الخلاف لنا أن اللّٰه تعالى يقول لرسوله ص-

إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ

إلى آخرها فهل كان رسول اللّٰه(ص)يعلم من العلم شيئا لا يعلمه في تلك الليلة أو يأتيه به جبرئيل(ع)في غيرها فإنهم سيقولون لا فقل لهم فهل كان لما علم بد من أن يظهر فيقولون لا فقل لهم فهل كان فيما أظهر رسول اللّٰه ص

35

من علم اللّٰه تعالى اختلاف فإن قالوا لا فقل لهم فمن حكم بحكم اللّٰه فيه اختلاف فهل خالف رسول اللّٰه(ص)فيقولون نعم فإن قالوا لا فقد نقضوا أول كلامهم فقل لهم ما يعلم تأويله إلا اللّٰه و الراسخون في العلم فإن قالوا من الراسخون في العلم فقل من لا يختلف في علمه- فإن قالوا فمن هو ذاك فقل كان رسول اللّٰه(ص)صاحب ذلك فهل بلغ أو لا فإن قالوا قد بلغ فقل فهل مات(ص)و الخليفة من بعده يعلم علما ليس فيه اختلاف فإن قالوا لا فقل إن خليفة رسول اللّٰه(ص)مؤيد و لا يستخلف رسول اللّٰه(ص)إلا من يحكم بحكمه و إلا من يكون مثله إلا النبوة و إن كان رسول اللّٰه(ص)لم يستخلف في علمه أحدا- فقد ضيع من في أصلاب الرجال ممن يكون بعده فإن قالوا لك فإن علم رسول اللّٰه(ص)كان من القرآن فقل-

حم وَ الْكِتٰابِ الْمُبِينِ إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبٰارَكَةٍ

إلى قوله

إِنّٰا كُنّٰا مُرْسِلِينَ

- فإن قالوا لك لا يرسل اللّٰه تعالى إلا إلى نبي فقل هذا الأمر الحكيم الذي يفرق فيه هو من الملائكة و الروح التي تنزل من سماء إلى سماء أو من سماء إلى الأرض فإن قالوا من سماء إلى سماء فليس في السماء أحد يرجع من طاعة إلى معصية فإن قالوا من سماء إلى أرض و أهل الأرض أحوج الخلق إلى ذلك فقل فهل لهم بد من سيد يتحاكمون إليه فإن قالوا فإن الخليفة هو حكمهم- فقل

اللّٰهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمٰاتِ إِلَى النُّورِ

إلى قوله

خٰالِدُونَ

36

لعمري ما في الأرض و لا في السماء ولي لله تعالى إلا و هو مؤيد و من أيد لم يخط و ما في الأرض عدو لله تعالى إلا و هو مخذول و من خذل لم يصب كما أن الأمر لا بد من تنزيله من السماء يحكم به أهل الأرض كذلك و لا بد من وال فإن قالوا لا نعرف هذا فقل قولوا ما أحببتم أبى اللّٰه بعد محمد أن يترك العباد و لا حجة عليهم- قال أبو عبد اللّٰه(ع)ثم وقف فقال هاهنا يا بن رسول اللّٰه باب غامض أ رأيت إن قالوا حجة اللّٰه القرآن قال إذن أقول لهم إن القرآن ليس بناطق يأمر و ينهى و لكن للقرآن أهل يأمرون و ينهون و أقول قد عرضت لبعض أهل الأرض مصيبة ما هي في السنة و الحكم الذي ليس فيه اختلاف و ليست في القرآن أبى اللّٰه تعالى لعلمه بتلك الفتنة أن تظهر في الأرض و ليس في حكمه راد لها و مفرج عن أهلها فقال هاهنا تفلجون يا بن رسول اللّٰه أشهد أن اللّٰه قد علم بما يصيب الخلق من مصيبة في الأرض أو في أنفسهم من الدين أو غيره فوضع القرآن دليلا قال فقال الرجل هل تدري يا بن رسول اللّٰه دليل ما هو- قال أبو جعفر(ع)نعم فيه جمل الحدود و تفسيرها عند الحكم- فقد أبى اللّٰه أن يصيب عبدا بمصيبة في دينه أو في نفسه أو في ماله ليس في أرضه من حكمه قاض بالصواب في تلك المصيبة قال فقال الرجل أما في هذا الباب فقد فلجتم بحجة إلا أن يفتري خصمكم على اللّٰه فيقول ليس لله تعالى حجة و لكن أخبرني عن تفسير

لِكَيْلٰا تَأْسَوْا عَلىٰ مٰا فٰاتَكُمْ

مما خص به علي(ع)

وَ لٰا تَفْرَحُوا بِمٰا آتٰاكُمْ

قال في أبي فلان و أصحابه واحدة مقدمة و واحدة مؤخرة

37

لِكَيْلٰا تَأْسَوْا عَلىٰ مٰا فٰاتَكُمْ

مما خص علي(ع)به

وَ لٰا تَفْرَحُوا بِمٰا آتٰاكُمْ

من الفتنة التي عرضت لكم بعد رسول اللّٰه(ص)فقال الرجل- أشهد أنكم أصحاب الحكم الذي لا اختلاف فيه ثم قام الرجل و ذهب فلم أره

بيان

معتجر ذو معجر على رأسه قيض من باب التفعيل أي جيء به من حيث لا يحتسب أسبوعه طوافه يا أبا جعفر تقدير الكلام ثم التفت إلى أبي فقال يا أبا جعفر فإن اللّٰه تعالى أبى فيه إشارة إلى أن علمه من علم اللّٰه و المراد بهذا العلم علم الشرائع أصولها و فروعها و العلم بما كان و ما سيكون كما سيظهر من سياق الحديث هذه مسألتي يعني مسألتي هي أن اللّٰه تعالى هل له علم ليس فيه اختلاف أم لا ثم العلم الذي لا اختلاف فيه عند من هو.

و قد فسرت أنت بعض ذلك و هو السؤال الأول جملة العلم يعني كله عجيرته معجره تهلل وجهه تلألأ فرحا ما كان رسول اللّٰه(ص)يرى يعني جبرئيل و سائر الملائكة(ع)و هم محدثون يعني يحدثهم الملك و لا يرونه يفد يقدم من الوفود فيسمع الوحي أي من اللّٰه تعالى بلا واسطة سأسألك مسألة في بعض النسخ سآتيك بمسألة و المعنى واحد أن يطلع من باب الإفعال فَاصْدَعْ بِمٰا تُؤْمَرُ أظهر و احكم بالحق جهارا عينك في بعض النسخ أعينك بصيغة الجمع بسيوف آل داود أي داود و أهله يعني السيوف التي أمر اللّٰه سبحانه بأن يقاتل بها كما

38

أمر اللّٰه تعالى بمقاتلة داود النبي و أهله مع جالوت على ما حكى اللّٰه عز و جل في القرآن أو المراد بها تلك السيوف بعينها قال يعني أبا عبد اللّٰه ع.

فقال أبي يعني قال بعد هذا الكلام تأكيدا له إن خاصموا بها فلجوا بالجيم يعني إن خاصم أصحابك بها أهل الخلاف ظفروا و فازوا بالغلبة عليهم.

و تقرير هذه الحجة على ما يطابق عبارة الحديث مع مقدماتها المطوية أن يقال قد ثبت أن اللّٰه سبحانه أنزل القرآن في ليلة القدر على رسول اللّٰه ص.

و أنه كان تنزل الملائكة و الروح فيها من كل أمر ببيان و تأويل سنة فسنة كما يدل عليه فعل المستقبل الدال على التجدد في الاستقبال فنقول هل كان لرسول اللّٰه(ص)طريق إلى العلم الذي يحتاج إليه الأمة سوى ما يأتيه من السماء من عند اللّٰه سبحانه إما في ليلة القدر أو في غيرها أم لا و الأول باطل لما أجمع عليه الأمة من أن علمه ليس إلا من عند اللّٰه سبحانه كما قال تعالى إِنْ هُوَ إِلّٰا وَحْيٌ يُوحىٰ فثبت الثاني.

ثم نقول فهل يجوز أن لا يظهر هذا العلم الذي يحتاج إليه الأمة أم لا بد من ظهوره لهم و الأول باطل لأنه إنما يوحى إليه ليبلغ إليهم و يهديهم إلى اللّٰه عز و جل فثبت الثاني ثم نقول فهل في ذلك العلم النازل من السماء من عند اللّٰه جل و علا إلى الرسول اختلاف بأن يحكم في أمر في زمان بحكم ثم يحكم في ذلك الأمر بعينه في ذلك الزمان بعينه بحكم آخر يخالفه أم لا و الأول باطل لأن الحكم إنما هو من عند اللّٰه جل و عز و هو متعال عن ذلك كما قال وَ لَوْ كٰانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّٰهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلٰافاً كَثِيراً.

39

ثم نقول فمن حكم بحكم فيه اختلاف كالذي يجتهد في الحكم الشرعي بتأويله المتشابه برأيه ثم ينقض ذلك الحكم راجعا عن ذلك الرأي لزعمه أنه قد أخطأ فيه هل وافق رسول اللّٰه(ص)في فعله ذلك و حكمه أم خالفه و الأول باطل لأن رسول اللّٰه(ص)لم يكن في حكمه اختلاف فثبت الثاني ثم نقول فمن لم يكن في حكمه اختلاف فهل له طريق إلى ذلك الحكم من غير جهة اللّٰه سبحانه إما بواسطة أو بغير واسطة و من دون أن يعلم تأويل المتشابه الذي بسببه يقع الاختلاف أم لا و الأول باطل فثبت الثاني.

ثم نقول فهل يعلم تأويل المتشابه الذي بسببه يقع الاختلاف إلا اللّٰه و الراسخون في العلم الذين ليس في علمهم اختلاف أم لا و الأول باطل لأن اللّٰه سبحانه يقول وَ مٰا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّٰهُ وَ الرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ثم نقول فرسول اللّٰه(ص)الذي هو من الراسخين في العلم هل مات و ذهب بعلمه ذلك و لم يبلغ طريق علمه بالمتشابه إلى خليفته من بعده أم بلغه و الأول باطل لأنه لو فعل ذلك فقد ضيع من في أصلاب الرجال ممن يكون بعده فثبت الثاني.

ثم نقول فهل خليفته من بعده كسائر آحاد الناس يجوز عليه الخطأ و الاختلاف في العلم أم هو مؤيد من عند اللّٰه يحكم بحكم رسول اللّٰه(ص)بأن يأتيه الملك و يحدثه من غير وحي و رؤية أو ما يجري مجرى ذلك و هو مثله إلا في النبوة و الأول باطل لعدم إغنائه حينئذ لأن من يجوز عليه الخطأ لا يؤمن عليه الاختلاف في الحكم و يلزم التضييع من ذلك أيضا فثبت الثاني فلا بد من خليفة بعد رسول اللّٰه(ص)راسخ في العلم عالم بتأويل المتشابه مؤيد من عند اللّٰه لا يجوز عليه الخطأ و لا الاختلاف في العلم يكون حجة على العباد و هو المطلوب.

40

فإن قالوا لك هذا إيراد سؤال على الحجة تقريره أن علم رسول اللّٰه(ص)لعله كان من القرآن فحسب ليس مما يتجدد في ليلة القدر في شيء فأجاب بأن اللّٰه سبحانه يقول فِيهٰا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِنْ عِنْدِنٰا إِنّٰا كُنّٰا مُرْسِلِينَ فهذه الآية تدل على تجدد الفرق و الإرسال في تلك الليلة المباركة بإنزال الملائكة و الروح فيها من السماء إلى الأرض دائما فلا بد من وجود من يرسل إليه الأمر دائما.

فإن قالوا لك هذا سؤال آخر تقريره أنه يلزم مما ذكرتم جواز إرسال الملائكة إلى غير النبي(ص)مع أنه لا يجوز ذلك فأجاب عنه بالمعارضة بمدلول الآية الذي لا مرد له و لا استبعاد في أن يكون للنبي(ص)خليفة تقرب مرتبته من مرتبته في التأييد من عند اللّٰه و تحديث الملك و إن لم يكن نبيا يوحى إليه فإن المخالفين أيضا

يروون عن النبي(ص)أنه قال

إن في أمتي محدثين

يعني يحدثهم الملك و يسددهم.

فإن قالوا فإن الخليفة هو حكمهم بفتح الكاف يعني هو السيد المتحاكم إليه فقل إذا لم يكن الخليفة مؤيدا محفوظا من الخطأ فكيف يخرجه اللّٰه و يخرج به عباده من الظلمات إلى النور و قد قال اللّٰه سبحانه اللّٰهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمٰاتِ إِلَى النُّورِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيٰاؤُهُمُ الطّٰاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمٰاتِ ثم وقف يعني أبا جعفر ع.

فقال يعني إلياس مصيبة أي قضية مشكلة و مسألة معضلة ما هي في السنة و الحكم الذي ليس فيه اختلاف يعني ليس حكمها يوجد في السنة و لا في الحكم الذي ليس فيه اختلاف و لا في القرآن أن تظهر يعني تلك الفتنة و هو

41

مفعول أبى مع الجملة الحالية التي بعده و العائد في حكمه راجع إلى اللّٰه إن اللّٰه قد علم بما يصيب الخلق من مصيبة في الأرض أي في الخارج من أنفسهم كالمال أو في أنفسهم كالدين فيه إشارة إلى قوله تعالى مٰا أَصٰابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لٰا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلّٰا فِي كِتٰابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهٰا إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى اللّٰهِ يَسِيرٌ لِكَيْلٰا تَأْسَوْا عَلىٰ مٰا فٰاتَكُمْ وَ لٰا تَفْرَحُوا بِمٰا آتٰاكُمْ جمل الحدود أي مجملاتها و تفسيرها عند الحكم بفتح الكاف يعني الحجة و لفظة من في من حكمه إما اسم موصول فتكون اسم ليس أو حرف جر فتكون صلة للخروج الذي يتضمنه معنى القضاء في قاض أي قاض خارج من حكمه بالصواب مما خص علي(ع)به هذا من كلام أبي جعفر(ع)ففي الكلام حذف يعني قال مما خص علي(ع)به يعني الخلافة و الإمامة و كأنه سقط من قلم النساخ.

و يحتمل أن يكون من كلام الرجل بِمٰا آتٰاكُمْ يعني خلافة أبي بكر و أبي فلان كناية عنه و أصحابه يعني عمر و عثمان واحدة مقدمة يعني تخصيص علي بالخلافة و الإمامة قد تقدم من رسول اللّٰه(ص)و فاتكم و واحدة مؤخرة يعني فتنة خلافة أبي بكر قد تأخرت عن ذلك و قد أتتكم فقوله ثانيا لِكَيْلٰا تَأْسَوْا إلى آخره بيان للأمرين و المخاطب بإحداهما الشيعة و بالأخرى مخالفوهم.

و قد تبين من هذا الحديث معنى إنزال القرآن في ليلة القدر مع ما ثبت أنه أنزل نجوما في نحو من عشرين سنة و قد تكلف المفسرون في تفسيره بتكلفات بعيدة مثل قولهم إنه أنزل إلى السماء الدنيا جملة في ليلة القدر ثم أنزل منه إلى الأرض نجوما في تلك المدة و مثل قولهم إن ابتداء نزوله كان في ليلة القدر و مثل قولهم إنا أنزلنا القرآن في شأن ليلة القدر و هو قوله تعالى لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ

42

إلى غير ذلك و يأتي ما يقرب من الأول عن الصادق(ع)في باب متى نزل القرآن من أبواب القرآن و فضائله من كتاب الصلاة إن شاء اللّٰه تعالى.

و المستفاد من هذا الحديث أن معنى إنزاله في ليلة القدر إنزال بيانه بتفصيل مجمله و تأويل متشابهه و تقييد مطلقه و تفريق محكمه من متشابهه و بالجملة تتميم إنزاله بحيث يكون هدى للناس و بينات من الهدى و الفرقان كما قال سبحانه شَهْرُ رَمَضٰانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ يعني في ليلة القدر منه هُدىً لِلنّٰاسِ وَ بَيِّنٰاتٍ مِنَ الْهُدىٰ وَ الْفُرْقٰانِ تثنية لقوله عز و جل إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبٰارَكَةٍ إِنّٰا كُنّٰا مُنْذِرِينَ فِيهٰا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أي محكم أَمْراً مِنْ عِنْدِنٰا إِنّٰا كُنّٰا مُرْسِلِينَ فقوله فِيهٰا يُفْرَقُ و قوله وَ الْفُرْقٰانَ معناهما واحد.

و روي في معاني الأخبار بإسناده عن الصادق(ع)

أن القرآن جملة الكتاب و الفرقان المحكم الواجب العمل به

انتهى و يأتي هذا الحديث مسندا في آخر كتاب الصلاة إن شاء اللّٰه و قد قال تعالى إِنَّ عَلَيْنٰا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ أي حين أنزلناه نجوما فَإِذٰا قَرَأْنٰاهُ عليك حينئذ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ أي جملته ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنٰا بَيٰانَهُ في ليلة القدر بإنزال الملائكة و الروح فيها عليك و على أهل بيتك من بعدك بتفريق المحكم من المتشابه و بتقدير الأشياء و تبيين أحكام خصوص الوقائع التي تصيب الخلق في تلك السنة إلى ليلة القدر الآتية.

هذا ما استنفدته من مجموع هذا الحديث مع ما يأتي من الأخبار في هذا الباب و في باب ليلة القدر من كتاب الصيام و في بعض أخبار ذلك الباب أنه لم ينزل

43

القرآن إلا في ليلة القدر و أنه لو رفعت ليلة القدر لرفع القرآن.

و قال في الفقيه تكامل نزول القرآن ليلة القدر و هو مؤيد لما قلنا

[6]

484- 6 الكافي، 1/ 247/ 2/ 1 و عن أبي عبد اللّٰه(ع)قال

بينا أبي(ع)جالس و عنده نفر إذا استضحك حتى اغرورقت عيناه دموعا- ثم قال هل تدرون ما أضحكني قال فقالوا لا قال زعم ابن عباس أنه من

الَّذِينَ قٰالُوا رَبُّنَا اللّٰهُ ثُمَّ اسْتَقٰامُوا

- فقلت له هل رأيت الملائكة يا بن عباس تخبرك بولايتها لك في الدنيا و الآخرة مع الأمن من الخوف و الحزن قال فقال إن اللّٰه تعالى يقول-

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ

و قد دخل في هذا جميع الأمة فاستضحكت ثم قلت صدقت يا بن عباس أنشدك اللّٰه تعالى هل في حكم اللّٰه تعالى اختلاف- قال فقال لا فقلت ما ترى في رجل ضرب رجلا أصابعه بالسيف حتى سقطت ثم ذهب و أتى رجل آخر فأطار كفه فأتى به إليك و أنت قاض- كيف أنت صانع قال- أقول لهذا القاطع أعطه دية كفه و أقول لهذا المقطوع صالحه على ما شئت و ابعث به إلى ذوي عدل قلت- جاء الاختلاف في حكم اللّٰه تعالى و نقضت القول الأول أبى اللّٰه تعالى أن يحدث في خلقه شيئا من الحدود ليس تفسيره في الأرض اقطع قاطع الكف أصلا ثم أعطه دية الأصابع هكذا حكم اللّٰه تبارك و تعالى ليلة ينزل فيها أمره أن جحدتها بعد ما سمعت من رسول اللّٰه(ص)فأدخلك اللّٰه النار كما أعمى بصرك يوم جحدتها علي بن أبي طالب(ع)قال فلذلك

44

عمى بصري قال و ما علمك بذلك فو الله إن عمى بصره إلا من صفقة جناح الملك- قال فاستضحكت ثم تركته يومه ذلك لسخافة عقله ثم لقيته فقلت- يا بن عباس ما تكلمت بصدق مثل أمس قال لك علي بن أبي طالب إن ليلة القدر في كل سنة و إنه ينزل في تلك الليلة أمر السنة و إن لذلك الأمر ولاة بعد رسول اللّٰه(ص)فقلت من هم فقال أنا و أحد عشر من صلبي أئمة محدثون فقلت لا أراها كانت إلا مع رسول اللّٰه(ص)فتبدأ لك الملك الذي يحدثه فقال كذبت يا عبد اللّٰه رأت عيناي الذي حدثك به علي و لم تره عيناه و لكن وعى قلبه و وقر في سمعه ثم صفقك بجناحه فعميت- قال فقال ابن عباس ما اختلفنا في شيء فحكمه إلى اللّٰه فقلت له فهل حكم اللّٰه في حكم من حكمه بأمرين قال لا فقلت هاهنا هلكت و أهلكت

بيان

اغرورقت افعيعال من الغرق قٰالُوا رَبُّنَا اللّٰهُ ثُمَّ اسْتَقٰامُوا يعني وحدوا اللّٰه ثم استقاموا على طاعة اللّٰه و طاعة رسوله كما ينبغي من غير مخالفة يعني بهم المعصومين(ص)هل رأيت الملائكة أشار به إلى قوله سبحانه إِنَّ الَّذِينَ قٰالُوا رَبُّنَا اللّٰهُ ثُمَّ اسْتَقٰامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلٰائِكَةُ أَلّٰا تَخٰافُوا وَ لٰا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيٰاؤُكُمْ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ فِي الْآخِرَةِ.

صدقت صدقه على سبيل التهكم و ابعث به إلى ذوي عدل أي أرسله

45

إليهما لتقدير الحكومة في الأصابع جاء الاختلاف لعدم إمكان الاتفاق في مثله ليلة ينزل فيها أمره يعني ليلة القدر.

قال اللّٰه تعالى إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبٰارَكَةٍ إِنّٰا كُنّٰا مُنْذِرِينَ فِيهٰا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ و قال إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إلى قوله مِنْ كُلِّ أَمْرٍ إن جحدتها يعني تلك الليلة قال فلذلك عمى بصري هذا الكلام تصديق و إقرار منه له(ع)قال و ما علمك بذلك يعني قال ابن عباس لأبي من أين علمت أن ذلك سبب عماي كأنه تعجب من علمه بما هو بمنزلة الغيب فو الله هذا من كلام الصادق(ع)معترض و لم تره عيناه هذا من تتمة كلام الملك و العائد في عيناه راجع إلى علي(ع)يعني لم تره عينا علي لأنه ليس بملك و لا نبي و يأتي ما يؤيد هذا التفسير في هذا الباب.

وقر في سمعه أي ثبت فيه و استقر من الوقرة يعني النقرة في الصخرة و في الحديث التعلم في الصغر كالوقرة في الحجر أراد أنه يثبت في القلب ثبات النقرة في الحجر ما اختلفنا في شيء فحكمه إلى اللّٰه أشار به إلى قوله عز و جل وَ مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللّٰهِ أي مردود إليه كأنه نفى بهذا الكلام أن يكون في الأمة من علم حكم المختلف فيه.

فاحتج(ع)عليه بأنه إذا كان الحكم مردودا إلي اللّٰه و ليس عند اللّٰه في الواقع إلا حكم واحد فكيف يحكمون تارة بأمر و تارة بآخر و هل هذا إلا مخالفة لله سبحانه في أحد الحكمين التي هي سبب الهلاك و الإهلاك

[7]

485- 7 الكافي، 1/ 248/ 3/ 1 بهذا الإسناد عن أبي جعفر(ع)قال

46

قال اللّٰه تعالى في ليلة القدر

فِيهٰا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ

يقول ينزل فيها كل أمر حكيم و المحكم ليس بشيئين إنما هو شيء واحد فمن حكم بما ليس فيه اختلاف فحكمه من حكم اللّٰه تعالى و من حكم بأمر فيه اختلاف فرأى أنه مصيب فقد حكم بحكم الطاغوت إنه لينزل في ليلة القدر إلى ولي الأمر تفسير الأمور سنة سنة يؤمر فيها في أمر نفسه بكذا و كذا و في أمر الناس بكذا و كذا و إنه ليحدث لولي الأمر سوى ذلك كل يوم علم اللّٰه الخاص و المكنون العجيب المخزون مثل ما ينزل في تلك الليلة من الأمر ثم قرأ

وَ لَوْ أَنَّ مٰا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلٰامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مٰا نَفِدَتْ كَلِمٰاتُ اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

بيان

فسر(ع)الحكيم بالمحكم في ضمن قوله و المحكم ليس بشيئين و فسر المحكم بما لا يحتمل غير معناه كما هو المشهور في تفسيره لأنه هو الذي ليس بشيئين و إنما هو شيء واحد لا اختلاف فيه و أما الذي يحتمل غير معناه فهو شيئان و لا بد فيه من الاختلاف و ما أحكم هذا الحديث في إبطال القول بالاجتهاد و الرأي و أبينه و كأنه أراد(ع)بعلم اللّٰه الخاص العلم اللدني المتعلق بمعرفة أسرار المبدأ و المعاد مما يخصهم أعني غير المتعلق بأفعال العباد و بالمكنون العجيب المخزون ما يجب من ذلك صونه عن غير أهله لعدم احتمال أفهام الجمهور له

كما قال أمير المؤمنين(ع)

اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم- اضطراب الأرشية في الطوي البعيدة

47

[8]

486- 8 الكافي، 1/ 248/ 4/ 1 بهذا الإسناد عن أبي عبد اللّٰه(ع)قال كان علي بن الحسين(ع)يقول إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ

صدق اللّٰه عز و جل أنزل اللّٰه القرآن في ليلة القدر

وَ مٰا أَدْرٰاكَ مٰا لَيْلَةُ الْقَدْرِ

قال رسول اللّٰه(ص)لا أدري- قال اللّٰه تعالى

لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ

ليس فيها ليلة القدر قال لرسول اللّٰه(ص)و هل تدري لم هي خير من ألف شهر قال لا قال لأنها تنزل فيها الملائكة و الروح

بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ

و إذا أذن اللّٰه بشيء فقد رضيه

سَلٰامٌ هِيَ حَتّٰى مَطْلَعِ الْفَجْرِ

يقول تسلم عليك يا محمد ملائكتي و روحي بسلامي من أول ما يهبطون إلى مطلع الفجر- ثم قال في بعض كتابه

وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لٰا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً

- في

إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ

و قال في بعض كتابه

وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلّٰا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلىٰ عَقِبَيْهِ- فَلَنْ يَضُرَّ اللّٰهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللّٰهُ الشّٰاكِرِينَ

- يقول في الآية الأولى إن محمدا حين يموت يقول أهل الخلاف لأمر اللّٰه تعالى مضت ليلة القدر مع رسول اللّٰه(ص)فهذه فتنة أصابتهم خاصة و بها ارتدوا على أعقابهم لأنهم إن قالوا لم تذهب فلا بد أن يكون لله تعالى فيها أمر و إذا أقروا بالأمر لم يكن له من صاحب بد

48

بيان

روي

أن النبي(ص)أري له في منامه أن القردة تصعد منبره ترد الناس عن الدين القهقرى فغمه ذلك فنزل عليه جبرئيل(ع)بهذه السورة تسلية له(ص)و أخبره أن بني أمية يملكون الأمر من بعده إلى ألف شهر

و تأتي هذه الرواية في باب نقض عهد الصحابة من هذا الكتاب و في باب ليلة القدر من كتاب الصيام بأدنى تفاوت فقوله تعالى خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ يعني خير من ألف شهر يملك فيها بنو أمية الأمر بعدك ليس لهم فيها ليلة القدر لاختصاصها بك و بأهل بيتك من بعدك بنزول الأمر لهم فيها و بشيعتهم بتضاعف حسناتهم فيها.

قوله إذا أذن اللّٰه بشيء تفسير للإذن بالرضا و حاصل معنى آخر الحديث و اللّٰه أعلم ثم قائله أن الفتنة في هذه السورة فتنتان فتنة تصيب الذين ظلموا منهم خاصة و هي إنكارهم لليلة القدر بعد النبي(ص)أصلا و رأسا و ارتدادهم على أعقابهم كفرا و نفاقا و أصحاب هذه الفتنة ليسوا مخاطبين بهذه الآية لأنهم ليسوا بأهل للخطاب و لا ينفعهم النصح و فتنة أخرى لا تصيبن الذين ظلموا خاصة بل تعمهم و غير الظالمين و هي عدم المبالاة بمعرفة صاحب هذا الأمر بعد رسول اللّٰه(ص)و أن ليلة القدر بعده لمن و أن تنزل الملائكة و الروح فيها على من.

و أصحاب هذه الفتنة أهل الحيرة الذين لا يهتدون إلى الحق سبيلا و هم المخاطبون بهذه الآية يقول اللّٰه لهم اجتهدوا في معرفة الأمور المذكورة و تعرفوها من قبل أن يخرج طريق تعرفها من أيديكم و هذا معنى اتقاء الفتنة و الآية الثانية نزلت في جماعة فروا من الزحف في بعض الغزوات مرتدين على أعقابهم زعما منهم أن الرسول(ص)قد قتل حين نادى إبليس فيهم بذلك و هم في الحقيقة أهل الفتنة الأولى المنكرون لبقاء ليلة القدر بعد الرسول بل لبقاء

49

الدين أيضا.

يقول اللّٰه تعالى لهم و ما محمد إلا كسائر الرسل الذين مضوا فإنه سيمضي كما مضوا فإذا مضى مضى معه الدين فتنقلبوا بعد إيمانكم كفارا أف لكم و لأيمانكم كلا بل الدين باق بعده و الأمر باق و صاحب الأمر باق و ليلة القدر باقية و تنزل الملائكة و الروح فيها على صاحب الأمر باق ما بقيت الدنيا و أهلها و أنه يكون بعد الرسول(ص)خليفة بعد خليفة و وصي بعد وصي و نزول أمر بعد نزول أمر و بيان متشابهات بعد بيان متشابهات إلى غير ذلك.

فقوله(ع)يقول في الآية الأولى إلى آخره إشارة إلى ما قلناه و بيان لارتباط إحدى الآيتين بالأخرى و تنبيه على أن الذين ظلموا في الأولى هم المشار إليهم بالانقلاب على الأعقاب في الثانية بالحقيقة و قوله أهل الخلاف لأمر اللّٰه إشارة إلى أصحاب الفتنة الأولى و قوله و بها ارتدوا إشارة إلى أنهم في الحقيقة هم المرتدون في تلك الغزوة على أعقابهم و أنهم بهذه الفتنة ارتدوا و قوله لأنهم إن قالوا تعليل لقولهم بمضي ليلة القدر و ارتدادهم عن الدين و ذلك لأنهم إن اعترفوا ببقاء ليلة القدر فلا بد لهم من الاعتراف بالحق كما بينه ع

[9]

487- 9 الكافي، 1/ 249/ 5/ 1 و عن أبي عبد اللّٰه(ع)قال كان علي(ع)كثيرا ما يقول

اجتمع التيمي و العدوي عند رسول اللّٰه(ص)و هو يقرأ إنا أنزلناه بتخشع و بكاء فيقولان ما أشد رقتك لهذه السورة فيقول رسول اللّٰه لما رأت عيني و وعى قلبي و لما يرى قلب هذا من بعدي فيقولان و ما الذي رأيت و ما الذي يرى قال فيكتب لهما في التراب

تَنَزَّلُ الْمَلٰائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيهٰا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ

قال ثم يقول هل بقي شيء بعد قوله تعالى

كُلِّ أَمْرٍ

- فيقولان لا فيقول هل تعلمان من المنزل إليه بذلك فيقولان أنت

50

يا رسول اللّٰه فيقول نعم فيقول هل تكون ليلة القدر من بعدي فيقولان نعم قال فيقول فهل ينزل ذلك الأمر فيها فيقولان نعم- قال فيقول إلى من فيقولان لا ندري فيأخذ برأسي فيقول إن لم تدريا فادريا هو هذا من بعدي قال فإن كانا ليعرفان تلك الليلة بعد رسول اللّٰه(ص)من شدة ما يداخلهما من الرعب

بيان

التيمي و العدوي كنايتان عن الأولين لما رأت عيني إشارة إلى الملائكة المتنزلين في تلك الليلة و وعى قلبي إشارة إلى ما حدثته من تبيين الأمور و إحكام الأحكام و لما يرى قلب هذا من بعدي يعني من الملائكة و تحديثهم إياه و أشار بهذا إلى أمير المؤمنين(ع)و قد مضى في خبر آخر أنه وعى قلبه و وقر في سمعه فإن كانا ليعرفان إن مخففة من المثقلة و ضمير الشأن محذوف بقرينة لام التأكيد في الخبر يعني فإن الشأن أنهما كانا ليعرفان البتة تلك الليلة بعد النبي(ص)لشدة الرعب الذي يداخلهما فيها

[10]

488- 10 الكافي، 1/ 249/ 6/ 1 و عن أبي جعفر(ع)قال

يا معشر الشيعة خاصموا بسورة إنا أنزلناه تفلجوا فو الله إنها لحجة اللّٰه تعالى على الخلق بعد رسول اللّٰه(ص)و إنها لسيدة دينكم و إنها لغاية علمنا يا معشر الشيعة خاصموا ب

حم وَ الْكِتٰابِ الْمُبِينِ إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبٰارَكَةٍ إِنّٰا كُنّٰا مُنْذِرِينَ

فإنها لولاة الأمر خاصة بعد رسول اللّٰه(ص)يا معشر الشيعة يقول اللّٰه تعالى

وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلّٰا خَلٰا فِيهٰا نَذِيرٌ

قيل يا أبا

51

جعفر نذيرها محمد(ص)فقال صدقت فهل كان نذير و هو حي من البعثة في أقطار الأرض فقال السائل لا قال أبو جعفر(ع)أ رأيت بعيثه أ ليس نذيره كما أن رسول اللّٰه في بعثته من اللّٰه تعالى نذير فقال بلى قال فكذلك لم يمت محمد إلا و له بعيث نذير قال فإن قلت لا فقد ضيع رسول اللّٰه(ص)من في أصلاب الرجال من أمته قال و ما يكفيهم القرآن قال بلى إن وجدوا له مفسرا قال و ما فسره رسول اللّٰه(ص)قال بلى قد فسره لرجل واحد و فسر للأمة شأن ذلك الرجل و هو علي بن أبي طالب(ع)قال السائل يا أبا جعفر كان هذا أمر خاص لا يحتمله العامة قال أبي اللّٰه أن يعبد إلا سرا حتى يأتي إبان أجله الذي يظهر فيه دينه كما أنه كان رسول اللّٰه(ص)مع خديجة(ع)مستترا حتى أمر بالإعلان قال السائل ينبغي لصاحب هذا الدين أن يكتم قال أ و ما كتم علي بن أبي طالب(ع)يوم أسلم مع رسول اللّٰه(ص)حتى ظهر أمره قال بلى قال فكذلك أمرنا حتى يبلغ الكتاب أجله

بيان

أنها لحجة اللّٰه على الخلق قد مضى بيان كونها حجة لسيدة دينكم يعني لسيدة حجج دينكم لغاية علمنا أي نهاية ما يحصل لنا من العلم لكشفها عن ليلة القدر التي تحصل لنا فيها غرائب العلم و مكنوناته و في بعض النسخ غاية ما علمنا فإنها لولاة الأمر خاصة أي هذه الآيات إنما هي للأئمة المعصومين بعد النبي(ص)و في شأنهم ليست لغيرهم يعني هذا الإنزال إنما هو عليهم

52

بعده و هذا الإنذار إنما يكون بهم بعده و إرسال الأمر المذكور فيها إنما هو إليهم خاصة.

وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلّٰا خَلٰا فِيهٰا نَذِيرٌ يعني لا بد لكل أمة من نذير حي يكون بين أظهرهم ينذرهم في كل زمان و كذلك كان ما كانت الدنيا نذيرها محمد يعني نذير هذه الأمة محمد(ص)صدقت صدقه باعتبار نذارته(ص)للأمة كافة بلا واسطة بينه و بين اللّٰه تعالى ثم أخذ في الاحتجاج على السائل للاضطرار إلى النذير في كل قرن حتى في قرنه(ص)لمن كان في أقطار الأرض بعيدا منه.

من البعثة أي من جهة بعثته(ص)أصحابه إلى أقطار الأرض أو هي بفتحتين جمع بعيث بمعنى المبعوث فأخطأ السائل حين أنكر ذلك فنبهه على خطائه بقوله(ع)أ رأيت بعيثه أ ليس نذيره يعني بل إنما يكون من يبعثه من أصحابه إلى أقطار الأرض نيابة عن نفسه نذيره في بعثته كما أنه هو نذير من اللّٰه في بعثته فكذلك لم يمت محمد إلا و له بعيث نذير يعني كما كان الأمر في حال حياة الرسول كذلك يكون بعد موته فلم يمت محمد إلا و له خليفة قد بعثه إلى الخلق لإنذارهم و هكذا كل خليفة ما بقيت الدنيا و إلا لزم أن يكون الرسول قد ضيع من في أصلاب الرجال من أمته كما أنه لو لم يبعث في حال حياته إلى من غاب عنه في أقطار الأرض لكان قد ضيعهم إبان أجله بتشديد الباء الموحدة يعني وقت حلول أجله

[11]

489- 11 الكافي، 1/ 250/ 7/ 1 و عن أبي جعفر(ع)قال

لقد خلق اللّٰه تعالى ليلة القدر أول ما خلق الدنيا و لقد خلق فيها أول نبي يكون و أول وصي يكون و لقد قضى أن يكون في كل سنة ليلة يهبط فيها بتفسير الأمور

53

إلى مثلها من السنة المقبلة من جحد ذلك فقد رد على اللّٰه تعالى علمه لأنه لا يقوم الأنبياء و الرسل و المحدثون إلا أن يكون عليهم حجة بما يأتيهم في تلك الليلة مع الحجة التي يأتيهم بها جبرئيل(ع)قلت و المحدثون أيضا يأتيهم جبرئيل(ع)أو غيره من الملائكة قال أما الأنبياء و الرسل فلا شك و لا بد لمن سواهم من أول يوم خلقت فيه الأرض إلى آخر فناء الدنيا أن تكون على أهل الأرض حجة- ينزل ذلك في تلك الليلة إلى من أحب من عباده و ايم اللّٰه لقد نزل الروح و الملائكة بالأمر في ليلة القدر على آدم و ايم اللّٰه ما مات آدم إلا و له وصي- و كل من بعد آدم من الأنبياء قد أتاه الأمر فيها و وضع لوصيه من بعده و ايم اللّٰه إن كان النبي ليؤمر فيما يأتيه من الأمر في تلك الليلة من آدم إلى محمد(ص)أن أوص إلى فلان- و لقد قال اللّٰه تعالى في كتابه لولاة الأمر من بعد محمد(ص)خاصة

وَعَدَ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ- كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ

إلى قوله

فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ

يقول أستخلفكم لعلمي و ديني و عبادتي بعد نبيكم كما استخلف وصاة آدم من بعده حتى يبعث النبي الذي يليه-

يَعْبُدُونَنِي لٰا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً

يقول يعبدونني بإيمان لا نبي بعد محمد(ص)فمن قال غير ذلك

فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ

فقد مكن ولاة الأمر بعد محمد(ص)بالعلم و نحن هم فاسألونا فإن صدقناكم فأقروا و ما أنتم بفاعلين أما علمنا فظاهر و أما أبان أجلنا الذي يظهر فيه الدين منا حتى لا يكون بين الناس اختلاف فإن له أجلا من ممر الليالي

54

و الأيام إذا أتى ظهر و كان الأمر واحدا- و ايم اللّٰه لقد قضي الأمر أن لا يكون بين المؤمنين اختلاف و لذلك جعلهم شهداء على الناس ليشهد محمد علينا و لنشهد على شيعتنا و لتشهد شيعتنا على الناس أبي اللّٰه تعالى أن يكون في حكمه اختلاف أو بين أهل علمه تناقض ثم قال أبو جعفر(ع)فضل إيمان المؤمن بحمله إنا أنزلناه و بتفسيرها على من ليس مثله في الإيمان بها كفضل الإنسان على البهائم و إن اللّٰه تعالى ليدفع بالمؤمنين بها عن الجاحدين لها في الدنيا لكمال عذاب الآخرة لمن علم أنه لا يتوب منهم ما يدفع بالمجاهدين عن القاعدين- و لا أعلم أن في هذا الزمان جهادا إلا الحج و العمرة و الجوار- قال و قال رجل لأبي جعفر(ع)يا بن رسول اللّٰه لا تغضب علي قال لما ذا قال لما أريد أن أسألك عنه قال قل قال و لا تغضب قال و لا أغضب قال أ رأيت قولك في ليلة القدر و تنزل الملائكة و الروح فيها إلى الأوصياء يأتونهم بأمر لم يكن رسول اللّٰه(ص)قد علمه أو يأتونهم بأمر كان رسول اللّٰه(ص)يعلمه- و قد علمت أن رسول اللّٰه(ص)مات و ليس من علمه شيء إلا و علي(ع)له واع قال أبو جعفر ما لي و لك أيها الرجل و من أدخلك علي قال أدخلني عليك القضاء لطلب الدين قال فافهم ما أقول لك إن رسول اللّٰه(ص)لما أسري به لم يهبط حتى أعلمه اللّٰه تعالى علم ما قد كان و ما سيكون و كان كثير من علمه ذلك جملا يأتي تفسيرها في ليلة القدر و كذلك كان علي بن أبي طالب(ع)قد علم جمل العلم و يأتي تفسيره في ليالي القدر كما كان مع رسول اللّٰه(ص)قال السائل أ و ما كان في الجمل تفسير

55

قال بلى و لكنه إنما يأتي بالأمر من اللّٰه تعالى في ليالي القدر إلى النبي(ص)و إلى الأوصياء افعل كذا و كذا لأمر قد كانوا علموه- أمروا كيف يعملون فيه قلت فسر لي هذا قال لم يمت رسول اللّٰه(ص)إلا حافظا لجملة العلم و تفسيره قلت فالذي كان يأتيه في ليالي القدر علم ما هو قال الأمر و اليسر فيما كان قد علم قال السائل فما يحدث لهم في ليالي القدر علم سوى ما علموا قال هذا مما أمروا بكتمانه و لا يعلم تفسير ما سألت عنه إلا اللّٰه تعالى قال السائل فهل يعلم الأوصياء ما لا يعلم الأنبياء قال لا و كيف يعلم وصي غير علم ما أوصى إليه- قال السائل فهل يسعنا أن نقول إن أحدا من الوصاة يعلم ما لا يعلم الآخر قال لا لم يمت نبي إلا و علمه في جوف وصيه و إنما تنزل الملائكة و الروح في ليلة القدر بالحكم الذي يحكم به بين العباد قال السائل و ما كانوا علموا ذلك الحكم قال بلى قد علموه لكنهم لا يستطيعون إمضاء شيء منه حتى يؤمروا في ليالي القدر كيف يصنعون إلى السنة المقبلة قال السائل يا أبا جعفر لا أستطيع إنكار هذا قال أبو جعفر من أنكره فليس منا قال السائل يا أبا جعفر أ رأيت النبي(ص)هل كان يأتيه في ليالي القدر شيء لم يكن علمه قال لا يحل لك أن تسأل عن هذا أما علم ما كان و ما سيكون فليس يموت نبي و لا وصي إلا و الوصي الذي بعده يعلمه أما هذا العلم الذي تسأل عنه فإن اللّٰه تعالى أبى أن يطلع الأوصياء عليه إلا أنفسهم قال السائل يا بن رسول اللّٰه كيف أعرف أن ليلة القدر تكون في كل سنة قال إذا أتى شهر رمضان فاقرأ سورة الدخان في كل ليلة مائة مرة إذا أتت ليلة ثلاث و عشرين فإنك ناظر إلى تصديق الذي سألت عنه قال و قال أبو جعفر(ع)لما ترون من بعثه اللّٰه تعالى بالشقاء على أهل الضلالة

56

من أجناد الشياطين و أزواجهم أكثر مما ترون خليفة اللّٰه الذي بعثه للعدل- و الصواب من الملائكةقيل يا أبا جعفر و كيف يكون شيء أكثر من الملائكة قال كما شاء اللّٰه تعالى قال السائل يا أبا جعفر إني لو حدثت بعض الشيعة بهذا الحديث لأنكروه قال كيف ينكرونه قال يقولون إن الملائكة أكثر من الشياطين قال صدقت افهم عني ما أقول إنه ليس من يوم و لا ليلة- إلا و جميع الجن و الشياطين يزور أئمة الضلال و يزور إمام الهدى عددهم من الملائكة حتى إذا أتت ليلة القدر فيهبط فيها من الملائكة إلى ولي الأمر خلق اللّٰه- أو قال قيض اللّٰه تعالى من الشياطين بعددهم ثم زاروا ولي الضلالة فأتوه بالإفك و الكذب حتى لعله يصبح فيقول رأيت كذا و كذا فلو سأل ولي الأمر عن ذلك لقال رأيت شيطانا أخبرك بكذا و كذا حتى يفسر له تفسيرا و يعلمه الضلالة التي هو عليها و ايم اللّٰه إن من صدق بليلة القدر ليعلم أنها لنا خاصة لقول رسول اللّٰه(ص)لعلي(ع)حين دنا موته هذا وليكم من بعدي فإن أطعتموه رشدتم و لكن من لا يؤمن بما في ليلة القدر منكر و من آمن بليلة القدر ممن على غير رأينا فإنه لا يسعه في الصدق إلا أن يقول إنها لنا و من لم يقل فإنه كاذب إن تعالى أعظم من أن ينزل الأمر مع الروح و الملائكة إلى كافر فاسق فإن قال إنه ينزل إلى الخليفة الذي هو عليها فليس قولهم ذلك بشيء و إن قالوا إنه ليس ينزل إلى أحد فلا يكون أن ينزل شيء إلى غير شيء و إن قالوا

57

سيقولون ليس هذا بشيء فقد ضلوا ضلالا بعيدا

بيان

لعل السر في كون خلق ليلة القدر مع أول خلق الدنيا و خلق أول نبي أو وصي يكون فيها أن ليلة القدر يدبر فيها كل أمر يكون في الدنيا و يقدر فيها كل شيء يوجد في العالم و تنزل الملائكة و الروح فيها بإذن ربهم من كل أمر إلى نبي أو وصي كما تقرر ذلك كله في النصوص و تعيين الوصي للنبي إنما يكون في تلك الليلة فلو كانت الدنيا متقدمة على ليلة القدر لزم أن يكون إمضاؤها قبل تدبيرها و تقديرها و لو كانت ليلة القدر متقدمة على الدنيا لزم أن لا تتنزل الملائكة و الروح فيها لفقد المنزل إليه.

ثم إن الدنيا إنما كانت دنيا لدنوها من الإنسان بالإضافة إلى الآخرة فهما حالتان للإنسان فلا دنيا قبل إنسان و لا إنسان قبل نبي أو وصي إذ لا يقوم هذا النوع إلا بحجة كما يأتي بيانه من الأخبار فخلق النبي الأول و الوصي الأول من حيث كونه وصيا إنما يكون في ليلة القدر و لا ليلة قدر و لا دنيا إلا و فيهما نبي أو وصي و لا نبي و لا وصي إلا و لهما ليلة قدر فقد رد على اللّٰه علمه لأن علم اللّٰه في الأمور المتجددة في كل سنة لا بد أن ينزل في ليلة القدر إلى الأرض ليكون حجة على الأنبياء و المحدثين لنبوتهم و ولايتهم فالراد لليلة القدر هو الراد على اللّٰه علمه الجاحد أن يكون علمه في الأرض.

فلا شك أي في إتيان جبرئيل لم يتعرض(ع)لجواب السائل بل أعرض عنه إلى غيره تنبيها له على أن هذا السؤال غير مهم له و إنما المهم له التصديق بنزول الأمر على الأوصياء ليكون حجة لهم على أهل الأرض و أما أن النازل بالأمر هل هو جبرئيل أو غيره فليس العلم به بمهم له أو إنه لم ير المصلحة في إظهار ذلك له لكونه أجنبيا كما يشعر به قوله(ع)فيما بعد و ما أنتم بفاعلين و وضع أي النبي الأمر أو على البناء للمفعول أو بالتنوين عوضا عن

58

المضاف إليه عطف على الأمر.

بإيمان لا نبي بعد محمد يعني أن نفي الشرك عبارة عن أن لا يعتقد النبوة في الخليفة الظاهر الغالب أمره و من قال غير ذلك هذا تفسير لقوله تعالى وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ يعني و من كفر بهذا الوعد بأن قال إن مثل هذا الخليفة لا يكون إلا نبيا و لا نبي بعد محمد(ص)فهذا الوعد غير صادق أو كفر بهذا الموعود بأن قال إذا ظهر أمره هذا نبي أو قال هذا ليس بخليفة لاعتقاده الملازمة بين الأمرين فقوله(ع)غير ذلك إشارة إلى الأمرين و السر في هذا التفسير أن العامة لا يعتقدون مرتبة متوسطة بين مرتبة النبوة و مرتبة آحاد أهل الإيمان من الرعية في العلم اللدني بالأحكام و لهذا ينكرون إمامة أئمتنا(ع)زعما منهم أنهم كسائر آحاد الناس فإذا سمعوا منهم من غرائب العلم أمرا زعموا أنهم(ع)يدعون النبوة لأنفسهم.

لكمال عذاب الآخرة أي ليكمل العذاب عليهم و الجوار أي قضاء حق المجاورة و الصبر على أذى الجار و العشير كأنه(ع)شبه العبادات الثلاث بالجهاد و جعلها عوضا عنه في هذا الزمان لما فيها من جهاد النفس على مشاقها و لا سيما ما يتحمل من أذى الأعداء الجاحدين للحق و تنزل الملائكة بصيغة المصدر مجرورا عطفا على ليلة القدر يعني ما قولك في شأن ليلة القدر و في تنزل الملائكة و الروح فيها جملا كان المراد بالجمل العلم بها على الوجه الكلي المنطبق على جزئياته فردا فردا بحيث لا يفوته معلوم و لكنه من دون الخصوصيات و التعينات و لما كان فهم ذلك متعسرا على السائل أخذ يكرر عنه السؤال و تقرير شبهته أن الجملة إن كانت مشتملة على كل ما اشتمل عليه التفسير فما الذي يأتيهم في ليلة القدر من العلم.

و إن لم تكن مشتملة على الجميع و كان يبقى من العلم ما لم يأتهم بعد و إنما يأتيهم

59

في ليالي القدر فيلزم أن لا يعلم الرسول(ص)ذلك الباقي الأمر و اليسر يعني خصوص الأمر و سهولته إذ قد تشخص و تعين و صار بحيث يتيسر لهم إلقاؤه إلى الناس جزئيا محسوسا فيما كان قد علم يعني على الوجه الكلي المحتمل لأفراده المتكثرة و لما كرر السائل سؤاله و أعاد بعد هذا الجواب الواضح ما كان يسأله أولا و جزم(ع)بأنه ليس من شأنه أن يفهم ذلك عدل عن جوابه بالبيان إلى جوابه بالأمر بالكتمان و أنه لا يعلم تفسير ذلك و بيانه لمثل هذا الرجل بحيث يفهم أو يسكت سوى اللّٰه سبحانه.

إذ الأفهام إنما هو بيد اللّٰه سبحانه و إنما المعلم فاتح للمتعلم و معد لأن يصير بحيث يفهم من اللّٰه عز و جل ما يلقيه إليه و إنما أمروا بكتمانه لأنهم(ع)أمروا أن يكلموا الناس على قدر عقولهم فمن لم يكن مقدار عقله صالحا لفهم أمر وجب كتمان ذلك الأمر عنه هل كان يأتيه في ليالي القدر هذه هي المرة التاسعة لسؤاله ذلك و حينئذ حرم(ع)عليه السؤال و ما أصبره بأبي و أمي على مخاطبته و الرفق في جوابه ص.

أن يطلع من باب الإفعال و المراد الاطلاع الكاشف عن سر الأمر على ما هو عليه إلا أنفسهم يعني إلا اطلاع كل منهم صاحبه ناظر إلى تصديق الذي سألت يعني ينكشف لك بعلامة أنها ليلة القدر إذا تشوفت إلى ذلك بإخلاص منك لما ترون مبتدأ و اللام المفتوحة لتأكيد الحكم و خبره أكثر مما ترون خليفة اللّٰه أي لخليفة اللّٰه كما شاء اللّٰه إنما أجابه(ع)بذلك لأن سؤاله كان ساقطا مع أنه لم يلزم من كلامه(ع)ذلك إذ لا يجب أن يكون كل ملك مرئيا لهم حينئذ لجواز أن لا يكون الكل مبعوثين للخليفة أو يكون الكل مبعوثين له و لكن لا يكونون مشهودين لهم و لهذا لما أعاد السائل هذا السؤال أعرض عن جوابه بعد تصديقه الإجمالي إلى قوله افهم عني ما أقول.

60

خلق اللّٰه جواب إذا من الشياطين بعددهم لا منافاة بين هذا و ما سبق من أن ما ترون من الشياطين يكون أكثر مما ترون من الملائكة لجواز أن يكونوا يرون جميع الشياطين و لا يرون جميع الملائكة بل بعضها خاصة و يعلمه الضلالة من الإعلام منكر أي لنا إلى الخليفة الذي هو عليها أي على الضلالة و إن قالوا سيقولون أي إن قالوا ليس ينزل إلى أحد فسيقولون بعد التنبه إنه ليس بشيء

61

باب 2 أن الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام

[1]

490- 1 الكافي، 1/ 177/ 1/ 1 محمد عن ابن عيسى عن ابن أبي عمير عن السراد عن داود الرقي عن العبد الصالح(ع)قال

إن الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام حتى يعرف

[2]

491- 2 الكافي، 1/ 177/ 2/ 1 الاثنان عن الوشاء قال سمعت الرضا(ع)يقول إن أبا عبد اللّٰه(ع)قال

الحديث

[3]

492- 3 الكافي، 1/ 177/ 3/ 1 أحمد عن محمد بن الحسن عن عباد بن سليمان عن سعد بن سعد عن محمد بن عمارة عن أبي الحسن الرضا(ع)

مثله

بيان

حتى يعرف بالتشديد من التعريف أي يعرفهم اللّٰه أو يعرفهم الطريق إلى اللّٰه أو معالم الدين أو يدلهم على المعرفة و يحتمل البناء للمفعول مخففا أو مشددا و الضمير عائد إلى اللّٰه

[4]

493- 4 الكافي، 1/ 177/ 4/ 1 محمد عن أحمد عن البرقي عن خلف بن حماد عن أبان بن تغلب قال قال أبو عبد اللّٰه(ع)

الحجة قبل

62

الخلق و مع الخلق و بعد الخلق

بيان

يعني أنها تكون قبل الخلق و بعدهم كما تكون معهم و لهذا بدأ اللّٰه تعالى أولا بخلق الخليفة ثم خلق الخليقة كما قال عز و جل إِنِّي جٰاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.

و يأتي في الباب الآتي أن آخر من يموت الإمام و ثبت أنه إذا قبض اللّٰه تعالى القائم خربت الدنيا و فني الخلق كلهم و الغرض من هذا الحديث بيان وجوب استمرار وجود الحجة في العالم و ابتناء بقاء العالم عليه

63

باب 3 أن الأرض لا تخلو من حجة

[1]

494- 1 الكافي، 1/ 178/ 1/ 1 العدة عن ابن عيسى عن ابن أبي عمير عن الحسين بن أبي العلاء قال

قلت لأبي عبد اللّٰه(ع)تكون الأرض ليس فيها إمام قال لا قلت يكون إمامان قال لا إلا و أحدهما صامت

[2]

495- 2 الكافي، 1/ 178/ 2/ 1 الثلاثة عن بزرج و سعدان بن مسلم عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّٰه(ع)قال سمعته يقول

إن الأرض لا تخلو إلا و فيها إمام كي ما إن زاد المؤمنون شيئا ردهم و إن نقصوا شيئا أتمه لهم

[3]

496- 3 الكافي، 1/ 178/ 3/ 1 محمد عن أحمد عن علي بن الحكم عن ربيع بن محمد المسلي عن عبد اللّٰه بن سليمان العامري عن أبي عبد اللّٰه(ع)قال

ما زالت الأرض إلا و لله فيها الحجة يعرف الحلال و الحرام و يدعو الناس إلى سبيل اللّٰه

64

[4]

497- 4 الكافي، 1/ 178/ 4/ 1 أحمد بن مهران عن محمد بن علي عن الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد اللّٰه(ع)قال

قلت له تبقى الأرض بغير إمام قال لا

[5]

498- 5 الكافي، 1/ 178/ 5/ 1 علي عن العبيدي عن يونس عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أحدهما(ع)قال قال

إن اللّٰه لم يدع الأرض بغير عالم و لو لا ذلك لم يعرف الحق من الباطل

[6]

499- 6 الكافي، 1/ 178/ 6/ 1 محمد عن أحمد عن الحسين عن القاسم بن محمد عن علي عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه(ع)قال

إن اللّٰه تعالى أجل و أعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل

[7]

500- 7 الكافي، 1/ 178/ 7/ 1 علي بن محمد عن سهل عن السراد و علي عن أبيه عن السراد عن الشحام و هشام بن سالم عن أبي حمزة عن أبي إسحاق عمن يثق به من أصحاب أمير المؤمنين(ع)أن أمير المؤمنين(ع)قال

اللهم إنك لا تخلي أرضك عن حجة لك على خلقك

[8]

501- 8 الكافي، 1/ 178/ 8/ 1 علي عن محمد بن عيسى عن محمد بن الفضيل عن أبي حمزة عن أبي جعفر(ع)قال قال

و اللّٰه ما ترك اللّٰه أرضا منذ قبض اللّٰه آدم(ع)إلا و فيها إمام يهتدى به إلى

65

اللّٰه و هو حجته على عباده و لا تبقى الأرض بغير إمام حجة لله على عباده

[9]

502- 9 الكافي، 1/ 179/ 10/ 1 بهذا الإسناد عن أبي حمزة قال

قلت لأبي عبد اللّٰه(ع)تبقي الأرض بغير إمام قال لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت

بيان

يعني انخسفت بأهلها و ذهبت بهم

[10]

503- 10 الكافي، 1/ 179/ 9/ 1 الاثنان عن بعض أصحابنا عن أبي علي بن راشد قال قال أبو الحسن(ع)

إن الأرض لا تخلو من حجة و أنا و اللّٰه ذلك الحجة

[11]

504- 11 الكافي، 1/ 179/ 11/ 1 علي عن محمد بن عيسى عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الرضا(ع)قال

قلت له أ تبقى الأرض بغير إمام قال لا قلت فإنا نروى عن أبي عبد اللّٰه(ع)أنها لا تبقى بغير إمام إلا أن يسخط اللّٰه على أهل الأرض أو على العباد فقال لا لا تبقى إذا لساخت

[12]

505- 12 الكافي، 1/ 179/ 13/ 1 الاثنان عن الوشاء قال

سألت الرضا ع

66

هل تبقى الأرض بغير إمام قال لا قلت إنا نروي أنها لا تبقى- إلا أن يسخط اللّٰه تعالى على العباد قال لا تبقى إذا لساخت

[13]

506- 13 الكافي، 1/ 179/ 12/ 1 علي عن محمد بن عيسى عن أبي عبد اللّٰه المؤمن عن أبي هراسة عن أبي جعفر(ع)قال

لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله

[14]

507- 14 الكافي، 1/ 179/ 1/ 1 محمد عن أحمد عن محمد بن سنان عن ابن الطيار قال سمعت أبا عبد اللّٰه(ع)يقول

لو لم يبق في الأرض إلا اثنان لكان أحدهما الحجة

الكافي

، 1/ 180/ 4/ 1 العدة عن البرقي عن علي بن إسماعيل عن ابن سنان عن حمزة بن الطيار مثله و زاد أو الثاني الحجة و الشك من أحمد بن محمد

[15]

508- 15 الكافي، 1/ 179/ 2/ 1 القمي و محمد جميعا عن أحمد عن العبيدي الكافي، 1/ 180/ 2/ 1 محمد بن الحسن عن سهل عن العبيدي عن محمد بن سنان عن حمزة بن الطيار عن أبي عبد اللّٰه(ع)قال

لو بقي اثنان لكان أحدهما الحجة على صاحبه