الوافي - ج26

- الفيض الكاشاني المزيد...
560 /
13

[كتاب الروضة]

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

أبواب الخطب و الرسائل

الآيات:

قال اللّٰه سبحانه ادْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ.

و قال جل ذكره و ذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين.

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

باب خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) في الحكمة و الوسيلة و أمر الخلافة

[1]

25365- 1 (الكافي- 8: 18 رقم 4) محمد بن علي بن معمر، عن محمد ابن علي بن عكاية التميمي، عن الحسين بن النضر العبدي الفهري، عن أبي عمر الأوزاعي، عن عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد، قال:

دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فقلت: يا بن رسول اللّٰه قد أرمضني اختلاف الشيعة في مذاهبها فقال" يا جابر ألم أقفك على معنى اختلافهم من أين اختلفوا و من أي جهة تفرقوا" قلت: بلى يا بن رسول اللّٰه، قال" فلا تختلف إذا اختلفوا يا جابر إن الجاحد لصاحب الزمان كالجاحد لرسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) في أيامه، يا جابر اسمع و ع" قلت:

إذا شئت، قال" اسمع و(ع)و بلغ حيث انتهت بك راحلتك إن أمير المؤمنين (عليه السلام) خطب الناس بالمدينة بعد سبعة أيام من وفاة رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) و ذلك حين فرغ من جمع القرآن و تأليفه.

فقال: الحمد لله الذي منع الأوهام أن تنال إلا وجوده و حجب

18

العقول أن تتخيل ذاته لامتناعها من الشبه و التشاكل بل هو الذي لا يتفاوت في ذاته و لم يتبعض بتجزية العدد في كماله، فارق الأشياء لا على اختلاف الأماكن و يكون فيها لا على وجه الممازجة، و علمها لا بأداة، لا يكون العلم إلا بها و ليس بينه و بين معلومه علم غيره به كان عالما بمعلومه، إن قيل: كان، فعلى تأويل أزلية الوجود و إن قيل له: لم يزل، فعلى تأويل نفي العدم، فسبحانه و تعالى عن قول من عبد سواه و اتخذ إلها غيره علوا كبيرا.

نحمده بالحمد الذي ارتضاه من خلقه و أوجب قبوله على نفسه و أشهد أن لا إله إلا اللّٰه وحده لا شريك له، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، شهادتان ترفعان القول و تضاعفان العمل، خف ميزان ترفعان منه و ثقل ميزان توضعان فيه و بهما الفوز بالجنة و النجاة من النار و الجواز على الصراط و بالشهادة تدخلون الجنة و بالصلاة تنالون الرحمة، أكثروا من الصلاة على نبيكم

إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً

.

أيها الناس إنه لا شرف أعلى من الإسلام و لا كرم أعز من التقوى و لا معقل أحرز من الورع و لا شفيع أنجح من التوبة و لا لباس أجمل من العافية و لا وقاية أمنع من السلامة و لا مال أذهب بالفاقة من الرضا بالقناعة و لا كنز أغنى من القنوع و من اقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة و تبوأ خفض الدعة و الرغبة مفتاح التعب و الاحتكار مطية النصب، و الحسد آفة الدين، و الحرص داع إلى التقحم في الذنوب و هو داع الحرمان، و البغي سائق إلى الحين و الشره جامع لمساوئ العيوب، رب طمع خائب، و أمل كاذب، و رجاء يؤدي إلى الحرمان، و تجارة تئول

19

إلى الخسران، ألا و من تورط في الأمور غير ناظر في العواقب فقد تعرض لمفضحات النوائب و بئست القلادة قلادة الذنب للمؤمن.

أيها الناس إنه لا كنز أنفع من العلم و لا عز أرفع من الحلم، و لا حسب أبلغ من الأدب و لا نصب أوضع من الغضب، و لا جمال أزين من العقل، و لا سوءة أسوأ من الكذب، و لا حافظا أحفظ من الصمت، و لا غائب أقرب من الموت.

أيها الناس من نظر في عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره، و من رضي برزق اللّٰه لم يأسف على ما في يد غيره، و من سل سيف البغي قتل به، و من حفر لأخيه بئرا وقع فيها، و من هتك حجاب غيره انكشفت عورات بيته، و من نسي زلله استعظم زلل غيره، و من أعجب برأيه ضل، و من استغنى بعقله زل، و من تكبر على الناس ذل، و من سفه على الناس شتم، و من خالط الأنذال حقر، و من حمل ما لا يطيق عجز.

أيها الناس إنه لا مال أعود من العقل، و لا فقر أشد من الجهل، و لا واعظ أبلغ من النصح، و لا عقل كالتدبير، و لا عبادة كالتفكر، و لا مظاهرة أوثق من المشاورة، و لا وحشة أشد من العجب، و لا ورع كالكف عن المحارم، و لا حلم كالصبر و الصمت.

أيها الناس في الإنسان عشر خصال يظهرها لسانه: شاهد يخبر عن الضمير، و حاكم يفصل بين الخطاب، و ناطق يرد به الجواب، و شافع يدرك به الحاجة، و واصف يعرف به الأشياء، و آمر يأمر بالحسن، و واعظ ينهى عن القبيح، و معز يسكن به الأحزان، و حاضر تجلي به الضغائن، و مونق يلهي الأسماع.

أيها الناس إنه لا خير في الصمت عن الحكم كما أنه لا خير في القول

20

بالجهل، و اعلموا أيها الناس إنه من لم يملك لسانه يندم، و من لا يعلم يجهل، و من لا يتحلم لا يحلم، و من لا يرتدع لا يعقل، و من لا يعقل يهن، و من يهن لا يوقر، و من يتق ينج و من يكتسب مالا من غير حقه يصرفه في غير أجره، و من لا يدع و هو محمود يدع و هو مذموم، و من لم يعط قاعدا منع قائما، و من يطلب العز من غير حق يذل، و من يغلب بالجور يغلب، و من عاند الحق لزمه الوهن، و من تفقه وقر، و من تكبر حقر، و من لا يحسن لا يحمد.

و اعلموا أيها الناس أن المنية قبل الدنية و التجلد قبل التبلد، و الحساب قبل العقاب، و القبر خير من الفقر، و غض البصر خير من كثير من النظر، و الدهر يوم لك و يوم عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، و إذا كان عليك فاصبر، فبكليهما تمتحن- و في نسخة: و كلاهما سيختبر.

و اعلموا أيها الناس أعجب ما في الإنسان قلبه و له مواد من الحكمة و أضداد من خلافها فإن سنح له الرجاء أذله الطمع، و إن هاج به الطمع أهلكه الحرص، و إن ملكه اليأس قتله الأسف، و إن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، و إن أسند بالرضا نسي التحفظ، و إن ناله الخوف شغله الحذر و إن اتسع له الأمن استلبته العزة- و في نسخة: أخذته العزة- و إن جددت له نعمة أخذته العزة، و إن أفاد مالا أطغاه الغناء، و إن عضته فاقة شغله البلاء- و في نسخة: جهده البكاء- و إن أصابته مصيبة فضحه الجزع، و إن أجهده الجوع قعد به الضعف، و إن أفرط في الشبع كظته البطنة، فكل تقصير به مضر و كل إفراط له مفسد.

أيها الناس إنه من فل ذل، و من جاد ساد و من كثر ماله رأس، و من كثر حلمه نبل، و من أفكر في ذات اللّٰه تزندق، و من أكثر من شيء عرف

21

به، و من كثر مزاحه استخف به، و من كثر ضحكه ذهبت هيبته، فسد حسب من ليس له أدب، إن أفضل الفعال صيانة العرض بالمال، ليس من جالس الجاهل بذي معقول، من جالس الجاهل فليستعد لقيل و قال، لن ينجو من الموت غني بماله، و لا فقير لإقلاله.

أيها الناس لو أن الموت يشترى لاشتراه من أهل الدنيا الكريم الأبلج و اللئيم الملهوج.

أيها الناس إن القلوب شواهد تجري الأنفس عن مدرجة أهل التفريط و تفطنه الفهم للمواعظ ما يدعو النفس إلى الحذر من الخطر، و للقلوب خواطر للهوى، و العقول تنهى و تزجر، و في التجارب علم مستأنف، و الاعتبار يقود إلى الرشاد، و كفاك أدبا لنفسك ما تكرهه لغيرك، و عليك لأخيك المؤمن مثل الذي لك عليه، لقد خاطر من استغنى برأيه، و التدبر قبل العمل فإنه يؤمنك من الندم، و من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطإ، و من أمسك عن الفضول عدلت رأيه العقول، و من حصر شهوته فقد صان قدره، و من أمسك لسانه أمنه قومه و نال حاجته.

و في تقلب الأحوال علم جواهر الرجال، و الأيام توضح لك السرائر الكامنة، و ليس في البرق الخاطف مستمتع لمن يخوض في الظلمة، و من عرف بالحكمة لحظته العيون بالوقار و الهيبة، و أشرف الغنى ترك المنى، و الصبر جنة من الفاقة، و الحرص علامة الفقر، و البخل جلباب المسكنة، و المودة قرابة مستفادة و وصول معدم خير من جاف مكثر، و الموعظة كهف لمن وعاها، و من أطلق طرفه كثر أسفه، و قد أوجب الدهر شكره على من نال سؤله، و قل ما ينصفك اللسان في نشر قبيح أو إحسان، و من

22

ضاق خلقه مله أهله، و من نال استطال، و قل ما تصدقك الأمنية، و التواضع يكسوك المهابة، و في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق، كم من عاكف على ذنبه في آخر أيام عمره، و من كساه الحياء ثوبه خفي على الناس عيبه، و انح القصد من القول فإن من تحرى القصد خفت عليه المؤن، و في خلاف النفس رشدك، من عرف الأيام لم يغفل عن الاستعداد، ألا و إن مع كل جرعة شرقا، و إن في كل أكلة غصصا، لا تنال نعمة إلا بزوال أخرى، و لكل ذي رمق قوت، و لكل حبة آكل و أنت قوت الموت.

اعلموا أيها الناس أنه من مشى على وجه الأرض فإنه يصير إلى بطنها، و الليل و النهار يتسارعان- و في نسخة أخرى يتنازعان- في هدم الأعمار.

يا أيها الناس كفر النعمة لؤم، و صحبة الجاهل شؤم، إن من الكرم لين الكلام، و من العبادة إظهار اللسان و إفشاء السلام، إياك و الخديعة فإنها من خلق اللئيم، ليس كل طالب يصيب و لا كل غائب يئوب، لا ترغب فيمن زهد فيك، رب بعيد هو أقرب من قريب، سل عن الرفيق قبل الطريق و عن الجار قبل الدار، ألا و من أسرع في المسير أدركه المقيل، استر عورة أخيك لما تعلمها فيك، اغتفر زلة صديقك ليوم يركبك عدوك، من غضب على من لا يقدر على ضره طال حزنه و عذب نفسه، من خاف ربه كف ظلمه- و في نسخة من خاف ربه كفي عذابه- و من لم يرغ في كلامه أظهر فخره، و من لم يعرف الخير من الشر فهو بمنزلة البهيمة، إن من الفساد إضاعة الزاد، ما أصغر المصيبة مع عظم الفاقة غدا،

23

هيهات هيهات و ما تناكرتم، إلا لما فيكم من المعاصي و الذنوب فما أقرب الراحة من التعب و البؤس من النعيم، و ما شر بشر بعده الجنة و ما خير بخير بعده النار، و كل نعيم دون الجنة محقور و كل بلاء دون النار عافية، و عند تصحيح الضمائر تبدو الكبائر، تصفية العمل أشد من العمل و تخليص النية من الفساد أشد على العاملين من طول الجهاد، هيهات لو لا التقى كنت أدهى العرب.

أيها الناس إن اللّٰه تعالى وعد نبيه محمدا (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) الوسيلة و وعده الحق و لن يخلف اللّٰه وعده، ألا و إن الوسيلة أعلى درج الجنة و ذروة ذوائب الزلفة، و نهاية غاية الأمنية، لها ألف مرقاة ما بين المرقاة إلى المرقاة حضر الفرس الجواد مائة عام- و في نسخة ألف عام- و هو ما بين مرقاة درة إلى مرقاة جوهرة، إلى مرقاة زبرجدة، إلى مرقاة لؤلؤة، إلى مرقاة ياقوتة، إلى مرقاة زمردة، إلى مرقاة مرجانة، إلى مرقاة كافور، إلى مرقاة عنبر، إلى مرقاة يلنجوج، إلى مرقاة ذهب، إلى مرقاة فضة، إلى مرقاة غمام، إلى مرقاة هواء، إلى مرقاة نور قد أنافت على كل الجنان و رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) يومئذ قاعد عليها.

مرتد بريطتين ريطة من رحمة اللّٰه و ريطة من نور اللّٰه، عليه تاج النبوة و إكليل الرسالة قد أشرق بنوره الموقف و أنا يومئذ على الدرجة الرفيعة و هي دون درجته و علي ريطتان ريطة من أرجوان النور و ريطة من كافور و الرسل و الأنبياء قد وقفوا على المراقي، و أعلام الأزمنة و حجج الدهور عن أيماننا و قد تجللتهم حلل النور و الكرامة، لا يرانا ملك مقرب و لا نبي مرسل إلا بهت بأنوارنا و عجب من ضيائنا و جلالتنا و عن يمين الوسيلة عن يمين الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) غمامة بسطة البصر يأتي منها النداء: يا أهل الموقف طوبى لمن أحب الوصي و آمن بالنبي

24

الأمي العربي و من كفر به فالنار موعده، و عن يسار الوسيلة عن يسار الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) ظلة يأتي منها النداء: يا أهل الموقف طوبى لمن أحب الوصي و آمن بالنبي الأمي و الذي له الملك الأعلى، لا فاز أحد و لا ناله الروح و الجنة إلا من لقي خالقه بالإخلاص لهما و الاقتداء بنجومهما.

فأيقنوا يا أهل ولاية اللّٰه ببياض وجوهكم و شرف مقعدكم و كرم ما بكم و بفوزكم اليوم على سرر متقابلين و يا أهل الانحراف و الصدود عن اللّٰه عز ذكره و رسوله و صراطه و أعلام الأزمنة أيقنوا بسواد وجوهكم و غضب ربكم جزاء بما كنتم تعملون و ما من رسول سلف و لا نبي مضى إلا و قد كان مخبرا أمته بالمرسل الوارد من بعده و مبشرا برسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) و موصيا قومه باتباعه و محليه عند قومه ليعرفوه بصفته و ليتبعوه على شريعته و كيلا يضلوا فيه من بعده فيكون من هلك أو ضل بعد وقوع الإعذار و الإنذار عن بينة و تعيين حجة، فكانت الأمم في رجاء من الرسل و ورود من الأنبياء.

و لئن أصيبت بفقد نبي بعد نبي على عظم مصائبهم و فجائعها بهم فقد كانت على سعة من الأمل و لا مصيبة عظمت و لا رزية جلت كالمصيبة برسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) لأن اللّٰه ختم به الإنذار و الإعذار و قطع به الاحتجاج و العذر بينه و بين خلقه و جعله بابه الذي بينه و بين عباده و مهيمنه الذي لا يقبل إلا به و لا قربة إليه إلا بطاعته، و قال في كتابه من يطع الرسول فقد أطاع اللّٰه و من تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا فقرن طاعته بطاعته و معصيته بمعصيته، و كان ذلك دليلا على ما فوض اللّٰه إليه و شاهدا له على من اتبعه و عصاه و بين ذلك في غير موضع

25

من الكتاب العظيم، فقال تعالى في التحريض على اتباعه و الترغيب في تصديقه و القبول لدعوته

قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّٰهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّٰهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ

فاتباعه محبة اللّٰه و رضاه غفران الذنوب و كمال الفوز و وجوب الجنة.

و في التولي عنه و الإعراض محادة اللّٰه و غضبه و سخطه و البعد منه مسكن النار و ذلك قوله

وَ مَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزٰابِ فَالنّٰارُ مَوْعِدُهُ

يعني الجحود به و العصيان له فإن اللّٰه تعالى امتحن بي عباده و قتل بيدي أضداده، و أفنى بسيفي جحاده، و جعلني زلفة للمؤمنين، و حياض موت على الجبارين، و سيفه على المجرمين، و شد بي أزر رسوله، و أكرمني بنصره، و شرفني بعلمه، و حباني بأحكامه، و اختصني بوصيته و اصطفاني بخلافته في أمته، فقال و قد حشده المهاجرون و الأنصار و انغصت به المحافل.

أيها الناس إن عليا مني كهارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، فعقل المؤمنون عن اللّٰه نطق الرسول إذ عرفوني أني لست بأخيه لأبيه و أمه كما كان هارون أخا موسى لأبيه و أمه و لا كنت نبيا فاقتضى نبوة و لكن كان ذلك منه استخلافا لي كما استخلف موسى هارون حيث يقول

اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لٰا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ

و قوله (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) حين تكلمت طائفة و قالت: نحن موالي رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) فخرج رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) إلى حجة

26

الوداع، ثم صار إلى غدير خم، فأمر فأصلح له شبه المنبر ثم علاه و أخذ بعضدي حتى رئي بياض إبطيه رافعا صوته قائلا في محفله" من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه" و كانت على ولايتي ولاية اللّٰه و على عداوتي عداوة اللّٰه.

و أنزل اللّٰه تعالى في ذلك اليوم

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلٰامَ دِيناً

فكانت ولايتي كمال الدين و رضاء الرب تعالى و أنزل اللّٰه تعالى اختصاصا لي و تكريما نحلنيه و إعظاما و تفضيلا من رسول اللّٰه منحنيه، و هو قوله تعالى

ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللّٰهِ مَوْلٰاهُمُ الْحَقِّ أَلٰا لَهُ الْحُكْمُ وَ هُوَ أَسْرَعُ الْحٰاسِبِينَ

في مناقب لو ذكرتها لعظم بها الارتفاع و طال لها الاستماع و لئن تقمصها دوني الأشقيان و نازعاني فيما ليس لهما بحق و ركباها ضلالة و اعتقداها جهالة فلبئس ما عليه وردا و لبئس ما لأنفسهما مهدا، يتلاعنان في دورهما.

و يبرأ كل واحد منهما من صاحبه بقوله لقرينة إذا التقيا

يٰا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ

، فيجيبه الأشقى على وثوبه: يا ليتني لم أتخذك خليلا، لقد أضللتني

عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جٰاءَنِي وَ كٰانَ الشَّيْطٰانُ لِلْإِنْسٰانِ خَذُولًا

، فأنا الذكر الذي عنه ضل و السبيل الذي عنه مال و الإيمان الذي به كفر و القرآن الذي إياه هجر و الدين الذي به كذب و الصراط الذي عنه نكب، و لئن رتعا في الحطام المنصرم، و الغرور المنقطع، و كانا منه على شفا حفرة من النار لهما على شر ورود، في أخيب وفود و اللعن مورود، يتصارخان باللعنة و يتناعقان بالحسرة، ما لهما من

27

راحة و لا عن عذابهما من مندوحة.

إن القوم لم يزالوا عباد أصنام و سدنة أوثان، يقيمون لها المناسك و ينصبون لها العتائر و يتخذون لها القربان و يجعلون لها البحيرة و السائبة و الوصيلة و الحام و يستقسمون بالأزلام عامهين عن اللّٰه عز ذكره، حائرين عن الرشاد، مهطعين إلى البعاد، و قد استحوذ عليهم الشيطان، و غمرتهم سوداء الجاهلية، و رضعوا جهالة و انفطموا ضلالة فأخرجنا اللّٰه إليهم رحمة و أطلعنا عليهم رأفة و أسفر بنا عن الحجب نورا لمن اقتبسه و فضلا لمن اتبعه و تأييدا لمن صدقه، فتبوءوا العز بعد الذلة، و الكثرة بعد القلة، و هابتهم القلوب و الأبصار، و أذعنت لهم الجبابرة و طواغيتها، و صاروا أهل نعمة مذكورة، و كرامة ميسورة، و أمن بعد خوف، و جمع بعد حوب و أضاءت بنا مفاخر معد بن عدنان.

و أولجناهم باب الهدى، و أدخلناهم دار السلام، و أشملناهم ثوب الإيمان، و فلجوا بنا في العالمين، و أثبت لهم أيام الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) آثار الصالحين من حام مجاهد، و مصل قانت، و معتكف زاهد، يظهرون الأمانة و يأتون المثابة حتى إذا دعا اللّٰه نبيه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) و رفعه إليه لم يك ذلك بعده إلا كلمحة من خفقة أو وميض من برقة إلى أن رجعوا على الأعقاب، و انتكصوا على الأدبار، و طلبوا بالأوتار، و أظهروا الكتائب، و ردموا الباب، و قلوا الديار، و غيروا آثار

28

رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم)، و رغبوا عن أحكامه، و بعدوا من أنواره، و استبدلوا بمستخلفه بديلا اتخذوه و كانوا ظالمين، و زعموا أن من اختاروا من آل أبي قحافة أولى بمقام رسول اللّٰه صلى اللّٰه على و آله و سلم ممن اختاره الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) لمقامه، و أن مهاجر آل أبي قحافة خير من المهاجري الأنصاري الرباني ناموس هاشم بن عبد مناف.

ألا و إن أول شهادة زور وقعت في الإسلام شهادتهم أن صاحبهم مستخلف رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم)، فلما كان من أمر سعد ابن عبادة ما كان رجعوا عن ذلك فقالوا: إن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) مضى و لم يستخلف و كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) الطيب المبارك أول مشهود عليه بالزور في الإسلام، و عن قليل يجدون غب ما يعملون، و سيجد التالون غب ما أسسه الأولون و لئن كانوا في مندوحة من المهل، و شفاء من الأجل، و سعة من المنقلب، و استدراج من الغرور، و سكون من الحال، و إدراك من الأمل، فقد أمهل اللّٰه تعالى شداد بن عاد و ثمود بن عبود و بلعم بن بأعور، و أسبغ عليهم

نِعَمَهُ ظٰاهِرَةً وَ بٰاطِنَةً

، و أمدهم بالأموال و الأعمار، و أتتهم الأرض ببركاتها ليذكروا آلاء اللّٰه و ليعرفوا الإهابة له و الإنابة إليه و لينتهوا عن الاستكبار.

فلما بلغوا المدة، و استتموا الأكلة أخذهم اللّٰه تعالى و اصطلمهم فمنهم من حصب، و منهم من أخذته الصيحة، و منهم من أحرقته الظلة، و منهم من أودته الرجفة، و منهم من أودته الخسفة، و ما كان اللّٰه ليظلمهم و لكن كانوا أنفسهم يظلمون، ألا و إن لكل أجل كتابا فإذا بلغ الكتاب أجله لو كشف لك عما هوى إليه الظالمون، و آل إليه الأخسرون، لهربت إلى اللّٰه

29

تعالى مما هم عليه مقيمون، و إليه صائرون، ألا و إني فيكم أيها الناس كهارون في آل فرعون، و كباب حطة في بني إسرائيل، و كسفينة نوح في قوم نوح، و إني النبإ العظيم، و الصديق الأكبر، و عن قليل ستعلمون ما توعدون.

و هل هي إلا كلعقة الآكل، و مذقة الشارب، و خفقة الوسنان، ثم تلتزمهم المعرات خزيا في الدنيا و يوم القيامة يردون إلى أشد العذاب، و ما اللّٰه بغافل عما يعملون، فما جزاء من تنكب محجته و أنكر حجته، و خالف هداته، و حار عن نوره، و اقتحم في ظلمة و استبدل بالماء السراب، و بالنعيم العذاب، و بالفوز الشقاء، و بالسراء الضراء، و بالسعة الضنك، إلا جزاء اقترافه و سوء خلافه، فليوقنوا بالوعد على حقيقته، و ليستيقنوا بما يوعدون و يوم تأتي

الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذٰلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ.

إِنّٰا نَحْنُ نُحْيِي وَ نُمِيتُ وَ إِلَيْنَا الْمَصِيرُ. يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرٰاعاً

- إلى آخر السورة-".

بيان

" أرمضني" أوجعني و أحرقني" إن الجاحد لصاحب الزمان" يعني إمام الوقت و جحوده إما بإنكار أنه لا بد منه، أو بإنكار وجوده أو بإنكار أنه هو إذا شئت يعني إذا شئت أنت أن أسمع و أعي أسمع و أعي" و يتبوأ خفض الدعة" أي تمكن و استقر في متسع الراحة، و الاحتكار الجمع و الإمساك و الحين بفتح المهملة و المثناة التحتانية المحنة و الهلاك و الحسب ما يعد من المفاخر و الأنذال السفهاء و الأخساء" أعود من العقل" أي أنفع منه و معز يسكن به الأحزان من

30

التعزية بمعنى التسلية" و الضغينة" الحقد" و المونق" المعجب" و الحكم" بالضم الحكمة" و من لا يدع و هو محمود" يعني من لا يدع الشر و ما لا ينبغي على اختيار يدعه على اضطرار" و من لم يعط قاعدا منع قائما" يعني أن الرزق قد قسمه اللّٰه فمن لم يرزق قاعدا لم يجد له القيام و الحركة" أن المنية قبل الدنية" يعني أن الموت خير من الذلة فالمراد بالقبلية القبلية بالشرف.

و في نهج البلاغة

المنية و لا الدنية و التقلل و لا التوسل،

و هو أوضح و على هذا يكون معنى و الحساب قبل العقاب إن محاسبة النفس في الدنيا خير من التعرض للعقاب في الأخرى" و التجلد" تكلف الشدة و القوة و التبلد ضده و البطر الأشر سيحسر من الحسر بالمهولات بمعنى الكشف.

و في نسخة سيختبر من الاختبار و إن أسعد بالرضا نسي التحفظ لعل المراد أنه إذا أعين بالرضا و سر لم يتحفظ عما يوجب شينه من قول أو فعل استلبته العزة كأنها بالإهمال و الزاي و يحتمل الإعجام و الراء و كذا في أخبتها إلا أنه ينبغي أن تكون الثالثة على خلاف الأوليين أو إحداهما أفاد مالا أي استفاده" و العض" المسك بالأسنان استعارة للزوم كظته" البطنة" أي ملأته حتى لا يطيق على النفس" من فل ذل" بالفاء أي كسر" و النبل" بالضم الذكاء و النجابة و المعقول بمعنى العقل" و الكريم الأبلج" هو الذي اشتهر كرمه" و ظهروا الملهوج" هو الحريص مفعول بمعنى الفاعل كمسعود و وجه اشترائهما الموت رضاؤهما به لأن الكريم إذا اشتهر توجه الناس إليه بما عجز عن قدر اشتهاره و علو همته و خجل مما نسب إليه فرضي بالموت و أما الحريص فلأنه لم يبلغ ما حرص عليه فلا يزال يتعب نفسه و يزيد حرصه فيتمنى بذلك الموت" تفطنه" تذكير البارز باعتبار المرء ما يدعو بدل من المواعظ و استقبال وجوه الآراء ملاحظتها واحدا واحدا" عدلت" من التعديل و يحتمل أن يكون بالتخفيف بمعنى المعادلة أي بمفرده يعدله سائر العقول و ليس في البرق" بيان لما قبله و ما قبله لما قبله" يعني لا بد من مضي أيام و مهلة حتى توضح السرائر و تعلم

31

الجواهر" و البخل جلباب المسكنة" يعني يلبس صاحبه المسكنة و وصول معدم بفتح الواو بمعنى البار و المعدم الفقير لأنه أعدم المال كما أن المكثر أكثره و من أطلق طرفه أي عينه و نظره كثر أسفه لأنه ربما يتعلق بقلبه مما نظر إليه ما يلهيه عن المهمات و يوقعه في الآفات" و قلما ينصفك اللسان" يعني يحملك في الأكثر على المبالغة و الزيادة في القول" و من نال" يعني ما يتمناه و قلما تصدقك الأمنية من الصدق كما في قوله تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللّٰهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيٰا يعني يصدق ما يتمنى" في آخر أيام عمره" يعني هو في آخر عمره و لا يدري به و الغرض منه الترغيب في الانتهاء عن الذنب و المبادرة إلى التوبة منه" و النحو" القصد من القول ما لا إفراط فيه و لا تفريط" و الشرق" الشجا و الغصة و اللؤم بالضم ضد الكرم" إظهار اللسان" يعني به مثل الحمد و الشكر و الشهادة و التوجه و القصد و الاعتراف بالذنب إلى غير ذلك" و المقيل" القيلولة و من لم يرغ في كلامه أظهر فخره كذا وجد في النسخ التي رأيناها بالغين المعجمة و الفخر فإن صج فهو من الإرغاء يقال كلام مرغ إذا لم يفصح عن معناه و يأتي في باب مواعظ أمير المؤمنين (عليه السلام) بعض ألفاظ هذه الخطبة من الفقيه و هناك هكذا و من لم يرع في كلامه أظهر هجره بالعين المهملة و الهجر فيكون من الرعاية بمعنى الحفظ على حذف المفعول يعني و من لم يحفظ لسانه أو الأدب في كلامه و على هذا يكون الفخر تصحيف الهجر و الهجر بالضم الفحش و ما لا ينبغي من الكلام و الإكثار منه" ما أصغر المصيبة مع عظم الفاقة غدا" يعني من علم بأجر المصيبة و شدة احتياجه إليه يوم القيامة هانت عليه المصيبة في الدنيا و صغرت عنده و إن عظمت" و ما تناكرتم" يعني ما ينكر بعضكم بعضا إلا لأنكم تعصون اللّٰه عز و جل و ذلك لأنكم لو كنتم برءاء من الذنوب لكان لكم جميعا مسلك واحد فتعارفتم عليه و ائتلفتم لديه" فما أقرب الراحة من التعب" يعني لا عليكم أن تتعبوا أنفسكم بترك المعاصي في أيام قلائل سريعة الذهاب

32

لراحة طويلة قريبة منكم فإن التعب و البؤس في ترك المعاصي ليسا بشر إذا قاداكم إلى الجنة و لذة المعاصي لا خير فيها إذا قادتكم إلى النار و عند تصحيح الضمائر إلى قوله من طول الجهاد إشارة إلى عظم رتبة الإخلاص و عزتها و قلة من يبلغها و عنى بطول الجهاد المجاهدة مع النفس بحملها على الأعمال الشاقة" لكنت أدهى العرب" الدهاء جودة الرأي أراد (عليه السلام) أنه لو لا أني أتقي اللّٰه تعالى و أراعي في أموري و سياساتي ما أمرت به غير مجاوز عنه إلى استعمال آرائي فيها لكنت أفوق سائر العرب في الرأي و السياسة للناس.

قال ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة و كان من علماء العامة: اعلم أن قوما ممن لم يعرف حقيقة فضل أمير المؤمنين (صلوات اللّٰه عليه) زعموا أن عمر كان أسوس منه و إن كان هو أعلم من عمر.

و صرح الرئيس أبو علي بن سينا بذلك في الشفاء في الحكمة و كان شيخنا أبو الحسين يميل إلى ذلك و قد عرض به في كتاب الغرر ثم زعم أعداؤه و مبغضوه أن معاوية أيضا كان أسوس منه و أصح تدبيرا و قد سبق لنا بحث قديم في هذا الكتاب في بيان حسن سياسة أمير المؤمنين (عليه السلام) و صحة تدبيره و نحن نذكر هنا ما لم نذكره هناك مما يليق بهذا الفصل الذي نحن في شرحه: اعلم أن السائس لا يتمكن من السياسة البالغة إلا إذا كان يعمل برأيه و مما يرى فيه صلاح ملكه و تمهيد أمره و توطئة قاعدته سواء وافق الشريعة أو لم يوافقها، و متى لم يعمل في السياسة و التدبير بموجب ما قلناه فبعيد أن ينتظم أمره أو يستوسق حاله و أمير المؤمنين (عليه السلام) كان مقيدا بقيود الشريعة مدفوعا إلى اتباعها و رفض ما يصلح اعتماده من آراء الحرب و الكيد و التدبير إذا لم يكن للشرع موافقا فلم يكن قاعدته في خلافته قاعدة غيره ممن يلزم بذلك و لسنا بهذا القول زائرين على عمر بن الخطاب و لا ناسبين إليه ما هو منزه عنه

33

و لكنه كان مجتهدا يعمل بالقياس و الاستحسان و المصالح المرسلة و يرى تخصيص عمومات النصوص بالآراء و الاستنباط من أصول تقتضي خلاف ما يقتضيه عموم النصوص و يكيد خصمه و يأمر أمراءه بالكيد و الحيلة و يؤدب بالدرة و السوط من يغلب على ظنه أنه يستوجب ذلك و يصفح عن آخرين قد اجترموا ما استوجبوا به التأديب كل ذلك بقوة اجتهاده و ما يؤديه إليه نظره و لم يكن أمير المؤمنين (عليه السلام) يرى ذلك و كان يقف مع النصوص و الظواهر و لا يتعداها إلى الاجتهاد و الأقيسة و يطبق أمور الدنيا على أمور الدين و يسوق الكل مسوقا واحدا و لا يضع و لا يرفع إلا بالكتاب و النص فاختلف طريقتاهما في الخلافة و السياسة و كان عمر مع ذلك شديد الغلظة و كان علي (عليه السلام) كثير الحلم و الصفح و التجاوز فازداد خلافة ذلك قوة و خلافة هذا لينا و لم يمن عمر بما منى به علي (عليه السلام) من فتنة عثمان التي أحوجته إلى مداراة أصحابه و جنده و مقاربتهم للاضطراب الواقع بطريق الفتنة ثم تلا ذلك فتنة الجمل و فتنة صفين ثم فتنة النهروان و كل هذه الأمور مؤثرة في اضطراب أمر الوالي و انحلال معاقد ملكه و لم يتفق لعمر شيء من ذلك، فشتان بين الخلافتين فيما يعود إلى انتظام المملكة و صحة تدبير الخلافة، إلى هنا كلام ابن أبي الحديد.

" و ذروة ذوائب الزلفة" أي أعلاها و الزلفة القرب و لا يخفى لطف الاستعارة و حضر الفرس بالضم عدوه" و يلنجوج" عود يتبخر به" و الإنافة" الإشراف و تشبيه المراقي بالجواهر المختلفة إشارة إلى اختلاف الدرجات في الشرف و الفضل و الريطة كل ثوب رقيق لين و الإكليل التاج و لعل أعلام الأزمنة و حجج الدهور كناية عن الأنبياء و عن الأوصياء و العلماء فإن كلا منهم علم زمانه و حجة دهره و يعني ببسطة البصر مقدار مدة و في الكلام استعارات و تشبيهات للمعاني بالصور و محليه عند قومه من التحلية بمعنى الوصف بالحلية و المهيمن الأمين و المؤتمن و الشاهد" و الجحاد" جمع جاحد و الحياض السيال

34

" و الأزر" القوة حشده المهاجرون و الأنصار اجتمعوا إليه و أطافوا به" و انغصت" بالغين المعجمة و الصاد المهملة امتلأت و أنزل اللّٰه تعالى اختصاصا لي و تكريما نحلنيه لعل مراده (عليه السلام) أن اللّٰه سبحانه سمى نفسه بمولى الناس و كذلك سمى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) نفسه به ثم نحلاني و منحاني و اختصاني من بين الأمة بهذه التسمية تكريما منهما لي و تفضيلا و إعظاما أو أراد (عليه السلام) أن رد الأمة إليه بعد رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) رد إلى اللّٰه عز و جل و أن هذه الآية إنما نزلت بهذا المعنى كما نبه عليه بقول و كانت على ولايتي ولاية اللّٰه و ذلك لأنه به كمل الدين و تمت النعمة و دام من يرجع إليه الأمة واحدا بعد واحد إلى يوم القيامة أو أراد (عليه السلام) أن المراد بالمولى في هذه الآية نفسه (عليه السلام) و أنه مولاهم الحق لأن ردهم إليه رد إلى اللّٰه تعالى" في مناقب" أي هذه في جملة مناقب و يحتمل أن يكون بتشديد الياء فيكون استئنافا و أراد بالأشقيين أبا بكر و عمر و المنصوب في تقمصهما يعود إلى الخلافة للعلم بها كقوله تعالى حَتّٰى تَوٰارَتْ بِالْحِجٰابِ أي جعلاها مشتملة على نفسهما كالقميص نكب و تنكب عدل و الحطام الهشيم و العتائر جمع العتيرة و هي شاة كانوا يذبحونها في رجب لآلهتهم و البحيرة و السائبة ناقتان مخصوصتان كانوا يحرمون الانتفاع بهما و الوصيلة شاة مخصوصة يذبحونها على بعض الوجوه و يحرمونها على بعض و الحام العجل من الإبل الذي طال مكثه عندهم فلا يركب و لا يمنع من كلإ و ماء و الاستقسام بالأزلام طلب معرفة ما قسم لهم مما لم يقسم بالأقداح، و العمة التحير و التردد، و الإهطاع الإسراع، و الاستحواذ الاستيلاء، و الحوب الوحشة و الحزن، معد بن عدنان أبو العرب، و الفلج الظفر و الفوز، و المثابة موضع الثواب و مجتمع الناس بعد تفرقهم، و الخفقة النعاس، و الوميض اللمع الخفي، و الانتكاص الرجوع، و الردم السد، فلما كان من أمر

35

سعد بن عبادة ما كان كأنه أشار (عليه السلام) بذلك إلى إباء سعد عن بيعة أبي بكر و احتجاجه عليهم بمخالفتهم الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم).

و كان من جملة كلامه لعمر أنه قال له: يا بن صهاك الحبشية- و كانت جدة لعمر- أما و اللّٰه لو أن لي قوة على النهوض- و كان مريضا- لسمعت مني في سككها زئيرا يزعجك و أصحابك و لألحقتكم بقوم كنتم فيهم أذنابا أذلاء تابعين غير متبوعين فلقد اجترأتم على اللّٰه و خالفتم رسوله يا آل الخزرج احملوني من مكان الفتنة، فحمل.

و الغب بكسر المعجمة العاقبة، و الشفاء بالفاء مقصورا الطرف أراد (عليه السلام) به طول العمر، فكأنهم في طرف و الأجل في طرف آخر و الاصطلام بالمهملتين الاستئصال حصب رمي بالحصباء، و الظلة في عذاب يوم الظلة قبل كانت غيما تحته سموم، و الإيداء و الإرداء الإهلاك و الوسنان من أخذته السنة و المعرة الإثم و الغرم و الأذى.

و في بعض النسخ العثرات، و الحيد و العدول و الضنك الضيق و تمام السورة يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرٰاعاً ذٰلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنٰا يَسِيرٌ. نَحْنُ أَعْلَمُ بِمٰا يَقُولُونَ وَ مٰا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّٰارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخٰافُ وَعِيدِ.

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

باب خطبته (عليه السلام) في معاتبة أصحابه

[1]

25366- 1 (الكافي- 8: 31 رقم 5) محمد بن علي بن معمر، عن محمد ابن علي، عن عبد اللّٰه بن أيوب الأشعري، عن عمرو الأوزاعي، عن عمرو بن شمر، عن سلمة بن كهيل، عن الهيثم بن التيهان

أن أمير المؤمنين (عليه السلام) خطب الناس بالمدينة، فقال" الحمد لله الذي لا إله إلا هو، كان حيا بلا كيف و لم يكن له كان، و لا كان لكأنه كيف، و لا كان له أين، و لا كان في شيء، و لا كان على شيء، و لا ابتدع لكأنه مكانا، و لا قوي بعد ما كون شيئا، و لا كان ضعيفا قبل أن يكون شيئا، و لا كان مستوحشا قبل أن يبتدع شيئا، و لا يشبه شيئا، و لا كان خلوا من الملك قبل إنشائه، و لا يكون خلوا منه بعد ذهابه، كان إلها حيا بلا حياة، و مالكا قبل أن ينشئ شيئا، و مالكا بعد إنشائه للكون، و ليس يكون لله كيف و لا أين و لا حد يعرف، و لا شيء يشبهه، و لا يهرم لطول بقائه، و لا يصعق لذعرة، و لا يخاف كما يخاف خليقته من شيء، و لكن سميع بغير

38

سمع، و بصير بغير بصر، و قوي بغير قوة من خلقه، لا يدركه حدق الناظرين، و لا يحيط بسمعه سمع السامعين، إذا أراد شيئا كان بلا مشورة و لا مظاهرة و لا مخابرة، و لا يسأل أحدا عن شيء من خلقه أراده، لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار، و هو اللطيف الخبير.

و أشهد أن لا إله إلا اللّٰه وحده لا شريك له، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، أرسله بالهدي و دين الحق، ليظهره على الدين كله، و لو كره المشركون، فبلغ الرسالة و أنهج الدلالة (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم).

أيها الأمة التي خدعت فانخدعت و عرفت خديعة من خدعها فأصرت على ما عرفت و اتبعت أهواءها و ضربت في عشواء غوايتها و قد استبان لها الحق فصدت عنه، و الطريق الواضح فتنكبته، أما و الذي فلق الحبة و برأ النسمة لو اقتبستم العلم من معدنه و شربتم الماء بعذوبته و ادخرتم الخير من موضعه، و أخذتم من الطريق واضحة، و سلكتم من الحق نهجه و تنهجت بكم السبل، و بدت لكم الأعلام، و أضاء لكم الإسلام، فأكلتم رغدا، و ما عال فيكم عائل، و لا ظلم منكم مسلم و لا معاهد، و لكن سلكتم سبيل الظلام، فأظلمت عليكم دنياكم برحبها و سدت عليكم أبواب العلم.

فقلتم بأهوائكم، و اختلفتم في دينكم، فأفتيتم في دين اللّٰه بغير علم، و اتبعتم الغواة فأغوتكم، و تركتم الأئمة فتركوكم، فأصبحتم تحكمون بأهوائكم إذا ذكر الأمر سألتم أهل الذكر فإذا أفتوكم قلتم هو العلم بعينه فكيف و قد تركتموه و نبذتموه و خالفتموه رويدا عما قليل تحصدون جميع ما زرعتم، و تجدون وخيم ما اجترمتم و ما اجتنيتم، و الذي فلق

39

الحبة و برأ النسمة لقد علمتم أني صاحبكم و الذي به أمرتم و أني عالمكم و الذي بعلمه نجاتكم، و وصي نبيكم، و خيرة ربكم، و لسان نوركم، و العالم بما يصلحكم، فعن قليل رويدا ينزل بكم ما وعدتم، و ما نزل بالأمم قبلكم، و سيسألكم اللّٰه تعالى عن أئمتكم، معهم تحشرون، و إلى اللّٰه غدا تصيرون، أما و اللّٰه لو كان لي عدة أصحاب طالوت أو عدة أهل بدر و هم أعدادكم لضربتكم بالسيف حتى تئولوا إلى الحق و تنيبوا للصدق و كان أرتق للفتق، و آخذ بالرفق، اللهم فاحكم بيننا بالحق و أنت خير الحاكمين".

قال: ثم خرج من المسجد فمر بصيرة فيها نحو من ثلاثين شاة، فقال" و اللّٰه لو أن لي رجالا ينصحون لله تعالى و لرسوله بعدد هذه الشياه لأزلت ابن آكلة الذبان (الذنان- خ ل) عن ملكه".

قال: فلما أمسى بايعه ثلاثمائة و ستون رجلا على الموت فقال أمير المؤمنين (عليه السلام)" اغدوا بنا إلى أحجار الزيت محلقين" و حلق أمير المؤمنين (عليه السلام) فما وافى من القوم محلقا إلا أبو ذر و المقداد و حذيفة اليماني و عمار بن ياسر و جاء سلمان في آخر القوم فرفع يده إلى السماء فقال" اللهم إن القوم استضعفوني كما استضعفت بنو إسرائيل هارون، اللهم فإنك تعلم ما نخفي و ما نعلن و ما يخفى عليك من شيء في الأرض و لا في السماء، توفني مسلما و ألحقني بالصالحين، أما و البيت و المفضي إلى البيت- و في نسخة: و المزدلفة و الخفاف إلى التجمير- لو لا عهد عهده إلى النبي الأمي لأوردت المخالفين خليج المنية و لأرسلت عليهم شآبيب صواعق الموت و عن قليل سيعلمون".

40

بيان

" الذعرة" بالضم الخوف و بالفتح التخويف" و لا يحيط بسمعه" أي بما يسمعه.

و قد مضى شرح بعض ألفاظ صدر هذه الخطبة في أبواب معرفة اللّٰه من الجزء الأول و العشا مقصورة سوء البصر و العمى، و العشواء الناقة لا تبصر أمامها، و المراد بقوله (عليه السلام): إذا ذكر الأمر .. إلى آخره، أنكم تعرفون أهل العلم بفتواهم في الأمور و مع هذا نبذتموهم و خالفتموهم رويدا مهلا و الوخيم الثقيل لعله أريد بالنور في قوله و لسان نوركم القرآن، و قد عبر به عنه في غير موضع منه و أعداد جميع عديد و هو الند، و القرآن و الصيرة بالمهملة ثم المثناة التحتانية ثم الراء حظيرة للغنم و البقر و الذبان بالكسر و تشديد الباء جمع ذباب و كنى بابن آكلتها عن سلطان الوقت فإنهم كانوا في الجاهلية يأكلون من كل خبيث نالوه، و أحجار الزيت موضع داخل المدينة، و المفضي إلى البيت ماسة بيده، و الخفاف سرعة الحركة، و لعل المراد بالتجمير رمي الجمار، و الخليج النهر، و الشوبوب دفعة المطر و غيره و في الكلام استعارة.

41

باب خطبته (عليه السلام) في بغي المتآمرين عليه

[1]

25367- 1 (الكافي- 8: 67 رقم 23) علي، عن أبيه، عن السراد، عن ابن رئاب و يعقوب السراج، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)"

أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لما بويع بعد مقتل عثمان صعد المنبر، فقال: الحمد لله الذي علا فاستعلى، و دنا فتعالى، و ارتفع فوق كل منظر، و أشهد أن لا إله إلا اللّٰه وحده لا شريك له، و أشهد أن محمدا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) خاتم النبيين و حجة اللّٰه على العالمين مصدقا للرسل الأولين، و كان بالمؤمنين رءوفا رحيما فصلى اللّٰه و ملائكته عليه و على آله.

أما بعد أيها الناس فإن البغي يقود أصحابه إلى النار و إن أول من بغى على اللّٰه تعالى عناق بنت آدم و أول قتيل قتله اللّٰه عناق و كان مجلسها جريبا في جريب و كان لها عشرون إصبعا في كل إصبع ظفران مثل المنجلين فسلط اللّٰه عليها أسدا كالفيل و ذئبا كالبعير و نسرا مثل البغل فقتلوها و قد قتل اللّٰه الجبابرة على أفضل أحوالهم و آمن ما كانوا و أمات

42

هامان و أهلك فرعون و قد قتل عثمان، ألا و إن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث اللّٰه نبيه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) و الذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة و لتغربلن غربلة و لتساطن سوط القدر حتى يعود أسفلكم أعلاكم و أعلاكم أسفلكم و ليسبقن سباقون كانوا قصروا و ليقصرن سباقون كانوا سبقوا و اللّٰه ما كتمت وشمة و لا كذبت كذبة و لقد نبئت بهذا المقام و هذا اليوم.

ألا و إن الخطايا خيل شمس حمل عليهم أهلها و خليت لجمها فتقحمت بهم في النار، فهم فيها كالحون، ألا و إن التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها و أعطوا أزمتها فأوردتهم الجنة و فتحت لهم أبوابها و وجدوا ريحها و طيبها و قيل لهم ادخلوها بسلام آمنين ألا و قد سبقني إلى هذا الأمر من لم أشركه فيه و من لم أهبه له و من ليست له منه توبة إلا بنبي يبعث، ألا و لا نبي بعد محمد (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم)، أشرف منه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم حق و باطل و لكل أهل، فلئن أمر الباطل فلقديما ما فعل، و لئن قبل الحق فلربما و لعل و لقلما أدبر شيء فأقبل و لئن رد عليكم أمركم أنكم سعداء و ما علي إلا الجهد و إني لأخشى أن تكونوا على فترة ملتم عني ميلة كنتم فيها عندي غير محمودي الرأي و لو أشاء، لقلت: عفا اللّٰه عما سلف، سبق فيه الرجلان و قام الثالث كالغراب همته بطنه، ويله و لو قص جناحاه و قطع رأسه كان خيرا له، شغل عن الجنة و النار إمامة، ثلاثة و اثنان خمسة ليس لهم

43

سادس: ملك يطير بجناحيه و نبي أخذ اللّٰه بضبعيه، و ساع مجتهد و طالب يرجو، و مقصر في النار، اليمين و الشمال مضلة و الطريق الوسطى هي الجادة عليها باقي الكتاب و آثار النبوة، هلك من ادعى و خاب من افترى، إن اللّٰه أدب هذه الأمة بالسيف و السوط و ليس لأحد عند الإمام فيهما هوادة فاستتروا في بيوتكم و أصلحوا ذات بينكم و التوبة من ورائكم، من أبدى صفحته للحق هلك".

بيان

" البغي" العلو و الاستطالة و المنجل بالنون و الجيم ما يحصد به و هامان و فرعون يجوز أن يكونا كنايتين عن الأولين و أشار ببليتهم إلى ما هم عليه من اختلاف الأهواء و تشتت الآراء و عدم الألفة و الاجتماع في نصرة اللّٰه عن شبهات يلقيها الشيطان على الأذهان القابلة لوسوسة المقهورة في يده كما كان الناس عليه حال بعثة النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم)" لتبلبلن" أي لتخلطن، تبلبلت الألسن أي اختلطت و البلبلة أيضا الهم و الحزن و وسوسة الصدر.

و في الحديث النبوي:

إنما عذابها في الدنيا البلابل و الفتن،

يعني هذه الأمة كنى (عليه السلام) بالبلبلة عما يوقع بهم بنو أمية و غيرهم من أمراء الجور من الهموم المزعجة و خلط بعضهم ببعض و رفع أرذالهم و حط أكابرهم عما يستحق كل من المراتب و لتغربلن من الغربال الذي يغربل به الدقيق و الغربلة أيضا القتل و كأنها كناية عن التقاط آحادهم و قصدهم بالأذى و القتل كما فعل بكثير من الصحابة و التابعين، أراد بذلك أنه يستخلص الصالح منكم من الفاسد كما يمتاز الدقيق عند الغربلة من نخالته.

و في الحديث النبوي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم):

كيف بكم إذا كنتم في زمان

44

يغربل الناس فيه غربلة

، و السوط التخليط و المسوط و المسواط خشبة يحرك بها ما في القدر ليختلط.

و في الحديث النبوي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم):

إني أخاف عليكم المسوط،

يعني الشيطان كأنه يحرك الناس للمعصية و يجمعهم فيها كنى به عن تصريف أئمة الجور لهم ممن يأتي بعده بسائر أسباب الإهانة و تغيير القواعد التي هم عليها في ذلك الوقت" و ليسبقن سباقون" أي الذين كان من حقهم السبق كانوا قصروا تأخروا إظلاما" و ليقصرن سباقون" أي الذين لم يكن من حقهم السبق كانوا سبقوا تقدموا ظلما و زورا" و الوشمة" بالمعجمة الكلمة، يقال ما عصيت فلانا وشمة أي كلمة و بالمهملة العلامة و الأثر يعني لم أكتم كلمة في هذا المعنى أو أثرا سمعته من رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) في ذلك مما يتعين علي إظهاره" نبئت بهذا المقام" يعني به مقام بيعة الخلق له" و هذا اليوم" أي يوم اجتماعهم عليه، و قد مضى شرح هذه الكلمات تارة أخرى في باب التمحيص و الامتحان في كتاب الحجة، و الشمس بالضم جمع شموس و هي الدابة التي تمنع ظهرها، و الكلوح تقلص الشفتين عن الأسنان و تكشر في عبوس و المستتر في أشرف يعود إلى من لم أشركه و المجرور في منه إلى السبق" حق و باطل" أي هما حق و هو التقوى و باطل و هو الخطايا أو كلام مستأنف أمر الباطل بكسر الميم أي كشر كذا فسره جماعة و لا يبعد أن يكون بفتح الميم من الأمر و أن يكون مثلثة الميم من الأمارة أو على البناء للمفعول من التأمير أي صار أميرا" فلقديما ما فعل" أي فعل الباطل ذلك نسب الفعل إلى الباطل مجازا، و لئن قيل الحق على البناء للمفعول.

و في نهج البلاغة و لئن قل الحق، كما يوجد في بعض نسخ الكافي و هو يؤيد تفسير أمر يكثر" فلربما" أي فلربما قيل على الأول و قل أو كثر على الثاني،

45

و رب على التقادير يحتمل التقليل و التكثير" و لعل" أي و لعله يقبل أو يكثر و يغلب بنصر اللّٰه و تأييده ثم استبعد (عليه السلام) أن تعود دولة قوم بعد زوالها على سبيل التضجر بنفسه (عليه السلام)" و لئن رد عليكم أمركم" أي، إن ساعدني الوقت و تمكنت من أن أحكم فيكم بحكم اللّٰه و رسوله و هادت إليكم أيام شبيهة بأيام رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله و سيرة مماثلة لسيرته في أصحابه أنكم السعداء و الفترة هي الأزمنة التي بين الأنبياء إذا انقطعت الرسل فيها أراد (عليه السلام) أني أخشى أن لا أتمكن من الحكم بكتاب اللّٰه فيكم فتكونوا كالأمم الذين في زمن الفترة لا يرجعون إلى نبي يشافههم بالشرائع و الأحكام ملتم عني ميلة أشار به إلى بيعة أبي بكر و من بعده كالغراب يعني في الحرص و الشره فإن الغراب يقع على الجيفة و على الثمرة و على الحية و في المثل أحرص من الغراب" لو قص جناحاه" يعني أنه لو مثل به أو قتل قبل أن يتلبس بالخلافة لكان خيرا له من أن يعيش و يدخل فيها.

و في رواية بعد قوله خيرا له: فانظروا فإن أنكرتم فأنكروا و إن عرفتم فأزروا أي أعينوا شغل عن الجنة على البناء للمفعول أي تركه و أقبل على الدنيا و زهرتها" و النار أمامه" يعني و هو مقبل على النار يكاد يدخلها و قيل معناه إن من كانت الجنة و النار أمامه فقد جعل له بهما شغل يكفيه عن كل ما عداه فيجب عليه أن لا يشتغل إلا به و أشار بذلك الشغل إلى ما يكون وسيلة إلى الفوز بالجنة و النجاة من النار و لعل هذا القائل ضبط من موضع عن ثلاثة و اثنان يعني أن عباد اللّٰه المكلفين على خمسة أقسام ملك يطير بجناحيه و نبي أخذ اللّٰه بضبعيه أي عضديه.

و في رواية بيديه و ساع في إحقاق الحق و إبطال الباطل مجتهد في طاعة اللّٰه و دعوة الناس إلى اللّٰه و إقامتهم على الطريق الوسطى و هو الإمام المعصوم (عليه السلام) و هؤلاء الثلاثة هم المقربون أهل العصمة و اثنان آخران من الرعية فمنهم شقي و سعيد اليمين و الشمال مضلة مثل البيان أن السالك للطريق الوسطى من

46

غير إفراط و لا تفريط ناج و العادل عنها إلى أحد الطرفين معرض للخطر و آثار النبوة.

و زاد في رواية: و منها منفذ السنة و إليها مصير العاقبة، هلك من ادعى، يعني من ادعى ما ليس له أهلا و قيل ادعى الخلافة و الإمامة بغير استحقاق لأن أكثر كلامه في معرض ذلك أن اللّٰه أدب هذه الأمة.

و في رواية

أن اللّٰه داو هذه الأمة بدوائين السوط و السيف

و هو كلام شريف جدا و الهوادة الرفق و الصلح و السكون و الرخصة و أصله اللين يعني لا يرفق الإمام و لا يرخص عند وجوب حد اللّٰه تعالى و لا يصلح في السيف و السوط أحدا إذا وجبا.

و في الحديث:

لا تأخذه في اللّٰه تعالى هوادة فاستتروا في بيوتكم

نهي لهم عن العصبية و الاجتماع لها و التحزب و التشاجر فقد كان قوم بعد قتل عثمان تكلموا في قتله من أيدي صفحته للحق يعني من كاشف الحق مخاصما له هلك هلاكا أخرويا و هي كلمة جارية مجرى المثل.

و في رواية:

هلك عند جهلة الناس

فيكون المراد من أبدى صفحته لنصرة الحق غلبة أهل الجهل لأنهم العامة و فيهم الكثرة فهلك هلاكا دنيويا.

و في نهج البلاغة حذف بعض كلمات هذه الخطبة، قال ابن أبي الحديد: هذه الخطبة من جلائل خطبه (عليه السلام) و من مشهوراتها، قد رواها الناس كلهم، و فيها زيادات حذفها الرضي، إما اختصارا أو خوفا من إيحاش السامعين، ثم ذكر تلك الزيادات و هي أواخر ما ذكرها هنا و تكلف في شرح بعضها ذما عن أئمته ثم نقل عن شيخه أبي عثمان و أبي عبيدة أنه زاد فيها في رواية جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام): ألا إن أبرار عترتي، و أطائب أرومتي، أحلم الناس صغارا، و أعلم الناس كبارا، ألا و إنا أهل بيت من علم اللّٰه علمنا، و بحكم اللّٰه

47

حكمنا، و من قول صادق سمعنا، فإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، و إن لم تفعلوا يهلككم اللّٰه بأيدينا، معنا راية الحق، من تبعها لحق، و من تأخر عنها غرق، ألا و بنا يدرك ترة كل مؤمن، و بنا يخلع ربقة الذل عن أعناقكم، و بنا فتح لا بكم، و بنا يختم لا بكم.

و لعل المراد بالترة دم القتيل و شبهه من المظالم.

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

باب خطبته (عليه السلام) في معاتبة الأمة و وعيد بني أمية

[1]

25368- 1 (الكافي- 8: 63 رقم 22) أحمد بن محمد الكوفي، عن جعفر ابن عبد اللّٰه المحمدي، عن أبي روح فرج بن قرة، عن جعفر بن عبد اللّٰه، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال"

خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) بالمدينة فحمد اللّٰه و أثنى عليه و صلى على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) ثم قال: أما بعد، فإن اللّٰه تعالى لم يقصم جباري دهر إلا من بعد تمهيل و رخاء، و لم يجبر كسر عظم من الأمم إلا بعد أزل و بلاء، أيها الناس في دون ما استقبلتم من خطب، و استدبرتم من خطب معتبر، و ما كل ذي قلب بلبيب و لا كل ذي سمع بسميع، و لا كل ذي ناظر عين ببصير، عباد اللّٰه أحسنوا فيما يعنيكم النظر فيه، ثم انظروا إلى عرصات من قد أقاده اللّٰه بعلمه، كانوا على سنة من آل فرعون أهل جنات و عيون و زروع و مقام كريم، ثم انظروا بما ختم اللّٰه لهم بعد النضرة و السرور، و الأمر و النهي و لمن صبر منكم العاقبة في الجنان، و اللّٰه مخلدون، و لله عاقبة الأمور.

فيا عجبا و ما لي لا أعجب من خطإ هذه الفرق على اختلاف حججها

50

في دينها، لا يقتصون أثر نبي و لا يقتدون بعمل وصي و لا يؤمنون بغيب و لا يعفون عن عيب، المعروف فيهم ما عرفوا، و المنكر عندهم ما أنكروا، و كل امرئ منهم إمام نفسه، آخذ منها فيما يرى بعرى وثيقات، و أسباب محكمات، فلا يزالون بجور، و لن يزدادوا إلا خطأ، و لا ينالون تقربا و لن يزدادوا إلا بعدا من اللّٰه، أنس بعضهم ببعض و تصديق بعضهم لبعض كل ذلك وحشة مما ورث النبي الأمي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) و نفورا مما أدى إليهم من أخبار فاطر السماوات و الأرض أهل حسرات، و كهوف شبهات، و أهل عشوات، و ضلالة و ريبة، من وكله اللّٰه إلى نفسه و رأيه فهو مأمون عند من يجهله، غير المتهم عند من لا يعرفه.

فما أشبه هؤلاء بإنعام قد غاب عنها رعاؤها و وا أسفا من فعلات شيعتي من بعد قرب مودتها اليوم كيف يستذل بعدي بعضها بعضا و كيف يقتل بعضها بعضا، المتشتة غدا عن الأصل، النازلة بالفرع، المؤملة الفتح من غير جهته، كل حزب منهم آخذ منه بغصن، أينما مال الغصن مال معه، مع أن اللّٰه- و له الحمد- سيجمع هؤلاء لشر يوم لبني أمية كما يجمع قزع الخريف يؤلف اللّٰه بينهم، ثم يجعلهم ركاما كركام السحاب، ثم يفتح لهم أبوابا يسيلون من مستثارهم كسيل الجنتين سيل العرم حيث ثقب عليه فأرة فلم يثبت عليه أكمة و لم يرد سننه رض طود يذعذعهم اللّٰه في بطون أودية.

ثم يسلكهم ينابيع في الأرض يأخذ بهم من قوم حقوق و يمكن بهم قوما في ديار قوم تشريدا لبني أمية و لكيلا يغتصبوا ما غصبوا، يضعضع اللّٰه بهم ركنا و ينقص بهم طي الجنادل من ارم و يملأ منهم بطنان الزيتون، فو الذي فلق الحبة و برأ النسمة ليكونن ذلك و كأني أسمع صهيل خيلهم و طمطمة رجالهم، و ايم اللّٰه ليذوبن ما في أيديهم بعد العلو و التمكن في

51

البلاد كما تذوب الألية على النار، من مات منهم مات ضالا و إلى اللّٰه تعالى يفضي منهم من درج و يتوب اللّٰه تعالى على من تاب و لعل اللّٰه يجمع شيعتي بعد التشتت لشر يوم لهؤلاء و ليس لأحد على اللّٰه عز ذكره الخيرة بل لله الخيرة و الأمر جميعا.

أيها الناس إن المنتحلين للإمامة من غير أهلها كثير و لو لم تتخاذلوا عن مر الحق و لم تهنوا عن توهين الباطل لم يتشجع عليكم من ليس مثلكم و لم يقو من قوي عليكم و على هضم الطاعة و إزوائها عن أهلها لكن تهتم كما تاهت بنو إسرائيل على عهد موسى (عليه السلام)، و لعمري ليضاعفن عليكم التيه من بعدي أضعاف ما تاهت بنو إسرائيل، و لعمري أن لو قد استكملتم من بعدي مدة سلطان بني أمية لقد اجتمعتم على سلطان الداعي إلى الضلالة و أحييتم الباطل و خلفتم الحق خلف ظهوركم، و قطعتم الأدنى من أهل بدر، و وصلتم الأبعد من أبناء الحرب لرسول اللّٰه.

و لعمري أن لو قد ذاب ما في أيديهم لدنا التمحيص للجزاء و قرب الوعد و انقضت المدة و بدا لكم النجم ذو الذنب من قبل المشرق و لاح لكم القمر المنير، فإذا كان ذلك فراجعوا التوبة و اعلموا أنكم إن اتبعتم طالع المشرق سلك بكم مناهج الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) فتداويتم من العمى و الصمم و البكم و كفيتم مئونة الطلب و التعسف و نبذتم الثقل الفادح عن الأعناق و لا يبعد اللّٰه إلا من أبى و ظلم و اعتسف و أخذ ما ليس له و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون".

52

بيان

" الأزل" الشدة و الضيق" فيما يعينكم النظر فيه" أي يهتكم، و في بعض النسخ" يغنيكم" بإعجام الغين و هو تصحيف، أقاده اللّٰه من القود فإنهم قد أصابوا دماء بغير حق، و الاقتصاص الاقتفاء، و الاتباع فيما يرى من الرأي، و هذا نص في المنع عن الاجتهاد في الأحكام الشرعية و استنباطها من المتشابهات بالرأي و ترك النصوص.

و لعله (عليه السلام) أراد بالأصل الإمام الحق و بالفرع أولاده المدعين للإمامة و بالفتح ظهور دولة الحق، و بالغصن كل مدع منهم، و القزع بالقاف ثم الزاي ثم العين المهملة قطع السحاب و إنما خص الخريف لأنه أول الشتاء، و السحاب يكون فيه متفرقا غير متراكم و لا مطبق ثم يجتمع بعضه إلى بعض بعد ذلك كذا في النهاية، و الركام المتراكب بعضه فوق بعض" من مستشارهم" أي محل انبعاثهم و تهيجهم و كأنه أشار (عليه السلام) بذلك إلى فتن أبي مسلم المروزي و استئصاله لبني أمية و إنما شبههم بسيل العرم لتخريبهم البلاد و أهلها الذين كانوا في خفض و دعة و أريد بالجنتين جماعتان من البساتين جماعة عن يمين بلدتهم و جماعة عن شمالها روي أنها كانت أخصب البلاد و أطيبها لم يكن فيها عاهة و لا هامة و فسر العرم تارة بالصعب و أخرى بالمطر الشديد و أخرى بالجرذ و أخرى بالوادي و أخرى بالأجباس التي تبنى في الأودية و منه قيل إنه اصطرخ أهل سبإ قيل إنما أضيف السيل إلى الجرذ لأنه نقب عليهم سدا ضربته لهم بلقيس فحقنت به الماء و تركت فيه ثقبا على مقدار ما يحتاجون إليه أو المسناة التي عقدت سدا على أنه جمع عرمة و هي الحجارة المركومة و كان ذلك بين عيسى و محمد صلى اللّٰه عليه و آله، و الأكمة التل و الرض الدق الجريش و الطود الجيل.

و في بعض النسخ رص طود بالصاد المهملة فيكون بمعنى الإلزاق و الضم

53

و الشد و لعله الصواب و المجرور في سنته يرجع إلى السيل أو إلى اللّٰه تعالى و الذعذعة بالذالين المعجمتين و العينين المهملتين التفريق و التشريد التنفير و التضعضع الهدم، و الإزلال و الإرم دمشق و الإسكندرية و يقال لحجارة تنصب علما في المفازة، و بطنان جمع بطن و هو الغامض من الأرض و زيتون مسجد دمشق أو جبال شام، و الطمطمة في الكلام أن يكون فيه عجمة يقضي منهم من درج أي يرجع من مات، و الإزواء الصرف، و الفادح المثقل العصب.

و لعل طالع المشرق كناية عن القائم (صلوات اللّٰه عليه).

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

55

باب خطبته (عليه السلام) في الفتن و البدع

[1]

25369- 1 (الكافي- 8: 58 رقم 21) علي، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عثمان، عن سليم بن قيس الهلالي قال:

خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) فحمد اللّٰه و أثنى عليه ثم صلى على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) ثم قال" ألا إن أخوف ما أخاف عليكم خلتان اتباع الهوى و طول الأمل، أما اتباع الهوى فيصد عن الحق و أما طول الأمل فينسي الآخرة، ألا إن الدنيا قد ترحلت مدبرة و إن الآخرة قد ترحلت مقبلة و لكل واحدة بنون، فكونوا من أبناء الآخرة و لا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل و لا حساب و إن غدا حساب و لا عمل.

و إنما بدو وقوع الفتن من أهواء تتبع و أحكام تبتدع، يخالف فيها حكم اللّٰه يتولى فيها رجال رجالا، ألا إن الحق لو خلص لم يكن اختلاف، و لو أن الباطل خلص لم يخف على ذي حجى، لكنه يؤخذ من هذا ضغث و من هذا ضغث، فيمزجان فيجتمعان فيجللان معا، فهنالك يستولي

56

الشيطان على أوليائه و نجا الذين سبقت لهم من اللّٰه الحسنى.

إني سمعت رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) يقول: كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير و يهرم فيها الكبير، يجري الناس عليها و يتخذونها سنة، فإذا غير منها شيء قيل: قد غيرت السنة و قد أتى الناس منكرا، ثم تشتد البلية و تسبى الذرية و تدقهم الفتنة كما تدق النار الحطب، و كما تدق الرحى بثفالها و يتفقهون لغير اللّٰه و يتعلمون لغير العمل و يطلبون الدنيا بأعمال الآخرة".

ثم أقبل بوجهه و حوله ناس من أهل بيته و خاصته و شيعته فقال" قد عملت الولاة قبلي أعمالا خالفوا فيها رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) متعمدين لخلافه، ناقضين لعهده، مغيرين لسنته، و لو حملت الناس على تركها، و حولتها إلى مواضعها، و إلى ما كانت في عهد رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) لتفرق عني جندي حتى أبقى وحدي أو قليل من شيعتي الذين عرفوا فضلي و فرض إمامتي من كتاب اللّٰه و سنة رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم)، أ رأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم (عليه السلام) فرددته إلى الموضع الذي وضعه فيه رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) و رددت فدك إلى ورثة فاطمة (عليها السلام) و رددت صاع رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) كما كان، و أمضيت قطائع أقطعها رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) لأقوام لم تمض لهم و لم تنفذ، و رددت دار جعفر إلى ورثته و هدمتها من المسجد و رددت قضايا من الجور قضي بها.

و نزعت نساء تحت رجال بغير حق فرددتهن إلى أزواجهن

57

و استقبلت بهذا الحكم في الفروج و الأحكام و سبيت ذراري بني تغلب، و رددت ما قسم من أرض خيبر، و محوت دواوين العطايا و أعطيت كما كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) يعطي بالسوية، و لم أجعلها دولة بين الأغنياء، و ألقيت المساحة، و سويت بين المناكح، و أنفذت خمس الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) كما أنزل اللّٰه و فرضه، و رددت مسجد رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) إلى ما كان عليه، و سددت ما فتح فيه من الأبواب، و فتحت ما سد منه، و حرمت المسح على الخفين، و حددت على النبيذ، و أمرت بإحلال المتعتين، و أمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات، و ألزمت الناس الجهر ببسم اللّٰه الرحمن الرحيم.

و أخرجت من أدخل مع رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) في مسجده ممن كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) أخرجه و أدخلت من أخرج بعد رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) ممن كان رسول اللّٰه

58

(صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) أدخله، و حملت الناس على حكم القرآن و على الطلاق على السنة، و أخذت الصدقات على أصنافها و حدودها، و رددت الوضوء و الغسل و الصلاة إلى مواقيتها و شرائعها و مواضعها، و رددت أهل نجران إلى مواضعهم، و رددت سبايا فارس و سائر الأمم إلى كتاب اللّٰه و سنة نبيه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) إذا لتفرقوا عني و اللّٰه لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة، و أعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة فتنادي بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي:

يا أهل الإسلام غيرت سنة عمر، نهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعا و لقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري ما لقيت من هذه الأمة من الفرقة و طاعة أئمة الضلال و الدعاة إلى النار، و أعطيت من ذلك سهم ذي القربى الذي قال اللّٰه تعالى

إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّٰهِ

59

وَ مٰا أَنْزَلْنٰا عَلىٰ عَبْدِنٰا يَوْمَ الْفُرْقٰانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعٰانِ

فنحن و اللّٰه عنى بذي القربى الذي قرننا اللّٰه بنفسه و برسوله (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) فقال فلله و للرسول و لذي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل- منا خاصة- كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم و ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا و اتقوا اللّٰه- في ظلم آل محمد (صلوات اللّٰه عليهم)- إن اللّٰه شديد العقاب لمن ظلمهم رحمة منه لنا و غنى أغنانا اللّٰه به و وصى بها نبيه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) و لم يجعل لنا في سهم الصدقة نصيبا أكرم اللّٰه رسوله صلى اللّٰه عليه و آله و أكرمنا أهل البيت أن يطعمنا من أوساخ الناس، فكذبوا اللّٰه و كذبوا رسوله (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) و جحدوا كتاب اللّٰه الناطق بحقنا و منعونا فرضا فرضه اللّٰه لنا، ما لقي أهل بيت نبي من أمته ما لقينا بعد نبينا (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) و اللّٰه المستعان على من ظلمنا و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم".

بيان

" الحجى" بتقديم المهملة العقل" و الضغث" القبضة عن الشيء" و التجليل" الستر" يربو فيها الصغير" أي يكبر كناية عن امتدادها" و الثفال" بالمثلثة و الفاء قال في النهاية في حديث علي (عليه السلام)" و تدقهم الفتن دق الرحى بثفالها" الثفال بالكسر جلدة تبسط تحت رحى اليد ليقع عليها الدقيق و يسمى الحجر الأسفل مثفالا و المعنى أنها تدقهم دق الرحى للحب إذا كانت مثفلة و لا تثفل إلا عند الطحن" قد عملت الولاة قبلي أعمالا" يعني بالولاة الثلاثة و أعمالهم التي خالفوا فيها رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) كثيرة جدا.

60

و قد ذكر غير واحد من أصحابنا طائفة منها في جملة مطاعنهم في كتبهم و لم أجد ذكرها مستقصى في كتاب و قد أشار (عليه السلام) إلى بعضها خصوصا و إلى بعضها عموما في هذه الخطبة بعد هذا الإجمال بقوله" أ رأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم (عليه السلام)- إلى قوله- إذا لتفرقوا عني" فإن إذا هذه جواب لو هذه و إن بعدت عنها و إنما غير مقام إبراهيم عن موضعه عمر في عهده و رده إلى ما كان في الجاهلية و كان لازقا بالبيت كما مضى بيانه في كتاب الحج و قصة فدك مشهورة لا تحتاج إلى البيان و مقدار صاع رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) مضى في كتاب الطهارة و القطيعة طائفة من أرض الخراج" أقطعها" أي عينها و عزلها" و رددت دار جعفر" كأنهم غصبوها و أدخلوها في المسجد" و رددت قضايا من الجور قضي بها" و ذلك كقضاء عمر بالعول و التعصيب في الإرث، و كقضائه بقطع السارق من معصم الكف و مفصل ساق الرجل خلافا لما أمر به النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) من ترك الكف و العقب و إنفاذ في الطلاق الثلث المرسلة و منعه من بيع أمهات الأولاد و إن مات الولد و قال هذا رأي رأيته فأمضاه على الناس إلى غير ذلك من قضاياه و قضايا الآخرين و نزعت نساء تحت رجال بغير حق كمن طلقت بغير شهود و على غير طهر كما أبدعوه و نفذوه و غير ذلك و محوت دواوين العطايا أشار بذلك إلى ما ابتدعه عمر في عهده من وضعه الخراج على أرباب الزراعات و الصناعات و التجارات لأهل العلم

61

و أصحاب الولايات و الرئاسات و الجند و جعل ذلك عليهم بمنزلة الزكاة المفروضة و دون دواوين و أثبت فيها أسماء هؤلاء و أسماء هؤلاء و أثبت لكل رجل من الأصناف الأربعة ما يعطي من الخراج الذي وضعه على الأصناف الثلاثة و فضل في الإعطاء بعضهم على بعض و وضع الدواوين على يد شخص سماه صاحب الديوان و أثبت له أجرة من ذلك الخراج و على هذه البدعة جرت سلاطين الجور و حكامهم إلى الآن و لم يكن شيء من ذلك على عهد رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) و لا على عهد أبي بكر و إنما الخراج للإمام فيما يختص به من الأراضي خاصة يصنع به ما يشاء كما مضى بيانه في كتاب الزكاة" و لم أجعلها دولة بين الأغنياء" يعني أن يتداولوه بينهم و يحرموا الفقراء.

و لعل المراد بالمساحة مساحة الأرض للخراج و سويت بين المناكح أشار بذلك إلى ما ابتدعه عمر من منعه غير قريش أن يتزوج في قريش و منعه العجم من التزويج في العرب" و أنفذت خمس الرسول" إشارة إلى منع عمر أهل البيت خمسهم كما يأتي بيانه في آخر هذه الخطبة" و رددت مسجد رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) إلى ما كان عليه" يعني أخرجت منه ما زادوه فيه" و سددت ما

62

فتح فيه من الأبواب" إشارة إلى ما نزل به جبرئيل (عليه السلام) من اللّٰه سبحانه من أمره النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) بسد الأبواب من مسجده إلا باب علي و كأنهم قد عكسوا الأمر بعد رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم)" و حرمت المسح على الخفين" إشارة إلى ما ابتدعه عمر من إجازته المسح على الخفين في الوضوء ثلاثا للمسافر و يوما و ليلة للمقيم و قد روت عائشة عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) أنه قال" أشد الناس حسرة يوم القيامة من رأى وضوءه على جلد غيره".

" و حددت على النبيذ" و ذلك أنهم استحلوه" و أمرت بإحلال المتعتين" يعني متعة النساء و متعة الحج، قال عمر: متعتان كانتا على عهد رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) و أنا أحرمهما و أعاقب عليهما متعة النساء و متعة الحج" و أمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات" و ذلك أنهم جعلوها أربعا" و ألزمت الجهر ببسم اللّٰه الرحمن الرحيم" و ذلك أنهم يتخافتون بها أو يسقطونها في الصلاة" و أخرجت من أدخل" لعل المراد به أبو بكر و عمر حيث دفنا في مسجد الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) أخرجه و المراد بإخراج الرسول إياهما سد بابهما عن المسجد" و أدخلت من أخرج" و لعل المراد به نفسه (عليه السلام) و بإخراجه سد بابه و بإدخاله فتحه" و حملت الناس على حكم القرآن" و ذلك أنهم خالفوا القرآن في كثير من الأحكام منها وجوب الإشهاد على الطلاق و عدم وجوبه على النكاح فإنهم عكسوا الأمر في ذلك و أبطلوا عدة من أحكام الطلاق و أبدعوا فيه بآرائهم" و أخذت الصدقات على أصنافها" و هي الأجناس التسعة فإنهم أجبوها في غير ذلك" و حدودها" أي نصبها فإنهم خالفوا فيها و في سائر أحكامها" و رددت الوضوء و الغسل و الصلاة إلى مواقيتها و شرائعها و مواضعها" و ذلك أنهم خالفوا في كثير منها كإبداعهم في الوضوء مسح الأذنين و غسل الرجلين و المسح على العمامة و الخفين و انتقاضة بملامسة النساء و مس