شرح الكافي - ج4

- الشيخ محمد صالح المازندراني المزيد...
394 /
1

-

2

____________

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

[تتمة كتاب التوحيد]

(باب) (معانى الاسماء و اشتقاقها)

(1) المراد بمعاني الاسماء مفهوماتها اللّغويّة و العرفيّة.

[الحديث الأول]

«الأصل»

1- «عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن القاسم بن يحيى» «عن جدّه الحسن بن راشد، عن عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن» «تفسير «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» قال: الباء بهاء اللّه، و السّين سناء اللّه، و الميم» «مجد اللّه. و روى بعضهم: الميم ملك اللّه، و اللّه إله كلّ شيء، الرّحمن بجميع» «خلقه، و الرّحيم بالمؤمنين خاصّة».

«الشرح»

(عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن القاسم بن يحيى، عن جدّه الحسن بن راشد، عن عبد اللّه بن سنان، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن تفسير بسم- اللّه الرّحمن الرّحيم قال: الباء بهاء اللّه)

(2) البهاء في اللّغة الحسن و لعلّ المراد به حسن معاملته مع عباده بالإيجاد و التقدير و الالطاف و التدبير و إعطاء كلّ ما يليق به

(و السين سناء اللّه)

(3) السناء بالمدّ الرّفعة و السني الرفيع و أسناه رفعه و المراد بسناء اللّه رفعته و شرفه بالذّات على جميع الممكنات

(و الميم مجد اللّه)

(4) المجد الكرم و المجيد الكريم و قد مجد الرّجل بالضمّ فهو مجيد و ماجد إذا كان واسع الكرم كثير العطاء و كون هذه الحروف إشارة إلى هذه المعاني إمّا بوضع الواضع و اعتباره إيّاها عند وضع بسم اللّه، أو بمجرّد مناسبة بين هذه الحروف و تلك المعانى بحيث

3

..........

____________

يفهم منها تلك المعاني عرفا و إن لم يقصدها الواضع (1).

(و روى بعضهم: الميم ملك اللّه)

(1) بدل «مجد اللّه» و المراد بملك اللّه سلطانه على جميع الكائنات أو نفس رقاب جميع المخلوقات و أصناف جميع الكائنات

(و اللّه إله كلّ شيء)

(2) أي معبوده الّذي يستحقّ العبادة و غاية الخضوع و الخشوع منه

(الرحمن بجميع خلقه)

(3) في الدنيا مؤمنا كان أو كافرا برّا كان أو فاجرا بالاحسان و الالطاف و إعطاء الرزق و غير ذلك ممّا يتمّ به نظامهم و يتوقّف به بقاؤهم

(و الرحيم بالمؤمنين خاصّة)

(4) في الآخرة لانّهم المستحقّون للرحمة الاخرويّة بحسن استعدادهم في الحياة الدنيويّة و ذلك لانّ زيادة المباني تدلّ على زيادة المعاني.

[الحديث الثاني]

«الأصل»

2- «عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن هشام بن الحكم» «أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن أسماء اللّه و اشتقاقها، اللّه ممّا هو مشتقّ؟ فقال يا» «هشام اللّه مشتقّ من إله و إله يقتضي مألوها و الاسم غير المسمّى، فمن عبد الاسم» «دون المعنى فقد كفر و لم يعبد شيئا و من عبد الاسم و المعنى فقد أشرك و عبد»

____________

(1) قوله «بحيث يفهم منها تلك المعانى» فيه تكلف و الوجه التوقف و ايكال معناه الى أهله و نعم ما قال صدر المتألهين انه توقيف شرعى و ذلك لانا لا نعقل الفرق بين الكلمات المبدوة بهذه الحروف حتى يجعل أحدها مدلولا دون الاخر كما اختلف الرواية فى الميم انها مجد اللّه او ملك اللّه. و فى توحيد الصدوق- عليه الرحمة- عن أمير المؤمنين (ع) «الألف آلاء اللّه، و الباء بهجة اللّه، و التاء تمام الامر بقائم آل محمد، و الثاء ثواب المؤمنين على الاعمال الصالحة» و سرد الحروف الى آخرها. و فى حديث آخر «ألف اللّه لا إله الا هو الحى القيوم، و أما الباء فالباقى بعد فناء الاشياء» الى آخر الحروف هكذا فيختلج بالبال أن ما ورد فى معنى حروف المعجم ليس الاعلى التمثيل لا الاختصاص و انه ينبغى أن يتنبه العارف من كل شيء يراه و يسمعه أو يدركه بوجه الى اللّه تعالى و صفاته و حكمه و ما يتعلق بمبدئه و معاده فينتقل ذهنه إليه تعالى من الحروف كما ينتقل من الاشياء الممكنة الى وجود الواجب و كذلك فى تفسير الجمل كأبجد هوز حطى مثل أن حطى حطت الخطايا من المستغفرين. (ش)

4

«اثنين و من عبد المعنى دون الاسم فذاك التوحيد، أ فهمت يا هشام؟! قال: قلت:» «زدني قال: للّه تسعة و تسعون اسما فلو كان الاسم هو المسمّى لكان كلّ اسم» «منها إلها، و لكنّ اللّه معنى يدلّ عليه بهذه الأسماء و كلّها غيره، يا هشام الخبز» «اسم للمأكول و الماء اسم للمشروب و الثوب اسم للملبوس و النار اسم للمحرق،» «أ فهمت يا هشام فهما تدفع به و تناضل به أعداءنا المتّخذين (1) مع اللّه عزّ و جلّ» «غيره، قلت: نعم، فقال: نفعك اللّه [به] و ثبّتك يا هشام! قال: فو اللّه ما قهرني» «أحد في التوحيد حتّى قمت مقامي هذا».

«الشرح»

____________

(عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن هشام بن الحكم أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن أسماء اللّه و اشتقاقها اللّه ممّا هو مشقّ)

(1) مرّ هذا الحديث بهذا السند بعينه في باب المعبود و شرحناه هناك على وجه الكمال فقال:

(يا هشام اللّه مشتقّ من إله)

(2) المشتقّ مختصّ بالمعبود بخلاف المشتقّ منه

(و إله يقتضي مألوها)

(3) أي متحيّرا مدهوشا في أمره أو متعبّدا له أو مطمئنّا بذكره أو معبودا و هو الأنسب بقوله

(و الاسم غير المسمّى)

(4) ذهب إليه المعتزلة و الإماميّة خلافا للأشاعرة فإنّهم ذهبوا إلى أنّ الاسم هو المسمّى حقيقة

(فمن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر)

(5) حيث جعل ما ليس بإله إلها

(و لم يعبد شيئا)

(6) يستحقّ العبادة

(و من عبد الاسم و المعنى فقد أشرك)

(7) حيث جعل معه إلها آخر مستحقّا للعبادة

(و عبد اثنين)

(8) باعتقاد أنّ كلّ واحد منهما أهل للعبادة

(و من عبد المعنى دون الاسم فذاك التوحيد)

(9) لصرف العبادة إليه وحده مجرّدا عمّا سواه

(أ فهمت يا هشام؟ قال: قلت: زدني)

(10) كأنّه أراد الدّليل على ما ذكر من أنّ الاسم غير المسمّى

(قال للّه تسعة و تسعون اسما)

(11) لا دلالة فيه على حصر أسمائه في هذا العدد فلا ينافي ما مرّ في الباب السابق من الزّيادة عليه. و في كتاب مسلم «أيضا إنّ للّه تسعة و تسعين اسما مائة إلّا واحد من أحصاها دخل الجنّة» قال القرطبي و قد اعتنى بعض العلماء فخرّج

____________

(1) فى اكثر نسخ الكافى «الملحدين».

5

..........

____________

ما منها في القرآن مضاف و غير مضاف مشتقّ و غير مشتقّ كقادر و قدير و مقتدر و مليك و مالك و عليم و عالم الغيب، فلم يبلغ هذا العدد. و اعتنى غيره بذلك فحذف التكرار و لم يحذف الإضافات فوجدها تسعة و تسعين. و اعتنى آخرون فجمعها مضافة و غير مضافة و مشتقّة و غير مشتقّة و ما وقع منها في الأحاديث و الروايات منثورا و مجموعا و ما أجمع عليه أهل العلم على إطلاقها فبلغها أضعاف العدد المذكور في هذا الحديث. و قال المازري نقل ابن العربي (1) عن بعضهم أنّ للّه تعالى ألف اسم

(فلو كان الاسم هو المسمّى لكان لكلّ اسم منها إله)

(1) فيلزم تعدّد الإله على قدر تعدّد الأسماء و إنّه باطل، و في بعض النسخ «لكان كلّ اسم منها إلها» و هو موافقا لما مرّ آنفا

(و لكن اللّه معنى)

(2) يعني و لكنّ المسمّى باللّه معنى قائم بنفسه موجود لذاته لا تعدّد و لا تكثّر فيه أصلا

(يدلّ عليه بهذه الأسماء و كلّها غيره)

(3) لأنّ الدّليل مغاير للمدلول قطعا.

____________

(1) قوله «قال المازرى نقل ابن العربى» كان المراد بالمازرى شارح صحيح مسلم منسوب الى مازر بلد بصقلية جزيرة فى بحر الروم يعرف فى بلادنا بسيسيل و ابن العربى بالالف و اللام القاضى أبو بكر المالكى شارح الترمذي محدث، و ابن عربى بدون حرف التعريف هو صاحب الفتوحات المكية و الكتب الاخر صوفى فان كان متن الكتاب صحيحا فهو الاول و ان كان مسامحا فيه كما يتفق كثيرا من المؤلفين لا يراعون هذا التدقيق فهو صاحب الفتوحات و لا ضير فى النقل عنه اذ خطاؤه فى امر لا يدل على خطائه فى جميع الامور و قال رسول اللّه (ص) «الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها» و ليس النقل عن محى الدين ابن عربى او تعظيم علمه دليلا على تصديقه فى جميع مطالبه، و رأيت فى الفتوحات المجلد الاول تصديقه بان المهدى (ع) قد ولد و قال: رأيته و اجتمعت به فلا ولي بعده الا و هو راجع إليه و هذا تصريح بمذهب الشيعة لم يقل به احد من غيرهم الا نادرا يظن فى حقهم التشيع او اضطراب الذهن و الانتقال و الجربزة على انى أرى القدح فى دين العظماء تأييدا للملاحدة و النصارى نظير القول بتحريف القرآن و رأيت فى كتبهم كثيرا ان دين الاسلام باطل خرافى لم يتدين به الا الجهال و اما الحكماء و العقلاء و أولو الافكار و العلوم كالفارابى و ابن سينا و أمثالهم لم يكونوا متدينين بهذا الدين باعتراف المسلمين أنفسهم نعوذ باللّه من الزلل و الضلال. (ش)

6

..........

____________

(يا هشام الخبز الاسم للمأكول (1) و الماء اسم للمشروب و الثوب اسم للملبوس و النّار اسم للمحرق)

(1) و هذه الأسماء مغايرة للمسمّيات فكذا الحال في أسمائه تعالى، و من قال هذه الأسماء للخلق و لا نزاع في المغايرة فيها و إنّما النزاع في أسماء الخالق ورد عليه أنّ الفرق تحكّم و من ادّعاه فعليه الإثبات

(أ فهمت يا هشام فهما تدفع به و تناقل به)

(2) قال الجوهريّ النقل المناقلة في المنطق و منه قولهم رجل نقل و هو الحاضر الجواب، و ناقلت فلانا الحديث إذا حدّثه و حدّثك و في بعض النسخ «و تناضل» بالضاد المعجمة و هو بمعنى تدافع و تجادل و تخاصم

(أعداءنا الملحدين)

(3) العادلين عن دين الحقّ و منهج الصواب. متّخذين

(مع اللّه تعالى غيره)

(4) على تضمين معنى الأخذ و لو كان بدل الملحدين المتّخذين

____________

(1) قوله «الخبز اسم للمأكول» هذا بحث حام حوله المتكلمون و الحكماء و مجمل الكلام فيه أن الوجود الذهنى لكل شيء موافق للوجود الخارجى فى الماهية و مباين له فى نفس الوجود فالنار فى الذهن لها ماهية النارية لكن وجودها غير الوجود الخارجى و عليه مبنى البحث فى الوجود الذهنى و قالوا ان حمل الماهية على نفسها فى الوجود الذهنى و هو الّذي يسمى بالحمل الاولى الذاتى لا يعتبر في الصناعات و ليس شايعا فى متعارف الناس و انما الحمل الشائع الصناعى حمل معنى على غير مفهومه و ماهيته، و بعبارة اخرى الحمل الشائع اتحاد المعنيين مصداقا لا مفهوما و على هذا، فالخبز لا يطلق بالحمل الشائع الا على الموجود الخارجى الّذي يؤكل لا على مفهومه الذهنى، و كذلك الماء على ما هو ماء بالحمل الشائع و الاسم هو المفهوم و الماهية و المسمى هو المصداق الخارجى و أحدهما غير الاخر و ليس مفهوم الخبز خبزا و لا مفهوم الماء ماء، و بكلام الامام (ع) يندفع توهم مجعولية الماهيات بالذات و كون الوجود مجعولا بالعرض اذ لو كانت المهيات مجعولة بالذات لزم كون الماهية فى الذهن نفسها بالحمل الشائع فيؤكل الخبز الذهنى و يشرب الماء الذهنى و يندفع الاشكال المشهور و هو أن الجوهر فى الذهن عرض و لا يمكن كون شيء واحد جوهرا و عرضا و الجواب أن الخبز الذهنى ليس مأكولا و لا جوهرا و لا جسما بالحمل الشائع بل هو غير المسمى و هكذا و قد بين ذلك صدر المتألهين فى شرح هذا الحديث. (ش)

7

..........

____________

بالتاء المثناة الفوقانية و الذّال المعجمة كما في الاحتجاج لما احتيج إلى التضمين.

(قلت: نعم فقال: نفعك اللّه به و ثبّتك يا هشام قال هشام: فو اللّه ما قهرني أحد في التوحيد حتّى قمت مقامي هذا)

(1) في بعض النسخ «حين» بدل «حتّى» و هو الأظهر.

[الحديث الثالث]

«الأصل»

3- «عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد البرقي، عن القاسم بن يحيى،» «عن جدّه الحسن بن راشد، عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سئل» «عن معنى اللّه، فقال: استولى على ما دقّ و جلّ».

«الشرح»

(عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد البرقي، عن القاسم بن يحيى، عن جدّه الحسن بن راشد (1) عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سئل عن

____________

(1) قوله «عن جده الحسن بن راشد» سبق ذكر الحسن بن راشد فى اسناد الحديث الاول و يذكر هنا بمناسبة كلمه راشد ثلاثة رجال يشتبه أحدهم بالآخرين. الاول الحسن بن راشد الطفاوى و فى رجال ابن الغضائرى «اسد» بدل «راشد» فقيل الاول صحيح و الثانى مصحف و قيل بالعكس، و هذا الرجل من رجال الصادق و الكاظم (عليهما السلام) و الطفاوة بالفاء قبيلة من قيس عيلان و لم يذكروا انه مولى و الظاهر أنه عربى صميم، و قال النجاشى ضعيف له كتاب نوادر حسن كثير العلم، و قال ابن الغضائرى يروى عن الضعفاء و يروون عنه و هو فاسد المذهب و ما أعرف شيئا أصلح فيه الا رواية كتاب على بن اسماعيل بن شعيب ابن ميثم و قد رواه عنه غيره انتهى. و قوله شيئا أصلح فيه يعنى ما رأيت كتابا أتى فيه جميعا بالمطالب الصالحة و الآراء الصحيحة الا أنه روى كتاب على بن اسماعيل و لا ضير فى ضعفه بالنسبة الى هذا الكتاب فانه مروى بطرق اخرى و الحاصل أنه لا يقدح ضعفه فى شيء لان كتاب على بن اسماعيل روى من غير جهته و سائر رواياته التى انفرد بها ليس مما يحتاج إليه كثيرا، و أما كتاب النوادر التى ذكره النجاشى و وصفه بالحسن و كثرة العلم فلعله لا ينافى قول ابن الغضائرى اذ لا خلاف بينهما فى ضعف الرجل و أن كثرة العلم و حسن الترتيب فى نوادره لا ينافى اشتماله على امور غير صالحة كما ذكره ابن الغضائرى، و لا يدل رد ابن الغضائرى على عدم وجود شيء صحيح فيه أصلا اذ ربما يرد الكتاب و يحكم بعدم اعتباره لوجود مسائل معدودة باطلة فيه الا ترى أنه لو كان ثلث لغات القاموس بل عشره غلطا خرج عن الاعتبار. و ليعلم أن كل ما روى الحسن عن على بن اسماعيل و هو الغالب فى الروايات فهو هذا الرجل.

الثانى الحسن أو الحسين بن راشد جد القاسم بن يحيى فى اسناد هذا الحديث كنيته أبو محمد و لم يكن عربيا و لا من طفاوة بل مولى بنى العباس فكان هاشميا بالولاء و كان من رجال دولتهم و قيل انه وزير المهدى و موسى و هارون و فى تاريخ اليعقوبى كان الغالب على أموره (أى المهدى) على بن يقطين و الحسن بن راشد قال الشيخ- (رحمه اللّه)- له كتاب الراهب و الراهبة رواه القاسم بن يحيى عن جده، و قال ابن الغضائرى الحسن ابن راشد مولى المنصور أبو محمد روى عن أبى عبد اللّه و أبى الحسن موسى (عليهما السلام) ضعيف فى روايته. و قال ابن داود رأيت بخط الشيخ له (ره) فى كتاب الرجال الحسين مصغرا.

أقول و فى فهرست النجاشى القاسم بن يحيى بن حسين بن راشد مصغرا أيضا و كذلك فى بعض روايات الكافى و العجب ان الأسترآبادي خطأ الشيخ (رحمه اللّه) و نسبه الى السهو فى تصغير الحسين و لا أدرى من اين حصل له العلم بخطائه و الظاهر أنه اشتبه عليه بالحسن ابن راشد الطفاوى الّذي اسمه مكبر يقينا و خلط بينه و بين جد القاسم بن يحيى لان اسم أبيه راشد و الّذي يكثر ذكره فى اسناد الروايات هو الطفاوى البصرى العربى و أين هو من البغدادى من موالى بنى العباس و هل يمكن أن يكون أحد هاشميا و طفاويا معا أو عربيا و عجميا مولى و تحقيق ساير ما يتعلق بهذا الموضع موكول الى كتب الرجال.

الثالث ابو على بن راشد قيل اسمه الحسن و هو ثقة من وكلاء أبى الحسن العسكرى (ع) و هو متأخر عن الاولين لا يشتبه بهما و كان مولى آل المهلب ازديا لا هاشميا و لا طفاويا. (ش)

8

..........

____________

معنى اللّه (1) قال استولى على ما دقّ و جلّ)

(1) من المشهور عقلا و نقلا أنّ اللّه اسم

____________

(1) استظهر العلامة المجلسى (ره) أن الخبر سقط منه شيء لان الكلينى (ره) رواه عن البرقى و البرقى رواه بهذا السند بعينه فى المحاسن هكذا: «سئل عن معنى قول اللّه «الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ» فقال: استولى على ما دق و جل» و هكذا نقله الطبرسى فى الاحتجاج و المعنى استولى على الاشياء دقيقها و جليلها. و لكن الصدوق- (رحمه اللّه)- رواه فى معانى الاخبار عن سعد بن عبد اللّه عن احمد بن محمد بن عيسى عن القاسم بن يحيى عن جده الحسن بن راشد عن ابى الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) كما فى نسخة الكافى بلفظه.

9

..........

____________

للذّات المقدّسة الّتي بعينها عين جميع الصفات الذّاتية الملحوظة في مرتبة الذّات و من أعظم تلك الصفات هو استيلاؤه على جميع ما سواه من الممكنات دقيقها و صغيرها، جليلها و كبيرها، عظيمها و حقيرها، لأنّ هذه الصفة مستلزمة لجميع الصفات الكماليّة كالعلم بالكلّيّات و الجزئيّات و القدرة الشاملة لجميع الممكنات و الرّحمة الكاملة الّتي وسعت كلّ شيء فلذلك فسّر (عليه السلام) اللّه بذلك، تفسيرا له ببعض الوجوه الكامل الشامل.

[الحديث الرابع]

«الأصل»

4- «عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد، عن العبّاس بن» «هلال قال: سألت الرّضا (عليه السلام) عن قول اللّه: «اللّٰهُ نُورُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ»

«فقال: هاد لأهل السّماء و هاد لأهل الأرض. و في رواية البرقيّ «هدى» «من في السماء و هدى من في الأرض».

«الشرح»

(عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد، عن العباس بن هلال قال: سألت الرّضا (عليه السلام) عن قول اللّه «اللّٰهُ نُورُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ» فقال: هاد لأهل السموات و هاد لأهل الأرض. و في رواية البرقي «هدى من في السماء و هدى من في الأرض»)

(1) النور و هو ينكشف به الأشياء و يظهر وجودها عند الحسّ إمّا جسم كما ذهب إليه جماعة من المحقّقين أو عرض كما قيل و على التقديرين لا بدّ من تأويل الآية إلّا عند المجسّمة و المصوّرة القائلين بانّه تعالى نور، و

10

..........

____________

تأويلها على وجوه منها ما ذكره (عليه السلام) و هو أنّ المراد بالنور الهداية لاشتراكهما في الإيصال إلى المطلوب، و منها اللّه خالق نورهما، و منها اللّه منوّر عقول من في السماء و الأرض لرؤية الآثار الالوهيّة و الحقائق الرّبوبيّة، و منها أنّ اللّه ذو البهجة و الجمال، و هو يرجع إلى الثاني أي خالقهما (1).

[الحديث الخامس]

«الأصل»

5- «أحمد بن إدريس، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن» «فضيل بن عثمان، عن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ» «و جلّ، «هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ» و قلت: أمّا الأوّل فقد عرفناه و أمّا الآخر» «فبيّن لنا تفسيره، فقال: إنّه ليس شيء إلّا يبيد، أو يتغيّر، أو يدخله التغيّر و» «الزّوال أو ينتقل من لون إلى لون و من هيئة إلى هيئة و من صفة إلى صفة و من زيادة» «إلى نقصان و من نقصان إلى زيادة إلّا ربّ العالمين فانّه لم يزل و لا يزال بحالة» «واحدة، هو الأوّل قبل كلّ شيء و هو الآخر على ما لم يزل [و] لا تختلف» «عليه الصفات و الأسماء كما تختلف على غيره، مثل الانسان الذي يكون ترابا» «مرّة، و مرّة لحما و دما، و مرّة رفاتا و رميما. و كالبسر الذي يكون مرّه بلحا و مرّة» «بسرا و مرّة رطبا، و مرّة تمرا، فتتبدّل عليه الأسماء و الصفات و اللّه جلّ و عزّ» «بخلاف ذلك».

«الشرح»

(أحمد بن إدريس، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن فضيل ابن عثمان، عن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ «هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ» قلت: أمّا الأوّل فقد عرفناه)

(1) و هو أنّه قبل كلّ شيء

____________

(1) قوله «و هو يرجع الى الثانى اى خالقهما» بذلك يعلم أن مراد القائل بان اللّه خالق نورهما خالق وجودهما و النور هو الوجود و قد سبق فى المجلد الثالث كلام فى أن اللّه نور السموات تفسير الشيخ الصدوق (رحمه اللّه). (ش)

11

..........

____________

لأنّه مبدأ الجميع

(أمّا الآخر فبيّن لنا تفسيره؟ فقال: إنّه ليس شيء إلّا يبيد)

(1) أي يهلك كالمركب الّذي يفني بفناء بعض أجزائه أو جميعها

(أو يتغيّر)

(2) من حال إلى حال كما أنّ النفس يتغيّر من جهل إلى علم و من علم إلى جهل

(أو يدخله التغيّر و الزّوال)

(3) و في بعض النسخ الغير و هو بالكسر اسم من غيّرت الشيء فتغيّر و هذا قريب ممّا في الأصل، و قد يقال: هذه العبارة إشارة إلى العقول المقدّسة العالية و دخول التغيّرات فيها فإنّ صفاتها زايدة على ذواتها فقد دخلها التغيّر و زوال صفاتها عن مرتبة ذواتها

(أو ينتقل من لون إلى لون و من هيئة إلى هيئة، و من صفة إلى صفة و من زيادة إلى نقصان، و من نقصان إلى زيادة)

(4) كلّ ذلك معلوم مشاهد في عالم الإمكان

(إلّا ربّ العالمين فإنّه لم يزل و لا يزال بحالة واحدة)

(5) لا يدخله الهلاك و الزّوال و لا التغيّر و لا الانتقال لا بحسب الذّات و الصفات و لا باعتبار الامور الخارجة و الاضافات لأنّ تلك الامور من لوازم النقصان و لواحق الإمكان و قدس الواجب بالذّات متعال عن الاتّصاف بتلك الحالات

(هو الأوّل قبل كلّ شيء و هو الآخر على ما لم يزل)

(6) أي على نحو كان في الأزل يعني هويّته الّتي هي وجوده الواجبي باعتبار كونه أوّلا قبل إيجاد الأشياء هي بعينها هويّته باعتبار كونه آخرا بعد فناء الأشياء، و من غير تغيّر و تبدّل فيها بوجه من الوجوه

(لا تختلف عليه الصفات و الأسماء)

(7) (1) إذ لا يعرض له صفات متعاقبة متضادّة يزول

____________

(1) قوله «لا تختلف عليه الصفات و الاسماء» الظاهر المتبادر الى الاذهان ان الاول بمعنى كونه فى زمان ليس فيه شيء أصلا مقدما على الممكنات و الاخر بمعنى كونه فى زمان بعد فناء كل شيء و ليس الفناء و العدم عند الناس بمعنى النفى الصرف بل بمعنى التبدد و التفرق و تناثر الاجزاء و زوال الهيئة و أيضا أكثر المسلمين على خلود أهل النار فى النار أبدا و على خلود أهل الجنة فيها كذلك قال ابن حزم الفناء المذكور ليس موجودا البتة فى شيء من الجواهر و انما هو عدم العرض فقط كحمرة الخجل اذا ذهبت عبر عن المعنى المراد بالاخبار عن ذهابها بلفظة الفناء كالغضب نفى و يعقبه رضا و لو شاء اللّه عز و جل أن يعدم الجواهر لقدر على ذلك و لكنه لم يوجد ذلك الى الآن و لا جاء به نص فيقف عنده انتهى. و اذا كان كذلك أشكل الامر عليهم فى تصور معنى الاخر و اطلاقه على الواجب تعالى و مثله الباقى بعد فناء الاشياء و حل الاشكال ان آخريته تعالى يعتبر بالنسبة الى كل واحد واحد من التغيرات التى لا ينفك عنها الممكن البتة فهو تعالى بعد كل شيء لانه بعد كل حالة و تغير و ان اعتبر بالنسبة الى مجموع الممكنات فآخريته ليس بالزمان بل بالعلية الغائية كما أنه تعالى مقدم بالعلية الفاعلية و الدليل عليه ان كل ممكن متغير و كل متغير ناقص و اللّه تعالى كامل و غاية الناقص التقرب الى الكامل. (ش)

12

..........

____________

الاولى مع اسمها بعروض الاخرى مع اسمها

(كما تختلف على غيره)

(1) أي كما تختلف الصفات و الأسماء الّتي بإزائها على غيره لكون وضعه على الحدوث و بنائه على الانتقال و التغيّر

(مثل الإنسان الّذي يكون ترابا مرة و مرّة لحما و دما و مرّة رفاتا و رميما)

(2) الرّفات الحطام و هو ما تكسّر من اليبس و الرّميم العظم البالي و للإنسان صفات متعاقبة متكثّرة و انتقالات متفاوتة متعدّدة، و له في كلّ مرتبة من المراتب رسم و في كلّ مرحلة من المراحل اسم إلّا أنّه (عليه السلام) ذكر هنا ثلاث مراتب لاشتمالها على أمر غريب و صنع عجيب و هو الانتقال من الترابيّة إلى الحيوانيّة و من الحيوانيّة إلى الجماديّة و له في كلّ مرتبة من هذه المراتب وصف مخصوص و اسم معلوم

(و كالبسر الّذي يكون مرّة بلحا)

(3) البلح محركة بين الخلال و البسر و الخلال- بفتح خاء نوعيست از غوره خرما كذا في الكنز- و قال الجوهري البلح قبل البسر لأنّ أوّل التمر طلع ثمّ خلال ثمّ بلح، ثمّ بسر، ثمّ رطب، ثمّ تمر

(و مرّة بسرا)

(4) و هو ما كان فيه شيء من الحموضة

(و مرّة رطبا)

(5) و هو ما فيه حلاوة خالصة من الحموضة

(و مرّة تمرا فتتبدّل عليه الأسماء و الصفات و اللّه بخلاف ذلك)

(6) المقصود بيان أنّ هو في الأبد هو هو في الأزل إلّا أنّ إثبات هذا لمّا كان متوقّفا على عدم عروض التغيّر و التبدّل له مطلقا تعرّض له أوّلا مطلقا ثمّ أوضحه بأمثلة جزئيّة تقريبا إلى الفهم.

[الحديث السادس]

«الأصل»

6- «عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن» «محمّد بن حكيم، عن ميمون البان قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) و قد سئل عن الأوّل»

13

«و الآخر، فقال: الأوّل لا عن أوّل قبله، و لا عن بدء سبقه، و الآخر لا عن نهاية» «كما يعقل من صفة المخلوقين و لكن قديم أوّل آخر، لم يزل و لا يزول بلا بدء» «و لا نهاية، لا يقع عليه الحدوث و لا يحول من حال إلى حال، خالق كلّ شيء».

«الشرح»

____________

(عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن محمّد بن حكيم، عن ميمون، البان قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) و قد سئل عن الأوّل و الآخر فقال: الأوّل لا عن أوّل قبله و لا عن بدء سبقه)

(1) البدء و البديء بالهمزة أخيرا و قد يشدّد الياء على فعل و فعيل السيّد الأوّل في السادة يعني هو الأوّل لكلّ شيء الّذي لم ينشأ وجوده عن أوّل قبله و عن موجد سبقه لأنّه الموجد لجميع الكائنات و إليه ينتهي سلسلة جميع الموجودات فهو الأوّل المطلق الّذي ليس قبله شيء و ليس لأوّليّته ابتداء ينتهي وجوده إليه فإذن وجوده أزلي

(و الآخر لا عن نهاية)

(2) يعني هو الآخر بعد كلّ شيء الّذي لا يلحق لآخريّته نهاية ينتهي إليها وجوده و يقبل العدم عندها فإذن وجوده أبديّ، و الحاصل أنّه ليس لأوّليّته بداية و لا لآخريّته نهاية

(كما يعقل من صفة المخلوقين)

(3) إذ من صفاتهم لحوق البداية و النهاية لوجوداتهم و هذه الصفة لازمة للكلّ لامتناع مشاركتهم مع الواجب جلّ شأنه في الأزليّة و الأبديّة ثمّ أكّد ما ذكره بقوله

(و لكن قديم أوّل آخر)

(4) أوّل باعتبار أنّه مبدأ كلّ شيء و منه نشأ وجود الأشياء كلّها على النظام الأكمل و آخر باعتبار رجوع جميع الأشياء و بقائه بعد فنائها فما هو أوّل فهو بعينه آخر من غير اختلاف و تغيّر في ذاته و صفاته و هو بريء عن لحوق الوقت و المكان و وجوده في الحين و الزّمان فأوليّته و آخريّته تعودان إلى ما تعتبره الأذهان عن حالة تقدّمه على وجود الأشياء و حالة تأخّره عنها بعد عدمها فهما اعتباران ذهنيان له بالقياس إلى مخلوقاته و ليس هناك أوليّة و آخريّة لأنّهما فرع الوقت و الزّمان و لا وقت و لا زمان في عالم القدس

(لم يزل و لا يزول)

(5) الظاهر أنّ لم يزل متعلّق بالأوّل و لا يزول متعلّق بالآخرة فيفيد أنّه الأوّل بلا ابتداء و الآخر بلا انتهاء. و يحتمل أن

14

..........

____________

يكون كلّ واحد متعلّقا بكلّ واحد فيفيد أنّه أوّل عند كونه آخرا و آخر عند كونه أوّلا من غير تقدّم أحدهما و تأخّر الاخر و يرشد إليه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) «الحمد للّه الّذي لم يسبق له حال حالا فيكون أوّلا قبل أن يكون آخرا و يكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا» و سرّ ذلك أنّ القبليّة و البعديّة أمر يلحق الزّمان لذاته و الزّمانيات بتوسّط الزّمان و قد ثبت أنّه تعالى منزّه عن الزّمان فلا جرم لا يلحق ذاته المقدّسة و ما لها من صفات الكمال و نعوت الجلال شيء من لواحق الزّمان فلا يجوز أن يقال مثلا كونه أوّلا قبل كونه آخرا و كونه ظاهرا قبل كونه باطنا و كونه عالما قبل كونه قادرا بل استحقاقه بالنظر إلى ذاته لما يصحّ أن يعتبر له استحقاق واحد دائما فلا حال يفرض إلّا و هو استحقّ فيه ان يعتبر له الأوّليّة و الآخريّة معا استحقاقا أوّليّا ذاتيّا لا على وجه الترتيب و إن تفاوتت الاعتبارات بالنظر إلى اعتبارنا، و يحتمل أيضا أن يكون كلّ واحد متعلّقا بالقديم و هو ظاهر

(بلا بدء و لا نهاية)

(1) الأوّل ناظر إلى قوله لم يزل و الثاني إلى قوله لا يزول و الوجه أنّ وجوب وجوده مستلزم لوجوده أزلا و أبدا و امتناع اتصافه ببداية و نهاية

(لا يقع عليه الحدوث)

(2) ناظر إلى ما قبله أو إلى قوله قديم لانّ الحدوث و هو الوجود بعد العدم ينافي القديم و عدم الابتداء و الانتهاء

(و لا يحول من حال إلى حال)

(3) أي لا يحول من صفة إلى صفة اخرى و لا من اسم إلى اسم آخر و فيه إشارة إلى أنّ هويته الأبديّة هي بعينها هويّته الأزليّة بلا تفاوت أصلا

(خالق كلّ شيء)

(4) على تباين أوصافها و تضادّ صورها و تخالف أشكالها و هذا ممّا يشهد باثباته العقل أيضا فانّ العبد عند أخذ العناية الالهيّة بضبعيه يعلم أن جميع الموجودات مستند إلى تدبير حكيم و تقدير عليم، و الغرض من ذكره هو التأكيد و التعليل لجميع ما مرّ فانّ كونه خالق كلّ شيء ينتهي إليه سلسلة الموجودات كلّها و لو بوسائط يدلّ على أنّه أوّل على الإطلاق و إلّا لكان الأوّل الحقيقي غيره فلذلك الغير هو الّذي ينتهي إليه سلسلة الإيجاد لا هو، هذا خلف و قس عليه البواقي.

15

[الحديث السابع]

«الأصل»

7- «محمّد بن أبي عبد اللّه رفعه إلى أبي هاشم الجعفري قال: كنت عند أبي جعفر» «الثاني (عليه السلام) فسأله رجل فقال: أخبرني عن الربّ تبارك و تعالى له أسماء و صفات» «في كتابه؟ و أسماؤه و صفاته هي هو؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): إنّ لهذا الكلام» «وجهين إن كنت تقول: هي هو أي أنّه ذو عدد و كثرة فتعالى اللّه عن ذلك و» «إن كنت تقول: هذه الصفات و الأسماء لم تزل فانّ [لم تزل] محتمل معنيين فان» «قلت: لم تزل عنده في علمه و هو مستحقّها: فنعم و إن كنت تقول: لم يزل» «تصويرها و هجاؤها و تقطيع حروفها، فمعاذ اللّه أن يكون معه شيء غيره، بل» «كان اللّه و لا خلق، ثمّ خلقها وسيلة بينه و بين خلقه يتضرّعون بها إليه و يعبدونه» «و هي ذكره و كان اللّه و لا ذكر و المذكور بالذكر هو اللّه القديم الذي لم يزل و» «الأسماء و الصفات مخلوقات و المعاني و المعنيّ بها هو اللّه الذي لا يليق به الاختلاف» «و لا الائتلاف و إنّما يختلف و يأتلف المتجزّئ فلا يقال: اللّه مؤتلف و لا اللّه قليل» «و لا كثير و لكنّه القديم في ذاته، لأنّ ما سوى الواحد متجزّئ، و اللّه واحد» «لا متجزّئ و لا متوهّم بالقلّة و الكثرة، و كلّ متجزّئ أو متوهّم بالقلّة و الكثرة» «فهو مخلوق دالّ على خالق له، فقولك: إنّ اللّه قدير خبّرت أنّه لا يعجزه شيء، فنفيت» «بالكلمة العجز و جعلت العجز سواه، و كذلك قولك: عالم إنّما نفيت بالكلمة» «الجهل و جعلت الجهل سواه و إذا أفنى اللّه الأشياء أفنى الصورة و الهجاء و» «التقطيع و لا يزال من لم يزل عالما.

فقال الرّجل: فكيف سمّينا ربّنا سميعا؟ فقال: لأنّه لا يخفى عليه ما» «يدرك بالأسماع و لا نصفه بالسمع المعقول في الرأس و كذلك سمّيناه بصيرا» «لأنّه لا يخفى عليه ما يدرك بالأبصار من لون أو شخص أو غير ذلك و لم نصفه» «ببصر لحظة العين و كذلك سمّيناه لطيفا لعلمه بالشيء اللّطيف مثل البعوضة و» «أخفى من ذلك و موضع النشوء منها و العقل و الشهوة للسفاد و الحدب على نسلها» «و إقام بعضها على بعض و نقلها الطعام و الشراب إلى أولادها في الجبال و المفاوز»

16

«و الأودية و القفار فعلمنا أنّ خالقها لطيف بلا كيف و إنّما الكيفيّة للمخلوق» المكيّف، و كذلك سمّينا ربّنا قويّا لا بقوّة البطش المعروف من المخلوق و لو» «كانت قوّته قوّة البطش المعروف من المخلوق لوقع التشبيه و لاحتمل الزيادة و» «ما احتمل الزيادة احتمل النقصان و ما كان ناقصا كان غير قديم و ما كان غير» «قديم كان عاجزا. فربّنا تبارك و تعالى لا شبه له و لا ضدّ و لا ندّ و لا كيف و لا نهاية و لا ببصار» «بصر. و محرّم على القلوب أن تمثّله، و على الأوهام أن تحدّه، و على الضمائر أن» «تكوّنه، جلّ و عزّ عن أدات خلقه و سمات بريّته، و تعالى عن ذلك علوّا كبيرا».

«الشرح»

____________

(محمّد بن أبي عبد اللّه رفعه إلى أبي هاشم الجعفري)

(1) هذا الحديث مذكور (1) في كتاب التوحيد للصدوق- (رحمه اللّه)- مسندا قال: حدّثنا عليّ بن أحمد بن محمّد بن عمران الدّقّاق- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد اللّه الكوفي قال: حدّثني محمّد بن بشير، عن أبي هاشم الجعفري

(قال: كنت عند أبي جعفر الثاني (عليه السلام) فسأله رجل فقال: أخبرني عن الرّبّ تبارك و تعالى له أسماء و صفات في كتابه)

(2) المراد بالأسماء ما دلّ على ذاته المقدّسة مثل اللّه و لفظ «هو» الدّال على الهويّة المطلقة الصرفة الحقّة و بالصفات ما دلّ على الذّات الملحوظة معها صفة مخصوصة مثل الرّحمن و الرّحيم و العالم و العليم و القادر و القدير و أمثال ذلك، و يحتمل أن يراد بالأسماء ما يحمل على الذّات من المشتقّات مثل العالم و القادر و بالصفات المعنى المشتقّ منه مثل العلم و القدرة

(و أسماؤه و صفاته هي هو)

(3) هذا هو الغرض من السؤال بقرينة المقام و الجواب و ليس الغرض من السؤال استعلام أنّ له أسماء و صفات

____________

(1) قوله «هذا الحديث مذكور» و هو معجز من معجزات الامام (ع) عند العارف الخبير اذ لا يمكن التنبه لهذه الدقائق بغير التعليم الا للحجة المنصوب من اللّه تعالى و هو اقوى فى الدلالة على علمهم (عليهم السلام) من الحديث المروى عنه فى حكم الصيد للمحرم فى بحثه مع يحيى بن أكثم فى مجلس المأمون. (ش)

17

..........

____________

في كتابه أيضا لأنّ ذلك معلوم لكلّ من له مسكة من العقل و متابعة للشرع

(فقال أبو جعفر (عليه السلام): إنّ لهذا الكلام وجهين)

(1) يعني أنّ له وجهين، ابتداء، و لا ينافي ذلك أنّ له ثلاثة أوجه باعتبار أنّ أحد الوجهين يحتمل أمرين و بيان احتماله لهذه الوجوه على سبيل الإجمال أنّ قوله: «أسماؤه و صفاته هي هو» دلّ بحسب المنطوق على اتّحادها معه و بحسب المفهوم على أزليّتها، ثمّ على تقدير أن يكون مراد السائل أزليّتها يحتمل أن يكون مراده أزليّة علمه تعالى بها و أن يكون مراده أزليّة نفسها فأشار (عليه السلام) إلى بطلان الأوّل و الثالث و صحّة الثاني بقوله

(إن كنت تقول هي هو أي أنّه)

(2) (1) أي اللّه جلّ شأنه

(ذو عدد و كثرة)

(3) و ذلك بأن تقول تلك الأسماء و الصفات هي المسمّى بها فإنّ هذا القول مستلزم للقول بتعدّد الإله لما مرّ من أنّ للّه تعالى تسعة و تسعين اسما فلو كان الاسم هو المسمّى لكان كلّ اسم إلها

(فتعالى اللّه عن ذلك)

(4) أي عن أن يكون ذا عدد و كثرة

(و إن كنت تقول: هذه الصفات و الأسماء لم تزل)

(5) يعني كانت في الأزل

(فإنّ لم تزل محتمل معنيين فإن قلت لم تزل عنده في علمه و هو مستحقّها)

(6) في مرتبة ذاته الاحديّة

(فنعم)

(7) لأن

____________

(1) قوله «ان كنت تقول هى هو أى أنه ذو عدد و كثرة» النظر الى الالفاظ على وجهين الاول النظر إليها باعتبار وجودها فى نفسه و هى أصوات مقطعة خارجة من الرية و الحلقوم و الفم و الشفاه. و الثانى النظر إليها باعتبار حكايتها عن المعانى، و هذا نظير الصكوك و الاوراق المالية تارة ينظر إليها باعتبار انها قراطيس منقوشة و آخر باعتبار حكايتها عن الذهب و الفضة فكما يختلف حكم المعاملات و البيوع اذا اختلف النظر كذلك يختلف حكم الحدوث و القدم فى أسماء اللّه تعالى باعتبارين فان اعتبرت الالفاظ من حيث هى لفظ فهى حادثة البتة لان الاسماء متعددة حسب اختلاف الحروف فلو كانت قديمة لزم تعدد القدماء و ثبت شريك للبارى تعالى فى القدم و ان اعتبرت من حيث حكايتها عن المبدأ الاول لم يتعدد لان الاعتبار بالمحكى و هو واحد كما انك ان اشتريت طوابع البريد لنقشها و قدمتها باضعاف القيمة المكتوبة عليها لم يكن ربا اذ قد اشتريت قرطاسا و ان اشتريت الطوابع باعتبار حكايتها عن مقدار من المال المكتوب عليها باكثر من قيمتها لم يجز لانك قد اشتريت المال المحكى عنه باكثر منه و بالجملة يختلف الحكم عقلا و شرعا و عرفا باختلاف الاعتبارات و لا فرق فى بطلان الحكم بقدم الاسماء بين ان يقال هذه الالفاظ عين ذات البارى أو يقال هى معه تعالى فى الازل. (ش)

18

..........

____________

علمه الأزلي محيط بجميع الأشياء قبل كونها كما هو محيط بها بعد كونها

(و إن كنت تقول لم تزل تصويرها)

(1) بهذه الصور و الهيئات

(و هجاؤها)

(2) الهجاء بكسر الهاء مصدر تقول هجوت الحروف هجوا و هجاء و هجّيته تهجية و تهجّيت كلّه بمعنى عدّدتها و تلفّظت بها واحدا بعد واحد

(و تقطيع حروفها)

(3) أي ذكر بعضها على أثر بعض من قولهم جاء الخيل مقطوعات أي سراعا بعضها في أثر بعض أو جعلها قطعة قطعة ثمّ تركيب بعضها مع بعض و منه المقطّعات من الثياب الّتي تقطع ثمّ تخاط

(فمعاذ اللّه أن يكون معه شيء غيره)

(4) معاذ اللّه مثل سبحان اللّه منصوب على المصدر أي أعوذ باللّه معاذا

(بل كان اللّه و لا خلق)

(5) فكان اللّه و لا أسماء و لا صفات له

(ثمّ خلقها)

(6) أي الأسماء و الصفات

(وسيلة بينه و بين خلقه يتضرّعون بها إليه و يعبدونه)

(7) لئلّا يجهلوه و لا يسمّوه من عند أنفسهم بما لا يليق به من الأسماء

(و هي ذكرة)

(8) (1) بكسر الذّال و التاء أخيرا قال الجوهري الذّكر الذكرى نقيص النسيان و كذلك الذكرة و يحتمل أن يقرأ «ذكره» بالضمير الراجع إليه سبحانه و الحمل في الصورتين إمّا على سبيل المبالغة و التجوّز في الإسناد أو على سبيل التجوّز في الكلمة بأن يراد بالذكرة ما به الذكرى و هو آلتها

(و كان اللّه و لا ذكر)

(9) إذ لم يكن في الأزل ذاكر و إذا كان كذلك كان ما به الذكر و هو الأسماء و الصفات حادثا و إن كان المذكور و هو اللّه جلّ شأنه قديما كما أشار إليه بقوله

(و المذكور بالذكر هو اللّه (2) القديم الّذي لم يزل و الأسماء و الصفات مخلوقات و المعاني)

(10) (3) الواو

____________

(1) قوله «و هى ذكرة» يعنى أن الوجه الصحيح أن الاسماء حكاية ينظر إليها لدلالتها على المعبود و ليتذكر بها العابد اللّه تعالى و لا ينظر إليها بنفسها بالنظر الاستقلالى بل بالنظر الألى. و الذكرى كلمة استعملها الامام (ع) للدلالة على ما نعبر عنه بالنظر الألى و الحكاية. (ش)

(2) قوله «و المذكور بالذكر» اى المحكى عنه لهذا الحاكى و المعنى المستقل المدلول عليه بهذا الذكرى هو اللّه تعالى و انما الاسماء و الصفات التى هى حكايات عنه تعالى مخلوقات حادثات. (ش)

(3) قوله «و المعانى» الاولى فى تركيب العبارة ما اختاره صدر المتألهين و هو ان الواو لعطف الجملة و المعانى مبتدأ «و المعنى بها» عطف عليه «و هو اللّه» خبر يعنى ان معانى الاسماء و الصفات و المعنى لهذه المعانى هو اللّه تعالى كانه جعل الالفاظ كالعالم و القادر و الحى و غيرها فى رتبة و معانيها فى رتبة و الذات فى رتبة فقال اما الالفاظ فهى حادثة و اما المعانى التى مرجعها جميعا الى معنى واحد و هو الذات هو اللّه تعالى القديم الازلى. (ش)

19

..........

____________

في قوله و المعاني بمعنى مع أو للعطف على الصفات أو على الأسماء يعني أنّ الاسماء و الصفات و معانيها اللّغويّة و مفهوماته العرفيّة القائمة بالنفوس السافلة و العقول المقدّسة العالية مخلوقة دالّة على وجود الصانع القديم لأنّك قد عرفت آنفا أنّ كلّ ما يتناوله اللّسان أو يدركه الأوهام و الأذهان فهو مخلوق. و في بعض نسخ هذا الكتاب و في كتاب التوحيد للصدوق (رحمه اللّه) «مخلوقات المعاني» بالإضافة و هو الأظهر (و المعنيّ بها)

(1) أي المقصود بتلك الأسماء و الصفات

(هو اللّه)

(2) يعني هو المسمّى باللّه

(الذي لا يليق به الاختلاف و الايتلاف)

(3) أي لا يليق به الانفكاك و التحليل و لا الانضمام و التركيب، أو لا يليق به الاختلاف من حال إلى حال و لا ايتلاف حال بحال، أو لا يليق به اختلاف الأجزاء و تباينها و لا ايتلاف الأجزاء و تناسبها، أو لا يليق به كونه معروضا لشيء و لا كونه مركّبا من شيء و بالجملة فيه كناية عن نفي التركيب مطلقا إذ كلّ مركب لا يخلو من هذين الأمرين كما أشار إليه بقوله

(و إنّما يختلف و يأتلف المتجزّي)

(4) بأجزاء خارجيّة أو وهميّة أو عقليّة أو اعتباريّة صرفه كتجزئة البسيط مثلا إلى ذات و إمكان و وجود و غير ذلك

(فلا يقال اللّه مؤتلف)

(5) يوجد فيه الايتلاف و التعدّد و الكثرة و هذا متفرّع على السابق لأنّ عدم جواز القول بأنّه مؤتلف بمنزلة النتيجة لعدم كون الاختلاف و الايتلاف لائقا به

(و لا اللّه قليل و لا كثير)

(6) الظاهر أنّه عطف على قوله «اللّه مؤتلف» و مندرج تحت القول فهو متفرّع على السابق أيضا. فان قلت تفريع المعطوف عليه على السابق ظاهر و أمّا تفريع المعطوف فغير ظاهر لعدم اشتمال السابق عليه، قلت من البيّن أنّ الاختلاف و الايتلاف لا زمان للقلّة و الكثرة، و إذا ثبت أنّ اللّازم غير لايق به فقد ثبت أنّه لا يجوز وصفه بالملزوم.

و قال سيّد المحقّقين: إنّه عطف على صدر الجملة السابقة لا على متعلّق القول منها و هذه الجملة كالتعليل للجملة السابقة أي اللّه سبحانه ليس داخلا في جنس

20

..........

____________

القلّة و الكثرة و القليل و الكثير و من البيّن أنّه لا يصحّ أن يقال: مؤتلف إلّا لما كان داخلا في جنس الموصوف بالقلّة و الكثرة

(و لكنّه القديم في ذاته)

(1) دون غيره و هذا تأكيد للسابق لأنّ قدمه يقتضي عدم اتّصافه بالاختلاف و الايتلاف و القلّة و الكثرة، و إنّما قال «في ذاته» للاشعار بأنّه ليس له صفات زائدة على ذاته

(لأنّ ما سوى الواحد متجزّي و اللّه واحد لا متجزّي و لا متوهّم بالقلّة و الكثرة)

(2) حجّة لقوله «لا يليق به الاختلاف» أو لقوله «فلا يقال اللّه مؤتلف» و ما بعده، أو للحصر المستفاد من قوله: «لكنّه القديم» يعنى أنّ ما سوى الواحد الحقّ متجزّي بالماهيّة و الوجود و العوارض و الكيفيّات و اللّه جلّ شأنه واحد من جميع الجهات لا يتجزّى بحسب الذّات و الصفات و لا يتوهّم اتّصافه بالقلّة و الكثرة لأنّ التجزية و الاتّصاف بالقلّة و الكثرة يستلزمان الحاجة و النقصان اللّازمين لطبيعة الإمكان. لا يقال قوله واحد ينافي قوله و لا متوهّم بالقلّة و الكثرة لأنّ الواحد مبدأ للكثرة عادّ لها فلا محالة تلحقها الكثرة الاضافيّة فانّ كلّ واحد بهذا المعنى هو قليل بالنسبة إلى الكثرة الّتي يكون مبدءا لها، لأنّا نقول: ليس المراد بالواحد هنا ما هو مبدأ للكثرة تعدّ به و لو كان كذلك لكان من جملة الآحاد المعدودة و كان داخلا في الكمّ المنفصل تعالى اللّه عن ذلك، بل هو تعالى واحد بمعنى أنّه لا ثاني له في الوجود و أنّه لا كثرة في ذاته بوجه لا ذهنا و لا خارجا و أنّه لم يفته شيء من كماله بل كلّ ما ينبغي له فهو له بالذّات و الفعل

(و كلّ متجزي أو متوهّم بالقلّة و الكثرة فهو مخلوق دالّ على خالق له)

(3) لأنّ كلّ متجزّي ممكن مفتقر في وجوده و وجود أجزائه و انضمام بعضها إلى بعض إلى خالق و كذلك كلّ متّصف بالقلّة و الكثرة فقد ثبت من هذه المقدّمات (1) أنّ اللّه تعالى هو القديم وحده و أنّه المبدأ

____________

(1) قوله «فقد ثبت من هذه المقدمات» كلام الامام يشير الى نفى الجوهر الفرد و بيان ذلك أن الموجود اما واجب أو ممكن و الممكن اما جوهر أو عرض و أيضا اما مجرد أو مادى. أما العرض فلا يتوهم كونه أزليا واجبا لاحتياجه الى الموضوع. و أما الجوهر فاما أن يكون مركبا أو بسيطا و لا يتوهم كون المركب واجبا لاحتياجه الى أجزائه و أما البسيط المادى و هو الجوهر الفرد أى الجزء الّذي لا يتجزى ان كان موجودا كان متعددا فان كان كل واحد واجبا لزم تعدد الواجب، و ان كان أحدها واجبا كان ترجيحا من غير مرجح، و ان كان المجموع واجبا لزم التركيب فى الواجب و كذلك البسيط المجرد كالعقول و النفوس يحتمل الكثرة و القلة من حيث العدد فثبت أن ما سوى الواجب تعالى متجز ان كان مركبا و احتمل القلة و الكثرة ان كان بسيطا و الواحد غير المتجزى و لا المحتمل للقلة و الكثرة منحصر فى ذات واجب الوجود تعالى و الحق أن الجوهر الفرد غير موجود و ان كل جسم ينقسم الى غير النهاية. (ش)

21

..........

____________

لجميع الكائنات و أنّه غير مختلف و لا مؤتلف و لا متجزّي و لا متوهّم بالقلّة و الكثرة

(فقولك)

(1) الفاء للتفريع

(إنّ اللّه قدير خبّرت)

(2) أي خبّرت به على حذف العائد قال الجوهريّ أخبرته بكذا و خبّرته بمعنى

(أنّه لا يعجزه شيء فنفيت بالكلمة)

(3) أي بهذه الكلمة و هي «اللّه قدير» فاللّام للعهد

(العجز)

(4) على وجه العموم يعني أنّه ليس عاجزا عن شيء من الأشياء فقدرته عبارة عن نفي العجز عنه مطلقا لا أنّها صفة زائدة عليه قائمة به بخلاف قدرة غيره فإنّها صفة قائمة به و بينها و بين العجز نوع مصاحبة و ملائمة فإنّ الممكن و إن كان ذا قدرة موصوف بالعجز قطعا

(و جعلت العجز سواه)

(5) و زائدا عليه غير متطرّق إليه أصلا. و وجه ذلك التفريع أنّه لمّا بيّن سابقا أنّ اللّه تعالى كان و لم يكن معه شيء و أنّه القديم وحده و أنّه واحد لا يتجزّى و لا يأتلف ظهر أنّ صفاته كلّها راجعة إلى سلب أضدادها عنه لا إلى إثبات أمر له لأنّ ذلك ينافي جميع الامور المذكورة و هذا مذهب الحكماء و صرّح به بهمنيار في التحصيل و ذهب إليه الإماميّة و المعتزلة (1).

____________

(1) قوله «ذهبت إليه الامامية و المعتزلة» بين كلام الامامية و المعتزلة فرق لان المعتزلة قائلون بنفى الصفات و الامامية قائلون باثباتها و كونها عين الذات و بينهما اشتراك فى نفى الصفات الزائدة على الذات على ما يدعيه الاشاعرة و يثبتون القدماء الثمانية زائدة على ذات الواجب، و قد مر فى الجزء الثالث فى الصفحة 326 أن ارجاع صفات الواجب الى نفى أضدادها غير صحيح بتمام معنى الكلمة لان نفى النقص لا يوجب اثبات الكمال مطلقا مثلا الجمادات فاقدة لصفات العلم و القدرة و السمع و البصر و لاضدادها أيضا لعدم الشأنية فلا يقال الجدار اعمى او اصم او امى عاجز، ثم ان الحكماء موافقون للامامية حتى أهل السنة منهم. (ش)

22

..........

____________

و هو الحقّ الّذي لا ريب فيه، و قالت الأشاعرة: صفاته امور موجودة قديمة زائدة على ذاته تعالى قائمة بها. و يلزمهم مفاسد كثيرة مذكورة في الزبر الحكميّة و الكتب الكلاميّة.

منها أنّه يلزم خلوّه عن الكمال و اتّصافه بالنقص في مرتبة ذاته الحقّة و علّيّته المتقدّمة. و منها أنّه يلزم أن يكون محلّا لأعراض ينفعل عنها و يستكمل بها. و منها أنّه يلزم عليه الانتقال من حال إلى حال.

(و كذلك قولك عالم إنّما نفيت بالكلمة الجهل و جعلت الجهل سواه)

(1) لا أنّك أثبتّ له علما زائدا عليه و كذا الحال في سائر الصفات الكماليّة إنّما يقصد منها نفي ما يقابلها، ثمّ أوضح أنّ علمه و قدرته و غيرهما ممّا يليق به إنّما هو بنفس ذاته لا بالأسماء و الصفات بوجه آخر مقابل للوجه الأوّل و هو أنّ العلم باق لا يزال، و تلك الأسماء و الصفات يطرأ عليها العدم و الفناء. فقال:

(و إذا أفنى اللّه الأشياء)

(2) (1) أي إذا تعلّقت إرادته الكاملة بفناء الأشياء الّتي هي في حدّ ذاتها باطلة غير مستحقّة للوجود

____________

(1) قوله «اذا أفنى الاشياء» فناء الاشياء بمعنى تفرق أجزائها و زوال صورها و انتفاء منافعها لا بمعنى العدم الصرف و كذلك قوله تعالى «كُلُّ مَنْ عَلَيْهٰا فٰانٍ» «كُلُّ شَيْءٍ هٰالِكٌ إِلّٰا وَجْهَهُ» و أمثال ذلك الا أن يقال بان المراد بالفناء الهلاك الذاتى للممكن فانه من جهة ذاته ليس و انما يصير موجودا بعلته، قال العلامة المجلسى- (رحمه اللّه)- فى البحار و أكثر متكلمى الامامية على عدم الانعدام بالكلية ثم نقل كلام المحقق الطوسى- (رحمه اللّه)- فى التجريد «و السمع دل عليه و يتأول فى المكلف بالتفريق كما فى قصة ابراهيم (ع) انتهى» و اختار المجلسى (ره) التوقف قال و الحق أنه لا يمكن الجزم فى تلك المسألة بأحد الجانبين ثم طعن على الشيخ المفيد و الطبرسى (قدس سرهما) أشد طعن و أفحشه و قال انهما خرجا عن صريح آيات القرآن فى نفخ الصور اذ قالا ان الصور جمع الصورة و النفخ فى الصور بمعنى النفخ فى صورة الاشباح و الاجسام حتى يحيى نظير النفخ فى صورة آدم و هو يدل على وجود الاجسام عند النفخ و عدم انعدامها. (ش)

23

..........

____________

(أفنى الصورة)

(1) أي الصورة اللّفظيّة و المعنويّة يعني أفنى اللّفظ و مفهومه القائم بالنفوس السافلة و العقول العالية

(و الهجاء، و التقطيع)

(2) فيصير بعد الوجود معدوما كما صار بعد العدم موجودا مثل سائر الممكنات

(و لا يزال عالما من لم يزل عالما)

(3) يعني أنّ الحقّ بذاته عالم لا يزال كما أنّه عالم لم يزل من غير انتهاء لعلمه و لا ابتداء فعلم أنّ علمه ليس باعتبار هذا اللّفظ أعني العالم و لا باعتبار مفهومه الّذي يدركه الخلق و كذلك بواقي الأسماء

(فقال الرجل)

(4) إذا كان اللّه و لم يكن معه غيره

(فكيف سمّينا ربّنا سميعا؟)

(5) و كونه سميعا في الأزل يقتضي وجود المسموع فيه و الحال أنّه ليس معه في الأزل شيء

(فقال)

(6) سمّينا ربّنا سميعا

(لأنّه لا يخفى عليه ما يدرك بالأسماع)

(7) (1) من الأصوات يعني سمعه عبارة عن علمه الأزلي بأصوات خلقه و لغاتهم ما بين العرش إلى الثرى من الذّرّة إلى أكبر منها أو أصغر

(و لم نصفه بالسمع المعقول في الرأس)

(8) لامتناع احتياجه إلى الآلة و السمع بهذا المعنى هو الّذي يقتضي وجود المسموع و لا يتحقّق بدونه و لمّا كان سؤال الرّجل مشعرا بأنّه حمل صفات الخالق على ما هو المعروف في الخلق حتّى قال ما قال و أجاب (عليه السلام) وهمه بالجواب المذكور زاده إيضاحا بذكر شيء من صفاته الذّاتيّة و السلبيّة على وجه لائق به تعالى تقويما و تثبيتا له على منهج الصواب، فقال:

(و كذلك سمّيناه بصيرا لأنّه لا يخفي عليه ما يدرك بالأبصار من لون أو شخص أو غير ذلك)

(9) من المبصرات بالذّات أو بالعرض يعني أنّ المراد بكونه بصيرا كونه عالما بتمام المبصرات جليّها و خفيّها حتّى أنّه لا يخفى عليه أثر الذرّة السحماء في اللّيلة الظلماء على الصخرة السوداء

(و لم نصفه ببصر لحظة العين)

(10) لتنزّهه عن الآلة البصارة الّتي هي من خواصّ الحيوان و الابصار بهذه الآلة هو الّذي لا يمكن تحقّقه بدون وجود المبصرات دون الابصار بالمعنى المذكور، و في كتاب

____________

(1) قوله «لا يخفى عليه ما يدرك بالاسماع» و هذا معنى قول الحكماء أن علمه تعالى بالجزئيات بالوجه الكلى لا بالاحساس فان الاحساس انما هو بتأثر الآلات و الجوارح. (ش)

24

..........

____________

التوحيد للصدوق «و لم نصفه بنظر لحظ العين»

(و كذلك سميّناه لطيفا)

(1) قد يراد باللّطيف رقيق القوام، و قد يراد به صغير الجسم، و قد يراد به عديم اللّون من الأجسام و اللّه سبحانه منزّه عن إطلاق اللّطيف عليه بأحد هذه المعاني لاستلزامها الجسميّة و الإمكان فبقي أن يكون إطلاقه عليه باعتبار آخر و هو علمه بذوات الأشياء الصغيرة الحقيرة و صفاتها و أفعالها و حركاتها كما أشار إليه بقوله

(لعلمه بالشيء اللّطيف مثل البعوضة و أخفي من ذلك)

(2) (1) ممّا لا يكاد تستبينه العيون و تدركه الأبصار و يفرق بين الذّكر و الانثى و بين الحديث المولود و القديم لكمال صغره

(موضع النشء منها و العقل)

(3) (2) النشوء بفتح النون و سكون الشين المعجمة و الهمزة أخيرا و بالضمّتين و تخفيف الواو قبل الهمزة على وزن فعول و بالضمّتين و تشديد الواو مثل النّموّ على القلب و الإدغام مصدر نشأ الغلام إذا شبّ و ارتفع من حدّ الصبا و قرب من الإدراك و قد يسمّى به النسل أيضا فيقال هذا نشؤ سوء، و بكسر النون و سكون الشين و الواو أخيرا بمعنى شمّ الرّيح جمع نشوة، و يؤيّد هذا وقوع نشوة في بعض النسخ و المراد أنّه يعلم موضع القريب من الإدراك و موضع

____________

(1) قوله «و أخفى من ذلك» و قد تبين فى عصرنا وجود حيوانات صغار جدا لا يدرك بالطرف و لها آلات و جوارح و لكل منها وظائف و قد ذكرها علماء الفن و لا مجال هنا لتفصيلها. (ش)

(2) قوله «موضع النشء منها» الحيوان من الاجسام النامية و فيه القوة النباتية الشاملة للغاذية و النامية و المولدة و يسميها الاطباء قوى طبيعية. و فيه القوة الحيوانية الشاملة للحس و الحركة، و كل حيوان صغير أو كبير له موضع النشوء أى آلة مهيأة لتنمية الحيوان بايراد الغذاء كالكبد و له موضع العقل أى آلة مهيأة لضبط الحركات. و ليس العقل هنا واردا على اصطلاح المعقول و هو ادراك الكليات كما قلنا مرارا: ان حمل الاخبار على اصطلاح أرباب الفنون مزلة لان عقد الاصطلاح كان مؤخرا عن زمان صدور الاخبار و بالجملة لكل حيوان آلة للادراك كالدماغ و العصب فالبعوضة مثلا لا بد أن يكون له جوارح و آلات للتنمية و جوارح و آلات للحس و الادراك و اللّه يعلم موضع كل واحد لانه تعالى خلقها على وفق حكمته. (ش)

25

..........

____________

الإدراك منها يعني يعلم حال هاتين أو يعلم زمانيهما أو يعلم موضع نسلها يعني آلة التناسل من الذّكر و الانثى أو يعلم موضع شمّ الرّيح منها يعني شامّتها

(و الشهوة للفساد)

(1) عطف على الموضع أو على النشوء (1) أي يعلم الشهوة منها المعدّة للسفاد أو يعلم موضعها، و السفاد بالكسر نزو الذّكر على الانثى، و في بعض النسخ للفساد، و كأنّه نشأ من تحريف السفاد على أنّ له أيضا معنى صحيحا لأنّ الشهوة علّة للفساد

(و الحدب على نسلها)

(2) عطفه أيضا يحتمل الأمرين و الحدب محركة التعطّف يقال:

حدب عليه أي تعطّف يعني يعلم موضع تعطّفها على نسلها أو يعلم تعطّفها عليه

(و إقام بعضها على بعض)

(3) الإقام مصدر أصله إقامة حذفت التاء المعوّضة عن العين و اقيمت الاضافة مقامها كما في نحو إقام الصلاة و إيتاء الزكاة، يعني يعلم موضع إقامة بعضها على بعض أو يعلم قيام ذكورها و أقويائها بامور إناثها و ضعفائها و حفظ نظامها و أحوالها على قدر الطاقة و الجهد.

(و نقلها الطعام و الشراب إلى أولادها في الجبال و المفاوز و الأودية و القفار)

(4) «في الجبال» إمّا حال عن الأولاد أو متعلّق بالنقل. و المفاوز جمع المفازة، قال ابن الأعرابي: سمّيت بذلك لأنّها مهلكة من فوّز إذا هلك، و قال الأصمعي: سمّيت

____________

(1) قوله «عطف على الموضع أو على النشوء» فان كان عطفا على الموضع كان المعنى يعلم اللّه تعالى سفادها و الحدب على نسلها. آه. و ان كان عطفا على النشوء كان المعنى يعلم موضع شهوة السفاد و موضع الحدب على النسل، و فيه تكلف و لا يمكن فى قوله بعد ذلك «و نقلها الطعام و الشراب» الا أن يقال الموضع مصدر ميمى أى يعلم وجود هذه الامور، و الحاصل أن اللّه تعالى ركب فى الحيوان قوى لحفظ شخصه و إليه أشار بقوله (ع) «موضع النشوء و العقل» و قوى لحفظ نسله و بقاء نوعه و إليه أشار بقوله «و الشهوة للسفاد» فذكر (ع) أربعة امور لها دخل فى حفظ النوع ليتنبه للباقى. الاول الشهوة، و الثانى الحدب على النسل، فكل حيوان يخطر بنفسه لحفظ أولاده بما هو عجيب، ذكره أصحاب هذا الفن، الثالث قيام بعضها على بعض كالذكور على الاناث لحفظها كما فى الحمامة أو قيام الملكة و العمال فى النحل كل على وظيفة لحفظ نوعها، الرابع نقل الطعام و الشراب الى أولادها و هذا كله بالهام اللّه تعالى. (ش)

26

..........

____________

بذلك تفاؤلا بالسلامة من الفوز و هو الظفر و النجاة. و الأودية جمع الوادي على غير قياس لأنّ الفاعل لا يجمع على الافعلة قياسا و إنّما يجمع عليها الفعيل فكأنّها جمع ودي مثل سري و أسرية للنهر. و القفار جمع القفر و هو مفازة لا نبات فيها و لا ماء

(فعلمنا أن خالقها لطيف)

(1) أي عالم بالأشياء اللّطيفة الصغيرة و الامور الدّقيقة الحقيرة لضرورة أنّ خلقها لا يتصوّر بدون العلم بها

(بلا كيف)

(2) أي بلا علم زائد عليه (1) قائم به أو بلا كيف مطلقا لضرورة أنّ حصول الكيف له يوجب إمكانه و نقصانه و الممكن الناقص في حدّ ذاته لا يصدر عنه مثل هذا الخلق العجيب و الصنع الغريب

(و إنّما الكيفيّة للمخلوق المكيّف)

(3) أي للمخلوق الّذي بناه على اتّصافه بالكيفيّات و الصفات الزّائدة عن ذاته و لذلك كان في مرتبة ذاته خاليا عن جميع الكمالات مستعدّا لها استعدادا قريبا أو بعيدا، و أمّا الخالق الكامل من جميع الجهات فليس له استعداد للصفات أصلا تعالى عن ذلك علوّا كبيرا

(و كذلك سمّينا ربّنا قويا لا بقوّة البطش المعروف من المخلوق)

(4) و هو الأخذ الشديد عند ثوران الغضب و التناول عند الصولة و قيل: البطش قوّة التعلّق بالشيء و أخذه على الشدّة، و إضافة القوّة إليه على الأوّل لاميّة و على الثاني بيانيّة، و إنّما قال: البطش المعروف من المخلوق لأنّ البطش قد يطلق عليه سبحانه باعتبار معنى آخر و هو العذاب كما قال: «إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ»

(و لو كانت قوّته قوّة البطش المعروف من المخلوق لوقع التشبيه)

(5) بينه و بين المخلوق في البطش بهذا المعنى و فيما يتوقّف عليه البطش من القوى الجسمانيّة مثل القوّة الغضبيّة و الشهويّة و لواحقهما

(و لاحتمل الزّيادة)

(6) لأنّ القوّة الجسمانيّة قابلة للزّيادة إلى حدّ معيّن قطعا، و لأنّ قوّة بطش الرّبّ وجب أن تكون زايدة على قوّة بطش المخلوق

(و ما احتمل الزّيادة احتمل النقصان)

(7) ضرورة أن نصفه و ربعه أنقص منه، و لأنّ ما يحتمل الزّيادة يندرج تحت الكمّ المتّصل مثل المقادير أو المنفصل مثل العدد، و كلّ واحد منهما محتمل للنقصان

____________

(1) قوله «بلا علم زائد عليه» بل الظاهر أن معنى اللطيف ليس بمعنى رقة القوام كالهواء، فنعترف بأنه لطيف و لا نعلم كيفيته كما نعلم كيفية لطف الماء و الهواء. (ش)

27

..........

____________

كما هو محتمل للزّيادة

(و ما كان ناقصا كان غير قديم)

(1) (1) لأنّ القديم كامل من جميع الجهات فما كان ناقصا في ذاته أو في وجوده أو في صفاته كان مفتقرا في استكماله إلى الغير و كلّ مفتقر ممكن و كلّ ممكن حادث

(و ما كان غير قديم كان عاجزا)

(2) و ما كان عاجزا لا يصلح أن يكون مبدءا لجميع الموجودات، أمّا الثاني فظاهر، و أمّا الأوّل فلأنّ كلّ ما كان غير قديم كان حادثا و كلّ ما كان حادثا كان عاجزا مقهورا بين يدي من أحدثه فقد ثبت من هذه المقدّمات أنّ الرّبّ المبدأ لجميع الخلق لا يجوز أن تقع المشابهة بينه و بينهم بوجه من الوجوه، كما أشار إليه بقوله:

(فربّنا تبارك و تعالى لا شبه له)

(3) يدلّ عليه أيضا أنّه تعالى ليس بجنس فيعادله الأجناس، و لا بفصل فيشابهه الفصول، و لا بشبح فيضارعه الأشباح، و لا بعرض فيماثله الأعراض، و لا بمخلوق فيقع عليه الصفات و لا بمنعوت فيشاركه سائر الذّوات

(و لا ضدّ له)

(4) يدلّ عليه أيضا أنّ ربّنا خالق الأضداد كلّها فلو كان له ضدّ لكان هو ضدّا لضدّه فيكون خالقا لنفسه و لضدّه و ذلك محال، و أيضا المضادّة من الامور الإضافية الّتي تتوقّف على وجود الغير فلو كان له ضدّ لكان وجوده تعالى متعلّقا بوجود غيره (2) فلا يكون واجب الوجود هذا خلف

(و لا ندّ)

(5) الندّ بالكسر مثل الشيء في الحقيقة الّذي ينادّه أي يخالفه في اموره من ندّ البعير إذا نفر و استعصى و ذهب على وجهه شاردا

(و لا كيف و لا نهاية)

(6) الكيفيّات حالات و صفات عارضة لشيء ما و قد عرفت مرارا أنّه تعالى لا يحلّ فيه شيء و لا يتّصف بصفات، و النهاية غاية لامتداد يقف عندها و لا امتداد فيه جلّ شأنه

(و لا بصّار بصر)

(7) لاستحالة أن يكون له قوّة باصرة يبصر بها المبصرات، و في بعض النسخ «و لا ببصّار ببصر» بزيادة الباء على البصّار و البصر، و في بعضها «و لا تبصار بصر» على صيغة التفعال و إضافته إلى بصر

(و محرّم على القلوب أن تمثّله)

(8) مثّله تمثيلا صوّره حتّى كأنّه ينظر إليه، و كلّ من مثّله فقد ألحد عنه إذ كلّ ما له مثل فليس هو الواجب لذاته لأنّ المثليّة إن تحقّقت من كلّ وجه

____________

(1) قوله «ما كان ناقصا كان غير قديم» أى كان مخلوقا و ما ليس بمخلوق لا بدان يكون كاملا. (ش)

(2) و يأتى ان شاء اللّه بيانه. (ش)

28

..........

____________

فلا تعدّد و إن تحقّقت في تمام الحقيقة لزم تعدّد الواجب، و إن تحقّقت في جزءها لزم تركيبه، و إن تحقّقت في عارض لزم حلول العرض فيه و كلّ ذلك محال

(و على الأوهام أن تحدّه)

(1) إذ ليس له ذاتيّات و لا نهايات فلا يجري فيه الحدّ العرفي و اللّغوي أصلا

(و على الضمائر أن تكوّنه)

(2) أي تتصوّر هويّته و مائيّته اللائقة به إذ تضلّ الضمائر في أمواج تيّار إدراك ذاته و تكلّ البصائر عن مشاهدة عظمة وجوده و صفاته

(جلّ و عزّ عن أدات خلقه)

(3) لعلّ الأدات بفتح الهمزة و هي الآلة مثل السامعة و الباصرة و اللّامسة و غيرها من القوى الحيوانيّة المشهورة و غير المشهورة، فإن قلت: مدّ التاء في الأدات يمنع أن يراد منها الآلة لأنّ الأداة بمعنى الآلة إنّما هي بالتاء المدوّرة. قلت الأمر فيه هيّن سيّما إذا كان المقصود رعاية المناسبة بينها و بين السمات، و قال سيّد المحقّقين الأدات هنا بكسر الهمزة بمعنى اثقال الخلق و احماله و هي الصفات و الهويّات الزّائدة و الماهيّات و الأنيّات الفاقرة و الكمّيّات و الكيفيّات الباطلة في حدّ ذواتها، أو بمعنى اثقال المخلوقات و اتعابها إيّاه في خلقها و إعطائها مؤن الوجود و كمالاته، و هي جمع إدة بكسر الهمزة و تخفيف الدّال المهملة المفتوحة، إمّا اسم الحاصل بالمصدر أو مصدر و أده يئده، و الجمعيّة بحسب تكثّر المضاف إليه، إذ المعنى المصدري يتكثّر له حصص بتكثّر ما يضاف إليه و إن لم يكن يتصوّر له حصص متكثّرة بحسب نفسه لا من تلقاء الإضافة و أصلها الوأد و هو الثقل كما أنّ عدات جمع عدة و أصلها الوصف، أو هي بالكسر أيضا جمع الأديّ بفتح الهمزة و كسر الدّال المهملة و تشديد الياء المثنّاة من تحت بمعنى الاهبة، أو هي بالكسر لفظة مفردة معناها المعونة و هي في الأصل مصدر آديته إذا أعنته. هذا كلامه مع تغيير يسير فتأمّل فيه

(و سمات بريّته)

(4) السمات جمع سمة و هي علامة يعرف بها، يعني أنّه جلّ و عزّ عن علامات بريّته و خواصّها من الاين و الأينيّات و الكيف و الكيفيّات و الأشباح و سائر الصفات و الحيثيّات التابعة لطبيعة الإمكان و الناشئة من القوى الجسمانيّة و التصرّفات النفسانيّة في الحيوان

(و تعالى عن ذلك علوّا كبيرا)

(5) لاستحالة المماثلة بينه و بين خلقه في شيء من الامور المذكورة و إلا لما كان بينه

29

..........

____________

و بينهم فصل و لا له عليهم فضل فيستوي الصانع و المصنوع، و يتكافى البديع و المبتدع.

و هو باطل بالضرورة العقليّة، و التنبيهات النقليّة، و البراهين الشرعيّة.

[الحديث الثامن]

«الأصل»

8- «عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عمّن ذكره، عن» «أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رجل عنده: اللّه أكبر فقال: اللّه أكبر من أيّ شيء؟» «فقال: من كلّ شيء، فقال: أبو عبد اللّه (عليه السلام): حدّدته فقال: الرّجل: كيف أقول؟» «قال: قل: اللّه أكبر من أن يوصف».

«الشرح»

(عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رجل عنده: اللّه أكبر فقال: أكبر من أيّ شيء)

(1) الغرض استعلام حاله هل يعلم ذلك أم لا (فقال: من كلّ شيء)

(2) (1) لأنّ عظمته ذاتيّة مطلقة فاذا اعتبرت

____________

(1) قوله «فقال من كل شيء» و ذلك لان الظاهر المتبادر من لفظة أكبر و كل ما هو مشتق من الكبر العظمة الجسمانية و وظيفة المخاطب حمل الكلام على الظاهر المتبادر حتى يثبت خلافه بالدليل، و قد اتفق علماؤنا فى التوحيد على تأويل ما ظاهره يعطى التجسيم و ان كان التأويل على خلاف الاصل، و لا ريب أن الظاهر حجة فيما يتعلق بالعمل و يحصل منه اليقين بضم مقدمة عقلية و هى أن اللّه تعالى لا يمكن أن يريد غير ما يدل عليه ظاهر كلامه مثلا قوله تعالى فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ ظاهره وجوب غسل الوجوه و الايدى بالماء و يحصل اليقين لنا بأنه المراد فانه تعالى حكيم عادل عالم لا يأمر بشيء لا يفهمه المخاطب بخلاف اصول الدين اذ لعله تعالى لم يرد ظاهر كلامه و لا يكون فى عدم فهم المخاطب غائلة و مفسدة فيجب فيه التوقف الى أن يتبين فكان يجب على من سمع قوله تعالى وَ يَبْقىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلٰالِ وَ الْإِكْرٰامِ مثلا أو «يد اللّه مبسوطه» التوقف فى معناه حتى يسمعوه ممن قوله حجة لان الظاهر لا يفيد الا الظن و لا معنى للتعبد به فى اصول الدين الا أن من حصل له الظن وجب عليه أن يكون له الظن و هو تحصيل الحاصل اذ الظن حاصل له قهرا و لا يمكن أن يقال من حصل له الظن وجب عليه اليقين فانه محال لا يتعلق به التكليف (ش)

30

..........

____________

فيه الإضافة لحقته الإضافة على الإطلاق غير مقيّدة ببعض الأشياء دون بعضها

(فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): حددته)

(1) بالتخفيف من الحدّ و بالتشديد من التحديد يعني شرحت عظمته بوجه و جعلتها محدودة متعيّنة بنحو و هو أنّه أكبر من كلّ شيء فإنّ فيه دلالة على أنّ في المفضّل مثل ما في المفضّل عليه من الكبر و العظمة مع زيادة و إن كانت تلك الزّيادة هنا غير متناهية و لا شبهة في أنّ عظمة المفضّل عليه محدودة متناهية، فإذا اعتبرتها في المفضّل فقد حدّدته بأنّ له هذا المقدار من العظمة مع زيادة، و هذا نحو من تحديده و توصيف عظمته و الإحاطة بها

(فقال الرّجل: كيف أقول؟ قال: قل: اللّه أكبر من أن يوصف)

(2) بشيء من الأشياء و بنحو من الأنحاء حتّى التوصيف بأنّه أكبر من كلّ شيء ففي هذه الكلمة الشريفة تنزيه كلّي له بوصف من الأوصاف و نعت من النعوت و حدّ من الحدود، و بالجملة تفسير السائل إشارة إلى أنّا وجدنا عظمته فوق عظمة غيره على الاطلاق و هذا لا يخلو من تحديد عظمته بوجه ما و لو بفرض العقل، و تفسيره (عليه السلام) إشارة إلى عجز العقل عن إدراك عظمته و غيرها من الصفات و عن توصيفه بشيء منها و بينهما بون بعيد، قال أبو عبد اللّه الآبي- و هو من أعاظم علماء العامّة- في كتاب إكمال الإكمال:

و اختلف في اللّه أكبر فقيل: أنّ أكبر بمعنى كبير، و قيل: أنّه على بابه و المعنى أكبر من أن يدرك كنه عظمته.

[الحديث التاسع]

«الأصل»

9- «و رواه محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن مروك بن عبيد،» «عن جميع بن عمير قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أيّ شيء اللّه أكبر؟ فقلت: اللّه» «أكبر من كلّ شيء، فقال: و كان ثمّ شيء فيكون أكبر منه؟ فقلت: و ما هو» «قال: اللّه أكبر من أن يوصف».

«الشرح»

(و رواه)

(3) أي روى مضمون الحديث المذكور

(محمّد بن يحيى، عن أحمد

31

..........

____________

ابن محمّد بن عيسى، عن مروك بن عبيد، عن جميع بن عمير قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) أيّ شيء اللّه أكبر؟)

(1) الغرض تنبيه المخاطب على الخطاء و إرشاده إلى الصواب

(فقلت اللّه أكبر من كلّ شيء فقال)

(2) على سبيل الإنكار

(و كان ثمّ)

(3) أي في مرتبة ذاته الحقّة و رتبته السابقة، أو في الأزل أو في نفس الأمر

(شيء فيكون أكبر منه)

(4) و الحاصل أنّ اللّه أكبر في مرتبة ذاته و في الأزل و في نفس الأمر و لا يصحّ التفسير المذكور أعني من كلّ شيء بوجه من هذه الوجوه، أمّا على الأوّلين فلأنّه لم يكن في مرتبة ذاته المقدّسة و لا في الأزل شيء حتّى يتصوّر قياسه به و يقع فيه معنى التفضيل، و أمّا على الآخر فلأنّه تعالى شأنه هو الحقّ الثابت بذاته و في نفس الأمر و كلّ «ما سواه فهو باطل صرف و هالك محض بذاته فلا ينبغي أن يقاس الحقّ الثابت على الباطل الصرف و يفضّل عليه لانتفاء النسبة بينهما

(فقلت فما هو)

(5) أي أيّ شيء اللّه أكبر

(قال: اللّه أكبر من أن يوصف)

(6) لأنّه محرّم على نوازع ثاقبات الفطن توصيفه و على عوامق نافذات الفكر تكييفه، و على غوائص سابحات النظر تصويره، و على لطائف الأوهام تكنيه، و على ثواقب الأفهام أن تستغرقه، و على مشاعر الأذهان أن تمثّله قد يئست عن الإحاطة به طوامح العقول و نضّت عن الإشارة إليه بحار العلوم.

[الحديث العاشر]

«الأصل»

10- عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن هشام» «ابن الحكم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن سبحان اللّه فقال: أنفه للّه».

«الشرح»

(عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن هشام بن الحكم «قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن سبحان اللّه فقال: أنفة للّه)

(7) أنف من الشيء يأنف من باب علم أنفا و أنفة بفتح الهمزة و النون فيهما إذا استنكف عنه و كرهه و شرف

32

..........

____________

نفسه عنه و المعنى استنكافه تعالى عمّا لا يليق به و تنزّهه عمّا لا يجوز له و تقدّسه عن كلّ ما يغاير ذاته و هو عبارة عن التنزيه المطلق.

[الحديث الحادي عشر]

«الأصل»

11- «أحمد بن مهران، عن عبد العظيم بن عبد اللّه الحسني، عن عليّ بن» «أسباط، عن سليمان مولى طربال عن هشام الجواليقي قال: سألت أبا عبد اللّه» «(عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ: «سُبْحٰانَ اللّٰهِ»* ما يعني، به؟ قال تنزيهه.»

«الشرح»

(أحمد بن مهران، عن عبد العظيم بن عبد اللّه الحسني، عن عليّ بن أسباط، عن سليمان مولى طربال، عن هشام الجواليقي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه سبحان اللّه ما يعني به، قال: تنزيهه)

(1) عن النقايص و المعايب و غيرهما ممّا لا يليق بجناب الحقّ و ساحة القدس مثل الضدّ و الندّ و الشريك و النظير و التشابه بالخلق و الاتّصاف بالصفات و التكيّف بالكيفيّات و إنّما حذف متعلّق التنزيه للدّلالة على التعميم.

[الحديث الثاني عشر]

«الأصل»

12- «عليّ بن محمّد، و محمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد؛ و محمّد بن يحيى،» «عن أحمد بن محمّد بن عيسى جميعا، عن أبي هاشم الجعفري قال: سألت أبا جعفر» «الثاني (عليه السلام): ما معنى الواحد، فقال: إجماع الألسن عليه بالوحدانيّة كقوله» «تعالى، «لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللّٰهُ».

«الشرح»

(عليّ بن محمّد؛ و محمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد؛ و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى جميعا، عن أبي هاشم الجعفري قال: سألت أبا جعفر الثاني

33

..........

____________

(عليه السلام) ما معني الواحد)

(1) سأل عن تفصيل معناه و تفسير مغزاه

(فقال: إجماع الألسن عليه بالوحدانيّة)

(2) (1) أي تفرّده بالالهيّة و وجوب الوجود و سائر ما يختصّ به و إنّما أجاب بالمشتقّ منه مع أنّ السؤال عن المشتقّ لأنّ المشتق لا يمكن معرفته إلّا بمعرفة المشتقّ منه، و المراد بإجماع الألسن إجماع الألسن المقاليّة على سبيل الاختيار و الاضطرار أو إجماع الألسن الحاليّة بنطق العجز و الافتقار

(كقوله: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللّٰهُ)

(3) انطباقه على الاحتمال الأوّل ظاهر لأنّ الظاهر أنّهم كانوا يقولون ذلك بلسان المقال على تقدير السؤال، و سرّ ذلك أنّ اللّه تعالى وهب كلّ نفس قسطا من معرفته حتّى نفوس الجاحدين له فإنّها أيضا معترفة بوجوده و وحدانيّته و إيجاده لهم لشهادة أعلام وجوده و آيات صنعه في أنفسهم على ذلك بحيث تحكم صراحة عقولهم بالحاجة إلى صانع حكيم و خالق عليم و تقرّ

____________

(1) قوله «اجماع الالسن عليه» هنا مسئلتان الاولى عن معنى الواحد، و الثانية الدليل عليه و ظاهر السؤال أنه عن المعنى و تفسير الشارح يدل على أنه بصدد الاستدلال على اثبات هذه الصفة. اشكال آخر و هو أن اتفاق العقول و اجماع الالسن على وجود اللّه تعالى ليس دليلا على وحدته كيف و أكثر الناس مشركون و ليس من شأن الامام الاستدلال على التوحيد باجماع الناس فالاوضح ارجاع الجواب الى بيان معنى الوحدة ليستقيم المعنى و لا يرد عليه الاشكال.

و ذلك بان يقال ليس معنى الوحدة فى صفته تعالى الوحدة العددية المتبادرة الى الاذهان اذ ليس هو تعالى واحدا من الموجودات حتى يكون له ثان و ثالث بل هو الموجود الحقيقى ليس غيره موجودا الا غير مستقل بنفسه و حينئذ فيكون معنى الوحدة عين معنى التشخص فان حقيقته تعالى عين حقيقة الوجود و الوجود عين التشخص، و التشخص بمعنى عدم احتمال تعدد الافراد لان هذا الاحتمال لا يتطرق إلا في ماهية كلية و ليس وجوب الوجود ماهية كلية و اذا كان كذلك فلا يمكن أن يشير أحد الى فرد منه و آخر الى فرد آخر، بل كل الناس يشير الى فرد واحد كما فى كل مشخص أ لا ترى أن المسيح (ع) رجل متشخص بعينه فكل من تلفظ بلفظ المسيح اراد ذلك الواحد بعينه بخلاف ما اذا تلفظ بلفظ النبي فانه يمكن أن يريد أحد به موسى (ع) و الاخر عيسى (ع) و معنى الوحدة فيه تعالى أنه متشخص بذاته و كل من تلفظ بلفظ اللّه أو تصور معناه فانما يشير الى ذلك الواحد بعينه و ان كان مشركا. (ش)

34

..........

____________

باللّسان عند الاضطرار و الشدائد و الكربات كما تشهد به التجربة و الآيات و الرّوايات و أمّا على الاحتمال الثاني فيحتاج إلى تأويل ذكره بعض المحقّقين و هو أنّهم يقولون ذلك بألسنة ماهيّاتهم و إنّيّاتهم الشاهدة على أنفسهم باللّيسيّة و البطلان، و لخالقهم بالقيّوميّة و السلطان، و إن أنكرت ألسنة أفواههم و جحدت أفواه جثّتهم.

باب آخر (و هو من الباب الاول)

(هو من الباب الأوّل)

(1) المذكور فيه معاني الأسماء و اشتقاقها.

(إلّا أنّ فيه زيادة و هو الفرق)

(2) تذكير الضمير باعتبار الخبر

(ما بين المعاني الّتي تحت أسماء اللّه و أسماء المخلوقين)

(3) ليرتفع الاشتراك المعنوي بينه و بينهم و ينتفي التشابه بالكليّة.

[الحديث الأول]

«الأصل»

1- «عليّ بن إبراهيم عن المختار بن محمّد بن المختار الهمداني و محمّد بن الحسن» «عن عبد اللّه بن الحسن العلوي جميعا عن الفتح بن يزيد الجرجاني، عن أبي-» «الحسن (عليه السلام) قال: سمعته يقول: وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ... السَّمِيعُ الْبَصِيرُ* الواحد» «الأحد الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ لو كان كما يقول» «المشبّهة لم يعرف الخالق من المخلوق و لا المنشئ من المنشأ لكنّه المنشئ» «فرّق بين من جسّمه و صوّره و أنشأه إذ كان لا يشبهه شيء و لا يشبه هو شيئا؛ قلت:» «أجل جعلني اللّه فداك لكنّك قلت: الأحد الصمد و قلت: لا يشبهه شيء و اللّه واحد» «و الانسان واحد أ ليس قد تشابهت الواحدانيّة؟ قال: يا فتح أحلت ثبّتك اللّه» «إنّما التشبيه في المعاني، فأمّا في الأسماء فهي واحدة و هي دالّة على المسمّى» «و ذلك أنّ الانسان و إن قيل: واحد فانّه يخبر أنّه جثّة واحدة و ليس باثنين»

35

«و الانسان نفسه ليس بواحد لأنّ أعضاءه مختلفة و ألوانه مختلفة و من ألوانه مختلفة» «غير واحد و هو أجزاء مجزّاة، ليست بسواء، دمه غير لحمه و لحمه غير دمه، و عصبه» «غير عروقه، و شعره غير بشره، و سواده غير بياضه و كذلك سائر جميع الخلق،» «فالانسان واحد في الاسم و لا واحد في المعنى و اللّه جلّ جلاله هو واحد لا واحد» «غيره لا اختلاف فيه و لا تفاوت و لا زيادة و لا نقصان، فأمّا الانسان المخلوق المصنوع» «المؤلف من أجزاء مختلفة و جواهر شتّى غير أنّه بالاجتماع شيء واحد قلت:» «جعلت فداك فرّجت عنّي فرّج اللّه عنك، فقولك: اللّطيف الخبير فسّره لي كما» «فسّرت الواحد فانّي أعلم أنّ لطفه على خلاف لطف خلقه للفصل، غير أنّي احبّ» «أن تشرح ذلك لي فقال: يا فتح إنّما قلنا: اللّطيف لخلق اللّطيف و لعلمه بالشيء» «اللّطيف أو لا ترى وفّقك اللّه و ثبّتك إلى أثر صنعه في النبات اللّطيف و غير اللّطيف و من» «الخلق اللّطيف و من الحيوان الصغار و من البعوض و الجرجس و ما هو أصغر منها» «ما لا يكاد تستبينه العيون بل لا يكاد يستبان لصغره الذّكر من الاثني و الحدث المولود» «من القديم، فلمّا رأينا صغر ذلك في لطفه و اهتدائه للسفاد و الهرب من الموت» «و الجمع لما يصلحه و ما في لجج البحار و ما في لحاء الأشجار و المفاوز و القفار» «و إفهام بعضها عن بعض منطقها و ما يفهم به أولادها عنها و نقلها الغذاء إليها ثمّ» «تأليف ألوانها حمرة مع صفرة و بياض مع حمرة و أنّه ما لا يكاد عيوننا تستبينه» «لدمامة خلقها لا تراه عيوننا و لا تلمسه أيدينا علمنا أنّ خالق هذا الخلق لطيف» «لطف بخلق ما سمّيناه بلا علاج و لا أداة و لا آلة و أنّ كلّ صانع شيء فمن شيء» «صنع و اللّه الخالق اللّطيف الجليل خلق و صنع لا من شيء».

«الشرح»

____________

(عليّ بن إبراهيم، عن المختار بن محمّد بن المختار الهمداني، و محمّد بن الحسن، عن عبد اللّه بن الحسن العلويّ جميعا عن الفتح بن يزيد الجرجاني، عن أبي الحسن (عليه السلام))

(1) قال: العلامة: الفتح بن يزيد الجرجاني صاحب المسائل لأبي الحسن (عليه السلام) و

36

..........

____________

اختلفوا فيه (1) أنّه هو الرّضا أو الثالث (عليهما السلام) و الرّجل مجهول و الإسناد إليه مدخول. و قيل: المراد به إمّا الرّضا (عليه السلام) كما يلوح من كتاب التوحيد للصدوق و إمّا الثالث كما يلوح من كشف الغمّة.

أقول: و قد نقل الصدوق- (رحمه اللّه)- في كتاب عيون أخبار الرّضا (عليه السلام) هذا الحديث بهذا السند عن الرّضا (عليه السلام)

(قال: سمعته يقول: وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ*)

(1) يعني هو اللّطيف بدقائق الأشياء و الخبير بحقايقها

(السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)*

(2) يعني هو السميع للأصوات الخفيّة من الحيوان الصغار في لجج البحار (2) و بطون القفار و البصير للأشياء الدقيقة ممّا لا يكاد يدرك بلحظ العيون و طرف الأبصار

(الواحد الأحد الصَّمَدُ)

(3) يعني هو الواحد المطلق الّذي لا تعدّد فيه ذاتا و صفة و الأحد المستنكف عن الشريك و النظير و الصمد الّذي يلوذ به جمع الكائنات و يرجع إليه جميع الممكنات

(لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ)

(4) يعني لم يكن له ولد و زوجة و لم يكن له ولد و أمّ لتنزّهه عن لواحق الشهوة و توابع الجسم و خواصّ الإمكان و معايب الافتقار و سمات الحدوث

(وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ)

(5) المقصود نفي إمكان وجود الكفو له لا بيان عدم وجوده مع إمكانه

(و لو كان كما تقول المشبّهة لم يعرف الخالق من المخلوق و لا المنشي من المنشأ)

(6) إذ لو وقع التشابه بين الواجب و الممكن فان دخل الممكن في حدّ الواجب لزم أن يكون الممكن واجبا خالقا و إن دخل الواجب في حدّ الممكن

____________

(1) قوله «و اختلفوا فيه» روايته عن الرضا و عن الهادى (عليهما السلام) ممكن محتمل اذ لا يبعد بقاؤه من زمن الرضا «ع» الى عصر الهادى (ع) و لم يكن الفاصلة بين قتل الرضا (ع) و إمامة الهادى (ع) الا عشرين سنة و فتح بن يزيد مجهول الحال و راويه مختار بن محمد بن مختار غير مذكور فى الرجال و انما ذكروا مختار بن بلال أو هلال ابن مختار و أما ابن محمد بن مختار فكان متأخرا عن الشيخ الطوسى (ره) ذكره الشيخ منتجب الدين فى الفهرست و يوجد رواية الفتح بن يزيد عن الرضا صريحا فى كثير من أبواب الفقه يطلب من مظانه. (ش)

(2) قوله «فى لجج البحار» فيه تعسف اذ ليس لحيوان الماء صوت. (ش)

37

..........

____________

لزم أن يكون الواجب ممكنا مخلوقا، و على التقديرين يقع الاشتباه بين الخالق و المخلوق و لم يتميّز أحدهما عن الآخر. و في كتابي التوحيد و عيون أخبار الرّضا (عليه السلام) للصدوق رضي اللّه عنه هكذا «و لم يكن كفوا أحد منشئ الأشياء و مجسّم الأجسام و مصوّر الصور لو كان كما تقول المشبهة» و في العيون «لو كان كما يقولون لم يعرف الخالق من المخلوق- إلى آخر الحديث»

(لكنّه المنشئ)

(1) وحده لا يشاركه في الابداع و الإنشاء أحد و كلّ ما سواه منشأ مخلوق

(فرّق بين من جسّمه و صوّره و أنشأه)

(2) أي فرّق بين مجعولاته و ميّز بين مخلوقاته بأن جعل بعضها جسما و بعضها صورة و بعضها غير ذلك، و ميّز أيضا بين الأجسام و الصور بحيث لا يشتبه شيء منها بما يماثله من نظائره

(إذ كان لا يشبهه شيء و لا يشبه هو شيئا)

(3) «إذ» متعلق بفرّق و ظرف له يعني أنّ الفرق المذكور وقع في وقت لم يكن معه عزّ شأنه في ذلك الوقت شيء حتّى يقع بينهما التشابه و التماثل و إذا لم يكن التشابه واقعا في ذلك الوقت لا يجوز أن يقع في وقت من الأوقات و إلّا لزم النقص فيه جلّ و عزّ و أنّه محال

(قلت: أجل جعلني اللّه فداك)

(4) أجل بفتح الهمزة و الجيم و سكون اللّام من حروف التصديق لأنّ المخاطب يصدّق بها ما يقوله المتكلّم

(لكنّك قلت: الأحد الصمد و قلت: لا يشبه شيء و اللّه واحد و الإنسان واحد أ ليس قد تشابهت الوحدانيّة؟)

(5) توهّم من قلّة التدبّر أنّ كلامه (عليه السلام) مشتمل على التناقض، ثمّ الاستفهام إن كان على حقيقته فالأمر فيه سهل لأنّ الغرض منه استعلام مجهول، و إن كان للتقرير أو التوبيخ ففيه سوء أدب بل كفر

(قال: يا فتح أحلت ثبّتك اللّه)

(6) أي تكلّمت بالمحال أو هل تحوّلت و انتقلت عن عقيدتك على أن تكون الهمزة للاستفهام و الدّعاء بالتثبّت يناسب كلا الاحتمالين

(إنّما التشبيه في المعاني)

(7) هذا الحصر ممّا اتّفق عليه أرباب العربيّة و أصحاب اللّسان سواء اريد بالمعاني طرفا التشبيه أو أريد بها الجامع بينهما

(فأمّا في الأسماء فهي واحدة و هي دلالة على المسمّى)

(8) في بعض النسخ «دالّة» و في بعضها دليل و لا يرد أنّ اشتراك الأسماء يوجب الاشتراك و التشابه في المعنى فإنّ كون كلّ واحد منهما صاحب هذا الاسم و مسمّى به معنى مشترك بينهما فيقع التشبيه بذلك المعنى

38

..........

____________

لأنّ هذا المعنى أمر اعتباري لا تحقّق له بوجه، و اعتباره و عدم اعتباره لا يوجب تغيّر الذّات أصلا

(و ذلك)

(1) إشارة إلى ما علم سابقا و هو أنّه لا تشبيه في المعنى

(إنّ الإنسان و إن قيل واحد فإنّه)

(2) (1) أي فإنّ القائل

(يخبر)

(3) بقوله واحد

(انّه جثّة واحدة)

(4) الجثّة شخص الإنسان

(و ليس باثنين)

(5) يعني أنّ الواحد إذ اطلق على الإنسان يراد به الواحد العددي الّذي هو نصف الاثنين و مبدأ الكثرة و جزء لمراتب الأعداد الغير المتناهية، و المسمّى به بهذا المعنى لا ينافيه التركيب و التأليف و التجزئة و الايتلاف بماهية و إنّيّة و صفة و كيفيّة و هيئة و أينيّة كما أشار إليه بقوله

(و الانسان نفسه ليس بواحد)

(6) يعني اسمه واحد لا نفسه و شخصه

(لأنّ اعضاؤه مختلفة)

(7) كالرأس و اليد و الرّجل و الاذن و الأنف إلى غير ذلك

(و ألوانه مختلفة)

(8) كالبياض و السواد و الحمرة و الصفرة و الكدرة إلى غير ذلك

(و من ألوانه مختلفة غير واحد)

(9) في الكلام حذف بقرينة المقام أي و من أعضاؤه و ألوانه مختلفة ليس بواحد، كيف

(و هو أجزاء مجزّاة ليست بسواء دمه غير لحمه، و لحمه غير دمه، و عصبه غير عروقه، و شعره غير بشرته، و سواده غير بياضه)

(10) إنّما اقتصر على الأعضاء الظاهرة الّتي لا جواز لإنكارها لكون دلالتها على التركيب أظهر و إلّا فالإنسان أيضا ماهيّته غير إنّيّته، و نفسه غير ماهيّته، و ذاته غير صفاته، و قواه غير ذاته، و جنسه غير فصله، و فصله غير تشخّصاته

(و كذلك سائر جميع الخلق)

(11) ذكر السائر مع

____________

(1) قوله «ان الانسان و ان قيل أنه واحد» الوحدة على أقسام: الاول الواحد المجازى و هو اشتراك الاثنين أو أكثر فى معنى واحد كان يقال الانسان مع الحمار واحد اى متحد فى الحيوانية، و السواد و البياض واحد أى مشتركان فى كونهما عرضا أو لونا و يشمل التجانس و التماثل و التساوى و التشابه و التناسب و التوازى و غيرها و هى بالترتيب الاشتراك فى الجنس و النوع و الكم و الكيف و النسبة و الوضع و غيرها و هذه كلها اقسام الواحد المجازى، القسم الثانى الواحد الحقيقى اى الحقيقى بحسب اللغة يشمل الوحدة الحقة أى الواحد الّذي صفته عين ذاته و هو اللّه تعالى و الوحدة غير الحقة أى الّذي صفته زائدة كالنقطة و الواحد العددى و المفارق مما موضوعه لا يقبل القسمة و كالجسم الواحد و الانسان الواحد مما موضوعه يقبله و فى جميعها شوب كثرة و لو من ماهية و وجود (ش)

39

..........

____________

الجميع للمبالغة في جريان هذا الحكم في جميع المخلوقات بحيث لا يشدّ منها شيء حتّى البسائط فإنّها أيضا مركّبة من جنس و فصل و من ماهيّة و إنّيّة و صفات و كيفيّة

(فالانسان واحد في الاسم و لا واحد في المعنى)

(1) لما عرفت أنّه مركّب من الأمور المذكورة فهذا نتيجة للسابق

(و اللّه تعالى هو واحد لا واحد غيره)

(2) لأنّ الواحد إذا اطلق عليه سبحانه يراد به أنّه واحد من جميع الجهات لا تركيب فيه و لا تجزئة و لا تأليف من جنس و فصل و ماهيّة و إنّيّة و صفة و كيفيّة فهو الواحد الحقيقي الّذي لا تكثّر فيه أصلا لا في الذّات و لا في مرتبة الذّات و لا بعد الذّات، و هو متفرّد بالواحد بهذا المعنى لا يشاركه أحد من الممكنات إذ شيء منها لا يخلوا من تعدّد و تكثّر، و من ثمّ اشتهر أنّ عالم الامكان عالم الكثرة، لا يوجد فيه معنى الوحدة أصلا

(لا اختلاف فيه و لا تفاوت)

(3) أي لا اختلاف في ذاته لانتفاء التركيب و لا تفاوت بين ذاته و صفاته لانتفاء الزّيادة

(و لا زيادة و لا نقصان)

(4) لامتناع اتّصافه بالجسميّة و المقدار

(فأمّا الانسان المخلوق المصنوع المؤلف من أجراء مختلفة و جواهر شتّى غير أنّه بالاجتماع شيء واحد)

(5) الظاهر أنّ قوله من أجزاء مختلفة متعلّق بالمؤلف و أنّ المؤلف خبر المبتدأ و هو الانسان و أنّ «المخلوق المصنوع» صفة للانسان يعني أن الانسان المخلوق المصنوع مؤلف من أجزاء مختلفة كما عرفت و من جواهر شتّى و هي الجنس و الفصل و غيرهما فليس بواحد في الحقيقة و إنّما صار باجتماع هذه الأجزاء شيئا واحدا عدديّا، و إنّما قلنا الظاهر ذلك لأنّه يحتمل أن يكون متعلّقا بالمصنوع و يكون المصنوع خبر المبتدأ، و يحتمل أيضا أن يكون خبر المبتدأ لكنّه بعيد

(قلت جعلت فداك فرّجت عنّي فرّج اللّه عنك)

(6) (1) قال الجوهري:

____________

(1) قوله «فرجت عنى فرج اللّه عنك» قوله: «فرج اللّه عنك» من التحيات فى تعارف الناس و لم يقصد به غيره. و هذا الّذي اختلج فى ذهن السائل و استشكله حتى رفعه الامام (ع) هو الّذي يختلج فى ذهن أكثر الناس لاشتباه الاشتراك بالتشكيك و لا يسهل عليهم تصور معنى واحد مختلف الافراد فى الكثرة و القلة كما ترى فى اختلاف المتأخرين فى الصحيح و الاعم و تصوير الجامع فى الاصول كالصلاة مختلف أفرادها فى كثرة الاجزاء و الشرائط و قلتها بحسب اختلاف الحالات فى السفر و الحضر و الصحة و المرض و واجد الماء و فاقده، فمفهومها مشكك و ان كان واحدا و ليس مشتركا لفظيا لمفاهيم متكثرة، و كذلك الواحد يطلق على اللّه تعالى و على الممكنات و ليس مشتركا لفظيا و ان كان مشككا فبين الامام (ع) الفرق بين الاشتراك و التشكيك و الحق انها مشتركة معنى و ان اختلفت مصاديقها و نقل الشارح القزوينى عن المحدث الأسترآبادي أنها مشتركة لفظا و ليس بشيء و سيجيء لذلك تتمة فى فى شرح الحديث اللاحق ان شاء اللّه عند اختيار الشارح الاشتراك اللفظى. (ش)

40

..........

____________

الفرج من الغمّ تقول فرّج اللّه غمّك تفريجا و كذلك فرج اللّه غمّك يفرج بالكسر فعلى هذا يجوز في فرجت و فرج اللّه التخفيف و التشديد و المفعول محذوف للدّلالة على التعميم

(فقولك اللّطيف الخبير فسّره لي كما فسّرت الواحد)

(1) (1) على وجه

____________

(1) قوله «اللطيف الخبير فسره لى» يعلم من ذلك أن الغرض من تفسير هذه الاسماء دفع ما يوهم التشبيه و أن لا يعتقد فى اللّه تعالى صفات الاجسام على ما كان عليه أهل الحشو أصحاب الحديث من العامة على مقتضى جمودهم على حمل الالفاظ على الظاهر المتبادر منها كما هو دأبهم و الفرق بين ما يتعلق بالعمل و بين ما يتعلق بالتوحيد و امثاله ان ظاهر الالفاظ فى الفروع و التكاليف حجة بخلاف التوحيد و أمثاله اذ يستحيل على الحكيم تعالى فى الفروع أن يأمر عباده بألفاظ لا يفهمون معناها حتى يمتثلوا أو يدل ظاهرها على خلاف مراده بخلاف ما لا يتعلق بالتكليف و العمل اذ لا يستحيل أن يريد بالالفاظ خلاف ظواهرها و يؤخر بيانها الى وقت آخر و قال علماؤنا فى التكاليف أيضا لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة و يجوز تأخيرها عن وقت الخطاب و على هذا فما لا يتعلق بالعمل يجوز تأخير بيانه مطلقا اذ ليس فيه وقت حاجة الى العمل و على الناس أن يعترفوا بمفادها الواقعى اجمالا و لذلك ترى أن تفسير الاسماء غير متواتر من صدر الاسلام عند جميع فرق المسلمين كتواتر تفسير الصلاة و الصوم و الحج و كان أكثرهم لا يعرفون معانى الواحد و اللطيف و غيره من الصفات، و أما الشارح المولى خليل القزوينى فقال: الغرض من هذا الحديث رد اليهود و الفلاسفة و الزنادقة و بنى العباس و بيان أن فاعل النفوس الناطقة و ما تحت فلك القمر هو اللّه تعالى اللطيف الخبير و ليس له كفو و نظير و أما هؤلاء فقد أثبتوا التجرد لغير اللّه تعالى و نفوذ الإرادة و قالوا ان فاعلنا مجرد صادر بالايجاب من مجرد ... الى آخر ما قال.

و فيه أن اليهود لم يعهد منهم القول بالايجاب بل اللّه تعالى فى مذهبهم فاعل مختار خلق السموات و الارض بإرادته، و أما بنو العباس فمقتضى التدبر و الاعتبار أنهم كسائر الناس من بنى عقيل و بنى تميم و بنى يشكر كان فيهم من العقائد ما كان فى غيرهم لم يختصوا بمذهب و لعل بعضهم كانوا على مذهب الزنادقة و بعضهم على مذهب أهل السنة أو الشيعة، و أما الزنادقة فما كانوا يعترفون بموجود مجرد على ما مر لا بوجود الواجب تعالى و لا العقل و لا النفس و لم يقولوا بايجاب فى العلة و المعلول أصلا بل باختلاط النور و الظلمة بالبخت و الاتفاق و لا يناسب هذا الحديث أقوالهم البتة، و أما الفلاسفة فليسوا على مذهب واحد بل بعضهم سنى و بعضهم شيعى و بعضهم ملحد و كثير منهم من النصارى أو اليهود أو المشركين و انهم و ان اعتقدوا تجرد النفوس و العقول و لكن ليس فى الحديث اشارة الى اعتقادهم أصلا و ليس من مذهبهم الايجاب و الاضطرار فى واجب الوجود و لا فى العقول و انما استفاد الشارح المذكور ذلك بقياس رتبه فى ذهنه من الشكل الثانى هكذا: واجب الوجود علة تامة و لا شيء من الفاعل المختار بعلة تامة انتج واجب الوجود ليس بفاعل مختار. و الكبرى ممنوعة اذ لا يمتنع أن يريد الفاعل المختار صدور الفعل عنه دائما و انحصار العلة التامة فى الفاعل غير الشاعر لفعله المضطر فيه ممنوع جدا. (ش)

41

..........

____________

أزال الشبهة عنّي و انشرح بذلك صدري

(فإنّي أعلم)

(1) على سبيل الإجمال

(أنّ لطفه على خلاف لطف خلقه)

(2) الّذي هو رقّة القوام أو صغر الحجم أو عدم اللّون أو التلطف في الأمر و الرّفق المستندين إلى لين الطبيعة

(للفصل)

(3) بالصاد المهملة أي للفرق الظاهر بينه و بين خلقه فلا يجوز أن يكون لطفه كلطفهم و في بعض النسخ «للفضل» بالضاد المعجمة أي للفضل له سبحانه على خلقه

(غير أنّي احبّ أن تشرح ذلك لي، فقال: يا فتح إنّما قلنا: اللّطيف للخلق اللّطيف)

(4) الخلق مصدر بمعنى الإيجاد و اللّطيف صفة له يعني إنّما قلنا للّه تعالى: إنّه لطيف للإيجاد اللّطيف و إنّما وصف الإيجاد باللّطيف باعتبار تعلّقه بشيء لطيف و لو لم يكن الخلق مصدّرا بحرف التعريف و كان مضافا إلى اللّطيف إضافة المصدر إلى المفعول كما وقع في كتاب عيون أخبار الرّضا (عليه السلام) حيث قال: «إنّما قلنا اللّطيف لخلق اللّطيف» لكان أظهر في إفادة المقصود، و يحتمل أن يكون الخلق بمعنى المخلوق يعني إنّما قلنا: إنّه تعالى لطيف لمكان المخلوق اللّطيف، و محصل الاحتمالين أنّه لطيف باعتبار أنّه خلق

42

..........

____________

خلقا لطيفا مع جميع ما يحتاج إليه في نشوه و بقائه من القوّة السامعة و الباصرة و اللّامسة و غيرها من القوى الظاهرة و الباطنة و أودع جميع ذلك فيه مع صغر حجمه بحيث لا تستبينه أحداق العيون و نواظر الأبصار

(لعلمه بالشيء اللّطيف)

(1) الظاهر أنّه تعليل ثان لتسميته تعالى باللّطيف و في بعض نسخ هذا الكتاب و في كتاب عيون أخبار الرّضا (عليه السلام) «و لعلمه» بالواو و هو الأظهر و إنّما قلنا الظاهر ذلك لأنّه يحتمل أن يكون تعليلا لتسميته تعالى بالخبير لأنّ السائل سأله عن تفسير اللّطيف الخبير جميعا، إلّا أنّ هذا الاحتمال بعيد نظرا إلي ظاهر قوله (عليه السلام): «إنّما قلنا اللّطيف» حيث لم يذكر الخبير، اللّهم إلّا أن يقال: اكتفى بذكر اللّطيف عن ذكر الخبير تعويلا على قرينة السؤال، و لمّا أشار بقول كلّيّ على سبيل الاجمال (1) إلى أنّه تعالى لطيف باعتبار خلقه خلقا لطيفا و علمه بالخلق اللّطيف أراد أن ينبّه على ذكر بعض مخلوقاته اللّطيفة على سبيل التفصيل و يبين لطف صنعه في صغر ما خلقه و أحكم خلقه و أتقن تركيبه و فلق سمعه و بصره و سوّى عظمه و بشره على غاية صغره فقال

(أو لا ترى)

(2) بالواو في أكثر النسخ و في بعضها ألا ترى بدونها

(وفّقك اللّه و ثبّتك)

(3) حذف متعلّق الفعلين للدلالة على تعميمه و شموله للخيرات كلّها

(إلى أثر صنعه في النبات اللّطيف و غير اللّطيف)

(4) قد ذكرنا في المجلد الأوّل من جملة ذلك الاثر ما دلّ على كمال علمه تعالى سبحانه بالاشياء الدّقيقة و الامور الخفيّة و من أراد الاطّلاع عليه على وجه أكمل فليرجع إلى كتاب توحيد المفضّل المنقول عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)

(و من الخلق اللّطيف و من الحيوان الصغار)

(5) الصغار بالضمّ الصغير قال الجوهريّ صغر الشيء فهو صغير و صغار بالضم

(و من البعوض)

(6) البعوض البقّ و الواحدة البعوضة

(و الجرجس)

(7) بكسر جيمين

____________

(1) قوله «على سبيل الاجمال» و هذا الاعتقاد الاجمالى كاف فى تفاصيل أصول الدين اذ لم يكن الراوى قبل أن يجيب الامام (ع) و يفسر له معنى اللطيف ضالا بسبب اجمال الاعتقاد و انما زادت معرفته بسبب التفسير، و كذا التكليف فى جميع ما يشتبه على الانسان من تفاصيل المبدأ و المعاد وجب عليه الاعتراف به اجمالا و ايكال تفسيره و حقيقته الى أهله و الى أن يحين حينه. (ش)

43

..........

____________

بينهما راء ساكنة لغة في القرقس و هو البعوض الصغار فذكره بعد البعوض من باب ذكر الخاصّ بعد العامّ

(و ما هو أصغر منها ما لا يكاد تستبينه العيون (1) بل لا يكاد يستبان لصغره)

(1) الموجب لخفاء الامتياز و تقارب الجثث

(الذّكر من الانثى و الحدث المولود من القديم)

(2) الحدث بالتحريك الحادث و ذلك لغاية صغر القديم بحيث يكون الحادث مثله في الجثّة فلا يتميّز عنه

(فلمّا رأينا صغر ذلك في لطفه)

(3) أي فلمّا رأينا صغر جسمه مع لطف هيئته الّتي عليها صورته و صورة أعضائه، ففي بمعنى مع، و يحتمل الظرفيّة أيضا

(و اهتداءه)

(4) عطف على صغر ذلك أو على لطفه

(للسفاد)

(5) أي نزو الذّكر على الانثى قضاء للشهوة و طلبا للذّة

(و الهرب من الموت)

(6) و ما ذلك إلّا لأنّ له قوّة مدركة للموت و الحياة و منافعهما و مضارّهما و لا يعلم قدر

____________

(1) قوله «ما لا يكاد يستبينه العيون» لما كان الغرض تفهيم معنى اللطيف للمخاطب و الواجب الاستشهاد بحيوان يعترف بوجوده، ذكر (ع) أولا من الحيوان الصغار ما رآه المخاطب و كان من غاية الصغر بمثابة يقرب من أن لا يرى و قد ثبت فى زماننا بمنظارات مكبرة وجود حيوان لا يرى بالبصر اصلا (غير ما يسمى بالميكروب و الجراثيم و ويروس مما هو من خلية واحدة) بل حيوان تام ذى رأس و بدن و جوارح و اشار إليه (ع) بعد ذلك بقوله لا تراه عيوننا و منه عامل الجرب فى الانسان و الحيوان و ذكر الطنطاوى فى المجلد الخامس و العشرين فى الصفحة 136 هذا الحيوان قال هى نوع من العنكبوت فلما ترى بالعين المجردة و هذه تحدث تحت الجلد ثلمة تكون سببا للمرض الّذي ذكرناه و لقد كان الناس من قبل بظنون أن ذلك المرض الجلدى ليس له سبب من خارج، و لقد ثبت الآن ثبوتا قاطعا أن سبب ذلك المرض انما هو وجود هذه الحشرة تحت الجلد. ان ذلك محل المرض الّذي فتكت به تلك الحشرة بما يسمى مرهم الكبريت أو دهن الكبريت كاف لطرد ذلك المرض انتهى. و ما ذكره من العلاج بالكبريت مأخوذ من القدماء و ان نسبه الطنطاوى الى الطب الجديد و خطأ السابقين فقد عد الشيخ فى القانون من خواص الكبريت قلعه للجرب بالجملة هذا حيوان كامل من جنس العناكب رأيت تصويره منه ذكر و انثى و له رأس و أرجل و يسفد و يبيض فى النقب الّذي يحفره على جلد الانسان و كثير من الحيوانات و مع ذلك لا يرى بالبصر لصغره و ربما يجتمع من ضم خمسة من أفرادها ميليمتر واحد. (ش)

44

..........

____________

تلك القوّة و قدر محلها إلا هو

(و الجمع لما يصلحه)

(1) يجمع في الحرّ للبرد و في الصيف للشتاء و في أيّام تمكّنه من الحركة لأيّام عجزه عنها، و هو عارف بقوانين معاشه و نظام أحواله و تدبير وجوده و تحصيل بقائه

(و ما في لجج البحار)

(2) عطف علي ما يصلحه لبيانه و تفسيره، و في كتاب عيون أخبار الرّضا (عليه السلام) «ممّا في لجج البحار» و هو الأظهر في البيان و عطفه على صغر ذلك أيضا محتمل

(و ما في لحاء الأشجار)

(3) اللّحاء بالكسر و المدّ قشر الشجر

(و المفاوز و القفار)

(4) فكلّ و إن كان في غاية الصغر و نهاية الضعف و كمال دقّة ما يقوم به شخصه من العظام و العصب و الأوتار (1) و العروق و الرّباطات و غير ذلك من الأجزاء و الاعضاء الّتي لا يعلم تشريحها إلّا هو، يطلب رزقه و ما يصلح به أمره بإعلام إلهيّ و إلهام ربّاني حيث هيّأ له الصانع القدير و قدّر له العليم الخبير

(و إفهام بعضها عن بعض منطقها)

(5) (2)

____________

(1) قوله «من العظام و العصب و الاوتار» اختص المفسر الطنطاوى بذكر تفاصيل هذه الامور و من أراد الاطلاع عليها فعليه بتفسيره و قد اورد فى تفسير سورة النمل الصفحة 154 و ما بعدها من المجلد الثالث عشر فى وصف عين النملة ما حاصله ان لها خمسة أعين ثلاث بسيطة فى مقدم الرأس و اثنتين مركبتين كل واحدة من مائتى عين على جانبى الرأس و كل واحدة من هذه الاربعمائة تتركب من قرنية و حولها اهداب و تحت القرنية مخروط تحته العدسية كالبلور (و هى التى نسميها الرطوبة الجليدية و فى اصطلاح العامة انسان العين) الى غير ذلك من النسوج كالشبكية و الغشاءات الفاصلة بين كل واحدة و اخرى و اعصاب يصل العين بالدماغ ليدرك الحيوان فما ترى فى صغر هذه الاعضاء مع أن مجموع الاربعمائة لا ترى بالبصر لغاية صغرها (ش)

(2) قوله «و افهام بعض عن بعض منطقها» و ذكر الطنطاوى تفصيلا فى حياة النمل الاجتماعية و منطقها و تربية صغارها لا نستطيع نقلها تفصيلا و مما قال أن الملكة اذا باضت تتجمع النملات العاملات حولها و تحمل البيوض بأفواهها و تمضى بها الى المكان الدافى الّذي أعدته لها و هناك تشرع تعرف البيوض بحسب حجمها فتضع الكبيرات فى صف و الصغيرات فى صف و متى نفقت بيوضها و خرجت تضعها العاملات فى شكل دائرة و تجعل رءوسها الى خارج الدائرة لكى تسهل عليها تغذيتها، ثم ان المربيات تبالغ فى تنظيف أو كارها و لا سيما أو كار الصغار و تضع فى عشوش الصغار نوعا من الاسفنج تصنعه من المواد الناعمة المختلفة فمتى اتسخت خراطيم النملات و علق الوحل على افواهها تسرع المربيات الى هذا الاسفنج و تمسكه و تسمح به افواه الصغيرات و خراطيمها انتهى. و حكى فى الصفحة 144 قصة حرب وقعت بين قريتين من قرى النمل بينهما مستنقع ماء صغير و القى عليه خشبة صارت كالجسر و كان من حكاية حربهم ان نملة من احدى القبيلتين خرجت فرأت صفوف اخرى قادمة تتدفق على الجسر فاسرعت الى عشها و أبلغت الخبر الى قبيلتها فما لبثت هذه ان خرجت أيضا صفوفا للقتال و جرت المعركة الهائلة دامت أربعة أيام بلياليها و فى خلالها حدثت هدنة بضع ساعات و الظاهر أن نملة لم تستطع ضبط غضبها فخرقت شروط الهدنة و استؤنفت المعركة ثانيا و شوهد عدد عديد من الجرحى تنتفض فى مصارعها و اما القتيلات فكانت مطروحة فى مصارع مختلفة بلا حراك. انتهى. بتلخيص و أورد فى الصفحة 163 رسم منازلها و صورة البيوت و الحجرات و مخازن الاقوات و الغرف المعدة لتربية الصغار و جمع البيوض و جبانة لدفن الموتى فان النمل تدفن اجساد موتاها.

و لا يخفى أن هذه الحياة الاجتماعية لا يمكن الا بأن يفهم بعضها ما يريده الاخر قال ان ذلك بتبادل الخواطر و يحدث بين أفكارهما تيار نظير التلغراف اللاسلكى و قال: أن السبب فى ضعف هذه الملكة فى الانسان هو عدم استعمالها بعد أن تمكن من الكلام و الخطابة. (ش)

45

..........

____________

الإفهام إمّا بكسر الهمزة أو بفتحها و لفظة «عن» و فهم بعض منطقها كما في كتاب العيون يرجّح الثاني و ضمير «منطقها» يعود على الأوّل إلى البعض الأوّل و على الثاني إلي البعض الثاني، و التأنيث باعتبار إرادة البعوضة أو الحيوانات و المراد بمنطقها إمّا ما دلّ على مطالبها و مقاصدها من الحركات و الاشارات و الأصوات علي سبيل الاستعارة، أو المراد به النطق الحقيقي المشتمل على الصوت و التقطيع و يؤيّد الثاني ظاهر قوله تعالى قٰالَتْ نَمْلَةٌ يٰا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسٰاكِنَكُمْ لٰا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمٰانُ وَ جُنُودُهُ

(و ما يفهم به أولادها عنها)

(1) من الحركات و الرّموز الخفيّة الّتي ألهمها الصانع الخبير

(و نقلها الغذاء)

(2) بالمناقير و الأفواه و الأنياب

(إليها)

(3) أي إلى أولادها قبل استكمالها، تعطّفا بها و تحنّنا عليها (ثم تأليف ألوانها)

46

..........

____________

(1) عطف على صغر ذلك و «ثمّ» لمجرّد التفاوت في الرّتبة فإنّ تأليف الالوان و اشرابها و إظهار كلّ واحد منها مع كمال الاختلاط من أعظم أدلّة على كمال لطف الصانع و علمه بدقائق الأشياء

(حمرة مع صفرة و بياض مع حمرة)

(2) حمرة بالجرّ بيان للألوان أي ثمّ تأليف حمرة مع صفرة، و بالرّفع خبر مبتدأ محذوف و هو الضمير الرّاجع إلى الألوان و ما بعدها صفة لها، و في كتاب العيون «حمرة مع صفرة و بياضا مع خضرة» بنصب بياضا فوجب نصب حمرة أيضا بتقدير أعني أو على أنّها حال من الألوان

(و أنّه ما لا يكاد عيوننا تستبينه)

(3) و أنّه بفتح الهمزة و تشديد النون عطف على «صغر ذلك» و قال بعض الأفاضل: و انه بسكون النون و فتح الهاء أمر من نهى ينهي و الموصول منصوب على المفعوليّة و عبارة عن الأجزاء و المعنى اسكت عمّا لا تدركه عيوننا من أجزائها و تأليف بعضها مع بعض شبّه السكوت عن الشيء بالنهي عنه في عدم اجرائه على اللسان و الامر بالسكوت عنه لعدم إمكان تفصيله

(لدمامة خلقها)

(4) الدّمامة بفتح الدّال المهملة الحقارة و الدّميم كأمير الحقير و تذكير ضمير الموصول تارة و تأنيثه اخرى باعتبار اللفظ و المعنى

(لا تراه عيوننا و لا تلمسه أيدينا)

(5) لأنّ صغر الحجم و حقارة المقدار على وجه الكمال أخرجه من أن تدركه العين أو تناله اليد «و لا تراه» إمّا استيناف أو بمنزلة إضراب عن قوله «لا يكاد» و نصبه على الحال بعيد لعدم ظهور عامل له

(علمنا)

(6) جواب لمّا

(أنّ خالق هذا الخلق)

(7) الّذي أقامه على قوائمه و بناه على دعائمه مع حقارة بنيته و لطافة هيئته و ركّب فيها من لطائف الصنعة و أودعها من طرائف الحكمة ما عرفت

(لطيف لطف بخلق ما سميّناه)

(8) أي رفق به و دقّق خلقه و علم دقائق مصالحه و أعطاه ما يليق بحاله من الحقير و النفير

(بلا علاج)

(9) أي بلا مباشرة بالأعضاء و الجوارح أو بلا تجربة و لا مزاولة و لا تدريج، تقول: عالجت الشيء معالجة و علاجا إذا زاولته و مارسته

(و لا أداة و لا آلة)

(10) العطف للتفسير قال الجوهري:

الأداة الآلة و يحتمل أن يراد بالاداة الاداة البدنيّة مثل القوى الجسمانيّة و بالآلة الآلة الخارجية كالمنشار و المنحت و غيرهما ممّا يحتاج إليه الصانع الزّماني

47

..........

____________

و يحتمل أيضا أنّ يراد بالآلة المادّة و المدّة و بالأداة الصفة الزائدة و عدم استناد فعله تعالى إليهما على جميع التقادير ظاهر لأنّهما من الامور الحادثة المتعلقة بأمر حادث لا يتمّ فعله إلّا بها و يفتقر في كماله إليها و اللّه جلّ شأنه قديم كامل في ذاته و فعله لا يفتقر إلى شيء أصلا

(و إنّ كلّ صانع شيء فمن شيء صنع و اللّه الخالق اللّطيف الجليل خلق و صنع لا من شيء)

(1) أشار بذلك إلى الفرق بين الصانع الحادث الناقص في حدّ ذاته و بين الصانع القديم الكامل في مرتبة ذاته الحقّة القدّوسيّة بأنّ الأوّل كما هو نفسه زمانيّ و ماديّ و مدّيّ و آلي كذلك فعله و صنعه زماني و ماديّ و مدي و آلي لاستحالة أن يفعل هو بلا علاج و لا مزاولة و لا أداة و لا آلة و لا مادة و لا مدّة شيئا، و أمّا الثاني فكما أنّ ذاته الحقّة منزّهة عن جميع النقايص و الافتقار كذلك صنعه للمجعولات الماديّة و فعله للمخلوقات المدّيّة منزّه عن النقص و الافتقار (1) إلي العلاج و الأداة و الآلة و المادّة و المدّة سبحان من إذا أراد شيئا يقول له كن فيكون.

فإن قلت: عطف قوله «و إنّ كلّ صانع شيء» على جواب لمّا يشعر بأنّ هذا أيضا علمناه من السابق و ليس في السابق ما يدلّ عليه فما وجه ذلك؟ قلت:

الوجه فيه أنّا إذا علمنا من السابق أنّ الصانع الحقّ لطيف بالمعنى المذكور فقد علمنا أنّ كلّ صانع غيره ليس بلطيف بذلك المعنى لاستحالة وقوع التشابه بينهما في أمر من الامور فقد دلّ السابق التزاما على أنّ كلّ صانع غيره تعالى فمن شيء صنع.

[الحديث الثاني]

«الأصل»

2- «عليّ بن محمّد مرسلا عن أبي الحسن الرّضا (عليه السلام) قال: قال: اعلم»

____________

(1) قوله «عن النقص و الافتقار» اذا كان صنعه من شيء لزم وجود شيء كالمادة قبل وجوده تعالى أو معه و هو يستلزم كون المادة واجب الوجود بالذات، و يلزم منه تعدد الواجب و هو باطل فلا بد أن يكون المادة مخلوقة و لا يجوز أن يكون صنعه تعالى عن شيء. (ش)

48

«علّمك اللّه الخير أنّ اللّه تبارك و تعالى قديم و القدم صفته التي دلّت العاقل على» «أنّه لا شيء قبله و لا شيء معه في ديموميّته فقد بان لنا باقرار العامّة معجزة» «الصفة أنّه لا شيء قبل اللّه و لا شيء مع اللّه في بقائه، و بطل قول من زعم أنّه كان» «قبله أو كان معه شيء و ذلك أنّه لو كان معه شيء في بقائه لم يجز أن يكون» «خالقا له لانّه لم يزل معه، فكيف يكون خالقا لمن لم يزل معه و لو كان قبله» «شيء كان الاوّل ذلك الشيء لا هذا و كان الاوّل أولى بأن يكون خالقا للأوّل» «ثمّ وصف نفسه تبارك و تعالى بأسماء دعا الخلق إذ خلقهم و تعبّدهم و ابتلاهم» «إلى أن يدعوه بها فسمّى نفسه سميعا، بصيرا، قادرا، قائما، ناطقا، ظاهرا،» «باطنا، لطيفا، خبيرا، قويّا، عزيزا، حكيما، عليما و ما أشبه هذه الاسماء،» «فلمّا رأى ذلك من أسمائه القالون المكذّبون و قد سمعونا نحدّث عن اللّه أنّه» «لا شيء مثله و لا شيء من الخلق في حاله قالوا: أخبرونا إذا زعمتم أنّه لا مثل» «للّه و لا شبه له، كيف شاركتموه في أسمائه الحسنى فتسمّيتم بجميعها؟ فانّ في» «ذلك دليلا على أنّكم مثله في حالاته كلّها أو في بعضها دون بعض إذ جمعتم» «الاسماء الطيّبة، قيل لهم: إنّ اللّه تبارك و تعالى ألزم العباد أسماء من أسمائه على» «اختلاف المعاني و ذلك كما يجمع الاسم الواحد معنيين مختلفين و الدّليل على» «ذلك قول الناس الجائز عندهم الشائع و هو الذي خاطب اللّه به الخلق فكلّمهم» «بما يعقلون ليكون عليهم حجّة في تضييع ما ضيّعوا فقد يقال للرّجل: كلب» «و حمار، و ثور، و سكرة، و علقمة، و أسد كلّ ذلك على خلافه و حالاته» «لم تقع الاسامي على معانيها التي كانت بنيت عليه، لانّ الانسان ليس بأسد و لا» «كلب فافهم ذلك رحمك اللّه، و إنّما سمّي اللّه تعالى بالعلم بغير علم حادث علم به» «الاشياء، استعان به على حفظ ما يستقبل من أمره و الرويّة فيما يخلق من خلقه و» «يفسد ما مضى ممّا أفنى من خلقه ممّا لو لم يحضره ذلك العلم و يغيبه كان» «جاهلا ضعيفا، كما أنّا لو رأينا علماء الخلق إنّما سمّوا بالعلم لعلم حادث إذ» «كانوا فيه جهلة و ربّما فارقهم العلم بالاشياء فعادوا إلى الجهل. و إنّما سمّي اللّه»

49

«عالما لأنّه لا يجهل شيئا. فقد جمع الخالق و المخلوق اسم العالم و اختلف المعنى» «على ما رأيت، و سمّي ربّنا سميعا لا بخرت فيه يسمع به الصوت و لا يبصر به كما» «أنّ خرتنا الذي به نسمع لا نقوى به على البصر و لكنّه أخبر أنّه لا يخفى عليه» «شيء من الأصوات، ليس على حدّ ما سمّينا نحن، فقد جمعنا الاسم بالسمع و» «اختلف المعنى و هكذا البصر لا بخرت منه أبصر كما أنّا نبصر بخرت منّا لا ننتفع» «به في غيره و لكن اللّه بصير لا يحتمل شخصا منظورا إليه، فقد جمعنا الاسم و» «اختلف المعنى، و هو قائم ليس على معنى انتصاب و قيام على ساق في كبد» «كما قامت الأشياء و لكن قائم يخبر أنّه حافظ كقول الرّجل القائم» «بأمرنا فلان. و اللّه هو القائم على كلّ نفس بما كسبت. و القائم أيضا في» «كلام النّاس: الباقي و القائم أيضا يخبر عن الكفاية كقولك للرّجل: قم بأمر» «بني فلان أي اكفهم. و القائم منّا قائم على ساق، فقد جمعنا الاسم و لم نجمع» «المعنى، و أما اللّطيف فليس على قلّة و قضافة و صغر و لكن ذلك على النفاذ» «في الأشياء و الامتناع من أن يدرك، كقولك للرّجل: لطف عنّي هذا الأمر و» «لطف فلان في مذهبه و قوله يخبرك أنّه غمض فيه العقل و فات الطلب و عاد» «متعمّقا متلطّفا لا يدركه الوهم فكذلك لطف اللّه تبارك و تعالى عن أن يدرك» «بحدّ أو يحدّ بوصف و اللّطافة منّا الصغر و القلّة، فقد جمعنا الاسم و اختلف» «المعنى، و أمّا الخبير فالذي لا يعزب عنه شيء و لا يفوته ليس للتجربة و لا للاعتبار» «بالأشياء فعند التجربة و الاعتبار علمان و لولاهما ما علم لأنّ من كان كذلك» «كان جاهلا، و اللّه لم يزل خبيرا بما يخلق و الخبير من النّاس المستخبر عن جهل» «المتعلّم، فقد جمعنا الاسم و اختلف المعنى، و أمّا الظاهر فليس من أجل أنّه» «علا الأشياء بركوب فوقها و قعود عليها و تسنّم لذراها و لكن ذلك لقهره و لغلبته» «الأشياء و قدرته عليها كقول الرّجل: ظهرت على أعدائي و أظهرني اللّه على» «خصمي، يخبر عن الفلج و الغلبة، فهكذا ظهور اللّه على الأشياء، و وجه آخر أنّه» «الظاهر لمن أراده و لا يخفى عليه شيء و أنّه مدبّر لكلّ ما برأ فأيّ ظاهر أظهر» «و أوضح من اللّه تبارك و تعالى، لأنّك لا تعدم صنعته حيثما توجّهت و فيك من آثاره»

50

«ما يغنيك و الظاهر منّا البارز بنفسه و المعلوم بحدّه، فقد جمعنا الاسم و لم يجمعنا» «المعنى، و أمّا الباطن فليس على معنى الاستبطان للأشياء بأن يغور فيها و لكن» «ذلك منه على استبطانه للأشياء علما و حفظا و تدبيرا، كقول القائل: أبطنته» «يعني خبّرته و علمت مكتوم سرّه و الباطن منّا الغائب في الشيء المستتر و قد» «جمعنا الاسم و اختلف المعنى، و أمّا القاهر فليس على معنى علاج و نصب و احتيال» «و مداراة و مكر، كما يقهر العباد بعضهم بعضا و المقهور منهم يعود قاهرا و القاهر» «يعود مقهورا و لكن ذلك من اللّه تبارك و تعالى على أنّ جميع ما خلق ملبّس به» «الذلّ لفاعله و قلّة الامتناع لما أراد به لم يخرج منه طرفة عين أن يقول له كن» «فيكون، و القاهر منّا على ما ذكرت و وصفت، فقد جمعنا الاسم و اختلف المعنى، و» «هكذا جميع الأسماء و إن كنّا لم نستجمعها كلّها فقد يكتفي الاعتبار بما» «ألقينا إليك. و اللّه عونك و عوننا في إرشادنا و توفيقنا».

«الشرح»

____________

(عليّ بن محمّد مرسلا، عن أبي الحسن الرّضا (عليه السلام))

(1) هذا الحديث رواه الصدوق في كتاب عيون أخبار الرّضا (عليه السلام) و في كتاب التوحيد من طريق المصنّف مسندا قال: «حدّثنا عليّ بن أحمد بن محمّد بن عمران الدّقّاق- رضي اللّه عنه- قال حدّثنا محمّد بن يعقوب الكليني قال: حدّثنا عليّ بن محمّد المعروف بعلّان، عن محمّد بن عيسى عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن الرّضا (عليه السلام)»

(قال: قال: اعلم علمك اللّه الخير)

(2) الخير مفهوم عام شامل لجميع القوانين الشرعيّة و جزئيّاتها سواء كانت متعلقة بنظام الدّين أو بنظام الدّنيا و هذا الخطاب عام شامل للموجود و المعدوم و من هو في أصلاب الآباء و أرحام الامّهات

(إنّ اللّه تعالى قديم)

(3) وجوده ذاتي (1) مستند

____________

(1) قوله «وجوده ذاتى» كذا فسر القديم المجلسى- ره- و رفيعا النائينى- ره- لان الّذي وجوده عرضى حاصل له من غيره لا بد أن يكون مخلوقا كما مر فى محله، و اما الشارح القزوينى- (رحمه اللّه)- فقال المراد باللّه هنا فاعل الاجسام سواء كان واجب الوجود لذاته أم لا سواء كان بسيطا أو مركبا من عدة بسائط مجردة و هو عجيب اذ لم يعهد اطلاق كلمة اللّه على غير واجب الوجود بالذات و لا يصح لا حقيقة و لا مجازا لان المجاز أيضا يتوقف على تجويز اللغة و لا يجوز فى لغة العرب اطلاق اللّه مجازا على غيره تعالى حتى عند المشركين و الحامل له على ذلك أنه زعم ان صدر الحديث تقرير مذهب باطل يريد الامام (ع) نقضه و هو مذهب الفلاسفة و الاشاعرة حيث زعموا أن غير اللّه تعالى أيضا قديم، اى العقول أو الصفات الثمان التى سموها القدماء الثمانية و هذا أيضا عجيب لان الامام (ع) قال «اعلم علمك اللّه الخير أن اللّه قديم» و لو كان هذا تقرير مذهب باطل لم يقل (ع) اعلم علمك اللّه الخير فانه لا يأمر بتصديق شيء باطل. (ش)