شرح الكافي - ج11

- الشيخ محمد صالح المازندراني المزيد...
448 /
1

-

2

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

كتاب فضل القرآن

[أحاديث في فضل القرآن]

[الحديث الأول]

1- عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس، عن الحسين بن عبد الرّحمن، عن سفيان الحريري، عن أبيه، عن سعد الخفّاف، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: يا سعد تعلّموا القرآن فإنّ القرآن يأتي يوم القيامة في أحسن صورة نظر إليها الخلق و النّاس صفوف عشرون و مائة ألف

____________

قوله (يا سعد تعلموا القرآن)

(1) هو فى اللغة مصدر بمعنى الجمع و القراءة و فى العلم كلام منزل للاعجاز بسورة منه و سمى قرآنا لانه جمع القصص و الامر و النهى و الوعد و الوعيد و الآيات و السور بعضها الى بعض، و الغرض من هذا الحديث هو الحث على مدارسته و ممارسته و تعلمه و فهمه و حفظه و تذكر ما فيه من الامور الغريبة و الاسرار العجيبة بقدر الوسع و الامكان ثم التوقع لشفاعته فى يوم يشفع لمحبيه من أهل الايمان و قد نقل عن بعض المشايخ أنه قال كنت احب قراءة القرآن و أكثر منها، ثم انى اشتغلت بكتابة الاحاديث و العلم فقلت قراءتى و تلاوتى فنمت ليلة فرأيت قائلا يقول:

ان كنت تزعم حبى فلم جفوت كتابى * * * أ ما تدبرت فيه من لذيذ خطابى

فانتبهت فزعا وعدت الى قراءتى (فان القرآن يأتى يوم القيامة فى أحسن صورة نظر إليها الخلق) تصويره بالصورة المذكورة أمر ممكن كتصوير الاعمال و الاعراض بالاجسام كما نطقت به رواياتنا و روايات العامة، و ذهب إليه المحققون من الطرفين فوجب أن لا يستبعد و لا ينكر تعلق القدرة القاهرة به، قال صاحب كتاب اكمال الاكمال لشرح مسلم القرآن يصور بصورة و يجيء بها يوم القيامة و يراها الناس كما تجعل الاعمال صورا و توضع فى الميزان و يقع فيها الوزن و القدرة صالحة لايجاد كل ممكن و الايمان به واجب انتهى كلامه بعبارته و انما كان صورته أحسن الصور لانه كلام رب العزة و هو أحب الخلق إليه فألبسه صورة هى أحسن الصور و أحبها لديه و أيضا حسن الصورة فى القيامة تابع للكمال و كل كمال صورى و معنوى موجود فيه هذا و قيل هذه الصورة هى صورة المسلمين على تقدير رعايته حق الرعاية و الاتيان بجميع ما فيه و لكن لما لم يتيسر لهم جميع ذلك رأوه بصورتهم التى كانت لهم على تقدير الاتيان، و الظاهر أن صورة خاتم الأنبياء أحسن منه لان وجوده تابع لوجوده و لو لا وجوده (ص) لم يوجد أحد من الممكنات فوجوده أحب إليه عز و جل من جميع الممكنات

(و الناس صفوف)

(2) و كذا الملائكة كما يؤمى إليه و الواو للحال.

3

صفّ، ثمانون ألف صفّ أمّة محمّد و أربعون ألف صفّ من سائر الأمم فيأتي على صفّ المسلمين في صورة رجل فيسلّم فينظرون إليه ثمّ يقولون: لا إله إلّا اللّه الحليم الكريم إنّ هذا الرّجل من المسلمين نعرفه بنعته و صفته غير أنّه كان أشدّ اجتهادا منّا في القرآن فمن هناك اعطي من البهاء و الجمال و النور ما لم نعطه، ثمّ يتجاوز حتّى يأتي على صفّ الشّهداء فينظر إليه الشّهداء ثمّ يقولون: لا إله إلّا اللّه الرّبّ الرّحيم إنّ هذا الرّجل من الشهداء نعرفه بسمته و صفته غير أنّه من شهداء البحر فمن هناك اعطي من البهاء و الفضل ما لم نعطه، قال: فيتجاوز حتّى يأتي [على] صفّ شهداء البحر في صورة شهيد فينظر إليه شهداء البحر فيكثر تعجّبهم و يقولون: إنّ هذا من شهداء

____________

(مائة و عشرون ألف صف)

(1) (كذا) بيان لصفوف أو خبر بعد خبر

(ثمانون ألف صف أمة محمد (ص))

(2) الامة يطلق على شيعته و اتباعه و على عموم أهل دعوته فيندرج فيها اصناف أهل الكفر و أكثر استعمالها فى الاحاديث المعنى الاول و لا يبعد أن يكون المراد هنا هو المعنى الثانى

(و أربعون ألف من سائر الامم)

(3) الكلام فى الامة كالسابق.

(فيأتى على صف المسلمين)

(4) أى من هذه الامة على الظاهر و التعميم محتمل، و المراد بهم بعضهم الواقفون فى صف واحد بقرينة الشهداء، و فى على دلالة على الاشراف و الاستعلاء الموجب لرؤية الجميع

(فى صورة رجل فيسلم فينظرون إليه)

(5) فى التسليم بشارة لان السلامة من الافات دليل واضح على النجاة.

(ثم يقولون لا إله الا اللّه الحليم الكريم)

(6) فيه مع قصد التوحيد تعجب من صنعه و توقع لكرمه و عفوه عن التقصير فى العمل بالنسبة الى عمل من رأوه كما صرحوا به.

(ان هذا الرجل من المسلمين)

(7) قالوا ذلك لانهم رأوه فى صفهم

(نعرفه بنعته وصفته)

(8) خبر آخر و النعت وصف الشيء بما فيه من حسن و لا يقال فى القبيح. و الصفة وصف الشيء بما فيه من حسن او قبح فهى أعم من النعت، و المراد هنا الاول و لعل المقصود انا نعرفه بهذا الوصف و هو كونه من المسلمين

(غير انه كان أشد اجتهاد منا فى القرآن)

(9) أى فى تعلمه و مدارسته و العمل بما فيه و فيه دلالة على ما ذكرنا من أن حسن الصورة تابع لكمال العلم.

(ثم يجاوز حتى يأتى على صف الشهداء)

(10) الظاهر أنهم كل من قتل بين يدى الامام و شمول كل من له ثواب الشهداء محتمل.

(نعرفه بسمته و صفته)

(11) فى المغرب السمت الطريق و يستعار لهيئة أهل الخير فيقال ما أحسن سمته

(فيكثر تعجبهم)

(12) منشأ التعجب مشاهدة امر غريب عظيم القدر فائق فى الحسن و البهاء رائق فى النور و الضياء مع خفاء سببه و حقيقته.

4

البحر نعرفه بسمته و صفته غير أنّ الجزيرة الّتي اصيب فيها كانت أعظم هولا من الجزيرة الّتي اصبنا فيها فمن هناك اعطي من البهاء و الجمال و النّور ما لم نعطه، ثمّ يجاوز حتّى يأتي صفّ النبيّين و المرسلين في صورة نبيّ مرسل فينظر النبيّون و المرسلون إليه فيشتدّ لذلك تعجّبهم و يقولون: لا إله إلّا اللّه الحليم الكريم إنّ هذا لنبيّ مرسل نعرفه بسمته و صفته غير أنّه اعطي فضلا كثيرا، قال: فيجتمعون فيأتون رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فيسألونه و يقولون: يا محمّد من هذا؟ فيقول لهم: أ و ما تعرفونه؟

فيقولون: ما نعرفه هذا ممّن لم يغضب اللّه عليه، فيقول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): هذا حجّة اللّه على خلقه. فيسلّم ثمّ يجاوز حتّى يأتي على صفّ الملائكة في سورة ملك مقرّب فتنظر إليه الملائكة فيشتدّ تعجّبهم و يكبر ذلك عليهم لما رأوا من فضله و يقولون:

فتنظر إليه الملائكة فيشتدّ تعجّبهم و يكبر ذلك عليهم لما رأوا من فضله و يقولون:

تعالى ربّنا و تقدّس إنّ هذا العبد من الملائكة نعرفه بسمته و صفته غير أنّه كان أقرب الملائكة إلى اللّه عزّ و جلّ مقاما فمن هناك البس من النّور و الجمال ما لم نلبس، ثمّ يجاوز حتّى ينتهي إلى ربّ العزّة تبارك و تعالى فيخرّ تحت العرض فيناديه تبارك

____________

(ان هذا النبي مرسل)

(1) فى ظننا بسبب كونه فى صورة نبى مرسل كما مر فلا يلزم الكذب

(نعرفه بسمته و صفته)

(2) و هى كونه من صنف الأنبياء و المرسلين (غير أنه أعطى فضلا كثيرا)

(3) امتاز به عن سائر الأنبياء.

(و يقولون يا محمد من هذا)

(4) الّذي يمتاز عن سائر الأنبياء بالحسن و البهاء سألوا عن أصله و نسبه و اسمه

(فيقول لهم أو ما تعرفونه)

(9) الاستفهام للتعجب و الواو للعطف على محذوف يعنى أ تسألون عنه و ما تعرفونه.

(فيقولون ما نعرفه)

(5) بخصوصياته الموجبة لتعينه

(هذا من لم يغضب اللّه عليه)

(6) يعنى انما نعرفه بهذا الوجه الّذي لا يفيد تعيينه و هو انه لم يفعل شيئا يوجب غضب اللّه عليه و لو كان ترك الاولى فيقول رسول اللّه (ص) هذا حجة اللّه على خلقه فعلموا أنه القرآن لشيوع اطلاق الحجة عليه أو أبهم (ع) لمصلحة لان اطلاق الحجة على غيره أيضا شايع، و وجه كون القرآن حجة اللّه على العباد أنه يخبرهم بكل ما أراد اللّه تعالى منهم مما له مدخل فى نظام دينهم و دنياهم.

(و يقولون تعالى ربنا و تقدس)

(7) أى تعالى فى الشرف و الرتبة عن وصف الواصفين و نعت الناعتين و تطهر عن النقايص و التشابه بالمخلوقين.

(ثم يجاوز حتى ينتهى الى رب العزة)

(8) أى الى عرشه أو محل مناجاته نظيره قول ابراهيم (ع) «إِنِّي ذٰاهِبٌ إِلىٰ رَبِّي» أى معيد ربى أو محل عبادته و قول موسى (ع)

5

و تعالى يا حجّتي في الأرض و كلامي الصّادق الناطق ارفع رأسك و سل تعط و اشفع تشفّع فيرفع رأسه فيقول اللّه تبارك و تعالى: كيف رأيت عبادي؟ فيقول: يا ربّ منهم من صانني و حافظ عليّ و لم يضيّع شيئا و منهم من ضيّعني و استخفّ بحقّي و كذّب بي و أنا حجّتك على جميع خلقك، فيقول اللّه تبارك و تعالى و عزّتي و جلالي و ارتفاع مكاني لأثيبنّ عليك اليوم أحسن الثّواب، و لاعاقبنّ عليك اليوم أليم العقاب. قال:

فيرفع القرآن رأسه في صورة اخرى قال: فقلت له: يا أبا جعفر في أىّ صورة يرجع؟ قال: في صورة رجل شاحب متغيّر يبصره أهل الجمع، فيأتي الرّجل من شيعتنا الّذي كان يعرفه و يجادل به أهل الخلاف فيقوم بين يديه فيقول: ما تعرفني؟

____________

«انى عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضىٰ» أى الى محل مناجاتك و هو الطور.

(و اشفع تشفع)

(1) شفع كمنع شفاعة طلب العفو عن ذنب احد و شفعته تشفيعا قبلت شفاعته

(كيف رأيت عبادى)

(2) فى صونك و حفظك و تلاوتك و مدارستك و امتثال ما أمرت به و نهيت عنه.

(فيقول يا رب منهم من صاننى)

(3) عن تحريف الغالين و انتحال المبطلين

(و حافظ على)

(4) بالتلاوة و ضبط الآيات و المعانى الظاهرية و الباطنية و الاوامر و النواهى و المواعظ كلها، و تعدية حافظ بعلى لتضمينه معنى القيام و نحوه.

(و لم يضيع شيئا)

(5) لقيامه على العمل و الاجتهاد و دوامه على الامتثال و الانقياد.

(و منهم من ضيع)

(6) بترك العمل و المتابعة

(و استخف بحقى)

(7) بترك الدراية و المحافظة

(و كذب بى)

(14) بالتحريف و التبديل و الانكار.

(و عزتى و جلالى و ارتفاع مكانى)

(8) أقسم بعزته القاهرة و عظمته الكاملة و مرتبة الفائقة

(لاثيبن عليك اليوم أحسن ثواب)

(9) و هو الّذي لا نقص فيه و الظاهر ان على للتعليل كاللام كما قيل فى قوله تعالى لِتُكَبِّرُوا اللّٰهَ عَلىٰ مٰا هَدٰاكُمْ*.

(و لاعاقبن عليك اليوم أليم العقاب)

(10) وصف العقاب بالاليم و هو المولم للمبالغة فى شدته

(فقال فى صورة شاحب متغير)

(11) الشاحب بالشين المعجمة و الحاء المهملة من تغير لونه من جوع او هزال او سفر او غيره و الوصف للتوضيح و كان هذه الصورة هى التى حدثت بملامسة العصاة و هى موجودة أيضا فى هذه الدار الا أنها لا تراها الابصار و الصورة السابقة صورته الحقيقية التى ناشية بذاته و كمالاته و قيل سبب رجوعه الى هذه الصورة سماعه الوعيد الشديد و هو و ان كان على غيره لكنه لا يخلو من التأثير فى من أطلع عليه.

(يبصره أهل الجمع)

(12) على وصف التغير لكونه فى موضع عال كالشمس المنكسفة و فى بعض النسخ فينكره

(فيأتى الرجل من شيعتنا)

(13) من بيان للرجل او حال عنه

(الّذي كان يعرفه)

6

فينظر إليه الرّجل فيقول: ما أعرفك يا عبد اللّه، قال: فيرجع في صورته الّتي كانت في الخلق الأوّل و يقول: ما تعرفني؟ فيقول: نعم، فيقول القرآن: أنا الّذي أسهرت ليلك و أنصبت عيشك و فيّ سمعت الأذى و رجمت بالقول فيّ، ألا و إنّ كلّ تاجر قد استوفى تجارته و أنا وراءك اليوم، قال: فينطلق به إلى ربّ العزّة تبارك و تعالى فيقول: يا ربّ يا ربّ عبدك و أنت أعلم به قد كان نصبا بي مواظبا عليّ، يعادي بسببي و يحبّ فيّ و يبغض، فيقول اللّه عزّ و جلّ: أدخلوا عبدي جنّتي و اكسوه حلّة من حلل الجنّة و توّجوه بتاج، فإذا فعل به ذلك عرض على القرآن فيقال له هل رضيت بما صنع بوليّك؟

فيقول: يا ربّ إنّي أستقلّ هذا له فزده مزيد الخير كلّه، فيقول: و عزّتي و جلالي

____________

(1) اريد بمعرفته معرفة تلاوته و قراءته و ظاهره و باطنه بالتدبر و التفكر على قدر الامكان كما يشعر به قوله

(و يجادل به أهل الخلاف)

(2) من الكفار و أهل الاسلام بالاعجاز و فروع العقائد و اصولها التى من جملتها الولاية لاهلها.

(فيقول القرآن انا الّذي اسهرت ليلك و انصبت عيشك)

(3) السهر ترك النوم فى الليل سهر كفرح اذا لم ينم ليلا و أسهره غيره و النصب التعب نصب كفرح تعب و أنصبه غيره أتعبه، و العيش الحياة و ما يعاش به و يكون به الحياة و الظاهر ان اسناد الاسهار الى القرآن و هو سبب له مجاز عقلى كتعلقه بالليل و تعلق الانصاب بالعيش.

(و فى سمعت الاذى)

(4) أى فى شأنى و متابعة حكمى و اجراء امرى سمعت من اعدائى و أعدائك الاذى و المكروه من القول.

(و رجمت بالقول فى)

(5) الرجم القذف و اللعن و الشتم و الطرد و الرمى بالحجارة.

(الا و ان كل تاجر قد استوفى تجارته)

(6) يعنى كل عامل يأخذ اليوم جزاء عمله و نفعه كاملا الا أنه شبهه بالتاجر فى أنه يشترى بعمله الثواب و العقاب.

(و أنا وراءك اليوم)

(7) الوراء الخلف و القدام ضد يعنى انا خلفك او قدامك نحفظك من الاهوال و المكاره و نسوقك الى الجنة

(فزده مزيد الخير كله)

(8) المزيد و الزيادة بمعنى و فى ذكره ايماء الى طلب الزيادة الموعودة فى قوله تعالى وَ لَدَيْنٰا مَزِيدٌ مع ما فيه من المبالغة كما فى التأكيد

(لانحلن له اليوم خمسة أشياء)

(9) نحله ينحله كنصره نحلا بالضم أعطاه، و الاسم النحلة بالكسر و يضم و هى العطاء و العطية و أنحله أعطاه ما لا خصه بشيء منه كنحله بالتشديد فيهما فيجوز فى الفعل المذكور ثلاثة اوجه.

(مع المزيد له)

(10) دل على ان المزيد غير ما أعطاه سابقا و غير هذه الخمسة، و لعل المراد به النعماء الغير المحصورة فى الجنة او تجليات الحق و أنواره كما يكون للانبياء و الأوصياء.

7

و علوّي و ارتفاع مكاني لانحلنّ له اليوم خمسة أشياء مع المزيد له و لمن كان بمنزلته، ألا أنّهم شباب لا يهرمون و أصحّاء لا يسقمون و أغنياء لا يفتقرون و فرحون لا يحزنون و أحياه لا يموتون. ثمّ تلا هذه الآية لٰا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولىٰ قال قلت: جعلت فداك يا أبا جعفر و هل يتكلّم القرآن فتبسّم ثمّ قال رحم اللّه الضعفاء من شيعتنا

____________

(و لمن كان بمنزلته)

(1) عطف على له فى قوله «لانحلن له» لا فى قوله «مع المزيد له» مع احتماله و يظهر الفرق بالتأمل

(الا انهم شباب لا يهرمون)

(2) الشباب الفتيان و أيضا جمع شاب و هو المراد هنا

(و احياء لا يموتون)

(3) لعل المراد بالحياة الحياة الطيبة و هى التى لا تعب و لا مشقة و لا كدرة معها، فلا يرد ان أهل النار أيضا احياء لا يموتون فان حياتهم مكدرة شبيهة بالموت

(ثم تلا هذه الآية لٰا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولىٰ)

(4) تشبيه الموت بالمطعوم مكنية و الذوق و هو ادراك طعم الشيء تخييلية و قد يجعل كناية عن العلم كالشم فى قولنا فلان لم يشم هذه المسألة و الضمير للجنة و الاستثناء اما متصل يعنى لا يعلمون فى الجنة الموت الواقع فى أحد الازمنة و لا يتعقلونه الا الموتة الاولى و هى التى بعد الحياة الدنيوية و القبرية او منقطع يعنى لا يذوقون فيها الموت الا الموتة الاولى او امكن ذوقها و لكنه ممتنع لان الموتة التى قدر وقوعها و ذوقها فى زمان ماض لا يمكن وقوعها و ذوقها فى المستقبل فهو من باب التعليق بالمحال و المقصود على التقديرين نفى الموت منهم و ثبوت الحياة الابدية لهم. و رام بعض المفسرين و منهم القاضى جعل الاستثناء متصلا فقالوا تارة الضمير للآخرة و الموت أول أحوالها و قالوا تارة للجنة و المؤمن يشارفها بالموت و يشاهدها عنده فكانه فيها. و ظنى ان فيهما تكلفا اما فى الاول فلان الظاهر بل المتعين أن الضمير للجنة و اما فى الثانى فلان مجاز المشارفة و الظرفية المجازية خلاف الظاهر.

(قال قلت جعلت فداك يا أبا جعفر و هل يتكلم القرآن)

(5) قوله «جعلت فداك» ليس فى بعض النسخ و الواو اما زائدة او للعطف على مقدر أى أ تقول ذلك و هل يتكلم القرآن و الظاهر أن المراد بالتكلم التكلم باللسان و ان سعدا لم يشك فيه بعد سماعه من المعصوم (ع) و انما سأل لتقريره و تثبيته ذلك فى الذهن لكونه أمرا مستبعدا بين الناس فلذلك قال لا أستطيع أتكلم به فى الناس أو قال ذلك تعجبا و فزعا، ثم استبعادهم لا وجه له لانه من استحضر أن نسبة الكائنات الى قدرة اللّه سبحانه سواء لا يستغرب شيئا من ذلك، و قال بعض المعاصرين تكلم القرآن عبارة عن القائه على السمع ما يفهم منه المعنى و هذا هو معنى حقيقة الكلام و لا يشترط صدوره من لسان لحمى و كذا تكلم الصلاة فان من اتى بالصلاة بحقها او حقيقتها نهته الصلاة عن متابعة اعداء الدين و غاصبى حقوق الائمة الراشدين الذين من عرفهم عرف اللّه و من ذكرهم

8

إنّهم أهل تسليم ثمّ قال: نعم يا سعد و الصّلاة تتكلّم و لها صورة و خلق تأمر و تنهى، قال: سعد فتغيّر لذلك لوني و قلت: هذا شيء لا أستطيع [أنا] أتكلّم به في النّاس فقال: أبو جعفر و هل النّاس إلّا شيعتنا فمن لم يعرف الصلاة فقد أنكر حقّنا، ثمّ قال: يا سعد اسمعك كلام القرآن؟ قال: سعد: فقلت: بلى صلّى اللّه عليك، فقال: «إِنَّ الصَّلٰاةَ تَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ» وَ لَذِكْرُ اللّٰهِ أَكْبَرُ فالنهى كلام و الفحشاء و المنكر رجال و نحن ذكر اللّه و نحن أكبر.

[الحديث الثاني]

2- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفليّ، عن السكونيّ، عن أبي عبد اللّه عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): أيّها الناس إنّكم في دار هدنة و أنتم على

____________

ذكر اللّه و فيه أن التكلم بهذا المعنى لا يستبعده احد.

(فقال نعم يا سعد)

(1) أى نعم القرآن يتكلم فقوله

(و الصلاة يتكلم)

(2) عطف على الجملة الدالة عليها نعم

(و لها صورة و خلق تامر و تنهى)

(3) الظاهر أن لها صورة كصورة الانسان و خلقا كخلقهم الا أنها لا ترى فى هذه الدار لكونها دار كمون و دار تكليف.

(قال سعد فتغير لذلك لونى)

(4) دل على أنه فهم من التكلم ما ذكرنا لا ما ذكره المعاصر و الا لما كان للاستبعاد و التغير وجه و لا

لقوله:

(و قلت هذا شيء لا استطيع انا اتكلم به فى الناس)

(5) وجه لان الشيعة كلهم قائلون بتكلمه على ما ذكره ذلك المعاصر و كذا العامة الا فى الولاية و نحوها.

(فقال أبو جعفر (ع) و هل الناس الا شيعتنا)

(6) الاستفهام للانكار أى ليس الناس الموصوفون بحقيقة الانسانية الا شيعتنا و هم يقبلون منا و اما غيرهم فهم نسناس و بهائم فى صورة الناس فطمع القبول منهم كطمعه منها.

(فمن لم يعرف الصلاة)

(7) بالوصف المذكور و هو انها يتكلم و لها صورة و خلق تامر و تنهى

(فقد أنكر حقنا)

(12) لرده قولنا بانها بذلك الوصف و بانكاره تكلمه بحقنا.

(و الفحشاء و المنكر رجال)

(8) تنكيرهم للتحقير أو للتكثير و أوائلهم اوليهم بهذا الاسم لان كل من سواهم من الخلفاء الاموية و العباسية و الجابرين الى يوم القيامة و اتباعهم نشئوا من جورهم

(و نحن ذكر اللّه)

(9) لان الناس بنا يذكرون اللّه و يعبدونه.

(و نحن أكبر)

(10) من أن يذكر وصفنا الواصفون و يعرف قدرنا العارفون و قد دلت على انه لا يمكن معرفة وصفهم و حقيقتهم روايات اخر مذكورة فى محلها.

قوله (أيها الناس انكم فى دار هدنة)

(11) يصلح أن يكون أمرا للاخبار بعده بالمصالحة

9

ظهر سفر و السير بكم سريع و قدر أيتم اللّيل و النهار و الشمس و القمر يبليان كلّ جديد و يقرّبان كلّ بعيد و يأتيان بكلّ موعود فاعدّوا الجهاز لبعد المجاز، قال فقام المقداد بن الأسود فقال: يا رسول اللّه و ما دار الهدنة؟ قال: دار بلاغ و انقطاع فإذا التبست عليكم الفتن كقطع اللّيل المظلم فعليكم بالقرآن فإنّه شافع مشفّع و

____________

مع الاشرار و لكن له تفسير آخر يأتى ذكره.

(و أنتم على ظهر سفر)

(1) الظهر الصلب و أيضا الابل التى يحمل عليها و يركب و الاضافة لامية و فيه على الاول مكنية و تخييلية و على الثانى استعارة تحقيقية بتشبيه الليل و النهار بالظهر و استعارته لهما و فيه على التقادير مبالغة فى شدة السير و سرعته و الوغول فيه كما أشار إليه

بقوله (و السير بكم سريع)

(2) السير الذهاب و الاذهاب يقال سار يسير اذا ذهب و ساره غيره اذا أذهبه كسار به و فاعل السير الظهر و الباء على الاول للتعدية و على الثانى للمبالغة فيها ثم أشار الى تحقق ذلك و ظهوره لمن له بصيرة بقوله

(و قد رأيتم الليل و النهار)

(3) و تعاقبهما

(و الشمس و القمر)

(4) و دورهما.

(يبليان كل جديد)

(5) كما هو المشاهد فى الحيوانات و النباتات و غيرهما من المكونات و حسبك النظر الى نفسك من بدو وجودك الى كمال الشيخوخة

(و يقربان كل بعيد)

(6) ألا ترى أن كل ما هو فى الحال كان بعيدا فى زمان نوح مثلا و كل ما يقع فى الاستقبال سيصير حالا و ما ذلك الا بتعاقب الليل و النهار و دوران الشمس و القمر.

(و يأتيان بكل موعود)

(7) أ لا ترى كيف أتيا بغاية آجال آبائك و أجدادك و كل من كان فى الاعصار السابقة و لا يتفكر فى أنهما سيأتيان بغاية أجلك و بما وعد اللّه تعالى للمطيعين و العاصين ثم أشار الى ما هو كالنتيجة لهذا الكلام البليغ و المقصود منه

بقوله:

(فأعدوا الجهاز لبعد المجاز)

(8) أى لبعد الطريق و طول السفر المفتقر الى تحمل الزاد الكافى فيه. و جهاز المسافر بالكسر و الفتح ما يحتاج إليه فى سفره و المراد به هنا الطاعات و العبادات المفروضة و المندوبة

(و ما دار الهدنة)

(9) سأل عن تفسيرها لكونها مبهمة محتملة لوجوه

(قال دار بلاغ)

(10) الى حين

(و انقطاع)

(11) منها الى الآخرة و البلاغ بالفتح اسم لما يتبلغ و يتوصل به الى الشيء المطلوب و بالكسر مصدر بمعنى الاجتهاد يقال بالغ مبالغة و بلاغا اذا اجتهد

(فاذا التبست عليكم الفتن)

(12) فى الدين بعدى بافتراء المفترين و انتحال المبطلين.

(كقطع الليل المظلم)

(13) شبه الفتن بها فى كونها مظلمة سوداء تعظيما لشأنها أو فى أنها ساترة للمقصود مانعة من الاهتداء إليه، و الوجه فى المشبه به حسى و فى المشبه عقلى

(فعليكم بالقرآن)

(14) أى ألزموا أحكامه و ما نطق به و لا تتعدوه.

10

ما حل مصدّق و من جعله أمامه قاده إلى الجنّة و من جعله خلفه ساقه إلى النّار و هو الدّليل يدلّ على خير سبيل و هو كتاب فيه تفصيل و بيان و تحصيل و هو الفصل ليس بالهزل و له ظهر و بطن فظاهره حكم و باطنه علم، ظاهره أنيق و باطنه عميق

____________

(فانه شافع)

(1) لمن تمسك به و عمل بما فيه

(مشفع)

(2) مقبول الشفاعة و المشفع بشد الفاء المفتوحة من تقبل شفاعته و بكسرها من يقبل الشفاعة.

(و ما حل مصدق)

(3) المحل الجدال و السعاية. محل به اذا سعى به الى السلطان يعنى أنه مجادل مخاصم لمن رفضه و ترك العمل بما فيه أو ساع يسعى به الى اللّه عز و جل مصدق فيما يقول

(و من جعله أمامه)

(4) بأن يقر به و يعتقد بحكمه و يعمل بما فيه

(قاده الى الجنة)

(5) و أنزله فى المقام اللائق بحسب اجتهاده.

(و من جعله وراء ظهره)

(6) بانكاره أو ترك العمل بما فيه

(ساقه الى النار)

(7) نسبة القود و السوق إليه مجاز كنسبة الفعل الى السبب أو حقيقة باعتبار أنه يصور بصورة انسانية فى القيامة كما مر

(و هو الدليل)

(8) يدل الحائرين فى بيداء الضلالة و الجهالة.

(الى خير سبيل)

(9) يوصل الى الكرامة و السعادة

(و هو كتاب)

(10) رفيع الشأن عظيم القدر لا يبلغ كنه حقائقه الا الراسخون فى العلم.

(فيه تفصيل و بيان و تحصيل)

(11) لاشتماله على تفاصيل العلوم و الاخلاق و الآداب و غيرها و بيان كل ما يتم به نظام الخلق فى الدنيا و الآخرة و تحصيل الامور يعنى تحقيقها و اثباتها من حصلت الامر اذا حققته و أثبته.

(و هو الفصل)

(12) أى الفاصل بين الحق و الباطل

(ليس بالهزل)

(13) لانه جد كله و الهزل و اللعب من واد واحد و هو ضد الجد.

(و له ظهر و بطن)

(14) من طريق العامة «ما نزل من القرآن آية الا و لها ظهر و بطن» قال ابن الاثير فى النهاية قيل ظهرها لفظها و بطنها معناها، و قيل اراد بالظهر ما ظهر تأويله و عرف معناه، و بالبطن ما بطن، و قيل قصصه فى الظاهر أخبار و فى الباطن عبر و تنبيه و تحذير و غير ذلك، و قيل أراد بالظهر التلاوة و بالبطن التفهم و التفهيم، أقول يمكن أن يراد بالظهر ما يدل عليه اللفظ من المفهومات اللغوية و بالبطن ما يندرج تحت تلك المفهومات من الحقائق و اللطائف و الدقائق و الاسرار التى بعضها فوق بعض و لا يعرف جميعها الا الطاهرون الراسخون فى العلم.

(فظاهره حكم)

(15) الحكم بالضم القضاء و الحاكم منفذ الحكم و المنع و منه حكمة اللجام بالتحريك و هى حديدة في فم الفرس تمنعه من مخالفة راكبه، و الاحكام الاتقان، و فى الكنز حكم استوار كار شدن و منه الحكيم لانه يحكم الاشياء و يتقنها فهو فعيل بمعنى مفعل يعنى أن ظاهره

11

له نجوم و على نجومه نجوم لا تحصى عجائبه و لا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى و منار الحكمة و دليل على المعرفة لمن عرف الصفة، فليجل جال بصره و ليبلغ الصفة

____________

و هو ألفاظه و عباراته و أسلوبه و آياته حاكم قاض لنا و علينا أو كلام مانع من الجهل و السفه و ينهى عنهما أو محكم متقن لا اختلاف فيه و لا اضطراب.

(و باطنه علم)

(1) بتفاصيل الاشياء من المواعظ و الامثال و الاحكام و الاخلاق و أحوال المبدأ و المعاد و غير ذلك مما ينتفع به الناس و يستقيم به نظامهم فى الدنيا و الآخرة.

(و ظاهره أنيق)

(2) الانق محركة الفرح و السرور و الكلاء أنق كفرح و الشيء أحبه و به أعجب يعنى أن ظاهره حسن معجب لاشتماله على أسلوب عجيب و تركيب غريب و مزايا فاخرة و نكات ظاهرة يتحير فى حسنه الفصحاء و يتعجب منه البلغاء.

(و باطنه عميق)

(3) لا يصل الى قعره عقول العلماء و لا يبلغ الى أصله فحول الحكماء.

(له نجوم و على نجومه نجوم)

(4) اما مصدر بمعنى الطلوع و الظهور يقال نجم الشيء ينجم بالضم نجوما اذا طلع و ظهر أو جمع نجم بمعنى الكوكب أو الاصل أو الوقت المضروب بحضور الشيء و المقصود على التقادير أن معانيه مترتبة غير محصورة يظهر بعضها من بعض و يطلع بعضها عقيب بعض

(لا تحصى عجايبه)

(5) العجب الشيء الّذي عظم موقعه عند الناس.

(و لا تبلى غرائبه)

(6) لان غرائبه و هى المزايا و الاسرار الخارجة عن طوق البشر البعيدة عن أفهامهم و أوهامهم كلما أدركت مرة بعد اخرى كانت جديدة معجبة للنفس موجبة للنشاط بها و الميل إليها.

(مصابيح الهدى)

(7) الهدى بضم الهاء و فتح الدال الرشاد و الدلالة، و المصباح السراج و الجمع باعتبار السور و الآيات، و الاضافة لامية و اطلاقها على القرآن من باب الاستعارة.

(و منار الحكمة)

(8) أى محل ظهورها و الاضافة لامية و أصله منور من النور و هو الظاهر فى نفسه المظهر لغيره و الحكمة قيل هى عبارة عن معرفة أفضل الاشياء بأفضل العلوم و شاع اطلاقها على العلم بالشرائع النبوية.

(و دليل على المعرفة)

(9) أى معرفة الرب و صفاته الذاتية و الفعلية أو الاعم الشامل لمعرفة ما يراد من الانسان و ما يتم به نظامهم فى الدارين و فى بعض النسخ «دليل على المغفرة».

(لمن عرف الصفة)

(10) هى اما مصدر يقال وصف الشيء يصف وصفا و صفة اذا بين حاله و ذكر أوصافه، أو نعت و هو حال الشيء و خواصه و آثاره يعنى القرآن دليل على المعرفة لمن عرف وصف القرآن للاشياء و نطقه بأحوالها التى من جملتها الولاية اذ لا يتم المعرفة بدون معرفتها، أو لمن عرف نعته و صفته من الغرائب و العجائب و المزايا المندرجة فيه و اللّه أعلم.

(فليجل جال بصره)

(11) أى بصره القلبى ليدرك جواب الكلام و أطرافه و حقائق مدلولاته

12

نظره ينج من عطب و يتخلّص من نشب فإنّ التفكّر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنّور، فعليكم بحسن التخلّص و قلّة التربّص.

[الحديث الثالث]

3- عليّ، عن أبيه، عن عبد اللّه بن المغيرة، عن سماعة بن مهران قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّ العزيز الجبّار أنزل عليكم كتابه و هو الصّادق البارّ، فيه

____________

و أسراره و قوله «فليجل» اما من الجلاء يقال جلا السيف و المرآة أصقلهما او من الاجالة و هى الإرادة يقال أجاله و به أداره و جال اذا دار، و فى جال قلب أصله جائل كما فى شاكى السلاح.

(و ليبلغ الصفة نظره)

(1) اما من البلوغ و هو الوصول أو من الابلاغ و هى الايصال فان فعل ذلك

(ينج من عطب)

(2) أى من هلاك لتميزه بين الحق و الباطل و الضلالة و الهداية و ثباته فى سبيل الرشاد بمتابعة أهل العصمة و الولاية.

(و يتخلص من نشب)

(3) النشب بالتحريك علوق العظم و نحوه فى الحلق و عدم نفوذه فيه و هو مهلك غالبا لسد مجرى النفس فهو كناية عن الهلاك و يمكن أن يراد به نشب الضلالة و الجهالة و الغواية على تشبيهها بطعام ذا غصة فى الاضرار و الاهلاك ثم علل ذلك

بقوله: (فان التفكر)

(4) فى الاسرار الالهية و اللطائف القرآنية.

(حياة قلب البصير)

(5) أى سبب لحياته فالحمل للمبالغة و ذلك لان التفكر سبب للعلم و العلم سبب للحياة كما أن الجهل سبب للموت و إليهما يرشد قوله تعالى أَ وَ مَنْ كٰانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنٰاهُ و البصر محركة من العين حسها و من القلب نظره و خاطره و ادراكه بصر به كفرح و كرم صار بصيرا اى مبصرا و المراد به هنا العالم أو الفطن الذكى، و اضافة القلب إليه اما لامية أو بيانية و فى الجمع بينهما فائدة و هى أنه لو لم يذكر القلب لتوهم أن المراد بالبصير البصير بالعين و لو لم يذكر البصير لتوهم أن التفكر سبب لحياة قلب الجاهل و الغبى أيضا و ليس كذلك.

(كما يمشى المستنير فى الظلمات بالنور)

(6) أى بنور المصباح و المشعل و الظرفان يتعلقان بيمشى أو بالمستنير أو بهما على سبيل التنازع أو الاول بالاول و الثانى بالثانى أو بالعكس و فيه تشبيه معقول بمحسوس على سبيل التمثيل لقصد الايضاح.

(فعليكم بحسن التخلص)

(7) أى بحسن النجاة من الباطل

(و قلة التربص)

(8) أى قلة الانتظار و المكث عند الشبهات لان الشبهة مرض مهلك و الفرار من المهلكات واجب و انما التربص الضرورى هو قدر أن يحصل العلم بالحق و يكفى فيه أدنى تفكر و قد مر شرحه فى آخر كتاب العقل.

قوله: (ان اللّه العزيز الجبار)

(9) أى الّذي غلب على جميع الخلائق بالايجاد و الافناء

13

خبركم و خبر من قبلكم و خبر من بعدكم و خبر السّماء و الأرض و لو أتاكم من يخبركم عن ذلك لتعجّبتم.

[الحديث الرابع]

4- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن سنان، عن أبي الجارود قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): أنا أوّل وافد على العزيز الجبّار يوم القيامة و كتابه و أهل بيتي ثمّ أمّتي، ثمّ أسألهم ما فعلتم بكتاب اللّه و بأهل بيتي.

[الحديث الخامس]

5- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن طلحة بن

____________

و جبر مفاقر العباد بكفاية أسباب المعاش و الارزاق و أصلح نقائص حقائق الممكنات بافاضة الوجود و ما يتبعه من الخيرات و الكمالات (أنزل عليكم كتابه و هو الصادق البار)

(1) لانه صادق فى جميع ما نطق به و متسع احسانه الى جميع الانام و سائق قائد لهم الى دار السلام

(فيه خبركم)

(2) خطاب للموجودين الحاضرين و الغائبين على سبيل التغليب.

(و خبر من قبلكم و خبر من بعدكم)

(3) يعنى فيه أخبار كل واحد واحد و بيان أحواله المختص به و المشتركة بينهم و بين جماعة من المصائب و النوائب و ما يصدر منه و ما يرد عليه و ما يتعلق به و يراد منه على الخصوص أو العموم.

(و خبر السماء و الارض)

(4) يعنى فيه خبر جوهر السماء و سكانها و حركات الافلاك و دورانها و أحوال الملائكة و مقاماتها و حركات الكواكب و مداراتها و منافع تلك الحركات و تأثيراتها الى غير ذلك من الامور الكائنة فى العلويات و فيه خبر جوهر الارض و كيفية ايجادها و انتهائها و خبر ما فى سطحها و أرجائها و ما فى تحتها و أهوائها و خبر ما فيها من المعدنيات و ما فى جوف فلك القمر من البسائط و المركبات الى غير ذلك من الاحوال المتعلقة بالسفليات.

(و لو أتاكم من يخبركم عن ذلك)

(5) أى عما فى القرآن من العلوم و الحقائق و الاسرار و الدقائق و ما كان و ما يكون و ما هو كائن.

(لتعجبتم منه)

(6) لسمو حاله و علو كماله و نهاية لطافته و غاية غرابته، و الحاصل انكم متعجبون منه لو علمتم ما فيه و احتمال أنكم تتعجبون ممن يخبر عما فيه فكيف لا تتعجبون منه مع أنه مخبر عنه أيضا بعيد، لان التعجب بعد العلم لا يستلزم التعجب قبله فتأمل.

قوله: (ثم اسألهم ما فعلتم بكتاب اللّه و بأهل بيتى)

(7) هذا خبر و فى الحقيقة أمر بمتابعتهما و التمسك بهما لئلا يضلوا، و قد روى أحمد بن حنبل فى مسنده باسناده عن أبى سعيد الخدرى، و مسلم فى صحيحه باسناده الى زيد بن أرقم عنه (ص) مثله ذكرناه فى كتاب الحجة.

14

زيد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّ هذا القرآن فيه منار الهدى و مصابيح الدّجى فليجل جال بصره و يفتح للضياء نظره فإنّ التفكّر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور.

[الحديث السادس]

6- عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن أبي جميلة قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) كان في وصيّة أمير المؤمنين (عليه السلام) أصحابه: اعلموا أنّ القرآن هدى النّهار و نور اللّيل المظلم على ما كان من جهد و فاقة.

[الحديث السابع]

7- عليّ، عن أبيه، عن النوفليّ، عن السكونيّ، عن أبي عبد اللّه، عن آبائه (عليهم السلام) قال: شكا رجل إلى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) وجعا في صدره فقال (صلى اللّه عليه و آله): استشف بالقرآن فإنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: «وَ شِفٰاءٌ لِمٰا فِي الصُّدُورِ».

[الحديث الثامن]

8- أبو عليّ الاشعري، عن بعض أصحابه، عن الخشّاب، رفعه قال: قال أبو- عبد اللّه (عليه السلام) لا و اللّه لا يرجع الأمر و الخلافة إلى آل أبي بكر و عمر أبدا و لا إلى بني-

____________

(ان هذا القرآن فيه منار الهدى و مصابيح الدجى)

(1) الاضافة الاولى لامية و الثانية الظرفية، و الدجية بالضم الظلمة و اطلاقها على الشبهة و البدعة من باب الاستعارة كاطلاق للمنار و المصباح و هما محل النور و الضوء يعنى العلم على ما فى القرآن من الآيات التى أعظمها الائمة (عليهم السلام)

(فليجل جال- اه)

(2) قد مرّ تفسيره قبيل ذلك.

قوله: (ان القرآن هدى النهار و نور الليل المظلم «على» ما كان من جهد و فاقة)

(3) كان تامة و الجهد المشقة و الفاقة الفقر و الحاجة و الظاهر أن على متعلق بهدى و نور و بمعنى فى للظرفية كما فى قوله تعالى وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلىٰ حِينِ غَفْلَةٍ يعنى أن القرآن هدى للمؤمنين فى النهار و نور لهم فى الليل المظلم فى حال شدة و مشقة من التباس الفتن و توارد الشبهات اذ يهديهم الى الحق و سلوك سبيله و فى حال الفقر و الفاقة اذ يحملهم على الصبر لجزيل الاجر أو يدفعها عنهم بالخاصية أو بعض الآيات و السور الموجبة لزيادة الرزق و فيه حث على التزام قراءته و التذكر فيه فى الليل و النهار بذكر فائدتين إحداهما للاخروية و الاخرى للدنيوية هذا ما خطر بالبال و اللّه اعلم.

قوله: (استشف بالقرآن)

(4) أى بقراءته مطلقا أو على قصد الشفاء و اطلاق القرآن يقتضي ان كل آية و كل سورة شفاء و قد روى الاستشفاء ببعض الآيات و بعض السور فى خصوص بعض الامراض و الحمد مجرب للجميع خصوصا سبعين مرة

(ان اللّه عز و جل)

(5) يقول فى وصف القرآن:

(وَ شِفٰاءٌ لِمٰا فِي الصُّدُورِ)

(6) عمومه شامل لجميع الامراض الصدرية من الاوجاع و الاحزان و الهموم و الجهالات و غيرها و لا وجه لتخصيصها بالجهل.

قوله: (لا و اللّه لا يرجع الامر و الخلافة الى آل أبى بكر و عمر أبدا- اه)

(7) أشار (ع) الى

15

أميّة أبدا و لا في ولد طلحة و الزّبير أبدا و ذلك أنّهم نبذوا القرآن و أبطلوا السنن و عطّلوا الأحكام، و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): القرآن هدى من الضّلالة و تبيان من العمى و استقالة من العثرة و نور من الظلمة و ضياء من الأحداث و عصمة من الهلكة و رشد من الغواية و بيان من الفتن و بلاغ من الدّنيا إلى الآخرة و فيه كمال دينكم و ما عدل أحد عن القرآن إلّا إلى النّار.

____________

أن أمر الامامة و الخلافة التى هى الرئاسة العظمى انما يرجع الى من علم القرآن ظاهره و باطنه و عمل به و هو على (ع) و أهل العصمة من أولاده لا الى المذكورين و أولادهم الجاهلين بالقرآن النابذين له وراء ظهورهم المعطلين لاحكامه و حدوده التابعين لاهواء نفوسهم الامارة الضالين المضلين و ذلك ظاهر لان خليفة النبي (ص) يجب أن يكون مثله عالما بالقرآن عاملا به ليكون مرجعا للخلائق فى جميع ما يحتاجون إليه.

(القرآن هدى من الضلالة)

(1) «من» هنا اما لابتداء الغاية أو بمعنى فى كما فى قوله تعالى إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ يعنى أن القرآن يهدى من الضلالة أو فيها الى الحق و يبين سبيله

(و تبيان من العمى)

(2) التبيان الكشف و الايضاح و العمى الضلالة و الجهالة يعنى أن القرآن يكشف الحق من الجهل و يوضحه.

(و استقالة من العثرة)

(3) العثرة العثار من المشى و السقوط على الوجه و استعيرت هنا للسقوط فى الذنوب و المراد بالاستقالة طلب التجاوز عنها من الاستقالة فى البيع و هى طلب فسخه و رفع عقده و المداومة على القرآن سبب للحفظ عنها و رفع ما وقع منها.

(و نور من الظلمة)

(4) يدفع ظلمة الشبهة و الجهالة عمن تمسك به (و ضياء من الاحداث)

(5) جمع الحدث و هو الامر المنكر الّذي ليس بمعروف فى السنة يعنى أنه ضياء يعرف به المعروف من المنكر و يفرق بينهما.

(و عصمة من الهلكة)

(6) لانه يبين ما يوجب الهلاك و العقاب و يحفظ صاحبه منه

(و رشد من الغواية)

(7) الغواية الضلال و الانهماك فى الباطل و الرشد خلافها يعنى أنه يرشد الخلائق الى الحق و الصواب و سبيل الهداية و يزجرهم عن الباطل و الغى و سلوك سبيل الغواية.

(و بيان من الفتن)

(8) يظهر المقصود بابلغ وجه و يميزه من الفتن و هى كل ما يصرف عنه

(و بلاغ من الدنيا و الآخرة)

(9) البلاغ الايصال أى موصل من الدنيا بالمنع من الركون إليها و الرغبة فيها الى أمر الآخرة و الحث على ما يوجب رفع الدرجة فيها.

(و فيه كمال دينكم)

(10) أى ما يوجب كماله و منه ولاية أمير المؤمنين (ع) كما روى فى تفسير قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ انه اكمله بولايته (ع).

16

9- حميد بن زياد، عن الحسن بن محمّد، عن وهيب بن حفص، عن أبي بصير قال:

سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إنّ القرآن زاجر و آمر يأمر بالجنّة و يزجر عن النّار.

[الحديث العاشر]

10- عليّ بن إبراهيم، عن صالح بن السّندي، عن جعفر بن بشير، عن سعد الاسكاف قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): اعطيت السور الطوال مكان التوراة و اعطيت المئين مكان الإنجيل و اعطيت المثاني مكان الزّبور و فضّلت بالمفصّل ثمان و ستّون

____________

(و ما عدل عن القرآن احد الا الى النار)

(1) العدول عنه يشمل انكاره و انكار بعضه كانكار مخالفينا ولاية على (ع) و ترك العمل بما فيه فان كل ذلك ذنب عظيم يوجب الدخول فى النار.

قوله: (يأمر بالجنة و يزجر عن النار)

(2) أى يأمر بما يوجب الدخول فى الجنة و يزجر عما يوجب الدخول فى النار و هذا فى المعنى امر بالامتثال بأمره و نهيه و المداومة عليه.

قوله: (قال رسول اللّه (ص) اعطيت السور الطول مكان التورية و أعطيت المئين مكان الإنجيل و أعطيت المثانى مكان الزبور و فضلت بالمفصل ثمان و ستون سورة)

(3) فى مجمع البيان الطول جمع طولى تأنيث الاطول و هى سبع سور البقرة و آل عمران و النساء و المائدة و الانعام و الاعراف و الانفال مع التوبة لانهما تدعيان القرينتين و لذلك لم يفصل بينهما ببسم اللّه الرحمن الرحيم و قيل السابعة سورة يونس و انما سميت هذه السور الطول لانهما اطول سور القرآن و المثانى قيل هى جمع مثنى كمعنى و معانى و قال الفراء جمع مثناة و هى أيضا سبع سور سورة يونس و هود و يوسف و الرعد و ابراهيم و الحجر و النحل و انما سميت مثانى لانها تثنت الطول أى تلتها فكان الطول المبادى و المثانى لها ثوانى و قيل المثانى سور القرآن طوالها و قصارها من قوله تعالى:

كِتٰاباً مُتَشٰابِهاً مَثٰانِيَ و وجه التسمية أنها يثنى فيه الحدود و الامثال و قيل هى سورة الحمد و هو المروى عن الائمة (عليهم السلام) سميت بذلك لانها تثنى فى كل صلاة و كل سورة تكون مائة آية أو فويق ذلك أو دوينه و هى أيضا سبع سور بنى اسرائيل و الكهف و مريم و طه و الأنبياء و الحج و المؤمنون. و قيل المئون ما ولى السبع الطول و المثانى بعدها و هى التى يقصر من المئين و تزيد عن المفصل سميت مثانى لان المئين مباديها و هى مثانيها و المفصل ما بعد الحواميم الى آخر القرآن و هو ثمان و ستون سورة طواله من سورة محمد (ص) الى النبأ و متوسطاته منه الى الضحى و قصاره منه الى اخر القرآن و سمى مفصلا لكثرة الفصول ببسم اللّه الرحمن الرحيم و فى النهاية السابعة من الطول و هى التوبة و لم يذكر الانفال لا انفرادا و لا انضماما معها. و فى القاموس المثانى القرآن أو ما ثنى به منه مرة بعد مرة أو الحمد أو البقرة الى براءة أو كل سورة دون الطول و دون المئين و فوق المفصل أو سورة الحج و النمل و القصص و العنكبوت من النور و الانفال و مريم و الروم و يس و الفرقان و الحجر و الرعد و سبأ و

17

سورة و هو مهيمن على سائر الكتب فالتوراة لموسى و الإنجيل لعيسى و الزّبور لداود (عليهم السلام).

[الحديث الحادي عشر]

11- أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن سالم، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: يجيء القرآن يوم القيامة في أحسن منظور إليه صورة، فيمرّ بالمسلمين فيقولون: هذا الرّجل منّا فيجاوزهم إلى النبيّين فيقولون: هو منّا فيجاوزهم إلى الملائكة المقرّبين فيقولون: هو منّا حتّى ينتهى إلى ربّ العزّة عزّ و جلّ فيقول: يا ربّ فلان بن فلان أظمأت هواجره و أسهرت ليله في دار الدّنيا و فلان بن فلان لم أظمأ هواجره و لم أسهر ليله، فيقول تبارك و تعالى: أدخلهم الجنّة على منازلهم، فيقوم فيتّبعونه فيقول للمؤمن: اقرأ و

____________

الملائكة و ابراهيم و ص و محمد (ص) و لقمان و الغرف و الزخرف و المؤمن و السجدة و الاحقاف و الجاثية و الدخان و الاحزاب. أقول فى قوله من قال ان المثانى بعد المئين و اقصر منها نظر لانه ان أراد انها اقصر بحسب الآية ورد عليه أن سورة يونس أقل بحسب الآية من بنى اسرائيل و الكهف و الأنبياء و المؤمنون و هود و النحل أقل بحسبها من المؤمنون و سورة يوسف بحسبها مساو لبنى اسرائيل و الكهف و الأنبياء و أقل من المؤمنون و ان اريد أنها أقل بحسب الكتابة ورد عليه أن سورة الرعد و الحجر أكثر بحسب الكتابة من بنى اسرائيل الى آخر المثانى و هو المؤمنون، و سورة ابراهيم أقل بحسبها من سورة الأنبياء و الحج و المؤمنون.

(و هو مهيمن على سائر الكتب)

(1) أى شاهد عليها و لو لا شهادته لما علم أنها كتب سماوية لعدم بلوغها حد الاعجاز.

قوله: (اظمأت هواجره و أسهر ليله فى دار الدنيا)

(2) الهواجر جمع الهاجرة و هى نصف النهار عند اشتداد الحر أو من زوال الشمس الى العصر سمى بذلك لان الناس يهاجرون فيه من شدة الحر و يستكنون فى بيوتهم و اسناد الاظماء و الاسهار الى القرآن اسناد مجازى لكونه سبيا لهما و كذا تعلقهما بالهواجر و الليل تعلق مجازى لكونهما ظرفا لهما.

(و فلان بن فلان لم اظمأ هواجره و لا اسهر ليله)

(3) قيل هذا مجاز عقلى بالاتفاق و لا يصدق عليه تعريفه لانه اسناد الشيء الى غير ما هو له و ايقاعه على غير ما حقه أن يوقع عليه و فيه نفى الاسناد و نفى التعلق و أجيب بأن المتصف بالتجوز هو الاسناد و التعلق بحسب الذات مع قطع النظر عن النفى و الاثبات فكما انهما متصفان بالتجوز فى حال الاثبات كذلك متصفان به فى حال النفى،

(فيقول للمؤمن)

(4) الّذي عمل به فى الليل و النهار:

18

ارقه قال: فيقرأ و يرقى حتّى يبلغ كلّ رجل منهم منزلته التي هي له فينزلها.

[الحديث الثاني عشر]

12- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، و عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد و سهل ابن زياد، جميعا، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطيّة، عن يونس بن عمّار قال:

قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّ الدواوين يوم القيامة ثلاثة: ديوان فيه النعم و ديوان فيه الحسنات و ديوان فيه السيّئات، فيقابل بين ديوان النعم و ديوان الحسنات فتستغرق النّعم عامّة الحسنات و يبقى ديوان السيّئات فيدعى بابن آدم المؤمن للحساب فيتقدّم القرآن أمامه في أحسن صورة فيقول: يا ربّ أنا القرآن و هذا عبدك المؤمن قد كان يتعب نفسه بتلاوتي و يطيل ليلة بترتيلي و تفيض عيناه إذا تهجّد فأرضه كما أرضاني، قال: فيقول العزيز الجبّار: عبدي ابسط يمينك فيملأها من رضوان اللّه العزيز الجبّار و يملأ شماله من رحمة اللّه، ثمّ يقال: هذه الجنّة مباحة لك فأقرأ و اصعد فإذا قرأ آية صعد درجة.

____________

(اقرأ و ارقه)

(1) رقى إليه كرضى صعد كارتقى و ترقى، و الهاء للوقف (قال فيقر أو يرقى)

(2) أى يقرأ آية و يصعد درجة فوق الاولى و هكذا.

(حتى يبلغ كل رجل منهم منزلته التى هى له فينزلها)

(3) الفعلان و هما يبلغ و ينزل اما من البلوغ و النزول أو من الابلاغ و الانزال و كل رجل على الاول فاعل و على الثانى مفعول.

قوله: (ان الدواوين يوم القيامة ثلاثة)

(4) فى مصباح اللغة الديوان جريدة الحساب ثم اطلق على موضع الحساب و هو معرب و الاصل دوان فابدل من أحد المضعفين ياء للتخفيف و لهذا يرد فى الجمع الى أصله دواوين و بالتصغير دويوين لان التصغير و جمع التكسير يردان الاسماء الى أصولها، و دونت الديوان أى وضعته و جمعته.

(فتستغرق النعم عامة الحسنات)

(5) أى جميعها و فى لفظ الاستغراق ايماء الى أنه يبقى بعض النعم بل أكثرها بلا مقابل له من الحسنات أى جميعها.

(و يطيل ليله بترتيلى)

(6) فى الصحاح الترتيل فى القراءة الترسل و التبيين بغير بغى و كلام رتل بالتحريك أى مرتل و فى القاموس الرتل محركة حسن تناسق الشيء و الحسن من الكلام و الطيب من كل شيء و رتل الكلام ترتيلا أحسن تأليفه و ترتل فيه ترسل. و فى النهارية الترتيل الجودة و تبيين الحروف بحيث يتمكن السامع عندها، و قال بعض الاصحاب هو حفظ الوقوف و أداء الحروف أى كمال أدائها. و الاطالة كناية عن السهر و ترك النوم لان الليل عند الساهر طويل

(و تفيض عيناه اذا تهجد)

(7) التهجد النوم فى الليل و الاستيقاظ فيه ضد و المراد هنا هو الثانى

(فأرضه كما أرضانى- الى آخره)

(8) تلاوته و ترتيله من جملة الحسنات التى

19

[الحديث الثالث عشر]

13- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، و عليّ بن محمّد القاساني، جميعا، عن القاسم ابن محمّد، عن سليمان بن داود، عن سفيان بن عيينة، عن الزّهري قال: قال عليّ ابن الحسين (عليهما السلام): لو مات من بين المشرق و المغرب لما استوحشت بعد أن يكون القرآن معي. و كان (عليه السلام) إذا قرأ «مٰالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» يكرّرها حتّى كاد أن يموت.

[الحديث الرابع عشر]

14- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد عن إسحاق بن غالب قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إذا جمع اللّه عزّ و جلّ الأوّلين و الآخرين إذا هم بشخص قد أقبل لم ير قطّ أحسن صورة منه فإذا نظر إليه المؤمنون و هو القرآن قالوا: هذا منّا هذا أحسن شيء رأينا، فإذا انتهى إليهم جازهم، ثمّ ينظر إليه الشهداء حتّى إذا انتهى إلى آخرهم جازهم، فيقولون: هذا القرآن فيجوزهم كلّهم حتّى إذا انتهى إلى المرسلين فيقولون: هذا القرآن، فيجوزهم حتّى ينتهي إلى الملائكة فيقولون: هذا القرآن فيجوزهم ثمّ ينتهي حتّى يقف عن يمين العرش فيقول الجبّار و عزّتي و جلالي و ارتفاع مكاني لاكرمنّ اليوم من أكرمك و لاهيننّ من أهانك.

____________

قوبلت بالنعماء لكن شفاعته المقبولة سبب للنجاة و علو الدرجات و رفع السيئات و لعل بسط اليمين و ملؤها من الرضوان و ملء الشمال من الرحمة من باب التمثيل لان كل من أخذ شيئا من غيره أخذه بيمينه و شماله.

قوله: (لو مات من بين المشرق و المغرب ما استوحشت بعد أن يكون القرآن معى)

(1) أراد أن من كان معه القرآن بالتلاوة و التدبر فى آياته و التفكر فيما فيه من أسراره و أحكامه و قصصه و حكاياته لا يستوحش من الوحدة و لا يهتم بالانقطاع عن الخلق، و الظاهر أن المراد بالموت المعنى المعروف مع احتمال أن يراد به انقطاع الخلق كلهم عنه اذ فيه موت نفوسهم بالضلالة و الجهالة

(و كان اذا قرأ مٰالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يكررها حتى كاد ان يموت)

(2) خوفا من ملاحظة عظمة المالك و كمال كبريائه و جبروته و مشاهدة شدائد ذلك اليوم و أهواله و أحوال الخلائق فيه.

قوله: (ثم ينظر إليه الشهداء حتى اذا انتهى الى آخرهم- اه)

(3) هذا لا ينافى ما دل عليه الخبر الاول من أنهم لا يعرفونه و أنهم يقولون هذا منا، لوجهين الاول أنهم لم يعرفوه فى بادى النظر فقالوا ذلك ثم بعد التفكر أو الالهام عرفوه و قالوا هو القرآن، و مثل ذلك كثير شايع. و الثانى أن القائل الاول بعضهم و القائل الثانى بعض آخر، و بالجملة لا منافاة عند مغايرة الوقتين أو مغايرة القائلين.

20

(باب فضل حامل القرآن)

[الحديث الأول]

1- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن أبي الحسين الفارسيّ، عن سليمان بن الجعفر الجعفري، عن السّكوني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): إنّ أهل القرآن في أعلى درجة من الآدميّين ما خلا النبيّين و المرسلين فلا تستضعفوا أهل القرآن حقوقهم فإنّ لهم من اللّه العزيز الجبّار لمكانا [عليا].

[الحديث الثاني]

2- عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، و سهل بن زياد، جميعا، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن الفضيل بن يسار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: الحافظ للقرآن العامل به مع السفرة الكرام البررة.

[الحديث الثالث]

3- و بإسناده، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): تعلّموا القرآن فإنّه يأتي يوم القيامة صاحبه في صورة شابّ جميل شاحب اللّون فيقول له القرآن أنا الذي كنت أسهرت ليلك و أظمأت هواجرك و أجففت ريقك و أسلت دمعتك أؤول

____________

قوله: (أن أهل القرآن فى أعلى درجة من الآدميين)

(1) المراد به من تعلمه و حافظه و واظب على تلاوته و العمل بما فيه فان كل ذلك يصدق عليه أنه من أهل القرآن بل صدقه على العامل أولى من صدقه على القارى لان العمل هو المقصود بالذات و القراءة تابعة و صدقه على القارى العامل أولى من صدقه على أحدهما.

قوله: (الحافظ للقرآن العامل به مع السفرة الكرام البررة)

(2) من طريق العامة «مثل الماهر بالقرآن مثل السفرة» فى النهاية هم الملائكة جمع سافر و السافر فى الاصل الكاتب سمى به لانه يبين الشيء و يوضحه، قوله تعالى بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرٰامٍ بَرَرَةٍ و فى كتاب اكمال الاكمال لشرح مسلم هم الملائكة سموا بذلك لنزولهم بما يقع به الصلاح بين الناس تشبيها بالسفير و هو الّذي يصلح بين الرجلين و قيل لانهم يسفرون بين اللّه تعالى و أنبيائه (عليهم السلام) بالوحى و قيل هم الكتبة من الملائكة لانهم ينتسخون الكتب من اللوح المحفوظ و قيل هم الأنبياء لانهم سفراء بينه تعالى و بين عباده، و المراد بكونهم كراما أنهم أعزاء على اللّه تعالى أو متعطفون على المؤمنين، مستغفرون لهم. و بكونهم بررة أنهم مطيعون له تعالى، فاعلون للخيرات، منزهون عن النقايص و السيئات. و الظاهر أن المراد بكون الحافظ للقرآن معهم أنه معهم فى درجتهم و منازلهم فى الآخرة و رفيق لهم فيها لاتصافه بصفتهم فى جملة كتاب اللّه عز و جل، و قيل المراد انه عامل بعملهم كما يقال فلان مع بنى فلان أى فى الرأى و المذهب كما قال لوط (ع) وَ نَجِّنِي وَ مَنْ مَعِيَ- الآية.

21

معك حيثما الت، و كلّ تاجر من وراء تجارته و أنا اليوم لك من وراء تجارة كلّ تاجر و سيأتيك كرامة [من] اللّه عزّ و جلّ فأبشر، فيؤتى بتاج فيوضع على رأسه و يعطى الأمان بيمينه و الخلد في الجنان بيساره و يكسى حلّتين، ثمّ يقال له: اقرأ و ارق، فكلّما قرأ آية صعد درجة و يكسى أبواه حلّتين إن كانا مؤمنين ثمّ يقال لهما:

هذا لما علّمتماه القرآن.

[الحديث الرابع]

4- ابن محبوب، عن مالك بن عطيّة، عن منهال القصّاب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: من قرأ القرآن و هو شابّ مؤمن اختلط القرآن بلحمه و دمه و جعله اللّه عزّ و جلّ مع السفرة الكرام البررة و كان القرآن حجيزا عنه يوم القيامة، يقول: يا ربّ إنّ كلّ عامل قد أصاب أجر عمله غير عاملي فبلّغ به أكرم عطاياك، قال: فيكسوه

____________

قوله: (و كل تاجر من وراء تجارته)

(1) يطلب ربحها لنفسه بنفسه فى هذا اليوم و هو حاجته

(و أنا لك اليوم من وراء تجارة كل تاجر)

(2) أطلب لك كل ربح يطلبه كل تاجر من تجارته، هذا محض الاحتمال و اللّه أعلم بحقيقة الحال.

(فيؤتى بتاج و يوضع على رأسه)

(3) التاج الاكليل و هو ما يصاغ للملوك و يرصع بالجواهر و الجمع تيجان و الياء فى الاصل واو.

(و يعطى الامان)

(4) من العذاب و الخذلان

(بيمينه و الخلد فى الجنان بيساره)

(5) أى يعطى كتاب الامان و الخلد أو يعطى الامان و الخلد فى ملكته فاستعار اليمين و الشمال لان الاخذ و القبض بهما

(و يكسى أبواه حلتين ان كانا مؤمنين)

(6) و قد يخفف العذاب عنهما ان كانا كافرين كما يشعر به كلام بعض الاكابر.

(و يقال هذا لما علمتماه القرآن)

(7) الظاهر أن «ما» مصدرية و القرآن مفعول ثان للتعليم، قال بعض المفسرين اذا قال الولد عند التعلم بسم اللّه الرحمن الرحيم و كان أبواه معذبين رفع اللّه تعالى عنهم العذاب ببركة تعلم الولد.

قوله: (من قرأ القرآن و هو شاب مؤمن)

(8) لعل المراد أن يكون القراءة دأبه و عادته و أن يكون من باب التفهم و التدبر لا مجرد المرة و لا مجرد النطق مع احتماله.

(اختلط القرآن بلحمه و دمه)

(9) يعنى يؤثر فى ظاهره و باطنه و يوجب استقامة أعضائه و قلبه و جوارحه و تستقر فيها المواعظ الربانية و النصائح القرآنية استقرارا تاما لعدم اعوجاجها بالمعاصي المانعة من قبول الحق بعد و من ثم اشتهر أن التعلم فى الصغر كالنقش فى الحجر.

(و كان القرآن حجيزا عنه يوم القيامة)

(10) أى كان مانعا يمنع عنه فى ذلك اليوم أهواله و مكارهه، و حذف المفعول للدلالة على التعميم.

22

اللّه العزيز الجبّار حلّتين من حلل الجنّة و يوضع على رأسه تاج الكرامة، ثمّ يقال:

له: هل أرضيناك فيه؟ فيقول القرآن: يا ربّ قد كنت أرغب له فيما هو أفضل من هذا فيعطى الأمن بيمينه و الخلد بيساره ثمّ يدخل الجنّة فيقال له اقرأ و اصعد درجة، ثمّ يقال له: هل بلغنا به و أرضيناك، فيقول: نعم. قال: و من قرأه كثيرا و تعاهده بمشقّة من شدّة حفظه أعطاه اللّه عزّ و جلّ أجر هذا مرّتين.

[الحديث الخامس]

5- أبو عليّ الأشعرى، عن الحسن بن عليّ بن عبد اللّه، و حميد بن زياد، عن الخشّاب، جميعا، عن الحسن بن عليّ بن يوسف، عن معاذ بن ثابت، عن عمرو بن جميع عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): إنّ أحقّ النّاس بالتخشّع في السّر و العلانية لحامل القرآن و إنّ أحقّ الناس في السرّ و العلانية بالصّلاة و الصوم لحامل القرآن، ثمّ نادى بأعلى صوته يا حامل القرآن تواضع به يرفعك اللّه و لا

____________

(قال و من قرأ كثيرا و تعاهده بمشقة من شدة حفظه أعطاه اللّه عز و جل أجر هذا مرتين)

(1) هذا الحديث متفق عليه بين الخاصة و العامة روى مسلم باسناده عن عائشة قالت «قال رسول اللّه (ص) «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة و الّذي يقرأ القرآن و يتعتع فيه و هو عليه شاق له أجران» و فى رواية اخرى «و الّذي يقرؤه و هو يشتد عليه له أجران» قيل المراد بالتتعتع التردد فيه لقلة حفظه، و الاجران أحدهما فى قراءة حروفه و الاخر فى تعبه و مشقته، و ليس المراد أنه أكثر أجرا من الماهر بل الماهر أكثر أجرا لانه مع السفرة (عليهم السلام) و له اجور كثيرة و كيف يلتحق من لم يعتن بكتاب اللّه بمن اعتنى به حتى مهر فيه و قيل أحد الاجرين تعاهد المشقة فى تعلمه و الآخر تعاهدها من شدة حفظه و رجحه على الاول بأن به يظهر الفرق بينه و بين من لم يكن له مشقة لا بالاول اذ لكل قارئ أجران أحدهما للتعلم و الحفظ و ان لم يكن فيهما مشقة و الاخر لاجل القراءة. أقول ظاهر رواياتنا و روايتهم هو الاول.

قوله: (ان أحق الناس بالتشخع فى السر و العلانية)

(2) أى فى الباطن بتقويم النفس بالاخلاق الفاضلة و العقائد الحقة الراسخة و فى الظاهر بتسديد الجوارح و الاعضاء بالاعمال الفاضلة و الافعال الكاملة

(لحامل القرآن)

(3) المراد به القارى العالم المتدبر فيه، العامل به و يرشد الى ذلك قوله تعالى لَوْ أَنْزَلْنٰا هٰذَا الْقُرْآنَ عَلىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خٰاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللّٰهِ وَ تِلْكَ الْأَمْثٰالُ نَضْرِبُهٰا لِلنّٰاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.

(و ان أحق الناس فى السر و العلانية)

(4) لعل المراد بهما هنا حالة الانفراد و الاجتماع

(بالصلاة و الصوم)

(6) و غيرهما من العبادات.

(لحامل القرآن)

(5) اذ له مرتبة المراقبة بالعبادات و المحافظة عليها و الامر بها و النهى

23

تعزّز به فيذلّك اللّه، يا حامل القرآن تزيّن به للّه يزيّنك اللّه [به] و لا تزيّن به للنّاس فيشينك اللّه به، من ختم القرآن فكأنّما أدرجت النبوّة بين جنبيه و لكنّه لا يوحى إليه و من جمع القرآن فنوله لا يجهل مع من يجهل عليه و لا يغضب فيمن يغضب عليه و لا يحدّ فيمن يحدّ و لكنّه يعفو و يصفح و يغفر و يحلم لتعظيم القرآن و من اوتي القرآن فظنّ أن أحدا من النّاس اوتي أفضل ممّا اوتي فقد عظّم ما حقّر اللّه و حقّر ما عظّم اللّه.

[الحديث السادس]

6- أبو عليّ الأشعري، عن الحسن بن عليّ بن عبد اللّه، عن عبيس بن هشام قال:

____________

من ضياعها لما شاهد فيه من الوعد و الوعيد و الامر و التهديد و درجات المطيعين و دركات الفاسقين و عقوبات العاصين

(يا حامل القرآن تواضع به)

(1) أى بسبب القرآن و حمله للّه تعالى و لرسوله و للمؤمنين

(يرفعك اللّه)

(2) فى الدنيا و الآخرة فتكون من المقربين

(و لا تعزز به)

(3) عند الخلائق

(فيذلك اللّه)

(4) فيهما فتكون من الهالكين.

(يا حامل القرآن تزين به)

(5) أى بالقرآن و ترتيله و جواهر أسراره و حلل حقائقه و لطائف رقائقه

(يزينك اللّه)

(6) بحلل الجنان و كرائم الاحسان أو يمدحك فى أعلى عليين و زمرة المقربين و فى الكنز زين آراستن و مدح كردن.

(و لا تزين به للناس)

(7) طلبا للعزة و التقرب و المدح و الاحسان منهم

(فيشينك اللّه به)

(8) أى يعيبك اللّه به عند الصالحين و يقبحك عند اكرام الحاملين العاملين للّه و فى الكنز شين عيب كردن.

(و من ختم القرآن فكأنما أدرجت النبوة بين جنبيه)

(9) يعنى فى قلبه لان آثار النبوة و هى كل ما أوحى اللّه الى النبي (ص) دخل فى قلبه تفصيلا و اجمالا فوقع التشابه.

(لكنه لا يوحى إليه)

(10) كما أوحى الى النبي (ص) فحصل به التميز و التفارق ثم أشار الى بعض خواص حامل القرآن و صفاته التى ينبغى ان يكون عليها

بقوله:

(و من جمع القرآن)

(11) قراءة و علما و عملا به

(فنوله لا يجهل مع من يجهل عليه)

(12) بالاستخفاف و الاستهزاء و التجبر و التكبر و الغلظة فى القول و المعاشرة و ترك الحقوق و أمثال ذلك بل شأنه الملاينة و المداراة عملا بقوله تعالى وَ إِذٰا خٰاطَبَهُمُ الْجٰاهِلُونَ قٰالُوا سَلٰاماً و النول بالفتح الحظ و النصيب و ما ينبغى (و لا يغضب فيمن يغضب عليه و لا يحد فيمن يحد)

(13) «فى» فى الموضعين بمعنى مع أو على، و «يحد» فى بعض النسخ بالحاء المهملة و الدال المشددة من الحدة بالكسر و هى الطيش و النزق و الوثوب و الخفة عند الغضب و فى بعضها بالجيم و الدال المخففة من الوجد و هو الغضب، و يقال وجد عليه يجد وجدا و جدة و موجدة اذا غضب و لعل المراد بقوله «لا يغضب» زجر عن اجراء أحكامه صونا للكلام عن التكرار، و اللّه أعلم.

24

حدّثنا صالح القمّاط، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: الناس أربعة، فقلت: جعلت فداك و ما هم؟ فقال: رجل اوتي الإيمان و لم يؤت القرآن و رجل اوتي القرآن و لم يؤت الإيمان و رجل اوتي القرآن و اوتي الإيمان و رجل لم يؤت القرآن و لا الإيمان، قال: قلت: جعلت فداك فسّر لي حالهم، فقال:

أمّا الّذي اوتي الإيمان و لم يؤت القرآن فمثله كمثل التمرة طعمها حلو و لا ريح لها و أمّا الّذي اوتي القرآن و لم يؤت الايمان فمثله كمثل الاس ريحها طيب و طعمها مرّ، و أمّا من اوتي القرآن و الإيمان فمثله كمثل الأترجة ريحها طيب و طعمها طيب، و أمّا الّذي لم يؤت القرآن و لا الإيمان فمثله كمثل الحنظلة طعمها مرّ و لا ريح لها.

____________

قوله: (قال الناس أربعة)

(1) التأنيث باعتبار الجماعة أو المراد أربعة أصناف

(فقلت جعلت فداك و ما هم)

(2) سأل عن صفاتهم و خواصهم التى يتميز بها كل صنف عن الاخر

(فقال رجل أوتى الايمان و لم يؤت القرآن)

(3) اريد بالايمان التصديق باللّه و رسوله و بما جاء به الرسول، و عدم اتيان القرآن شامل لعدم قدرته على قراءته و عدم قراءته مع القدرة عليها و عدم اتخاذ قراءته دأبا و عادة

(و رجل اوتى القرآن و لم يؤت الايمان)

(4) كالمنافق الّذي يقرأ القرآن.

(و رجل اوتى القرآن و اوتى الايمان)

(5) و هو المؤمن الّذي يقرأ القرآن و يتخذ القراءة دأبا و عادة

(و رجل لم يؤت القرآن و لا الايمان)

(6) كالمنافق الّذي لا يقرأ القرآن.

(قال قلت جعلت فداك فسر لى حالهم)

(7) سأل بعد معرفتهم بالصفات المذكورة عن تفسير حالهم بمثال جزئى طلبا لزيادة الانكشاف.

(فقال أما الّذي اوتى الايمان و لم يؤت القرآن فمثله كمثل التمرة طعمها حلو و لا ريح لها)

(8) لعل المراد أنه لا ريح لها ريح فائق مشتهى و الا فللتمرة ريح فى الجملة.

(و أما الذي اوتى القرآن و لم يؤت الايمان فمثله كمثل الاس ريحها طيب و طعمها مر)

(9) الاس شجر معروف واحدتها آسة.

(و أما من اوتى القرآن و الايمان فمثله كمثل الاترجة ريحها طيب و طعمها طيب)

(10) الاترج بضم الهمزة و الراء بينهما تاء مثناة ساكنة و آخرها جيم ثقيلة و قد تخفف و يزاد قبلها نون ساكنة و يقال بحذف الألف مع الوجهين.

(و أما الّذي لم يؤت الايمان و لا القرآن فمثله كمثل الحنظلة طعمها مر و لا ريح لها)

(11) مثل هذا الحديث موجود فى كتب العامة روى مسلم باسناده عن انس عن أبى موسى الاشعرى قال قال رسول اللّه (ص) «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الاترجة ريحها طيب و طعمها طيب و مثل المؤمن الّذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها و طعمها حلو و مثل المنافق

25

[الحديث السابع]

7- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، و عليّ بن محمّد القاساني، جميعا، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود، عن سفيان بن عيينة، عن الزّهري قال: قلت لعليّ بن الحسين (عليهما السلام) أيّ الأعمال أفضل قال: الحالّ المرتحل قلت: و ما الحالّ المرتحل

____________

الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب و طعمها مر و مثل المنافق الّذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس فيها ريح و طعمها مر» قال صاحب كتاب اكمال الاكمال وجه التشبيه فى التمثيل بالاترجة مجموع الامرين طيب الطعم و طيب الرائحة لا أحدهما على التفريق كما فى بيت امرئ القيس:

كان قلوب الطير رطبا و يابسا * * * لدى و كرها العناب و الحشف البالى

و لما كان طيب الطعم و طيب الرائحة فى النفس المؤمنة عقليان و كانت الامور العقلية لا تبرز عن موصوفها ألا بتصويرها بصورة المحسوس المشاهد شبهه (ع) بالاترجة الموجود فيها ذلك حسا تقريبا للفهم و الادراك فطيب الطعم فى النفس المؤمنة الايمان لانه ثابت فى النفس هى به طيبة باطنا كثبوته فى الاترجة و طيب الرائحة فيها يرجع الى قراءته القرآن لان القراءة قد يتعدى نفعها بالغير فينتفع بها المستمع كما أن طيب رائحة الأترجة يتعدى و ينتفع بها المستروح أى الشام، بقى ان يقال لم خص التمثيل بما يخرج من الشجر من الثمار ثم خص الا ترجه دون غيرها مع وجود الامرين فى غيرها كالتفاحة فيقال فى الجواب عن الاول خص الثمار للشبه الّذي بينها و بين الاعمال لان الاعمال ثمار النفوس و يقال فى الجواب عن الثانى أما لان وجود الامرين فى الأترجة أظهر و أما لبقائها و عدم سرعة تغيرها و أما لان الجن لا يقرب البيت الّذي فيه الأترجة فناسب أن يمثل به القرآن الّذي لا يقربه الشياطين و أما لان غلاف حبها أبيض فناسب قلب المؤمن و اما لانها أفضل الثمار كما أن المؤمن أفضل الانسان و وجه كونها أفضل الثمار أنها جامعة للصفات المطلوبة قبل الاكل و بعده و انها فى ذاته تنقسم على الطبائع أما قبل الاكل فكبير الجرم و حسن المنظر صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، و طيب الريح و لين اللمس اشتركت فيه الحواس الاربع البصر و الذوق و الشم و أما بعد الاكل فالالتذاذ بذوقها و طيب النكهة و دباغ المعدة و قوة الهضم، و اما انقسامها على الطبائع فقشرها حار يابس و لحمها حار رطب و حامضها بارد يابس و بزرها حار مجفف مع ما فيها من المنافع التى يذكرها الاطباء فى المفردات ثم قيل خص صفة الايمان بالطعم و صفة التلاوة بالريح لان الايمان الزم للمؤمن من القرآن اذ يمكن حصول الايمان بدون القراءة و كذلك الطعم الزم للجوهر من الريح فقد يذهب الريح من الجوهر و يبقى طعمه.

قوله: (قال قلت لعلى بن الحسين (عليهما السلام) أى الاعمال أفضل قال الحال المرتحل قلت و ما الحال المرتحل قال فتح القرآن و ختمه)

(1) هذا مجمل فسره بقوله «كلما جاء

26

قال: فتح القرآن و ختمه، كلّما جاء بأوّله ارتحل في آخره و قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): من أعطاه اللّه القرآن فرأى أنّ رجلا اعطي أفضل ممّا اعطي فقد صغّر عظيما و عظّم صغيرا.

[الحديث الثامن]

8- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن عيسى، عن سليمان بن رشيد، عن أبيه، عن معاوية بن عمّار قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): من قرأ القرآن فهو غنيّ و لا فقر بعده و إلّا ما به غنى.

[الحديث التاسع]

9- أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن ابن أبي نجران، عن أبي جميلة، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): يا معاشر قرّاء القرآن اتّقوا اللّه عزّ و جلّ فيما حملكم من كتابه فإنّي مسئول و إنّكم مسئولون

____________

بأوله ارتحل فى آخره» الحال بشد اللام النازل من حل المكان اذا نزل به و المرتحل بكسر الحاء المنتقل و الارتحال الانتقال و كان آخره ظرف للانتقال منه الى أوله و لو كانت «فى» بمعنى «من» لكان أظهر و مثل هذا الحديث موجود فى كتب العامة قال ابن الاثير هو الّذي يختم القراءة بتلاوته ثم يفتتح التلاوة من أوله شبهه بالمسافر يبلغ المنزل فيحل فيه ثم يفتح سيره أى يبتدأ به و لذلك قراء مكه اذا ختموا القرآن بالتلاوة ابتدءوا و قرءوا الفاتحة و خمس آيات من أول سورة البقرة الى قوله «هُمُ الْمُفْلِحُونَ» ثم يقطعون القراءة و يسمون فاعل ذلك الحال المرتحل أى أنه ختم القرآن و ابتدأ بأوله و لم يفصل بينهما بزمان.

قوله: (قال قال رسول اللّه (ص) من أعطاه القرآن)

(1) أى وفقه لتلاوته و ترتيله و هذا استشهاد لما ذكره من أنها أفضل الاعمال أو تأكيد له.

قوله: (من قرأ القرآن فهو غنى لا فقر بعده و الا ما به غنى)

(2) لعل المراد من قرأ القرآن و دارسه فهو غنى عن غيره لاشتماله على أقسام العلوم و أصناف الحقائق كلها و ليس بعده فقر يحوجه الى الغير و ان لم يقرأ ما به غنى عن غيره و الغير لا يغنيه منه شيئا بل ربما يضله و فى حديث العامة «من لم يتغن بالقرآن فليس منا» قال ابن الاثير أى من لم يستغن بالقرآن عن غيره و يحتمل أن يراد بالغنى الغنى الاخروى بسبب تلك العبادة و هى القراءة و ما يتبعها من الاخلاق الصالحة و الاعمال الفاضلة و ما يترتب عليها من المثوبات الجزيلة و التفضلات الجميلة و يؤيده قول أمير المؤمنين (ع) «الغنى و الفقر يظهران بعد العرض» يعنى بعد العرض على اللّه يوم القيامة.

قوله: (يا معاشر قراء القرآن اتقوا اللّه عز و جل فيما حملكم من كتابه)

(3) أمر قارئ القرآن و حامله بالاجتناب عن عقوبة اللّه و سخطه فى شأن القرآن بالانقياد لاوامره

27

إنّي مسئول عن تبليغ الرّسالة و أما أنتم فتسألون عمّا حملتم من كتاب اللّه و سنّتي.

[الحديث العاشر]

10- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود المنقري، عن حفص قال: سمعت موسى بن جعفر (عليه السلام) يقول لرجل: أ تحبّ البقاء في الدّنيا؟ فقال: نعم، فقال: و لم؟ قال: لقراءة قل هو اللّه أحد، فسكت عنه فقال له بعد ساعة:

يا حفص من مات من أوليائنا و شيعتنا و لم يحسن القرآن علّم في قبره ليرفع اللّه به من درجته فإنّ درجات الجنّة على قدر آيات القرآن يقال له: اقرأ و ارق، فيقرأ ثمّ يرقى. قال: حفص فما رأيت أحدا أشدّ خوفا على نفسه من موسى بن جعفر (عليهما السلام) و لا أرجا النّاس منه و كانت قراءته حزنا، فإذا قرأ فكأنه يخاطب إنسانا.

[الحديث الحادي عشر]

11- عليّ عن أبيه، عن النوفليّ، عن السكونيّ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): حملة القرآن عرفاء أهل الجنّة و المجتهدون قوّاد أهل الجنّة و الرّسل سادة أهل الجنّة.

____________

و نواهيه و الاتعاظ بنصائحه و مواعظه و التسليم لاحكامه و حدوده و الامتثال بها و القيام على اجرائها على الامة بالامر بالمعروف و النهى عن المنكر و رغب فيه بأن كل أحد مسئول يوم القيامة عما أمر به فالنبى (ص) مسئول عن تبليغ الرسالة و قد بلغها كما أمر، و القراء و العلماء مسئولون عن حفظ ما بلغه (ص) من القرآن و السنة.

قوله: (فما رأيت أحدا أشد خوفا على نفسه من موسى بن جعفر و لا ارجا الناس منه)

(1) يعرف خوف أحد و رجاؤه من علاماتها و علامة شدة الخوف التحرز عن كل ما يؤثم و يوجب البعد عن الحق بل عن ترك خلاف الاولى و علامة شدة الرجاء الاتيان بالطاعات و الخيرات كلها و الاقبال إليها و العكوف عليها مع غاية الخضوع و التضرع و الابتهال.

(كانت قراءته حزنا)

(2) أى موجبا لحزن القلب و رقته و قد يجعل الحزن كناية عن البكاء

(فاذا قرأ فكأنه يخاطب انسانا)

(3) لعل المراد أنه كان يبين الحروف و لا ينثرها نثر الرمل و هو معنى الترتيل كما سيجيء، و فيه اشعار بأنه لم يكن يقرأ بالصوت المشتمل على النغمة و ان كان جائزا لما سيجيء.

قوله: (حملة القرآن عرفاء أهل الجنة)

(4) أى رؤساءهم جمع عريف و هو القيم بامور القبيلة

(و المجتهدون قواد أهل الجنة)

(5) القواد بالضم و القادة جمع القائد و المجتهدون هم الذين علموا الكتاب و السنة النبوية ظاهرهما و باطنهما و استنبطوا ما هو المقصود منهما و أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر و هم الراسخون فى العلم، ثم العلماء التابعون لهم

(و الرسل سادة أهل الجنة)

(6) لما أعطاهم اللّه تعالى من زيادة الفضل و الشرف و الكرامة

28

باب من يتعلم القرآن بمشقة

[الحديث الأول]

1- عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، و سهل بن زياد، جميعا، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن الفضيل بن يسار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إنّ الذي يعالج القرآن و يحفظه بمشقّة منه و قلّة حفظ له أجران.

[الحديث الثاني]

2- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن الصباح بن سيابة قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: من شدّد عليه في القرآن كان له أجران و من يسّر عليه كان مع الأوّلين.

[الحديث الثالث]

3- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد، عن سليم الفرّاء، عن رجل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ينبغي للمؤمن أن لا يموت حتّى يتعلّم القرآن أو يكون في تعليمه.

باب من حفظ القرآن ثم نسيه

[الحديث الأول]

1- عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، و أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، جميعا، عن ابن فضّال، عن أبي إسحاق ثعلبة بن ميمون، عن يعقوب الأحمر

____________

حتى صاروا بذلك سادات أهل الجنة و سلاطينهم و غيرهم من المذكورين أمراء و رؤساء على تفاوت مراتبهم و تفاضل درجاتهم.

قوله: (من شدد عليه فى القرآن)

(1) أى من شدد عليه فى تعلمه و تعليمه و تحفظه و قراءته

(كان له أجران)

(2) و قد مر تفسيرهما.

(و من يسر عليه كان مع الاولين)

(3) أى من يسر عليه فى تعلمه و حفظه و تلاوته كان مع الاولين الذين سبقوا الى الايمان و الطاعة بعد سماعهم من غير توان و لا تراخ أو مع الأنبياء الاولين و يؤيده قوله (ص) «علماء امتى كانبياء بنى اسرائيل» و فيه دلالة على أن الميسر عليه أكثر أجرا من المشدد عليه.

قوله: (ينبغى للمؤمن أن لا يموت حتى يتعلم القرآن أو يكون فى تعليمه)

(4) الّذي يسبق الى الافهام من تعلم القرآن و تعليمه غالبا تحفظه بدوام الدرس و التلاوة و حملها على اطلاقها بحيث يتناول ضبطه تحفظا و تلاوة و فهما و تفقها و دراية أنسب و يدل عليه بعض أخبارنا. و كان هذا هو الاغلب عليهم فى عهد الرسول (ص) و يؤيده ما روى من طرق العامة عن ابن مسعود قال «كان اقرأنا للقرآن أعلمنا به ما كان أحدنا يحفظ خمس آيات فيجاوزها حتى يعلم علمها».

29

قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): جعلت فداك إنّي كنت قرأت القرآن ففلت منّي فادع اللّه عزّ و جلّ أن يعلّمنيه، قال: فكأنّه فزع لذلك فقال: علّمك اللّه هو و إيّانا جميعا قال: و نحن نحو من عشرة، ثمّ قال: السورة تكون مع الرّجل قد قرأها، ثمّ تركها فتأتيه يوم القيامة في أحسن صورة و تسلّم عليه فيقول: من أنت فتقول أنا سورة كذا و كذا فلو أنّك تمسّكت بي و أخذت بي لأنزلتك هذه الدرجة فعليكم بالقرآن، ثمّ قال: إنّ من الناس من يقرأ القرآن ليقال: فلان قارئ و منهم من يقرأ القرآن ليطلب به الدّنيا و لا خير في ذلك و منهم من يقرأ القرآن لينتفع به في صلاته و ليله و نهاره.

[الحديث الثاني]

2- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي المغراء، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): من نسي سورة من القرآن مثلّث له في صورة حسنة و درجة رفيعة في الجنّة فإذا رآها قال: ما أنت ما أحسنك ليتك لي؟ فيقول: أ ما تعرفني؟ أنا سورة كذا و كذا و لو لم تنسني رفعتك إلى هذا.

[الحديث الثالث]

3- ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن يعقوب الأحمر قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ عليّ دينا كثيرا و قد دخلني ما كان القرآن يفلت منّي فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): القرآن، القرآن، إنّ الآية من القرآن و السّورة لتجيء يوم-

____________

قوله: (ففلت منى)

(1) تفلت و أفلت و انفلت بمعنى.

قوله: (ثم قال ان من الناس من يقرأ القرآن ليقال فلان قارئ و منهم من يقرأ- اه)

(2) دل على أن ثواب القراءة ليس الا لمن قرأ القرآن اخلاصا للّه تعالى و دل عليه أيضا أحاديث «انما الاعمال بالنيات» و يؤيده ما رواه مسلم فى حديث طويل «رجل تعلم العلم و علمه و قرأ القرآن أتى به يوم القيامة قال فما عملت فيها؟ قال تعلمت القرآن و علمته و قرأت فيك القرآن قال كذبت و لكنك تعلمت العلم ليقال عالم و قرأت القرآن ليقال هو قارى، ثم أمر به فيسحب على وجهه حتى ألقى فى النار» قال الا بى قراءته ليتخلص به من الجهل من وجوه قراءته محبة للّه تعالى، و قال ابن رشد الوعيد انما هو لمن أصل قراءته الرياء فأما من كان أصل قراءته للّه تعالى و على ذلك عقد فلا يضره الخطرات التى تقع بالقلب و لا يملك دفعها و انما هى من الشيطان ليمنعه من العمل فمن وجد شيئا من ذلك فلا يكسله عن التمادى فى فعل الخير و ليدرأ الشيطان عن نفسه ما استطاع و يجرد النية للّه تعالى.

قوله: (و لو لم تنسني لرفعتك الى هذا)

(3) اشارة الى الدرجة باعتبار المقام أو المنزل.

30

القيامة حتّى تصعد ألف درجة- يعني في الجنّة- فيقول: لو حفظتني لبلغت بك هاهنا.

[الحديث الرابع]

4- حميد بن زياد، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، و عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، جميعا، عن محسن بن أحمد، عن أبان بن عثمان، عن ابن أبي يعفور قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إنّ الرّجل إذا كان يعلّم السورة ثمّ نسيها أو تركها و دخل الجنّة أشرفت عليه من فوق في أحسن صورة فتقول: تعرفني؟ فيقول: لا، فتقول: أنا سورة كذا و كذا لم تعمل بي و تركتني أما و اللّه لو عملت بي لبلغت بك هذه الدّرجة و أشارت بيدها إلى فوقها.

[الحديث الخامس]

5- أبو عليّ الأشعري، عن الحسن بن عليّ بن عبد اللّه، عن العباس بن عامر، عن الحجّاج الخشّاب، عن أبي كهمس الهيثم بن عبيد قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل قرأ القرآن ثمّ نسيه- فرددت عليه ثلاثا- أ عليه فيه حرج؟ قال: لا.

[الحديث السادس]

6- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن خالد، و الحسين بن سعيد، جميعا، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن عبد اللّه بن مسكان، عن يعقوب الأحمر قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): جعلت فداك إنّه أصابتني هموم و أشياء لم يبق شيء من الخير إلّا و قد تفلّت منّي منه طائفة حتّى القرآن لقد تفلّت مني طائفة منه، قال: ففزع عند ذلك حين ذكرت القرآن ثمّ قال: إنّ الرّجل لينسى السورة من القرآن فتأتيه يوم القيامة حتّى تشرف عليه من درجة من بعض الدّرجات فتقول: السلام عليك، فيقول: عليك السّلام من أنت؟ فتقول: أنا سورة كذا و كذا ضيّعتني و تركتني أما لو تمسّكت بي بلغت بك هذه الدرجة، ثمّ أشار بإصبعه ثمّ

____________

قوله: (ان الآية من القرآن و السورة لتجيء يوم القيامة حتى تصعد ألف درجة- اه)

(1) يحتمل أن يحمل هذا على ظاهره من أن الدرجات منازل بعضها فوق بعض و هذه صفة منازل أهل الجنة كما ورد من طرقنا و طرق العامة و فى بعض أخبارهم أنهم يتراءون كالكوكب الدرى» و يحتمل أن يريد به كثرة النعيم و عظمة أهل الاحسان و رفعة قدر الجزاء مما لم يخطر على قلب بشر و ان أنواع النعيم يتباعد ما بينهما فى الفضل تباعد ما بين السماء و الارض.

قوله: (فرددت عليه ثلاثا أ عليه فيه حرج: قال: لا)

(2) يعنى ليس فيه اثم و لا ينافى ذلك فوات أجر عظيم عنه.

قوله: (ثم أشار باصبعه)

(3) ضمير المرفوع و المجرور راجعان الى السورة باعتبار القرآن

31

قال: عليكم بالقرآن فتعلّموه فإنّ من النّاس من يتعلّم القرآن ليقال: فلان قارئ و منهم من يتعلّمه فيطلب به الصّوت فيقال: فلان حسن الصوت و ليس في ذلك خير و منهم من يتعلّمه فيقوم به في ليله و نهاره و لا يبالي من علم ذلك و من لم يعلمه.

باب فى قراءته

[الحديث الأول]

1- علي، عن أبيه، عن حمّاد، عن حريز، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: القرآن عهد اللّه إلى خلقه فقد ينبغي للمرء المسلم أن ينظر في عهده و أن يقرأ منه في كلّ يوم خمسين آية.

[الحديث الثاني]

2- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، و عليّ بن محمّد، جميعا، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود، عن حفص بن غياث، عن الزّهريّ قال: سمعت عليّ بن الحسين (عليهما السلام) يقول: آيات القرآن خزائن فكلّما فتحت خزانة ينبغي لك أن تنظر ما فيها.

باب البيوت التى يقرأ فيها القرآن

[الحديث الأول]

1- عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن الفضيل ابن عثمان، عن ليث بن أبي سليم، رفعه قال: قال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): نوّروا بيوتكم بتلاوة القرآن و لا تتّخذوها قبورا كما فعلت اليهود و النصارى، صلّوا في الكنائس

____________

و يحتمل عودهما الى أبى عبد اللّه (ع) و يؤيد الاول قوله سابقا و أشارت بيدها الى فوقها.

قوله: (آيات القرآن خزائن- الخ)

(1) اذ فيها أنواع من جواهر المعانى و الاسرار و الحقائق و أصناف من فرائد اللطائف و الفوائد و الدقائق و لذلك كان القرآن مع قلة لفظه و صغر حجمه مشتملا على جميع ما كان و ما هو كائن و ما يكون الى يوم القيامة و فيه.

قوله: (نوروا بيوتكم بتلاوة القرآن)

(2) العبادة مثل التلاوة و الصلاة و الدعاء و نحوها بحسب الحقيقة نور عند ذوى البصيرة الكاملة و انما اختفى نورانيتها عن الاكثر فى هذه النشأة لمصالح لا يعلمها الا هو فقوله نوروا بيوتكم على حقيقته و الظاهر من التلاوة حقيقتها.

و يمكن أن يراد بها الصلاة من باب تسمية الشيء باسم أشرف أجزائه ليكمل التناسب مع

قوله:

(كما فعلت اليهود و النصارى صلوا فى الكنائس اه)

(3) ففيه حينئذ حث على فعل الصلاة فى البيوت و لا يبعد حملها على النافلة فان السر فيها أفضل بخلاف المكتوبة فانها فى المسجد أفضل كما دل على هذا التفصيل بعض الروايات و الحث على فعل بعض الصلاة فى البيت وقع من طرق العامة أيضا روى مسلم باسناده عن ابن عمر عن النبي (ص) قال «اجعلوا من صلاتكم فى بيوتكم و لا تتخذوها قبورا» و عن جابر قال قال رسول اللّه (ص) «اذا قضى أحدكم الصلاة فى مسجده

32

و البيع و عطّلوا بيوتهم فإنّ البيت إذا كثر فيه تلاوة القرآن كثر خيره و اتّسع اهله و أضاء لأهل السماء كما تضيء نجوم السّماء لأهل الدّنيا.

[الحديث الثالث]

3- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن خالد، و الحسين بن سعيد، جميعا، عن النضر بن سويد، عن يحيى بن عمران الحلبيّ، عن عبد الأعلى مولى آل سام، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّ البيت إذا كان فيه المرء المسلم يتلو القرآن يتراءاه أهل السماء كما يتراءى أهل الدّنيا الكوكب الدّري في السماء.

[الحديث الثالث]

3- محمّد، عن أحمد، و عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، جميعا، عن جعفر بن محمّد بن عبيد اللّه، عن ابن القدّاح، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) البيت الّذي يقرأ فيه القرآن و يذكر اللّه عزّ و جلّ فيه تكثر بركته و تحضره الملائكة و تهجره الشياطين و يضيء لاهل السماء كما يضيء الكواكب لأهل الأرض و إنّ البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن و لا يذكر اللّه عزّ و جلّ فيه تقلّ بركته و تهجره الملائكة و تحضره الشياطين.

باب ثواب قراءة القرآن

[الحديث الأول]

1- عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، و سهل بن زياد، و عليّ بن إبراهيم،

____________

فليجعل لبيته نصيبا من صلاته فان اللّه جاعل فى بيته من صلاته خيرا» و قد خص أكثرهم الصلاة بالنافلة لما رووه من حديث «صلاة أحدكم فى البيت أفضل الا المكتوبة» و قال بعضهم المراد بها الفرض و انما أمر بفعلها فى البيت ليقتدى بهم من لا يخرج بهم من النساء و العبيد و المرضى و قال و المتخلف عن الجماعة للصلاة فى جماعة دونها ليس بمتخلف.

(و لا تتخذوها قبورا كما فعلت اليهود و النصارى- اه)

(1) يعنى لا تتخذوها مهجورة من التلاوة و هو من التمثيل البديع لانه شبه النائم بالميت و شبه البيت الّذي لا تلاوة فيه بالقبر الّذي لا تتأتى العبادة من ساكنه لان العمل انما يكون من الحى و يمكن أن يكون تشبيه البيت بالقبر فى معنى الظلمة بل هو الظاهر بالنظر الى قوله «نوروا بيوتكم» الى قوله فيما بعد «و أضاء»

قوله: (قال ان البيت اذا كان فيه المرء المسلم يتلو القرآن)

(2) ليلا و نهارا.

(يتراءاه أهل السماء)

(3) أى ينظرون و يرون، كذا فى النهاية أو المراد أن بعضهم يريه بعضا كما يتراءاه أهل الدنيا الكوكب الدرى فى السماء تشبيه، معقول بمحسوس لقصد الايضاح و فى النهاية الكوكب الدرى الشديد الانارة كانه نسب الى الدر تشبيها بصفاته،

33

عن أبيه، جميعا، عن ابن محبوب، عن عبد اللّه بن سنان، عن معاذ بن مسلم، عن عبد اللّه ابن سليمان، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من قرأ القرآن قائما في صلاته كتب اللّه له بكلّ حرف مائة حسنة و من قرأ في صلاته جالسا كتب اللّه له بكلّ حرف خمسين حسنة و من قرأ في غير صلاته كتب اللّه له بكلّ حرف عشر حسنات. قال ابن محبوب: و قد سمعته عن معاذ على نحو ممّا رواه ابن سنان.

[الحديث الثاني]

2- ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن الفضيل بن يسار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ما يمنع التاجر منكم المشغول في سوقه إذا رجع إلى منزله أن لا ينام حتّى يقرأ سورة من القرآن فتكتب له مكان كلّ آية يقرؤها عشر حسنات، و يمحى عنه عشر سيّئات.

[الحديث الثالث]

3- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم أو غيره، عن سيف ابن عميرة، عن رجل، عن جابر، عن مسافر، عن بشر بن غالب الاسديّ، عن الحسين ابن عليّ (عليهما السلام) قال: من قرأ آية من كتاب اللّه عزّ و جلّ في صلاته قائما يكتب له بكلّ حرف مائة حسنة فإذا قرأها في غير صلاة كتب اللّه له بكلّ حرف عشر حسنات و إن استمع القرآن كتب اللّه له بكلّ حرف حسنة و إن ختم القرآن ليلا صلّت عليه الملائكة حتّى يصبح و إن ختمه نهارا صلّت عليه الحفظة حتّى يمسي و كانت له دعوة مجابة و كان خيرا له ممّا بين السّماء إلى الارض، قلت: هذا لمن قرأ القرآن فمن

____________

و قال الفراء الكوكب الدرى عند العرب هو العظيم المقدار، و قيل هو: أحد الكواكب الخمسة السيارة

قوله: (كتب اللّه له بكل حرف مائة حسنة- اه)

(1) اريد به الحرف التهجى دون الكلمة و الآية كما سيجيء.

قوله: (فيكتب له مكان كل آية يقرؤها عشر حسنات و يمحى عنه عشر سيئات)

(2) هذا المجموع أكثر من وجه مما ذكر من أنه يكتب له بكل حرف عشر حسنات و كتابة الكل من باب التفضل و للتفضل مراتب.

قوله: (و ان ختم القرآن ليلا صلت عليه الملائكة حتى يصبح- اه)

(3) الظاهر من ختمه ليلا قراءة كله فيه مع احتمال أن يكون اتمامه فيه، و الظاهر من الملائكة العموم مع احتمال إرادة الموكلين على امور بنى آدم أو الحفظة و ذكر الحفظ فى آخر الحديث لا يؤيد الاخير لان الختم فى الليل أشق فلا يبعد أن يكون أجره أكمل.

قوله: (فمن لم يقرأ)

(4) هكذا فى أكثر النسخ و فى بعضها «فمن لم يقدر أن يقرأ» و هو

34

لم يقرأ؟ قال: يا أخا بني أسد إنّ اللّه جواد ماجد كريم، إذا قرأ ما معه اعطاء اللّه ذلك.

[الحديث الرابع]

4- محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن النضر بن سعيد، عن خالد بن ماد القلانسي، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من ختم القرآن بمكّة من جمعة إلى جمعة أو أقلّ من ذلك أو أكثر و ختمه في يوم جمعة كتب له الاجر و الحسنات من أوّل جمعة كانت في الدّنيا إلى آخر جمعة تكون فيها و إن ختمه في سائر الأيّام فكذلك.

[الحديث الخامس]

5- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن خالد، و الحسين بن سعيد، جميعا، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن محمّد بن مروان، عن سعد بن طريف، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): من قرأ عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين و من قرأ خمسين آية كتب من الذّاكرين، و من قرأ مائة

____________

بالجواب أنسب

قوله: (عن نضر بن سعيد)

(1) هو غير مذكور فى رجال الوسيط للأسترآبادي و فى بعض النسخ «عن النضر بن سويد» و يؤيده أن محمد بن الحسين بن أبى الخطاب يروى عنه و فى بعضها عن النضر بن شعيب و المؤيد أنه يروى عن خالد بن ماد و أنه فى هذا السند بعينه فى فهرست الشيخ و أسانيد الفقيه.

(و من ختم القرآن بمكة)

(2) و ان كان فى غير المسجد

(من جمعة الى جمعة)

(3) بأن يبتدأ فى جمعة و يختم فى جمعة بعدها

(أو أقل من ذلك)

(4) بأن يبتدأ فى الاربعاء مثلا و يختم فى جمعة بعدها

(أو أكثر)

(5) بأن يبتدأ فى جمعة مثلا و يختم فى جمعة ثالثة

فقوله: (و ختمه فى يوم جمعة)

(6) تفسير للختم فى الجميع

(كتب له من الاجر و الحسنات من أول جمعة كانت فى الدنيا الى آخر جمعة تكون فيها)

(7) لعل المراد أنه كتب له أجر ختم كل جمعة فى الدنيا من أولها الى آخرها، و يحتمل أجر كل عبادة وقعت فى كل جمعة فى الدنيا و اشتراك الفروض الثلاثة فى هذا الاجر لا يوجب التساوى من جميع الوجوه لجواز التفاوت بينهما فى الفضل باعتبار قلة الزمان و كثرته و جودة التدبر و الترتيل و عدمها.

(و ان ختمه فى سائر الايام فكذلك)

(8) فان ختمه فى يوم الاثنين مثلا كتب له من الاجر و الحسنات من أول يوم اثنين فى الدنيا الى آخر يوم اثنين فيها.

قوله: (من قرأ عشر آيات فى ليلة لم يكتب من الغافلين و من قرأ خمسين آية كتب من الذاكرين)

(9) عدم كتب الاول من الغافلين فضيلة شريفة له و لا يستلزم ذلك من كتبه من الذاكرين على أنه لو استلزم لامكن أن يكون المراد الذاكرين فى الجملة و المراد بالذاكرين فى الثانى الذاكرون كثيرا.

35

آية كتب من القانتين، و من قرأ مائتي آية كتب من الخاشعين، و من قرأ ثلاثمائة آية كتب من الفائزين، و من قرأ خمسمائة آية كتب من المجتهدين، و من قرأ ألف آية كتب له قنطار من تبر، القنطار خمسة عشر ألف مثقال من ذهب و المثقال أربعة و عشرون قيراطا أصغرها مثل جبل أحد و أكبرها ما بين السماء إلى الارض.

[الحديث السادس]

6- أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد جميعا، عن عليّ بن حديد، عن منصور، عن محمّد بن بشير، عن عليّ بن الحسين (عليهما السلام) قال: و قد روي هذا الحديث عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: من استمع حرفا من

____________

(و من قرأ مائة آية كتب من القانتين)

(1) هم المطيعون للّه و القائمون بوظائف طاعته، من القنوت بمعنى الطاعة و القيام

(و من قرأ مائتى آية كتب من الخاشعين)

(2) هم الذين قاموا بوظائف العبادات القلبية و البدنية مع التذلل و سكون القلب الى اللّه عز و جل.

(و من قرأ ثلاثمائة آية كتب من الفائزين)

(3) هم الذين ظفروا بالطاعات و الخيرات و نجوا من المهلكات و العقوبات.

(و من قرأ خمسمائة آية كتب من المجتهدين)

(4) هم الذين بذلوا الوسع فى أمر الدين و طلب اليقين و اقامة الشرع و حفظه و الاجتهاد افتعال من الجهد و هو الطاقة.

(و من قرأ ألف آية كتب له قنطار من تبر)

(5) أى من حسنة

(القنطار خمسة عشرة ألف مثقال من الذهب و المثقال أربعة و عشرون قيراطا)

(6) فالقنطار ثلاثمائة ألف قيراط و ستون ألف قيراط يحصل ذلك بضرب خمسة عشر ألف فى أربعة و عشرين، و المقصود من ذكر هذا العدد أن له حسنات بقدره و سماها قراريط باعتبار ان الاعمال توزن

(أصغرها بقدر جبل أحد و أكبرها ما بين السماء الى الارض)

(7) هذا التفاوت مع أن القراريط متساوية فى الوزن و المقدار اما باعتبار النمو فبعضهما ينمو حتى يبلغ وزنه أو مقداره جبل أحد، و بعضها ينمو حتى يبلغ وزنه أو مقداره ما بين السماء و الارض على حسب تفاوت الاحوال و الاوقات و أما باعتبار أن القيراط المستعمل فى بيان كمية الثواب غير ما هو المتعارف عند الناس لغة و عرفا و تساوى الاوزان و المقدار معتبر فى هذا دون الاول، و هذان الوجهان ذكرهما صاحب كتاب اكمال الاكمال لشرح مسلم ثم قال و كان صاحب الصحاح أشار الى الوجه الاخير بقوله و القيراط نصف دانق و أما القيراط الّذي جاء فى الحديث فقد جاء تفسيره فيه أنه مثل جبل أحد.

أقول و بهذا يمكن أن يوجه أيضا قوله (ع): «المثقال أربعة و عشرون قيراطا» مع أن المعروف أنه عشرون قيراطا. و اعلم أن للقنطار تفسيرا آخر سيجيء بينهما تخالف و يمكن دفعه كما سنشير إليه

قوله: (و قد روى هذا الحديث)

(8) الّذي يذكره و روى على البناء للمفعول و الظاهر هو أنه من كلام المصنف قال فى بعض النسخ قال و قد روى و القائل أحد من الرواة.

36

كتاب اللّه عزّ و جلّ من غير قراءة كتب اللّه له حسنة و محا عنه سيّئة و رفع له درجة و من قرأ نظرا من غير صوت كتب اللّه بكلّ حرف حسنة و محا عنه سيّئة و رفع له درجة و من تعلّم منه حرفا ظاهرا كتب اللّه له عشر حسنات و محا عنه عشر سيّئات و رفع له عشر درجات قال: لا أقول بكلّ آية و لكن بكلّ حرف باء أو تاء أو شبههما، قال:

و من قرأ حرفا ظاهرا و هو جالس في صلاته كتب اللّه له خمسين حسنة و محا عنه خمسين سيّئة و رفع له خمسين درجة. و من قرأ حرفا و هو قائم في صلاته كتب اللّه له بكلّ حرف مائة حسنة و محا عنه مائة سيّئة و رفع له مائة درجة، و من ختمه كان له دعوة مستجابة مؤخّرة أو معجّلة، قال: قلت: جعلت فداك ختمه كلّه؟ قال: ختمه كلّه.

[الحديث السابع]

7- منصور، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعت أبي (عليه السلام) يقول: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ختم القرآن إلى حيث يعلم.

باب قراءة القرآن فى المصحف

[الحديث الأول]

1- عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن يعقوب بن يزيد، رفعه إلى أبي

____________

(و من استمع حرفا من كتاب اللّه عز و جل من غير قراءة)

(1) قوله من غير قراءة تقييد اذ لو استمع و قرأ كان له أجر الاستماع و القراءة او لتأكيد محتمل.

(و من قرأ نظرا غير صلاة- اه)

(2) أى نظرا الى القرآن بالعين أو المراد بالنظر التدبر و التفكر فيه، و فى بعض النسخ «من غير صوت».

(و من تعلم حرفا ظاهرا- اه)

(3) اما تميز للتعلم أو صفة لحرفا، و المراد به على الاول ظاهر القلب و على الثانى الحرف الملفوظ عند القراءة دون المستور و اللّه اعلم.

(قال لا أقول بكل آية و لكن بكل حرف باء أو تاء أو شبههما)

(4) لما كان الحرف فى اللغة تطلق على حرف التهجى و على الطرف و الطرف يصدق على الجملة و الآية أيضا لان كلا منهما فى طرف من الاخرى بين أن المراد هو الاول.

(و من ختمه كانت له دعوة مستجابة مؤخرة أو معجلة)

(5) تفصيل للدعوة بكونها متعلقة بامر الآخرة أو بأمر الدنيا أو للاستجابة بأنها متحققة قطعا بالاستقبال أو بالفعل.

قوله: (ختم القرآن الى حيث يعلم)

(6) أى يعلم القارى كلا أو بعضا فاذا علم بعضه و قرأه و لم يقدر على غيره فله أجر ختم القرآن كله يدل عليه رواية بشر بن غالب الاسدى المذكورة فى هذا الباب و فى بعض النسخ «ختم القرآن الى ربى حيث يعلم» لعل المراد به ما ذكرناه، و فى بعضها ربى بدل الى ربى و الظاهر أن ضمير يعلم حينئذ راجع الى الرب و لعل المراد أن بجميع معلوماته عز و جل فى القرآن لان معلومه شيء و كل شيء فى القرآن فمن قرأ كله فقد أحاط بجميع معلوماته تفصيلا و اجمالا و فيه ترغيب فى ختمه كله و اللّه أعلم.

37

عبد اللّه (عليه السلام) قال: من قرأ القرآن في المصحف متّع ببصره و خفّف عن والديه و إن كانا كافرين.

[الحديث الثاني]

2- عنه، عن عليّ بن الحسين بن الحسن الضرير، عن حمّاد بن عيسى، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّه ليعجبني أن يكون في البيت مصحف يطرد اللّه عزّ و جلّ به الشياطين.

[الحديث الثالث]

3- عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن فضّال، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ثلاثة يشكون إلى اللّه عزّ و جلّ: مسجد خراب لا يصلّي فيه أهله، و عالم بين جهّال، و مصحف معلّق قد وقع عليه الغبار لا يقرأ فيه.

[الحديث الرابع]

4- عليّ بن محمّد، عن ابن جمهور، عن محمّد بن عمر بن مسعدة، عن الحسن بن راشد عن جدّه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال قراءة القرآن في المصحف تخفّف العذاب عن الوالدين و لو كانا كافرين.

[الحديث الخامس]

5- عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن يحيى بن المبارك، عن عبد اللّه بن جبلة، عن معاوية بن وهب، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له:

جعلت فداك إنّي أحفظ القرآن على ظهر قلبي فأقرؤه على ظهر قلبي أفضل أو أنظر في المصحف؟ قال: فقال لي: بل اقرأه و انظر في المصحف فهو أفضل، أ ما علمت أنّ النظر في المصحف عبادة.

باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن

[الحديث الأول]

1- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ بن معبد، عن واصل بن سليمان، عن عبد اللّه بن سليمان، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ: وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا قال: قال أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه): بيّنه تبيانا و لا تهذّه هذّ الشعر

____________

قوله: (أ ما علمت أن النظر فى المصحف عبادة)

(1) فالقارى فى المصحف له أجران أحدهما للنظر فيه و الاخر للقراءة.

قوله: (قال سألت أبا عبد اللّه (ع) عن قول اللّه عز و جل وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا قال قال أمير المؤمنين (ع) بينه تبيانا)

(2) أشار الى أن الترتيل أداء الحروف عن مخارجها و و اظهارها متميزة بحيث يقرع السمع و يمكن عدها.

(و لا تهذه هذّ الشعر و لا تنثره نثر الرمل)

(3) هذّ القرآن هذا أسرع فى قراءته كما يسرع

38

و لا تنثره نثر الرّمل و لكن أفزعوا قلوبكم القاسية و لا يكن همّ أحدكم آخر السورة.

[الحديث الثاني]

2- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّ القرآن نزل بالحزن فاقرءوه بالحزن.

[الحديث الثالث]

3- عليّ بن محمّد، عن إبراهيم الأحمر، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): اقرءوا القرآن بألحان العرب و أصواتها و إيّاكم و لحون أهل الفسق و أهل الكبائر فإنّه سيجيء من بعدي أقوام يرجّعون

____________

فى قراءة الشعر، و الهذ سرعة القطع و نصبه على المصدر، و اعلم أنه لا خلاف بين العلماء فى أن الهدا المفضى الى لف الكلمات و عدم اقامة الحروف لا يجوز لانه لحن و أما بعد اقامتها فالافضل عند علمائنا و عند أكثر العامة الترسيل و الترتيل لانه من تحسين القراءة المأمور به فى الآية و لانه المستفيض من كلام أهل البيت (عليهم السلام) و لانه مظنة التدبر و الوقوف على حدوده و رجح بعض العامة الهذ تكثيرا للاجر بعدد الكلمات، و قال مالك: من الناس من اذا هذ خف عليه و اذا رتل خطأ، و منهم من لا يحسن الهذ و كل واسع و لا يخفى أن من اختار الهذ لا حظ له الا التلاوة و أما من وفقه اللّه تعالى لتلاوته بتفكر و تدبر و تفهم لمعانيه و استنباط لاحكامه فلا مرية أن تلاوته و ان قلت أفضل من ختمات لا تدبر فيها.

(و لكن افزعوا قلوبكم القاسية)

(1) الافزاع الاخافة يعنى اخيفوا قلوبكم القاسية الغليظة الغافلة بالتدبر فيه و التفكر فى أوامره و نواهيه و زواجره و وعده و وعيده و ما نطق به من اهلاك الامم الماضية بالمخالفة و من البين أن ذلك لا يحصل بدون الترتيل و فى بعض النسخ اقرعوا بالقاف و فى بعضها افرغوا بالغين المعجمة.

قوله: (ان القرآن نزل بالحزن)

(2) لاشتماله على ما يوجب الحزن من أحوال الحشر و النشر و الثواب و العقاب و أحوال الامم الماضية و اهلاكهم و مسخهم و غير ذلك مما يتطاير عند سماعه قلوب أولى الالباب و المراد بالحزن اما ضد السرور أو رقة القلب.

قوله: (فاقرءوه بالحزن)

(3) معناه اقرءوه بصوت يوجب الحزن و انما أمر بذلك لانه يوجب للنفس خشية و خضوعا و ميلا الى الآخرة و يؤثر فى قلوب السامعين.

قوله: (اقرءوا القرآن بألحان العرب و أصواتها)

(4) اللحن هنا اللغة يعنى اقرءوا القرآن بلغات العرب بأداء الحروف و اظهارها و حفظ الوقوف و رعاية الحركات و السكنات و بصوت مناسبة لاصواتهم.

(و اياكم و لحون أهل الفسق و أهل الكبائر)

(5) اللحون جمع اللحن كالالحان و المراد هنا التطريب فى القراءة و الخطأ فيها.

39

القرآن ترجيع الغناء و النوح و الرّهبانية، لا يجوز تراقيهم، قلوبهم مقلوبة و قلوب من يعجبه شأنهم.

[الحديث الرابع]

4- عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن حسن بن شمّون قال:

____________

(فانه سيجيء من بعدى أقوام يرجعون القرآن ترجيع الغناء)

(1) قيل الترجيع ترديد القراءة و منه ترجيع الاذان و قيل هو يتفاوت بضروب الحركات فى الصوت و قيل هو مد الصوت فى القراءة (و النوح و الرهبانية)

(2) مثل ما يفعله بعض المتصوفة.

(لا يجوز تراقيهم)

(3) أى لا يجوز القرآن حناجرهم و لا يصل الى قلوبهم، و فى المغرب التراقى جمع الترقوة و هى عظام وصل بين نقرة النحر و العاتق من الجانبين و يقال لها بالفارسية چنبر گردن (قلوبهم مقلوبة)

(4) كالكوز المقلوب لا يستقر فيها شيء.

(و قلوب من يعجبه شأنهم)

(5) أيضا مقلوبة، و اعلم أن قراءة القرآن باخراج الحروف من مواضعها و اعتبار صفاتها بدون تلبسها بصوت حسن حسن و مع تلبسها به أحسن لما ستعرفه و ستعرف أيضا مفهومه و قراءته بالتغنى به حرام عندنا و عند أكثر العامة و عرفه جماعة من أصحابنا بأنه الترجيع المطرب فلا يتحقق مهيته بدون الترجيع و الاطراب و لا يكفى أحدهما و رده بعضهم الى العرف فما سماه أهل العرف غناء حرم طرب أو لم يطرب و لا يخلو من قوة لان الشائع فى مثله مما لا نعرف مغزاه لغة و لم يعرف مقصوده شرعا هو الرجوع الى العرف.

و قال بعض العامة قراءة القرآن بالتغنى قراءته بالالحان و هى قراءته بطريق أهل علم الموسيقا فى الالحان أى فى النغم و الاوزان حسبما رتبوه فى صنعة الغناء و سمع عارفها قاريا يقرأ فاستحسن قراءته و قال انه يقرأ من نغمة كذا و قيل هى قراءته بالتطريب و الترجيع و تحسين الصوت ثم قال و اختلفوا فى قراءته بالالحان فقال الشافعى مرة لا بأس به و مرة مكروه، و قال بعض أهل مذهبه مراده أنه ان أفرط فى المد و اشباع الحركة حتى تولد عن الفتحة ألف و عن الضمة واو و عن الكسرة ياء أو ادغم فى غير موضع الادغام كره و إلا جاز، و قال بعض آخر منهم اذا انتهى الى ذلك فهو حرام يفسق فاعله و يعزر و يأثم المستمع و هو مراد الشافعى بالكراهة و كيف يؤخذ فى كلام اللّه تعالى بأخذ أهل الالحان فى النشد و الغزل انتهى، أقول تفسير الغناء بما مروان لم يثبت من جهة الشرع لكن الاحتياط و التقوى يوجبان الاحتراز عنه عما دون ذلك و اما قراءته بالترجيع فظاهر بعض الروايات الآتية تشعر برجحانها حيث وقع الامر به و ظاهر هذه الرواية يشعر بأنه أعم من الغناء فلا يكون راجحا على الاطلاق بل هو راجح فى فرد و حرام فى فرد آخر فلا بد للعامل به من التميز بين الفردين و هو فى غاية الاشكال فالاولى بل الواجب على غير المميز تركه.

40

حدّثني عليّ بن محمّد النوفليّ، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: ذكرت الصوت عنده فقال:

إنّ عليّ بن الحسين (عليهما السلام) كان يقرأ فربما مرّ به المارّ فصعق من حسن صوته و إنّ الإمام لو أظهر من ذلك لما احتمله النّاس من حسنه، قلت و لم يكن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يصلّي بالنّاس و يرفع صوته بالقرآن؟ فقال: إنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كان يحمل النّاس من

____________

قوله: (ان على بن الحسين (ع) كان يقرأ القرآن فربما يمر عليه المار فصعق)

(1) أى غشى عليه أو صاح صيحة شديدا، و سر ذلك أن لاصوات طيبة و الحان موزونة و نغمات مناسبة مدخلا عظيما فى نشاط النفس و فرح الروح و لها تأثير عظيم فمنها ما يفرح و منها ما يحزن و منها ما يندم و منها ما يضحك و منها ما يبكى و منها ما يصعق و منها ما يزعج القلب الى الحق و يحركه من بلاد الغربة الى الوطن الاصلى و يختلف الانزعاج بالنسبة الى الاشخاص بحسب قوة الاستعداد و ضعفه فلا استحالة عقلا أن يوجب الصعقة و غيرها و قد يقع مثل ذلك عند المصائب الشديدة و أية مصيبة أعظم من خروج الروح من موطنها الاصلى و فراقها من الكرامات الابدية و احتباسها فى سجن هذه الدار و البلية.

(من حسن صوته و أن الامام لو أظهر من ذلك)

(2) أى من حسن صوته

(لما احتمله الناس من حسنه)

(3) دل هذا الخبر على جواز تحسين الصوت بالقراءة و دلت الاخبار الآتية على رجحانه و كذا دل عليه أيضا ما رواه مسلم عن أبى هريرة أنه سمع رسول اللّه (ص) يقول «ما أذن اللّه لشيء كما أذن لنبى حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به» قال بعض العامة معنى ما أذن ما استمع و المراد بالشيء المسموع و المضاف مقدر قبل نبى أى لصوت نبى و الحاصل أنه ما استمع اللّه لصوت كما استمع لصوت نبى و المراد بالاستماع اجزال ثواب القارى أو الرضا به و معنى قوله يتغنى بالقرآن عند الشافعية و الاكثر يحسن الصوت بالقرآن و عند ابن عباس يستغنى به عن الناس و قال مرة يستغنى به عن غيره من الكتب، و عن سفيان بن عيينة يقال تغنيت و تغانيت بمعنى استغنيت فعلى أن المراد به تحسين الصوت فهو من الغناء المحمود و كل من رفع صوته و مده و والى به فهو عند العرب غناء، و على أنه من الاستغناء فهو من الغنى ضد الفقر و هو مقصور، و المراد بتحسين الصوت تزيينه بالترتيل و الجهر و التحزين و الترقيق فهو مستحب ما لم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط فان أفرط حتى زاد حرفا أو أخفاه حرم انتهى، فقد ظهر مما ذكرنا أن أخبار العامة و الخاصة متفقة فى الدلالة على رجحان تحسين الصوت بالقرآن و على حسن صوت النبي (ص) و لكن لا بد من ترك الافراط فيه لئلا يبلغ حد الالحان و الغناء و لا يمكن ذلك الا للعارف بوجوه التحسين.

(قلت و لم يكن رسول اللّه (ص) يصلى بالناس و يرفع صوته بالقرآن)

(4) أى و لم يكن من

41

خلفه ما يطيقون.

[الحديث الخامس]

5- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن سليم الفرّاء، عمّن أخبره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: أعرب القرآن فإنّه عربيّ.

[الحديث السادس]

6- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ بن معبد، عن عبد اللّه بن القاسم، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ أوحى إلى موسى بن عمران (عليه السلام): إذا وقفت بين يديّ فقف موقف الذّليل الفقير، و إذا قرأت التوراة فاسمعنيها بصوت حزين.

[الحديث السابع]

7- عنه، عن عليّ بن معبد، عن عبد اللّه بن القاسم، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): لم يعط أمّتي أقلّ من ثلاث: الجمال و الصوت الحسن و الحفظ.

____________

باب الاستفهام و لعل غرضه من هذا السؤال أن رسول اللّه (ص) كان أحسن صوتا منه (ع) و كان يقرأ و يرفع صوته بالقراءة و يسمعه الصحابة و لم يصعق أحد من حسن صوته فكيف لحسن الصوت نحو هذا التأثير؟.

(فقال ان رسول اللّه (ص) كان يحمل الناس من خلفه ما يطيقون)

(1) فلم يظهر من حسن صوته ما يصعقهم و لذلك أيضا ما كلم الناس قط الا بقدر عقولهم و هذا الجواب أحسن مما قاله بعض العامة من أن الغشى لضعف العقل عن تحمل ما ورد عليه و عقول الصحابة لما كانت أكمل لم يطرأ عليهم الغشى، لان كون عقول كلهم أكمل من عقول غيرهم ممنوع.

قوله: (اعرب القرآن فانه عربى)

(2) اما من أعرب كلامه اذا ظهر اعرابه و لم يلحن فيها أو من أعرب بكلامه اذا أفصح به و لم يلحن فى حروفه و مواده و هذا مثل ما سبق من قوله (ع) «اقرءوا القرآن بألحان العرب».

قوله: (و اذا قرأت التورية فاسمعنيها بصوت حزين)

(3) الحزن خلاف السرور و حزن الرجل بالكسر فهو حزين و حزن فوصف الصوت بالحزن على سبيل المبالغة لان الحزين فى الحقيقة صاحب الصوت و يحتمل أن يكون الصوت مضافا إليه بتقدير اللام و على التقديرين يحتمل أن يجعل الحزن كناية عن البكاء و على التقدير الاول يمكن أن يجعل بمعنى الرقة قال فى الصحاح فلان يقرأ بالتحزين إذا رق صوته فالوصف حينئذ على سبيل الحقيقة.

قوله: (قال رسول اللّه (ص) لم يعط امتى أقل من ثلاث الجمال و الصوت الحسن و الحفظ)

(4) الجمال بالفتح حسن الخلق و الخلق و الحفظ قلة الغفلة عن القرآن أو عن الحق مطلقا، و لعل المراد أن هذه الخصال الشريفة أقل ما أعطيت الامة المجيبة من الخصال العظيمة التى لا تعد و لا تحصى و اللّه يعلم.

42

[الحديث الثامن]

8- عنه، عن أبيه، عن عليّ بن معبد، عن يونس، عن عبد اللّه بن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): إنّ من أجمل الجمال الشعر الحسن و نغمة الصوت الحسن.

[الحديث التاسع]

9- عنه، عن عليّ بن معبد، عن عبد اللّه بن القاسم، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): لكلّ شيء حلية و حلية القرآن الصوت الحسن.

[الحديث العاشر]

10- عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن موسى بن عمر الصيقل، عن محمّد ابن عيسى، عن السّكوني، عن عليّ بن إسماعيل الميثمي، عن رجل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ما بعث اللّه عزّ و جلّ نبيّا إلّا حسن الصوت.

[الحديث الحادي عشر]

11- سهل [بن زياد] عن الحجّال، عن عليّ بن عقبة، عن رجل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان عليّ بن الحسين (صلوات اللّه عليه) أحسن النّاس صوتا بالقرآن و كان السقّاءون يمرّون فيقفون ببابه يسمعون قراءته، و كان أبو جعفر (عليه السلام) أحسن الناس صوتا

[الحديث الثاني عشر]

12- حميد بن زياد، عن الحسن بن محمّد الأسدي، عن أحمد بن الحسن الميثمي عن أبان بن عثمان، عن محمّد بن الفضيل قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) يكره أن يقرأ «قل هو اللّه أحد» بنفس واحد.

____________

قوله: (من أجمل الجمال الشعر الحسن)

(1) للمرء الظاهر فتح الشين و الكسر محتمل لما فى بعض الروايات أن من طيب عيش المرأة شعره الّذي يتغنى به. و المراد بحسنه اشتماله على المرغبات فى أمر الآخرة أو على مدح أهل الذكر.

(و نغمة الصوت الحسن)

(2) فى القراءة، و النغم محركة و يسكن الكلام الخفى الواحدة بهاء، يقال فلان حسن النغمة اذا كان حسن الصوت فى القراءة.

(و حلية القرآن الصوت الحسن)

(3) روى الصدوق فى العيون باسناده عن الرضا (ع) عن النبي (ص) قال «حسنوا القرآن بأصواتكم فان الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا و يزيد فى الخلق ما يشاء».

قوله: (كان على بن الحسين (عليهم السلام) أحسن الناس صوتا بالقرآن و كان السقاءون يمرون فيقفون ببابه يسمعون قراءته)

(4) فيه حث على تحسين الصوت بالقرآن و على الاصغاء الى سماع الصوت الحسن به فان سماعه يزيد حسنا فى العقائد و يوجب الخشوع و رقة القلب و ميله الى الآخرة و الخيرات.

قوله: (يكره أن يقرأ قل هو اللّه أحد بنفس واحد)

(5) لما فيه من

43

[الحديث الثالث عشر]

13- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إذا قرأت القرآن فرفعت به صوتي جاءني الشّيطان فقال: إنّما ترائي بهذا أهلك و الناس قال: يا أبا محمّد اقرأ قراءة ما بين قراءتين تسمع أهلك و رجّع بالقرآن صوتك فإنّ اللّه عزّ و جلّ يحبّ الصوت الحسن يرجّع فيه ترجيعا.

باب فيمن يظهر الغشية عند [قراءة] القرآن

[الحديث الأول]

1- عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن يعقوب بن إسحاق الضّبيّ:

عن أبي عمران الأرمني، عن عبد اللّه بن الحكم، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

____________

ترك التعظيم و التفكر فيما فيه من الاسرار الغريبة الالهية.

قوله: (و رجع بالقرآن صوتك)

(1) دل على استحباب ترجيع الصوت بالقرآن كما دل عليه ما رواه مسلم عن عبد اللّه بن مغفل «أن النبي (ص) قرأ عام الفتح فى مسير له سورة الفتح على راحلته فرجع فى قراءته» و قال فى رواية اخرى «على ناقته». ثم قال معاوية فقرأ ابن مغفل و رجع حكاية لقراءته و لو لا أنى أخاف أن يجتمع الناس لحكيت قراءته. و فى الصحاح ترجيع الصوت ترديده فى الحلق كقراءة أصحاب الالحان و قال فى المغرب رجعه ردده و منه الترجيع فى الاذان لانه يأتى بالشهادتين خافضا بهما صوته ثم يرجعهما رافعا بهما صوته و فسره بذلك أيضا الطبرى من علماء العامة و نقل ذلك البخارى أيضا و أنه قال فى صفته «آ» ثلاث مرات و قال ابن الاثير فى النهاية قيل هو تقارب ضروب الحركات فى الصوت و قد حكى ابن مغفل ترجيعه بمد الصوت فى القراءة نحو اآالاالاه و قال ابن حجر هو تقارب ضروب الحركات فى القراءة و أصله الترديد و ترجيع الصوت ترديده فى الحلق و قد فسر فى حديث ابن مغفل «اآا» بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنه ثم همزة اخرى. و أنكر ترجيع القرآن جماعة من العامة و قالوا ترجيعه (ص) محمول على اشباع المد أو على حصوله بهز الناقة و تحركها و تنزيها و لذلك ورد فى حديث آخر أنه كان لا يرجع و وجهه أنه لم يكن حينئذ راكبا فلم يحدث فى قراءته ترجيع، أقول للترجيع مراتب بعضها الغناء كما دل عليه قوله (ع) فى الحديث السابق «سيجيء من بعدى اقوام يرجعون القرآن ترجيع الغناء» فمن عرف مراتبه و ميز بينها و عرف مرتبة الغناء فالظاهر أنه يجوز له ما دون هذه المرتبة و لكن التميز بينها مشكل جدا و الترجيع كثيرا ما يبلغ الغناء كما هو المتعارف من قراءة أهل الحزب و لا سيما عند إرادة الفراغ لما فيها من الخروج عن التلاوة فالاحتياط تركه الا ما علم قطعا أنه لا يضر بالتلاوة.

44

قلت: إنّ قوما إذا ذكروا شيئا من القرآن أو حدّ ثوابه صعق أحدهم حتّى يرى أنّ أحدهم لو قطعت يداه أو رجلاه لم يشعر بذلك؟ فقال: سبحان اللّه ذاك من الشيطان ما بهذا نعتوا إنّما هو اللّين و الرّقّة و الدّمعة و الوجل.

أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن حسّان، عن أبي عمران الأرمني، عن عبد اللّه الحكم، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) مثله.

باب فى كم يقرأ القرآن و يختم

[الحديث الأول]

1- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد، عن الحسين بن المختار، عن محمّد بن عبد اللّه قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أقرأ القرآن في ليلة؟ قال: لا يعجبني أن تقرأه

____________

قوله: (ان قوما اذا ذكروا شيئا من القرآن)

(1) أى قرءوها

(أو حدثوا به)

(2) أى تعريفه و بيانه و هو عطف على شيئا و كونه ماضيا مجهولا معطوفا على ذكروا بعيد جدا.

(صعق أحدهم)

(3) أى غشى عليه

(حتى يرى أن أحدهم)

(4) يرى مبنى للمفعول من أراه ارائة أى يظن أو من الرؤية، و احدهم من باب وضع الظاهر موضع الضمير.

(لو قطعت يداه أو رجلاه لم يشعر بذلك)

(5) لزوال العقل و الحس

(فقال سبحان اللّه)

(6) استعجاب أو استبعاد مما ذكر أو تنزيه للّه تعالى أن يكون ذلك من قبله و هو أنسب

بقوله:

(ذاك من الشيطان)

(7) لتصرفه فيه حتى جعله على هذه الحالة أو لاغوائه حتى يتصنع ذلك لاظهار كماله عند الناس

(ما بهذا نعتوا)

(8) أى ما بهذا وصف الذين لهم أهلية التأثر من القرآن

(انما هو)

(9) أى نعتهم و وصفهم:

(اللين و الرقة و الدمعة و الوجل)

(10) قال اللّه تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذٰا ذُكِرَ اللّٰهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ إِذٰا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيٰاتُهُ زٰادَتْهُمْ إِيمٰاناً و قال إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذٰا يُتْلىٰ عَلَيْهِمْ- الى قوله- وَ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقٰانِ يَبْكُونَ وَ يَزِيدُهُمْ خُشُوعاً و هذه الاوصاف و هى الوجل و زيادة الايمان و الخشوع و البكاء و الخرور للاذقان لا تنفك عن اللين و الرقة و الدمعة؟ و الظاهر أنه لا منافاة بين هذا الخبر و ما مر من خبر السكونى الدال على صعق المار من حسن صوت على ابن الحسين (عليهما السلام) بالقراءة لجواز أن يكون هذا التأثير لصوت الامام دون غيره، و يؤيده ما مر فى ذلك الخبر من أن الامام لو أظهر من ذلك شيئا لما احتمله الناس من حسنه على أنه يمكن أن يكون المراد بهذا الخبر هو الحث على ضبط النفس حتى لا تبلغ تلك الحالة الموجبة لزوال العقل و الحرمان عن ثواب سماع الاسرار القرآنيّة.

قولة (لا تعجبنى أن تقرأه فى أقل من شهر)

(11) و الادب أن تجزئه ثلاثين جزءا و تقرأ

45

في أقلّ من شهر.

[الحديث الثاني]

2- عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن بعض أصحابه، عن عليّ بن أبي حمزة قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال له أبو بصير: جعلت فداك أقرأ القرآن في شهر رمضان في ليلة؟ فقال: لا، قال: ففي ليلتين؟ قال: لا، قال: ففي ثلاث؟ قال:

ها و أشار بيده، ثمّ قال: يا أبا محمّد إنّ لرمضان حقّا و حرمة لا يشبهه شيء من الشهور و كان أصحاب محمّد (صلى اللّه عليه و آله) يقرأ أحدهم القرآن في شهر أو أقلّ. إنّ القرآن لا يقرأ هذرمة، و لكن يرتّل ترتيلا و إذا مررت بآية فيها ذكر الجنّة فقف عندها و اسأل اللّه عزّ و جلّ الجنّة، و إذا مررت بآية فيها ذكر النّار فقف عندها و تعوّذ باللّه من النّار.

[الحديث الثالث]

3- محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن عليّ بن النعمان، عن يعقوب بن شعيب عن حسين بن خالد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: في كم أقرأ القرآن؟ فقال:

اقرأه أخماسا، اقرأه أسباعا، أما إنّ عندي مصحفا مجزّى أربعة عشر جزءا.

[الحديث الرابع]

4- عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن يحيى بن إبراهيم بن

____________

كل يوم و ليلة جزء واحدا بترتيل و ترسل و تفكر فى معانيه الظاهرة و الباطنة و يقف عند آية فيها ذكر الجنة و آية فيها ذكر النار و تطلب الاولى و ما يوجب الدخول فيها و تتعوذ من الثانية و ما يوجب الوصول إليها مع تضرع و خشوع و بكاء على قدر الامكان.

قوله: (قال ففى ثلاث قالها و أشار بيده)

(1) «هاء» كلمة تنبيه للمخاطب ينبه على ما يساق إليه من الكلام كذا فى النهاية و كأنه (ع) أشار بيده الى الرخصة و يؤيده حديث آخر الباب و الاشارة الى السكوت محتملة و الرخصة حينئذ مستفاد من

قوله:

(ثم قال يا أبا محمد ان لرمضان حقا و حرمة)

(2) التنكير للتعظيم أو للتكثير

(و لا يشبهه شيء عمن الشهور)

(3) لكثرة العبادة المطلوب فيه و من جملتها تلاوة القرآن فتلاوته فى كل ثلاث حسن و فى كل شهر أو أقل منه أو أكثر من ثلاث أحسن كما أشار

بقوله:

(و كان أصحاب محمد (ص) يقرأ أحدهم القرآن فى شهر أو أقل)

(4) لرعاية الترتيل و التفكر فيه كما أشار إليه

بقوله: (ان القرآن لا يقرأ هذرمة)

(5) هى السرعة فى الكلام و المشى و يقال للتخليط هذرمة كذا فى النهاية

(و لكن يرتل ترتيلا)

(6) فيه آداب التلاوة فى الصلاة و غيرها و مثله موجود من طرق العامة أيضا، روى مسلم عن حذيفة قال قرأ النبي (ص) فى الصلاة مترسلا و اذا مر بآية فيها تسبيح سبح و اذا مر بسؤال سأل و اذا مر بتعوذ تعوذ» قال المازرى مذهبنا استحباب هذه الآداب فى غير الصلاة و فى الصلاة للامام و المأموم و الفذ.

46

أبي البلاد، عن أبيه، عن عليّ بن المغيرة، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: قلت له: إنّ أبي سأل جدّك، عن ختم القرآن في كلّ ليلة، فقال له جدّك: في كلّ ليلة، فقال له في شهر رمضان، فقال له جدّك: في شهر رمضان، فقال له أبي: نعم ما استطعت فكان أبي يختمه أربعين ختمة في شهر رمضان، ثمّ ختمته بعد أبي فربما زدت و ربما نقصت على قدر فراغي و شغلي و نشاطي و كسلي فاذا كان في يوم الفطر جعلت لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ختمة و لعليّ (عليه السلام) اخرى و لفاطمة (عليها السلام) اخرى، ثمّ للأئمّة (عليهم السلام) حتّى انتهيت إليك فصيرت لك واحدة منذ صرت في هذا الحال فأيّ شيء لي بذلك؟ قال لك بذلك أن تكون معهم يوم القيامة، قلت: اللّه أكبر [ف] لي بذلك؟! قال: نعم ثلاث مرّات.

[الحديث الخامس]

5- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عليّ بن أبي حمزة قال: سأل أبو بصير أبا عبد اللّه (عليه السلام) و أنا حاضر فقال له: جعلت فداك اقرأ القرآن في ليلة؟ فقال: لا، فقال في ليلتين؟ فقال: لا حتّى بلغ ستّ ليال فأشار بيده فقال: ها، ثمّ قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا أبا محمّد إنّ من كان قبلكم من أصحاب محمّد (صلى اللّه عليه و آله) كان يقرأ القرآن في شهر و أقلّ، إنّ القرآن لا يقرأ هذرمة، و لكن يرتّل ترتيلا إذا مررت بآية فيها ذكر النّار وقفت عندها و تعوّذت باللّه من النّار، فقال أبو بصير:

اقرأ القرآن في رمضان في ليلة؟ فقال: لا، فقال في ليلتين؟ فقال: لا، فقال في ثلاث؟ فقال: ها و أومأ بيده، نعم شهر رمضان لا يشبهه شيء من الشّهور له حقّ و حرمة.

أكثر من الصّلاة ما استطعت.

____________

قوله: (عن على بن المغيرة عن أبى الحسن (ع)- اه)

(1) هو أبو الحسن الاول و المراد بالحال فى قوله منذ صرت فى هذا الحال التشيع أو العمل المذكور و فى هذا الخبر دلالة على جواز الختم أو أكثر فى ليلة واحدة.

(يا أبا محمد ان كل من قبلك من أصحاب محمد (ص) كان يقرأ القرآن فى شهر و اقل)

(2) هذا نحو ما تقدم من الارشاد الى القصد فى التلاوة و فى كتاب اكمال الاكمال: للسلف فى ختم القرآن عادات مختلفة فبعضهم كان يختم فى كل شهر و بعضهم فى كل عشرين و بعضهم فى كل عشرة و اكثرهم فى سبعة و كثير منهم فى ثلاث و بعضهم فى يوم و ليلة و بعضهم فى كل ليلة و بعضهم فى كل يوم و ليلة ثلاث ختمات و بعضهم ثماني ختمات.

47

باب أن القرآن يرفع كما انزل

[الحديث الأول]

1- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفليّ، عن السّكونيّ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال النّبيّ (صلى اللّه عليه و آله): إنّ الرّجل الأعجمي من أمّتي ليقرأ القرآن بعجمته فترفعه الملائكة على عربيّته.

[الحديث الثاني]

2- عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن سليمان، عن بعض أصحابه عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: قلت له: جعلت فداك إنّا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها و لا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم، فهل نأثم؟ فقال: لا اقرءوا كما تعلّمتم فسيجيئكم من يعلّمكم.

باب فضل القرآن

[الحديث الأول]

1- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن بدر، عن محمّد بن مروان عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من قرأ قل هو اللّه أحد مرّة بورك عليه و من قرأها

____________

قوله: (ان الرجل الاعجمى من امتى ليقرأ القرآن بعجمته)

(1) أى يلحن فى الحروف و الحركات و لا يخرجها عن مخارجها و لا يراعى صفاته المميزة لعدم الاقتدار عليها.

(فترفعه الملائكة على عربية)

(2) فى الكنز عجمة، عربى نابودن كلام و كند زبانى و فى القاموس العجم بالضم و التحريك خلاف العرب و رجل و قوم أعجم و الاعجم من لا يفصح كالاعجمى و فى الصحاح الاعجم من لا يقدر على الكلام أصلا و الاعجم أيضا الّذي لا يفصح و لا يبين كلامه و فى النسبة يقال لسان أعجمى و كناب أعجمى و لا يقال رجل أعجمى فننسبه الى نفسه الا أن يكون أعجم و اعجمى بمعنى دوار و دوارى.

قوله: (ان نسمع الآيات فى القرآن ليس هى عندنا كما نسمعها)

(3) هكذا فى النسخ كلها و الاصوب ليست و لعل السؤال من آيات مسموعة عنهم (ع) فى قرآن على (ع) ليست فى هذا القرآن

(و لا نحسن أن نقرأها)

(7) أى آيات القرآن.

(كما بلغنا عنكم)

(4) من الترتيل و الترسل و أداء الحروف و رعاية الصفات و هذا سؤال آخر

(فهل نأثم)

(8) بعدم قراءة الآيات التى فى قرآنكم اذ ليست فى هذا القرآن و بعدم الترتيل فى آيات هذا القرآن اذ لا نقدر عليه.

(فقال لا اقرءوا كما تعلمتم)

(5) فى هذا القرآن باللسان الاعجمى

(فسيجيئكم من يعلمكم)

(6) حق التعليم و هو الصاحب (ع) أو الملك فى القبر، و قد روى أن الشيعة بعد الموت يتكلمون بالعربية و ان الملك يعلمهم القرآن هذا الّذي ذكرنا من باب الاحتمال و اللّه يعلم.

48

مرّتين بورك عليه و على أهله و من قرأها ثلاث مرّات بورك عليه و على أهله و على جيرانه و من قرأها اثنى عشر مرّة بنى اللّه له اثنى عشر قصرا في الجنّة فيقول الحفظة: اذهبوا بنا إلى قصور أخينا فلان فننظر إليها، و من قرأها مائة مرّة غفرت له ذنوب خمسة و عشرين سنة ما خلا الدّماء و الأموال و من قرأها أربعمائة مرّة كان له أجر أربعمائة شهيد كلّهم قد عقر جواده و اريق دمه و من قرأها ألف مرّة في يوم و ليلة لم يمت حتّى يرى مقعده في الجنّة أو يرى له.

[الحديث الثاني]

2- حميد بن زياد، عن الحسين بن محمّد، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لما أمر اللّه عزّ و جلّ هذه الآيات أن يهبطن إلى الأرض تعلّقن بالعرش و قلن أي ربّ إلى أين تهبطنا إلى أهل الخطايا

____________

قوله: (من قرأ قل هو اللّه أحد مرة بورك عليه)

(1) أى زيد فى تشريفه و كرامته و احسانه و لطفه و توفيقه يقال بارك اللّه فيك و لك و عليك و باركك و قال تعالى أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّٰارِ (و من قرأها ألف مرة فى يوم أو ليلة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة)

(2) أى يرى فى المنام منزله منها، و فى بعض النسخ «فى» بدل «من» أو تراءى له يظهر مقعده له بالكشف فى حال الاحتضار أو قبله على احتمال و فى النهاية تراء الى الشيء أى ظهر حتى رأيته.

قوله: (لما أمر اللّه تعالى هذه الآيات أن يهبطن الى الارض تعلقن بالعرش)

(3) أى توسلن بعلم اللّه تعالى بما يقع فى دار الغرور و عالم السرور او تعلقن بالعرش الجسمانى الّذي هو مطاف الملائكة المقربين و قد مر أن القرآن يتصور بمثل جسدانى و هيكل انسانى فنسبة التعلق إليه صحيحة و هنا شيء لا بدّ فى توضيحه من تقديم مقدمة و هى أنه روى أن القرآن نزل جملة واحدة فى أول ليلة من شهر رمضان و أنه نزل الى الارض تدريجا لا جملة واحدة فقال السيد المحقق ابن طاوس أنه نزل جملة واحدة من بعض المقامات العالية بأمر اللّه جل شأنه الى مقام آخر ثم نزل من هذا المقام تدريجا الى الارض فلا منافاة بين نزوله جملة و نزوله تدريجا، أقول سيجيء فى باب النوادر ما يدل على ذلك التوجيه و أن هذا المقام هو البيت المعمور اذا عرفت هذا فتقول يحتمل أن يراد بهبوط هذه الآيات هبوطها أول مرة و هو هبوطها فى ضمن الكل و قوله «الى الارض» باعتبار أن هذا الهبوط آئل الى هبوطها الى الارض بالاخرة و سبب له فى الجملة و حينئذ فالظاهر من قوله «يتلوكن» تلاوة مجموعها من حيث المجموع و ترتب الجزاء المذكور أعنى قوله تعالى «نظرت إليه- اه» على تلاوة المجموع لا على تلاوة كل واحدة منها، و يحتمل أن يراد بهبوطها هبوطها مرة ثانية الى الارض و ظاهر أن هذا الهبوط كان تدريجيا و ان هبوط هذه الآيات

49

و الذّنوب فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليهنّ أن اهبطن فو عزّتي و جلالي لا يتلوكنّ أحد من آل محمّد و شيعتهم في دبر ما افترضت عليه من المكتوبة في كلّ يوم إلّا نظرت إليه- بعيني المكنونة- في كلّ يوم سبعين نظرة أقضي له في كلّ نظرة سبعين حاجة و قبلته على ما فيه من المعاصي و هي أمّ الكتاب و «شَهِدَ اللّٰهُ أَنَّهُ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ وَ الْمَلٰائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ» و آية الكرسي و آية الملك.

[الحديث الثالث]

3- أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن حسّان، عن إسماعيل بن مهران، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن محمّد بن سكين، عن عمرو بن شمر، عن جابر قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من قرأ المسبّحات كلّها قبل أن ينام لم يمت حتى يدرك القائم و إن مات كان في جوار محمّد النبيّ (صلى اللّه عليه و آله).

[الحديث الرابع]

4- محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن عليّ بن النعمان، عن عبد اللّه بن طلحة، عن جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): من قرأ قل هو اللّه أحد مائة مرّة حين يأخذ مضجعه غفر اللّه له ذنوب خمسين سنة.

[الحديث الخامس]

5- حميد بن زياد، عن الخشّاب، عن ابن بقّاح، عن معاذ، عن عمرو بن جميع رفعه إلى عليّ بن الحسين (عليهما السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): من قرأ أربع آيات من

____________

لم يكن دفعة واحدة و لم ينقل احد حينئذ فالظاهر الجزاء المذكور يترتب على تلاوة كل واحدة على حدة اذ الظاهر حينئذ أن زمان تعلق كل واحدة بالعرش غير زمان تعلق الاخرى به و كذلك الوحى إليها بذلك الجزاء غير الوحى الى الاخرى به فليتأمل.

قوله: (من قرأ المسبحات كلها قبل ان ينام لم يمت حتى يدرك القائم (ع))

(1) قيل المسبحات سور اولها سبح أو يسبح أو سبحان و اعلم أن ظاهر مضمون الشرط يفيد أن ادراك القائم (ع) يتحقق بتحقق القراءة مرة واحدة و كذلك الجوار و لكن الظاهر بحسب المقام حيث أن المقصود الحث على قراءتها و الترغيب فى أخذها دأبا و عادة هو أن الادراك و الجوار يتحققان بالتكرار و العادة و الظاهر أن تركها فى بعض الاحيان لا يضر بالتكرار المستلزم للادراك و الجوار، ثم الظاهر ان المراد بادراك القائم (ع) ادراكه مع العلم بأنه القائم (ع) و السبب فى ذلك اما لاشتمال المسبحات على ذكر القائم، و صفاته و أحواله و ان لم يعلمها بخصوصها و اما بالخاصية و كذلك السبب فى غيرها من السور و الآيات المترتب عليها ثواب و جزاء معين.

قوله: (من قرأ أربع آيات من أول البقرة و آية الكرسى و آيتين بعدها)

(2) الظاهر أن

50

أوّل البقرة و آية الكرسيّ و آيتين بعدها و ثلاث آيات من آخرها لم ير في نفسه و ماله شيئا يكرهه و لا يقربه شيطان و لا ينسي القرآن.

[الحديث السادس]

6- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن سيف بن عميرة، عن رجل، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من قرأ إنا أنزلناه في ليلة القدر، يجهر بها صوته كان كالشاهر سيفه في سبيل اللّه و من قرأها سرّا كان كالمتشحّط بدمه في سبيل اللّه و من قرأها مرّات غفرت له على نحو ألف ذنب من ذنوبه.

[الحديث السابع]

7- أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن يعقوب ابن شعيب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان أبي (صلوات اللّه عليه) يقول: قل هو اللّه أحد ثلث القرآن و قل يا أيّها الكافرون ربع القرآن.

____________

آية الكرسى من قوله اللّٰهُ- الى- الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ و الآيتين بعدها من قوله لٰا إِكْرٰاهَ- الى- هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ و ثلاث آيات من آخرها أى آخر البقرة، روى مسلم أربع روايات عن النبي (ص) أنه قال:

«من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة فى ليلة واحدة كفتاه» قوله كفتاه قيل معناه اجزأتا عنه من قيام الليل أو كفتاه و منعتاه من أن يكون ممن ترك القراءة أو كفتاه أذى الشيطان، و قيل كفتاه أى منعتاه شر الجن و الانس و يبعد أن يكون من الكفاية أى كفتاه ملازمة التلاوة و قيل كفتاه عن الافات و قيل كفتاه عن الجميع. قال ابن الحجر المراد بالآيتين قوله تعالى آمَنَ الرَّسُولُ الى آخر السورة، فآخر الآية الاولى «الْمَصِيرُ» و من ثمة الى آخر السورة آية واحدة و أما «مَا اكْتَسَبَتْ» فليس رأس آية باتفاق القراء. انتهى. أقول و المراد بثلاث آيات كما فى روايتنا هذه «آمَنَ الرَّسُولُ- الى آخر السورة» يجعل «مَا اكْتَسَبَتْ» آخر الآية الثانية و اتفاق القراء على خلافه لا يقدح لان ذلك من طرق العامة أو المراد بها قوله لِلّٰهِ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ الى آخر السورة.

قوله: (قل هو اللّه أحد ثلث القرآن)

(1) كان المراد أن له أجرا مقدرا يملكه القارئ من باب الاستحقاق الا أنه تعالى يضاعف ثوابه من باب التفضل بقدر أجر يستحقه قارئ الثلث و ان كان لقارئ الثلث أيضا ثوابا مضاعفا بمقتضى الوعد الصادق و بالجملة ثوابه مع التضعيف مثل أجر الثلث بدونه و كذا ثوابه ثلاث مرات معه مثل أجر ختمه بدونه و ان كان ثواب الثلث و الختم بالتضعيف و بدونه أكثر من أجره باعتبار الاستحقاق بدونه و حينئذ لا يرد أن كون أجره مرة كاجر الثلث و ثلاث مرات كاجر الختم خلاف الاجماع و المنقول من أن أفضل الاعمال احمزها و انه لو كان كذلك لآثروا و قراءته على قراءة الثلث و الكل طلبا للتسهيل و اللّه يعلم، و اعلم أن مثل هذا الحديث رواه مسلم عن قتادة أن النبي (ص) قال «ان اللّه جزأ القرآن ثلاثة اجزاء فجعل قل هو اللّه احد جزءا من اجزاء القرآن» و عن أبى هريرة «ان النبي (ص) قال احشدوا أى