مفاتيح الشرائع - ج2

- الفيض الكاشاني المزيد...
382 /
5

[تتمة فن العبادات و السياسات]

كتاب مفاتيح النذور و العهود

قال اللّه عز و جل «وَ مٰا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللّٰهَ يَعْلَمُهُ» (1) و قال جل و عز «وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ» (2) و قال جل جلاله «رِجٰالٌ صَدَقُوا مٰا عٰاهَدُوا اللّٰهَ عَلَيْهِ» (3) و قال سبحانه «أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ» (4) و قال تعالى «وَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّٰهِ مِنْ بَعْدِ مِيثٰاقِهِ» (5) الآية و قال جل اسمه «لٰا يُؤٰاخِذُكُمُ اللّٰهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمٰانِكُمْ وَ لٰكِنْ يُؤٰاخِذُكُمْ بِمٰا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمٰانَ» (6).

و في الحديث النبوي (صلّى اللّه عليه و آله) «من نذر أن يطيع اللّه فليطعه، و من نذر أن يعصي اللّه فلا يعصه» الى غير ذلك من الايات و الاخبار.

و بالجملة فشرعية النذر و العهد و اليمين ثابتة بالكتاب و السنة و الإجماع.

و صيغة النذر «للّه علي كذا ان صار كذا»، أو «ان لم يصر»، أو من دون تعليق.

____________

(1) سورة البقرة: 270.

(2) سورة الحج: 29.

(3) سورة الأحزاب: 23.

(4) سورة البقرة: 40.

(5) سورة البقرة: 27.

(6) سورة المائدة: 89.

6

و صيغة العهد «عاهدت اللّه أن أفعل كذا»، أو «علي عهد اللّه» و صيغة اليمين «و اللّه لأفعلن كذا»، أو ما في معناه.

و النذر انما يتعلق بالطاعات خاصة لاشتراطه بالقربة كما يأتي، و اليمين يتعلق بها و بالمباحات دون المرجوحات من المعاصي و المكروهات، و العهد كالنذر عند جماعة و كاليمين عند آخرين في جميع الأحكام، فلا يفتقر الى باب على حدة.

و لنذكر أصناف الطاعات و المعاصي أولا، ليتبين متعلق النذر و اليمين، و ليكون كل منهما مضبوطا في باب تسهيلا للطلاب، و للاحتياج الى معرفتهما في كتاب الحسبة الذي يلي هذا الكتاب، و اللّه الموفق.

الباب الأول في أصناف الطاعات و ضبطها و بيان ما يحتاج منها الى البيان

قال اللّه عز و جل «مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ» (1).

450- مفتاح [تعريف الطاعة و أنواعها]

الطاعة إما عبادة بأصل الشرع كالصلاة و الزكاة، و اما عبادة بالنية و العزم كأكثر المباحات، فإنها تصير عبادة ذات أجر و ثواب بالنيات، مثلا الأكل الحلال إذا نوى به التقوي على الصلاة و سائر القربات فهو عبادة مأجور بها، و كذا الجماع مع الحلال إذا نوى به كسر الشهوة و تحصيل رضى اللّه سبحانه و رضى رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) بحصول الولد و كثرة النسل فهو عبادة مثاب

____________

(1) سورة الحشر: 7.

7

بها، إلى غير ذلك من نظائرهما، فإنما الأعمال بالنيات و انما لكل امرئ ما نوى (1)، كما في الحديث المتواتر.

و أيضا الطاعة اما طاعة الجوارح أو طاعة القلوب، و كل منهما اما فرض أو نفل، و طاعة الجوارح اما عينية أو كفائية، أما فرائض الجوارح العينية فمنها أصول العبادات التي أعظمها و أشرفها و أساسها الصلاة ثم الزكاة ثم الحج ثم الصيام، و قد مر بيان الأربع و ما يتبعها، و منها ما نشير إليه في فصول.

451- مفتاح [وجوب رد السلام]

من الفرائض العينية رد السلام إذا خص به، و لو كان المخاطب جماعة فكفائي، و وجوبه ثابت بالكتاب و السنة و الإجماع، و آية التحية [1] وردت فيه، فيجب بالأحسن أو المثل.

و الأحسن أن يزيد عليه «و رحمة اللّه»، فان قاله المسلم زاد «و بركاته»، فان قاله المسلم فله الاكتفاء بقوله «و عليك».

و لو كان المسلم ذميا اقتصر على ذلك مطلقا، كذا جرت السنة.

و يحتمل وجوب رد تسميت العاطس و نحوه، عملا بإطلاق الآية.

452- مفتاح [وجوب صلة الرحم]

و منها صلة الأرحام، و قد ثبت بالثلاثة، و ورد الحث الأكيد عليها بما لا

____________

[1] قوله تعالى «وَ إِذٰا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهٰا أَوْ رُدُّوهٰا» سورة النساء: 86.

____________

(1) وسائل الشيعة 7- 7.

8

مزيد عليه، و كذا الوعيد على قطعها.

و الرحم هو القريب المعروف بالنسب و ان بعدت لحمته [1] و جاز نكاحه، و قيل: بل هو من لم يجز نكاحه خاصة، و صلته بره و الإحسان إليه بالمواساة و المعاونة بالنفس و المال، و كل ما قدر عليه من الخيرات.

و أن لا يفعل ما يؤذيه، و في الصحيح «أفضل ما يوصل به الرحم كف الأذى عنها» (1) و فيه «صل رحمك و لو بشربة من ماء» (2).

و في رواية: صلوا أرحامكم و لو بالتسليم يقول اللّه تعالى «وَ اتَّقُوا اللّٰهَ الَّذِي تَسٰائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحٰامَ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً» (3).

و في المعتبرة: ان الرحم متعلقة يوم القيامة بالعرش يقول: اللهم صل من وصلني و اقطع من قطعني (4).

و في ألفاظ متعددة: إنها تزكي الأعمال و تنمي الأموال و تدفع البلوى و تيسر الحساب و تنسئ في الأجل (5). و الأخير مستفيض في المعتبرة.

453- مفتاح [وجوب بر الوالدين]

و منها بر الوالدين، و قد ثبت وجوبه بالثلاثة، مع الحث الأكيد عليه في

____________

[1] اللحمة: بالضم القرابة.

____________

(1) أصول الكافي 2- 121. ط الإسلامية.

(2) نفس المصدر.

(3) أصول الكافي 2- 124.

(4) أصول الكافي 2- 122.

(5) أصول الكافي 2- 121.

9

الكتاب و السنة، و في الصحيح: عن قول اللّه تعالى «وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً» ما هذا الإحسان؟ فقال: الإحسان أن تحسن صحبتهما، و ألا تكلفهما أن يسألاك شيئا مما يحتاجان اليه و ان كانا مستغنيين، أ ليس يقول اللّه تعالى «لَنْ تَنٰالُوا الْبِرَّ حَتّٰى تُنْفِقُوا مِمّٰا تُحِبُّونَ». ثم قال: و أما قول اللّه سبحانه «إِمّٰا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمٰا أَوْ كِلٰاهُمٰا فَلٰا تَقُلْ لَهُمٰا أُفٍّ وَ لٰا تَنْهَرْهُمٰا» قال: ان أضجراك «فلا تقل لهما أف و لا تنهرهما» ان ضرباك «فقل لهما» غفر اللّه لكما فذلك منك قول كريم، قال «وَ اخْفِضْ لَهُمٰا جَنٰاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ» قال: لا تملأ عينيك من النظر إليهما إلا برحمة ورقة، و لا ترفع صوتك فوق أصواتهما و لا يدك فوق أيديهما و لا تقدم قدامهما (1).

أقول: و لعل الغرض من ذلك أن لا يعقهما، و لا فرق بين حيهما و ميتهما في لزوم البر، بل و لا المؤمن و المخالف، كما يظهر من كثير من النصوص.

454- مفتاح [وجوب أداء حقوق الاخوان]

و منها أداء حقوق الإخوان، بالإجماع و النصوص المستفيضة، و في الصحيح «ما عبد اللّه بشيء أفضل من أداء حق المؤمن» (2) و في الحديث النبوي: للمؤمن على أخيه ثلاثون حقا لا براءة له منها الا بالأداء أو العفو: يغفر زلته، و يرحم غربته، و يستر عورته، و يقيل عثرته، و يقيل معذرته، و يرد غيبته، و يديم نصيحته، و يحفظ خلته، و يرعى ذمته، و يعود مرضته، و يشهد ميتته، و يجيب دعوته، و يقبل هديته، و يكافئ صلته، و يشكر نعمته، و يحسن نصرته، و يحفظ

____________

(1) أصول الكافي 2- 126.

(2) أصول الكافي 2- 136.

10

حليلته، و يقضي حاجته، و يشفع مسألته، و يسمت عطسته، و يرشد ضالته، و يرد سلامه، و يطيب كلامه، و يبر أنعامه، و يصدق أقسامه، و يواليه و لا يعاديه، و ينصره ظالما أو مظلوما، فأما نصرته ظالما فيرده عن ظلمه، و أما نصرته مظلوما فيعينه على أخذ حقه، و لا يسلمه و لا يخذله، و يحب له من الخير ما يحب لنفسه، و يكره له ما يكره لنفسه (1).

و في رواية: ان أحدكم ليدع من حقوق أخيه شيئا فيطالبه به يوم القيامة فيقضى له عليه (2).

455- مفتاح [وجوب نفقة الزوجة و غيرها من الواجبات]

و منها نفقة الزوجة و المملوك و سائر حقوقهما، و نفقة الأقارب مع فقرهم و غناه، و تقدير المعيشة من غير سرف و لا بخل، و طلب الحلال، و دفع الضرر عن النفس و المال، و الختان للرجال، و التزويج مع خوف الوقوع في الحرام بدونه، و الصدق في الأقوال و الافعال، و أداء الأمانة إلى البر و الفاجر، و الوفاء بالعهد و الوعد، و صرف نعم اللّه سبحانه فيما خلقت لأجله.

و يأتي بيان هذه الأحكام في مواضعها إنشاء اللّه.

456- مفتاح [وجوب السجود عند تلاوة العزائم]

و منها السجود عند تلاوة العزائم الأربع، أ لم تنزيل و فصلت و النجم و اقرأ،

____________

(1) وسائل الشيعة 8- 550.

(2) نفس المصدر.

11

إذا بلغ آيته قارئا كان أو مستمعا، بالإجماع و النصوص، أما السامع فقولان:

نقل على كل منهما الإجماع، و للعدم الخبر الصريح و في سنده ضعف، و للوجوب الصحيح «عليه أن يسجد كلما سمعها» و في الموثق «الطامث تسمع السجدة، قال: ان كانت من العزائم تسجد إذا سمعتها» (1).

و هو حجة على الشيخ في النهاية، حيث منع من سجود الحائض و له الخبر، و على الإسكافي حيث اعتبر فيه الطهارة من الحدث.

و في المقطوع: إذا قرئ شيء من العزائم فسمعتها فاسجد و ان كنت على غير وضوء و ان كنت جنبا و ان كانت المرأة لا تصلي (2).

أما الطهارة من الخبث فغير شرط قطعا، و كذا ستر العورة و استقبال القبلة على الأصح للأصل، و في اشتراط وضع الأعضاء السبعة أو الاكتفاء بالجبهة وجهان، و كذا وقوعه على ما يصح عليه و عدمه.

و الذكر فيه مستحب و ليس له لفظ مخصوص، و روي أنه كذكر سجود الصلاة، و في الصحيح: إذا قرأ أحدكم السجدة من العزائم، فليقل في سجوده «سجدت لك تعبدا ورقا، لا مستكبرا عن عبادتك و لا مستنكفا و لا متعظما، بل أنا عبد ذليل خائف مستجير» (3).

و لا يجب التكبير عند الهوي اليه، و في وجوبه عند الرفع منه قولان و به رواية، و وقت السجود عند التلفظ بموجبه، و هو فوري بلا خلاف، و لا يخل به التأخير إلى الفراغ من الآية، وفاقا للخلاف و خلافا للمعتبر.

و لا يسقط بالتأخير، و في الصحيح: عن الرجل يقرأ السجدة فينساها حتى

____________

(1) وسائل الشيعة 2- 584.

(2) وسائل الشيعة 4- 880.

(3) وسائل الشيعة 4- 884.

12

يركع و يسجد، قال: يسجد إذا ذكر إذا كانت من العزائم (1).

و الاولى عدم التعرض للأداء أو القضاء حينئذ في النية للخلاف فيه، و هي مقارنة للهوي، و قيل: لوضع الجبهة، و الأمر فيه هين عندنا.

و يتعدد السجود بتعدد السبب، سواء تخلل أم لا «سئل عن الرجل تعلم السورة من العزائم، فيعاد عليه مرارا في المقعد الواحد، قال: عليه أن يسجد كلما سمعها و على الذي يعلمه أن يسجد» (2).

457- مفتاح [الفرائض الكفائية]

و من الفرائض الكفائية الجهاد في سبيل اللّه بالنفس و المال، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر مع اجتماع الشرائط، و كذا الإفتاء في المسائل الشرعية، و القضاء فيها مع اضطرار الناس إليهما، و تخليص المشرف على الهلاك، و اغاثة المستغيث مع القدرة، و إطعام الجائعين على ذوي اليسار مع قصور الصدقات الواجبة، و تحمل الشهادة مع عدم تعينه عليه، فإنه مع التعين عيني، و كذا تجهيز الموتى و تغسيلهم و دفنهم و الصلاة عليهم، الى غير ذلك مما يأتي تفاصيلها.

458- مفتاح [الطاعات المستحبة]

و من الطاعات (3) ما يتصف بالنفل كالصلاة و الزكاة المندوبتين، و صوم التطوع

____________

(1) وسائل الشيعة 4- 779.

(2) وسائل الشيعة 4- 884.

(3) و في نسخة اخرى: و من الفرائض.

13

و حجه، و النوافل كثيرة لا تدخل تحت الضبط و الحصر.

و منها إكثار ذكر اللّه سبحانه، و تلاوة القرآن، و السجود عند تلاوة مواضعه الأحد عشر غير العزائم، و هي في الأعراف و الرعد و النحل و الإسراء و مريم و الحج في موضعين و الفرقان و النمل و ص و الانشقاق، و أحكامه كالعزائم.

و منها الدعاء و الإلحاح فيه، و الاختلاف الى المساجد.

و ابتداء السلام فان فيه سبعين حسنة، تسعة و ستون للمبتدي و واحدة للراد و يجوز معرفا و منكرا، و اختلفوا في الأفضل، و الثاني أوجه و الأول هو الأصل و يسقط في الحمام، و عند قضاء الحاجة، و على موائد شرب الخمر، و على صاحب الشطرنج و النرد، و المخنث، و الشاعر الذي يقذف المحصنات، و على المصلي لأنه لا يستطيع الرد، و على آكل الربا، و الفاسق المعلن بفسقه، و على غير المسلم، و ينبغي إكماله فيضيف و رحمة اللّه و بركاته، و أن يقصد معه الملكين ان كان واحدا، لأنه إذا سلم عليهما رد السلام، و من سلم عليه الملك فقد سلم من عذاب اللّه، و استحبابه للجماعة على الكفاية، فلو سلم واحد منهم كفى ذلك لإقامة السنة، و افشاؤه مرغب فيه، ففي الحديث «من التواضع أن تسلم على من لقيت» (1) و فيه «البخيل من بخل بالسلام» (2).

و يقرب منه تسميت العاطس و رده، و التحميد و الصلاة على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عند سماع العطسة، فإن كانوا جماعة فالتسميت كفائي.

و منها اتخاذ الاخوان و مواساتهم، و المكافاة على صنائعهم، و استعمال المروة و السخاء، و الجود، و بذل المال، و التوسع على العيال، و التعطف على الفقراء و المساكين، و مشاركتهم في المعيشة، و إكرام ذي الشيبة المسلم، و التواضع

____________

(1) وسائل الشيعة 8- 438.

(2) وسائل الشيعة 8- 437.

14

للمؤمنين و كرم الصحبة، و حسن الجوار، و حفظ اللسان الأمن خير، و الاعتراف بالتقصير في جميع الحالات، و الإتيان بالآداب و السنن النبوية في سائر الحركات و السكنات، كل ذلك للنصوص المؤيدة بالعقول.

459- مفتاح [استحباب عتق المماليك]

و من النوافل المتفق عليها عقلا و نقلا بالثلاثة عتق المماليك، سيما المؤمن الذي أتى عليه سبع سنين في ملكه، كما في الخبر، و في الصحيح «من أعتق مسلما أعتق اللّه العزيز الجبار بكل عضو منه عضوا من النار» (1) و في آخر «المملوك» (2) بدل المسلم، و في المرسل المؤمن، و فيه «فان كانت أنثى أعتق اللّه العزيز الجبار بكل عضوين منها عضوا من النار» (3) و في عدة من العامية «حتى الفرج بالفرج».

و يكره عتق المخالف للخبر، و العاجز عن القيام بكفايته الا أن يعينه بالإنفاق، كما يظهر من النصوص، و تمام أحكام العتق يأتي فيما بعد إنشاء اللّه.

460- مفتاح [استحباب الأضحية]

و من النوافل المرغب فيها الأضحية- بضم الهمزة و كسرها و تشديد الياء المفتوحة- و النصوص بها مستفيضة، و أوجبها الإسكافي للصحيح «الأضحية

____________

(1) وسائل الشيعة 16- 3.

(2) وسائل الشيعة 16- 2.

(3) وسائل الشيعة 16- 6.

15

واجبة على من وجد من صغير أو كبير و هي سنة» (1) و في رواية «فما ترى في العيال؟

قال: ان شئت فعلت و ان شئت لم تفعل و أما أنت فلا تدعه» (2) و حمل على التأكيد.

و وقتها بمنى أربعة أيام أولها يوم النحر، و في الأمصار ثلاثة، بالإجماع و الصحاح، و ما في الحسن و غيره: الأضحى يومان بعد يوم النحر و يوم واحد بالأمصار (3)، محمول على الأفضلية أو تحريم الصوم، و يجزي الهدي الواجب عنها كما في الصحاح.

و من لم يجد تصدق بثمنها، فان اختلفت القيم جمعت و تصدق بما نسب إليها بالسوية، فمن الثلاث الثلث و من الأربع الربع و هكذا كما في الخبر.

و يكره التضحية بما يربيه للنصوص، و أن يأخذ شيئا من جلودها، أو يعطي الجزارين، أو يخرج من منى الا السنام للدواء، أو ما يضحيه غيره كما مر مع النظر فيه، و لا بأس بادخار لحمها بعد ثلاثة أيام لنسخ تحريمها، كما في النصوص.

461- مفتاح [الطاعات القلبية]

و أما طاعات القلب فهي: صفاته الحميدة و أخلاقه الحسنة المأمور بها في الشرع و العقل و هي كثيرة، فمن فرائضها العينية: تعلم العلوم الضرورية التي هي معرفة العقائد الحقة الدينية و لو إجمالا و تقليدا، و معرفة الاحكام الشرعية

____________

(1) وسائل الشيعة 10- 173.

(2) نفس المصدر.

(3) وسائل الشيعة 10- 96.

16

الواجبة و لو تقليدا، و معرفة آفات النفس و أخلاقها الحسنة و الرذيلة ليكتسب أو يجتنب، و التوبة عن الذنوب كبيرها و صغيرها، و شكر نعم اللّه سبحانه دنيويها و أخرويها، و الصبر على المصائب و الطاعات و عن المعاصي و الشهوات، و الزهد في زخرف الدنيا، و التوكل على اللّه في الأمور، و تفويضها اليه و خصوصا الرزق، و الرضا بقضائه تعالى، و التسليم لأمره، و الخوف و الخشية منه، و الرجاء و الطمع في رحمته و مغفرته، و النية و الإخلاص له جل و عز و اليقين.

و من الكفائية: معرفة علم الكلام للرد على المبتدعة، و معرفة المسائل الشرعية زيادة على الواجب عينا.

و من النوافل التفكر في مصنوعات اللّه، زيادة على ما يتوقف عليه تحصيل المعرفة الواجبة، و ذكر الموت و ما بعده، و معرفة تفسير القرآن و الحديث زيادة على الواجب، و تحصيل فضيلة الحكمة التي هي استقامة القوة العقلية من غير ميل إلى طرفي إفراط الجربزة و تفريط البله و ما يتبعها من الصفات، و تحصيل فضيلة الشجاعة التي هي استقامة القوة الغضبية من غير ميل إلى طرفي إفراط التهور و تفريط الجبن، و انقيادها للقوة العقلية على يسر و سهولة و ما يتبعها من الأخلاق، و تحصيل فضيلة العفة التي هي استقامة القوة الشهوية من غير ميل إلى طرفي إفراط الشره [1] و تفريط الخمود، و انقيادها للقوة العقلية على يسر و سهولة و ما يتبعها من الفضائل، الى غير ذلك. و تفاصيل هذه الأخلاق و الفضائل تطلب من كتابنا المسمى بالمحجة البيضاء في تهذيب الاحياء.

الباب الثاني في أصناف المعاصي و المكروهات و ضبطها

قال اللّه عز و جل «وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» (1).

____________

[1] الشره: غلبة الحرص.

____________

(1) سورة الحشر: 7.

17

462- مفتاح [تعريف المعصية]

المعصية كالطاعة تنقسم تارة الى ما هو معصية بأصل الشرع كشرب الخمر و الى ما يصير معصية بالنية و العزم، كالأكل للتقوي على المعصية مثلا، و أخرى إلى معصية الجوارح و معصية القلوب، و كل منهما إلى الكبائر و الصغائر.

و اختلف الفقهاء في الكبائر اختلافا لا يرجى زواله، و كأن المصلحة في إبهامها اجتناب المعاصي كلها مخافة الوقوع فيها، و في الصحيح «أنها ما أوعد اللّه عليه النار» (1).

و فيه: من اجتنب ما أوعد عليه النار كفر عنه سيئاته إذا كان مؤمنا، و السبع الموجبات: قتل النفس الحرام، و عقوق الوالدين، و أكل الربا، و التعرب بعد الهجرة، و قذف المحصنة، و أكل مال اليتيم، و الفرار من الزحف (2).

و في الحسن: هن في كتاب علي (عليه السلام) سبع: الكفر باللّه، و قتل النفس، و عقوق الوالدين، و أكل الربا بعد البينة، و أكل مال اليتيم ظلما، و الفرار من الزحف، و التعرب بعد الهجرة [1].

و عن مولانا الرضا (عليه السلام) في رسالته الى المأمون: هي قتل النفس

____________

[1] وسائل الشيعة 11- 254 و في آخر هذا الحديث فقلت: هذا أكبر المعاصي؟

قال: نعم. قلت: فأكل درهم من مال اليتيم ظلما أكبر أم ترك الصلاة؟ قال: ترك الصلاة.

قلت: فما عددت ترك الصلاة من الكبائر؟ قال: أى شيء أول ما قلت؟ قال: قلت: الكفر قال: فان تارك الصلاة كافر، يعنى من غير علة «منه».

____________

(1) وسائل الشيعة 11- 250.

(2) وسائل الشيعة 11- 252.

18

التي حرم اللّه تعالى، و الزنا، و السرقة، و شرب الخمر، و عقوق الوالدين، و الفرار من الزحف، و أكل مال اليتيم ظلما، و أكل الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهل به لغير اللّه من غير ضرورة، و أكل الربا بعد البينة، و السحت، و الميسر و هو القمار، و البخس في المكيال و الميزان، و قذف المحصنات، و اللواط، و شهادة الزور، و اليأس من روح اللّه، و الأمن من مكر اللّه، و القنوط من رحمة اللّه، و معونة الظالمين و الركون إليهم، و اليمين الغموس، و حبس الحقوق من غير عسر، و الكذب، و الكبر، و الإسراف، و التبذير، و الخيانة، و كتمان الشهادة، و الاستحقار لأولياء اللّه، و الاستخفاف بالحج، و الاشتغال بالملاهي، و الإصرار على الصغائر من الذنوب (1).

463- مفتاح [ما أوعد اللّه عليه النار]

و مما أوعد اللّه عليه النار أو العذاب: تحليل الحرام و تحريم الحلال، و مَنَعَ مَسٰاجِدَ اللّٰهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ، و السعي في خرابها، و كتمان الحق، و الرشا في الكتمان، و الوقوف في بلاد الكفر بعد التمكن من الخروج، و مشاقه [1] الرسول، و متابعة غير سبيل المؤمنين، و الاستكبار عن عبادة اللّه، و قطع الطريق، و تحريف الكلم عن مواضعه، و تكذيب آيات اللّه، و نقض العهد، و قطع الرحم، و اتخاذ البنات للّه، و الإشراك به سبحانه، و الارتداد بعد الايمان، و الافتراء على اللّه، و إيذاء الرسول و المؤمنين، و ابطال آيات اللّه، و الاعراض عنها، و التخلف عن الجهاد، الى غير ذلك مما فصل في القرآن تفصيلا.

____________

[1] المشاقة و الشقاق: المخالفة و العداوة.

____________

(1) وسائل الشيعة 11- 260.

19

464- مفتاح [المعاصي المنصوص عليها]

و من المعاصي المنصوص عليها ترك الواجبات، و إتيان البدع، و القعود في المساجد (1) جنبا أو حائضا، و لبس الذهب و الحرير للرجال بلا خلاف منا، ففي الحديث المشهور «حل الذهب و الحرير للإناث من أمتي و حرام على ذكورها» [1] و في لفظ آخر «هذان حرامان على ذكور أمتي مشيرا إليهما» و في رواية «في الحرير من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» و استثني منه حالة الحرب و الضرورة و المخلوط بغيره للنصوص.

و يجوز المحشو بالقز، لجواز لبسه في الصلاة على الأصح كما مر، و في التكأة على الحرير و الافتراش به قولان: لاختلاف النصوص، و الأصح الجواز للصحيح «تفرشه و تقوم عليه و لا تسجد عليه» (2).

و منها الأكل و الشرب من أواني الذهب و الفضة، ففي الحديث «ان من فعل ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم» و كذا اتخاذها على قول، و يؤيده ما ورد «ان أواني الذهب و الفضة متاع الذين لا يوقنون» (3).

و عمل آلات اللهو و البدع و البطر حتى الأواني المذكورة، لأنه معاونة على الإثم. و تصوير ذوات الأرواح، ففي الصحيح: ان فاعله يعذب يوم القيامة حتى ينفخ الروح فيها و ليس بنافخ (4).

____________

[1] وسائل الشيعة 3- 300 ما يشبه ذلك و كذا الحديثان الآخران.

____________

(1) و في نسخة أخرى: المسجد.

(2) وسائل الشيعة 3- 274.

(3) وسائل الشيعة 2- 1084.

(4) وسائل الشيعة 12- 220.

20

و تقييده بالمجسمة كما فعله بعضهم يأباه إطلاق النص، و تعميمه لاستعمالها و النظر إليها غير واضح المستند، نعم الأحوط اجتناب ما كانت منها منصوبة في جدار أو ستر و نحوهما دون ما يوطأ كما في الخبر.

465- مفتاح [عد المعاصي]

و منها البناء رياء و سمعة، أي فضلا على ما يكفيه استطالة منه على جيرانه و مباهاة لإخوانه، و الاستخفاف بفقير مسلم، فقد ورد: أن من فعل ذلك فقد استخف بحق اللّه (1) و اللّه يستخف به يوم القيامة الا أن يتوب، و حلق اللحية لأنه خلاف السنة التي هي اعفاؤها، و لمسخ طائفة بسببه، و القمار و الرهانات الا ما استثني كما يأتي، و إنشاد شعر يتضمن هجاء مؤمن أو فحشا، و قيل: أو تشبيبا بامرأة بعينها غير محللة له، أو بغلام لتحريم متعلقة و لما فيه من الإيذاء، و في إطلاق هذا الحكم نظر، أما غير المعينين و المحللة فلا بأس، و لا ما تضمن منه كذبا لأنهما من صناعة الشعر و لا (2) كذبه ليس في صورة الصدق، و لا الغرض منه ترويجه فبان من الكذب المحرم من هذا الوجه، و النياحة بالباطل و الاستماع إليها.

و الغناء بما فيه ترجيع و اطراب على المشهور، سواء كان بمجرد الصوت أو انضم اليه من الآلات، و استدلوا عليه بالأخبار التي فسر فيها لهو الحديث، و قول الزور في الآيتين بالغناء، فزعموا أن المراد منه ما يشتمل على ترجيع و اطراب، و بما ورد في الخبر «أن استماع الغناء و اللهو ينبت النفاق في القلب» (3)

____________

(1) بحرمة اللّه خ ل.

(2) و في نسخة اخرى: و لأن.

(3) وسائل الشيعة 12- 236.

21

و في آخر «أنه مما أوعد اللّه عليه النار و تلا الآية الاولى» (1) و في آخر «المغنية ملعونة ملعون من أكل كسبها» (2) و في آخر «شراؤهن حرام و بيعهن حرام و تعليمهن كفر و استماعهن نفاق» (3) و في آخر «و ثمنهن سحت» [1].

و منهم من استثنى من الممنوع منه ما يكون في العرائس، لما في الصحيح «أجر المغنية التي تزف العرائس ليس به بأس و ليست بالتي تدخل عليها الرجال» (4) و في النبوي «أعلنوا النكاح و اضربوا عليه بالغربال يعني الدف».

و ربما يلحق بالنكاح الختان، و منع منه الحلي مطلقا، و وافقه في التذكرة، لأن اللّه حرم اللهو و اللعب و هذا منه.

أقول: الذي يظهر من مجموع الأخبار الواردة في الغناء، و يقتضيه التوفيق بينها، اختصاص حرمته و حرمة ما يتعلق به من الأجر و التعليم و الاستماع و البيع و الشراء، كلها بما كان على النحو المعهود المتعارف في زمن بني أمية، من دخول الرجال عليهن و استماعهم لصوتهن و تكلمهن بالأباطيل، و لعبهن بالملاهي من العيدان و القضيب و غيرها. و بالجملة ما اشتمل على فعل محرم دون ما سوى ذلك، كما يشعر به قوله (عليه السلام) «ليست بالتي تدخل عليها الرجال».

الا أن يقال: ان بعض الافعال لا يليق بذوي المروات و ان كان مباحا، فلا ينبغي لهم منه الا ما فيه غرض حق، مما ورد المعتبرة بالإذن فيه بل الأمر به، فقد ورد أن علي بن الحسين (عليهما السلام) كان يقرأ فربما مر عليه المار، فصعق

____________

[1] وسائل الشيعة 12- 87. هذه الرواية و ان رواها أبو بصير الا أنه الثقة الغير الواقفي كما حققه بعض الأصحاب، و السند اليه صحيح «منه».

____________

(1) وسائل الشيعة 12- 226.

(2) وسائل الشيعة 12- 85.

(3) وسائل الشيعة 12- 88.

(4) وسائل الشيعة 12- 85.

22

من حسن صوته (1)، «و أنه سأله رجل عن شراء جارية لها صوت، فقال: ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنة» (2) و في بعضها «رجع بالقرآن صوتك فان اللّه يحب الصوت الحسن يرجع فيه ترجيعا» (3) الى غير ذلك.

466- مفتاح [المعاصي الشهوية و حرمة الخمر]

و منها القيادة، و المساحقة، و تكلم المرأة عند غير زوجها و غير ذي محرم منها أكثر من خمس كلمات مما (4) لا بد منها، و مباشرتها للأخرى ليس بينهما ثوب، و تحدثها بما تخلو به مع زوجها، و تزيينها لغير زوجها، و خروجها من بيتها بغير اذنه، فان خرجت لعنها كل ملك في السماء، و كل شيء تمر عليه من الجن و الانس حتى ترجع الى بيتها، كذا في الحديث النبوي، و فيه: من ملأ عينه من حرام ملأ اللّه عينه يوم القيامة من النار الا أن يتوب و يرجع، و من صافح امرأة تحرم عليه فقد باء بسخط من اللّه (5) يعني بشهوة.

و من التزم امرأة حراما قرن في سلسلة من نار مع شيطان فيقذفان في النار، و نهى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن ينظر الرجل إلى عورة أخيه المسلم، و قال:

من تأمل في عورة أخيه المسلم لعنه سبعون ألف ملك، و نهى المرأة أن تنظر إلى عورة المرأة، و أن يطلع الرجل في بيت جاره، و قال: من نظر الى عورة

____________

(1) وسائل الشيعة 4- 859.

(2) وسائل الشيعة 12- 86.

(3) وسائل الشيعة 4- 859.

(4) بما خ ل.

(5) وسائل الشيعة 14- 142 ح 1.

23

أخيه المسلم، أو عورة غير أهله متعمدا أدخله اللّه النار مع المنافقين الذين يبحثون عن عورات المسلمين، و لم يخرج من الدنيا حتى يفضحه اللّه الا أن يتوب.

و نهى عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر، و قال «لعن اللّه الخمر و عاصرها و غارسها و شاربها و ساقيها و بائعها و مشتريها و آكل ثمنها و حاملها و المحمولة اليه، و قال: من شربها لم تقبل له صلاة أربعين يوما» (1) «و قال: ان اللّه لعن آكل الربا و موكله و كاتبه و شاهديه» (2).

و في حديث نوف عن أمير المؤمنين (عليه السلام): إياك أن تكون عشارا أو شاعرا أو شرطيا أو عريفا أو صاحب عرطبة و هي الطنبور أو صاحب كوبة و هو الطبل.

467- مفتاح [حرمة السحر و الكهانة و التنجيم]

و منها الاخبار عن الغائبات على البت، لغير نبي أو وصي نبي، سواء كان بالتنجيم أو الكهانة أو القيافة أو غير ذلك، و الشعوذة و السحر، و في الحديث إياكم و تعلم النجوم الا ما يهتدى به في بر أو بحر، فإنها تدعو إلى الكهانة، و المنجم كالكاهن و الكاهن كالساحر و الساحر كالكافر و الكافر في النار» (3) و في آخر «المنجم ملعون و الكاهن ملعون و الساحر ملعون» (4) و في آخر «من تكهن أو تكهن له فقد بريء من دين محمد» (5).

____________

(1) وسائل الشيعة 17- 301.

(2) وسائل الشيعة 12- 430.

(3) وسائل الشيعة 8- 271 و 12- 104.

(4) وسائل الشيعة 12- 103.

(5) وسائل الشيعة 12- 108.

24

و ان كان الاخبار على سبيل التفأل من غير جزم، فالظاهر جوازه، لأن أصل هذه العلوم حق، و لكن الإحاطة التامة بها لا يتيسر لكل أحد، و الحكم بها لا يوافق المصلحة، و عليه يحمل تضعيف ابن طاوس ((رحمه اللّه)) خبر ذم التنجيم و تجويزه له و ما رواه في ذلك.

و السحر كلام أو كتابة أو رقية أو أقسام و عزائم و نحوها، يحدث بسببها ضرر على الغير، و منه عقد الرجل عن زوجته بحيث لا يقدر على وطيها، و إلقاء البغضاء بينهما كما قال اللّه تعالى «فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمٰا مٰا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ» (1).

و منه استخدام الملائكة و الجن، و استنزال الشياطين في كشف الغائبات و علاج المصاب، و استحضارهم و تلبيسهم ببدن صبي أو امرأة و كشف الغائب على ذلك، فتعلم ذلك و أشباهه و تعليمه حرام، و التكسب به سحت الا للتوقي أو دفع المتنبي.

و قيل: بوجوب تعلمه لذلك كفاية، و يجوز حله بالقرآن و الاقسام كما في الخبر، كذا قاله الشهيد الثاني (رحمه اللّه)، و في بعض النصوص «حل و لا تعقد» (2).

468- مفتاح [جملة من المعاصي]

و منها الغضب لغير اللّه، و الحمية، و العصبية، و التكبر، و التجبر، و الاختيال في المشي، و التفاخر، و البذاء و الفحش، و البغي، و الفسق، و الفجور، و تزكية

____________

(1) سورة البقرة: 102.

(2) وسائل الشيعة 12- 106.

25

النفس، و إظهار الحسد، و الخرق [1]، و السفه، و المراء، و الغيبة، و النميمة، و الاستماع إليهما، و إشاعة الفواحش في المؤمنين، و تجسس عيوبهم، و سوء الظن بهم فان بعض الظن اثم، و البهتان، و السعاية، و السباب، و اللعن لغير مستحقهما، و المكر، و الخديعة، و الغدر، و الغش، و التدليس، و الغصب، و النهب، و الذهاب بحقوق المسلمين، و الظلم، و القساوة، و الجفاء، و التعرب بعد الهجرة و هو مما يعد في الكبائر كما مر.

و كل ما نهى اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) عنه، و أكثرها مذكور في هذا الكتاب متفرقة في مواضعها.

و ترك الآداب و السنن النبوية بالمرة، سوى أصل الفرائض، فإن ذلك معصية. فهذه أمهات المحرمات.

469- مفتاح [عد بعض المكروهات]

المكروهات كثيرة لا يمكن ضبطها و حصرها، فلنأت منها بجملة تكون أنموذجا لما سواها.

فمنها: تقليم الأظفار بالأسنان، و السواك في الحمام، و المشي في فرد نعل، و التنعل قائما، و محو شيء من كتاب اللّه بالبزاق، و كتابته به و محدثا، و إحراق شيء من الحيوان بالنار، و سب الديك فإنه يوقظ للصلاة، و تبييت القمامة [2] في البيت فإنها مقعد الشيطان، و البيتوتة و يده غمرة [3]، فإن فعل فأصابه الشيطان

____________

[1] الحمق و ضعف العقل.

[2] القمامة الكناسة و الجمع القمام، و قممت البيت كنسته.

[3] الغمر بالتحريك: ريح اللحم و السمك، و قد غمرت يدي من اللحم فهي غمرة.

26

فلا يلومن الا نفسه، و اجابة الفاسقين الى طعامهم، و إدخال المرأة إلى الحمام معه، و تصفيق [1] الوجه، و مصافحة الذمي، و النفخ في الطعام أو الشراب أو موضع السجود، و قتل النحل، و الوسم في وجوه البهائم، و ضرب وجوهها، و اتخاذ الحمام للتطير و الفرجة، لما فيه من العبث و تضييع العمر، أما للأنس و إنفاذ الكتب فلا بأس، بل المستفاد من النصوص الترغيب فيه، و أما الرهن عليها فقمار محرم.

و هجران أخيه المسلم أكثر من ثلاثة أيام و يحتمل التحريم، و البزاق في البئر التي يشرب منها، و المدح ففي الحديث «أحثوا في وجوه المداحين التراب» (1) و منع الماعون [2] للجار، فمن فعل منعه اللّه خيره يوم القيامة و وكله الى نفسه فما أسوء حاله، كل ذلك منصوص.

و سيأتي أشياء متفرقة في مواضعها، مع ما مر من مكروهات المساجد و غيرها، الى غير ذلك مما لا يستحسن في عقل أو شرع أو عرف ذي مروة، و في الحديث:

لا تحقروا شيئا من الشر و ان صغر في أعينكم، و لا تستكثروا الخير و ان كثر في أعينكم، فإنه لا كبيرة مع الاستغفار و لا صغيرة مع الإصرار (2).

470- مفتاح [المعاصي القلبية]

و أما معاصي القلب فهي صفاته المذمومة و أخلاقه الردية، و هي في مقابلة

____________

[1] الصفق: الضرب الشديد الذي يسمع له صوت.

[2] الماعون اسم جامع لمنافع البيت.

____________

(1) وسائل الشيعة 12- 132.

(2) وسائل الشيعة 11- 246.

27

الصفات الحميدة و الأخلاق الحسنة التي هي طاعات القلب، فقس هذه على تلك فرضها و نفلها، فإن الأشياء إنما تعرف بأضدادها، فضد التوبة الإصرار، و ضد الشكر الكفران، و ضد الصبر الجزع، و ضد الزهد الحرص، و ضد التوكل حب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة، و ضد التفويض الطمع، و ضد الرضا السخط، و ضد التسليم الحسد و الاعتراض، و ضد النية السهو و الغفلة، و ضد الإخلاص النفاق و الرياء، و تعلم العلوم المحرمة كالكهانة و السحر للعمل هو بمنزلة الضد لتعلم العلوم الدينية الواجبة، و كذلك تعلم العلوم المستحبة قبل الواجبة، بل الواجبة الكفائية قبل العينية، فإنه أيضا غير جائز الا أن يقصد الاستعانة ببعض العلوم على بعض.

و ضد الحكمة التي هي التوسط في القوة العقلية طرفاه المذمومان الجربزة و البله و ما يتبعهما، و ضد العفة الشره و الخمود و ما يتبعهما، و ضد الشجاعة هو التهور و الجبن و ما يتبعهما، و أمهات المعاصي المهلكة الجسد و الرياء و العجب، و في الحديث النبوي «ثلاث مهلكات: شح مطاع، و هوى يتبع، و إعجاب المرء بنفسه» (1).

أعاذنا اللّه و سائر إخواننا منها و من نظائرها بمنه. و تمام الكلام في هذه المباحث يطلب من كتابنا المسمى بالمحجة البيضاء في تهذيب الاحياء فإنه واف به.

(فائدة)

في الصحيح النبوي: رفع عن أمتي تسعة: الخطأ، و النسيان، و ما اكرهوا عليه، و ما لا يطيقون، و ما لا يعلمون، و ما اضطروا اليه، و الحسد، و الطيرة،

____________

(1) وسائل الشيعة 1- 77.

28

و التفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة [1].

و في حديث الصادق (عليه السلام): ما أمر العباد الا بدون سعتهم، و كل شيء أمر الناس بأخذه فهم متسعون له، و كل شيء لا يسعون له فهو موضوع عنهم، و لكن الناس لا خير فيهم (1).

الباب الثالث في النذر

قال اللّه عز و جل «يُوفُونَ بِالنَّذْرِ» (2).

471- مفتاح [متعلق النذر و موارده]

قد ذكرنا شرعية النذر و صيغته، و هو اما بر أو زجر، و البر اما مجازاة لنعمة أو اندفاع بلية، و اما تبرع من غير تعليق على شيء، و يشترط في المجازي عليه أن يكون صالحا لتعلق الشكر به، و في المزجور عنه أن يكون مرجوحا، و ان لم يبلغ حد المنع.

و منع السيد من نذر التبرع من دون تعليق، مدعيا عليه الإجماع، و محتجا بما نقل عن تغلب أن النذر عند العرب وعد بشرط و الشرع نزل بلسانهم.

و عورض بادعاء الشيخ على الجواز الإجماع، و بما نقل عنهم أنه وعد بغير شرط أيضا، و الأكثر على الجواز و هو الأظهر، لعموم الأدلة و إطلاق النصوص.

____________

[1] الخصال: 387 ط النجف الأشرف.

____________

(1) أصول الكافي 1- 126.

(2) سورة الإنسان: 7.

29

و متعلقة لا بد أن يكون طاعة مقدورة للناذر، أما المباح المتساوي الطرفين دينا و دنيا، فلا ينعقد نذره كالمرجوح، وفاقا للمشهور، لاشتراط النذر بالقربة كما يدل عليه النصوص الاتية، و هي منتفية فيه، و قد سئل عن تفسير «لا نذر في معصية»، فقال: كلما كان لك فيه منفعة في دين أو دنيا فلا حنث عليك فيه (1).

و قيل: بانعقاده و استقر به الشهيد، لظاهر الخبر «في جارية حلف فيها بيمين فقال: للّه علي أن لا أبيعها، فقال: ف للّه بنذرك» (2) و فيه منع كونه غير راجح.

و لو قصد به معنى راجحا كالتقوي على العبادة بالأكل، و منع النفس عن الشهوات بتركه و نحو ذلك، صح بلا اشكال، و كذا لو تضمنه العبادة كالتصدق بمال مخصوص فإن الخصوصية مباحة. و مع هذا يتعين اتفاقا، لتعلق النذر بها، و ذلك لانه من حيث أنه فرد من المطلق الراجح عبادة، بل المطلق لا وجود له الا في ضمن خاص، فإذا تعلق النذر بالخاص انحصرت الطاعة فيه، كما تنحصر عند الإتيان بها في متعلقاتها فلا يجزي غيرها.

أما مثل صوم العيدين و أيام الحيض و نحو ذلك، فلا ينعقد نذره أصلا بلا خلاف، لتحريم الخصوصية، و كذا نذر كل معصية عندنا للنصوص.

و في انعقاد نذر الواجب قولان: و الأكثر على الصحة و هو الأصح، فيجوز ترامي النذر و يتعدد الكفارة بتعدده، و يدخل رمضان في صوم السنة المعينة و صوم الدهر مع الإطلاق و التنصيص.

____________

(1) وسائل الشيعة 16- 199.

(2) وسائل الشيعة 16- 201.

30

472- مفتاح [ما يشترط في الناذر]

يشترط في الناذر التكليف، و أهلية العبادة، و قصد القربة بلا خلاف، و في الصحيح: إذا قال الرجل «علي المشي إلى بيت اللّه» و هو محرم بحجة [1]، أو «علي هدي كذا و كذا» فليس بشيء، حتى يقول «للّه علي المشي إلى بيته»، أو يقول «للّه علي أن أحرم بحجة»، أو يقول «للّه علي هدي كذا و كذا ان لم أفعل كذا و كذا» (1).

و فيه: ليس النذر بشيء حتى يسمى شيئا للّه، صياما أو صدقة أو هديا أو حجا (2).

الى غير ذلك من النصوص و هي مستفيضة، و ظاهرها اعتبار التلفظ أيضا، كما عليه الأكثر، خلافا للشيخين و القاضي فإنهم اكتفوا بالضمير و الاعتقاد، لأن الأصل في العبادة الاعتقاد، و لعموم «إنما الأعمال بالنيات» (3) و انما للحصر و الباء للسببية، و بأن الغرض من اللفظ اعلام الغير ما في الضمير، و اللّه أعلم بالسرائر، و لقوله تعالى «إِنْ تُبْدُوا مٰا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحٰاسِبْكُمْ بِهِ اللّٰهُ» (4).

و لا يخلو من قوة الا أن في دليله الثاني نظر، إذ لا كلام في اعتبار النية، و انما الكلام في الاكتفاء بها.

____________

[1] قوله و هو محرم بحجة معناه إذا قال هو محرم بحجة، يعني جعل على نفسه ذلك كما يستفاد من الجواب «منه».

____________

(1) وسائل الشيعة 16- 182.

(2) نفس المصدر.

(3) وسائل الشيعة 7- 7.

(4) سورة البقرة: 284.

31

و يشترط فيه القصد، فلا يصح من المكره و لا السكران و لا الغضبان. و انتفاء الحجر عليه في المال ان كان المنذور ماليا، الا أن يجعله في الذمة من غير تخصيص بما وقع عليه الحجر.

و في اشتراط اذن الزوج و المالك و الوالد قولان: و الأصح العدم لعدم دليل عليه. و الحاقه باليمين لتشابههما في الالتزام للّه تعالى، و في كثير من الاحكام، و تسميته يمينا في بعض الاخبار قياس لا نقول به.

و على تقدير الاشتراط لو بادر قبل الاذن هل يقع باطلا؟ أم يصح مع الإجازة؟ قولان، و يأتي الكلام فيه في اليمين.

473- مفتاح [أحكام النذر]

إذا نذر فعلا فأقله ما يتناوله الاسم، فأقل الصيام يوم، و الصدقة ما يتمول، و الصلاة ركعتان، و قيل: يكفي في الصلاة ركعة للتعبد به شرعا، و أقل العتق رقبة تامة و ان كانت معيبة أو صغيرة، و أما المبعض فلا.

و البدنة إبل لأنها عبارة عن الأنثى منه، و في الخبر: من نذر بدنة فعليه ناقة يقلدها و يشعرها و يقف بعرفة، و من نذر جزورا فحيث شاء نحره (1).

و الهدي ما يسمى من النعم هديا، و قيل: و لو بيضة، و قيل: يلزمه ما يلزم في الأضحية، و لو أطلق مكانه قيل: انصرف الى الكعبة، لقوله تعالى «هَدْياً بٰالِغَ الْكَعْبَةِ» (2) و «مَحِلُّهٰا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ» (3) و في الخبر «فيمن جعل عليه بدنة

____________

(1) وسائل الشيعة 16- 195.

(2) سورة المائدة: 95.

(3) سورة الحج: 33.

32

ان لم يكن سمى بلدا فإنه ينحرها قبالة الكعبة منحر البدن» (1) و في رواية تقرب من الصحة «أنه ينحر بمنى» (2) الا أن العمل على الأول.

و في انعقاد نذره الى غير الموضعين قولان: و الأصح الانعقاد للعمومات و خصوص الصحيح.

و لو نذر إهداء غير النعم قيل: صرف ثمنه في معونة الحاج أو الزائرين، كما في الصحيح الوارد في إهداء الجارية، و فيه قول بالبطلان لما ورد «فيمن قال أنا اهدي هذا الطعام أنه ليس بشيء إنما تهدى البدن» (3) و في الصحيح «ليس بشيء ان الطعام لا يهدى» (4).

و إذا نذر و أطلق تخير بين القربات، ففي الخبر «رجل نذر و لم يسم شيئا، قال: ان شاء صلى ركعتين و ان شاء صام يوما و ان شاء تصدق برغيف» (5) و في المعتبرة «ان لم يسم شيئا فليس عليه شيء» (6) فيحمل الأول على الاستحباب.

و إذا نذر صوم أيام تخير بين التفريق و التتابع، إلا إذا عين أحدهما فيتعين، خلافا لجماعة في تعيين التفريق لكونه مرجوحا و قد مضى، و في الخبر: جعلت على نفسي صوم شهر فصمت فربما أتاني بعض إخواني فأفطرت أياما فأقضيه؟

قال: لا بأس (7).

و يجب توخي ما يسلم فيه التتابع مع وجوبه، الا أنهم اكتفوا في نذر الشهر المتتابع ما يسلم فيه نصفه للخبرين، و في السنة أيضا قول به، و في رواية «فيمن نذر صيام سنة و لم يستطع أنه يصوم شهرا و بعض الشهر ثم لا بأس أن

____________

(1) وسائل الشيعة 10- 172 و 94.

(2) مستدرك الوسائل 2- 173.

(3) وسائل الشيعة 16- 188.

(4) وسائل الشيعة 16- 188.

(5) وسائل الشيعة 16- 185.

(6) وسائل الشيعة 16- 185.

(7) وسائل الشيعة 7- 288.

33

يقطع الصوم» (1) و لا ينقطع التتابع بالعذر الضروري كما بيناه في الكفارات.

و الشهر عدة بين هلالين أو ثلاثون يوما، و إذا قال صوم زمان و لم ينو شيئا كان خمسة أشهر للخبر، أو حين كان ستة أشهر للخبرين، أو الصدقة بمال كثير كان ثمانين درهما للخبرين، أو عتق كل مملوك قديم لزم عتق كل من مضى في ملكه ستة أشهر للخبر، و لا نعلم في شيء من ذلك خلافا حتى من الحلي.

474- مفتاح [من نذر الاعتكاف]

إذا نذر اعتكافا مطلقا وجب عليه أن يأتي بثلاثة، و ان عين الزيادة عليها لا يجب التوالي، الا أن يشترط لفظا أو معنى، و هل له أن يأتي بأقل من الثلاثة من المنذور، بأن ينضم اليه من غيره و يجعل الباقي كذلك وجهان، و إذا أراد قضاء يوم أو يومين وجب الإكمال.

475- مفتاح [من نذر عبادة بوصف معين]

إذا نذر عبادة بوصف معين أو في مكان أو زمان معينين، فالأصح انعقاده و تعين ما عين، و ان كان مرجوحا، لما أشرنا إليه من أن ذلك فرد من العبادة المطلقة، و النذر انما تعلق به دون غيره، فلا يجزي فرد آخر، كما أنه لو تعلق بعبادة مخصوصة لا يجزي غيرها مما هو أفضل منها، و لان فتح باب المنع في مثله يؤدي الى عدم تعيين شيء بالنذر أصلا، و هو باطل بالاتفاق، و قيل: انما ينعقد في أصل العبادة إما القيد فلا، بل يتخير بين الإتيان بها معه و بدونه، إلا

____________

(1) وسائل الشيعة 7- 288.

34

إذا كان له مزية فيتعين، و منهم من لم يستثن ذا المزية.

و كيف كان فلا خلاف في تعين الوقت للصلاة إذا عينه و ان كان أدنى، و كذا المكان في التصدق، لانه يرجع إلى تعيين أهله، فهو في قوة تعيين المتصدق عليه.

476- مفتاح [من نذر صوم يوم معين فاتفق العيد و غيره]

إذا نذر يوم معين كالخميس، فاتفق العيد أو الحيض أو السفر أو المرض أفطر، و في وجوب القضاء قولان، و في الصحيح «يصوم يوما بدل يوم إنشاء اللّه» (1).

و لو اتفق صوم شهرين متتابعين في كفارة قيل: يحصل التتابع ثم يصوم عن النذر، و قيل: بل ينتقل الى خصلة أخرى لتعذر الصوم، و الأصح أن الصوم عن النذر لا يخل بالتتابع، لانه عذر لا يمكن الاحتراز منه.

و لو نذر صوم سنة معينة، فالموانع المذكورة مستثناة منها، و لا يجب قضاء العيد و لا شهر رمضان بلا خلاف، و في غيرهما القولان.

أما في صوم الدهر فلا إشكال في سقوط القضاء إذ لا وقت له، و يستثنى منه قضاء رمضان و صوم الكفارة و ان تجددا بعد النذر.

477- مفتاح [النذر الغير الموقت]

النذر الغير الموقت وقته تمام العمر، و لا يتضيق الا عند غلبة الظن بالوفاة

____________

(1) وسائل الشيعة 7- 277 و 16- 194.

35

و بقاء الوقت، ثم ان مات قبل فعله و كان مما يقضى عنه قضى عنه، و ربما قيل بالفورية و وجوب المبادرة، و الأصح الاستحباب لما فيه من المسارعة إلى سبب المغفرة.

و إذا حنث عامدا عالما مختارا أثم و وجبت الكفارة، و قد مضى بيانها في مفاتيح الصيام، و لو كان كرها أو سهوا أو نسيانا أو جهلا فلا اثم و لا كفارة، لأن الزجر و البعث المقصودين انما يكونان مع الاختيار و الذكر، و هل ينحل به النذر حينئذ؟ الأصح لا، لعدم دخوله تحت الصيغة.

أما مع العمد فالمشهور الانحلال مطلقا، و ربما يدعى عليه الإجماع، لأن المخالفة لا تتكرر لاستحالة تحصيل الحاصل. و من المعاصرين من جزم بعدم الانحلال مع تعدد أفراد المخالفة، كما إذا نذر صوم كل خميس مثلا، لجواز تكرار المخالفة حينئذ، و للمكاتبة الصحيحة: فيمن نذر صوم كل سبت، و ان كنت أفطرت منه من غير علة فتصدق بعدد كل يوم على سبعة مساكين (1).

و فيه: ان هذا فدية و ليس كفارة لحنث النذر، الا أن يختص بمثله، و الصواب أن يحمل الرواية على من لم يرد الحنث و كان ثابتا على نذره دون من أبطل نذره، و كذا في كل مخالفة من غير علة.

478- مفتاح [حكم من خالف الوصف المنذور]

إذا خالف الوصف، فان كان لم يعين وقتا أعاد و لا كفارة، و ان عين كفر، و في وجوب القضاء حينئذ قولان، و الأصح العدم، لأن إلحاق الموقت بالنذر بالموقت بأصل الشرع قياس.

____________

(1) وسائل الشيعة 7- 277.

36

و لو عجز عن الوصف قيل: يسقط النذر، لان المنذور و هو الخاص غير مقدور، و المقدور و هو المطلق غير منذور، و قيل: بل يجب الإتيان بالمطلق، لان الميسور لا يسقط بالمعسور و هو أحوط، و في النصوص ما يدل عليه.

و لو عجز أصلا سقط أداء و قضاء على الأصح، و قيل: بل يجب على العاجز عن الصوم المعين القضاء دون الكفارة، و قيل: بالعكس و هو الأصح كما في النصوص. و المراد بالكفارة فيه التصدق عن كل يوم بمد من طعام، كما في الاخبار، و قيل: بمدين للخبرين، و الاولى حملهما على الاستحباب.

و لو نذر الحج ماشيا فعجز قيل: يركب و يسوق بدنة وجوبا للصحيح، و قيل: استحبابا للجمع بينه و بين صحيح آخر «يحج راكبا» (1) بدون ذكر سوق البدنة، و في آخر «إذا تعب فليركب» (2) و هو الأصح، و في رواية «من نذر أن يمشي فمر بمعبر فليقم حتى يجوز» (3).

و لو نذر أن يحج و لم يكن له مال فحج عن غيره أجزأ عنهما للصحيح، و قيل: لا يجزي عن النذر، لأنهما سببان مختلفان، فحمل الحديث على ما إذا عجز عن أداء ما نذره و استمر العجز. و فيه أن العجز مسقط فلا وجه للاجزاء، فالأولى أن يحمل على ما إذا نذر صدوره عنه مطلقا من دون تقييد بكونه من ماله أو لنفسه.

479- مفتاح [حكم من نذر ذبح ولده و التصدق بجميع ماله]

يستحب لمن نذر أن ينحر ولده، ذبح كبش سمين يتصدق بلحمه على

____________

(1) وسائل الشيعة 16- 192.

(2) نفس المصدر.

(3) وسائل الشيعة 8- 64.

37

المساكين، قاله الشيخ للخبر، و في آخر «ان ذلك من خطوات الشيطان» (1).

و لمن أسلم الوفاء بما نذره حال كفره لحديث عمر، و نذره الاعتكاف في الجاهلية.

و لمن نذر أن يتصدق بجميع ماله و خاف الضرر، أن يقوم ماله ثم ينتفع به و يضمن قيمته في ذمته، ثم يتصدق به على التدريج الى أن يتم، كما في الصحيح، و ظاهر الأصحاب وجوب ذلك لورود النص. و يشكل بمرجوحيته و عدم انعقاد نذره، الا أن يقال باستثنائه عن القاعدة و انعقاد النذر فيما يضره الصدقة به بعينه، مع اندفاع الضرر بالتقويم و ضمان القيمة، و عدم وجوب الصدقة بما لا يضره الصدقة به عاجلا في هذه الصورة خاصة.

و هل يلحق به ما خرج عن النص من النذر ببعض المال مع خوف الضرر و اندفاعه بالتقويم للمشاركة في المقتضي؟ و لكون كل فرد من أفراد ماله على تقدير نذر الجميع منذور الصدقة أم لا؟ بخروجه عن الأصول و القواعد فيقتصر على مورد النص؟ وجهان. و ظني أن ذلك انما هو على سبيل الاستحباب فيقوى الإلحاق، الا أنه موقوف على القائل و لم نجده.

الباب الرابع في اليمين

قال اللّه عز و جل «وَ احْفَظُوا أَيْمٰانَكُمْ» (2).

____________

(1) وسائل الشيعة 16- 206.

(2) سورة المائدة: 89.

38

480- مفتاح [متعلق اليمين]

قد ذكرنا شرعيته و صيغته، و انما ينعقد على المستقبل المقدور الراجح دينا أو دنيا أو متساوي الطرفين، أما الماضي فيأتي حكمه، و أما المستحيل فهو لغو سواء استحال عقلا أو عادة أو شرعا، و سواء في نفسه أو بالإضافة اليه، و لو كان مقدورا له ابتداء ثم تجدد العجز انحل يمينه، و ان كان على فعل الغير استحب له ابراره للنصوص، و في المرسل «إذا أقسم الرجل على أخيه فلم يبر قسمه فعلى المقسم كفارة يمين» (1) و حمله الشيخ على الاستحباب، و في خبر «لا شيء عليه انما أراد إكرامه» (2) و يجوز حمل المرسل على ما إذا لم يرد به إكرامه.

و أما المرجوح دينا أو دنيا فهو من خطوات الشيطان و ليأت الذي هو خير و لا كفارة عليه، كذا في الصحيح و غيره من المستفيضة.

و لو تجددت المرجوحية بعد اليمين انحل، أما لو طرأ الرجحان فان كان قد خالف مقتضاه فلا شيء عليه، و الا اتبع الطاري. كذا قيل، و فيه نظر.

481- مفتاح [كيفية اليمين]

لا ينعقد اليمين الا بما يفهم منه ذاته تعالى، كقوله: و الذي فلق الحبة و برء النسمة، و الذي نفسي بيده و نحو ذلك، أو باسم من أسمائه المختصة به سبحانه،

____________

(1) وسائل الشيعة 16- 175.

(2) وسائل الشيعة 16- 174.

39

كقوله: و اللّه و الرحمن و نحوهما، أو المنصرفة إليه تعالى عند الإطلاق كقوله:

و الرب و الخالق.

أما ما لا ينصرف اليه عند الإطلاق من أسمائه تعالى، كالحي و السميع و البصير فلا و ان نوى به الحلف، لانه بسبب اشتراكه بين الخالق و المخلوق إطلاقا واحدا ليس له حرمة و لا عظم، و لا بشيء من مخلوقاته تعالى و ان كان معظما، للنصوص المستفيضة منها «لا تحلفوا الا باللّه» (1) و في الحسن «ان اللّه يقسم من خلقه بما شاء و ليس لخلقه أن يقسموا الا به» (2) و في حديث آخر «من كان حالفا فليحلف باللّه أو ليصمت».

فقول الشيخ بانعقاده بحق اللّه للعرف بعيد، لاشتراك الحق بين أمور كثيرة أكثرها مما لا ينعقد به، و الإسكافي بكل ما عظم اللّه من الحقوق كحق النبي و حق القرآن، و بالطلاق و العتاق و نحوهما أبعد.

نعم لو قال: لعمر اللّه- بالفتح- مبتدأ محذوف الخبر، و هو قسمي بمعنى البقاء و الحياة انعقد بلا خلاف، لاستعمالها في اليمين عرفا و شرعا، و كذا قدرة اللّه و علمه و كبرياؤه و جلاله ان قصد بها الذات و الا فلا.

482- مفتاح [الحروف التي يقسم بها]

الحروف التي يقسم بها الباء و الواو و التاء، و يجوز حذفها على الأصح لوروده في اللغة و الحديث، و كذا الإتيان بهاء التنبيه بعد الواو، و عند حذفها مع قطع همزة الجلالة، و وصلها و مع إثبات الألف و حذفها، أما لو لحن برفع

____________

(1) وسائل الشيعة 16- 165.

(2) وسائل الشيعة 16- 159.

40

آخر الاسم أو نصبه أو حذف ألف الجلالة مع نية الحلف فوجهان.

و في «أيمن اللّه» مرفوعا بالابتداء أو مجرورا بحذف الحرف من اليمن أو جمع اليمين قولان: و الأقوى (1) الانعقاد لانه موضوع للقسم بالعرف، و فيه احدى و عشرون لغة كما ذكره في الاستدراك على الصحاح.

و لا بأس بإدخال أحلف و أقسم و أشهد على الصيغة، و كذا بصيغة الماضي، أما لو لم ينطق بالجلالة لم ينعقد، و كذا لو قال: أعزم باللّه أو عزمت لأنهما ليسا من ألفاظ القسم.

483- مفتاح [عدم انعقاد اليمين إلا بالنية]

لا ينعقد اليمين إلا بالنية، كما في الآية، فلو سبق لسانه إلى الكلمة سهوا أو في حالة الغضب أو لجاج أو خجلة أو سكر أو اكراه أو نحو ذلك لم ينعقد، و هو يمين اللغو، و كذا قول لا و اللّه و بلى و اللّه من غير عقد، كما في الخبر.

و لو ادعى عدم القصد قبل و ان أتى بالصريح، لان حق اللّه لا منازع فيه، و القصد من الأمور الباطنة التي لا يطلع عليه غيره. لكنه إذا أتى بالصريح يحكم عليه بها ظاهرا ان لم يعلم قصده الى مدلوله، بخلاف المحتمل فإنه لا يحكم به الا مع تصريحه بإرادته.

و من الصريح «أحلف باللّه» و «أقسم باللّه» و ماضيهما، الا أن يدعي إرادة الوعد بهما أو الاخبار بماضيهما، بخلاف أشهد باللّه فإنه ليس صريحا في الحلف مطلقا.

____________

(1) و في نسخة اخرى: و الاولى.

41

484- مفتاح [جواز تعليق اليمين و عدمه]

يجوز تعليق اليمين على شرط عقدا و حلا بلا خلاف فيقف عليه، و مع الجهل به فلا عقد، و لا ينحل الا مع العلم بشرط الحل، فلو قال «لأدخلن الدار ان شاء زيد» و لم يعلم مشيته لم ينعقد، و لو قال «لا أدخلها الا أن يشاء زيد» و لم يعلم مشيته فليس له الدخول.

و إذا علقها على مشية اللّه تعالى لم ينعقد مطلقا للنصوص، و خصه العلامة بما لا يعلم فيه المشية لتوافق القاعدة.

و يشترط التلفظ بالاستثناء مع النية، فلا يكفي أحدهما، و أن يتصل عرفا فلا ينعقد مع الانفصال بما يخل بالمتابعة عادة، و ما في الصحيح من تجويز الفصل فيه بأربعين يوما مهجور.

485- مفتاح [اشتراط الاذن للولد و الزوجة]

يشترط في يمين الولد و الزوجة و المملوك اذن الوالد و الزوج و المالك، إلا إذا كان على فعل واجب أو ترك محرم على ما قيل، للنصوص منها الحسن «لا يمين لولد مع والده و لا مملوك مع مولاه و لا للمرأة مع زوجها» (1) و ظاهرها ان إذنهم شرط في صحته فلا ينعقد بدونه. و قيل: بل نهيهم مانع، و لهم حلها لعموم الايات الدالة على وجوب الوفاء باليمين.

و الأظهر الأول و ان كان الأشهر الثاني، لأن أقرب المجازات الى نفي

____________

(1) وسائل الشيعة 16- 128.

42

الحقيقة نفي الصحة، و لان اليمين إيقاع فلا يقع موقوفا.

و لا يصح من الكافر إلا إذا كان كفره بغير الجحود باللّه، وفاقا للمختلف و وجهه ظاهر، فإطلاق كل من الجواز و المنع كما وقع لاخرين ليس بجيد.

486- مفتاح [حكم الحلف على الإثبات و النفي]

الحلف على الإثبات عندنا يقتضي وجوب المحلوف عليه، و على النفي يقتضي التحريم، و يكفي في الأول الإتيان بجزئي من جزئياته، لأن مدلوله إيجاد الفعل، و هو يتحقق في ضمن فرد واحد في وقت من الأوقات، من غير أن يقتضي فورا أو تراخيا أو مرة أو تكرارا، لان ذلك كله خارج من مدلوله، كما تقرر في الأصول.

نعم ان عين له وقتا تعين، و الا فوقته تمام العمر، كما مر في النذر بعينه.

و فيه أيضا قول بالتضييق مع الإطلاق شاذ.

و لا بد في المنفي من الانتهاء عنه في جميع الأوقات إذا لم يخصه بوقت، لان المقصود منه نفي الفعل مطلقا، و هو لا يتحقق بدون ذلك.

نعم لو نوى وقتا مخصوصا أو مدة معينة فالمعتبر ما نواه، لان ذلك كتخصيص العام و تقييد المطلق، و هما يدخلان اليمين بمجرد النية.

487- مفتاح [ما لو حلف على فعل شيء أو تركه و جمع بين شيئين أو أشياء بصيغة]

إذا حلف على فعل شيء لا يبر الا بفعله أجمع، و كذا لو حلف على تركه لم يحنث بفعل البعض، لان البعض غير المجموع في الموضعين، خلافا للعامة.

43

و لو جمع بين شيئين أو أشياء بصيغة واحدة، يصير كل واحد مشروطا بالاخر، بلا خلاف عندنا، سواء في الإثبات و النفي.

و لو جمع بواو العطف فقيل: انه كذلك، خلافا للشيخ فيما قال لا كلمت زيدا و عمرا، فكلم أحدهما فإنه يحنث به عنده، أما لو كرر حرف النفي فهو بمنزلة يمينين.

و ما يتقدر بمدة من الافعال يبر و يحنث باستدامته كابتدائه مثل القيام و القعود، بخلاف ما لا يتقدر بها كالبيع و الهبة، و قد يقع الاشتباه في بعضها. و الاولى الرجوع فيه الى العرف، و كذا في كل مشتبه لم يتعين له فيه قصد، فان تعذر العرف فاللغة، فإن الأصل المرجوع إليه في البر و الحنث موجب لألفاظ (1) التي تعلقت بها اليمين.

و قد يتقيد و يتخصص بنية يقترن بها، أو باصطلاح خاص، أو بقرينة أخرى، و قد ذكر الأصحاب في المقام فروعا و دونوا مسائل فرضوها، و نحن نقتصر على هذه الضوابط.

488- مفتاح [حكم حنث اليمين]

إذا حنث أثم و لزمته الكفارة، كما في الآية، و قد مضى بيان أحكامها في مفاتيح الصيام، و يتحقق الحنث بالمخالفة اختيارا، أما مع الإكراه أو النسيان أو السهو أو الجهل أو نحو ذلك فلا، لما مر في النذر بعينه، و الكلام في الانحلال به كما قلناه هناك.

و الشهيد هنا استقرب الانحلال مطلقا و نسبه الى ظاهر الأصحاب، لوجود

____________

(1) و في نسخة اخرى: الألفاظ.

44

الفعل منه حقيقة عمدا كان أو غيره و لا يتكرر المخالفة، و فيه ما فيه و قد مضى تحقيقه.

و هل يجب الكفارة بالحنث فيما يستوي فعله و تركه أم يستحب؟ وجهان، لاختلاف النصوص في إثباتها و نفيها في مثله، فاما يوفق بينها بحمل المثبت على الاستحباب، أو بتأويل مورد النافي الى ما مخالفته أولى، و الثاني أحوط.

و لا يجزي الكفارة قبل الحنث عندنا، لأنها عبادة فلا يجوز إيقاعها قبل وقت وجوبها.

و في وجوب تكررها بتكرر اليمين مع عدم قصد التأكيد وجهان. أقربهما العدم، و هو الظاهر من أصحابنا في الإيلاء.

489- مفتاح [عدم انعقاد اليمين على الماضي و انقسامه إلى الأحكام الخمسة]

لا ينعقد اليمين على الماضي فلا حنث فيها و لا كفارة، و ينقسم إلى الأحكام الخمسة:

فالمحرم منها ما كانت كاذبة إلا لضرورة، و هي المسماة بالغموس لغمس صاحبها في الإثم أو النار، و كفارتها الاستغفار، و هي من الكبائر كما في النصوص و المكروه ما كثر منها صادقا لقوله تعالى «وَ لٰا تَجْعَلُوا اللّٰهَ عُرْضَةً لِأَيْمٰانِكُمْ» (1)، فان في العرضة تنبيها على الكثرة، و ما كانت على قليل من المال و قدر بثلاثين درهما فما دون للنص.

و الواجب ما كانت لإنقاذ مؤمن أو مال يضر فوته بمالكه، أو عرض من ظالم و ان كان كاذبا، و لكن يوري حينئذ وجوبا إلا إذا لم يحسن التورية.

____________

(1) سورة البقرة: 224.

45

و المستحب ما كانت لدفع ظالم عن ماله المجحف به إذا لم يكن مضرا، ذكره الشهيد بدون القيد.

و المباح ما عداه، و قيل: يكره اليمين الصادقة مطلقا للنص: لا تحلفوا باللّه صادقين و لا كاذبين فإنه يقول عز و جل و تلا الآية (1). و في حديث آخر: من حلف باللّه كاذبا كفر و من حلف باللّه صادقا أثم ثم تلا الآية (2).

و قيل: الا ما وقع لحاجة كتأكيد كلام أو تعظيم أمر، لورودهما في الحديث و كل ما ورد يرجع الى هذين، و الأول مذهب الأكثر، و هو الأظهر و ان كان للأخير وجه.

490- مفتاح [حكم اليمين بالبراءة]

اليمين بالبراءة من اللّه و من رسوله و من الأئمة المعصومين (صلوات اللّه عليهم) حرام، صادقا كان أم كاذبا، سواء على الماضي و المستقبل للنصوص، منها: من حلف بالبراءة منا صادقا أو كاذبا فقد بريء منا (3).

و في وجوب الكفارة قولان و قد مضى، و كذا لو قال هو يهودي أو نصراني ان لم يفعل كذا أو فعل، و في الموثق «بئس ما قال و ليس عليه شيء» (4) و في الحديث النبوي (صلّى اللّه عليه و آله) «من حلف على يمين بملة غير الإسلام فهو

____________

(1) وسائل الشيعة 16- 116.

(2) نفس المصدر.

(3) وسائل الشيعة 16- 126.

(4) وسائل الشيعة 16- 168.

46

كما قال (1). و سمع (عليه السلام) رجلا يقول: أنا بريء من دين محمد، فقال:

ويلك إذا برئت من دين محمد فعلى دين من تكون، فما كلمه رسول اللّه «ص» حتى مات (2).

____________

(1) وسائل الشيعة 16- 165 ما يشبه ذلك.

(2) وسائل الشيعة 16- 125.

47

كتاب مفاتيح الحسبة و الحدود

قال اللّه عز و جل «وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (1).

و قال عز و علا «مِنْ أَهْلِ الْكِتٰابِ أُمَّةٌ قٰائِمَةٌ يَتْلُونَ آيٰاتِ اللّٰهِ» الى قوله تعالى «وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُسٰارِعُونَ فِي الْخَيْرٰاتِ وَ أُولٰئِكَ مِنَ الصّٰالِحِينَ» (2).

و قال سبحانه «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّٰاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ» (3).

و قال جل جلاله «وَ تَعٰاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوىٰ» (4).

و قال جل اسمه «لٰا يَسْتَوِي الْقٰاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَ الْمُجٰاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ» إلى قوله

____________

(1) سورة آل عمران: 104.

(2) سورة آل عمران: 114.

(3) سورة آل عمران: 110.

(4) سورة المائدة: 2.

48

«وَ فَضَّلَ اللّٰهُ الْمُجٰاهِدِينَ عَلَى الْقٰاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً» (1).

و قال جل ذكره «التّٰائِبُونَ الْعٰابِدُونَ» الى قوله «الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النّٰاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ الْحٰافِظُونَ لِحُدُودِ اللّٰهِ» الآية (2).

و الايات في هذا المعنى أكثر من أن تحصى فضلا عن الاخبار.

و عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): لا يزال الناس بخير ما أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر، و تعاونوا على البر، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات و سلط بعضهم على بعض و لم يكن لهم ناصر في الأرض و لا في السماء (3).

و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): اقامة حد خير من مطر أربعين صباحا (4).

و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): لغدوة في سبيل اللّه أو روحة، خير من الدنيا و ما فيها (5).

و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): فوق كل ذي بر بر حتى يقتل في سبيل اللّه، فإذا قتل في سبيل اللّه فليس فوقه بر (6).

و عن الباقر (عليه السلام): ان الأمر بالمعروف سبيل الأنبياء و منهاج الصالحين فريضة عظيمة بها تقام الفرائض، و تأمن المذاهب، و تحل المكاسب، و ترد المظالم و تعمر الأرض، و ينتصف من الاعداء، و يستقيم الأمر (7).

____________

(1) سورة النساء: 95.

(2) سورة التوبة: 112.

(3) وسائل الشيعة 11- 398.

(4) وسائل الشيعة 18- 308.

(5) وسائل الشيعة 2- 244.

(6) وسائل الشيعة 11- 10.

(7) وسائل الشيعة 11- 395.

49

و قال: و أوحى اللّه عز و جل الى شعيب النبي (عليه السلام): اني معذب من قومك مائة ألف، أربعين ألفا من شرارهم و ستين ألفا من خيارهم، فقال (عليه السلام): يا رب هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار، فأوحى اللّه تعالى اليه داهنوا أهل المعاصي و لم يغضبوا بغضبي (1).

و عنه (عليه السلام): ويل لقوم لا يدينون اللّه بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر (2).

و عن الصادق (عليه السلام): ما قدست امة لم تأخذ لضعيفها من قويها بحقه غير متعتع [1].

و عنه (عليه السلام): ان اللّه عز و جل ليبغض المؤمن الضعيف الذي لا دين له قيل: و ما المؤمن الذي لا دين له يا ابن رسول اللّه؟ قال: الذي لا ينهى عن المنكر (3) و قال لأصحابه: انه قد حق لي أن آخذ البريء منكم بالسقيم، و كيف لا يحق لي ذلك و أنتم يبلغكم عن الرجل منكم القبيح فلا تنكرونه عليه، و لا تهجرونه و لا تؤذونه حتى يتركه (4).

و عن الكاظم (عليه السلام): لتأمرن بالمعروف و لتنهن عن المنكر، أو ليستعملن عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم (5). الى غير ذلك من التأكيدات المستفيضة.

____________

[1] وسائل الشيعة 11- 395. متعتع بفتح التاء أى من غير أن يصبه أذى يقلعه و يزعجه و غير منصوب لانه حال للضعيف كذا قيل «منه».

____________

(1) وسائل الشيعة 11- 416.

(2) وسائل الشيعة 11- 393.

(3) وسائل الشيعة 11- 399.

(4) وسائل الشيعة 11- 415.

(5) وسائل الشيعة 11- 394.

50

و بالجملة فوجوب الجهاد، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و التعاون على البر و التقوى، و الإفتاء و الحكم بين الناس بالحق، و اقامة الحدود و التعزيرات و سائر السياسات الدينية من ضروريات الدين، و هي القطب الأعظم في الدين و المهم الذي انبعث اللّه له النبيين، و لو تركت لعطلت النبوة، و اضمحلت الديانة، و عمت الفترة، و فشت الضلالة، و شاعت الجهالة، و خرب البلاد، و هلك العباد، نعوذ باللّه من ذلك.

الا أن الجهاد الذي هو للدعاء إلى الإسلام، يشترط فيه اذن الامام (عليه السلام) بخصوص (1)، فيسقط في زمان غيبته، و لذا لم نتعرض لذكر أحكامه في هذا الكتاب وفاقا للصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه.

و ما كان للدفع بأن يغشى المسلمين عدو، و يخشى منهم على بيضة الإسلام فيساعدهم دفعا فغير مشروط به، و كذا كل من خشي على نفسه مطلقا أو ماله إذا غلب السلامة، و يسمى بالدفاع.

و كذلك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فإنهما غير مشروطين باذنه (عليه السلام)، و نسبه القول باشتراطهما به إلينا فرية علينا من المخالفين.

و كذا اقامة الحدود و التعزيرات و سائر السياسات الدينية، فإن للفقهاء المأمونين إقامتها في الغيبة بحق النيابة عنه (عليه السلام)، إذا أمنوا الخطر على أنفسهم، أو أحد من المسلمين على الأصح، وفاقا للشيخين و العلامة و جماعة لأنهم مأذونون من قبلهم (عليهم السلام) في أمثالها، كالقضاء و الإفتاء و غيرهما، و لإطلاق أدلة وجوبها، و عدم دليل على توقفه على حضوره (عليه السلام).

و لنبين الان ذلك جميعا سوى أحكام القضاء، فإنها تأتي في فن المعاملات إنشاء اللّه تعالى.

____________

(1) بخصوصه خ ل.

51

الباب الأول فيما يتعلق بالهداية و دفع الجناية

القول في الإفتاء

قال اللّه عز و جل «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مٰا أَنْزَلْنٰا مِنَ الْبَيِّنٰاتِ وَ الْهُدىٰ مِنْ بَعْدِ مٰا بَيَّنّٰاهُ لِلنّٰاسِ فِي الْكِتٰابِ أُولٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللّٰهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللّٰاعِنُونَ» (1).

491- مفتاح [الإفتاء و شرائط المفتي]

الإفتاء عظيم الخطر، كثير الأجر، كبير الفضل، جليل الموقع، لان المفتي وارث الأنبياء (عليهم السلام)، قال اللّه عز و جل «وَ لٰا تَقُولُوا لِمٰا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هٰذٰا حَلٰالٌ وَ هٰذٰا حَرٰامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللّٰهِ الْكَذِبَ» (2).

و قال «فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرٰاماً وَ حَلٰالًا قُلْ آللّٰهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّٰهِ تَفْتَرُونَ» (3).

و قال «وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ» (4) الى غير ذلك.

و في الحديث: لا يحل الفتيا لمن لا يستفتي من اللّه بصفاء سره و إخلاص عمله و علانيته، و برهان من ربه في كل حال [1].

و فيه: أجرأكم على الفتيا أجركم على اللّه. و في آخر لا تحل الفتيا في الحلال

____________

[1] مستدرك الوسائل 3- 173 ما يشبه ذلك و كذلك الحديثان الآخران.

____________

(1) سورة البقرة: 159.

(2) سورة النحل: 116.

(3) سورة يونس: 59.

(4) سورة البقرة: 169.

52

و الحرام بين الخلق الا لمن كان أتبع الخلق من أهل زمانه و ناحيته بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

و يشترط في المفتي أن يكون اثني عشريا عدلا فقيها، و الفقيه من أخذ علمه من النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، أو وصي النبي (ص) اما بالمشافهة من غير اشتباه أو بالتفقه من الاخبار و الآثار المروية عنهما بالاستنباط و الروية، مع القدرة على ذلك بعد حصول شرائطه المقررة، التي أعظمها استقامة الفهم و جودة النظر المعبر عنهما عند الأصحاب بالقوة القدسية، و الأخير يسمى في عرف المتأخرين بالمجتهد، فإن أخذ المجتهد برأيه من دون كتاب أو سنة فليس بفقيه و كذا من أخذ من قول من هذا شأنه.

ثم ان أكثر المجتهدين الآخذين بآرائهم على عدم جواز تقليد الميت، بل كاد يكون إجماعا منهم، حقا كان هذا الرأي أو باطلا، فان كانت آراؤهم معتبرة فلا عبرة بأقوالهم من بعدهم، ورد قولهم هذا دون سائر أقوالهم تحكم.

و أيضا قد ورد عنهم (عليهم السلام) الأمر بضبط أخبارهم و العمل بها عند الحاجة و ورد عنهم في حديث التعارض بين الخبرين بعد مراتب الترجيح: بأيهما أخذت من باب التسليم وسعك (1).

و هذا اذن منهم لنا في الأخذ بأخبارهم، و التخيير بين مختلفاتها، و لا اذن منهم بالأخذ بالرأي المجرد عن نسبته الى المعصوم (عليهم السلام)، خصوصا مع اضطراب الآراء و اختلافها، و لهذا لم أجرد فتاوى هذا الكتاب عن دلائلها، ليعم نفعها من بعدي و ليسهل طريق التفقه على أكثر المحصلين. و للّه الحمد و المنة.

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 87.

53

492- مفتاح [الإفتاء و تحصيل مرتبته فرض كفائي]

الإفتاء فرض كفائي، و كذا تحصيل مرتبته، كما دلت عليه آية النفر و غيرها فإذا سئل من هو أهله عما يحتاج اليه و ليس هناك غيره، تعين عليه الجواب ان علمه، و الا يجب عليه استفراغ الوسع في تحصيله بالدليل التفصيلي.

و لا يجوز له تقليد غيره في إفتاء غيره و لا لنفسه مع سعة وقت الحاجة، و ان كان ثمة غيره فالجواب في حقهما فرض كفاية، و إذا لم يكن في الناحية مفت وجب السعي على كل من له أهلية ذلك في تحصيله كفاية، فإن أخلوا جميعا بالسعي اشتركوا جميعا في الإثم و الفسق.

و لا يسقط هذا الوجوب عن البعض باشتغال البعض، بل بوصوله إلى المرتبة لجواز أن لا يصل إليها المشتغل لموت أو غيره. و في الاكتفاء في سقوط الوجوب بظن الوصول وجهان.

493- مفتاح [ما ينبغي مراعاته للمفتي]

ينبغي أن لا يفتي في حال تغير خلقه، و شغل قلبه، و حصول ما يمنعه من كمال التأمل، كغضب و جوع و عطش و حزن و فرح غالب و نعاس و ملالة و مرض مقلق، و حر مزعج، و برد مؤلم، و مدافعة الأخبثين، و نحو ذلك.

و أن يتأمل في السؤال تأملا شافيا وافيا، و أن يرفق بالمستفتي، و يصبر على تفهم سؤاله و تفهيم جوابه إذا كان بعيد الفهم، و أن يبين الجواب بيانا واضحا.

54

و ليحذر أن يميل في فتواه، أو يخصه بحيل شرعية، أو يأتي في جوابه بما هو له و يترك ما هو عليه، أو يعلمه ما يدفع به حجة صاحبه، كيلا يتوصل بذلك إلى إبطال حق، أو يطلق في جواب التفصيل، أو نحو ذلك.

494- مفتاح [لزوم البحث عن المفتي العالم]

يلزم المستفتي أن لا يستفتي الا من عرف أو غلب على ظنه علمه، بما يصير به أهلا للإفتاء، فإن جهل علمه لزمه البحث عما يحصل به أحد الأمرين، و إذا اجتمع اثنان أو أكثر ممن يجوز استفتاؤهم و اختلفوا، رجع الى أعدلهما و أفقههما في الحديث، و أورعهما، كما ورد النص به في الحكم، و ان لم يجد مفتيا في البلد وجب عليه الرحلة اليه مع وجوب الحكم عليه.

القول في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر

قال اللّه عز و جل «وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ» (1) الآية.

495- مفتاح [ما يشترط في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر]

الأمر بالواجب واجب و بالمندوب مندوب، و النهي عن الحرام واجب، كل ذلك بالنص و الإجماع.

و انما يجبان بشروط أربعة: العلم بكونهما معروفا و منكرا، ليأمن الغلط، فلا يجبان في المتشابه. و أن يجوز التأثير، فلو علم أو غلب على ظنه أنه لا يؤثر

____________

(1) سورة آل عمران: 104.