مفاتيح الشرائع - ج3

- الفيض الكاشاني المزيد...
336 /
3

تتمة فن العادات و المعاملات

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

كتاب مفاتيح المعايش و المكاسب

قال اللّه تعالى وَ لَقَدْ مَكَّنّٰاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلْنٰا لَكُمْ فِيهٰا مَعٰايِشَ قَلِيلًا مٰا تَشْكُرُونَ (1) و قال هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنٰاكِبِهٰا وَ كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ (2) و قال فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللّٰهِ (3).

و في الصحيح: من طلب الرزق في الدنيا استعفافا عن الناس، و سعيا على أهله، و تعطفا على جاره، لقي اللّه عز و جل يوم القيامة و وجهه مثل القمر ليلة البدر (4).

و في الحسن: الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل اللّه (5).

و أوحى اللّه تعالى الى داود (عليه السلام): انك نعم العبد لو لا أنك تأكل من بيت المال، فبكى داود (عليه السلام)، فأوحى اللّه تعالى اليه اني قد ألنت

____________

(1) سورة الأعراف: 10.

(2) سورة الملك: 15.

(3) سورة الجمعة: 10.

(4) وسائل الشيعة 12- 11.

(5) وسائل الشيعة 12- 43.

6

لك الحديد، فكان يعمل من ذلك درعا و يبيعها، و يقتات بأثمانها و يتصدق بالباقي (1).

و طلب الحلال أفضل من التخلي للعبادة، كما يستفاد من النصوص المستفيضة منها «العبادة سبعون جزءا أفضلها طلب الحلال» (2).

و ما ورد في العابد في بيته الذي يقوته بعض إخوانه «ان الذي يقوته أشد عبادة منه» (3).

و ما ورد في العابد التارك للتجارة «ان تارك الطلب لا يستجاب له عليكم بالطلب» (4).

و في بعضها «ملعون من ألقى كله على الناس».

و ينبغي الإجمال فيه، ففي الصحيح عن النبي (صلى اللّه عليه و آله): ألا ان الروح الأمين نفث في روعي أنه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا اللّه عز و جل و أجملوا في الطلب، و لا يحملنكم استبطاء شيء من رزق اللّه أن تطلبوه بشيء من معصية اللّه عز و جل، فان اللّه تبارك و تعالى قسم الأرزاق بين خلقه حلالا و لم يقسمها حراما، فمن اتقى اللّه عز و جل و صبر أتاه برزقه من حله و من هتك حجاب الستر و عجل فأخذه من غير حقه قص به من رزقه الحلال و حوسب عليه يوم القيامة (5).

و عن الصادق (عليه السلام) «ليكن طلب المعيشة فوق كسب المضيع و دون

____________

(1) وسائل الشيعة 12- 22.

(2) وسائل الشيعة 12- 11.

(3) وسائل الشيعة 12- 14.

(4) وسائل الشيعة 12- 15.

(5) وسائل الشيعة 12- 27.

7

طلب الحريص الراضي بدنياه المطمئن إليها، و لكن أنزل نفسك من ذلك بمنزلة المنصف المتعفف تدلع [1] نفسك عن منزله الواهن الضعيف، و تكسب ما لا بد للمؤمن منه (1).

الباب الأول (في وجوه المكاسب و آدابها)

القول في وجوه المكاسب

قال اللّه تعالى لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ (2).

851- مفتاح [ما ينبغي من المكاسب و ما لا ينبغي]

الكسب منه طيب في نفسه، و يزيده طيبا استعمال الورع فيه كالتجارة، ففي النصوص «أن فيها تسعة أعشار الرزق» (3) «و أنها تزيد في العقل» (4) «و أن تركها مذهبة له» (5) و كإحياء الأرض بالحرث و الغرس، ففي الخبر «ان من أحيى أرضا فله فيه أجر، و ما أكله العوافي فله فيه صدقة» (6) و كاتخاذ المواشي و العقار،

____________

[1] و في نسخة كما في الوسائل: ترفع، و تدلع أى تخرج.

____________

(1) وسائل الشيعة 12- 30.

(2) سورة النساء: 29.

(3) وسائل الشيعة 12- 3.

(4) وسائل الشيعة 12- 4.

(5) وسائل الشيعة 12- 6.

(6) الوافي 3- 132 أبواب أحكام الأرضين.

8

ففي الروايات «أن فيه البركة، و أن ثمن العقار ممحوق الا أن يجعل في عقار مثله» (1) و كحرف الأنبياء (عليهم السلام) كالرعي و النجر و الخياطة و الكتابة و نحوها.

و منه ما هو حرام كالقمار حتى الكعاب و الجوز كما في الخبر، و في الصحيح «النرد و الشطرنج و الأربعة عشر بمنزلة واحدة، و كل ما قومر عليه فهو ميسر» (2) و الربا، ففي الصحيح «ان درهما منه أشد من سبعين زنية بذات محرم» (3) و أخذ ثمن المسكرات و أجور الفواحش و الرشا في الحكم فإنها سحت، و ورد في الرشا «أنه كفر باللّه العظيم» (4) و اعمال الولاة الظلمة، ففي رواية «ان أهون ما يصنع اللّه بمن تولى لهم عملا أن يضرب عليه سرادقا من نار الى أن يفرغ من حساب الخلائق» (5).

و كل ما يؤثم به و ما يعاون به على الإثم، كعمل آلات اللهو و ثوب الإبريسم للرجال و آنية الذهب و الفضة و المزمار و نحو ذلك، و منه ما هو مكروه، و منه ما اختلف في كراهته و حرمته و سنذكرها.

852- مفتاح [حرمة الرهان الا ما استثني]

يحرم الرهان إلا في ثلاثة اجماعية منصوص بها، ففي الحسان «لا سبق إلا في

____________

(1) وسائل الشيعة 12- 45.

(2) وسائل الشيعة 12- 242.

(3) وسائل الشيعة 12- 423.

(4) وسائل الشيعة 12- 64.

(5) وسائل الشيعة 12- 129.

9

نصل أو خف أو حافر» و يدخل في النصل السهم و السيف و السكين و الرمح كما في الصحاح، و في الخف الإبل و الفيلة، و في الحافر الفرس و البغل و الحمار و لا خلاف في شيء منها عندنا.

و انما الخلاف في اختصاص الحرمة في غير الثلاثة بما فيه عوض، أو شمولها أصل الفعل أيضا، و منشأه اختلاف الروايات في فتح الباء من لفظ «السبق» و سكونه، فإنه على الأول بمعنى العوض المبذول للعمل، و على الثاني بمعنى المصدر، و الأول هو المشهور و الموافق للأصل المعتمد عليه، و لذا اختاره الشهيد الثاني، مع تأيده بأصالة جواز الفعل، فيجوز المسابقة بنحو الاقدام و رمي الحجر و رفعه و المصارعة، و الآلات التي لا تشتمل على نصل و الطيور و نحو ذلك بغير عوض، الا أن تركه أحوط.

853- مفتاح [حرمة التولي عن الجائر و حكم جوائزهم]

كما يحرم التكسب بعمل الجائر، كذلك يحرم معاونتهم و تسويد الاسم في ديوانهم، و قد ورد بذلك نصوص كثيرة معتبرة، و في بعضها: لأن أسقط من حالق فأنقطع قطعة قطعة أحب الي من أن أتولى لأحد منهم عملا أو أطأ بساط رجل منهم، الا لتفريج كربة مؤمن أو فك أسره أو قضاء دينه (1). و في آخر «و لا مدة بقلم» (2) و في الموثق «لا تعنهم على بناء مسجد» (3).

قال أصحابنا: إلا مع التمكن من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر،

____________

(1) وسائل الشيعة 12- 140.

(2) وسائل الشيعة 12- 129.

(3) وسائل الشيعة 12- 130.

10

أو مع الإكراه بالخوف على النفس أو المال أو الأهل أو بعض المؤمنين، فيجوز حينئذ اعتمال ما يأمره إلا الدماء، و ربما كان في بعضها دلالة عليه، و على لزوم المواساة لفقراء المؤمنين و تفريج كربتهم حينئذ، قالوا: و يكره مع الضرر اليسير، بل يستحب تحمله و التعفف عنه.

أما أخذ جوائزهم فجائز بلا خلاف، و كذا ابتياعها و سائر المعاوضات، للصحاح المستفيضة منها «فكل ذلك منه فلك المهنأ و عليه الوزر» (1) و منها «لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه» (2).

و كذلك ما يأخذه باسم المقاسمة أو الخراج أو الزكاة، فإنه جائز الأخذ منه و من مالكه بحوالته عليه، بلا خلاف للنصوص. و قيل: يشترط أن لا يزيد على المعتاد أخذه من عامة الناس في ذلك الزمان، و زاد آخرون اتفاق السلطان و العمال على القدر.

و في اختصاص الحكم بالجائر المخالف للحق، نظرا الى معتقده من استحقاق ذلك عندهم، دون غيره لاعترافه بكونه ظالما فيه، و لأصالة المنع الا ما أخرجه الدليل و هو المخالف خاصة، لأنه المسؤول عنه و المدلول عليه بالقرائن، التفاتا الى الواقع أو الغالب، فيبقى الباقي أو التعميم نظرا إلى إطلاق النص و الفتوى اشكال.

854- مفتاح [حكم المختلط بالحرام]

إذا اختلط الحلال بالحرام، وجب التمييز و إيصال المستحق إلى أهله مع الإمكان و لو بالمصالحة، و الا أخرج خمسه و حل له الباقي كما مضى.

____________

(1) وسائل الشيعة 12- 156.

(2) وسائل الشيعة 12- 157 و الرواية مطلقة.

11

855- مفتاح [حكم من دفع اليه مال ليصرفه في قبيلة]

إذا دفع اليه مال ليصرفه إلى قبيلة و كان هو بصفتهم، جاز له أن يأخذ كأحدهم من غير زيادة، للصحيح «يأخذ منه لنفسه مثل ما يعطي غيره» (1) و في معناه خبر آخر.

و قيل: بالمنع، للصحيح «لا يأخذ منه شيئا حتى يأذن له صاحبه» (2) و هو مقطوع، و حمله الشيخ على الكراهة، للجمع و هو حسن.

و لو دلت القرائن الحالية أو المقالية على تسويغ أخذه، جاز بلا كراهة وفاقا للعلامة.

856- مفتاح [عدم جواز أخذ الأجرة على الواجب]

المشهور أن ما يجب فعله لا يجوز أخذ الأجرة عليه، كتغسيل الموتى و تكفينهم و دفنهم، و كذا القضاء و الشهادة و امامة الصلاة و الأذان، و زاد الحلبي تعليم المعارف و الشرائع و كيفية الفتيا بها و تنفيذ الاحكام و تعليم القرآن.

و في المسألة اختلاف شديد لا يكاد يرجى زواله، فمن محرم، و قائل بالكراهة، و مفصل فيها بالمنع في البعض و الجواز في آخر، و مفصل في بعضها بالمنع في واجبة مطلقا أو العيني منه، و الجواز في مستحبة أو غير العيني أو بالمنع من الأجرة، و جواز الارتزاق من بيت المال أو بالمنع مع عدم الحاجة

____________

(1) وسائل الشيعة 12- 455.

(2) وسائل الشيعة 12- 206.

12

و الجواز معها أو المنع مع الشرط، و الجواز بدونه، الى غير ذلك من الأقوال و لا نص إلا في تعليم القرآن و الأذان و القضاء، و الروايات مختلفة في التعليم مانعة في الأخيرين من الأجر.

و الذي يظهر لي أن ما يعتبر فيه نية التقرب لا يجوز أخذ الأجرة عليه مطلقا لمنافاته الإخلاص فإن النية كما مضى ما يبعث على الفعل دون ما يخطر بالبال.

نعم يجوز فيه الأخذ ان اعطي على وجه الاسترضاء أو الهدية أو الارتزاق من بيت المال و نحو ذلك من غير تشارط.

و أما مالا يعتبر فيه ذلك بل يكون الغرض منه صدور الفعل على أي وجه اتفق، فيجوز أخذ الأجرة عليه مع عدم الشرط فيما له صورة العبادة، فيكون مسقطا للعقاب عمن وجب عليه و ان لم يوجب الثواب له.

و أما جواز الاستيجار للحج مع كونه من القسم الأول، فلأنه انما يجب بعد الاستيجار. و فيه تغليب لجهة المالية، فإنه انما يأخذ المال ليصرفه في الطريق حتى يتمكن من الحج، و لا فرق في صرف المال في الطريق بين أن يصدر من صاحب المال أو نائبه، ثم ان النائب إذا وصل الى مكة و تمكن من الحج أمكنه التقرب به، كما لو لم يكن أخذ أجرة فهو كالمقطوع، أو يقول: ان ذلك أيضا على سبيل الاسترضاء للتبرع. أما الصلاة و الصوم فلم يثبت جواز الاستيجار لهما كما مر.

857- مفتاح [ما يكره التكسب به]

يكره التكسب بالصرف، لان فاعله لا يسلم من الربا، و ببيع الأكفان لانه يتمنى الوباء، و ببيع الطعام لانه يتمنى الغلاء و لانه لا يسلم من الاحتكار، و ببيع

13

الرقيق لان شر الناس من باع الناس، و بالذبح و النحر لانه يسلب الرحمة من قلبه، و قد ورد النصوص بذلك كله مع تعليلها بما ذكر، و في بعضها الصائغ مكان الصيرفي، معللا بأنه يعالج زين أمتي.

و بالحياكة و النساجة لما فيهما من الضعة و الرذالة، و في الخبر «ولد الحائك لا ينجب إلى سبعة بطون» و بالحجامة إذا اشترط، و كذا النياحة على الميت، و لا بأس بهما مع عدم الشرط كذا في النصوص، و قيل: بتحريم النياحة بالباطل بأن يصفه بما ليس فيه، و عليه حمل ما ورد من عد أجرها من السحت.

أما كسب المشاطة و القابلة و خافضة الجواري و الختان فلا بأس به، للأصل و النص «و لكن لا تصل الشعر بالشعر» (1) و حملت على التدليس.

و أما ما ورد من لعن الواصلة و الموصلة فمحمول على القيادة و الزنا كما في الخبر.

858- مفتاح [حكم بيع المصاحف و شرائها]

يكره بيع المصاحف و شراؤها، لما فيه من الابتذال له و عدم التعظيم، و للنصوص منها «لا تشتر كتاب اللّه و لكن اشتر الحديد و الدفتر و الجلود» (2) و منها «لم تبع المصاحف الا حديثا» (3) أي لم يكن ذلك فيما مضى من الزمان.

و حرمة العلامة لظواهر الاخبار، منها «لا تبيعوا المصاحف فان بيعها حرام قيل: فما تقول في شرائها؟ قال: اشتر منه الدفتين و الحديد و الغلاف و إياك

____________

(1) وسائل الشيعة 12- 94.

(2) وسائل الشيعة 12- 115 ح 3.

(3) وسائل الشيعة 12- 116 ح 10.

14

أن تشتري الورق» (1) و فيه «القرآن مكتوب فيكون عليك حراما و على من باعه حراما» (2). و أجيب بضعف الاسناد و الأصل و الموثق «أشتريه أحب الي من أن أبيعه» (3).

أما الأجر على كتابته فلا بأس كما في الخبر، لكن الاولى أن لا يشارط كما في الأخر.

و يكره تعشيره بالذهب للخبر «لا يصلح» (4) و قيل: بالتحريم، و يدفعه ما ورد في القرآن المختم (5) المعشر بالذهب المكتوب في آخره سورة بالذهب، أنه لم يعب منه شيئا إلا كتابة القرآن بالذهب و قال: لا يعجبني أن يكتب القرآن الا بالسواد كما كتب أول مرة (6).

859- مفتاح [من يكره معاملته]

يكره كسب الصبيان و الإماء ما لم يعرفا بضعة يد، و من لا يجتنب المحارم لعدم الوثوق بإباحة ما حصلوه، و للخبر في الأولين «قال: فإنها ان لم تجد زنت و أنه ان لم يجد سرق» (7).

و كذلك معاملة الظالمين، لعدم تحرزهم عن المحرمات، و في الخبر «دع

____________

(1) وسائل الشيعة 12- 116 ح 11.

(2) نفس المصدر.

(3) وسائل الشيعة 12- 116 ح 8.

(4) وسائل الشيعة 12- 117 ح 1.

(5) و في نسخة: المغشى.

(6) وسائل الشيعة 12- 117 ح 2.

(7) وسائل الشيعة 12- 118.

15

ما يريبك الى ما لا يريبك» و معاملة السفلة و الأدنين و المحارفين و أهل الذمة كما في الاخبار، و علل فيها «بأن السفلة لا تؤل الى الخير» (1) و «أن صفقة المحارف لا بركة فيها» (2) و في الخبر «شاركوا من أقبل عليه الرزق فإنه أجلب للرزق» (3).

و كذا مخالطة من لم ينشأ في الخير و معاملته للخبر (4)، و مخالطة الأكراد لأنهم حي من أحياء الجن كشف اللّه عنهم الغطاء كما في الخبر (5)، و ذوي العاهات في أبدانهم لأنهم أظلم شيء. كذا في الخبر.

860- مفتاح [ما يكره من المكاسب]

يكره التكسب بالضراب بأن يؤاجره لذلك. لأنه في معنى عسيب الفحل المنهي عنه كذا قيل، و في الخبر في أجر التيوس «ان كانت العرب لتعاير به فلا بأس به» (6) و في آخر «هو حلال و الناس يكرهونه للتعيير» (7) و كذا قيل في خصاء الحيوان لما فيه من الإيلام، و قيل بالتحريم، و في الخبر «لا بأس».

و سهر الليل كله في الصنعة لما فيه من كثرة الحرص على الدنيا. و في الخبر

____________

(1) وسائل الشيعة 12- 308.

(2) وسائل الشيعة 12- 305.

(3) وسائل الشيعة 12- 306.

(4) وسائل الشيعة 12- 49 و 306.

(5) وسائل الشيعة 12- 308.

(6) وسائل الشيعة 12- 77 ح 2.

(7) وسائل الشيعة 12- 77 ح 1.

16

«من بات ساحرا في كسب و لم يعط العين حظها من النوم فكسبه ذلك حرام» (1) و في آخر «الصناع إذا أسهروا الليل كله فهو سحت» (2) و حمل على الكراهة الشديدة أو منعه الواجب.

و ركوب البحر للتجارة للنصوص، و قيل: بتحريمه مع الخوف كما في وقت اضطرابه، و في الخبر «يضر بدينك» (3).

و تلقي الركبان للنصوص (4)، و قيل: بتحريمه، و يدفعه ضعف الاسناد و عدم الصراحة، وحده أربعة فراسخ كما في الخبر، فلا يكره ما زاد بل هو تجارة و جلب، و يشترط أن يكون الخروج بقصد الشراء أو البيع، و أن لا يعرف الركبان سعر البلد، كما يستفاد من الروايات.

861- مفتاح [حرمة الاحتكار أو كراهته و أحكامه]

في كراهة الاحتكار و حرمته قولان: للاول الأصل، و الحسن «ان كان الطعام كثيرا يسع الناس فلا بأس، و ان كان قيلا لا يسع الناس فإنه يكره أن يحتكر الطعام و يترك الناس ليس لهم طعام» (5) و للثاني الصحيح «لا يحتكر الطعام إلا خاطئ». (6)

و في الأخر «الجالب مرزوق و المحتكر ملعون» (7) و في الأخر «الحكرة في الخصب

____________

(1) وسائل الشيعة 12- 118 ح 2.

(2) وسائل الشيعة 12- 118 ح 1.

(3) وسائل الشيعة 12- 177.

(4) و في نسخة: للنهى منه في الاخبار.

(5) وسائل الشيعة 12- 313.

(6) وسائل الشيعة 12- 315.

(7) وسائل الشيعة 12- 313 ح 3.

17

أربعين يوما و في الشدة و البلاء ثلاثة أيام، فما زاد على الأربعين يوما في الخصب فصاحبه ملعون و ما زاد في العسرة على ثلاثة أيام فصاحبه ملعون» (1) و في الأخر «من احتكر على المسلمين لم يمت حتى يضربه اللّه بالجذام و الإفلاس» (2) و لأن الإجبار على البيع يستلزم التحريم، و يمكن حمل الكراهة في الحديث الأول على التحريم، لأنه أحد معانيه جمعا.

و ليس الحكرة إلا في الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و السمن كذا في الموثق (3)، و ألحق الصدوق الزيت، و زاد في المبسوط الملح، و المفيد و الحلبي الغلات، و لم نجد لهم دليلا.

وحده حاجة أهل البلد و ضيق الأمر عليهم، و أن يستبقيها للزيادة في الثمن دون حاجته، و أن لا يوجد بائع، و في الحسن «الحكرة أن يشتري طعاما ليس في المصر غيره فيحتكره، و ان كان في المصر طعام أو بياع غيره فلا بأس بأن يلتمس بسلعته الفضل» (4) خلافا للشيخ و القاضي حيث أخذ بخبر الخصب و الغلاء المتقدم، و هو ضعيف.

و يجبره الإمام أو نائبه على البيع، كما كان يفعله النبي (صلى اللّه عليه و آله) و هل يسعر عليه؟ الأظهر لا، لان الناس مسلطون على أموالهم، و لانه قد يشتد بسبب ذلك على البيع، و للنصوص، الا مع الإجحاف فيؤمر بالنزول عنه الى حد ينتفي الإجحاف من دون تعيين، و ذلك لانه لو لم يجز ذلك لا نتفت فائدة الإجبار، إذ يجوز أن يطلب في ماله مالا يقدر على بذله، أو يضر بحال الناس

____________

(1) وسائل الشيعة 12- 312 ح 1.

(2) مستدرك الوسائل 2- 468.

(3) وسائل الشيعة 12- 313 ح 4.

(4) وسائل الشيعة 12- 315 ح 1.

18

و الغرض دفع الضرر.

هذا قول المحققين، و به يضعف القول بالإطلاق جوازا و منعا.

القول في آداب الكسب

قال اللّه تعالى وَ إِنْ كٰانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ وَ أَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (1).

862- مفتاح [آداب الكسب]

من آداب الكسب أن ينوي به التعفف و التعطف، و اقامة فرض الكفاية في صناعات يتوقف عليها العيش، و أن يتفقه أولا فيما يتولاه، ففي الخبر «الفقه ثم المتجر و اللّه للربا في هذه الأمة أخفى من دبيب النملة على الصفا» (2).

و يجمل في الطلب و لا يحرص فيه، فلا يشتغل ما بين طلوع الصبح و الشمس و لا كل الليل، و لا يركب له البحر، و لا يتلقى الركبان كما مر، و لا يربح على من يعده بالإحسان، و لا على المؤمن الا أن يشتري منه بأكثر من مائة درهم، فيربح عليه قوت يومه، أو يشتري للتجارة فيربح مطلقا، و أن يعامل متدينا، و يسوي بين المعاملين في الانصاف، و يباكر فان في البكور البركة.

و لا يبالغ في مدح المبيع و ذم المشتري و ان صدق، و لا يحلف فهو جعله تعالى عرضة الايمان، لترويج الدنيا الخسيسة، و في الخبر «لا ينظر اللّه الى منفق سلعته بيمينه» (3) و يظهر عيب المبيع و قدره و سعر الوقت و ما سومح به في الصفقة

____________

(1) سورة البقرة: 280.

(2) وسائل الشيعة 12- 282.

(3) وسائل الشيعة 12- 310.

19

الاولى فالإخفاء خيانة، و في الخبر «من غشنا فليس منا» (1) و في القرآن «وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ».

و لا يروج الزيف بل يلقيه في البئر، و لا يخلط التراب بالطعام، و لا مالا يعتاد في اللحم، فهو و أمثاله حرام، و لا يقدم على شيء لا يريده بما فوق ثمنه ترغيبا، فإنه حرام على الأصح، لأنه غش و خديعة و يسمى ب«النجش» و قيل:

بكراهته و لا يبطل به البيع.

و أن يخير المشتري مع الغبن، و لا يغبن غير معتاد و ان اعطي المشتري لرغبته أو حاجته، و يحتمله من ضعيف أو فقير، ففي الخبر «رحم اللّه امرءا سهل البيع و سهل الشراء» (2) لا من غني لانه تضييع إذ لا أجر و لا حمد.

و يسامح في قبض الثمن أو الدين ينقص أو ترك طلب و قبول حوالة، ففي الخبر «رحم اللّه امرءا سهل القضاء سهل الاقتضاء، من أنظر معسرا أو ترك له حاسبه اللّه حسابا يسيرا» (3) و يبادر في إعطاء الأجرة و قضاء الدين قبل الأجل بأحسن ما شرط، و ينوي القضاء كذلك ان عجز، ففي الخبر «ان الملائكة يدعون له حتى يقضيه» (4) و يقيل ان ندم المعامل، ليقيل اللّه عثرته يوم القيامة، و يعامل الفقير نسيئة على عزم الترك ان لم يظهر غناه، و لا يدخل في سوم أخيه، و قيل: بتحريمه و لا يستحط بعد العقد، و لا يتولى الحاضر للبادي في الفواكه و الغلات، و قيل:

بتحريمه.

و يكيل الطعام أخذا و إعطاء ففيه البركة، و ان أعطي الراجح أعطاه بعد

____________

(1) وسائل الشيعة 12- 208.

(2) وسائل الشيعة 12- 332.

(3) وسائل الشيعة 12- 332.

(4) وسائل الشيعة 13- 87.

20

القسط، و لا يتعرض للكيل و الوزن إذا لم يحسنه حذرا من الزيادة و النقصان، و قيل: بتحريمه، و أن يقبض لنفسه ناقصا و يعطي راجحا.

و لو تشاحا في هذه الفضيلة قدم من بيده الميزان، و يتشهد عند البيع الشهادتين و يكبر ثلاثا، و يدعو بعد الشراء بالمأثور، ورد بذلك كله الرواية. و الحمد للّه.

القول في إحياء الموات

قال اللّه تعالى وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذٰلِكَ دَحٰاهٰا الى قوله تعالى مَتٰاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعٰامِكُمْ (1).

863- مفتاح [أقسام الأراضي و أحكامها]

الأرض اما ميتة أو عامرة، فالميتة للإمام (عليه السلام)، و هي من الأنفال، سواء ملكت ثم باد أهلها، أو لم يجر عليها الملك، للنص و الإجماع، فلا يجوز لأحد التصرف فيها إلا باذنه، و قد أذن النبي (صلى اللّه عليه و آله) و الأئمة (صلوات اللّه عليهم) إحياءها للمسلمين، بل للناس كافة و تملكهم إياها به في الحضور و الغيبة، و الصحاح به مستفيضة، منها: أيما قوم أحيوا شيئا من الأرض أو عمروها فهم أحق بها و هي لهم (2).

و منها: أيما رجل أتى خربة بائرة فاستخرجها و كرى أنهارها و عمرها فان عليه فيها الصدقة، فإن كانت أرض لرجل قبله فغاب عنها و تركها فأخربها ثم

____________

(1) سورة النازعات: 30.

(2) وسائل الشيعة 17- 326.

21

جاء بعد يطلبها، فإن الأرض للّه و لمن عمرها (1). أريد بالصدقة الزكاة.

و الشيخ حمل قوله «و لمن عمرها» على الأحقية دون الملكية لأنها من الأنفال و قيل: انما كان المحيي ثانيا أحق بها إذا لم يعرف صاحبها، و يأتي الكلام فيه إنشاء اللّه.

و أما العامرة: فما يملك من غير قتال فكذلك، سواء انجلى أهلها أو سلموها طوعا، للنصوص منها الموثق «ان الأنفال ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة دم، أو قوم صولحوا و أعطوا بأيديهم، و ما كان من أرض خربة أو بطون أودية فهذا كله من الفيء، و الأنفال للّه و للرسول فما كان للّه فهو للرسول يضعه حيث يحب» (2).

و ما أخذه المسلمون بالسيف و القهر، كمكة و الشام و أكثر بلاد الإسلام، ما كانت منها عامرة وقت الفتح فهي للمسلمين قاطبة عندنا يأخذ الإمام (عليه السلام) أو نائبه مع غيبته خراجها و يصرفه في مصالحهم، و ليس لأحد منهم التسلط على شيء منها بتصرف اتفاقا.

قال الشهيد الثاني: و ان أخذه حاكم الجور المعتقد لاستحقاقه برئت الذمة منه، لورود النص بحل المقاسمة و الخراج و أصلهما من هذه الأرض.

و في الصحيح سئل عن السواد [1] ما منزلته؟ فقال: هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم و لمن يدخلها في الإسلام بعد اليوم و ان لم يخلق بعد، فقلنا:

الشراء من الدهاقين؟ قال: لا يصح الا أن يشتري منهم على أن يصيرها للمسلمين فإذا شاء ولي الأمر أن يأخذها أخذها. قلنا: فإن أخذها منه؟ قال: يرد إليه رأس

____________

[1] أرض العراق «منه».

____________

(1) وسائل الشيعة 17- 328.

(2) وسائل الشيعة 6- 367- 368.

22

ما له و له ما أكل من غلتها بما عمل (1).

قال أصحابنا: و لو كان للمتصرف فيها بناء أو زرع، جاز بيعه لانه مملوك و كونه في أرض الغير لا يمنع من التصرف في ملكه، و قيل: يجوز بيعها تبعا للآثار المذكورة لا منفردة، و في رواية «اشتر حقه منها» (2).

و ما صالح أهله المسلمين على أن يكون الأرض لهم و عليهم ما صالحهم الامام عليه، فهي ملك لأهلها يتصرفون فيها بما شاؤا بلا خلاف للنصوص.

و ان صالحوهم على أن يكون للمسلمين كأرض خيبر، فهي للمسلمين كافة و أمرها الى الامام كما في الصحيح.

و اما أسلم أهله عليه طوعا كالمدينة الطيبة و البحرين، فهي لأربابها يملكونها على الخصوص، و ليس عليهم فيها شيء سوى الزكاة، و في الموثق قلت له:

رجل من أهل نجران يكون له أرض ثم يسلم أي شيء عليه ما صالحهم النبي (صلى اللّه عليه و آله) أو ما على المسلمين؟ قال: عليه ما على المسلمين أنهم لو أسلموا لم يصالحهم النبي (صلى اللّه عليه و آله) (3).

فان تركوا عمارتها و تركوا خرابا، كانت للمسلمين قاطبة، و أمرها الى الإمام أو نائبه يصرف حاصلها في مصالحهم للنصوص، خلافا للحلي فهي باقية على ملك الأول، و هو شاذ.

و هل على الامام أن يعطي أربابها حق الرقبة من القبالة؟ المشهور نعم، و ظاهر بعضهم لا، و هو أظهر من الرواية.

____________

(1) وسائل الشيعة 17- 346.

(2) الوافي 3- 133 أحكام الأرضين.

(3) وسائل الشيعة 17- 330.

23

864- مفتاح [أحكام تمليك الأرض]

و أما غير الأقسام المذكورة، فكل ما جرى عليه ملك مسلم معروف و من في حكمه، فما دامت عامرة فهي له و لورثته بعده، و ان ترك الانتفاع بها أصلا للنص و الإجماع، فليس لأحد التصرف فيه الا بأذنه (1)، و في الخبر «لا يحل مال امرئ مسلم الا عن طيب نفس منه» و فيه «من أخذ شبرا من الأرض بغير حق أتى به يوم القيامة في عنقه و طوقه الى سبع أرضين» (2).

و ان خربت فالظاهر من الصحاح، و سيما الحديث السابق «فإن الأرض للّه و لمن عمرها» أنها للإمام ثم للمحيي ثانيا مطلقا، الا أنهم نقلوا الإجماع على أنه ان كان قد ملكها بغير الاحياء ثم خربت و كان صاحبها معروفا، لم يزل ملكه عنها.

و اختلفوا فيما إذا ملكها بالاحياء ثم تركها حتى عادت مواتا، فقيل: انه كذلك أيضا، و قيل: ان كان صاحبها معروفا فهو أحق بها، للصحيح قلت: فان كان يعرف صاحبها؟ قال: فليرد اليه حقه (3). و حمل على ما إذا ملكها الأول بغير الاحياء، جمعا بينه و بين سائر الأدلة، و لا سيما حديث «و لمن عمرها» فإنه نص في معرفة الصاحب كما مر ذكره، الا أن يراد بمعرفته معرفته في أول الأمر.

و قيل: انه يزول ملكه عنها و يصير للإمام ثم للمحي ثانيا و ان كان صاحبها معروفا [و هو الأصح] [1] لإطلاق الصحاح و سيما السابق، خرج منها ما أجمع

____________

[1] كذا في نسخة و هو يناسب للتعليل من بعد.

____________

(1) وسائل الشيعة 17- 309 ح 4.

(2) وسائل الشيعة 17- 309 ح 2 و الوافي 3- 144 أبواب أحكام الأرضين.

(3) وسائل الشيعة 17- 329.

24

عليه و بقي الباقي، و لعموم «من أحيا مواتا فهو له (1) و لان هذه أرض أصلها مباح، فإذا تركها حتى عادت الى ما كانت عليه صارت مباحة، كما لو أخذ ماءا من دجلة ثم رده إليها، و لأن العلة في تملكها الاحياء و العمارة، فإذا زالت العلة زال المعلول و هو الملك، فإذا أحياها الثاني فقد أوجد سبب الملك له كما لو التقط شيئا ثم سقط من يده وضاع فالتقطه غيره، فإن الثاني يكون أحق به، و أصالة بقاء الملك تنقطع بالصحاح.

و منهم من قال بصيرورة الثاني أحق بها، لكن لا يملكها بذلك، بل عليه أن يؤدي طسقها إلى الأول أو وارثه، و لم يفرقوا في ذلك بين ما ملكه الأول بالإحياء أو غيره.

و منهم من أوجب على الثاني استيذان الأول، فإن امتنع فالحاكم فان تعذر أحياها و عليه طسقها. و حاولوا في القولين الجمع بين الروايات، و الجمع بينها بحمل حديث أحقية الأول على ما إذا كان قد ملكها بغير الإحياء أوفق.

865- مفتاح [حكم رؤس الجبال و بطون الأودية و المعادن]

و أما رؤس الجبال و ما يكون بها و بطون الأودية و الآجام، فهي تابعة للأرض عند الحلبي، و مختصة بالإمام (عليه السلام) و هي من الأنفال مطلقا عند الأكثر للنصوص، أحسنها سندا الموثق السابق في بيان الأنفال.

و أما المعادن فالناس فيها شرع على الأصح سواء، الظاهرة منها و الباطنة للأصل و العمومات «فمن سبق إلى شيء منها فله أخذ حاجته منه» (2).

____________

(1) وسائل الشيعة 17- 327.

(2) الوافي 2- 46 أبواب الخمس.

25

و يملك الباطنة بالاحياء، خلافا للمفيد و الديلمي حيث خصاها كلها بالإمام و جعلاه من الأنفال، فيتوقف الإصابة منها على اذنه (عليه السلام)، و قيل: يختص به ما كان في أرضه كالموات، لا ما كان في المحياء لانه يلزم من ملكه لها ملك ما فيها.

866- مفتاح [حكم تمليك المياه]

و أما المياه فأصلها الإباحة و شرعية الناس فيها، للأصل و النصوص منها «ان المسلمين [1] شركاء في ثلاثة: النار و الماء و الكلاء» (1) لكن يعرض لها الملك كما يستفاد من الصحاح المجوزة لبيعها، اما بإحرازه من المباح في آنية أو مصنع أو نحوهما، فيختص بمحرزه إجماعا.

و أما بإخراجه من نهر مباح الى نهره، أو استنباطه من الأرض من بئر أو عين بنية التملك، فيملكه المخرج و المستنبط على المشهور، خلافا للشيخ حيث قال بالأولوية في الأول دون الملك، لانه مباح دخل في ملكه، فيبقى على أصل الإباحة. و انما يكون المخرج أولى به لان يده عليه، كما إذا جرى السيل إلى أرض مملوكة و اجتمع فيه.

و فرع عليه ما إذا كان الحافر للنهر المملوك جماعة، و لم يسع سقيهم دفعة و لا تراضوا على المهاياة فيه، فإنه يقسم عليهم على قدر أرضهم، لا على قدر عملهم و لا نفقاتهم [و فيه نظر] و الأظهر ما عليه الأكثر أن يملك على نسبة العمل لأن الإحياء تابع له لا للأرض.

____________

[1] في طريق العامة «الناس» بدل المسلمين «منه».

____________

(1) وسائل الشيعة 17- 331.

26

و قال الإسكافي: أن حافر النهر انما يملك ماءه إذا عمل له ما يصلح لسده و فتحه من المباح، و كأنه جعل الحيازة سبب الملك و انما يتحقق بذلك.

و أوجب الشيخ على مالك البئر و العين، بذل الفاضل من حاجته لشربه و شرب ماشيته و زرعه، الى غيره بغير عوض إذا احتاج اليه لشربه و شرب ماشيته، لا لسقي الزرع و الشجر، محتجا بالأخبار العامية، منها ما مر، و منها:

أن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) نهى عن بيع فضل الماء و قال: من منع فضل الماء ليمنع به الكلاء منعه اللّه فضل رحمته يوم القيامة (1).

و المراد أن الماشية إنما ترعى بقرب الماء، فإذا منع من الماء منع من الكلاء و حاز لنفسه. و هي أعم من المدعى و لا قائل بعمومه، مع أنها ظاهرة في المباحات، فحملها بعمومها على الكراهة أولى.

و في الصحيح: عن الرجل يكون له الشرب مع قوم في قناة له فيها شركاء فيستغني بعضهم عن شربه أ يبيع شربه؟ قال: نعم ان شاء باعه بورق و ان شاء باعه بكيل حنطة (2). و في معناه الحسن و غيره.

867- مفتاح [أحقية الأقرب بالماء على الغير]

قيل: إذا لم يف المباح بسقي ما عليه دفعة، بدا بالمحياة أو لا ان تقدم إحياؤها على الماء، و الا فالذي يلي فوهته، فإذا فرغ من قضاء حاجته أرسله الى الثاني ثم الى الثالث و هكذا، سواء استضر الثاني بحبس الأول أولا للإجماع و النصوص.

____________

(1) وسائل الشيعة 17- 333.

(2) وسائل الشيعة 17- 332.

27

و ليس في النصوص ذكر تقدم الاحياء، و علل بأن حق السابق بالاحياء سابق على الماء أيضا، فإطلاق النصوص بتقديم الأقرب منزل على ذلك، و فيه نظر.

و قدر في الخبر للزرع الى الشراك، و للنخل الى الكعب، و زيد في المشهور للشجر الى القدم.

868- مفتاح

لا يجوز صرف الماء عن النهر المملوك إذا كان عليه رحى، إلا بإذن صاحب الرحى لاشتماله على ضرره، و للصحيح الوارد فيه بخصوصه: يتقى اللّه عز و جل و يعمل في ذلك بالمعروف و لا يضار أخاه المؤمن (1).

869- مفتاح [المرجع في كيفية الإحياء]

المرجع في كيفية الإحياء إلى العرف، لعدم النص شرعا و لا لغة، و يختلف باختلاف ما يقصد منه، فلا بد للمسكن (2) مثلا من الحائط، و يكفي للزراعة مثل المرز و المسناة و على هذا القياس. نعم التحجير يفيد الأولوية مطلقا إجماعا و ان لم يفد الملكية، إلا فيما يسمى في العرف احياء، و هو أن يشرع فيه أو يعلم علامة من نصب أحجار، أو غرز خشبات، أو جمع تراب، أو خط خطوط أو نحو ذلك، و منه أن يحفر النهر و لم يصل الى مشرع الماء.

____________

(1) وسائل الشيعة 17- 343.

(2) و في نسخة: للسكنى.

28

و ان يعمل في المعادن الباطنة عملا لا يبلغ نيلها، أما بلوغه فهو احياء، و لا تحجير في المعادن الظاهرة كما قالوه، لانه شروع في الاحياء و هو منتف فيها.

و لو أهمل المحجر العمارة مدة طويلة، أجبره الامام على أحد الأمرين، اما الإتمام أو التخلية للغير، حذرا من التعطيل.

870- مفتاح [ما يشترط في الاحياء]

يشترط في الاحياء أن لا يكون عليها يد محترمة من مسلم أو مسالم و لو بالتحجير، و أن لا يكون حريما لعامر بلا خلاف، لما فيه من الضرر المنفي بالإجماع و يأتي بيان الحريم.

و هل يملك الحريم تبعا للعامر أو يكون أولى و أحق به من غيره من دون تملك حقيقة؟ الأشهر الأول، و تظهر الفائدة في بيعه منفردا.

و أن لا يسميه الشارع مشعرا للعبادة، كعرفة و منى و المشعر، لما في تسويغ إحيائها من تفويت الغرض و منافاته البغية فيها، و جوز المحقق ما لا يضر منه و لا يؤدي الى الضيق.

و أن لا يقطعه إمام الأصل، أو يحماه لنفسه أو لغيره، كما أقطع النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) الدور و أرضا بحضرموت و حضر فرس الزبير، و كما حمى النقيع لا بل الصدقة و نعم الجزية و خيل المجاهدين في سبيل اللّه، لان ذلك يفيد اختصاصا فلا يجوز رفعه، و ليس لأحد من المسلمين سوى الإمام إجماعا و للنص «لا حمى الا للّه و لرسوله» (1).

و لو كان حماه (عليه السلام) لمصلحة فزالت، فالظاهر جواز تعرضه.

____________

(1) الوافي 3- 134.

29

871- مفتاح [بيان حريم الأشياء]

قيل: الحريم للقرى ما حواليها من محل اجتماع الناس، و مربض الخيل و مناخ الإبل، و مطرح الرماد و السماد و سائر ما يعد من مرافقها، و في مرعى البهائم إشكال.

و للدار مطرح ترابها و الرماد و الكناسة و الثلج و قمامة المنزل و مسيل المياه و الممر في الصوب الذي يفتح فيه الباب، و لو بازورار و انعطاف لمسيس الحاجة الى ذلك.

و قيل: لا حريم للدار لعدم دليل عليه، بل الوارد المحيي أن يبني بجنبيها لم يلزمه أن يبعد عن بنائها. نعم له منع ما يضر بالحيطان، كحفر بئر يقربها.

و يشهد له فعل الناس في سائر البلدان، إذ يبعد اتفاقهم على الاحياء دفعة، و الأول أشهر.

و للحائط مطرح آلاته، لأن الحاجة تمس اليه عند سقوطه. و لمجري الماء ما يطرح فيه ترابه و يمشى على حافتيه للانتفاع و الإصلاح. و للشجر ما يبرز اليه أغصانه و يسري عروقه عادة و لو بعد حين، كما في الاخبار منها «حريم النخل طول سعفها» (1) و منها «في رجل له نخلة في حائط الأخر، فقضى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أن لكل نخلة من أولئك من الأرض مبلغ جريدة من جرائدها حين بعدها (2).

و للبئر التي يستقى منها لشرب الإبل أربعون ذراعا، و للتي للزرع ستون

____________

(1) وسائل الشيعة 17- 338.

(2) وسائل الشيعة 17- 337.

30

على المشهور فيهما، للخبرين المفصلين، و في الصحيح «أربعون ذراعا حولها» (1) من غير تفصيل، و في رواية: خمسون الا أن يكون الى عطن أو الى الطريق فأقل من ذلك الى خمسة و عشرين (2) و قيل: ما يحتاج إليه في الانتفاع المقصود منها، و هو الأظهر فنزل الروايات على ذلك.

و للقناة ألف ذراع في الرخوة، و خمسمائة في الصلبة على المشهور، بمعنى عدم جواز احداث أخرى في ذلك المقدار، لئلا ينتقل ماء الأولى إليها، و ان جاز التصرف الأخر للخبر.

و في غيره اقتصر على خمسمائة من غير تفصيل، وحده الإسكافي بما ينتفي به الضرر، و مال إليه في المختلف، و اختاره الشهيد الثاني، و هو المعتمد جمعا بين ما دل على نفي الإضرار و على جواز الاحياء من غير تحديد، لضعف تلك الاخبار، و للصحيح: في رجل كانت له قناة في قرية فأراد رجل أن يحفر كم يكون بينهما في البعد حتى لا يضر بالأخرى في أرض إذا كانت رخوة أو صلبة؟

فوقع (عليه السلام): على حسب أن لا يضر أحدهما بالاخر ان شاء اللّه (3).

و حد الطريق خمس أذرع للخبر، و قيل: سبع للآخر، و الأول أوضح سندا، و الثاني أكثر رواة، و ربما يجمع بالحمل على اختلاف الطرق في حاجة المرور، كالتي للقوافل و التي للأملاك، و لو زادوها على السبع و استطرقت قيل: صار الجميع طريقا، فلا يجوز احداث ما يمنع المارة في الزائد، و في الخبر «قلت له: الطريق الواسع هل يؤخذ منه شيء إذا لم يضر بالطريق؟ قال:

لا» (4) و ورد «ان حريم المسجد أربعون ذراعا من كل ناحية و حريم المؤمن في

____________

(1) وسائل الشيعة 17- 338 ح 1.

(2) وسائل الشيعة 17- 338 ح 2.

(3) وسائل الشيعة 17- 343.

(4) الوافي 3- 132 أبواب أحكام الأرضين.

31

الصف باع، و روي عظم الذراع» (1).

و كل ذلك انما يثبت إذا ابتكر في الموات، أما ما يعمل في الاملاك المعمورة فلا، لأنها متعارضة، و ليس جعل موضع حريما لدار أو غيرها أولى من جعله حريما للأخرى، فلكل من الملاك التصرف في ملكه كيف يشاء.

872- مفتاح [حكم الانتفاع في الطريق بغير الاستطراق]

قيل: لا يجوز الانتفاع في الطريق بغير الاستطراق، الا ما لا يضر به كالوقوف و الجلوس للاستراحة و المعاملة و نحوها، إذا لم يتضيق على المارة، لأنها وضعت لذلك، و لا بأس بالتظليل بما لا يضر، و بناء الدكة و الجلوس للبيع و الشراء و سائر الحرف في الرحاب المتسعة، بحيث يؤمن من تأذي المارة نظرا إلى العادة، و الا فلا. و قيل: بالمنع من ذلك، و الأول أشهر.

و إذا قام بطل حقه في الكل، إلا إذا كان رحله باقيا، و قيل: إذا قام بنية العود، و فيه نظر. نعم الأسواق التي تقام في كل أسبوع أو شهر مرة، إذا اتخذ فيها مقعدا فهو أحق به في النوبة الثانية، لأن الغرض من تعيين الموضع للمعاملة أن يعرف فيعامل، فإبطال حقه يؤدي الى ضرره بتفرقهم عنه.

873- مفتاح [حكم فتح الأبواب إلى الطرق العامة]

يجوز فتح المستجدة (2) إلى الطرق النافذة بلا خلاف، و كذا إخراج الرواشن

____________

(1) وسائل الشيعة 17- 340.

(2) المتجددة خ ل.

32

و الأجنحة، إذا كانت عالية لا تضر بالمارة الذين يعتاد سلوكهم فيها و ان تضرر غيرهم، خلافا للتذكرة، أو عارض فيها مسلم، خلافا للشيخ.

و لو سقط فسبق جاره الى مثله، لم يكن للاول منعه، لأنهما فيه شرع و لم يكن له بذلك إلا الأولوية.

أما الطرق المرفوعة فلا يجوز إحداث شيء من ذلك فيها إلا بإذن أربابها، سواء كانت مضرة أم لا لاختصاصها بهم.

نعم يجوز فتح الروازن و الشبابك إليها، كما يجوز الى غيرها من الاملاك و الدور، و ان استلزم الاشراف على الجار، لأن الإنسان مسلط على ملكه يتصرف فيه بما شاء، و المحرم هو التطلع لا التصرف في الملك.

874- مفتاح [حكم البابان في الزقاق]

لو كان في زقاق بابان أحدهما أدخل من الأخر، فصاحب الأول يشارك الأخر في مجازه، و ينفرد الأدخل بما بين البابين على المشهور، لأن المقتضي للاستحقاق هو الاستطراق و نهايته بابه.

و قيل: بل يشتركان في الجميع حتى الفضلة الداخلة [في صدرها] (1) لاحتياجهم الى ذلك عند ازدحامهم للأعمال و وضع الأثقال، و لتعسر اقتصار تصرف الخارج على نفس ما يخرج عن بابه. و قواه في الدروس، و يجوز للداخل فتح باب الى الخارج دون العكس.

____________

(1) كذا في نسخة.

33

875- مفتاح [حكم من خرجت أغصان شجرته الى الجار]

قيل: إذا خرجت أغصان شجرته الى ملك الجار، وجب عليه قطعها من حد ملكه أو عطفها، لانه تصرف في ملك الغير و شغل به و هو غير جائز، فان لم يفعل عطفها الجار إن أمكن، و الا قطعها من دون اذن الحاكم.

و قيل: بل يجوز له ازالته من دون مراجعة المالك أيضا، لأنه عدوان عليه فهو كإخراج البهيمة، و لانه لو توقف عليها لتوقف على اذن الحاكم مع امتناعه، و ليس فليس [و لا يخلو من قوة] (1).

و ظاهر التذكرة عدم وجوب الإزالة على المالك و ان جاز لصاحب الأرض، لأنه من غير فعله، و يلزمه عدم ضمان أجرة الأرض و الهواء إذا مضت مدة مع علمه و تفريطه، و على الأول يضمن.

876- مفتاح [من سبق الى مكان من المسجد فهو أحق به]

من سبق الى مكان من المسجد، فهو أحق به ما دام جالسا، فلو فارق بطل حقه، الا بنية العود و بقاء الرحل في المشهور للنص.

و قيل: و يشترط عدم طول المفارقة و إلا بطل حقه أيضا، سيما مع حضور الجماعة، و استلزام تجنب موضعه وجود خلل في الصف، للنهي عن ذلك، فيجوز رفع رحله حينئذ ان احتيج اليه. و ان كان قيامه لضرورة، كتجديد الطهارة و ازالة النجاسة، ففي بطلان حقه قولان، و في الخبر «إذا قام أحدكم من مجلسه

____________

(1) كذا في نسخة.

34

في المسجد فهو أحق به إذا عاد اليه» (1) و فيه «سوق المسلمين كمسجدهم فمن سبق الى مكان فهو أحق به الى الليل» (2) و هما أعم [1] من المدعى.

و الكلام في كراهة البيع و الشراء، و سائر الصنائع في المسجد قد مضى.

877- مفتاح [حكم المدارس و الربط]

و أما المدارس و الربط فقالوا: من سكن بيتا ممن له السكنى، فهو أحق به و ان تطاولت المدة، ما لم يشترط الواقف أمدا، و لا يبطل حقه بالخروج لحاجة، و لا يلزمه تخليف أحد مكانه و لا إبقاء رحل فيه.

و لو فارقه لغير عذر بطل حقه مطلقا، و مع العذر أوجه: أوجهها البطلان ان أدى الى التعطيل، أو لم يكن رحله باقيا.

القول في الاصطياد

قال اللّه تعالى أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعٰامُهُ مَتٰاعاً لَكُمْ وَ لِلسَّيّٰارَةِ وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مٰا دُمْتُمْ حُرُماً (3) «و قال وَ إِذٰا حَلَلْتُمْ فَاصْطٰادُوا» (4).

878- مفتاح [حكم صيد الحيوان الممتنع]

قد مضى في كتاب مفاتيح المطاعم و المشارب، أن للاصطياد في الشرع

____________

[1] و في نسخة: و هما خاليان من تقييداتهم مع أنهم استندوا إليهما.

____________

(1) وسائل الشيعة 3- 542.

(2) وسائل الشيعة 12- 300 ح 1.

(3) سورة المائدة: 96.

(4) سورة المائدة: 2.

35

معنيين: أحدهما إثبات اليد على الحيوان الممتنع، و الثاني إزهاق روحه قبل ذلك بالالة المعتبرة، و أن كليهما مباح بالكتاب و السنة و الإجماع بشرائطهما، و بينا هناك أحكام الثاني و شرائطه، و الان نريد أن نبين أحكام الأول و شرائطه.

و يتحقق بكل آلة يتوصل بها اليه، بشرط أن لا يكون ملكا للغير، لعدم جواز التصرف فيه الا بأذنه، و لهذا ورد النهي عن صيد الحمام بالأمصار، و في الخبر «فيما عرف صاحبه لا يحل له إمساكه يرده عليه» (1).

و أما ما في آخر: إذا ملك الطائر جناحه هو لمن أخذه (2). فمحمول على غير معروف الصاحب، كما في آخر «فان هو صاد ما هو مالك لجناحيه لا يعرف له طالبا، قال: هو له» (3) و في رواية: في رجل أبصر طائرا فتبعه حتى سقط على شجرة فجاء رجل آخر فأخذه. فقال: للعين ما رأت و لليد ما أخذت» (4).

و إذا صيره غير ممتنع ملكه و ان لم يقبضه، و لا إشكال في ذلك إذا كانت الإله معتادة لذلك، كالشبكة و الحبالة.

و كذا لو قصد به التملك و ان لم تكن معتادة، بأن اتخذ أرضا موحلة ليتوحل فيها الصيد، أو بنى دارا للمعشش أو نحو ذلك على الأصح، لأن المعلوم اعتبار وضع اليد على الصيد مع النية، و المعتادة لم تقتض الملك الا من حيث ازالة المنعة، و هو موجود هنا، و الا لم يملكه لأصالة بقاء إباحته الى أن يوجد سبب تملك، كذا قيل.

____________

(1) وسائل الشيعة 16- 244.

(2) وسائل الشيعة 16- 245.

(3) وسائل الشيعة 16- 244.

(4) وسائل الشيعة 16- 246.

36

879- مفتاح [حكم من أطلق الصيد]

إذا أطلق الصيد من يده، فان لم ينو قطع ملكه عنه قيل: يبقى ملكه عليه، عملا بالاستصحاب.

و ان نوى ذلك فالأكثر أنه كذلك أيضا، لأن الملك و زواله يتوقف على أسباب شرعية و لم يثبت كون الإرادة و الاعراض عنها منها، خلافا للمبسوط، لأن الأصل في الصيد انفكاك الملك عنه، و انما حصل ملكه باليد و قد زالت، و هو الأظهر.

880- مفتاح [حكم من صاد طيرا مقصوصا]

إذا صاد طيرا مقصوصا لم يملكه، و كذا كل أثر يدل على الملك، و لا يلتفت الى احتمال فعل ذلك به عبثا من غير قصد التملك، لأن الأثر يدل على اليد و اليد يحكم لها بالملك و ان لم يعلم سببه، بل و ان احتمل عدم صحة سبب.

قيل: و كذلك لو اصطاد سمكة و في بطنها درة مثقوبة، فيكون المأخوذ لقطة، و فيه نظر، أما لو كانت غير مثقوبة فهي له مع السمكة بلا اشكال.

881- مفتاح [حكم الشركة في الصيد]

لو تساويا في سبب الملك فالصيد بينهما. و ان كان أحدهما جارحا و الأخر

37

مثبتا دفعة، فهو للمثبت و لا ضمان على الجارح، لان جنايته لم تصادف ملكا لغيره. و لو جهل المثبت منهما فالصيد بينهما، و يحتمل العمل بالقرعة.

و إذا كان الصيد يمتنع بالطيران و العدو كليهما كالدراج و القبج، فكسر أحدهما جناحه و الأخر رجليه قيل: هو لهما، لان سبب الملك حصل بفعلهما، إذ العلة هي المجموع من حيث هو مجموع، و قيل: للأخير، لأن بفعله يتحقق الإثبات، و الإصابة حصلت و هو مباح بعد، فيبطل أثر الجراحة الاولى و يصير صاحبها كالمعين للثاني، و الإعانة لا تقتضي الشركة. و هو قوي.

القول في الاسترقاق

قال اللّه تعالى وَ رَفَعْنٰا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجٰاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا» (1).

882- مفتاح [اختصاص الاسترقاق بأهل الحرب]

يختص الرقبة بأهل الحرب من أصناف الكفار، دون من التزم بشرائط الذمة من الفرق الثلاث، إجماعا و نصا مستفيضا، و لا فرق بين أن ينصبوا الحرب للمسلمين، أو يكونوا تحت حكم الإسلام و قهره، الا مع المهادنة بينهم و بين المسلمين بشرائطها المقررة، فيجب حينئذ الكف عنهم الى انقضاء المدة، لوجوب الوفاء بالعهد.

و يجوز شراؤهم من آبائهم و أولادهم و سائر ذوي أرحامهم، و لو كانت نساء ذوات أزواج و لو من الأزواج كما في النصوص، لأنهم فيء في الحقيقة

____________

(1) سورة الزخرف: 32.

38

فيجوز التوصل إليهم بكل سبب، و ليس بيعا في الحقيقة فلا يلحقه أحكامه.

و يجوز استرقاق الملتقط في ديارهم تبعا للدار، إذا لم يكن فيها مسلم يمكن تولده منه عادة، و أما ما ورد من أن اللقيط لا يباع و لا يشترى، فالمراد منه لقيط دار الإسلام.

883- مفتاح [حكم استرقاق ولد المرتدين]

هل يجوز استرقاق المتولد بين المرتدين؟ قال في الخلاف: نعم ان كان في دار الحرب، و لا ان كان في دار الإسلام، لإجماعنا و أخبارنا.

و بناه آخرون على أنه هل هو كافر أصلي لتولده من كافرين؟ أم مرتد كالأبوين للتبعية؟ أو مسلم لبقاء حرمة الإسلام في المرتد؟ و الإسلام يعلو و لا يعلى عليه، و لعموم، «كل مولود يولد على الفطرة» فعلى الأول يجوز بخلاف الآخرين.

884- مفتاح [حكم المأخوذ من دار الحرب]

ما يؤخذ من دار الحرب بغير اذن الامام (عليه السلام)، يجوز تملكه في حال الغيبة، سواء سباه المسلم أو غيره، و ان كان فيه حق الامام ان أخذ سرقة أو غيلة و نحوهما من غير قتال، أو كان بأجمعه له ان أخذ بقتال، لأنهم (عليهم السلام) أباحوا ذلك لشيعتهم من غير اشتراط إخراج الحصة المذكورة لتطيب ولادتهم، كما في الصحاح المستفيضة.

39

885- مفتاح [حكم من أقر بالرقية]

كل مكلف أقر على نفسه بالرقية مع جهالة حريته حكم برقه، للصحيح «الناس كلهم أحرار الا من أقر على نفسه بالعبودية، و هو مدرك من عبد أو أمة» (1).

و في اشتراط الرشد قولان، و ظاهر الحديث كما ترى ينفيه.

و لو اشتراه فادعى الحرية، لم تقبل دعواه الا مع البينة، لأن ظاهر اليد و التصرف يقتضي الملك و للصحيح.

886- مفتاح [حكم إسلام الكافر في ملك مثله و غيره]

لو أسلم الكافر في ملك مثله، أجبر على بيعه من مسلم، لانتفاء السبيل للكافر على المسلم كما في الآية (2).

و كذا لو أسلم أحد أبويه و كان صغيرا، أو أحد أجداده على رأي، لثبوت حكم الإسلام له، فينتفي سبيل الكافر عليه.

و لو أسلم في دار الحرب سابقا على مولاه و خرج إلينا أعتق للنص.

و لو استرق احد الزوجين انفسخ النكاح، و قيل: يتخير المالك بين فسخه و إبقائه.

____________

(1) وسائل الشيعة 16- 33.

(2) سورة النساء: 141.

40

887- مفتاح [حكم من ملك أحد أصوله و أولاده]

إذا ملك أحد أصوله أو أحد أولاده و ان نزلوا ذكورا و إناثا، انعتق في الحال، و يزيد الرجل أنه ينعتق عليه محارمه من النساء، للإجماع و النصوص، منها الصحيح: لا يملك الرجل و الدية و لا ولده و لا عمته و لا خالته، و يملك أخاه و غيره من ذوي قرابته من الرجال (1). و منها سئل عن المرأة ما تملك من قرابتها؟

قال: كل أحد الا خمسة: أبوها و أمها و ابنها و ابنتها و زوجها (2). يعني بالزوج ما دام كونه زوجا، و الا فهي تملك زوجها كما أن زوجها يملكها إجماعا، الا أن الزوجية تنفسخ بالملك لمنافاتها، لان المالك ان كان هو الزوجة حرم عليها و طي مملوكها، و ان كان الزوج استباحها بالملك.

و المراد بالملك المنفي المستقر منه، و الا فأصل الملك يتحقق في الجميع، و من ثم يترتب عليه العتق المشروط بالملك، و لا فرق بين أن يدخل في ملكه اختيارا كالشراء، أو قهرا كالإرث.

و حكم الرضاع حكم النسب في ذلك عند الأكثر، خلافا للمفيد و جماعة، و النصوص مختلفة، و المعتبرة كلها معنا (3) مع كثرتها، منها الصحيح: سئل عن امرأة ترضع غلاما لها من مملوكه حتى تفطمه، هل يحل لها بيعه؟ قال: لا، حرم عليها ثمنه أ ليس قد قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم): يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، أ ليس قد صار ابنها (4).

____________

(1) وسائل الشيعة 16- 9 ح 2.

(2) وسائل الشيعة 16- 13.

(3) و في نسخة: مع الأكثر.

(4) وسائل الشيعة 16- 12.

41

و لا فرق في الانعتاق بالملك بين كل المملوك و بعضه، نعم في السراية في غير أم الولد خلاف، و المشهور عدمها، و هو الأصح، للأصل و ظهور الروايات الواردة فيها في العتق الاختياري كما يأتي، خلافا للخلاف مدعيا فيه الوفاق، و هو ممنوع.

أما أم الولد فإنها تجعل بعد موت مولاها في نصيب ولدها، و تعتق عليه كلها ان كان للميت مال سواها، و الا فبقدر نصيبه و تسعى في الباقي، و في الموثق «يقوم الباقي على ولدها ان كان موسرا» (1) و عمل به في النهاية، و المشهور الأول.

و يكره أن يملك من عدا هؤلاء من ذوي قرابته، كالأخ و العم و الخال و أولادهم للرواية.

888- مفتاح [حكم ما لو أعمى المملوك أو أجذم أو أقعد أو نكل]

إذا أعمي المملوك فلا رق عليه للحسن و غيره، و كذا إذا أجذم للخبر أو أقعد، بلا خلاف في الثلاثة، أو نكل به مولاه للاخبار، خلافا للحلي فيه، و لا وجه له بعد وفاقه فيما هو أضعف دليلا أو لا دليل عليه.

و في تنكيل غير المولى قولان: و الأصح عدم الانعتاق، و ان عم ظاهر بعض الألفاظ، لعدم الاعتماد على السند.

و التنكيل فعل الأمر الفضيع بالغير من «النكال» كقطع الاذن و الأنف و اللسان، و منه جب المذاكير كما ورد في الخبر العامي.

و يترتب عليه عدم صحة شراء الخصيان لمن علم أن مولاه فعل به ذلك، و مع عدم العلم يبنى على أصالة بقاء الملك.

____________

(1) وسائل الشيعة 16- 105.

42

889- مفتاح [ما يحصل به الانعتاق]

الانعتاق كما يحصل بملك القريب و بالعوارض، كذلك يحصل بمباشرة العتق منجزة، و بالسراية، و بالتدبير و هو تعليقه بالموت، و بالكتابة و هي تعليقة بأجل معلوم بعوض معلوم، و نبين ذلك كله في كتاب العطايا و المروات إنشاء اللّه.

و من ضرب مملوكه فوق الحد كفر بعتقه للنص، و في وجوبه و استحبابه قولان.

890- مفتاح [حكم من ملك الام مع طفله]

إذا ملك الطفل مع أمه أو أحد قرابته المشفقة عليه، فلا يجوز له أن يفرق بينهما، الا مع رضى (1) الطفل، للنهي عنه في النصوص المستفيضة، منها الصحيح: في الرجل يشتري الجارية أو الغلام و له أخ أو أخت أو أب أو أم بمصر من الأمصار. فقال: لا تخرجه من مصر الى مصر آخر ان كان صغيرا و لا تشتره، و ان كانت له أم و طابت نفسها و نفسه فاشتره (2). و منها: من فرق بين والدة و ولدها فرق اللّه بينه و بين أحبته (3).

و قيل: يكره ذلك، و قيل: يختص بالأم، و قيل فيه غير ذلك، و المعتمد ما قلناه.

____________

(1) و في نسخة: رضائهما.

(2) الوافي 3- 215 أبواب الولادات.

(3) الوافي 3- 215 أبواب الولادات.

43

891- مفتاح [ان العبد لا يملك]

المشهور أن العبد لا يملك، لظاهر قوله تعالى لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ (1) و قيل:

يملك للروايات المستفيضة، و منها الصحيح، و حملت على اباحة تصرفه فيما يأذن له المولى فيه من فاضل الضريبة و أرش الجناية. و إذا ملك نصف (2) نفسه كان كسبه بينه و بين مولاه.

و لو طلب أحدهما المهاياة قيل: أجبر الممتنع، لأنها طريق الجمع بين الحقين، و وسيلة إلى قطع التنازع و لا ضرر فيها، و يؤيده الخبر و ان لم يدل على التعيين، و قيل: لا يجبر لان ذلك قسمة يتوقف على التراضي، و على الأول يكفي المهاياة اليومية و لا يجب الأزيد.

892- مفتاح [وجوب الإنفاق على الرقيق و البهيمة]

يجب الإنفاق على ما يملكه من رقيق و بهيمة بالنص و الإجماع، و لو كان كسوبا تخير بين الإنفاق عليه من ماله و أخذ كسبه، و بين اتكال نفقته على الكسب، فان لم يف فالباقي على السيد.

و يجوز المخارجة معه، بأن يضرب عليه ضريبة و يجعل الفاضل له، و لا يجوز له أن يضرب عليه ما قصر كسبه عنه، و لا ما لا يفضل معه قدر نفقته إلا إذا قام به المولى.

____________

(1) سورة النحل: 75.

(2) و في نسخة: بعضه.

44

و لا تقدير لهذه النفقة، بل الواجب قدر الكفاية من طعام و أدام و كسوة، و يرجع في جنس ذلك الى عادة مماليك أمثال السيد من أهل بلده، و في البهيمة ما يحتاج إليه، فإن اجتزأت بالرعي و الا علفها، و ان كان لها ولد و فر عليه من لبنها قدر كفايته، و لو اجتزأ بغيره من رعي أو علف، جاز أخذ اللبن.

و هذا الوجوب مطرد في كل حيوان، فان للروح لحرمة، و في الحديث «عذبت امرأة في هرة أمسكتها حتى ماتت من الجوع، فلم تكن تطعمها و لا ترسلها لتأكل من حشاش [1] الأرض».

و من امتنع عن الإنفاق على المملوك و الدابة، أجبره الحاكم عليه أو على بيعه أو ذبحه ان كان يقصد به الذبح أو التخلية، فان لم يفعل ناب الحاكم عنه في ذلك ما يراه و يقتضيه الحال.

893- مفتاح [ما يستحب مراعاته في الرقيق]

يستحب المماثلة مع الرقيق فيما يأكل و يلبس، و أن يجلسه معه على المائدة و يطعمه ما يطعم، سيما إذا كان هو الذي يعالج طعامه، فان لم يفعل فينبغي أن يعطيه منه و لو لقمة للنصوص، قيل: بوجوب أحد الأمرين تخييرا، مع كون الاجلاس أفضل، عملا بظاهر الأمر.

و ينبغي التسوية بين المماليك، مع اتفاقهم في الجنس، و له تفضيل ذوات الجمال من الإماء و السراري و لا يعذب و لا يضرب غضبا، و لا على زلة و نسيان، و لا يزيد على ثلاث فإنه قصاص يوم القيامة، و في الخبر «اعف عنه سبعين مرة، لمن قال: كم أعفو» (1).

____________

[1] و في نسخة: خشاش بالخاء المعجمة بمعنى حشرات الأرض.

____________

(1) وسائل الشيعة 8- 519.

45

و يعتق ان طالت المدة، فإنه سبب عتقه من النار، و في الخبر «من كان مؤمنا فقد عتق بعد سبع سنين أعتقه صاحبه أم لم يعتقه، و لا يحل خدمة من كان مؤمنا بعد سبع سنين» (1) و في آخر «إذا أتى المملوك قيمة ثمنه بعد سبع سنين فعليه أن يقيله» (2).

و لا يهزأ معه فهو مسقط الوقار، و لا يكلفه ما لا يطيق، و لا الاعمال الشاقة إلا في بعض الأوقات المعتادة لها، و إذا عمل بالنهار أراحه بالليل و بالعكس، و يريحه في أيام الصيف وقت القيلولة. و يتبع في جميع ذلك العادة الغالبة، و في الخبر المشهور «كلكم راع و كلكم مسئول عن رعيته» [1].

و يستحب أن يأخذ بناصية المشتري و يدعو بالبركة و بالمأثور، و يذيقه الحلواء أولا، و أن لا يريه ثمنه، و يتصدق عنه بأربعة دراهم، و يغير اسمه كل ذلك للنص، و على المملوك أن يغتنم أيام الرق، فإن الحسنة فيها بعشرين كما ورد، و إذا أكره صاحبه فبيعه أحب للنص.

894- مفتاح [نفقات الحيوانات و حكم الأرضين]

يجب القيام بكفاية ديدان القز من ورق التوت، و حفظها من التلف و ان عز الورق، الى أن يجيء وقت تجفيف جوزها ليحصل فائدتها.

و ان يبقى للنحل شيئا من العسل في الكوارة، يكفيها عادة لو احتاجت اليه.

و ما لا روح فيه من الأموال كالعقار، فلا يجب القيام بعمارته، و لا زراعة

____________

[1] خبر مشهور مروي عن الفريقين.

____________

(1) وسائل الشيعة 16- 36.

(2) وسائل الشيعة 16- 37.

46

الأرض، لكن يكره تركه إذا أدى الى الخراب.

و في وجوب سقي الزرع و الشجر و حرثه مع الإمكان قولان: أشهر هما العدم و هو الأظهر.

الباب الثاني (في أحكام سائر المكاسب و ما يلحق بها)

القول في البيع و الربا

قال اللّه عز و جل «وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا» (1).

895- مفتاح [اشتراط الكمال في المتبايعين]

اباحة البيع من ضروريات الدين، و لكن له شروط كثيرة في طرفيه و عوضيه و كيفيته. فيشترط في المتبايعين البلوغ و العقل و الرشد و المالكية، أو ما يقوم مقامها كالوكالة و الولاية و الوصاية، فلا يجوز بيع الصبي و لا المجنون و لا المغمى عليه و لا السكران و لا السفيه و لا الفضولي و لا شراؤهم، سواء في الصبي المميز و غيره أذن له المولى أولا، و كذا المجنون.

و للشيخ قول بجواز بيع الصبي إذا بلغ عشرا عاقلا، و منهم من جوز بيعه للاختبار، و الأظهر جواز بيعه و شرائه فيما جرت به منه في الشيء الدون، دفعا للحرج في بعض الأحيان، و كذا فيما كان فيه بمنزلة الإله لمن له الأهلية، قيل: و لا عبرة برضاهم بعد العقد، إذ لا قصد لهم و لا أهلية، سوى الفضولي

____________

(1) سورة البقرة: 275.

47

فإنه لو أجاز المالك أو وليه صح عند الأكثر، لوجود المقتضي و رفع المانع بالاذن، و لخبر البارقي العامي، و للمنع أيضا أخبار عامية، الا أن ما للجواز أشهر و أدل، و لو لم يجز المالك يرجع في عين ماله و نمائها متصلا و منفصلا، و عوض منافعها المستوفاة و غيرها، و قيمة التالف من ذلك أو مثله على المشتري ثم يرجع بذلك كله على البائع، إذا لم يكن عالما أنه لغير البائع، أو ادعى البائع الاذن، و الا لم يرجع بما اغترم.

و هل يرجع بالثمن؟ المشهور لا، لانه دفعه اليه و سلطه عليه مع علمه بعدم استحقاقه له، فيكون بمنزلة الإباحة، و قيده الشهيد الثاني بما إذا تلف، أما مع بقائه فله الرجوع، لانه ماله و هو مسلط عليه بمقتضى النص، و لم يحصل منه ما يوجب نقله عن ملكه، لأنه إنما دفعه عوضا عن شيء لا يسلم له لا مجانا، قال: بل يحتمل الرجوع مطلقا، وفاقا للمحقق في بعض فتاويه، لتحريم تصرف البائع فيه، لأنه أكل مال بالباطل فيكون مضمونا عليه، و لو لا ادعاء العلامة الإجماع على عدم الرجوع مع التلف لكان في غاية القوة. و هو حسن.

و يكفي في المتبايعين المغايرة الاعتبارية، فيجوز أن يتولى الواحد طرفي العقد، سواء كان وليا أو وصيا أو وكيلا.

896- مفتاح [اشتراط التراضي بين المتبايعين و الصيغة بينهما]

و يشترط فيهما التراضي، فلا يصح بيع المكره بغير حق، الا أن يرضى بعد ذلك، لقوله تعالى إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ (1) و في الخبر:

____________

(1) سورة النساء: 29.

48

«من اشترى طعام قوم و هم له كارهون قص لهم من لحمه يوم القيامة».

أما المكره بحق كمن توجه عليه بيع ماله، لوفاء دين عليه أو شراء مال أسلم إليه فيه، فأكرهه الحاكم عليه أو نحو ذلك، فيصح بلا خلاف.

و الظاهر أن مجرد التراضي و التقابض كاف في صحة البيع، بشرط أن يكون هناك قرينة تدل على كونه بيعا، بحيث يرتفع الاشتباه و لا يبقى لهما مجال التنازع في ذلك، و هو قد يحصل بلفظ من الطرفين يدل عليه، كبعت أو ملكت أو نحو ذلك في الإيجاب، و اشتريت و قبلت و نحوهما في القبول.

و قد يحصل بغير ذلك، كالفعل باليد أخذا و تسليما مع القرائن، وفاقا لشيخنا المفيد- طاب ثراه- لإطلاق النصوص من الكتاب و السنة، الدالة على حل البيع و انعقاده من غير تقييد بصيغة خاصة، مع عدم دليل آخر عليه.

و تكليف فهمه من لفظ البيع من قبيل الألغاز و التعمية الغير اللائق بالشارع و اللفظ لم يكن سببا للنقل بعينه بل لدلالته، و الفعل أيضا دال على المقصود دلالة مستمرة في العادة، فانضم اليه مسيس الحاجة، و سيرة الأولين، فإن المشتري كان يجيء إلى بياع الحنطة و يقول له: بكم تبيع منا منها؟ فيقول: بدرهم، فيعطيه الدرهم فيأخذ منا من غير لفظ آخر يجري بينهما، و قد يكون السعر معهودا بينهما، فلا يحتاج إلى السؤال و الجواب أيضا، فإن مثل هذا الفعل صريح في البيع لا يحتمل غيره، خصوصا إذا كان البائع إنما جلس في دكانه للبيع، لا للهبة و الإجارة و الإيداع و غير ذلك، و الاحتمال البعيد لا يقدح في مثله فإنه وارد في اللفظ أيضا.

هذا مع اطراد جميع العادات لقبول الهدايا من غير إيجاب و قبول لفظيين مع التصرف فيها، و أي فرق بين أن يكون فيه عوض أولا، إذا لم يرد به الشرع إذ الملك لا بد من نقله في الهبة أيضا.

49

و كذلك القول في سائر العقود، خلافا للمشهور بل كاد أن يكون إجماعا حيث أوجبوا في العقود جميعا لفظا دالا على الإيجاب، و آخر على القبول بصيغة الماضي فيهما، لأنهما أقرب الى الإنشاء المقصود فيهما، حيث دل على وقوع مدلوله في الماضي، فإذا لم يكن ذلك هو المقصود كان وقوعه الان حاصلا في ضمن ذلك الخبر، بخلاف المستقبل المحتمل للوعد و الأمر الغير المقتضي إنشاء البيع من جانب الأمر.

و منهم من أوجب قصد الإنشاء به، و منهم من أوجب وقوعهما بالعربية إلا لمن شق له تعلمها، و منهم من أوجب تقديم الإيجاب على القبول، و منهم من أوجب مطابقتهما، و منهم من اشترط غير ذلك. و على ما قالوه لو وقع الاتفاق بين المتبايعين، و عرف كل منهما رضى الأخر بما يصير اليه من العوض المعين، الجامع لشرائط البيع غير اللفظ المخصوص، لم يفد اللزوم، لكن هل يفيد اباحة تصرف كل منهما فيما صار من العوض، نظرا إلى اذن كل منهما للآخر في التصرف، و ان جاز له الرجوع ما دامت العين باقية، أم يكون بيعا فاسدا من حيث اختلال شرط و هو الصيغة الخاصة؟ المشهور الأول، و العلامة و جماعة على الثاني.

و الأحوط الإتيان بالقول الصريح فيما له خطر، و لا سيما مع اعتضاده بأصالة بقاء ملكية كل واحد لماله الى أن يعلم الناقل، و تمام الكلام فيه يطلب من كتابنا الكبير.

897- مفتاح [اشتراط الإسلام في المشتري للمسلم]

و يشترط في المشتري للمسلم الإسلام، لانتفاء السبيل للكافر عليه بنص

50

الكتاب، و قيل: يجوز و يجبر على بيعه، و ليس بشيء لأن الجبر لا ينفي أصل السبيل.

نعم إذا كان ممن ينعتق عليه صح العقد، لانتفاء السبيل بالعتق، خلافا لبعضهم قالوا: و في حكم العبد المسلم المصحف و أبعاضه.

898- مفتاح [اشتراط العينية و ذوي نفع محلل في العوضين]

و يشترط في العوضين أن يكونا عينا، فلا يصح بيع المنفعة، خلافا للمبسوط في خدمة العبد، و هو شاذ.

و أن يكونا ذوي نفع محلل مقصود للعقلاء، فلا يصح بيع ما لا منفعة مشروعة فيه، كالميتة و أجزائها بلا خلاف، بل أطلقوا المنع من بيع الأعيان النجسة و المائعات المتنجسة مما لا يقبل التطهير، لاستخباثها و نجاستها، سوى كلب الصيد لمنفعة الاصطياد، و الأدهان لفائدة الاستصباح، و للنص فيهما. و خص الشيخ الكلب بالسلوقي، و منهم من جوز بيع كلب الماشية و الزرع و الحائط أيضا، لمشاركتها كلب الصيد في المعنى المسوغ لبيعه.

و كذلك أطلقوا المنع من بيع المسوخات، بناء على عدم وقوع الذكاة عليها، سوى الفيل عند بعضهم للنص فيه، و من بيع الضفادع و السلاحف و السباع كلها، سوى الهر للنص فيه، و الفهد على رأي لصلاحيته للصيد.

و منهم من استثنى سباع الطير أيضا، و في الصحيح «عن الفهود و سباع الطير هل يلتمس التجارة فيها؟ قال: نعم» (1).

و قيل: بجواز بيع السباع كلها، تبعا للانتفاع بجلودها و ريشها، لوقوع

____________

(1) وسائل الشيعة 12- 123.

51

الذكاة عليها، و كونها طاهرة منتفعا بها، و ورد النص في جلود النمر المدبوغة.

و منهم من منع من بيع الأرواث و الأبوال مطلقا، طاهرها و نجسها للاستخباث إلا بول الإبل للاستشفاء و للنص فيه، و الاخبار في العذرة مع ضعفها مختلفة.

و منهم من أطلق المنع من بيع كل ما قصد به محرم كآلات اللهو، و ان أمكن الانتفاع به في غير الوجه المحرم، لندوره و عدم انقداح النادر، و كذا هياكل العبادة المبتدعة كالصليب و الصنم، و في الحسن «عن رجل له خشب فباعه ممن يتخذ منه برابط. فقال: لا بأس به» (1) «و عن رجل له خشب فباعه ممن يتخذه صلبانا. فقال: لا» و في الخبر «لا يصلح لباس الحرير و الديباج فأما بيعه فلا بأس» (2).

و المعتمد عندي جواز بيع كل ماله نفع محلل مقصود للعقلاء، وفاقا الا ما ثبت الإجماع المعتبر على خلافه، للأصل و عموم «وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ» و عدم دليل على المنع يعتد به، فإن النجاسة و الاستخباث لا يصلحان للمنع، و لحديث «كل شيء مطلق حتى ورد فيه نهي» و لظاهر النصوص في المستثنيات المذكورة فإن الجواز فيها ليس الا للانتفاع المحلل كما لا يخفى، و انما خصت لخصوص السؤال.

899- مفتاح [اشتراط المملوكية و تمامها في العوضين]

و يشترط فيهما المملوكية و تمامها، فلا يصح بيع مالا يملك كالحر مثلا بالاتفاق، و لا ما يشترك فيه المسلمون، كالكلاء و الماء قبل حيازتهما، و السموك

____________

(1) وسائل الشيعة 12- 127.

(2) وسائل الشيعة 12- 225.

52

و الوحوش قبل اصطيادهما إذا كانت في مباح.

و لا الوقف، لعدم تمامية ملكه، الا ما دل عليه الصحيح من جواز بيعه مع اختلاف أصحابه، معللا بأنه ربما جاء في الاختلاف تلف الأموال و النفوس، و قيل: انما يجوز مع خشية خرابه، و في رواية «إذا احتاجوا و لم يكفهم ما يخرج من الغلة و رضوا كلهم و كان البيع خيرا لهم باعوا» و عمل بها بعضهم و في سندها جهالة.

و منهم من ألحق بذلك ما لو خرب و تعطل و لم يبق فيه نفع على ذلك الوجه أصلا، و استحسنه الشهيد الثاني، لفوات مقصود الوقف حينئذ، من تحبيس الأصل و تسبيل المنفعة، كما لو خلق حصير المسجد أو جذعه، بحيث لا يصلحان للانتفاع، فيباع للوقود و نحوه، و هو حسن.

و في المسألة أقوال أخر مدلولة، و دليل المنع عام، و حيث يجوز بيعه قيل:

يشترى بثمنه ما يكون وقفا على ذلك الوجه ان أمكن، و يجب تحصيل الأقرب الى صفته فالأقرب.

و يجرى مجراه بيع أم الولد ما دام ولدها حيا، فلا يجوز إلا في ثمن رقبتها مع إعسار مولاها على المشهور للصحيح و غيره، و اشترط بعضهم موت المالك كما هو منطوقة، و ألحق بعضهم مواضع أخر: كبيعها إذا مات قريبها لتعتق و ترث، و على من تنعق عليه و بشرط العتق على رأي، و إذا جنب على غير المولى ليدفع ثمنها أو رقبتها في الجناية، و إذا كان علوقها بعد الارتهان أو بعد الإفلاس و إذا عجز عن نفقتها.

و إذا مات و لم يخلف سواها و عليه دين مستغرق، إذ لا يتصور عتقها حينئذ و في كفنه إذا لم يخلف سواها، و إذا أسلمت قبل مولاها الكافر، و إذا كان ولدها غير وارث.