نهاية الإحكام في معرفة الأحكام - ج2

- العلامة الحلي المزيد...
568 /
7

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

المقصد الثالث في باقي الصلوات

و فيه فصول

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

الفصل الأول (في صلاة الجمعة)

و فيه مطالب:

المطلب الأول (في الشرائط)

و يزيد الجمعة على الشرائط في اليومية بأمور ستة: الأول الوقت. الثاني السلطان. الثالث العدد. الرابع الجماعة. الخامس الوحدة. السادس الخطبتان. فهنا مباحث:

البحث الأول (في الوقت)

الجمعة واجبة بالنص و الإجماع، قال اللّٰه تعالى فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ (1) و قال (عليه السلام) في خطبة: اعلموا أن اللّٰه قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا، فمن تركها في حياتي أو بعد موتي و له إمام عادل استخفافا بها أو جحودا بها، فلا جمع اللّٰه شملهم و لا بارك اللّٰه له في أمره، ألا و لا صلاة له، ألا و لا زكاة له، ألا و لا حج له، ألا و لا صوم

____________

(1) سورة الجمعة: 9.

10

له، ألا و لا بر له حتى يتوب، فإن تاب تاب اللّٰه عليه (1).

و قال الباقر (عليه السلام): فرض اللّٰه على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسا و ثلاثين صلاة، منها صلاة واحدة فرضها اللّٰه عز و جل في جماعة، و هي الجمعة، و وضعها عن تسعة الحديث (2).

و أجمع المسلمون كافة على وجوب صلاة الجمعة على الأعيان، لقوله (عليه السلام): الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض (3).

و لا خلاف في أن الجمعة كسائر الفرائض في الأركان و الشرائط، لكنها تختص بأمور زائدة، منها ما هو شرط في صحتها، و منها شروط زائدة في لزومها، و منها آداب و وظائف، و قدم الشرائط لتقدمها طبعا، و هي ستة:

الأول الوقت. الثاني السلطان. الثالث العدد. الرابع الخطبتان. الخامس الجماعة. السادس الوحدة.

أما الوقت: فلا خلاف في اشتراطه، فلا مدخل للقضاء في الجمعة على صورتها إجماعا، بخلاف سائر الصلوات، فإن الوقت ليس شرطا لها، و إنما هو شرط في إيقاعها أداء.

و أول وقتها زوال الشمس كالظهر على الأصح، لأن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) كان يصلي الجمعة بعد الزوال، و قال: صلوا كما رأيتموني أصلي (4).

و قال الصادق (عليه السلام): كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) يصلي الجمعة حين زوال الشمس قدر شراك (5). و لأنها بدل عن عبادة فلا يحسب قبل وقتها كالتيمم.

____________

(1) وسائل الشيعة 5- 7 ح 38، سنن ابن ماجة 1- 343.

(2) وسائل الشيعة 5- 6 ح 19.

(3) وسائل الشيعة 5- 6 ح 24.

(4) جامع الأصول 6- 374.

(5) وسائل الشيعة 5- 18 و 30.

11

و قال المرتضى: يجوز أن يصلي الفرض عند قيام الشمس يوم الجمعة خاصة.

و آخر وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله، لأنه (عليه السلام) كان يصلي دائما بعد الزوال بلا فصل. فلو جاز التأخير لفعله في بعض الأوقات للبيان، كغيرها من الصلوات.

و ليس بقاء الوقت شرطا، فلو انعقدت الجمعة و تلبس بالصلاة- و لو بالتكبير- فخرج الوقت قبل إكمالها أتمها جمعة، إماما كان أو مأموما، لأنه دخل فيها في وقتها، فوجب إتمامها كسائر الصلوات، و لأن الوجوب يتحقق باستكمال الشرائط، فلا يسقط مع التلبس بفوات البعض كالجماعة.

فروع:

الأول: لو أدرك المسبوق ركعة مع الإمام، صحت له الجمعة إن كان تكبيرة افتتاحه وقعت في الوقت، ثم يقوم لتدارك الثانية و إن كان الوقت خارجا.

الثاني: لو غفلوا عن الصلاة حتى ضاق الوقت، فإن علم الإمام اتساعه لخطبتين خفيفتين و ركعتين خفيفتين، وجبت الجمعة، و كذا لو أدرك مع الخطبتين ركعة واحدة، بل تكبيرة الإحرام لا غير معهما، صحت الجمعة عندنا.

الثالث: يستحب تعجيل الجمعة كغيرها من الصلوات.

الرابع: فرض الوقت للجمعة [1]، و هي قائمة بنفسها، ليست ظهرا مقصورة، فليس له إسقاط الجمعة بالظهر، لأنه مأمور بالجمعة، فيكون منهيا عن الظهر فلا تقع عن الواجب، و لقوله (عليه السلام): كتب عليكم الجمعة فريضة واجبة إلى يوم القيامة (1).

____________

[1] في «ق» الجمعة.

____________

(1) وسائل الشيعة 5- 6 ح 22.

12

الخامس: لو فاتت الجمعة صلى الظهر أربعا بنية الأداء إن كان وقت الظهر باقيا، و إن خرج الوقت صلى أربعا بنية قضاء الظهر لا الجمعة، لأنه مع خروج وقت الجمعة تسقط الجمعة و يجب الظهر أداء، لسعة وقت الظهر و إمكان فوات الجمعة مع بقائه، فيكون الفائت بعد فوات الجمعة هو الظهر، لانتقال الوجوب إليه.

و لو فاتته الجمعة بعد انعقادها، بأن زوحم و خرج الوقت قبل إدراك ركعة مع الإمام، استأنف الظهر و لا يبني على الجمعة، لتغاير الفرضين.

السادس: لو صلى المكلف بالجمعة الظهر قبل أن يصلي الإمام الجمعة، لم تصح صلاته و يجب عليه السعي إلى الجمعة، فإن صلاها برئت ذمته، و إلا أعاد الظهر، لأن ما فعله أولا لم يكن واجبا عليه.

و لا فرق في صحة الظهر المفعولة بعد فوات الجمعة بين أن يكون قد ترك الجمعة عمدا أو لضرورة.

و لو صلى الظهر و شك هل صلى قبل صلاة الإمام أو بعدها؟ فالأصل البقاء.

و لو صلى الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة، فإن علم أنه يفوته إدراكها، صحت صلاته و إلا فلا. و فوات الجمعة برفع الإمام رأسه من ركوع الثانية.

السابع: من لا تجب عليه الجمعة- كالمسافر و العبد- له أن يصلي الظهر قبل صلاة الإمام و معه و بعده، و إن جاز أن يصلي جمعة، لأن الجمعة غير واجبة عليه، فصح منه الظهر في أوله كالبعيد. و لا يستحب له تأخير ظهره حتى يفرغ الإمام، لأن فرضه الظهر، فيستحب تقديمها.

فإذا حضر أصحاب الأعذار الجمعة وجبت عليهم، و سقط عنهم فرض الوقت، لأنها سقطت عنهم لعذر تخفيفا، و وجبت على أهل الكمال، لانتفاء المشقة في حقهم، فإذا حضروا سقطت المشقة المبيحة للترك.

13

و لو صلوا الظهر في منازلهم ثم حضروا الجمعة، لم تبطل ظهرهم، سواء زال عذرهم أو لا.

و يستحب الجماعة لمن فاتته الجمعة في الظهر، و كذا لأصحاب الأعذار، لعموم قوله (عليه السلام): صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمسة و عشرين درجة (1).

و يستحب لذوي الأعذار السعي إلى الجمعة و إن صلوا الظهر، طلبا لفضيلة الجماعة، كما يستحب في الظهر.

و يحرم إنشاء السفر لمن وجبت عليه الجمعة و اشتملت الشرائط فيه بعد الزوال قبل الصلاة، لقوله (عليه السلام): من سافر من دار إقامته يوم الجمعة دعت عليه الملائكة لا يصحب في سفره، و لا يعان على حاجته (2). و لأنه مخاطب بالسعي، فلا يجوز العدول عنه، و سواء كان لأجل الجهاد أو لغيره.

أما [1] مع الضرورة، كخائف فوات الصحبة مع ضرورته إليها، و الخوف على النفس، أو المرض، أو المال، أو على من يجري مجراه من ولد و رفيق و حيوان محترم، يجوز له ترك الجمعة للمشقة.

و يجوز السفر قبل الزوال. و يكره بعد الفجر.

البحث الثاني (السلطان)

و يشترط في وجوب الجمعة السلطان أو نائبه، عند علمائنا أجمع، لأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) كان يعين لإقامة الجماعة، و كذا الخلفاء بعده، كما عين للقضاء. و كما لا يصح أن ينصب الإنسان نفسه قاضيا من دون إذن الإمام، فكذا إمام الجمعة.

____________

[1] في «ق» إلا.

____________

(1) وسائل الشيعة 5- 371 ح 1.

(2) وسائل الشيعة 5- 86 ما يشبه ذلك.

14

و لرواية محمد بن مسلم قال: لا تجب الجمعة على أقل من سبعة:

الإمام، و قاضيه، و مدعي حقا، و مدعى عليه، و شاهدان، و من يضرب الحدود بين يدي الإمام (1).

و السلطان عندنا هو الإمام المعصوم، فلا تصح الجمعة إلا معه، أو مع من يأذن له. هذا في حال ظهوره.

أما في حال الغيبة فالأقوى أنه يجوز لفقهاء المؤمنين إقامتها، لقول زرارة: حثنا الصادق (عليه السلام) على صلاة الجمعة حتى ظننت أنه يريد أن نأتيه، فقلت: نغدوا عليك، فقال: لا إنما عنيت عندكم (2). و قال الباقر (عليه السلام) لعبد الملك: مثلك يهلك و لم يصل فريضة فرضها اللّٰه، قلت:

كيف أصنع؟ قال: صلوا جماعة. يعني صلاة الجمعة (3).

و منع جماعة من أصحابنا ذلك، لفقد الشرط، و الباقر و الصادق (عليهما السلام) لما أذنا لزرارة و عبد الملك جاز لوجود المقتضي، و هو إذن الإمام.

و يشترط في نائب الإمام أمور:

الأول: العدالة، لأن الاجتماع مظنة التنازع، و الحكمة تقتضي عدمه، و إنما يحصل بالسلطان، و مع فسقه لا يزول لتبعية أفعاله قوته الشهوية، و لأنه ليس محلا للأمانة فلا يصلح للإمامة، لجواز أن يصلي صلاة باطلة، و لقوله تعالى «وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (4) و الايتمام ركون إليه.

و لقوله (عليه السلام): لا تؤمن امرأة رجلا و لا فاجر مؤمنا (5). و سئل الرضا (عليه السلام) رجل يقارف الذنوب و هو عارف بهذا الأمر أصلي خلفه؟

قال: لا (6).

____________

(1) وسائل الشيعة 5- 9 ح 9.

(2) وسائل الشيعة 5- 12 ح 1.

(3) وسائل الشيعة 5- 12 ح 2.

(4) سورة هود: 113.

(5) وسائل الشيعة 5- 392 مع تفاوت.

(6) وسائل الشيعة 5- 393 ح 10.

15

الثاني: البلوغ شرط، فلا تصح إمامة الصبي، لعدم التكليف في حقه، و لأنه إن لم يكن مميزا لم يعتد بفعله، و إلا عرف بترك المؤاخذة على فعله، فلا يؤمن ترك واجب أو فعل محرم، و لأن العدالة شرط و هي منوطة به.

الثالث: العقل، لعدم الاعتداد بفعل المجنون. و لو كان يعتوره فكذلك، لجواز أن يحصل له حالة إمامته.

الرابع: الذكورة، فلا تصح إمامة المرأة و لا الخنثى.

الخامس: الحرية، و الأقوى اشتراطها، لأنها من المناصب الجليلة فلا يليق بالعبد، و لأن العبد لا تجب عليه، فلا يكون إماما كالصبي.

السادس: طهارة المولد، فلا تصح إمامة ولد الزنا، لنقصه، فلا يناط به المناصب الجليلة.

السابع: السلامة من الجذام و البرص و العمى، لقول الصادق (عليه السلام) خمسة لا يؤمون الناس على كل حال: المجذوم، و الأبرص، و المجنون، و ولد الزنا، و الأعرابي (1). و أما الأعمى فلأنه لا يتمكن من التحرز عن النجاسات غالبا.

فروع:

الأول: لو خفي فسق الإمام، ثم ظهر بعد الصلاة، أجزأ للامتثال.

و كذا لو ظهر كفره، سواء كان مما يخفى كالزندقة أو لا كالتهود و التنصر.

و لو شك في إسلامه، لم تنعقد صلاته، لأن ظهور العدالة شرط و هو منتف مع الشك. و كذا لو بان كونه جنبا أو محدثا، و يحتمل البطلان إن لم يتم العدد إلا به، لأن الجماعة شرط، و إنما يرتبط بالإمام، فإذا بان أن الإمام لم يكن مصليا بان أنه لا جماعة، و أن أحد شروط الجمعة قد فات، بخلاف سائر

____________

(1) وسائل الشيعة 5- 397 ح 1.

16

الصلوات، لأن الجماعة ليست شرطا، و غايته أن يصلي منفردا. و يشكل بأن حدث الإمام لا يمنع صحة الجماعة، و ثبوت حكمها في حق المأموم الجاهل بحاله.

الثاني: المخالف في فروع الفقه مع اعتقاد الحق، لا يمنع الإمامة. و لو اعتقد المجتهد شيئا من الفروع و فعل ضده مع بقاء اعتقاده قدح في عدالته.

و كذا المقلد إذا أفتاه العالم. أما لو عدل من عالم إلى أعلم أو مساو، لم يقدح في عدالته.

الثالث: لو حضر إمام الأصل، لم يأمّ غيره إلا مع العذر إجماعا، لتوقف الايتمام على إذنه، فليس لغيره التقدم عليه، و كذا نائب الإمام، و لقول علي (عليه السلام): إذا قدم الخليفة مصرا من الأمصار جمع بالناس، ليس ذلك لأحد غيره (1).

الرابع: لا يشترط في الإمام أن يكون ممن يجب عليه الجمعة، فللمسافر أن يكون إماما مع الإذن، لأنه ممن تصح منه الجمعة، فكان إماما كالحاضر.

و هل يصح أن يكون متنفلا؟ كمسافر صلى الظهر ثم حضر، إشكال، ينشأ: من أنه لا بد في العدد المشروط، من أن يكونوا مصلين فرض الجمعة فكذا الإمام، و من جواز اقتداء المفترض بالمتنقل في صورة المصلي ثانيا. أما لو صلى الصبح قضاء، أو غيرها من الفرائض، فالأقوى صحة الايتمام به، لأنها صلاة فرض فأشبهت الجمعة كغيرها من الفرائض.

الخامس: لو قام إمام الجمعة إلى ركعة ثالثة سهوا، فاقتدى به إنسان و أدرك جميع الركعة، لم يحسب له، لأنها غير محسوبة للإمام، و الزيادة يمكن الاطلاع عليها بالمشاهدة و إخبار الغير، فلا تجزيه، كما لو اقتدى بالمرأة، بخلاف الحدث، فلا ينعقد له بها جمعة و لا ظهر.

السادس: لو لم يدرك مع الإمام المحدث إلا ركوع الثانية، احتمل أن

____________

(1) وسائل الشيعة 5- 36 ح 1 ب 20

17

يكون مدركا للجمعة، لأنه لو أدرك كل الركعة لكانت محسوبة له، فكذا إذا أدرك ركوعها، كالركعة المحسوبة للإمام، و الأقوى عدم الإدراك، لأن الحكم بإدراك ما قبل الركوع بإدراك الركوع خلاف الحقيقة، إنما يصار إليه إذا كان الركوع محسوبا من صلاة الإمام ليتحمل به، فأما غير المحسوب فلا يصلح للتحمل عن الغير.

بخلاف ما لو أدرك الركعة بكمالها، لأنه قد فعلها بنفسه، فتصح على وجه الانفراد إن تعذر تصحيحها على وجه الجماعة، و هنا لا يمكن التصحيح على سبيل الانفراد، فإن الركوع لا يبتدأ به.

السابع: إذا أحدث الإمام في صلاة الجمعة أو غيرها من الفرائض، أو خرج بسبب آخر، جاز أن يستخلف غيره ليتم بهم الصلاة، لأن النبي (عليه السلام) خرج فأتم الصلاة التي ابتدأ بها أبو بكر. و قول علي (عليه السلام): من وجد أذى، فليأخذ بيد رجل فليقدمه (1). يعني إذا كان إماما، و لأن صلاة المأموم لا تبطل ببطلان صلاة الإمام، فإذا قدم من يصلح للإمامة كان كما لو أتمها، فلا ينفك المأموم من الجماعة و العمل بالفضيلة فيها.

و لا فرق في جواز الاستخلاف بين ما إذا أحدث الإمام بعد الخطبتين قبل التحريم و بعدها، فإذا استخلف صلى بهم من غير خطبة، لخروج العهدة عنها بفعلها أولا.

و لو أحدث بعد التحريمة، استخلف سواء صلى ركعة أولا، و أتمها جمعة.

و إنما يستخلف من هو بشرط الإمامة. و لا يشترط فيه سماعه للخطبة و لا الإحرام مع الإمام للرواية. و لو لم يستنب الإمام، أو مات، أو أغمي عليه، فإن كان بعد ركعة استناب المأمومون، و للواحد منهم أن يتقدم، لأن الإمام قد خرج و المأمومون في الصلاة، و هي جمعة انعقدت صحيحة بإذن الإمام فيتمونها جمعة. و لا يفتقر إلى إذن مستأنف.

____________

(1) وسائل الشيعة 4- 1345 ح 8.

18

و لو لم يستنيبوا أو بقي واحد و من لا يصلح للإمامة، أتموها جمعة فرادى.

و كذا لو كان قبل صلاة ركعة.

و لو تعمد الإمام الحدث فكالسهو فيه.

و هل يجب اتحاد الإمام و الخطيب؟ الأقرب المنع، لجواز تعدد الأئمة في صلب الصلاة، مع احتماله، لأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) تولاهما.

و لا يجب على المأمومين استئناف نية القدوة، لأنه خليفة الأول، و الغرض من الاستخلاف تنزيل الخليفة منزلة الأول. و يحتمل الوجوب، لوجوب تعيين الإمام في الابتداء.

و لو استناب المأمومون، لم تبطل صلاة المتلبس و أتم جمعة، و غيره كذلك على الأقوى، لأنها جمعة مشروعة.

و ينبغي أن يستخلف على قرب، و ليس شرطا. فلو قضوا ركنا فالأقرب جواز الاستخلاف إن جوزنا تجديد نية الاقتداء للمنفرد، و على المسبوق أن يراعي نظم صلاة الإمام، فيقعد في موضع قعوده، و يقوم في موضع قيامه، لأنه اقتدى به و التزم ترتيب صلاته، و لا يتابعه في القنوت بل يقف قائما، و لا في التشهد بل يقعد ساكتا. و إذا تمت صلاة المأمومين، قام الخليفة لتدارك ما عليه، فإن شاء المأمومون فارقوه و سلموا، و يستحب أن يشير إليهم بالتسليم.

و إن شاءوا صبروا جالسين ليسلموا معه.

و لو أحدث بين الخطبة و الصلاة، جاز أن يستخلف في الصلاة، لأن التعدد قد جاز في الصلاة، و هي عبادة واحدة، فهنا أولى. و كذا لو أحدث في أثناء الخطبة و شرطنا الطهارة.

و لو صلى مع الإمام ركعة من الجمعة، ثم فارقه لعذر، لم تبطل صلاته، و جاز له أن يتمها جمعة. و لو فارقه لا لعذر فإشكال.

و لو أتم الإمام و لم يتم المأمومون، بأن كانوا مسبوقين، و لم يستخلف الإمام

19

جاز لهم أن يستخلفوا كغير الجمعة. و كذا لو كانوا مقيمين و هو مسافر في إحدى الرباعيات.

البحث الثالث (العدد)

لا تنعقد الجماعة بالواحد، بل لا بد من العدد إجماعا، لأن تسميتها «جمعة» من الاجتماع المستلزم للتكثر، و لأن الإمام شرط و إنما يتحقق مسماه بالمأموم.

و الأقرب عندنا أن أقل عدد يجب معه الجمعة خمسة نفر الإمام أحدهم، لتوجه الخطاب بصيغة الجمع، و الاستيطان شرط و هو مظنة التنازع، فلا بد من حاكم يفصل بين المتنازعين فوجب الثالث، ثم لما اعتورت الحوادث للإنسان وجب أن يكون للحاكم نائب يقوم مقامه عند العوارض فوجب رابع، ثم لما كان التنازع مظنة الافتراء احتيج إلى من يستوفي الحدود بإذن الحاكم مباشرة فوجب خامس. فالأمور الضرورية التي لا بد من حصولها في الاجتماع خمسة نفر.

و لقول الباقر (عليه السلام): لا تكون الخطبة و الجمعة و صلاة ركعتين على أقل من خمسة رهط الإمام و أربعة (1).

و يشترط في العدد أمور:

الأول: الذكورة، فلا تنعقد بالنساء و لا بالرجال إذا كمل العدد بامرأة أو خنثى مشكل، أما الخنثى الملحق بالرجال فرجل.

الثاني: التكليف، فلا ينعقد بالصبي و إن كان مميزا، و لا بالمجنون و إن لم يكن مطبقا، إلا أن يكون وقت الإقامة مفيقا.

الثالث: الحرية، على الأقوى، فلا تنعقد بالعبد، قنا كان أو مدبرا أو

____________

(1) وسائل الشيعة 5- 7 ح 2.

20

مكاتبا أو أم ولد، لأنه لو انعقدت به لانعقدت بجماعتهم منفردين كالأحرار.

الرابع: الحضر، على الأقوى، فلا تنعقد بالمسافر، و هو الذي يجب عليه القصر. فلو وجب عليه التمام، كالعاصي بسفره، و من قصر سفره عن المسافة، و من يتكرر سفره كالملاح، و من نوى الإقامة في بلد الجمعة عشرة أيام، أو أقام أزيد من ثلاثين، وجبت عليه الجمعة، لأن السفر غير مؤثر في القصر، فلا يؤثر في إسقاط الجمعة.

الخامس: الإسلام، فلا تنعقد بالكافر إجماعا، و تنعقد بالفاسق بلا خلاف.

السادس: عدم العلم بحدث أحدهم، فلو أحدث أحدهم مع العلم به و العدد يتم به، لم تنعقد ما لم يتطهر. و لو لم يعلم، صحت الجمعة للمتطهرين. و كذا لو ظهر حدث أحدهم و كان جاهلا به، كواجد المني على الثوب المختص به، فإن الجمعة تصح لغيره، و يقضي هو الظهر.

و لا يشترط الصحة، و لا زوال الموانع من المطر و الخوف، فلو حضر المريض أو المحبوس بالمطر أو الخائف، وجبت عليهم و انعقدت بهم، لأن سقوطها عنهم لمشقة السعي، فإذا تكلفوه زالت المشقة، فزال مانع الوجوب و الانعقاد به.

و لا يشترط دوام العدد في الصلاة، فلو انعقدت بهم، ثم انفضوا أو ماتوا أو تجدد عذر كالحدث و غيره بعد تكبيرة الإحرام، لم تبطل الجمعة، بل يتمها الباقي جمعة ركعتين، لأن الأصل عدم اشتراط الاستدامة، و لأن الصلاة افتتحت جمعة.

و قال (عليه السلام): الصلاة على ما افتتحت عليه. و لأنهم انفضوا عن النبي (ص) و لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا، و فيهم نزلت وَ إِذٰا رَأَوْا تِجٰارَةً أَوْ لَهْواً (1) ثم إنه بنى على الصلاة و هو الرامي، و لأنهم شرطوا أربعين، لأن بقاء العدد عنده لا يتعلق باختياره، و في الابتداء يمكن تكليفه بأن لا يحرم حتى

____________

(1) سورة الجمعة: 11.

21

يحضروا، و الشيء قد يشترط في الابتداء دون الدوام كالنية.

فروع:

الأول: لا اعتبار بانفضاض الزائد على العدد إجماعا، لأنه ليس بشرط في الابتداء، فكذا في الاستدامة.

الثاني: العدد المعتبر في الصلاة معتبر في الكلمات الواجبة من الخطبة، لأن الخطبة ذكر واجب في الجمعة، فيشترط حضور العدد فيه كتكبيرة الإحرام.

فلو انفضوا قبل الخطبة، لم يخطب حتى يجتمع العدد و هو الخمسة عندنا.

و إن كان في أثناء الخطبة فالركن المأتي به في غيبتهم غير محسوب، بخلاف ما لو انفضوا في الصلاة. و الفرق أن كل مصل يصلي لنفسه، فجاز أن يتسامح في نقصان العدد في الصلاة، و في الخطبة الخطيب لا يخطب لنفسه، و إنما غرضه إسماع العدد و تذكرهم، فإذا خطب و لا مستمع، أو مع نقصان عدد المستمعين، فات مقصود الخطبة.

الثالث: لو عاد العدد بعد انفضاضهم في أثناء الخطبة بنى، لجواز البناء في الصلاة لمن سلم ناسيا، ففي الخطبة أولى، سواء طال الفصل أو قصر، لأن الغرض الوعظ و التذكر، و هو حاصل مع تفرق الكلمات.

الرابع: لو لم يعد الأولون و عاد عدد غيرهم، فالأقرب وجوب إعادة الخطبة، سواء طال الفصل أو لا.

و لو عاد الأولون و قد انفضوا بعد الفراغ من الخطبة صلى بهم، سواء طال الفصل أو لا، لأن الأقرب عدم اشتراط الموالاة بين الخطبة و الصلاة للأصل.

و يحتمل عدم الإعادة في الأول، لأنهم قد ينفضون ثانيا، فيعذر في ترك إعادتها.

الخامس: كما لا يشترط دوام العدد، كذا لا يشترط دوام الجماعة بعد التحريم، فلو تحرم بالعدد ثم انفضوا أو ماتوا كلهم، أتم هو الجمعة، لأن

22

الشروع وقع و الشروط موجودة، فلا يضر الانفراد بالعدد بعده.

و لا فرق بين أن ينفضوا قبل ركعة أو بعدها. و يحتمل اشتراط الركعة، فلو انفضوا قبلها فلا جمعة، و الأقوى حينئذ أن يصلوها ظهرا، لأنها صلاة صحيحة، فجاز العدول عنها إلى الواجبة.

و هل يشترط كمال الركعة؟ الأقرب ذلك، فلو انفضوا بعد الركوع و قبل السجود الثاني فلا جمعة. و يحتمل الاكتفاء بالركوع، لأنه كاف في إدراك الركعة للمسبوق، فكذا هنا.

البحث الرابع الجماعة)

الجماعة شرط في الجمعة، فلا تصح الانفراد بالجمعة و إن حصل العدد، بل لا بد من الارتباط الحاصل بين صلاتي الإمام و المأموم، لأنه (عليه السلام) لم يصلها إلا كذلك و قال: صلوا كما رأيتموني أصلي (1).

و لأن الجمعة صلاة تجمع الجماعات، و الغرض منها إقامة الشعار و إظهار اتفاق الكلمة، و بفوات الجماعة يفوت الغرض. و ما رواه زرارة قال: فرض اللّٰه من الجمعة إلى الجمعة خمسا و ثلاثين صلاة، واحدة فرضها اللّٰه في جماعة، و هي الجمعة (2).

و هي شرط في الابتداء دون الاستدامة، فلو ابتدأ منفردا ثم ائتم به في الأثناء لم تنعقد. و لو ابتدأ إماما ثم انفض العدد بعد التحريم، لم تبطل، و يحتمل بعد الركعة.

و هل يجب أن ينوي الإمام نية الإمامة؟ الأقرب ذلك هنا خاصة.

و لا يشترط التساوق بين تكبيرة الإمام و المأمومين، و لا بين نيتهما على

____________

(1) جامع الأصول 6- 374.

(2) وسائل الشيعة 5- 3 ح 1.

23

الأقوى. بل يجوز أن يتقدم الإمام بالنية و التكبير، ثم يتعقبه المأمومون، نعم لا يجوز أن يتأخروا بالتكبير عن الركوع. فلو ركع و نهض قبل تحريمهم فلا جمعة.

و إن لحقوا به في الركوع، صحت جمعتهم. و لا يشترط أن يتمكنوا من قراءة الفاتحة.

و إن لحقوا به في الركوع، فالأقرب صحة الجمعة. و لو لم يلحقوا به إلا بعد الركوع، لم يكن لهم جمعة، و الأقرب أنه لا جمعة للإمام أيضا، لفوات الشرط و هو الجماعة في الابتداء و الأثناء. و حينئذ فالأقرب جواز عدول نيته إلى الظهر. و يحتمل الانقلاب إلى النفل، و البطلان، و الصحة جمعة إن لحقوه قبل فوات ركوع الثانية.

و إذا انعقدت الجمعة و دخل المسبوق، لحق الركعة إن كان الإمام راكعا، و يدرك الجمعة إن أدركه راكعا في الثانية، ثم يتم بعد فراغ الإمام، لقوله (عليه السلام): من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى، و من أدرك دونها صلاها أربعا (1).

و لأن الأعذار تعتور الإنسان غالبا، فلو كلف الإدراك من أول التحريم حصلت المشقة، فإنه الغرض في حق الأكثر، و هو مناف للحكمة، فاعتبر إدراك ركعة من الركعتين، كإدراك المبيت بإدراكه إلى نصف الليل.

و يدرك الركعة بإدراك الإمام راكعا، و إن لم يدرك تكبيرة الركوع.

و يكفي اجتماعه مع الإمام في جزء من الركوع، لقول الصادق (عليه السلام):

إذا أدركت الإمام و قد ركع فكبرت و ركعت قبل أن يرفع رأسه فقد أدركت الركعة، و إن رفع الإمام رأسه قبل أن تركع فقد فاتتك (2).

و للشيخ قول: إنه إن أدرك تكبيرة الركوع أدرك الركعة و إلا فلا، و ليس عندي بعيدا من الصواب، لقول الباقر (عليه السلام) لمحمد بن مسلم: إن لم

____________

(1) جامع الأصول 6- 427، سنن ابن ماجة 1- 356.

(2) وسائل الشيعة 5- 442 ح 2.

24

يدرك القوم قبل أن يكبر الإمام للركعة فلا تدخل معهم في تلك الركعة (1).

و لفوات واجب الركوع، فيكون قد أدركه في المستحب، فلا تحصل الركعة بالمتابعة فيه، لفوات الركوع الواجب.

فروع (يتعلق بالمسبوق)

الأول: لا يشترط إدراك الخطبة، لأن إدراك أول الركعة ليس شرطا، فالخطبة أولى.

الثاني: لو ذكر ترك سجدة سهوا، و شك أ هي من التي أدركها مع الإمام أو الثانية؟ قضاها و سجد للسهو إن كان بعد التسليم، و إن كان قبله فالأقرب فعلها قبله و إعادة التشهد، لأنه شاك في الأولى و قد فاتت و هو مأموم أيضا، فلا عبرة بشكه فيها فيتعين للأخرى، و يحتمل المساواة للأولى، فيسلم ثم يقضي، و على التقديرين يدرك الجمعة، إذ لا يضر الركعة فوات سجدة سهوا.

الثالث: لو كبر و الإمام راكع فرفع، فإن أتى بالذكر قبل أن يخرج الإمام في نهوضه عن حد الراكعين، صحت له تلك الركعة، و إن لم يلحق ذلك، فإن كان في الثانية فاتته الجمعة، و إن كان في الأولى، احتمل الذكر ثم يلحق بالإمام في السجود، لكن في إدراكه للجماعة في أبعاض هذه الركعة إشكال، و الاستمرار على حاله إلى أن يلحق الإمام في ثانيه و يتم مع الإمام، و الاستيناف.

الرابع: لو شك هل كان الإمام راكعا أو رافعا؟ رجحنا جانب الاحتياط على الاستصحاب.

الخامس: لو أدرك مع الإمام ركعة، فلما جلس مع الإمام ذكر أنه ترك فيها سجدة، فإنه يسجد و يدرك الركعة، لأنه صلى مع الإمام ركعة، و فعل

____________

(1) وسائل الشيعة 5- 441 ح 2.

25

السجدة في حكم متابعته، فلم يمنع ذلك من إدراكها، و كذا لو ذكرها بعد تسليم الإمام، لأن فوات السجدة الواحدة لا يقتضي فوات الركعة.

السادس: لو قام الإمام إلى الثالثة سهوا، فأدركه فيها، فصلاها معه، لم يكن مدركا للجمعة إجماعا، لأنها زيادة، و هل يعدل إلى الظهر أو يستأنف؟

الأقرب الثاني، و هل له التنفل؟ إشكال.

السابع: لو ذكر الإمام ترك سجدة لا يعلم موضعها بعد أن قام إلى الثالثة سهوا، و قلنا بالإبطال بكل سهو يلحق الأولين، أو ذكر ترك سجدتين، بطلت صلاته، و لو قلنا بالتلفيق، تمت صلاته، لأن المتروك إن كان من الأولى فقد تمت بالثانية و كانت الثالثة ثانية، و إن تركها من الثانية تمت بالثالثة، و لا يتم جمعة المأموم اللاحق في الثالثة، لجواز أن تكون هي من الثانية، فيتم بالثالثة، فلم تكن الثالثة من أصل الجمعة، لأن المحسوب منها للإمام سجدة واحدة.

و لو ذكر الإمام أنها من الأولة، أدرك المأموم الجمعة، لأن الأولى تمت بالثانية و كانت الثالثة ثانيته و قد أدركها المأموم.

فروع (يتشعب عن شرط الجماعة يتعلق بالإمام)

الأول: لو كان الإمام متنفلا بأن يكون مسافرا قد صلى الظهر أولا، فإن فرض تم العدد به فلا جمعة، إذ ليس من أهل التكليف بها، فلا يتعلق وجوب غيره به على إشكال. و إن تم بغيره احتمل جواز الاقتداء به، كما يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل و عدمه لنقص صلاته.

الثاني: لو كان الإمام عبدا، فالأقرب أنه إن أتم العدد به، لم تصح الجمعة، و إلا صحت كالمسافر، لأن العدد قد تم بصفة الكمال، و جمعة العبد صحيحة و إن لم يلزمه.

26

الثالث: قال الشيخ (1): أقسام الناس في الجمعة خمسة، منهم من تجب عليه و تنعقد به، و هو الذكر الحر البالغ، العاقل، الصحيح السليم من العمى و العرج و الشيخوخة التي لا حراك معها، الحاضر أو من هو بحكمه.

و منهم من لا تجب عليه و لا تنعقد به، و هو الصبي و المجنون و العبد و المسافر و المرأة، لكن تصح منهم إلا المجنون.

و منهم من تنعقد به و لا تجب عليه، و هو المريض و الأعمى و الأعرج، و من كان على رأس أكثر من فرسخين.

و منهم من تجب عليه و لا تنعقد به، و هو الكافر، لأنه مخاطب بالفروع عندنا.

الرابع: لا تصح إمامة الصبي، لأنه لا جمعة عليه، و إذا فعلها لا يسقط بها الفرض عن نفسه، إذ لا فرض عليه، بخلاف العبد و المسافر، فإنهما يسقطان بهما فرض الظهر إن جوزنا إمامتهما. و يحتمل الجواز كسائر الفرائض إن جوزنا إمامته فيها.

الخامس: إذا استخلف الإمام من اقتدى به قبل حدثه، صح. و إن استخلف غيره، لم يصح، و لم يكن لذلك الغير أن يصلي الجمعة، لأنه لا يجوز ابتداء جمعة بعد انعقاد جمعة، و لو صح منه الجمعة، لكان مبتدئا بها بعد انعقاد جمعة الإمام و القوم، بخلاف المأموم يدخل في صلاة الجمعة، فإنه تابع للقوم لا مبتدئ. و هل يصح ظهرا له أو ينقلب نفلا؟ الأقرب الأول إن عدل بالنية إليها، و إلا فلا. أما المأمومون فإنهم يتمون الجمعة، لأنها وقعت أولا صحيحة، و يحتمل اشتراط فعل ركعة تامة.

فروع (يتعلق بالزحام)

الأول: إذا ركع مع الإمام في الأولى، ثم منعه الزحام عن السجود، لم

____________

(1) المبسوط 1- 143.

27

يجز له أن يسجد على ظهر غيره أو رأسه أو رجله، عند علمائنا أجمع، بل ينتظر حتى يتمكن من السجود على الأرض، لقوله (عليه السلام): و مكن جبهتك من الأرض (1). و ليس له الإيماء به، و لا أن يتمها ظهرا، لأن إقامة الجمعة واجبة، فلا يجوز الخروج قصدا مع توقع إدراكها.

ثم إن تمكن من السجود قبل ركوع الإمام في الثانية سجد كما يمكن، ثم ينهض إلى الثانية و يركع مع الإمام للحاجة و الضرورة، و مثله وقع في صلاة عسفان، حيث سجد النبي (عليه السلام) و بقي صف لم يسجد معه، و ليس له أن يركع مع الإمام قبل قضاء السجدتين، لئلا يزيد ركنا، و يستحب للإمام تطويل القراءة ليلحق به.

الثاني: لو سجد و لحق الإمام، فوجده راكعا في الثانية، انتصب واجبا، لوجوبه و تمكنه منه، و يترك القراءة لسقوطها عنه، و خوف فوت الركوع الواجب.

و لو وجده قد قام من ركوع الثانية، لم يقم، بل يجلس إلى أن يسلم الإمام، ثم يقوم و يأتي لثانية، و ليس له أن يتابع الإمام في سجدتيه، لئلا يزيد ركنا.

و لو وجده و قد سلم، فالأقوى إدراكه للجمعة، لأنه أدرك الركوع الأول فيتم ما عليه.

الثالث: لو لم يتمكن من السجود حتى يركع في الثانية، لم يتابعه في الركوع، بل يراعي ترتيب صلاته، لئلا يزيد ركنا، و يوالي بين ركوعين في ركعة واحدة، فإن ركع عامدا، بطلت صلاته، و عليه أن يبتدئ الإحرام بالجمعة إن أمكنه إدراك الإمام في الركوع.

و إن كان ناسيا أو جاهلا، احتمل ذلك أيضا، لأن زيادة الركن مطلقا مبطلة. و الصحة، لأن حكم الايتمام قد يخالف الانفراد، كما لو سبق إلى

____________

(1) جامع الأصول 6- 253.

28

ركوع أو سجود ناسيا قبل الإمام، فإنه يرجع إلى حاله ثم يعيد مع إمامه.

فحينئذ لا يعتد بركوعه و لا تبطل صلاته، فإذا سجد معه بعد الركوع حسب له السجدتان، لأنا أمرناه بالسجود، فقدم عليه شيئا غير معتد به و لا مفسد، فإذا انتهى إليه وجب أن يقع عن المأمور به.

و يحتمل أن يعيدهما، لأنه فعلهما على قصد الثانية، فلا يقع عن أولاه، كما لو نسي سجدة من ركعة، ثم سجد لتلاوة أو سهو، لا يقوم مقامها، فإن قلنا بالأول فالحاصل ركعة ملفقة و يدرك بها الجمعة.

الرابع: إذا لم يركع في الثانية مع الإمام كما هو الواجب عليه، بل انتظره إلى أن سجد الإمام و هو المأمور به، فهو مقتد قدوة حكمية، لوقوع السجود بعد الركوع الثاني للإمام، و يدرك به الجمعة، لأنه أدرك ركعة ملفقة. و إذا سجد مع الإمام نوى بسجدتيه أنهما لركعته الأولى، فإن نوى بهما للثانية، فالوجه بطلان الصلاة، لإخلاله بركن في الأولى و هو السجدتان. و بركن في الثانية و هو الركوع.

و لو لم ينو بهما شيئا، فالوجه البطلان، لأنه مقتد بالإمام و هو في حكم التابع له في أفعاله، و قد سجد الإمام للثانية، فينصرف فعل المأموم إليه أيضا تحقيقا للاقتداء. و هل له أن يسجد قبل سجود الإمام؟ إشكال، أقربه المنع، بل يتابع الإمام، فإذا سلم الإمام اشتغل بتدارك ما عليه، لأنه إنما جعل الإمام ليؤتم به، فأشبه المسبوق.

الخامس: إذا ركع الإمام في الثانية، فاشتغل بالسجدتين، ثم نهض فوجد الإمام راكعا، تابعه و سقطت عنه القراءة كالمسبوق، و يسلم معهم و يتم جمعته. و إن وجده قد رفع رأسه من الركوع، لم يتابعه في السجود على ما تقدم، بل إما ينوي الانفراد و يتم الجمعة، لإدراكه الركعة، على إشكال من حيث إنه فاته السجدتان معه، و إما أن يستمر على حاله إلى أن يسلم الإمام، ثم يتم ما عليه. و يحتمل أن يجلس متابعة للإمام و لا يسجد. فإذا سلم الإمام، قام فأتم ما بقي عليه.

29

السادس: لو لم يتمكن من السجود، حتى سجد الإمام في الثانية، تابعه في السجود إجماعا، و يحصل ركعة ملفقة. و لو لم يتمكن حتى يتشهد الإمام سجد، فإن أدرك الإمام قبل السلام، أدرك الجمعة و قام فأتم ما بقي عليه.

و إن لم يدركه حتى سلم، فكذلك على إشكال.

السابع: لو كان الزحام في سجود الثانية، و قد صلى الأولى مع الإمام، سجد متى تمكن قبل سلام الإمام أو بعده و صحت جمعته. و لو كان مسبوقا لحقه في الثانية، فإن تمكن قبل سلام الإمام سجد و قد أدرك ركعة، و إن لم يتمكن حتى سلم الإمام فإشكال.

الثامن: لو زوحم عن ركوع الأولى حتى سجد الإمام، ركع و لحقه و تابعه في السجود، و إن وجده قد نهض إلى الثانية سجد و لحقه، و لو لم يتمكن حتى يركع [1] الإمام في الثانية، ركع و يعتد له بالركعة الثانية، و تكون أولى له.

التاسع: لو زوحم عن سجود الأولى، فقضاه قبل ركوع الإمام في الثانية، ثم ركع مع الإمام فزوحم عن السجود، فقضاه بعد جلوس الإمام للتشهد، تبع الإمام في التشهد و تمت جمعته، لأنه أدرك جميع الصلاة بعضها فعلا و بعضها حكما، فيثبت له حكم الجماعة.

العاشر: لو زوحم عن الركوع و السجود في الأولى، صبر حتى يتمكن منها، ثم يلتحق للرواية (1)، فإن لحق الإمام راكعا في الثانية، تابعه و أدرك الجمعة، و لو لحقه رافعا من ركوع الثانية، ففي إدراك الجمعة إشكال، ينشأ:

من أنه لم يلحق ركوعا مع الإمام و من إدراك ركعة تامة في صلاة الإمام حكما، و لو لم يتمكن من القضاء حتى ركع الإمام في الثانية، فزوحم عن المتابعة حتى سجد الإمام، أتمها ظهرا.

الحادي عشر: النسيان عذر كالزحام، فلو تأخر سجوده عن سجود

____________

[1] في «س» ركع.

____________

(1) وسائل الشيعة 5- 32.

30

الإمام بالنسيان، ثم سجد في حال قيام الإمام، فالحكم كما تقدم في الزحام، لأنه عذر، و كذا لو تأخر لمرض.

و لو بقي ذاهلا عن السجود، حتى ركع الإمام في الثانية ثم تنبه، فإنه كالمزحوم يركع مع الإمام.

و لو تخلف عن السجود عمدا حتى قام الإمام و ركع في الثانية أو لم يركع، ففي إلحاقه بالمزحوم إشكال.

الثاني عشر: الزحام كما يفرض في الجمعة يفرض في غيرها، و ذكر في الجمعة، لأن وقوعه أكثر فيها، لأن الجماعة شرط فيها، و لا سبيل إلى المفارقة ما دام يتوقع إدراك الجمعة، بخلاف باقي الصلوات، و الحكم في غير الجمعة كالحكم فيها.

البحث الخامس (الوحدة)

الوحدة شرط في الجمعة، فلا تنعقد جمعتان بينهما أقل من فرسخ، سواء كانتا في مصر واحد أو مصرين، و سواء فصل بينهما نهر عظيم أو لا، عند علمائنا أجمع، لقول الباقر (عليه السلام): لا يكون بين الجمعتين أقل من ثلاثة أميال (1)، و إذا كان بين الجماعتين ثلاثة أميال فلا بأس أن يجمع هؤلاء و هؤلاء، لأن النبي (عليه السلام) لم يجمع إلا في مسجد واحد، و كذا الخلفاء بعده.

و إذا لم يجز إقامتها في مساجد البلد كسائر الجماعات و احتمل تعطيل المساجد، عرف أن المقصود إظهار شعار الاجتماع و اتفاق كلمة المسلمين، فليقتصر على الواحد، لأنه أفضى إلى هذا المقصود، و لأنه لا ضبط بعد مجاوزة الواحدة، و مع بعد المسافة يشق الإتيان، فلا بد من تقدير يرفع المشقة.

و القدر الذي يمكن تكليفه لأكثر الناس فرسخ، فكان الاعتبار به.

____________

(1) وسائل الشيعة 5- 16 ح 1.

31

فلو احتاج من بعد بأقل من فرسخ إلى مركوب و تمكن منه وجب، إما بالتملك، أو الاستيجار، أو العارية، و هل يجب قبول الهبة أو العارية؟

إشكال.

فإن صليت جمعتان بينهما أقل من فرسخ، فله صور:

الأول: أن تسبق إحداهما الأخرى، فالسابقة صحيحة، لاجتماع الشرائط فيها، و اللاحقة باطلة، و السبق يحصل بالتحريم، فالتي سبق عقدها على الصحة هي الصحيحة، و إن تقدمت الثانية في الخطبة أو التسليم أو كانت جمعة السلطان، لأنه لا بد من إذنه، و الاعتبار إنما هو بتمام التكبير، حتى لو سبقت إحداهما بهمزة التكبير و الأخرى بالراء، فالصحيحة هي التي سبقت بالراء، لأنها هي التي تقدم تكبيرها.

و لو شرع الناس في صلاة الجمعة، فأخبروا أن طائفة أخرى سبقتهم بها و فاتت الجمعة عليهم، استأنفوا الظهر، و هل لهم أن يتموها ظهرا؟ الأقوى المنع، لظهور البطلان.

الثاني: أن تقع الجمعتان معا، فيتدافعان و تبطلان معا، و يستأنف واحدة إن وسع الوقت، و إلا صلوا الظهر.

الثالث: أن يشكل الحال، فلا يدري أوقعتا معا، أو سبقت إحداهما، فيعيدون جمعة و ظهرا، لاحتمال الاتفاق، فلا جمعة، فتجب إعادتها.

و التقدم، فيعلم وقوع جمعة صحيحة، فلا يصح عقد أخرى، فوجبت الصلاتان معا.

الرابع: أن تسبق إحدى الجمعتين على التعيين، ثم تلتبس، فلا تخرج واحدة من الطائفتين عن العهدة، إذ لا يقين لإحداهما بصحة جمعته، و الأصل بقاء الفرض في ذمتهم، و ليس لهم إعادة جمعة، لأنه قد وقعت في البلد جمعة صحيحة، فلا سبيل إلى تعقبها بأخرى، بل تصلي الطائفتان الظهر، فمن لا جمعة له، صحت له الظهر.

32

الخامس: أن تسبق إحداهما و لا تتعين، كما لو سمع مريضان أو مسافران تكبيرتين متلاحقتين و هما خارج المسجد، و أخبراهم الحال و لم يعرفا من تقدم تكبيرة، فلا يخرجون عن العهدة، لأن كل واحدة يجوز أن تكون هي المتأخرة، فيحتمل ضعيفا استيناف جمعة إن بقي الوقت، لأن المفعولتين باطلتان غير مجزيتين، فكأنه لم يقم في البلد جمعة أصلا، و الحق ما تقدم في الصورة الرابعة، من أنهم يصلون الظهر، لأن إحداهما صحيحة في علم اللّٰه تعالى، و إنما لم يخرجوا عن العهدة للإشكال.

و لهذه الصور الخمس نظائر في نكاحين عقدهما وليان، و سيأتي إن شاء اللّٰه تعالى.

البحث السادس (الخطبتان)

و فيه أقطاب:

القطب الأول (في واجباتها)

من شرائط الجمعة تقديم خطبتين، لأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لم يصل الجمعة إلا بخطبتين متقدمتين و قال: صلوا كما رأيتموني أصلي (1). و لأنه تعالى أوجب السعي إلى ذكر اللّٰه تعالى، و المراد به الخطبة، فيستلزم وجوبها، و لأنهما أقيمتا مقام الركعتين، و البدل كالمبدل في الحكم، و قال الصادق (عليه السلام):

لا جمعة إلا بخطبة (2).

و يجب أمور:

الأول: التعدد، فلا يجزي الخطبة الواحدة، امتثالا لفعله عليه

____________

(1) جامع الأصول 6- 374.

(2) وسائل الشيعة 5- 16 ح 9.

33

السلام: و لأنهما أقيمتا مقام ركعتين، فالإخلال بإحداهما إخلال بركعة.

الثاني: يجب في كل خطبة منهما حمد اللّٰه تعالى، و يتعين «الحمد للّٰه» لأنه (عليه السلام) داوم على ذلك، و لقول الصادق (عليه السلام): يحمد اللّٰه (1).

و الأقرب إجزاء «الحمد للرحمن».

الثالث: الصلاة على النبي و آله (عليهم السلام) في كل خطبة، لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر اللّٰه افتقرت إلى ذكر رسوله، كالأذان و الصلاة، و لقول الصادق (عليه السلام): و يصلي على محمد و آله (2).

الرابع: الوصية بالتقوى في كل واحدة منهما، لأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) واظب عليها في خطبته، و لأن المقصود من الخطبة الوعظ و التحذير، و لا يجوز الإخلال به، و لأن الصادق (عليه السلام) قال: ثم توصي بتقوى اللّٰه (3)، و الأقرب أنه لا يتعين لفظ «الوصية» لأن غرضها الوعظ، فبأي لفظ وعظ حصل الغرض.

و لا يكفي الاقتصار على التحذير من الاغترار بالدنيا و زخارفها، لأنه قد تتواصى به المنكرون للمعاد، بل لا بد من الحمل على طاعة اللّٰه تعالى و المنع من المعاصي.

و لا يجب في الموعظة فصل و كلام طويل، بل لو قال: «أطيعوا اللّٰه» كفاه، لكن الأفضل فيه استعطاف القلوب و تنبيه الغافلين.

الخامس: قراءة القرآن في كل واحدة من الخطبتين، لأنه (عليه السلام) كان يقرأ فيها.

و هل تجب سورة تامة؟ قال الشيخ: نعم، لقول الصادق (عليه السلام):

____________

(1) وسائل الشيعة 5- 38 ح 2.

(2) نفس المصدر.

(3) نفس المصدر.

34

تقرأ سورة قصيرة من القرآن (1)، و لأنهما بدل فيجب فيهما القراءة على حد ما يجب في المبدل.

فروع:

الأول: ظاهر كلام المرتضى الاكتفاء بمسمى القرآن، فحينئذ يكفي آية واحدة تامة الفائدة، و لا فرق بين أن يكون في وعد و وعيد، أو حكم، أو قصص.

الثاني: لا يكفي آية فيها وعظ عنهما.

الثالث: الأقرب على قول السيد الاكتفاء بشطر آية إذا تمت الفائدة بها، أما لو قال «ثم نظر» لم يكف و إن عد آية، لأنها غير مفهم.

الرابع: كلام السيد يقتضي عدم وجوب القراءة في الثانية، و عليه دلت رواية سماعة عن الصادق (عليه السلام) (2).

الخامس: كلام المرتضى يقتضي وجوب الاستغفار للمؤمنين في الثانية في مقابلة القراءة المختصة بالأولى، و عليه دلت رواية سماعة (3). و كلام الشيخ يقتضي عدم وجوب الدعاء للمؤمنين للأصل.

السادس: كلام الشيخ يقتضي وجوب الصلاة على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) في الخطبتين، لقوله تعالى «وَ رَفَعْنٰا لَكَ ذِكْرَكَ» (4) أي لا أذكر إلا و تذكر معي. و لم يوجب الشهادة بالرسالة فيهما.

و كلام المرتضى يقتضي وجوب الشهادة بالرسالة في الأولى، و الصلاة عليه في الثانية.

____________

(1) نفس المصدر.

(2) نفس المصدر.

(3) نفس المصدر.

(4) سورة أ لم نشرح: 4.

35

السابع: لا تصح الخطبة إلا بالعربية، لأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) داوم على ذلك. و لو كان المستمع ممن لا يفهم العربية، فالأقوى الخطبة بغيرها، إذ القصد الوعظ و التخويف، و إنما يحصل بفهم كلامه.

و يجب أن يتعلم واجد العربية في الخطبة، كالعاجز عن التكبير بالعربية، فلو مضت مدة إمكان التعلم و لم يتعلم، عصى و تصح الجمعة.

الثامن: ينبغي أن تكون السورة خفيفة، و يجوز أن يقرأ إحدى العزائم، فينزل و يسجد لو قرأ السجدة. و لو كان المنبر عاليا لو نزل لطال الفصل، نزل أيضا، و إن أمكنه أن يسجد عليه فعل.

التاسع: لا يجوز أن يقتصر على آيات تشتمل على الأذكار، لأنه لا تسمى خطبة. و لو أتى ببعضها في ضمن آية، لم يمنع.

القطب الثاني (في شرائط الخطبتين)

و هي ستة:

الأول: الوقت، و هو ما بعد الزوال، فلا يجوز تقديمها و لا شيء منها على الأصح، لأنه (عليه السلام) كان يخطب بعد الزوال، و لو جاز التقديم لقدمها، تخفيفا على الباكرين، و إيقاعا للصلاة في أول الوقت.

و للشيخ قول بجواز إيقاعها قبل الزوال، بحيث إذا فرغ منها زالت الشمس.

الثاني: تقديمهما على الصلاة، بخلاف صلاة العيد، لأنه (عليه السلام) كذا فعل في الموضعين، لأنهما شرط في الجمعة، و الشرط متقدم، بخلاف العيد.

الثالث: القيام فيهما عند القدرة، لأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و من بعده لم يخطبوا إلا من قيام، و لأنه ذكر يختص بالصلاة ليس من شرطه القعود،

36

فكان من شرطه القيام كالقراءة و التكبير، فإن عجز فالأولى أن يستنيب غيره.

و لو لم يفعل و خطب قاعدا أو مضطجعا، جاز كالصلاة، و يجوز الاقتداء به، سواء قال لا أستطيع أو سكت، بناء على الظاهر من أن قعوده للعجز، فإن بان أنه كان قادرا، فهو كما لو بان أن الإمام محدث.

الرابع: الجلوس بينهما، لأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و من بعده جلسوا بينهما دائما (1)، و يجب فيه الطمأنينة كالجلسة بين السجدتين.

و لو خطب قاعدا لعجزه عن القيام لم يضطجع بينهما للفصل، بل يفصل بسكتة، كما في الفصل في الصلاة قاعدا.

الخامس: شرط بعض علمائنا طهارة الحدث و البدن و الثوب و المكان من الخبث، اتباعا لما جرت السنّة عليه في الأعصار، و لأن الخطبتين بدل، و لأن الموالاة بينهما و بين الصلاة واجبة عند آخرين، و على هذا يشترط ستر العورة، لأنهما بدل.

و قيل: لا يشترط، لأنه ذكر يتقدم الصلاة فأشبه الأذان.

و على الأول لو كان جنبا و قرأ عزيمة لم تصح الخطبة، لأن القراءة شرط، و هي محرمة.

و لو سبقه الحدث في الخطبة، لم يعتد بما يأت به حال الحدث. فإن تطهر و عاد، فالأقرب البناء و إن طال الفصل.

السادس: رفع الصوت بالخطبتين، فإن الوعظ الذي هو الغاية إنما يحصل بالاستماع المشترط برفع الصوت، و لأنه (عليه السلام) كان إذا خطب رفع صوته كأنه منذر جيش، فلو خطب سرا بحيث لا يسمعه العدد، لم تحسب، و لو رفع الصوت قدر ما يبلغ، لكن كانوا أو بعضهم صما، فالأقرب الإجزاء، كما لو سمعوا و لم يفهموا.

____________

(1) جامع الأصول 6- 433.

37

السابع: العدد، قال الشيخ: شرط الخطبتين العدد المشترط في الجمعة (1)، لأنهما ذكر هو شرط في الجمعة، فكان من شرطه حضور العدد كالتكبير، و لأن وجوب الخطبة تابع لوجوب الجمعة التابع لحضور العدد.

فلو انفضوا في الأثناء فالمأتي به حال غيبتهم غير محسوب، لأن القصد بها الإسماع، فإن عادوا قبل طول الفصل جاز البناء، و كذا إن طال على إشكال، لأن الوعظ يحصل معه تفرق الكلمات.

و لو اجتمع بدل الأولين العدد، فلا بد من استيناف الخطبة مطلقا، و لو انفضوا بعد تمام الخطبة و عادوا قبل طول الفصل، بنيت الصلاة على الخطبة، و كذا إن طال على إشكال.

و العدد إنما هو شرط في واجبات الخطبة دون مستحباتها.

الثامن: نية الخطبة من فرضها، لأنها عبادة فافتقرت إلى النية كالصلاة.

التاسع: الترتيب بين أجزاء الخطبة الواجبة، فلو قدم على الحمد غيره، أو قدم الوعظ على الصلاة استأنف، للتأسي به (صلى اللّٰه عليه و آله).

القطب الثالث (في الإصغاء)

الأقرب وجوب الإنصات، و هو السكوت، و الاستماع، و هو شغل السمع بالسماع، لقوله تعالى وَ إِذٰا قُرِئَ الْقُرْآنُ (2) ذكر في التفسير أن الآية وردت في الخطبة، و سميت «قرآنا» لاشتمالها عليه، فلا يحل له الكلام.

و يحتمل الكراهة، و لأن رجلا دخل و النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) يخطب يوم

____________

(1) المبسوط 1- 146.

(2) سورة الأعراف: 204.

38

الجمعة، فقال: متى الساعة؟ فأومي إليه بالسكوت، فلم يقبل و أعاد الكلام فقال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) بعد الثالثة: ما ذا أعددت لها؟ فقال: حب اللّٰه و رسوله، فقال: إنك مع من أحببت (1)، و لم ينكر عليه.

و هل يحرم الكلام على الخطيب في الأثناء؟ الأقرب المنع للأصل، و لأنه (عليه السلام) كلم قتلة ابن أبي الحقيق و سألهم عن كيفية قتله في الخطبة (2). و إنما حرم على المستمع لئلا يمنعه عن السماع.

و للشيخ قول بالتحريم، و الأصل فيه أن الخطبتين إن جعلناهما بمثابة الركعتين حرم الكلام، و إلا فلا، و الخلاف في كلام لا يتعلق به غرض مهم.

أما لو رأى أعمى يقع في بئر، أو عقربا تدب على إنسان، فأنذرهما، أو علم إنسانا شيئا من الخير أو نهاه عن منكر، فإنه لا يحرم، و يستحب الاقتصار على الإشارة إن كفت في الغرض.

و يجوز الكلام قبل الشروع في الخطبة، و بعد الفراغ منها، لأنه ليس وقت الاستماع. و كذا يجوز حالة الجلوس بين الخطبتين على الأقوى.

و يجوز للداخل في أثناء الخطبة أن يتكلم ما لم يأخذ لنفسه مكانا.

و يجوز رد السلام، بل يجب، لأنه كذلك في الصلاة، ففي الخطبة أولى، و كذا يجوز تسميت العاطس، و هل يستحب؟ يحتمل ذلك، لعموم الأمر به، و العدم، لأن الإنصات أهم، فإنه واجب على الأقوى، بخلاف التسميت، و هل يجب الإنصات على من لا يسمع الخطبة؟ الأولى المنع، لأن غايته الاستماع، فله أن يشتغل بذكر و تلاوة، و يحتمل الوجوب لئلا يرتفع اللغط، و لا يتداعى إلى منع السامعين عن السماع، و لا تبطل جمعة المتكلم و إن حرمناه

____________

(1) سنن الترمذي 4- 595.

(2) سنن البيهقي 3- 222.

39

إجماعا، و الخلاف في الإثم و عدمه، فإذا صعد الخطيب المنبر، فيستحب لمن ليس في الصلاة أن لا يفتتحها، سواء صلى السنّة أو لا، و من كان في الصلاة خففها، لئلا يفوته سماع أول الخطبة، و لقول أحدهما (عليهما السلام): إذا صعد الإمام المنبر فخطب، فلا يصلي الناس ما دام الإمام على المنبر (1)، و الكراهة تتعلق بالشروع في الخطبة لا بالجلوس على المنبر، لقول أحدهما (عليهما السلام): فخطب، و لأن المقتضي للمنع السماع.

و لو دخل و الإمام في آخر الخطبة و خاف فوت تكبيرة الإحرام، لم يصل التحية، لأن إدراك الفريضة من أولها أولى، و أما الداخل في أثناء الخطبة، فالأقرب أنه كذلك، للعموم، و لأن رجلا جاء يتخطى رقاب الناس، فقال له رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله): اجلس فقد آذيت و آنيت (2)، و لأنه يستحب له السماع من أول الخطبة، فالبعض أولى.

و يجب أن يرفع الإمام صوته بالخطبة، بحيث يسمع العدد المعتبر من أهل الكمال، و هل يحرم الكلام على من عدا العدد؟ إشكال.

القطب الرابع (في سنن الخطبة)

و هي أمور:

الأول: الخطبة على المنبر، لأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لما دخل المدينة خطب مستندا إلى جذع، فلما بني له المنبر صعد عليه، و لاشتماله على الإبلاغ للبعيد.

الثاني: وضع المنبر على يمين المحراب، و هو الموضع الذي يكون على يمين

____________

(1) وسائل الشيعة 5- 39 ح 3.

(2) سنن ابن ماجة 1- 354.

40

الإمام إذا استقبل، لأن منبره (عليه السلام) كذا وضع.

الثالث: أن لا يكون المنبر كبيرا، بحيث يضيق المكان على المصلين، إذا لم يكن المسجد متسعا للخطبة.

و لو لم يكن منبر، خطب على موضع مرتفع يبلغ صوته الناس.

الرابع: التسليم على من عند المنبر إذا انتهى إليه، لاستحباب التسليم للواردين، و كان (عليه السلام) إذا دنا من منبره سلم على من عند المنبر ثم يصعد، فإذا استقبل الناس بوجهه سلم ثم قعد.

الخامس: التسليم على الناس إذا صعد على المنبر و انتهى إلى الدرجة التي تلي موضع القعود، و تسمى «المستراحة» اقتداء به (عليه السلام)، و قول علي (عليه السلام): من السنّة إذا صعد الإمام المنبر أن يسلم إذا استقبل الناس (1).

و لا يسقط بالتسليم الأول، لأن الأول مختص بالقريب من المنبر، و الثاني عام.

السادس: أن يجلس بعد السلام على المستراح، ليستريح عن تعب الصعود، لأنه (عليه السلام) كان يخطب خطبتين و يجلس جلستين (2)، و المراد هذه الجلسة التي قبل الخطبتين، و قال الباقر (عليه السلام): كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا خرج إلى الجمعة قعد على المنبر حتى يفرغ المؤذنون (3).

السابع: بلاغة الخطيب بحيث لا يكون مؤلفة من الكلمات المبتذلة، لأنها لا تؤثر في القلوب، و لا من الكلمات الغريبة الوحشية، لعدم انتفاع الناس بها، بل تكون قريبة من الأفهام ناصة على التخويف و الإنذار.

الثامن: أن لا يطول فيها، لقوله (عليه السلام): قصر الخطبة و طول الصلاة من فقه الرجل (4)، و لا يقصرها بل تكون وسطا.

____________

(1) وسائل الشيعة 5- 43 ح 1.

(2) جامع الأصول 6- 433.

(3) وسائل الشيعة 5- 43 ح 2.

(4) جامع الأصول 6- 436.

41

التاسع: أن لا تشتمل الخطبة على ما يستنكره عقول الحاضرين، لقول علي (عليه السلام): كلموا الناس على قدر عقولهم، أ تحبون أن تكذبوا اللّٰه و رسوله؟.

العاشر: أن يأتي بالكلمات على تأنّ و ترتيب و سكون، و لا يمدها مدا يشبه الغناء، و لا يدرجها بحيث لا يفهم.

الحادي عشر: كون الخطيب مواظبا على الصلوات حافظا لمواقيت الفرائض، ليقع وعظه في القلوب بموقع.

الثاني عشر: أن يستدبر القبلة، ليستقبل الناس بوجهه، و لا يلتفت يمينا و لا شمالا، لأنه (عليه السلام) كان إذا خطب استقبل الناس بوجهه و استقبلوه و كان لا يلتفت (1)، و لو خطب مستقبلا للقبلة و مستدبرا للناس، جاز و إن خالف السنّة.

الثالث عشر: أن يكون صادق اللهجة لا يلحن في الخطبة.

الرابع عشر: أن لا يضع يمينه على شماله كما في الصلاة، بل يشغل بما يعتمد عليه يسراه، و يقبض باليمين حرف المنبر.

الخامس عشر: أن يعتمد على سيف أو عنزة أو عصا و نحوها، اقتداء بالنبي (عليه السلام)، فإنه كان يعتمد على عنزته اعتمادا، و قال الصادق (عليه السلام): و يتوكأ على قوس أو عصا (2).

السادس عشر: أن يكون متعمما شتاء و صيفا مرتديا، لأنه أدخل في الوقار، و أن يكون التردي ببرد يمنية لأنه (عليه السلام) كان يتعمم و يرتدي و يخرج في الجمعة و العيدين على أحسن هيئة.

____________

(1) جامع الأصول 6- 436.

(2) وسائل الشيعة 5- 38 ح 2 ب 24.

42

المطلب الثاني (في من يجب عليه)

شرائط الوجوب عشرة: الأول البلوغ، الثاني العقل، الثالث الذكورة، الرابع الحرية، الخامس السلامة من المرض، السادس السلامة من العمى، السابع السلامة من العرج، الثامن عدم الشيخوخة المانعة من الحراك، التاسع أن لا يكون مسافرا، العاشر: أن لا يكون على رأس أكثر من فرسخين.

و ليس الإسلام شرطا في الوجوب، لأن الكفار عندنا مخاطبون بالشرائع، و العقل شرط في الوجوب و الصحة معا، و البواقي شرط في الوجوب لا الصحة.

و يستحب إحضار الصبي الجمعة للتمرين، خصوصا المراهق، و لا يجب على المرأة إجماعا، لقوله (عليه السلام): من كان يؤمن باللّٰه و اليوم الآخر فعليه الجمعة إلا على امرأة أو مسافر أو عبد أو صبي أو مريض (1)، فإن حضرن الجمعة صحت منهن و لم تنعقد بهن.

و يستحب للعجائز الحضور مع إذن أزواجهن، لانتفاء الفتنة فيهن.

و يكره للشواب لما فيه من الافتتان.

و العبد لا تجب عليه لجمعة، لما تقدم في الحديث، و لأنه محبوس على السيد فأشبه المحبوس في الدين، و لا فرق بين المخارج و غيره، فإن أذن له السيد استحب له الحضور، فإن حضر حينئذ وجبت عليه، و لا يجب عليه الحضور، لأن الحقوق الشرعية تتعلق بخطاب الشرع لا بإذن السيد.

و القن و المدبر و المكاتب بنوعيه و أم الولد سواء، لبقاء الرق، و كذا لو انعتق بعضه، فإن هايأه مولاه و اتفقت الجمعة في يومه، فالأقرب عدم الوجوب، و لو ألزمه مولاه بالحضور، احتمل الوجوب، لوجوب طاعته في غير العبادة، ففيها أولى.

____________

(1) وسائل الشيعة 5- 5 ح 16، جامع الأصول 6- 425.

43

و المريض لا جمعة عليه، للحديث، و للمشقة، سواء خالف زيادة المرض، أو المشقة غير المحتملة، أو لا، و لو كان المريض قريبه، أو ضيفه، أو زوجته، أو مملوكه، جاز له ترك الجمعة لأجل تمريضه مع الحاجة إليه.

و كذا يترك لصلاة الميت و تجهيزه.

و لو كان المريض أجنبيا لا صحبة له معه، و كان له من يمرضه، لم يترك الجمعة له.، إن لم يكن جاز له تركها للقيام بأمره.

و كذا لو كان عليه حق قصاص يرجو بالاستتار الصلح جاز، و لو كان عليه حد قذف، لم يجز له الاستتار عن الإمام لأجله و ترك الجمعة، لأنه حق واجب و لا بدل له، و كذا غيره من الحدود المتعلقة به للّٰه [1] تعالى بعد ثبوتها بالبينة.

و المديون المعسر يجوز له الاختفاء، و كذا الخائف من ظالم على مال، أو نفس، أو ضرب، أو شتم.

و الأعمى لا يجب عليه و إن كان قريبا من الجامع، يتمكن من الحضور إليه بقائد أو بغيره، و سواء وجد قائدا أو لا، للمشقة، و لقول الباقر (عليه السلام): فرض اللّٰه الجمعة و وضعها عن تسعة، و عد منها الأعمى (1).

و الأعرج و الشيخ الذي لا حراك به لا جمعة عليهم، للمشقة، و لقول الباقر (عليه السلام): و الكبير (2)، و لو لم يبلغ العرج الإقعاد، فإن حصلت مشقة سقطت، و إلا وجبت، و الحر الشديد و البرد كذلك.

و المطر المانع من السعي و الوحل مسقطان للمشقة، و قال الصادق (عليه السلام): لا بأس أن تدع الجمعة في المطر (3)، و هو وفاق.

و المسافر لا تجب عليه إجماعا، لقوله (عليه السلام): الجمعة واجبة إلا على

____________

[1] في «ق» للقيام.

____________

(1) وسائل الشيعة 5- 2 ح 1.

(2) نفس المصدر.

(3) وسائل الشيعة 5- 37.

44

خمسة، و عد منها المسافر (1). و قول الباقر (عليه السلام): و وضعها عن تسعة، و عد منهم المسافر (2).

و لأن الجمعة ظهر مقصورة بشرائطه أو كالظهر، و المسافر يباح له القصر دون تلك الشرائط، فلم يكن لاعتبارها في حقه و إيجاب الجمعة معنى، و لأنه خفف منه العبادات الراتبة فغيرها أولى.

و إنما تسقط مع إباحة السفر لا حظره، لمنافاة التحريم الترخيص في سفر القصر، فلو لم يوجبه كما لو كان دون المسافة، أو كان سفره أكثر من حضره، وجبت عليه، و لو كان القصر غير واجب، كما في المواضع التي يستحب فيها الإتمام، احتمل الوجوب و الاستحباب.

و لو نوى المسافر إقامة عشرة أيام، صار بحكم المقيم، و وجبت عليه الجمعة، و تنعقد به الجمعة حينئذ قطعا، و فيما لم ينو قولان.

و من كان بينه و بين الجمعة أكثر من فرسخين، لم يجب عليه الحضور عندنا، بل إن وجدت الشرائط في حقه، وجب عليه إقامة الجمعة عنده أو يحضر، و إن لم تحصل الشرائط لم تجب عليه الإقامة عنده و لا الحضور عندنا.

و من كان بينه و بين الجمعة فرسخان فما دون، وجب عليه: إما إقامة الجمعة عنده إن حصلت الشرائط، أو الحضور عندنا، إلا أن يكون بينه و بين الجامع أقل من فرسخ، فيجب عليه الحضور عندنا.

و يشترط الزيادة على الفرسخين بين منزله و الجامع الذي يقام فيه الجمعة، لا بين البلدين، فلو كان بين البلدين أقل من فرسخين، و بين منزله و الجامع أزيد من فرسخين، فالأقرب السقوط، لأنه المفهوم من كلام الباقر (عليه السلام) في قوله «تجب الجمعة على من كان منها على فرسخين» (3).

____________

(1) وسائل الشيعة 5- 5 ح 16.

(2) وسائل الشيعة 5- 2 ح 1.

(3) وسائل الشيعة 5- 11 ح 2.

45

و من شرائط الوجوب على المأموم أن لا يكون قد صلى العبد في ذلك اليوم، فلو اتفقا في يوم واحد، تخير من صلى العيد في حضور الجمعة عدا الإمام، فإنه يجب عليه الحضور، و يستحب له إعلامهم ذلك، لقوله (عليه السلام): أيها الناس قد اجتمع عيدان في يوم، فمن أراد أن يشهد الجمعة فليشهد، و من أراد أن ينصرف فلينصرف (1)، و لأن الجمعة زادت على الظهر بالخطبة و قد جعلت في يوم العيد، و لما فيه من المشقة بالعود.

و يستحب له الحضور، أما الإمام فيجب عليه لإقامتها مع من يحضر، و إذا حضر المتخير، وجب عليه الجمعة كالمسافر.

فروع في صفات النقصان:

الأول: الخنثى المشكل كالمرأة، لاحتمال أن تكون أنثى، فلا يلزم بالشك.

الثاني: من لا تلزمه الجمعة إذا حضرها و صلاها، انعقدت جمعته و أجزأه، لأنها أكمل في المعنى و إن كانت أقصر في الصلاة، فإذا أجزأت الكاملين الذين لا عذر لهم، فلئن تجزي أصحاب العذر كان أولى.

الثالث: الذين لا تلزمهم الجمعة إذا حضروا الجامع هل لهم أن ينصرفوا و يصلوا الظهر؟ أما الصبي و المرأة فلهم ذلك، لأن المانع من وجوب الجمعة عليهم الصفات القائمة بهم، و هي لا ترتفع بحضورهم.

أما الباقون فالأقرب أن لهم ذلك إن خرجوا قبل دخول الوقت. و إن دخل الوقت و أقامت الصلاة لزمتهم الجمعة، و إن تخلل زمان بين دخول الوقت و إقامة الصلاة، و لا مشقة في الانتظار حتى تقام الصلاة، لزمه ذلك، و إن لحقته مشقة، لم تلزمه.

____________

(1) جامع الأصول 7- 96، وسائل الشيعة 5- 116.

46

و لو أحرموا بالجمعة، لم يجز لهم الانصراف، و ليس لهم أداء الظهر مع الحضور، لانتفاء موجب الترخص.

الرابع: لا يشترط في إقامة الجمعة دار إقامته، بل يجوز إقامتها خارج البلد حيث يقام العيد، للأصل.

و لا يشترط الأبنية التي يستوطنها المقيمون للجمعة، بل تجب على أهل القرى و قاطني الخيام و إن كانوا يرحلون و ينزلون للعموم، و قياسا على ما لو انهدمت الأبنية و أقاموا عليها.

و ليس من الشرط إقامتها في كن أو مسجد، بل يجوز إقامتها تحت السماء في خارج البلد و غيره.

الخامس: العذر المبيح لترك الجمعة، تبيحه و إن طرأ بعد الزوال، لكن يحرم إنشاء السفر بعد الزوال، لوجوب الجمعة عليه، فلا يجوز الاشتغال بما يؤدي إلى تركها، كالتجارة و اللهو، و لأن الوجوب متعلق بأول الوقت، و هو و إن كان موسعا في أوله، لكن هذه الصلاة تخالف غيرها، فإن الناس فيها تبع للإمام، فلو عجلها تعينت متابعته و سقطت خيرة الناس فيه، و إذا كان كذلك فلا يدري متى يقيم الإمام الصلاة، فتعين عليه انتظاره.

و يجوز قبل الزوال بعد الفجر على كراهية، لأنه لم يدخل وقت وجوب الجمعة فأشبه قبل الفجر، لكن الجمعة و إن دخل وقتها بالزوال فهي مضافة إلى اليوم، و لذلك يعتد بالغسل قبل الزوال، و يجب السعي لمن بعد داره قبل الزوال، فلهذا كره السفر بعد الفجر.

و لو كان السفر واجبا كالحج و الجهاد، أو مندوبا كالزيارة، فالأقرب عدم الكراهية، و ليس كون السفر طاعة عذرا في إنشائه بعد الزوال، و إن كان في واجب إذا لم يخف فوته.

و لو احتاج إلى السفر و خاف فوت الرفقة و نيل الضرر لو تخلف، جاز له

47

أن يسافر و إن كان بعد الزوال للعذر.

السادس: المعذور قد يرجو زوال عذره قبل فوات الجمعة، كالعبد يتوقع العتق، و المريض يتوقع البرء، فالأقوى عندي أنه يستحب له تأخير ظهره إلى اليأس عن درك الجمعة، و هو رفع الإمام رأسه من ركوع الثانية، لأنه ربما يزول عذره و يتمكن من فرض أهل الكمال.

و لو كان لا يرجي زوال عذره استحب له تقديم ظهره، تحصيلا لفضيلة أولوية الوقت.

السابع: ذو المنزل البعيد إذا انتهى الوقت إلى حد لو أخذ في السعي لم يدرك الجمعة، فقد حصل الفوات في حقه.

الثامن: إذا اجتمع معذورون، استحب لهم الجماعة في الظهر، لعموم الترغيب الوارد في الجماعة، و لا يستحب لهم الإخفاء، إلا أن يتهموا بالرغبة عن صلاة الإمام، بأن كان عذرهم خفيا.

التاسع: لو صلى المعذور قبل فوات الجمعة، صحت، لأنها فرضه، فإن زال العذر و أمكنه إدراك الجمعة، لم تجب عليه، لبراءة ذمته بأداء فرضه، كما لو برأ المريض، أو أقام المسافر، أو أعتق العبد.

أما لو صلى الخنثى المشكل الظهر، ثم تبين أنه رجل قبل فوات الجمعة، فإنه تلزمه الجمعة، لأنه ظهر كونه رجلا حين صلى الظهر.

و لو صلى الصبي الظهر ثم بلغ، فالأقوى عندي وجوب الجمعة عليه، و هؤلاء المعذورون يستحب لهم حضور الجمعة و إن لم يلزمهم، فإن كانوا قد صلوا الظهر، استحب لهم إعادة الجمعة، و الفرض هو الظهر السابقة.

و لو زال العذر في أثناء الظهر، احتمل الاستمرار، لأنه دخل في فرضه مشروعا فلا يبطله، و العدول إلى النفل ثم يصلي الجمعة، لوروده فيما هو مستحب، ففي الواجب أولى.

العاشر: من لا عذر له إذا صلى الظهر قبل فوات الجمعة، لم تصح

48

صلاته، لأن الجمعة فرض قائم بنفسه [1] بالأصالة لا بدل على غيره، و إلا لجاز تركها و الاشتغال بالمبدل، و إنما قضيت أربع ركعات مع فواتها و زاد عدد القضاء، لأن الخطبتين قائمة مقام الركعتين.

و لو أثم أهل البلد بترك الجمعة فصلوا الظهر، و صلى من هو بصفات الكمال الظهر لتعذر العدد، ثم صلوا الجمعة، فالوجه صحة ظهره و عدم وجوب الجمعة في حقه، لبراءة ذمته بما فعله، إذ الواجب عليه الظهر عند فقد الشرائط التي من جملتها العدد.

المطلب الثالث (في ماهيتها)

الجمعة ركعتان كسائر الصلوات، و إنما تتميز عنها بما تقدم من الشرائط و بما يأتي من الآداب، و يسقط معها الظهر إجماعا.

و يستحب أن يقرأ في الأولى بعد الحمد الجمعة، و في الثانية بعدها المنافقين، لأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) كذا فعل (1)، و قول الصادق (عليه السلام): إذا كان صلاة الجمعة فاقرأ سورة الجمعة و المنافقين (2).

و لو قرأ غيرهما عمدا لم تبطل جمعته للأصل، و لقول الكاظم (عليه السلام) و قد سأله علي بن يقطين عن الرجل يقرأ في صلاة الجمعة بغير سورة الجمعة متعمدا؟ قال: لا بأس بذلك (3).

و لو قرأ غير الجمعة في الأولى عمدا أو سهوا، احتمل قراءتها في الثانية ليدرك فضلها، و قراءة المنافقين لأنه محلها، و لو قرأ في الأولى المنافقين قرأ في الثانية الجمعة، تحصيلا لفضلهما معا.

____________

[1] في «ق» بنفسها.

____________

(1) جامع الأصول 6- 439.

(2) وسائل الشيعة 4- 815 ح 4.

(3) وسائل الشيعة 4- 817 ح 1.

49

و يستحب الجهر بالقراءة في الجمعة إجماعا، و في الظهر يومها قولان، الاستحباب مطلقا، لقول الصادق (عليه السلام) و قد سأله الحلبي عن القراءة يوم الجمعة إذا صليت وحدي أربعا أجهر بالقراءة؟ قال: نعم (1).

و الاستحباب جماعة، لقول الصادق (عليه السلام): صلوا في السفر صلاة جمعة جماعة بغير خطبة و أجهروا بالقراءة (2)، و قيل: يمنع الجهر في الظهر جماعة، لأن جميلا سأل الصادق (عليه السلام) عن الجماعة يوم الجمعة في السفر قال: يصنعون كما يصنعون في غير يوم الجمعة في الظهر، و لا يجهر الإمام، إنما يجهر إذا كانت خطبة (3)، و هو أحوط.

المطلب الرابع (في آدابها)

و هي:

الأول: يستحب الزينة يوم الجمعة بحلق الرأس إن كان من عادته، و إلا غسله بالخطمي، و قص الأظفار، و أخذ الشارب، و التطيب، و لبس أفضل الثياب، و السعي على سكينة و وقار، و الغسل مقدما على الصلاة، قال الصادق (عليه السلام): ليتزين أحدكم يوم الجمعة، و يتطيب، و يسرح لحيته، و يلبس أنظف ثيابه، و ليتهيأ للجمعة، و يكون عليه في ذلك اليوم السكينة و الوقار (4).

الثاني: يستحب السواك و قطع الرائحة الكريهة، لئلا يؤذي غيره، و لبس الثياب البيض، فإنها أفضل، لقوله (عليه السلام): أحب الثياب إلى اللّٰه تعالى البيض يلبسها أحياؤكم و يكفن فيها موتاكم (5).

____________

(1) وسائل الشيعة 4- 819.

(2) وسائل الشيعة 4- 820 ح 6.

(3) وسائل الشيعة 4- 820 ح 8.

(4) وسائل الشيعة 5- 78 ح 2.

(5) وسائل الشيعة 2- 750.

50

و ينبغي للإمام الزيادة في التجمل، لأنه المنظور إليه، لأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) كان يعتم و يرتدي و يخرج في الجمعة و العيدين في أحسن هيئة.

الثالث: يستحب المباكرة إلى الجامع، لقوله (عليه السلام): من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، و من راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، و من راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، و من راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، و من راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر (1). و قال الصادق (عليه السلام): إن الجنان لتزخرف و تزين يوم الجمعة لمن أتاها، و إنكم تتسابقون إلى الجنة على قدر سعيكم إلى الجمعة (2).

الرابع: المشي، فلا ينبغي الركوب، لأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ما ركب في عيد و لا جنازة قط، فالجمعة أولى، إلا أنه لم ينقل فيها قول عنه (عليه السلام)، لأن باب حجرته في المسجد.

الخامس: الدعاء أمام التوجه، لقول الباقر (عليه السلام) للسمال: ادع في العيدين و يوم الجمعة إذا تهيأت للخروج بهذا الدعاء «اللّهم من تهيأ و تعبأ» إلى آخره (3).

السادس: الغسل، و قد تقدم، و لا يكفي التيمم عنه، و لو لم يجد الماء سقط لا إلى بدل، إذ الغرض منه قطع الروائح الكريهة، و التيمم لا يفيد هذا الغرض.

و وقته: للمختار من طلوع الفجر الثاني، لقوله (عليه السلام): من اغتسل يوم الجمعة ثم راح فكأنما قرب بدنة، و من راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة الحديث (4).

____________

(1) سنن أبي داود 1- 91.

(2) وسائل الشيعة 5- 70 ح 1.

(3) الإقبال ص 292.

(4) سنن أبي داود 1- 91.

51

و متى تعتبر الساعات المذكورة في الحديث؟ الأقرب أنها من أول طلوع الفجر الثاني، لأنه أول اليوم شرعا.

و قال بعض الجمهور: من أول طلوع الشمس، لأن أهل الحساب منه يحسبون اليوم و يقدرون الساعات.

و قال بعضهم: من وقت الزوال، لأن الأمر بالحضور حينئذ يتوجه إليه، و يبعد أن يكون الثواب في وقت لم يتوجه عليه الأمر فيه أعظم، و لأن الرواح اسم للخروج بعد الزوال، و ليس بجيد، لاشتمال الحضور قبل الزوال على الحضور حالة الزوال و زيادة، فزاد الثواب باعتباره، و ذكر الرواح لأنه خروج لأمر يؤتى به بعد الزوال.

و ليس المراد من الساعات الأربع و العشرون التي تقسم اليوم و الليلة عليها، و إنما المراد ترتيب الدرجات و فضل السابق على الذي يليه، إذ لو كان المراد الساعات المذكورة لاستوى السابق و المسبوق في الفضيلة إذا جاءا في ساعة واحدة على التساوق، و لاختلف الأمر باليوم الشاتي و الصائف، و لفاتت الجمعة في اليوم الشاتي إن جاء في الساعة الخامسة.

السابع: ترك التخطي لرقاب الناس، و لا بأس بذلك للإمام للحاجة، و كذا لو ضاق المكان و بين يديه فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي، و ليس له إقامة غيره ليجلس موضعه و إن كان معتادا به، و له أن يبعث من يأخذ له موضعا فإذا حضر تنحى المبعوث، و لو فرش له ثوب فجاء آخر، لم يجز له أن يجلس عليه، فإن رفعه أو نحاه و جلس مكانه، دخل في ضمانه.

الثامن: إذا حضر قبل الخطبة يستحب له الاشتغال بالذكر و التلاوة و الصلاة على النبي و آله (عليهم السلام) و التنفل، و يستحب الإكثار من الصلاة على النبي و آله (عليهم السلام) يوم الجمعة و ليلة الجمعة، لقوله (عليه السلام): أقربكم مني في الجنة أكثركم صلاة علي

52

فأكثروا الصلاة علي في الليلة الغراء و اليوم الأزهر (1).

و قال الصادق (عليه السلام): إذا كان ليلة الجمعة نزل من السماء ملائكة بعدد الذر في أيديهم أقلام من الذهب و قراطيس الفضة لا يكتبون إلى ليلة السبت إلا الصلاة على محمد و على آل محمد (عليهم السلام) فأكثروا منها، ثم قال: إن من السنّة أن تصلي على محمد و على أهل بيته في كل جمعة ألف مرة و في سائر الأيام مائة مرة (2).

التاسع: يستحب الدعاء في الوقت الذي يرجى استجابة الدعاء، و هو ما روي عن الصادق (عليه السلام) الساعة التي تستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة ما بين فراغ الإمام من الخطبة إلى أن يستوي الناس في الصفوف، و ساعة أخرى من آخر النهار إلى غروب الشمس (3).

العاشر: لو لم يكن الإمام مرضيا، استحب للمصلي تقديم ظهره على صلاة الإمام، و يجوز أن يصلي معه ركعتين ثم يتم الظهر بعد فراغ الإمام، لقول الصادق (عليه السلام) في كتاب علي (عليه السلام): إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم و لا تقومن من مقعدك حتى تصلي ركعتين آخرتين (4)، و لو صلى في منزله أولا جاز، لأن الباقر (عليه السلام) كان يصنع ذلك (5).

الحادي عشر: يستحب التنفل يوم الجمعة زيادة على نوافل الظهر بأربع ركعات، و السر [1] فيه أن الساقطة ركعتان، فيستحب الإتيان ببدلهما، و النافلة الراتبة ضعف الفرائض.

____________

[1] في «ق» السبب.

____________

(1) وسائل الشيعة 5- 72 ح 6.

(2) وسائل الشيعة 5- 72 ح 5.

(3) وسائل الشيعة 5- 46 ح 1 ب 30.

(4) وسائل الشيعة 5- 44 ح 1.

(5) وسائل الشيعة 5- 44 ح 3.

53

و يستحب تقدم العشرين قبل الزوال، لقول الكاظم (عليه السلام): إنها قبل الزوال (1).

و يستحب ست عند انبساط الشمس، و ست عند ارتفاعها، و ست بين الظهرين، و ركعتان عند قيام الشمس، و لو صلى الجميع بين الظهرين، أو بعد العصر جاز.

المطلب الخامس (في المحرمات)

و يحرم يوم الجمعة شيئان:

الأول: البيع وقت النداء لا قبله و لا بعد الصلاة إجماعا، قال تعالى وَ ذَرُوا الْبَيْعَ (2).

و النداء الذي يتعلق به التحريم هو النداء الذي يقع بعد الزوال و الخطيب جالس على المنبر، لأنه تعالى علق التحريم بالنداء، و إنما ينصرف إلى الأذان الذي فعله النبي (صلى اللّٰه عليه و آله).

و لو جوزنا الخطبة قبل الزوال، كما ذهب إليه بعض علمائنا، لم يشرع الأذان قبله، و هل يحصل التحريم حينئذ؟ إشكال، أقربه ذلك، لحصول الغاية.

و يكره البيع بعد الزوال قبل النداء، لما فيه من التشاغل عن التأهب للجمعة.

و لو كان بعيدا من الجمعة يفتقر إلى قطع المسافة قبل الزوال، وجب السعي و حرم البيع إن منع و إلا فلا.

____________

(1) وسائل الشيعة 5- 22.

(2) سورة الجمعة: 9.

54

و لو لم يمنع البيع عن سماع الخطبة، و لا من التشاغل بالجمعة، أو منع و لم نوجب السماع، و لا حرمنا الكلام، احتمل التحريم للعموم، و يختص التحريم بمن يجب عليه السعي، لا كالعبيد و المسافرين.

و لو كان أحد المتبايعين مخاطبا دون الآخر، حرم بالنسبة إلى المخاطب إجماعا، و الأقوى عندي التحريم في حق الآخر، لقوله تعالى وَ لٰا تَعٰاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوٰانِ (1). و لو تبايع المخاطبين بالجمعة فعلا حراما.

و الأقوى عندي انعقاد البيع، لعدم اقتضاء النهي في المعاملات الفساد، و أصالة الصحة لوجود المقتضي، و هو البيع الصادر من أهله في محله.

و الأقوى عندي تحريم غير البيع مما يشبهه من العقود، كالإجارة و النكاح و الصلح و غيرها، للمشاركة في العلة.

الثاني: الأذان الثاني بدعة عند علمائنا، لقول الباقر (عليه السلام):

الأذان الثالث يوم الجمعة بدعة (2) و سماه الثالث بالنسبة إلى الإقامة، و لأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لم يفعله إجماعا.

و شرع للصلاة أذانا واحدا و إقامة، و الزيادة الثالثة بدعة، لأن الأذان كان يوم الجمعة حين يجلس الإمام على المنبر على عهد رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)، و على عهد أبي بكر و عمر، فلما كان زمن عثمان كثر الناس بالزوراء أمر بالأذان الثالث.

و يستحب الأذان بعد جلوس الإمام على المنبر.

و أذان العصر مكروه يوم الجمعة، بل إذا فرغ من الظهر صلى العصر بغير أذان، للمشقة بالمصير إلى الجامع، و الإعلام قد حصل.

____________

(1) سورة المائدة: 2.

(2) وسائل الشيعة 5- 81 ح 1.

55

الفصل الثاني (في صلاة العيدين)

و فيه مطالب:

المطلب الأول (الشرائط)

صلاة العيدين واجبة على الأعيان عند علمائنا أجمع، لقوله تعالى «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ» (1) و في مشهور التفسيرات المراد صلاة العيد، و قوله تعالى قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّٰى وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّٰى (2) و المراد زكاة الفطرة و فطرة العيد و لأنه (عليه السلام) داوم عليها و لم يخل بها في وقت من الأوقات.

و لو كانت مندوبة لأخل بها في وقت ما بيانا للحكم، أو لنص على ذلك، و لقول الصادق (عليه السلام): صلاة العيد فريضة (3)، و لأنها لو لم يجب لم يجب قتال تاركها كغيرها من السنن، و لأنها من شعائر الدين الظاهر و أعلامه، فيكون واجبة على الأعيان كالجمعة.

و شرائطها: شرائط الجمعة إلا الخطبتين، فإنهما و إن وجبتا فيهما لكنهما

____________

(1) سورة الكوثر: 2.

(2) سورة الأعلى: 14.

(3) وسائل الشيعة 5- 95.

56

ليستا شرطا، لأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) صلاها بشرائط الجمعة و قال: صلوا كما رأيتموني أصلي (1)، و لأن كل من أوجبها على الأعيان اشترط ذلك، و قد بينا وجوبها على الأعيان، و لقول الباقر (عليه السلام): لا صلاة يوم الفطر و لا الأضحى إلا مع إمام (2).

و تجب على كل من تجب عليه الجمعة، و تسقط عمن تسقط عنه الجمعة.

و هل يشترط بين فرض العيدين بعد فرسخ، كما قلناه في الجمعة؟ إشكال، ينشأ من عدم نص علمائنا على كونه شرطا بالخصوصية، حيث عدوا شرائط الجمعة.

و وقتها: من طلوع الشمس إلى الزوال، عند علمائنا أجمع، لأن عبد اللّٰه بن بسر صاحب رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) خرج في يوم عيد الفطر أو أضحى، فأنكر إبطاء الإمام، فقال: إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه، و ذلك حين صلاة التسبيح (3)، و قول الصادق (عليه السلام): ليس في الفطر و لا الأضحى أذان و لا إقامة أذانهما طلوع الشمس، فإذا طلعت فاخرجوا (4).

و يستحب تأخيرها إلى أن تبسط الشمس، ليتوفر الناس على الحضور.

و يستحب في الفطر الإصباح بها أكثر، لأن من المسنون يوم الفطر أن يفطروا أولا على شيء من الحلوة ثم يصلي، و في الأضحى لا يطعم شيئا حتى يصلي و يضحي، و يكون إفطاره على شيء مما يضحي به، لأن الأفضل إخراج الفطرة قبل الصلاة، فيؤخرها ليتسع الوقت لذلك، و في الأضحى يقدمها ليضحي بعدها.

و وقت الخروج إلى العيد بعد طلوع الشمس، لأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) كان يخرج كذلك، و قال الصادق (عليه السلام): إذا طلعت فاخرجوا (5).

____________

(1) جامع الأصول 6- 374.

(2) وسائل الشيعة 5- 96 ح 1.

(3) جامع الأصول 7- 86.

(4) وسائل الشيعة 5- 102 ح 5.

(5) وسائل الشيعة 5- 102.