الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - ج8

- الشيخ يوسف البحراني المزيد...
531 /
1

-

2

[تتمة كتاب الصلاة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الباب الثاني في الصلوات اليومية و ما يلحق بها من قواطعها و سهوها و شكوكها

، و البحث فيه يقع في مقصدين:

[المقصد] (الأول)- في الصلاة

[الأخبار المشتملة على أفعال الصلاة و آدابها]

و الواجب على عادتنا في الكتاب ان نذكر هنا جملة من الأخبار المشتملة على أفعال الصلاة و آدابها:

فمن ذلك

ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر اللّٰه مراقدهم) في الكافي و التهذيب و الفقيه و المجالس و غيرها، رووا في الصحيح و الحسن عن حماد بن عيسى (1) قال:

«قال لي أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): يوما يا حماد تحسن ان تصلي؟ قال فقلت يا سيدي أنا أحفظ كتاب حريز في الصلاة، قال لا عليك يا حماد قم فصل قال فقمت بين يديه متوجها إلى القبلة فاستفتحت الصلاة فركعت و سجدت فقال يا حماد لا تحسن ان تصلي ما أقبح بالرجل منكم يأتي عليه ستون سنة أو سبعون سنة فلا يقيم صلاة واحدة بحدودها تامة.

قال حماد: فأصابني في نفسي الذل فقلت: جعلت فداك فعلمني الصلاة، فقام أبو عبد اللّٰه

____________

(1) الوسائل الباب 1 من أفعال الصلاة.

3

(عليه السلام) مستقبل القبلة منتصبا فأرسل يديه جميعا على فخذيه قد ضم أصابعه و قرب بين قدميه حتى كان بينهما قدر ثلاث أصابع منفرجات و استقبل بأصابع رجليه جميعا القبلة لم يحرفهما عن القبلة و قال بخشوع: «اللّٰه أكبر» ثم قرأ الحمد بترتيل و «قل هو اللّٰه أحد» ثم صبر هنيهة بقدر ما يتنفس و هو قائم ثم رفع يديه حيال وجهه و قال «اللّٰه أكبر» و هو قائم ثم ركع و ملأ كفيه من ركبتيه منفرجات و رد ركبتيه إلى خلفه حتى استوى ظهره حتى لو صب عليه قطرة من ماء أو دهن لم تزل لاستواء ظهره و مد عنقه و غمض عينيه ثم سبح ثلاثا بترتيل فقال: «سبحان ربي العظيم و بحمده» ثم استوى قائما فلما استمكن من القيام قال «سمع اللّٰه لمن حمده» ثم كبر و هو قائم و رفع يديه حيال وجهه ثم سجد و بسط كفيه مضمومتي الأصابع بين يدي ركبتيه حيال وجهه و قال «سبحان ربي الأعلى و بحمده» ثلاث مرات و لم يضع شيئا من جسده على شيء منه و سجد على ثمانية أعظم: الكفين و الركبتين و أنامل إبهامي الرجلين و الجبهة و الأنف، و قال: سبعة منها فرض يسجد عليها و هي التي ذكرها اللّٰه عز و جل في كتابه و قال

«وَ أَنَّ الْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ فَلٰا تَدْعُوا مَعَ اللّٰهِ أَحَداً» (1)

و هي الجبهة و الكفان و الركبتان و الإبهامان، و وضع الأنف على الأرض سنة. ثم رفع رأسه من السجود فلما استوى جالسا قال: «اللّٰه أكبر» ثم قعد على فخذه الأيسر و قد وضع ظاهر قدمه الأيمن على بطن قدمه الأيسر فقال: «استغفر اللّٰه ربي و أتوب إليه» ثم كبر و هو جالس و سجد السجدة الثانية و قال كما قال في الاولى و لم يضع شيئا من بدنه على شيء منه في ركوع و لا سجود و كان مجنحا و لم يضع ذراعيه على الأرض، فصلى ركعتين على هذا و يداه مضمومتا الأصابع و هو جالس في التشهد فلما فرغ من التشهد سلم فقال يا حماد هكذا صل».

و روى ثقة الإسلام في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (2)

____________

(1) سورة الجن، الآية 18.

(2) الوسائل الباب 1 من أفعال الصلاة.

4

قال:

«إذا قمت في الصلاة فلا تلصق قدمك بالأخرى و دع بينهما فصلا إصبعا أقل ذلك إلى شبر أكثره، و اسدل منكبيك و أرسل يديك و لا تشبك أصابعك و ليكونا على فخذيك قبالة ركبتيك و ليكن نظرك إلى موضع سجودك، فإذا ركعت فصف في ركوعك بين قدميك تجعل بينهما قدر شبر و تمكن راحتيك من ركبتيك و تضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى قبل اليسرى، و بلع أطراف أصابعك عين الركبة و فرج أصابعك إذا وضعتها على ركبتيك فان وصلت أطراف أصابعك في ركوعك إلى ركبتيك أجزأك ذلك، و أحب الي ان تمكن كفيك من ركبتيك فتجعل أصابعك في عين الركبة و تفرج بينها و أقم صلبك و مد عنقك و ليكن نظرك إلى ما بين قدميك، فإذا أردت أن تسجد فارفع يديك بالتكبير و خر ساجدا و ابدأ بيديك فضعهما على الأرض قبل ركبتيك تضعهما معا و لا تفترش ذراعيك افتراش السبع ذراعيه و لا تضعن ذراعيك على ركبتيك و فخذيك و لكن تجنح بمرفقيك و لا تلصق كفيك بركبتيك و لا تدنهما من وجهك بين ذلك حيال منكبيك و لا تجعلهما بين يدي ركبتيك و لكن تحرفهما عن ذلك شيئا و ابسطهما على الأرض بسطا و اقبضهما إليك قبضا و ان كان تحتهما ثوب فلا يضرك و ان أفضيت بهما إلى الأرض فهو أفضل، و لا تفرجن بين أصابعك في سجودك و لكن ضمهن جميعا، قال و إذا قعدت في تشهدك فألصق ركبتيك بالأرض و فرج بينهما شيئا و ليكن ظاهر قدمك اليسرى على الأرض و ظاهر قدمك اليمنى على باطن قدمك اليسرى و أليتاك على الأرض و طرف إبهامك اليمنى على الأرض، و إياك و القعود على قدميك فتتأذى بذلك و لا تكن قاعدا على الأرض فتكون انما قعد بعضك على بعض فلا تصبر للتشهد و الدعاء».

بيان: الظاهر ان إنكار الصادق (عليه السلام) على حماد في صلاته و تعليمه انما هو بالنسبة إلى سنن الصلاة و آدابها لا بالنسبة إلى واجباتها و إلا لأمره بقضاء ما مضى من صلواته، على ان مثل حماد (رضوان اللّٰه عليه) أجل قدرا من ان يجهل الواجب عليه كما يشير اليه قوله:

«انا أحفظ كتاب حريز في الصلاة»

و بذلك يظهر لك

5

ما في كلام السيد المحدث السيد نعمة اللّٰه الجزائري (قدس سره) في مسألة معذورية الجاهل من دعواه جهل حماد بالأحكام الواجبة و ان الامام (عليه السلام) لم يأمره بالقضاء من حيث معذورية الجاهل. و قد نقلنا كلامه في كتاب الدرر النجفية في الدرة التي في مسألة معذورية الجاهل.

و يؤيد ما ذكرناه ما صرح به شيخنا الشهيد في الذكرى، قال: و الظاهر ان صلاة حماد كانت مسقطة للقضاء و إلا لأمره بقضائها و لكنه عدل به إلى الصلاة التامة. و الظاهر ان صلاته (عليه السلام) لم تكن صلاة حقيقية بل كانت لمجرد التعليم للكلام في أثنائها كما حكاه الراوي إلا ان يحمل على ان الكلام انما كان بعدها و لكن حماد حكاه في أثنائها للبيان و ربطه بما يتعلق به.

قوله:

«ما أقبح بالرجل منكم.»

قال شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين: فصل بين فعل التعجب و بين معموله و هو مختلف فيه بين النحاة فمنعه الأخفش و المبرد و جوزه المازني و الفراء بالظرف و نقلا عن العرب انهم يقولون

«ما أحسن بالرجل ان يصدق»

و صدوره من الامام (عليه السلام) من أقوى الحجج على جوازه، و الجار في قوله (عليه السلام) «منكم» حال من الرجل أو وصف له فان المعرف بلام العهد الذهني في حكم النكرة، و المراد ما أقبح بالرجل من الشيعة أو من صلحائهم.

قوله:

«و قرب بين قدميه حتى كان بينهما قدر ثلاث أصابع منفرجات»

هذا هو المشهور بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) حيث صرحوا بأنه يستحب ان يكون بينهما ثلاث أصابع منفرجات إلى شبر إلا ان ظاهر صحيحة زرارة المتقدمة و قوله في صدرها

«إصبعا أقل ذلك إلى شبر»

ربما نافى هذا الخبر. و أجاب عنه شيخنا البهائي في الحبل المتين بأنه لعل المراد به طول الإصبع لا عرضه. و الظاهر من الصحيحة المذكورة ان التحديد بالإصبع إلى قدر شبر انما هو في حال القيام و اما حال الركوع فإنه يكون بينهما قدر شبر، و المفهوم من كلام الأصحاب العموم.

6

قوله:

«ثم قرأ الحمد بترتيل»

الترتيل لغة التأني و تبيين الحروف بحيث يتمكن السامع من عدها مأخوذ من قولهم

«ثغر رتل و مرتل»

إذا كان مفلجا و به فسر قوله تعالى «وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا» (1)

و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (2)

«انه حفظ الوقوف و بيان الحروف».

اي مراعاة الوقف التام و الحسن و الإتيان بالحروف على الصفات المعتبرة من الهمس و الجهر و الاستعلاء و الإطباق و الغنة و أمثالها، و الترتيل بكل من هذين التفسيرين مستحب، و من حمل الأمر في الآية على الوجوب فسر الترتيل بإخراج الحروف من مخارجها على وجه تتميز و لا يندمج بعضها في بعض.

قوله

«صبر هنيهة»

في بعض نسخ الحديث «هنية» بضم الهاء و تشديد الياء بمعنى الوقت اليسير تصغير «هنة» بمعنى الوقت، و ربما قيل «هنيهة» بإبدال الياء هاء و اما «هنيئة» بالهمزة فغير صواب نص عليه في القاموس، كذا أفاد شيخنا البهائي في الحبل المتين إلا ان شيخنا المجلسي نقل ان أكثر النسخ هنا بالهمزة و في المجالس و بعض نسخ التهذيب بالهاء.

قوله

«بقدر ما يتنفس»

في بعض النسخ «بقدر ما تنفس» فيكون الضمير راجعا له (عليه السلام) و في بعضها «يتنفس» بالمضارع المبني للمجهول، و فيه دلالة على استحباب السكتة بعد السورة و ان حدها بقدر النفس، قال في الذكرى: من المستحبات السكوت إذا فرغ من الحمد و السورة و هما سكتتان

لرواية إسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (3) المشتملة على ان أبي بن كعب قال

«كانت لرسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) سكتتان: إذا فرغ من أم القرآن و إذا فرغ من السورة».

و في رواية حماد تقدير السكتة بعد السورة بنفس. و قال ابن الجنيد روى سمرة و أبي بن كعب عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (4) ان السكتة الأولى بعد تكبيرة الافتتاح و الثانية بعد

____________

(1) سورة المزمل الآية 4.

(2) الوافي باب سائر أحكام القراءة.

(3) الوسائل الباب 46 من القراءة.

(4) تيسير الوصول ج 2 ص 229.

7

الحمد، ثم قال و الظاهر استحباب السكوت عقيب الحمد في الأخيرتين قبل الركوع و كذا عقيب التسبيح. انتهى. و سيجيء تمام الكلام في ذلك ان شاء اللّٰه تعالى في مستحبات القراءة.

قوله

«ثم سجد و بسط كفيه مضمومتي الأصابع بين يدي ركبتيه حيال وجهه»

ربما نافاه قوله (عليه السلام) في صحيح زرارة المتقدم

«و لا تجعلهما بين يدي ركبتيك و لكن تحرفهما عن ذلك شيئا»

و الجواب عن ذلك ما افاده شيخنا البهائي (عطر اللّٰه مرقده) قال: و قوله (عليه السلام) «و لا تجعلهما بين يدي ركبتيك» اي لا تجعلهما في نفس قبلة الركبتين بل احرفهما عن ذلك قليلا. و لا ينافي هذا ما في حديث حماد من انه (عليه السلام) بسط كفيه بين يدي ركبتيه لأن المراد بكون الشيء بين اليدين كونه بين جهتي اليمين و الشمال و هو أعم من المواجهة الحقيقية و الانحراف اليسير إلى أحد الجانبين و يستعمل ذلك في كل من المعنيين. فاستعمل في هذا الحديث في الأول و في الآخر في الثاني، قال صاحب الكشاف في قوله تعالى «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ» (1) حقيقة قولهم: «جلست بين يدي فلان» ان يجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه و شماله قريبا منه فسميت الجهتان يدين لكونهما على سمت اليدين مع القرب منهما توسعا كما يسمى الشيء باسم غيره إذا جاوره و داناه. انتهى قوله

«فصلى ركعتين على هذا»

قال شيخنا في البحار قال الشيخ البهائي (قدس سره) هذا يعطي انه (عليه السلام) قرأ سورة التوحيد في الركعة الثانية أيضا و هو ينافي ما هو المشهور بين أصحابنا من استحباب مغايرة السورة في الركعتين و كراهة تكرار الواحدة فيهما إذا أحسن غيرها كما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) و يؤيده ما مال اليه بعضهم من استثناء سورة الإخلاص من هذا الحكم و هو جيد

____________

(1) سورة الحجرات الآية 1.

(2) الوسائل الباب 6 من القراءة في الصلاة.

8

و يعضده

ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) من

«ان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) صلى ركعتين و قرأ في كل منهما قل هو اللّٰه أحد».

و كون ذلك لبيان الجواز بعيد. انتهى كلام شيخنا المشار اليه.

قوله في صحيح زرارة

«و بلع أطراف أصابعك عين الركبة»

ضبطه شيخنا البهائي (زاده اللّٰه بهاء و شرفا) باللام المشددة و العين المهملة من البلع أي اجعل أطراف أصابعك بالعة عين الركبة، و قال: و هذا كما سيجيء في بحث الركوع من

قوله (عليه السلام) (2)

«و تلقم بأطراف أصابعك عين الركبة».

اي تجعل عين الركبة كاللقمة لأطراف الأصابع. و ربما يقرأ «و بلغ» بالغين المعجمة و هو تصحيف. انتهى.

قوله في الحديث المذكور «و اقبضهما إليك قبضا» قال شيخنا البهائي (قدس سره) و لعل المراد بقبض الكفين في قوله (عليه السلام) «و اقبضهما إليك قبضا» انه إذا رفع رأسه من السجدة الأولى ضم كفيه اليه ثم رفعهما بالتكبير لا انه يرفعهما بالتكبير و عن الأرض برفع واحد، و في كلام الشيخ الجليل علي بن بابويه (قدس سره) ما يفسر ذلك فإنه قال: إذا رفع رأسه من السجدة الأولى قبض يديه اليه قبضا فإذا تمكن من الجلوس رفعهما بالتكبير. انتهى كلام شيخنا المشار اليه.

و في نظري القاصر ان ما ذكره في معنى العبارة المذكورة لا يخلو من بعد و قياسه على عبارة الشيخ المذكور قياس مع الفارق فان سياق عبارة الخبر ان الأمر بقبضهما اليه قبضا انما هو حال السجود فان ما قبل هذه الجملة و ما بعدها كله في آداب حال السجود و لا تعلق له بالرفع من السجود، و حمل هذه الجملة من بين هذه الجمل التي قبلها و بعدها على

____________

(1) الوسائل الباب 7 من القراءة في الصلاة.

(2) يشير «(قدس سره)» الى صحيح زرارة الذي سيذكره المصنف «(قدس سره)» في مستحبات الركوع و المروي في الوسائل في الباب 1 من أبواب الركوع و قد ضبطه هناك كذلك كما في التهذيب ج 1 ص 156.

9

المعنى الذي ذكره خروج عن ظاهر السياق و النظام بل من قبيل الألغاز الذي يبعد تصوره عن الافهام، و لا إشارة في هذه العبارة إلى التكبير فضلا عن التصريح كما وقع التصريح به في عبارة الشيخ المذكور. و اما عبارة الشيخ المذكور فإنها صريحة في الرفع من السجود و التكبير بعده.

ثم انه (قدس سره) كتب في الحاشية على هذا الموضع: كان قدماء علمائنا (قدس اللّٰه أرواحهم) يحافظون على لفظ الرواية أو ما قرب منه في كتب الفروع. انتهى.

أقول: مراده بهذا الكلام الإشارة إلى ان الشيخ علي بن بابويه انما ذكر هذه العبارة أخذا من الحديث المذكور و ان الشيخ المذكور فهم منه ما فهمه هو (قدس سره) و هو غلط محض (أما أولا) فلما ذكرناه. و (اما ثانيا) فلان كلام الشيخ المذكور انما أخذه من عبارة

كتاب الفقه الرضوي على الطريقة التي عرفت في غير موضع مما تقدم حيث قال (عليه السلام) في الكتاب المذكور (1)

«ثم ارفع رأسك من السجود و اقبض إليك قبضا و تمكن من الجلوس. الحديث».

و مراده قبض يديه اليه قبضا بعد الرفع إلى ان يجلس و لكنه لم يذكر التكبير بعد الجلوس كما ذكره الشيخ المذكور.

و الظاهر عندي من معنى الكلام المذكور في صحيحة زرارة انما هو قبض الكفين اليه حال السجود بمعنى ان لا يباعدهما عنه بل يدنيهما منه و يجعلهما محاذيين للمنكبين كما تضمنته الرواية.

و روى ثقة الإسلام (عطر اللّٰه مرقده) في الكافي عن زرارة (2) قال:

«إذا قامت المرأة في الصلاة جمعت بين قدميها و لا تفرج بينهما و تضم يديها إلى صدرها لمكان ثدييها فإذا ركعت وضعت يديها فوق ركبتيها على فخذيها لئلا تطأطئ كثيرا فترتفع عجيزتها، فإذا جلست فعلى ألييها ليس كما يقعد الرجل، و إذا سقطت للسجود بدأت بالقعود بالركبتين قبل اليدين ثم تسجد لاطئة بالأرض، فإذا كانت في جلوسها ضمت فخذيها و رفعت

____________

(1) ص 8.

(2) الوسائل الباب 1 من أفعال الصلاة.

10

ركبتيها من الأرض، و إذا نهضت انسلت انسلالا لا ترفع عجيزتها أولا».

قال في الذكرى هذه الرواية موقوفة على زرارة لكن عمل الأصحاب عليها. انتهى.

و روى في الكافي و التهذيب عن ابن أبي يعفور في الموثق عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال:

«إذا سجدت المرأة بسطت ذراعيها».

و عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال:

«سألته عن جلوس المرأة في الصلاة؟ قال تضم فخذيها».

و روى ابن بكير عن بعض أصحابنا (3) قال:

«المرأة إذا سجدت تضممت و الرجل إذا سجد تفتح».

و قال في كتاب الفقه الرضوي (4):

و المرأة إذا قامت إلى صلاتها ضمت برجليها و وضعت يديها على صدرها من مكان ثدييها فإذا ركعت وضعت يديها على فخذيها و لا تطأطئ كثيرا لئلا ترتفع عجيزتها، فإذا سجدت جلست ثم سجدت لاطئة بالأرض فإذا أرادت النهوض تقوم من غير ان ترفع عجيزتها، فإذا قعدت للتشهد رفعت رجليها و ضمت فخذيها.

انتهى.

أقول: قد ذكر الشيخ و جمع من الأصحاب ان حكم المرأة في الصلاة حكم الرجل إلا في الجهر و الإخفات و في مواضع أخرى مذكورة في صحيحة زرارة.

و روى في الكافي في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (5) قال:

«إذا قمت في الصلاة فعليك بالإقبال على صلاتك فإنما يحسب لك منها ما أقبلت عليه و لا تعبث فيها بيدك و لا برأسك و لا بلحيتك و لا تحدث نفسك و لا تتثأب و لا تتمط و لا تكفر فإنما يفعل ذلك المجوس، و لا تلثم و لا تحتفز و لا تفرج كما يتفرج البعير و لا تقع على قدميك و لا تفترش ذراعيك و لا تفرقع أصابعك فإن ذلك كله نقصان من

____________

(1) الوسائل الباب 3 من السجود.

(2) الوسائل الباب 1 من التشهد.

(3) الوسائل الباب 3 من السجود.

(4) ص 9.

(5) الوسائل الباب 1 من أفعال الصلاة.

11

الصلاة، و لا تقم إلى الصلاة متكاسلا و لا متناعسا و لا متثاقلا فإنها من خلال النفاق فان اللّٰه تعالى نهى المؤمنين ان يقوموا إلى الصلاة و هم سكارى

(1)

يعني سكر النوم. و قال للمنافقين

وَ إِذٰا قٰامُوا إِلَى الصَّلٰاةِ قٰامُوا كُسٰالىٰ يُرٰاؤُنَ النّٰاسَ وَ لٰا يَذْكُرُونَ اللّٰهَ إِلّٰا قَلِيلًا

»

(2)

.

و قال (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (3): فإذا أردت ان تقوم إلى الصلاة فلا تقم إليها متكاسلا و لا متناعسا و لا مستعجلا و لا متلاهيا و لكن تأتيها على السكون و الوقار و التؤدة، و عليك بالخشوع و الخضوع متواضعا للّٰه عز و جل متخاشعا عليك خشية و سيماء الخوف راجيا خائفا بالطمأنينة على الوجل و الحذر، فقف بين يديه كالعبد الآبق المذنب بين يدي مولاه فصف قدميك و انصب نفسك و لا تلتفت يمينا و لا شمالا و تحسب كأنك تراه فان لم تكن تراه فإنه يراك، و لا تعبث بلحيتك و لا بشيء من جوارحك و لا تفرقع أصابعك و لا تحك بدنك و لا تولع بأنفك و لا بثوبك، و لا تصل و أنت متلثم، و لا يجوز للنساء الصلاة و من متنقبات، و يكون بصرك في موضع سجودك ما دمت قائما، و أظهر عليك الجزع و الهلع و الخوف و ارغب مع ذلك إلى اللّٰه عز و جل و لا تتكىء مرة على رجلك و مرة على الأخرى، و تصلي صلاة مودع ترى انك لا تصلي أبدا و اعلم انك بين يدي الجبار و لا تعبث بشيء من الأشياء و لا تحدث لنفسك و افرغ قلبك و ليكن شغلك في صلاتك و أرسل يديك ألصقهما بفخذيك، فإذا افتتحت الصلاة فكبر و ارفع يديك بحذاء أذنيك و لا تجاوز بإبهاميك حذاء أذنيك، و لا ترفع يديك بالدعاء في المكتوبة حتى تجاوز بهما رأسك و لا بأس بذلك في النافلة و الوتر، فإذا ركعت فألقم ركبتيك راحتيك و تفرج بين أصابعك و اقبض عليهما، و إذا رفعت رأسك من الركوع فانتصب قائما حتى ترجع مفاصلك كلها إلى المكان ثم اسجد و ضع جبينك على الأرض و أرغم على راحتيك و اضمم أصابعك و ضعهما مستقبل القبلة، و إذا جلست فلا تجلس

____________

(1) سورة النساء الآية 46.

(2) سورة النساء الآية 141.

(3) ص 7.

12

على يمينك لكن انصب يمينك و اقعد على ألييك، و لا تضع يديك بعضهما على بعض و لكن أرسلهما إرسالا فإن ذلك تكفير أهل الكتاب، و لا تتمط في صلاتك و لا تتجشأ و امنعهما بجهدك و طاقتك، فإذا عطست فقل

«الحمد للّٰه» و لا تطأ موضع سجودك و لا تتقدم مرة و لا تتأخر أخرى، و لا تصل و بك شيء من الأخبثين و ان كنت في الصلاة فوجدت غمزا فانصرف إلا ان يكون شيئا تصبر عليه من غير إضرار بالصلاة، و اقبل على اللّٰه بجميع القلب و بوجهك حتى يقبل اللّٰه عليك، و أسبغ الوضوء و عفر جبينيك في التراب، و إذا أقبلت على صلاتك اقبل اللّٰه عليك بوجهه و إذا أعرضت أعرض اللّٰه عنك. و اروي عن العالم (عليه السلام) انه قال ربما لم يرفع من الصلاة إلا النصف أو الثلث أو السدس على قدر إقبال العبد على صلاته و ربما لا يرفع منها شيء ترد في وجهه كما يرد الثوب الخلق و تنادي ضيعتني ضيعك اللّٰه كما ضيعتني و لا يعطي اللّٰه القلب الغافل شيئا. و روى إذا دخل العبد في صلاته لم يزل اللّٰه ينظر اليه حتى يفرغ منها. و قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) إذا أحرم العبد في صلاته اقبل اللّٰه عليه بوجهه و يوكل به ملكا يلتقط القرآن من فيه التقاطا فإن أعرض أعرض اللّٰه عنه و وكله إلى الملك.

انتهى كلامه في الكتاب المذكور.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الصلاة تشتمل على الواجب و المستحب و نحن نذكر سياقها حسب ما ذكره أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) من جعل مطرح البحث فيها الواجبات الثمانية المشهورة و نزيد بذكر القنوت في أثنائها و ان كان مستحبا عندنا، و ننبه على مستحباتها كل في موضعه من غير ان نفردها بعنوان على حدة كما فعله جملة من الاعلام فإن هذا أليق بالترتيب و النظام، و نفرد ذكر الأخيرتين بالبحث على حدة لا كما ذكره أصحابنا من جعله في بحث القراءة و السبب في مخالفتنا لهم في ذلك هو ان الظاهر انهم انما جعلوه في بحث القراءة من حيث ان القراءة في الأخيرتين هي الأصل عندهم و التسبيح انما هو فرع عليها كما لا يخفى على من لاحظ كلامهم، و نحن لما كان الظاهر عندنا ان الواجب في الأخيرتين انما هو

13

التسبيح اما عينا كما هو اختيار بعض متأخري متأخرينا (رضوان اللّٰه عليهم) أو تخييرا مع كونه الأفضل كما هو المقطوع به من اخبار أهل الذكر (عليهم السلام) كان افراد ذلك بالبحث هو الأليق بالترتيب و النظام كما لا يخفى على الفطن الأريب و جملة ذوي الأفهام، و لطول البحث في المقام كما سنشرحه لك ان شاء اللّٰه تعالى بما لم يسبق اليه سابق من علمائنا الاعلام، و لما يتعلق بذلك من الأحكام الخاصة التي لم تحم حولها الأقلام و حينئذ فالكلام في هذا المقصد يقع في فصول عشرة:

الفصل الأول في النية

و قد تقدم البحث فيها في كتاب الطهارة في نية الوضوء بما لم يسبق اليه سابق من علمائنا الأعلام بتحقيق و تدقيق- يكشف نقاب الإجمال عنها و الإبهام بجميع أحكامها و متعلقاتها- للنصوص مطابق و للاخبار موافق، و لكن لا بأس بنقل بعض كلماتهم في هذا المقام و بيان ما فيها من الاختلال و عدم الانتظام في سلك ذلك النظام:

فنقول قال السيد السند (قدس سره) في مدارك الأحكام- بعد قول المصنف و حقيقتها استحضار صفة الصلاة في الذهن و القصد بها إلى أمور أربعة: الوجوب أو الندب و القربة و التعيين و كونها أداء أو قضاء- ما لفظه: اعلم ان النية عبارة عن أمر واحد بسيط و هو القصد إلى الفعل لكن لما كان القصد إلى الشيء المعين موقوفا على العلم به وجب لقاصد الصلاة إحضار ذاتها في الذهن مطلقا و صفاتها التي يتوقف عليها التعيين ثم القصد إلى فعل هذا المعلوم طاعة للّٰه و امتثالا لأمره. و قد أحسن شيخنا الشهيد في الذكرى حيث قال بعد ان ذكر نحو ذلك: و تحقيقه انه إذا أريد نية الظهر مثلا فالطريق إليها إحضار المنوي بمميزاته عن غيره في الذهن فإذا حضر قصد المكلف إلى إيقاعه تقربا إلى اللّٰه تعالى، و ليس فيه ترتيب بحسب التصور و ان وقع ترتيب فإنما هو بحسب التعبير عنه بالألفاظ إذ من ضرورتها ذلك، فلو ان مكلفا احضر في ذهنه الظهر الواجبة المؤداة

14

ثم استحضر قصد فعلها تقربا و كبر كان ناويا. إذا عرفت ذلك فنقول انه يعتبر في نية الصلاة القربة و هي الطاعة للّٰه، ثم ساق الكلام في تلك الأمور الأربعة التي ذكرها المصنف بنقض و إبرام، إلى ان قال. و بالجملة فالمستفاد من الأدلة الشرعية سهولة الخطب في أمر النية و ان المعتبر فيها قصد الفعل المعين طاعة للّٰه تعالى خاصة، و هذا القدر أمر لا يكاد ينفك عنه عاقل متوجه إلى إيقاع العبادة و من هنا قال بعض الفضلاء لو كلف اللّٰه تعالى بالصلاة أو غيرها من العبادات بغير نية لكان تكليفا بما لا يطاق. و قال بعض المحققين لو لا قيام الأدلة على اعتبار القربة و إلا لكان ينبغي ان يكون هذا من باب

«اسكتوا عما سكت اللّٰه عنه»

(1)

.

و ذكر الشهيد (قدس سره) في الذكرى ان المتقدمين من علمائنا ما كانوا يذكرون النية في كتبهم الفقهية بل كانوا يقولون أول واجبات الوضوء غسل الوجه و أول واجبات الصلاة تكبيرة الإحرام. و كأن وجهه ان القدر المعتبر من النية أمر لا يكاد يمكن الانفكاك عنه و ما زاد عليه فليس بواجب، و مما يؤيد ذلك عدم ورود النية في شيء من العبادات على الخصوص بل خلو الأخبار الواردة في صفة وضوء النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و غسله و تيممه (2) من ذلك، و كذا الرواية المتضمنة لتعليم الصادق (عليه السلام) (3) لحماد الصلاة حيث قال فيها: انه (عليه السلام) قام و استقبل القبلة و قال بخشوع «اللّٰه أكبر» و لم يقل فكر في النية و لا تلفظ بها و لا غير ذلك من هذه الخرافات المحدثة، و يزيده بيانا

ما رواه الشيخان في الكافي و التهذيب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد بن عثمان عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال:

«إذا افتتحت الصلاة فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات.».

ثم ساق الرواية كما سيأتي قريبا ان شاء اللّٰه تعالى.

____________

(1) الشهاب في الحكم و الآداب ص 15 و ارجع أيضا إلى ج 1 ص 156.

(2) الوسائل الباب 15 من الوضوء و 32 من الجنابة و 11 من التيمم.

(3) ص 2.

(4) الوسائل الباب 8 من تكبيرة الإحرام.

15

أقول: لقد أجاد في هذا الكلام الأخير بما أفاد و طابق السداد لكنه ناقض نفسه في ما صدر به الكلام و أيده بما استحسنه من كلام الذكرى في ذلك المقام و كذا بما ذكره بعد ذلك في مسألة مقارنة النية حيث احتذى حذو أولئك الاعلام.

و توضيح ذلك ان مقتضى كلامه الأول الذي في صدر البحث أنه لا بد من إحضار المنوي أولا في الذهن بجميع مميزاته عن غيره فإذا احضر قصد إلى إيقاعه تقربا إلى اللّٰه تعالى، و لا ريب في مدافعته لما ذكره أخيرا بقوله «و بالجملة فالمستفاد من الأدلة الشرعية. إلى آخر الكلام» فان مقتضى الكلام الأول كما عرفت انه لا بد لقاصد الصلاة عند التكبير من إحضار ذاتها و تصورها و تصور صفاتها التي يتوقف عليها التعيين ثم القصد بعد ذلك إلى فعل هذا المعلوم طاعة للّٰه، فلا بد على هذا من زمان يحصل فيه هذا التصور و الاستحضار و ملاحظة المميزات و تخليصها من شباك وساوس إبليس و ما يوقعه في ذلك الوقت من الوسوسة و التلبيس حتى يكبر بعده، و اين هذا من مقتضى الكلام الأخير من ان النية أمر جبلي لا ينفك عنه العاقل حتى لو كلف اللّٰه العمل بغير نية لكان تكليفا بما لا يطاق، ثم أيد ذلك بعدم ذكر النية في كلام المتقدمين و كذا في الأخبار؟

و على هذا فأين ما ذكره أولا من وجوب إحضار المنوي في ذلك الوقت و اين تصوره و تصور مميزاته ثم القصد اليه و انه لا يجوز له الدخول في الصلاة إلا بعد هذه التصورات و نحوها مما اعترف أخيرا بأنه من الخرافات؟ و بالجملة فإن ظاهر كلامه الأخير يعطي ان ما ذكره أولا من جملة تلك الخرافات التي أشار إليها و ان كانت أقل مما ذكره غيره.

و تحقيق هذا المقام بما لا يحوم حوله النقض و الإبرام و ان تقدم في كتاب الطهارة كما أشرنا اليه إلا انه ربما تعذر على الناظر في هذا المقام الرجوع اليه لعدم وجود الكتاب عنده مع ان ما ذكرناه هنا فيه مزيد إيضاح على ما تقدم:

فنقول و باللّٰه سبحانه الثقة و الهداية لإدراك المأمول و نيل المسؤول: لا ريب ان أفعال العقلاء كلها من عبادات و غيرها لا تصدر إلا عن تصور الدواعي الباعثة على الإتيان

16

بها و هي المشار إليها في كلامهم بالعلل الغائية، مثلا- يتصور الإنسان ان دخوله على زيد و زيارته له و خدمته له موجب لإكرامه له، و كتابة هذا الكتاب موجب لانتفاعه به، و تزويجه امرأة موجب لكسر الشهوة الحيوانية أو حصول النسل، و نحو ذلك من الدواعي الحاملة على الأفعال، فإذا تصورت النفس هذه الأغراض انبعث منها شوق إلى جذبها و تحصيلها فقد يتزايد هذا الشوق و يتأكد و يسمى بالإرادة، فإذا انضم إلى القدرة التي هي هيئة للقوة الفاعلة انبعثت تلك القوة لتحريك العضلات إلى إيقاع تلك الأفعال و إيرادها و تحركت إلى إصدارها و إيجادها لأجل غرضها الذي تصورته أولا، فانبعاث النفس و توجهها و قصدها إلى ما فيه غرضها هو النية، نعم قد يحصل بسبب تكرار الفعل و الاعتياد عليه نوع ذهول عن تلك العلة الغائية الحاملة على الفعل إلا ان النفس بأدنى توجه و التفات تستحضر ذلك كما هو المشاهد في جملة أفعالنا المتكررة منا، و حينئذ فليست النية بالنسبة إلى الصلاة إلا كغيرها من سائر أفعال المكلف من قيامه و قعوده و اكله و شربه و مغداه و مجيئه و نكاحه و نومه و نحو ذلك من الأفعال التي تتكرر منه، و لا ريب ان كل عاقل غير غافل و لا ذاهل لا يصدر عنه فعل من هذه الأفعال إلا بقصد و نية سابقة عليه مع انه لا يتوقف شيء من ذلك على هذا الاستحضار الذي ذكروه و التصوير الذي صوروه.

و ان أردت مزيد إيضاح لما قلناه فانظر إلى نفسك إذا كنت جالسا في مجلسك ثم دخل عليك رجل عزيز حقيق بالقيام له تواضعا ففي حال دخوله قمت له إجلالا و إكراما كما هو الجاري في رسم العادة فهل يجب عليك ان تتصور أولا في ذهنك و خيالك معنى من المعاني و قصدا من القصود بان تقصد إني أقوم لهذا الرجل إجلالا له و إعظاما لقدره و إلا لكان قيامك و تواضعك بغير نية فلا يسمى تواضعا و لا تستحق عليه مدحا و لا ثوابا أم يكفي مجرد قيامك في تلك الحال و يصدق انه وقع منك التعظيم له و الإجلال؟

و هذا شأن الصلاة و ان المكلف إذا دخل عليه وقت الظهر مثلا و هو عالم بوجوب ذلك

17

الفرض عليه و عالم بكيفيته و كميته و كان الحامل له على الإتيان به هو التقرب إلى اللّٰه عز و جل ثم قام من مكانه و سارع إلى الوضوء ثم توجه إلى مسجده و وقف في مصلاه و اذن و اقام ثم قال «اللّٰه أكبر» ثم استمر في صلاته فان صلاته صحيحة شرعية مشتملة على النية، و هذا هو الذي دلت عليه الأخبار كما أشار إليه في آخر كلامه.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الذي أوقع الناس بالنسبة إلى النية في شباك الوسواس الخناس هو ان جملة من المتأخرين عرفوا النية شرعا بأنها القصد المقارن للفعل، قالوا فلو تقدمت عليه و لم تقارنه سمى ذلك عزما لا نية، ثم اختلفوا في المقارنة فما بين من فسرها بامتداد النية بامتداد التكبير و ما بين من فسرها بجعل النية بين الالف و الراء و ما بين من فسرها بأن يأتي بالنية أولا ثم يبتدئ بالتكبير بلا فصل بينهما و هذا كله يعطي ان مرادهم بالنية انما هو الكلام النفسي و التصوير الفكري الذي يحدثه المكلف في نفسه و يتصوره في فكره بما يترجمه قوله «أصلي فرض الظهر- مثلا- أداء لوجوبه قربة إلى اللّٰه تعالى» و قد عرفت ان النية ليست حقيقة إلا ما ذكرناه أولا، و بذلك يظهر لك ما في كلامه الأول من قوله: «لكن لما كان القصد إلى الشيء المعين موقوفا على العلم به وجب لقاصد الصلاة إحضار ذاتها. إلى آخره» من عدم الملازمة فإنا لا نمنع من وجوب القصد و معرفة المقصود بجميع ما يتوقف عليه و لكنا نقول ان الجميع قد صار معلوما للمكلف قبل ذلك فمتى دخل عليه الوقت و قام قاصدا للصلاة على الوجه الذي قدمناه فإنه يكفي مجرد ذلك القصد و العلم الأولين لاستمراره عليهما و عدم تحوله عنهما فلا يتوقف على استحضار آخر كما في سائر أفعال المكلف، و لا فرق بين سائر أفعاله و بين عبادته إلا باعتبار اشتراط القربة في العبادة و هو لا يوجب هذا الاستحضار بل هو كأصل النية مستحضر من أول الأمر مقارن له غير مفارق.

و كأنهم توهموا انه ما لم يحصل الاستحضار المذكور و المقارنة بهذه النية التي ذكروها يصير الدخول في الصلاة عاريا عن النية لأن النية السابقة غير كافية عندهم لإمكان

18

تجدد الغفلة بعدها فيصير الفعل بغير نية. و فيه- مع قطع النظر عن انه لا يكون كليا- انه ليس العبادة إلا كسائر أفعال المكلف كما عرفت و القدر المعلوم فيها هو ما ذكرناه لا ما ذكروه، فإنه لا يجب في جملة الأفعال بعد تصور الدواعي الحاملة عليها ان يكون ذلك حاضرا في باله و جاريا على خياله لا يغيب عن تصوره في تلك المدة فإنه و ان زال لكن الذهن متى التفت اليه وجده كذلك و ان اشتغل بفكر آخر أو كلام في البين فإنه لا ينافي حضور ذلك في باله.

قال بعض المحققين من متأخري المتأخرين- و نعم ما قال- انه لما كانت النية عبارة عن القصد إلى الفعل بعد تصور الداعي و الحامل عليه- و الضرورة قاضية بما نجده في سائر أفعالنا بأنه قد يعرض لنا مع الاشتغال بالفعل الغفلة عن ذلك القصد و الداعي في أثناء الفعل بحيث انا لو رجعنا إلى وجداننا لرأينا النفس باقية على القصد الأول و مع ذلك لا نحكم على أنفسنا و لا يحكم علينا غيرنا بان ما فعلناه وقت الذهول و الغفلة بغير نية و قصد بل من المعلوم أنه أثر ذلك القصد و الداعي السابقين- كان الحكم في العبادة كذلك إذ ليس العبادة إلا كغيرها من الأفعال الاختيارية للمكلف و النية ليست إلا عبارة عما ذكرناه. انتهى و هو جيد رشيق.

هذا، و اما باقي الأبحاث المتعلقة بالنية في هذا المقام مما ذكره أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) فقد تقدم الكلام فيه في بحث نية الوضوء مستوفى فليراجع.

الفصل الثاني في تكبيرة الإحرام

و فيه مسائل

[المسألة] (الأولى) [تكبيرة الإحرام ركن في الصلاة]

لا خلاف بين الأصحاب بل أكثر علماء الإسلام في ان تكبيرة الإحرام جزء من الصلاة و ركن فيها تبطل الصلاة بتركها عمدا و سهوا.

19

و يدل على ذلك جملة من الأخبار: منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة (1) قال:

«سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح قال يعيد».

و ما رواه في الكافي عن أبي العباس البقباق و ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) انه قال:

«في الرجل يصلي فلم يفتتح بالتكبير هل تجزئه تكبيرة الركوع؟ قال لا بل يعيد صلاته إذا حفظ انه لم يكبر».

و ما رواه الشيخ في التهذيب في الموثق عن عبيد بن زرارة (3) قال:

«سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل اقام الصلاة و نسي أن يكبر حين افتتح الصلاة؟

قال يعيد الصلاة».

و عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (4)

«في الذي يذكر انه لم يكبر في أول صلاته؟ فقال إذا استيقن انه لم يكبر فليعد و لكن كيف يستيقن».

و عن ذريح في الحسن عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5):

«سألته عن الرجل ينسى ان يكبر حتى قرأ؟ قال يكبر».

و عن الحسن بن علي بن يقطين عن أخيه عن أبيه في الصحيح (6) قال:

«سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل ينسى ان يفتتح الصلاة حتى يركع؟ قال يعيد الصلاة».

و في الموثق عن عمار (7) قال:

«سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل سها خلف الامام فلم يفتتح الصلاة؟ قال يعيد الصلاة و لا صلاة بغير افتتاح. الحديث».

فهذه جملة من الأخبار الصريحة في الدلالة على المطلوب إلا انه قد ورد أيضا بإزائها ما يدل على خلاف ذلك:

و منه-

ما رواه الشيخ و الصدوق في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (8) قال:

«سألته عن رجل نسي أن يكبر حتى دخل في الصلاة؟ فقال أ ليس

____________

(1) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الإحرام.

(2) الوسائل الباب 3 من تكبيرة الإحرام.

(3) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الإحرام.

(4) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الإحرام.

(5) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الإحرام.

(6) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الإحرام.

(7) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الإحرام.

(8) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الإحرام.

20

كان من نيته ان يكبر؟ قلت نعم. قال فليمض في صلاته».

و ما رواه في الفقيه مرسلا عن الصادق (عليه السلام) (1) انه قال:

«الإنسان لا ينسى تكبيرة الافتتاح».

و ما رواه في التهذيب و الفقيه في الصحيح عن احمد بن محمد بن أبي نصر عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (2) قال:

«قلت له رجل نسي أن يكبر تكبيرة الافتتاح حتى كبر للركوع؟ فقال أجزأه».

و ما رواه الشيخ عن أبي بصير في الموثق أو الضعيف أو الصحيح (3) قال:

«سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل قام في الصلاة و نسي أن يكبر فبدأ بالقراءة؟ فقال ان ذكرها و هو قائم قبل ان يركع فليكبر و ان ركع فليمض في صلاته».

و ما رواه في الفقيه في الصحيح و كذا في التهذيب في الصحيح أيضا عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (4) قال:

«قلت له الرجل ينسى أول تكبيرة من الافتتاح؟

فقال ان ذكرها قبل الركوع كبر ثم قرأ ثم ركع و ان ذكرها في الصلاة كبرها في قيامه في موضع التكبيرة قبل القراءة أو بعد القراءة. قلت فان ذكرها بعد الصلاة؟ قال فليقضها و لا شيء عليه».

و أجاب الشيخ عن هذه الأخبار بالحمل على من لا يتيقن الترك بل شك فيه.

أقول: و هذا الحمل و ان أمكن في بعضها و لو على بعد إلا انه في بعض آخر لا يخلو من تعسف و الوجه على ما ظهر في ذلك انما هو الجمل على التقية و ان لم يعلم به قائل منهم كما حققناه في المقدمة الاولى من مقدمات الكتاب، لان عمل الطائفة المحقة على الأخبار الأولة فيتعين ان يكون ذلك مذهبهم (عليهم السلام) و لا وجه لهذه الأخبار بعد ذلك إلا ما قلناه لأنها متى ثبتت عنهم و المعلوم من مذهبهم خلافها فلا وجه لخروجها عنهم إلا

____________

(1) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الإحرام.

(2) الوسائل الباب 3 من تكبيرة الإحرام.

(3) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الإحرام.

(4) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الإحرام.

21

مجرد إلقاء الخلاف بين الشيعة في ذلك لدفع الشنعة عنهم كما تقدم تحقيقه في المقدمة المذكورة، على ان القول بذلك منقول عن جملة من المخالفين: منهم- الزهري و الأوزاعي و سعيد بن المسيب و الحسن و قتادة و الحكم (1) فلعل لمذهب هؤلاء شهرة و صيتا في ذلك الوقت أوجب خروج هذه الأخبار موافقة لهم، و قد نقل عنهم في المنتهى انه إذا أخل المصلي بتكبيرة الإحرام عامدا أعاد صلاته و لو أخل بها ناسيا أجزأته تكبيرة الركوع و كيف كان فالحمل فيها على ما ذكرناه متعين إذ ليس مع عدم ذلك إلا طرحها و ردها لما عرفت من إجماع الطائفة على العمل بتلك الأخبار. و اللّٰه العالم.

(المسألة الثانية) [تعيين تكبيرة الإحرام من بين التكبيرات السبع]

- المشهور نصا و فتوى استحباب التوجه في أول الصلاة بست تكبيرات مضافة إلى تكبيرة الإحرام و هي واجبة كما تقدم، و كيفية التوجه بالجميع ان يكبر ثلاثا ثم يدعو بالمرسوم ثم اثنتين ثم يدعو ثم اثنتين ثم يتوجه.

و المشهور بين الأصحاب انه يتخير في السبع ايها شاء نوى بها تكبيرة الإحرام فيكون ابتداء الصلاة بها، قال في المدارك: و المصلي بالخيار ان شاء جعلها الأخيرة و اتى بالست قبلها و ان شاء جعلها الاولى و اتى بالست بعدها و ان شاء جعلها الوسطى، و الكل حسن لأن الذكر و الدعاء لا ينافي الصلاة. ثم نقل عن الشهيد في الذكرى ان الأفضل جعلها الأخيرة ثم قال و لا أعرف مأخذه. أقول: ما نقله عن الذكرى من جعلها الأخيرة قد صرح به الشيخ في المصباح و تبعه في ذلك جمع: منهم- شيخنا الشهيد (قدس سره) و غيره، و ربما كان منشأ ذلك كون دعاء التوجه بعدها. و فيه انه لا يصلح دليلا لذلك.

ثم أقول: الظاهر عندي من التأمل في أخبار المسألة انها الاولى خاصة، و ممن تفطن إلى ذلك من محققي متأخري المتأخرين شيخنا البهائي في حواشي الرسالة الاثني عشرية و المحدث الكاشاني في الوافي و السيد الفاضل المحدث السيد نعمة اللّٰه الجزائري بل صرح بتعيين الاولى لذلك.

____________

(1) عمدة القارئ ج 3 ص 2 عن الزهري الاكتفاء بنية التكبير و عن الباقين القول بالاستحباب.

22

و من الأخبار الدالة على ذلك

صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال:

«إذا افتتحت الصلاة فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات. الحديث».

و التقريب فيه ان الافتتاح انما يصدق بتكبيرة الإحرام و الواقع قبلها من التكبيرات بناء على ما زعموه ليس من الافتتاح في شيء، و تسمية ما عدا تكبيرة الإحرام بتكبيرات الافتتاح انما يصدق بتأخيرها عن تكبيرة الإحرام التي يقع بها الافتتاح حقيقة و الدخول في الصلاة و إلا كان من قبيل الإقامة و نحوها مما يقدم قبل الدخول في الصلاة.

و مما يدل على ذلك بأوضح دلالة

صحيحة زرارة (2) قال:

«قال أبو جعفر (عليه السلام) الذي يخاف اللصوص و السبع يصلي صلاة المواقفة إيماء. إلى ان قال و لا يدور إلى القبلة و لكن أينما دارت دابته غير انه يستقبل القبلة بأول تكبيرة حين يتوجه».

و مما يدل على ذلك

صحيح زرارة الوارد في علة استحباب السبع بإبطاء الحسين (عليه السلام) عن الكلام (3) حيث قال فيه

«فافتتح رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) الصلاة فكبر الحسين (عليه السلام) فلما سمع رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) تكبيره عاد فكبر و كبر الحسين (عليه السلام) حتى كبر رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) سبع تكبيرات و كبر الحسين (عليه السلام) فجرت السنة بذلك».

و التقريب فيه ان التكبير الذي كبره (صلى اللّٰه عليه و آله) هو تكبيرة الإحرام التي وقع الدخول بها في الصلاة لإطلاق الافتتاح عليها و العود الى التكبير ثانيا و ثالثا انما وقع لتمرين الحسين (عليه السلام) على النطق كما هو ظاهر السياق.

____________

(1) الوسائل الباب 8 من تكبيرة الإحرام.

(2) الوسائل الباب 3 من صلاة الخوف.

(3) الوسائل الباب 7 من تكبيرة الإحرام.

23

و روى السيد الزاهد العابد المجاهد رضي الدين بن طاوس (عطر اللّٰه مرقده) في كتاب فلاح السائل هذه القصة عن الحسن (عليه السلام) (1) قال في الحديث الذي نقله:

«فخرج رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) حامله على عاتقه وصف الناس خلفه و اقامه عن يمينه فكبر رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و افتتح الصلاة فكبر الحسن (عليه السلام) فلما سمع رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و أهل بيته تكبير الحسن (عليه السلام) عاد فكبر و كبر الحسن حتى كبر سبعا فجرت بذلك سنة بافتتاح الصلاة بسبع تكبيرات».

و هو أوضح من ان يحتاج إلى بيان.

و مما يدل على ذلك أيضا

صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

«قلت الرجل ينسى أول تكبيرة من الافتتاح.

الحديث المتقدم (2) في سابق هذه المسألة» و هو صريح في ان تكبيرة الإحرام هي الاولى.

و لا ينافي ذلك اشتمال الخبر على ما لا يقول به الأصحاب كما عرفت فإنه يجب ارتكاب التأويل في موضع المخالفة كما في غيره، و قد صرحوا بان رد بعض الخبر لمعارض أقوى لا يمنع من العمل بما لا معارض له و ما هو إلا كالعام المخصوص و المطلق المقيد في العمل بالباقي بعد التخصيص و التقييد.

فائدة [صحيح حفص الوارد في تكبير الحسين (ع)]

من الأخبار الواردة في قضية الحسين (عليه السلام) أيضا

ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن حفص- و الظاهر انه ابن البختري- عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال:

«ان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) كان في الصلاة و إلى جانبه الحسين بن علي (عليهما السلام) فكبر رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فلم يحر الحسين

____________

(1) مستدرك الوسائل الباب 5 من تكبيرة الإحرام.

(2) ص 20.

(3) الوسائل الباب 7 من تكبيرة الإحرام.

24

(عليه السلام) التكبير ثم كبر رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فلم يحر الحسين التكبير و لم يزل رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) يكبر و يعالج الحسين (عليه السلام) التكبير فلم يحر حتى أكمل رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) سبع تكبيرات فأحار الحسين (عليه السلام) التكبير في السابعة فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) فصارت سنة».

بيان: قال في الوافي المحاورة المجاوبة و التحاور التجاوب، يقال كلمته فما أحار لي جوابا، و لعل المراد ان الحسين (عليه السلام) و ان كبر في كل مرة إلا انه لم يفصح بها إلا في المرة الأخيرة، و بهذا يجمع بين الخبرين الأخيرين. انتهى.

بقي الكلام في انهم (عليهم السلام) ينطقون ساعة الولادة كما وردت به الأخبار فكيف يمتنع عليهم النطق في هذه الصورة؟ و أجاب عنه في البحار بأنه لعل ذلك كان عند الناس و ان التخوف كان من الناس لا منه (صلى اللّٰه عليه و آله).

أقول: و فيه بعد و يمكن ان يقال لا يخفى على المتأمل في اخبارهم و المتطلع في أحوالهم انهم (عليهم السلام) في مقام إظهار المعجز لهم حالات غير حالات الناس و اما في غير ذلك فإنهم يقدرون أنفسهم بالناس في صحة و مرض و غناء و فقر و نزول بلاء و نحو ذلك، و هذا من جملته فإنهم (عليهم السلام) لا ينطقون إلا إذا أنطقهم اللّٰه تعالى كما ينطق سائر الصبيان و لا يطلبون منه إلا ما يقدره و يريده فليس لهم إرادة زائدة على إرادته تعالى بهم (عليهم السلام) و ان كانوا لو شاؤا لفعلوا ما يريدون. و هذا هو الجواب الحق في المقام لا يعتريه نقض و لا إبرام.

ثم ان من العلل الواردة في هذه التكبيرات الست المذكورة

ما رواه في الفقيه عن هشام بن الحكم عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) (1) و هي

«ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لما اسرى به إلى السماء قطع سبع حجب فكبر عند كل حجاب تكبيرة فأوصله اللّٰه تعالى بذلك إلى منتهى الكرامة».

____________

(1) الوسائل الباب 7 من تكبيرة الإحرام.

25

قال في الفقيه (1) أيضا: و

ذكر الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) لذلك علة أخرى و هي انه انما صارت التكبيرات في أول الصلاة سبعا لأن أصل الصلاة ركعتان و استفتاحهما بسبع تكبيرات: تكبيرة الافتتاح و تكبيرة الركوع و تكبيرتي السجدتين و تكبيرة الركوع في الثانية و تكبيرتي السجدتين، فإذا كبر الإنسان في أول صلاته سبع تكبيرات ثم نسي شيئا من تكبيرات الافتتاح من يعد أو سها عنها لم يدخل عليه نقص في صلاته.

قال في الوافي: لعل المراد باستفتاح الركعتين بالسبع التكبيرات التي يستفتح بها كل فعل و لهذا لم يعد منها الأربع التي بعد الرفع من السجدات. انتهى. و هو جيد.

قال في الفقيه بعد ذكر هذه الأخبار كملا: و هذه العلل كلها صحيحة و كثرة العلل للشيء تزيده تأكيدا و لا يدخل هذا في التناقض، انتهى.

تتميم [كلام المجلسي في المقام و رده]

من العجب في هذا المقام ما وقع لشيخنا المجلسي و والده (عطر اللّٰه مرقديهما) من الكلام المنحل الزمام و المختل النظام حيث قال في كتاب البحار: و ظاهر خبر الحسين (عليه السلام) ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) جعلها الاولى و لهذا ذهب بعض المحدثين إلى ان تعيين الاولى متعين. و يمكن المناقشة فيه بان كون أول وضعها لذلك لا يستلزم استمرار هذا الحكم، مع ان العلل الواردة فيها كثيرة و سائر العلل لا يدل على شيء. و كان الوالد (قدس سره) يميل إلى ان يكون المصلي مخيرا بين الافتتاح بواحدة و ثلاث و خمس و سبع و مع اختيار كل منها يكون الجميع فردا للواجب المخير كما قيل في تسبيحات الركوع و السجود. و هذا أظهر من أكثر الأخبار كما لا يخفى على المتأمل فيها بل بعضها كالصريح في ذلك. و ما ذكروه من ان كلا منها قارنتها النية فهي تكبيرة الافتتاح ان

____________

(1) الوسائل الباب 7 من تكبيرة الإحرام.

26

أرادوا نية الصلاة فهي مستمرة من أول التكبيرات إلى آخرها، مع انهم جوزوا تقديم النية في الوضوء عند غسل اليدين لكونه من مستحبات الوضوء فأي مانع من تقديم نية الصلاة عند أول التكبيرات المستحبة فيها؟ و ان أرادوا نية كونها تكبيرة الإحرام فلم يرد ذلك في خبر، و عمدة الفائدة التي تتخيل في ذلك جواز إيقاع منافيات الصلاة في أثناء التكبيرات، و هذه أيضا غير معلومة إذ يمكن ان يقال بجواز إيقاع المنافيات قبل السابعة و ان قارنت نية الصلاة الأولى لأن الست من الاجزاء المستحبة أو لأنه لم يتم الافتتاح بعد بناء على ما اختاره الوالد (قدس سره) لكنهم نقلوا الإجماع على ذلك، و تخيير إلا ما في تعيين الواحدة التي يجهر بها يومي إلى ما ذكروه إذ الظاهر ان فائدة الجهر علم المأمومين بدخول الإمام في الصلاة، و الاولى و الأحوط رعاية الجهتين معا بان يتذكر النية عند كل واحدة منها و لا يوقع مبطلا بعد التكبيرة الاولى، و لو لا ما قطع به الأصحاب من بطلان الصلاة إذا قارنت النية تكبيرتين منها لكان الأحوط مقارنة النية للأولى و الأخيرة معا. انتهى.

أقول: فيه من المناقشات الدالة على بطلانه و انهدام أركانه ما لا يحصى و لا يعد إلا أنا نذكر ما خطر بالبال على سبيل الاستعجال.

فنقول: اما قوله «و يمكن المناقشة فيه بان كون أول وضعها لذلك لا يستلزم استمرار هذا الحكم» فان فيه انه لا ريب ان العبادات الشرعية مبنية على التوقيف عن صاحب الشريعة كما اعترف به هو و غيره فإذا علم من الشارع انه جعل الاولى من هذه التكبيرات للإحرام و ابتداء الصلاة و افتتاحها فإنه يلزم استمرار الحكم بذلك حتى يثبت النسخ لهذا الحكم و يقوم دليل أقوى على الخروج عنه.

و اما قوله: «مع ان العلل الواردة فيها كثيرة و سائر العلل لا يدل على شيء» ففيه (أولا) ان هذه العلل انما هي للتكبيرات الزائدة لا تعلق لها بتكبيرة الإحرام.

و (ثانيا) ان خلو الأخبار الدالة على بعض تلك العلل من هذا الحكم و كونها مجملة في

27

ذلك لا ينافي ما بين فيه الحكم المذكور كهذا الخبر، و مقتضى القاعدة حمل إجمال تلك الأخبار على هذا الخبر، على ان الدلالة على ما ذهب إليه القائل بالتعيين لا ينحصر في هذا الخبر كما توهمه بل هو مدلول أخبار عديدة كما عرفت.

و اما ما نقله عن أبيه- و ان كان ظاهره تأييده و تشييده حمية لوالده- فهو في البطلان أظهر من ان يحتاج إلى بيان كما لا يخفى على ذوي الأفهام و الأذهان إلا أنا نشرح ذلك بوجه يظهر منه البطلان كالعيان لكل انسان:

و ذلك (أولا) ان كلامه مبني على التخيير كما هو المشهور في كلام الأصحاب و قد عرفت ان النصوص على خلافه.

و (ثانيا) انه لا يخفى على من أحاط خبرا بالاخبار و جاس خلال تلك الديار ان المستفاد منها على وجه لا يداخله الشك و الإنكار ان الافتتاح و الدخول في الصلاة انما هو بتكبيرة واحدة لا بأكثر و هي التي مضى عليها الناس في صدر الإسلام برهة من الأزمان و الأعوام، و ما عداها فإنما يزيد استحبابا للعلل المذكورة في الأخبار و ان استصحب استحبابها في جميع الأدوار و الأعصار فهي ليست من الافتتاح و التحريم حقيقة في شيء و ان سميت بذلك مجازا للمجاورة بالتقريب المتقدم، و قد تقدم لك في صدر الفصل من الروايات الظاهرة في وحدة تكبيرة الإحرام قوله في

صحيحة زرارة (1)

«سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح قال يعيد».

و قوله (عليه السلام) (2) في مرسلة الفقيه

«الإنسان لا ينسى تكبيرة الافتتاح».

و قوله في صحيحة البزنطي (3)

«رجل نسي أن يكبر تكبيرة الافتتاح».

و في صحيحة زرارة (4)

«ينسى أول تكبيرة من الافتتاح».

و في جملة من الأخبار (5)

«ان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) كان أوجز الناس في الصلاة كان يقول اللّٰه أكبر بسم اللّٰه الرحمن الرحيم».

الى غير ذلك من

____________

(1) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الإحرام.

(2) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الإحرام.

(3) ص 20.

(4) ص 20.

(5) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الإحرام.

28

الأخبار فإنها صريحة في كون الافتتاح انما هو بواحدة، و ما أجمل في الأخبار فهو محمول على ذلك جريا على القاعدة المعلومة.

و (ثالثا) ان ما ذكره تشريع ظاهر لأن المعلوم مما قدمناه في الوجه الثاني و كذا عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) قبل حصول هذه العلة الموجبة للزيادة انما هو تكبيرة واحدة يحرم بها و هي المشار إليها بقولهم (1) «تحريمها التكبير» ثم انه زاد هذه التكبيرات الست أخيرا للعلل المذكورة فصارت مستحبة في الصلاة كزيادة النوافل التي زادها لمولد الحسنين و فاطمة (صلوات اللّٰه عليهم) كما تقدم في بحث الأوقات (2) و جرت بذلك السنة و لا مدخل لها في التحريم و الافتتاح بل هي اذكار مستحبة في هذا المكان، و يشير إلى ذلك ما تقدم (3) في حديث الحسين (عليه السلام) من قوله (عليه السلام) «فجرت السنة بذلك» و مثله في صحيحة حفص في قضية الحسين (عليه السلام) (4) إلا ان فيه ان الحسين لم يكبر إلا في السابعة، قال (عليه السلام) في تمام الحديث «فصارت سنة» و يعضده ما تقدم في الأخبار من الدلالة على وحدة تكبيرة الإحرام، و حينئذ فإذا كان المعلوم من صاحب الشريعة ان التكبير الواجب انما هو تكبيرة واحدة و هي التي تعقد بها الصلاة فالزيادة عليها تشريع محض، و مجرد استحباب هذه التكبيرات في هذا الموضع لا يوجب جعلها في هذه المرتبة بل تصريحهم (عليهم السلام) باستحبابها دليل على عدم وجوبها و الاستفتاح في الصلاة بها كالتكبيرة الأصلية غاية الأمر انه قد اشتبه على أصحابنا بعد زيادة هذه الست و صيرورة التكبيرات سبعا محل تكبيرة الإحرام منها هل هي أولا أو أخيرا أو وسطا؟ فقالوا بالتخيير لذلك، و بالتأمل في أخبارهم (عليهم السلام) يعلم انها الاولى و ان الزيادة وقعت بعدها كما قدمنا بيانه و أوضحنا برهانه.

و بذلك يظهر لك ما في قياسه ذلك على تسبيح الركوع و السجود فإنه قياس مع الفارق و تشبيه غير مطابق، فان التخيير ثمة ثابت و معلوم نصا و فتوى و اما هنا فقد

____________

(1) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الإحرام.

(2) ج 6 ص 58.

(3) ص 22 و 23.

(4) ص 22 و 23.

29

عرفت على ما اخترناه قيام الدليل على التعيين في التكبيرة الاولى و اما على ذكره الأصحاب فقد عرفت ان معناه التخيير في واحدة من هذه السبع ايها يريد جعلها تكبيرة الافتتاح لعدم معلومية محلها بعد شرع الست معها لا بمعنى التخيير بين ان يجعل الإحرام بواحدة أو ثلاث أو سبع كما ذكره فإنه منه عجيب، و أعجب منه قوله «و هذا أظهر من أكثر الأخبار و بعضها كالصريح في ذلك» و الظاهر انه أشار بذلك إلى حسنة الحلبي المتقدمة و قوله فيها «إذا افتتحت الصلاة فارفع يديك ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات ثم قل اللهم أنت الملك الحق. الخبر» و فيه ان سياق الخبر انما هو في ذكر الأدعية الموظفة بين التكبيرات السبع و بيان محالها، و الحديث كما قدمنا ظاهر في كون التحريم وقع بالتكبيرة الاولى و هي التي افتتح بها و التكبيرتان اللتان بعدها انما ضما إليها لبيان وقوع الدعاء المذكور بعد الثلاث لأنك قد عرفت من الأخبار المتقدمة و ما حققناه آنفا وحدة تكبيرة الإحرام، فتوهم كون الثلاث هنا للإحرام كما ظنه توهم بارد و انما العلة في ذلك هو ما ذكرناه.

و لعل من مواضع الشبهة أيضا عنده

ما في حسنة زرارة (1) من قوله (عليه السلام)

«ادنى ما يجزئ من التكبير في التوجه تكبيرة واحدة و ثلاث تكبيرات أحسن و سبع أفضل».

و قوله في صحيحة الحلبي (2):

«سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن أخف ما يكون من التكبير في الصلاة؟ قال ثلاث تكبيرات».

و قوله (عليه السلام) في رواية أبي بصير (3)

«إذا افتتحت الصلاة فكبر إن شئت واحدة و ان شئت ثلاثا و ان شئت خمسا و ان شئت سبعا فكل ذلك مجزئك غير انك إذا كنت اماما لم تجهر إلا بتكبيرة».

و أنت خبير بان مطرح هذه الأخبار و الغرض منها انما هو بيان الرخصة في هذه

____________

(1) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الإحرام.

(2) الوسائل الباب 12 من تكبيرة الإحرام.

(3) الوسائل الباب 12 من تكبيرة الإحرام.

30

التكبيرات الست المستحبة بتركها و الاقتصار على تكبيرة الافتتاح أو الإتيان بثلاث منها تكبيرة الافتتاح و نحو ذلك من الاعداد المذكورة لا ان المعنى انه يحصل الافتتاح بكل من هذه الاعداد فيكون واجبا مخيرا كما زعمه، و بما ذكرناه صرح جملة من الأصحاب في الباب.

و اما قوله: «و ما ذكروه من ان كلا منها قارنتها النية فهي تكبيرة الإحرام إن أرادوا نية الصلاة. إلخ» ففيه انا نختار الشق الثاني و هو نية كونها تكبيرة الإحرام، قوله «لم يرد ذلك في خبر» مردود بأنه و ان لم يرد بهذا العنوان و لكن مفاد الأخبار الدالة على الافتتاح بتلك التكبيرة و تسميتها تكبيرة الافتتاح كما تقدم ذلك بالتقريب الذي قدمناه، و مما يوضح ذلك انه من المعلوم أولا ان الشارع قد جعل التكبير محرما

بقوله (1)

«تحريمها التكبير و تحليلها التسليم».

و التكبير من حيث هو لا يكون محرما و لا موجبا للدخول في الصلاة إلا إذا اقترن بالقصد إلى ذلك فما لم ينو بالتكبير الإحرام و يقصد به الافتتاح للصلاة لا يصير محرما و لا موجبا للافتتاح، و يعضده ان العبادات موقوفة على القصود و النيات.

و اما قوله: «و يمكن ان يقال بجواز إيقاع المنافيات قبل السابعة و ان قارنت نية الصلاة الأولى لأن الست من الاجزاء المستحبة» فعجيب من مثله (قدس سره) لما عرفت من انه متى قصد بالأولى الافتتاح و الدخول في الصلاة فإنه تحرم عليه المنافيات لما ورد عنهم (عليهم السلام) (2)

«تحريمها التكبير»

بمعنى انه يحرم عليه بالتكبير ما حل له قبله و ليس الدخول في الصلاة متوقفا على أزيد من الواحدة كما عرفت، فكيف يجوز له إيقاع المنافيات و هو قد دخل في الصلاة بمجرد كونه في الست المستحبة؟ و إلا لجاز إيقاع المنافيات في القنوت بناء على استحبابه و ان كان في أثناء الصلاة.

و اما قوله: «أو لأنه لم يتم الافتتاح بعد بناء على قول الوالد» ففيه ان ما نسبه

____________

(1) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الإحرام.

(2) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الإحرام.

31

للوالد بعيد شارد أوهن من بيت العنكبوت و انه لأوهن البيوت و لو أنه أخفاه و لم يظهر شيئا من هذا الكلام لكان أولى بالمحافظة على علو المقام.

و بالجملة فإن كلامه هنا مزيف لا يخفى ما فيه على الفطن اللبيب و أضعف منه كلام أبيه، و انما أطلنا الكلام في نقض إبرامه و تمزيق سمط نظامه لئلا يغتر به من لم يعض على المسألة بضرس قاطع فان نور الحق بحمد اللّٰه سبحانه واضح ساطع. و اللّٰه العالم.

فروع

(الأول) [هل تبطل الصلاة بزيادة تكبيرة الإحرام؟]

- قد صرح الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) من غير خلاف يعرف بأنه لو كبر و نوى الافتتاح ثم كبر ثانية و نوى الافتتاح بطلت صلاته فان كبر ثالثا بالنية المذكورة انعقدت الصلاة. و هذا الحكم مبنى على ان زيادة الركن موجبة للبطلان كنقصانه. و هو على إطلاقه مشكل و اخبار هذه المسألة قد دلت على البطلان بترك التكبير عمدا أو سهوا و اما بطلانها بزيادته فلم نقف له على نص. و كون الركن تبطل الصلاة بزيادته و نقيصته عمدا و سهوا مطلقا و ان اشتهر ظاهرا بينهم إلا انه على إطلاقه مشكل لتخلف جملة من الموارد عن الدخول تحت هذه الكلية كما يأتي بيانه كله في محله، و من ثم قال في المدارك في هذا المقام: و يمكن المناقشة في هذا الحكم اعني البطلان بزيادة التكبير ان لم يكن إجماعيا فإن أقصى ما يستفاد من الروايات بطلان الصلاة بتركه عمدا و سهوا و هو لا يستلزم البطلان بزيادته. انتهى.

(الثاني) [صيغة التكبير الواجب]

- التكبير الواجب المنقول عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و أئمة الهدى (عليهم السلام) بصيغة «اللّٰه أكبر» فيتعين الإتيان بها لأنها عبادة مبنية على التوقيف و هذا هو الذي ورد فيها، فلو زاد حرفا أو نقص حرفا أو عوض كلمة مكان كلمة و نحو ذلك مما يتضمن الخروج عن هذه الصيغة بطلت صلاته اتفاقا إلا من ابن الجنيد فإنه نقل عنه في الذكرى القول بانعقادها بلفظ «اللّٰه الأكبر» و ان كان مكروها

32

و هو شاذ. و على هذا لا تجزى الترجمة للقادر على التعليم حتى يضيق الوقت فيحرم بترجمتها عند الأصحاب مراعيا الترتيب فيقول الأعجمي مثلا «خدا بزرگتر است» و لا خلاف بين أصحابنا بل و أكثر العامة في ذلك، و قال بعض العامة يسقط التكبير عن من هذا شأنه كالأخرس (1) و هو محتمل. و لم أقف في المسألة على نص و ان كان ما ذكروه لا يخلو من قرب. قالوا: و الأخرس ينطق على قدر ما يمكنه فان عجز عن النطق بالكلية عقد قلبه بها مع الإشارة بإصبعه كما يشير اليه

خبر السكوني عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال:

«تلبية الأخرس و تشهده و قراءته القرآن في الصلاة تحريك لسانه و إشارته بإصبعه».

و ربما احتج بعضهم أيضا بأن تحريك اللسان كان واجبا مع القدرة على النطق فلا يسقط بالعجز عنه إذ

لا يسقط الميسور بالمعسور

(3)

.

و فيه ما فيه، و لو لا إشعار الرواية المذكورة بذلك لأمكن احتمال ما ذكره بعض العامة من سقوط الفرض بالعجز. و كيف كان فما ذكره الأصحاب هو الاولى.

(الثالث) [يعتبر في تكبيرة الإحرام ما يعتبر في الصلاة من الشروط]

- لا ريب ان التكبير جزء من الصلاة فيعتبر فيه من الشروط ما يعتبر في الصلاة من الطهارة و الستر و الاستقبال و القيام في موضعه و نحو ذلك فلو كبر قاعدا أو آخذا في القيام مع القدرة لم تنعقد صلاته، قال في الذكرى: فلو كبر و هو آخذ في القيام أو و هو هاو إلى الركوع كما يتفق للمأموم فالأقرب البطلان لأن الانحناء ليس قياما حقيقيا، و هل تنعقد نافلة؟ الأقرب المنع لعدم نيتها، و وجه الصحة حصول التقرب و القصد إلى الصلاة و التحريم بتكبيرة لا قيام فيها و هي من خصائص النافلة. انتهى.

و لا يخفى ضعف ما ذكره من الوجه في الانعقاد فان القصد إلى الصلاة مطلقا غير كاف في الانعقاد ما لم يقصد الفرض ان كان فرضا أو النافلة ان كان كذلك.

____________

(1) المغني ج 1 ص 463 و المهذب ج 1 ص 70.

(2) الوسائل الباب 59 من القراءة.

(3) عوائد النراقي ص 88 و عناوين مير فتاح ص 146 عن عوالي اللئالي عن على (ع).

33

ثم انه في الذكرى نقل عن الشيخ انه جوز أن يأتي ببعض التكبير منحنيا ثم قال: و لم نقف على مأخذه. و هو كذلك.

و قال في المدارك: قال جدي (قدس سره) و كما يشترط القيام و غيره من الشروط في التكبير كذا يشترط في النية فإذا كبر قاعدا أو آخذا في القيام وقعت النية أيضا على تلك الحالة فعدم الانعقاد مستند إلى كل منهما و لا يضر ذلك لأن علل الشرع معرفات لا علل حقيقة. و فيه نظر لانتفاء ما يدل على اعتبار هذه الشرائط في النية على الخصوص كما تقدم تحقيقه إلا ان المقارنة المعتبرة للتكبير تدفع فائدة هذا الاختلاف. انتهى.

أقول: لا ريب ان هذا الكلام مبني على النية المشهورة في كلامهم التي هي عبارة عن التصوير الفكري و هو ما يترجمه قول المصلي «أصلي فرض الظهر- مثلا- أداء قربة إلى اللّٰه تعالى» ثم يقارن بها التكبير، و قد عرفت ان هذه ليست هي النية بل النية هي القصد البسيط المصاحب له من حال قيامه إلى الوضوء و الإتيان به ثم توجهه إلى مصلاه ثم صلاته إلى ان يفرغ منها لا اختصاص له بوقت دون وقت و لا حال دون حال حتى يأتي بالفعل و يفرغ كما في سائر الأفعال التي تصدر عن المكلفين.

(الرابع) [الإشكال في صحة تكبيرة الإحرام عند التلفظ بالنية]

- قد عرفت ان النية أمر قلبي سواء كانت بالمعنى المشهور أو المعنى الذي ذكرناه لكن الأصحاب بناء على المعنى المشهور من التصوير الفكري على الوجه المتقدم قالوا لو تلفظ به بلسانه بان قال «أصلي فرض الظهر- مثلا- أداء لوجوبه قربة إلى اللّٰه» ثم يقارن به التكبير فإنه يلزم أحد محذورين على تقدير الدرج الذي تحصل به المقارنة أما قطع همزة «اللّٰه» فيلزم مخالفة القانون اللغوي لأنها همزة وصل و اما وصلها فيلزم مخالفة القانون الشرعي لأن المنقول عن الشرع قطعها، و من هنا قيل انه يحرم التلفظ بالنية لاستلزام أحد المحذورين، قال في الذخيرة: و لو فرض تلفظ المصلي بها كان كلاما لغوا مخالفا للمعهود المنقول عن صاحب الشرع فلا عبرة بها فحينئذ وصل التكبير بها يوجب مخالفة المعهود من صاحب الشرع من القطع. و نقل عن بعض المتأخرين جواز الوصل

34

حينئذ عملا بظاهر القانون العربي و فيه ان إيراد الكلام المتصل به أمر مستحدث مبتدع لم يعهد من الشارع فلا يوجب سقوط التكليف بما ثبت وجوبه من قطع الهمزة كما لا يخفى. و ظاهر هذا الكلام انه في الصورة المذكورة يقطع الهمزة مراعاة للجانب الشرعي. و فيه ان المقتضى للسقوط كونها في الدرج حيث انها همزة وصل و لا مدخل لكون ذلك الكلام معتبرا عند الشارع أو غير معتبر.

أقول: ما ذكروه من ان المنقول عن صاحب الشرع قطع الهمزة لا اعرف له مستندا و لا به رواية إلا ما ذكروه هنا من حيث ان النية التي يقارن بها التكبير أمر قلبي فليس ههنا كلام قبلها يوجب كونها في درج الكلام. و فيه ان حسنة الحلبي المشتملة على الأدعية بين التكبيرات بان يكبر ثلاثا ثم يدعو ثم يكبر اثنتين ثم يدعو ثم يكبر اثنتين ثم يدعو مع قولهم بالتخيير في تكبيرة الإحرام بين هذه السبع موجب لوقوع كلام قبل تكبيرة الإحرام فمن الممكن الجائز قصد الإحرام بإحدى التكبيرات المتوسطة مع درج الكلام فتسقط الهمزة لا بد لنفيه من دليل. إلا ان يقال ان المعلوم من الشرع هو تعيين هذا اللفظ للإحرام و عقد الصلاة فكما لا يجوز الزيادة فيه لا يجوز النقيصة منه و بمقتضى ما ذكرتم يلزم سقوط الهمزة في الدرج فلا يكون آتيا بالمأمور به، و حينئذ فالواجب الوقوف بعد تمام الدعاء ثم الابتداء بالتكبير، قال في الروض: و اعلم ان الإخلال بحرف من التكبير يتحقق بوصل احدى الهمزتين في الكلمتين فان وصل الهمزة إسقاط لها بالكلية كما ذكره أهل العربية من ان همزة الوصل تسقط في الدرج. و وجه البطلان مع وصل همزة «أكبر» ظاهر لأنها همزة قطع و اما همزة «اللّٰه» فلأنها و ان كانت همزة وصل إلا ان سقوط همزة الوصل انما هو في الدرج في كلام متصل بها قبلها و لا كلام قبل التكبير لأن النية إرادة قلبية. الى آخر كلامه زيد في مقامه. و فيه ما عرفت و الجواب كما تقدم.

و كما تبطل بالإخلال بحرف منها كذا تبطل بالزيادة و لو بحرف فيها كما تقدم، فلو مد همزة «اللّٰه» بحيث تصير استفهاما فمع القصد تبطل قطعا و بدونه على الأصح فإن

35

الدلالة غير متوقفة على القصد و خروج ذلك عن المعهود من صاحب الشريعة. و يحتمل عدم البطلان من حيث ان الإشباع بحيث يحصل به الحرف شائع في كلام العرب، و تحصيل يقين البراءة يوجب الوقوف على الأول. و كذا الكلام في لفظ «أكبر» فلو أشبع الفتحة حتى صارت ألفا فصار «أكبار» و هو الطبل ذو وجه واحد فإنه يبطل مع القصد يقينا و كذا مع عدمه على الأصح لما عرفت.

(الخامس) [هل يجزئ التكبير الواحد للافتتاح و الركوع؟]

- صرح جملة من الأصحاب بأنه يشترط القصد بالتكبير إلى الافتتاح. و لا ريب فيه لما تقدم فلو قصد به تكبير الركوع لم تنعقد صلاته، و يدل عليه صحيح البقباق و ابن أبي يعفور المتقدم (1) و اما ما عارضه من صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر المتقدمة (2) فقد عرفت الوجه فيها و في أمثالها.

و لو قصدهما معا كما في المأموم فقيل بالاجزاء ذهب اليه ابن الجنيد و الشيخ في الخلاف محتجا بإجماع الفرقة

و رواه الشيخ عن معاوية بن شريح عن الصادق (عليه السلام) (3) قال:

«إذا جاء الرجل مبادرا و الامام راكع أجزأته تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة و الركوع».

و المشهور بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) العدم استنادا إلى ان الفعل الواحد لا يتصف بالوجوب و الاستحباب.

قال في الذكرى: و يمكن حمل كلام الشيخ و الرواية على ان المراد سقوط تكبير الركوع هنا و يكون له ثوابه لإتيانه بصورة التكبير عند الركوع لا على ان المصلي قصدهما معا لأن الفعل لا يكون له جهتا وجوب و ندب، و لو قلنا بوجوب تكبير الركوع- كما يجيء و قد صرح به الشيخ هنا في الخلاف- لم تجزي الواحدة لأن تداخل المسببات مع اختلاف الأسباب خلاف الأصل. و كذا لو نذر تكبير الركوع لم تجزي الواحدة، و حينئذ لو قصدهما معا فالأقرب عدم تحريمه بالصلاة لعدم تمحض القصد إليها و لا صلاته نفلا أيضا لعدم نيته و لأن السبب الواحد لا يجزى عن السببين، فعلى هذا لو نوى المتنفل بالتكبيرة

____________

(1) 19 و 20.

(2) 19 و 20.

(3) الوسائل الباب 4 من تكبيرة الإحرام. و الرواية عن معاوية بن شريح عن أبيه.

36

الواحدة تكبيرة الإحرام و الركوع لم تحصلا و لا إحداهما. و عندي في هذه المسألة نظر لأن الأسباب قد تتداخل وجوبا كما في اجزاء الغسل الواحد للجنب و ماس الميت و ندبا كما في اجزاء الغسل المندوب عن أسباب كثيرة، و الفعل الواحد قد يحصل به الوجوب و الندب كما في الجمع بين الصلاة على البالغ ستا و الناقص عنها. انتهى. و انما نقلناه بطوله لإحاطته بأطراف الكلام في المقام.

و التحقيق عندي ما اختاره أخيرا و هو ظاهر الخبر المذكور، و تأويله بما ذكروه من غير معارض- إلا ما ذكروه من هذه التعليلات العليلة- مجازفة.

و نظير هذا الخبر أيضا

ما رواه البرقي في كتاب المحاسن في الموثق عن عمار الساباطي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1)

«عن رجل جاء مبادرا و الامام راكع فركع؟ قال أجزأته تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة و الركوع».

و قد تقدم في مسألة تداخل الأغسال من كتاب الطهارة انه لا مانع من تداخل المسببات مع تعدد الأسباب فإن العلل الشرعية معرفات لا علل حقيقية فلا يضر تواردها على أمر واحد.

(المسألة الثالثة) [مستحبات تكبيرة الإحرام]

- يستحب في هذا المقام أمور

(الأول) [الجهر بها للإمام و الإسرار بها للمأموم]

أن يسمع الامام من خلفه التكبير و يستحب للمأموم الأسرار بها و بغيرها و يتخير المنفرد، و نقل في الذكرى عن الجعفي انه أطلق استحباب رفع الصوت بها، قال في المدارك و لا نعرف مأخذه.

و الذي يدل على الحكم الأول من الأخبار

صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال:

«إذا كنت إماما فإنه يجزئك ان تكبر واحدة تجهر فيها و تسر ستا».

و روى الصدوق في كتاب عيون الأخبار و الخصال بسنده عن أبي علي الحسن ابن راشد (3) قال:

«سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن تكبيرة الافتتاح

____________

(1) الوسائل الباب 4 من تكبيرة الإحرام.

(2) الوسائل الباب 12 من تكبيرة الإحرام.

(3) الوسائل الباب 12 من تكبيرة الإحرام.

37

فقال سبع؟ قلت روى عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) انه كان يكبر واحدة؟ فقال ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) كان يكبر واحدة يجهر بها و يسر ستا».

و روى في الخصال عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) الحديث الأول (1).

و قد تقدم قريبا (2)

في رواية أبي بصير قوله (عليه السلام):

«انك إذا كنت اماما لم تجهر إلا بتكبيرة».

و يدل على الحكم الثاني ما ورد

في موثقة أبي بصير (3) من

انه ينبغي للإمام ان يسمع من خلفه كل ما يقول و للمأموم ان لا يسمع الإمام شيئا مما يقول.

و لا منافاة بين ما دل عليه هذا الخبر من انه ينبغي للإمام ان يسمع من خلفه كل ما يقول و بين ما دلت عليه الأخبار المتقدمة من استحباب إسراره بما عدا تكبيرة الإحرام، لأن عموم هذا الخبر مخصوص بما دلت عليه تلك الأخبار كما هو قضية اجتماع المطلق و المقيد و الخاص و العام فلا تغتر بما يفعله من يدعي انه من أهل العلم في هذه الأزمان و ليس بذلك من الإجهار بمجموع تكبيرات الافتتاح عملا بعموم هذا الخبر اللازم منه إلغاء ما دلت عليه تلك الأخبار من الأسرار.

و اما ما يدل على الثالث فأصالة البراءة من الأمرين.

و

(الثاني) [ترك الاعراب في آخر التكبير]

- ما ذكره جملة من الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) من انه يستحب ترك الاعراب في آخر التكبير

لما روى عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (4)

____________

(1) الوسائل الباب 12 من تكبيرة الإحرام.

(2) ص 29.

(3) الوسائل الباب 52 من الجماعة.

(4) في الإقناع للخطيب الشربينى ج 1 ص 107 «لو لم يجزم الراء من «أكبر» لم يضر خلافا لما اقتضاه كلام ابن يونس في شرح التنبيه، و استدل له الدميري بقوله (ص) «التكبير جزم» و قال الحافظ ابن حجر لا أصل له و انما هو قول النخعي و على تقدير وجوده معناه عدم التردد فيه» و في تحفة المحتاج لابن حجر ج 1 ص 233: حديث* * * «التكبير جزم» لا أصل له و على فرض صحته المراد منه عدم مده كما حملوا الخبر الصحيح «السلام جزم».

38

انه قال:

«التكبير جزم».

أقول: الظاهر ان هذه الرواية عامية ذكرها أصحابنا في هذا المقام لعمومها. و الذي وقفت عليه من الأخبار الدالة على جزم التكبير هو ما تقدم في اخبار الأذان و لا عموم فيها بحيث يشمل تكبيرات الافتتاح و غيرها. و لا بأس بمتابعتهم لكن لا باعتقاد الاستحباب لعدم الدليل الواضح عليه.

و

(الثالث)- استحباب التوجه [بتكبيرات أخرى]

- زيادة على التوجه بتكبيرة الإحرام- بست تكبيرات أو بما دونها مما دلت عليه الأخبار:

و منها-

رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال:

«إذا افتتحت الصلاة فكبر إن شئت واحدة و ان شئت ثلاثا و ان شئت خمسا و ان شئت سبعا فكل ذلك مجزئ عنك غير انك إذا كنت اماما لم تجهر إلا بتكبيرة».

و صحيحة زيد الشحام (2) قال:

«قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) الافتتاح؟

قال تكبيرة تجزئك. قلت فالسبع؟ قال ذلك الفضل».

و روى في الكافي عن زرارة في الصحيح أو الحسن (3) قال:

«ادنى ما يجزى من التكبير في التوجه تكبيرة واحدة و ثلاث تكبيرات أحسن و سبع أفضل».

و عن معاوية بن عمار في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال:

«إذا كنت إماما أجزأتك تكبيرة واحدة لأن معك ذا الحاجة و الضعيف و الكبير».

و قال في الفقيه، و قد تجزئ في الافتتاح تكبيرة واحدة (5) و

كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) أتم الناس صلاة و أوجزهم كان إذا دخل في الصلاة قال اللّٰه أكبر بسم اللّٰه الرحمن الرحيم.

____________

(1) الوسائل الباب 7 من تكبيرة الإحرام.

(2) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الإحرام.

(3) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الإحرام.

(4) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الإحرام.

(5) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الإحرام.

39

و روى في التهذيب في الصحيح عن الحلبي (1) قال:

«سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن أخف ما يكون من التكبير في الصلاة؟ قال ثلاث تكبيرات فإذا كانت قراءة قرأت مثل قل هو اللّٰه أحد و قل يا ايها الكافرون، و إذا كنت إماما فإنه يجزئك ان تكبر واحدة تجهر فيها و تسر ستا».

و عن زرارة في الموثق (2) قال:

«رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) أو سمعته استفتح للصلاة بسبع تكبيرات ولاء».

و عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال:

«سألته عن ادنى ما يجزئ في الصلاة من التكبير؟ قال تكبيرة واحدة».

و عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) (4) قال:

«التكبيرة الواحدة في افتتاح الصلاة تجزئ و الثلاث أفضل و السبع أفضل كله».

و ربما يستفاد من صحيحة معاوية بن عمار- و نحوها كلام الفقيه الذي هو لا يكون إلا عن الرواية أيضا- عدم تأكد استحباب التكبيرات الزائدة على تكبيرة الإحرام للإمام و لم أقف على من قال به من علمائنا الاعلام.

و

(الرابع)- الدعاء بين هذه التكبيرات

فمن ذلك ما تضمنته

صحيحة الحلبي أو حسنته كما رواه في الكافي عنه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) قال:

«إذا افتتحت الصلاة فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات ثم قل اللهم أنت الملك الحق لا إله إلا أنت سبحانك اني ظلمت نفسي فاغفر لي ذنبي انه لا يغفر الذنوب إلا أنت. ثم تكبر تكبيرتين ثم قل لبيك و سعديك و الخير في يديك و الشر ليس إليك و المهدي من هديت لا ملجأ منك إلا إليك سبحانك و حنانيك تباركت و تعاليت

____________

(1) الوسائل الباب 12 من تكبيرة الإحرام.

(2) الوسائل الباب 7 من تكبيرة الإحرام.

(3) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الإحرام.

(4) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الإحرام.

(5) الوسائل الباب 8 من تكبيرة الإحرام.

40

سبحانك رب البيت. ثم تكبر تكبيرتين ثم تقول وجهت وجهي للذي فطر السماوات و الأرض عالم الغيب و الشهادة حنيفا مسلما و ما انا من المشركين

إِنَّ صَلٰاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيٰايَ وَ مَمٰاتِي لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ لٰا شَرِيكَ لَهُ وَ بِذٰلِكَ أُمِرْتُ وَ أَنَا

من

الْمُسْلِمِينَ

. ثم تعوذ من الشيطان الرجيم ثم اقرأ فاتحة الكتاب».

بيان: «لبيك و سعديك» قال في النهاية: لبيك أي إجابتي لك يا رب و هو مأخوذ من «لب بالمكان و ألب» إذا قام به «و ألب على كذا» إذا لم يفارقه، و لم يستعمل إلا على لفظ التثنية في معنى التكرير أي إجابة بعد اجابة، و هو منصوب على المصدر بعامل لا يظهر كأنك قلت «ألب إلبابا بعد الباب» و قيل معناه اتجاهي و قصدي يا رب إليك من قولهم «داري تلب دارك» اي تواجهها. و قيل معناه إخلاصي لك من قولهم «حب لباب» إذا كان خالصا محضا و منه لب الطعام و لبابه. انتهى. و زاد في القاموس معنى آخر قال: أو معناه محبتي لك من امرأة لبه محبة لزوجها. و في النهاية «سعديك» اي ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة أو إسعادا بعد إسعاد و لهذا ثنى و هو من المصادر المنتصبة بفعل لا يظهر في الاستعمال، قال الجوهري لم يسمع «سعديك» مفردا. انتهى.

و روى السيد الزاهد العابد المجاهد رضي الدين بن طاوس في كتاب فلاح السائل بسنده فيه عن ابن أبي نجران عن الرضا (عليه السلام) (1) قال:

«تقول بعد الإقامة قبل الاستفتاح في كل صلاة: اللهم رب هذه الدعوة التامة و الصلاة القائمة بلغ محمدا (صلى اللّٰه عليه و آله) الدرجة و الوسيلة و الفضل و الفضيلة، باللّٰه استفتح و باللّٰه أستنجح و بمحمد رسول اللّٰه و آل محمد (صلى اللّٰه عليه و عليهم) أتوجه اللهم صل على محمد و آل محمد و اجعلني بهم عندك وجيها في الدنيا و الآخرة و من المقربين».

بيان: «الدعوة التامة» أي الأذان و الإقامة فإنهما دعوة إلى الصلاة و تمامهما في إفادة

____________

(1) مستدرك الوسائل الباب 9 من القيام.

41

ما وضعا له ظاهرا و هي الصلاة فالمصدر بمعنى المفعول. «و الصلاة القائمة» أي في هذا الوقت إشارة إلى قوله «قد قامت الصلاة» أو القائمة إلى يوم القيامة، و الدرجة المختصة به (عليه السلام) في القيامة هي الشفاعة الكبرى، و الوسيلة هي المنبر المعروف الذي يعطيه اللّٰه في القيامة كما ورد في الأخبار.

و روى في التهذيب في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال:

«يجزئك في الصلاة من الكلام في التوجه إلى اللّٰه سبحانه ان تقول

وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ

على ملة إبراهيم حنيفا مسلما

وَ مٰا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ

-

إِنَّ صَلٰاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيٰايَ وَ مَمٰاتِي لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ لٰا شَرِيكَ لَهُ وَ بِذٰلِكَ أُمِرْتُ

و انا من المسلمين.

و يجزيك تكبيرة واحدة».

و روى السيد الزاهد العابد رضي الدين بن طاوس في كتاب فلاح السائل بسنده عن ابن أبي عمير عن الأزدي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) في حديث انه قال:

«كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول لأصحابه من اقام الصلاة و قال قبل ان يحرم و يكبر- يا محسن قد أتاك المسيء و قد أمرت المحسن ان يتجاوز عن المسيء و أنت المحسن و انا المسيء فبحق محمد و آل محمد صل على محمد و آل محمد و تجاوز عن قبيح ما تعلم مني- فيقول اللّٰه يا ملائكتي اشهدوا اني قد عفوت عنه و أرضيت عنه أهل تبعاته».

و قال الشهيد في الذكرى انه قد ورد هذا الدعاء عقيب السادسة إلا انه لم يذكر فيه «فبحق محمد و آل محمد» و انما فيه «و انا المسيء فصل على محمد و آل محمد. الى آخره»

و روى الطبرسي في الاحتجاج (3) قال:

«كتب الحميري إلى القائم (عليه السلام) يسأله عن التوجه للصلاة ان يقول «على ملة إبراهيم و دين محمد (صلى اللّٰه عليه و آله)» فان بعض أصحابنا ذكر انه إذا قال «على دين محمد» فقد أبدع لأنا لم نجده في

____________

(1) الوسائل الباب 8 من تكبيرة الإحرام.

(2) مستدرك الوسائل الباب 9 من القيام.

(3) الوسائل الباب 8 من تكبيرة الإحرام.

42

شيء من كتب الصلاة خلا حديثا واحدا في كتاب القاسم بن محمد عن جده الحسن بن راشد ان الصادق (عليه السلام) قال للحسن كيف تتوجه؟ قال أقول «لبيك و سعديك» فقال له الصادق (عليه السلام) ليس عن هذا أسألك كيف تقول «

وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً

مسلما»؟ قال الحسن أقوله: فقال له الصادق (عليه السلام) إذا قلت ذلك فقل: على ملة إبراهيم و دين محمد و منهاج علي بن أبي طالب و الائتمام بآل محمد حنيفا مسلما

وَ مٰا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ

؟ فأجاب (عليه السلام) التوجه كله ليس بفريضة و السنة المؤكدة فيه التي هي كالإجماع الذي لا خلاف فيه

وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً

مسلما على ملة إبراهيم و دين محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) و هدى أمير المؤمنين (عليه السلام)

وَ مٰا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ

-

إِنَّ صَلٰاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيٰايَ وَ مَمٰاتِي لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ لٰا شَرِيكَ لَهُ وَ بِذٰلِكَ أُمِرْتُ

و انا من المسلمين اللهم اجعلني من المسلمين أعوذ باللّٰه السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم اللّٰه الرحمن الرحيم. ثم تقرأ الحمد».

قال الفقيه الذي لا يشك في علمه: الدين لمحمد (صلى اللّٰه عليه و آله) و الهداية لعلي أمير المؤمنين (عليه السلام) لأنها له (صلى اللّٰه عليهما) و في عقبه باقية إلى يوم القيامة فمن كان كذلك فهو من المهتدين و من شك فلا دين له و نعوذ باللّٰه من الضلالة بعد الهدى.

و

(الخامس)- رفع اليدين بالتكبير

[مواقع الخلاف في المسألة]

و قد وقع الخلاف هنا في مواضع

(الأول) الرفع

فالمشهور الاستحباب و نقل عن المرتضى انه أوجب رفع اليدين بالتكبير في جميع الصلاة و نقل عنه انه احتج عليه بإجماع الفرقة، قال في المدارك: و هو اعلم بما ادعاه.

أقول: لو رجع السيد (رضي اللّٰه عنه) الى الآية و الأخبار لوجدها ظاهرة الدلالة على ما ذهب اليه على وجه لا يتطرق اليه النقض و لا الطعن عليه و لكنه (رضي اللّٰه عنه)- كما أشرنا إليه في ما سبق- قليل الرجوع إلى الأخبار و انما يعتمد على أدلة واهية لا تقبلها البصائر و الأفكار من تعليل عقلي أو دعوى إجماع مع انه لا قائل به سواه كما

43

لا يخفى على من راجع مصنفاته (رضي اللّٰه عنه).

و بيان صحة ما ذكرناه ان مما يدل على القول المذكور قوله تعالى «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ» (1) لورود الأخبار في تفسيرها كما سيأتي بأن المراد بالنحر هنا انما هو رفع اليدين بالتكبير في الصلاة، و الأوامر القرآنية عندهم على الوجوب إلا ما قام الدليل على خلافه و من ذلك الأخبار المتكاثرة و منها-

صحيحة الحلبي المتقدمة (2) و فيها

«إذا افتتحت الصلاة فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات.».

و منها-

صحيحة معاوية بن عمار (3) قال:

«رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) إذا كبر في الصلاة يرفع يديه حتى يكاد يبلغ أذنيه».

و في صحيحة أخرى له (4) قال:

«رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) حين افتتح الصلاة رفع يديه أسفل من وجهه قليلا».

و في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (5)

«إذا قمت في الصلاة فكبرت فارفع يديك و لا تجاوز بكفيك أذنيك أي حيال خديك».

و في صحيحة صفوان بن مهران الجمال (6) قال:

«رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) إذا كبر في الصلاة يرفع يديه حتى يكاد يبلغ أذنيه».

و في صحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (7)

«في قول اللّٰه عز و جل

فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ (8)

قال هو رفع يديك حذاء وجهك».

و روى أمين الإسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان في تفسير الآية المذكورة

____________

(1) سورة الكوثر، الآية 2.

(2) ص 39.

(3) لم نقف في كتب الحديث على رواية لمعاوية بن عمار بهذا اللفظ، نعم نسب في المدارك و الذخيرة هذا النص إلى معاوية بن عمار.

(4) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الإحرام.

(5) الوسائل الباب 10 من تكبيرة الإحرام.

(6) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الإحرام.

(7) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الإحرام.

(8) سورة الكوثر، الآية 2.

44

عن عمر بن يزيد (1) قال:

«سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول في قوله تعالى

«فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ»

هو رفع يديك حذاء وجهك».

قال و روى عنه عبد اللّٰه بن سنان مثله (2).

و روى فيه أيضا عن جميل (3) قال:

«قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام)

«فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ»

؟ فقال بيده هكذا يعني استقبل بيديه حذاء وجهه القبلة في افتتاح الصلاة».

ثم روى فيه أيضا عن مقاتل بن حيان عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (4)

«لما نزلت هذه السورة قال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لجبرئيل (عليه السلام) ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟ قال ليست بنحيرة و لكن يأمرك إذا تحرمت للصلاة ان ترفع يديك إذا كبرت و إذا ركعت و إذا رفعت رأسك من الركوع و إذا سجدت فإنه صلاتنا و صلاة الملائكة في السماوات السبع فان لكل شيء زينة و ان زينة الصلاة رفع الأيدي عند كل تكبيرة».

و رواه الشيخ الطوسي في مجالسه و كذا ابنه في مجالسه (5) فهذه الروايات الأربع تضمنت تفسير الآية.

و من اخبار المسألة أيضا

ما في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (6) في وصية النبي لعلي (عليه السلام)

«و عليك ان ترفع يديك في صلاتك.

الحديث».

إلى غير ذلك من الأخبار الآتية ان شاء اللّٰه تعالى.

و أنت خبير بأن جملة منها قد دلت على حكاية فعلهم (عليهم السلام) و جملة قد دلت على الأمر بذلك و جملة على تفسير الآية بذلك و لم نقف في الأخبار على ما يخالفها و يضادها.

و غاية ما استدلوا به على عدم الوجوب كما ذكره بعض متأخري المتأخرين

صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (7) قال:

«على الامام ان يرفع يده في الصلاة و ليس على غيره ان يرفع يده في الصلاة».

قالوا: و الظاهر انه لا قائل بالفصل بين الإمام

____________

(1) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الإحرام.

(2) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الإحرام.

(3) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الإحرام.

(4) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الإحرام.

(5) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الإحرام.

(6) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الإحرام.

(7) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الإحرام.

45

و غيره فعدم وجوبه على غير الامام يوجب تعدي الحكم اليه، و لهذا ذكر الشيخ ان المعنى في هذا الخبر ان فعل الإمام أكثر فضلا و أشد تأكيدا و ان كان فعل المأموم أيضا فيه فضل. انتهى.

و لا يخفى ما في هذا الاستدلال من ظهور الاختلال و منافاته لظاهر الخبر المذكور مضافا إلى عدم الصراحة بل الظهور في محل ذلك الرفع و لعله في القنوت. و بالجملة معارضة تلك الأخبار الكثيرة الصحيحة الصريحة بهذه الرواية المجملة المتهافتة الدلالة لا تخلو من تعسف. نعم لقائل أن يقول ان إيجاب الرفع في ما عدا تكبيرة الإحرام المتفق على وجوبها و تكبيري الركوع و السجود على القول بوجوبهما لا يخلو من اشكال إذ متى كان أصل التكبير مستحبا لزم ان يكون ما تعلق به من شرط و صفة و نحوهما مستحبا كما هو مقتضى القواعد العقلية و النقلية، و كيف كان فقول السيد (رضي اللّٰه عنه) بمحل من القوة و الاحتياط يقتضي المحافظة عليه.

و اما ما أطال به في الذخيرة- انتصارا للقول المشهور و نقل معان متعددة للآية من كلام المفسرين- فلا طائل تحته بعد ما عرفته، و الاعتماد على كلام المفسرين في مقابلة تفسير أهل البيت (عليهم السلام) خروج عن الدين كما لا يخفى على الحاذق المكين و قد تقدم إيضاحه في غير مقام مما تقدم. نعم ما ذكره

من رواية حريز عن رجل عن ابي جعفر (عليه السلام)- (1) قال:

«قلت له

فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ

؟ قال النحر الاعتدال في القيام ان يقيم صلبه و نحره».

- مسلم إلا انه لا منافاة فيها لما دلت عليه تلك الأخبار حتى يعترض بها لإمكان تفسير الآية بالأمرين و به يجمع بين الأخبار، و مثله في القرآن غير عزيز

فان

القرآن ذلول ذو وجوه

(2)

.

(الثاني) [حد الرفع]

- قد اختلفت عبارات الأصحاب في بيان حد الرفع، فقال الشيخ الرفع

____________

(1) الوسائل الباب 2 من القيام.

(2) مجمع البيان طبع صيدا ج 1 ص 13 عن النبي (ص).

46

المعتبر في تكبيرة الإحرام و غيرها ان يحاذي بيديه شحمتي أذنيه. و عن ابن أبي عقيل يرفعهما حذو منكبيه أو حيال خديه لا يجاوز بهما أذنيه. و قال ابن بابويه يرفعهما إلى النحر و لا يجاوز بهما الأذنين حيال الخد. و قال الفاضلان في بحث الركوع من المعتبر و المنتهى في تكبير الركوع يرفع يديه حيال وجهه، و في رواية إلى أذنيه و به قال الشيخ. و قال الشافعي إلى منكبيه (1) و به رواية عن أهل البيت (عليهم السلام).

أقول: قد تقدم في الأخبار الواردة في هذا المقام في الموضع الأول

صحيحة معاوية ابن عمار

«و فيها يرفع يديه حتى يكاد يبلغ أذنيه»

(2)

.

و في صحيحته الثانية

«أسفل من وجهه قليلا».

و في صحيحة زرارة

«و لا تجاوز بكفيك أذنيك أي حيال خديك».

و في صحيحة صفوان مثل صحيحة معاوية بن عمار الاولى، و في صحيحة عبد اللّٰه بن سنان «حذاء وجهك» و مثله في رواية جميل. هذا ما تقدم في المقام.

و في صحيحة حماد بن عيسى المتقدمة (3) في تعليم الصادق (عليه السلام) في تكبيرة للسجود

«و رفع يديه حيال وجهه».

و في رواية أبي بصير (4) قال:

«قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) إذا دخلت المسجد فاحمد اللّٰه و أثن عليه و صل على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فإذا افتتحت الصلاة فكبرت فلا تجاوز أذنيك و لا ترفع يديك بالدعاء في المكتوبة تجاوز بهما رأسك».

و عن منصور بن حازم (5) قال:

«رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) افتتح الصلاة فرفع يديه حيال وجهه و استقبل القبلة ببطن كفيه».

و في الصحيح عن ابن سنان (6) قال:

«رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يصلي يرفع

____________

(1) الام ج 1 ص 90.

(2) تقدم عدم الوقوف على رواية لمعاوية بن عمار بهذا اللفظ.

(3) ص 3.

(4) الوسائل الباب 39 من المساجد و 9 من تكبيرة الإحرام.

(5) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الإحرام.

(6) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الإحرام.

47

يديه حيال وجهه حين استفتح».

و عن زرارة في الصحيح أو الحسن عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال:

«ترفع يديك في افتتاح الصلاة قبالة وجهك و لا ترفعهما كل ذلك».

و في كتاب الفقه الرضوي (2)

«فإذا افتتحت الصلاة فكبر و ارفع يديك بحذاء أذنيك و لا تجاوز بإبهاميك حذاء أذنيك و لا ترفع يديك بالدعاء في المكتوبة حتى تجاوز بهما رأسك و لا بأس بذلك في النافلة و الوتر».

و المفهوم من هذه الأخبار باعتبار ضم بعضها إلى بعض هو ان أعلى مراتب الرفع إلى ما سامت الأذنين كما يشير اليه قوله في صحيحة زرارة الاولى «و لا تجاوز بكفيك أذنيك» و مثله في رواية أبي بصير و عبارة كتاب الفقه، و أقل مراتبه ان يكون أسفل من وجهه قليلا كما في صحيحة معاوية بن عمار الثانية، و الظاهر انها هي التي أشار إليها ابن بابويه بقوله «يرفعهما إلى النحر» فإنه أسفل من الوجه قليلا و إلا فلفظ النحر لم أقف عليه في شيء من الأخبار التي وصلت الي و هي جملة ما ذكرته هنا. و بهذا يجمع بين الأخبار المذكورة و ما دل عليه خبر أبي بصير و كذا كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه من النهي عن رفع اليدين بالدعاء في المكتوبة حتى يجاوز بهما الرأس، و الظاهر انه هو المراد من الخبر المروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) على ما ذكره جمع من الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم):

قال في الذكرى:

روى ابن أبي عقيل قال جاء عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (3)

«ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) مر برجل يصلي و قد رفع يديه فوق رأسه فقال ما لي أرى أقواما يرفعون أيديهم فوق رؤوسهم كأنها آذان خيل شمس؟».

انتهى. و نحوه روى في المعتبر و المنتهى عن علي (عليه السلام) (4)

____________

(1) الوسائل الباب 10 من تكبيرة الإحرام.

(2) ص 7.

(3) مستدرك الوسائل الباب 8 من تكبيرة الإحرام.

(4) الوسائل الباب 10 من تكبيرة الإحرام.

48

قال شيخنا المجلسي (عطر اللّٰه مرقده) في كتاب البحار: روى المخالفون هذه الرواية في كتبهم فبعضهم روى «آذان خيل» و بعضهم «أذناب خيل» قال في النهاية «ما لي أراكم رافعي أيديكم في الصلاة كأنها أذناب خيل شمس؟» هي جمع شموس و هي النفور من الدواب الذي لا يستقر لشغبه و حدته. انتهى. و العامة حملوها على رفع الأيدي في التكبير (1) لعدم قولهم بشرعية القنوت في أكثر الصلوات و تبعهم الأصحاب

____________

(1) قال في بدائع الصنائع ج 1 ص 207: «و اما رفع اليدين عند التكبير فليس بسنة في الفرائض عندنا إلا في تكبيرة الافتتاح. إلى ان قال في ضمن الاستدلال:

و روى

انه (ص) رأى بعض أصحابه يرفعون أيديهم عند الركوع و عند رفع الرأس من الركوع فقال ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ اسكنوا في الصلاة».

و قال في نيل الأوطار ج 2 ص 191 في مبحث رفع الأيدي عند التكبير: احتج من قال بعدم الاستحباب

بحديث جابر بن سمرة عند مسلم و أبي داود قال

«خرج علينا رسول اللّٰه (ص) فقال ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس اسكنوا في الصلاة».

و أجيب عن ذلك بأنه ورد على سبب خاص

فان مسلما رواه أيضا من حديث جابر بن سمرة قال

«كنا إذا صلينا مع النبي (ص) قلنا السلام عليكم و رحمة اللّٰه السلام عليكم و رحمة اللّٰه- و أشار بيديه إلى الجانبين- فقال لهم النبي (ص) علام تومئون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ إنما يكفي أحدكم ان يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه من على يمينه و شماله».

و في هامش المنتقى ج 1 ص 461 في التعليق على الحديث باللفظ الثاني المنسوب إلى أحمد و مسلم و بلفظ آخر للنسائي و هو

«كنا نصلي خلف النبي (ص) فقال ما بال هؤلاء يسلمون بأيديهم كأنها أذناب خيل شمس؟ إنما يكفي أحدكم ان يضع يده على فخذه ثم يقول السلام عليكم السلام عليكم».

قال: قد احتج به الأحناف على ترك رفع اليدين عند الركوع و الرفع منه، قال البخاري في جزء رفع اليدين: فاما احتجاج بعض من لا يعلم بحديث وكيع عن الأعمش عن المسيب ابن رافع عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة قال: دخل علينا رسول اللّٰه (ص)- و نحن رافعو أيدينا- الحديث فإنما كان هذا في التشهد لا في القيام كان يسلم بعضهم على بعض فنهى النبي (ص) عن رفع الأيدي في التشهد و لا يحتج بهذا من له حظ من العلم.

49

فاستدلوا بها على كراهة تجاوز اليد عن الرأس في التكبير، و لعل الرفع للقنوت منها أظهر و يحتمل التعميم أيضا و الأحوط الترك فيهما معا. انتهى كلام شيخنا المشار إليه.

أقول: و الظاهر هو ما استظهره من الحمل على القنوت، و ينبغي ان يخص بالفريضة كما تضمنه الخبران المتقدمان و لا بأس بذلك في النافلة كما تضمنته عبارة كتاب الفقه.

و اما الحمل على رفع اليدين في التكبير كما ذكره الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) فالظاهر بعده عن سياق الخبر و ان كان الحكم كذلك كما يدل عليه النهي عن الرفع في التكبير عما زاد على محاذاة الأذنين إلا ان الخبر المذكور ليس مرادا به ذلك بل المراد به ما اشتمل عليه خبر أبي بصير و كلامه (عليه السلام) في الكتاب المذكور.

(الثالث) [موضع التكبير من حيث الرفع و الإرسال]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) انه يتبدئ في التكبير بابتداء رفع يديه و ينتهي بانتهائه و يرسلهما بعد ذلك، قال في المعتبر: و هو قول علمائنا. و نحوه كلام العلامة في المنتهى. و عللوه بأنه لا يتحقق رفعهما بالتكبير إلا بذلك و على هذا جرى في المدارك و الذخيرة و غيرهما.

مع ان في المسألة قولين آخرين (أحدهما) انه يبتدئ بالتكبير حال إرسالهما.

و قيل انه يبتدئ بالتكبير عند انتهاء الرفع فيكبر عند تمام الرفع ثم يرسل يديه. و هذا هو الظاهر من صحيحة الحلبي أو حسنته المتقدمة (1) لقوله (عليه السلام) «إذا افتتحت الصلاة- أي إذا أردت افتتاح الصلاة كما في قوله عز و جل «فَإِذٰا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ» (2) و «إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ» (3)- فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات» و أجاب العلامة عن هذه الرواية بحمل «ثم» على الانسلاخ عن معنى التراخي.

و اما ما تمسكوا به من ان الرفع بالتكبير لا يتحقق إلا بذلك فهو جيد لو وجدت هذه العبارة في شيء من اخبار المسألة و قد تقدم لك ذكرها و ان وجد ذلك فإنما هو في كلام الأصحاب و لا حجة فيه.

____________

(1) ص 39.

(2) سورة النحل، الآية 100.

(3) سورة المائدة، الآية 9.

50

و قريب من صحيحة الحلبي في ذلك

صحيحة صفوان المتقدمة (1) و قوله:

«إذا كبر في الصلاة يرفع يديه حتى يكاد يبلغ أذنيه».

فإن المراد إذا أراد التكبير كما تقدم فيدل على ان الرفع متقدم على وقوع التكبير واقع عند إرادته و اما كون التكبير عند انتهاء الرفع أو حال الإرسال فهي مجملة في ذلك فهي موافقة للقول المشهور و محتملة للقولين الآخرين.

و قال العلامة في التذكرة:

قال ابن سنان (2)

«رأيت الصادق (عليه السلام) يرفع يديه حيال وجهه حين استفتح».

و ظاهره يقتضي ابتداء التكبير مع ابتداء الرفع و انتهاءه مع انتهائه و هو أحد وجهي الشافعية و الثاني يرفع ثم يكبر عند الإرسال و هو عبارة بعض علمائنا. و ظاهر كلام الشافعي انه يكبر بين الرفع و الإرسال (3) انتهى.

أقول: لا ريب ان ظاهر صحيحة الحلبي المتقدمة ما عرفت من الدلالة على القول الثالث و قريب منها صحيحة صفوان بالتقريب الذي ذكرناه، و هذه الرواية ظاهرة أيضا في القول المشهور كما ذكره شيخنا المذكور و ان أمكن التأويل فيها بحمل قوله:

«استفتح» على ارادة الاستفتاح كما في الخبرين الآخرين، و بذلك تنطبق على الخبرين المذكورين و يكون الجميع دليلا للقول الثالث. و اما حملها على ظاهرها فيوجب المناقضة بينها و بين الخبرين الأولين، إلا ان يجاب عن صحيحة الحلبي بما ذكره العلامة من حمل «ثم» على الانسلاخ من معنى التراخي و عن صحيحة صفوان بان المراد بقوله «إذا كبر» أي إذا ابتدأ في التكبير فيصير ابتداء التكبير بابتداء الرفع كما هو القول المشهور، و بذلك تبقى المسألة في قالب الإشكال في البين لتصادم الاحتمال من الطرفين.

(الرابع) [ضم الأصابع عند رفع اليدين أو وضعها]

- ذهب جمع من الأصحاب إلى استحباب ضم الأصابع حين الرفع و نقل الفاضلان عن المرتضى و ابن الجنيد تفريق الإبهام و ضم الباقي، و نقله في الذكرى عن المفيد و ابن البراج و ابن إدريس و جعله اولى و أسنده إلى الرواية.

____________

(1) ص 43 و 46.

(2) ص 43 و 46.

(3) شرح صحيح مسلم للنووي الشافعي على هامش إرشاد الساري ج 3 ص 4 و الام للشافعي ج 1 ص 90.