الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - ج10

- الشيخ يوسف البحراني المزيد...
548 /
1

-

2

[تتمة كتاب الصلاة]

[تتمة الباب الثالث]

[تتمة الفصل الأول]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

المطلب الثاني في شروط وجوب الجمعة

و هي أمور: أحدها الامام، و ثانيها العدد، و ثالثها الخطبتان، و رابعها الجماعة، و خامسها ان لا يكون هناك جمعة اخرى دون ثلاثة أميال، و سادسها الوقت، فالكلام في هذا المطلب يقتضي بسطه في مقاصد:

[المقصد] (الأول) في الإمام

[ما يشترط في الإمام]

و يشترط فيه أمور

(الأول)- البلوغ

فلا تصح إمامة الصبي و ان كان مميزا، و قال العلامة في المنتهى انه لا خلاف فيه، مع ان المنقول عن الشيخ في الخلاف و المبسوط جواز إمامة الصبي المراهق المميز العاقل في الفرائض و هو ظاهر في ثبوت الخلاف في المسألة، و اما ما اوله به في المدارك من الحمل على غير الجمعة- حيث قال: و الظاهر ان مراده بالفرائض ما عدا الجمعة- فلا يظهر له وجه سيما مع دلالة ظواهر جملة من الأخبار على ذلك:

و منها-

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي في الحسن أو الصحيح بإبراهيم بن هاشم عن عبد اللّٰه بن المغيرة عن غياث بن إبراهيم البتري الثقة عن ابى عبد اللّٰه

3

(عليه السلام) (1) قال:

«لا بأس بالغلام الذي لم يبلغ الحلم أن يؤم القوم و ان يؤذن».

و في الموثق عن سماعة بن مهران عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال:

«تجوز صدقة الغلام و عتقه و يؤم الناس إذا كان له عشر سنين».

و في رواية طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه عن على (عليهم السلام) (3) قال:

«لا بأس ان يؤذن الغلام الذي لم يحتلم و ان يؤم».

و هذه الأخبار كما ترى ظاهرة الدلالة في ما نقل عن الشيخ و بها يترجح ما ذهب اليه.

قال في المدارك بعد تأويله كلام الشيخ بما قدمنا نقله عنه: و كيف كان فالأصح اعتبار البلوغ مطلقا لأصالة عدم سقوط التكليف بالقراءة بفعل الصبي، و لان غير المكلف لا يؤمن من إخلاله بواجب أو فعل محرم فلا يتحقق الامتثال، و يؤيده

رواية إسحاق بن عمار عن الصادق عن أبيه عن آبائه عن على (عليهم السلام) (4) انه قال:

«لا بأس ان يؤذن الغلام قبل أن يحتلم و لا يؤم حتى يحتلم».

أقول: لا يخفى ان ما ذكره من التعليلات لا وجه له في مقابلة ما نقلناه من الروايات و هل هو إلا من قبيل الاجتهاد في مقابلة النص، و اما ما ذكره من الأصل فيجب الخروج عنه بالدليل و قد عرفته. بقي الكلام في الخبر الذي نقله و يمكن حمله على غير المميز.

و ظاهر المحقق الأردبيلي (قدس سره) تقوية هذا القول لولا الإجماع المدعى من العلامة في المنتهى، قال: و لولا الإجماع المنقول في المنتهى لأمكن القول بصحة إمامة الصبي المميز مع الاعتماد عليه لان عبادته شرعية، و قد صرح به في المنتهى في كتاب الصوم و غيره. انتهى.

أقول: قد عرفت في المطلب المتقدم ما في هذه الإجماعات و انه ليس فيها إلا تكثير السواد و إضاعة المداد و لا سيما في مقابلة الأخبار الظاهرة في المراد.

____________

(1) الوسائل الباب 14 من صلاة الجماعة.

(2) الوسائل الباب 14 من صلاة الجماعة.

(3) الوسائل الباب 14 من صلاة الجماعة.

(4) الوسائل الباب 14 من صلاة الجماعة.

4

ثم ان في هذه الرواية التي اعتمد عليها في المدارك زيادة مؤكدة لما اراده و لم ينقلها حيث قال بعد قوله: «و لا يؤم حتى يحتلم»: «فإن أم جازت صلاته و فسدت صلاة من خلفه» و يمكن حملها ايضا على تأكد الكراهة جمعا بين الأخبار كما هي قاعدتهم في هذا المضمار.

و بالجملة فالظاهر عندي هو قوة ما ذهب اليه الشيخ و ان كان الاحتياط في ما ذهبوا اليه. و اللّٰه العالم.

الثاني- العقل

فلا تنعقد امامة المجنون قولا واحدا لعدم الاعتداد بفعله.

بقي الكلام في ما لو كان يعتريه الجنون أدوارا فهل تجوز إمامته في حال الإفاقة؟

الظاهر ذلك و هو المشهور و به صرح العلامة في باب الجماعة من التذكرة على ما نقل عنه إلا انه قطع في باب الجمعة من التذكرة على ما حكى عنه بالمنع من إمامته مستندا إلى إمكان عروضه حال الصلاة له، و لأنه لا يؤمن احتلامه في حينه بغير شعوره فقد روى ان المجنون يمني في حال جنونه (1) و لهذه العلة نقل عن العلامة في النهاية انه يستحب له الغسل بعد الإفاقة. و لا يخفى ضعف ما استند اليه من التعليلين المذكورين

الثالث- الايمان

و هو عبارة عن الإقرار بالأصول الخمسة التي من جملتها إمامة الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) و لا خلاف بين الأصحاب في اشتراطه.

و عليه تدل الأخبار المتظافرة، و منها

ما رواه في الكافي عن زرارة بإسنادين أحدهما من الصحاح أو الحسان بإبراهيم بن هاشم (2) قال:

«كنت جالسا عند أبى جعفر (عليه السلام) ذات يوم إذ جاءه رجل فدخل عليه فقال له جعلت فداك انى رجل

____________

(1) علل في التذكرة- في المسألة 3 من البحث الثاني في السلطان من صلاة الجمعة- منع إمامة الأدواري بوجوه ثلاثة و هي الوجهان المتقدمان في المتن و انه ناقص عن المراتب الجليلة. و اما الرواية فهي من كلام السبزواري في الذخيرة في شروط النائب و لم يستند إليها في التذكرة.

(2) الوسائل الباب 5 من صلاة الجماعة.

5

جار مسجد لقومي فإذا انا لم أصل معهم وقعوا في و قالوا هو هكذا و هكذا؟ فقال اما لئن قلت ذاك لقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من سمع النداء فلم يجبه من غير علة فلا صلاة له. فخرج الرجل فقال له لا تدع الصلاة معهم و خلف كل امام. فلما خرج قلت له جعلت فداك كبر على قولك لهذا الرجل حين استفتاك فان لم يكونوا مؤمنين؟

قال فضحك (عليه السلام) ثم قال ما أراك بعد إلا ههنا يا زرارة فأية علة تريد أعظم من انه لا يؤتم به؟ ثم قال يا زرارة ا ما تراني قلت صلوا في مساجدكم و صلوا مع أئمتكم؟».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابي عبد اللّٰه البرقي (1) قال

«كتبت إلى ابى جعفر (عليه السلام) جعلت فداك أ يجوز الصلاة خلف من وقف على أبيك و جدك (صلوات اللّٰه عليهما)؟ فأجاب لا تصل وراءه».

و ما رواه في الفقيه و التهذيب في الصحيح عن إسماعيل الجعفي (2) قال:

«قلت لأبي جعفر (عليه السلام) رجل يحب أمير المؤمنين (عليه السلام) و لا يتبرأ من عدوه و يقول هو أحب الى ممن خالفه؟ فقال هذا مخلط و هو عدو فلا تصل خلفه و لا كرامة إلا ان تتقيه».

و ما رواه في التهذيب عن إبراهيم بن شيبة (3) قال:

«كتبت الى ابى جعفر (عليه السلام) اسأله عن الصلاة خلف من يتولى أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو يرى المسح على الخفين أو خلف من يحرم المسح و هو يمسح؟ فكتب ان جامعك و إياهم موضع فلم تجد بدا من الصلاة فأذن لنفسك و أقم فإن سبقك إلى القراءة فسبح».

و ما رواه الكليني في الحسن عن زرارة (4) قال:

«سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الصلاة خلف المخالفين؟ فقال ما هم عندي إلا بمنزلة الجدر».

و عن ابى على بن راشد (5) قال:

«قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ان مواليك قد اختلفوا فأصلي خلفهم جميعا؟ فقال لا تصل إلا خلف من تثق بدينه».

____________

(1) الوسائل الباب 10 من صلاة الجماعة.

(2) الوسائل الباب 10 من صلاة الجماعة.

(3) الوسائل الباب 33 من صلاة الجماعة.

(4) الوسائل الباب 10 من صلاة الجماعة.

(5) الوسائل الباب 10 من صلاة الجماعة.

6

و ما رواه الكشي في كتاب الرجال عن يزيد بن حماد عن ابى الحسن (عليه السلام) (1) قال:

«قلت له أصلي خلف من لا اعرف؟ فقال لا تصل إلا خلف من تثق بدينه».

الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة مما يدل على بطلان عبادة المخالفين و عدم الاعتداد بالصلاة خلفهم.

الرابع- طهارة المولد

و هو ان لا يعلم كونه ابن زنا، و هو مذهب الأصحاب من غير خلاف ينقل.

و يدل عليه

ما رواه في الفقيه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) مرسلا و رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال:

«قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يصلين أحدكم خلف المجذوم و الأبرص و المجنون و المحدود و ولد الزنا و الأعرابي لا يؤم المهاجرين».

و ما رواه ثقة الإسلام في الكافي عن ابى بصير- و الظاهر انه ليث المرادي بقرينة رواية عبد اللّٰه بن مسكان عنه- عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال:

«خمسة لا يؤمون الناس على كل حال: المجذوم و الأبرص و المجنون و ولد الزنا و الأعرابي».

و ما رواه في الفقيه عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) انه قال:

«خمسة لا يؤمون الناس و لا يصلون بهم صلاة فريضة في جماعة: الأبرص و المجذوم و ولد الزنا و الأعرابي حتى يهاجر و المحدود».

و لا عبرة بمن تناله الألسن و كذا لا تقدح ولادة الشبهة و لا كونه مجهول الأب كما صرح به جملة من الأصحاب، لأصالة عدم المانع مع وجود المقتضى. و ربما قيل بالكراهة لنفرة النفس من من هذا شأنه الموجبة لعدم كمال الإقبال على العبادة،

____________

(1) الوسائل الباب 12 من صلاة الجماعة.

(2) الوسائل الباب 15 من صلاة الجماعة عن الكافي و الفقيه و كذا في الوافي باب (صفة إمام الجماعة.) و لم نعثر عليه في التهذيب في مظانه.

(3) الوسائل الباب 15 من صلاة الجماعة.

(4) الوسائل الباب 15 من صلاة الجماعة.

7

قال في الذكرى: و في كراهة الائتمام بهؤلاء قول لا بأس به لنقصهم و عدم كمال الانقياد الى متابعتهم. انتهى.

الخامس- الذكورة

فلا تصح إمامة المرأة و لا الخنثى لعدم جواز إمامتهما للرجال كما سيأتي في باب الجماعة ان شاء اللّٰه تعالى، قال في التذكرة يشترط في إمامة الرجال الذكورة عند علمائنا اجمع و به قال عامة العلماء (1) و لا ريب في اشتراطها بناء على ان الجمعة لا تنعقد بالمرأة و لا بالخنثى.

السادس- السلامة من البرص و الجذام و الحد الشرعي و الاعرابية

، أما الأول و الثاني فاختلف الأصحاب في جواز إمامتهما، فقال الشيخ في النهاية و الخلاف بالمنع من ذلك مطلقا و هو اختيار العلامة في المنتهى و السيد السند في المدارك، و قال المرتضى في الانتصار و ابن حمزة بالكراهة، و قال الشيخ في المبسوط و ابن البراج و ابن زهرة بالمنع من إمامتهما إلا بمثلهما، و قال ابن إدريس يكره إمامتهما في ما عدا الجمعة و العيد و اما فيهما فلا يجوز.

و الذي وقفت عليه من اخبار المسألة ما تقدم (2) من صحيحتي زرارة و ابى بصير و رواية محمد بن مسلم الدال جميعه على النهى عن الصلاة خلفهما.

و منها-

ما رواه الشيخ عن إبراهيم بن عبد الحميد عن ابى الحسن (عليه السلام) (3) قال:

«لا يصلى بالناس من في وجهه آثار».

و ما رواه الشيخ عن عبد اللّٰه بن يزيد (4) قال:

«سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المجذوم و الأبرص يؤمان المسلمين؟ قال نعم. قلت هل يبتلى اللّٰه بهما المؤمن؟ قال نعم

____________

(1) في المغني ج 2 ص 199 «لا يصح ان يأتم الرجل بالمرأة بحال في فرض و لا نافلة في قول عامة الفقهاء» و في بدائع الصنائع ج 1 ص 262 «المرأة لا تصلح للإمامة في سائر الصلوات ففي الجمعة أولى» و في ص 227 صرح بعدم صلوح المرأة لامامة الرجال. و في بداية المجتهد ج 1 ص 132 «الجمهور على انه لا يجوز ان تؤم المرأة الرجال».

(2) ص 6.

(3) الوسائل الباب 15 من صلاة الجماعة.

(4) الوسائل الباب 15 من صلاة الجماعة.

8

و هل كتب اللّٰه البلاء إلا على المؤمن».

و ما رواه احمد بن محمد بن خالد البرقي في كتاب المحاسن في الحسن عن الحسين بن ابى العلاء عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال:

«سألته عن المجذوم و الأبرص منا أ يؤمان المسلمين؟

قال نعم و هل يبتلى اللّٰه بهذا إلا المؤمن و هل كتب اللّٰه البلاء إلا على المؤمنين».

و روى الصدوق في كتاب الخصال في الصحيح على الأظهر عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) قال:

«ستة لا ينبغي ان يؤموا الناس: ولد الزنا و المرتد و الأعرابي بعد الهجرة و شارب الخمر و المحدود و الأغلف».

و لفظ «لا ينبغي» في الخبر المذكور مراد به التحريم كما هو شائع في الأخبار.

و جملة من المتأخرين جمعوا بين الأخبار بحمل الأخبار الأولة على الكراهة.

و الشيخ حمل رواية عبد اللّٰه بن يزيد على الضرورة في الجماعة بان لا يوجد غيرهما أو يكونا إمامين لأمثالهما. و لا يخلو من بعد.

و ظاهر صاحب المدارك بل صريحه العمل بالروايات الأولة حيث ان فيها الصحيح و هو يدور مداره غالبا، و طعن في رواية عبد اللّٰه بن يزيد بضعف السند بجهالة الراوي، ثم قال بعد كلام في البين: نعم لو صح السند لأمكن حمل النهى الواقع في الأخبار المتقدمة على الكراهة كما هو مذهب المرتضى (قدس سره).

و قال في الذكرى بعد نقل الجمع بين الأخبار بحمل الأخبار الأولة على الكراهة:

و يلزم منه استعمال المشترك في معنييه لأن النهي في ولد الزنا و المجنون محمول على المنع من النقيض قطعا فلو حمل على المنع لا من النقيض في غيرهما لزم المحذور.

و يمكن ان يقال لا مانع من استعمال المشترك في معنييه، و ان سلم فهو مجاز لا مانع من ارتكابه. انتهى.

أقول: و المسألة عندي لا تخلو من شوب التوقف فإن الأخبار المتقدمة مع

____________

(1) الوسائل الباب 15 من صلاة الجماعة و في المحاسن ص 326.

(2) الوسائل الباب 14 من صلاة الجماعة «و هل كتب البلاء».

9

صحة سند أكثرها صريحة في التحريم و الحمل على الكراهة مجاز لا يصار اليه إلا مع القرينة و لا قرينة فيها تؤذن بذلك، و وجود المخالف ليس قرينة إذ يحتمل الحمل على معنى آخر من تقية و نحوها. و يحتمل العكس ايضا. و بالجملة فإنه لا يحضرني الآن مذهب المخالفين في هذه المسألة (1) و لعل أخبار أحد الطرفين انما خرج مخرج التقية و اما القولان الآخران فلم نقف لهما على دليل. و اللّٰه العالم.

و اما الثالث و هو المحدود فان كان قبل التوبة فلا إشكال في عدم جواز الائتمام به لفسقه، و ان كان بعدها فقد حكم الأكثر بكراهة إمامته، و علله في المعتبر بنقص رتبته عن منصب الإمامة و ان زال فسقه بالتوبة. و نقل عن ابى الصلاح انه منع من امامة المحدود بعد التوبة إلا بمثله. و رده الأكثر بأن المحدود ليس اسوأ حالا من الكافر و بالتوبة و استجماع الشرائط تصح إمامته. أقول: و مما ردوا به كلام ابى الصالح يعلم الرد لما ذكروه من الكراهة أيضا فإن الظاهر انهم لا يقولون بكراهة الائتمام بالكافر بعد الإسلام إذا استجمع شرائط الإمامة فالمحدود بطريق اولى بمقتضى ما ذكروه. و الظاهر حمل الأخبار المتقدمة الدالة على النهى عن الائتمام به على ما قبل التوبة لظهور الفسق المانع من ذلك.

و اما الرابع و هو الأعرابي فالمراد به الأعرابي بعد الهجرة كما أفصح به خبر الأصبغ بن نباتة و خبر محمد بن مسلم و عليهما يحمل ما أطلق في غيرهما، و الوجه في المنع من إمامته ظاهر لإخلاله بالواجب عليه و هو الهجرة و إصراره على الترك بغير عذر شرعي، و سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى في جملة من الأخبار الدالة على عدد الكبائر ان من جملتها التعرب بعد الهجرة إلا ان تحققه في مثل هذه الأزمنة غير معلوم.

و الأصحاب في هذه المسألة منهم من أطلق المنع كالشيخ و جماعة و منهم من أطلق الكراهة.

____________

(1) في بدائع الصنائع ج 1 ص 156 «تجوز امامة العبد و الأعرابي و الأعمى و ولد الزنا و عليه قول العامة لقوله (ص): صلوا خلف من قال لا إله إلا اللّٰه».

10

و فصل في المعتبر في ذلك بما يرجع الى الفرق بين من لا يعرف محاسن الإسلام و لا وصفها فالأمر كما ذكروه من المنع و بين من وصل اليه ما يكفيه اعتماده و يدين به و لم يكن تلزمه المهاجرة وجوبا جاز ان يؤم.

و فيه ان ما ذكره لا اختصاص له بالأعرابي كما لا يخفى بل الأظهر كما عرفت انما هو ما قلناه لأنه الذي دلت عليه الاخبار المذكورة.

نعم

قد روى الحميري في كتاب قرب الاسناد بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على (عليه السلام) (1) في حديث قال:

«و كره ان يؤم الأعرابي لجفائه عن الوضوء و الصلاة».

و ملخص الكلام في ما يفهم من هذه الاخبار هو المنع و التحريم في من ترك الهجرة مع وجوبها عليه و الجواز على كراهة في من لم يكن كذلك مع عدم كماله في معرفة أحكام الطهارة و الصلاة. و يحتمل حمل أخبار المنع على ما إذا كان يؤم بالمهاجرين كما يستفاد من صحيح زرارة المتقدم في اشتراط طهارة المولد.

السابع- العدالة

و هي مما طال فيها الكلام بين علمائنا الأعلام بإبرام النقض و نقض الإبرام و صنفت فيها رسائل و تعارضت فيها الدلائل فلا جرم انا ارخينا للقلم عنانة في هذا الميدان و أعطينا المسألة حقها من البيان بما لم يسبق اليه سابق من علمائنا الأعيان:

و الكلام فيها يقع في مقامات

[المقام] (الأول) [اعتبار العدالة في إمام الجماعة]

- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في اشتراط عدالة إمام الجماعة مطلقا و نقل إجماعهم على ذلك جمع كثير منهم، بل نقل ذلك عن بعض المخالفين و هو أبو عبد اللّٰه البصري محتجا بإجماع أهل البيت (عليهم السلام) (2) و ان إجماعهم حجة.

____________

(1) الوسائل الباب 14 من صلاة الجماعة.

(2) ذكر ذلك الشيخ في الخلاف ص 82 نقلا عن السيد المرتضى و لم يتعرض له السيد في الانتصار و الناصريات و أبو عبد اللّٰه البصري- كما في المنتظم لابن الجوزي ج 7. ص 107- يعرف بالجعل سكن بغداد و كان من شيوخ المعتزلة و صنف على مذاهبهم و انتحل في الفروع مذهب أهل العراق. و ذكر المصنف «(قدس سره)» في لؤلؤة البحرين عند ذكر الشيخ المفيد نقلا عن الشيخ و رام ان الشيخ المفيد اشتغل بالعربية على الشيخ ابى عبد اللّٰه المعروف بجعل.

11

و احتج الأصحاب على ذلك بقوله عز و جل «وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّٰارُ» (1) و الفاسق ظالم لقوله تعالى «وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّٰهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» (2) و الائتمام ركون لان معنى الركون هو الميل القلبي.

أقول: لا يخفى ان غاية ما يدل عليه هذا الدليل هو عدم جواز امامة الفاسق خاصة و هو أخص من المدعى إذ المدعى اعتبار العدالة بأحد المعاني الآتية ان شاء اللّٰه تعالى المؤذن بعدم ثبوتها لمجهول الحال أيضا و الدليل المذكور لا يشمله.

و العمدة في الاستدلال على ذلك انما هي الأخبار الواضحة المنار، و منها

ما رواه الشيخ عن خلف بن حماد عن رجل عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال:

«لا تصل خلف الغالي و ان كان يقول بقولك و المجهول و المجاهر بالفسق و ان كان مقتصدا».

و رواه الصدوق في الفقيه مرسلا (4) و في أوله

«ثلاثة لا يصلى خلفهم. الى آخر ما ذكر».

و ما رواه الشيخ في الصحيح الى سعد بن إسماعيل عن أبيه (5) قال:

«قلت للرضا (عليه السلام) رجل يقارف الذنوب و هو عارف بهذا الأمر أصلي خلفه؟ قال لا».

و معنى «يقارف» اى يقارب، قال في النهاية: قارف الذنب و غيره إذا داناه و لاصقه و هو كناية عن فعل الذنوب.

و ما رواه الكليني و الشيخ عن ابى على بن راشد (6) قال:

«قلت لأبي جعفر

____________

(1) سورة هود الآية 115.

(2) سورة الطلاق الآية 1.

(3) الوسائل الباب 10 من صلاة الجماعة و كلمة «و أمانته» في التهذيب.

(4) الوسائل الباب 11 من صلاة الجماعة و في الخصال ج 1 ص 74.

(5) الوسائل الباب 11 من صلاة الجماعة.

(6) الوسائل الباب 10 من صلاة الجماعة و كلمة «و أمانته» في التهذيب.

12

(عليه السلام) ان مواليك قد اختلفوا فأصلي خلفهم جميعا؟ فقال لا تصل إلا خلف من تثق بدينه و أمانته».

و ما رواه الشيخ عن إبراهيم بن على المرافقي و ابى أحمد عمرو بن الربيع البصري عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (1)

«انه سئل عن القراءة خلف الامام فقال إذا كنت خلف الامام تولاه و تثق به فإنه يجزيك قراءته، و ان أحببت أن تقرأ فاقرأ في ما يخافت فيه فإذا جهر فأنصت قال اللّٰه تعالى

«وَ أَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» (2)

قال فقيل له فان لم أكن أثق به فأصلي خلفه و اقرأ؟ قال لا صل قبله أو بعده. الحديث».

و ما رواه في الفقيه عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) (3)

«امام القوم وافدهم فقدموا أفضلكم».

قال

و قال على (عليه السلام) (4)

«ان سركم ان تزكوا صلاتكم فقدموا خياركم».

و ما رواه في كتاب قرب الاسناد في الموثق عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) (5)

«ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) قال ان أئمتكم وفدكم الى اللّٰه تعالى فانظروا من توفدون في دينكم و صلاتكم».

و عن ابى ذر (6)

«ان امامك شفيعك الى اللّٰه عز و جل فلا تجعل شفيعك سفيها و لا فاسقا».

الى غير ذلك من الأخبار التي يقف عليها المتتبع.

(المقام الثاني)- في بيان معنى العدالة

و انها عبارة عما ذا و نقل أقوال جملة من علمائنا الأعلام رفع اللّٰه تعالى أقدارهم في دار المقام:

فنقول: اعلم ان العدالة لغة مأخوذة من العدل و هو القصد في الأمور ضد الجور» و قيل من العدالة بمعنى الاستواء و الاستقامة كما يقال «هذا عدل هذا» أي

____________

(1) الوسائل الباب 31 و 6 من صلاة الجماعة. و الراوي الثاني عنون في كتب الرجال في «عمر» بلا واو.

(2) سورة الأعراف الآية 203.

(3) الوسائل الباب 26 من صلاة الجماعة. و الحديث «4» عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله).

(4) الوسائل الباب 26 من صلاة الجماعة. و الحديث «4» عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله).

(5) الوسائل الباب 26 من صلاة الجماعة. و الحديث «4» عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله).

(6) الوسائل الباب 11 من صلاة الجماعة.

13

مساو له، و اعتدل الشيئان اى تساويا، و في اصطلاح أرباب الحكمة و أهل العرفان عبارة عن تعديل قوى النفس و تقويم أفعالها بحيث لا يغلب بعض على بعض.

و توضيح ذلك ان للنفس الإنسانية قوة عاقلة هي مبدأ الفكر و التمييز و الشوق الى النظر في الحقائق و التأمل في الدقائق، و قوة غضبية هي مبدأ الغضب و الجرأة لدفع المضار و الاقدام على الأهوال و الشوق الى التسلط على الرجال، و قوة شهوية هي مبدأ طلب الشهوة و اللذات من المآكل و المشارب و المناكح و سائر الملاذ البدنية و الشهوات الحسية، و هذه القوى متباينة جدا فمتى غلب أحدها انقهرت الباقيات و ربما أبطل بعضها فعل بعض، و الفضيلة البشرية تعديل هذه القوي لأن لكل من هذه القوى طرفي إفراط و تفريط، فاما القوة العاقلة فالسفاهة و البلاهة و القوة الغضبية التهور و الجبن و القوة الشهوية الشره و خمود الشهوة، فألقوه العاقلة تحصل من تعديلها فضيلة العلم و الحكمة و الغضبية تحصل من تعديلها فضيلة الشجاعة و القوة الشهوية تحصل من تعديلها فضيلة العفة، و إذا حصلت هذه الفضائل الثلاث التي هي في حاق الاواساط و تعادلت حصل منها فضيلة رابعة و ملكة راسخة هي أم الفضائل و هي المعبر عنها بالعدالة، فهي إذا ملكة نفسانية تصدر عنها المساواة في الأمور الصادرة عن صاحبها، و تحت كل واحدة من هذه الفضائل الثلاث المتقدمة فضائل أخرى و كلها داخلة تحت العدالة فهي دائرة الكمال و جماع الفضائل على الإجمال.

و اما في اصطلاح أهل الشرع الذي هو المقصود الذاتي بالبحث فأقوال:

(الأول) [ملكة تبعث على التقوى و المروة]

ما هو المشهور بين أصحابنا المتأخرين من انها ملكة نفسانية تبعث على ملازمة التقوى و المروة، و احترزوا بالملكة عما ليس كذلك من الأحوال المنتقلة بسرعة كحمرة الخجل و صفرة الوجل بمعنى ان الاتصاف بالوصف المذكور لا بد ان يكون من الملكات الراسخة التي يعسر زوالها.

و اختلف كلامهم في معنى التقوى، فقيل هي اجتناب الكبائر و الصغائر من المكلف العاقل، و نسبه شيخنا الشهيد الثاني إلى جماعة من أجلاء الأصحاب كالشيخ

14

المفيد و التقى ابى الصلاح الحلبي و القاضي عبد العزيز بن البراج الطرابلسي و ابى عبد اللّٰه محمد بن منصور بن إدريس الحلي العجلي (1) و ابى الفضائل الطبرسي حاكيا ذلك عن

____________

(1) بمناسبة تعرض المصنف «(قدس سره)» لذكر ابن إدريس بهذا النحو رأيت ان التعرض في المقام لما ذكره صاحب كشف الظنون عند تعرضه للكتب المؤلفة في الفقه على مذهب الإمامية ج 2 ص 1286 فإنه علق على هذا العنوان في ذيل الصفحة هكذا: يطلقون ابن إدريس على الشافعي. ثم قال في بيان الكتب هكذا: البيان و الذكرى شرائع الإسلام و حاشيته القواعد النهاية. ثم قال: و من أقوالهم الباطلة عدم وجوب الوضوء للصلاة المندوبة. إلى آخر ما ذكره من الأحكام الباطلة بنظره، و عد منها استحباب غسل يوم الغدير و هو العاشر من ذي الحجة. و قال ج 2 ص 1281: و الكتب المؤلفة على مذهب الإمامية الذين ينتسبون الى مذهب ابن إدريس اعنى الشافعي كثيرة: منها- شرائع الإسلام و حاشيته و البيان و الذكرى و القواعد و النهاية. أقول ما أدرى من أين اتى هذا المتتبع المحقق بهذا التحقيق النفيس و كيف أدى تحقيقه و تتبعه الى إغفال محمد بن إدريس العجلي الحلي من قائمة علماء الإمامية و إغفال كتابه السرائر من قائمة كتبهم حتى حكم بان المراد ب (ابن إدريس) في كلامهم هو محمد بن إدريس الشافعي القرشي و ليته رجع على الأقل إلى لسان الميزان لابن حجر العسقلاني ج 5 ص 65 حيث يقول محمد بن إدريس العجلي الحلي فقيه الشيعة و عالمهم له تصانيف في فقه الإمامية و لم يكن للشيعة في وقته مثله مات سنة سبع و تسعين و خمسمائة. انتهى. نعم ليس هذا بغريب ممن يكتب و يؤلف و يحكم بما تشتهيه نفسه و يقتضيه تعصبه و يتجنب ما يفرضه الوجدان و الضمير من التتبع و التحقيق ليفهم من هو ابن إدريس في كلام الإمامية و ليفهم انه لا علاقة لمذهب الإمامية بمذهب الشافعي إلا التضاد كغيره من المذاهب فإن أساسه و منبعه هو ما خلفه النبي «ص» في الأمة و اوصى باتباعه و التمسك به و جعله المرجع في أمور الدين و أناط به الأمن من الضلال من بعده و هو الكتاب و العترة كما هو نص حديث الثقلين الثابت من الطريقين راجع ج 9 ص 360 من الحدائق، فمذهب الإمامية يستقى أحكامه من منبع الكتاب و العترة و لا ارتباط له بمذهب الشافعي أصلا و إنما يذكر قوله كغيره بعنوان «الشافعي» عند نقل الأقوال. و مما ذكرناه تظهر قيمة منقولاته الأخر كنسبة عدم وجوب الوضوء للصلاة المندوبة إلى الإمامية الذي هو افتراء محض عليهم و هذه كتب الشيعة منتشرة في البلاد، و كجعل الغدير اليوم العاشر من ذي الحجة، كما يظهر انه لا قيمة لحكمه و حكم غيره ببطلان أقوالهم بعد ابتنائها على الأساس الذي أسسه مشرع الشريعة (ص) و الرجوع فيها الى المرجع الذي عينه في حديث الثقلين و غيره. و لتزداد بصيرة في ما قلناه راجع ج 1 ص 452 من كشف الظنون حيث يقول: تفسير الطوسي- هو أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي فقيه الشيعة الشافعي «كان ينتمي إلى مذهب الشافعي» المتوفى سنة ستين و أربعمائة (561) سماه مجمع البيان لعلوم القرآن و اختصر الكشاف و سماه جوامع الجامع و ابتدأ بتأليفه في سنة 542 قال السبكى و قد أحرقت كتبه عدة نوب بمحضر من الناس. فانظر كيف صار مجمع البيان للشيخ الطوسي بدل التبيان و كيف صار فقيه الشيعة شافعيا، و راجع ج 2 ص 1602 منه حيث يقول مجمع البيان في تفسير القرآن للشيخ ابى على فضل بن الحسين الطبرسي المشهدي الشيعي.

ثم إن في ريحانة الأدب ج 5 ص 246 ما ترجمته: ابن إدريس محمد بن أحمد أو محمد بن منصور بن أحمد بن إدريس بن حسين المكنى ب«ابى عبد اللّٰه». و بالمراجعة لرجال الشيخ المامقاني «(قدس سره)» ج 2 باب (محمد) يتضح وجه الترديد في نسبه.

15

أصحابنا من غير تفصيل. و قيل باجتناب الكبائر كلها و عدم الإصرار على الصغائر أو عدم كونها أغلب فلا تقدح الصغيرة النادرة، و ألحقوا بها ما يؤول إليها بالعرض و ان غايرها بالأصل كترك المندوبات المؤدي إلى التهاون بالسنن في أظهر الوجهين و نسبه شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين إلى الأصحاب.

و كذا اختلفت أقوالهم في الكبائر و سيأتي الكلام فيها ان شاء اللّٰه تعالى في المقام الثالث مفصلا مشروحا.

و فسروا المروة باتباع محاسن العادات و اجتناب مساويها و ما تنفر عنه النفس من المباحات و يؤذن بدناءة النفس و خستها كالأكل في الأسواق و المجامع و البول في الشوارع وقت سلوك الناس و كشف الرأس في المجامع و تقبيل زوجته و أمته في المحاضر و لبس الفقيه لباس الجندي و المضايقة في اليسير الذي لا يناسب حاله و نقل الماء و الأطعمة بنفسه ممن ليس أهلا لذلك إذا كان عن شح و ظنة و نحو ذلك،

16

و يختلف ذلك بحسب اختلاف الأشخاص و الأعصار و الأمصار و المقامات.

و الحق- كما ذكره جملة من أفاضل متأخري المتأخرين- انه لا دليل على اعتبار المروة في معنى العدالة، بل الظاهر ان تعريف العدالة بالملكة المذكورة لا مستند له من الأخبار ايضا و لذا لم يذكره القدماء و انما وقع ذلك في كلام العلامة و من تأخر عنه و الظاهر انه اقتفى في ذلك العامة حيث انهم عرفوها بذلك (1).

قال في الذخيرة بعد ذكر التعريف المشار اليه: و لم أجد ذلك في كلام من تقدم على المصنف و ليس في الأخبار منه اثر و لا شاهد عليه في ما أعلم و كأنهم اقتفوا في ذلك أثر العامة حيث يعتبرون ذلك في مفهوم العدالة و يوردونه في كتبهم. انتهى أقول: و ما ذكروه في معنى المروة مع كونه لا دليل عليه من الأخبار يدفعه

ما ورد عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) (2)

انه كان يركب الحمار العاري و يردف خلفه و انه كان يأكل ماشيا إلى الصلاة بمجمع من الناس في المسجد و انه كان يحلب الشاة.

و نحو ذلك.

و لا يخفى انه قد ورد هنا جملة من الأخبار في معنى المروة و ليس في شيء منها

____________

(1) في المغني ج 9 ص 167 «العدل هو الذي تعتدل أحواله في دينه و أفعاله ففي الدين لا يرتكب كبيرة و لا يداوم على صغيرة و اما المروءة فيجتنب الأمور الدنيئة المزرية به كأن ينصب مائدة في السوق و يأكل و الناس ينظرون اليه أو يمد رجليه بحضرتهم أو يخاطب أهله بالخطاب الفاحش، و من ذلك ارتكاب الصناعات الدنيئة كالكناسة و أمثالها» و في بدائع الصنائع ج 6 ص 268 ذكر خلافا في تعريفها فعند بعضهم العدل من لم يطعن عليه في بطن أو فرج و عند آخر من لم يعرف عليه جريمة في دينه و عند ثالث من غلبت حسناته سيئاته.

(2) في أخلاق النبي «ص» ص 61 «كان رسول اللّٰه «ص» يركب الحمار بغير سرج» و في ص 63 «عاد سعدا و أردف خلفه أسامة بن زيد و كان يجلس على الأرض و يأكل على الأرض» و في المواهب اللدنية كما في شرحها للزرقانى ج 4 ص 264 «كان (ص) يحلب شاته و كان انس رديف رسول اللّٰه «ص» عند رجوعهم من خيبر» و قد أورد جميع ذلك في البحار ج 6 باب مكارم أخلاقه «ص» إلا انا لم نعثر على ما ذكره من أكله ماشيا.

17

ما ذكروه، و منها

ما رواه الكليني في روضة الكافي (1) بإسناده عن جويرية قال:

«اشتددت خلف أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال لي يا جويرية انه لم يهلك هؤلاء الحمقى إلا بخفق النعال خلفهم ما جاء بك؟ قلت جئت أسألك عن ثلاث: عن الشرف و عن المروة و عن العقل؟ قال: اما الشرف فمن شرفه السلطان و اما المروة فإصلاح المعيشة و اما العقل فمن اتقى اللّٰه عقل».

و ما روى عن الرضا عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) (2) قال:

«قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ستة من المروة ثلاثة منها في الحضر و ثلاثة منها في السفر، فأما التي في الحضر فتلاوة كتاب اللّٰه و عمارة مساجد اللّٰه و اتخاذ الإخوان في اللّٰه و اما التي في السفر فبذل الزاد و حسن الخلق و المزاح في غير معاصي اللّٰه تعالى».

و ما رواه الصدوق في الفقيه في باب المروة في السفر عن الصادق (عليه السلام) (3) حيث قال فيه:

«المروة و اللّٰه ان يضع الرجل خوانه بفناء داره، و المروة مروتان مروة في الحضر و مروة في السفر، فأما التي في الحضر فتلاوة القرآن و لزوم المساجد و المشي مع الإخوان في الحوائج و النعمة ترى على الخادم انها تسر الصديق و تكبت العدو، و اما التي في السفر فكثرة الزاد و طيبه و بذله لمن كان معك و كتمانك على القوم أمرهم بعد مفارقتك إياهم و كثرة المزاح في غير ما يسخط اللّٰه».

ثم انه لا يخفى انه قد ورد في بعض الاخبار ما يدل على اعتبار المروة في العدالة لكن لا بالمعنى الذي ذكروه و هو

ما روى عن ابى الحسن الرضا عن آبائه عن على (عليهم السلام) (4) قال:

«قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) من عامل الناس فلم يظلمهم و حدثهم فلم يكذبهم و وعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروته و ظهرت عدالته و وجبت اخوته و حرمت غيبته».

فإن المروة هنا لم يعتبر فيها إلا الخصال الثلاث و هي واجبة بناء على وجوب الوفاء كما هو الظاهر، و هو اختيار شيخنا أبى الحسن

____________

(1) ص 241.

(2) الوسائل الباب 49 من آداب السفر.

(3) الوسائل الباب 49 من آداب السفر.

(4) الوسائل الباب 1 من الشهادات.

18

الشيخ سليمان بن عبد اللّٰه البحراني، و قد نقل انه كتب رسالة شريفة في وجوب الوفاء بالوعد و لم أقف عليها. و ما ذكره (قدس سره) هو ظاهر الآية الشريفة أعني قوله تعالى «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مٰا لٰا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّٰهِ أَنْ تَقُولُوا مٰا لٰا تَفْعَلُونَ» (1).

و نقل شيخنا المشار إليه في رسالته الصلاتية عن بعض معاصريه- و كتب في الحاشية إنه المحقق المدقق الشيخ احمد بن محمد بن يوسف البحراني- انه استدل على اعتبار المروة في معنى العدالة

بقول الكاظم (عليه السلام) في حديث هشام بن الحكم المروي في الكافي (2)

«لا دين لمن لا مروة له و لا مروة لمن لا عقل له».

و اعترضه بأنه خفي عليه ان استعمال المروة بالمعنى الذي ذكره الأصحاب غير معروف في كلامهم (عليهم السلام) و حينئذ فالأظهر حملها على بعض المعاني المروية عنهم (عليهم السلام) في تفسيرها. و هو جيد، و أشار بالمعاني المروية عنهم (عليهم السلام) الى ما قدمنا ذكره من الأخبار الواردة بتفسيرها. ثم قال، و يمكن حملها على كمال الإنسانية و هو فعل ما يليق و ترك ما لا يليق.

أقول: و يؤيده أن المروة لا تعتبر في أصل الدين إجماعا فلا بد ان يحمل نفى الدين عن من لا مروة له على نفى الكمال فتحمل المروة على كمال الإنسانية كما فسرها به بعض شارحي الكتاب.

(الثاني)- القول بأنها عبارة عن مجرد الإسلام مع عدم ظهور الفسق

؛ و نقل هذا القول عن جماعة من المتقدمين كابن الجنيد و الشيخ في الخلاف و الشيخ المفيد في كتاب الاشراف بل ادعى في الخلاف الإجماع عليه و دلالة الأخبار، و قال (3) البحث عن عدالة الشهود ما كان في أيام النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و لا أيام الصحابة

____________

(1) سورة الصف الآية 2 و 3.

(2) الأصول ج 1 ص 19 الطبع الحديث.

(3) في كتاب آداب القضاء من الخلاف ص 231.

19

و لا أيام التابعين و انما هو شيء أحدثه شريك بن عبد اللّٰه القاضي (1) و لو كان شرطا لما أجمع أهل الأمصار على تركه. انتهى.

أقول: و ممن انتصر لهذا القول و بلغ في ترجيحه الغاية الشهيد الثاني في المسالك و تبعه فيه جملة ممن تأخر عنه سيما سبطه السيد السند في المدارك و المحدث الكاشاني و الفاضل الخراساني صاحب الذخيرة و الكفاية.

أقول: و هذا القول و ما قبله وقعا على طرفي الإفراط و التفريط في المقام لأن العدالة بالمعنى الأول لا تكاد توجد إلا في المعصوم أو من قرب من مرتبته كما لا يخفى على ذوي الأفهام، مع انه لا يمكن الاطلاع عليها إلا بعد مدة مديدة و مخالطة أكيدة و تعمق شديد و لربما لا يتيسر ذلك و به تنسد أبواب الأمور المشروطة بالعدالة مثل الجمعات و الجماعات و الفتاوى و الشهادات، و اما العدالة بالمعنى الثاني فقد انجر الأمر فيها إلى إثباتها للمخالفين و أعداء الدين و النصاب الذين هم أشد نجاسة من الكلاب كما وردت به الرواية عن أهل بيت النبوة الأطياب (2) و سيظهر ذلك في ما يأتي قريبا ان شاء اللّٰه تعالى في المقام.

و قال شيخنا المشار إليه في كتاب المسالك: إذا شهد عند الحاكم شهود فان عرف فسقهم فلا خلاف في رد شهادتهم من غير احتياج الى بحث و ان عرف عدالتهم قبل شهادتهم و لا حاجة الى التعديل و ان لم يعرف حالهم في الفسق و العدالة فان لم يعرف إسلامهم وجب البحث ايضا و هذا كله مما لا خلاف فيه، و ان عرف إسلامهم و لم يعرف شيئا آخر من جرح و لا تعديل فهذا مما اختلف فيه الأصحاب و المشهور بينهم خصوصا المتأخرين منهم انه يجب البحث عن عدالتهم و لا يجوز

____________

(1) ذكر صاحب الوسائل في عنوان الباب 6 من أبواب كيفية الحكم ان الحاكم إذا اشتبه عليه عدالة الشهود و فسقهم سأل عنهم حتى يعرفهم و ذكر في الباب حديثا عن تفسير الإمام العسكري (ع) يتضمن ان رسول اللّٰه (ص) كان يبحث عن عدالة الشهود إذا لم يعرفهم.

(2) ج 5 ص 187.

20

الاعتماد على ظاهر الإسلام. ثم أورد الآية (1) و رواية ابن ابى يعفور بطريق الشيخ في التهذيب (2) دليلا لهم و طعن في دلالة الآية و سند الرواية، ثم نقل عن الشيخ في الخلاف و ابن الجنيد و المفيد في كتاب الاشراف ظاهرا الاكتفاء بمجرد الإسلام ثم قال: و باقي المتقدمين لم يصرحوا في عباراتهم بأحد الأمرين بل كلامهم محتمل لهما، ثم أورد جملة من الروايات الدالة بظاهرها على مجرد الاكتفاء بظاهر الإسلام و سننقلها جميعا ان شاء اللّٰه تعالى في المقام، ثم قال: و هذا القول امتن دليلا و أكثر رواية و حال السلف يشهد به و بدونه لا تكاد تنتظم الأحكام للحكام خصوصا في المدن الكبيرة و القاضي القادم إليها من بعد لكن المشهور الآن بل المذهب خلافه. انتهى ملخصا.

أقول: فيه (أولا)- ما أشرنا إليه آنفا من أنه قد انجر الأمر بناء على هذا القول من هذا القائل و من تبعه فيه الى الحكم بعدالة المخالفين و النصاب من ذوي الأذناب؛ و هذا من البطلان أظهر من ان يخفى على أحد من ذوي الإيمان فضلا عن العلماء الأعيان كما يأتي تحقيقه ان شاء اللّٰه تعالى قريبا.

و (ثانيا)- دلالة ظاهر الآية الشريفة على خلاف ما يدعيه اعنى قوله عز و جل «وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ» (3) فإنها صريحة الدلالة في اعتبار أمر آخر وراء الإسلام لأن الخطاب فيها للمسلمين و ضمير «مِنْكُمْ» راجع إليهم فهي دالة على إسلام الشاهدين فيكون قوله «ذَوَيْ عَدْلٍ» دالا على العدالة بعد حصول الإسلام فهي أمر زائد على مجرد الإسلام.

و اما ما أجاب به (قدس سره) في المسالك- و ان اقتفاه فيه من تبعه في ذلك من أن غاية ما تدل عليه الآية الاتصاف بأمر زائد على مجرد الإسلام فنحمله على عدم ظهور الفسق- ففيه انه لا ريب ان المتبادر من لفظ العدالة لغة و عرفا و شرعا- كما سيظهر

____________

(1) سورة الطلاق الآية 2.

(2) ستأتي ص 25.

(3) سورة الطلاق الآية 2.

21

لك ان شاء اللّٰه تعالى من الأخبار- عبارة عن أمر وجودي و صفة ثبوتية و لا سيما صحيح ابن ابى يعفور فإنه ظاهر في ذلك غاية الظهور لا مجرد أمر عدمي، فإذا قيل «فلان عدل أو ذو عدالة» فإنما يراد به ان له أوصافا وجودية توجب صدق هذا العنوان عليه و هو كونه معروفا بالصلاح و التقوى و العفاف و نحو ذلك.

و يؤيد ما ذكرناه

ما روى في تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) بسنده عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (1) قال في قوله تعالى وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ (2) قال

«ليكونا من المسلمين منكم فان اللّٰه تعالى انما شرف المسلمين العدول بقبول شهاداتهم و جعل ذلك من الشرف العاجل لهم و من ثواب دنياهم».

و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (3) في قوله عز و جل مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدٰاءِ (4) قال:

«ممن ترضون دينه و أمانته و صلاحه و عفته و تيقظه في ما يشهد به و تحصيله و تمييزه فما كل صالح مميز و لا كل محصل مميز».

و بالجملة فإطلاق العدالة على مجرد عدم ظهور الفسق أمر لا يفهم من حاق اللفظ و لا يتبادر الى فهم فاهم بالكلية فالحمل عليه انما هو من قبيل المعميات و الألغاز الذي هو بعيد بمراحل عن الحقيقة بل المجاز، و لو قامت هذه التأويلات السخيفة البعيدة في مقابلة الظواهر المتبادرة إلى الأفهام لم يبق دليل على حكم من الأحكام من أصول و فروع إذ لا لفظ إلا و هو قابل للاحتمال و لا قول إلا و للقائل فيه مجال، فبما ذا يقيمون الحجج على المخالفين في الإمامة بل منكري التوحيد و النبوة إذا قامت مثل هذه التأويلات الغثة و عورض بها ما يتبادر من الأدلة؟

و (ثالثا) ان ما طعن به على الرواية المذكورة بضعف السند مردود- بناء على صحة هذا الاصطلاح- بأنه و ان كان السند كذلك في التهذيب إلا ان الرواية المذكورة في الفقيه (5) صحيحة و هي صريحة في رد ما ذهب اليه فتكون

____________

(1) الوسائل الباب 41 من الشهادات.

(2) سورة البقرة الآية 282.

(3) الوسائل الباب 41 من الشهادات.

(4) سورة البقرة الآية 282.

(5) ستأتي ص 15.

22

من أقوى الحجج عليه.

و (رابعا) ان ما نقله- من القول بالإسلام عن هؤلاء الثلاثة الذين ذكرهم و ان ما عداهم من المتقدمين لم يصرحوا في عباراتهم بأحد الأمرين- مردود بأن هؤلاء الثلاثة و ان صرحوا بما ذكره في هذه الكتب التي أشار إليها إلا انهم صرحوا في غيرها بخلافه و قد تعارضت أقوالهم فتساقطت، و إلا فإنه كما يتمسك هو بأقوالهم في هذه الكتب كذلك يتمسك خصمه بأقوالهم التي بخلافها في غير هذه الكتب.

و دعوى ان غيرهم لم يصرحوا بأحد الأمرين مردود بما سيظهر لك ان شاء اللّٰه تعالى في البين.

و ها نحن ننقل جملة من عبائر من وصل إلينا كلامهم لتقف على حقيقة الحال و تكون ممن يعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال.

فنقول: قال الشيخ في النهاية: العدل الذي يجوز قبول شهادته للمسلمين و عليهم هو ان يكون ظاهره ظاهر الإيمان ثم يعرف بالستر و الصلاح و العفاف و الكف عن البطن و الفرج و اليد و اللسان و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّٰه عليها النار من شرب الخمر و الزنا و الربا و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف و غير ذلك الساتر لجميع عيوبه و يكون متعاهدا للصلوات الخمس مواظبا عليهن حافظا لمواقيتهن متوفرا على حضور جماعة المسلمين غير متخلف عنهم إلا لمرض أو علة أو عذر.

و قال الشيخ المفيد: العدل من كان معروفا بالدين و الورع عن محارم اللّٰه تعالى.

و قال ابن البراج: العدالة معتبرة في صحة الشهادة على المسلم و تثبت في الإنسان بشروط و هي البلوغ و كمال العقل و الحصول على ظاهر الإيمان و الستر و العفاف و اجتناب القبائح و نفى التهمة و الظنة و الحسد و العداوة.

و قال أبو الصلاح: العدالة شرط في قبول الشهادة على المسلم و يثبت حكمها بالبلوغ و كمال العقل و الايمان و اجتناب القبائح اجمع و انتفاء الظنة بالعداوة و الحسد و المنافسة و قال ابن الجنيد: فإذا كان الشاهد حرا بالغا مؤمنا عاقلا بصيرا معروف النسب

23

مرضيا غير مشهور بكذب في شهادته و لا بارتكاب كبيرة و لا مقام على صغيرة حسن التيقظ عالما بمعاني الأقوال عارفا بأحكام الشهادة غير معروف بحيف على معامل و لا بتهاون بواجب من علم أو عمل و لا معروف بمباشرة أهل الباطل و لا الدخول في جملتهم و لا بالحرص على الدنيا و لا بساقط المروة بريئا من أقوال أهل البدع التي توجب على المؤمنين البراءة من أهلها فهو من أهل العدالة المقبولة شهادتهم.

و قال الشيخ في المبسوط: العدالة في اللغة أن يكون الإنسان متعادل الأحوال متساويا، و في الشريعة هو من كان عدلا في دينه عدلا في مروته عدلا في أحكامه، فالعدل في الدين أن يكون مسلما لا يعرف منه شيء من أسباب الفسق، و في المروة أن يكون مجتنبا للأمور التي تسقط المروة مثل الأكل في الطرقات و مد الأرجل بين الناس و لبس الثياب المصبغة، و العدل في الأحكام أن يكون بالغا عاقلا، فمن كان عدلا في جميع ذلك قبلت شهادته و من لم يكن عدلا لم تقبل شهادته.

نقل جميع هذه الأقوال العلامة في المختلف، قال: و التحقيق ان العدالة كيفية نفسانية راسخة تبعث المتصف بها على ملازمة التقوى و المروة و تتحقق باجتناب الكبائر و عدم الإصرار على الصغائر. انتهى.

و أنت خبير بان هذه العبارات عدا عبارتي المبسوط و المختلف كلها ظاهرة الدلالة في القول الثالث الذي سيأتي تحقيقه ان شاء اللّٰه تعالى و هو المختار من بين هذه الأقوال، و به يظهر لك صحة ما ذكرناه من تعارض أقوال هؤلاء الثلاثة الذين تقدم النقل عنهم و تصريح جملة من غيرهم بما ذكرناه من العدالة التي هي أمر زائد على مجرد الإسلام.

و (خامسا) ان ما استند اليه من الأخبار معارض بما هو أوضح و أصرح مع قبول ما ذكره للتأويل و الرجوع الى الروايات الدالة على ما ادعيناه كما سيأتي ذكر ذلك ان شاء اللّٰه تعالى مشروحا مبرهنا.

(الثالث) [القول بأن العدالة حسن الظاهر]

من الأقوال في المسألة انها عبارة عن حسن الظاهر و هو قول أكثر متأخري المتأخرين مستندين فيه صحيح ابن ابى يعفور الآتي ان شاء

24

اللّٰه تعالى (1) إلا انهم اكتفوا من حسن الظاهر بما هو القشر الظاهر و لم يعطوا التأمل حقه في الرواية المذكورة و ما تدل عليه مما سنكشف عنه نقاب الإبهام ان شاء اللّٰه تعالى لكل ناظر.

و ظاهر كلامهم أن المراد بحسن الظاهر هو ان لا يظهر منه ما يوجب الفسق من ارتكاب الكبائر و الإصرار على الصغائر. و أنت خبير بان هذا المعنى لا يخرج عن القول الثاني فإن القائلين بالإسلام اعتبروا عدم ظهور الفسق.

و من العجب انهم يستندون في هذا القول الى صحيح ابن ابى يعفور مع انه بالتعمق في معناه- كما سنوضحه لك ان شاء اللّٰه تعالى- بعيد عن هذا المعنى الذي ذكروه بمراحل.

و من هذه الأقوال الثلاثة يظهر وجه الخلاف الذي ذكروه في أن الأصل في المسلم هل هو العدالة أو الفسق أو التوقف؟ فذهب بعضهم الى ان الأصل فيه العدالة، و هذا مما يتفرع على تفسير العدالة بمجرد الإسلام كما هو القول الثاني، و يعرف مستنده من الأخبار الواردة في ذلك و قد عرفت و ستعرف ان شاء اللّٰه تعالى الجواب عنها، و ذهب آخرون الى ان الأصل فيه الفسق استنادا الى ان الأصل التكليف و اشتغال الذمة بالعبادات و التكاليف، و الأصل عدم خروجه عن عهدتها حتى يعلم قيامه بها، و هذا مناسب للقول الأول لأن الأصل عدم حصول الملكة المذكورة حتى يحصل الاطلاع عليها و لكنه بمحل من الضعف لدلالة الأخبار على حسن الظن بالمؤمن و حمل أفعاله على الصحة و المشروعية.

و التحقيق في المسألة هو القول الثالث و هو التوقف حتى يعلم أحد الأمرين من عدالة أو فسق، و هذا هو الأنسب بالقول الثالث الذي اخترناه.

و كيف كان فلنشتغل بنقل الأخبار الواردة في المقام ليظهر لك صحة ما ذكرناه من هذا الكلام فنقول:

____________

(1) ص 25.

25

المقام الثالث- في نقل الأخبار الواردة

، و ها نحن ننقل ما وصل إلينا منها مبتدئين بما يدل على ما اخترناه و ينادى بما قلناه عاطفين الكلام على نقل الأخبار التي استند إليها أولئك الأعلام مذيلين لها بما يقتضيه المقام من نقض و إبرام بتوفيق الملك العلام و بركة أهل البيت (عليهم السلام):

فنقول: من الأخبار الدالة على ما اخترناه صحيحة عبد اللّٰه بن ابى يعفور، و هذه الرواية رواها الصدوق في الصحيح و الشيخ في التهذيب بطريق غير صحيح (1) و في المتن في الكتابين تفاوت بالزيادة و النقصان و نحن ننقلها كما نقلها في الوافي (2) عن الكتابين معلما لموضع الاختصاص بعلامة و موضع الاشتراك بما يدل على ذلك:

فرويا بسنديهما عن عبد اللّٰه بن ابى يعفور قال:

«قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم و عليهم؟ فقال ان تعرفوه بالستر و العفاف و كف البطن و الفرج و اليد و اللسان، و تعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّٰه عليها النار من شرب الخمر و الزنا و الربا و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف و غير ذلك، و الدلالة على ذلك كله ان يكون ساترا لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه و يجب عليهم تزكيته و إظهار عدالته في الناس و يكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهن و حفظ مواقيتهن بحضور جماعة من المسلمين و ان لا يتخلف عن جماعتهم في مصلاهم إلا من علة (فقيه) فإذا كان كذلك لازما لمصلاه عند حضور الصلوات الخمس فإذا سئل عنه في قبيلته و محلته قالوا ما رأينا منه إلا خيرا مواظبا على الصلاة متعاهدا لأوقاتها في مصلاه فان ذلك يجيز شهادته و عدالته بين المسلمين (ش)

(3)

و ذلك ان الصلاة ستر و كفارة للذنوب (فقيه) و ليس يمكن الشهادة على الرجل بأنه يصلى إذا كان لا يحضر مصلاه و يتعاهد جماعة المسلمين، و انما جعل الجماعة و الاجتماع إلى الصلاة

____________

(1) الوسائل الباب 41 من الشهادات.

(2) ج 9 ص 149.

(3) إشارة إلى مورد الاشتراك بين الكتابين.

26

لكي يعرف من يصلى ممن لا يصلى و من يحفظ مواقيت الصلاة ممن يضيع (ش) و لولا ذلك لم يكن لأحد أن يشهد على آخر بصلاح لان من لا يصلى لا صلاح له بين المسلمين (يب) لان الحكم جرى من اللّٰه تعالى و رسوله (صلى اللّٰه عليه و آله) بالحرق في جوف بيته (فقيه) فان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) هم بان يحرق قوما في منازلهم لتركهم الحضور لجماعة المسلمين و قد كان فيهم من يصلى في بيته فلم يقبل منه ذلك و كيف تقبل شهادة أو عدالة بين المسلمين ممن جرى الحكم من اللّٰه و من رسوله (صلى اللّٰه عليه و آله) فيه بالحرق في جوف بيته بالنار (ش) و قد كان (صلى اللّٰه عليه و آله) يقول لا صلاة لمن لا يصلى في المسجد مع المسلمين إلا من علة (يب) و قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) لا غيبة إلا لمن صلى في بيته و رغب عن جماعتنا، و من رغب عن جماعة المسلمين وجب على المسلمين غيبته و سقطت بينهم عدالته و وجب هجرانه و إذا رفع الى امام المسلمين أنذره و حذره فان حضر جماعة المسلمين و إلا أحرق عليه بيته و من لزم جماعتهم حرمت عليهم غيبته و ثبتت عدالته بينهم».

أقول: لا يخفى ان هذه الرواية قد اشتملت على شيئين في حصول العدالة و انها عبارة عنهما (الأول)- انه لا بد في ثبوتها من معرفته بالستر و العفاف و كف البطن و الفرج. الى آخره، و العطف هنا من قبيل عطف الخاص على العام تفصيلا للإجمال في المقام، و لا ريب ان اشتراط معرفته بالكف عن هذه الأشياء يتوقف على نوع معاشرة و اختبار مطلع على باطن الأحوال، و ذلك انك لا تقول «فلان معروف بالشجاعة» إلا بعد أن تعرف حاله في ميدان القتال و منازلة الابطال فإذا كان ممن يقتل الرجال و لا يولى الدبر في موضع النزال و يقاوم الشجعان و يصادم الفرسان صح وصفه بالشجاعة و ان تفاوتت إفرادها شدة و ضعفا و هكذا لا تقول «فلان معروف بالطب و الحكمة في الأبدان» إلا إذا كان ممن علم تأثير أدويته و جودة قريحته في شفاء المرضى و الاطلاع على معرفة العلل و الأدواء و نحو ذلك، و حينئذ فلا يقال فلان معروف بكف البطن و الفرج و اليد و اللسان و نحو ذلك إلا بعد اختباره بالمعاملات و المحاورات الجارية بين الناس كما لو وقع في

27

يده مال لغيره أمانة أو تجارة أو نحو ذلك، أو جرى بينه و بين غيره خصومة أو نزاع و ان اعتدى عليه، فان كان ممن لا يتعدى في ذلك الحدود الشرعية و النواميس المرعية فهو هو و إلا فلا، و اما من لم يحصل الاطلاع على باطن أحواله بوجه و ان رؤي ملازما على الصلاة أو الدرس أو التدريس و الإفتاء فضلا عن ان يكون من الغثاء فهو من قبيل مجهول الحال لا يصدق عليه انه يعرف بذلك بل يحتمل أن يكون كذلك و ان لا يكون، و كم قد رأينا في زماننا من هو ملازم للصلاة و الدعاء و سائر العبادات بل التصدر للتدريس و الفتوى و امامة الجماعة حتى إذا صار بينه و بين أحد معاملة الدرهم و الدينار أو وقع في يده مال طفل أو مسجد أو وقف أو نحو ذلك انقلب الى حالة اخرى و صار همه التوصل بالغلبة و الاستيلاء بكل وجه ممكن و ان تفاوتت في ذلك افراد الناس باعتبار تفاوت المقامات، و نحو ذلك فيما إذا اعتدى عليه معتد باللسان أو سلب المال فربما قابله بأزيد مما اعتدى عليه و ربما استنكف عن ذلك حياء من الناس في الظاهر و لكن يتربص به الغوائل و ينصب له شباك العداوة و لو انه قابل بالصفح و الحلم و العفو لكان هو هو.

و بالجملة فإنه إنما تعرف أحوال الناس و ما هم عليه من هذه الأشياء المذكورة في الخبر و حسن و قبح و عدالة و فسق بالابتلاء و الامتحان في المعاملات و المحاورات و المخاصمات، فيجب ان ينظر حاله لو كان له على غيره مال في الاقتضاء و لو كان لغيره عليه مال في القضاء و كيف حاله في الغضب ان اعتدى أحد عليه و ما الذي يجري منه لو أساء أحد اليه و نحو ذلك، فان كان في جميع ذلك انما يقابل بالرضا و الانقضاء و حسن المعاملة في القضاء و الاقتضاء و الجري على قواعد الشريعة المحمدية و لا يستفزه الغضب في الخروج عن تلك الطريقة العلية فهو هو و إلا فليس بذلك.

و هذا هو الذي لحظه (عليه السلام) في الخبر و به تشهد رؤية العيان و عدول الوجدان و لا سيما في هذا الزمان، و هذا هو الذي يتبادر من العبارة المذكورة أعني قولنا ان العدالة عبارة عن حسن الظاهر أى حسن ما يظهر منه بعد الابتلاء و الامتحان

28

و الاختبار بما ذكرنا و نحوه. و اما مجرد رؤية الرجل على ظاهر الايمان عالما فاضلا أو جاهلا خاملا و ان لم يظهر منه ما يوجب الفسق فهو مجهول الحال و لم يظهر منه ما يوجب وصفه بالعدالة المذكورة في هذا الخبر، فان عدم ظهور ما يوجب الفسق لا يدل على العدم و الشرط كما عرفت من الرواية ظهور العدم لا عدم الظهور و الفرق بين المقامين واضح.

و مما يؤيد ما ذكرناه من الفحص و المعاشرة قوله (عليه السلام) «فإذا سئل عنه في قبيلته و محلته. الى آخره» فإنه صريح كما ترى في وجوب السؤال، و تخصيص القبيلة و المحلة من حيث انهم أقرب الى الاطلاع على أحواله بالمعاشرة و المخالطة كما لا يخفى.

(فان قيل) انه يصدق على من لم يظهر منه ما يوجب الفسق انه معروف بالتقوى و العفاف (قلنا) هذا كلام مجمل، فإن أريد من لم يظهر منه في موضع تقضى العادة الجارية بين الناس بالإظهار فهو عين ما نقوله فمرحبا بالوفاق، فان من اعتدى عليه بيد أو لسان أو سلب مال و كف لسانه و يده عن الاعتداء و لم يتجاوز الحدود الشرعية في الاقتضاء أو وقع في يده شيء من الحطام الحرام فكف نفسه عنه فهذا هو الذي ندعيه، و اما من لم يكن كذلك بان لم تصل يده الى شيء أو لم يحصل له من يعتدى عليه فلا يوصف بالكف لان الكف انما يقال في موضع يقتضي البسط ألا ترى انه لا يقال للزاهد في الدنيا من حيث انها زاهدة فيه انه زاهد حقيقة و يترتب عليه ما أعده اللّٰه للزاهدين و انما يقال لمن تمكن منها و وقعت في يده فكف يده عنها و منع نفسه من الدخول فيها و التعرض لها؟ ثم أ لا ترى ان شر خلق اللّٰه الكلاب و السباع و أنت إذا قابلتها باللطف و الإكرام تكون معك في تمام الألفة و الصحبة و إذا قابلتها بالتعدي ترى ما يظهر منها من الشر و الجرأة؟

(فإن قيل) ان قوله (عليه السلام) في الخبر «و الدلالة على ذلك أن يكون ساترا لجميع عيوبه» ظاهر في انه يكفى في الحكم بعدالته انه يظهر من حاله انه ساتر لعيوبه بمعنى انه لم يظهر منه فسق كما أشار إليه في المدارك، قال (قدس سره) في الكتاب

29

المذكور بعد ذكر الرواية: و يستفاد من هذه الرواية انه يقدح في العدالة فعل الكبيرة التي أوعد اللّٰه عليها النار و انه يكفى في الحكم بها ان يظهر من حال المكلف كونه ساترا لعيوبه ملازما لجماعة المسلمين. انتهى.

أقول: كما انه يستفاد من الرواية قدح فعل الكبيرة في العدالة كذلك يستفاد منها قدح فعل الصغيرة فلا وجه لتخصيص الكبيرة بالذكر بل ربما أوهم ان فعل الصغيرة غير مخل بالعدالة و هو و ان وافق مذهبه في اكتفائه في معنى العدالة بمجرد الإسلام إلا ان الخبر ظاهر في ما قلناه من قدح فعل الصغيرة، فإن قوله (عليه السلام) «ان تعرفوه بالستر و العفاف و كف البطن. الى آخره» راجع الى اجتناب الصغائر ثم عطف عليها اجتناب الكبائر، و ملخصه انه يجب ان يعرف بالتقوى و العفاف عن كل صغيرة و كبيرة، و لا يخفى انه لا يمكن ذلك إلا بالمعاشرة و الاطلاع على أحواله كما قدمنا ذكره.

و اما ما ذكره- بقوله «و يكفي في الحكم بها ان يظهر من حال المكلف كونه ساترا لعيوبه» إشارة الى ما يدعونه من ان حسن الظاهر عبارة عن ان لا يظهر منه عيب للناس و لا فسق- فقد عرفت ما فيه و انه كلام مجمل و لكنه ليس هو المراد هنا من كلامه و انما كلامه (عليه السلام) هنا وقع من قبيل الإجمال بعد التفصيل، فإنه بعد أن فسر العدالة بأنها عبارة عن ان يعرف بكذا و كذا الراجع إلى انه لا بد من العلم بتقواه و كفه عن هذه الأشياء أجمل ذلك فقال: و مجملة ان لا يقف أحد على عيب يذم به بل يكون صلاحه و تقواه و ما علم منه ساترا لعيوبه بغلبته عليها و اضمحلالها به فلا يجوز لهم بعد ذلك البحث و التفتيش عن انه هل له عثرات و عيوب أم لا؟

و أنت إذا أعطيت التأمل حقه في معنى هذه الرواية كما شرحناه و أوضحناه وجدتها قريبة من القول المشهور بين المتأخرين و انه لا فرق بينها و بين ما ذهبوا اليه إلا من حيث اعتبارهم كون التقوى ملكة و قد عرفت انه لا دليل عليه و إلا فاشتراط العلم بالصلاح و التقوى و العفاف و عدم الإخلال بالواجبات و اجتناب

30

المحرمات مما لا شك فيه و هو الذي صرحت به أيضا عبائر المتقدمين التي قدمنا نقلها الثاني- التعاهد للصلوات الخمس بالحضور مع جماعة المسلمين، و هذا الشرط و ان لم يذكره أحد من الأصحاب بل ربما صرحوا بأن الإخلال بالمندوبات لا يقدح في وصف العدالة و استثنى بعضهم ما إذا كان على وجه يؤذن بالتهاون و عدم المبالاة بكمالات الشرع فجعله قادحا، إلا ان هذا الخبر كما عرفت قد تضمن هذا الشرط على أبلغ وجه و اوكده فيجب القول به و يتعين العمل عليه و نحن تبع لأقوالهم (عليهم السلام) لا لأقوال الفقهاء إلا ان تعتضد بأخبارهم في المقام. و بذلك ايضا صرح شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد اللّٰه بن صالح البحراني (نور اللّٰه مرقده) في بعض أجوبته.

ثم ان الظاهر انه (عليه السلام) انما آثر الصلاة جماعة في كونها مظهرا للعدالة و دليلا عليها من حيث

استفاضة الأخبار بان

الصلاة عمود الدين

(1)

.

و ان بقبولها تقبل سائر الأعمال و ان كانت باطلة و بردها ترد سائر الأعمال و ان كانت صحيحة (2) و انها معيار الكفر و الايمان (3) و انها متى اتى بها في وقتها بحدودها كانت كفارة للذنوب الواقعة في ذلك اليوم (4) و انها كما قال عز و جل «تَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ» (5) و اعتبار حضور الجماعة فيها ليعلم الإتيان بها و يمكن الحكم على الآتي بها بالعدالة كما صرح به في الخبر.

و من الأخبار الدالة على ما اخترناه زيادة على هذه الصحيحة الصريحة في المراد العارية عن وصمة الاعتراض و الإيراد

ما ذكره الإمام العسكري (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل الباب 6 و 8 من أعداد الفرائض و نوافلها.

(2) الوسائل الباب 8 من أعداد الفرائض و نوافلها.

(3) الوسائل الباب 11 من أعداد الفرائض و نوافلها.

(4) الوسائل الباب 2 و 7 من أعداد الفرائض و نوافلها.

(5) سورة العنكبوت الآية 44.

31

في تفسيره (1) في تفسير قوله تعالى «مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدٰاءِ» (2) قال:

«يعنى ممن ترضون دينه و أمانته و صلاحه و عفته و تيقظه في ما يشهد به و تحصيله و تمييزه فما كل صالح مميز و لا محصل و لا كل محصل مميز صالح، و ان من عباد اللّٰه لمن هو أهل لصلاحه و عفته و لو شهد لم تقبل شهادته لقلة تمييزه، فإذا كان صالحا عفيفا مميزا محصلا مجانبا للعصبية و الهوى و الميل و التحامل فذلك الرجل الفاضل. الحديث».

و هو جار على ما تقدم في جملة من عبارات أصحابنا المتقدمين التي قدمناها و الخبر المذكور ظاهر الدلالة واضح المقالة في ما ادعيناه.

و يعضد ذلك جملة من الأخبار و ان لم تكن مثل هذين في الوضوح و الظهور السالم من الإنكار:

منها-

ما رواه الشيخ الصدوق في الخصال عن الرضا عن آبائه عن على (عليهم السلام) (3) قال:

«قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) من عامل الناس فلم يظلمهم و حدثهم فلم يكذبهم و وعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروته و ظهرت عدالته و وجبت اخوته و حرمت غيبته».

و ما رواه فيه ايضا بسنده عن عبد اللّٰه بن سنان عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال

«ثلاث من كن فيه أوجبت له أربعا على الناس: من إذا حدثهم لم يكذبهم و إذا وعدهم لم يخلفهم و إذا خالطهم لم يظلمهم، وجب أن تظهر في الناس عدالته و تظهر فيهم مروته و ان تحرم عليهم غيبته و ان تجب عليهم أخوته».

أقول: لا يخفى عليك ما في دلالة هذين الخبرين على ما ادعيناه زيادة على الصحيحة المتقدمة من اعتبار المعاشرة و المخالطة في معرفة العدالة لتصريحهما بأن العدالة تثبت بهذه الأمور المعدودة فيهما و من الظاهر ان هذه الأمور لا تحصل إلا

____________

(1) تفسير الصافي في تفسير الآية و في الوسائل في الباب 41 من الشهادات.

(2) سورة البقرة الآية 282.

(3) الوسائل الباب 41 من الشهادات.

(4) الوسائل الباب 41 من الشهادات.

32

بالمخالطة و المعاشرة حسبما قدمنا تحقيقه، و بالجملة فإنهما واضحان كالخبرين السابقين في المراد عاريان عن وصمة الإيراد إلا عند من أعمى اللّٰه بصر بصيرته بالعناد و اللداد.

و منها-

ما رواه أبو بصير في الموثق عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال:

«لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفا صائنا».

و منها-

رواية العلاء بن سيابة عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (2)

«في المكاري و الملاح و الجمال؟ قال: و ما بأس بهم تقبل شهادتهم إذا كانوا صلحاء».

و رواية عمار بن مروان (3)

«في الرجل يشهد لابنه و الابن لأبيه و الرجل لامرأته؟ قال: لا بأس بذلك إذا كان خيرا».

و رواية سماعة (4) قال:

«سألته عن رجل مات و له بنون و بنات صغار و كبار من غير وصية و له خدم و مماليك و عقد كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك الميراث؟ قال أن قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كله فلا بأس».

و التقريب فيها- كما ذكره الأصحاب- ان هذا من الأمور الحسبية الراجعة إلى الحاكم الشرعي أو عدول المؤمنين و هو (عليه السلام) قد ناط ذلك بالثقة خاصة لا من اتصف بمجرد الإسلام.

و رواية هشام بن سالم عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) في حديث في الوكالة قال (عليه السلام)

«و الوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه أو يشافه بالعزل عن الوكالة».

و التقريب بنحو ما تقدم حيث ان الوكيل لا ينعزل عن الوكالة إلا بعد العلم بالعزل كما صرح به الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) و هو (عليه السلام) قد جعل خبر الثقة قائما مقام المشافهة، و لفظ الثقة هنا يساوق لفظ العدل في الأخبار المتقدمة فهي بمعنى العدل.

____________

(1) الوسائل الباب 41 من الشهادات.

(2) الوسائل الباب 34 من الشهادات. و أبو عبد اللّٰه يروى عن ابى جعفر (ع).

(3) الوسائل الباب 41 من الشهادات.

(4) الوسائل الباب 88 من الوصايا. و في نسخ الحدائق (رفاعة).

(5) الوسائل الباب 2 من الوكالة.

33

و صحيحة محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال:

«لو كان الأمر إلينا لأجزنا شهادة الرجل إذا علم منه خير مع يمين الخصم في حقوق الناس».

و رواية محمد بن مسلم (2) قال:

«قدم رجل الى أمير المؤمنين (عليه السلام) بالكوفة فقال انى طلقت امرأتي بعد ما طهرت من محيضها قبل ان أجامعها؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) أشهدت رجلين ذوي عدل كما قال اللّٰه تعالى؟ فقال: لا. فقال اذهب فإن طلاقك ليس بشيء».

و رواية جابر عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال:

«شهادة القابلة جائزة على انه استهل أو برز ميتا إذا سئل عنها فعدلت».

الى غير ذلك من الأخبار الدالة على اعتبار عدالة الشاهد كما لا يخفى على من راجعها من مظانها مثل مسألة رؤية الهلال و الطلاق و الشهادات و الدين و نحوها و ان اختلفت في تأدية ذلك إجمالا و تفصيلا، فربما عبر في بعضها بالشاهدين بقول مطلق و ربما عبر بالعدلين و ربما عبر بالأوصاف التي هي شرط في حصول العدالة إجمالا أو تفصيلا.

و لا ريب ان ضم الأخبار بعضها الى بعض و حمل مطلقها على مقيدها و مجملها على مفصلها يقتضي ان العدالة أمر زائد على مجرد الإسلام أو الايمان.

و لا يخفى ايضا ان مقتضى العمل بتلك الأخبار التي استندوا في الاكتفاء بمجرد الإسلام إليها طرح هذه الأخبار مع اعتضادها بالآية الشريفة حسبما قدمناه و عمل جملة من متقدمي الأصحاب كما قدمنا من نقل عباراتهم، على ان تلك الأخبار التي استندوا إليها غير واضحة الدلالة كما سنكشف عنه ان شاء اللّٰه تعالى نقاب الإبهام في المقام بتوفيق الملك العلام و بركة أهل الذكر (عليهم السلام).

____________

(1) الوسائل الباب 14 من كيفية الحكم و 41 من الشهادات.

(2) الوسائل الباب 10 من مقدمات الطلاق و شرائطه.

(3) الوسائل الباب 24 و 41 من الشهادات.

34

و ها نحن نسوقها لك على التفصيل مذيلين لها بما لا يخفى صحته و قوته على ذوي الفهم من ذوي التحصيل فنقول:

(الاولى و الثانية)

صحيحة حريز عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (1)

«في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا فعدل منهم اثنان و لم يعدل الآخران؟ قال إذا كانوا أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور أجيزت شهادتهم جميعا و أقيم الحد على الذي شهدوا عليه، انما عليهم ان يشهدوا بما أبصروا و علموا و على الوالي ان يجيز شهادتهم إلا ان يكونوا معروفين بالفسق».

و ما رواه الصدوق في كتاب المجالس بإسناده عن صالح بن علقمة عن أبيه (2) قال:

«قال الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) و قد قلت له يا ابن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) أخبرني عن من تقبل شهادته و من لا تقبل؟ فقال يا علقمة كل من كان على فطرة الإسلام جازت شهادته. قال فقلت له تقبل شهادة المقترف للذنوب؟

فقال يا علقمة لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت إلا شهادة الأنبياء و الأوصياء لأنهم هم المعصومون دون سائر الخلق، فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا أو يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة و الستر و شهادته مقبولة و ان كان في نفسه مذنبا. الحديث».

و هذان الخبران أظهر ما استدل به للقول المذكور و أنت خبير بان الخبر الثاني ضعيف باصطلاحهم فلا يصلح للاستدلال و لا يمكنهم الاحتجاج به إلا انه حيث كان الأمر عندنا خلاف ما اصطلحوا عليه أوردناه دليلا لهم و تكلفنا الجواب عنه حسما لمادة الشبهة.

و الجواب عنهما (أولا) انهما لا يبلغان قوة في معارضة الأخبار التي قدمناها المترجحة بالآية المتقدمة، و قد ورد عنهم (عليهم السلام) في القواعد المقررة و الضوابط المعتبرة التي قرروها انه مع اختلاف الأخبار يجب عرضها على كتاب

____________

(1) الوسائل الباب 41 من الشهادات.

(2) الوسائل الباب 41 من الشهادات.

35

اللّٰه تعالى و الأخذ بما وافقه و رمى ما خالفه، و لا ريب ان الروايات المتقدمة موافقة للآية في اشتراط العدالة التي هي أمر زائد على مجرد الإسلام كما تقدم إيضاحه، و هذان الخبران على خلاف ما دلت عليه الآية فيجب طرحهما و ردهما إلى قائلهما بمقتضى القاعدة المذكورة.

و (ثانيا)- بالحمل على التقية التي هي في الأحكام الشرعية أصل كل بلية، و يعضده ما ذكره بعض أصحابنا من أن بعض العامة يذهب الى ان الأصل في المسلم العدالة (1) و يعضده ايضا ما ذكره الشيخ في الخلاف من ان البحث عن عدالة الشهود ما كان في أيام النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و لا أيام الصحابة و لا أيام التابعين و انما هو شيء أحدثه شريك بن عبد اللّٰه القاضي (2) و لو كان شرطا لما أجمع أهل الأمصار على تركه. فإنه دال بأوضح دلالة على ان قضاة العامة من وقت الصحابة إلى وقت شريك المذكور كانوا على الحكم بالعدالة بمجرد الإسلام، و من الظاهر ان القضاء و الحكم بعد موت النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) إنما كان في أيديهم و متى ثبت ذلك اتجه حمل ما دل من

____________

(1) في المغني ج 9 ص 64 في مسألة قبول شهادة مجهول الحال عن احمد ان ظاهر المسلمين العدالة فيحكم بشهادتهما إذا عرفت إسلامهما بظاهر الحال، و قال عمر: المسلمون عدول بعضهم على بعض. ثم ذكر ان أعرابيا جاء إلى النبي «ص» فشهد برؤية الهلال فقال له النبي «ص» أ تشهد ان لا إله إلا اللّٰه؟ فقال نعم. فقال أ تشهد انى رسول اللّٰه؟ قال نعم فصام و أمر الناس بالصيام. ثم اختار ابن قدامة كون العدالة شرطا فيجب البحث عنها و به قال الشافعي و أبو يوسف و محمد. و في بدائع الصنائع ج 6 ص 270 ان أبا حنيفة يعتبر العدالة الظاهرة لا الحقيقية و دليله قوله تعالى «وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً» اى عدلا فوصف سبحانه مؤمني هذه الأمة بالوساطة و هي العدالة و قال عمر «عدول بعضهم على بعض» فصارت العدالة أصلا في المؤمنين و زوالها بعارض. و في البحر الرائق ج 7 ص 69 عن أبي حنيفة يقتصر الحاكم على ظاهر العدالة في المسلم و لا يسأل حتى يطعن الخصم لقوله «ص» الناس عدول بعضهم على بعض.

(2) ارجع الى التعليقة 3 ص 18 و 1 ص 19.

36

أخبارنا على مجرد الاكتفاء بالإسلام على التقية. و اما ما يوجد في كلام متأخري علمائهم من تفسير العدالة بالملكة فلعله حدث أخيرا من زمن شريك و نحوه كما حدث ذلك لمن تبعهم من متأخري أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) مع عدم وجوده في كلام متقدميهم.

و (ثالثا) انه متى قيل بما دل عليه الخبران المذكوران و نحوهما من ان العدالة عبارة عن مجرد الإسلام فاللازم من ذلك طرح تلك الأخبار الصحيحة الصريحة في أن العدالة عبارة عن أمر زائد على مجرد الإسلام من التقوى و الصلاح و العفاف و نحو ذلك من تلك الأوصاف و كذا مخالفة الآية و هو مما يلتزمه محصل، فالواجب حمل الخبرين المذكورين على ما ذكرناه من التقية و إلا فطرحهما بموجب تلك القاعدة المتقدمة الواضحة.

و (رابعا) انه يحتمل تقييد الخبرين المذكورين بما قدمنا من الأخبار و ذلك فإن غاية هذين الخبرين أن يكونا مطلقين بالنسبة إلى اشتراط العدالة و طريق الجمع في مثل هذا المقام حمل المطلق على المقيد، و الى ذلك يشير كلام المحدث الكاشاني في الوافي حيث انه نقل في أول الباب صحيحة ابن ابى يعفور المتقدمة (1) ثم نقل بعدها رواية اللاعب بالحمام المتضمنة لنفي البأس عن قبول شهادته إذا لم يعرف بفسق (2) ثم نقل خبر حريز المذكور و مرسلة يونس الآتية ان شاء اللّٰه تعالى ثم قال ما صورته: و الجمع بين هذه الأخبار يقتضي تقييد مطلقها بمقيدها اعنى تقييد ما سوى الأول بما في الأول من التعاهد للصلوات و المواظبة على الجماعات إلا من علة و انه الميزان في معرفة العدالة. إلخ.

(الثالثة)

مرسلة يونس عن بعض رجاله عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال:

«خمسة أشياء يجب على الناس ان يأخذوا فيها بظاهر الحكم: الولايات و التناكح و المواريث و الذبائح و الشهادات، فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته و لا يسأل عن باطنه».

____________

(1) ص 25.

(2) الوسائل الباب 41 من الشهادات.

(3) الوسائل الباب 22 من كيفية الحكم.

37

و الجواب (أولا) بضعف السند الذي به يضعف عن معارضة ما قدمنا من الآية و الأخبار.

و (ثانيا) بان قوله (عليه السلام) في آخر الخبر «فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته» بالدلالة على ما ندعيه أشبه، و لعله استدراك منه (عليه السلام) بالنسبة إلى الشهادة دون تلك الأشياء المعدودة، و ذلك فإنه إنما يحكم على ظاهره بالمأمونية مع العلم بما يوجب ذلك من الصفات المتقدمة في تلك الروايات المكنى بها عن العدالة و إلا فمجهول الحال الذي إنما رؤي حال الحضور عند الحاكم الشرعي للشهادة مثلا كيف يوصف بكون ظاهره مأمونا و هو مجهول، إذ مجرد الإسلام لا يكفي في المأمونية لأن الظاهر الذي يوجب الحكم عليه بالمأمونية إنما هو معرفته في عباداته و معاملاته و نحو ذلك لا الظاهر الذي هو عبارة عن رؤية شخصه و كونه مسلما.

و لو قيل: ان المراد إنما هو ظاهر الإسلام لأن الأصل في المسلم الستر و العفاف (قلنا) هذا الأصل ممنوع و ضرورة العيان و عدول الوجدان في أبناء نوع الإنسان و لا سيما في هذه الأزمان أعدل شاهد في البيان بل الأصل انما هو مجهولية الحال حتى يظهر أحد الأمرين من العدالة و الفسق.

و (ثالثا) ما ذكره المحدث الكاشاني في معنى الخبر المذكور حيث قال في كتاب الوافي بعد نقله ما صورته: بيان- يعنى ان المتولي لأمور غيره إذا ادعى نيابته مثلا أو وصايته و المباشر لامرأة إذا ادعى زواجها و المتصرف في تركة الميت إذا ادعى نسبه و بائع اللحم إذا ادعى تذكيته و الشاهد على أمر إذا ادعى العلم به و لا معارض لأحد من هؤلاء تقبل أقوالهم و لا يفتش عن صدقهم حتى يظهر خلافه بشرط ان يكون مأمونا بحسب الظاهر. انتهى. و حاصله الرجوع الى قبول قول من ادعى شيئا و لا معارض له و هي مسألة أخرى خارجة عن ما نحن فيه.

(الرابعة)

موثقة عبد اللّٰه بن ابى يعفور عن أخيه عبد الكريم عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال:

«تقبل شهادة المرأة و النسوة إذا كن مستورات من أهل البيوتات معروفات

____________

(1) الوسائل الباب 41 من الشهادات.

38

بالستر و العفاف مطيعات للأزواج تاركات للبذاء و التبرج الى الرجال في أنديتهم».

و الجواب ان هذه الرواية لما ندعيه أقرب و بما ذهبنا إليه انسب فإنه (عليه السلام) قد شرط في صحة شهادتهن أمورا زائدة على الإسلام لا بد ان يعرف اتصافهن بها و هي العفاف و التقوى و ترك المعاصي و المحرمات التي ربما صدر منهن في تلك المقامات (الخامسة و السادسة)

رواية عبد الرحيم القصير (1) قال:

«سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول إذا كان الرجل لا تعرفه يؤم الناس فقرأ القرآن فلا تقرأ خلفه و اعتد بصلاته».

و مرسلة ابن ابى عمير عن بعض أصحابه عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (2)

«في قوم خرجوا من خراسان أو بعض الجبال و كان يؤمهم رجل فلما صاروا إلى الكوفة علموا أنه يهودي؟

قال لا يعيدون».

و الجواب ان هذين الخبرين معارضان عموما بما تقدم من صحيحة ابن ابى يعفور و غيرها الدالة على اشتراط العدالة و موردها و ان كان الشاهد إلا ان الظاهر كما صرح به جملة من الأصحاب ان العدالة المعتبرة بأي معنى أخذت فإنه لا فرق فيها بين الشاهد و الامام و نحوهما، و خصوصا بجملة من الأخبار: منها رواية ابى على بن راشد و رواية خلف بن حماد و رواية إبراهيم بن على المرافقي و ابى أحمد عمرو بن الربيع البصري و نحوها من الروايات المتقدم جميع ذلك في المقام الأول.

و بالجملة فما ذكرناه من الروايات عموما و خصوصا ان لم يكن أرجح و لا سيما مع اعتضادها بعمل الطائفة المحقة سلفا و خلفا في الإمامة فلا أقل أن يكون معارضا لهما فلا يمكن التعلق بهما، و حملهما على التقية أقرب قريب لاتفاق العامة على جواز الصلاة خلف كل بر و فاجر (3) فكيف المجهول الحال.

____________

(1) الوسائل الباب 12 من صلاة الجماعة.

(2) الوسائل الباب 37 من صلاة الجماعة.

(3) في المغني ج 2 ص 189 «الجمع و الأعياد تصلى خلف كل بر و فاجر و قد كان احمد يشهدهما مع المعتزلة و كذلك العلماء الذين في عصره، و لان هذه الصلاة من شعائر الإسلام الظاهرة و تليها الأئمة دون غيرهم فتركها خلفهم يفضى الى تركها بالكلية» و في بدائع الصنائع ج 1 ص 156 «تجوز الصلاة خلف الفاسق في قول العامة لما روى من قوله «ص» «صلوا خلف كل بر و فاجر» و الحديث و ان ورد في الجمع و الأعياد لتعلقهما بالأمراء و أكثرهم فساق لكنه بظاهره حجة في ما نحن فيه إذ العبرة بعموم اللفظ لا خصوص السبب» و في البداية لابن رشد ج 1 ص 123 طبع سنة 1339 «اختلفوا في إمامة الفاسق فردها قوم بإطلاق و أجازها قوم بإطلاق و فرق قوم بين ان يكون فسقه مقطوعا به أو غير مقطوع به ففي مقطوع الفسق تعاد الصلاة خلفه و استحبت الإعادة في مظنون الفسق في الوقت.».

39

و بهذين الخبرين مع رواية عمر بن يزيد الآتية ان شاء اللّٰه تعالى استدل شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد اللّٰه بن صالح البحراني (قدس سره) في أجوبة المسائل الشوشترية على ما اختاره من أن العدالة عبارة عن حسن الظاهر، و هو مؤذن بصحة ما قدمنا نقله عنهم من انهم انما جمدوا على القشر الظاهر من هذا اللفظ و لم يعطوا التأمل حقه كما لا يخفى على الخبير الماهر، و ان قولهم بذلك يرجع الى مذهب المفسرين للعدالة بمجرد الإسلام، مع انهم زعموا كونه قولا ثالثا في المقام و الحال كما ترى مما هو ظاهر لذوي الأفهام، على انه ايضا يمكن تأويل رواية عبد الرحيم بأن صلاة الناس خلفه بمنزلة الشهادة على عدالته سيما إذا كان فيهم من يعتقد عدالته و ان كان ظاهر الأصحاب انه لا يجوز ذلك إلا بعد الفحص و السؤال و حمل مرسلة ابن ابى عمير على ان ذلك اليهودي أظهر لهم الصلاح حتى حصل لهم الاعتقاد بعدالته.

(السابعة)

رواية عمر بن يزيد (1) قال:

«سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن امام لا بأس به في جميع أموره عارف غير انه يسمع أبويه الكلام الغليظ الذي يغيظهما اقرأ خلفه؟ قال لا تقرأ خلفه ما لم يكن عاقا قاطعا».

و الجواب انه لا ريب ان هذا الخبر بظاهره دال على عدم ثبوت العقوق بإسماع أبويه الكلام الغليظ الذي يغيظهما و لا شك و لا إشكال في ثبوت العقوق بذلك لأن

____________

(1) الوسائل الباب 11 من صلاة الجماعة.

40

الآية الشريفة (1) دلت على تحريم التأفيف الذي هو كناية عن مجرد التضجر،

و في الخبر عنه (عليه السلام)

«لو علم اللّٰه شيئا هو أدنى من أف لنهى عنه» رواه في الكافي

(2)

.

و رواه ايضا بطريق آخر (3) و زاد فيه

«و هو من ادنى العقوق و من العقوق ان ينظر الرجل الى والديه فيحد النظر إليهما».

و روى فيه ايضا عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال

«من نظر الى أبويه نظر ماقت و هما ظالمان له لم يقبل اللّٰه له صلاة».

و حينئذ فيجب الحكم بفسق الامام المذكور، و سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى عد العقوق في الكبائر بل هو من أكبرها، و بذلك يظهر ان الخبر المذكور على ظاهره لا يجوز الاعتماد عليه و لا الاستناد في حكم شرعي اليه. و يمكن تأويله بأن يكون المراد بقوله (عليه السلام) «ما لم يكن عاقا قاطعا» بمعنى مصرا على ذلك من غير توبة إلى أبويه و ان يسترضيهما و يصلحهما و يعتذر إليهما بحيث يرضيان عنه. و بالجملة فإن الخبر المذكور لما عرفت مطرح و لا بأس بارتكاب التأويل فيه و ان بعد تفاديا من طرحه.

(الثامنة و التاسعة)

ما رواه الصدوق بإسناد ظاهره الصحة عن عبد اللّٰه بن المغيرة (5) قال:

«قلت للرضا (عليه السلام) رجل طلق امرأته و اشهد شاهدين ناصبيين؟

قال كل من ولد على الفطرة و عرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته».

و حسنة البزنطي عن ابى الحسن (عليه السلام) (6) انه قال له

«جعلت فداك كيف طلاق السنة؟ فقال يطلقها إذا طهرت من حيضها قبل ان يغشاها بشاهدين عدلين كما قال اللّٰه في كتابه فإن خالف ذلك رد الى كتاب اللّٰه. فقلت فإن أشهد رجلين ناصبيين على الطلاق

____________

(1) «فَلٰا تَقُلْ لَهُمٰا أُفٍّ» سورة بني إسرائيل الآية 24.

(2) الأصول باب العقوق و لفظه هكذا «ادنى العقوق أف و لو علم اللّٰه شيئا أهون منه لنهى عنه» و في آخر «أيسر» بدل «أهون».

(3) الأصول باب العقوق و اللفظ كما ذكر في المتن.

(4) الأصول باب العقوق.

(5) الوسائل الباب 41 من الشهادات.

(6) الوسائل الباب 10 من مقدمات الطلاق و شرائطه.

41

أ يكون طلاقا؟ فقال من ولد على الفطرة أجيزت شهادته على الطلاق بعد ان يعرف منه خير».

قال في المسالك بعد إيراد الخبر الثاني في كتاب الطلاق: و هذه الرواية واضحة الاسناد و الدلالة على الاكتفاء بشهادة المسلم في الطلاق. و لا يرد ان قوله «بعد ان يعرف منه خير» ينافي ذلك لأن الخير قد يعرف من المؤمن و غيره و هو نكرة في سياق الإثبات لا يقتضي العموم فلا ينافيه مع معرفة الخير منه بالذي أظهره من الشهادتين و الصلاة و الصيام و غيرهما من أركان الإسلام ان يعلم منه ما يخالف الاعتقاد الصحيح لصدق معرفة الخير منه معه. و في الخبر- مع تصديره باشتراط شهادة العدلين ثم الاكتفاء بما ذكر- تنبيه على ان العدالة هي الإسلام فإذا أضيف الى ذلك أن لا يظهر الفسق كان اولى. انتهى.

و اقتفاه في هذه المقالة سبطه السيد السند في شرح النافع فقال بعد نقل كلامه المذكور و ذكر الرواية الأولى ما صورته: و هو جيد و الرواية الاولى مع صحة سندها دالة على ذلك أيضا فإن الظاهر ان التعريف في قوله (عليه السلام) فيها «و عرف بالصلاح في نفسه» للجنس لا للاستغراق، و هاتان الروايتان مع صحتهما سالمتان من المعارض فيتجه العمل بهما. انتهى.

و اقتفاهما في ذلك المحدث الكاشاني في المفاتيح و الفاضل الخراساني كما هي عادتهما غالبا.

أقول: و هذا ما أشرنا إليه آنفا من انه قد انجر الأمر من القول بمجرد الإسلام إلى الحكم بعدالة النصاب و ذوي الأذناب.

و كيف كان فهذا الكلام باطل و مردود من وجوه (الأول) ما قدمنا بيانه من الآية و الأخبار المتقدمة الدالة على ان العدالة أمر زائد على مجرد الإسلام مع دلالة جملة منها على ان ذلك عبارة عن التقوى و الصلاح و العفاف و نحوها. و بذلك يظهر لك ما في قول سبطه السيد السند انهما سالمتان من المعارض فيتجه العمل بهما.

42

(الثاني) انه لا خلاف بين أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) من هؤلاء القائلين بهذا القول و غيرهم في كفر الناصب و نجاسته و حل دمه و ماله و ان حكمه حكم الكافر الحربي، و انما الخلاف في المخالف الغير الناصب هل يحكم بإسلامه كما هو المشهور بين المتأخرين أم بكفره كما هو المشهور بين المتقدمين؟ و الروايتان قد اشتملتا على السؤال عن شهادة الناصبين على الطلاق فكيف يتم الحكم بالإسلام ثم صحة الطلاق فرعا على ذلك مع الاتفاق نصا و فتوى على الكفر كما عرفت؟ إلا ان يريدوا بالإسلام مجرد الانتحال للإسلام و حينئذ فتدخل فيه الخوارج و المجسمة و المشبهة فتكون ظلمات بعضها فوق بعض.

ثم لو تنزلنا عن ذلك و حملنا الناصب في الخبرين على المخالف كما ربما يدعيه الخصم حيث ان مذهبهم الحكم بإسلام المخالفين فانا نقول ان قبول شهادة المخالف مخالف للأدلة الشرعية كتابا و سنة الدالة على عدم قبول شهادة الفاسق و الظالم (1) و اى فسق و ظلم أظهر من الخروج من الإيمان و الإصرار على ذلك الاعتقاد الفاسد المترتب عليه ما لا يخفى من المفاسد.

و اما ما أجاب به المحدث الكاشاني في المفاتيح تبعا للمسالك- من ان الفسق انما يتحقق بفعل المعصية مع اعتقاد كونها معصية لا مع اعتقاد كونها طاعة و الظلم انما يتحقق بمعاندة الحق مع العلم به- فهو مردود بأنه لو تم هذا الكلام المنحل الزمام المموه الفاسد الناشئ من عدم إعطاء التأمل حقه في هذه المقاصد لاقتضى قيام العذر للمخالفين و عدم استحقاق العذاب في الآخرة و لا أظن هؤلاء القائلين يلتزمونه، و ذلك فان المكلف إذا بذل جده و جهده في طلب الحق و أتعب الفكر و النظر في ذلك و اداه نظره الى ما كان باطلا في الواقع لعروض الشبهة له فلا ريب في انه يكون

____________

(1) اما الكتاب فقوله تعالى في سورة الحجرات الآية 6 «إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا.» و قوله تعالى في سورة هود الآية 115 «وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا» و اما السنة فيرجع فيها الى الوسائل الباب 30 من الشهادات.

43

معذورا عقلا و نقلا لعدم تقصيره في السعي لطلب الحق و تحصيله الذي أمر به و كذا يقوم العذر لمنكري النبوات و أهل الملل و الأديان و هذا في البطلان أظهر من ان يحتاج الى بيان. و بالجملة فإنه ان كان هذا الاعتقاد الذي جعله طاعة و عدم العلم بالحق الذي ذكره انما نشأ عن بحث و نظر يقوم بهما العذر شرعا عند اللّٰه فلا مناص عن ما ذكرناه و إلا فلا معنى لكلامه بالكلية كما هو الظاهر لكل ذي عقل و روية.

(الثالث) انه قد استفاضت الروايات و الاخبار عن الأئمة الأبرار (عليهم السلام)- كما بسطنا عليه الكلام في كتاب الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب- بكفر المخالفين و نصبهم و شركهم

و

ان الكلب و اليهودي خير منهم

(1)

.

و هذا مما لا يجامع الإسلام البتة فضلا عن العدالة، و استفاضت ايضا بأنهم

ليسوا من الحنيفية على شيء

(2)

.

و

انهم ليسوا إلا مثل الجدر المنصوبة

(3)

.

و

انه لم يبق في يدهم إلا مجرد استقبال القبلة

(4)

.

و استفاضت بعرض الأخبار على مذهبهم و الأخذ بخلافه (5) و استفاضت ايضا ببطلان أعمالهم (6) و أمثال ذلك مما يدل على خروجهم عن الملة المحمدية و الشريعة النبوية بالكلية و الحكم بعدالتهم لا يجامع شيئا من ذلك كما لا يخفى.

(الرابع) انه يلزم من ما ذكره- من ان الخير نكرة في سياق الإثبات فلا يعم و كذا قول سبطه: ان التعريف في قوله (عليه السلام) «و عرف بالصلاح في نفسه» للجنس لا للاستغراق- دخول أكثر الفسقة و المردة في هذا التعريف إذ ما من فاسق في الغالب إلا و فيه صفة من صفات الخير فإذا جاز اجتماع العدالة مع فساد العقيدة

____________

(1) ارجع الى ج 5 ص 185 و 187.

(2) الوسائل الباب 9 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.

(3) الوسائل الباب 10 من صلاة الجماعة.

(4)

في الفصول المهمة للحر العاملي ص 74 الباب 29 عن ابى عبد اللّٰه «ع» قال

«و اللّٰه ما بقي في أيديهم شيء من الحق الا استقبال القبلة» ....

(5) الوسائل الباب 9 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.

(6) الوسائل الباب 29 من مقدمة العبادات.

44

جاز مع شرب الخمر و الزنا و اللواط و نحو ذلك بطريق أولى، بل يدخل في ذلك الخوارج و المرجئة و أمثالهما من الفرق التي لا خلاف في كفرها حيث ان الخير بهذا المعنى حاصل فيهم فتثبت عدالتهم بذلك و ان كانوا فاسدي العقيدة نعوذ بالله من زلل الاقدام و طغيان الأقلام.

(الخامس) قوله «ان الخير يعرف من المؤمن. إلى قوله لصدق معرفة الخير منه» فان فيه زيادة على ما تقدم ان الأخبار الصحيحة الصريحة قد استفاضت ببطلان عبادة المخالفين لاشتراط صحة العبادة بالإقرار بالولاية بل

ورد عن الصادق (عليه السلام) (1)

«سواء على الناصب صلى أم زنى».

و المراد بالناصب هو مطلق المخالف كما حققناه في كتاب الشهاب الثاقب و حينئذ فأي خيرية في أعمال من قام الدليل على بطلانها و انها في حكم العدم، و كونها في الظاهر بصورة العبادة لا يجدى نفعا لأن خيرية الخير و شرية الشر انما هو باعتبار ما يترتب على كل منهما من النفع و الضرر كما ينادى به

الحديث النبوي (2)

«لا خير بخير بعده النار و لا شر بشر بعده الجنة».

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الذي ظهر لي في معنى الخبرين المذكورين أنهما إنما خرجا مخرج التقية، و توضيح ذلك انه قد ظهر بما قدمناه من الوجوه ان المخالف ناصبيا كان بالمعنى الذي يدعونه أو غيره لا خير فيه بوجه من الوجوه فخرج من البين بذلك، و لو حمل الخير في الخبر على مطلق الخير كما ادعاه في المسالك لجامع الفسق البتة إذ لا فاسق متى كان مسلما إلا و فيه خير و هو باطل إجماعا نصا و فتوى لدلالة الآية (3) و الرواية (4) على رد خبر الفاسق، فلا بد من حمل الخير على أمر

____________

(1) روضة الكافي ص 160 «لا يبالي الناصب صلى أم زنى».

(2) المفردات للراغب مادة «خير» و في تاج العروس مادة «خير» نقلا من المفردات للراغب و البصائر لصاحب القاموس.

(3) قوله تعالى في سورة الحجرات الآية 6 «إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا.».

(4) الوسائل الباب 30 من الشهادات.

45

زائد على مجرد الإسلام، و وجه الإجمال في هذه العبارة في الخبرين انما هو التقية التي هي في الأحكام الشرعية أصل كل بلية، و ذلك ان السائل في الخبر الثاني لما سأله عن كيفية طلاق السنة أجاب (عليه السلام) بالحكم الشرعي الواضح و هو ان يطلقها إذا طهرت من حيضها قبل ان يغشاها بشاهدين عدلين كما قال اللّٰه عز و جل في كتابه (1) فإن خالف ذلك رد الى الكتاب بمعنى انه يبطل ما اتى به من الطلاق لمخالفته الكتاب، و لا ريب ان الطلاق بشهادة الناصب باطل بمقتضى هذا التقرير عند كل ذي انس باخبار أهل البيت و معرفة مذهبهم (عليهم السلام) و ما يعتقدونه في مخالفيهم من الكفر و الشرك و العداوة و النصب فيجب رد من أشهدهما على طلاق الى كتاب اللّٰه الدال على بطلان هذا الطلاق لاشتراط عدالة الشاهد بنص الكتاب لكن لما سأل السائل بعد ذلك عن خصوص ذلك و كان المقام لا يقتضي الإفصاح بالجواب ب «لا أو نعم» أجمل (عليه السلام) في الجواب بما فيه إشارة إلى انه لا يجوز ذلك بعبارة موهمة للجواز

فقال (عليه السلام)

«كل من ولد على الفطرة الإسلامية و عرف فيه خير جازت شهادته».

و هذا في بادئ النظر يعطى ما توهمه هؤلاء من كون الناصب تجوز شهادته لانه ولد على فطرة الإسلام و فيه خير إلا انه لما كان الناصب بمقتضى مذهبهم (عليهم السلام) من أخبارهم و تتبع سيرهم لا خير فيه و لا صلاح بالكلية لما أسلفنا ذكره وجب إخراجه في المقام و حمل العبارة المذكورة على من عداه.

و من ما ذكرنا يعلم الكلام في الرواية الاولى. و بذلك يظهر لك زيادة على ما قدمناه ما في كلام السيد السند و قوله ان الروايتين سالمتان من المعارض.

و بالجملة فان الواجب في الاستدلال بالخبر في هذا الموضع و غيره النظر الى انطباق موضع الاستدلال على مقتضى القواعد المعتبرة و القوانين المقررة في الأخبار فمتى كان الخبر مخالفا لها و خارجا عنها وجب طرحه و امتنع الاستناد اليه و ان كان صحيح السند صريح الدلالة لاستفاضة أخبارهم (عليهم السلام) بعرض

____________

(1) قوله تعالى في سورة الطلاق الآية 2 «وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ».

46

الأخبار على كتاب اللّٰه تعالى و السنة النبوية و لكن عادة أصحاب هذا الاصطلاح و لا سيما السيد صاحب المدارك الدوران مدار صحة السند فمتى كان السند صحيحا لم ينظر الى ما دل في متن الخبر من العلل كما قدمنا التنبيه عليه في غير موضع من ما تقدم.

و بالجملة فكلام هؤلاء الأعيان في هذا المكان أظهر في البطلان من أن يحتاج إلى زيادة على ما ذكرنا من البيان. و اللّٰه العالم.

(المقام الرابع) في الكبائر

و عددها و انها عبارة عما ذا و انه هل جميع الذنوب كبائر أو بعضها صغائر و بعضها كبائر؟

و الكلام هنا يقع في موضعين

[الموضع] (الأول) في الكبائر و عددها

، اعلم انه قد اختلفت كلمة العلماء في تفسير الكبيرة على أقوال منتشرة، فقال قوم هي كل ذنب توعد اللّٰه تعالى عليه بالعقاب في الكتاب العزيز، و قال آخرون هي كل ذنب رتب عليه الشارع حدا أو صرح بالوعيد، و قال طائفة هي كل معصية تؤذن بقلة اكتراث فاعلها بالدين، و قال جماعة هي كل ذنب علمت حرمته بدليل قاطع، و قيل كل ما توعد عليه توعدا شديدا في الكتاب أو السنة، و قيل هي ما نهى اللّٰه عنه في سورة النساء من أولها إلى قوله تعالى «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ. الآية» (1) و قال قوم انها سبع: الشرك بالله و قتل النفس التي حرم اللّٰه و قذف المحصنة و أكل مال اليتيم و الربا و الفرار من الزحف و عقوق الوالدين، و قيل انها تسع بزيادة السحر و الإلحاد في بيت اللّٰه أى الظلم فيه، الى غير ذلك من الأقوال الكثيرة المنسوبة إلى العامة (2).

و المختار من هذه الأقوال الأول و الظاهر انه المشهور بين أصحابنا بل قال

____________

(1) الآية 35.

(2) في بدائع الصنائع ج 6 ص 268 «اختلف في ماهية الكبائر و الصغائر فقال بعضهم ما فيه حد في كتاب اللّٰه فهو كبيرة و ما ليس فيه حد فهو صغيرة، و قال بعضهم ما يوجب الحد كبيرة و ما لا يوجبه صغيرة، و قال بعضهم كل ما جاء مقرونا بوعيد فهو كبيرة».

47

بعض أفاضل متأخري المتأخرين بعد نسبة هذا القول إلى الشهرة بينهم: و لم أجد في كلامهم اختيار قول آخر.

و يدل على هذا القول جملة من الأخبار: منها-

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح عن الحسن بن محبوب (1) قال:

«كتب معى بعض أصحابنا الى ابى الحسن (عليه السلام) يسأله عن الكبائر كم هي و ما هي؟ فكتب الكبائر من اجتنب ما وعد اللّٰه عليه النار كفر عنه سيئاته إذا كان مؤمنا، و السبع الموجبات: قتل النفس الحرام و عقوق الوالدين و أكل الربا و التعرب بعد الهجرة و قذف المحصنة و أكل مال اليتيم و الفرار من الزحف».

قال بعض مشايخنا المعاصرين قوله (عليه السلام): «و السبع الموجبات» معناه أنها أكبر الكبائر و أشدها حتى انها أوجبت النار لفاعلها، و من المستبين ان الإيجاب و الحتم أمر آخر فوق الإيعاد لا يتطرق اليه الإخلاف بخلاف الوعيد المطلق فان اخلافه حسن كما تقرر في الكلام، فهذه السبع لعظمها كأنها أوجبت النار فلا ينافي ما تضمنه صدر الخبر من تفسيرها بما وعد اللّٰه عليه النار.

و منها-

ما رواه في الكتاب المذكور عن الحلبي عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (2)

«في قول اللّٰه عز و جل

إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً

؟ قال: الكبائر التي أوجب اللّٰه عز و جل عليها النار».

و مثله في تفسير العياشي عن كثير النواء عن الباقر (عليه السلام) (3).

و ما رواه في الفقيه عن عباد بن كثير النواء (4) قال:

«سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الكبائر فقال كل ما أوعد اللّٰه عليه النار».

____________

(1) الوسائل الباب 45 من جهاد النفس.

(2) الوسائل الباب 44 من جهاد النفس. و في الطبعة القديمة ورد هذا الحديث بهذا اللفظ عن أبي جميلة أيضا و هو تكرار له بهذا العنوان إذ لا حديث لأبي جميلة في الكافي غير حديث الحلبي و انما يرويه أبو جميلة عن الحلبي.

(3) مستدرك الوسائل الباب 46 من جهاد النفس.

(4) الوسائل الباب 45 من جهاد النفس.

48

و منها-

صحيحة ابن ابى يعفور المتقدمة (1) و قوله (عليه السلام) فيها

«و تعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّٰه عليها النار من شرب الخمر. الى آخر ما تقدم».

و روى الثقة الجليل على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) قال:

«سألته عن الكبائر التي قال اللّٰه عز و جل

إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً

؟ قال التي أوجب عليها النار».

و اما ما اشتمل على الحصر في عدد معين- مثل

ما رواه في الكافي عن محمد بن مسلم عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال:

«سمعته يقول الكبائر سبع: قتل المؤمن متعمدا و قذف المحصنة و الفرار من الزحف و التعرب بعد الهجرة و أكل مال اليتيم ظلما و أكل الربا بعد البينة و كل ما أوجب اللّٰه تعالى عليه النار».

و عن عبيد بن زرارة في الحسن (4) قال:

«سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الكبائر فقال هن في كتاب على (عليه السلام) سبع: الكفر بالله و قتل النفس و عقوق الوالدين و أكل الربا بعد البينة و أكل مال اليتيم ظلما و الفرار من الزحف و التعرب بعد الهجرة. قال فقلت فهذا أكبر المعاصي؟ قال نعم. قلت فأكل درهم من مال اليتيم ظلما أكبر أم ترك الصلاة؟ قال ترك الصلاة. قلت: فما عددت ترك الصلاة في الكبائر؟ فقال اى شيء أول ما قلت لك؟ قال قلت الكفر. قال فان تارك الصلاة كافر يعنى من غير علة».

و عن مسعدة بن صدقة (5) قال:

«سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول الكبائر القنوط من رحمة اللّٰه و اليأس من روح اللّٰه و الأمن من مكر اللّٰه و قتل النفس التي حرم اللّٰه و عقوق الوالدين و أكل مال اليتيم ظلما و أكل الربا بعد البينة و التعرب بعد الهجرة و قذف المحصنة و الفرار من الزحف».

أقول: هذا الخبر قد اشتمل على عشر من الكبائر و احتمل بعض المحدثين

____________

(1) ص 25.

(2) الوسائل الباب 45 من جهاد النفس.

(3) الوسائل الباب 45 من جهاد النفس.

(4) الوسائل الباب 45 من جهاد النفس.

(5) الوسائل الباب 45 من جهاد النفس.

49

ان عطف قوله: «اليأس» على القنوط عطف بيان، قال: لعدم التغاير بينهما في المعنى إذ لا فرق بينا بين اليأس و القنوط و لا بين الروح و الرحمة. انتهى.

و عن ابى بصير عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال:

«سمعته يقول: الكبائر سبعة منها قتل النفس متعمدا و الشرك بالله العظيم و قذف المحصنة و أكل الربا بعد البينة و الفرار من الزحف و التعرب بعد الهجرة و عقوق الوالدين و أكل مال اليتيم ظلما قال: و التعرب و الشرك واحد».

أقول: قوله «و التعرب و الشرك واحد» لعله اعتذار عن ما يتراءى من المخالفة بين قوله «سبعة» و التفصيل لكونها ثمانية- فيمكن دفع المنافاة بينه و بين ما تقدم بان مراتب الكبائر مختلفة و ان السبع المذكورة في هذه الأخبار أكبر من ما عداها، و لا ينافي ذلك ان كل ما أوعد اللّٰه عليه النار كبيرة. و يحتمل حمل هذه الأخبار الأخيرة على التمثيل لا الحصر و يؤيده اختلافها في بعض الأفراد المعدودة فيها.

و يؤيد ما قلنا من أن ذكر هذه السبع و نحوها انما هو من حيث كونها أكبر

ما رواه في التهذيب عن ابى الصامت عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال:

«أكبر الكبائر سبع: الشرك بالله العظيم و قتل النفس التي حرم اللّٰه تعالى إلا بالحق و أكل مال اليتيم و عقوق الوالدين و قذف المحصنات و الفرار من الزحف و إنكار ما انزل اللّٰه عز و جل».

هذا،

و قد روى في الكافي و الفقيه عن عبد العظيم بن عبد اللّٰه الحسنى (3) قال:

«حدثني أبو جعفر الثاني (عليه السلام) قال سمعت ابى (عليه السلام) يقول سمعت ابى موسى بن جعفر (عليه السلام) يقول: دخل عمرو بن عبيد على ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) فلما سلم و جلس تلا هذه الآية «الذين يجتنبون كبائر الإثم و الفواحش»

(4)

ثم أمسك فقال له أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) ما أسكتك؟ قال أحب ان أعرف الكبائر من كتاب اللّٰه تعالى فقال نعم يا عمرو أكبر الكبائر الإشراك بالله يقول اللّٰه تعالى

____________

(1) الوسائل الباب 45 من جهاد النفس.

(2) الوسائل الباب 45 من جهاد النفس.

(3) الوسائل الباب 45 من جهاد النفس.

(4) النجم الآية 33.

50

«مَنْ يُشْرِكْ بِاللّٰهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّٰهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» (1)

و بعده الإياس من روح اللّٰه لان اللّٰه تعالى يقول

«لٰا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللّٰهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكٰافِرُونَ» (2)

ثم الأمن لمكر اللّٰه لان اللّٰه تعالى يقول

«فَلٰا يَأْمَنُ مَكْرَ اللّٰهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخٰاسِرُونَ» (3)

و منها عقوق الوالدين لان اللّٰه تعالى جعل العاق جبارا شقيا

(4)

و قتل النفس التي حرم اللّٰه إلا بالحق لان اللّٰه تعالى يقول «

فَجَزٰاؤُهُ جَهَنَّمُ خٰالِداً فِيهٰا

. الى آخر الآية»

(5)

و قذف المحصنة لأن اللّٰه تعالى يقول

«لُعِنُوا فِي الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ» (6)

و أكل مال اليتيم لان اللّٰه تعالى يقول

«إِنَّمٰا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نٰاراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً» (7)

و الفرار من الزحف لان اللّٰه تعالى يقول

«وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلّٰا مُتَحَرِّفاً لِقِتٰالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بٰاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّٰهِ وَ مَأْوٰاهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ» (8)

و أكل الربا لان اللّٰه تعالى يقول

«الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبٰا لٰا يَقُومُونَ إِلّٰا كَمٰا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطٰانُ مِنَ الْمَسِّ» (9)

و السحر لان اللّٰه تعالى يقول

«وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرٰاهُ مٰا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلٰاقٍ» (10)

و الزنا لان اللّٰه تعالى يقول

«وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثٰاماً يُضٰاعَفْ لَهُ الْعَذٰابُ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهٰاناً» (11)

و اليمين الغموس الفاجرة لأن اللّٰه تعالى يقول:

«الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّٰهِ وَ أَيْمٰانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولٰئِكَ لٰا خَلٰاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ» (12)

و الغلول لان اللّٰه تعالى يقول

«وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمٰا غَلَّ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ» (13)

و منع الزكاة المفروضة لأن اللّٰه تعالى يقول

«فَتُكْوىٰ بِهٰا جِبٰاهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ» (14)

____________

(1) سورة المائدة الآية 76.

(2) سورة يوسف الآية 87.

(3) سورة الأعراف الآية 97.

(4) سورة مريم الآية 32.

(5) سورة النساء الآية 95.

(6) سورة النور الآية 23.

(7) سورة النساء الآية 11.

(8) سورة الأنفال الآية 16.

(9) سورة البقرة الآية 276.

(10) سورة البقرة الآية 96.

(11) سورة الفرقان الآية 68 و 69.

(12) سورة آل عمران الآية 71.

(13) سورة آل عمران الآية 155.

(14) سورة التوبة الآية 35.