الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - ج12

- الشيخ يوسف البحراني المزيد...
488 /
1

-

2

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين و صلى اللّٰه على نبيه محمد و آله الطاهرين.

كتاب الزكاة

و هي لغة تطلق على معنيين: الطهارة و الزيادة و النمو، و من الأول قوله عز و جل «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّٰاهٰا» (1) أي طهرها من الأخلاق الذميمة، و من الثاني قوله عز وجل «ذٰلِكُمْ أَزْكىٰ لَكُمْ وَ أَطْهَرُ» (2) أي أنمى لكم و أعظم بركة، و الحمل على الأول و إن أمكن إلا أنه يصير عطف الطهارة من قبيل التأكيد و الحمل على التأسيس خير من التأكيد.

و سميت به الصدقة المخصوصة لكونها مطهرة للمال من الأوساخ المتعلقة به أو للنفوس من رذائل البخل و ترك مواساة الإخوان المحتاجين من أبناء النوع، و لكونها تنمي الثواب و تزيده و كذلك تنمي المال و تزيده و إن ظن الجاهل البخيل أنها تنقصه.

و قد اختلف الفقهاء في تعريفها بما لا يكاد يسلم واحد منها من المناقشة

____________

(1) سورة الشمس الآية 9.

(2) سورة البقرة الآية 232.

3

و ليس في التعرض لها مزيد فائدة، و الأمر في التعريف هين بعد وضوح المعرف في حد ذاته.

و الكلام في هذا الكتاب يقع في مقدمة و بابين،

[المقدمة]

أما المقدمة ففيها فصول:

الفصل الأول- في وجوبها

و هي واجبة بالكتاب و السنة، قال اللّٰه عز و جل «وَ أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ آتُوا الزَّكٰاةَ» (1) و قال «خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا» (2) و قال «وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لٰا يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ» (3).

و أما السنة فمستفيضة جدا، و منها-

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح عن عبد اللّٰه بن سنان (4) قال:

«قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) لما نزلت آية الزكاة

«خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا» (5)

و أنزلت في شهر رمضان فأمر رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) مناديه فنادى في الناس أن اللّٰه تعالى فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة ففرض اللّٰه عليهم من الذهب و الفضة و فرض عليهم الصدقة من الإبل و البقر و الغنم و من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و نادى فيهم بذلك في شهر رمضان و عفا لهم عن ما سوى ذلك. قال (عليه السلام) ثم لم يتعرض لشيء من أموالهم حتى حال عليهم الحول من قابل فصاموا و أفطروا فأمر مناديه فنادى في المسلمين أيها المسلمون زكوا أموالكم تقبل صلاتكم. قال (عليه السلام) ثم وجه عمال الصدقة و عمال الطسوق».

أقول: الطسق بالفتح ما يوضع من الخراج على كل جريب من الأرض فارسي معرب.

و ما رواه في الصحيح عن الفضلاء عن أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه (عليهما السلام) (6) قالا:

«فرض اللّٰه الزكاة مع الصلاة».

أقول: الظاهر من المعية المقارنة

____________

(1) سورة البقرة الآية 43.

(2) سورة التوبة الآية 103.

(3) سورة فصلت الآية 6 و 7.

(4) ج 1 ص 139 و في الوسائل الباب 8 من ما تجب فيه الزكاة و نقله فيه و في الباب 1 من الفقيه أيضا.

(5) سورة التوبة الآية 103.

(6) الوسائل الباب 1 من ما تجب فيه الزكاة.

4

في الرتبة كما يشعر به الحديث الآتي.

و ما رواه أيضا عن معروف بن خربوذ عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال

«إن اللّٰه عز و جل قرن الزكاة بالصلاة فقال

«وَ أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ آتُوا الزَّكٰاةَ»

فمن أقام الصلاة و لو يؤت الزكاة فلم يقم الصلاة».

و ما رواه في الفقيه عن عبد اللّٰه بن مسكان يرفعه إلى أبي جعفر (عليه السلام) (2) قال:

«بينا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) في المسجد إذ قال قم يا فلان قم يا فلان قم يا فلان حتى أخرج خمسة نفر فقال (صلى اللّٰه عليه و آله) اخرجوا من مسجدنا لا تصلوا فيه و أنتم لا تزكون».

و ما رواه في الكافي عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال:

«من منع قيراطا من الزكاة فليس بمؤمن و لا مسلم و هو قوله تعالى

رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صٰالِحاً فِيمٰا تَرَكْتُ

»

(4)

.

قال: و في رواية أخرى (5) قال:

«و لا تقبل له صلاة».

و بهذا المضمون روايات عديدة أعرضنا عن نقلها.

و ما رواه فيه أيضا عن أبي بصير (6) قال:

«سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول من منع الزكاة سأل الرجعة عند الموت و هو قول اللّٰه تعالى

رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صٰالِحاً فِيمٰا تَرَكْتُ

»

(7)

.

و ما رواه فيه عن أبي بصير أيضا عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (8) قال:

«من منع قيراطا من الزكاة فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا».

إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة

الفصل الثاني- في عقاب مانعها

، روى في الكافي عن عبد اللّٰه بن سنان (9) قال:

«قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ما من ذي زكاة مال نخل أو زرع أو كرم يمنع زكاة ماله إلا قلده اللّٰه تعالى تربة أرضه يطوق بها من سبع أرضين إلى يوم القيامة».

و روى في الكافي و الفقيه عن أيوب بن راشد (10) قال:

«سمعت أبا عبد اللّٰه

____________

(1) الوسائل الباب 3 من ما تجب فيه الزكاة.

(2) الوسائل الباب 3 من ما تجب فيه الزكاة.

(3) الوسائل الباب 4 من ما تجب فيه الزكاة.

(4) سورة المؤمنون الآية 99 و 100.

(5) الوسائل الباب 4 من ما تجب فيه الزكاة.

(6) الوسائل الباب 3 من ما تجب فيه الزكاة.

(7) سورة المؤمنون الآية 99 و 100.

(8) الوسائل الباب 4 من ما تجب فيه الزكاة.

(9) الوسائل الباب 3 من ما تجب فيه الزكاة.

(10) الوسائل الباب 3 من ما تجب فيه الزكاة.

5

(عليه السلام) يقول مانع الزكاة يطوق بحية قرعاء تأكل من دماغه و ذلك قوله تعالى

سَيُطَوَّقُونَ مٰا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ

»

(1)

.

أقول: القرعاء من الحيات ما سقط شعر رأسها لكثرة سمها.

و روى في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) قال:

«سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن قول اللّٰه تعالى

سَيُطَوَّقُونَ مٰا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ

؟ فقال يا محمد ما من أحد يمنع من زكاة ماله شيئا إلا جعل اللّٰه تعالى ذلك يوم القيامة ثعبانا من نار مطوقا في عنقه ينهش من لحمه حتى يفرغ من الحساب، ثم قال (عليه السلام) هو قول اللّٰه تعالى

سَيُطَوَّقُونَ مٰا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ

. يعني ما بخلوا به من الزكاة».

و روى في الكافي و الفقيه عن حريز (3) قال:

«قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) ما من ذي مال ذهب أو فضة يمنع زكاة ماله إلا حبسه اللّٰه يوم القيامة بقاع قرقر و سلط عليه شجاعا أقرع يريده و هو يحيد عنه فإذا رأى أنه لا يتخلص منه أمكنه من يده فقضمها كما يقضم الفحل ثم يصير طوقا في عنقه، و ذلك قول اللّٰه تعالى

«سَيُطَوَّقُونَ مٰا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ»

و ما من ذي مال إبل أو غنم أو بقر يمنع زكاة ماله إلا حبسه اللّٰه عز و جل يوم القيامة بقاع قرقر تطؤه كل ذات ظلف بظلفها و تنهشه كل ذات ناب بنابها، و ما من ذي مال نخل أو كرم أو زرع يمنع زكاتها إلا طوقه اللّٰه تعالى ريعة أرضه إلى سبع أرضين يوم القيامة».

أقول: قيل القاع الأرض السهلة المطمئنة قد انفرجت عنها الجبال، و القرقر الأرض المستوية اللينة، و في بعض النسخ «قفر» و هو الخلاء من الأرض، و شجاع بالضم و الكسر: الحية أو الذكر منها أو ضرب منها، و الحيد الميل، و القضم

____________

(1) سورة آل عمران الآية 180.

(2) الفروع ج 1 ص 141 و في الوسائل الباب 3 من ما تجب فيه الزكاة عن أبي جعفر (ع) بسند آخر و هو كذلك في الفروع ج 1 ص 142.

(3) الوسائل الباب 3 من ما تجب فيه الزكاة.

6

بالمعجمة: الأكل بأطراف الأسنان، و الفحل بالمهملة: الذكر من كل حيوان و من الإبل خاصة و هو المراد هنا، و الريع بكسر الراء و فتحها ثم المثناة من تحت ثم المهملة: المرتفع من الأرض واحدته بهاء.

و روى في الكافي عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال:

«إن اللّٰه تعالى يبعث يوم القيامة ناسا من قبورهم مشدودة أيديهم إلى أعناقهم لا يستطيعون أن يتناولوا بها قيس أنملة معهم ملائكة يعيرونهم تعييرا شديدا يقولون: هؤلاء الذين منعوا خيرا قليلا من خير كثير، هؤلاء الذين أعطاهم اللّٰه تعالى فمنعوا حق اللّٰه في أموالهم».

أقول: القيس بالكسر القدر.

و روى في الكافي و الفقيه عن أبان بن تغلب (2) قال:

«قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) دمان في الإسلام حلال من اللّٰه تعالى لا يقضي فيهما أحد حتى يبعث اللّٰه تعالى قائمنا أهل البيت فإذا بعث اللّٰه تعالى قائمنا أهل البيت حكم فيهما بحكم اللّٰه لا يريد عليهما بينة:

الزاني المحصن يرجمه و مانع الزكاة يضرب عنقه».

و رواه الصدوق في عقاب الأعمال و البرقي في المحاسن مثله (3).

و روى في الكافي مسندا عن إسحاق بن عمار عن من سمع أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) و في الفقيه مرسلا عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) أنه قال:

«ما ضاع مال في بر و لا بحر إلا بتضييع الزكاة و لا يصاد من الطير إلا ما ضيع تسبيحه».

و روى في الكافي عن سالم مولى أبان (5) قال:

«سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول ما من صيد يصاد إلا بتركه التسبيح و ما من مال يصاب إلا بترك الزكاة».

إلى غير

____________

(1) الوسائل الباب 6 من ما تجب فيه الزكاة.

(2) الوسائل الباب 4 من ما تجب فيه الزكاة. و قوله «حكم فيهما بحكم اللّٰه لا يريد عليهما بينة» ليس في الفقيه ج 2 ص 6.

(3) الوسائل الباب 4 من ما تجب فيه الزكاة.

(4) الوسائل الباب 3 من ما تجب فيه الزكاة.

(5) الوسائل الباب 3 من ما تجب فيه الزكاة.

7

ذلك من الأخبار التي يضيق عن نشرها المقام.

الفصل الثالث- في كفر منكر وجوبها

، قال العلامة في التذكرة: أجمع المسلمون كافة على وجوبها في جميع الأعصار و هي أحد الأركان الخمسة. إذا عرفت هذا فمن أنكر وجوبها ممن ولد على الفطرة و نشأ بين المسلمين فهو مرتد يقتل من غير أن يستتاب، و إن لم يكن عن فطرة بل أسلم عقيب كفر استتيب مع علمه بوجوبها ثلاثا فإن تاب و إلا فهو مرتد وجب قتله، و إن كان ممن يخفى وجوبها عليه لأنه نشأ بالبادية أو كان قريب العهد بالإسلام عرف وجوبها و لم يحكم بكفره.

هذا كلامه (رحمه اللّٰه).

قال في المدارك بعد نقله عنه: و هو جيد و على ما ذكره من التفصيل يحمل ما رواه الكليني و ابن بابويه عن أبان بن تغلب. ثم ساق الرواية المتقدمة الدالة على أن القائم (عليه السلام) بعد قيامه يضرب عنق مانع الزكاة.

أقول: ظاهر العلامة في المنتهى حمل هذه الرواية على المانع و إن لم يكن عن إنكار، حيث قال: مسألة- و يقاتل مانع الزكاة حتى يؤديها و هو قول العلماء، روى الجمهور. ثم ساق روايتهم (1) ثم قال: و من طريق الخاصة ما رواه ابن بابويه عن أبان بن تغلب. ثم ساق الرواية المشار إليها، ثم قال فروع: الأول- القتال و إن كان مباحا إلا أنا لا نحكم بكفره. إلى أن قال: و أما لو علم منه إنكار وجوبها فإنه يكون كافرا. انتهى. و الأقرب الأول فإن مجرد المنع لا يوجب القتل و إن أوجب المقاتلة إلى أن يؤدي أو يؤخذ من ماله ما يؤدي به عنه.

ثم إنه من ما يدل على كفره متى كان مستحلا منكرا ما تقدم في رواية أبي بصير من أنه يموت إن شاء يهوديا و إن شاء نصرانيا، و يحتمل الحمل على مجرد المنع و إن هذا لمزيد التأكيد في الزجر عن الترك كما ورد في أحاديث الحج من أن

____________

(1) و هي قتال أبي بكر مانعي الزكاة و إنكار عمر عليه و أنه

قال رسول اللّٰه (ص)

أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا «لا إله إلا اللّٰه» فإذا قالوها عصموني دماءهم و أموالهم إلا بحقها و حسابهم على اللّٰه.

فقال أبو بكر الزكاة من حقها. تيسير الوصول ج 2 ص 121.

8

تارك الحج كافر (1) و كذلك قوله عز و جل «وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ. الآية» (2) و بالجملة فإن المراد من الكفر هنا الترك كقوله عز و جل: «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ. الآية» (3).

و يدل عليه أيضا

ما رواه في الكافي في الصحيح عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) في حديث

«إن الزكاة ليس يحمد بها صاحبها و إنما هو شيء ظاهر إنما حقن بها دمه و سمي بها مسلما».

و ما رواه فيه أيضا في الموثق عن سماعة بن مهران عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) قال:

«إن اللّٰه عز و جل فرض للفقراء في أموال الأغنياء فريضة لا يحمدون إلا بأدائها و هي الزكاة بها حقنوا دماءهم و بها سموا مسلمين».

و روى في الفقيه بإسناده عن حماد بن عمرو و أنس بن محمد عن أبيه جميعا عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (6) في وصية النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لعلي (عليه السلام)

«يا علي كفر باللّٰه العلي العظيم من هذه الأمة عشرة. و عد منهم مانع الزكاة، ثم قال يا علي ثمانية لا يقبل اللّٰه منهم الصلاة. و عد منهم مانع الزكاة. ثم قال يا علي من منع قيراطا من زكاة ماله فليس بمؤمن و لا مسلم و لا كرامة، يا علي تارك الزكاة يسأل اللّٰه تعالى الرجعة إلى الدنيا و ذلك قول اللّٰه عز و جل

حَتّٰى إِذٰا جٰاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قٰالَ رَبِّ ارْجِعُونِ

. الآية»

(7)

.

و بالجملة فإن وجوب الزكاة من الضروريات الدينية و لا خلاف و لا إشكال في كفر من أنكر شيئا منها و ارتداده.

بقي الإشكال في حديث أبان المتقدم من حيث دلالته على اختصاص هذا الحكم مع الحكم برجم الزاني المحصن بظهور القائم (عليه السلام) و لا أعرف له وجها إلا على القول باختصاص إقامة الحدود بالإمام (عليه السلام) إلا أن تخصيص هذين الفردين من ما

____________

(1) الوسائل الباب 7 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) سورة آل عمران الآية 97.

(3) سورة إبراهيم الآية 7.

(4) الوسائل الباب 4 من ما تجب فيه الزكاة.

(5) الوسائل الباب 4 من ما تجب فيه الزكاة.

(6) الوسائل الباب 4 من ما تجب فيه الزكاة.

(7) سورة المؤمنون الآية 99.

9

لا وجه له على هذا التقدير.

الفصل الرابع- في فضلها و فضل سائر الصدقات

، روى ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح عن زرارة عن سالم بن أبي حفصة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال:

«إن اللّٰه تعالى يقول ما من شيء إلا و قد وكلت به من يقبضه غيري إلا الصدقة فإني أتلقفها بيدي تلقفا حتى أن الرجل يتصدق بالتمرة أو بشق تمرة فأربيها له كما يربي الرجل فلوه و فصيله فيأتي يوم القيامة و هو مثل أحد أو أعظم من أحد».

و روى فيه أيضا عن حريز عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال:

«قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) الصدقة تدفع ميتة السوء».

و روى فيه أيضا عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) (3) قال:

«لأن أحج حجة أحب إلي من أن أعتق رقبة و رقبة حتى انتهى إلى عشرة و مثلها و مثلها حتى انتهى إلى سبعين، و لأن أعول أهل بيت من المسلمين أشبع جوعهم و أكسو عورتهم و أكف وجوههم عن الناس أحب إلى من أن أحج حجة و حجة حتى انتهى إلى عشر و عشر و مثلها و مثلها حتى انتهى إلى سبعين».

و روى في الكافي مسندا عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و في الفقيه مرسلا (4) قال:

«قال الصادق (عليه السلام) داووا مرضاكم بالصدقة و ادفعوا البلاء بالدعاء و استنزلوا الرزق بالصدقة فإنها تفك من بين لحيي سبعمائة شيطان، و ليس شيء أثقل على الشيطان من الصدقة على المؤمن، و هي تقع في يد الرب تبارك و تعالى قبل أن تقع في يد العبد».

و روى الشيخ عن معلى بن خنيس عن الصادق (عليه السلام) (5)

«إن اللّٰه لم يخلق شيئا إلا

____________

(1) الوسائل الباب 7 من أبواب الصدقة.

(2) الوسائل الباب 1 من أبواب الصدقة، و الراوي هو السكوني.

(3) الوسائل الباب 2 من أبواب الصدقة.

(4) الوسائل الباب 3 و 18 من أبواب الصدقة.

(5) الفروع ج 1 ص 164 و في الوسائل الباب 12 من الصدقة و الشيخ يرويه عن الكليني.

10

و له خازن يخزنه إلا الصدقة فإن الرب يليها بنفسه، و كان أبي إذا تصدق بشيء وضعه في يد السائل ثم ارتده منه فقبله و شمه ثم رده في يد السائل، إن صدقة الليل تطفئ غضب الرب تعالى و تمحو الذنب العظيم و تهون الحساب و صدقة النهار تنمي المال و تزيد في العمر».

إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة المذكورة في مظانها.

الفصل الخامس- في علتها

روى الصدوق (قدس سره) في الفقيه في الصحيح عن عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال:

«إن اللّٰه عز و جل فرض الزكاة كما فرض الصلاة، فلو أن رجلا حمل الزكاة فأعطاها علانية لم يكن عليه في ذلك عيب و ذلك لأن اللّٰه عز و جل فرض للفقراء في أموال الأغنياء ما يكتفون به، و لو علم أن الذي فرض لهم لا يكفيهم لزادهم و إنما يؤتى الفقراء في ما أوتوا من منع من منعهم حقوقهم لا من الفريضة».

و روى في الكافي و الفقيه عن مبارك العقرقوفي (2) قال:

«قال أبو الحسن (عليه السلام) إن اللّٰه تعالى وضع الزكاة قوتا للفقراء و توفيرا لأموالكم».

و روى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن عبد اللّٰه بن مسكان و غير واحد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال

«إن اللّٰه تعالى جعل للفقراء في أموال الأغنياء ما يكفيهم و لو لا ذلك لزادهم و إنما يؤتون من منع من منعهم».

و روى فيه في الحسن عن الوشاء عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) (4) قال

«قيل لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) لأي شيء جعل اللّٰه الزكاة خمسة و عشرين في كل ألف و لم يجعلها ثلاثين؟ فقال إن اللّٰه تعالى جعلها خمسة و عشرين أخرج من أموال الأغنياء بقدر ما يكتفي به الفقراء و لو أخرج الناس زكاة أموالهم ما احتاج أحد».

و روى فيه أيضا عن صباح الحذاء عن قثم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) قال:

«قلت له جعلت فداك أخبرني عن الزكاة كيف صارت من كل ألف خمسة و عشرين لم

____________

(1) الوسائل الباب 1 من ما تجب فيه الزكاة.

(2) الوسائل الباب 1 من ما تجب فيه الزكاة.

(3) الوسائل الباب 1 من ما تجب فيه الزكاة.

(4) الوسائل الباب 3 من زكاة الذهب و الفضة.

(5) الوسائل الباب 3 من زكاة الذهب و الفضة.

11

تكن أقل أو أكثر ما وجهها؟ فقال إن اللّٰه تعالى خلق الخلق كلهم فعلم صغيرهم و كبيرهم و غنيهم و فقيرهم فجعل من كل ألف إنسان خمسة و عشرين مسكينا و لو علم أن ذلك لا يسعهم لزادهم لأنه خالقهم و هو أعلم بهم».

و روى في الفقيه عن معتب مولى الصادق (عليه السلام) (1) قال:

«قال الصادق (عليه السلام) إنما وضعت الزكاة اختبارا للأغنياء و معونة للفقراء، و لو أن الناس أدوا زكاة أموالهم ما بقي مسلم فقيرا محتاجا و لاستغنى بما فرض اللّٰه تعالى له، و إن الناس ما افتقروا و لا احتاجوا و لا جاعوا و لا عروا إلا بذنوب الأغنياء و حقيق على اللّٰه تعالى أن يمنع رحمته ممن منع حق اللّٰه في ماله، و أقسم بالذي خلق الخلق و بسط الرزق إنه ما ضاع مال في بر و لا بحر إلا بترك الزكاة و ما صيد صيد في بر و لا بحر إلا بتركه التسبيح في ذلك اليوم، و إن أحب الناس إلى اللّٰه أسخاهم كفا و أسخى الناس من أدى زكاة ماله و لم يبخل على المؤمنين بما افترض اللّٰه تعالى لهم في ماله».

و روى في الفقيه مرسلا (2) قال:

«كتب علي بن موسى الرضا (عليه السلام) إلى محمد ابن سنان في ما كتب من جواب مسائله: إن علة الزكاة من أجل قوت الفقراء و تحصين أموال الأغنياء لأن اللّٰه عز و جل كلف أهل الصحة القيام بشأن أهل الزمانة و البلوى كما قال اللّٰه تعالى

«لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوٰالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ» (3)

في أموالكم إخراج الزكاة و في أنفسكم توطين النفس على الضر، مع ما في ذلك من أداء شكر نعم اللّٰه تعالى و الطمع في الزيادة، مع ما فيه من الزيادة و الرأفة و الرحمة لأهل الضعف و العطف على أهل المسكنة و الحث لهم على المواساة و تقوية الفقراء و المعونة لهم على أمر الدين و هو عظة لأهل الغنى و عبرة لهم ليستدلوا على فقر الآخرة بهم، و ما لهم من الحث في ذلك على الشكر لله تعالى لما خولهم و أعطاهم و الدعاء و التضرع و الخوف من أن يصيروا مثلهم في أمور كثيرة في أداء الزكاة و الصدقات و صلة الأرحام و اصطناع

____________

(1) الوسائل الباب 1 من ما تجب فيه الزكاة.

(2) الوسائل الباب 1 من ما تجب فيه الزكاة.

(3) سورة آل عمران الآية 186.

12

المعروف».

إلى غير ذلك من الأخبار.

الفصل السادس- في أنه هل يجب في المال حق آخر سوى الزكاة أم لا؟

المشهور الثاني، و نقل عن الشيخ في الخلاف الأول حيث قال: يجب في المال حق سوى الزكاة المفروضة و هو ما يخرج يوم الحصاد من الضغث بعد الضغث و الحفنة بعد الحفنة يوم الجذاذ. و احتمله السيد المرتضى في الإنتصار.

احتج الشيخ (قدس سره) بإجماع الفرقة و أخبارهم (1) و قوله تعالى «وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصٰادِهِ» (2).

و أجيب بمنع انعقاد الإجماع على الوجوب بل على الرجحان المطلق الشامل للندب أيضا. و عن الأخبار بمنع دلالتها على الوجوب.

و عن الآية بوجهين: أحدهما- أنه يجوز أن يكون المراد بالحق الزكاة المفروضة كما ذكره جمع من المفسرين بأن يكون المعنى فاعزموا على أداء الحق يوم الحصاد و اهتموا به حتى لا تؤخروه عن أول أوقات الإمكان. و أيد ذلك بأن قوله تعالى «وَ آتُوا حَقَّهُ» إنما يحسن إذا كان الحق معلوما قبل ورود هذه الآية.

الثاني- أن الأمر محمول على الاستحباب، و يدل عليه

ما رواه الكليني عن معاوية بن شريح (3) قال:

«سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول في الزرع حقان حق تؤخذ به و حق تعطيه. قلت: و ما الذي أوخذ به و ما الذي أعطيه؟ قال أما الذي تؤخذ به فالعشر و نصف العشر، و أما الذي تعطيه فقول اللّٰه عز و جل

«وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصٰادِهِ»

يعني من حصدك الشيء بعد الشيء، و لا أعلمه إلا قال الضغث ثم الضغث حتى يفرغ».

و ما رواه عن زرارة و محمد بن مسلم و أبي بصير- في الصحيح أو الحسن على

____________

(1) الوسائل الباب 13 من زكاة الغلات.

(2) سورة الأنعام الآية 141.

(3) الوسائل الباب 13 من زكاة الغلات.

13

المشهور- عن أبي جعفر (عليه السلام) (1)

«في قول اللّٰه عز و جل

وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصٰادِهِ

؟

فقالوا جميعا قال أبو جعفر (عليه السلام) هذا من الصدقة تعطى المساكين القبضة بعد القبضة و من الجذاذ الحفنة بعد الحفنة حتى تفرغ. الحديث».

أقول: و الذي وقفت عليه من الأخبار زيادة على ما ذكر

ما نقل عن السيد المرتضى (قدس سره) في الإنتصار (2) أنه قال:

«روي عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى

«وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصٰادِهِ»

فقال ليس ذلك الزكاة أ لا ترى أنه قال

وَ لٰا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لٰا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ

؟»

(3)

.

قال المرتضى (قدس سره) و هذه نكتة منه (عليه السلام) مليحة لأن النهي عن السرف لا يكون إلا في ما ليس بمقدر و الزكاة مقدرة.

و ما رواه الثقة الجليل علي بن إبراهيم في تفسيره في الصحيح عن شعيب العقرقوفي (4) قال:

«سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن قوله عز و جل

وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصٰادِهِ

؟ قال الضغث من السنبل و الكف من التمر إذا خرص. قال: و سألته هل يستقيم إعطاؤه إذا أدخله؟ قال: لا هو أسخى لنفسه قبل أن يدخله بيته».

و روى فيه في الصحيح عن سعد بن سعد عن الرضا (عليه السلام) (5) قال:

«قلت له إن لم يحضر المساكين و هو يحصد كيف يصنع؟ قال ليس عليه شيء».

و ظاهر هذه الأخبار المذكورة هو الاستحباب، أما رواية معاوية بن شريح فهي ظاهرة في ذلك لأن مقابلة الحق الذي يعطيه بالذي يؤخذ به ظاهر في أنه لا يؤخذ بهذا الحق الذي يعطيه، و المتبادر من الأخذ به العقاب على تركه و هو هنا كناية عن الوجوب و الإلزام به شرعا.

و أما ما ذكره الفاضل الخراساني في الذخيرة- حيث مال إلى الوجوب في هذه المسألة من أن المراد من قوله «تؤخذ به» يعني الأخذ في الدنيا لأن الإمام

____________

(1) الوسائل الباب 13 من زكاة الغلاة.

(2) ص 21.

(3) سورة الأنعام الآية 141.

(4) الوسائل الباب 13 من زكاة الغلاة.

(5) الوسائل الباب 13 من زكاة الغلاة.

14

يأخذ الزكاة من أصحاب الأموال بخلاف حق الحصاد فإنه أمر بينه و بين اللّٰه و إن عصى بالترك بناء على الوجوب- فتعسفه ظاهر لأنه لو كان المراد أنما هو أخذ الإمام لكان حق العبارة أن يقال «يؤخذ منه» كما لا يخفى على الممارس لكلام البلغاء بل هذه العبارة إنما ترمى في مقام المؤاخذة بالترك و المعاقبة، قال في المصباح المنير و أخذه بذنبه عاقبه عليه.

و أما صحيحة الفضلاء الثلاثة فظاهر الصدقة فيها إنما هو بمعنى الصدقة المستحبة و أما صحيحة شعيب العقرقوفي فهي ظاهرة في أنه متى أدخله بيته سقط الحكم عنه و لو كان واجبا لم يكن كذلك. و أما صحيحة سعد بن سعد فأظهر، فإنها دلت على أنه لو لم يحضره أحد من المساكين وقت الحصاد فلا شيء عليه و الفرض الواجب إخراجه لا يتفاوت بين حضور مستحقه و لا غيبته.

و بذلك يظهر لك ما في كلام الفاضل المتقدم ذكره حيث إنه مال إلى الوجوب استنادا إلى ظاهر الآية، و لا ريب أن الآية مخصصة بالأخبار المذكورة كما هو القاعدة الجارية في غير موضع من الأحكام.

و لا بأس بنقل بعض الأخبار المتعلقة بهذه المسألة،

روى ثقة الإسلام (قدس سره) في الحسن عن أبي بصير المرادي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال:

«لا تصرم بالليل و لا تحصد بالليل و لا تضح بالليل و لا تبذر بالليل فإنك إن فعلت ذلك لم يأتك القانع و المعتر. فقلت و ما القانع و المعتر؟ قال القانع الذي يقنع بما أعطيته و المعتر الذي يمر بك فيسألك. و إن حصدت بالليل لم يأتك السؤال و هو قول اللّٰه عز و جل

«وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصٰادِهِ»

عند الحصاد يعني القبضة بعد القبضة إذا حصدته و إذا خرج فالحفنة بعد الحفنة، و كذلك عند الصرام و كذلك عند البذر، و لا تبذر بالليل لأنك تعطي من البذر كما تعطي في الحصاد».

و عن ابن أبي نصر في الصحيح عن أبي الحسن (عليه السلام) (2) قال:

«سألته عن

____________

(1) الوسائل الباب 14 من زكاة الغلات.

(2) الوسائل الباب 16 من زكاة الغلات.

15

قول اللّٰه عز و جل

«وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصٰادِهِ وَ لٰا تُسْرِفُوا»

قال كان أبي يقول من الإسراف في الحصاد و الجذاذ أن يصدق الرجل بكفيه جميعا، و كان أبي إذا حضر شيئا من هذا فرأى أحدا من غلمانه يتصدق بكفيه صاح به أعط بيد واحدة القبضة بعد القبضة و الضغث بعد الضغث من السنبل».

و من ما يدخل في سلك هذا النظام

ما رواه في الكافي عن يونس أو غيره عن من ذكره عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال:

«قلت جعلت فداك بلغني أنك كنت تفعل في غلة عين زياد شيئا و أنا أحب أن أسمعه منك قال فقال لي نعم كنت آمر إذا أدركت الثمرة أن يثلم في حيطانها الثلم ليدخل الناس و يأكلوا، و كنت آمر في كل يوم أن يوضع عشر بنيات يقعد على كل بنية عشرة كلما أكل عشرة جاء عشرة أخرى يلقى لكل نفس منهم مد من رطب، و كنت آمر لجيران الضيعة كلهم الشيخ و العجوز و المريض و الصبي و المرأة و من لا يقدر أن يجيء فيأكل منها لكل إنسان منهم مدا فإذا كان الجذاذ أوفيت القوام و الوكلاء و الرجال أجرتهم و أحمل الباقي إلى المدينة ففرقت في أهل البيوتات و المستحقين الراحلتين و الثلاثة و الأقل و الأكثر على قدر استحقاقهم، و حصل لي بعد ذلك أربعمائة دينار و كان غلتها أربعة آلاف دينار».

الفصل السابع

- الظاهر أنه لا يجب في المال حق زيادة على الزكاة و الخمس اتفاقا و ما تقدم من حق الحصاد على القول به. إلا أن الصدوق قال في الفقيه قال اللّٰه تعالى «وَ الَّذِينَ فِي أَمْوٰالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّٰائِلِ وَ الْمَحْرُومِ» (2) فالحق المعلوم غير الزكاة و هو شيء يفرضه الرجل على نفسه أنه في ماله و نفسه و يجب أن يفرضه على قدر طاقته و وسعه. و ربما ظهر من هذه العبارة الوجوب.

و يؤيده

ما رواه في الكافي في الموثق عن سماعة بن مهران عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال:

«إن اللّٰه عز و جل فرض للفقراء في أموال الأغنياء فريضة لا يحمدون

____________

(1) الوسائل الباب 18 من زكاة الغلات.

(2) سورة المعارج الآية 24 و 25.

(3) الوسائل الباب 4 و 7 من ما تجب فيه الزكاة.

16

إلا بأدائها و هي الزكاة، بها حقنوا دماءهم و بها سموا مسلمين، و لكن اللّٰه عز و جل فرض في أموال الأغنياء حقوقا غير الزكاة فقال عز و جل

«وَ الَّذِينَ فِي أَمْوٰالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّٰائِلِ وَ الْمَحْرُومِ»

فالحق المعلوم غير الزكاة و هو شيء يفرضه الرجل على نفسه في ماله يجب عليه أن يفرضه على قدر طاقته و سعة ماله فيؤدي الذي فرض على نفسه إن شاء في كل يوم و إن شاء في كل جمعة و إن شاء في كل شهر. الحديث».

و في الصحيح أو الحسن عن أبي بصير (1) قال:

«كنا عند أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و معنا بعض أصحاب الأموال فذكروا الزكاة فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) إن الزكاة ليس يحمد بها صاحبها و إنما هو شيء ظاهر إنما حقن بها دمه و سمي بها مسلما و لو لم يؤدها لم تقبل له صلاة، و إن عليكم في أموالكم غير الزكاة. فقلت أصلحك اللّٰه تعالى و ما علينا في أموالنا غير الزكاة؟ فقال سبحان اللّٰه أ ما تسمع اللّٰه عز و جل يقول في كتابه

«وَ الَّذِينَ فِي أَمْوٰالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّٰائِلِ وَ الْمَحْرُومِ؟» (2)

قال قلت فما ذا الحق المعلوم الذي علينا؟

قال هو الشيء يعلمه الرجل في ماله يعطيه في اليوم أو في الجمعة أو في الشهر قل أو كثر غير أنه يدوم عليه».

و عن عامر بن جذاعة (3) قال:

«جاء رجل إلى أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فقال يا أبا عبد اللّٰه قرض إلى ميسرة فقال له أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) إلى غلة تدرك؟ فقال الرجل لا و اللّٰه. قال فإلى تجارة تئوب؟ قال لا و اللّٰه. قال فإلى عقدة تباع؟ قال لا و اللّٰه. فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) فأنت ممن جعل اللّٰه له في أموالنا حقا ثم دعا بكيس فيه دراهم فأدخل يده فيه فناوله منه قبضة ثم قال له اتق اللّٰه تعالى و لا تسرف و لا تقتر و لكن بين ذلك قواما. الحديث».

إلا أنه

قد روى في الكافي أيضا عن القاسم بن عبد الرحمن الأنصاري (4) قال:

«سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول إن رجلا جاء إلى علي بن الحسين (عليه السلام) فقال له

____________

(1) الوسائل الباب 7 من ما تجب فيه الزكاة.

(2) سورة المعارج الآية 24 و 25.

(3) الوسائل الباب 7 من ما تجب فيه الزكاة.

(4) الوسائل الباب 7 من ما تجب فيه الزكاة.

17

أخبرني عن قول اللّٰه عز و جل

«وَ الَّذِينَ فِي أَمْوٰالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّٰائِلِ وَ الْمَحْرُومِ»

ما هذا الحق المعلوم؟ فقال له علي بن الحسين (عليه السلام) الحق المعلوم الشيء تخرجه من مالك ليس من الزكاة و لا من الصدقة المفروضتين. فقال إذا لم يكن من الزكاة و لا من الصدقة فما هو؟ قال هو الشيء يخرجه الرجل من ماله إن شاء أكثر و إن شاء أقل على قدر ما يملك.

فقال له الرجل فما يصنع به؟ قال يصل به رحما و يقوي به ضعيفا و يحمل به كلا و يصل به أخا له في اللّٰه أو لنائبة تنوبه. فقال الرجل اللّٰه أعلم حيث يجعل رسالته».

و الخبر كما ترى ظاهر في الاستحباب و وجه الجمع بينه و بين ما تقدمه حمل الأخبار المتقدمة الثلاثة على تأكد الاستحباب و مثله في الأخبار غير عزيز، و يؤيده بعض الأخبار الدالة على أنه إذا أدى العبد زكاة ماله لم يسأله اللّٰه تعالى عما سواها.

ثم إنه ينبغي أن يعلم أنه لما كانت الزكاة منها ما يتعلق بالمال في جميع الأعوام على الشروط الآتية في المقام، و منها ما يتعلق بالفطر من الصيام على الوجوه المذكورة في أخبارهم (عليهم السلام) فالكلام فيها يقع في بابين:

الباب الأول- في الزكاة المتعلقة بالمال

، ثم إن زكاة المال لما كان وجوبها مخصوصا ببعض المكلفين دون بعض و في بعض الأموال دون بعض و مصرفها مقصورا على مصارف مخصوصة فالكلام في هذا الباب يقع في مقاصد ثلاثة:

المقصد الأول- في من تجب عليه

و هو البالغ العاقل الحر المالك للنصاب المتمكن من التصرف فيه، فهاهنا شروط خمسة:

الشرط الأول و الثاني- البلوغ و العقل

، فأما اشتراطهما بالنسبة إلى النقدين فالظاهر أنه لا خلاف فيه، و يدل عليه

حديث

رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ و المجنون حتى يفيق

(1)

.

و قد ورد في جملة من الأخبار الصحاح الصراح أنه ليس في مال اليتيم زكاة (2) و في بعضها ليس في العين و الصامت شيء (3)

و في صحيحة

____________

(1) الوسائل الباب 4 من مقدمة العبادات و سنن أبي داود ج 4 ص 141 حد الزنا.

(2) الوسائل الباب 1 و 2 ممن تجب عليه الزكاة.

(3) التهذيب ج 1 ص 356 و في الوسائل الباب 1 ممن تجب عليه الزكاة.

18

عبد الرحمن بن الحجاج أو حسنته (1) في مال المجنون

«إن كان عمل به فعليه زكاة و إن لم يعمل به فلا».

و نحوها أخبار أخر.

إنما الخلاف بالنسبة إلى الغلات و المواشي، فالمشهور بين المتأخرين عدم الوجوب، و أوجب الشيخان و أبو الصلاح و ابن البراج الزكاة في غلات الأطفال و المجانين و مواشيهم، و قال السيد المرتضى في المسائل الناصرية: الصحيح عندنا أنه لا زكاة في مال الصبي من العين و الورق و أما الزرع و الضرع فقد ذهب أكثر أصحابنا (رضوان الله عليهم) إلى أن الإمام يأخذ منه الصدقة. و هو مؤذن بشهرة القول بذلك بين المتقدمين.

و يدل على الأول

موثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال:

«سمعته يقول ليس في مال اليتيم زكاة و ليس عليه صلاة و ليس على جميع غلاته من نخل أو زرع أو غلة زكاة، و إن بلغ فليس عليه لما مضى زكاة و لا عليه لما يستقبل حتى يدرك فإذا أدرك كانت عليه زكاة واحدة و كان عليه مثل ما على غيره من الناس».

و أجاب الشيخ عن هذا الخبر بالبعد.

و يدل على القول الثاني

صحيحة زرارة و محمد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه (عليهما السلام) (3) أنهما قالا

«مال اليتيم ليس عليه في العين و الصامت شيء فأما الغلات فإن عليها الصدقة واجبة».

و أجاب عنها جملة من المتأخرين بالحمل على الاستحباب، و أيده بعضهم بأن لفظ الوجوب في الأخبار أعمّ من المعنى المصطلح فإنه كثيرا ما يرد بمعنى مجرد الثبوت أو تأكد الاستحباب، فيجب حمل هذه الصحيحة على تأكد الاستحباب أو ثبوته جمعا بين الأدلة.

أقول: فيه (أولا) أن ما ذكروه من أن لفظ الوجوب في الأخبار أعمّ من

____________

(1) الوسائل الباب 3 ممن تجب عليه الزكاة.

(2) التهذيب ج 1 ص 356 و في الوسائل الباب 1 ممن تجب عليه الزكاة.

(3) التهذيب ج 1 ص 356 و في الوسائل الباب 1 ممن تجب عليه الزكاة.

19

المعنيين المذكورين متجه، إلا أنه متى كان الأمر كذلك فإنه يصير لفظ الوجوب في الأخبار من قبيل اللفظ المشترك الذي لا يحمل على أحد معنييه إلا مع القرينة، و مجرد اختلاف الأخبار و وجود هذه الرواية في مقابلة هذه الصحيحة لا يكون قرينة على الاستحباب. و بالجملة فإن الجمع المذكور غير تام و إن اشتهر بينهم الجمع بين الأخبار بذلك في كل موضع و أنه قاعدة كلية في جميع أبواب الفقه في مقام اختلاف الأخبار إلا أنه لا دليل عليه. و أيضا فإنه متى قيل بالاستحباب و جواز التصرف في مال اليتيم فالقول بالوجوب وقوفا على ظاهر الصحيحة المذكورة أحوط و أولى كما لا يخفى.

و ثانيا- أن الأظهر هو حمل الصحيحة المذكورة على التقية فإن الوجوب مذهب الجمهور كما نقله العلامة في المنتهى حيث قال: و اختلف علماؤنا في وجوب الزكاة في غلات الأطفال و المجانين فأثبته الشيخان و أتباعهما و به قال فقهاء الجمهور و نقلوه أيضا عن علي و الحسن بن علي (عليهما السلام) و جابر بن زيد و ابن سيرين و عطاء و مجاهد و إسحاق و أبي ثور (1) انتهى.

أقول: و من ما يؤيد القول الأول إطلاق جملة من الأخبار بأنه ليس في مال اليتيم زكاة، و ظاهر قوله عز و جل «خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا» (2) و هو كناية عن ما يوجب محو الذنوب و الآثام و هذا إنما يترتب على البالغ و منه يظهر قوة القول المشهور.

و أنت خبير بأن ظاهر الصحيحة التي هي مستند الشيخين و أتباعهما إنما دل على الغلات خاصة و أما المواشي فلا دلالة فيه عليها و ليس غير ذلك في الباب،

____________

(1) المغني ج 2 ص 602 و حكى فيه أيضا عن الحسن و سعيد بن المسيب و سعيد بن جبير و أبي وائل و النخعي و أبي حنيفة القول بعدم وجوب الزكاة في أموالهما كما حكي عن ابن مسعود و الثوري و الأوزاعي أنها تجب و لا تخرج حتى يبلغ الصبي و يفيق المعتوه.

(2) سورة التوبة الآية 103.

20

و مورد النص المذكور إنما هو اليتيم و أما المجنون فلا نص فيه مع أن المنقول عنهم القول بالوجوب في الموضعين، و منه يظهر أن حكم المتأخرين بالاستحباب في الموضعين المذكورين للتفصي من خلاف الشيخين لا معنى له، فإن الاستحباب حكم شرعي كالوجوب و التحريم يتوقف على الدليل و مجرد وجود الخلاف و لا سيما إذا لم يكن عن دليل لا يصلح لأن يكون مستندا، و كذا حكمهم بالاستحباب في غلات اليتيم، و متى حملنا الصحيحة المذكورة على التقية كما هو الظاهر فإنه لا وجه للاستحباب حينئذ

[تنبيهات]

و ينبغي التنبيه على أمور:

الأول [هل يعتبر في الزكاة استمرار البلوغ و العقل طول الحول؟]

- إن ظاهر كلام جملة من المتأخرين بالنسبة إلى شرط الكمال الذي هو عبارة عن البلوغ و العقل اعتبار استمرار الشرط المذكور طول الحول ليترتب عليه بعد ذلك الخطاب بوجوب الزكاة بمعنى أنه يستأنف الحول من حين البلوغ.

و ناقش في ذلك بعض أفاضل متأخري المتأخرين قائلا إن إثبات ذلك بحسب الدليل لا يخلو من إشكال، إذ المستفاد من الأدلة عدم وجوب الزكاة ما لم يبلغ و هو غير مستلزم لعدم الوجوب حين البلوغ بسبب الحول السابق بعضه عليه إذ لا يستفاد من أدلة اشتراط الحول كونه في زمان التكليف.

أقول: فيه (أولا) إن ظاهر قوله (عليه السلام) في موثقة أبي بصير المتقدمة «و إن بلغ فليس عليه لما مضى زكاة» هو أنه غير مخاطب بالزكاة بالنسبة إلى الأموال التي ملكها قبل البلوغ أعمّ من أن يكون قد حال عليها أحوال عديدة أو مضى عليها حول إلا أياما قلائل، فإن لفظ «ما مضى» شامل للجميع و أنه لا يتعلق بما كان كذلك زكاة، و الظاهر أن هذا هو الذي فهمه الأصحاب و عليه بني ما ذكروه من الحكم المذكور. و أما قوله في الخبر «و لا عليه لما يستقبل زكاة حتى يدرك» فإن جعل معطوفا على الجزاء كما هو الظاهر فلا بد من حمل الإدراك على غير معنى البلوغ لينتظم الكلام لأن الشرط المرتب عليه الكلام أولا هو البلوغ فلا معنى لجعله هنا غاية، بل يكون المعنى أنه إذا بلغ فليس عليه زكاة لما يستقبل في تلك الأموال التي ملكها أولا حتى يدرك الحول

21

فإذا أدرك الحول كانت عليه زكاة باعتبار مضي الحول عليه كذلك، و إن جعل جملة مستقلة مع بعده يكون المعنى أنه ليس عليه لما يستقبل من الزمان زكاة متى حال الحول عليه حتى يحول عليه و هو مدرك بالغ فإذا حال عليه و هو كذلك وجبت زكاة واحدة.

و (ثانيا)- أن ما ذكره من أن أدلة الحول لا يستفاد منها اشتراط كون الحول في زمن التكليف إن أريد به أنه لم يصرح بذلك فيها فهو مسلم لكن المفهوم من جملة منها ذلك، فإنه يستفاد منها صريحا في بعض و ظاهرا في آخر أنه لا بد في وجوب الزكاة على المكلف أن يحول الحول على النصاب عنده و في يده كما في روايات الدين و روايات المال الغائب (1) و المتبادر من كونه عنده و في يده هو التصرف فيه كيف شاء و هو المشار إليه في تلك الشروط بإمكان التصرف، و لا ريب أن المال بالنسبة إلى الطفل محجور عليه ليس عنده و لا في يده. و بالجملة فإن قيد إمكان التصرف المشترط في وجوب الزكاة و أنه لا بد أن يحول عليه الحول متمكنا من التصرف من ما ينفي وجوب الزكاة في الصورة المفروضة على الطفل حتى يبلغ و يحول عليه الحول في يده.

الثاني [المراد باليتيم]

- لا ريب أن الذي اشتملت عليه روايات المسألة كما سمعت من ما نقلناه منها و كذا ما لم ننقله إنما هو التعبير باليتيم و هو لغة و شرعا من لا أب له، و الأصحاب هنا كملا من غير خلاف يعرف أرادوا به المتولد حيا ما لم يبلغ و إن كان بين أبويه، و أكثرهم إنما يعبر بالصبي، و خصوصية اليتم غير مرادة في كلامهم و الظاهر أن التعبير بهذه العبارة في الأخبار خرج مخرج الغالب من عدم الملك للطفل إلا من جهة موت الأب. و بالجملة فإنه لا إشكال في إرادة المعنى الأعم، لأن المفهوم من الأخبار أن هذه العبارة وقعت في مقابلة البلوغ، و يؤيده التعبير في بعض أخبار التجارة بغير هذه العبارة من ما يحمل على المعنى الأعم.

الثالث [هل يزكى مال اليتيم و المجنون إذا اتجر به الولي؟]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) باستحباب الزكاة في مال

____________

(1) الوسائل الباب 6 ممن تجب عليه الزكاة.

22

اليتيم و المجنون إذا اتجر به الولي لهما، و ظاهر الشيخ المفيد في المقنعة الوجوب إلا أن الشيخ في التهذيب حمل كلامه على الاستحباب محتجا بأن المال لو كان لبالغ و اتجر به لما وجبت فيه الزكاة فالطفل أولى. و نقل عن ابن إدريس نفي الوجوب و الاستحباب، و إليه مال السيد السند في المدارك.

حجة القول المشهور على عدم الوجوب الأخبار الآتية في زكاة التجارة المؤيدة بالأصل، و على الاستحباب أخبار عديدة: منها-

حسنة محمد بن مسلم (1) قال:

«قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) هل على مال اليتيم زكاة؟ قال لا إلا أن يتجر به أو يعمل به».

و ما رواه في الكافي عن سعيد السمان (2) قال:

«سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول ليس في مال اليتيم زكاة إلا أن يتجر به فإن اتجر به فالربح لليتيم و إن وضع فعلى الذي يتجر به».

و ما رواه في الموثق عن يونس بن يعقوب (3) قال:

«أرسلت إلى أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) إن لي إخوة صغارا فمتى تجب على أموالهم الزكاة؟ فقال إذا وجبت عليهم الصلاة وجبت عليهم الزكاة. قلت فما لم تجب عليهم الصلاة؟ قال إذا اتجر به فزكه».

و ما رواه في التهذيب عن أحمد بن عمر بن أبي شعبة عن أبيه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4)

«أنه سئل عن مال اليتيم فقال لا زكاة عليه إلا أن يعمل به».

و ما رواه عن محمد بن الفضيل (5) قال:

«سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن صبية صغار لهم مال بيد أبيهم أو أخيهم هل يجب على مالهم زكاة؟ فقال لا يجب في مالهم زكاة حتى يعمل به فإذا عمل به وجبت الزكاة فأما إذا كان موقوفا فلا زكاة عليه».

و يدل على ذلك بالنسبة إلى المجنون

ما رواه الكليني في الصحيح عن

____________

(1) الوسائل الباب 2 ممن تجب عليه الزكاة.

(2) الوسائل الباب 2 ممن تجب عليه الزكاة.

(3) الوسائل الباب 1 ممن تجب عليه الزكاة.

(4) الوسائل الباب 1 ممن تجب عليه الزكاة.

(5) الوسائل الباب 2 ممن تجب عليه الزكاة.

23

عبد الرحمن بن الحجاج (1) قال:

«قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) امرأة من أهلنا مختلطة أ عليها زكاة؟ فقال إن كان عمل به فعليها زكاة و إن لم يعمل به فلا».

و عن موسى بن بكر (2) قال:

«سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن امرأة مصابة و لها مال في يد أخيها فهل عليه زكاة؟ فقال إن كان أخوها يتجر به فعليه زكاة».

و أنت خبير بأن ظاهر هذه الأخبار هو الوجوب كما نقل عن الشيخ المفيد و لكن الشيخ و من تبعه من الأصحاب كما هو المشهور لما اتفقوا على الاستحباب في مال التجارة و هذه المسألة من أفراد تلك المسألة حكموا بالاستحباب هنا، و سيأتي في زكاة التجارة ما في المسألة من الإشكال.

و قال بعض المحققين من متأخري المتأخرين: و الظاهر أن للولي الأجرة في الصورة المذكورة إن لم يتبرع و له المضاربة أيضا و كل ذلك مع المصلحة. و لا إشكال في صحة ما ذكره (قدس سره).

و يدل عليه

رواية أبي الربيع (3) قال:

«سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يكون في يده مال لأخ له يتيم و هو وصيه أ يصلح له أن يعمل به؟ قال نعم كما يعمل بمال غيره و الربح بينهما. قال قلت فهل عليه ضمان؟ قال لا إذا كان ناظرا له».

و نقل عن ابن إدريس أنه أنكر جواز أخذ الولي من الربح شيئا في هذه الصورة. و هو اجتهاد في مقابلة النص لكنه بناء على أصله الغير الأصيل صحيح.

و أما القول الآخر و هو ما ذهب إليه ابن إدريس من نفي الزكاة وجوبا و استحبابا فاحتج عليه بأن الروايات الواردة بالاستحباب ضعيفة شاذة أوردها الشيخ في كتبه إيرادا لا اعتقادا.

____________

(1) الوسائل الباب 3 ممن تجب عليه الزكاة.

(2) الوسائل الباب 3 ممن تجب عليه الزكاة.

(3) الوسائل الباب 2 ممن تجب عليه الزكاة.

24

قال في المدارك: و هذا القول جيد على أصله بل لا يبعد المصير إليه لأن ما استدل به على الاستحباب غير نقي الإسناد بل و لا واضح الدلالة أيضا. انتهى.

و فيه نظر: أما ما طعن به من ضعف إسناد هذه الأخبار فمنها حسنة محمد بن مسلم و حسنها إنما هو بإبراهيم بن هاشم الذي اتفق أصحاب هذا الاصطلاح على قبول روايته و أنها لا تقصر عن الصحيح بل عدها في الصحيح جملة من محققي متأخري المتأخرين، و هو أيضا قد عدها في الصحيح في مواضع أشرنا إلى جملة منها في كتاب الطهارة و الصلاة، و منها موثقة يونس بن يعقوب التي ذكرها أيضا و قد تقدم في غير موضع من شرحه عمله بالموثقات المعتضدة بالشهرة بين الأصحاب، و منها أيضا زيادة على ما ذكره

صحيحة زرارة المروية في الفقيه عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال

«ليس في الجوهر و أشباهه زكاة و إن كثر و ليس في نقر الفضة زكاة و لا على مال اليتيم زكاة إلا أن يتجر به فإن اتجر به ففيه الزكاة، و الربح لليتيم و على التاجر ضمان المال».

و من ما يعضدها ما ورد في مال المجنون من الأخبار المتقدمة و رواية موسى بن بكر.

و أما ما طعن به من عدم وضوح الدلالة فهو محل العجب فإن وضوحها في الدلالة على ذلك أوضح من أن ينكر و صراحة مقالاتها في ما هنالك ظاهر لذوي النظر.

و بالجملة فإن رد هذه الأخبار التي ذكرناها من غير معارض في المقام يحتاج إلى مزيد جرأة على الملك العلام و أهل الذكر (عليهم السلام) و هذا أحد مفاسد هذا الاصطلاح الذي هو إلى الفساد أقرب من الصلاح، و لهذا إن الفاضل الخراساني مع اقتفائه أثر السيد المذكور في جل الأحكام و الانتصار لمقالاته في غير مقام نكص عنه هنا حيث قال بعد نقل جل هذه الأخبار ما صورته: و هذه الأخبار

____________

(1) الوسائل الباب 12 من ما تجب فيه الزكاة و 2 ممن تجب عليه الزكاة.

25

واضحة الدلالة على المدعى مع كون أكثرها معتبرا صالحا للحجية و اعتضادها بالشهرة بين الطائفة و عدم خلاف محقق، فلا وجه لتوقف بعض المتأخرين في الحكم المذكور نظرا إلى أن ما استدل به على الاستحباب غير نقي السند و لا واضح الدلالة أيضا. انتهى و بالجملة فإن كلامه (قدس سره) هنا لا يخلو من مجازفة. نعم في المسألة إشكال يأتي ذكره في زكاة التجارة إن شاء اللّٰه تعالى.

الرابع [متى يجوز نقل مال الطفل إلى الذمة و متى لا يجوز؟]

- إنهم صرحوا بأنه يجوز للناظر متى كان وليا مليا أن ينقل المال إلى ذمته و يتجر به لنفسه فيكون الربح له و الزكاة عليه.

و يدل عليه

ما رواه الشيخ عن ربعي بن عبد اللّٰه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1)

«في رجل عنده مال ليتيم؟ فقال إن كان محتاجا و ليس له مال فلا يمس ماله و إن هو اتجر به فالربح لليتيم و هو ضامن».

و ما رواه عن أسباط بن سالم عن أبيه (2) قال:

«سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) قلت أخي أمرني أن أسألك عن مال يتيم في حجره يتجر به؟ فقال إن كان لأخيك مال يحيط بمال اليتيم إن تلف أو أصابه شيء غرمه و إلا فلا يتعرض لمال اليتيم».

و استثنى الأصحاب من غير خلاف يعرف من الولي الذي يشترط في جواز تصرفه الملاءة أن لا يكون أبا أو جدا فجوزوا لهما الاقتراض من مال الطفل مطلقا و استشكله السيد في المدارك، و الظاهر أن ما ذكره الأصحاب هو الأقرب و لا سيما مع اشتراط الضمان لما استفاض في الأخبار أن الولد و ماله لأبيه (3).

و لو اختل أحد الشرطين المتقدمين من الولاية و الملاءة فقد ذكروا أنه يكون ضامنا و الربح لليتيم أو المجنون، و تدل عليه صحيحة ربعي المتقدمة.

____________

(1) الوسائل الباب 75 من ما يكتسب به.

(2) الوسائل الباب 75 من ما يكتسب به. و الراوي في الحديث أسباط بن سالم كما في الفروع ج 1 ص 365، و في التهذيب ج 6 ص 341 الطبع الحديث عن الكليني الراوي أسباط بن سالم عن أبيه كما هنا.

(3) الوسائل الباب 78 من ما يكتسب به.

26

و مثلها

رواية منصور الصيقل عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال:

«سألته عن مال اليتيم يعمل به؟ قال فقال إذا كان عندك مال و ضمنته فلك الربح و أنت ضامن للمال و إن كان لا مال لك و عملت به فالربح للغلام و أنت ضامن للمال».

و أنت خبير بأن ما اشتمل عليه الخبران من الضمان فلا إشكال فيه، لأن التصرف على هذا الوجه منهي عنه شرعا فيكون المتصرف غاصبا عاصيا و الغصب يستلزم الضمان، و إنما الإشكال في ما دلا عليه من أن الربح لليتيم مطلقا فإنه على إطلاقه مخالف لجملة من القواعد الشرعية و الضوابط المرعية، بل لا بد في صحة انتقاله لليتيم أن يقيد بكون الشراء وقع بعين المال لا في الذمة فإنه متى كان بعين المال اقتضى انتقال المبيع إلى الطفل و الربح يتبعه، و لا بد أيضا من تقييده بما إذا كان المشتري وليا أو بإجازة الولي كما صرح به الشهيد و غيره و إلا كان باطلا لأنه تصرف منهي عنه شرعا، بل لا يبعد كما ذكره السيد السند في المدارك توقف الشراء و إن كان من الولي أو بإجازته على الإجازة من الطفل بعد البلوغ، لأن الشراء لم يقع بقصد الطفل ابتداء و إنما أوقعه المتصرف لنفسه فلا ينصرف إلى الطفل بدون الإجازة، قال: و مع ذلك كله يمكن المناقشة في صحة مثل هذا العقد و إن قلنا بصحة العقد الواقع من الفضولي مع الإجازة لأنه لم يقع للطفل ابتداء من غير من إليه النظر في ماله و إنما وقع بقصد التصرف ابتداء على وجه منهي عنه. انتهى و ظاهر الخبرين المتقدمين كما ترى الحكم بانتقال الربح لليتيم مطلقا. و بالجملة فإن الخروج عن مقتضى هذه القواعد إلى العمل بإطلاق الخبرين مشكل و مخالفته أشكل.

الخامس [توجيه الرواية الدالة على عدم وجوب الزكاة في مال الطفل]

- إنه قد اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في استحباب الزكاة في الصورة المتقدمة، فذهب المحقق و العلامة إلى نفيه، و احتج عليه في النهاية بأنه تجارة باطلة،

و بما رواه سماعة في الموثق عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال:

«قلت له الرجل يكون عنده مال اليتيم فيتجر به أ يضمنه؟ قال نعم. قلت فعليه زكاة؟

____________

(1) الوسائل الباب 2 ممن تجب عليه الزكاة.

(2) الوسائل الباب 2 ممن تجب عليه الزكاة.

27

قال: لا لعمري لا أجمع عليه خصلتين الضمان و الزكاة».

و أثبته الشيخ و الشهيدان و المحقق الشيخ علي لعموم الأدلة السابقة.

قال بعض فضلاء متأخري المتأخرين: و يمكن الجمع بين هذه الرواية و العمومات السابقة إما بتخصيص الأخبار السابقة بصورة يكون الاتجار لليتيم و تخصيص هذه بغيرها و إما بحمل هذه الرواية على نفي الوجوب أو الاستحباب المؤكد. انتهى.

أقول: الظاهر هو الأول و الحمل الثاني بعيد غاية البعد، و ذلك فإن صحيحة ربعي المتقدمة و مثلها رواية منصور الصيقل قد دلتا على أن الربح لليتيم و من الظاهر أن الربح تابع للأصل، و متى كان أصل المبيع لليتيم و ربحه له فلا وجه لجعل الزكاة على المتصرف في مال اليتيم، هذا إن عملنا على إطلاق الخبرين المذكورين، و إن خصصناهما كما تقدم يرجع الكلام إلى صورة ما إذا اشترى في الذمة حيث إن المبيع ينتقل له و الربح له و إن كان تصرفه في الثمن محرما، و في دخول هذه الصورة تحت تلك العمومات نظر لأن ظاهر قولهم (عليهم السلام) «ليس في مال اليتيم زكاة إلا أن يتجر به» لا يصدق على هذه الفروض التي اشتراها في الذمة فإنها ليست مال اليتيم و إنما هي مال المشتري. و بالجملة فإن الاتجار بمال اليتيم إنما يصدق في ما إذا اشترى لليتيم بعين ماله أو شرى في الذمة نيابة و ولاية عنه و دفع الثمن من ماله و ما عدا ذلك فلا يدخل تحت عمومات تلك الأخبار إلا على وجه المجاز البعيد.

السادس [هل تجب الزكاة على المجنون الأدواري حال الإفاقة؟]

- ما تقدم من الحكم بسقوط الزكاة عن المجنون من ما لا إشكال فيه لو كان الجنون مطبقا أما لو اعتراه أدوارا فهل يكون حكمه كذلك أو يتعلق به الوجوب في حال الإفاقة؟ صرح العلامة في التذكرة و النهاية بالأول، قال في التذكرة: لو كان الجنون يعتوره أدوارا اشترط الكمال طول الحول فلو جن في أثنائه سقط و استأنف من حين عوده. و استقرب في المدارك تعلق الوجوب به في حال الإفاقة، قال إذ لا مانع من توجه الخطاب إليه في تلك الحال. و المسألة

28

محل إشكال و إن كان الأقرب ما ذكره العلامة (قدس سره) لما قدمناه قريبا من أن المستفاد من أدلة الحول الدالة على أنه يشترط أن يحول عليه الحول عند ربه و في يد مالكه- كما سيأتي إن شاء اللّٰه تعالى في موضعها- هو إمكان التصرف مدة الحول و في أي وقت شاء، و هذا لا يجري في ذي الأدوار لأنه في حال الجنون يخرج عن مصداق هذه الأخبار كما لا يخفى على الناظر بعين التفكر و الاعتبار.

الشرط الثالث- الحرية

و لا خلاف بين الأصحاب في ذلك مع القول بعدم ملكه، بل الظاهر أنه لا وجه لهذا الشرط على هذا التقدير لأن اشتراط الملك يقوم مقامه، إنما الخلاف على تقدير ملكه كما هو الأصح و عليه دلت جملة من الأخبار و به صرح جملة من الأصحاب من ملكه أرش الجناية و فاضل الضريبة و ما وهبه سيده، و المشهور عدم الوجوب و قيل بالوجوب و نقل عن المعتبر و المنتهى و المعتمد الأول

لصحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال:

«ليس في مال المملوك شيء و لو كان له ألف ألف و لو احتاج لم يعط من الزكاة شيئا».

و صحيحته الأخرى عنه (عليه السلام) (2) قال:

«سأله رجل و أنا حاضر عن مال المملوك أ عليه زكاة؟ فقال لا و لو كان له ألف ألف درهم، و لو احتاج لم يكن له من الزكاة شيء».

و موثقة إسحاق بن عمار (3) قال

«قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) ما تقول في رجل يهب لعبده ألف درهم أو أقل أو أكثر. إلى أن قال قلت: فعلى العبد أن يزكيها إذا حال عليه الحول؟ قال لا إلا أن يعمل له فيها، و لا يعطي العبد من الزكاة شيئا».

قيل: إن عدم الزكاة عليه في هذه الأخبار إنما هو من حيث حجر المولى عليه فلو صرفه و أذن له و أزال عنه الحجر وجب عليه، و هو غير بعيد

لما رواه في كتاب قرب الإسناد عن عبد اللّٰه بن الحسن عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (4) قال:

«ليس على المملوك زكاة إلا بإذن مواليه».

____________

(1) الوسائل الباب 4 ممن تجب عليه الزكاة.

(2) الوسائل الباب 4 ممن تجب عليه الزكاة.

(3) الوسائل الباب 4 ممن تجب عليه الزكاة.

(4) الوسائل الباب 4 ممن تجب عليه الزكاة.

29

و حمل في الوسائل هذه الرواية على الاستحباب، و الظاهر أن الموجب لهذا الحمل إنما هو عدم وجود القائل بمضمونها مع أنك قد عرفت القول بوجوب الزكاة على العبد مطلقا، و هو جيد لو لا ورود هذه الأخبار التي ذكرناها عملا بعموم الأخبار الدالة على وجوب الزكاة على من ملك النصاب (1) و حينئذ فيمكن تخصيص هذه الأخبار الدالة على عدم وجوب الزكاة على العبد في ما يملكه بهذه الرواية فإن ظاهرها الوجوب مع إذن السيد، و كيف كان فلا ريب أنه الأحوط.

ثم لا يخفى أن ظاهر الأخبار المذكورة هو سقوط الزكاة عن المملوك مطلقا مكاتبا كان أو غير مكاتب، نعم يخرج منه المكاتب المطلق إذا تحرر منه شيء و بلغ نصيب جزئه الحر نصابا لدخوله تحت العمومات الدالة على من ملك النصاب مع شرط الحرية، و لو لا الاتفاق على الحكم المذكور لأمكن المناقشة في دخوله تحت العمومات المذكورة، فإن تلك العمومات إنما ينصرف إطلاقها إلى الأفراد الشائعة المتكثرة و هي من كان رقا بتمامه لا من تبعض بأن صار بعضه رقا و بعضه حرا فإنه من الفروض النادرة.

و جملة من الأصحاب إنما استدلوا على سقوط الزكاة عن المكاتب

برواية وهب بن وهب القرشي عن جعفر عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (2) قال:

«ليس في مال المكاتب زكاة».

ورد بضعف السند. و الأظهر الاستدلال بما ذكرنا من الأخبار في المقام.

قال في المدارك: و أما السقوط عن المكاتب المشروط و المطلق الذي لم يؤد شيئا فهو المعروف من مذهب الأصحاب، و استدل عليه في المعتبر بأنه ممنوع من التصرف فيه إلا بالاكتساب فلا يكون ملكه تاما، و بما رواه الكليني عن أبي البختري. ثم أورد الرواية المتقدمة ثم قال: و في الدليل الأول نظر و في سند

____________

(1) يستفاد ذلك من أخبار الباب 7 ممن تجب عليه الزكاة من الوسائل.

(2) الوسائل الباب 4 ممن تجب عليه الزكاة.

30

الرواية ضعف، مع أن مقتضى ما نقلناه عن المعتبر و المنتهى من وجوب الزكاة على المملوك إن قلنا بملكه الوجوب على المكاتب بل هو أولى بالوجوب. انتهى.

أقول: ظاهر كلامه أنه باعتبار بطلان الاستدلال المذكور لما ذكره من النظر في الدليلين المذكورين فإنه يقوي القول بالوجوب لعدم الدليل على السقوط و أيد ذلك بما ذهب إليه في المعتبر و المنتهى من الوجوب على المملوك مطلقا فالكاتب أولى.

و فيه (أولا) أن ما نقله عن الكتابين المذكورين في سابق هذه المقالة قد رده بالأخبار المتقدمة فكيف يعتضد به هنا؟

و (ثانيا)- أن الأخبار المتقدمة قد دلت على أنه ليس في مال المملوك شيء و هو أعمّ من المكاتب و غيره، و هي صحيحة صريحة شاملة بعمومها لما نحن فيه فهي الدليل على السقوط عن المكاتب، نعم يخرج منه من تحرر بعضه بما يوجب بلوغ نصيب الحرية نصابا لما ذكره من الأدلة المشار إليها و يبقى الباقي.

و (ثالثا)- أنه كيف يكون المكاتب أولى بالوجوب و أصل القول لا دليل عليه بل الدليل كما عرفت قائم على خلافه فأي معنى لهذه الأولوية. نعم لو كان مجرد كلام المعتبر و المنتهى حجة شرعية أو ناشئا عن دليل اتجه القول بالأولويّة و إن كانت الأحكام الشرعية عندنا لا تبنى على مجرد الأولوية بل على الأدلة الواضحة الجليلة و بالجملة فإن كلامه هنا جار على ما تقدم في غير موضع من الاستعجال و عدم التأمل و التحقيق في ذلك المجال. و اللّٰه العالم.

الشرط الرابع- الملك للنصاب

و عليه اتفاق العلماء كما نقله في المعتبر، و لأن الأخبار الدالة على وجوب الزكاة مصرحة بالملك إذ لا يخاطب بزكاة ما لا يملكه.

و قد فرعوا على هذا الشرط فروعا: منها- ما لو وهب له نصاب لم يجر في الحول إلا بعد القبض، و هو مبني على أن القبض شرط في صحة الهبة كما هو أحد القولين لا في اللزوم كما هو القول الآخر، فعلى القول الثاني لا يعتبر حصول القبض في

31

جريان الموهوب في الحول بل المعتبر من حين الهبة التي بها حصل الملك، نعم يخرج هذا بقيد التمكن من التصرف كما سيأتي.

و منها- ما لو استقرض مالا و كانت عينه باقية عند المقترض فإنه يجري في الحول من حين القبض الذي حصل به الملك على المشهور، و أما على مذهب الشيخ من أن القرض لا يملك إلا بالتصرف فلا يجب فيه شيء و إن بقي أحوالا، و الأخبار صريحة في وجوب الزكاة في مال القرض على المقترض إذا بقي بعينه بعد القرض كما هو المشهور من ملكه بمجرد القبض إلا أن يتبرع المقرض بأداء الزكاة عنه كما دلت عليه

صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1)

«في رجل استقرض مالا فحال عليه الحول و هو عنده؟ فقال إن كان الذي أقرضه يؤدي زكاته فلا زكاة عليه و إن كان لا يؤدي أدى المستقرض».

و اعتبر الشهيد في الإجزاء إذن المستقرض و إطلاق الرواية يدفعه.

و منها- المبيع ذو الخيار خيار حيوان أو خيار شرط للبائع أو المشتري، فإن المشهور أن المبيع ينتقل إلى المشتري من حين البيع، و حينئذ فيجري في الحول من ذلك الوقت، و مذهب الشيخ أنه لا ينتقل إلا بعد مضي الخيار و الحيوان لا ينتقل إلا بعد مضي الثلاثة و ذو الشرط حتى ينقضي الشرط، و على ذلك فلا يدخل في الحول إلا بعد انقضاء الشرط. و قال إن الخيار إذا اختص بالمشتري ينتقل المبيع من ملك البائع بالعقد و لا يدخل في ملك المشتري، و مقتضى ذلك سقوط الزكاة عن البائع و المشتري جميعا. و سيجيء تحقيق هذه المسألة إن شاء اللّٰه تعالى في محلها.

الشرط الخامس- التمكن من التصرف

و هو أيضا من ما لا خلاف فيه في ما أعلم، فلا تجب الزكاة في المفقود و لا الغائب الذي ليس في يد وكيله و نحو ذلك.

و من ما يدل على ذلك

ما رواه في الكافي عن سدير الصيرفي (2) قال:

«قلت

____________

(1) الوسائل الباب 7 ممن تجب عليه الزكاة.

(2) الوسائل الباب 5 ممن تجب عليه الزكاة.

32

لأبي جعفر (عليه السلام) ما تقول في رجل كان له مال فانطلق به فدفنه في موضع فلما حال عليه الحول ذهب ليخرجه من موضعه فاحتفر الموضع الذي ظن أن المال فيه مدفون فلم يصبه فمكث بعد ذلك ثلاث سنين ثم إنه احتفر الموضع من جوانبه كله فوقع على المال بعينه كيف يزكيه؟ قال يزكيه لسنة واحدة لأنه كان غائبا عنه و إن كان احتبسه».

و موثقة إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1)

«رجل مات أبوه و هو غائب فعزل ميراثه هل عليه زكاة؟ قال لا حتى يقدم. قلنا يزكيه حين يقدم؟ قال لا حتى يحول عليه الحول و هو عنده».

و موثقة زرارة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2)

«أنه قال في رجل ماله عنه غائب لا يقدر على أخذه؟ قال فلا زكاة عليه حتى يخرج فإذا خرج زكاه لعام واحد، و إن كان يدعه متعمدا و هو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكل ما مر به من السنين».

و في صحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال:

«لا صدقة على الدين و لا على المال الغائب عنك حتى يقع في يدك».

و يدل على ذلك أيضا الأخبار الدالة على أن كل ما لم يحل عليه الحول عند ربه فلا شيء عليه (4) و ستأتي في محلها إن شاء اللّٰه تعالى.

و لا يخفى أنه و إن كان كل واحد من هذه الأخبار أخص من المدعى إلا أنه بضم بعضها إلى بعض من ما ذكرناه و من ما لم نذكره ينتج منها الحكم المذكور، فإن أكثر القواعد الشرعية إنما تحصل من ضم الجزئيات بعضها إلى بعض مثل القواعد النحوية الحاصلة من تتبع الجزئيات.

____________

(1) لم نقف على رواية لإسحاق بهذا اللفظ عن أبي عبد اللّٰه (ع) نعم له موثقتان بهذا المضمون عن أبي إبراهيم (ع) راجع الوسائل الباب 5 ممن تجب عليه الزكاة.

(2) الوسائل الباب 5 ممن تجب عليه الزكاة.

(3) الوسائل الباب 5 ممن تجب عليه الزكاة.

(4) الوسائل الباب 8 من زكاة الأنعام.

33

بقي الكلام في أن الأمر في بعض هذه الأخبار بزكاة المال لسنة واحدة هل هو على الاستحباب أو الوجوب؟ المشهور الأول بناء على اشتراط إمكان التصرف في الوجوب طول الحول كما تضمنته موثقة إسحاق المتقدمة و روايات الحول، و ظاهر بعض فضلاء متأخري المتأخرين الوجوب و حمل مطلق الأخبار على مقيدها. و لا ريب أنه الأحوط.

مسائل

الأولى [هل تجب الزكاة في الدين الذي يقدر صاحبه على أخذه؟]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في الدين الذي يقدر صاحبه على أخذه متى شاء لو لم يأخذه هل تجب عليه فيه الزكاة بعد الحول أم لا؟ قولان اختار أولهما الشيخ في النهاية و الجمل و الخلاف و المبسوط و الشيخ المفيد و السيد المرتضى، و ثانيهما ابن أبي عقيل و ابن الجنيد و ابن إدريس، و هو المشهور بين المتأخرين و متأخريهم.

و منشأ الاختلاف اختلاف ظواهر الأخبار،

ففي الموثق عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1): قال:

«قلت له ليس في الدين زكاة؟ قال لا».

و في موثقة إسحاق بن عمار (2) قال:

«قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام) الدين عليه زكاة؟ فقال لا حتى يقبضه. قلت فإذا قبضه أ يزكيه؟ قال لا حتى يحول عليه الحول في يده».

و موثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال:

«سألته عن رجل يكون نصف ماله عينا و نصفه دينا فتحل عليه الزكاة؟ قال يزكي العين و يدع الدين».

و صحيحة عبد اللّٰه بن سنان المتقدمة قريبا (4) و تؤيده الأخبار الدالة على أن كل ما لا يحول عليه الحول عند ربه فلا شيء عليه (5) هذا ما يدل على المشهور.

و أما ما يدل على القول الآخر

فموثقة زرارة المتقدمة (6) و قوله فيها:

____________

(1) الوسائل الباب 6 ممن تجب عليه الزكاة.

(2) الوسائل الباب 6 ممن تجب عليه الزكاة.

(3) الوسائل الباب 6 ممن تجب عليه الزكاة.

(4) ص 32.

(5) الوسائل الباب 8 من زكاة الأنعام.

(6) ص 32.

34

«و إن كان يدعه متعمدا و هو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكل ما مر به من السنين».

و ما رواه في الكافي عن عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال:

«ليس في الدين زكاة إلا أن يكون صاحب الدين هو الذي يؤخره، فإذا كان لا يقدر على أخذه فليس عليه زكاة حتى يقبضه».

و ما رواه في التهذيب عن عبد العزيز (2) قال:

«سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يكون له الدين أ يزكيه؟ قال كل دين يدعه هو إذا أراد أخذه فعليه زكاته، و ما كان لا يقدر على أخذه فليس عليه زكاة».

و من قال بالقول المشهور حمل هذه الأخبار على الاستحباب جمعا بين الأخبار، و من قال بالقول الآخر حمل مطلق الأخبار على مقيدها، و هو الأظهر فإن الجمع بين الأخبار بالحمل على الاستحباب و إن اشتهر بين الأصحاب حتى صار هو المعول عليه في جميع الأبواب إلا أنه لا دليل عليه من سنة و لا كتاب، مع ما في منافرة التفصيل الذي في الروايتين الأخيرتين لذلك. و أما أخبار الحول فهي غير منافية لأن المراد بالعندية فيها الكناية عن إمكان التصرف سواء كان في يده أو يد وكيله أو نحو ذلك اتفاقا، و لا يخفى أنه هو الأوفق بالاحتياط أيضا.

و الظاهر أنه لا خلاف في عدم الوجوب في الدين الذي لا يقدر صاحبه على أخذه، و يدل عليه مضافا إلى روايتي عمر بن يزيد و عبد العزيز المتقدمتين

صحيحة إبراهيم بن أبي محمود (3) قال:

«قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) الرجل يكون له الوديعة و الدين فلا يصل إليهما ثم يأخذهما متى تجب عليه الزكاة؟ قال إذا أخذهما ثم يحول عليه الحول يزكي».

و أما

ما رواه في الكافي عن عبد الحميد بن سعد (4)- قال:

«سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل باع بيعا إلى ثلاث سنين من رجل ملي بحقه و ماله في ثقة يزكي ذلك المال في كل سنة تمر به أو يزكيه إذا أخذه؟ قال لا بل يزكيه إذا أخذه. قلت لكم

____________

(1) الوسائل الباب 6 ممن تجب عليه الزكاة.

(2) الوسائل الباب 6 ممن تجب عليه الزكاة.

(3) الوسائل الباب 6 ممن تجب عليه الزكاة.

(4) الوسائل الباب 6 ممن تجب عليه الزكاة.

35

يزكيه إذا أخذه؟ قال لثلاث سنين».

- فحمله جملة من الأصحاب على الاستحباب و الأظهر حمله على ما إذا كان تأخير القبض من صاحب المال أو حمله على مال التجارة و عدم الوضيعة عن رأس المال.

و كذا

ما رواه في الكافي في الموثق عن سماعة (1) قال:

«سألته عن الرجل يكون له الدين على الناس تجب فيه الزكاة؟ قال ليس عليه فيه زكاة حتى يقبضه فإذا قبضه فعليه الزكاة، و إن هو طال حبسه على الناس حتى يمر لذلك سنون فليس عليه زكاة حتى يخرج فإذا خرج زكاه لعامه ذلك، و إن كان يأخذ منه قليلا قليلا فليزك ما خرج منه أولا فأولا، و إن كان متاعه و دينه و ماله في تجارته التي يتقلب فيها يوما بيوم يأخذ و يعطي و يبيع و يشتري فهو شبه العين في يده فعليه الزكاة، و لا ينبغي له أن يغير ذلك إذا كان حال متاعه و ماله على ما وصفت لك فيؤخر الزكاة».

و حملت على الاستحباب أيضا، و الظاهر هو الحمل على الوجوب لكن بتقدير حول الحول عليه بعينه. و أما آخر الخبر فالظاهر أن المراد به زكاة التجارة و إن كان معناه لا يخلو من نوع غموض.

تتمة تتضمن الكلام على كلام بعض الأعلام

قال السيد في المدارك بعد اختياره القول المشهور بين المتأخرين: لنا التمسك بمقتضى الأصل و الروايات المتضمنة لسقوط الزكاة في مال القرض عن المقرض (2) فإنه من أنواع الدين. ثم استدل بصحيحة عبد اللّٰه بن سنان و موثقة إسحاق بن عمار و موثقة الحلبي، ثم نقل احتجاج الشيخ برواية درست و عبد العزيز (3) و أجاب عنهما بضعف السند، ثم نقل عن العلامة في المختلف حملهما على الاستحباب مع كلام له تأتي الإشارة إليه.

____________

(1) الوسائل الباب 6 ممن تجب عليه الزكاة.

(2) الوسائل الباب 7 ممن تجب عليه الزكاة.

(3) ص 34 و رواية درست هي رواية عمر بن يزيد إلا أن الشيخ في التهذيب ج 1 ص 357 لم يذكر عمر بن يزيد.

36

أقول: فيه (أولا) أن ما اعتمده من الأصل فإنه يجب الخروج عنه بالدليل و قد عرفته و ستعرف ما يؤكده.

و (ثانيا) أن ما استند إليه من روايات القرض مردود بأن الروايات المذكورة قد دل أكثرها على تعليل وجوب الزكاة على المقترض بأنه صار ماله بالقرض و هو ملكه فنسبة المقرض إليه نسبة الأجنبي و ما أجمل منها فهو محمول على ذلك، فلا دلالة فيها على ما ادعاه إذ المفهوم منها أن محل السؤال فيها إنما هو عن تلك العين التي اقترضها المقترض و محل البحث إنما هو في الدين المستقر في ذمة المستدين مع حلوله عليه و بذله، و لا ريب أن إحدى المسألتين غير الأخرى كما لا يخفى على من راجع روايات القرض الآتية في تلك المسألة، و منها صحيحة زرارة أو حسنته و صحيحة منصور بن حازم الآتيتان (1) و هو إنما استند إلى روايات القرض من حيث كونه من أنواع الدين و الروايات المذكورة لم تتضمن سقوط الزكاة من هذه الحيثية و إنما تضمنت السقوط عن تلك العين المخصوصة من حيث إنها ليست ملكا للمقرض فلا تعلق له بروايات القرض في هذا المقام.

و (ثالثا) ما أجاب به عن حجة الشيخ بالطعن في السند فإنه لا يقوم حجة على الشيخ و أمثاله من المتقدمين الذين لا أثر لهذا الاصطلاح عندهم بل يحكمون بصحة جميع الأخبار، على أن الدليل غير منحصر في هاتين الروايتين:

فقد روى الكليني في الكافي في الصحيح عن أبي الصباح الكناني عن الصادق (عليه السلام) (2)

«في الرجل ينسئ أو يعين فلا يزال ماله دينا كيف يصنع في زكاته؟

فقال يزكيه و لا يزكي ما عليه من الدين إنما الزكاة على صاحب المال».

و موثقة زرارة المتقدمة.

و قال (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (3):

و إن غاب مالك عنك فليس عليك

____________

(1) ص 39 و 40.

(2) الوسائل الباب 9 ممن تجب عليه الزكاة.

(3) مستدرك الوسائل الباب 5 و 6 ممن تجب عليه الزكاة.

37

الزكاة إلا أن يرجع إليك و يحول عليه الحول و هو في يدك، إلا أن يكون مالك على رجل متى ما أردت أخذت منه فعليك زكاته.

و لا يخفى أن اعتماده في الاستدلال لما ذهب إليه إنما هو على إطلاق صحيحة عبد اللّٰه بن سنان، حيث إن الموثق عنده من قسم الضعيف و إن أغمض النظر عنه في وقت الاحتياج إليه كما هنا، و إن ما عارض ذلك من روايتي درست و عبد العزيز في حكم العدم عنده لضعفهما، و حينئذ فمع وجود صحيحة الكناني المذكورة و موثقة زرارة يضعف ما صار إليه لمعارضة صحيحة عبد اللّٰه بن سنان بصحيحة الكناني و موثقتي إسحاق بن عمار و الحلبي بموثقة زرارة مع بقية الأخبار المذكورة، و الجمع بين الجميع بتقييد إطلاق تلك الأخبار التي اعتمدها بهذه الأخبار التي ذكرناها مقتضى القاعدة المطردة في كلامهم من حمل المطلق على المقيد و العام على الخاص و المجمل على المبين، على أن الحمل على الاستحباب و إن اشتهر بين الأصحاب في جميع الأبواب إلا أنه لا دليل عليه من سنة و لا كتاب و أن النظر بعين الإنصاف و الاعتبار يقتضي ضعفه و أنه ناقص العيار، و ذلك فإن الاستحباب حكم شرعي يتوقف على الدليل الواضح كغيره من الوجوب و التحريم و نحوهما و اختلاف الأخبار ليس دليلا على ذلك. و أيضا فإن الحمل على الاستحباب مجاز لا يصار إليه إلا مع القرينة و اختلاف الأخبار ليس من قرائن المجاز.

و (رابعا) أن قول العلامة في المختلف في ما نقله السيد عنه و استجوده- من أنه يلزم من تقييد الإطلاق في رواية الحلبي تأخير البيان عن وقت الحاجة- ممنوع و إنما اللازم تأخير البيان عن وقت الخطاب و إلا لزم ذلك في جميع الأخبار المطلقة بالنسبة إلى الأخبار المقيدة فلا يمكن تقييدها بها و هم لا يلتزمونه، و وقت الحاجة هنا غير معلوم و لا مدلول عليه بصريح و لا إشارة.

نعم ذكر بعض الأصحاب ممن اختار القول بعدم الوجوب أن جمهور العامة على القول بالوجوب في الدين فإن ثبت فلا يبعد حمل هذه الأخبار على التقية. إلا

38

أن فيه أيضا أن الأخبار المذكورة دلت على التفصيل في الدين بين ما يمكن أخذه و ما لا يمكن أخذه و الخلاف المنقول عن العامة كما نقله العلامة في المنتهى في الدين مطلقا، فبعض قال فيه بالوجوب مطلقا و نقله عن الثور و أبي ثور و أصحاب الرأي و جابر و طاوس و النخعي و الحسن و الزهري و قتادة و حماد و الشافعي و أحمد، و بعض قال بعدم الوجوب مطلقا و نقله عن عكرمة و عائشة و ابن عمر و الشافعي في القديم. و أما القول بالتفصيل كما دلت عليه الأخبار فلم ينقل عن أحد منهم (1) و بذلك يظهر ضعف الحمل على التقية كما ذكره البعض المشار إليه.

و بالجملة فالظاهر هو قوة القول بالوجوب للأخبار المذكورة و يجب حمل مطلقها على مقيدها. و اللّٰه العالم.

الثانية [عدم وجوب الزكاة في الوقف]

- الظاهر أنه لا خلاف في عدم الزكاة في الوقف، لأنها مشروطة كما تقدم بالملك و الوقف غير مملوك للموقوف عليه على أحد القولين أو مملوك له و لكنه غير مستقل بالملك لأنه حق البطون بعده، و لأنه ممنوع من التصرف فيه إلا بالاستنماء.

نعم تجب الزكاة في نمائه إذا كان الوقف على شخص معين أو أشخاص مع بلوغ

____________

(1) في المغني ج 3 ص 46: إذا كان له دين على معترف به باذل له فعلى صاحبه زكاته إلا أنه لا يلزمه إخراجها حتى يقبضه فيؤدي لما مضى، روى ذلك عن علي (ع) و به قال للثوري و أبو ثور و أصحاب الرأي، و قال عثمان و ابن عمر و جابر و طاوس و النخعي و جابر بن زيد و الحسن و ميمون بن مهران و الزهري و قتادة و حماد بن أبي سليمان و الشافعي و إسحاق و أبو عبيد: عليه إخراج الزكاة في الحال و إن لم يقبضه لأنه قادر على أخذه و التصرف فيه فلزمه إخراج زكاته كالوديعة، و قال عكرمة ليس في الدين زكاة و روى ذلك عن عائشة و ابن عمر، و قال سعيد بن المسيب و عطاء بن أبي رباح و عطاء الخراساني و أبو الزناد: يزكيه إذا قبضه لسنة واحدة. و أما الدين على معسر أو مماطل أو جاحد ففيه روايتان: إحداهما- لا تجب قال به قتادة و إسحاق و أبو ثور و أهل العراق، و الثانية- يزكيه إذا قبضه قال به الثوري و أبو عبيد، و للشافعي قولان كالروايتين، و عن عمر بن عبد العزيز و الحسن و الليث و الأوزاعي و مالك يزكيه إذا قبضه لعام واحد.

39

حصة كل منهم على تقدير التعدد النصاب، أما لو كان الوقف على جهة عامة كالوقف على المساجد و نحوها فهو في الحقيقة وقف على سائر المسلمين كما صرحوا به و لا زكاة فيه كما لا زكاة في بيت المال من غير خلاف و لا إشكال لأن خطابات الزكاة لا عموم فيها بحيث تتعلق بمثل ذلك.

الثالثة [عدم اشتراط التمكن من الأداء في وجوب الزكاة]

- قد صرحوا من غير خلاف يعرف أنه لا يشترط في وجوب الزكاة التمكن من الأداء بل تجب عليه و إن لم يتمكن من إيصالها إلى مستحقها، و يدل عليه ظواهر جملة من الأخبار مثل

قولهم (عليهم السلام) (1)

«أيما رجل عنده مال و حال عليه الحول فإنه يزكيه».

نعم يشترط ذلك في الضمان، و الظاهر أنه متفق عليه أيضا، و يدل عليه ظواهر جملة من الأخبار الدالة على أن من وجد لها موضعا فلم يدفعها فضاعت فإن عليه الضمان و من لم يجد فليس عليه ضمان (2) و سيأتي تحقيق ذلك إن شاء اللّٰه تعالى في موضعه اللائق به.

الرابعة [زكاة القرض على المقترض إلا مع شرط الخلاف]

- قد تقدم أن الأشهر الأظهر هو أن مال القرض تجب زكاته على المقترض إذا حال الحول عليه عنده.

و يدل عليه جملة من الأخبار: منها-

صحيحة زرارة أو حسنته على المشهور بإبراهيم بن هاشم (3) قال:

«قلت لأبي جعفر (عليه السلام) رجل دفع إلى رجل مالا قرضا على من زكاته على المقرض أو على المقترض؟ قال لا بل زكاتها إن كانت موضوعة عنده حولا على المقترض. قال قلت فليس على المقرض زكاتها؟ قال لا يزكى المال من وجهين في عام واحد، و ليس على الدافع شيء لأنه ليس في يده شيء إنما المال في يد الآخر فمن كان المال في يده زكاه. قال قلت أ فيزكي مال غيره من ماله؟ قال إنه ماله ما دام في يده و ليس ذلك المال لأحد غيره. ثم قال يا زرارة أ رأيت وضيعة ذلك

____________

(1) الوسائل الباب 10 ممن تجب عليه الزكاة و 12 من زكاة الذهب و الفضة.

(2) الوسائل الباب 29 من المستحقين للزكاة.

(3) الوسائل الباب 7 ممن تجب عليه الزكاة، و اللفظ مطابق لما في التهذيب ج 1 ص 357 عن الكليني.

40

المال أو ربحه لمن هو و على من هو؟ قلت للمقترض. قال فله الفضل و عليه النقصان و له أن ينكح و يلبس منه و يأكل منه، و لا ينبغي له أن لا يزكيه بل يزكيه فإنه عليه جميعا».

و بمضمونها أخبار عديدة.

و به يظهر ضعف قول الشيخ المتقدم ذكره من أنه لا يدخل في ملك المقترض إلا بالتصرف في عينه و أنه لا زكاة عليه حينئذ. نعم لو تبرع المقرض بالزكاة عنه أجزأ كما سيأتي في صحيحة منصور بن حازم.

بقي الكلام هنا في أنه لو اشترط المقترض زكاته على المقرض فهل تسقط عن المقترض و تجب على المقرض أم لا؟ المشهور الثاني و نقل عن الشيخ الأول.

قال العلامة في المختلف: و لا زكاة على المقرض مطلقا أما المستقرض فإن ترك المال بعينه حولا وجبت عليه الزكاة و إلا فلا، و هو اختيار ابن أبي عقيل و الشيخ في النهاية في باب لزكاة و الخلاف و المفيد في المقنعة و الشيخ علي بن بابويه في الرسالة و ابن إدريس. و قال الشيخ في باب القرض من النهاية إن شرط المقترض الزكاة على القارض وجبت عليه دون المستقرض. لنا- أنه ملك المقترض فالزكاة عليه و الشرط غير لازم لأنه اشتراط للعبادة على غير من وجبت عليه و إنه باطل كما لو شرط غير الزكاة من العبادات،

و ما رواه يعقوب بن شعيب في الصحيح (1) قال:

«سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يقرض المال للرجل السنة و السنتين و الثلاث لو ما شاء اللّٰه على من الزكاة على المقرض أو على المستقرض؟ فقال على المستقرض لأن له نفعه و عليه زكاته».

ثم ساق جملة من الأخبار الدالة على ذلك و منها حسنة زرارة المتقدمة، ثم قال احتجوا

بما رواه منصور بن حازم في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (2)

«في رجل استقرض مالا فحال عليه الحول و هو عنده؟ فقال إن كان الذي أقرضه يؤدي زكاته فلا زكاة عليه و إن كان لا يؤدي أدى المستقرض».

و الجواب أنا نقول بموجبه فإن المقرض لو تبرع بالأداء سقط عن المقترض أما الوجوب مع الشرط فممنوع

____________

(1) الوسائل الباب 7 ممن تجب عليه الزكاة.

(2) الوسائل الباب 7 ممن تجب عليه الزكاة.

41

و ليس في الحديث ما يدل عليه، قال الشيخ علي بن الحسين بن بابويه: إن بعت شيئا و قبضت ثمنه و اشترطت على المشتري زكاة سنة أو سنتين أو أكثر فإن ذلك يلزمه دونك. و في لزوم هذا الشرط نظر. انتهى كلامه زيد مقامه. و نسج على منواله في هذا الكلام جملة من تأخر عنه من الأعلام من المتأخرين و متأخريهم.

و عندي فيه نظر (أما أولا) فإن ما نقله عن أولئك الأجلاء في صدر عبارته الظاهر أنه لا دلالة فيه على المدعى، لأن غاية كلامهم وجوب الزكاة على المقترض و لم يتعرضوا لحكم الشرط نفيا و لا إثباتا، و هو من ما لا نزاع فيه و لا إشكال يعتريه.

و الذي يحضرني من كلامهم هنا عبارة الشيخ المفيد في المقنعة حيث قال: و لا زكاة على المقرض في ما أقرضه إلا أن يشاء التطوع بزكاته، و على المستقرض زكاته ما دام في يده و لم يستهلكه لأن له نفعه. و عبارة الشيخ في النهاية حيث قال: و مال القرض ليس فيه زكاة على صاحبه بل تجب على المستقرض الزكاة إن تركه بحاله حتى يحول عليه الحول. و الظاهر أن باقي كلام من نقل عنه من هذا القبيل، و مثل ذلك الأخبار التي نقلها فإن غايتها إطلاق الزكاة على المقترض و لا تعرض فيها لحكم الشرط نفيا و لا إثباتا.

و (أما ثانيا) فإن ما ادعاه- من أن الشرط غير لازم لأنه اشتراط للعبادة على غير من وجبت عليه و إنه باطل- مردود (أولا) بأن تعلقها بالمقترض مشروط عندهم بعدم تبرع المقرض بها كما صرح به فلو تبرع بها سقطت عن المقترض، فلا يتم ما ذكره كليا من أن اشتراطها من قبيل اشتراط العبادة على غير من وجبت عليه، إذ مقتضاه تعين الوجوب على المقترض خاصة و عدم السقوط عنه بفعل الغير تبرعا كان أو اشتراطا. و أيضا فإن الزكاة و إن كانت من قبيل العبادة من وجه إلا أنها من قبيل الدين من وجه آخر.

و ثانيا- و هو العمدة في الاستدلال الأخبار الدالة على صحة شرط زكاة ثمن المبيع على المشتري (1) كما نقله في آخر كلامه عن الشيخ علي بن الحسين بن بابويه و إن

____________

(1) الوسائل الباب 18 من زكاة الذهب و الفضة.

42

تنظر فيه بناء على ما قدمه في صدر كلامه.

و من الأخبار الدالة على ما قلناه

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح عن عبد اللّٰه بن سنان (1) قال:

«سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول باع أبي من هشام بن عبد الملك أرضا بكذا و كذا ألف دينار و اشترط عليه زكاة ذلك المال عشر سنين و إنما فعل ذلك لأن هشاما كان هو الوالي».

و رواه الصدوق أيضا في كتاب العلل في الصحيح مثله (2).

و روى في الكافي أيضا في الصحيح أو الحسن بإبراهيم بن هاشم على المشهور عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال:

«باع أبي أرضا من سليمان بن عبد الملك بمال و اشترط عليه في بيعه أن يزكي هذا المال من عنده لست سنين».

و الخبران كما ترى صحيحان صريحان في صحة الشرط المذكور و لزومه، و به يظهر لك ما في كلامه (قدس سره)- و كذا كل من تبعه و حكم ببطلان الشرط لما ذكره من التعليل- من الغفلة عن ملاحظة هذين الخبرين.

و مثلهما ما

في كتاب الفقه الرضوي (4) حيث قال (عليه السلام):

فإن بعت شيئا و قبضت ثمنه و اشترطت على المشتري زكاة سنة أو سنتين أو أكثر من ذلك فإنه يلزمه دونك.

انتهى.

و هذه عين عبارة الشيخ علي بن الحسين التي نقلها عنه في المختلف، و منه يعلم أن مستنده في هذا الحكم هو الكتاب المذكور و إن كان الخبران المتقدمان يدلان على ذلك. و بمثل هذه العبارة عبر ابنه الصدوق في الفقيه، و هو ظاهر في أن مذهبه ذلك.

و حينئذ فمتى ثبتت بهذه الأخبار صحة الشرط المذكور و أنه سائغ و أن الزكاة تنتقل به إلى ذمة المشروط عليه فلا فرق بين وقوعه و اشتراطه في بيع أو قرض أو غيرهما عملا بما دل على أن المؤمنين عند شروطهم (5).

____________

(1) الوسائل الباب 18 من زكاة الذهب و الفضة.

(2) الوسائل الباب 18 من زكاة الذهب و الفضة.

(3) الوسائل الباب 18 من زكاة الذهب و الفضة.

(4) ص 23.

(5) الوسائل الباب 6 من أبواب الخيار من كتاب التجارة.

43

و (أما ثالثا) فإنه لا يخفى أن ما نقله عن الشيخ علي بن الحسين أخيرا مناف لما نقله عنه أولا لو كان النقل صريحا في عدم صحة الشرط كما يدعيه، و إلا فإنه متى كان مطلقا كما نقلناه من عبارتي المقنعة و النهاية فلا منافاة، و على هذا جرى الشيخ في النهاية كما نقله عنه، فصرح في باب الزكاة بأنها على المقترض بقول مطلق، و في باب القرض بأنها مع الشرط تلزم المقرض و تسقط عن المقترض و به يقيد الإطلاق الأول

المقصد الثاني- في ما تجب فيه الزكاة من الأموال

، و حيث إنه من المجمع عليه نصا و فتوى هو وجوبها في الأنعام و النقدين و الغلات الأربع و أنها تستحب في بعض الأموال أيضا، فالكلام في هذا المقصد يقتضي بسطه في مطالب أربعة:

المطلب الأول- في الأنعام

و الكلام فيه يقع في مقامات ثلاثة:

المقام الأول- في نصب زكاة الإبل

، و هي اثنا عشر نصابا بالإجماع من علماء الإسلام على ما نقله جملة من الأعلام (1) و كأنه بناء منهم على عدم الاعتداد بالمخالف في بعضها و شذوذه و ندرته كما ستقف عليه إن شاء اللّٰه تعالى من الخلاف في المقام و لا تجب في ما دون خمس من الإبل فإذا تمت خمسا ففيها شاة ثم إذا بلغت عشرا ففيها شاتان ثم خمس عشرة ففيها ثلاث شياه ثم عشرين ففيها أربع ثم خمسا و عشرين ففيها خمس ثم ستا و عشرين ففيها بنت مخاض و هي التي دخلت في الثانية ثم ستا و ثلاثين ففيها بنت لبون و هي التي دخلت في الثالثة ثم ستا و أربعين ففيها حقة و هي التي دخلت في الرابعة ثم إحدى و ستين ففيها جذعة و هي التي دخلت في الخامسة ثم ستا و سبعين ففيها بنتا لبون ثم إحدى و تسعين ففيها حقتان ثم مائة و إحدى و عشرين ففي كل أربعين بنت لبون و في كل خمسين حقة.

و لا خلاف في الخمسة الأول و إنما الخلاف في النصاب السادس فإن ابن أبي عقيل أسقطه و أوجب بنت مخاض في خمس و عشرين إلى ست و ثلاثين و هو

____________

(1) يظهر الحال في مذهب العامة في نصب الإبل من التعليقة الآتية.

44

قول الجمهور (1) كما صرح به جملة من أصحابنا (رضوان الله عليهم) و في المدارك نقل هذا القول عن ابن أبي عقيل و ابن الجنيد، و هو سهو منه فإن ابن الجنيد لم يسقطه غاية الأمر أنه وافق ابن أبي عقيل في إخراج بنت مخاض في خمس و عشرين. و بما ذكرنا صرح العلامة في المختلف.

و يدل على القول المشهور الأخبار الكثيرة و منها-

صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) المروية في الكافي و التهذيب قال:

«في خمس قلائص شاة و ليس في ما دون الخمس شيء، و في عشر شاتان و في خمس عشرة ثلاث و في عشرين أربع و في خمس و عشرين خمس و في ست و عشرين بنت مخاض إلى خمس و ثلاثين-

____________

(1) ذكر في المغني ج 2 ص 577 نصب الإبل كما هنا بإسقاط السادس كما نقل عن ابن أبي عقيل ثم قال: و هذا كله مجمع عليه. و في البداية ج 1 ص 238 أجمع المسلمون عليه إلا في ما زاد على عشرين و مائة ففيه الخلاف، فإن مالكا قال إذا زاد على مائة و عشرين فالمصدق بالخيار إن شاء أخذ ثلاث بنات لبون و إن شاء أخذ حقتين، و قال ابن القاسم من أصحابه بل يأخذ ثلاث بنات لبون من غير خيار إلى أن تبلغ ثمانين و مائة فيكون فيها حقة و ابنتا لبون، و بهذا القول قال الشافعي. و قال عبد الملك بن الماجشون من أصحاب مالك بل يأخذ الساعي حقتين فقط من غير خيار إلى إن تبلغ مائة و ثلاثين. و قال الكوفيّون أبو حنيفة و أصحابه و الثوري إذا زادت على مائة و عشرين عادت الفريضة بمعنى أن في كل خمس شاة، فإذا كانت الإبل مائة و خمس و عشرين كان فيها حقتان و شاة: الحقتان المائة و عشرين و الشاة للخمس. إلى آخر كلامه. و في المهذب ج 1 ص 144 بعد أن وافق المغني و البداية في ترتيب النصب قال: إذا بلغت مائة و إحدى و عشرين كان فيها ثلاث بنات لبون ثم في كل أربعين بنت لبون و في كل خمسين حقة، و الأصل فيه رواية أنس. و في البحر الرائق ج 2 ص 213 عد النصب كما تقدم إلى مائة و عشرين، و أما الزائد عليه فتفصيله في كل خمس شاة إلى مائة و خمس و أربعين ففيها حقتان و بنت مخاض و في مائة و خمسين ثلاث حقاق ثم في كل خمس شاة و في مائة و خمس و سبعين ثلاث حقاق و بنت مخاض و في مائة و ست و ثمانين ثلاث حقاق و بنت لبون و في مائة و ست و تسعين أربع حقاق إلى مائتين.

(2) الوسائل الباب 2 من زكاة الأنعام.

45

و قال عبد الرحمن هذا فرق بيننا و بين الناس- فإذا زادت واحدة ففيها ابنة لبون إلى خمس و أربعين فإذا زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين فإذا زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس و سبعين فإذا زادت واحدة ففيها ابنتا لبون إلى تسعين فإذا زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين و مائة فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة».

و صحيحة أبي بصير- و هو المرادي بقرينة رواية عاصم بن حميد عنه- عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال:

«سألته عن الزكاة قال ليس في ما دون الخمس من الإبل شيء فإذا كانت خمسا ففيها شاة إلى عشر فإذا كانت عشرا ففيها شاتان إلى خمس عشرة فإذا كانت خمس عشرة ففيها ثلاث من الغنم إلى عشرين فإذا كانت عشرين ففيها أربع من الغنم إلى خمس و عشرين فإذا كانت خمسا و عشرين ففيها خمس من الغنم فإذا زادت واحدة ففيها ابنة مخاض إلى خمس و ثلاثين فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر فإذا زادت واحدة على خمس و ثلاثين ففيها ابنة لبون أنثى إلى خمس و أربعين فإذا زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين فإذا زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس و سبعين فإذا زادت واحدة ففيها بنتا لبون إلى تسعين فإذا زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين و مائة فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة. و لا تؤخذ هرمة و لا ذات عوار إلا أن يشاء المصدق أن يعد صغيرها و كبيرها».

و صحيحة زرارة المروية في من لا يحضره الفقيه (2) و هي مثل صحيحة أبي بصير المذكورة إلا إن آخرها هكذا:

«فإذا زادت واحدة فحقتان إلى عشرين و مائة فإذا زادت على العشرين و المائة واحدة ففي كل خمسين حقة و في كل أربعين بنت لبون».

و ما نقله في المعتبر (3) قال: روى أبو بصير و عبد الرحمن بن الحجاج و زرارة عن أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه (عليهما السلام) قالا:

«إذا زادت عن خمس و عشرين ففيها بنت مخاض فإن لم تكن فابن لبون ذكر إلى خمس و ثلاثين فإن زادت فابنة لبون

____________

(1) الوسائل الباب 2 و 10 من زكاة الأنعام.

(2) الوسائل الباب 2 من زكاة الأنعام.

(3) ص 259 و الظاهر أنه يشير إلى الروايات الثلاث المتقدمة و ليست رواية مستقلة.

46

إلى خمس و أربعين فإن زادت فحقة إلى ستين فإن زادت فجذعة إلى خمس و سبعين فإن زادت فابنتا لبون إلى تسعين فإن زادت فحقتان إلى عشرين و مائة- قال و هذا مذهب علماء الإسلام- فإن زادت ففي كل خمسين حقة و في كل أربعين بنت لبون».

قال:

و به قال علماؤنا. ثم نقل أقوال العامة. و هذه الرواية لم يتعرض لنقلها أحد من الأصحاب في كتب الاستدلال و لا من المحدثين في كتب الحديث حتى صاحب الوسائل الذي جمع فيه ما زاد على كتب الحديث الأربعة، إلى غير ذلك من الأخبار.

احتج ابن أبي عقيل على ما نقل عنه بصحيحة الفضلاء عن أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه (عليهما السلام) (1) قالا:

«في صدقة الإبل في كل خمس شاة إلى أن تبلغ خمسا و عشرين فإذا بلغت ذلك ففيها ابنة مخاض و ليس فيها شيء حتى تبلغ خمسا و ثلاثين فإذا بلغت خمسا و ثلاثين ففيها ابنة لبون ثم ليس فيها شيء حتى تبلغ خمسا و أربعين فإذا بلغت خمسا و أربعين ففيها حقة طروقة الفحل ثم ليس فيها شيء حتى تبلغ ستين فإذا بلغت ستين ففيها جذعة ثم ليس فيها شيء حتى تبلغ خمسا و سبعين فإذا بلغت خمسا و سبعين ففيها ابنتا لبون ثم ليس فيها شيء حتى تبلغ تسعين فإذا بلغت تسعين ففيها حقتان طروقتا الفحل ثم ليس فيها شيء أكثر من ذلك حتى تبلغ عشرين و مائة فإذا بلغت عشرين و مائة ففيها حقتان طروقتا الفحل فإذا زادت واحدة على عشرين و مائة ففي كل خمسين حقة و في كل أربعين بنت لبون ثم ترجع الإبل على أسنانها. و ليس على النيف شيء و لا على الكسور شيء و لا على العوامل شيء إنما ذلك على السائمة الراعية. قال قلت فما في البخت السائمة؟ قال مثل ما في الإبل العربية. الحديث».

و نقل المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي في كتاب الوسائل (2) هذا الحديث عن كتاب معاني الأخبار بما يوافق القول المشهور و ذكر أنه رواه عن أبيه عن سعد بن عبد اللّٰه عن إبراهيم بن هاشم عن حماد بن عيسى مثله، إلا أنه قال- على

____________

(1) الوسائل الباب 2 و 7 و 3 من زكاة الأنعام.

(2) الوسائل الباب 3 من زكاة الأنعام.

47

ما في بعض النسخ الصحيحة-

«فإذا بلغت خمسا و عشرين فإن زادت واحدة ففيها بنت مخاض. إلى أن قال فإذا بلغت خمسا و ثلاثين فإن زادت واحدة ففيها ابنة لبون ثم قال فإذا بلغت خمسا و أربعين و زادت واحدة ففيها حقة ثم قال فإذا بلغت ستين و زادت واحدة ففيها جذعة ثم قال فإذا بلغت خمسا و سبعين و زادت واحدة ففيها ابنتا لبون ثم قال فإذا بلغت تسعين و زادت واحدة ففيها حقتان».

و ذكر الحديث مثله.

أقول: و قد اضطرب كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) في الجواب عن صحيحة الفضلاء بناء على الرواية المشهورة، فنقل عن السيد المرتضى (رضي اللّٰه عنه) حمل بنت المخاض على كونها بالقيمة عن الخمس شياه، و احتمل بعض حمله على الاستحباب و الشيخ (قدس سره) قد أجاب عنه بأن قوله (عليه السلام) «فإذا بلغت ذلك ففيها ابنة مخاض» يحتمل أن يكون المراد و زادت واحدة و إن لم يذكر في اللفظ لعلمه بفهم المخاطب ذلك، قال: و لو لم يحتمل ما ذكرناه لكان لنا أن نحمل هذه الرواية على ضرب من التقية لأنها موافقة لمذهب العامة (1).

و اعترضه المحقق في المعتبر فقال بعد نقل كلامه: و التأويلان ضعيفان، أما الإضمار فبعيد في التأويل، و أما التقية فكيف يحمل على التقية ما صار إليه جماعة من محققي الأصحاب و رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، و كيف يذهب على مثل ابن أبي عقيل و البزنطي و غيرهما ممن اختار ذلك مذهب الإمامية من غيرهم؟

و الأولى أن يقال فيه روايتان أشهرهما ما اختاره المشايخ الخمسة و أتباعهم. انتهى.

و لا يخفى ما فيه من الوهن الغني عن التنبيه عليه و التوجيه، و الحق أنه لا معدل عن أحد الوجهين اللذين ذكرهما الشيخ (قدس سره) و يؤيد الحمل على التقية- و هو الذي اختاره المحدث الكاشاني في الوافي- صحيحة عبد الرحمن المتقدمة و قوله فيها «هذا فرق بيننا و بين الناس» مع ما عرفت من أنه مذهب الجمهور، إلا أنه يخدشه أن الإشكال في الصحيحة المذكورة ليس مخصوصا بهذا الموضع بل الإشكال

____________

(1) ارجع إلى التعليقة 1 ص 44.

48

في جملة النصب المتأخرة إلى النصاب الأخير، فإنه لا قائل بذلك من العامة و لا من الخاصة و هو خلاف جملة الأخبار الواردة في المسألة، و الأمر دائر بين شيئين: إما رد الرواية المذكورة من هذه الجهة مع ما هي عليه من الصحة و الإسناد إلى إمامين و اشتمالها على نصب الأنعام الثلاثة و جملة من أحكامها كما سيأتي نقل ذلك كل في موضعه و هو مشكل لا يمكن التزامه، و إما قبولها و حملها على ما يقوله الشيخ من الإضمار و التقدير في كل نصاب، و هو و إن بعد لعدم كونه معهودا في الكلام إلا أنه في مقام الجمع مما لا بد منه. و أما كلام صاحب المعتبر فإنه غير موجه و لا معتبر كما لا يخفى على من تأمل بعين الإنصاف و نظر.

[تنبيهات]

و ينبغي التنبيه على أمور

الأول [موارد الخلاف في نصاب الإبل]

- لا يخفى أنه قد وقع الخلاف في هذا المقام أيضا في مواضع: منها- ما ذهب إليه ابن الجنيد من أن الواجب في خمس و عشرين بنت مخاض أنثى فإن لم تكن فابن لبون فإن لم يكن فخمس شياه. و لم نقف له في الأخبار على مستند.

و منها- ما نقله في المختلف عن الشيخ علي بن بابويه من أنه قال في رسالته فإذا بلغت خمسا و أربعين و زادت واحدة ففيها حقة- و سميت حقة لأنها استحقت أن يركب ظهرها- إلى أن تبلغ ستين فإذا زادت واحدة ففيها جذعة إلى ثمانين فإن زادت واحدة ففيها ثني. ثم قال في المختلف: و هو قول ابنه محمد في كتاب الهداية. و لم يوجب باقي علمائنا في إحدى و ثمانين شيئا أصلا عدا نصاب ست و سبعين. ثم استدل على القول المشهور بالأخبار المتقدمة.

أقول: ما نقله هنا من عبارة الرسالة هو عين عبارة كتاب الفقه الرضوي كما قدمنا لك أمثال ذلك في مواضع عديدة من كتاب الصلاة، فإنه (عليه السلام) قال (1) بعد ذكر النصب المتقدمة كما مر في الأخبار:

«فإذا بلغت خمسا و أربعين و زادت واحدة ففيها حقة- و سميت حقة لأنها استحقت أن يركب ظهرها- إلى أن تبلغ ستين فإذا

____________

(1) ص 22.

49

زادت واحدة ففيها جذعة إلى ثمانين فإذا زادت واحدة ففيها ثني».

و منه يعلم أن مستند الصدوقين هنا إنما هو الكتاب المذكور كما تقدم في تلك المواضع. إلا إن الحكم غريب لخروجه عن مقتضى الأخبار الكثيرة المتفق عليها بين الطائفة سواهما (رضي اللّٰه عنهما).

و لا يخفى ما في تمسكهما بهذا الكتاب في مثل هذا المقام من الدلالة على يقينهما بكونه عنه (عليه السلام) و ثبوته زيادة على تلك الأخبار، و إلا فكيف يجوز منهما الخروج عن تلك الأخبار الصحيحة الصريحة مع قرب العهد إلى العمل بهذا الكتاب.

و منها- النصاب الأخير فقد نقل فيه الخلاف عن المرتضى (رضي اللّٰه عنه) في الإنتصار كما نقله في المختلف، و ليس في التعرض لنقله كثير فائدة و إن ادعى عليه الإجماع مع مخالفته له في سائر كتبه و لا سيما المسائل الناصرية، و من أحب الوقوف على ذلك فليرجع إلى كتاب المختلف.

الثاني [كيف يخرج الواجب في النصاب الأخير؟]

- قد اشتمل بعض الأخبار المتقدمة على أن الواجب إخراجه في النصاب الأخير- و هو مائة و إحدى و عشرون- في كل خمسين حقة و في كل أربعين بنت لبون، و منها صحيحة زرارة المتقدم نقلها عن الفقيه، و رواية أخرى له في التهذيب أيضا (1) و صحيحة الفضلاء، و ظاهر هذه الروايات التخيير بين هذين الفردين بعد العد بأحد العددين، و به صرح شيخنا الشهيد الثاني في فوائد القواعد كما نقل عنه و نسبه إلى ظاهر الأصحاب.

و ظاهره (قدس سره) في كتاب المسالك بل صريحه أن المراد بذلك كون النصاب أمرا كليا لا ينحصر في فرد و أن التقدير بالأربعين و الخمسين ليس على وجه التخيير مطلقا بل يجب التقدير بما يحصل به الاستيعاب، فإن أمكن بهما تخير و إن لم يمكن بهما وجب اعتبار أكثرهما استيعابا مراعاة لحق الفقراء و لو لم يمكن إلا بهما وجب الجمع، فعلى هذا يجب تقدير أول هذا النصاب و هو المائة و إحدى و عشرون

____________

(1) الوسائل الباب 2 من زكاة الأنعام.

50

بالأربعين و تقدير المائة و الخمسين بالخمسين و المائة و السبعين بهما، و يتخير في المائتين و في الأربعمائة بين اعتباره بهما و بكل واحد منهما. انتهى. و بمثل ذلك صرح المحقق الشيخ علي و العلامة في المنتهى، و الظاهر أنه هو المشهور كما يفهم من عبارة المنتهى.

و فيه أن ظاهر ما ورد بالعد بالخمسين خاصة كما تقدم في صحيحتي عبد الرحمن و أبي بصير يدفع ذلك، فإن ظاهرهما العد بالخمسين مطلقا و لو في نصاب المائة و إحدى و عشرين الذي أوجب فيه العد بالأربعين خاصة، و لو كان العد في هذا الموضع متعينا بالأربعين كما ذكره (قدس سره) لما ساغ إطلاق هذه الأخبار بالعد بالخمسين.

و أيضا فإن التخيير في صحيحتي الفضلاء و زرارة وقع على أثر ذكر نصاب مائة و إحدى و عشرين الذي أوجب فيه العد بالأربعين خاصة، و لو تعين فيه العد بالأربعين لم يحسن ذكر التخيير في صورة لا يجوز فيها إلا أحدهما. و بالجملة فإن الروايات كملا لا تجتمع إلا على القول بالتخيير مطلقا كما هو ظاهر تلك الأخبار المشتملة على الأربعين و الخمسين، نعم ما ذكره متضمن للاحتياط و لا ريب في أولويته و أما تعينه فهو خلاف ظاهر تلك الأخبار كما عرفت.

الثالث- هل الواحدة الزائدة على المائة و عشرين جزء من النصاب أو شرط

في الوجوب و ليست بجزء، فلا يسقط بتلفها بعد الحول بغير تفريط شيء كما لا يسقط في الزائد عنها من ما ليس بجزء، للأربعين أو الخمسين على المشهور بين المتأخرين؟

فيه وجهان، اختار أولهما العلامة في النهاية، و ثانيهما جملة من المتأخرين، و توقف في البيان، من حيث اعتبارها نصا الموجب للجزئية، و من إيجاب الفريضة في كل خمسين و أربعين الظاهر في خروجها.

الرابع [حكم البخت]

- قد صرح الأصحاب بأن الزكاة في الإبل بنوعيها من البخت و العراب و على ذلك دلت

صحيحة الفضلاء المتقدمة (1) حيث قال فيها:

«قلت ما في البخت السائمة؟ قال مثل ما في الإبل العربية».

قال في المصباح المنير: و البخت نوع من الإبل

____________

(1) ص 46.