الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - ج15

- الشيخ يوسف البحراني المزيد...
574 /
1

-

2

[تتمة كتاب الحج]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الباب الثاني في الإحرام و ما يتبعه

، و منه حكم الحصر و الصد و البحث فيه يقع في مقاصد:

المقصد الأول في مقدماته

و هي أمور

الأول- توفير شعر الرأس

من أول ذي القعدة إذا أراد التمتع، و يتأكد عند هلال ذي الحجة. و المشهور بين الأصحاب ان ذلك على سبيل الاستحباب، و هو قول الشيخ في الجمل و ابن إدريس و سائر المتأخرين. و قال الشيخ في النهاية: فإذا أراد الإنسان ان يحج متمتعا فعليه ان يوفر شعر رأسه و لحيته من أول ذي القعدة و لا يمس شيئا منها. و هو يعطي الوجوب. و نحوه قال في الاستبصار. و قال الشيخ المفيد في المقنعة: إذا أراد الحج فليوفر شعر رأسه في مستهل ذي القعدة فإن حلقه في ذي القعدة كان عليه دم يهريقه.

و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة روايات:

منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن سنان عن ابي عبد الله

3

(عليه السلام) (1) قال:

«لا تأخذ من شعرك- و أنت تريد الحج- في ذي القعدة، و لا في الشهر الذي تريد فيه الخروج إلى العمرة».

و ما رواه أيضا في الحسن- و ابن بابويه في الصحيح- عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ

:

شوال و ذو القعدة و ذو الحجة، فمن أراد الحج و فر شعره إذا نظر الى هلال ذي القعدة، و من أراد العمرة و فر شعره شهرا».

و ما رواه الكليني في الحسن أو الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«اعف شعرك للحج إذا رأيت هلال ذي القعدة، و للعمرة شهرا».

و عن الحسين بن ابي العلاء في الحسن به (4) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يريد الحج، أ يأخذ من رأسه في شوال كله ما لم ير الهلال؟ قال: لا بأس ما لم ير الهلال».

و عن إسماعيل بن جابر (5) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) كم أوفر شعري إذا أردت هذا السفر؟ قال: أعفه شهرا».

و عن إسحاق بن عمار (6) قال:

«قلت لأبي الحسن موسى (عليه

____________

(1) الوسائل الباب 2 من الإحرام. و الراوي في المخطوطة و المطبوعة هو «ابن مسكان» تبعا للوسائل، و في التهذيب ج 5 ص 46 و ص 445 هو «ابن سنان» و كذا في الوافي باب (أشهر الحج و توفير الشعر فيها).

(2) الوسائل الباب 2 من الإحرام. و الشيخ يرويه عن الكليني.

(3) الوسائل الباب 2 من الإحرام.

(4) الوسائل الباب 4 من الإحرام.

(5) التهذيب ج 5 ص 47، و الوسائل الباب 3 من الإحرام.

(6) التهذيب ج 5 ص 445، و الوسائل الباب 3 من الإحرام.

4

السلام): كم أوفر شعري إذا أردت العمرة؟ قال: ثلاثين يوما».

و قال الصدوق (1) بعد نقل صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة: و قد يجزئ الحاج بالرخص ان يوفر شعره شهرا، روى ذلك هشام بن الحكم و إسماعيل بن جابر عن الصادق (عليه السلام) و رواه إسحاق بن عمار عن ابي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام). و طريق الصدوق الى هشام بن الحكم صحيح.

و الظاهر- كما استظهره في الوافي- حمل رواية إسماعيل بن جابر على العمرة لا الرخصة كما ذكره الصدوق (قدس سره).

و عن سعيد الأعرج عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«لا يأخذ الرجل- إذا رأى هلال ذي القعدة و أراد الخروج- من رأسه و لا من لحيته».

و عن أبي حمزة عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال:

«لا تأخذ من شعرك- و أنت تريد الحج- في ذي القعدة، و لا في الشهر الذي تريد فيه الخروج إلى العمرة».

و موثقة محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال:

«خذ من شعرك إذا أزمعت على الحج شوال كله الى غرة ذي القعدة».

و بهذه الأخبار أخذ القائلون بالوجوب، و هي ظاهرة في ذلك كما لا يخفى.

و قال العلامة في المختلف- بعد ان نقل صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة دليلا للقائلين بالوجوب- ما صورته: و الجواب: نقول بموجب

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 197 و 198.

(2) الوسائل الباب 2 من الإحرام.

(3) الوسائل الباب 2 من الإحرام.

(4) الوسائل الباب 2 من الإحرام.

5

الحديث، فان المستحب مأمور به كالواجب. قال في المدارك رادا عليه- و نعم ما قال-: ان أراد بكون المستحب مأمورا به انه تستعمل فيه صيغة «افعل» حقيقة منعناه، لأن الحق انها حقيقة في الوجوب كما هو مذهبه (رحمه الله) في كتبه الأصولية، و ان أراد ان المندوب يطلق عليه هذا اللفظ أعني: «المأمور به» سلمناه و لا ينفعه.

و اما ما ذكره الفاضل الخراساني في الذخيرة- حيث قال بعد نقل الأخبار المذكورة: و بهذه الاخبار استدل من زعم وجوب التوفير، و نحن حيث توقفنا في دلالة الأمر في أخبارنا على الوجوب لم يستقم لنا الحكم بالوجوب، فيثبت حكم الاستحباب بانضمام الأصل- فهو من جملة تشكيكاته الضعيفة و توهماته السخيفة، و ليت شعري إذا كانت الأوامر الواردة في الاخبار لا تدل على الوجوب، فالواجب عليه القول بإباحة جميع الأشياء و عدم التحريم و الوجوب في حكم من أحكام الشريعة بالكلية، لأنه متى كانت الأوامر لا تدل على الوجوب و النواهي لا تدل على التحريم، فليس إلا القول بالإباحة و تحليل المحرمات و سقوط الواجبات، و هو خروج عن الدين من حيث لا يشعر قائله.

و استدل العلامة في المختلف للقول المشهور

بموثقة سماعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«سألته عن الحجامة و حلق القفا في أشهر الحج. فقال: لا بأس به، و السواك و النورة».

و ردها في المدارك بضعف السند و قصور الدلالة.

و يدل عليه أيضا

رواية زرعة عن محمد بن خالد الخزاز (2) قال:

«سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: اما انا فآخذ من شعري حين أريد

____________

(1) الوسائل الباب 4 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 4 من الإحرام.

6

الخروج. يعني: إلى مكة للإحرام».

و أنت خبير بان الظاهر من الروايات المتقدمة ان هذا التوفير- وجوبا أو استحبابا- إنما هو بالنسبة إلى شعر الرأس. و لهذا حمل في الاستبصار رواية الخزاز على ما قبل ذي القعدة أو على ما سوى شعر الرأس.

و تؤيده

رواية أبي الصباح الكناني (1) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يريد الحج، أ يأخذ من شعره في أشهر الحج؟

فقال: لا، و لا من لحيته، و لكن يأخذ من شاربه و أظفاره. و ليطل ان شاء».

و به يظهر ضعف الدلالة في موثقة سماعة المذكورة.

ثم انه لا يخفى انه ليس في شيء من الاخبار المذكورة ما يدل على التقييد بالتمتع كما هو المذكور في كلامهم، فالقول بالتعميم أظهر.

و بذلك صرح جملة من متأخري المتأخرين أيضا.

[هل يجب الدم بالحلق في ذي القعدة؟]

و اما ما ذكره الشيخ المفيد (قدس سره) من وجوب الدم بالحلق في ذي القعدة فاستدل عليه

الشيخ في التهذيب بما رواه عن جميل بن دراج (2) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن متمتع حلق رأسه بمكة. قال: ان كان جاهلا فليس عليه شيء، و ان تعمد ذلك في أول الشهور للحج بثلاثين يوما فليس عليه شيء، و ان تعمد بعد الثلاثين التي يوفر فيها الشعر للحج فان عليه دما يهريقه».

____________

(1) الوسائل الباب 4 من الإحرام. و في المخطوطة و المطبوعة «بريد الكناسي» و قد أوردناه كما ورد في كتب الحديث. راجع التهذيب ج 5 ص 48.

(2) الوسائل الباب 5 من الإحرام، و الباب 4 من التقصير.

7

و أجاب في المدارك عنها (أولا): بالطعن في السند باشتماله على علي بن حديد. و (ثانيا): بالمنع من الدلالة، قال: فإنها إنما تضمنت لزوم الدم بالحلق بعد الثلاثين التي يوفر فيها الشعر للحج، و هو خلاف المدعى. مع ان السؤال، إنما وقع عن من حلق رأسه بمكة، و الجواب مقيد بذلك السؤال لعود الضمير الواقع فيه الى المسؤل عنه، فلا يمكن الاستدلال بها على لزوم الدم بذلك على وجه العموم.

و بالجملة فهذه الرواية ضعيفة السند متهافتة المتن، فلا يمكن الاستناد إليها في إثبات حكم مخالف للأصل. انتهى.

أقول: فيه أولا- ان الطعن في السند لا يقوم حجة على المتقدمين كالشيخ و نحوه ممن لا أثر لهذا الاصطلاح عندهم، كما أشرنا إليه في غير موضع من ما تقدم.

و ثانيا- ان هذه الرواية قد رواها الصدوق في الفقيه (1) عن جميل ابن دراج، و طريقه إليه في المشيخة صحيح، كما لا يخفى على من راجع ذلك. و هو إنما نقل الرواية عن التهذيب، و هي فيه ضعيفة كما ذكره.

و ثالثا- ان ما طعن به على الدلالة مردود، بان ظاهر سؤال السائل و ان كان خاصا بمن حلق رأسه بمكة، و ظاهره ان ذلك بعد عمرة التمتع، إلا ان الامام (عليه السلام) اجابه بجواب مفصل يشتمل على شقوق المسألة كملا في مكة أو غير مكة، فبين حكم الجاهل و المتعمد، و انه على تقدير التعمد ان كان في أول شهور الحج- يعني: شوال- في مدة ثلاثين يوما فلا شيء عليه، و ان تعمد بعد الثلاثين التي يوفر فيها الشعر،

____________

(1) ج 2 ص 238.

8

يعني: بعد دخول الثلاثين المذكورة، و المراد ذو القعدة كما مر في الاخبار من انه يوفر الشعر من أول ذي القعدة، لا ان معناه بعد مضي الثلاثين كما توهمه، فإنه معنى مغسول عن الفصاحة لا يمكن نسبته الى تلك الساحة. و بالجملة فإنه لا بد من تقدير مضاف في البين، و ليس تقدير المضي الذي هو في الفساد أظهر من ان يراد بأولى من تقدير الدخول الذي به يتم المراد و تنتظم الرواية مع الروايات السابقة على وجه لا يعتريه الشك و الإيراد.

و بذلك يظهر لك صحة الرواية و وضوح دلالتها على المدعى، و ان مناقشته فيها- و ان تبعه فيها من تأخر عنه كما هي عادتهم غالبا- من ما لا ينبغي ان يلتفت اليه و لا يعرج في مقام التحقيق عليه.

ثم ان هذه الرواية قد تضمنت ان الجاهل معذور لا شيء عليه.

و الظاهر ان الناسي أيضا كذلك،

لما رواه الشيخ في الصحيح عن جميل عن بعض أصحابه عن أحدهما (عليهما السلام) (1):

«في متمتع حلق رأسه؟ فقال: ان كان ناسيا أو جاهلا فليس عليه شيء، و ان كان متمتعا في أول شهور الحج فليس عليه إذا كان قد أعفاه شهرا».

و بمضمون رواية جميل المذكورة قال

في كتاب الفقه الرضوي (2) حيث قال:

«و إذا حلق المتمتع رأسه بمكة فليس عليه شيء ان كان جاهلا، و ان تعمد ذلك في أول شهور الحج بثلاثين يوما فليس عليه شيء، و ان تعمد بعد الثلاثين التي يوفر فيها شعر الحج فان عليه دما».

و معنى العبارة للذكورة: ان المتمتع متى حلق رأسه بمكة- يعني.

____________

(1) الوسائل الباب 4 من التقصير.

(2) ص 29 و 30.

9

عوض التقصير من العمرة- جاهلا فلا شيء عليه، لموضع جهله. و ان تعمد الحلق، يعني: في مكة أو غيرها. و هذا بيان لحكم آخر غير الأول لا ارتباط له به، و هو انه لما كان يستحب توفير الشعر للحج، فان حلقه في أول شهور الحج في مدة ثلاثين يوما- يعني: شهر شوال- فليس عليه شيء، و ان تعمد بعد الثلاثين التي يوفر فيها شعر الحج- يعني: بعد دخولها، و هي عبارة عن أول ذي القعدة- فإن عليه دما. و هذا هو معنى رواية جميل الذي ذكرناه.

الثاني [التهيؤ للإحرام بتنظيف الجسد و غيره]

- تنظيف جسده، و قص أظفاره، و الأخذ من شاربه، و طلي جسده و إبطيه. و لا خلاف في استحباب ذلك نصا و فتوى.

و يدل على ذلك روايات كثيرة: منها-

صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«إذا انتهيت الى العقيق من قبل العراق أو الى وقت من هذه المواقيت، و أنت تريد الإحرام- ان شاء الله- فانتف إبطيك، و قلم أظفارك، و اطل عانتك، و خذ من شاربك.

و لا يضرك بأي ذلك بدأت. ثم استك، و اغتسل، و البس ثوبيك.

و ليكن فراغك من ذلك- ان شاء الله- عند زوال الشمس، فان لم يكن ذلك عند زوال الشمس فلا يضرك».

و صحيحة حريز (2) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التهيؤ للإحرام. فقال: تقليم الأظفار، و أخذ الشارب، و حلق العانة».

و حسنة حريز ايضا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«السنة في الإحرام: تقليم الأظفار، و أخذ الشارب، و حلق العانة».

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 200، و الوسائل الباب 6 و 15 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 6 من الإحرام.

(3) الوسائل الباب 6 من الإحرام.

10

و صحيحة معاوية بن وهب (1) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام)- و نحن بالمدينة- عن التهيؤ للإحرام. قال: اطل بالمدينة، و تجهز بكل ما تريد، و اغتسل ان شئت، و ان شئت استمتعت بقميصك حتى تأتي مسجد الشجرة».

ثم انه قد ذكر الأصحاب انه متى اطلى فإنه يجزئه لإحرامه ما لم تمض خمسة عشر يوما.

و ربما كان المستند فيه

ما رواه الشيخ عن علي بن أبي حمزة (2) قال:

«سأل أبو بصير أبا عبد الله (عليه السلام) و انا حاضر، فقال:

إذا اطليت للإحرام الأول كيف أصنع في الطلية الأخيرة؟ و كم بينهما؟

قال: إذا كان بينهما جمعتان (خمسة عشر يوما) فاطل».

و روى ثقة الإسلام في الكافي عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«لا بأس بأن تطلي قبل الإحرام بخمسة عشر يوما».

و ظاهر هذه الرواية الاكتفاء بالطلية المتقدمة على الإحرام بخمسة عشر يوما، و انه لا يستحب إعادة الطلية للإحرام بعد مضي هذه المدة، مع ان ظاهر الاولى هو استحباب الإعادة بعد مضي خمسة عشر يوما.

و روى الصدوق في الفقيه (4) في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام)

«انه سأل عن الرجل يطلي قبل أن يأتي

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 200، و الوسائل الباب 7 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 7 من الإحرام. و الشيخ يرويه عن الكليني.

(3) الوسائل الباب 7 من الإحرام.

(4) ج 2 ص 200، و الوسائل الباب 7 من الإحرام.

11

الوقت بست ليال. قال: لا بأس به. و سأله عن الرجل يطلي قبل ان يأتي مكة بسبع ليال أو ثمان ليال. قال: لا بأس به».

و الظاهر ان التحديد بالخمسة عشر المذكورة إنما هو لبيان أقصى غاية الاجزاء، فلا ينافيه استحباب ذلك قبل مضي المدة المذكورة.

و يؤيده

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي (1) عن عبد الله بن ابي يعفور قال:

«كما بالمدينة فلاحاني زرارة في نتف الإبط و حلقه، فقلت:

حلقه أفضل، و قال زرارة: نتفه أفضل. فاستأذنا على ابي عبد الله (عليه السلام) فاذن لنا، و هو في الحمام يطلي، قد اطلى إبطيه، فقلت لزرارة: يكفيك. قال: لا، لعله فعل هذا لما لا يجوز لي ان أفعله.

فقال: فيما أنتما؟ فقلت: ان زرارة لاحاني في نتف الإبط و حلقه، فقلت: حلقه أفضل، و قال زرارة: نتفه أفضل. فقال: أصبت السنة و أخطأها زرارة، حلقه أفضل من نتفه، و طليه أفضل من حلقه. ثم قال لنا: اطليا. فقلنا: فعلنا منذ ثلاث. فقال: أعيدا، فإن الإطلاء طهور».

الثالث- الغسل

. و المشهور استحبابه، بل قال في المنتهى: انه لا يعرف فيه خلافا، مع انه في المختلف نقل عن ابن ابي عقيل انه قال: غسل الإحرام فرض واجب. و قد تقدم الكلام في ذلك في باب الأغسال.

و تحقيق البحث في المقام يقتضي بسطه في مواضع

الأول- هل يجب التيمم بدلا عنه لو تعذر؟

قولان، المشهور العدم، و نقل عن الشيخ

____________

(1) الفروع ج 1 ص 255 و ج 2 ص 221، و الوسائل الباب 32 و 85 من آداب الحمام.

12

و جماعة: القول بوجوب ذلك. و ربما بني ذلك على القول برفع الأغسال المستحبة، و به جزم الشهيد الثاني. و قد تقدم تحقيق القول في ذلك في كتاب الطهارة.

الثاني- لو اغتسل ثم أكل أو لبس ما لا يجوز للمحرم اكله و لبسه

أعاد الغسل استحبابا في ظاهر كلام الأصحاب.

و يدل عليه

ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«إذا لبست ثوبا لا ينبغي لك لبسه، أو أكلت طعاما لا ينبغي لك أكله، فأعد الغسل».

و في الصحيح عن عمر بن يزيد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«إذا اغتسلت للإحرام، فلا تقنع، و لا تطيب، و لا تأكل طعاما فيه طيب، فتعيد الغسل».

و عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال:

«إذا اغتسل الرجل و هو يريد ان يحرم، فلبس قميصا قبل ان يلبي، فعليه الغسل».

و ما رواه ثقة الإسلام في الكافي عن علي بن أبي حمزة (4) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اغتسل للإحرام ثم لبس قميصا قبل ان يحرم. قال: قد انتقض غسله».

و أنت خبير بان هذه الروايات إنما دلت على اعادة الغسل بالنسبة إلى أشياء مخصوصة، و هو لبس ما لا ينبغي، و أكل ما لا ينبغي، و التطيب

____________

(1) الوسائل الباب 13 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 13 من الإحرام.

(3) الوسائل الباب 11 من الإحرام. و الشيخ يرويه عن الكليني.

(4) الوسائل الباب 11 من الإحرام.

13

و اما التقنع في رواية عمر بن يزيد فالظاهر انه داخل في لبس ما لا ينبغي و المدعي في كلامهم أعم من ذلك كما عرفت. و لهذا استظهر السيد السند في المدارك عدم استحباب الإعادة بفعل ما عدا ذلك من تروك الإحرام لفقد النص. و يعضده ما ورد في من قلم أظفاره بعد الغسل من انه لا يعيده و إنما يمسحها بالماء،

كما رواه الشيخ في الحسن عن جميل بن دراج عن بعض أصحابه عن ابي جعفر (عليه السلام) (1):

«في رجل اغتسل للإحرام ثم قلم أظفاره؟ قال: يمسحها بالماء و لا يعيد الغسل».

الثالث [تقديم الغسل على الميقات إذا خيف عوز الماء فيه]

- انه يجوز له تقديم الغسل على الميقات إذا خاف عوز الماء فيه. و لو وجده فيه استحب له الإعادة.

و يدل على الحكمين المذكورين

ما رواه الشيخ في الصحيح عن هشام ابن سالم (2) قال:

«أرسلنا الى ابي عبد الله (عليه السلام) و نحن جماعة و نحن بالمدينة: انا نريد ان نودعك. فأرسل إلينا: ان اغتسلوا بالمدينة فإني أخاف ان يعز عليكم الماء بذي الحليفة، فاغتسلوا بالمدينة، و البسوا ثيابكم التي تحرمون فيها، ثم تعالوا فرادى أو مثاني.

فقال له ابن ابي يعفور:

ما تقول في دهنة بعد الغسل للإحرام؟ فقال: قبل و بعد و مع ليس به بأس. قال: ثم دعا بقارورة بان سليخة ليس فيها شيء فأمرنا فادهنا منها. فلما أردنا أن نخرج قال: لا عليكم ان تغتسلوا ان وجدتم ماء إذا بلغتم ذا الحليفة».

و ظاهر جملة من الاخبار جواز تقديم الغسل على الميقات مطلقا:

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 66، و الوسائل الباب 12 من الإحرام.

(2) التهذيب ج 5 ص 63 و 64 و ص 303، و الوسائل الباب 8 من الإحرام و الباب 30 من تروك الإحرام.

14

نحو

ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي (1) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يغتسل بالمدينة للإحرام، أ يجزئه عن غسل ذي الحليفة؟ قال: نعم».

و صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة في الأمر الثاني (2).

و ما رواه الكليني عن ابي بصير (3) قال:

«سألته عن الرجل يغتسل بالمدينة لإحرامه، أ يجزئه ذلك من غسل ذي الحليفة؟ قال: نعم.

فأتاه رجل و انا عنده، فقال: اغتسل بعض أصحابنا فعرضت له حاجة حتى أمسى؟ فقال: يعيد الغسل، يغتسل نهارا ليومه ذلك و ليلا لليلته».

الرابع [كفاية غسل النهار لليل و غسل الليل للنهار]

- انه قد صرح الأصحاب بأنه يجزئ الغسل في أول النهار ليومه و في أول الليل لليلته ما لم ينم.

و يدل عليه جملة من الاخبار: منها- رواية أبي بصير المتقدمة في سابق هذا الموضع.

و منها:

صحيحة عمر بن يزيد- و ربما وجد في نسخ التهذيب عثمان ابن يزيد، و لعله من تحريفات صاحب التهذيب، كما لا يخفى على من له انس بما جرى له فيه- عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال:

«من اغتسل بعد طلوع الفجر كفاه غسله الى الليل في كل موضع يجب فيه الغسل، و من اغتسل ليلا كفاه غسله الى طلوع الفجر».

____________

(1) الوسائل الباب 8 من الإحرام.

(2) ص 10.

(3) فروع الكافي ج 1 ص 255، و الوسائل الباب 8 و 9 من الإحرام.

(4) التهذيب ج 5 ص 64، و الوسائل الباب 9 من الإحرام.

15

و عن ابي بصير و سماعة في الموثق كلاهما عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«من اغتسل قبل طلوع الفجر- و قد استحم قبل ذلك- ثم أحرم من يومه أجزأه غسله، و ان اغتسل في أول الليل ثم أحرم في آخر الليل أجزأه غسله».

و الظاهر ان المراد بالاستحمام:

التنوير و التنظيف.

و ما رواه ثقة الإسلام عن عمر بن يزيد في الصحيح أو الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«غسل يومك ليومك، و غسل ليلتك لليلتك».

و الظاهر ايضا الاكتفاء بغسل اليوم لذلك اليوم و الليلة التي بعده، و غسل الليلة لتلك الليلة و اليوم الذي بعدها:

لما رواه الصدوق في الصحيح عن جميل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«غسل يومك يجزئك لليلتك، و غسل ليلتك يجزئك ليومك».

و ما رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر عن كتاب جميل عن حسين الخراساني عن أحدهما (عليهما السلام) (4) انه سمعه يقول:

«غسل يومك. الحديث».

و الأفضل هنا اعادة الغسل، لرواية أبي بصير المتقدمة الدالة على انه متى أمسى و دخل عليه الليل و لم يأت بالإحرام أعاد الغسل. إلا ان يحمل هذا الخبر على ما عدا غسل الإحرام.

و اما ما يدل على استحباب اعادة الغسل بالنوم فهو

ما رواه الكليني و الشيخ عنه عن النضر بن سويد في الصحيح عن ابي الحسن (عليه

____________

(1) الوسائل الباب 9 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 9 من الإحرام.

(3) الوسائل الباب 9 من الإحرام.

(4) الوسائل الباب 9 من الإحرام.

16

السلام) (1) قال:

«سألته عن الرجل يغتسل للإحرام ثم ينام قبل ان يحرم. قال: عليه اعادة الغسل».

و ما رواه أيضا في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (2) قال:

«سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يغتسل لدخول مكة ثم ينام، فيتوضأ قبل ان يدخل، أ يجزئه ذلك أو يعيد؟ قال: لا يجزئه لانه إنما دخل بوضوء».

و ما رواه ايضا عن علي بن أبي حمزة عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) قال: قال لي:

«إن اغتسلت بمكة ثم نمت قبل ان تطوف فأعد غسلك».

و هل ينتقض الغسل الأول بالنوم؟ ظاهر السيد السند في المدارك العدم، حيث قال: و الأصح عدم انتقاض الغسل بذلك و ان استحب الإعادة. و ظاهر الاخبار المذكورة الانتقاض، و لا سيما الثاني.

إلا ان الأصحاب لم ينقلوا في هذه المسألة إلا صحيحة ابن سويد، و هي و ان احتملت ما ذكره إلا ان ظاهر الرواية التي ذكرناها هو الانتقاض. و بذلك يظهر ما في قوله بعد ذكر ما قدمنا نقله عنه: بل لا يبعد عدم تأكد الاستحباب، كما تدل عليه صحيحة العيص. ثم ساق الرواية الآتية:

و اما

ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن العيص بن القاسم (4) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يغتسل للإحرام بالمدينة و يلبس ثوبين ثم ينام قبل ان يحرم. قال: ليس عليه غسل».

فالظاهر حمله على الرخصة. و قيل انه محمول على نفي تأكيد

____________

(1) الوسائل الباب 10 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 6 من مقدمات الطواف و ما يتبعها.

(3) الوسائل الباب 6 من مقدمات الطواف و ما يتبعها.

(4) الوسائل الباب 10 من الإحرام.

17

الاستحباب. و فيه ما عرفت.

و حمله الشيخ على ان المراد به نفى الوجوب. و هو بعيد، لان سوق الخبر يقتضي ان سقوط الإعادة للاعتداد بالغسل المتقدم، لا لكون غسل الإحرام غير واجب كما ذكره.

و نقل عن ابن إدريس انه نفى استحباب الإعادة بذلك. و هو مردود بما ذكرناه من الاخبار الصحيحة الصريحة في الإعادة، بل في انتقاض الغسل السابق كما عرفت.

و ألحق الشهيد في الدروس بالنوم غيره من النواقض، قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: و نفى عنه الشارح البأس، نظرا الى ان غيره أقوى منه. ثم قال: و هو ضعيف، و الأصح عدم الاستحباب، لانتفاء الدليل و ربما كان في صحيحة جميل المتقدمة إشعار بذلك.

أقول: ما ذكره من اشعار الصحيحة المذكورة بذلك صحيح، لانه يبعد ان لا يحدث الإنسان من أول اليوم- لو اغتسل في أوله- إلى آخر تلك الليلة، إلا ان صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج التي تضمنت الغسل لدخول مكة مشعرة أيضا بأنه ينبغي ان يكون الدخول بالغسل من غير ان ينقضه بناقض من حدث و غيره، لأن قوله: «لا يجزئه، لانه إنما دخل بوضوء» من ما يشير إلى أنه لا بد ان يكون الدخول بغسل غير منتقض بشيء من النواقض.

و أصرح منها في ذلك

موثقة إسحاق بن عمار المروية في التهذيب (1) قال:

«سألته عن غسل الزيارة، يغتسل بالنهار و يزور بالليل بغسل واحد.

قال: يجزئه ان لم يحدث، فإن أحدث ما يوجب وضوء فليعد غسله».

____________

(1) الوسائل الباب 3 من زيارة البيت.

18

و نحوها موثقته في الكافي أيضا (1).

و بذلك يظهر قوة ما نقله في المدارك عن الشهيدين. و حينئذ فيجب تخصيص صحيحة جميل و نحوها بهذه الأخبار الدالة على الإعادة بحدث النوم أو غيره. و يظهر ان ما ذهب إليه في المدارك- و ان كان هو ظاهر المشهور- بمحل من القصور.

الخامس [لو أحرم بغير غسل أو صلاة تدارك و أعاد الإحرام]

- لو أحرم بغير غسل أو صلاة ثم ذكر، تدارك ما تركه و أعاد الإحرام. ذكر ذلك الشيخ و جمع من الأصحاب. و صرح في المبسوط بأن الإعادة على سبيل الاستحباب.

و استدل عليه في التهذيب

بما رواه عن الحسين بن سعيد عن أخيه الحسن (2) قال:

«كتبت الى العبد الصالح ابي الحسن (عليه السلام):

رجل أحرم بغير صلاة أو بغير غسل جاهلا أو عالما، ما عليه في ذلك؟

و كيف ينبغي له ان يصنع؟ فكتب: يعيده».

و رواه في الكافي أيضا عن علي بن مهزيار (3) قال:

«كتب الحسن ابن سعيد الى ابي الحسن (عليه السلام). الحديث».

قال في المدارك: و إنما حملنا الإعادة على الاستحباب لأن السؤال إنما وقع عن ما ينبغي لا عن ما يجب. و فيه ما قدمنا ذكره في غير مقام من ان لفظ: «ينبغي و لا ينبغي» في الأخبار أكثر كثير في معنى الوجوب و التحريم، و ان استعمل في هذا المعنى الذي ذكره أحيانا، و ان الحمل على أحدهما يتوقف على القرينة.

____________

(1) الوسائل الباب 3 من زيارة البيت.

(2) الوسائل الباب 20 من الإحرام.

(3) الوسائل الباب 20 من الإحرام.

19

و نقل عن ابن إدريس انه أنكر استحباب الإعادة. و هو جيد على أصوله الغير الأصلية.

و هل المعتبر الإحرام الأول أو الثاني؟ فالشهيدان على انه الأول، قال في المسالك: و المعتبر هو الأول، إذ لا سبيل إلى إبطال الإحرام بعد انعقاده. و على هذا ينبغي ان يكون المعاد هو اللبس و التلبية لا النية. و ظاهر العلامة في المختلف انه الثاني، حيث قال: لا استبعاد في استحباب اعادة الفرض لأجل النفل، كما في الصلاة المكتوبة إذا دخل المصلي فيها بغير أذان و لا إقامة، فإنه يستحب إعادتها. و أجاب عنه في المسالك بان الفرق بين المقامين واضح، فإن الصلاة تقبل الإبطال بخلافه.

و استشكل العلامة في القواعد في ان أيهما المعتبر. و قطع بوجوب الكفارة بتخلل الموجب بينهما.

و ربما أمكن توجيه الإشكال بأن الأول لم يقع فاسدا، فلا سبيل إلى إبطاله بعد انعقاده، فيكون هو المعتبر المبرئ للذمة. و ان الأمر بإعادته يدل على عدم اعتباره. و لأنه أرجح في نظر الشارع، فيكون اولى بالاعتبار.

و فيه انه لا منافاة بين الإعادة لطلب الكمال و بين براءة الذمة بالأول. و لان عدم اعتباره لا يدل على إبطاله. و قد عرفت انه لا دليل على إبطاله بعد انعقاده. و من ما ينسب الى الشهيد ان المعتبر في الاجزاء الأول و في الكمال الثاني. و هو ظاهر في ما ذكرناه. و قضية قطعه بالكفارة بتخلل الموجب بينهما إنما يتم على تقدير صحة الأول و تعلق غرض الشارع به.

الرابع- ان يحرم عقيب فريضة الظهر [أو آية فريضة أو نافلة للإحرام]

أو فريضة فان لم يتفق صلى للإحرام

20

ست ركعات، و أقلها ركعتان.

و يدل على ذلك جملة من الاخبار،

كصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال:

«لا يكون إحرام إلا في دبر صلاة مكتوبة أو نافلة، فإن كانت مكتوبة أحرمت في دبرها بعد التسليم و ان كانت نافلة صليت ركعتين و أحرمت في دبرها، فإذا انفتلت من الصلاة فاحمد الله (عز و جل) و أثن عليه. الحديث».

و صحيحته الأخرى عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«إذا أردت الإحرام في غير وقت صلاة فريضة فصل ركعتين ثم أحرم في دبرهما».

و ثالثة له ايضا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«صل المكتوبة ثم أحرم بالحج أو بالمتعة، و اخرج بغير تلبية حتى تصعد إلى أول البيداء. الحديث».

و ما رواه الشيخ عن معاوية بن عمار و عبيد الله الحلبي كلاهما عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال:

«لا يضرك بليل أحرمت أو نهار إلا ان أفضل ذلك عند زوال الشمس».

و عن الحلبي في الصحيح (5) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) أ ليلا أحرم رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أم نهارا؟ فقال: بل نهارا فقلت: فأية ساعة؟ قال: صلاة الظهر».

و ما رواه الصدوق و الكليني في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله

____________

(1) الوسائل الباب 16 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 18 من الإحرام.

(3) الوسائل الباب 34 من الإحرام.

(4) الوسائل الباب 15 من الإحرام.

(5) الوسائل الباب 15 من الإحرام.

21

(عليه السلام) (1) قال:

«سألته أ ليلا أحرم رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أم نهارا؟ فقال: نهارا. فقلت: أي ساعة؟ قال: صلاة الظهر. فسألته متى ترى ان نحرم؟ فقال: سواء عليكم، إنما أحرم رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) صلاة الظهر، لان الماء كان قليلا كان يكون في رؤوس الجبال، فيهجر الرجل الى مثل ذلك من الغد، و لا يكاد يقدرون على الماء، و إنما أحدثت هذه المياه حديثا».

أقول: و الظاهر ان هذه الاخبار الثلاثة هي مستند الأصحاب في ما ذكروه من استحباب الإحرام عقيب فريضة الظهر. و ظاهر الخبر الأخير ان السبب في إحرامه (صلى اللّٰه عليه و آله) في ذلك الوقت إنما هو قلة الماء و إنما يؤتى به بعد الهجرة إليه في اليوم السابق في ذلك الوقت، و لهذا لما سأله الراوي: «متى ترى ان نحرم؟ قال: سواء عليكم» يعني: أي وقت أردتم. ثم ذكر له العلة في إحرامه (صلى اللّٰه عليه و آله) بعد صلاة الظهر. نعم (2) صحيحة الحلبي تضمنت ان أفضل ذلك عند زوال الشمس و لعل وجه الجمع بينهما انه لما اتفق إحرامه (صلى اللّٰه عليه و آله) في ذلك الوقت للعلة المذكورة صار الفضل في ذلك الوقت. إلا ان قوله (عليه السلام): «سواء عليكم» من ما ينافر ذلك، و ان كان الجواز لا ينافي الاستحباب.

و ما رواه الشيخ عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«تصلي للإحرام ست ركعات تحرم في دبرها».

و هذه الرواية هي

____________

(1) الوسائل الباب 15 من الإحرام.

(2) أوردنا العبارة هنا كما جاءت في المخطوطة.

(3) الوسائل الباب 18 من الإحرام.

22

مستندهم في الاستحباب بعد الست ركعات.

و ما رواه ابن بابويه في الموثق عن ابي الحسن (عليه السلام) (1)

«في الرجل يأتي ذا الحليفة أو بعض الأوقات بعد صلاة العصر أو في غير وقت صلاة؟ قال: لا، ينتظر حتى تكون الساعة التي يصلى فيها و إنما قال ذلك مخافة الشهرة».

هكذا صورة الخبر في الفقيه (2).

و ظاهر المحدث الكاشاني ان قوله: «و إنما. الى آخره» هو من كلام صاحب الفقيه حيث لم يذكره في متن الخبر و إنما ذكره في البيان نقلا عنه. و ظاهر غيره ممن نقل الخبر انه من متن الخبر، و كأنه بناء على ذلك من كلام بعض الرواة.

و ما رواه الشيخ في التهذيب عن إدريس بن عبد الله (3) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يأتي بعض المواقيت بعد العصر كيف يصنع؟ قال: يقيم الى المغرب. قلت: فان ابي جماله ان يقيم عليه؟ قال: ليس له أن يخالف السنة. قلت: إله أن يتطوع بعد العصر؟ قال: لا بأس به، و لكني أكرهه للشهرة، و تأخير ذلك أحب الي. قلت: كم أصلي إذا تطوعت؟ قال: اربع ركعات».

و في هذا الخبر ما يكشف عن الخبر المتقدم من الأمر بانتظار الساعة التي يصلى فيها لئلا يصلي نافلة في الأوقات المكروهة فيها الصلاة عند العامة (4) فيعرف بالتشيع و يؤخذ به. و الظاهر ان المراد بقوله: «ليس

____________

(1) الوسائل الباب 19 من الإحرام.

(2) ج 2 ص 208.

(3) الوسائل الباب 19 من الإحرام.

(4) راجع طرح التثريب في شرح التقريب لعبد الرحيم العراقي الشافعي ج 2 ص 182 الى ص 184.

23

له ان يخالف السنة» أي يحرم من غير صلاة.

فوائد

الاولى [عدم كراهة صلاة الإحرام في الأوقات المشهورة]

- ينبغي ان يعلم انه على تقدير القول بكراهة الصلاة في الأوقات المشهورة فإن صلاة الإحرام مستثناة من ذلك، كما استفاضت به الاخبار:

و منها-

قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار (1):

«خمس صلوات لا تترك على حال: إذا طفت بالبيت، و إذا أردت أن تحرم.

الحديث».

و قوله (عليه السلام) في رواية أبي بصير (2):

«خمس صلوات تصليها في كل وقت: منها: صلاة الإحرام».

الى غير ذلك من الاخبار.

الثانية [هل السنة وقوع الإحرام بعد الفريضة و النافلة؟]

- المفهوم من الاخبار التي ذكرناها في المقام- و هي التي وقفنا عليها من اخبار المسألة- ان السنة في الإحرام ان يحرم عقيب فريضة ان اتفق و إلا عقيب نافلة، و أفضلها ست ركعات و أقلها اثنتان. و المفهوم من كلام الأصحاب هو الجمع بين النافلة و الفريضة، مقدما للنافلة على الفريضة كما في بعض، أو مؤخرا لها كما في آخر.

قال الشيخ في المبسوط: و أفضل الأوقات التي يحرم فيها عند الزوال و يكون ذلك بعد فريضة الظهر، فان اتفق ان يكون في غير هذا الوقت جاز، و الأفضل ان يكون عقيب فريضة، فان لم يكن وقت فريضة صلى ست ركعات من النوافل و أحرم في دبرها، فان لم يتمكن من ذلك أجزأه ركعتان.

____________

(1) الوسائل الباب 39 من مواقيت الصلاة، و الباب 19 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 39 من مواقيت الصلاة، و الباب 19 من الإحرام.

24

و ظاهر هذه العبارة عدم الجمع، و هو المفهوم من الاخبار.

ثم قال بعد ذلك بأسطر: و يجوز ان يصلى صلاة الإحرام أي وقت كان من ليل أو نهار ما لم يكن وقت فريضة قد تضيق، فان تضيق الوقت بدأ بالفرض ثم بصلاة الإحرام، و ان كان أول الوقت بدأ بصلاة الإحرام ثم بصلاة الفرض.

و لا يخفى ما بين الكلامين من المدافعة و المنافاة، مع عدم وجود دليل على هذا الكلام الأخير- كما عرفت- من اخبار المسألة. و نحو ذلك عبارته في النهاية في الموضعين الظاهرين في التنافي رأي العين.

و الظاهر ان المراد بقوله في الكلام الأول: «و الأفضل ان يكون عقيب فريضة» يعني: مع تقديم نافلة الإحرام على الفريضة و الجمع بينهما، بمعنى ان الأفضل تقديم النافلة و عقد الإحرام عقيب الفريضة دون العكس و يكون مقيدا باتساع الوقت، كما يشعر به الكلام الأخير. و به يندفع التنافي عن كلاميه.

و قريب من عبارتي المبسوط و النهاية عبارة المحقق في الشرائع.

و يكشف عن ما ذكرناه عبارة ابن إدريس في السرائر حيث قال:

و أفضل الأوقات التي يحرم الإنسان فيها بعد الزوال، و يكون ذلك بعد فريضة الظهر، فعلى هذا تكون ركعتا الإحرام المندوبة قبل فريضة الظهر بحيث يكون الإحرام عقيب صلاة الظهر. ثم ساق الكلام على نحو ما ذكره الشيخ في الموضعين المتقدمين. و نحو ذلك من ما يدل على الجمع كلام الشيخ المفيد في المقنعة، و العلامة في المنتهى و القواعد و التذكرة و الشهيد في الدروس. و كل ذلك مع تقديم النافلة على الفريضة. و نقل في المختلف عن ابن ابي عقيل ما يشعر بتقديم الفريضة على النافلة، و به

25

صرح ابن حمزة في الوسيلة، حيث قال: و إذا كان بعد فريضة صلى ركعتين له و أحرم بعدهما، و ان صلى ستا كان أفضل.

قال في المسالك- بعد قول المصنف: و يحرم عقيب فريضة الظهر أو فريضة غيرها، و ان لم يتفق صلى قبل الإحرام ست ركعات، و أقله ركعتان- ما لفظه: ظاهر العبارة يقتضي انه مع صلاة الفريضة لا يحتاج إلى سنة الإحرام و إنما يكون عند عدم الظهر أو فريضة. و ليس كذلك.

و إنما السنة ان يصلى سنة الإحرام أولا ثم يصلى الظهر أو غيرها من الفرائض ثم يحرم، فان لم يتفق ثم فريضة اقتصر على سنة الإحرام الست أو الركعتين. و لا فرق في الفريضة بين اليومية و غيرها، و لا بين المؤداة و المقضية. و قد اتفق أكثر العبارات على القصور عن تأدية المراد هنا.

أقول: و هذه العبارة نظير صدر عبارتي المبسوط و النهاية كما قدمنا ذكره. و أشار بقوله: «و قد اتفق أكثر العبارات. الى آخره» الى نحو هذه العبارة التي اقتصر فيها على الإحرام بعد الفريضة من غير الإتيان بسنة الإحرام.

ثم قال (قدس سره)- بعد قول المصنف: و يوقع نافلة الإحرام تبعا له و لو كان وقت فريضة- ما صورته: أي تابعة للإحرام، فلا يكره و لا يحرم فعلها في وقت الفريضة قبل ان يصلى الفريضة، كما لا يحرم أو يكره فعل النوافل التابعة للفرائض كذلك. و قد خرجت هذه بالنص كما خرجت تلك، فإن إيقاع الإحرام في وقت الفريضة بعدها و بعد النافلة يقتضي ذلك غالبا. انتهى.

أقول: و عبارة المصنف هنا نظير عجز عبارتي المبسوط و النهاية

26

كما قدمنا- في الدلالة على ان الإحرام وقت الفريضة بعد سنة الإحرام و الفريضة جميعا. و لا ريب ان هذا مناف لما قدمه في صدر عبارته التي اعترض عليها الشارح. و العجب انه (قدس سره) لم يتنبه لذلك. و الظاهر ان وجه الجمع بين الكلامين هو ما قدمناه، كما هو صريح عبارة السرائر.

ثم العجب من اتفاق كلمتهم (نور الله تعالى مراقدهم) على اعتبار الجمع في وقت الفريضة بين سنة الإحرام و الفريضة مع عدم وجوده في النصوص المتقدمة. و أعجب من ذلك دعوى شيخنا المشار إليه في كلامه الثاني وجود النص في قوله: «و قد خرجت هذه بالنص» و النصوص المتقدمة- كما دريت- ظاهرة الدلالة في الإحرام عقيب الفريضة أو النافلة كل على حده.

نعم في كتاب الفقه الرضوي ما يدل على ما ذكروه، و لعله المستند عند المتقدمين فجرى عليه المتأخرون.

قال (عليه السلام) في الكتاب المذكور (1):

فان كان وقت صلاة فريضة فصل هذه الركعات قبل الفريضة ثم صل الفريضة- و روى ان أفضل ما يحرم الإنسان في دبر الصلاة الفريضة- ثم أحرم في دبرها ليكون أفضل.

انتهى.

و قد ذكرنا في غير موضع من ما تقدم ان كثيرا ما يذكر المتقدمون بعض الأحكام التي لم يرد لها مستند في كتب الأخبار المشهورة و يوجد مستندها في هذا الكتاب، فلعل هذا من ذاك. و الصدوق في الفقيه (2) قد افتى بمضمون هذه الرواية.

____________

(1) ص 26 و 27.

(2) ج 2 ص 313.

27

و بما حققناه في المقام يظهر ان ما ذكره في المدارك- من نسبة القول المذكور الى جده (قدس الله سرهما و روحيهما) خاصة و بحثه معه- ليس في محله، بل هو قول كافة الأصحاب كما تلوناه عليك.

الثالثة [ما يقرأ في صلاة الإحرام]

- قد اختلفت كلمة الأصحاب في ما يقرأ في سنة الإحرام، فقيل انه يقرأ في الأولى بعد الحمد «قل يا ايها الكافرون» و في الثانية بعد الحمد «قل هو الله أحد» صرح به الشيخ في النهاية، و ابن إدريس في السرائر، و العلامة في التذكرة و المنتهى، و في المبسوط عكس ذلك، و في الشرائع بعد ذكر القول الأول قال: و فيه رواية أخرى.

و أنت خبير بانا لم نقف في الاخبار على ما يتعلق بهذه المسألة إلا على

ما رواه الكليني في الحسن عن معاذ بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«لا تدع أن تقرأ ب«قل هو الله أحد» و «قل يا ايها الكافرون» في سبع مواطن: في الركعتين قبل الفجر، و ركعتي الزوال، و ركعتين بعد المغرب، و ركعتين من أول صلاة الليل، و ركعتي الإحرام، و الفجر إذا أصبحت بها، و ركعتي الطواف».

قال الشيخ في التهذيب (2) بعد ان أورد هذه الرواية: و في رواية اخرى: انه يبدأ في هذا كله ب

«قل هو الله أحد» و في الثانية ب«قل يا ايها الكافرون» إلا في الركعتين قبل الفجر فإنه يبدأ: «قل يا ايها الكافرون» ثم يقرأ في الركعة الثانية ب«قل هو الله أحد».

____________

(1) الوسائل الباب 15 من القراءة في الصلاة.

(2) ج 1 ص 155، و كذا في فروع الكافي ج 1 ص 87، و في الوسائل عنهما في الباب 15 من القراءة في الصلاة.

28

المقصد الثاني في كيفيته

و هي تشتمل على واجب و مندوب، فالكلام هنا يقع في مقامين:

[المقام] الأول في الواجب

، و هو- كما ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم)- ثلاثة:

الأول- النية

بأن يقصد بقلبه إلى أمور أربعة: ما يحرم به من حج أو عمرة متقربا، و نوعه من تمتع أو قران أو افراد، و صفته من وجوب أو ندب، و ما يحرم له من حجة الإسلام أو غيرها. كذا ذكروه (عطر الله مراقدهم).

و العلامة في المنتهى- بعد ان اعتبر في نية الإحرام القصد الى هذه الأمور الأربعة- قال: و لو نوى الإحرام مطلقا و لم ينو حجا و لا عمرة انعقد إحرامه، و كان له صرفه إلى أيهما شاء. و لا يخفى ما بين الكلامين من المدافعة.

ثم استدل على صحة نية الإحرام مطلقا بأنه عبادة منوية.

و بحديث أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) و قوله:

«إهلالا كإهلال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)».

و تقريره (صلى اللّٰه عليه و آله) على ذلك

و قوله:

«كن على إحرامك مثلي و أنت شريكي في هديي».

أقول: و الأمر في النية عندنا هين، و قد تقدم الكلام فيها في كتاب الطهارة مستوفى، و في أثناء مباحث الكتاب. و اما حديث إهلال أمير المؤمنين (عليه السلام) فسيأتي الكلام فيه في المقام ان شاء الله تعالى.

و الأظهر عندي في هذا المقام هو الوقوف على ما رسمته النصوص الواردة عنهم (عليهم السلام):

____________

(1) الوسائل الباب 2 من أقسام الحج.

29

و من أوضحها و أكملها

ما رواه المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مراقدهم) في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال:

«لا يكون إحرام إلا في دبر صلاة مكتوبة أو نافلة، فإن كانت مكتوبة أحرمت في دبرها بعد التسليم، و ان كانت نافلة صليت ركعتين و أحرمت في دبرها، فإذا انفتلت من صلاتك فاحمد الله و أثن عليه، و صل على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و قل: اللهم إني أسألك أن تجعلني ممن استجاب لك و آمن بوعدك و اتبع أمرك، فإني عبدك و في قبضتك، لا أوقى إلا ما وقيت، و لا آخذ إلا ما أعطيت، و قد ذكرت الحج فأسألك أن تعزم لي عليه على كتابك و سنة نبيك (صلى اللّٰه عليه و آله) و تقويني على ما ضعفت عنه، و تسلم مني مناسكي في يسر منك و عافية، و اجعلني من وفدك الذين رضيت و ارتضيت و سميت و كتبت، اللهم انى خرجت من شقة بعيدة، و أنفقت مالي ابتغاء مرضاتك، اللهم فتمم لي حجتي و عمرتي، اللهم اني أريد التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك و سنة نبيك (صلى اللّٰه عليه و آله) فان عرض لي عارض يحبسني فحلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي، اللهم ان لم تكن حجة فعمرة، أحرم لك شعري و بشري و لحمي و دمي و عظامي و مخي و عصبي من النساء و الثياب و الطيب، ابتغي بذلك وجهك و الدار الآخرة. قال: و يجزئك ان تقول هذا مرة واحدة حين تحرم. ثم قم فامش هنيئة، فإذا استوت بك الأرض ماشيا كنت أو راكبا فلب».

و روى الشيخ في الصحيح عن حماد بن عثمان عن ابي عبد الله (عليه

____________

(1) الفروع ج 4 ص 331، و التهذيب ج 5 ص 77، و الفقيه ج 2 ص 206، و الوسائل الباب 16 من الإحرام.

30

السلام) (1) قال:

«قلت له: اني أريد أن أتمتع بالعمرة إلى الحج فكيف أقول؟ قال: تقول: اللهم اني أريد أن أتمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك و سنة نبيك (صلى اللّٰه عليه و آله). و ان شئت أضمرت الذي تريد».

و بمضمونها رواية أبي الصباح مولى بسام الصيرفي (2).

و في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«إذا أردت الإحرام و التمتع فقل: اللهم اني أريد ما أمرت به من التمتع بالعمرة إلى الحج، فيسر ذلك لي و تقبله مني و اعني عليه، و حلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي، أحرم لك شعري و بشري من النساء و الطيب و الثياب. و ان شئت فلب حين تنهض، و ان شئت فأخره حتى تركب بعيرك و تستقبل القبلة فافعل».

و في كتاب الفقه الرضوي (4) قال بعد ذكر العبارة المتقدمة نقلها عنه:

فإذا فرغت فارفع يديك و مجد الله كثيرا، و صل على محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) كثيرا، و قل: اللهم اني أريد ما أمرت به من التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك و سنة نبيك (صلى اللّٰه عليه و آله) فان عرض لي عرض يحبسني فحلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي، اللهم ان لم تكن حجة فعمرة.

ثم تلبي سرا بالتلبية الأربعة و هي المفترضات، تقول لبيك. الى آخره.

أقول: و غاية ما يستفاد من هذه الاخبار هو ان المكلف ينبغي ان

____________

(1) الوسائل الباب 17 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 17 من الإحرام. و الراوي في التهذيب ج 5 ص 78 و غيره كما أوردناه هنا. نعم في الوسائل ورد بلفظ «ابي الصلاح».

(3) الوسائل الباب 16 من الإحرام.

(4) ص 27.

31

يقول هذا القول وقت الإحرام و الدعاء و الاشتراط على ربه في حله حيث حبسه. و من الظاهر البين ان النية حقيقة أمر وراء ذلك، و هي القصد الى الفعل بعد تصور الداعي الباعث له على حركته من وطنه و توجهه الى هذا الوجه و خروجه، و ان عبر عن ذلك بالنية مجازا فلا مشاحة في ذلك.

[فوائد]

إذا عرفت ذلك فاعلم ان في المقام فوائد

الأولى [نية الإحرام مبهما]:

قال الشيخ في المبسوط- على ما نقله في المختلف-: لو أحرم مبهما و لم ينو لا حجا و لا عمرة كان مخيرا بين الحج و العمرة أيهما شاء فعل إذا كان في أشهر الحج، و ان كان في غيرها لم ينعقد إحرامه إلا بالعمرة. و بذلك صرح العلامة في المنتهى مستندا الى

حديث علي (عليه السلام) (1) و إحرامه لما رجع من اليمن، و قال:

«إهلالا كإهلال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)».

مع انه رده في المختلف- بعد نقله عن الشيخ- بان الواجب عليه أحد النسكين، و إنما يتميز أحدهما عن الآخر بالنية.

و هو جيد. و يؤيده ما قدمناه في بحث النية من كتاب الطهارة، من ان مدار الأفعال- وجودا و عدما، و اتحادا و تعددا، و صحة و بطلانا و جزأيها ثوابا و عقابا- على القصود و النيات، كما دلت عليه الاخبار المذكورة في ذلك المقام.

ثم انه في المختلف أجاب عن حديث علي (عليه السلام) بالمنع من انه لم يعلم إهلال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله). و لا يخلو من بعد. و سيأتي تحقيق القول فيه ان شاء الله تعالى.

الثانية [الإحرام للحج و العمرة]

- قال المحقق في الشرائع: لو أحرم بالحج و العمرة و كان

____________

(1) الوسائل الباب 2 من أقسام الحج.

32

في أشهر الحج كان مخيرا بين الحج و العمرة إذا لم يتعين عليه أحدها، و ان كان في غير أشهر الحج تعين للعمرة. و لو قيل بالبطلان في الأول و لزوم تجديد النية كان أشبه.

قال في المسالك بعد نقل العبارة المذكورة: أراد بالأول الإحرام بهما في أشهر الحج. و القائل بالصحة فيه ابن ابي عقيل و جماعة، و له شواهد من الاخبار. و الأصح البطلان.

أقول: لا ريب ان ابن ابي عقيل و ان قال بالإحرام بالحج و العمرة في نية واحدة بشرط سياق الهدي كما تقدم ذكره، لكنه لا يقول بالتخيير بين الحج و العمرة، بل هو قائل بوجوب الإتيان بهما: العمرة أولا ثم الحج، و انه لا يحل من العمرة بعد الإتيان بأفعالها كما في المتمتع الغير القارن، و إنما يحل بعد الإتيان بأفعال الحج كملا، كما تقدم تحقيق الكلام في ذلك في البحث الثاني من المطلب الثاني من المقدمة الرابعة (1).

و في المدارك نقل القول بالتخيير في هذه الصورة عن الشيخ في الخلاف و الظاهر انه الأظهر، لأنه موافق لما قدمنا نقله عن المبسوط، و ان كان قد فرض المسألة ثمة في ما لو لم ينو حجا و لا عمرة، و هنا في ما لو نواهما معا. ثم رده في المدارك بأنه ضعيف جدا، قال: لأن المنوي- أعني:

وقوع الإحرام الواحد للحج و العمرة معا- لم يثبت جوازه شرعا، فيكون التعبد به باطلا، و غيره لم تتعلق به النية. مع ان العلامة في المنتهى نقل عن الشيخ في الخلاف انه قال: لا يجوز القران بين حج و عمرة بإحرام واحد. و ادعى على ذلك الإجماع. انتهى. و هو جيد.

أقول: و مع تسليم صحة وقوع الإحرام للحج و العمرة- بناء على

____________

(1) ج 14 ص 372.

33

مذهب ابن ابي عقيل و من قال بقوله- فالقول بالتخيير يحتاج الى دليل فان مقتضى قول أولئك إنما هو وجوب الإتيان بهما معا، و انه لا يحل من إحرامه حتى يأتي بالعمرة ثم الحج، فالقول بالتخيير في الصورة المذكورة لا وجه له.

ثم ظاهر عبارة المحقق المذكورة: انه لو أحرم بهما في غير أشهر الحج تعين للعمرة، حيث لم يتعرض لرده. و هو ظاهر الشيخ في المبسوط و العلامة في المنتهى في المسألة الاولى. و هو ايضا غير جيد، كما ذكره في المدارك و قبله جده (قدس الله روحيهما) في المسالك، لان العبادات توقيفية، و لم يثبت عن الشارع مثل ذلك. و مجرد كون الزمان لا يقبل غير العمرة المفردة- كما احتجوا به- لا يصلح دليلا شرعيا.

الثالثة [قصد الإحرام بما أحرم به شخص آخر من النسك]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لو قال:

«كإحرام فلان» و كان عالما بما أحرم صح، لحصول النية المعتبرة. و اما لو كان جاهلا، فان حصل العلم قبل الطواف قيل: الأصح صحته، فإن أمير المؤمنين (عليه السلام) لما قدم من اليمن أحرم كذلك و لم يكن عالما بما أحرم به النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و انكشف الحال له قبل الطواف.

و ان استمر الاشتباه لموت أو غيبة قال الشيخ: يتمتع احتياطا للحج و العمرة، لأنه ان كان متمتعا فقد وافق و ان كان غيره فالعدول عنه جائز. ورد بان العدول انما يسوغ في حج الإفراد خاصة إذا لم يكن متعينا عليه. و نقل في المسالك قولا بالبطلان في الصورة المذكورة، قال: و هو أحوط. قال في التذكرة: و لو بان ان فلانا لم يحرم انعقد مطلقا و كان له صرفه الى اي نسك شاء. و كذا لو لم يعلم هل أحرم فلان أم لا؟ لأصالة عدم إحرامه. قال في المدارك: و هو حسن.

34

أقول: و عندي في أصل المسألة إشكال، فإن المستند في ذلك انما هو

قول أمير المؤمنين (عليه السلام) لما قدم من اليمن:

«إهلالا كإهلال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)»

(1)

.

و الذي يظهر لي من الخبر المذكور اختصاص ذلك به (عليه السلام) حيث

ان الصدوق في الفقيه (2) ذكر حكاية حج النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)- و ان لم يسنده- بهذه الصورة:

قال:

«و نزلت المتعة على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) عند المروة بعد فراغه من السعي، فقال: ايها الناس هذا جبرئيل (عليه السلام)- و أشار بيده الى خلفه. و ساق الكلام الى ان قال: و كان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ساق معه مائة بدنة، فجعل لعلي (عليه السلام) منها أربعا و ثلاثين و لنفسه ستا و ستين، و نحوها كلها بيده. الى ان قال:

و كان علي (عليه السلام) يفتخر على الصحابة و يقول: من فيكم مثلي و انا شريك رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) في هديه، من فيكم مثلي و انا الذي ذبح رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) هديي بيده».

و لا ريب ان الصدوق و ان لم يسنده هنا إلا انه لم يذكره إلا بعد ورود الخبر به عنده. و هو ظاهر في ما ذكرناه، فان افتخار علي (عليه السلام) على الصحابة- بكونه شريك رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) في هديه- أظهر ظاهر في ما ذكرناه، و لو كان هذا الحكم عاما في جميع الناس- كما يدعونه- لم يكن لافتخاره (عليه السلام) بذلك وجه.

و نحن قد قدمنا الخبر برواية الشيخ و الكليني في صدر المقدمة الرابعة (3)

____________

(1) الوسائل الباب 2 من أقسام الحج.

(2) ج 2 ص 153، و الوسائل الباب 2 من أقسام الحج.

(3) ج 14 ص 315.

35

على غير هذا النحو، إلا انه لا يخلو من الاشكال كما نبهنا عليه ثمة.

و حينئذ فإن وقفوا على مضمون الخبر- من انه متى أهل كإهلال فلان، فبان ان فلانا ساق الهدي، فإنه يكون شريكا في هديه، كما تضمنه حديث علي (عليه السلام)- ففيه ان افتخاره (عليه السلام) بذلك ينافي القول بالعموم كما ادعوه، و ان خرجوا عنه في ذلك لم يتم لهم الاستدلال به.

و بذلك يظهر لك ما في الفروع التي فرعوها في المسألة من الاختلال.

بل مع صحة الاستدلال بالخبر- كما ادعوه- لا تخلو ايضا من الاشكال و لا سيما ما استحسنه في المدارك من كلام التذكرة، فإني لا اعرف له وجه حسن مع بناء العبادات على التوقيف. و ما رد به كلام الخلاف في سابق هذه المسألة- كما قدمنا نقله عنه- جار هنا أيضا.

الرابعة [قصد الإحرام بنسك و التلبية بغيره]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لو نوى الإحرام بنسك و لبى بغيره انعقد ما نواه دون ما تلفظ به، لان المدار على النية، و اللفظ لا اعتبار به. و هو كذلك.

و يدل عليه

ما رواه الشيخ في الصحيح عن احمد بن محمد بن ابي نصر (1) قال:

«قلت لأبي الحسن علي بن موسى (عليه السلام):

كيف أصنع إذا أردت أن أتمتع؟ فقال: لب بالحج و انو المتعة، فإذا دخلت مكة، طفت بالبيت، و صليت الركعتين خلف المقام، و سعيت بين الصفا و المروة، و قصرت، فنسختها و جعلتها متعة».

و قد تقدمت صحيحة زرارة المنقولة عن كتاب الكشي في التنبيه

____________

(1) الوسائل الباب 22 من الإحرام.

36

الخامس من البحث الرابع من المطلب الثاني في حج الافراد و القران (1) دالة على ما دلت عليه الصحيحة المذكورة.

و اما ما ذكره في المدارك في معنى

صحيحة أحمد بن محمد بن ابي نصر- حيث نقلها الى قوله:

«و انو المتعة».

كما هو أحد روايتي الشيخ لها، فإنه رواها تارة كما ذكره في المدارك (2) و اخرى كما نقلناه (3)- من ان المراد انه يهل بحج التمتع و ينوي الإتيان بعمرة التمتع قبله- فهو ناشىء عن الغفلة عن ملاحظة الرواية الأخرى، فإنها صريحة في فسخ ما اتى به أولا من حج الافراد و العدول عنه، و انه ينوي بما اتى به عمرة التمتع.

و نحوها

صحيحة زرارة المشار إليها (4) حيث قال فيها:

«و عليك بالحج ان تهل بالإفراد و تنوي الفسخ، إذا قدمت مكة و طفت و سعيت فسخت ما أهللت به و قلبت الحج عمرة، و أحللت إلى يوم التروية. الحديث».

[الأخبار الواردة في ما يهل به الآفاقي]

و الاخبار في هذا المقام مختلفة، فبعضها يدل على ما دل عليه هذان الخبران من التلبية بحج الافراد و إضمار التمتع، و بعضها يدل على التلبية بالعمرة المتمتع بها الى الحج. و الوجه في تلك الأخبار التقية.

____________

(1) ج 14 ص 401.

(2) التهذيب ج 5 ص 80، و الوسائل الباب 22 من الإحرام. و اللفظ في التهذيب هكذا: «ينوي المتعة و يحرم بالحج» و في الوسائل كما في الاستبصار ج 2 ص 168: «ينوي العمرة و يحرم بالحج». و الذي أورده في المدارك هو اللفظ الوارد في الرواية المتقدمة سؤالا و جوابا.

(3) التهذيب ج 5 ص 86.

(4) الوسائل الباب 14 من أعداد الفرائض من كتاب الصلاة، و الباب 5 من أقسام الحج.

37

و لا بأس بإيراد جملة من الاخبار المذكورة، فمنها-

ما رواه في الكافي في الموثق عن إسحاق بن عمار (1) قال:

«قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام):

ان أصحابنا يختلفون في وجهين من الحج، يقول بعضهم: أحرم بالحج مفردا، فإذا طفت بالبيت و سعيت بين الصفا و المروة فأحل و اجعلها عمرة.

و بعضهم يقول: أحرم و انو المتعة بالعمرة إلى الحج. أي هذين أحب إليك؟ قال: انو المتعة».

و ما رواه في الصحيح عن الحضرمي و الشحام و منصور بن حازم (2) قالوا:

«أمرنا أبو عبد الله (عليه السلام) ان نلبي و لا نسمي شيئا. و قال:

أصحاب الإضمار أحب الي».

و نحوها موثقة إسحاق بن عمار (3) و صحيحة أبان بن تغلب (4).

و ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن حمران بن أعين (5) قال:

«سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن التلبية. فقال لي: لب بالحج فإذا دخلت مكة طفت بالبيت و صليت و أحللت».

و بمضمونها صحيحة زرارة (6).

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الملك بن أعين (7) قال:

«حج جماعة من أصحابنا فلما وافوا المدينة دخلوا على ابي جعفر (عليه السلام) فقالوا: ان زرارة أمرنا أن نهل بالحج إذا أحرمنا. فقال لهم:

____________

(1) الوسائل الباب 4 من أقسام الحج، و الباب 21 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 17 من الإحرام.

(3) الوسائل الباب 17 من الإحرام.

(4) الوسائل الباب 21 من أقسام الحج، و الباب 21 من الإحرام.

(5) الوسائل الباب 22 من الإحرام.

(6) الوسائل الباب 22 من الإحرام.

(7) الوسائل الباب 3 من أقسام الحج.

38

تمتعوا. فلما خرجوا من عنده دخلت عليه، فقلت له: جعلت فداك و الله لئن لم تخبرهم بما أخبرت به زرارة ليأتين الكوفة و ليصبحن بها كذابا. قال: ردهم علي. قال: فدخلوا عليه، فقال: صدق زرارة ثم قال: اما و الله لا يسمع هذا بعد اليوم أحد مني».

أقول: الظاهر ان مراده (عليه السلام) يعني: لا يسمع الأمر بالتمتع.

و روى في التهذيب في الصحيح عن إسماعيل الجعفي (1) قال:

«خرجت انا و ميسر و أناس من أصحابنا، فقال لنا زرارة: لبوا بالحج. فدخلنا على ابي جعفر (عليه السلام) فقلنا له: أصلحك الله انا نريد الحج و نحن قوم صرورة أو كلنا صرورة، فكيف نصنع؟ فقال: لبوا بالعمرة. فلما خرجنا قدم عبد الملك بن أعين، فقلت له: ألا تعجب من زرارة؟ قال لنا: لبوا بالحج. و ان أبا جعفر (عليه السلام) قال لنا: لبوا بالعمرة. فدخل عليه عبد الملك بن أعين، فقال له: ان أناسا من مواليك أمرهم زرارة ان يلبوا بالحج عنك، و انهم دخلوا عليك فأمرتهم أن يلبوا بالعمرة. فقال أبو جعفر (عليه السلام): يريد كل انسان منهم ان يسمع على حده أعدهم علي. فدخلنا، فقال: لبوا بالحج، فان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لبى بالحج».

أقول: لا يخفى ان الأمر من زرارة لهم بالإهلال بالحج انما كان تقية، كما هو صريح حديث الكشي المتقدم، و مراده الإعلان بذلك ظاهرا بين الناس مع إضمار التمتع في أنفسهم، فلا ينافي أمره (عليه السلام) لهم بالعمرة، و لكنهم لما لم يفهموا ذلك، و انه يؤدي الى الطعن في زرارة الذي هو من أخص خواصه (عليه السلام) أفتاهم

____________

(1) الوسائل الباب 21 من الإحرام.

39

بالتقية و قررهم على الحج بما يحج به العلامة. و غاضة ذلك منهم فقال:

«يريد كل انسان منهم ان يسمع على حده».

الخامسة [نسيان النسك الذي قصد بالإحرام]

- قالوا: إذا نسي بماذا أحرم، فإن كان أحد النسكين متعينا عليه انصرف ذلك الإحرام إليه. قال في المدارك: و به قطع العلامة و من تأخر عنه، لان الظاهر من حال المكلف انه إنما يأتي بما هو فرضه. قال: و هو حسن، خصوصا مع العزم المتقدم على الإتيان بذلك الواجب. و ان لم يكن أحد النسكين متعينا عليه، فقيل بالتخيير بين الحج و العمرة. و هو اختيار الشيخ في المبسوط و جمع من الأصحاب، لأنه لا سبيل الى الحكم بالخروج من الإحرام بعد الحكم بانعقاده، و لا ترجيح لأحدهما على الآخر. و قال في الخلاف يجعله للعمرة، لأنه ان كان متمتعا فقد وافق، و ان كان غيره فالعدول منه الى غيره جائز. قال: و إذا أحرم للعمرة لا يمكنه ان يجعلها حجة مع القدرة على الإتيان بأفعال العمرة، فلهذا قلنا يجعله عمرة على كل حال. و استحسنه العلامة في المنتهى. قال في المدارك بعد نقل ذلك:

و لعل التخيير أجود.

أقول: و عندي في جميع شقوق هذه المسألة إشكال، لعدم الدليل الواضح في هذا المجال. و بناء الأحكام الشرعية على مثل هذه التعليلات لا يخلو من المجازفة في أحكام الملك المتعال، سيما مع تكاثر الاخبار بالسكوت عن ما لم يرد فيه نص، و إرجاع الأمر إليهم (صلوات الله عليهم) و الوقوف على جادة الاحتياط في كل ما اشتبه حكمه، كما استفاضت به اخبار التثليث (1).

____________

(1) الوسائل الباب 12 من صفات القاضي و ما يقضي به.

40

الثاني- التلبيات الأربع،

فلا ينعقد الإحرام لمتمتع و لا لمفرد إلا بها. و هو من ما وقع الإجماع عليه نصا و فتوى.

و تحقيق الكلام في هذا المقام يتوقف على رسم مسائل:

[المسألة] الأولى [هل يجب مقارنة التلبية لنية الإحرام؟]

- اختلف الأصحاب في اشتراط مقارنة التلبية للنية، فقال ابن إدريس باشتراط مقارنتها لها كمقارنة التحريمة لنية الصلاة. و اليه ذهب الشهيد في اللمعة. و نقل في المسالك عن الشيخ علي انه تبعهما على ذلك. و قال في الدروس: الثالث- مقارنة النية للتلبيات، فلو تقدمن عليها أو تأخرن لم ينعقد. و يظهر من الرواية و الفتوى جواز تأخير التلبية عنها.

و قال العلامة في المنتهى: و يستحب لمن حج على طريق المدينة ان يرفع صوته بالتلبية إذا علت راحلته البيداء ان كان راكبا، و ان كان ماشيا فحيث يحرم. و ان كان على غير طريق المدينة لبى من موضعه ان شاء، و ان مشى خطوات ثم لبى كان أفضل. ثم ساق جملة من الروايات الدالة على تأخير التلبية إلى البيداء في الإحرام من مسجد الشجرة، و قال بعدها: إذا ثبت هذا فان المراد بذلك ان الإجهار بالتلبية مستحب من البيداء، و بينها و بين ذي الحليفة ميل، و هذا يكون بعد التلبية سرا في الميقات الذي هو ذو الحليفة، لأن الإحرام لا ينعقد إلا بالتلبية. و لا يجاوز الميقات إلا محرما.

أقول: ظاهره حمل الروايات الدالة على تأخير التلبية إلى البيداء على تأخير الجهر بها، فيجب عليه الإتيان بها سرا في الميقات بعد عقد نية الإحرام. و هو ظاهر الصدوق في الفقيه (1) حيث أوجب التلبية

____________

(1) ج 2 ص 313 و 314.

41

سرا في الميقات ثم الإعلان بها إذا استوت به الأرض ان كان في غير طريق المدينة، و إلا فإذا بلغ البيداء عند الميل ان كان في طريق المدينة.

و يحكى عن بعض الأصحاب انه جعل التلبية مقارنة لشد الإزار.

و كلام أكثر الأصحاب خال عن اشتراط المقارنة. بل يحكى عن كثير منهم التصريح بعدم الاشتراط.

أقول: و المستفاد من الاخبار على وجه لا يقبل المدافعة و الإنكار هو جواز التأخير، و منها صحيحة معاوية بن عمار، و قد تقدمت في صدر المقام الأول من هذا المقصد (1).

و صحيحة عبد الله بن سنان (2) قال:

«سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لم يكن يلبي حتى يأتي البيداء».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«لا بأس ان يصلي الرجل في مسجد الشجرة و يقول الذي يريد ان يقوله و لا يلبي، ثم يخرج فيصيب من الصيد و غيره، فليس عليه فيه شيء».

و ما رواه الصدوق عن حفص بن البختري و معاوية بن عمار و عبد الرحمن بن الحجاج و الحلبي جميعا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال:

«إذا صليت في مسجد الشجرة فقل- و أنت قاعد في دبر الصلاة

____________

(1) ص 29.

(2) الوسائل الباب 34 من الإحرام.

(3) الوسائل الباب 14 من الإحرام.

(4) الوسائل الباب 35 و 46 من الإحرام. و ظاهر الفقيه ج 2- ص 207 ان الحديث ينتهي بقوله (ع): «فلب» و ان ما بعده من كلام الصدوق. و يظهر ذلك ايضا من الوافي باب (وقت التلبية و كيفيتها).

42

قبل ان تقوم- ما يقول المحرم، ثم قم فامش حتى تبلغ الميل و تستوي بك البيداء، فإذا استوت بك البيداء فلب.

و ان أهللت من المسجد الحرام للحج فإن شئت لبيت خلف المقام، و أفضل ذلك ان تمضي حتى تأتي الرقطاء و تلبي قبل ان تصير الى الأبطح».

و عن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1)

«انه صلى ركعتين و عقد في مسجد الشجرة ثم خرج، فاتي بخبيص فيه زعفران فأكل- قبل ان يلبي- منه».

و عن هشام بن الحكم في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«ان أحرمت من غمرة أو بريد البعث صليت و قلت ما يقول المحرم في دبر صلاتك، و ان شئت لبيت من موضعك، و الفضل ان تمشي قليلا ثم تلبي».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3):

«في الرجل يقع على اهله بعد ما يعقد الإحرام و لم يلب؟ قال: ليس عليه شيء».

و عن منصور بن حازم في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال:

«إذا صليت عند الشجرة فلا تلب حتى تأتي البيداء حيث يقول الناس يخسف بالجيش».

____________

(1) الوسائل الباب 14 من الإحرام.

(2) الفقيه ج 2 ص 208، و الوسائل الباب 35 من الإحرام.

(3) الوسائل الباب 14 من الإحرام.

(4) الوسائل الباب 34 من الإحرام.

43

و عن عبد الله بن سنان (1) قال:

«سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لم يكن يلبي حتى يأتي البيداء».

و ما رواه الصدوق عن حفص بن البختري في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2)

«في من عقد الإحرام في مسجد الشجرة ثم وقع على اهله قبل ان يلبى؟ قال: ليس عليه شيء».

و ما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«صل المكتوبة ثم أحرم بالحج أو بالمتعة، و اخرج بغير تلبية حتى تصعد إلى أول البيداء إلى أول ميل عن يسارك، فإذا استوت بك الأرض- راكبا كنت أو ماشيا- فلب. الحديث».

و عن إسحاق بن عمار في الموثق عن ابي الحسن (عليه السلام) (4) قال:

«قلت له: إذا أحرم الرجل في دبر المكتوبة أ يلبى حين ينهض به بعيره أو جالسا في دبر الصلاة؟ قال: اي ذلك شاء صنع».

قال الكليني (قدس سره) (5): و هذا عندي من الأمر المتوسع، إلا ان الفضل فيه ان يظهر التلبية حيث أظهر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) على طرف البيداء. و لا يجوز لأحد ان يجوز ميل البيداء إلا و قد أظهر التلبية. و أول البيداء أول ميل يلقاك عن يسار الطريق. انتهى.

____________

(1) الوسائل الباب 34 من الإحرام. و قد تقدمت في الصفحة 41 برقم (2).

(2) الوسائل الباب 14 من الإحرام.

(3) الوسائل الباب 34 من الإحرام.

(4) الوسائل الباب 35 من الإحرام.

(5) فروع الكافي ج 4 ص 234.

44

و روى الشيخ عن زرارة في القوى (1) قال:

«قلت لأبي جعفر (عليه السلام): متى ألبي بالحج؟ قال: إذا خرجت إلى منى. ثم قال:

إذا جعلت شعب الدب على يمينك و العقبة على يسارك فلب للحج».

و يدل عليه أيضا جملة من الاخبار (2) زيادة على ما ذكرناه.

و هذه الاخبار كلها مع صحتها و استفاضتها صريحة في جواز التأخير و بذلك يظهر ضعف القول بوجوب المقارنة. على ان ما حملوه عليه- من وجوب المقارنة في نية الصلاة- لا دليل عليه، كما تقدم تحقيقه في محله.

بقي الكلام هنا في شيئين

أحدهما [ظهور الأخبار في وجوب تأخير التلبية و توجيهها]

- ظاهر الروايات المتقدمة الدالة على الإحرام من مسجد الشجرة وجوب تأخير التلبية عن موضع عقد الإحرام في المسجد، لقوله (عليه السلام)

في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة (3) في صدر البحث:

«ثم قم فامش هنيئة فإذا استوت بك الأرض- ماشيا كنت أو راكبا- فلب».

و قوله (عليه السلام) في صحيحته الثانية أو حسنته المذكورة هنا:

«و اخرج بغير تلبية حتى تصعد إلى أول البيداء».

و قوله (عليه السلام) في رواية الصدوق عن الفضلاء الأربعة المتقدمين:

«ثم قم فامش حتى تبلغ الميل و تستوي بك البيداء، فإذا استوت بك البيداء فلب».

و قوله (عليه السلام) في رواية منصور بن حازم:

«إذا صليت عند الشجرة فلا تلب حتى تأتي البيداء».

و يعضد ذلك ظاهر

صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة و قوله (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل الباب 46 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 14 و 34 و 35 من الإحرام.

(3) ص 29.

45

فيها:

«ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لم يكن يلبي حتى يأتي البيداء».

إلا

انه قد روى ثقة الإسلام في القوي عن عبد الله بن سنان (1)

«انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) هل يجوز للمتمتع بالعمرة إلى الحج ان يظهر التلبية في مسجد الشجرة؟ فقال: نعم، انما لبى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) على البيداء لان الناس لم يعرفوا التلبية فأحب أن يعلمهم كيف التلبية».

و ظاهر كلام ثقة الإسلام المتقدم حمل الروايات الدالة على التأخير على الأفضلية.

و الشيخ فرق بين الراكب و الماشي، فجمع بين الاخبار بحمل رواية عبد الله بن سنان المذكورة على الماشي و حمل الروايات المتقدمة على الراكب قال بعد ذكرها: و الوجه في هذه الرواية ان من كان ماشيا يستحب له ان يلبى من المسجد، و ان كان راكبا فلا يلبي إلا من البيداء.

و استدل على ذلك

بصحيحة عمر بن يزيد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«إن كنت ماشيا فاجهر بإهلالك و تلبيتك من المسجد، و ان كنت راكبا فإذا علت بك راحلتك البيداء».

و رد بان حمل الروايات المتضمنة للأمر بتأخير التلبية إلى البيداء من غير تفصيل على الراكب بعيد جدا.

أقول: و يعضده الأمر بالتلبية للماشي و الراكب- بعد الخروج عن موضع عقد الإحرام و ان تستوي به الأرض- في صحيحة معاوية بن

____________

(1) الوسائل الباب 35 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 34 من الإحرام.

46

عمار،

و قوله (عليه السلام) في رواية الصدوق عن الفضلاء الأربعة (1)

«ثم قم فامش حتى تبلغ الميل و تستوي بك البيداء. فلب».

قال في الوافي! و يشبه ان يكون الفرق صدر عن تقية. و ظاهره حمل صحيحة عمر بن يزيد على التقية (2) و هو غير بعيد.

و بالجملة فالاحتياط في الوقوف على الروايات المتقدمة الدالة على التأخير إلى البيداء راكبا كان أو ماشيا. بل لا يبعد المصير اليه لولا ذهاب جملة من فضلاء قدماء الأصحاب إلى التخيير، كما سمعت من كلام ثقة الإسلام (قدس الله روحه).

فإنه

قد روى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن معاوية بن وهب (3) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التهيؤ للإحرام. فقال:

في مسجد الشجرة، فقد صلى فيه رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و قد ترى أناسا يحرمون فلا تفعل حتى تنتهي إلى البيداء حيث الميل، فتحرمون كما أنتم في محاملكم، تقول: لبيك اللهم لبيك. الحديث».

أقول: و هذا الخبر ظاهر في ان الإحرام عبارة عن التلبية، كما قدمنا الكلام فيه في مسألة ناسي الإحرام. و المراد بالتهيؤ للإحرام في الخبر هو الصلاة و الدعاء عقيبها بما تقدم، بعد الغسل و لبس ثوبي

____________

(1) ص 41.

(2) لم نقف بعد التتبع في كتب العامة على التفرقة بين الراكب و الماشي بذلك. و قال العيني الحنفي في عمدة القارئ ج 4 ص 519: اختلف العلماء في الموضع الذي أحرم منه النبي (ص) فقال قوم: أهل من مسجد ذي الحليفة و قال آخرون: حين اطل على البيداء، و قال آخرون: من البيداء.

(3) الوسائل الباب 34 من الإحرام.

47

الإحرام. و قوله: «و قد ترى أناسا يحرمون فلا تفعل» يعني: يلبون و يعقدون بالتلبية. فنهاهم عن ذلك حتى يبلغوا البيداء، و أمرهم بالإحرام في محاملهم، يعني: التلبية، كما يشير اليه قوله: «تقول» يعني: تحرم بهذا القول.

و الخبر ظاهر في تعيين تأخير التلبية إلى البيداء، و معتضد بالأخبار المتقدمة. و الظاهر ان هذا حكم مختص بالإحرام من مسجد الشجرة، فلا تنافيه الأخبار الدالة على التخيير و أفضلية التأخير في غير هذا الميقات و جملة من الأصحاب استندوا في التخيير في هذا الميقات الى التخيير الوارد في غيره من المواقيت. و فيه ما عرفت.

الثاني [ظهور الأخبار في تجاوز الميقات بغير إحرام]

- انه قد تقدم في اخبار المواقيت انه لا يجوز لأحد قاصد النسك ان يتجاوزها إلا محرما، مع ان هذه الاخبار دلت على تجاوزها الى البيداء- و هو على ميل من مسجد الشجرة كما عرفت- بغير إحرام- لأن الإحرام- كما عرفت- انما يحصل بالتلبية، و هي قد دلت على تأخير التلبية إلى البيداء. و من هنا صرح العلامة (قدس سره) في ما قدمنا نقله عنه من المنتهى انه يحرم سرا بعد الصلاة في المسجد، قاصدا بذلك حمل روايات تأخير التلبية إلى البيداء على تأخير الإجهار بها لا تأخيرها و لو سرا. إلا ان حمل الروايات على ما ذكره بعيد جدا، و لا سيما صحيحة معاوية بن وهب المذكورة. و لا يحضرني الآن وجه في الخروج عن هذا الإشكال. إلا ان تحمل الأخبار الدالة على النهي عن تجاوز تلك المواقيت إلا محرما على ما هو أعم من الإحرام و التهيؤ له، فإن إطلاق الإحرام على الصلاة له و الدعاء بعدها- بعد الغسل و لبس ثوبي الإحرام و نحو ذلك- غير بعيد، بل هو أقرب المجازات، و ان كان

48

ترتب الكفارات انما يحصل بعد التلبية.

المسألة الثانية [بما ذا يعقد القارن إحرامه؟]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لو كان قارنا تخير في عقد إحرامه بالتلبية و ان شاء قلد أو أشعر. و نقل عن المرتضى و ابن إدريس (رضى الله عنهما) انه لا ينعقد إحرام الأصناف الثلاثة إلا بالتلبية، لأن انعقاد الإحرام بالتلبية مجمع عليه، و لا دليل على انعقاده بهما. و هو ضعيف مردود بالأخبار الصحيحة الصريحة، و ان كان كلامهما (روح الله روحيهما) جيدا على أصلهما الغير الأصيل من عدم الاعتماد على اخبار الآحاد.

و الذي يدل على القول المشهور روايات: منها-

صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«يوجب الإحرام ثلاثة أشياء: التلبية و الاشعار و التقليد، فإذا فعل شيئا من هذه الثلاثة فقد أحرم».

و صحيحة عمر بن يزيد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«من أشعر بدنته فقد أحرم و ان لم يتكلم بقليل و لا كثير».

و صحيحة معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«تقلدها نعلا خلقا قد صليت فيها. و الأشعار و التقليد بمنزلة التلبية».

و في حديث طويل برواية الشيخ (4) عن صفوان في الصحيح- عن معاوية بن عمار و غير معاوية ممن روى صفوان عنه الأحاديث المتقدمة المذكورة، و قال- يعني: صفوان- هي عندنا مستفيضة- عن ابي جعفر و ابي عبد الله (عليهما السلام). الى ان قال:

«لانه قد يوجب الإحرام

____________

(1) الوسائل الباب 12 من أقسام الحج.

(2) الوسائل الباب 12 من أقسام الحج.

(3) الوسائل الباب 12 من أقسام الحج.

(4) الوسائل الباب 14 من الإحرام.

49

أشياء ثلاثة: الاشعار و التلبية و التقليد، فإذا فعل شيئا من هذه الثلاثة فقد أحرم».

و ما رواه ثقة الإسلام في الكافي- بإسنادين، أحدهما صحيح عندي حسن على المشهور بإبراهيم- عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1)

«في قول الله عز و جل

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ (2)

و الفرض: التلبية و الاشعار و التقليد، فأي ذلك فعل فقد فرض الحج. و لا يفرض الحج إلا في هذه الشهور. الحديث».

و عن جميل بن دراج عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«إذا كانت البدن كثيرة قام في ما بين ثنتين ثم أشعر اليمنى ثم اليسرى.

و لا يشعر ابدا حتى يتهيأ للإحرام، لأنه إذا أشعر و قلد و جلل وجب عليه الإحرام. و هي بمنزلة التلبية».

[تعريف الإشعار]

إذا عرفت ذلك فاعلم أن الأشعار- على ما ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم)- ان يشق سنام البعير من الجانب الأيمن، و يلطخ صفحته بدم إشعاره. و الاخبار لا تساعد على ما ذكروه من اللطخ، و انما اشتملت على شق سنامها من الجانب الأيمن:

ففي صحيحة الحلبي المتقدمة في المقدمة الرابعة في أنواع الحج في مسألة القارن (4):

«و الاشعار أن يطعن في سنامها بحديدة حتى يدميها».

و روى الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان (5) قال:

«سألت

____________

(1) الوسائل الباب 11 من أقسام الحج.

(2) سورة البقرة، الآية 197.

(3) الوسائل الباب 12 من أقسام الحج.

(4) ج 14 ص 370، و الوسائل الباب 12 من أقسام الحج.

(5) الوسائل الباب 12 من أقسام الحج.

50

أبا عبد الله (عليه السلام) عن البدنة كيف يشعرها؟ قال: يشعرها و هي باركة، و ينحرها و هي قائمة، و يشعرها من جانبها الأيمن، ثم يحرم إذا قلدت و أشعرت».

و عن معاوية بن عمار في الصحيح (1) قال:

«البدنة يشعرها من جانبها الأيمن، ثم يقلدها بنعل قد صلى فيها».

و روى ثقة الإسلام في الموثق عن يونس بن يعقوب (2) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): اني قد اشتريت بدنة فكيف اصنع بها؟

فقال: انطلق حتى تأتي مسجد الشجرة، فأفض عليك من الماء، و البس ثوبيك، ثم أنخها مستقبل القبلة، ثم ادخل المسجد فصل، ثم افرض بعد صلاتك، ثم اخرج إليها فأشعرها من الجانب الأيمن من سنامها ثم قل: بسم الله، اللهم منك و لك، اللهم فتقبل مني. ثم انطلق حتى تأتي البيداء فلبه».

و عن عبد الرحمن بن ابي عبد الله و زرارة (3) قالا:

«سألنا أبا عبد الله (عليه السلام) عن البدن كيف تشعر؟ و متى يحرم صاحبها؟ و من اي جانب تشعر؟ و معقولة تنحر أو باركة؟ فقال: تشعر معقولة، و تشعر من الجانب الأيمن».

و عن معاوية بن عمار في الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال:

«البدن تشعر من الجانب الأيمن، و يقوم الرجل في الجانب الأيسر، ثم يقلدها بنعل خلق قد صلى فيها».

و روى الصدوق عن ابي الصباح الكناني (5) قال:

«سألت

____________

(1) الوسائل الباب 12 من أقسام الحج.

(2) الوسائل الباب 12 من أقسام الحج.

(3) الوسائل الباب 12 من أقسام الحج.

(4) الوسائل الباب 12 من أقسام الحج.

(5) الفقيه ج 2 ص 209، و الوسائل الباب 12 من أقسام الحج.