الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - ج22

- الشيخ يوسف البحراني المزيد...
655 /
3

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، و صلى الله على محمد و آله الطاهرين.

كتاب الوكالة

قال في التذكرة: الوكالة عقد شرع للاستنابة في التصرف، و هي جائزة بالكتاب، و السنة، و الإجماع، أما الكتاب «فقوله سبحانه (1) إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ الْعٰامِلِينَ عَلَيْهٰا» فجوز العمل، و ذلك بحكم النيابة عن الشخص، و قوله تعالى (2) «فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلْيَنْظُرْ أَيُّهٰا أَزْكىٰ طَعٰاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَ لْيَتَلَطَّفْ» و هذه وكالة، و قوله تعالى (3) «اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هٰذٰا فَأَلْقُوهُ عَلىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً»، فهذه وكالة و أما السنة فما رواه العامة ثم نقل جملة من أخبارهم، و منها حديث عروة البارقي (4) في شراء الشاة، و حديث وكالته (صلى الله عليه و آله) عمرو بن أمية الضيمرى (5) في قبول نكاح أم حبيبة بنت أبي سفيان، و وكل أبا رافع (6) في قبول نكاح ميمونة، ثم نقل حديثا من طرق الخاصة، و أحال على الأحاديث الآتية في الكتاب، الى أن قال: و قد اجتمعت الأمة في جميع الأمصار و الأعصار على جواز الوكالة، و لأن اشتداد

____________

(1) سورة التوبة- الاية 60.

(2) سورة الكهف- الاية 19.

(3) سورة يوسف- الاية 93.

(4) المستدرك ج 2 ص 462 الباب 18 ح 1.

(5) المستدرك ج 2 ص 510 الباب 20 ح 3.

(6) المستدرك ج 2 ص 510 الباب 20 ح 3.

4

الحاجة الى الوكالة ظاهرة، إذ لا يمكن لكل أحد مباشرة ما يحتاج اليه من الأفعال فدعت الضرورة إلى الاستنابة، انتهى كلامه.

و الكلام في هذا الكتاب يقع في مطالب سبعة:

المطلب الأول في العقد و ما يلحق به:

و تحقيق الكلام في ذلك يقع في مسائل

الأولى [في كفاية كل ما يدل على الرضا بالاستنابة]:

قال في التذكرة عقيب الكلام المتقدم: الوكالة عقد يتعلق به حكم كل واحد من المتعاقدين، فافتقر إلى الإيجاب و القبول، كالبيع و الأصل فيه عصمة مال المسلم، و منع غيره من التصرف فيه إلا بإذنه، فلا بد من جهة الموكل من لفظ دال على الرضا بتصرف الغير له، و هو كل لفظ يدل على الاذن، مثل أن يقول وكلتك في كذا و فوضت إليك، و استنبتك فيه، و ما أشبهه، و لو قال: وكلتني في كذا فقال: نعم، و أشار بما يدل على التصديق كفى في الإيجاب، و لو قال: بع و أعتق و نحوهما حصل الاذن، و هذا لا يكاد يسمى إيجابا بل هو أمر و اذن، و انما الإيجاب قوله وكلتك و استنبتك و فوضت إليك و ما أشبهه و قوله أذنت لك في فعله ليس صريحا في الإيجاب، بل اذن في الفعل، الى أن قال: و لا بد من القبول لفظا، و هو كل ما يدل على الرضا بالفعل أو قولا، و يجوز القبول بقوله قبلت، و ما أشبهه من الألفاظ الدالة عليه، و كل فعل يدل على القبول، نحو أن يأمره بالبيع فيبيع أو بالشراء فيشتري، لأن الذين و كلهم النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لم ينقل عنهم سوى امتثال أمره، و لأنه اذن في التصرف، فجاز القبول فيه بالفعل، كأكل الطعام انتهى.

أقول: قد تقدم في غير موضع ما يدل على سعة الدائرة في العقود و أن المعتبر فيها هو كل ما يدل على الرضا من الطرفين بذلك المعقود عليه، بقي الكلام في قوله «ان قوله بع و أعتق لا يسمى إيجابا، و انما هو أمر و اذن، و كذا في قوله أذنت لك في فعله، ليس صريحا في الإيجاب.

5

ففيه أنه قد صرح أولا بأن الإيجاب عبارة عن كل لفظ يدل على الرضا بتصرف الغير له، و هو كل لفظ يدل على الأذن، و قال: أخيرا في تعليل صحة القبول الفعلي، و لأنه اذن في التصرف، فجاز القبول فيه بالفعل، و تقدم في كلامه السابق عد الآية، و هي قوله عز و جل (1) «اذْهَبُوا بِقَمِيصِي» و قوله تعالى (2) «فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ» عن باب الوكالة، و قال: أيضا بعد هذا الكلام الذي نقلناه و قد وكل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) عروة البارقي (3) في شراء شاة بلفظ الشراء، يعنى اشتر، و هو مثل لفظ بع الذي منع منه هنا، و قال: قال الله تعالى مخبرا عن أهل الكهف، ثم ذكر الآية ثم قال: دل على الاذن فجرى مجرى قوله وكلتك، و مقتضى ذلك كون المثالين المذكورين، و قوله أذنت لك كذلك.

و بالجملة فإن المستفاد من كلامهم هو سعة الدائرة، في هذا العقد زيادة على غيره من العقود من حيث أنه من العقود الجائزة، فلا يختص بألفاظ مخصوصة، بل يكفي كل ما دل على الرضا بالاستنابة.

قال في المسالك: لما كان عقد الوكالة من العقود الجائزة صح بكل لفظ يدل على الاستنابة و ان لم يكن على نهج الألفاظ المعتبرة في العقود، و ينبه عليه قول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لعروة البارقي «اشتر لنا شاة» و قوله تعالى حكاية عن أهل الكهف (4) «فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ» و منه بع، و اشتر، و أعتق، و أذنت لك في كذا، و نعم، عقيب الاستفهام التقريري، كو كلتني في كذا، لأنها نائبة مناب وكلتك، و كذا الإشارة الدالة على المراد الواقعة جوابا، فإنها و ان لم تفد جوابا صريحا و لم يحصل النطق به، إلا أنه بمنزلته في الدلالة، فيكفي فيه التوسع في مثل هذا العقد، انتهى و هو جيد.

____________

(1) سورة يوسف- الاية 93.

(2) سورة الكهف- الاية 19.

(3) المستدرك ج 2 ص 462 الباب 18 ح 1.

(4) سورة الكهف- الاية 19.

6

ثم ان ظاهر كلامهم هنا الاتفاق على الاكتفاء بالقبول الفعلي، و ان اختلفوا فيه في غيره من العقود سيما العقود اللازمة كما تقدم ذكره في جملة من العقود، و ذلك بأن يوكله في البيع أو الشراء، فيبيع أو يشتري من غير لفظ يدل على القبول، قالوا: و الوجه في ذلك أن المقصود عن الوكالة الاستنابة، و الاذن في التصرف، و هو اباحة و رفع حجر، فأشبه إباحة الطعام، و وضعه بين يدي الآكل، فإنه لا يفتقر الى القبول اللفظي.

بقي الكلام في أن ظاهر ما قدمنا نقله عنه من قوله «و كل فعل يدل على القبول» الى آخره يدل على أن القبول الفعلي هو فعل ما تعلقت به الوكالة، و هو الذي صرح به غيره من الأصحاب أيضا الا أنه قال بعد هذا الكلام و القبول يطلق على معنيين: أحدهما الرضا و الرغبة فيما فوض اليه، و نقيضه الرد، و الثاني اللفظ الدال عليه على النحو المعتبر في البيع، و سائر المعاملات، و يعتبر في الوكالة القبول بالمعنى الأول، حتى لو رد و قال: لا أقبل أو لا أفعل، بطلت الوكالة و لو ندم و أراد أن يفعل أو يرجع، بل لا بد من استيناف اذن جديد مع علم الموكل، لأن الوكالة جائزة من الطرفين، يرتفع في الالتزام بالفسخ انتهى.

و ظاهر هذا الكلام أنه لا يكفي مجرد الفعل لما تعلقت به الوكالة، بل لا بد من اقترانه بالرضا و الرغبة و وقوعه قبل أن يرد، و مقتضى الكلام الأول هو صحة الوكالة متى فعل ما و كل به لأن بذلك يحصل القبول، و ينضم إلى الإيجاب المتقدم و ان رد أولا، و قال: لا أقبل، و الفسخ إنما يكون بعد تمام العقد بالقبول، و ما لم يفعل أو يقبل باللفظ فلا معنى للفسخ، لعدم حصول العقد.

و يؤيد ما ذكرناه عموم أدلة الوكالة مثل

قوله (عليه السلام) (1)

«الوكالة ثابتة حتى يعلمه بالخروج منها كما أعلمه بالدخول».

على أن انعزاله بعزله نفسه بعد تمام

____________

(1) التهذيب ج 6 ص 213 ح 1، الفقيه ج 3 ص 47 ح 3381، الوسائل ج 13 ص 285 ح 1.

7

العقد مع عدم عزل الموكل له محل منع، كما سيأتي التنبيه عليه ان شاء الله تعالى في محله.

ثم ان ظاهر ما ذكروه من الاكتفاء في الإيجاب بما يدل على الوكالة، و لو بالإشارة هو الاكتفاء بالكتابة أيضا، قال في المسالك: و ما ذكره المصنف و الجماعة من الاكتفاء في الإيجاب بالإشارة اختيارا يقتضي الاكتفاء بالكتابة أيضا، لاشتراكهما في الدلالة مع أمن التزوير انتهى.

أقول: و الذي وقفت عليه من أخبارهم (عليهم السلام) في المقام ما رواه

الصدوق عن داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

سألته عن رجل قال لآخر اخطب لي فلانة، فما فعلت من شيء مما قاولت من صداق أو ضمنت من شيء أو شرطت فذلك لي رضا و هو لازم لي و لم يشهد على ذلك، فذهب فخطب له، و بذل الصداق.

الحديث و ما رواه

عن حماد عن الحلبي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام)

أنه قال في رجل يحمل المتاع لأهل السوق و قد قوموا عليه قيمة فيقولون بع فما ازددت فلك.

إلى أنه قال

في امرأة ولت أمرها رجلا فقالت: زوجني فلانا.

الحديث، و فيه أنه بعد أن قاول الزوج على المهر زوجها من نفسه فأبطل (عليه السلام) التزويج،

و موثقة سماعة (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام)

في الرجل يحمل المتاع لأهل السوق، و قد قوموا عليه قيمة فيقولون: بع فما ازددت فلك، فقال لا بأس بذلك.

و في صحيحة زرارة (4) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل يعطي المتاع فيقول ما ازددت علي كذا فهو لك فقال: لا بأس».

و في صحيحة محمد بن مسلم (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام)

«انه قال في رجل

____________

(1) الفقيه ج 3 ص 49 ح 4، الوسائل ج 13 ص 288 ح 1.

(2) الفقيه ج 3 ص 50 ح 6، التهذيب ج 6 ص 216 ح 7، الوسائل ج 13 ص 290 ح 1.

(3) الفقيه ج 3 ص 145 ح 29، الكافي ج 5 ص 195 ح 3، التهذيب ج 7 ص 54 ح 33. الوسائل ج 12 ص 381 ح 3.

(4) التهذيب ج 7 ص 54 ح 32. الوسائل ج 12 ص 381 ح 2.

(5) التهذيب ج 7 ص 54 ح 31. الوسائل ج 12 ص 381 ح 1.

8

قال لرجل: بع ثوبا بعشرة دراهم فما فضل فهو لك، قال: ليس به بأس».

و العقود في هذه الأخبار كلها كما ترى من قبيل ما تقدم من قوله بع و أعتق و اشتر، و نحو ذلك مما يدل على الاذن و الاستنابة، و ليس في شيء منها ما يتضمن القبول لفظا و انما تضمنت المبادرة إلى امتثال ما أمر به، لكنه في الحديث الثاني حيث خالف مقتضى الأمر و زوجها من نفسه أبطل (عليه السلام) التزويج.

و نحو ذلك في

صحيحة هشام (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام):

إذا قال لك الرجل اشتر لي فلا تعطه من عندك، الحديث.

و قوله

في موثقة إسحاق بن عمار (2) عنه (عليه السلام) قال:

«سألته عن الرجل يبعث الي الرجل فيقول: ابتع لي ثوبا فيطلب له في السوق الحديث.

و في الثانية منهما دلالة على ثبوت الوكالة من الغائب بالمكاتبة أو الإرسال على لسان شخص آخر كما تقدم ذكره.

و في رواية هشام بن سالم (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام)

في رجل و كل آخر على وكالة في إمضاء أمر من الأمور و أشهد له بذلك شاهدين فقام الوكيل فخرج لإمضاء الأمر»،.

الحديث.

و هو ظاهر في الاكتفاء بالقبول الفعلي و إطلاق هذه الاخبار ظاهر فيما هو المشهور من حصول القبول الفعلي بالإتيان بما تعلقت به الوكالة، خلافا لما تقدم نقله عن التذكرة من اشتراط الرضا و الرغبة.

و في رواية العلاء بن سيابة (4) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة و كلت رجلا أن يزوجها من رجل، فقبل الوكالة و أشهدت له بذلك، فذهب الوكيل فزوجها» الحديث.

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 6 ح 19، الوسائل ج 12 ص 288 ح 1.

(2) الوسائل ج 12 ص 289 ح 2.

(3) التهذيب ج 6 ص 213 ح 2، الوسائل ج 13 ص 286 ح 1.

(4) التهذيب ج 6 ص 214 ح 5، الوسائل ج 13 ص 286 ح 2.

9

و هذا الخبر مما يدل على القبول لكنه أعم من أن يكون بلفظ قبلت و نحوه، أو بمجرد إظهار الرضا،

و في صحيحة أبي ولاد الحناط (1) قال:

«سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل أمر رجلا أن يزوجه امرأة بالمدينة، و سما هاله، و الذي أمره بالعراق فخرج المأمور فزوجها إياه» الحديث.

و رواية الحذاء (2)

«عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل أمر رجلا أن يزوجه امرأة من البصرة من بني تميم، فزوجه امرأة من أهل الكوفة من بني تميم، قال:

خالف أمره».

الحديث.

و في هذين الخبرين دلالة على ما دلت عليه الأخبار المتقدمة من قوله:

«زوجني أو اخطب لي» و القبول فيهما إنما وقع بالإتيان بما أمر به، لكنه في الثاني أبطل الوكالة من حيث المخالفة.

و في رواية محمد بن عيسى (3)

«أنه بعث إليه أبو الحسن الرضا (عليه السلام) بثلاثمائة دينار الى رحم امرأة كانت له، و أمره أن يطلقها عنه و يمتعها بهذا المال».

و فيها دلالة على ما قدمنا ذكره من ثبوت الوكالة عن الغائب بالكتابة أو الإرسال على لسان شخص، الى غير ذلك من الأخبار التي يقف عليها المتتبع، و لا يخفى على من تتبع الروايات الخاصة و العامة أن ما اشتملت عليه من عقود الوكالة ليس فيها أزيد من الأوامر بما يريده الموكل مما يدل على الاذن له في التصرف، و ليس فيها لفظ «وكلتك» و لا نحوه من تلك الألفاظ، و كذا في جانب القبول ليس فيها أزيد من الرضا بذلك، و المبادرة إلى فعل ما و كل فيه، و كأنهم إنما أخذوا هذا اللفظ و اشتقوه من لفظ الوكالة فعبروا به، و عبروا بالقبول من حيث الدلالة على الرضا الذي هو الأصل في صحة العقد، فسرى الوهم الى ترجيح الفرع على الأصل.

____________

(1) الفقيه ج 3 ص 271 ح 75.

(2) التهذيب ج 7 ص 483 ح 152، الفقيه ج 3 ص 264 ح 44.

(3) التهذيب ج 8 ص 40 ح 40، و هذه الروايات في الوسائل ج 14 ص 230 ح 1 و ص 228 ح 1 و ج 10 ص 410 في تعليقة ح 6.

10

أقول: و يستفاد من موثقة إسحاق بن عمار، و صحيحة أبي ولاد عدم فورية القبول في عقد الوكالة، و الظاهر أنه اتفاقي عندهم، كما يفهم من التذكرة حيث أسنده إلى أصحابنا، و جوز تراضيه إلى سنة، و مما ذكر يعلم ضعف مناقشة المسالك للمصنف حيث ان المصنف استدل على جواز تأخير القبول، بأن الغائب له أن يوكل، و القبول متأخر، و أورد عليه أن جواز توكيل الغائب فرع جواز التراخي في القبول، إذ لو قلنا بفوريته لم يصح.

و فيه ان المصنف إنما استدل بتوكيل الغائب بناء على النص الدال على ذلك كما ذكرناه، و متى ثبت ذلك بالنص في الغائب ثبت في غيره بتنقيح المناط، إذ لا خصوصية للغائب بذلك، مع تأيد ذلك بإطلاق جملة من أخبار الوكالة أيضا و الله سبحانه العالم.

الثانية [اشتراط التنجيز في الوكالة]

لا خلاف بين الأصحاب في اشتراط التنجيز في الوكالة، فلو علقها على شرط يمكن وقوعه و عدم وقوعه، مثل «ان قدم زيد» أو على صفة و هي ما لو كان وجوده في المستقبل محققا كطلوع الشمس، و مجيء رأس الشهر بطلت.

قال في التذكرة: لا يصح عقد الوكالة معلقا بشرط، أو وصف، فان علقت عليهما بطلت، مثل أن يقول: «إن قدم زيد» أو «إن جاء رأس الشهر وكلتك» عند علمائنا، و هو أظهر وجهي الشافعية، انتهى.

و الظاهر أن مرجع ذلك الى أنه لا يجوز توقيف حصول الوكالة على شيء من هذين الأمرين، سواء كان مقرونا بأداة الشرط مقدما أو مؤخرا، مثل «إن كان كذا فأنت وكيل» أو «أنت وكيل إن كان كذا» أو غير مقرون بها مثل «وكلتك بشرط مجيء زيد» هذا.

و الظاهر أنه لا خلاف أيضا في أنه لو تنجز الوكالة و شرط تأخير التصرف كأن يقول «وكلتك في كذا، و لا تتصرف إلا بعد شهر»، فإنه يجوز، و نقل الإجماع عليه في التذكرة أيضا، و كذا الظاهر أنه لا نزاع عندهم في جواز التوقيت، مثل أن

11

يقول: وكلتك شهرا، و أنه لا يكون بعد تمامه وكيلا، و أنت خبير بأنه لا فرق عند التأمل بعين التحقيق بين التعليق على الصفة، و هو قولنا: وكلتك ان جاء رأس الشهر، أو ان طلعت الشمس، و بين التنجيز الذي ذكروه مع شرط التأخير كأن يقول وكلتك، و لا تتصرف إلا بعد شهر، فانا لا نعرف لهذا التنجيز هنا معنى، و لا ثمرة مع هذا الشرط، و المسئلة من أصلها عارية من النص.

و حينئذ فالظاهر أن الفارق إنما هو الإجماع المدعى في التذكرة في كل من الموضعين، و أما ما ذكره في المسالك حيث قال بعد ذكر المسئلة الثانية: و هي ما لو نجز الوكالة، و شرط تأخير التصرف جاز، و الوجه أن منعه من التصرف في الوقت المعين شرط زائد على أصل الوكالة المنجزة، و هي قابلة للشروط السابغة، و هذا و ان كان في معنى التعليق الا أن العقود لما كانت متلقاة من الشارع نيطت بهذه الضوابط، و بطلت فيما خرج عنها، و ان أفاد فائدتها، انتهى.

ففيه أنه أي نص دل هنا على ما ذكروه من بطلان العقد بالتعليق على الشرط، أو الصفة المذكورين في كلامهم، و أي نص دل على اشتراط التنجيز الذي ذكروه.

و بالجملة فإنه لا مستند لكل من المسئلتين، و لا للفرق بينهما إلا الإجماع المدعى، و الى ما ذكرنا يميل كلام المحقق الأردبيلي قال: ثم اعلم أن الأصل و عموم أدلة التوكيل- و كونه جائزا، و مبناه على المساهلة، دون الضيق، و ما تقدم في عبارة التذكرة من أنه اذن و أمر و أنه مثل الاذن في أكل الطعام و لا شك في جواز تعليقه مثل ان جئت فأنت مأذون في الأكل و نحوه مع عدم مانع ظاهر- يدل على جواز التعليق، و يؤيده جواز التعليق في العقود الجائزة مثل القراض، بل هو وكالة بجعل، و العارية و غيرها، انتهى.

و بالجملة فمقتضى إطلاق روايات الوكالة و عمومها هو الصحة مطلقا و تخصيصها يتوقف على الدليل، و ليس إلا الإجماع، فمن ثبت عنده حجية الإجماع و أنه

12

دليل شرعي فله أن يخصص به عموم تلك الأخبار، و الا فالعمل على ما دلت عليه تلك العمومات، بقي الكلام في أنه متى حكمنا ببطلان العقد بتعلقه على الشرط، فهل يجوز له التصرف بعد حصول الشرط، أم لا؟ قرب في التذكرة الجواز، و جعله في القواعد احتمالا.

قال في التذكرة: قد بينا بطلان الوكالة المعلقة، فلو تصرف الوكيل بعد حصول الشرط فالأقرب صحة التصرف، لأن الإذن حاصل لم يزل بفساد العقد، و صار كما لو شرط في الوكالة عوضا مجهولا، فقال: بع كذا على أن لك العشر من ثمنه، فإنه يفسد الوكالة، و لكن ان باع يصح الشرط، ثم اعترض على نفسه بعدم ظهور فائدة للفساد، فقال: ان قيل لا فائدة حينئذ للفساد على تقدير صحة التصرف التي هي ثمرة صحة عقد الوكالة، فإذا وجدت مع القول بالفساد فلا ثمرة في القول بالبطلان، بل لا معنى للبطلان حينئذ، إذ البطلان في المعاملات عدم ترتب الأثر، و قد قيل: هنا بالترتيب مع الفساد، ثم أجاب بأنه تحصل الفائدة في سقوط الجعل المسمى في عقد الوكالة ان كان، و الرجوع الى أجرة المثل كما في المضاربة الفاسدة، فإنه تبطل الحصة المسماة، و يرجع الى أجرة المثل، و كذا الشرط الفاسد في النكاح يفسد الصداق، و يوجب مهر المثل، و ان لم يؤثر في النكاح، انتهى ملخصا.

و اعترضه في المسالك بأن الوكالة ليست أمرا زائدا على الاذن، و الجعل المشروط ليس جزء منها، و انما هو شرط زائد عليها لصحتها بدونه، بخلاف المضاربة فإن اشتراط الحصة شرط في صحتها، و لأنه لو تم ذلك لزم الحكم بصحة التصرف مع فسادها بوجه آخر، كقول الوكيل نفسه مع علم الموكل به و سكوته، فإن الإذن حاصل منه، فلا يرتفع بفسخ الوكيل، و لأن العقد حينئذ فاسد قطعا، و لا معنى للفاسد إلا ما لا يترتب عليه أثره، و لأن الإذن المطلق انما وجد في ضمن الوجه المخصوص، إذ لا وجود للكلي إلا في ضمن جزئياته، و لم يوجد منها إلا هذا الجزئي فإذا ارتفع ارتفع الكلي، ثم قال: و للتوقف في هذا الحكم مجال، انتهى.

13

أقول: و يزيده تأييدا أن مقتضى كلام العلامة المذكور أن ثمرة ما ذكره انما تظهر في صورة ما إذا كان العقد مشتملا على جعل و إلا فمع عدم اشتماله على ذلك فإنه لا يظهر للحكم بالبطلان فائدة، و لا أثر يترتب عليه، و حينئذ لا يكون ما ذكره كليا، و يتم ما أورده على نفسه، و على هذا يجب القول بصحة العقد حينئذ، و ليس ذلك إلا من حيث بطلان اشتراط التنجيز الذي جعلوه شرطا في صحة الوكالة، و لأنه إذا حكم بفساد الوكالة من حيث كون عدم التعليق شرطا في صحتها، فمع التعليق المذكور يجب الحكم بالبطلان، لفوات شرط الصحة، فكيف يصح التصرف حينئذ الذي هو ثمرة الصحة، و يحكم باستحقاق الأجرة، و كيف تظهر الفائدة فيما ذكره، مع أنه يرجع الى القول بعدم اشتراط التنجيز، و عدم البطلان مع التعليق، بل تصح فيها إذا لم يكن جعل، بل معه أيضا، و إنما يبطل الجعل خاصة، على أن ما ادعاه من الصحة- استنادا الى الاذن و أنه لم يزل بفساد العقد،- قد عرفت ما فيه من كلام المسالك، و توضيحه أن الاذن إنما علم على تقدير الشرط الذي اشتملت عليه عبارة العقد، و الحال أنه قد حكم ببطلانها، و ليس هنا ما يدل على الاذن غيرها، و لزوم الأجرة على هذا أيضا ممنوع، كما تقدمت الإشارة إليه، لأنه إنما تلزم لو فعل ما وكل فيه على ما أمر، و الحال أن ذلك الأمر قد بطل.

و بالجملة فإن الحكم بالصحة لا يتجه و لا يتم إلا بناء على عدم اشتراط التنجيز، و هو ليس ببعيد، كما عرفت من أنه لا دليل على هذا الشرط غير الإجماع المدعى، مع ما عرفت من المجازفة في أمثال هذه الإجماعات، و الله العالم.

الثالثة [في افتقار التوكيل في شراء عبد إلى وصفه و عدمه]:

اختلف الأصحاب في ما لو وكله في شراء عبد هل يفتقر الى وصفه لينتفي الغرر أم لا؟ و بالأول قال في المبسوط و جماعة منهم الشرائع، قال في المبسوط:

إذا وكله في شراء عبد وجب وصفه، و لو أطلق لم يصح لما فيه من الغرر، و نحو عبارة الشرائع، و قيل: بالعدم، و هو اختيار المسالك و المختلف و غيرهما، و حجة

14

الأولين ما عرفت من الغرر، لأن العبد المطلق متوغل في الإبهام، و صادق على أصناف مختلفة، فلا بد من وصفه ببعض الأوصاف المزيلة للجهالة، و لو في الجملة ككونه تركيا أو زنجيا و لا يجب استقصاء الأوصاف الرافعة للجهالة بالكلية.

و أجاب الآخرون بأن الغرر يندفع بمراعات الوكيل المصلحة في شرائه، فإن الإطلاق محمول شرعا على الاستنابة في شراء عبد يكون شرائه مشتملا على مصلحة للموكل، و يتخير الوكيل حيث توجد المصلحة في متعدد كذا ذكره في المسالك، و في المختلف أجاب بأن الإطلاق ينصرف الى شراء الصحيح بثمن المثل.

و ظني أن شيئا من هذين الجوابين لا يفي بالمطلوب، أما الأول: فلأن مراعاة مصلحة الموكل فرع العلم بغرضه و مطلوبه من شراء ذلك العبد، و المفروض أعم من ذلك، و أما الثاني فإن دفع الغرر لا ينحصر في ما ذكره، و قد ذكروا في كتاب البيع و لا سيما في السلم من توقف صحة البيع على الوصف الرافع للغرر ما هو ظاهر في تأييد ما قلناه.

و بالجملة فالاحتياط يقتضي الوقوف على ما ذهب اليه الشيخ و من تبعه، و الله سبحانه العالم.

الرابعة [كون الوكالة من العقود الجائزة]:

الظاهر أنه لا خلاف في أن الوكالة من العقود الجائزة من الطرفين فيجوز لكل منها العزل و الفسخ قال في التذكرة: العقود أربعة أضرب: الأول:

عقد لازم من الطرفين لا ينفسخ بفسخ أحد المتعاقدين، و هو البيع، و الإجارة، و الصلح، و الخلع، و النكاح.

الثاني: عقد جائز من الطرفين و هو الوكالة، و الشركة، و المضاربة، و الجعالة، فلكل منهما فسخ العقد في هذه.

الثالث: عقد لازم من أحد الطرفين جائز من الآخر كالرهن، فإنه لازم من طرف الراهن، جائز من طرف المرتهن، و الكتابة عند الشيخ جائزة من طرف العبد، لأن له أن يعجز نفسه، و لازمة من جهة المولى.

15

الرابع: المختلف فيه، و هي السبق و الرماية ان قلنا إنهما اجارة، كان لازما، و ان قلنا إنهما جعالة، كان جائزا، و لا نعلم خلافا من أحد من العلماء في أن الوكالة عقد جائز من الطرفين، لأنه عقد على تصرف مستقبل، ليس من شرطه تقدير عمل، و لا زمان، فكان جائزا كالجعالة، فان فسخها الوكيل انفسخت، و بطل تصرفه، و ان فسخها الموكل فكذلك، الى أن قال: و لا خلاف في أن العزل يبطل الوكالة، انتهى.

إذا عرفت ذلك فاعلم أن الكلام هنا يقع في مقامين

[المقام] الأول: في عزل الوكيل نفسه

، و قد عرفت أنه لا خلاف فيه، قالوا: و لا فرق في بطلان الوكالة بعزله نفسه، بين اعلام الموكل و عدمه، بخلاف عزل الموكل له لما سيأتي- ان شاء الله تعالى- في المقام الثاني، و مقتضى ذلك أنه لا ينفذ تصرفه بعد عزله نفسه، و قبل علم المالك، لأن مناط صحة التصرف هو العقد، و المفروض أنه صار باطلا بعزله نفسه، الا أنه قد صرح جملة منهم بأنه يحتمل توقف انعزاله على علم الموكل، و حينئذ فيجوز له التصرف قبل بلوغه، عملا بالاذن العام الذي تضمنه الوكالة، بل يحتمل ذلك مع بلوغه أيضا، لأصالة بقاء الاذن، و مجرد علمه بالرد لا يدل على بطلانه من قبل الاذن، قالوا: و لو اكتفينا في قبول الوكيل بفعله مقتضاها كيف كان، قوي هذا الاحتمال جدا لأنها حينئذ تصير مجرد اذن و اباحة، و يجوز مع ذلك إطلاق العقد عليها، بحيث أن قبولها بالقول يصح، و يترتب عليه أثر في الجملة، و بهذا الاحتمال قطع في القواعد مع جهل الموكل بالرد.

أقول: قد عرفت مما قدمناه من الأخبار أنه ليس فيها ما يدل على ما ذكروه من القبول اللفظي الذي أدخلوا به الوكالة في باب العقود، و إنما دلت تصريحا في بعض و تلويحا في آخر على القبول بالإتيان بالفعل المأمور به، و ان أدخلوها بذلك في باب الاذن و الإباحة دون باب العقود، كما أنه لا دلالة في شيء منها على ما اعتبروه من صيغ الإيجاب التي ذكروها، و عدوا بها الوكالة

16

من باب العقود كلفظ وكلتك و نحوه، و إنما اشتملت على مجرد الاذن و الأمر الذي هو عندهم أيضا من باب الإباحة.

و بذلك يظهر لك أن الأظهر و الأقوى بالنظر الى مراجعة الأخبار و العمل بما دلت عليه هو أنه بعزله نفسه- علم المالك أو لم يعلم- لا تبطل الوكالة، لبقاء الاذن المفهوم من تلك الأوامر التي اشتملت عليها الأخبار ما لم يعزله المالك، و يصرح بعزله.

و بالجملة فإني لم أقف على دليل من النصوص يدل على البطلان بعزله نفسه، غير ما يدعونه من الإجماع، و مقتضى النصوص المذكورة و عموم أدلة الوكالة هو البقاء على مقتضاها، حتى يثبت المخرج من ذلك، و المانع منه، و ليس الأعزل الموكل و نحوه مما سيأتي، و أما عزله نفسه و كونه مبطلا لها فلم أقف فيه على نص، و مجرد كونها من العقود الجائزة لا يوجب ما ذكروه من بطلانها بعزله نفسه، و انه فسخ لها، بل غاية ما يوجبه أنه لا يلزمه شرعا و لا يجب القيام بذلك، كما هو مقتضى العقود اللازمة، بل ان شاء فعل و ان شاء لم يفعل، و عدم مشية الفعل في وقت عزله نفسه و رده لها، لا يوجب منعه من الرجوع متى أراد، الا أن يعزله الموكل.

قال في المسالك- في بيان تطبيق ما قدمنا نقله عنهم من الاحتمال الدال على جواز التصرف على ما ذكروه في أصل المسئلة، من بطلان الوكالة و عدم جواز التصرف ما لفظه-: و يمكن الجمع بين كونها عقدا جائزا تبطل بالرد، و عدم بطلان التصرف بالرد، بأن يحكم ببطلان الوكالة الخاصة و ما يترتب عليها من الجعل لو كان، و بقاء الاذن العام.

أقول: لا يخفى ما فيه من التكلف البعيد، بل التحمل الغير السديد، أما أولا فبما أشرنا إليه آنفا من أنه لا منافاة بين كونها عقدا جائزا و بين كونها صحيحة مع الرد، و عزله نفسه، لأن جوازها ليس الا بمعنى عدم وجوب القيام

17

بها، و عدم ترتب المؤاخذة على تركها، و هذا لا ينافي جواز الرجوع إليها بعد تركها و الاعراض عنها.

و ثانيا ان ما ذكره من الحكم ببطلان الوكالة الخاصة و بقاء الاذن العام مردود بما قدمنا نقله عنه في المسئلة الثانية في مقام الرد على كلام التذكرة، من قوله ان الوكالة ليست أمرا زائدا على الاذن، و هذا هو الذي عضدته الأخبار المتقدمة، فإنه ليس فيها أزيد من الأوامر الدالة على طلب تلك الأشياء المذكورة من قوله اشتر، و بع، و اخطب، و طلق، و نحو ذلك الراجع جميعه الى الاذن في مباشرة هذه الأمور، و هذه صيغ الوكالة التي اضطرب فيها كلامهم، و قبولها إنما هو عبارة عن امتثال تلك الأوامر و المسارعة إلى الإتيان بها، و ليس في شيء منها لفظ وكلت و قبلت و لا نحوهما، و لكنهم لعدم مراجعة الأخبار في هذه الأبواب و الجري على أبحاث العامة تلبس عليهم كثير من الأحكام.

و بالجملة فإن كلامهم في هاتين المسئلتين لا يخلو من تناقض و اضطراب، و لا سيما شيخنا العلامة، فإنه أطلق القول بالبطلان في المسئلتين في التحرير و الإرشاد، و هو ظاهر الشرائع أيضا، و جزم في القواعد بصحة التصرف هنا، و جعله احتمالا في مسئلة بطلان الوكالة بالتعليق على الشرط، و عكس في التذكرة كما قدمنا نقله عنه في تلك المسئلة، فاستقرب بقاء الإذن الضمني و جعل بقائه هنا احتمالا فصار في المسئلة ثلاثة أقوال.

و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسئلة الاولى التوقف، كما مر في عبارته و ربما ظهر منه هنا الترجيح لما ذهب إليه في القواعد، حيث قال هنا و يمكن بناء هذا الحكم على ما تقدم من أن بطلان الوكالة هل يقتضي بطلان الاذن العام أو لا؟ و قد مر تحقيقه لاشتراكهما في بطلان الوكالة هناك، لعدم التنجيز، و هنا لعدم القبول، الا أن الحكم هنا لا يخلو عن رجحان على ذلك، من حيث أن الاذن صحيح جامع للشرائط، بخلاف السابق فإنه معلق، و في صحته ما قد

18

عرفت، و من ثم جزم في القواعد ببقاء صحته هنا و جعل الصحة هناك احتمالا انتهى.

أقول: و أنت إذا تأملت فيما حققناه في المسئلتين بعين التحقيق، و أطرحت ما ادعوه من هذه الإجماعات و رجعت الى الأخبار التي هي السبيل الواضح إلى الأحكام الشرعية و الطريق، ظهر لك المخرج من هذا الاشكال، و النجاة من هذا المضيق، و الله سبحانه العالم.

المقام الثاني في عزل الموكل له:

و قد اختلف الأصحاب في انعزال الوكيل بعزل الموكل له، فذهب جمع منهم الشيخ في النهاية و أبو الصلاح، و ابن البراج، و ابن حمزة، و ابن إدريس إلى أنه لا ينعزل إلا بإعلامه بالعزل مشافهة، أو اخبار ثقة، و مع عدم إمكان الإعلام فيكفي الإشهاد على ذلك، فالانعزال دائر بين الاعلام و الاشهاد مع عدم إمكانه، و بدون ذلك لا ينعزل و المشهور بين المتأخرين و هو قول الخلاف أنه لا ينعزل إلا بالإعلام، و قيل: انه ينعزل بمجرد العزل، و ان لم يعلمه و لم يشهد على ذلك، و هو قول القواعد.

و الذي وقفت عليه من الأخبار في المسئلة ما رواه

في الفقيه و التهذيب عن العلاء بن سيابة (1) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة وكلت رجلا بأن يزوجها من رجل، فقبل الوكالة و أشهدت له بذلك، فذهب الوكيل فزوجها، ثم إنها أنكرت ذلك الوكيل، و زعمت أنها عزلته عن الوكالة، فأقامت شاهدين أنها عزلته، فقال: ما يقول من قبلكم في ذلك؟ قلت: يقولون: ينظر في ذلك، فان كانت عزلته قبل أن يزوج فالوكالة باطلة، و التزويج باطل، و ان عزلته و قد زوجها فالتزويج ثابت على ما زوج الوكيل و على ما اتفق معها من الوكالة إذا لم يتعد شيئا مما أمرت به و اشترطت عليه في الوكالة، قال: ثم قال: يعزلون الوكيل عن وكالتها و لا تعلمه بالعزل، فقلت: نعم: يزعمون أنها: لو وكلت

____________

(1) الفقيه ج 3 ص 48 ح 3، التهذيب ج 6 ص 214 ح 5، الوسائل ج 13 ص 286 ح 2.

19

رجلا و أشهدت في الملاء و قالت في الملاء اشهدوا أني قد عزلته بطلت وكالته، بلا أن تعلم العزل، و ينقضون جميع ما فعل الوكيل في النكاح خاصة. و في غيره لا يبطلون الوكالة، الا أن يعلم الوكيل بالعزل، و يقولون: المال منه عوض لصاحبه و الفرج ليس منه عوض إذا وقع منه ولد، فقال (عليه السلام) سبحان الله ما أجور هذا الحكم و أفسده، ان النكاح أحرى و أحرى أن يحتاط فيه، و هو فرج و منه يكون الولد، ان عليا (عليه السلام) أتته امرأة مستعدية على أخيها، فقالت: يا أمير المؤمنين وكلت أخي هذا بأن يزوجني رجلا فأشهدت له ثم عزلته من ساعته تلك فذهب و زوجني ولي بينة أني قد عزلته قبل أن يزوجني، فأقامت البينة، و قال الأخ:

يا أمير المؤمنين (عليه السلام) انها وكلتني و لم تعلمني أنها عزلتني عن الوكالة حتى زوجتها كما أمرتني به، فقال لها ما تقولين:؟ فقالت: قد أعلمته يا أمير المؤمنين فقال لها: أ لك بينة بذلك؟ فقالت: هؤلاء شهود يشهدون بأني قد عزلته فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لهم ما تقولون؟ قالوا: نشهد أنها قد قالت اشهدوا أني قد عزلت أخي فلانا عن الوكالة بتزويجي فلانا و اني مالكة لامري من قبل أن يزوجني فلانا فقال: أشهدتكم على ذلك بعلم منه و محضر، قالوا: لا، قال فتشهدون أنها أعلمته العزل كما أعلمته الوكالة؟ قالوا: لا، قال: أرى الوكالة ثابتة، و النكاح واقعا أين الزوج فجاء فقال خذ بيدها بارك الله لك فيها، فقالت: يا أمير المؤمنين أحلفه أني لم أعلمه العزل و أنه لم يعلم بعزلي إياه قبل النكاح قال: و تحلف؟ قال:

نعم يا أمير المؤمنين فحلف و أثبت وكالته و أجاز النكاح.

و ما رواه

في الفقيه عن ابن أبى عمير عن هشام بن سالم (1) و طريقه الى ابن أبى عمير صحيح، عن أبي عبد الله (عليه السلام)

في رجل و كل آخر على وكالة في أمر من الأمور و أشهد له بذلك شاهدين، فقام الوكيل فخرج لإمضاء الأمر فقال: اشهدوا أني قد عزلت فلانا عن الوكالة، فقال: ان كان الوكيل أمضى الأمر الذي وكل

____________

(1) الفقيه ج 3 ص 49 ح 5، الوسائل ج 13 ص 286 ح 1.

20

عليه قبل العزل عن الوكالة فإن الأمر واقع ماض على ما أمضاه الوكيل، كره الموكل أم رضي، قلت: فان الوكيل أمضى الأمر قبل أن يعلم بالعزل أو يبلغه أنه قد عزل عن الوكالة فالأمر على ما أمضاه؟ قال: نعم، قلت: فان بلغه العزل قبل أن يمضي الأمر، ثم ذهب حتى أمضاه لم يكن ذلك بشيء؟ قال: نعم، ان الوكيل إذا وكل ثم قام عن المجلس فأمره ماض أبدا و الوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه، أو يشافه بالعزل عن الوكالة».

و رواه الشيخ في التهذيب بسند فيه العبيدي (1).

و ما رواه

في الفقيه عن ابن مسكان عن أبي هلال الرازي (2) قال:

قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل وكل رجلا بطلاق امرأته إذا حاضت، و طهرت، و خرج الرجل فبدا له فأشهد أنه قد أبطل ما كان أمره به، و أنه بدا له في ذلك، قال: فليعلم أهله و ليعلم الوكيل.

و ما رواه

في الفقيه و التهذيب عن جابر بن يزيد و معاوية بن وهب (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

من وكل رجلا على إمضاء أمر من الأمور فالوكالة ثابتة أبدا حتى يعلمه بالخروج منها كما أعلمه بالدخول، فيها».

و طريقه في الفقيه إلى معاوية بن وهب صحيح، فتكون الرواية فيه صحيحة.

و أنت خبير بما في هذه الأخبار من الدلالة الصريحة على القول المشهور بين المتأخرين، و قد اشتملت رواية العلاء بن سيابة على ما يؤذن ببطلان ما ذهب إليه في القواعد، لقوله (عليه السلام) في الرد على العامة يعزلون الوكيل عن الوكالة و لا تعلمه بالعزل الى آخره، و كذا بطلان قول النهاية و من تبعه من الاكتفاء بمجرد الاشهاد مع عدم إمكان الاعلام، كما يفهم من حكم أمير المؤمنين (عليه السلام) في قضية المرأة المذكورة و نحوها صحيحة هشام بن سالم (4).

____________

(1) التهذيب ج 6 ص 213 ح 2.

(2) الفقيه ج 3 ص 48 ح 2، التهذيب ج 6 ص 214 ح 4، الوسائل ج 13 ص 288 باب 3.

(3) الفقيه ج 3 ص 47 ح 1، التهذيب ج 6 ص 213 ح 1، الوسائل ج 13 ص 285 باب 1.

(4) الفقيه ج 3 ص 49 ح 5، التهذيب ج 6 ص 213 ح 2، الوسائل ج 13 ص 286 ح 1.

21

بقي هنا شيء و هو أن ظاهر عبارة الخلاف وجود الرواية بالانعزال بمجرد العزل، كما ذهب إليه في القواعد، حيث قال: إذا عزل الموكل وكيله من الوكالة في غيبة عن الوكيل، لأصحابنا فيه روايتان إحديهما أنه ينعزل في الحال، و ان لم يعلم الوكيل و كل تصرف يتصرف فيه الوكيل بعد ذلك يكون باطلا، و هو أحد قولي الشافعي، و الثانية أنه لا ينعزل حتى يعلم الوكيل ذلك، و كل ما يتصرف فيه يكون واقعا موقعه الى آخره.

و أنت خبير بأن هذه الرواية لم تصل إلينا و لم ينقلها أحد غيره و بذلك اعترف في المختلف أيضا حيث قال: و لم نظفر بالرواية الأخرى التي نقلها في الخلاف، ثم انه قال في المختلف: و الظاهر عدم عزل الوكيل الا أن يعلم العزل لهذه الروايات، و لأنه لو انعزل قبل علمه كان فيه ضرر، لأنه قد يتصرف تصرفات تقع باطلة، و ربما باع الجارية فيطؤها المشتري، و الطعام فيأكله أو غير ذلك فيتصرف فيه المشتري و يجب ضمانه بتصرف المشتري و الوكيل.

ثم قال: و القول الآخر ليس بردي، لأن الوكالة من العقود الجائزة، فللموكل الفسخ و ان لم يعلمه الوكيل، و الا كانت لازمة حينئذ هذا خلف، و لأن العزل رفع عقد، لا يفتقر الى رضا صاحبه، فلا يفتقر الى علمه كالطلاق، و العتق، و قول النهاية لا بأس به، لأنه توسط بين الأقوال، انتهى.

و نسج على منواله المحقق اردبيلى بالنسبة إلى تعليل هذين القولين، سيما قول القواعد، و أطال المناقشة و الطعن في أسانيد الاخبار حتى أنه في آخر البحث قال: و المسئلة من المشكلات، لما علمت مما تقدم.

و أنت خبير بان كل ذلك اجتهاد في مقابلة النصوص، و جرأة تامة على أهل الخصوص، سيما في الروايات المذكورة ما هو صحيح السند باصطلاحهم مع صراحة الدلالة بما لا يحوم حوله الشك، و الاشكال، و لكنهم جرت عادتهم بالركون الى هذه التعليلات العقلية، و ترجيحها على الأدلة النقلية، و يتفرع

22

على الخلاف المذكور صحة تصرف الوكيل بعد العزل، و قبل الاعلام بناء على القول المختار، و على القولين الأخيرين من الانعزال بمجرد العزل أو بمجرد الاشهاد يبطل جميع ما فعله بعد الأمرين المذكورين، و هو الظاهر، و الله سبحانه العالم.

الخامسة [موارد بطلان الوكالة]:

قد صرح الأصحاب بأن الوكالة تبطل بأمور

منها [عزل الوكيل نفسه]

ما تقدم من عزل الوكيل نفسه على ما قالوه، و عزل الموكل كما عرفت

، و

منها التعليق بالشرط أو الصفة

، و قد عرفت الكلام فيه، الا أن في عد هذا الفرد نوع تسامح.

و

منها موت كل من الوكيل أو الموكل

، أما موت الوكيل فظاهر، و أما موت الموكل فلأن ما وكل فيه ينتقل الى غيره، فلا يجوز التصرف فيه إلا بإذن من انتقل اليه، و لأن العقد كان جائزا منوطا باذنه، و رضاءهما غير متحققين بعد الموت.

و بالجملة فإنه لا خلاف و لا إشكال في البطلان في الصورة المذكورة و قد صرحوا بأنه لو مات الموكل فان تصرف الوكيل بعد الموت باطل، و ان لم يعلم الموت، لأن ذلك هو الأصل و إنما خرجت مسألة العزل بالنص.

و عندي فيه توقف، لعدم إيرادهم نصا على ما ادعوه من البطلان، سيما مع ما عرفت من خروج النصوص بعدم انعزال الوكيل قبل بلوغ العزل له الجاري ذلك على خلاف قواعدهم، حتى اضطربوا في التفصي عنها، فمنهم من قال بها، و ألغى تلك القواعد، و منهم من ألغاها و قدم تلك القواعد، فمن المحتمل قريبا أن يكون الحكم هنا كذلك أيضا، و ما ادعوه من الأصل هنا لا أعرف له أصلا، و كأنهم أرادوا بالأصل أصل العدم.

و فيه أن الأصل بمعنى الاستصحاب لثبوت الوكالة حتى يقوم الدليل على الإبطال في الصورة المذكورة قائم و مرجع هذا الاستصحاب الى عموم الدليل، حتى يثبت الرافع له، و يعضده الأمر بالوفاء بالعقود، و بالجملة فالحكم لعدم النص لا يخلو عن اشكال.

23

نعم يمكن أن يستدل لما ذكروه بما رواه

في الكافي عن ابن بكير (1) في الموثق عن بعض أصحابنا عن أبى عبد الله (عليه السلام)

في رجل أرسل يخطب عليه امرأة و هو غائب، فأنكحوا الغائب و فرضوا الصداق، ثم جاء خبره بعد أنه توفي بعد ما سيق الصداق، فقال: ان كان أملك بعد ما توفي فليس لها صداق، و لا ميراث، و ان كان أملك قبل أن يتوفى فلها نصف الصداق، و هي وارثة، و عليها العدة».

فإنها ظاهرة في أنه و كل في حال الغيبة من يخطب له و يعقد عنه و يسوق المهر ثم مات، و قد حكم (عليه السلام) بصحة العقد متى وقع قبل الموت، و بطلانه متى كان بعده، و حينئذ فيتم ما ذكروه من الحكم المذكور، و ان لم يتنبه أحد منهم لهذا الخبر الذي ذكرناه، بل إنما بنوا الحكم على قواعدهم المتداولة بينهم ثم انهم نبهوا على أنه و ان بطلت الوكالة في الصورة المذكورة، لكن ما بيده يكون أمانة لأن الأمانة لا تبطل بالموت كما تبطل الوكالة الا أنه يجب المسارعة و ردها على الوارث فإن أخر لا لعذر ضمن، كما تقدم في الوديعة، و لو تلف بغير تفريط فلا ضمان.

و

منها الجنون و الإغماء من كل منهما

و الظاهر أن المستند فيه هو الإجماع كما في المسالك، فقال: هذا موضع وفاق، و لأنه من أحكام العقود الجائزة، و كان مبناه على الخروج عن أهلية التصرف و قد صرحوا أيضا بأنه لا فرق بين أن يكون مطبقا أو أدوارا و لا في الإغماء بين طوله و قصره، و لا فرق بين أن يعلم الموكل بعروض المبطل و عدمه.

ثم انهم صرحوا أيضا بأنه يجيء في هذه المسئلة ما تقدم في مسئلة ما تقدم في مسئلتي بطلان الوكالة بالرد و بالتعليق، من جواز التصرف و عدمه، فإنه بعد زوال الجنون أو الإغماء الذين بهما بطلت الوكالة، هل يجوز لهما التصرف بالاذن العام فكل من قال بالجواز ثمة، فإن الحال فيه هنا كذلك.

و قد عرفت مما حققناه في تلك المسئلتين، أن الحق هو جواز التصرف بل

____________

(1) الكافي ج 5 ص 415 ح 1، الوسائل ج 14 ص 230 ح 2.

24

عدم بطلان الوكالة بشيء من ذينك الأمرين و ان ادعوا الإجماع عليه فكذلك هنا لأنا لم نقف لهم على دليل يدل على ابطالها بما ذكروه، سوى ما ادعي من الإجماع و حينئذ فيجوز التصرف فيما و كل فيه، و لا يحتاج إلى تجديد عقد من الموكل بعد زوال ذلك عنه لو كان هو المصاب بأحد الأمرين، بل يكفي استصحاب حكم العقد السابق، أما عندنا فلعدم ثبوت الابطال بذلك كما عرفت، و أما عندهم فلاستصحاب الاذن العام، لانه و ان بطل عقد الوكالة الا أن الاذن باق.

و يؤيد جواز التصرف هنا و ان امتنع بوجود أحد هذين الأمرين جملة من النظائر، كما صرحوا به من دخول الصيد الغائب في ملك المحرم، بعد زوال الإحرام، و أن من وكل محلا فصار محرما لم يحتج الى تجديد الوكالة بعد تحلله عن الإحرام، و نحو ذلك مما يقف عليه المتبع، و في جميع ذلك تأييد لما ذكرناه من عدم بطلان الوكالة هنا.

و

منها الحجر على الموكل فيما يمنع الحجر من التصرف فيه

، فإنه إذا منع ذلك الموكل منع وكيله بطريق أولى، و لان الحجر موجب لزوال أهلية التصرف المالي، قالوا: و في حكم الحجر طرو الرق على الموكل بأن كان كافرا فاسترق، و لو كان هو الوكيل صار بمنزلة توكيل عبد الغير، و سيأتي الكلام فيه إنشاء الله تعالى، و يأتي الكلام في التصرف بعد زوال الحجر كما تقدم.

و لا تبطل بالنوم و ان طال لبقاء أهلية التصرف، و من ثم أنه لا تثبت الولاية عليه، و قيد في اللمعة النوم المتطاول بأن لا يؤدى الى الإغماء، و فيه كما أشار إليه الشارح خروج عن موضع فرض المسئلة، لأن الإبطال انما هو بالإغماء، لا بالنوم.

و

منها تلف ما تعلقت به الوكالة

كتلف العبد الموكل ببيعه و موت المرأة الموكل بتزويجها أو طلاقها، و تلف الدينار الموكل بأن يشري به شيئا، قالوا:

و في حكم التلف انتقاله عن ملكه كما لو أعتق العبد الموكل في بيعه، أو باع

25

العبد الموكل في عتقه.

و

منها ما لو فعل الموكل ما تعلقت به الوكالة

كأن يوكله في بيع عبد ثم يبيعه هو، و ثبوت البطلان ظاهر، إذ لا شك في ثبوت ذلك له قبل الوكالة، و الوكالة غير مانعة منه، و لا منافية له، سيما مع ثبوت كونها جائزة، و معلوم أنه بعد فعله لم يبق ما و كل فيه، فلا تبقى الوكالة، لعدم بقاء محلها فهو بمنزلة تلف ما و كل فيه، كما في سابق هذا الموضع.

و بالجملة فالأمر في ذلك أظهر من أن يحتاج إلى مزيد بيان، و في حكمه فعل الموكل ما ينافي الوكالة، قال في المسالك و في كون وطئ الزوجة الموكل في طلاقها و السرية الموكل في بيعها منافيا وجهان: من دلالة الوطي على الرغبة ظاهرا و لهذا دل فعله على الرجوع في المطلقة رجعية فرفعه للوكالة أولى، و من ثبوت الوكالة و منافاة الوطي لها غير معلوم، و ثبوت الفرق بين الطلاق و الوكالة، فإن الطلاق يقتضي قطع علاقة النكاح فينافيه الوطي، بخلاف التوكيل فإنه لا ينافيه انتفاع الموكل بالملك الذي من جملته الوطي بوجه نعم فعل مقتضى الوكالة ينافيه، و الأولوية ممنوعة، و هذا أقوى و أولى بعدم البطلان فعل المقدمات.

و في القواعد فرق بين الزوجة و السرية فقطع في الزوجة بالبطلان، و في السرية بخلافه، و في التذكرة توقف في حكم الوطي و المقدمات معا انتهى، و نحوه كلام المحقق الثاني في شرح القواعد.

و التحقيق أن يقال: ان الوطي و المقدمات التي هي عبارة عن التقبيل و المباشرة دون الفرج و نحو ذلك الدال بظاهره على الرغبة ان وقع مقرونا بالندامة على التوكيل و قصد العزل، فإنه لا إشكال في كونه عزلا، و أنه تبطل الوكالة بذلك، و ان وقع مقرونا بعدم ذلك، فالظاهر بقاء الوكالة و عدم العزل، و ان وقع مشتبها فإنه ينبغي استفسار ذلك من الموكل، و يقبل قوله في ذلك، و ان لم يمكن مراجعته

26

و استعلام الحال منه فإن الأقرب عدم العزل و بقاء الوكالة، لأن ما فعله من هذه الأشياء أعم من قصد الإمساك و العزل عن الوكالة و الرغبة فيها، و من عدم ذلك، فالأصل ثبوت الوكالة و بقائها حتى يعلم الرافع لها.

و يشير اليه ما تقدم في الأخبار المتقدمة من قوله (عليه السلام) في بعضها «الوكالة ثابتة أبدا حتى يعلمه بالخروج منها كما أعلمه بالدخول فيها» و في آخر «الوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه، أو يشافه العزل» الدال جميع ذلك على أنه بعد ثبوت الوكالة، فإنه يجب البقاء عليها الا مع العلم بالرافع لها، و لهذا لو كان المبلغ للعزل غير ثقة لا يترتب على خبره العلم لم يوجب العزل، فكذا هنا بمجرد وقوع هذه الأشياء على وجه لا يعلم به ارادة العزل لا توجب عزلا، و يمكن إرجاع كلام الفاضلين المذكورين الى ما حققناه هنا، فان ظاهر اعتراضهما على الوجه الأول- بأن منافاة الوطي لها غير معلوم- أنه لو كانت المنافاة معلومة لكان ذلك عزلا، و حينئذ فإذا كان مقرونا بالمنافي من قصد الإمساك و قصد العزل عن الوكالة فلا ريب في كونه عزلا عندهما، و أما ما نقله عن التذكرة من أنه توقف في حكم الوطي و المقدمات فالذي يظهر لي أن التوقف انما هو في المقدمات.

و أما حكم الوطي فالظاهر أنه الأقرب عنده، و ان عبر عنه بلفظ الاحتمال حيث قال في عد عبارات العزل و الفسخ فإذا و كله في طلاق زوجته ثم وطئها احتمل بطلان الوكالة، لدلالة وطئه لها على رغبته و اختياره إمساكها، و كذا لو وطئها بعد طلاقها رجعيا، كان ذلك ارتجاعا لها، فإذا اقتضى الوطي رجعتها بعد طلاقها، فلأن يقتضي استبقاؤها على زوجيتها و منع طلاقها أولى، و ان باشرها دون الفرج أو قبلها أو فعل ما يحرم على غير الزوج فهل يفسخ الوكالة في الطلاق؟ إشكال، ينشأ من حصول الرجعة به، و عدمه انتهى.

و التقريب فيما ذكرناه أنه ذكر الدليل على بطلان الوكالة بالوطء و لم يتعرض لرده، بل جمد عليه بل جعله أولى من الرجعة، فكيف ينسب له التوقف

27

مع الحكم بذلك عنده في الرجعة، و عدم التوقف فيها و هو قد حكم بالأولوية من الرجعة.

نعم التوقف في المقدمات ظاهر حيث صرح بالإشكال في ذلك، و جعل الإشكال في الإبطال بها تابعا للإشكال بحصول الرجعة بذلك، و الله سبحانه العالم.

السادسة [فيما يقتضيه إطلاق الوكالة]:

قالوا: إطلاق الوكالة يقتضي الابتياع بثمن المثل بنقد البلد حالا، و ان يبتاع الصحيح دون المعيب، و لو خالف وقف على الإجازة.

أقول: الظاهر أن الوجه في اقتضاء الإطلاق هذه الأمور هو أن المتبادر من الإطلاق ذلك بحسب العرف و العادة، لأن المرجع في مثل ذلك اليه كما صرحوا به في غير موضع، و ادعى في التذكرة الإجماع هنا على ذلك، الا أنه في التذكرة قيد إطلاق الوكالة في البيع بثمن المثل، بما إذا لم يكن هناك باذل بأزيد، و إلا فلا يجوز، بل لا يصح البيع حينئذ، فإنه تجب رعاية المصلحة على الوكيل و صحة فعله موقوفة عليها، قال في الكتاب المذكور: كما لا يجوز للوكيل أن ينقص عن ثمن المثل، لا يجوز أن يقتصر عليه، و هناك طالب بالزيادة، بل يجب بيعه على باذل الزيادة، لأنه منصوب لمصلحة الموكل، و ليس من مصلحته بيعه بالأقل مع وجود الأكثر، انتهى، و صرح أيضا بأنه لو باع بخيار ثم وجد باذلا يزيد في الثمن في زمن الخيار وجب عليه الفسخ، تحصيلا لمصلحة المالك في ذلك و التزام البيع مناف لها فلا يملكه.

و زاد المحقق الأردبيلي أيضا أنه يمكن ذلك فيما لو عين الموكل الثمن أيضا، قال: فان تعيينه إنما هو لظن عدم الزيادة عليه، و هو المفهوم عرفا إذ المتعارف و الغالب أن شخصا لم يبع بأنقص مع وجود الزائد، و الأمور محمولة على الغالب و العرف، مع أن ذلك أيضا منوط بالمصلحة، و لا مصلحة في البيع بالناقص مع وجود الزائد، انتهى و هو غير بعيد، و استثنى بعضهم أيضا من ثمن المثل النقصان اليسير الذي يتسامح الناس فيه، و لا يناقشون فيه كدرهم أو درهمين في ألف درهم،

28

و لا بأس به نظرا الى ما قدمنا ذكره من دوران هذه الأحكام مدار العرف و العادة.

و أما نقد البلد فان كان واحدا في تلك البلد، لا تعدد فيه فمعلوم انصراف الإطلاق إليه في البيع و الوكالة، و مع التعدد فإنه ينصرف الى الغالب، فان استوت تحرى ما هو الأنفع للموكل، و إلا تخير.

و أما كونه حالا فإنه هو الغالب في العادة، فيجب حمل الإطلاق عليه.

و اما اقتضاء الإطلاق الصحيح دون المعيب، فادعى عليه في التذكرة الإجماع، قال: لأن الإطلاق في الشراء يقتضي سلامة المبيع، حتى أن للمشتري الرد لو خرج معيبا، ثم نقل عن أبي حنيفة جواز شراء المعيب، و انه كالمضارب ثم رده بالفرق بين المضارب و الوكيل، و أن المضارب إنما يشترى للربح، و قد يكون في المعيب، بخلاف الوكيل فإنه قد يكون للغنية و الانتفاع، و العيب قد يمنع بعض المقصود، و إنما يقتضي و يد خر السليم، الى آخر كلامه رحمة الله عليه.

ثم أنه لو خالف الوكيل و شرى المعيب، فان كان عالما كان فضوليا على القول بصحة الفضولي، و باطلا على القول الآخر، و هو المختار كما تقدم في البيع، و مثله يأتي فيما لو اشترى بزيادة على ثمن المثل عالما، فإنه للمخالفة يكون موقوفا أو باطلا، و كذا الحكم عندهم فيما لو اشتراه جاهلا بالعيب.

و إن كان باطنا قالوا: يقع عن الموكل، لأنه إنما يلزمه الشراء الصحيح بحسب الظاهر، و لا يخاطب بالسلامة في الباطن، لأنه يعجز عنه، و لا يمكنه الوصول إليه إذ هو عيب لا يجوز التكليف به، فيقع البيع للموكل، كما لو شرى بنفسه جاهلا بالعيب.

بقي الكلام في خيار العيب بعد العلم به، و الرد به أو الإمساك، و الظاهر أنه للموكل دون الوكيل و به صرح في التذكرة، و ظاهره الإجماع عليه، قال:

و حيث قلنا يقع عن الموكل و كان الوكيل جاهلا بالعيب فللموكل الرد إذا اطلع عليه، لأنه المالك، و هل يملك الوكيل الرد بالعيب، أما عندنا فلا، لأنه

29

إنما و كله في الشراء، و هو مغاير للرد، فلا يملكه، انتهى.

و منه يظهر أنه لو كانت الوكالة مطلقة أو كان وكيلا في الشراء و الرد، فان للوكيل الرد، و هو ظاهر، الا أنه سيأتي في كلامهم أيضا ما يؤذن بأن للوكيل الرد بالعيب.

ثم ان ظاهرهم فيما لو اشترى جاهلا بالغبن، بأن شرى بما يزيد على ثمن المثل جاهلا، فإنه لا يقع للموكل، كما في العيب، بل يكون حكمه حكم العالم، كما تقدم، قالوا: و الفرق بين الجهل بالعيب، و الجهل بالغبن أن العيب قد يخفى فهو في شرائه معذور، و الوكالة شاملة له، لأن التكليف بالصحيح إنما هو بالنظر الى الظاهر، لا الباطن كما عرفت آنفا.

و بالجملة فهو لا يزيد على شرائه لنفسه، بخلاف الجهل بالغبن فان الغبن لا يخفى، و نقص القيمة أمر ظاهر، مستند الى تقصيره في تحرير القيمة، فلا يكون داخلا تحت الوكالة.

و فيه أن ما ذكروه لا يطرد كليا لأنه و ان تم ذلك في بعض الأفراد الا أن الأمر في بعضها على خلاف ذلك، فان من العيب ما يكون ظاهرا لا خفاء فيه كالعور و العرج، و من الغبن ما هو خفي بل أخفى على كثير من أهل الخبرة، كما في كثير من العيوب، كما في الجواهر و نحوها، و على هذا فينبغي أن يجعل الضابط فيهما واحدا بأن يقال ان كلا من العيب و الغبن ان كان مما يخفى غالبا، فإنه يقع الشراء من الموكل مع الجهل بهما، و إلا وقف على الإجازة، كما ذكروه، و بطل على المختار، و الله سبحانه العالم.

السابعة [في اقتضاء إطلاق الوكالة بالبيع بيع الوكيل على ولده الكبير أو زوجته]:

الظاهر أنه لا خلاف في أن إطلاق الوكالة بالبيع يقتضي بيع الوكيل على ولده الكبير و زوجته، كما في غيرهما، و لم ينقل فيه الخلاف الا عن بعض العامة، محتجا بمظنة التهمة، و أما على الولد الصغير فعن الشيخ القول بالمنع: للزوم اتحاد الموجب و القابل، و لأنه تجب عليه رعاية المصلحة من

30

الجانبين و المماكسة مهما أمكن، و ذلك غير ممكن هنا.

أقول: و يلزم ذلك كل من قال بعدم جواز شراء الوكيل بنفسه، قال في التذكرة: إذا منعنا من شراء الوكيل لنفسه لم يجز أيضا أن يشتري لولده الصغير، و لا لمن يلي عليه لوصية، لأنه يكون بيعا من نفسه، و به قال الشافعي، و عندي فيه نظر، أقربه الجواز في ذلك كله، انتهى.

أقول: و يؤيد الصحة أيضا عموم أدلة البيع و أدلة الوكالة، و المنع من بطلان الاتحاد، و قد جوز الشيخ ذلك في الأب و الجد بالنسبة إلى الصغير، و هو ظاهر في عدم مانعية الاتحاد، و في عدم اشتراط المماكسة.

و أما البيع على نفسه أو الشراء لنفسه، فقد تقدم الكلام فيه في الموضع الخامس من المسئلة الخامسة من المقام الأول في البيع (1) و يأتي الكلام في ذلك إنشاء الله تعالى في المطلب السادس، و الله سبحانه العالم.

الثامنة [في اقتضاء إطلاق الوكالة تسليم المبيع]:

قال في الشرائع: إطلاق الوكالة في البيع يقتضي تسليم المبيع، لأنه من واجباته، و علله الشارح في المسالك بأنه إنما كان من واجباته، لأن البيع يقتضي إزالة ملك البائع عن المبيع، و دخوله في ملك المشتري، فيجب على مدخل الملك التسليم، لأنه من حقوقه.

و قال في الإرشاد: و وكيل البيع لا يملك تسليم المبيع قبل توفية الثمن، و وجهه الشارح الأردبيلي بأن تسليم المبيع ليس بداخل في مفهوم البيع، و لا يشترط في ذلك، فلا يكون وكيله مالكا له، إذ ما وكله إلا في البيع، و أما إذا دفع الثمن إلى الموكل أو وكيله الجائز له قبضه، أو أبرأه من الثمن فلا يجوز منعه، لأنه صار ملكا خالصا للمشتري، بحيث لا يجوز للموكل منعه، فيجب عليه التسليم كالوكيل، و ان لم يكن وكيلا في التسليم صريحا، انتهى.

و ظاهر عبارة القواعد مثل الشرائع، و الظاهر أنه يجب تقييدهما بما ذكره

____________

(1) ج 18 ص 416.

31

هنا من دفع الثمن أولا، بناء على قاعدتهم من عدم الوجوب الا بالتقابض، و كذا تقييد عبارة المسالك المذكورة، فإنه و ان دخل في ملك المشتري بمجرد عقد البيع كما ذكره، الا أن ملكه له لا يستلزم وجوب تسليمه له قبل قبض الثمن منه، حيثما صرحوا به فيما لو باع مال نفسه، كما تقدم في البيع، و لهذا انه في المسالك استدرك ذلك، فقال في تتمة العبارة المتقدمة: لكن لا يسلمه حتى يقبض الثمن هو، أو من يكون له قبضه.

قال في التذكرة: إذا وكله في البيع يملك تسليم المبيع إلى المشترى ان كان في يده، و هو قول أكثر الشافعية، لأن البيع يقتضي إزالة الملك، فيجب التسليم، و لأن تسليم المبيع إلى المشترى من تمامه و حقوقه، و هذا عين ما علله في المسالك، ثم قال في المسئلة التي بعدها: إذا وكله في البيع لم يملك قبض الثمن على ما تقدم، و يملك تسليم العين إلى المشتري، لكن لا يسلم قبل أن يقبض الموكل أو من نصبه الثمن، فإن سلمه قبل قبضه كان ضامنا، و قد قيد في هذه المسئلة ما أطلقه في المسئلة التي قبلها.

و بالجملة فإن رعاية قواعدهم في المسئلة توجب ذلك، و لهذا انه في المسالك استدرك بالتقييد بذلك، هذا بالنسبة إلى تسليم المبيع.

و أما قبضه الثمن فقد صرحوا بأن إطلاق الوكالة في البيع لا يقتضي قبض الثمن، لأنه قد لا يؤمن على القبض و الوكالة انما وقعت في البيع، و قبض الثمن أمر زائد على ذلك، إلا أن يكون هناك قرينة تدل عليه، فيكون الاعتماد في ذلك عليها، كما لو أمره بالبيع في سوق بعيدة أو بلد آخر بحيث أنه يضيع الثمن بترك قبضه، و لا يمكن للموكل قبضه، ففي مثل ذلك يجوز، بل يجب قبضه حتى أنه لو تركه و لم يقبضه كان ضامنا، لأن الظاهر من حال الموكل أنه انما أمره بالبيع للانتفاع بالثمن، و لا يرضى بتضييعه، و لهذا يعد من فعل ذلك مفرطا هذا في الوكيل في البيع.

32

و أما الوكيل في الشراء فإنهم قد صرحوا بأن إطلاق الوكالة في الشراء يقتضي الاذن في تسليم الثمن، و لا يقتضي الاذن في تسلم المبيع، قال في التذكرة:

الوكيل بالشراء إذا اشترى ما وكل فيه ملك تسليم ثمنه، لأنه من تتمته و حقوقه، فهو كتسليم المبيع في الحكم، و الحكم في قبض المبيع كالحكم في قبض الثمن في البيع، الوجه عندنا أنه لا يملكه، كما قلناه في البيع لا يملك الوكيل فيه قبض الثمن، انتهى، و على هذا النهج كلام الشرائع و الإرشاد و غيرهما.

أقول: و ينبغي تقييد إطلاقهم هنا عدم ملكه تسلم المبيع، لعدم دخوله تحت إطلاق الوكالة بما قيد به عدم قبض الثمن في صورة الوكالة في البيع، من أنه لو دلت القرائن على فوات المبيع و ذهابه لو لم يتسلمه لكان الواجب عليه قبضه، فضلا عن أن يكون جائزا لعين ما ذكروه ثمة، كما لو وكله في شراء عين من مكان بعيد يتعذر على الموكل قبضها، بحيث لو لم يقبضها ذهبت و فاتت، فإنه يجب عليه قبضها، و أنه يضمن بترك ذلك لعين ما تقدم، و ينبغي أيضا تقييد إطلاقهم ملك تسليم الثمن هنا بما تقدم في الوكالة في البيع من تقييد ملكه لتسليم المبيع، بما إذا قبض الموكل أو من يقوم مقامه الثمن لعين ما تقدم من الدليل في تلك الصورة، و لعله الى ذلك يشير قوله في التذكرة:

فهو كتسليم المبيع، فان قياسه على تسليم المبيع و جعله مثله و على نهجه مع أنه كما عرفت قد صرح ثمة بأنه لا يسلم المبيع حتى يقبض الموكل أو من نصبه الثمن، بمقتضى ما قلناه هنا من أنه لا يسلم الثمن إلا بعد قبض المبيع، فمعنى قولهم أنه مأذون في دفع الثمن يعنى بعد تسليم المبيع.

و بالجملة فالظاهر عدم الفرق بين الوكيل البائع و الوكيل المشتري، في أنه ليس لهما دفع ما بيدها و إقباضه إلا بعد وصول عوضه الى الموكل أو من نصبه لقبضه، حيثما تقدم في كلامهم في البيع في غير موضع من اشتراط التقابض و نحوه و الله سبحانه العالم.

33

التاسعة [في عدم جواز رد الوكيل المبيع بالعيب]:

قد صرح جمع من الأصحاب منهم الفاضلان في الشرائع و الإرشاد بأن للوكيل الرد بالعيب مع حضور الموكل و غيبته، و علله في الشرائع قال:

لأنه من مصلحة العقد.

أقول: قد تقدم في عبارة التذكرة في المسئلة السادسة ما يؤذن بدعوى الإجماع على أن الوكيل لا يملك الرد بالعيب، لأنه إنما وكله في الشراء و هو مغاير للرد فلا يملكه، و علل في المسالك كلام المصنف هنا بأن الموكل قد أقامه مقام نفسه في هذا العقد، و الرد بالعيب من لوازمه لأن التوكيل لما لم ينزل إلا على شراء الصحيح، فإذا ظهر العيب كان له الرد و شراء الصحيح، ثم اعترضه فقال: و يشكل الأول بأنه انما أقامه مقام نفسه في العقد، لا في اللوازم، إذ من جملتها القبض، و الإقالة و غيرهما، و ليس له مباشرتهما إجماعا، و الثاني بأن مقتضاه وقوف العقد على الإجازة كما مر لا ثبوت الرد، الى أن قال: و الأجود عدم جواز الرد مطلقا، وفاقا للتذكرة، لأن الوكالة في الشراء انما اقتضت إدخال المبيع في ملكه، و الرد يقابله و يضاده، فلا يدخل فيها، انتهى و هو جيد.

و كيف كان فإنه متى رضي به الموكل أو منعه عن الرد فإنه ليس له الرد، أما على ما اخترناه فإنك قد عرفت أن الوكيل ليس له الرد، و انما الخيار للموكل بين الرد و الإمساك.

و أما على ما ذكروه هنا من أن للوكيل الرد فلأنه بمنعه عن الرد قد انعزل عن الوكالة في ذلك، كما ذكره في المسالك بناء على ذلك، حيث قال- بعد قول المصنف و لو منعه الموكل لم تكن له مخالفته- ما لفظه: لا شبهة في بطلان رده بالنهي المذكور، لأنه إبطال للوكالة فيما تضمنه، و عزل له فيه، و إذا جاز عزله عن الوكالة فمن بعض مقتضياتها أولى و في حكمه إظهار الرضا بالعيب، فإنه في معنى النهي عن الرد و أراد بذلك الفرق بين الوكيل، و عامل المضاربة، حيث انه قد سلف أن ليس للمالك منعه من الرد بالعيب، و ان رضى به مع كون العامل في معنى الوكيل، و الفارق انحصار الحق هنا في الموكل، و اشتراكهما في العامل.

34

المطلب الثاني فيما تصح النيابة فيه و ما لا تصح:

قال في التذكرة: البحث الرابع فيما فيه التوكيل و النظر في شرائطه، و هي ثلاثة

الأول [في اشتراط كون الموكل مالكا لما تعلق به الوكالة]:

أن يكون مملوكا للموكل، الثاني: أن يكون قابلا للنيابة، الثالث: أن يكون ما به التوكيل معلوما و لو إجمالا، انتهى.

و الكلام في هذا المطلب يقع في موارد: الأول: قال في التذكرة: يشترط فيما يتعلق الوكالة به أن يكون مملوكا للموكل، فلو و كل غيره بطلاق زوجة سينكحها أو بشراء عبد سيملكه، أو إعتاق رقبة يشتريه، أو قضاء دين يستدينه، أو تزويج امرأة إذا انقضت عدتها أو طلقها زوجها، و ما أشبه ذلك، لم يصح، لأن الموكل لا يتمكن من فعل ذلك بنفسه، فلا تنتظم فيه اقامة غيره، و هو أصح وجهي الشافعية.

الثاني: انه صحيح، و يكتفى بحصول الملك عند التصرف، و أنه المقصود من التوكيل، و قال بعض الشافعية: الخلاف عائد الى أن الاعتبار بحال التوكيل أم حال التصرف، انتهى.

أقول: ينبغي أن يعلم أن المراد بكون متعلق الوكالة مملوكا للموكل بمعنى كونه مما يمكن الموكل التصرف فيه، و مباشرته بنفسه عقلا و شرعا، و مثل هذه الأمور المعدودة لما لم يمكنه مباشرتها بشيء من الوجهين المذكورين انتفت الوكالة فيها، و أولى منها الأمور المستحيلة عقلا أو شرعا، فلا يجوز التوكيل في الغصب و السرقة و القتل و نحوه، و أحكامها انما تلزم المباشر لها، و هل يعتبر الإمكان المذكور من حين التوكيل الى حين التصرف، ظاهر جمع منهم ذلك على ما نقله في الكفاية، و هو ظاهر عبارة التذكرة المتقدمة.

و قال المحقق الثاني في شرح القواعد على ما نقله بعض الأفاضل فمن شرط صحة الوكالة أن يكون التصرف مملوكا للموكل في وقت صدور عقد التوكيل و الظاهر أن ذلك متفق عليه عندنا، و للشافعية خلاف في ذلك.

35

أقول: و منه يعلم أن الاكتفاء بحصول الملك وقت التصرف مختص بالعامة كما تقدم نقله عن بعض الشافعية، و قد تلخص من ذلك أنه متى كان شرط الوكالة ذلك امتنع التوكيل في هذه الأفراد المعدودة، الا أنه قد أورد المحقق الأردبيلي هنا عليهم اشكالا، و هو انهم قد حكموا بجواز التوكيل للطلاق في طهر المواقعة و في حال الحيض، و انهم يجوزون التوكيل في تزويج امرأة و طلاقها قبل التزويج و كذا في شراء عبد و عتقه من غير نزاع، ثم نقل عن التذكرة التصريح بذلك، ثم قال: و أيضا يجوزون الطلقات الثلاث مع رجعتين بينهما، و معلوم جواز عقد القراض، و هو مستلزم للبيوع المتعددة الواردة على المال مرة بعد أخرى، و ليس بموجود حال العقد.

و بالجملة لا شك في جواز التوكيل في أمر لا يكون بالفعل للموكل فعله بل بعد فعل آخر كما مثلناه، و جميع ذلك مع قولهم بهذا الشرط مشكل، الى أن قال: فهذا الشرط غير متحقق اعتباره لي، سواء قلنا وقت التوكيل فقط، أو يستمر الى وقت الفعل انتهى.

أقول: من المحتمل قريبا حصول الفرق بين ما قدمنا ذكره عن التذكرة من الأمثلة التي يمتنع التوكيل فيها لعدم الشرط المذكور، و بين ما ذكره من الأمثلة بأن يقال: بالفرق بين ما وقع فيه التوكيل مستقلا كالأمثلة التي منعوا عن الصحة فيها، و بين ما وقع التوكيل فيه تبعا لما يجوز التوكيل فيه اتفاقا كالأمثلة التي أوردها، فيبطل في الأول، و يصح في الثاني، و يشير الى ذلك، جمعه في التذكرة بين الكلام الذي اعترض به عليه، و بين ما قدمنا نقله عنه في صدر المسئلة في موضع واحد، فإنه قال: على أثر ما قدمناه في صدر المسئلة ما صورته:

و لو وكله في شراء عبد و عتقه أو في تزويج امرأة و طلاقها، أو في استدانة دين و قضاءه صح ذلك كله، لأن ذلك مملوك للموكل، انتهى.

و حينئذ فلو لم يكن الفرق حاصلا بما ذكرنا بل كان الجميع من باب

36

واحد كما ذكره، لحصل التدافع بين كلاميه، فكيف يصرح في محل واحد في بعض الأمثلة بأنه لا يصح التوكيل، لأنه لا يملك التصرف، و يقول في نظيره أنه يصح، لأن ذلك مملوك للموكل.

و بالجملة فإن الفرق بين وقوع الشيء أصالة و تبعا غير عزيز في الأحكام، و قد تقدم في الضمائم الى ما لا يصلح بيعه منفردا ما هو ظاهر في ذلك، و منه أيضا عدم جواز الوقف على من لم يوجد أصالة، و صحة الوقف عليه تبعا فلو وقف على من سيولد له بطل اتفاقا، و على من ولد و من سيولد صح اتفاقا.

نعم يبقى الكلام في الدليل الدال على هذا الشرط، و لا أعلم لهم دليلا زيادة على ما يفهم من الاتفاق الذي ادعاه المحقق الشيخ علي، و فيه ما عرفت في غير مقام مما تقدم فالمسئلة غير خالية من الاشكال، كما في غيرها من مسائلهم الجارية على هذا المنوال.

الثاني [في اشتراط كون الفعل الموكل فيه قابلا للنيابة]:

قد عرفت أن من الشروط قبول الفعل الموكل فيه للنيابة، و الأصحاب قد جعلوا لذلك ضابطا، فقالوا: ان كلما تعلق قصد الشارع بإيقاعه من المكلف مباشرة فإنه لا يقبل التوكيل، و لا تصح فيه النيابة، فكلما جعل ذريعة إلى غرض لا يختص بالمباشرة تصح النيابة فيه.

قال في التذكرة، الضابط فيما تصح فيه النيابة و ما لا يصح أن نقول: كلما يتعلق غرض الشارع بإيقاعه من المكلف مباشرة لم تصح فيه الوكالة، و أما مالا يتعلق غرض الشارع بحصوله من مكلف معين، بل غرضه حصوله مطلقا، فإنه تصح فيه الوكالة و ذلك لان التوكيل تفويض و انابة، فلا يصح فيما لا تدخله النيابة، انتهى.

و عدوا من الأول الطهارة، و ان جازت النيابة في غسل الأعضاء عند الضرورة، الا أن ذلك ليس وكالة، و الصلاة الواجبة ما دام حيا، و كذا الصوم و الاعتكاف و الحج الواجب مع القدرة، و الايمان و النذور و الغصب و القسم بين الزوجات لانه

37

يتضمن استمتاعا، و الظهار و اللعان و قضاء العدة و الجناية، و الالتقاط و الاحتطاب و الاحتشاش، و اقامة الشهادة إلا على وجه الشهادة على الشهادة.

و عدوا من الثاني البيع، و قبض الثمن، و الرهن و الصلح، و الحوالة و الضمان و الشركة و العارية، و اختلفوا في جملة من الأفراد كما سيأتي التنبيه عليها إنشاء الله تعالى.

أقول: لا يخفى ان الظاهر أن بناء هذا الضابط إنما هو على التقريب في جملة من هذه المعدودات، و الا فإنه لا نص على هذا الضابط، و لا دليل عليه من الأخبار.

أما العبادات فالتقريب فيها أنه لما كان المقصود منها الانقياد و الخضوع و الخشوع لله سبحانه، و تهذيب النفس الأمارة و تذليلها كان مستلزما للمباشرة، و فعل المكلف بنفسه ليترتب عليه الأغراض المذكورة، و لا ينافي ذلك الاستنابة في غسل أعضاء الطهارة مع العجز في الطهارة المائية، أو الترابية فإنه لا يسمى وكالة، و لذلك تجوز الاستنابة فيه، لمن لا يصح توكيله كالمجنون و الصغير و النية في ذلك من المكلف إذ لا عجز فيها إلا مع زوال التكليف بالكلية، و أما تطهير الثوب و البدن من النجاسة فليس في حد ذاته من العبادات، ليمتنع التوكيل فيه، و ان ألحق بها من حيث استحباب النية، و لهذا يحكم فيه بالطهارة بحصول الغسل كيف اتفق و ان كان لا من قصد و لا نية بالكلية.

نعم قد استثنى من العبادات هنا مواضع: منها الصلاة الواجبة كركعتي الطواف حيث تجوز الاستنابة في الحج الواجب مع العذر، و منها الحج في الصورة المذكورة، و منها الحج المندوب و ركعتا الطواف فيه، و الطواف المندوب حيث يناب فيه و صلاة الزيادة، و أما غيرها من النوافل و الصوم المندوب ففي جواز التوكيل فيه اشكال، و إطلاق جمع من الأصحاب المنع من الاستنابة في العبادات يشملهما، و ان قيد الإطلاق في غيرهما لقيام الدليل عليه، و يبقى ما عداه على

38

المنع، و منها عتق العبد عن كفارة وجبت عليه، و منها أداء الزكاة الواجبة و الخمس فإنه يجوز التوكيل فيها بغير اشكال، و كذا الزكوات المستحبة.

و أما الالتقاط و الاحتطاب و الاحتشاش فالكلام فيها مبني على ما تقدم تحقيقه في الشركة في المسئلة الثانية من الفصل الثالث اللواحق من الكتاب المذكور، و من ذلك يعلم أن هذه الأشياء مما قد اختلف فيه كلامهم.

و هنا مواضع قد وقع الخلاف في جواز التوكيل فيها، منها الإقرار بأن يقول و كلتك لتقرعنى لفلان بكذا و كذا، فذهب الشيخ الى جواز التوكيل فيه، و هو أحد قولي الشافعية، لأنه قول يلزم به الحق فأشبه الشراء و سائر التصرفات. و تردد في التذكرة، و من ذهب الى المنع علله بأن الإقرار إخبار بحق عليه، و لا يلزم الغير إلا على وجه الشهادة، و لا يليق التوكيل بالإنشاءات.

و منها أيضا التوكيل في إثبات الحدود التي هي حق الله سبحانه، و أما ما يتعلق بالآدميين فقد جوزوا الوكالة فيه، و وجه المنع من التوكيل فيها أنه مبنية على التخفيف، و

لقوله (صلى الله عليه و آله و سلم) (1)

«ادرأوا الحدود بالشبهات».

و التوكيل يؤدي الى إثباتها، و القول بذلك مذهب الفاضلين، في غير التذكرة، و أما في التذكرة فإنه قال: و يجوز التوكيل في إثبات حدود الله سبحانه، و به قال بعض العامة، ثم نقل خبرا من أخبار العامة يدل على أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) و كل في إثبات الحد و استيفائه، ثم قال: و لأن الحاكم إذا استناب نائبا في عمل فإنه يدخل في تلك النيابة الحدود و إثباتها فإذا دخلت في التوكيل بالعموم فبالتخصيص أولى، ثم نقل عن الشافعي المنع من التوكيل في إثباتها، محتجا بما تقدم ثم رده بأن للوكيل أن يدرء بالشبهة، و إلى هذا القول قال في المسالك محتجا بما ذكره العلامة هنا، و أجاب عن دليل المانع بما أجاب به هنا أيضا.

____________

(1) الفقيه ج 4 ص 53 ح 12، الوسائل ج 18 ص 336 ح 4.

39

و منها الجهاد قال في المبسوط: و أما الجهاد فلا تصح النيابة فيه على حال، لأن كل من حضر الصف توجه فرض القتال اليه، وكيلا كان أو موكلا، و قد روى أنه تدخله النيابة، قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه: و المعتمد دخول النيابة فيه، و لذا يصح الاستيجار عليه، و هذا اختيار ابن البراج، انتهى.

أقول: ما نقله الشيخ من وجود الرواية بالنيابة لا تحضرني الآن، فان ثبت فلا معدل عن القول بها، و به يزول الاشكال، و يضعف ما ذهب اليه، و ما استدل به العلامة قوى أيضا ان ثبت صحة الاستيجار عليه، كما ادعاه.

و منها وكالة الرجل لزوجته في طلاق نفسها منه، قال في المبسوط:

و أما المراءة فإنها تتوكل لزوجها في طلاق نفسها عند الفقهاء و فيه خلاف بين أصحابنا، و الأظهر أنه لا يصلح، و تبعه ابن إدريس قال في المختلف: و الوجه عندي الجواز، لنا أنه فعل تدخله النيابة صدر من أهله في محله، فكان واقعا، عملا بالأصل، و لا يخفى أن ما استدل به، لا يخرج عن المصادرة، و أنه عين المدعى، و اما التمسك بأصالة الصحة فهو أيضا لا يخلو من الاشكال.

و منها توكيل الكافر في تزويج المسلمة، منع عنه في المبسوط، و جوزه ابن إدريس، و اختار في المختلف ما ذهب اليه الشيخ، و استدل عليه بأنه نوع سلطنة، و ثبوت ولاية و سبيل على المسلم، فلا يصح لقوله تعالى (1) «وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا».

أقول: لا يخفى ما في هذا الاستدلال من الوهن، ثم قال: احتج بالأصل و الجواب المنع من التمسك به مع قيام منافيه.

و منها من وكل غيره في طلاق زوجته و هو حاضر، فذهب الشيخ و جماعة منهم ابن البراج و أبو الصلاح الى عدم جواز ذلك، و ذهب ابن إدريس و من تأخر عنه الى الجواز، و سيأتي تحقيق المسئلة في محلها ان شاء الله تعالى.

____________

(1) سورة النساء- الاية 141.

40

و منها أن يتوكل المسلم للذمي على المسلم، و ظاهر الخلاف المنع منه، و كذا في النهاية، و هو ظاهر الشيخ المفيد أيضا، و منع أبو الصلاح من ذلك، و صرح ابن إدريس و العلامة في المختلف بالجواز، قال في المختلف: لنا الأصل الدال على الجواز السالم عن المعارضة بإثبات السبيل للكافر على المسلم.

و منها توكيل الحاضر في الخصومة من غير أن يلزمه الحضور، رضي خصمه بذلك أم لا، و المشهور الجواز، و ذهب ابن الجنيد إلى أنه مع حضوره لا يجوز إلا أن يرضى الخصم بمخاصمة وكيل خصمه.

و منها أيضا قبض الزكاة و الخمس، فهل يجوز للفقير و السيد التوكيل في قبض ذلك له ممن عليه ذلك، قولان: الجواز و هو قول المبسوط، و المختلف و التذكرة، و المنع و هو قول ابن إدريس، و ابن البراج، إما إخراجهما فلا خلاف نصا و فتوى في ذلك.

قال ابن إدريس: قال بعض أصحابنا يجوز من أهل السهمين التوكيل في قبضها، و قال ابن البراج: لا يجوز، و هو الذي يقوى في نفسي، لأنه لا دلالة عليه، فمن ادعى ذلك فقد أثبت حكما شرعيا يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي و لا دلالة، و أيضا فالذمة مرتهنة بالزكاة، و لا خلاف بين الأمة ان دفعها الى مستحقها يبرء الذمة بيقين، و ليس كذلك إذا سلمه الى الوكيل، لأن الوكيل ليس هو من الأصناف الثمانية بغير خلاف، لأن الزكاة و الخمس لا يستحقهما واحد بعينه، و لا يملكهما إلا بعد قبضه لهما، فتعين له ملكهما، و الوكيل لا يستحق إلا ما تعين ملكه للموكل، و استحق المطالبة به، و كل واحد من أهل الزكاة و الخمس لا يستحق المطالبة بالمال، لأن الإنسان مخير في وضعه فيه، أو في غيره، فلا يجبر على تسليمه اليه، انتهى.

و استدل في المختلف على ما ذهب اليه من الجواز، فقال لنا: أنه عمل مباح يقبل النيابة، فصحت الوكالة فيه، أما إباحته فلا شك فيه، و أما قبوله

41

النيابة فظاهر، و لهذا وضع الشارع نصيبا للعامل، و لا خلاف أنه يجب دفع الزكاة الى الامام و العامل، و يبرأ ذمة الدافع، و ان تلف لأنهما كالوكيلين لأهل السهمين، و أي استبعاد في أن يقول الفقير: و كلتك في قبض ما يدفعه المالك الي عن زكاته، و لا يستلزم ذلك استحقان المطالبة، بل إذا اختار المالك الدفع الى ذلك الفقير جاز الدفع الى وكيله، انتهى.

أقول: و المسئلة لا يخلو عن شوب الاشكال، و ان كان قول ابن إدريس هو الأقرب الى جادة الاعتدال، أما ما ذكره العلامة من أنه عمل مباح يقبل النيابة، فإنه مصادرة ظاهرة، لأن هذا هو عين المدعى، إذ الخصم ينكر ذلك.

و ما ذكره من الدفع الى الامام بيده أو يد عامله، ففيه أنه ليس كون الامام هنا وكيلا عن المستحقين بأولى من كونه وكيلا عن المالك، و يكون نائبا منابه في تفريقه على المستحقين، و لهذا ان بعض الأصحاب صرح بكونه وكيلا عن المالك.

و كيف كان فهو مستثنى بالنصوص الدالة على ذلك، حتى قيل: بوجوب الدفع اليه، و ان كان المشهور الاستحباب و نائبه (عليه السلام) في معناه.

و إنما يبقى الكلام فيما عداه، و مما يتفرع على ذلك أنه لو تلف المال في يد الوكيل بتفريط أو غير تفريط فمقتضى كلام القائل بالجواز براءة ذمة المالك، و هو مشكل، لأنه مأخوذ عليه بظواهر النصوص في براءة ذمة الدافع الى المستحق، و المتبادر منه كما هو الشائع المتعارف هو الدفع اليه بيده، و الحال أنه لم يدفع اليه بيده، و كون الدفع الى وكيله دفعا اليه، يتوقف على قيام الدليل على صحة الوكالة في هذه المسئلة.

و مما يتفرع على ذلك أيضا أنه لو تصرف الوكيل في المال المدفوع اليه صح ذلك و مضى، لأن المستحق الذي و كله لا يستحق المطالبة به، لأنه لا يصير ملكا له الا بعد قبضه، فلا يستحق المطالبة به، و الدافع قد برئت ذمته كما هو المفروض

42

على هذا القول، و هذا عين السفسطة، و دعوى كون قبض الوكيل في حكم قبض الموكل، يتوقف على صحة التوكيل بالدليل في الصورة المذكورة، و يمكن أن يستدل لما ذكره العلامة بعموم أدلة الوكالة، و ليس هنا ما يصلح للمنع الا عدم تعيين الدفع الى ذلك الموكل، و جواز العدول عنه الى غيره، و هذا لا يصلح للمانعية، إذ يكفي بناء على تسليمه أن يكون ذلك حقا له في الجملة، و هو هنا كذلك، و يمكن أن يؤيد ذلك بما صرحوا به من جواز الدفع إلى أطفال المؤمنين، و أنه يدفع إلى وليهم ان كان، أو عدل يقوم بإنفاقه عليهم، و بالجملة فإن المسئلة لعدم الدليل الواضح باقية في قالب الاشكال، و الله سبحانه العالم.

الثالث [في اعتبار العلم بما فيه التوكيل و حد تصرف الإنسان في ماله]:

قد عرفت أن من جملة الشروط العلم بما فيه التوكيل، و لو إجمالا قال في التذكرة: لا يشترط في متعلق الوكالة و هو ما وكل فيه أن يكون معلوما من كل وجه، فإن الوكالة إنما جوزت لعموم الحاجة، و ذلك يقتضي المسامحة فيها، و لكن يجب أن يكون مبينا من بعض الوجوه، حتى لا يعظم الغرر، و لا فرق في ذلك بين الوكالة العامة و الخاصة، فأما الوكالة العامة بأن يقول و كلتك في كل قليل و كثير، فان لم يضف إلى نفسه فالأقوى البطلان، لأنه لفظ مبهم بالغاية، و لو ذكر الإضافة إلى نفسه- و قال: و كلتك في كل أمر هو لي أو في كل أموري أو في كل ما يتعلق بي، أو في جميع حقوقي، أو في كل قليل و كثير من أموري، أو فوضت إليك جميع الأشياء التي تتعلق بي، أو أنت وكيل مطلقا تصرف في مالي كيف شئت، أو فصل الأمور المتعلقة به التي تجري فيها النيابة، و فصلها فقال: و كلتك ببيع أملاكي و تطليق زوجاتي و إعتاق عبيدي أو لم يفصل على ما تقدم أو قال: و كلتك في كل أمر هو لي مما يناب فيه، و لم يفصل أجناس التصرفات أو قال: أقمتك مقام نفسي في كل شيء- فالوجه عندي الصحة في الجميع، و به قال ابن أبي ليلى، و قال الشيخ: لا تصح الوكالة العامة، و هو قول العامة، إلا ابن أبى ليلى لما فيه من الغرر العظيم، و الخطر الكثير، لأنه

43

يلزمه فيه هبة ماله، و تطليق نسائه، و إعتاق رقيقه، و أن يزوجه نساء كثيرة، و تلزمه المهور الكثيرة، و الأثمان العظيمة فيلزم الغرر العظيم.

و الجواب أنا نضبط جواز تصرف الوكيل بالمصلحة، و كلما لا مصلحة فيه لم ينفذ تصرف الوكيل، كما لو وكله في بيع شيء و أطلق، فإنه لا يبيع الا نقدا بثمن المثل من نقد البلد، فكذا في الوكالة العامة، انتهى.

أقول: ما نقل عن الشيخ هنا هو مذهبه في الخلاف، و أما في النهاية فإنه قد وافق الأصحاب، و القول بالصحة منقول أيضا عن الشيخ المفيد، و سلار، و ابن البراج، و ابن إدريس، و هو المشهور بين المتأخرين، الا أن ظاهر الشرائع الميل إلى ما ذكره في الخلاف، حيث قال: و لو وكل على كل قليل و كثير لا يصح لما يتطرق من الضرر، و قيل: يجوز، و يندفع الخبال باعتبار المصلحة، و هو بعيد عن موضع الفرض، نعم لو و كل على ما يملك صح، لأنه يناط بالمصلحة.

قال في المسالك: و الجواز مذهب الأكثر، لاندفاع الغرر و الضرر بمراعاة المصلحة في فعل الوكيل مطلقا، و المصنف رد هذا القيد بأنه بعيد عن موضع الفرض، فان الفرض كونه وكيلا في كل شيء فيدخل فيه عتق عبيده، و تطليق نسائه، و هبة أملاكه، و نحو ذلك مما يوجب الضرر، و التقييد خروج عن الكلية.

و جوابه أن القيد معتبر و ان لم يصرح بهذا العموم، حتى لو خصص بفرد واحد تقيد بالمصلحة، فكيف بمثل هذا العام المنتشر، و فرق المصنف بين هذا العام و بين ما خصصه بوجه، كقوله و كلتك على ما أملك و نحوه، لاندفاع.

معظم الغرر، نظرا إلى أن رعاية المصلحة في الأمور المنتشرة أمر خفي جدا، فإذا خصص متعلقها سهلت، و هو غير واضح، لأن رعاية المصلحة تضبط الأمرين، و انتشار الأمور لا يمنع من ذلك، فان مرجع المصلحة إلى نظر الوكيل، فما علم فيه المصلحة يفعله، و ما اشتبه عليه يمتنع فعله، و لأنه لو فصل ذلك العام المنتشر فقال: و كلتك في عتق عبيدي، و تطليق زوجاتي و بيع أملاكي صح،

44

لأن كل واحد منضبط برعاية المصلحة على ما اعترفوا به، و ذلك مشترك بين الأمرين، فالأقوى الجواز مطلقا، انتهى.

أقول: لا يخفى أن العموم المستفاد من هذه الأمثلة التي ذكرها في التذكرة مما ينافي اعتبار المصلحة، كما أن تقييد هذا العموم مناف أيضا، فإن ظاهر هذا العموم أن للوكيل إخراجه من جميع ما يملكه من أموال عينية و حقوق شرعية و إثبات ما عليه ربما لا يمكنه الخروج عن عهدته، و جميع ذلك خلاف المصلحة عرفا و عادة، كما أنه لو فصل كان كذلك، فكلام المحقق لا يخلو عن قرب، الا أن يقال:

انه قد رضي بذلك، فهو في حكم ما لو فعل ذلك بنفسه،

«و الناس مسلطون على أموالهم».

فيصح بناء على ذلك، و لا ثمرة هنا للتقييد بالمصلحة، لأنه من الظاهر المعلوم عدم المصلحة، لو فعل ذلك تفصيلا، مع قولهم بالجواز، فكذا في صورة الإجمال الذي هو بمعناه.

و بالجملة فالأمر دائر بين احتمال عدم الصحة من لزوم الضرر، و بين احتمال الصحة بناء على رضاه بذلك، لمعلومية ذلك عنده، كما أنه لو فعله بنفسه كان كذلك، و أما التقييد بالمصلحة و عدمها فلا مدخل له هنا.

نعم لقائل أن يقول: ان ما ادعيتموه من أن للإنسان أن يفعل بنفسه و ماله ما شاء ممنوع، فإنه متى تجاوز في التصرف إلى حد يوجب الإسراف و إدخال الضرر على نفسه، كان ممنوعا بالآيات و الروايات الدالة على تحريم الإسراف، و وجوب دفع الضرر عن النفس و المال (1)، و حينئذ فيرجع الأمر إلى اعتبار المصلحة في تصرفه بنفسه أو وكيله، و على هذا فيمكن القول ببطلان الوكالة في صورة العموم على وجه المذكور، لإدخاله الضرر على نفسه، لأن مقتضى هذا العموم الضرر كما عرفت، كما أنه لو فصل هذا العموم كان ضررا بينا، فتبطل الوكالة في الموضعين، و يمكن أن يقال: بالصحة نظرا إلى أنه و ان كان مقتضى العموم ذلك، الا أن تقييد تصرف الوكيل بالمصلحة يزيل ذلك.

____________

(1) الكافي ج 4 ص 52 عدة روايات باب فضل القصد، الوسائل ج 15 ص 261 ب 27.

45

و مما يمكن أن يستدل به على جواز تصرف الإنسان في ماله كيف شاء و ان أوجب الضرر

صحيحة محمد بن يحيى الخثعمي (1) قال:

«كنا عند أبي عبد الله (عليه السلام) جماعة إذ دخل عليه رجل من موالي أبي جعفر (عليه السلام) فسلم عليه ثم جلس و بكى، ثم قال له: جعلت فداك إني كنت أعطيت الله تعالى عهدا ان عافاني الله من شيء كنت أخافه على نفسي أن أتصدق بجميع ما أملك و ان الله تعالى عافاني منه، و قد حولت عيالي من منزلي إلى قبة من خراب الأنصار و قد حملت كل ما أملك، فأنا بائع داري و جميع ما أملك فأتصدق به؟ فقال: أبو عبد الله (عليه السلام) انطلق و قوم منزلك و جميع متاعك و ما تملك بقيمة عادلة و اعرف ذلك ثم اعمد إلى صحيفة بيضاء فاكتب فيها جملة ما قومت ثم انظر الى أوثق الناس في نفسك فادفع إليه الصحيفة و أوصيه و مره ان حدث بك حدث الموت أن يبيع منزلك و جميع ما تملك فيتصدق به عنك، ثم ارجع الى منزلك و قم في مالك على ما كنت فيه فكل أنت و عيالك مثل ما كنت تأكل ثم انظر بكل شيء تصدق به فيما تستقبل من صدقة أو صلة قرابة أو في وجوه البر فاكتب ذلك كله و أحصه، فإذا كان رأس السنة فانطلق الى الرجل الذي أوصيت إليه فمره أن يخرج إليك الصحيفة، ثم اكتب فيها جملة ما تصدقت و أخرجت من صلة قرابة أو بر في تلك السنة، ثم افعل ذلك في كل سنة، حتى تفي لله بجميع ما نذرت فيه و يبقى لك منزلك ان شاء الله تعالى قال: فقال الرجل: فرجت عني يا بن رسول الله جعلني الله فداك».

و فيه أنه قد استفاضت الأخبار المعصومية و عضدتها الآيات القرانية بتحريم الإسراف.

كقول أبي عبد الله (عليه السلام) في رواية حماد اللحام (2) المروية في الكافي و تفسير العياشي

لو أن رجلا أنفق ما في يديه في سبيل من سبيل الله ما كان أحسن و لا وفق أ ليس الله تبارك و تعالى يقول

«وَ لٰا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ»

و أحسنوا

____________

(1) الكافي ج 7 ص 458 ح 23، الوسائل ج 16 ص 236 ح 1.

(2) الكافي ج 4 ص 53 ح 7، الوسائل ج 15 ص 258 ح 7.

46

ان الله يحب المحسنين» يعنى المقتصدين.

و في رواية هشام ابن المثنى (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) الواردة في تفسير قوله تعالى «وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصٰادِهِ وَ لٰا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لٰا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ»

، فقال: كان فلان بن فلان الأنصاري سماه و كان له حرث، فكان إذا أخذ يتصدق به يبقى هو و عياله بغير شيء، فجعل الله تعالى ذلك سرفا».

و في صحيحة الوليد بن صبيح (2) قال:

«كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فجاءه سائل فأعطاه ثم جاء آخر فأعطاه، ثم جاء آخر فقال يسع الله تعالى عليك ثم قال:

لو أن رجلا كان له مال يبلغ ثلاثين أو أربعين ألف درهم ثم شاء أن لا يبقى منها إلا وضعها في حق لفعل فيبقى لا مال له، فيكون من الثلاثة الذين يرد دعاؤهم قلت من هم؟ قال: أحدهم رجل كان له مال فأنفقه في غير وجهه، ثم قال: يا رب ارزقني فيقال له: «أ لم أرزقك».

و من ذلك خبر الصوفية (3) المروي في الكافي الي غير ذلك من الأخبار الصريحة في تحريم ذلك و من المقرر أن صحة نذر شيء فرع مشروعيته، فلو لم يكن مشروعا لم ينعقد نذره، و منه يعلم أن الرواية المذكورة واردة على خلاف القواعد الشرعية، بل ربما يقال: أن دلالة هذه الرواية على ما ندعيه من بطلان النذر أقرب، لأنه لو كان النذر صحيحا لأمره (عليه السلام) بالتصدق بأمواله حسبما نذره لأنه هو الواجب بالنذر، و لما جاز نقلها إلى الذمة بالقيمة ثم التصدق بها تدريجا على وجه يندفع به الضرر الموجب لبطلان النذر لو لم يكن كذلك، و لهذا ان الأصحاب قصروا العمل بالرواية على موردها لمخالفتها لمقتضى القواعد الشرعية كما عرفت و الله سبحانه العالم.

____________

(1) الكافي ج 4 ص 55 ح 5، الوسائل ج 6 ص 323 ح 3.

(2) الفقيه ج 2 ص 39 ح 20 الكافي ج 4 ص 16 ح 1 و فيه أ لم أجعل لك سبيلا الى طلب الرزق.

(3) الكافي ج 5 ص 65 ح 1.

و هما في الوسائل ج 6 ص 322 ح 1 و ص 302 ح 8.

47

المطلب الثالث في الموكل:

و فيه مسائل

الاولى [في اشتراط التكليف في الموكل و عدم الحجر عليه]:

يشترط فيه التكليف بالبلوغ و العقل و عدم الحجر عليه بالنسبة الى ما حجر عليه التصرف فيه، و جملة من الأصحاب انما عبروا هنا بأنه يشترط أن يملك مباشرة ذلك التصرف بملك أو ولاية.

قال في التذكرة: يشترط في الموكل أن يملك مباشرة ذلك التصرف، و يتمكن من المباشرة لما و كل فيه، اما بحق الملك لنفسه، و بحق الولاية عن غيره، فلا يصح للصبي- و لا المجنون و لا النائم، و لا المغمى عليه و لا الساهي و لا الغافل- أن يوكلوا، سواء كان الصبي مميزا أم لا، و سواء كانت الوكالة في المعروف أم لا، و على الرواية المقتضية لجواز تصرف المميز أو من بلغ خمسة أشبار في المعروف و وصيته في المعروف ينبغى القول بجواز توكيله، و كذا كل من يعتوره الجنون حال جنونه، و لو وكل حال إفاقته صحت الوكالة، لكن لو طرء الجنون بطلت الوكالة، انتهى.

أقول: لا ريب أنه وردت الروايات الكثيرة (1) الظاهرة في جواز تصرف الصبي المميز بالعتق و الوصية و الصدقة بالمعروف من غير معارض، و بها قال جملة من الأصحاب، و بذلك تثبت له جواز التوكيل، و ان كان خلاف المشهور بينهم لإعراض أكثرهم من العمل بتلك الروايات، و لهذا أحال ذلك هنا على تقدير ثبوت الرواية، و من ثم أيضا قال في المسالك بعد ذكر عبارة المصنف المرادفة لهذه العبارة و الأقوى المنع.

و أما ما ذكره من بطلان وكالة المجنون لو وكل حال الإفاقة، و طرء الجنون، و مثله لو طرء الإغماء و الحجر عما وكل فيه، فالظاهر أن دليله أنه لا يصح التصرف من نفسه، لو كان كذلك فمن وكيله بطريق أولى، و قد مر أن من

____________

(1) الوسائل ج 13 ص 321 الباب 15 من أبواب أحكام الوقوف و الصدقات.

48

شرائط صحة التوكيل تملكه فعل ما وكل فيه، و لا شك أنه ليس بما لك له في تلك الأحوال.

و فيه أنه ان أريد بطلان الوكالة بطرو هذه الأمور و استمرارها بحيث لا تحصل له الإفاقة من الجنون و لا من الإغماء و لا دفع الحجر فهو جيد، و ان أريد البطلان و لو مع زوال تلك الأمور كما هو الظاهر من كلامهم، فإنه يمكن تطرق المناقشة إليه، بأنه من الجائز أن اشتراط تملك الموكل لما وكل فيه انما هو باعتبار الابتداء، بمعنى أنه لا يجوز له التوكيل الا فيما يملك التصرف فيه، كما تقدم ذكره، لا باعتبار الاستدامة، فلو حصلت الوكالة في حال كونه مالكا للتصرف بحيث يصح وقوع ذلك الفعل منه، فالوكالة صحيحة اتفاقا، و بطلانها بمجرد عروض أحد هذه الأشياء يحتاج الى دليل، و لا دليل على شرطية هذا الشرط في الاستدامة، و لانتقاض ذلك بالنائم مع الاتفاق على عدم البطلان بالنوم، و لعل دليلهم إنما هو الإجماع، الا أنه لم يدعه أحد منهم فيما أعلم.

و بالجملة فإن أصالة صحة الوكالة ثابتة، و البطلان يحتاج الى دليل، و الدليل الذي أوردوه قاصر، كما عرفت.

و الظاهر أن المراد بمن له حق الولاية هو الأب و الجد و الوصي و الحاكم الشرعي، أما الأب و الجد فظاهر، و أما الوصي إذا كان وصيا على الأطفال فإن له ولاية كولاية الأبوين، و كذلك الوصي في إخراج الحقوق اليه ذلك، فان معنى وصيته اليه بذلك جعله كنفسه.

قال في التذكرة: للوصي أن يوكل، و ان لم يفوض إليه الموصي، ذلك بالنصوصية، لأنه يتصرف بالولاية كالأب و الجد، لكن لو منعه الموصي من التوكيل وجب أن يتولى بنفسه، و ليس له أن يوكل حينئذ لقوله تعالى (1) «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ» الآية و يجوز للحاكم أن يوكل عن السفهاء و المجانين

____________

(1) سورة البقرة- الاية 181.

49

و الصبيان من يتولى الحكومة عنهم، و يستوفي حقوقهم، و يبيع عنهم، و يشتري لهم، و لا نعلم فيه خلافا، انتهى.

و أما العبد على القول بملكه فإنه ليس له التوكيل على الأشهر الأظهر إلا بإذن الموصي، لأنه و ان ملك الا أنه محجور عليه، كما تقدم تحقيقه في كتاب البيع و في كتاب الحجر.

نعم استثنى من ذلك الطلاق، فإنه بيد من أخذ بالساق، فله التوكيل فيه و لو أحلنا ملكه كما هو أحد القولين، فوقوع التوكيل منه إنما يكون في حق مولاه، فيتوقف على الاذن، لأنه لا يجوز له التصرف مباشرة بدون الاذن، و لا يملك التصرف.

و قد عرفت أن التوكيل في أمر فرع صحة تملك التصرف فيه، و مثله سائر أفراد المحجور عليهم، فإنه يجوز لهم التوكيل، فيما لا يتعلق به الحجر، قال في التذكرة: و للمحجور عليه بالفلس أو السفه أو الرق أن يوكلوا فيما لهم الاستقلال حيث شاؤا من التصرفات، فيصح من العبد أن يوكل فيما يملكه من دون إذن سيده، كالطلاق و الخلع، و طلب القصاص، و المفلس له التوكيل في الطلاق و الخلع و طلب القصاص، و المعاملة بغير عين المال، و التصرف في نفسه، فإنه يملك ذلك، و أما ماله فلا يملك التصرف فيه، و أما مالا يستقل أحدهم بالتصرف فيه فيجوز فيه مع إذن الولي و المولى، انتهى.

و ما يشعر به كلامه من جواز توكيل السفيه مع إذن المولى قد تأمل فيه بعض المحققين، قال: فإنه بمنزلة المجنون و الصبي، و قد منع منهما و ما اعتبر بإيقاعه بحضور الولي أيضا و برضاه لعدم الاعتداد بعبارته.

أقول: قد مر في كتاب الحجر نقل الخلاف فيما لو أذن الولي للسفيه في البيع فقيل: بالمنع و هو مذهب المبسوط و ابن البراج، و قيل: بالصحة، و نقله العلامة في المختلف عن بعض علمائنا و اختار، فينبغي أن يكون الكلام هنا كذلك،

50

الا أن الأقرب هو الصحة في الموضعين، و الفرق بينه و بين الصبي و المجنون ظاهر، فان عبارتيهما مسلوبة الصحة، لعدم التكليف الذي هو مناط ذلك بخلاف السفيه.

فان الحجر عليه إنما هو من حيث خوف الإفساد و التبذير، و عدم الإصلاح في تصرفاته، و هذا مأمون بالإذن له فلا مانع حينئذ من الصحة، و لو و كله إنسان في شراء نفسه من مولاه فالمشهور الصحة، قالوا: و المراد وكالته باذن مولاه لتوقف تصرفاته على الاذن منه، الا ما استثنى و الظاهر أنه يكفى في الاذن المذكور إيجاب السيد للبيع مخاطبا به العبد، و ان كان ظاهر كلام جملة منهم الاذن الخاص في ذلك، و ربما قيل: بالمنع لاشتراط مغايرة المشتري للمبيع، و المشترى و المبيع هنا واحد، و هو العبد، و رد بأن المغايرة الاعتبارية كافية، و ربما قيل.

بلزوم كون السيد موجبا قابلا.

و فيه أيضا ما تقدم، قال في المبسوط: إذا وكل رجل عبدا في شراء نفسه من سيده قيل: فيه وجهان: أحدهما يصح، كما لو و كله في شراء عبد آخر باذن سيده، و الثاني لا يصح، لأن يد العبد كيد السيد و إيجابه و قبوله بإذنه بمنزلة إيجاب سيده و قبوله، فإذا كان كذلك و أوجب له سيده و قبله كان السيد هو الموجب القابل للبيع، و ذلك لا يصح، فكذلك هيهنا، ثم قال: و الأول أقوى.

و قال ابن البراج: الأقوى عندي أنه لا يصح الا أن يأذن له سيده في ذلك، فان لم يأذن له فيه لم يصح، قال في المختلف بعد نقل القولين المذكورين:

و الحق ما قوية الشيخ، لأن بيع مولاه رضا منه بالتوكيل، انتهى.

أقول: و من كلامه يفهم أن من أطلق من الأصحاب كالشيخ و المحقق و العلامة فإن مرادهم الاكتفاء بالإيجاب، و ما يدل عليه من الرضا بذلك عن الاذن الصريح، و ظاهر كلام ابن البراج تقدم الإذن أولا قبل العقد، و هو ظاهر شراح كلام المحقق و العلامة، و الحق ما ذكره في المختلف، و الله سبحانه العالم.

الثانية [حكم توكيل الوكيل]:

قالوا: ليس للوكيل أن يوكل إلا بإذن من الموكل، لأن الوكيل

51

لا يملك مباشرة ما وكل فيه بنفسه قبل الوكالة، و من شرط صحة التوكيل تملك الموكل للتصرف بنفسه و لا ولاية له، فلا بد من الاذن حينئذ، الا أن يدل اللفظ بإطلاقه أو عمومه على ذلك، كقوله اصنع ما شئت، و نحوه من الأمثلة المتقدمة في كلامه في التذكرة، و ان لم يحصل ذلك صريحا و لا ضمنا، لكن دلت القرائن على ترفع الوكيل عن مثل ذلك الفعل لشرفه و علو منزلته، و عدم لياقة مباشرة ذلك الفعل به أو عجزه عنه فكذلك أيضا، لكن يجب علم الموكل بذلك.

تنبيهات:

الأول [أقسام التوكيل]:

قال في التذكرة: التوكيل على ثلاثة أقسام

الأول: أن يوكل الموكل وكيله في التوكيل

، فيجوز أن يوكل إجماعا، و الثاني: أن ينهاه عن التوكيل، فليس له أن يوكل، الثالث: أطلق الوكالة، و أقسامه ثلاثة: أحدها أن يكون العمل مما يرتفع الوكيل عن مثله، كالأعمال الدنية في حق أشراف الناس المرتفعين عن مثلها في العادة، كما لو وكله في البيع و الشراء، و الوكيل أمين لا يتبدل بالتصرف في الأسواق، أو يعجز عن عمله لكونه لا يحسنه، فله التوكيل فيه، لأن تفويض مثل هذا التصرف إلى مثل هذا الشخص لا يقصد منه إلا الاستنابة، و هو قول علمائنا أجمع و أكثر الشافعية.

الثاني: أن يكون العمل مما لا يرتفع الوكيل عن مثله

الا أنه عمل كثير منتشر لا يقدر الوكيل على فعل جميعه، فيباشره بنفسه، و لا يمكنه الإتيان بالكل، فعندنا يجوز له التوكيل، و لا نعلم فيه مخالفا، و له أن يوكل فيما يزيد على قدر الإمكان قطعا، و في قدر الإمكان اشكال أقربه ذلك، لأن الوكالة اقتضت جواز التوكيل فيه، فجازت في جميعه كما لو أذن له في التوكيل فيه بلفظ، و للشافعية ثلاث طرق

، ثم ساق الكلام الى أن قال

الثالث ما عدا هذين القسمين

، و هو ما أمكنه فعله بنفسه، و لا يرتفع عنه، و قد قلنا أنه لا يجوز له أن يوكل فيه الا بإذن الموكل، إلى أن قال: إذا و كله بتصرف و قال: افعل ما شئت لم يقتض ذلك

52

الاذن في التوكيل، لأن التوكيل يقتضي تصرفا يتولاه بنفسه، و قوله اصنع ما شئت لا يقتضي التوكيل، بل يرجع إلى ما يقتضيه التوكيل من تصرفه بنفسه، و هو أصح قولي الشافعية، و الثاني أن له التوكيل و به قال أحمد، و اختاره الشيخ في الخلاف، لأنه أطلق الإذن بلفظ يقتضي العموم في جميع ما شاء فيدخل في عمومه التوكيل و هو ممنوع، انتهى.

أقول: و النصوص هنا غير موجودة، الا أن ما ذكره جيد بناء على الجري على مقتضى تعليلاتهم في أمثال هذه المقامات، الا فيما ذكره من قوله و في قدر الإمكان اشكال أقربه ذلك، فان الظاهر أن ما قربه بعيد، قوله «لأن الوكالة اقتضت جواز التوكيل فيه» إلى آخره ممنوع، بل إنما اقتضت جواز التوكيل فيما يعجز عنه من حيث العجز، لاعترافه أخيرا بأن التوكيل يقتضي تصرفا يتولاه بنفسه، و هو هنا بالنسبة إلى محل الاشكال عنده ممكن، لأن المفروض أنه ممكن لا يتعلق به عجز، فلا يجوز التوكيل فيه، بل يجب عليه مباشرته بنفسه، كما هو مقتضى الوكالة باعترافه.

و الى ما أشرنا أشار في المسالك أيضا، فقال بعد ذكر جواز التوكيل فيما يرتفع عنه التوكيل أولا ثم الجواز فيما يعجز عنه ما لفظه: و يقتصر في التوكيل في الأخير على ما يعجز عنه، لأن توكيله خلاف الأصل، فيقتصر فيه على موضع الحاجة، و هو جيد، و كذا قوله: ان قوله افعل ما شئت لا يقتضي الاذن في التوكيل، فان الظاهر هنا انما هو ما نقله عن الشيخ من الجواز حسبما قدمنا نقله عنهم.

و من جملة من صرح بذلك شيخنا في المسالك فقال: فان أذن له في التوكيل صريحا فلا اشكال، و كذا لو دل اللفظ بإطلاقه أو عمومه على ذلك، كاصنع ما شئت أو مفوضا و نحوه، و بما أوردناه عليه في هذين الموضعين اعترف في القواعد، فقال: و لا يصح توكيل الصبي الى أن قال: و لا الوكيل إلا بإذن