الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - ج24

- الشيخ يوسف البحراني المزيد...
642 /
3

[تتمة كتاب النكاح]

[تتمة الفصل الثاني في أسباب التحريم]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، و صلى الله على خير خلقه و أفضل بريته محمد و آله الطاهرين.

المطلب السادس: الكفر:

و فيه بحوث

[البحث] الأول:

و فيه مسائل:

[المسألة] الاولى [في جواز نكاح الكتابية و عدم جوازه]:

لا خلاف بين الأصحاب- (رضوان الله عليهم)- كما نقله غير واحد من محققيهم في أنه لا يجوز للمسلم أن ينكح غير الكتابية.

[الأقوال في المقام]

و أما الكتابية فقد اختلفوا فيها على أقوال ستة، و الأصل في ذلك اختلاف ظاهر الآيات و الروايات في ذلك، و اختلاف الأفهام في الجمع بينها.

و الأول من الأقوال المذكورة

[الأول] التحريم مطلقا

، و هو مذهب المرتضى و الشيخ في أحد قوليه، و هو أحد قولي الشيخ أيضا، و قواه ابن إدريس، قال المرتضى:

مما انفردت به الإمامية حظر نكاح الكتابيات، و قال الشيخ في الخلاف: المحصلون من أصحابنا يقولون: لا يحل نكاح من خالف الإسلام، لا اليهود و لا النصارى و لا غيرهم، و قال قوم من أصحاب الحديث من أصحابنا: يجوز ذلك، و اختار في كتابي الأخبار التحريم أيضا مطلقا.

و الثاني: الجواز مطلقا

، و هو منقول عن الشيخ علي بن الحسين بن بابويه و ابنه، و ابن أبي عقيل، قال الشيخ علي المذكور على ما نقله عنه في المختلف: و إن تزوجت يهودية أو نصرانية فامنعها من شرب الخمر و أكل لحم الخنزير، و اعلم

4

أن عليك في دينك في تزويجك إياها غضاضة. و نحوه قال ابنه في المقنع، و زاد:

و تزويج المجوسية حرام، و لكن إذا كان للرجل أمة مجوسية، فلا بأس أن يطأها و يعزل عنها و لا يطلب ولدها.

و قال ابن العقيل: و أما المشركات فقوله تعالى «وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ حَتّٰى يُؤْمِنَّ» (1) إلا ما استثناه من عفائف أهل الكتاب، فقال «وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِكُمْ» (2) ثم قال في موضع آخر، قال الله عز و جل «وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ حَتّٰى يُؤْمِنَّ- إلى قوله- أُولٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النّٰارِ» و ذكر مشركي أهل الكتاب فقال «وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِكُمْ- إلى قوله- وَ لٰا مُتَّخِذِي أَخْدٰانٍ».

و أهل الشرك عند آل الرسول (صلى الله عليه و آله) صنفان: صنف أهل الكتاب، و صنف مجوس و عبدة أوثان و أصنام و نيران، فأما الصنف الذي بدأنا ذكره فقد حرم الله نساءهم حتى يسلموا، و أما أهل الكتاب فهم اليهود و النصارى فلا بأس بنكاح نسائهم متعة و إعلانا، و لا يجمع في نكاح الإعلان منهن إلا أربع فما دون.

الثالث: جواز متعة اليهود و النصارى اختيارا و الدوام اضطرارا

، و هو مذهب الشيخ في النهاية و ابن حمزة و ابن البراج، قال في النهاية: لا يجوز للرجل المسلم أن يعقد على المشركات على اختلاف أصنافهن يهودية كانت أو نصرانية، أو عابدة وثن، فإن اضطر إلى العقد عليهن عقد على اليهودية و النصرانية، و ذلك جائز عند الضرورة، و لا بأس أن يعقد على هذين الجنسين عقد المتعة مع الاختيار.

انتهى، و على هذا النهج كلام الفاضلين الآخرين.

الرابع: عدم جواز العقد بحال، و جواز ملك اليمين

، و نقل عن الشيخ في أحد قوليه.

أقول: و بهذا القول صرح الشيخ المفيد على ما نقله عنه في المختلف حيث قال: و قال المفيد: نكاح الكافرة محرم بسبب كفرها، سواء كانت عابدة وثن أو

____________

(1) سورة البقرة- آية 221.

(2) سورة المائدة- آية 5.

5

مجوسية أو يهودية أو نصرانية، قال الله عز و جل «وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ حَتّٰى يُؤْمِنَّ» و قال في باب العقد على الإماء: و تنكح بملك اليمين اليهودية و النصرانية و لا يجوز له ذلك بعقد نكاح و لا يجوز وطؤ المجوسية و الصابئية و الوثنية على حال.

و قال في باب السراري: و لا بأس أن يطأ اليهودية و النصرانية بملك اليمين، و لا يجوز له وطؤ المجوسية على حال، و كذا الصابئيات و الوثنيات حرام وطؤهن بالعقود و ملك اليمين.

الخامس: جواز المتعة و ملك اليمين، و تحريم الدوام

، و نقل عن أبي الصلاح و سلار، و أنه اختيار المتأخرين.

أقول: و هو ظاهر كلام الشيخ في المبسوط حيث قسم المشركين فيه إلى أقسام ثلاثة: من له كتاب، و هم اليهود و النصارى، أهل التوراة و أهل الإنجيل، قال:

فهؤلاء عند المحصلين من أصحابنا لا يجوز أكل ذبائحهم و لا تزويج حرائرهم، بل يقرون على أديانهم إذا بذلوا الجزية، و فيه خلاف بين أصحابنا، و قال جميع الفقهاء: يجوز أكل ذبائحهم و نكاح حرائرهم.

فأما السامرة و الصابئون فقد قيل: إن السامرة قوم من اليهود، و الصابئون قوم من النصارى، فعلى هذا يحل جميع ذلك، و الصحيح في الصابئة أنهم غير النصارى، لأنهم يعبدون الكواكب، فعلى هذا لا يحل جميع ذلك بلا خلاف، و أما غير هذين الكتابين من الكتب كصحف إبراهيم (عليه السلام) و زبور داود (عليه السلام)، فلا يحل نكاح حرائر من كان من أهلها و لا أكل ذبائحهم.

و من لا كتاب له و لا شبهة كتاب كعبدة الأوثان، فلا يحل نكاحهم، و لا أكل ذبائحهم و لا يقرون على أديانهم بلا خلاف.

و من له شبهة كتاب، و هم المجوس قال قوم: هم أهل الكتاب، كان لهم كتاب ثم نسخ، و رفع من بين أظهرهم، و قال آخرون: ما كان لهم كتاب أصلا، و غلب التحريم، فقيل على القولين، يحقن دماؤهم ببذل الجزية، و تحريم مناكحهم

6

و ذبائحهم بلا خلاف و قد اختار أصحابنا كلهم التمتع بالكتابية و وطأها بملك اليمين، و رووا رخصة في التمتع بالمجوسية. انتهى.

السادس: تحريم نكاحهن مطلقا اختيارا، و تجويزه مطلقا اضطرارا. و تجويز الوطي بملك اليمين

، و نقل عن ابن الجنيد، قال في المختلف: و قال ابن الجنيد: و اختار لمن وجد الغناء- عن نكاح أهل الكتابين- ترك مناكحتهن بالعقد في دار الإسلام، أما في دار حربهم فلا يجوز ذلك، فإن رغبت إلى ذلك ضرورة في دار الإسلام أن يكون الأبكار منهن، و أن يمنعهن أكل و شرب ما هو محرم في دار الإسلام، و لا يحل نكاح من كان نصارى من بني تغلب و ذميمة العرب و مشركيهن.

و من لم يصح له كتاب من الصابئين و غيرهن و اجتناب مناكحتهن أحب إلي، و أما السامرة فيجرون مجرى اليهود، و إن كانوا من بني إسرائيل، و لا بأس بوطىء من ملك من هذه الأصناف كلها بملك اليمين و لكن لا يطلب الولد من غير الكتابية، و قال في نكاح الحر للإماء: و لا يحل للمسلم التزويج على إماء أهل الكتاب. انتهى.

[أنواع الروايات في المقام]

و منشأ هذا الاختلاف اختلاف الأخبار كما أشرنا إليه آنفا، فإنها خرجت في هذا المقام على أنواع متعددة.

[النوع] الأول: على الجواز مطلقا

، و هي ما رواه

المشايخ الثلاثة (1)- (رضوان الله عليهم)- عن معاوية بن وهب و غيره في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام)

«في الرجل المؤمن يتزوج النصرانية و اليهودية، قال: إذا أصاب المسلمة فما يصنع باليهودية و النصرانية: فقلت: يكون له فيها الهوى، فقال: إن فعل فليمنعها من شرب الخمر و أكل لحم الخنزير و اعلم أن عليه في دينه في تزويجه إياها غضاضة».

____________

(1) الكافي ج 5 ص 356 ح 1، التهذيب ج 7 ص 298 ح 6، الفقيه ج 3 ص 257 ح 7، الوسائل ج 14 ص 412 ح 1.

7

و ما رواه

في الكافي (1) في الصحيح كما عن ابن رئاب عن ابي بصير و هو مشترك إلا أن الأظهر عندي عده في الصحيح كما تقدمت الإشارة إليه عن ابي جعفر (عليه السلام) قال:

«سألته عن رجل له امرأة نصرانية له أن يتزوج عليها يهودية؟ فقال: إن أهل الكتاب مماليك للإمام، و ذلك موسع منا عليكم خاصة، فلا بأس أن يتزوج قلت: فإنه يتزوج عليها أمة؟ قال: لا يصلح له أن يتزوج ثلاث إماء، فإن تزوج عليهما حرة مسلمة و لم تعلم أن له امرأة نصرانية و يهودية ثم دخل بها فإن لها مما أخذت من المهر فإن شاءت أن تقيم بعد معه أقامت، و إن شاءت أن تذهب إلى أهلها ذهبت، و إذا حاضت ثلاثة حيض أو مرت لها ثلاثة أشهر حلت للأزواج، قلت: فإن طلق عليها اليهودية و النصرانية قبل أن تنقضي عدة المسلمة، له عليها سبيل أن يردها إلى منزله؟ قال: نعم»

(2)

.

و ما رواه

في الكافي و التهذيب (3) عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

«سألته عن رجل تزوج ذمية على مسلمة، و لم يستأمرها، قال: و يفرق بينهما،.

____________

(1) الكافي ج 5 ص 358 ح 11، و التهذيب ج 7 ص 449 ح 5، الوسائل ج 14 ص 420 ح 1.

(2) أقول: و مما يدل على كونهم مماليك للإمام (عليه السلام)

صحيحة زرارة عن أبى جعفر (عليه السلام) قال:

سألته عن نصرانية كانت تحت نصراني فطلقها، هل عليها عدة مثل عدة المسلمة؟ فقال: لا، لأنه أهل الكتاب مماليك الإمام، أ لا ترى أنهم يؤدون الجزية كما يؤدى العبد الضريبة، ثم قال: قلت: فان مات عنها و هي نصرانية و هو نصراني، فأراد الرجل من المسلمين تزويجها، قال: لا يتزوجها المسلم حتى تعد من النصراني أربعة أشهر و عشرا.

(منه- (قدس سره)-). و ما رواه- (قدس سره)- موجود في التهذيب ج 7 ص 478 ح 126، الكافي ج 6 ص 174 ح 1، الوسائل ج 15 ص 477 ح 1.

(3) الكافي ج 7 ص 241 ح 8، التهذيب ج 10 ص 144 ح 3، الوسائل ج 18 ص 415 ب 49 ح 1.

8

قلت: فعليه أدب؟ قال: نعم اثنى عشر سوطا و نصف ثمن حد الزاني و هو صاغر، قلت:

فإن رضيت المرأة الحرة المسلمة بفعله بعد ما كان فعل؟ قال: لا يضرب و لا يفرق بينهما يبقيان على النكاح الأول»،.

أقول: في التهذيب «أمة» مكان «ذمية».

و ما رواه

في الفقيه (1) في الصحيح عن الحسن بن محبوب عن هشام بن سالم عن ابي عبد الله (عليه السلام)

«في رجل تزوج ذمية على مسلمة قال: يفرق بينهما، و يضرب ثمن الحد اثنى عشر سوطا و نصفا، فإن رضيت المسلمة ضرب ثمن الحد و لم يفرق بينهما، قلت: كيف يضرب النصف؟ قال: يؤخذ بالسوط بالنصف فيضرب به».

و ما رواه

الشيخ في التهذيب (2) عن أبى مريم الأنصاري عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

«سألته عن طعام أهل الكتاب و نكاحهم حلال هو؟ قال: نعم قد كان تحت طلحة يهودية».

و عن محمد بن مسلم (3) في الموثق عن ابى جعفر (عليه السلام) قال:

«سألته عن نكاح اليهودية و النصرانية، فقال: لا بأس، أما علمت أنه كان تحت طلحة بن عبد الله يهودية على عهد النبي (صلى الله عليه و آله)».

و ما رواه

في الكافي (4) عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) هل للرجل أن يتزوج النصرانية على المسلمة، و الأمة على الحرة؟ فقال: لا يتزوج واحدة منهما على المسلمة، و يتزوج المسلمة على الأمة و النصرانية، و للمسلمة الثلثان و للأمة و النصرانية الثلث».

و عن سماعة (5) في الموثق قال:

«سألته عن اليهودية و النصرانية أ يتزوجها

____________

(1) الفقيه ج 3 ص 269 ح 64، الوسائل ج 14 ص 419 ح 4.

(2) التهذيب ج 7 ص 298 ح 4، الوسائل ج 14 ص 416 ح 3.

(3) التهذيب ج 7 ص 298 ح 5، الوسائل ج 14 ص 419 ح 3.

(4) الكافي ج 5 ص 359 ح 5، الوسائل ح 14 ص 419 ح 3.

(5) الكافي ج 5 ص 357 ح 5، الوسائل ج 14 ص 419 ح 2.

9

الرجل على المسلمة؟ قال: لا، و يتزوج المسلمة على اليهودية و النصرانية».

و ما

في كتاب الفقه الرضوي (1) حيث قال (عليه السلام):

و إن تزوجت يهودية أو نصرانية فامنعها من شرب الخمر و أكل لحم الخنزير، و اعلم أن عليك في دينك في تزويجك إياها غضاضة، و لا يجوز تزويج المجوسية، و لا يجوز أن تزوج من أهل الكتاب و لا من الإماء إلا اثنتين».

إلى آخره.

و كلام الشيخ علي بن بابويه المتقدم نقله عين صدر هذه العبارة، و قد تقدم التنبيه على أن أكثر عبائره و فتاويه في الرسالة مأخوذ من هذا الكتاب، و هذه الأخبار هي مستند قول الثاني.

و النوع الثاني: ما دل على التحريم مطلقا

، و منها ما رواه

في الكافي و التهذيب (2) عن الحسن بن الجهم في الموثق قال:

«قال لي أبو الحسن الرضا (عليه السلام): يا أبا محمد ما تقول في رجل يتزوج نصرانية على مسلمة؟ قلت: جعلت فداك، و ما قولي بين يديك، قال: لتقولن فإن ذلك يعلم به قولي، قلت: لا يجوز تزويج النصرانية على مسلمة، و لا على غير مسلمة، قال: لم؟ قلت: لقول الله عز و جل

«وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ حَتّٰى يُؤْمِنَّ» (3)

قال: فما تقول في هذه الآية؟.

«وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِكُمْ» (4)

قلت فقوله

«وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ»

نسخت هذه الآية فتبسم ثم سكت».

و عن زرارة (5) عن ابي جعفر (عليه السلام) قال:

«لا ينبغي نكاح أهل الكتاب، قلت:

____________

(1) فقه الرضا ص 31، مستدرك الوسائل ج 2 ص 584 ح 2 مع اختلاف يسير.

(2) الكافي ج 5 ص 357 ح 6، التهذيب ج 7 ص 297 ح 1، الوسائل ج 14 ص 410 ح 3.

(3) سورة البقرة- آية 221.

(4) سورة المائدة- آية 5.

(5) الكافي ج 5 ص 358 ح 7، التهذيب ج 7 ص 297 ح 2، الوسائل ج 14 ص 411 ح 4.

10

جعلت فداك و أين تحريمه؟ قال: قوله

«وَ لٰا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوٰافِرِ» (1)

.

و عن زرارة في الصحيح أو الحسن (2) قال:

«سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله سبحانه

«وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِكُمْ»

فقال: هذه منسوخة بقوله

«وَ لٰا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوٰافِرِ»

.

و ما رواه

الثقة الجليل علي بن إبراهيم في تفسيره (3) عن ابي جعفر (عليه السلام)

في تفسير قوله

«وَ لٰا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوٰافِرِ»

أن من كانت عنده امرأة كافرة يعني على غير ملة الإسلام و هو على ملة الإسلام فليعرض عليها الإسلام فإن قبلت فهي امرأته، و إلا فهي بريئة منه، فنهى الله أن يمسك بعصمهم.

و ما رواه

الراوندي في نوادره (4) بإسناده عن موسى بن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال:

«قال علي (عليه السلام): لا يجوز للمسلم التزويج بالأمة اليهودية و لا النصرانية، لأن الله تعالى قال

مِنْ فَتَيٰاتِكُمُ الْمُؤْمِنٰاتِ

» الحديث.

و روى العياشي في تفسيره (5) عن مسعدة بن صدقة، قال:

سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن قول الله

«وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِكُمْ»

قال: نسختها

«وَ لٰا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوٰافِرِ»

.

و هذه الأخبار أدلة القول الأول.

و النوع الثالث: ما دل على الجواز للضرورة

، و منها ما رواه

في الكافي (6)

____________

(1) سورة الممتحنة- آية 10.

(2) الكافي ج 5 ص 358 ح 8، التهذيب ج 7 ص 298 ح 3، الوسائل ج 14 ص 410 ح 1.

(3) تفسير القمي ج 2 ص 363، الوسائل ج 14 ص 417 ح 7.

(4) نوادر الراوندي ص 48، البحار ج 103 ص 380 ح 20 طبعة الاخوندى.

(5) تفسير العياشي ج 1 ص 296 ح 38 عن ابن سنان عن أبى عبد الله، مستدرك الوسائل ج 2 ص 584 ح 1 عن مسعدة بن صدقة.

(6) الكافي ج 5 ص 360 ح 8، الوسائل ج 14 ص 412 ح 3.

11

عن يونس عنهم (عليهم السلام) قال:

«لا ينبغي للمسلم الموسر أن يتزوج الأمة إلا أن لا يجد حرة، فكذلك لا ينبغي له أن يتزوج امرأة من أهل الكتاب إلا في حال الضرورة، حيث لا يجد مسلمة حرة و لا أمة».

و عن محمد بن مسلم في الصحيح (1) و إن اشتمل على إرسال ابن أبي عمير لعدهم مرسلاته في الصحاح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

«لا ينبغي للمسلم أن يتزوج يهودية و لا نصرانية و هو يجد مسلمة حرة أو أمة».

و التقريب فيه بحمل «لا ينبغي» على التحريم كما هو ظاهر الخبر الأول.

و النوع الرابع: ما دل على الجواز على كراهة

، و منه صحيحة معاوية ابن وهب (2) المتقدمة في صدر روايات الجواز.

و ما رواه

في الكافي (3) في الصحيح أو الحسن عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال:

«و ما أحب للرجل المسلم أن يتزوج اليهودية و لا النصرانية مخافة أن يتهود ولده أو يتنصر».

و ما رواه

في كتاب قرب الاسناد (4) عن أبي البختري عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام)

«أنه كره مناكحة أهل الحرب».

إلا أن هذا مبني على أن لفظ «لا أحب» و لفظ «كره» بمعنى المكروه المستعمل بين الناس، و هو في الأخبار أعم من ذلك، فإنه قد ورد بمعنى التحريم كثيرا فهما من الألفاظ المتشابهة كما تقدم تحقيقه.

و النوع الخامس: ما دل على تخصيص الجواز بالبله

كما رواه

في الكافي (5) عن

____________

(1) الكافي ج 5 ص 358 ح 9، التهذيب ج 7 ص 302 ح 17، الوسائل ج 14 ص 421 ح 5.

(2) الكافي ج 5 ص 356 ح 1، التهذيب ج 7 ص 298 ح 6، الفقيه ج 3 ص 257 ح 7، الوسائل ج 14 ص 412 ح 1.

(3) الكافي ج 5 ص 351 ح 15، الوسائل ج 14 ص 411 ح 5.

(4) قرب الاسناد ص 65، الوسائل ج 14 ص 411 ح 6.

(5) الكافي ج 5 ص 356 ح 2، التهذيب ج 7 ص 299 ح 7 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 14 ص 414 ح 1.

12

زرارة قال:

«سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن نكاح اليهودية و النصرانية فقال: لا يصلح للمسلم أن ينكح يهودية و لا نصرانية، و إنما يحل منهن نكاح البله».

و لفظ «لا يصلح» و إن كان ظاهرا في الكراهة باعتبار اصطلاح الناس، إلا أنه في الأخبار من الألفاظ المتشابهة المستعملة في التحريم أيضا، و قرينة التحريم هنا قوله «إنما يحل».

و النوع السادس: ما ورد في التمتع بهن

، و من ذلك ما رواه

في التهذيب (1) عن الحسن بن علي بن فضال في الموثق عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

لا بأس أن يتمتع الرجل باليهودية و النصرانية و عنده حرة».

و عن زرارة (2) قال:

«سمعته يقول: لا بأس بأن يتزوج اليهودية و النصرانية متعة، و عنده امرأة».

و عن محمد بن سنان (3) عن الرضا (عليه السلام) قال:

«سألته عن نكاح اليهودية و النصرانية، فقال: لا بأس، فقلت: فمجوسية، فقال: لا بأس به، يعني متعة».

أقول: قوله «يعني متعة» من كلام الراوي، و هو تفسير لكلامه (عليه السلام) و بيان لإجماله، لعلمه بذلك بقرينة الحال يومئذ، إلا أن هذا التفسير يمكن ان يكون للمجوسية خاصة، و أن نفي البأس عنها إنما هو بالنسبة إلى المتعة دون الدائم، و حينئذ فنفي البأس في اليهودية و النصرانية أعم من المتعة و الدائم، و بهذا تكون هذه الرواية من روايات النوع الأول، و هذا هو الأقرب، و يحتمل أن يكون للجميع.

و عن منصور الصيقل (4) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال:

«لا بأس بالرجل أن يتمتع

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 256 ح 28، الوسائل ج 14 ص 415 ح 1.

(2) التهذيب ج 7 ص 256 ح 29، الوسائل ج 14 ص 415 ح 2.

(3) التهذيب ج 7 ص 256 ح 31، الوسائل ج 14 ص 462 ح 4.

(4) التهذيب ج 7 ص 256 ح 32، الوسائل ج 14 ص 462 ح 5.

13

بالمجوسية».

و عن إسماعيل بن سعد الأشعري (1) في الصحيح قال:

«سألته عن الرجل يتمتع من اليهودية و النصرانية؟ قال: لا أرى بذلك بأسا، قال: قلت: بالمجوسية؟

قال: و أما المجوسية فلا».

و حمل في التهذيبين المنع عن المجوسية على الكراهة عند التمكن من غيرها، هذا ما ورد من الأخبار على ما عرفت من الاختلاف و مثلها الآيات القرآنية، فإنها مختلفة أيضا.

فمما يدل على التحريم قوله عز و جل في سورة البقرة «وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ حَتّٰى يُؤْمِنَّ»- إلى قوله- وَ لٰا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّٰى يُؤْمِنُوا» (2). و قوله عز و جل في سورة الممتحنة «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا جٰاءَكُمُ الْمُؤْمِنٰاتُ مُهٰاجِرٰاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللّٰهُ أَعْلَمُ بِإِيمٰانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنٰاتٍ فَلٰا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّٰارِ لٰا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَ لٰا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ- إلى قوله- وَ لٰا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوٰافِرِ» (3).

و مما يدل على الجواز قوله عز و جل في سورة المائدة «وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ الْمُؤْمِنٰاتِ وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذٰا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسٰافِحِينَ وَ لٰا مُتَّخِذِي أَخْدٰانٍ» (4).

و أنت خبير بأن أكثر الأخبار دال على الجواز و إن كان على كراهة كما يفهم من الأخبار الأخر المتقدمة، و لا ينافي ذلك روايات المتعة إن لم تؤكده، لدلالتها على الجواز في الجملة، و لهذا مال إلى الجواز شيخنا في المسالك و سبطه السيد السند في شرح النافع.

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 256 ج 30، الوسائل ج 14 ص 461 ح 1.

(2) سورة البقرة- آية 221.

(3) سورة الممتحنة- آية 10.

(4) سورة المائدة- آية 5.

14

و يؤيده ما رواه النعماني في تفسيره (1) عن علي (عليه السلام) و صرح به الثقة الجليل علي بن إبراهيم في تفسيره (2) أيضا في بيان ما نصفه منسوخ من الآيات و نصفه باق من أن قوله «وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ حَتّٰى يُؤْمِنَّ» قد نسخ بقوله تعالى في سورة المائدة «الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبٰاتُ»- إلى قوله- وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِكُمْ» (3) و قوله «وَ لٰا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّٰى يُؤْمِنُوا» لم ينسخ إلى آخر كلامهما زيد في إكرامهما، و حينئذ ربما يمكن القول بترجيح الجواز، إلا أن إجماع العامة على الجواز كما نقله الشيخ و غيره.

و قد تقرر في طريق الترجيح في مقام اختلاف الأخبار، عرض الأخبار على مذهبهم و الأخذ بخلافه كما تضمنته مقبولة عمر بن حنظلة (4)، و رواية زرارة و غيرها حتى ورد أنهم ليسوا من الحنيفية على شيء، و أن الرشد في خلافهم، و بلغ الأمر إلى أنهم أمروا شيعتهم بأنه متى أعوزهم الحكم الشرعي رجعوا إلى قضاة العامة، و أخذوا بخلاف ما يفتون به، و حينئذ فيشكل العمل بأخبار الجواز، لإمكان الحمل على التقية.

فإن قيل: إن من جملة القواعد أيضا العرض على الكتاب العزيز، و الأخذ بما وافقه، بل العرض عليه و الترجيح مقدم في الأخبار على رتبة العرض على مذهب العامة.

قلنا: نعم الأمر و إن كان كذلك، لكن الآيات كما عرفت مختلفة، و الجمع بينها مشكل، إلا أنه يمكن أن يقال: إن مقتضى ما قدمنا نقله عن تفسير النعماني و علي بن إبراهيم أن آية «وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ» (5) الدالة على التحريم قد

____________

(1) المحكم و المتشابه ص 34 و 35، الوسائل ج 14 ص 413 ح 6.

(2) تفسير القمي ج 1 ص 73.

(3) سورة المائدة- آية 5.

(4) الفقيه ج 3 ص 5 ح 2، الوسائل ج 18 ص 75 ح 1.

(5) سورة البقرة- آية 221.

15

نسخت بآية «وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ» (1) الدالة على الجواز، و لهذا جعلنا ذلك مؤيدا للجواز.

و مقتضى ما دلت عليه حسنة زرارة أو صحيحته، و كذا روايته الأخرى المتقدمتين في النوع الثاني أن آية التحريم إنما هي «وَ لٰا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوٰافِرِ» (2) و أن هذه الآية قد نسخت آية «وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ» و يؤيد ذلك الروايات الواردة في تفسير «وَ لٰا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوٰافِرِ» المتقدمة في الموضع المذكور.

و أما آية «وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ» فالظاهر من إيراده في الاستدلال على التحريم في حسنة زرارة و روايته بآية «وَ لٰا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوٰافِرِ» دونها، مع أنه أصرح في التحريم: أنها قد نسخت بآية المائدة كما نقله الشيخان المتقدم ذكرهما في تفسيريهما، و لعله بعد ذلك نسخت آية المائدة بآية «وَ لٰا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوٰافِرِ» كما صرحت به الروايتان المذكورتان.

و ما يقال من أن المائدة آخر القرآن نزولا غير معلوم على إطلاقه، نعم بعض آياتها كذلك، فإن الظاهر من الأخبار أن السور لم تنزل دفعة واحدة بل القرآن كله إنما نزل نجوما بحسب الأحكام المتجددة و الوقائع المتعددة، و لهذا صرحوا بأنه لم يتكامل في نزوله إلا بعد عشرين سنة، و حينئذ فيكون القرآن دليلا على التحريم بمعونة هذه الروايات، لأنا لا نفهم من القرآن إلا ما أفهمونا إياه، و أوقفونا عليه، سيما عند تشابهه علينا، و نسخ بعضه بعضا.

و من ذلك يظهر ترجيح القول بالتحريم بالنظر إلى هاتين القاعدتين الواردتين في مقام الترجيح، لأن العرض على مذهب العامة و الأخذ بخلافه لا يتم إلا على القول بالتحريم و العرض على الكتاب بالتقريب الذي أوضحناه

____________

(1) سورة المائدة- آية 5.

(2) سورة الممتحنة- آية 10.

16

يقتضي القول بالتحريم، فإنه هو المفهوم من الآيات بمعونة هذه الروايات.

و أما ما ذكره شيخنا في المسالك- من أن إثبات النسخ بهذه الرواية يعني حسنة زرارة مشكل، خصوصا مع عدم صحة سندها- محل نظر، فإن حسنها إنما هو بإبراهيم بن هاشم الذي لا راد لروايته لما هو عليه من علو الشأن و رفعة المكان، حتى عد روايته في الصحيح جملة من محققي متأخري المتأخرين كالشيخ البهائي و والده، و شيخنا المجلسي و والده المولى محمد تقي و غيرهم.

و هو قد اعترف في غير موضع، و كذا سبطه السيد السند بأنه لا راد لروايته، و إن نظموها في قسم الحسن، فالمناقشة في ذلك واهية على أنها كما عرفت قد عاضدها رواية زرارة الثانية، و رواية تفسير الشيخ علي بن إبراهيم، و حينئذ فتحمل تلك الروايات الدالة على الجواز على التقية.

و يؤيده ما سيأتي تحقيقه- إن شاء الله تعالى- في مسألة اشتراط الكفاءة في في النكاح التي هي عبارة عن التساوي في الايمان- كما هو المشهور- أو الإسلام- كما هو القول الآخر- فإنه و إن كان المشهور اختصاص ذلك بجانب الزوج إلا أن الأظهر هو اشتراط ذلك من الجانبين، كما هو مذهب سلار، حيث قال:

و من الشرائط أن تكون مؤمنة أو مستضعفة، فإن كانت ذمية أو مجوسية أو معاندة لم يحل نكاحها قط، لأن الكفاءة في الدين مراعاة عندنا في صحة هذا العقد، فأما في عقد المتعة و الإماء فجائز في الذميات خاصة، دون المجوسية، انتهى.

و أما ما ذكره السيد السند في شرح النافع و إليه أشار جده في المسالك من أن آية «وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ» (1) الدالة على الجواز.

لا ينافيها قوله تعالى «وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ حَتّٰى يُؤْمِنَّ» (2) لأن الأولى خاصة، و العمل على الخاص مقدم.

____________

(1) سورة المائدة- آية 5.

(2) سورة البقرة- آية 221.

17

ففيه أنه جيد لو لم تعارضه الرواية عنهم (عليهم السلام) فإن موثقة الحسن بن الجهم (1) دلت على أن آية «وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ» قد نسخت آية «وَ الْمُحْصَنٰاتُ» و هو و إن وقع في كلام الراوي إلا أنه (عليه السلام) قد قرره على ذلك، لكن هذه الرواية معارضة بما قدمنا نقله عن تفسير النعماني.

و كلام الشيخ علي بن إبراهيم في تفسيره- من أن آية «وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ حَتّٰى يُؤْمِنَّ» قد نسخت بقوله تعالى في سورة المائدة «الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبٰاتُ- إلى قوله- وَ الْمُحْصَنٰاتُ» (2) و ما ذكروه من الجمع بين الآيتين بتخصيص إحداهما بالأخرى- لا يتم على كل من الروايتين، بل الروايتان ظاهرتان في

____________

(1) الكافي ج 5 ص 357 ح 6، و التهذيب ج 7 ص 297 ح 1، الوسائل ج 14 ص 410 ح 3.

(2) أقول: و بذلك يظهر لك ما في قوله في المسالك- من أنه لا وجه للنسخ بعد إمكان الجمع بين الآيتين بتخصيص عموم آية «وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ» بآية «وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ» فان فيه أن الروايات قد صرحت بالنسخ و ان اختلف في أن أيتهما الناسخة و أيتهما المنسوخة.

فقوله «لا وجه للنسخ فيه» نوع اعتراض على الامام- (عليه السلام)- في حكمه بالنسخ، و هو لا يخلو من سوء أدب. نعم لو كان ذلك في مقابلة دعوى من ادعى ذلك بغير دليل اتجه ما ذكره.

و كذا قوله «و أما آية النهي عن التمسك بعصم الكوافر فليست صريحة في إرادة النكاح، و لا فيما هو أعم منه» فان فيه أنه و ان كان الأمر كذلك بالنظر الى ظاهر الآية، و لكن بعد ورود الروايات يكون «وَ لٰا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوٰافِرِ» ناسخة لاية «وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ» و ورود تفسير الآية بالنكاح كما قدمنا نقله عن تفسير على بن إبراهيم، فلا وجه لهذا الكلام، و هل هو الا نوع رد على الامام- (عليه السلام)- فيما فسر به الآية في المقام.

و بالجملة فإن كلامه هنا بعيد عن التحقيق، و سحيق في ذلك، و أى سحيق (منه- (قدس سره)-).

18

في التعارض، و أنه لا مخرج من ذلك إلا بنسخ إحداهما للثانية، و إن وقع الاختلاف بينهما في أن أيتهما الناسخة و أيتهما المنسوخة.

و كيف كان فالمسألة بمحل من الاشكال، لما عرفت من الاختلاف في الآيات و الروايات، و إن كان ما ذكرناه هو الذي يترجح في النظر القاصر و الذهن الفاتر، و الله العالم.

تنبيهات

الأول [في أن المجوس من أهل الكتاب أم لا؟]:

ظاهر الأصحاب أن المجوس ليسوا داخلين تحت إطلاق أهل الكتاب، و أن أهل الكتاب حقيقة إنما هم اليهود و النصارى، و هذا البحث المتقدم مخصوص بهم و إن ألحقوا بهم في بعض الأحكام.

قال شيخنا في المسالك بعد تمام البحث في اليهود و النصارى: بقي الكلام في المجوسية، فإن الظاهر عدم دخولها في أهل الكتاب،

لقول النبي (صلى الله عليه و آله) (1)

«سنوا بهم سنة أهل الكتاب».

فإن فيه إيماء إلى أنهم ليسوا منهم و لذلك قيل: إنهم ممن لهم شبهة كتاب،

و قد روي (2)

أنهم حرقوا كتابهم فرفع.

و أيضا فلا يلزم أن يسن بهم سنتهم في جميع الأحكام، و ظاهر الرواية كونه في الجزية، و يؤيده أنهم رووا فيها أيضا غير ناكحي نسائهم و لا أكل ذبائحهم، فيضعف الاحتجاج ببعضها دون بعض، و الرواية عامية، انتهى.

أقول: المفهوم من بعض الأخبار كونهم من أهل الكتاب و أنه كان لهم نبي و كتاب،

فروى في الكافي و التهذيب (3) عن أبي يحيى الواسطي عن بعض أصحابنا

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 29 ح 11، الوسائل ج 11 ص 97 ح 5.

(2) التهذيب ج 6 ص 175 ح 28، الوسائل ج 11 ص 97 ح 5.

(3) الكافي ج 3 ص 567 ح 4، التهذيب ج 4 ص 113 ح 1، الوسائل ج 11 ص 96 ح 1.

19

قال:

«سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن المجوس كان لهم نبي؟ فقال: نعم. أما بلغك كتاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى أهل مكة أن أسلموا و إلا نابذتكم بحرب، فكتبوا إلى النبي (صلى الله عليه و آله) أن خذ منا الجزية و دعنا على عبادة الأصنام، فكتب إليهم النبي (صلى الله عليه و آله): إني لم آخذ الجزية إلا من أهل الكتاب، فكتبوا إليه (صلى الله عليه و آله) يريدون بذلك تكذيبه (صلى الله عليه و آله): زعمت أنك لا تأخذ الجزية إلا من أهل الكتاب ثم أخذت الجزية من مجوس هجر، فكتب إليهم النبي (صلى الله عليه و آله): أن المجوس كان لهم نبي فقتلوه، و كتاب فأحرقوه، أتاهم نبيهم بكتابهم في اثنى عشر ألف جلد ثور».

و ما رواه

في التهذيب (1) عن أبي يحيى الواسطي قال:

«سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن المجوس فقال: كان لهم نبي قتلوه و كتاب أحرقوه، أتاهم نبيهم بكتابهم في اثنى عشر ألف جلد ثور.».

«و قال الصدوق في الفقيه

(2)

المجوس تؤخذ منهم الجزية، لأن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: سنوا بهم سنة أهل الكتاب، و كان لهم نبي اسمه جاماست فقتلوه، و كتاب يقال إنه كان يقع في اثنى عشر ألف جلد ثور فحرقوه».

و روى الصدوق في كتاب المجالس (3) بسنده عن الأصبغ بن نباتة

أن عليا (عليه السلام) قال على المنبر: سلوني قبل أن تفقدوني، فقام إليه الأشعث فقال: يا أمير المؤمنين (عليه السلام) كيف تؤخذ الجزية عن المجوس و لم ينزل عليهم كتاب و لم يبعث إليهم نبي فقال: بلى يا أشعث قد أنزل الله عليهم كتابا و بعث إليهم نبيا».

الحديث.

و روى الشيخ الطوسي في كتاب مجالسه (4) عن علي بن علي بن دعبل أخي

____________

(1) التهذيب ج 6 ص 175 ح 28، الوسائل ج 11 ص 97 ح 3.

(2) الفقيه ج 2 ص 29 ج 11، الوسائل ج 11 ص 97 ح 5، و فيهما اختلاف مع الأصل.

(3) المجالس ص 206 ح 55، الوسائل ج 11 ص 98 ح 7.

(4) مجالس ابن الشيخ ج 2 ص 375 المجلس- 13، الوسائل ج 11 ص 98 ح 9.

20

دعبل بن علي عن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) عن علي بن الحسين (عليه السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال:

سنوا بهم سنة أهل الكتاب يعني المجوس».

و روى الشيخ المفيد في المقنعة (1) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) مرسلا أنه قال:

المجوس إنما ألحقوا باليهود و النصارى في الجزية و الديات لأنه قد كان لهم في ما مضى كتاب».

أقول: الظاهر أنه حيث لم يشتهر نبي المجوس و كتابهم كشهرة كتابي اليهود و النصارى و نبيهما بل كانوا عند الناس أولا و آخرا أنهم ليسوا بأهل الكتاب و لا نبي وقع التعبير بأن يسن بهم سنة أهل الكتاب المشهورين و يلحقوا بهم.

و ظاهر أكثر هذه الأخبار أن ذلك إنما هو بالنسبة إلى الجزية، و ظاهر خبر الشيخ المفيد الإلحاق في الديات أيضا، و الظاهر أنه لهذا لم تجر عليهم أحكام أهل الكتاب المذكورة في هذا المقام بالنسبة إلى الكلام المتقدم نصا و فتوى، و إن كانت الأخبار مختلفة فيهم أيضا لكن لا على الوجه المذكور.

و من ذلك ما تقدم في النوع الأول من

قول الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقيه (2)

«و لا يجوز تزويج المجوسية».

و ما تقدم في النوع السادس من رواية

محمد بن سنان (3) عن الرضا (عليه السلام) قال:

«سألته عن نكاح اليهودية و النصرانية فقال: لا بأس، فقلت: فمجوسية، فقال:

لا بأس به يعني متعة».

بالتقريب المذكور في ذيلها ثمة.

و رواية منصور الصيقل (4) المتقدم نقلها ثمة أيضا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

«لا بأس بالرجل أن يتمتع بالمجوسية».

____________

(1) المقنعة ص 44، الوسائل ج 11 ص 98 ح 8.

(2) الفقه الرضوي ص 235، مستدرك الوسائل ج 2 ص 584.

(3) التهذيب ج 7 ص 256 ح 31، الوسائل ج 14 ص 462 ح 4.

(4) التهذيب ج 7 ص 256 ح 32، الوسائل ج 14 ص 462 ح 5.

21

و صحيحة إسماعيل بن سعد الأشعري (1) المتقدمة ثمة أيضا قال:

«سألته عن الرجل يتمتع من اليهودية و النصرانية: قال: لا أرى بذلك بأسا قال: قلت:

بالمجوسية؟ قال: أما المجوسية فلا».

و روى الشيخ في التهذيب (2) في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

«سألته عن الرجل المسلم يتزوج المجوسية؟ فقال: لا، و لكن إن كانت له أمة مجوسية فلا بأس أن يطأها و يعزل عنها و لا يطلب ولدها».

قال في المسالك: و ليس في حكم المجوسية أوضح من هذه الرواية، و قد دلت على النهي عن تزويجها مطلقا الشامل للدوام و المتعة، و نفي البأس عن وطئها بملك اليمين، و يمكن أن يستنبط منها جواز المتعة، لما روي أن المتمتع بها بمنزلة الأمة، إلا أن يلحق بأهل الكتاب حقيقة أو حكما، و فيه نظر لأن الرواية عامية. انتهى.

أقول: قد دلت صحيحة محمد بن مسلم و كلامه (عليه السلام) في الفقه الرضوي على تحريم التزويج بالمجوسية، و ظاهرهما الإطلاق أعم من أن يكون دائمة أو متعة إلا أن غيرهما من هذه الأخبار قد اختلفت في المتعة، فمما يدل على الجواز رواية محمد بن سنان و منصور الصيقل، و مما يدل على المنع صحيحة إسماعيل بن سعد.

و حينئذ فمن يعمل بالأخبار كلها ضعيفها و صحيحها فوجه الجمع عنده هو حمل صحيحة إسماعيل على ما ذكره الشيخ من الكراهة عند التمكن من غير المجوسية، و تخصيص إطلاق كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه و صحيحة محمد بن مسلم بهذه الأخبار الدالة على جواز المتعة، فيحمل ذلك الإطلاق على الدائمة و هذا هو الأظهر.

و من يعمل على الاصطلاح المحدث كشيخنا الشهيد الثاني في المسالك و غيره،

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 256 ح 30، الوسائل ج 14 ص 461 ح 1.

(2) التهذيب ج 8 ص 292 ح 63، الفقيه ج 3 ص 258 ح 8، الوسائل ج 14 ص 418 ح 1.

22

فإنهم يقفون على إطلاق الصحيحة المذكورة و نحوها فيمنعون من التزويج بها مطلقا، إلا أن فيه أنك قد عرفت الروايات المتقدمة أنها دالة على أن المجوس من جملة أهل الكتاب فيلحقهم في هذا المقام ما يلحق اليهود و النصارى من الأحكام و لا سيما التمتع الذي تكاثرت به الأخبار.

و قوله في المسالك: أن الرواية بكونهم ملحقين بأهل الكتاب عامية- بناء على ما قدمنا نقله عنه من إيراد تلك الرواية العامية- ضعيف لما عرفت من الروايات التي أوردناها من طرق أصحابنا- (رضوان الله عليهم).

و بالجملة فالأظهر هو المنع من تزويجها دواما، و أنه يجوز تزويجها متعة و بملك اليمين.

و أما قوله في المسالك- بعد ذكر صحيحة محمد بن مسلم- أنه ليس في روايات المسألة أوضح من هذه الرواية يعني باعتبار السند و صحته، ففيه أن صحيحة إسماعيل مثلها في الصحة لأنه نقلها في التهذيب عن أحمد بن محمد بن عيسى عن إسماعيل، و طريقه إلى أحمد المذكور صحيح كما صرحوا به في الرجال، و هي في المعنى مؤكدة لظاهر إطلاق صحيحة محمد بن مسلم.

الثاني [في اختلاف كلام الأصحاب في الصائبة و دينهم]

قد اختلف كلام الأصحاب في الصابئة و دينهم فقال الشيخ في المبسوط كما قدمنا نقله: فأما السامرة و الصابئون فقد قيل (1) إن السامرة قوم من اليهود، و الصابئون قوم من النصارى، و الصحيح في الصائبة أنهم غير النصارى، لأنهم يعبدون الكواكب.

و قال الفيومي في كتاب المصباح المنير (2): و صبأ من دين الى دين يصبأ- مهموز

____________

(1) أقول: و هذا القول حكاه أيضا العلامة في القواعد فقال: و أما السامرة فقيل:

أنهم من اليهود، و الصابئون من النصارى، و الأصل أنهم ان كانوا يخالفون القبلتين في فروع الدين فهم منهم، فان خالفوهم في أصله فهم ملاحدة لهم حكم الحربيين، انتهى. (منه- (رحمه الله)-).

(2) المصباح المنير ج 1 ص 454.

23

بفتحتين-: خرج، فهو صابئ، ثم جعل هذا اللقب علما على طائفة من الكفار يقال أنهم تعبد الكواكب في الباطن، و تنسب إلى النصرانية في الظاهر، و هم الصابئة و الصابئون و يدعون أنهم على دين صابئ بن شيث بن آدم، و يجوز التخفيف فيقال: الصابون.

و قال في القاموس (1): و الصابئون يزعمون أنهم على دين نوح (عليه السلام) و قبلتهم من مهب الشمال عند منتصف النهار.

و قال في الصحاح: هم جنس من أهل الكتاب. و نقل العلامة في التذكرة عن الشافعي أنهم مبتدعة النصارى كما أن السامرة مبتدعة اليهود.

أقول: و الظاهر أن هذا هو القول الذي رده الشيخ في المبسوط.

و قال المحقق الشيخ علي في شرح القواعد: و يقال إن الصابئين فرقتان، فرقة توافق النصارى في أصول الدين، و الأخرى تخالفهم فيعبدون الكواكب السبعة، و تضيف الآثار إليها و تنفي الصانع المختار.

قال: و كلام المفيد قريب من هذا، لأنه قال: إن جمهور الصابئين توحد الصانع في الأزل، و منهم من يجعل معه هيولى في القدم صنع منها العالم، فكانت عندهم الأصل، و يعتقدون في الفلك و ما فيه الحياة و النطق أنه المدبر في هذا العالم الدال عليه و عظموا الكواكب و عبدوها من دون الله، و سموها بعضهم ملائكة، و جعلها بعضهم آلهة و بنوا لها بيوتا للعبادات، انتهى.

و في كتاب تفسير الثقة الجليل علي بن إبراهيم القمي (2):

الصابئون قوم لا مجوس و لا يهود و لا نصارى و لا مسلمون، و لكنهم يعبدون الكواكب و النجوم.

و في التبيان (3) للشيخ أبي جعفر الطوسي، و مجمع البيان (4) لأبي علي الطبرسي:

____________

(1) القاموس ج 1 ص 21.

(2) تفسير على بن إبراهيم القمي ج 1 ص 48.

(3) التبيان ج 1 ص 283.

(4) مجمع البيان ج 1 ص 126.

24

إنه لا يجوز عندنا أخذ الجزية عن الصابئة لأنهم ليسوا من أهل الكتاب.

إلى غير ذلك من أقوال العلماء المختلفة فيهم، و لا سيما في كتاب الملل و النحل، فإنهم تكلم فيهم في مواضع و أطال.

و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذه الطائفة ما نقله

الشيخ فخر الدين ابن طريح في كتاب مجمع البحرين (1) عن الصادق (عليه السلام) قال:

«سمي الصابئون لأنهم صبوا إلى تعطيل الأنبياء و الرسل و الشرائع، و قالوا كلما جاءوا به باطل، فجحدوا توحيد الله و نبوة الأنبياء و رسالة المرسلين، و وصية الأوصياء، فهم بلا شريعة و لا كتاب و لا رسول»،.

و من هذا الخبر يظهر أنهم ملاحدة كفار، و لا مجرى لهم في هذا المضمار و أما السامرة فظاهر كلام من تعرض لذكرهم أنهم قوم من اليهود كما تقدم في عبارة الشيخ في المبسوط، و الشيخ إنما أنكر ذلك في الصابئين، و لم يتعرض لذكر السامرة، و ربما أشعر كلامه بالموافقة على ما ذكره.

قال في كتاب المصباح المنير (2): فالسامرة فرقة من اليهود و تخالف في أكثر الأحكام. و نحو ذلك نقل العلامة- أجزل الله إكرامه- في القواعد، و حينئذ فالظاهر إجراء أحكام اليهود عليهم لصدق الاسم، و دوران الأحكام مداره، و الله العالم.

الثالث [عدم الفرق بين الحربي و الذمي]

قال في المسالك: و اعلم أنه لا فرق في أهل الكتاب بين الحربي منهم و الذمي لشمول الاسم لهما، و لكن تتأكد الكراهة في نكاح الحربية حذرا من أن يسترق و هي حامل منه، و لا يقبل قولها في أن حملها من مسلم.

أقول: الظاهر بعد ما ذكره- (قدس سره)- من الشمول للحربي في هذا الحكم، فإنه و إن كان الأمر كذلك من حيث الإطلاق، و إلا أن حكم الحربي لما كان إنما هو القتل أو الدخول في الإسلام كتابيا أو غير كتابي وجب تخصيص

____________

(1) مجمع البحرين ج 1 ص 259.

(2) المصباح المنير ج 1 ص 392.

25

الحكم بغير الحربي، و إلا لجاز نكاح الحربية من غير أهل الكتاب، لأن الجميع واحد من حيث الأحكام، مع أنه لا يقول به.

على أن بعض روايات المسألة تضمن التعبير بالذمية كرواية منصور بن حازم (1) و رواية هشام بن سالم (2) المتقدمتين في النوع الأول، و حينئذ فيجب حمل ما عداهما من أخبار المسألة عليهما، و يصير الحكم مختصا بالذمية دون الحربية، و بالجملة فإن ما ذكره من العموم عندي محل إشكال.

ثم إنه قال في المسالك أيضا: و إنما اختص أهل الكتاب باليهود و النصارى دون غيرهم ممن يتمسكون بكتب الأنبياء كصحف شئت و إدريس و إبراهيم أو بالزبور، لأن تلك الكتب لم تنزل عليهم بنظم تدرس و تتلى، و إنما أوحي إليهم معانيها، و قيل: إنها كانت حكما و مواعظ لم تتضمن أحكاما و شرائع، و لذلك كان كل خطاب في القرآن لأهل الكتاب مختصا بهاتين الملتين، انتهى.

المسألة الثانية: في ارتداد أحد الزوجين أو إسلامه

، و الكلام هنا يقع في مواضع:

الأول [في ارتداد أحد الزوجين بعد الدخول و حكم وطي الشبهة بعد الارتداد]

قد صرح الأصحاب- (رضوان الله عليهم)- بأنه لو ارتد أحد الزوجين عن الإسلام قبل الدخول انفسخ العقد بينهما في الحال، و نسب ذلك إلى عامة أهل العلم من الأصحاب و غيرهم، سواء كان الارتداد عن ملة أو عن فطرة، لأن الارتداد نوع من أنواع الكفر الذي لا يباح التناكح معه.

ثم إنه لا يخلو إما أن يكون المرتد هو الزوجة أو الزوج، فإن كان الزوجة فإنه لا شيء لها لأن الفسخ جاء من قبلها قبل الدخول بها، و يمكن الاستدلال بفحوى ما يدل على أن النصرانية إذا أسلمت قبل الدخول انفسخ نكاحها و لا مهر لها، كما سيأتي- إن شاء الله تعالى- في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، فإن ذلك

____________

(1) الكافي ج 7 ص 241 ح 8، التهذيب ج 10 ص 144 ح 3، الوسائل ج 18 ص 415 ب 49 ح 1.

(2) الفقيه ج 3 ص 269 ح 64، الوسائل ج 14 ص 419 ح 4.

26

يقتضي سقوط المهر هنا بطريق أولى (1).

و إن كان المرتد الزوج فعليه نصف المهر المسمى إن كانت التسمية صحيحة، لأن الفسخ جاء من قبله فأشبه الطلاق، و إن كانت التسمية فاسدة فنصف مهر المثل و إن لم يكن سمى شيئا فالمتعة، كذا صرح جملة منهم.

و قيل بثبوت جميع المهر في الصورة المذكورة، لأنه هو الثابت بالعقد، و تنصيفه يحتاج إلى دليل، و قيام الدليل على التنصيف بالطلاق أو بإضافة الموت على قول لا يوجب إلحاق ما لا دليل عليه إلا بطريق القياس المحظور في الشريعة.

و اختار هذا القول شيخنا في المسالك، و سبطه السيد السند في شرح النافع و قوته ظاهره (2) إلا أنه

قد روي في الكافي و التهذيب (3) عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

«قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في مجوسية أسلمت قبل أن يدخل بها زوجها فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لزوجها: أسلم، فأبى زوجها أن يسلم، فقضى لها عليه نصف الصداق، قال: و لم يزدها الإسلام إلا عزا».

و الظاهر أنه إنما قضى (عليه السلام) لها بنصف المهر عليه، لأن الفسخ جاء من قبله بعد إسلامه بعد تكليفه له (عليه السلام) بذلك، فإنه لو أسلم لكانا على نكاحهما، فيكون من قبيل ما نحن فيه، و فيه إشكال يأتي التنبيه عليه، قالوا: و لو وقع الارتداد

____________

(1) وجه الأولوية أنه إذا كان المهر يسقط بالإسلام فإنه يسقط بالكفر بطريق أولى (منه- (قدس سره)-).

(2) و بنحو ذلك صرح سبطه في شرح النافع فقال: ان كان الارتداد بعد الدخول وقف انفساخ العقد على انقضاء العدة إذا كان الارتداد من الزوجة و كان عن ملة فإن رجع المرتدة قبل انقضائها ثبت النكاح، و الا تبين انفساخه من حين الارتداد من غير خلاف عندنا و عند أكثر العامة. انتهى، و الرواية كما ترى بخلافه (منه- (قدس سره)-).

(3) الكافي ج 5 ص 436 ح 6، التهذيب ج 8 ص 92 ح 234، الوسائل ج 14 ص 422 ح 7.

27

منهما دفعة انفسخ النكاح إجماعا، كذا نقل عن التذكرة، و هل يسقط المهر أم لا؟

وجهان، و الأصل يقتضي العدم.

هذا فيما إذا كان الارتداد قبل الدخول، و أما بعد الدخول، فإن كانت المرتدة هي المرأة ملية كانت أو فطرية وقف انفساخ العقد على انقضاء العدة و هي عندهم عدة الطلاق، و لم أقف فيها على نص، فإن انقضت العدة و لم ترجع إلى الإسلام فقد بانت، و لا يجوز له في ضمن العدة التزويج بأختها و لا بخامسة لأنها كالعدة الرجعية، حيث إنه يرجى رجوعها و عودها في كل وقت، كذا ذكروه، و لا يحضرني الآن نص في أنها هل تبين بمجرد الارتداد، أو يقف على انقضاء العدة كما ذكروه.

و إن كان المرتد هو الزوج فإن كان عن ملة وقف الفسخ على انقضاء العدة و هي كعدة الطلاق، فإن عاد قبل انقضاء عدتها فهو أملك بها، و إلا فقد بانت منه، كذا قالوا، و به صرح في المسالك.

و الذي حضرني من الأخبار المتعلقة بهذه الصورة

حسنة أبي بكر الحضرمي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

«إذا ارتد الرجل المسلم عن الإسلام بانت منه امرأته كما تبين المطلقة ثلاثا و تعتد منه كما تعتد المطلقة، فإن رجع إلى الإسلام و تاب قبل أن يتزوج فهو خاطب من الخطاب، و لا عدة عليها منه، و إنما عليها العدة لغيره، فإن قتل أو مات قبل انقضاء العدة اعتدت منه عدة المتوفى عنها زوجها، و هي ترثه في العدة و لا يرثها إن ماتت، و هو مرتد عن الإسلام».

و هذه الرواية- كما ترى- دالة على أنها تبين منه بمجرد الارتداد كما تبين المطلقة ثلاثا، و أنه لو تاب و هي في العدة فهو خاطب من الخطاب، و هو أيضا صريح في البينونة بمجرد الارتداد، غاية الأمر أن له أن يتزوجها في العدة، حيث

____________

(1) الكافي ج 7 ص 153 ح 3 مع اختلاف يسير، التهذيب ج 9 ص 373 ح 1 و ج 10 ص 142 ح 24، الفقيه ج 4 ص 242 ب 169 ح 2، الوسائل ج 17 ص 386 ح 4.

28

إنها عدته، و أما غيره فلا يتزوجها إلا بعد انقضاء العدة.

و مورد الخبر هو الملي، لأن الفطري- كما سيأتي الكلام فيه- يجب قتله، و لا يتزوج و لا يقبل توبته بالنسبة إلى التزويج و نحوه، و هم قد ذكروا- كما قدمنا نقله عنهم- أنه يقف فسخ عقد النكاح على انقضاء عدة المرأة منه، و أنه إن عاد إلى الإسلام قبل انقضاء العدة فهو أملك بها و لا يحتاج إلى عقد آخر و الرواية- كما ترى- على خلافه، و قد صرحوا بأنه لا يسقط من المهر هنا شيء لاستقراره بالدخول، و هو كذلك.

و إن كان ارتداد الزوج عن فطرة فإن زوجته تبين منه في الحال، و تعتد عدة الوفاة لوجوب قتله و عدم قبول توبته بالنسبة إلى الأحكام الدنيوية من بينونة زوجته، و قسمة أمواله و وجوب قتله، و إن قبلت فيما بينه و بين الله عز و جل، كما تقدم تحقيقه في باب القضاء من كتاب الصلاة، و الأخبار بما ذكرنا من حكم المرتد الفطري متظافرة.

منها ما رواه

في الكافي (1) في الصحيح عن محمد بن مسلم قال:

«سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المرتد، فقال: من رغب عن الإسلام و كفر بما أنزل الله على محمد (صلى الله عليه و آله) بعد إسلامه فلا توبة له، و قد وجب قتله، و بانت منه امرأته، و يقسم ما ترك على ولده».

و ما رواه

المشايخ الثلاثة (2) عن عمار الساباطي في الموثق قال:

«سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كل مسلم بين مسلمين ارتد عن الإسلام و جحد محمدا (صلى الله عليه و آله) نبوته و كذبه، فإن دمه مباح لكل من سمع ذلك منه، و امرأته بائنة منه يوم ارتد، فلا تقربه، و يقسم ماله على ورثته، و تعتد امرأته عدة المتوفى عنها زوجها، و على

____________

(1) الكافي ج 7 ص 153 ح 4، التهذيب ج 10 ص 136 ح 1، الوسائل ج 18 ص 544 ح 2.

(2) الكافي ج 7 ص 257 ح 11، التهذيب ج 10 ص 136 ح 2، الفقيه ج 3 ص 89 ح 1، الوسائل ج 18 ص 544 ح 3.

29

الامام أن يقتله، و لا يستتيبه».

إلى غير ذلك من الأخبار، و يثبت المهر أيضا في هذه الصورة كما في سابقتها للعلة المتقدمة.

بقي هنا شيء، و هو أنهم قالوا: لو كان ارتداده عن فطرة و بانت منه فلو وطأها شبهة عليها فعليه مهر آخر للشبهة، و الظاهر أنه مما لا إشكال فيه.

و إن كان ارتداده عن ملة و كان بعد الدخول بها فإنه يقف نكاحه على العدة- كما تقدم- فإن رجع إلى الإسلام فيها استمر على نكاحه الأول، و إن بقي على ارتداده تبين انفساخ النكاح من حين الردة، و على هذا لو وطأها بشبهة على المرأة فإن رجع في العدة فلا شيء عليه، لأن إسلامه كشف عن كونها زوجته حال النكاح، و من ثم إنه بنى على العقد الأول.

و إن بقي على كفره حتى مضت العدة، فهل عليه مهر لو وطأ الشبهة زائدا على الأول أم لا؟ قولان:

أولهما للشيخ، قال: لأن عدم عوده إلى الإسلام كشف عن بطلان النكاح بالردة فكانت كالأجنبية.

و قيل (1): لا يلزمه لهذا الوطي مهر لأنها في حكم الزوجة و إن حرمت عليه و لهذا لو رجع لم يفتقر إلى عقد جديد، بل يبني على الأول، فدل على بقاء حكمه و إن حصل التحريم، غايته أن يكون الردة كالطلاق الرجعي، و هو لا يوجب البينونة.

قال في المسالك: و لعل هذا أقوى، و الظاهر أنه بناء على ما اختاره في المسالك من أنه لا حد عليه لو وطأها لأنها في حكم الزوجة و إن كان ممنوعا من وطئها.

و أما على مذهب الشيخ فيشكل ذلك بما ذكرنا، و ما ذكره من كونها بحكم الأجنبية، إلا أن يحمل كلامه على أنها بحكم الأجنبية بالنسبة إلى المهر لوطء

____________

(1) هذا هو القول الثاني.

30

الشبهة خاصة.

قال في المسالك: و يجب العدة لهذا الوطي، و هما عدتان من شخص واحد فهو بمثابة ما لو طلق امرأته ثم وطأها في العدة و اجتماعهما في الإسلام بمثابة الرجعة هناك، انتهى.

و أنت خبير بأن ظاهر كلام الأصحاب- (رضوان الله عليهم)- أن الأصل في مسألة المرتد هو ما تقدم في الكافر الغير الكتابي من عدم جواز مناكحته، بناء على الاشتراك في الكفر كما تقدمت الإشارة إلى صدر المسألة فبنوا الأحكام في جميع شقوقها المذكورة على ذلك.

و أيده ببعض ما ورد في أحكام المرتد، و للنظر في ذلك مجال، فإن الأدلة الدالة على تحريم نكاح الكفارة ذكورا و اناثا من الآيات و الروايات إنما يتبادر منها المشرك الغير الكتابي مثل قوله عز و جل «وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ حَتّٰى يُؤْمِنَّ. وَ لٰا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّٰى يُؤْمِنُوا» (1) «وَ لٰا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوٰافِرِ» (2) و نحو ذلك الروايات أيضا، و ليس بعد ذلك إلا الأخبار الواردة في المرتد، و هي غير وافية بالأحكام المذكورة هنا، و حينئذ فيشكل الحكم في جملة منها كما أشرنا إليه آنفا سيما بما عرفته من كلامهم في حكم المرتد الملي إذا كان بعد الدخول، و دلالة الرواية على خلاف ما ذكروه.

الثاني [فيما لو أسلم زوج الكتابية]

قالوا إذا أسلم زوج الكتابية فهو على نكاحه سواء كان إسلامه قبل الدخول. أو بعده، و هو موضع وفاق من العلماء المجوزين نكاح الكتابية و المانعين، و محل الخلاف المتقدم إنما هو في ابتداء نكاح المسلم الكتابية دون استدامته، قالوا: و لا فرق في هذا الحكم بين أن يكون الزوج كتابيا أو غير كتابي من أصناف الكفار.

____________

(1) سورة البقرة- آية 221.

(2) سورة الممتحنة- آية 10.

31

أقول: يمكن الاستدلال على ذلك بما رواه

في الكافي (1) عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

«إن أهل الكتاب و جميع من له ذمة إذا أسلم أحد الزوجين فهما على نكاحهما» الخبر.

فإنه بإطلاقه شامل لما نحن فيه إلا أنه

قد روي في الكافي (2) أيضا عن منصور ابن حازم قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أو مشرك من غير أهل الكتاب كانت تحته امرأة فأسلم أو أسلمت قال: ينظر بذلك انقضاء عدتها و إن هو أسلم أو أسلمت قبل أن تنقضي عدتها فهما على نكاحهما الأول، و إن هو لم يسلم حتى تنقضي العدة فقد بانت منه».

و ما رواه

في التهذيب (3) عن أحمد بن محمد أبي نصير في الصحيح قال:

«سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل تكون له الزوجة النصرانية فتسلم، هل يحل لها أن تقيم معه؟ قال: إذا أسلمت لم تحل له، قلت: جعلت فداك فإن الزوج أسلم بعد ذلك أ يكونان على النكاح؟ قال: لا، بتزويج جديد

(4)

.

____________

(1) الكافي ج 5 ص 358 ح 9، التهذيب ج 7 ص 302 ح 17، الوسائل ج 14 ص 421 ح 5.

(2) الكافي ج 5 ص 435 ح 3، التهذيب ج 7 ص 301 ح 16 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 14 ص 421 ح 3.

(3) التهذيب ج 7 ص 300 ح 13، الوسائل ج 14 ص 417 ح 5.

(4) أقول. قد وقع في رواية هذا الخبر اختلاف في النسخ، ففي بعضها بغير لفظ «لا»، قال: بتزويج جديد، و في بعض- كما ذكرنا في الأصل- قال: لا، بتزوج جديد، و في بعضها بالتائين الفوقيتين مع لفظ لا و هو «لا تتزوج» و على هاتين النسختين فكلمة «لا» منفصلة، و على الأخرى يحتمل اتصالها و ان بعد، فيحمل قوله بعد ذلك على ما قبل انقضاء العدة جمعا بين الاخبار، كذا ذكره في الوافي.

أقول: و نحو هذا الخبر ما رواه

الحميري في كتاب قرب الاسناد عن أحمد بن محمد ابن عيسى عن البزنطي «قال:

سمعت رجلا يسأل أبا الحسن (عليه السلام) عن النصراني تسلم امرأته ثم يسلم زوجها، أ يكونان على النكاح الأول؟ قال: لا، يجددان نكاحا آخر».

و هذا الخبر أيضا لا يخلو عن اشكال، لاحتمال أن يكون «لا» منفصلة، و بها حصل الجواب عن السؤال بمعنى أنهما لا يكونان على النكاح الأول، بل يجددان نكاحا آخر، و هذا هو الظاهر، و يحتمل أن يكون متصلة دالة على النهى عن تجديد نكاح آخر، و حاصله أنهما يكونان على النكاح الأول و لا يجددان نكاحا آخر، و على كل منهما فهو مشكل من حيث التفصيل الذي عرفته في الأصل بالإسلام قبل انقضاء العدة و بعدها و أنه انما يصح النكاح على الأول دون الثاني. (منه- (قدس سره)-) و الرواية المذكورة في التعليقة في قرب الاسناد ص 167، و الوسائل ج 14 ص 417 ذيل ج 5.

32

قوله «فإن الزوج أسلم بعد ذلك» ينبغي حمله على انقضاء العدة، أي أسلم بعد انقضاء العدة كما دل عليه الخبر المتقدم، و المفهوم منهما أنه مع إسلام أحدهما فإنه يكون ثبوت النكاح و استمراره مشروطا بإسلام الآخر قبل انقضاء العدة، و إطلاقهما شامل لما نحن فيه.

و على هذا يمكن تقييد خبر محمد بن مسلم المتقدم بمورده، و هو أهل الذمة خاصة بأن يكون الزوج و الزوجة ذميين، و يكون من جملة الأخبار المتقدمة الدالة على جواز نكاحهن، إلا أنه يشكل بما يدل عليه على إطلاقه من جواز نكاح المسلمة، و الأقرب تقييده بخبر منصور بن حازم بأن يكون معنى قوله «يكونان على نكاحهما» يعني إذا أسلم الآخر قبل انقضاء العدة.

و كيف كان فالظاهر أنه لا مستند لما ذكروه من الحكم الذي قدمنا نقله عنهم إلا الإجماع المدعى في المقام، إذ لم أقف في الأخبار بعد الفحص على ما يدل على ذلك بخصوصه، و الله العالم.

الثالث [فيما لو أسلمت زوجة الكافر]

إذا أسلمت زوجة الكافر فإن كان قبل الدخول انفسخ النكاح في الحال، لعدم العدة و امتناع كون الكافر زوجا للمسلمة، و لا مهر لأن الفرقة جاءت من قبلها، و يدل على ذلك ما رواه

ثقة الإسلام (1) في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج

____________

(1) الكافي ج 5 ص 436 ح 4، الوسائل ج 14 ص 422 ح 6.

33

عن أبي الحسن

«في نصراني تزوج نصرانية فأسلمت قبل أن يدخل بها، قال:

قد انقطعت عصمتها منه و لا مهر لها و لا عدة عليها منه».

أقول: ما دل عليه الخبر من عدم المهر لها في هذه الصورة هو المعروف من مذهب الأصحاب كما صرحوا به، إلا أنه قد تقدم في رواية

السكوني (1) المذكورة في صدر المسألة عن أمير المؤمنين (عليه السلام)

«في مجوسية أسلمت قبل أن يدخل بها زوجها فقضى (عليه السلام) أن لها عليه نصف الصداق».

و يمكن الجمع بين الروايتين: بأن رواية السكوني قد تضمنت أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد دعاه إلى الإسلام فلم يجب، و لو أجاب لكانا على نكاحهما، فلما لم يجب كان الفسخ من قبله فيكون في حكم الطلاق، بخلاف صحيحة عبد الرحمن، فإنها لم تتضمن ذلك، فكان الفسخ من قبل الزوجة، و لعل قصر رواية السكوني على موردها، و العمل بما دلت عليه الصحيحة المذكورة أولى، سيما مع اعتضادها بفتوى الأصحاب (2).

و إن كان بعد الدخول وقف انفساخ العقد على انقضاء العدة، و هي عدة الطلاق من حين إسلامها فإن انقضت العدة و هو على كفره تبين أنها قد بانت منه حين إسلامها، و إن أسلم قبل انقضائها تبين بقاء النكاح.

____________

(1) الكافي ج 5 ص 436 ح 6، التهذيب ج 8 ص 92 ح 234 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 14 ص 422 ح 7.

(2) أقول: و من هنا يظهر أن غير الكتابي محل اتفاق فيما ذكرناه من الحكم، و أنه مع عدم الدخول يجب انفساخ العقد، و مع الدخول يقف على انقضاء العدة، فإنه ان كانت المسلمة هي الزوجة فلا سبيل للكافر عليها- كما تقدم دلالة الآيات عليه- و لا تحل له، و ان كان هو الزوج فقد عرفت أن المسلم انما يجوز له التزويج بالكتابية على الخلاف المتقدم، هذا في الابتداء، و أما الاستدامة فقد تقدم أن الجواز متفق عليه، و أما غير الكتابية فلا دليل على جوازه، بل الآيات و الاخبار دالة على المنع منه، و بالجملة فالمسألة ليس محل اشكال. (منه- (رحمه الله)-).

34

و يدل على هذا رواية منصور بن حازم (1) المتقدمة في سابق هذا الموضع، و نحوها ما رواه

الشيخ في التهذيب (2) عن السكوني

«عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي (عليهم السلام) إن امرأة مجوسية أسلمت قبل زوجها، قال علي (عليه السلام): أ تسلم؟

قال: لا، ففرق بينهما، ثم قال: إن أسلمت قبل انقضاء عدتها فهي امرأتك، و إن انقضت عدتها قبل أن تسلم ثم أسلمت فأنت خاطب من الخطاب».

و المشهور بين الأصحاب أنه لا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون الزوج كتابيا أو غير كتابي، و ذهب الشيخ في النهاية و كتابي الأخبار إلى اختصاص الحكم المذكور بغير الكتابي، أما الكتابي فإنه ذهب فيه إلى بقاء النكاح و عدم انفساخه إذا كان الزوج بشرائط الذمة، و لكنه لا يمكن من الدخول عليها ليلا، و لا من الخلوة بها نهارا.

و استدل على المشهور بما تقدم من أخبار المسألة، و صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر (3) المتقدمة في سابق هذا الموضع.

و يدل على ما ذهب إليه

الشيخ (4) ما رواه عن جميل بن دراج عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام)

«أنه قال في اليهودي و النصراني و المجوسي إذا أسلمت امرأته و لم يسلم قال: هما على نكاحهما، و لا يفرق بينهما، و لا يترك أن يخرج بها من دار الإسلام إلى دار الكفر».

و عن محمد بن مسلم (5) في الحسن بإبراهيم بن هاشم مع إرسال ابن أبي عمير

____________

(1) الكافي ج 5 ص 435 ح 3، التهذيب ج 7 ص 301 ح 16 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 14 ص 421 ح 3.

(2) التهذيب ج 7 ص 301 ح 15، الوسائل ج 14 ص 421 ح 2.

(3) التهذيب ج 7 ص 300 ح 13، الوسائل ج 14 ص 417 ح 5.

(4) التهذيب ج 7 ص 300 ح 12، الوسائل ج 14 ص 420 ح 1.

(5) الكافي ج 5 ص 358 ح 9، التهذيب ج 7 ص 302 ح 17، الوسائل ج 14 ص 421 ح 5.

35

الذي ينظمون مرسلاته في الصحاح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

«إن أهل الكتاب و جميع من له ذمة إذا أسلم أحد الزوجين فهما على نكاحهما و ليس له أن يخرجها من دار الإسلام إلى غيرها، و لا يبيت معها، و لكنه يأتيها بالنهار، و أما المشركون مثل مشركي العرب و غيرهم فهم على نكاحهم إلى انقضاء العدة، فإن أسلمت المرأة ثم أسلم الرجل قبل انقضاء عدتها فهي امرأته، و إن لم يسلم إلا بعد انقضاء العدة فقد بانت منه و لا سبيل له عليها، و كذلك جميع من لا ذمة له

(1)

.

و ما رواه

في الكافي (2) عن يونس قال:

«الذمي تكون له المرأة الذمية فتسلم امرأته، قال: هي امرأته يكون عندها بالنهار، و لا يكون عندها بالليل، قال: فإن أسلم الرجل و لم تسلم المرأة يكون الرجل عندها بالليل و النهار».

و طعن السيد السند في شرح النافع في الروايتين الأولتين بضعف السند من حيث إرسال الاولى مع اشتمال سندها على علي بن حديد، و إرسال الثانية، حيث إن ابن أبي عمير قد رواها عن بعض أصحابه و هو مشعر باعترافه بصراحة دلالة الخبرين، و حينئذ فمن لا يرى العمل بهذا الاصطلاح المحدث يتحتم عليه العمل بالروايتين المذكورتين سيما مع تصريحه هو و غيره بقبول مرسلات ابن أبي عمير، و أنها في حكم المسانيد عندهم.

و قال المحدث الكاشاني في الوافي- بعد إيراد خبر محمد بن مسلم و ما قبله- ما لفظه: أفتى في التهذيبين بهذا الخبر في حكم أهل الذمة، و أول المقيد من الأخبار بانقضاء العدة فيهم بما إذا أخلوا بشرائط الذمة، و فيه بعد، بل هذا الخبر و ما قبله أولى بالتأويل مما تقدمها لمخالفتها قوله عز و جل

____________

(1)

و روى الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه عن أبيه عن جعفر عن أبيه (عليهم السلام)

في امرأة تسلم تحت نصراني، قال: هي امرأته ما لم يخرجها من دار الهجرة،.

و هذه الرواية في معنى مرسلة جميل المذكورة في الأصل و رواية محمد بن مسلم. (منه- (قدس سره)-).

(2) الكافي ج 5 ص 437 ح 8، الوسائل ج 14 ص 422 ح 8.

36

«وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا» (1) انتهى.

أقول: فيه (أولا) إن الأخبار المتضمنة للتقييد بانقضاء العدة بمعنى أنه لا يحكم بالبينونة إلا بعد انقضاء العدة ليست إلا رواية منصور بن حازم، و رواية السكوني، و ليس في شيء منهما ما يدل على أن الزوج كان ذميا بل هما مطلقتان بل رواية منصور ظاهرة في كون الزوج ليس من أهل الذمة، و رواية محمد بن مسلم المذكورة قد فصلت حكم الذمي و غيره، و مقتضى القاعدة حمل المجمل على المفصل و المطلق على المقيد.

و (ثانيا) ما استند إليه في الاستدلال على ما اختاره من جعل التأويل في جانب هذه الروايات الثلاثة من الآية المذكورة تبعا للأصحاب فيما استدلوا به في جملة من الأبواب بهذه الآية، مع أنه روى في تفسيره الصافي (2) عن الرضا (عليه السلام) ما يدل على أن المراد من السبيل إنما هو من حيث الحجة و الدليل لا الاستيلاء و الغلبة، فإن استيلاء الكفرة و الفراعنة على المؤمنين بل الأنبياء و الأئمة المعصومين (عليهم السلام) بالقتل و الإهانة أمر لا ينكر- كما صرح به (عليه السلام) في الخبر- و قد تقدم ذكرنا ذلك في غير موضع.

و بالجملة فإن قول الشيخ المذكور قوي لا أعرف له علة إلا ما يتخيل من ضعف أخباره، بناء على هذا الاصطلاح المحدث الذي هو إلى الفساد أقرب منه إلى الصلاح، و روايات المسألة التي استدل بها للقول المشهور مطلقة قابلة للتقييد بهذه الأخبار (3).

____________

(1) سورة النساء- آية 141.

(2) تفسير الصافي ج 1 ص 406.

(3) أقول: و غاية ما استدل به العلامة- للقول المشهور- الاية المذكورة المتضمنة لنفي السبيل من الكافرين على المؤمنين، و صحيحة البزنطي، و أنت خبير بما في الاستدلال بالآية كما ذكرنا في الأصل.

و أما الرواية فإنما عبر فيها عن الزوج بالرجل، و هو أعم من كونه ذميا أو غيره، فهو قابل في التقييد بما استدل به الشيخ من التفصيل، و مثلها أيضا رواية السكوني التي استدل بها ثمة، فإنها تضمنت لفظ «الزوج» و هو أعم أيضا.

و أما الرواية التي أشرنا إليها في تفسير الآية بأن المراد بالسبيل انما هو من طريق الحجة و الدليل فهي ما رواه

الصدوق في كتاب عيون الأخبار (عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)- ج 2 ص 204 ح 5 طبع النجف الأشرف) عن الرضا (عليه السلام) في حديث قال فيه:

و فيهم قوم يزعمون أن الحسين بن على (عليهما السلام) لم يقتل، و أنه القى شبهة على حنظلة بن أسعد الشامي، و أنه رفع الى السماء كما رفع عيسى بن مريم و يحتجون بهذه الآية

«وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا»

فقال: كذبوا، عليهم غضب الله و لعنته- الى أن قال- فأما قوله عز و جل

«وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا»

فإنه يقول لن يجعل الله لكافر على مؤمن حجة، و لقد أخبر الله عن كفار قتلوا نبيين بغير الحق و مع قتلهم إياهم لن يجعل الله لهم على أنبيائه- (عليهم السلام)-، سبيلا من طريق الحجة.

انتهى.

أقول: فإذا كان معنى الآية انما هو ما ذكره- (عليه السلام)-، فكيف يصح الاستدلال بها في أمثال هذه المقامات على هذه الأحكام، لكن يمكن العذر لأصحابنا من حيث عدم الوقوف على الخبر المذكور، و أما مثل المحدث الكاشاني- رحمة الله عليه- الذي ذكره في تفسيره الصافي (تفسير الصافي ج 1 ص 474 طبع بيروت نقلا عن العيون.) فكيف يسوغ معه الاستدلال به هنا تبعا للأصحاب، و الله العالم. (منه- (قدس سره)-).

37

قال السيد السند في شرح النافع: و العجب أن الشيخ في الخلاف وافق الجماعة على انفساخ النكاح بخروجها من العدة محتجا بإجماع الفرقة، مع اختياره لهذا القول في النهاية و كتابي الأخبار.

أقول: من يعرف حال الشيخ و طريقته في دعوى الإجماع و اختلاف أقواله و فتاويه في كتبه لا يتعجب منه، فإنه في بعض كتبه كالخلاف و المبسوط من رؤوس المجتهدين، و في بعض آخر كالنهاية و كتابي الأخبار من رؤوس الأخباريين و شتان ما بين الحالتين.

و قال في المسالك: و اعلم أنه على قول الشيخ بعدم بطلان النكاح في الذمي لا فرق بين كون إسلامها قبل الدخول و بعده لتناول الأدلة للحالتين، و ربما فهم من عبارة بعض الأصحاب اختصاص الخلاف بما لو كان الإسلام بعد الدخول و ليس كذلك.

انتهى و هو جيد.

تذنيب

لو انتقلت زوجة الذمي من دين الكفر الذي كانت عليه إلى دين آخر من أديان الكفر أيضا قالوا: وقع الفسخ في الحال، و إن عادت بعد ذلك إلى دينها، و ظاهره أن الدين الذي انتقلت إليه أعم من أن يقر أهله عليه أم لا، لعموم قوله تعالى «وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلٰامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ» (1) و قوله (صلى الله عليه و آله) (2) «من بدل دينه فاقتلوه» و حينئذ فيقع الفسخ بينهما في الحال لأنها لا تقر على ذلك، و إنما الحكم فيها القتل، أو الدخول في الإسلام، و على التقديرين ينفسخ النكاح بينهما و بين الذمي.

و أورد عليه أنه محل نظر من وجهين: (أحدهما) إن حكمنا على الذمي بذلك غير لازم لجواز انتقالها إلى دين يصح فيه التناكح في دينهم، فلا ينفسخ ما دامت حية، و على تقدير قتلها فالانفساخ من جهته لا من جهة الكفر.

(الثاني) إنه على تقدير الإسلام لا ينبغي إطلاق الحكم بالانفساخ بل يجيء فيه التفصيل السابق حتى لو كان بعد الدخول فوقف الانفساخ على انقضاء العدة قبل إسلامه، و لو كان انتقالها إلى دين يقر أهله عليه كما لو انتقلت اليهودية إلى النصرانية، فيبني على أنها هل تقر على ذلك أم لا؟ و على تقدير عدم إقرارها لو عادت إلى دينها هل تقر على ذلك كما كانت تقر ابتداء أم لا؟ خلاف، ذكر في بحث الجهاد. انتهى.

أقول: و حيث كانت المسألة عارية من النص، فالكلام فيها مشكل، إلا أن هذا خلاصة ما ذكروه في المقام.

____________

(1) سورة آل عمران- آية 85.

(2) في هامش الجامع الصغير ج 2 ص 101.

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

المسألة الثالثة: إذا أسلم الذمي على أكثر من أربع منكوحات

بالعقد الدائم من الحرائر و أمتين و حرتين فارق ما زاد على العدد المذكور، و لو كان عبدا استدام حرتين أو حرة و أمتين و فارق ما زاد، و استدل عليه في المسالك (1)

بأن النبي (صلى الله عليه و آله) قال لغيلان

«أمسك أربعا و فارق سائرهن».

حيث إنه أسلم و عنده ثمان نسوة فقال له النبي (صلى الله عليه و آله) ذلك.

أقول: الظاهر أن الخبر المذكور من أخبار العامة فإني لم أقف عليه في كتب أخبارنا، و الموجود فيها ما رواه

في الكافي و التهذيب (2) عن عقبة بن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام)

«في المجوسي أسلم و له سبع نسوة و أسلمن معه كيف يصنع؟ قال:

يمسك أربعا و يطلق ثلاثا».

إلا أن مورد هذه الرواية خارج عما نحن فيه لكونها متضمنة لاسلامهن معه، و محل البحث بقاء الزوجات على دينهن، نعم الرواية الأولى دالة بإطلاقها على ذلك، إلا أنك قد عرفت ما فيها، و الظاهر أن قوله في الرواية المذكورة «يطلق» من الإطلاق من باب الأفعال، أو يحتمل على التطليق اللغوي بمعنى التخلية و الترك، فإن المعلوم من كلام الأصحاب أنه ينفسخ عقد الزائد على من يختاره من الأربع و لا يتوقف على طلاق، إلا أني لم أقف لهم على نص فيه، و الخروج عن ظاهر الخبر بغير معارض مشكل.

و كيف كان فلا بد من تقييد هذا الحكم المذكور في صدر المسألة بقيود، منها تقييد الزوجات بكونهن كتابيات مثله ليصح استدامة نكاح العدد المعتبر لما تقدم في الموضع الثاني من سابق هذه المسألة من أن الخلاف في نكاح المسلم الكتابية إنما هو في الابتداء دون الاستدامة، فإن الجواز فيها موضع وفاق، و حينئذ فيجب تخصيص الزوجات بالذميات، فلو كن كافرات غير ذميات فلا بد

____________

(1) مستدرك الوسائل ج 2 ص 584 ب 4 ح 3.

(2) الكافي ج 5 ص 436 ح 7، التهذيب ج 7 ص 295 ح 74، الوسائل ج 14 ص 404 ح 1.

40

من مراعاة ما تقدم فيهن من أنه إن أسلمن معه في العدة إن كان بعد الدخول، أو مطلقا إن كان قبله، و إلا انفسخ نكاحهن بإسلامه لعدم جواز تزويج المسلم الكافرة الغير الكتابية.

و منها أنه يجب تقييدهن بكونهن ممن يجوز نكاحهن في دين الإسلام كما نبه عليه بعض الأعلام و هو واضح.

و منها أن تخيير الحر أمتين و حرتين كما تقدم مبني على جواز نكاح الأمة بدون الشرطين، و حينئذ اعتبرنا الشرطين في جواز نكاح الأمة كما هو أحد القولين احتمل انفساخ النكاح ههنا إذا جامعت حرة لفوات الشرط، و يحتمل عدم الانفساخ بناء على أن اعتبار الشرطين إنما هو بالنسبة إلى ابتداء النكاح لا في استدامته، و إلى هذا مال في التذكرة و نسبه إلى علمائنا و استوجهه في المسالك، قالوا: و لا فرق في جواز اختياره لمن شاء منهن على تقدير زيادتهن على العدد الشرعي بين من ترتب عقدهن أو اقترن، و لا بين الأوائل و الأواخر، و لا بين من دخل بهن و غيرهن.

و ظاهر العلامة في التذكرة أن ذلك موضع وفاق بين علمائنا حيث إنه إنما نقل الخلاف في ذلك عن بعض العامة (1) و استدل على هذا الحكم بحديث غيلان المتقدم من حيث إن عدم الاستفصال فيه يفيد العموم. قال في شرح النافع: و في السند و الدلالة نظر، و لا فرق عندهم في هذا الحكم بين ما لو أسلم بعض تلك الزوجات و عدمه، فإن التخيير باق حتى لو كان عنده ثمان فأسلم معه أربع منهن لم يمنع ذلك من اختيار الكتابيات، لأن الإسلام لا يمنع الاستمرار على نكاح الكتابية و لا يوجب تحتم نكاح المسلمة. نعم الأولى و الأفضل اختيار المسلمات لشرف المسلمة

____________

(1) أقول: الخلاف المنقول عن بعض العامة هنا هو أنه إذا تزوجهن في عقد واحد اندفع نكاح الجميع و ان كان في عقود مترتبة لزمه الأربع الأوائل، و أصحابنا لم يعتدوا به. (منه- (قدس سره)-).

41

على الكافرة، إلا أنه قد تقدمت الإشارة إلى أنا لم نقف لهم على نص يدل على ما ذكروه من هذه الدعوى، و ليس إلا ما ينقل من اتفاقهم على ذلك كما تقدم في آخر الموضع الثاني من سابق هذه المسألة، ثم إن من أراد فراقها لا يخلو إما أن يكون قد دخل بها أم لا، و على الثاني فلا مهر لها، و على الأول فالمسمى إن كان، على قول، و قواه في المسالك، و قيل يثبت لها مهر المثل لفساد نكاح ما زاد على العدد فيكون كوطئ الشبهة.

تذنيبان

الأول [فيما رواه الصدوق في إباق العبد]

روى الصدوق في الفقيه و الشيخ في التهذيب (1) في الموثق عن عمار الساباطي قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أذن لعبده في تزويج امرأة حرة فتزوجها، ثم إن العبد أبق من مواليه فجاءت امرأة العبد تطلب نفقتها من مولى العبد فقال: ليس لها على مولى العبد نفقة و قد بانت عصمتها منه، لأن إباق العبد طلاق امرأته، و هو بمنزلة المرتد عن الإسلام، قلت: فإن هو رجع إلى مولاه أ ترجع امرأته إليه؟ قال: إن كانت انقضت عدتها منه ثم تزوجت زوجا غيره فلا سبيل له عليها، و إن كانت لم تتزوج «و لم تنقض العدة» فهي امرأته على النكاح الأول».

هكذا في رواية الشيخ، الخبر.

و في رواية الصدوق له هكذا «و إن كانت لم تتزوج فهي امرأته على النكاح الأول» و لفظ «و لم تنقض العدة» غير مذكور في البين، و ظاهر رواية الصدوق أنها من انقضاء العدة تبقى على نكاحها ما لم تتزوج، و أما على رواية الشيخ فهو مسكوت عنه، و القول بمضمون هذه الرواية منقول عن الشيخ في النهاية و ابن حمزة إلا أن ابن حمزة قيده بكون الزوجة أمة غير سيدة، و تزوجها بإذن السيد ثم

____________

(1) الفقيه ج 3 ص 288 ح 16، التهذيب ج 8 ص 207 ح 37 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 402 ح 1.

42

أبق، و علل الحكم مع الرواية بأن الارتداد خروج العبد عن طاعة السيد، و هذا المعنى حاصل في الإباق، فإنه كما يجب على المكلف الحر طاعة الله كذلك يجب على العبد طاعة سيده، فيتجه الحكم مع اتحاد علته، و رد بأن طريق الرواية ضعيف، و في التعليل فساد، لمنع كون الارتداد خروج العبد عن طاعة سيده مطلقا، بل خروجه عن طاعة الله معتقدا عدم وجوب الطاعة و ما في معنى ذلك، و الإباق ليس كذلك، و إلا لزم قتل الآبق كما يقتل المرتد.

قال في المسالك بعد ذكر ذلك: و الحق بقاء الزوجية و وجوب النفقة على مولاه لعدم دليل صالح يخرجها عن الأصل، انتهى. و قال سبطه السيد السند في شرح النافع بعد ذكر الرواية: و نقل قول الشيخ و ابن حمزة بذلك و المعتمد بقاء الزوجية إلى أن تقع البينونة بطلاق أو غيره، لأن هذه الرواية لا تبلغ حجة في إثبات هذا الحكم، انتهى.

أقول: و الحكم في هذا المقام لا يخلو من شوب الاشكال لخروج هذه الرواية على خلاف القواعد المقررة و الضوابط المعتبرة المستفادة من الأخبار المتكاثرة، و إمكان تخصيص تلك القواعد بهذا الخبر و العمل بمضمونه في هذا الفرد كما تقدم نظائر ذلك في مواضع عديدة، و الله العالم.

الثاني [في أنه ليس للمسلم إجبار زوجته الذمية على الغسل من الحدث الأكبر]

قد صرح جملة من الأصحاب- (رضوان الله عليهم)- بأنه ليس للمسلم إجبار زوجته الذمية على الغسل من حيض كان أو جنابة، لأن ذلك حق الله عز و جل، لا حق الزوج، و الحال أنها قد أقرت على دينها شرعا فليس له اعتراضها هذا إن قلنا بجواز الوطي قبل الغسل من الحيض، و لو قلنا بالتحريم كما هو أحد القولين أوجبنا عليها ذلك، فللزوج إجبارها على ذلك لتوقف الاستمتاع الذي هو حقه عليه، و إن كان الذي يجبر عليه إنما هو صورة الغسل مع النية، لأن الغسل و كذا غيره من العبادات لا يصح منها حال الكفر.

قالوا: و له إجبارها أيضا على كل ما ينقض الاستمتاع بدون فعله، و إزالة

43

كل ما ينقصه بقاؤه كالوسخ الكثير و النتن الغالب، و طول الأظفار و شعر الإبط و العانة، و شرب الخمر المؤدي إلى الإسكار، لأن السكر مانع من تمام الاستمتاع، و كذا أكل لحم الخنزير و مباشرة النجاسات المنفرة للنفس، و لا فرق بين قليل السكر و كثيره، لاختلاف الناس في مقدار ما يسكر، فربما أسكر القليل منه فينافي المقصود، لكن قيل: بأنه يشكل هذا الإطلاق بنحو تناول القطرات اليسيرة التي يعلم قطعا عدم إسكارها، و كذلك إطلاق منعها من استعمال النجاسات إنما يتم على تقدير إيجابه نفرة، أو على القول بطهارة بدنها كما يعتبره العامة هنا، أما على قول أصحابنا من نجاستها بدونه، فلا يظهر وجه المنع من مباشرتها لها مطلقا بل من حيث إنها تنافي الاستمتاع و توجب نفرة الطبع، و مثل هذا لا يختص بالكافرة بل تشاركها فيه المسلمة، حتى أن له منعها من تناول كل ذي رائحة خبيثة توجب ذلك كالثوم و البصل، و كذا له منعها من الخروج إلى البيع و الكنائس و غيرها لمنافاته الاستمتاع الواجب عليها في كل وقت، كما له منع المسلمة من الخروج إلى المساجد و نحوها من بيوت الأقارب و الجيران، فإن هذا الحكم يشترك بين الزوجات مطلقا، و لا فرق بين الشابة و المسنة و إن كان المنع في حق الشابة أقوى خوفا من الفتنة، و الله العالم.

البحث الثاني: في كيفية الاختيار:

قالوا: و هو إما بالقول أو بالفعل، و الأول إما بالتصريح أو الكناية.

أما (الأول) فهو كل ما دل من الألفاظ على الإمساك للنكاح، مثل اخترت نكاحك، أو اخترت تقرير نكاحك، أو اخترت بقاءك على النكاح، و نحو ذلك، و في اخترتك و أمسكتك مطلقا إشكال من حيث عدم النكاح، و عده في الشرائع من الألفاظ الدالة على ذلك.

و أما (الثاني) و هو ما يدل بالكناية، فهو ما يدل عليه اللفظ بالالتزام كما

44

لو كان عنده ثمان نسوة فاختار أربعا للفسخ فإنه يلزم نكاح الأربع الباقيات، و إن لم يتلفظ في حقهن بشيء، فإن الشارع قد جعل له الخيار في أن يفسخ عقد من شاء، فإذا اختار فسخ نكاح أربع ثبت عقد البواقي بدون لفظ يدل على الاختيار، بل لا مجال للاختيار هنا بعد خروج أولئك بالفسخ.

و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك عد لفظ «اخترتك» و «أمسكتك» في هذا القسم لما قلناه من عدم التصريح بإرادة الإمساك للنكاح و الاختيار له.

و أما (الثالث) و هو الاختيار بالفعل فمثل أن يطأ، فإن ظاهر ذلك أنه لا يطأ إلا من يختار نكاحها لدلالته على الرغبة فيها، عملا بحمل أفعال المسلم على الصحة و صيانته عن الزنا، و لهذا عد ذلك رجوعا في الطلاق، و فسخا على تقدير الخيار للبائع، و على هذا لو وطأ أربعا ثبت عقدهن، و اندفع البواقي. و يظهر من جماعة من الأصحاب عدم الخلاف في ذلك عندنا.

أقول: الأظهر أن يقال: إنه إن اقترن ذلك بالقصد إلى الاختيار فما ذكروه في محله، و إلا فهو محل إشكال، لأن الاختيار الذي به يتحقق بقاء نكاح من يختارهن إنما هو عبارة عن القصد و اللفظ، و الفعل إنما جعل موجبا لذلك، لأنه دال عليه و مبني عنه، و حينئذ فإطلاق القول يكون مجرد الوطي اختيارا بالفعل كما ذكروه لا يخلو من إشكال.

ثم إنهم قالوا: لو لمس أو قبل بشهوة فإنه يمكن أن يكون اختيارا، بتقريب ما ذكر في الوطي من حيث الدلالة على الرغبة، و صيانة حال المسلم، فإنه قائم في الموضعين، و حينئذ فيدلان على الاختيار، كما أنهما يدلان على الرجعة لا بطريق القياس عليها بل المراد تشبيه الاختيار بالرجعة لتقاربها في المعنى، و يمكن أن لا يكون ذلك اختيارا من حيث إنهما أضعف دلالة من الوطي، و الاحتمال فيهما يتطرق من حيث إنهما قد يوجدان في الأجنبية.

أقول: و الأظهر أن يقال هنا ما قدمناه أيضا من أنه إن اقترن ذلك بالقصد

45

إلى الاختيار، فالظاهر أنه موجب للاختيار، و إلا فهو محل إشكال.

تتمة [في دلالة بعض الألفاظ على الاختيار]

قد صرحوا بأن من جملة الألفاظ الدالة على الاختيار الطلاق، لواحدة أو أزيد، لأن الطلاق موضوع لازالة قيد النكاح، فلا تواجه به إلا الزوجة، فإذا خاطب واحدة منهن به كان ذلك دليلا على اختيارها زوجة أو لا، ثم يقع بها الطلاق إن حصلت شرائطه، و ينقطع نكاح الأربع المطلقات بالطلاق، و يندفع نكاح الباقيات بالشرع، و الأصل في ذلك أن الاختيار ليس باللفظ، بل بالقصد، و اللفظ وضع دالا عليه، و الطلاق يدل على إرادة النكاح كما قررناه.

أما لفظ الظهار و الإيلاء فليس كذلك على المشهور، إذ لا دلالة فيهما على الاختيار، و هو وجه الفرق بينهما و بين الطلاق.

و توضيحه: إن الظهار وصف بتحريم المرأة المواجهة به، و الإيلاء حلف على الامتناع من وطئها و كل منهما بالأجنبية أليق منه بالزوجة، غاية الأمر أن الظهار إذا خوطبت به الزوجة ترتب عليه أحكام مخصوصة، و إذا خوطبت به الأجنبية لم تترتب عليه الأحكام، و كان قولا صحيحا بالنسبة إليها، و في الإيلاء لو حلف على الامتناع من وطئ الأجنبية فتزوجها و وطأها كان عليه الكفارة، و كذلك بالزوجة مع زيادة أحكام أخر.

و الحاصل: إن نفس المخاطبة بهما لا تستلزم الزوجية، فلا يكون أحدهما اختيارا، بخلاف الطلاق فإنه رافع للنكاح، و النكاح جزء مفهومه، أو لازمه لزوما بينا، فإثباته يستلزم إثباته.

و نقل عن الشيخ إن كل واحدة من الظهار و الإيلاء يكون تعيينا للنكاح كالطلاق، لأنهما تصرفان مخصوصان بالنكاح، فأشبها لفظ الطلاق، كذا أفاده شيخنا- (قدس سره)- في المسالك، و عندي في أصل الحكم المذكور توقف لعدم

46

النص بما ذكروه، فإثبات الأحكام الشرعية بأمثال هذه التقريبات العقلية عندي محل إشكال.

و لم أقف في هذا الباب إلا على خبر عقبة بن خالد المتقدم (1)، و غاية ما يدل عليه أنه يمسك أربعا و يطلق ثلاثا، و المتبادر من الإمساك هو القصد إلى اختيار بقاء أربع معينات من تلك السبع و المفارقة للباقين.

على أنك قد عرفت دلالة ظاهر الخبر المذكور على توقف فسخ نكاح من لا يريدهن على الطلاق، و إن كانوا لا يقولون به، إلا أن الخبر كما عرفت لا معارض له إلا مجرد شهرة الحكم بينهم بما قالوه.

و بالجملة فالخروج عما ظاهرهم الاتفاق عليه مشكل، و الخروج عن ظاهر الأخبار بذلك أشكل، و الله العالم.

البحث الثالث في اللواحق:

و هي مسائل مترتبة على اختلاف الدين

[المسألة] الأولى: إذا تزوج الكافر امرأة و بنتها ثم أسلم

، فلا يخلو إما أن يكون قد دخل بهما معا، أو لم يدخل بواحدة منهما، أو دخل بالأم دون البنت، أو بالعكس، فههنا صور أربع.

الاولى: أن يكون قد دخل بهما

، فيحرمان عليه معا، أما الأم فللعقد على البنت فضلا عن الدخول بها، و أما البنت فللدخول بالأم، و على هذا فيسقط الاختيار لتحريم كل منهما عليه كما عرفت.

الثانية: أن يدخل بالأم خاصة

، و هو موجب لتحريمهما معا أيضا، أما البنت فللدخول بالأم، و أما الأم فللعقد على البنت كما عرفت في سابق هذه الصورة.

الثالثة: أن يدخل بالبنت خاصة

، و حينئذ تحرم الأم خاصة للعقد على البنت فضلا عن الدخول المفروض هنا، و أما البنت فنكاحها صحيح لا موجب لتحريمها

____________

(1) الكافي ج 5 ص 436 ح 7، التهذيب ج 7 ص 295 ح 74، الوسائل ج 14 ص 404 ح 1.

47

لأن مجرد العقد على الام لا يحرمها، و إنما يحرمها الدخول مع ذلك.

الرابعة: أن لا يدخل بواحدة منهما

، و فيها قولان:

(أحدهما) و هو المشهور بين المتأخرين أن هذه الصورة كسابقتها في أنها تحرم عليه الأم خاصة، و يبطل عقدها للعقد على البنت، فإنه موجب لتحريم الام و إن لم يقترن به دخول، و أما البنت فيلزم نكاحها لعدم الموجب لبطلانه، لأن نكاح الكفر صحيح، و من ثم يتخير أربعا لو أسلم على أزيد منهن، و يصح نكاحهن بغير تجديد عقد آخر.

و (ثانيهما) و هو المنقول عن الشيخ- (رحمه الله)- القول بأن له اختيار أيتهما شاء بناء على أن عقد المشرك لا يحكم صحته إلا بانضمام الاختيار في حال الإسلام، و إلا فهو في حد ذاته باطل بدون ذلك، فإنه لو تزوج بعشر و اختار منهن أربعا لم يكن للبواقي مهر و لا نفقة و لا متعة، بل هن بمنزلة من لم يقع عليهن عقد، و لأنه لو أسلم على أختين قد تزوجهما دفعة تخير أيتهما شاء، و لو كان العقد الذي صدر حال الكفر صحيحا لزم بطلانه كالمسلم، و ليس له الاختيار، و على هذا فإن اختار نكاح البنت استقر نكاحها و حرمت الأم مؤبدا، و إن اختار نكاح الام لم تحرم البنت بدون الدخول.

و أجيب بأن ما ذكر من سقوط المهر و النفقة لا يدل على بطلان العقد، بل الوجه فيه أنه فسخ جاء لا من قبل الزوج، و لأن العقد لو لم يكن صحيحا لم يكن، لانضمام الاختيار أثر في صحته، كما في كل عقد باطل.

هذا ما ذكروه- نور الله تعالى مراقدهم- في هذا المقام، و لم أقف على نص في ذلك عنهم (عليهم السلام) و أنت خبير بان الظاهر أن الكلام في هذه المسألة مبني على ما هو المشهور بينهم، و كذا بين العامة، بل الظاهر اتفاق الجميع عليه حيث لم ينقلوا الخلاف فيه إلا عن أبي حنيفة من أن الكافر مكلف بالفروع، و الخطابات الشرعية متوجهة إليه كما تتوجه إلى المسلم، و إن كان قبول ذلك و صحته منه

48

موقوفا على الإسلام، و حينئذ فما دل من الأخبار على تحريم الام بالعقد على البنت أو الدخول بها، و كذا ما دل على تحريم البنت بالدخول بالأم دون مجرد العقد عليها، و نحو ذلك شامل للكافر كالمسلم فيؤخذ به بعد الإسلام و يحكم عليه بذلك.

و أما على ما يظهر من جملة من الأخبار من أن الخطابات الشرعية و التكاليف الفرعية لا تتناول الكافر في حال كفره، بل هي مختصة بالمسلم، و إنما يخاطب بها و يكلف بأحكامها بعد الإقرار بالإسلام، فمن الجائز أن يقال: إن جميع ما فعله في حال كفره من العقد و التزويج بكل من كان و كيف كان و على أي نحو كان لا يترتب عليه أثر و لا حكم بالنظر إلى شريعتنا، و إنما يترتب على أحكام شريعتهم و ملتهم.

نعم متى دخل في الإسلام تعلقت به التكاليف الإسلامية، و توجهت إليه الخطابات الشرعية، و حينئذ فإذا أسلم على امرأة و بنتها قد تزوجهما في حال الكفر لم ينظر فيما فعله في حال الكفر من دخول أو عدمه أو نحو ذلك مما رفعوه و ذكروه، بل الواجب التفريق بينه و بينهما، حيث إن ذلك غير جائز في شريعة الإسلام.

بقي الكلام في جواز اختيار إحداهما و عدمه، و المسألة غير منصوصة كما عرفت، إلا أنه بالنظر إلى ما ورد في إسلام الكافر على أزيد من أربع أنه يختار أربعا و يفارق الباقي (1) يمكن القول هنا بذلك، لأن الجميع من باب واحد فيختار إحداهما حينئذ، و يثبت نكاحها بالاختيار، و ينفسخ نكاح الثانية.

و من الأخبار المشار إليها ما رواه

ثقة الإسلام في الكافي (2) في الصحيح عن

____________

(1) الكافي ج 5 ص 436 ح 7، التهذيب ج 7 ص 295 ح 74 الوسائل ج 14 ص 404 ح 1.

(2) الكافي ج 1 ص 180 ح 3.

49

زرارة قال:

«قلت لأبي جعفر (عليه السلام) أخبرني عن معرفة الإمام منكم واجبة على جميع الخلق؟ فقال: «إن الله عز و جل بعث محمدا (صلى الله عليه و آله) إلى الناس أجمعين رسولا و حجة لله على جميع خلقه في أرضه، فمن آمن بالله و بمحمد رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و اتبعه و صدقه، فإن معرفة الإمام منا واجبة عليه، و من لم يؤمن بالله و برسوله و لم يتبعه و لم يصدقه و يعرف حقهما، فكيف يجب عليه معرفة الامام و هو لا يؤمن بالله و رسوله و يعرف حقهما» الحديث.

و الحديث صحيح صريح في المدعى، و التقريب فيه أنه إذا لم يجب عليه معرفة الإمام الحامل للشريعة و المستودع أحكامها فبطريق الأولى لا يجب على القيام بتلك الأحكام و لا تعرفها و لا الفحص عنها التي هي لا تؤخذ إلا منه، و هذا بحمد الله سبحانه واضح لا خفاء عليه.

و ما رواه

الثقة الجليل علي بن إبراهيم القمي في تفسيره (1) عن الصادق (عليه السلام)

في تفسير قوله تعالى

«وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لٰا يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كٰافِرُونَ» (2)

قال (عليه السلام): أ ترى أن الله تعالى طلب من المشركين زكاة أموالهم و هم مشركون به، حيث قال:

وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لٰا يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كٰافِرُونَ

، إنما دعا العباد إلى الايمان، فإذا آمنوا بالله و رسوله افترض عليهم الفرض».

و ما رواه

في كتاب الاحتجاج (3) في حديث الزنديق الذي جاء إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) مستدلا بآي من القرآن على تناقضه و اختلافه، حيث قال (عليه السلام)

«فكان أول ما قيدهم به الإقرار بالوحدانية و الربوبية و الشهادة أن لا إله إلا الله، فلما أقروا بذلك تلاه بالإقرار لنبيه (صلى الله عليه و آله) بالنبوة، و الشهادة بالرسالة، فلما انقادوا لذلك

____________

(1) تفسير على بن إبراهيم ج 2 ص 262.

(2) سورة فصلت- آية 6 و 7.

(3) الاحتجاج ص 128 طبعة سنة 1302.

50

فرض عليهم الصلاة ثم الصوم ثم الحج» الحديث.

و لم أر من تنبه لما ذكرناه في هذا المقام و لا حام حوله من العلماء الأعلام إلا المحدثين الأمين الأسترآبادي في كتابه الفوائد المدينة، و المحسن الكاشاني في كتابه الوافي و تفسيره الصافي، فقال في الأول بعد نقل الخبر الأول: و في هذا الحديث دلالة على أن الكفار ليسوا مكلفين بشرائع الإسلام كما هو الحق، خلافا لما اشتهر بين متأخري أصحابنا.

و قال في الثاني بعد نقل الخبر الثاني: هذا الحديث يدل على ما هو التحقيق عندي من أن الكفار غير مكلفين بالأحكام الشرعية ما داموا باقين على الكفر، انتهى.

و نحن قد بسطنا الكلام في هذا المقام بما لا يحوم حوله نقض و لا إبرام في كتابنا الدرة النجفية من الملتقطات اليوسفية، و تقدم نبذة منه في الجلد الأول من كتاب الطهارة في باب غسل الجنابة (1) و أوردنا جملة من الأدلة العقلية و النقلية زيادة على ما ذكرناه، و أبطلنا ما استدل به للقول المشهور بما هو واضح الظهور فليرجع إليه من أحب الوقوف عليه.

و بالجملة فإنه لو قام لهم دليل في هذا المقام على ما ذكروه من هذه الأحكام من الأخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) لوجب علينا الانقياد، و جذب أعنة الأقلام من هذا الكلام، و حيث لا دليل فالمانع مستظهر، كما هو ظاهر لذوي الأفهام و إن كان هذا يكبر في صدور الآلفين بتقليد المشهورات، و لا سيما إذا زخرفت بالإجماعات، و الله الهادي لمن يشاء.

تذنيبات

الأول [لو أسلم من أمة و بنتها]

قالوا بناء على ما تقدم: لو أسلم من أمة و بنتها و هما مملوكتان له، فإن كان قد وطأهما حرمتها معا، و إن كان وطأ إحداهما حرمت الأخرى،

____________

(1) ج 3 ص 39.

51

و إن لم يكن وطئ واحدة منهما تخير، و علل الحكم الأول بأن وطئ كل من الام و البنت يحرم الأخرى سواء وقع بعقد أو ملك أو شبهة.

و علل الثاني بأنها أم امرأة مدخول بها أو بنتها، و كلتاهما محرم، و أما المدخول بها أيتهما كانت، فإنه يستقر حل وطئها إذ لا موجب لتحريمها.

و علل الثالث بما تقدم في المسلم إذا تزوج الأختين دفعة أو ملكهما فإنه يتخير لنكاح أيتهما شاء، و قد تقدم الكلام في ذلك.

الثاني [لو أسلم عن أختين]

قالوا: لو أسلم عن أختين تخير أيتهما شاء و إن كان قد وطأها، بخبر فيروز الديلمي (1) حيث أسلم عن أختين فخيره النبي (صلى الله عليه و آله) في إمساك أي الأختين شاء، و وطئهما لا دخل له في التحريم هنا، إذ ليستا مثل الام و البنت و يصير حكم غير المختارة حكم الزائد على العدد الشرعي.

الثالث: لو أسلم عن عمة و بنت أخيها، أو خالة و بنت أختها

فإن رضيت العمة أو الخالة بالجمع بينها و بين بنت أخيها أو بنت أختها فلا بحث، و إن اختارتا عدم الجمع تخير بين العمة و بنت أخيها و الخالة و بنت أختها فكل من اختارها صح نكاحها و بطل نكاح الأخرى كما في الأختين، و لو أسلم عن حرة و أمة، فإن رضيت الحرة بالجمع فلا إشكال، و إلا انفسخ عقد الأمة و بقيت الحرة وحدها، ثم أنه على تقدير رضى الحرة بالجمع فعند الأصحاب أنه لا يبنى على القول بجواز نكاح الأمة بدون الشرطين بل هو جاز على القولين، لأن محل الخلاف كما تقدمت الإشارة إليه إنما هو في ابتداء نكاح الأمة لا في استدامته، و يجوز في الاستدامة ما لا يجوز في الابتداء، كما أنه ليس له العقد على الكتابية على القول به، و له استدامته على هذا القول، و لا فرق في رضى العمة أو الخالة أو الحرة بالجمع بين كونه في حال الكفر أو حال الإسلام، فلو رضين في حال الكفر فليس لهن الرجوع عنه بعد الإسلام تمسكا بالاستصحاب و لأن نكاح الكفر صحيح، فإذا

____________

(1) سنن البيهقي ج 7 ص 184.

52

وقع مستجمعا للأمور المعتبرة في شرع الإسلام كان لازما.

هذا ما صرحوا به- نور الله تعالى مراقدهم- في المقام، و هو كما عرفت فيما تقدم خال عن الروايات الدالة على شيء من هذه الأحكام، و لا ريب أن هذه الفروع كلها- ما ذكر و ما يأتي، و كذا ما تقدم في الكتب السابقة كما تقدمت الإشارة إليه- إنما أخذت الأصحاب من كتب المخالفين لعدم وجود أمثال هذه التفريعات في كتب أصحابنا المتقدمين حيث إنها مقصورة على مجرد نقل الأخبار.

نعم ربما أمكن ارتباط بعضها بالأدلة العامة، و ربما وجد نص في بعضها، و ما ذكرناه من البحث سابقا يمكن تطرقه إلى بعض هذه المواضع أيضا.

و بالجملة فالوقوف على جادة الاحتياط فيما لا دليل واضح عليه طريق السلامة، و حيث كان بقية مسائل هذا البحث من هذا القبيل ضربنا صفحا عن ذكرها، و طوينا كشحا عن نشرها، لعدم الأدلة الواضحة فيما ذكروه فيها من الأحكام سيما مع كونها مما لا وقوع لها بين الأنام في جملة من الأيام و الأعوام، و رأينا التشاغل بغيرها مما هو أهم و نفعه أعم أولى بالمسارعة إليه لدى الملك العلام، و الله العالم.

مسائل من لواحق العقد

قد حصلت الغفلة عن ذكرها ثمة، فذكرناها في آخر هذا الفصل.

[المسألة] الاولى [في اشتراط الكفاءة في صحة النكاح و حكم نكاح المخالف]

لا خلاف بين الأصحاب- (رضوان الله عليهم)- في اشتراط الكفاءة في صحة النكاح، و هي لغة التساوي و المماثلة، من قولهم تكافأ القوم أي تماثلوا، و شرعا التساوي في الايمان على المشهور، و قيل: إنها عبارة عن التساوي في الإسلام و هو اختيار المحقق في كتابيه، و الشهيد الثاني في المسالك، و المحدث الكاشاني في المفاتيح، و نقل في المسالك عن الشيخ المفيد و ابن حمزة قال: للإجماع على اعتباره و عدم الدليل الصالح لاعتبار غيره، ثم قال: و وافقهم ابن الجنيد في غيره من تحرم عليه الصدقة.

أقول: لا بد قبل الخوض في البحث من تقديم مقدمة في المقام، ليتضح بها