كشف اللثام و الإبهام عن قواعد الأحكام - ج7

- الفاضل الهندي المزيد...
614 /
5

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

[كتاب النكاح]

كتاب النكاح و هو في اللغة الوطء على الأشهر، و حكى الإجماع عليه في المختلف (1) و إنّما يطلق على العقد إطلاقا لاسم المسبّب على السبب. قيل: أصله الالتقاء، يقال:

تناكح الجبلان إذا التقيا.

قال الفرّاء: نكح المرأة- بالضمّ- بضعها، و هو كناية عن فرجها، فإذا قالوا:

نكحها، فمعناه: أصاب نكحها.

و قيل: لزوم الشيء للشيء راكبا عليه. و قيل: أصله الضمّ.

و في المعرب و المغرب: أنّه في الضمّ مجاز من تسمية المسبّب باسم السبب، و قيل: أصله العقد. و إطلاقه على الوطء إطلاق لاسم السبب على المسبّب.

قال الراغب: و محال أن يكون في الأصل للجماع ثمّ أستعير للعقد، لأنّ أسماء الجماع كلّها كنايات لاستقباحهم ذكره كاستقباح تعاطيه، و محال أن يستعير من لا يقصد فحشا اسم ما يستفظعونه لما يستحسنونه.

و عن أبي القاسم الزجاجي أنّه مشترك بينهما.

و عن ابن جنّي قال: سألت أبا علي الفارسي عن قولهم: نكحها، فقال: فرّقت العرب فرقا لطيفا يعرف به موضوع العقد من الوطء، فإذا قالوا: نكح فلانة أو بنت

____________

(1) مختلف الشيعة: كتاب النكاح ج 7 ص 35.

6

فلان أو أخته أرادوا تزوّجها و عقد عليها، فإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجه (1) لم يريدوا إلّا المجامعة، لأنّه بذكر «امرأته» و «زوجه» تستغني عن العقد.

و قال الفيّومي في المصباح: يقال: مأخوذ من «نكحه الدواء» إذا خامره و غلبه، أو من «تناكحت الأشجار» إذا انضم بعضها إلى بعض، أو من «نكح المطر الأرض» إذا اختلط بثراها. و على هذا فيكون النكاح مجازا في العقد و الوطء جميعا، لأنّه مأخوذ من غيره، فلا يستقيم القول بأنّه حقيقة لا فيهما و لا في أحدهما. و يؤيّده أنّه لا يفهم العقد إلّا بقرينة نحو «نكح في بني فلان» و لا يفهم الوطء إلّا بقرينة نحو «نكح زوجته» و ذلك من علامات المجاز، و إن قيل: غير مأخوذ من شيء فيترجّح الاشتراك، لأنّه لا يفهم واحد من قسميه إلّا بقرينة انتهى.

و فيه: أنّ من قال بالأخذ فإنّما يقول بكونه حقيقة في عرف اللغة فيهما أو في أحدهما، و هو لا ينافي التجوّز باعتبار أصله، على أنّ لزوم التجوّز إنّما يسلّم إن لم يطلق على الوطء من جهة كونه ضمّا و اختلاطا و مخامرة و غلبة، و هو ممنوع.

ثمّ المجاز خير من الاشتراك، و افتقار كلّ من المعنيين إلى القرينة ممنوع و إن لم يتجرّد عنها غالبا، فقد ورد في القرآن و غيره مجرّدا عنها.

و في الشرع حقيقة في العقد على الأشهر، و نفى ابن إدريس عنه الخلاف (2) لصحّة النفي، فيقال: هذا سفاح و ليس بنكاح، و للغلبة، حتّى قيل: إنّه لم يرد في القرآن إلّا بمعنى العقد (3) إلّا قوله تعالى «حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ» (4).

و الحقّ أنّه فيها أيضا بمعنى العقد، إذ لم يعهد «نكحت» بمعنى «وطئت» اللّهم إلّا أن يجعل بمعنى التقت أو ضمّت أو اختلطت، و يزداد قوّة إذا كان في اللغة أيضا بمعناه، لأصالة عدم النقل.

و قيل: حقيقة في الوطء لكونه حقيقة فيه لغة، و الأصل عدم النقل. و قيل

____________

(1) في ن: زوجها.

(2) السرائر: ج 2 ص 524.

(3) الكشاف: ج 3 ص 212.

(4) البقرة: 230.

7

بالاشتراك لاستعماله فيهما، و الأصل فيه الحقيقة، و لقوله تعالى «وَ لٰا تَنْكِحُوا مٰا نَكَحَ آبٰاؤُكُمْ» (1) لدخول العقد و الوطء فيه.

و فيه: أنّه كما يجوز استعمال اللفظ في معنيين له حقيقيتين كذا يجوز فيما أحدهما مجاز، بل هو أولى، لثبوت عموم المجاز اتفاقا.

و عرّفه فخر الإسلام بأنّه: عقد لفظيّ مملّك للوطء ابتداء (2). و احترز بالقيد الأخير من نحو شراء الأمة، فإنّه يملك الوطء تبعا لملك الرقبة.

و فيه خمسة أبواب:

____________

(1) النساء: 22.

(2) إيضاح الفوائد: ج 3 ص 2.

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

..........

[الباب الأول في المقدمات]

[الباب] الأوّل في المقدمات أي: ما تقدّم أمام المقصود من الكتاب لمجرّد الارتباط من غير اعتبار لتوقّفه عليه و هي سبعة مباحث:

[المبحث الأول]

الأوّل النكاح مشروع بإجماع المسلمين، غير واجب عند الأكثر، للأصل.

و عن داود وجوبه على من وجد الطول، كذا في الخلاف (1) و في التذكرة: على من وجد الطول و خشي العنت (2) و هو عين ما اختاره هنا، إلّا أن يريد بالعنت المشقّة لا الوقوع في الزنا.

و مستحبّ للنصوص من الكتاب و السنّة مطلقا، للعموم، و لم يستحبّه الشيخ في المبسوط لغير المشتهي (3) لقوله تعالى «وَ سَيِّداً وَ حَصُوراً» (4) و هو لكونه في يحيى (عليه السلام) لا يصلح مخصّصا، مع أنّ الحصور من لا يشتهي النساء، و المدح به لا يستلزم المدح بترك التزويج.

و كرهه ابن حمزة لمن لا يشتهي و لا يقدر، و أجازه من غير استحباب و لا كراهة لمن يشتهي و لا يقدر أو بالعكس (5).

____________

(1) الخلاف: ج 4 ص 245 المسألة 2.

(2) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 565 س 7.

(3) المبسوط: ج 4 ص 160.

(4) آل عمران: 39.

(5) الوسيلة: ص 289.

10

و لا شبهة في أنّه ربّما عارض جهة استحبابه ما يكرهه أو يزيل استحبابه أو يحرّمه، فيحتمل أن يكون هو الذي لحظه ابن حمزة.

و يتأكّد استحبابا أو استحبابه في القادر مع شدّة طلبه و لعلّ المراد أنّه فيه آكد لا نفي التأكّد عن غيره، و إلّا فالنصوص ناطقة بتأكّده مطلقا (1).

و قد يجب إذا خشي الوقوع في الزنا سواء الرجل و المرأة و ذلك إذا قدر و لم يقدر على التسرّي و لا خشي من التزوّج محذورا أقوى ممّا يلزم من تركه أو مساويا له.

و الأقرب أنّه أفضل من التخلّي للعبادة لمن لم تتق نفسه إليه لأنّ الرهبانية ليست من ديننا، و شدّة التأكيد في النصوص من غير استثناء، و إفضائه غالبا إلى تكثير الأمّة. و قوله (صلّى اللّه عليه و آله): ما استفاد امرء فائدة بعد الإسلام أفضل من زوجة مسلمة تسرّه إذا نظر إليها، و تطيعه إذا أمرها، و تحفظه إذا غاب عنها في نفسها و ماله (2).

و لا أعرف من أصحابنا من استحبّه و فضّل عليه التخلّي، و ما يتوهّم من تسبّبه لما يشغله عن العبادة و تحمّل المشاق في أداء حقوق الزوجيّة ظاهر الاندفاع.

و ينبغي أن يتخيّر من النساء: البكر للأخبار، فعنه (صلّى اللّه عليه و آله): تزوّجوا الأبكار، فإنّهن أطيب شيء أفواها، و أدرّ شيء أخلافا، و أحسن شيء أخلاقا، و أفتح شيء أرحاما (3). و قوله (4) (صلّى اللّه عليه و آله):

لجابر و قد تزوّج ثيّبا: هلّا تزوّجت بكرا تلاعبها و تلاعبك (5). و لأنّها أحرى بالموافقة و الائتلاف.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 14 ص 2 ب 1 من أبواب مقدمات النكاح.

(2) وسائل الشيعة: ج 14 ص 23 ب 9 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 10.

(3) وسائل الشيعة: ج 14 ص 34 ب 17 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 1 و 2 مع اختلاف.

(4) في المطبوع بدل «قوله»: عنه.

(5) مسند أحمد بن حنبل: ج 3 ص 308، مكارم الأخلاق: ص 20، و فيه: «فتاة» بدل «بكر».

11

الولود لأنّ العمدة في النكاح الولادة. و للأخبار عنه (صلّى اللّه عليه و آله): الحصير في ناحية البيت خير من امرأة لا تلد (1).

و الجمع بين هذه الصفة و البكارة بأن لا تكون صغيرة و لا يائسة و لا في مزاجها ما يدلّ عادة على عقمها كانتفاء الحيض، و لا تكون أقرباؤها من نحو أخواتها عقيمة.

العفيفة في فرجها و غيره للأخبار و حفظ النسب، و لأنّ الإعراض عن الفاسقة ضرب من إنكار المنكر. و لا تغني عنها البكارة إلّا إذا فسّرت بالعفّة في الفرج، على أنّه قد يظنّ خلافها بكون نسائها زناة و نشأتها بين الزناة و نحو ذلك، و ربّما علمت رغبتها في الزنا و إن لم يتفق لها.

الكريمة الأصل بأن لا تكون من زنا أو حيض أو شبهة أو ممّن تناله الألسن، و لا في آبائها و أمهاتها من هو كذلك. و قيل: بأن لم تكن مسّ آبائها رقّ (2). و قيل: بأن يكون أبواها مؤمنين صالحين (3) للأخبار (4) فعنه (صلّى اللّه عليه و آله): تخيّروا لنطفكم، و لا تضعوها في غير الأكفاء (5). و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): إيّاكم و خضراء الدمن. قيل:

و ما خضراء الدمن؟ قال: هي المرأة الحسناء في منبت السوء (6).

و ينبغي إذا أراد اختيار الزوجة صلاة ركعتين و حمد اللّه بعدها و سؤال اللّه تعالى أن يرزقه من النساء أعفّهن فرجا و أحفظهن له ما عليها في نفسها و ماله، و أوسعهنّ رزقا أي: من قدر السعة في رزقها، فإنّه يستلزم السعة و اليسر له، و يمكن دخول الولد في الرزق، فيتضمّن كثرة الأولاد، و يمكن أن يراد بسعة الرزق القناعة و التجنّب عن تكليف الزوج ما يتعسّر عليه.

____________

(1) عوالي اللآلي: ج 3 ص 288 ح 39.

(2) لم نظفر على قائله.

(3) الروضة البهية: ج 5 ص 87.

(4) وسائل الشيعة: ج 14 ص 28 ب 13 من أبواب مقدّمات النكاح.

(5) سنن ابن ماجة: ج 1 ص 633 ح 1968 مع اختلاف.

(6) وسائل الشيعة: ج 14 ص 29 ب 13 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 4.

12

و أعظمهن بركة أي نماء، أو ثبوت خير في نفسها و رزقها و ولدها، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إذا تزوّج أحدكم كيف يصنع؟ قال: قلت:

ما أدري جعلت فداك، قال: فإذا همّ بذلك فليصلّ ركعتين و يحمد اللّه و يقول: اللّهم إنّي أريد أن أتزوّج، اللّهم فاقدر لي من النساء أعفّهن فرجا و أحفظهن لي في نفسها و في مالي و أوسعهنّ رزقا و أعظمهنّ بركة و اقدر لي منها ولدا طيّبا تجعله خلفا صالحا في حياتي و بعد موتي (1).

و المراد بصيغ التفضيل هنا: إمّا الصفة بلا تفضيل، أو الكمال، أو التفضيل بالنسبة إلى الأكثر أو بالنسبة إلى من تردّد في اختيارهن، فيكون اللام في «النساء» للعهد، أو المراد بها كلّ من لهنّ الفضل على من عداهن من النساء و يكون المسؤول أن يقدر له منهنّ واحدة. و غيره من الأدعية المأثورة و غيرها.

و ينبغي الإشهاد عليه إن كان دائما لدفع التهمة و تحقق النسب و الميراث و للقسم و النفقات، و لقول أبي الحسن (صلوات اللّه عليه) في مكاتبة المهلب الدلال: التزويج الدائم لا يكون إلّا بولي و شاهدين (2).

و لا يجب إجماعا على ما في الانتصار (3) و الناصريات (4) و الخلاف (5) و الغنية (6) و السرائر (7) و التذكرة (8) للأصل، و الأخبار و هي كثيرة.

و أوجبه الحسن (9) للخبر المتقدّم. و هو مع الضعف و المعارضة محمول على الاستحباب كما فعلنا، و نحو قول أبي جعفر (عليه السلام): «إنّما جعلت البيّنة في النكاح

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 14 ص 79 ب 53 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 1.

(2) وسائل الشيعة: ج 14 ص 459 ب 11 من أبواب المتعة ح 11.

(3) الانتصار: ص 118.

(4) الناصريات: ص 319 المسألة 150.

(5) الخلاف: ج 4 ص 261 المسألة 13.

(6) الغنية: ص 345.

(7) السرائر: ج 2 ص 550.

(8) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 571 س 19.

(9) عنه في مختلف الشيعة: ج 7 ص 101.

13

من أجل المواريث» (1) يرشد إلى عدم الاشتراط.

و ينبغي الإعلان للدائم، لما مرّ من الحكمة في الإشهاد، و ما روي عنه (صلّى اللّه عليه و آله): أعلنوا هذا النكاح (2) و الخطبة قبل العقد و كذا قبل الخطبة، للتأسّي، و لقوله (صلّى اللّه عليه و آله): كلّ كلام لا يبدأ فيه بالحمد للّه فهو أجذم (3). و عن زين العابدين (صلوات اللّه عليه): إذا حمد اللّه فقط خطب (4).

و لا يجب اتّفاقا ممّن عدا داود، للأصل، و لقول الصادق (عليه السلام) و قد سأله عبيد ابن زرارة عن التزويج بغير خطبة: أو ليس عامّة ما يتزوّج فتياتنا و نحن نتعرّق الطعام على الخوان نقول: يا فلان زوّج فلانا فلانة، فيقول: نعم قد فعلت (5).

و إيقاعه ليلا لقول الرضا (صلوات اللّه عليه): من السنّة التزويج بالليل، لأنّ اللّه عزّ و جلّ جعل الليل سكنا، و النساء إنّما هنّ سكن (6).

و يكره إيقاعه و القمر في برج العقرب لقول الصادق (عليه السلام): من تزوّج امرأة و القمر في العقرب لم ير الحسنى (7). و لعلّ في النص على البرج احترازا عن الكون في المنازل المنسوبة إليها، فإنّها أربعة: الزبانا، و الإكليل، و القلب، و الشولة، و ليس من البرج إلّا القلب و ثلثا الاكليل و ثلثا الشولة، إذ المنازل ثمانية و عشرون، و يختص منها بكلّ برج منزلتان و ثلث، و ظاهر أن لفظ الخبر مقول على عرف أهل النجوم، و لا يريدون بمثله إلّا الكون في البرج بالمعنى المعروف عندهم مع الأصل فيما زاد.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 14 ص 68 ب 43 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 6.

(2) سنن ابن ماجة: ج 1 ص 611 ح 1895.

(3) عدة الداعي: ص 260، و فيه: «فهو أقطع».

(4) وسائل الشيعة: ج 14 ص 66 ب 41 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 2.

(5) وسائل الشيعة: ج 14 ص 66 ب 41 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 1.

(6) وسائل الشيعة: ج 14 ص 62 ب 37 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 3.

(7) وسائل الشيعة: ج 14 ص 80 ب 54 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 1.

14

[المبحث الثاني]

الثاني يستحب عند الدخول عليه قبله التطهّر و صلاة ركعتين ثمّ الحمد و الصلاة و الدعاء و أمر من معها بالتأمين، ثمّ الدعاء بقوله: اللّهم ارزقني إلفها و ودّها و رضاها بي و أرضني بها، و اجمع بيننا بأحسن اجتماع و آنس ائتلاف، فإنّك تحبّ الحلال و تكره الحرام و أمر المرأة بذلك.

و إذا أدخلت عليه، استحب وضع يده على ناصيتها و هي مقدّم رأسها بين النزعتين و الدعاء بقوله: اللّهم على كتابك تزوّجتها و في أمانتك أخذتها و بكلماتك استحللت فرجها، فإن قضيت في رحمها شيئا فاجعله مسلما سويّا، و لا تجعله شرك شيطان.

و في الجعفريات: إذا زفّت إليه و دخلت عليه فليصلّ ركعتين، ثمّ يمسح بيده على ناصيتها، فيقول: اللّهم بارك لي في أهلي و بارك لهم في، و ما جمعت فاجمع بيننا في خير و يمن و بركة، و إذا جعلتها فرقة فاجعلها فرقة إلى خير، فإذا جلس إلى جانبها فليمسح بناصيتها، ثمّ يقول: الحمد للّه الذي هدى ضلالتي، و أغنى فقري، و انعش خمولي، و أعزّ ذلتي، و آوى عيلتي، و زوّج أئمتي، و حمل رحلي، و أخدم مهنتي، و رفع خسيستي حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه على ما أعطيت و على ما قسمت و على ما وهبت و على ما أكرمت (1).

و طهارتهما في تمام هذه المدة ممّا قبل الدخول إلى تمام هذا الدعاء، و لذا أخّرها و إن خلا النص إلّا عن الدلالة عليها حال الدخول عليه، فإنّها أمر مرغوب خصوصا عند الدعاء.

و الدخول عليه ليلا لأنّه أوفق بالستر و الحياء، و لقول الصادق (عليه السلام): زفّوا عرائسكم ليلا (2).

و التسمية عند الجماع حذرا من شرك الشيطان، فعن الصادق (عليه السلام):

____________

(1) الجعفريات (قرب الاسناد): ص 109- 110.

(2) وسائل الشيعة: ج 14 ص 62 ب 37 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 2.

15

إنّ الرجل إذا دنا من المرأة و جلس مجلسه حضره الشيطان، فإن هو ذكر اسم اللّه تنحّى الشيطان عنه، و إن فعل و لم يسمّ أدخل الشيطان ذكره، فكان العمل منهما جميعا و النطفة واحدة (1).

و سؤال اللّه تعالى عنده الولد فإنّه المهم، و ليسأل الصالح فإنّه من العمل الذي لا ينقطع الذكر فإنّه أعون له في الدين و الدنيا السويّ عن الباقر (صلوات اللّه عليه): إذا أردت الجماع فقل: اللّهم ارزقني ولدا، و اجعله تقيا زكيا ليس في خلقه زيادة و لا نقصان، و اجعل عاقبته إلى خير (2).

و في باب الأربعمائة من الخصال عن أمير المؤمنين (عليه السلام): إذا أراد أحدكم، مجامعة زوجته فليقل: اللّهم إنّي استحللت فرجها بأمرك، و قبلتها بأمانتك، فإن قضيت لي منها ولدا فاجعله ذكرا سويّا، و لا تجعل للشيطان فيه نصيبا و لا شركا (3).

و يستحب الوليمة و هي طعام العرس، أو كلّ طعام يتخذ لجمع عند الزفاف أي بعده- و هو ككتاب: اهداؤها إليه- للتأسّي و الأخبار (4).

يوما أو يومين و يكره الزيادة، فعن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): الوليمة في اليوم الأوّل حقّ، و في الثاني معروف، و في الثالث رياء و سمعة (5). و عن الباقر (عليه السلام): الوليمة يوم و يومان مكرمة، و ثلاثة أيام رياء و سمعة (6).

و استدعاء المؤمنين للوليمة، و أن لا يخصّ بها الأغنياء، فعنه (صلّى اللّه عليه و آله): شرّ الولائم ما يدعى لها الأغنياء و يترك الفقراء (7).

و لا تجب الإجابة عندنا إلّا إذا عرض ما يوجبها بل يستحبّ

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 14 ص 79 ب 53 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 1.

(2) وسائل الشيعة: ج 14 ص 82 ب 55 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 5.

(3) الخصال: حديث الأربعمائة ص 637.

(4) وسائل الشيعة: ج 14 ص 64 ب 40 من أبواب مقدّمات النكاح.

(5) وسائل الشيعة: ج 14 ص 65 ب 40 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 4. و فيه اختلاف يسير.

(6) وسائل الشيعة: ج 14 ص 65 ب 40 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 2.

(7) سنن البيهقي: ج 7 ص 262 باختلاف يسير.

16

إن كان الداعي مسلما و دعاه بعينه، و لم يكن عندها ملاهي و مناكير، إلّا أن يزال بإجابته فيجب.

و كذا يستحبّ عندنا الأكل منها و لو لقمة، لأنّه الغرض من الدعوة غالبا، و أدخل في إكرام الداعي و جبر قلبه، و لما في تركه من التعرّض للتوحش غالبا و إن كان صائما ندبا لا واجبا و إن لم يتضيّق، و فيه إشارة إلى أنّ كلّا من الإجابة و الأكل مندوب على حدته، لورود الأمر بالإجابة مطلقا، و خصوص قوله (صلّى اللّه عليه و آله): إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرا فليطعم، و إن كان صائما فليصلّ (1). و نحوه يدلّ على استحباب الأكل أيضا.

و يجوز أكل نثار العرس لشهادة الحال بالإذن كالوليمة و ما يقدم إلى الضيف، إلّا أن يعلم عدم الإذن.

و لا يجوز أخذه إلّا بإذن أربابه نطقا أو بشاهد الحال و الفرق أنّ النثر إذن في الأكل دون الأخذ، و فيه إشارة إلى أنّ ما في المبسوط (2) و السرائر (3) و المهذّب (4) من أنّه لا يجوز الأخذ إلّا بالإذن و لو بشاهد الحال، يراد به الأخذ لا للأكل، إلّا أن يكونوا أدخلوا النثر في الحال الشاهدة بالإذن في الأكل، و قد يتردّد في شهادة النثر بذلك، و لذا لم يجوّز في الإرشاد الأكل إلّا مع العلم بالإباحة بشاهد الحال (5) و في التحرير (6) كما هنا.

و يملك حينئذ أي حين الإذن بالأخذ وفاقا للمبسوط (7) و المهذّب (8) و الشرائع (9) و الإرشاد (10) على إشكال من جريان العادة بالإعراض، فيصير من المباحات، فيملك بالحيازة. و فيه: أنّ العادة إنّما تفيد الإباحة، و غايتها الانتقال

____________

(1) سنن البيهقي: ج 7 ص 263.

(2) المبسوط: ج 4 ص 323.

(3) السرائر: ج 2 ص 604.

(4) المهذب: ج 2 ص 224.

(5) إرشاد الأذهان: ج 2 ص 4.

(6) تحرير الأحكام: ج 2 ص 4 س 9.

(7) المبسوط: ج 4 ص 323.

(8) المهذب: ج 2 ص 224.

(9) شرائع الإسلام: ج 2 ص 268.

(10) إرشاد الأذهان: ج 2 ص 4.

17

عن المالك بالإتلاف خاصّة، و الفرق بينه و بين غيره من المباحات ظاهر، لأنّها ليست ملكا لأحد قبل الأخذ، ثمّ الخلاف الواقع في تملّك المباحات: أنّه هل هو بمجرد الحيازة أو بقصد التملك؟ يجري هنا. و من حصر المملّكات فيما ليس منها، مع استصحاب الملك، و هو مختار المختلف (1) و التذكرة (2).

[المبحث الثالث]

الثالث الأخبار (3) ناطقة بأن يكره الجماع في ليلة الخسوف و يوم الكسوف لكراهة التلذذ عندهما، قيل: و لأنّه إن قضى ولد كان في ضرّ و بؤس حتى يموت.

و عند الزوال بعده حذرا من الحول إلّا يوم الخميس فيستحبّ، لأنّ الشيطان لا يقرب من يقضي بينهما حتى يشيب و يكون فهما و يرزق السلامة في الدين و الدنيا.

و من الغروب إلى ذهاب الشفق لأنّ الولد يكون ساحرا مؤثرا للدنيا على الآخرة، فقد ورد ذلك في الساعة الاولى من الليل.

و في المحاق مثلثة، و هي ليلتان أو ثلاث آخر الشهر حذرا من الإسقاط أو جنون الولد و خبله و جذامه، و آخرتي شعبان خصوصا، لأنّ الولد يكون كذّابا أو عشّارا أو عونا للظالمين، و يكون هلاك فئام من الناس على يديه.

و فيما بين طلوع الفجر و الشمس لأنّه لا يرى في الولد ما يحبّ، و هو يعمّ غيره.

و في أوّل ليلة من كلّ شهر حذرا من الإسقاط أو الجنون و الخبل و الجذام، و ليلة الفطر خصوصا، لأنّ الولد يكون كثير الشرّ و لا يلد إلّا كبير السن (4) إلّا رمضان فيستحبّ في أوّل ليلة منه بالنصّ إجراء لسنّة الإباحة في قوله تعالى «أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيٰامِ الرَّفَثُ إِلىٰ نِسٰائِكُمْ» (5) و أعدادا للصيام.

____________

(1) مختلف الشيعة: ج 7 ص 91.

(2) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 581 س 1.

(3) وسائل الشيعة: ج 14 ص 88 ب 62 من أبواب مقدّمات النكاح.

(4) كذا في الجواهر أيضا، و الصواب- بملاحظة الرواية- إلّا على كبر السّن.

(5) البقرة: 187.

18

و في ليلة النصف من كلّ شهر، للإسقاط أو الجنون أو الخبل أو الجذام، و نصف شعبان خصوصا، فإنّ الولد يكون مشوما ذا شأمة في شعره و وجهه.

و سفرا مع عدم الماء للغسل، إلّا أن يخاف على نفسه. كذا في الخبر (1).

و في خبر آخر: يا علي لا تجامع أهلك إذا خرجت إلى سفر مسيره ثلاثة أيام و لياليهن، فإنّه إن قضى بينكما ولد يكون عونا لكلّ ظالم (2).

و عند هبوب الريح السوداء أو الصفراء أو الحمراء و عند الزلزلة قال سلار (3) و ابن سعيد (4): و كلّ آية مخوفة، و يدلّ عليه كراهة التلذّذ.

و عاريا لأنّه من فعل الحمار، و يخرج الملائكة من بينهما و يكون الولد جلّادا، و هو حال عن فاعل الجماع الذي عوض عنه اللام أو الرجل المفهوم من الكلام، فإنّ المعنى يكره للرجل.

و محتلما قبل الغسل أو الوضوء وضوء الصلاة خوفا من جنون الولد و اجتزاؤه بالوضوء موافق للنهاية (5) و المهذب (6) و الوسيلة (7) و غيرها، و لا يحضرني له سند. و قيّده ابن سعيد (8) بتعذر الغسل، و هو حسن. و اقتصر ابن إدريس على الغسل. (9)

و يجوز أي يباح و قد كان مجامعا أو باقيا على جنابة المجامعة من غير تخلّل غسل للأصل، و فعل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) (10) و فرّق في الخبر بأنّ الاحتلام من الشيطان بخلافه، لكن يستحبّ غسل الفرج و وضوء الصلاة بلا خلاف، كذا في المبسوط (11). و روى الوشاء الوضوء عن الرضا صلوات اللّه

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 2 ص 998 ب 27 من أبواب التيمم ح 1.

(2) وسائل الشيعة: ج 14 ص 188 ب 150 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 1.

(3) المراسم: ص 151.

(4) الجامع للشرائع: ص 453.

(5) النهاية: ج 2 ص 353.

(6) المهذب: ج 2 ص 222.

(7) الوسيلة: ص 314.

(8) الجامع للشرائع: ص 453.

(9) السرائر: ج 2 ص 606.

(10) سنن البيهقي: ج 7 ص 191 و 192.

(11) المبسوط: ج 4 ص 243.

19

عليه (1)، و كذا ابن أبي نجران مرسلا عن الصادق (عليه السلام) في الجارية يأتيها ثمّ يريد إتيان أخرى (2).

و في الرسالة الذهبية المنسوبة إلى الرضا (عليه السلام): الجماع بعد الجماع من غير فصل بينهما بغسل يورث الولد الجنون (3). و الظاهر ضمّ غين الغسل، و يحتمل الفتح.

و مع حضور ناظر إليه ذي عقل يراهما و يسمع كلامهما و نفسهما، كذا في النصّ (4) لإيراثه زنا الناظر، و لا فرق فيه بين المميز و غيره، كما يقتضيه الإطلاق هنا و في التحرير (5) و الإرشاد (6) و التلخيص (7) و النهاية (8) و الشرائع (9) و غيرها، و هو حسن، لإطلاق النصّ. و ربّما خصّ بالمميّز.

و عن النعمان بن علي بن (10) جابر، عن الباقر (صلوات اللّه عليه): إيّاك و الجماع حيث يراك صبيّ يحسن أن يصف حالك، قال: قلت: يا ابن رسول اللّه كراهة الشنعة؟ قال: لا، فإنّك إن رزقت ولدا كان شهرة و علما في الفسق و الفجور (11) فيمكن أن يراد بالمميّز ما تضمّنه الخبر.

و في بعض الكتب عن الصادق (عليه السلام): نهى أن توطأ المرأة و الصبي في المهد ينظر إليهما (12). و لعلّ ما في أكثر النصوص من تخصيصه بالصبي أو الغلام و الجارية (13) لكونه الذي لا يجتنب عنه غالبا. و يعرف حكم الكبير بالأولوية.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 1 ص 270 ب 13 من أبواب الوضوء، ح 2.

(2) وسائل الشيعة: ج 14 ص 192 ب 155 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 1.

(3) الرسالة الذهبية: ص 28.

(4) وسائل الشيعة: ج 14 ص 94 ب 67 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 2.

(5) تحرير الأحكام: ج 2 ص 4 س 21.

(6) إرشاد الأذهان: ج 2 ص 5.

(7) تلخيص المرام (سلسلة الينابيع الفقهية): ج 38 ص 465.

(8) النهاية: ج 2 ص 353.

(9) شرائع الإسلام: ج 2 ص 268.

(10) في الوسائل: عن النعمان بن يعلى عن جابر ..

(11) وسائل الشيعة: ج 14 ص 95 ب 67 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 8.

(12) دعائم الإسلام: ج 2 ص 213 ح 781.

(13) وسائل الشيعة: ج 14 ص 93 ب 67 من أبواب مقدّمات النكاح.

20

و النظر إلى فرج المرأة و في بعض الأخبار إلى باطنه مجامعا لأنّه يورث العمى في الولد، و لعلّه يرى ما يكره، و حرّمه ابن حمزة (1). و «مجامعا» حال عن الفرج، فالأظهر (2) كونه اسم مفعول، أو عن فاعل النظر الذي عوّض عنه اللام، أو فاعل الجماع أو الرجل.

و استقبال القبلة و استدبارها قيل: خوفا من فقر الولد. و عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله):

لعن المستقبل (3).

و في السفينة و قيل: إنّ النطفة لا تستقر فيها.

و الكلام بغير ذكر اللّه و في أكثر الأخبار النهي عن كثرة الكلام، لأنّه يورث الخرس في الولد (4).

[المبحث الرابع]

الرابع اتفق الأصحاب و نطقت الأخبار (5) بأنّه يجوز النظر و استحبّه الشهيد (6) إلى وجه من يريد نكاحها و كفّيها لا لريبة أو تلذّذ لاختبارها (7) للنكاح قبل الخطبة كما في التذكرة (8) لما في ردّها بعدها من كسر قلبها بشرط تجويز النكاح عادة و شرعا و إفادة النظر ما لا يعرفه.

و المراد بالكف: اليد من رؤوس الأصابع إلى المعصم، لأنّه المتبادر في مثله، و التنصيص على المعاصم في حسن هشام بن سالم و حمّاد بن عثمان و حفص بن البختري (9) و لذا عبّر الشيخان في المقنعة (10) و النهاية (11) باليدين.

____________

(1) الوسيلة: ص 314.

(2) في ن: فالظاهر.

(3) وسائل الشيعة: ج 14 ص 98 ب 60 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 3.

(4) وسائل الشيعة: ج 14 ص 86 ب 60 من أبواب مقدّمات النكاح.

(5) وسائل الشيعة: ج 14 ص 59 ب 36 من أبواب مقدّمات النكاح.

(6) صرّح بذلك الشهيد الثاني في الروضة البهيّة: ج 5 ص 97.

(7) في ن: لاختيارها.

(8) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 573 س 7.

(9) وسائل الشيعة: ج 14 ص 59 ب 36 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 2.

(10) المقنعة: ص 520.

(11) النهاية: ج 2 ص 355.

21

و يجوز مكرّرا إن لم يدقّق النظر أوّلا، و اشترط فيه الشيخ (1) و ابن إدريس (2) استجابتها إلى النكاح و إليها جملتها في ثيابها قائمة و ماشية مكررا و متأمّلا، كما يرشد إليه خبر الحسن بن علي السرّي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يريد أن يتزوج المرأة يتأمّلها و ينظر إلى خلفها و إلى وجهها؟

قال: لا بأس بأن ينظر الرجل إلى المرأة إذا أراد أن يتزوّجها ينظر إلى خلفها و إلى وجهها (3). و لأنّ الغرض لا يتمّ غالبا بدونه.

و فرق ما بينها و بين غيرها جواز التعمّد و التأمّل و التكرّر و الإباحة بلا كراهة إن لم يستحب و إن لم يستأذنها للعموم، و لأنّه ربّما تعذّر مع الاستئذان أو زيّنت نفسها و تهيّأت فيفوت الغرض، خلافا لمالك (4).

و بالعكس لاشتراك العلّة، و هي فيها أقوى، لأنّ بيده لا بيدها الطلاق، و وجود القول بجواز نظرها إلى الأجنبي مطلقا. و فيه أنّه خروج عن النص، و أنّ العلّة المنصوصة هي أنّه يشتريها بأغلى ثمن و ليست بمشتركة، و لا أعرف من الأصحاب من قال به غيره و الحلبي (5) و يحيى بن سعيد (6)، و إنّما ذكرته العامة و روته عن عمر (7).

و روي عن الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن سنان (8) جواز النظر إلى شعرها.

و في رواية غياث بن إبراهيم (9) إلى محاسنها و في مرسل عبد اللّه ابن الفضل (10) إليهما فربّما عمّت المحاسن غير الوجه و الكفين، و فسرت بها في

____________

(1) المبسوط: ج 4 ص 161.

(2) السرائر: ج 2 ص 609.

(3) وسائل الشيعة: ج 14 ص 59 ب 36 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 3.

(4) المجموع: ج 16 ص 138.

(5) الكافي في الفقه: ص 296.

(6) لم نعثر عليه في الجامع للشرائع.

(7) المجموع: ج 16 ص 139.

(8) وسائل الشيعة: ج 14 ص 60 ب 36 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 7.

(9) وسائل الشيعة: ج 14 ص 60 ب 36 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 8.

(10) وسائل الشيعة: ج 14 ص 59 ب 36 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 5.

22

النهاية (1) و هو أولى اقتصارا على المتيقن.

و ما مرّ من خبر السري (2) يرشد إلى النظر إلى جسدها من فوق الثياب و كذا قوله (صلّى اللّه عليه و آله): من تاقت نفسه إلى نكاح امرأة فلينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها (3). و في العلل صحيحا عن يونس بن يعقوب قال للصادق (عليه السلام): الرجل يريد أن يتزوّج المرأة، يجوز أن ينظر إليها؟ قال: نعم، و يرقق له الثياب، لأنّه يريد أن يشتريها بأغلى الثمن (4).

و كذا يجوز النظر إلى أمة يريد شراءها اتفاقا، و إن لم يقع من البائع إلّا التعرّض للبيع فإنّه إذن فيه.

و لا يجب الاقتصار على الوجه و الكفّين، بل ينظر إلى شعرها و محاسنها و هي ما خلا العورة كما في التذكرة (5) للحاجة، و تضمّن التعريض للبيع الإذن فيه. و رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يعترض الأمة يشتريها، قال: لا بأس بأن ينظر إلى محاسنها و يمسّها ما لم ينظر إلى ما لا ينبغي النظر إليه (6).

و لكن الخبر ضعيف، و لا يتعيّن ما لا ينبغي النظر إليه للعورة، و الإذن في ضمن التعريض للبيع غير معلوم، و لذا قصّر المفيد جوازه على الوجه و الشعر (7) و الشيخ ظاهرا عليهما مع اليدين (8) و هو ظاهر التحرير (9).

و ربّما أجيز النظر إلى العورة أيضا للحاجة دون العكس إذ لا اختيار للأمة.

____________

(1) النهاية: ج 2 ص 355.

(2) وسائل الشيعة: ج 14 ص 59 ب 36 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 3.

(3) عوالي اللآلي: ج 3 ص 314 ح 150.

(4) علل الشرائع: ص 500.

(5) تذكرة الفقهاء: ج 1 ص 501 س 22.

(6) وسائل الشيعة: ج 13 ص 47 ب 20 من أبواب بيع الحيوان، ح 1.

(7) المقنعة: ص 520.

(8) النهاية: ج 2 ص 355.

(9) تحرير الأحكام: ج 2 ص 3 س 17.

23

و أفتى الشيخان (1) و جماعة بجواز النظر إلى نساء أهل الذمّة و شعورهن إلّا لتلذّذ بالنظر أو ريبة و هي ما يخطر بالبال من النظر دون التلذّذ به، أو خوف افتتان. و الفرق بينه و بين الريبة ظاهر ممّا عرفت، و لذا ذكر الثلاثة في التذكرة (2) و يمكن تعميم الريبة للافتتان، لأنّها من «راب» إذا أوقع في الاضطراب، فيمكن أن يكون ترك التعرّض له هنا و في التحرير و غيرهما لذلك.

و المستند أخبار منها: خبر عبّاد بن صهيب عن الصادق (عليه السلام): لا بأس بالنظر إلى نساء أهل تهامة و الأعراب و أهل البوادي من أهل الذمّة و العلوج، لأنهن لا تنتهين إذا نهين (3).

و منها: خبر زرارة عن الباقر (عليه السلام): إنّ أهل الكتاب مماليك الإمام، ألا ترى أنّهم يؤدّون الجزية كما يؤدّي العبد الضريبة إلى مواليه (4).

و منع منه ابن إدريس (5) تمسّكا بالآية و استضعافا للمستند، و اختاره في المختلف (6) و لا بأس به.

و يجوز أن ينظر الرجل إلى جميع أعضاء مثله في الذكورة إلّا العورة بالاتّفاق قولا و فعلا و إن كان شابّا و كذا الناظر حسن الوجه، للأصل من غير معارض قولي أو فعلي إلّا لريبة أو تلذّذ.

و كذا تنظر المرأة إلى مثلها مع الاستثناء، و الشيخ (7) و الطبرسي (8) في تفسيرهما و الراوندي في فقه القرآن (9) على المنع من نظر المشركة إلى المسلمة، قال الشيخ و الراوندي: إلّا أن تكون أمة، و فسّروا «نِسٰائِهِنَّ» بالمؤمنات،

____________

(1) المقنعة: ص 521، النهاية: ج 2 ص 355.

(2) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 574 س 22.

(3) وسائل الشيعة: ج 14 ص 149 ب 113 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 1.

(4) وسائل الشيعة: ج 15 ص 477 ب 45 من أبواب العدد ح 1.

(5) السرائر: ج 2 ص 610.

(6) مختلف الشيعة: ج 7 ص 93.

(7) التبيان: ج 7 ص 430.

(8) مجمع البيان: ج 7 ص 138.

(9) فقه القرآن: ج 2 ص 128.

24

و هو قويّ و أسند الصدوق في باب ثلاث و سبعين من الخصال عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام): لا يجوز للمرأة أن تنكشف بين يدي اليهوديّة و النصرانية، لأنّهن يصفن ذلك لأزواجهنّ (1) (2).

و قوّى الجواز في التذكرة في الذمّية (3) للأصل، و عدم العلم بكون «نِسٰائِهِنَّ» بذلك المعنى، و لم يتعرّض للكافرة غيرها.

و عن حفص بن البختري عن الصادق (صلوات اللّه عليه): لا ينبغي للمرأة أن تنكشف بين يدي اليهودية و النصرانية، فإنّهن يصفن ذلك لأزواجهنّ (4). و ظاهر «لا ينبغي» الجواز.

قال في التذكرة: و عليه ما الذي تراه منها؟ قال الجويني: لا ترى منها إلّا ما يراه الرجل الأجنبي، و قيل: لا ترى إلّا ما يبدو عند المهنة (5) أي الخدمة.

و الملك للأمة و النكاح يبيحان عندنا النظر إلى السوأتين من الجانبين فضلا عن غيرهما- و إن حرم الوطء لحيض أو صوم أو نحوهما- إلّا في الأمة المزوّجة من الغير للأخبار (6)، و المكاتبة و المشتركة و الوثنية و المرتدّة و المجوسيّة، كما نصّ على الجميع في التذكرة (7).

و إنّما يجوز النظر إلى السوأتين على كراهية و ربّما يرشد إليه قوله تعالى «فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطٰانُ لِيُبْدِيَ لَهُمٰا مٰا وُورِيَ عَنْهُمٰا مِنْ سَوْآتِهِمٰا» (8) و قوله:

«فَلَمّٰا ذٰاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمٰا سَوْآتُهُمٰا» (9) و قوله «يَنْزِعُ عَنْهُمٰا لِبٰاسَهُمٰا لِيُرِيَهُمٰا سَوْآتِهِمٰا» و قد عرفت القول بحرمة النظر إلى الفرج حال الجماع.

____________

(1) الخصال: ج 2 ص 587 ح 12.

(2) ما بين المعقوفتين ليس في ن.

(3) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 573 س 33.

(4) وسائل الشيعة: ج 14 ص 133 ب 98 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 1.

(5) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 573 س 33.

(6) وسائل الشيعة: ج 14 ص 548 ب 44 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.

(7) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 574 س 42.

(8) الأعراف: 20.

(9) الأعراف: 22.

25

و يجوز بالاتفاق النظر بلا تلذذ أو ريبة إلى المحارم و هنّ من يحرم عليه نكاحهن نسبا أو رضاعا أو مصاهرة بعقد أو ملك عدا العورة كما في الشرائع (1) و يدل عليه الأصل، و قوله تعالى «وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ» (2) الآية. و يمكن أن يراد بالتابعين غير أولي الإربة: كلّ قريب لا يمكنه نكاحها.

و في آخر حدّ المحارب: ليس للمحرم التطلّع على العورة و الجسد عاريا، و هو ظاهر التحرير (3) هناك، و حكى في التذكرة عن الشافعية في وجه (4).

و في تفسير علي بن إبراهيم: و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله «وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا» فهو الثياب و الكحل و الخاتم و خضاب الكف و السوار، و الزينة ثلاث: زينة للناس و زينة للمحرم و زينة للزوج، فأمّا زينة الناس فقد ذكرناه. و أمّا زينة المحرم فموضع القلادة فما فوقها و الدملج و ما دونه و الخلخال و ما أسفل منه، و أمّا زينة الزوج فالجسد كلّه (5) انتهى.

و كذا المرأة تنظر إلى محارمها عدا العورة.

و لا يحلّ النظر إلى غير الوجه و الكفين من الأجنبية بالاتفاق و النص إلّا لضرورة كالشهادة عليها.

و هل يجوز تعمّده إلى وجهها و كفّيها لا لريبة أو تلذّذ؟ فهنا و في التحرير (6) و التلخيص (7) جوازه مرّة و لعلّ المراد ما لا إطالة فيها عرفا بحيث يفضى إلى تلذّذ أو ريبة، فإنّه كالمعاودة، و نصّ في الشرائع (8) على الكراهة لا أزيد أي في وقت واحد عرفا، لقوله تعالى:

____________

(1) شرائع الإسلام: ج 2 ص 269.

(2) النور: 31.

(3) تحرير الأحكام: ج 2 ص 235 س 4.

(4) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 573 س 31.

(5) تفسير القمي: ج 2 ص 101.

(6) تحرير الأحكام: ج 2 ص 3 س 18.

(7) تلخيص المرام (سلسلة الينابيع الفقهية): ج 38 ص 466.

(8) شرائع الإسلام: ج 2 ص 269.

26

«وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا» (1) ففي تفسير علي بن إبراهيم: أنّه الكفّان و الأصابع (2). و فسّر بالوجه و الكفّين. و لمرسل مروك بن عبيد عن الصادق (عليه السلام) قال: قلت له: ما يحلّ للرجل أن يرى من المرأة إذا لم يكن محرما؟ قال: الوجه و الكفان و القدمان (3). و صحيح علي بن سويد قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إنّي مبتلى بالنظر إلى المرأة الجميلة فيعجبني النظر إليها، فقال: يا علي لا بأس إذا عرف اللّه من نيّتك الصدق (4).

و للإطباق في الأعصار على خروجهنّ من غير ضرورة بلا نكير.

و أمّا حرمة الأزيد فلقوله (صلّى اللّه عليه و آله): لا تتبع النظرة النظرة، فإنّ الأولى لك و الثانية عليك (5). و لأنّه مظنّة الفتنة، و لذا صرف (صلّى اللّه عليه و آله) وجه الفضل بن عبّاس عن الخثعمية (6).

و أطلق في المبسوط الجواز على كراهيّة من غير تقييد بالمرّة (7) و قوّى في التذكرة الحرمة مطلقا (8) و جعل في التبيان أحوط (9) لإطلاق الأمر بالغضّ و خوف الفتنة و الإطباق في الأعصار على المنع من خروجهنّ سافرات و إنّما يخرجن متسترات، و لا يتعيّن ما ظهر منها لما ذكر، بل الظاهر ما عن ابن مسعود (10) من الثياب، و ظاهر الابتلاء بالنظر ما يقع اتفاقا لا متعمّدا، و خبر مروك مرسل.

و كذا المرأة تنظر إلى وجه الأجنبيّ و كفّيه مرّة لا أزيد، لاشتراك العلّة حرمة و جوازا، و الحرمة مطلقا هنا أقوى منها في العكس.

و للشافعية قول بجواز نظرها إلى ما يبدو منه عند المهنة (11). و آخر إلى غير

____________

(1) النور: 31.

(2) لم نعثر عليه في تفسير علي بن إبراهيم، لكن نقله عنه الطبرسي في مجمع البيان: ج 7 ص 138.

(3) وسائل الشيعة: ج 14 ص 146 ب 109 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 2.

(4) وسائل الشيعة: ج 14 ص 231 ب 1 من أبواب مقدّمات النكاح المحرّم ح 3.

(5) سنن الدارمي: ج 2 ص 298.

(6) سنن البيهقي: ج 7 ص 89.

(7) المبسوط: ج 4 ص 160.

(8) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 573 س 14.

(9) التبيان: ج 7 ص 429.

(10) نقله عنه الشيخ في التبيان: ج 7 ص 429.

(11) مغني المحتاج: ج 3 ص 132.

27

ما بين السرّة و الركبة (1). و إلّا لأمر بالاحتجاب كهي، و لأنّ بدنها عورة، و لذا يجب عليها الستر في الصلاة بخلافه.

و للطبيب النظر إلى ما أي عضو يحتاج إليه أي الطبيب أو يحتاج الطبيب إليه أي إلى النظر إليه للعلاج حتى العورة من الرجل أو المرأة، رجلا كان أم امرأة و لو لم يخف فوات العضو.

و الأقرب إن وجد المماثل الاقتصار عليه و (2) إن احتيج إلى النظر إلى العورة، و للمرأة على المسلمة، اقتصارا على موضع الضرورة. و تردّد في التذكرة (3).

و كذا لشاهد الزنا النظر إلى الفرج لتحمل الشهادة عليه لأنّه وسيلة إلى إقامة حدّ من حدود اللّه، و لما في المنع منه من عموم الفساد و انسداد باب هذا الركن العظيم من أركان الشريعة، و استقرب المنع في التذكرة (4) و قضاء الكتاب للأمر بالستر، و هو الأقرب.

و ليس للخصيّ النظر إلى المالكة و لا الأجنبيّة وفاقا للمشهور، و حكي الإجماع عليه في الخلاف (5) و يدلّ عليه عموم الأمر بالغضّ و النهي عن إبداء الزينة، مع عدم العلم بالدخول في التابعين غير اولي الإربة أو ما ملكت أيمانهن، لتفسير الثاني عندنا بالإماء، و لا يدخلن في نسائهنّ إلّا إذا كنّ مسلمات، و لو سلّم انتفاء إربه الخصي في الجماع فلا نسلّمه في الاستمتاع بغيره.

و يمكن أن يقال: إنّه غير ذي إربه شرعا، لكونه مملوكا لها، و خبر أحمد بن إسحاق عن الكاظم (صلوات اللّه عليه) قال: قلت: للرجل الخصيّ يدخل على نسائه فيناولهنّ الوضوء فيرى شعورهنّ؟ فقال: لا (6). و خبر عبد الملك بن عتبة النخعي عن الصادق صلوات اللّه و سلامه عليه عن أمّ الولد هل يصلح أن ينظر إليها خصيّ

____________

(1) مغني المحتاج: ج 3 ص 132.

(2) كذا في النسختين، و الظاهر أن «و» زائدة.

(3) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 573 س 20.

(4) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 573 س 21.

(5) الخلاف: ج 4 ص 249 المسألة 5.

(6) وسائل الشيعة: ج 14 ص 166 ب 125 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 2.

28

مولاها و هي تغتسل؟ قال: لا يحلّ ذلك (1).

و استقرب في المختلف جواز النظر إلى المالكة (2) لعموم ما ملكت أيمانهن، بل و التابعين غير اولي الإربة كما عرفت، و ما نطق من الأخبار (3) بجواز نظر المملوك إلى مالكته و هي كثيرة، و كون الخبرين المتقدّمين في النظر إلى الأجنبية، و بهذا يقوى جواز نظر الفحل المملوك، لعموم الآية (4) و الأخبار، لكنّه لا يقول به.

و في التمسك بالآية منع العموم، إذ بعد تسليم كون الصيغة للعموم يضعّفه الاستثناء من العموم، فإنّه بمنزلة نفي العموم.

و ربّما يقال بجواز نظر الخصيّ إلى المالكة و غيرها لصحيح ابن بزيع عن الرضا (عليه السلام) سأله عن قناع الحرائر من الخصيان، قال: كانوا يدخلون على بنات أبي الحسن (عليه السلام) و لا يتقنّعن. قلت: فكانوا أحرارا؟ قال: لا. قلت: فالأحرار يتقنّعن منهم؟ قال: لا (5).

و ما ذكره أبو علي من أنّه روي عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن موسى (عليهما السلام) كراهة رؤية الخصيان الحرّة من النساء، حرّا كان أو مملوكا (6).

و الأقرب حمل الأوّل على التقية، و يؤيّده أنّه (عليه السلام) سئل في حديث آخر، فقال: أمسك عن هذا. (7). و لا ينافي التقيّة كونه مختلفا فيه عندهم، و حمل الكراهة في الخبر الثاني على الحرمة.

و قطع في التذكرة بأنّ المجبوب الّذي بقيت أنثياه، و الخصيّ الذي بقي ذكره كالفحل (8). و فيه تأمّل.

____________

(1) المصدر السابق: ح 1.

(2) مختلف الشيعة: ج 7 ص 92.

(3) وسائل الشيعة: ج 14 ص 164 ب 124 من أبواب مقدّمات النكاح.

(4) النور: 31.

(5) وسائل الشيعة: ج 14 ص 167 ب 125 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 3.

(6) مختلف الشيعة: ج 7 ص 93.

(7) وسائل الشيعة: ج 14 ص 167 ب 125 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 6.

(8) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 574 س 9.

29

و لا للأعمى فضلا عن المبصر سماع صوت الأجنبية بتلذّذ أو خوف فتنة أم لا كما يقتضيه الإطلاق هنا و في التحرير (1) و الإرشاد (2) و التلخيص (3) و الشرائع (4) لعموم ما ورد من أنّ صوتها عورة، و من النهي عن ابتدائهن بالسلام، و ستر عيّهن بالسكوت (5).

و اختار في التذكرة (6) و المدنيّات الاولى اختصاص التحريم بما مع التلذّذ أو خوف الفتنة، و لعلّه الوجه (7) لما روي من تسليمها و التسليم عليها (8) و قوله تعالى:

«فَلٰا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ» (9). و حسن ربعي بن عبد اللّه عن الصادق (عليه السلام) قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يسلّم على النساء و يرددن عليه، و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يسلّم على النساء، و كان يكره أن يسلّم على الشابّة منهنّ، و يقول: أتخوّف أن يعجبني صوتها فيدخل عليّ أكثر ممّا طلبت من الأجر (10). و لا يحضرني الخبر بكون صوتها عورة مسندا، و إنّما رواه المصنّف في المدنيّات الاولى مرسلا، و نفقات المبسوط (11) تعطي العدم.

و لا للمرأة النظر إليه أي الأعمى، لما عرفت، و خصوص ما روي من أنّ عائشة و حفصة لم تحتجبا عن ابن أم مكتوم، و قالتا: إنّه أعمى، فقال (صلّى اللّه عليه و آله):

أ فعمياوان أنتما (12) و لذا تعرّض له مع إجزاء ما تقدّم عنه.

____________

(1) تحرير الأحكام: ج 2 ص 3 س 25.

(2) إرشاد الأذهان: ج 2 ص 5.

(3) تلخيص المرام (سلسلة الينابيع الفقهية): ج 38 ص 466.

(4) شرائع الإسلام: ج 2 ص 269.

(5) وسائل الشيعة: ج 14 ص 173 ب 131 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 1.

(6) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 573 س 40.

(7) لم يرد «و لعلّه الوجه» في ن.

(8) وسائل الشيعة: ج 8 ص 451 ب 48 من أبواب أحكام العشرة، و ج 14 ص 173 ب 131 من أبواب مقدّمات النكاح.

(9) الأحزاب: 32.

(10) وسائل الشيعة: ج 8 ص 451 ب 48 من أبواب أحكام العشرة ح 1، و ج 14 ص 173 ب 131 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 3.

(11) المبسوط: ج 6 ص 3.

(12) وسائل الشيعة: ج 14 ص 172 ب 129 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 4، هذا حديث ورد في أمّ سلمة و ميمونة، و الحديث الأوّل من الباب ورد في عائشة و حفصة بلفظ آخر.

30

و للصبي الذي لم يظهر على عورات النساء النظر إلى الأجنبية بمعنى أنّه ليس عليها التستر عنه.

أمّا الّذي لم يبلغ مبلغا يحكي ما يرى فكذلك قطعا، للقطع بدخوله في الآية (1).

و أمّا الّذي يحكيه و ليس له ثوران شهوة، فاستقرب في التذكرة أنّه كذلك إلّا أنّ عليه الاستئذان في الثلاثة الأوقات، و نفى البأس عن القول بأنّه كالبالغ (2). و هو قريب، للجهل بكونه من الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلىٰ عَوْرٰاتِ النِّسٰاءِ و إن فسّروا بما لم يراهقوا، بل ظهور خلافه.

و أمّا من به ثوران الشهوة فقطع بأنّه كالبالغ (3) و هو قوي، لظهور الخروج عن غير الظاهرين على عوراتهن و أطلق في التحرير (4) كما هنا.

و العضو المبان كالمتّصل على إشكال من الاستصحاب و عموم الأمر بالغضّ، و من أنّ من المعلوم أنّ المراد الغضّ عن الرجل أو المرأة، و العضو إذا بان صار جمادا و لم يكن النظر إليه نظرا إلى شخصه لغة أو عرفا.

و اللمس في المحارم كالنّظر إباحة و حرمة، أمّا الإباحة فللأصل من غير معارض، و أمّا الحرمة فلأنّه أقوى من النظر في التلذذ، و لذا لم يجز لمس وجه الأجنبية و كفّيها مع جواز النظر، و لذا قيّد بالمحارم.

[المبحث الخامس]

الخامس الخطبة بالكسر مستحبّة للتأسّي، و لما فيها من تأليف قلبها و قلوب أوليائها، و ليست شرطا، و لا واجبة اتفاقا.

إمّا تعريضا بإبهام النكاح و الناكح و المنكوحة كلّا أو بعضا كربّ راغب فيك أو حريص عليك أو إنّي راغب فيك أو إنّك عليّ كريمة أو إنّ اللّه لسائق إليك خيرا أو رزقا أو ربّ راغب في مثلك، و كذا البواقي.

____________

(1) النور: 31.

(2) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 574 س 1.

(3) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 574 س 3.

(4) تحرير الأحكام: ج 2 ص 3 س 27.

31

و لو ذكر النكاح مع التصريح بالمنكوحة أبهم الخاطب و إلّا كان تصريحا كربّ راغب في نكاحك و عنه (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة بنت قيس: إذا أحللت فآذنيني، و لا تفوتينا نفسك (1).

و نهى اللّه تعالى عن المواعدة سرّا إلّا بالمعروف (2) و الظاهر أنّ سرّا مفعول به، و الاستثناء متّصل، و حينئذ ظاهر السرّ هو الجماع كأن يقول: عندي جماع يرضيك، و كذا إن أخرجه أي الجماع أو مضمون ذلك الكلام مخرج التعريض كأن يقول: ربّ جماع يرضيك أو مع إبهامها، كأن يقول: إنّي كثير الجماع، أو ربّ جماع يرضي النساء، فقضيّة النظر حمل الآية على هذا المعنى لأنّه من الفحش المرغوب عنه عقلا و شرعا، و الأصل في غيره الإباحة.

و نصّ في التذكرة (3) و التحرير (4) على أنّ هذا النهي للكراهة.

و إمّا تصريحا كأن يقول: أريد التزوّج بك، أو إذا انقضت عدّتك تزوّجت بك و اختيار هذه العبارة للتصريح بجواز خطبة المعتدّة تصريحا في الجملة.

و كلاهما حرام لذات البعل مطلقا و للمعتدّة الرجعية من غير الزوج، لأنّها ذات بعل حقيقة و للمحرّمة أبدا كالمطلقة تسعا للعدّة، و كالملاعنة، و كالمرضعة له أو لمن يتسبب ارتضاعه للحرمة عليه و كبنت الزوجة ممّن حرمت عليه في العدّة كانت أم لا، كانت العدّة منه أم لا، فإنّ خطبتها ليست إلّا ترغيبا في الحرام.

و يجوز التعريض لهؤلاء من غيره في العدّة لمنطوق الآية، و لا يجوز التصريح، لمفهومها. و لأنّها بالتصريح ربّما تحققت رغبتها فيه فكذبت في انقضاء العدّة، بخلاف التعريض.

____________

(1) سنن أبي داود: ج 2 ص 286 ح 2287 و فيه: و لا تفوتيني بنفسك، و مسند أحمد بن حنبل:

ج 6 ص 412.

(2) البقرة: 235.

(3) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 570 س 10.

(4) تحرير الأحكام: ج 2 ص 5 س 29.

32

و يجوز التصريح بعدها لانتفاء المانع.

و المطلقة ثلاثا يجوز التعريض لها من الزوج و غيره و إن لم يحلّ الآن للزوج.

و يحرم التصريح منهما في العدّة فإنّها فيها محرّمة عليهما و يجوز من غيره لا منه بعدها قبل أن تنكح زوجا غيره، لحرمته عليه دون غيره.

و المعتدّة بائنا من غير حرمة على الزوج كالمختلعة، و المفسوخ نكاحها يجوز التعريض لها من الزوج و غيره للأصل، و إطلاق النصّ و تساويهما في البينونة، و ربّما يظهر التردّد من الشيخ (1) في غيره من ذلك، و من أنّها في عدّة الغير مع جواز رجوعها إليه بنكاح. و التصريح من الزوج خاصّة لأنّها في عدّته.

و الضابط أنّه لا يجوز لأحد خطبة من يحرم عليه مؤبّدا، و لا ذات البعل، و لا المعتدّة رجعيا من غيره، لا تصريحا و لا تعريضا، و لا التصريح للمطلّقة ثلاثا في العدة من الزوج و غيره و بعدها من الزوج، و للمعتدّة بائنا إلّا من الزوج، و يجوز التعريض لها منه و من غيره على خلاف.

و الإجابة تابعة للخطبة جوازا و حرمة تصريحا و تعريضا.

و لو صرّح بالخطبة في موضع المنع من التصريح خاصّة أو و من التعريض أو عرّض في موضعه أي المنع، و لما ذكرنا من تعميم المنع أوّلا كرّره بعد كلّ من التصريح و التعريض، و إلّا أمكن توهّم أنّ المراد في كلّ منهما المنع منه، و لو قال: «و لو خطب في موضع المنع» لم يكن نصّا في حكم التصريح، و بالجملة لو فعل الحرام من الخطبة لكونها في العدّة ثمّ انقضت العدّة لم يحرم نكاحها لعدم [الدليل على] (2) تأثير المعصية المتقدّمة فيه، كما لو نظر إليها نظرا محرّما.

و لو أجابت خطبة زيد مثلا صريحا أو تعريضا أو بالإذن للولي

____________

(1) المبسوط: ج 4 ص 218.

(2) لم يرد في ن.

33

أو سكتت إذا استأذنها الولي و هي بكر أو أجاب الولي و هي ممّن له إجبارها عليه ففي تحريم خطبة غيره نظر: من النهي، و وجوب إجابة الكفؤ، و حرمة الدخول في سوم المؤمن مع ورود أنّه مستام، و ما فيه من إيذاء المؤمن و إثارة الشحناء، و من الأصل. و منع صحّة طريق النهي و كونه مستاما حقيقة و حرمة الدخول في السوم، و أنّ أجابه كفوء مانعة من إجابة آخر، خصوصا إذا رجح على الأوّل و لو بزيادة ركونها إليه، مع كون الأمر بيدها، و هو مختار المبسوط (1).

إلّا المسلم فيجوز أن يخطب على خطبة الذّمي في الذمّية إذ لا حرمة للكافر، و النهي إنّما هو- عن خطبة أحدكم على خطبة أخيه، و ظاهره الإسلام.

و لو عقد الغير أي الخاطب الثاني صحّ و إن حرّمنا خطبته كما هو نصّ الشيخ (2) للأصل.

[المبحث السادس]

السادس خصّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بأشياء في النكاح و غيره و قد جرت العادة بذكرها في هذا الكتاب و هي تغليظات و تخفيفات و تكريمات، و إن اشتمل التخفيفات و كثير من التغليظات على التكريم.

فمن الأوّل إيجاب استعمال السواك عليه فإنّ المعروف عند المعظم مرادفة السواك للمسواك، لكن في بعض كتب اللغة كالمجمل إتيانه بمعنى الاستعمال (3).

و الوتر، و الأضحية بالضم و الكسر، فعنه (صلّى اللّه عليه و آله): كتب عليّ الوتر و لم يكتب عليكم، و كتب عليّ السواك و لم يكتب عليكم، و كتب عليّ الأضحية و لم يكتب عليكم (4).

و إنكار المنكر و المراد إظهاره من غير تقيّة للوعد بالعصمة من

____________

(1) المبسوط: ج 4 ص 219.

(2) المبسوط: ج 4 ص 219.

(3) مجمل اللغة: ج 2 ص 479 (مادة سوك).

(4) الحاوي الكبير: ج 9 ص 28.

34

الناس، و إلّا فالإنكار و لو بالقلب واجب على الأمّة أيضا.

و وجوب التخيير لنسائه بين إرادته أي المقام معه و مفارقته للأمر به بقوله «يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا» (1) الآية. بل الآيتان، و لكن لما كفت الآية الاولى في إفادة التخيير، بل العمدة التخيير في الفراق، اكتفى بها، مع جواز إرادة الجنس الشامل للمتعدد، و جواز إطلاق الآية على الآيات بمعناها اللغوي.

و من الخواصّ على ما قيل: إنّ هذا التخيير كناية عن الطلاق إن اخترن الحياة الدنيا (2) و إنهنّ لو اخترنها طلّقن بذلك من غير تجديد طلاق، كما هو نصّ المبسوط (3) و التحرير (4). و ظاهر التذكرة خلافه (5)، و هو الظاهر، لقوله:

«فَتَعٰالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ (6)».

و قيام الليل لقوله «قُمِ اللَّيْلَ إِلّٰا قَلِيلًا» (7) و في المبسوط: أنّه نسخ بقوله:

«وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نٰافِلَةً لَكَ» (8) و نحوه في التحرير (9). و عدّ في التذكرة قيام الليل من الخواصّ، و استدلّ بقوله «وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نٰافِلَةً لَكَ» قال: و إن أشعر لفظ النافلة بالسنّة و لكنّها في اللغة الزيادة، و لأنّ السنّة جبر للفريضة، و كان (صلّى اللّه عليه و آله) معصوما من النقصان في الفرائض (10).

و تحريم الصدقة الواجبة و إن كانت من بني هاشم و لم تكن زكاة، و الظاهر مشاركة الأئمّة له (صلوات اللّه عليهم) فيه، فالخاصّة إضافية، أو يقال وفاقا للتذكرة: إنّ التحريم عليهم بسببه، فالخاصّة عائدة إليه (11). و بأحد الوجهين يكون من خواصّه تحريم الصدقة الواجبة من غير بني هاشم.

____________

(1) الأحزاب: 28.

(2) جامع المقاصد: ج 12 ص 53.

(3) المبسوط: ج 4 ص 153.

(4) تحرير الأحكام: ج 2 ص 2 س 21.

(5) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 566 س 19.

(6) الأحزاب: 28.

(7) المزمل: 2.

(8) المبسوط: ج 4 ص 153.

(9) تحرير الأحكام: ج 2 ص 2 س 22.

(10) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 565 س 33.

(11) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 566 س 30.

35

و كذا المندوبة على خلاف من كونها كالواجبة في الغضّ من الأخذ و علوّ مرتبته (صلّى اللّه عليه و آله) و إطلاق قوله (صلّى اللّه عليه و آله): إنّا أهل بيت لا تحلّ لنا الصدقة (1) و هو مختار التذكرة (2) و التحرير (3). و الوجه إلحاق الأئمّة به (صلّى اللّه عليه و آله) كما نصّ عليه في التذكرة (4). و في التحرير: و يحلّ لأهله إجماعا (5) و نحوه في المبسوط (6). و من أنّها كالهدية، و ورود الأخبار عنهم (عليهم السلام) بحصر المحرّم في المفروضة، و هو مختار المبسوط (7).

و الجواب: منع القياس، و جواز اختصاص الأخبار بغيره (صلّى اللّه عليه و آله) و اختصاص هذا التحريم به (صلّى اللّه عليه و آله) كاختصاص تحريم الواجبة إن شاركه الأئمّة (عليهم السلام) أو بنو هاشم.

و خائنة الأعين و هو الغمز أي الإشارة بها إلى مباح من ضرب أو قتل على خلاف ما يظهره أو يشعر به الحال، و الخائنة مصدر كالعافية، أو نائب منابه، أو اسم فاعل، و الإضافة بيانية، و المراد فعلها، و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): ما كان لنبيّ أن يكون له خائنة الأعين (8).

و تحريم نكاح الإماء بالعقد لاشتراطه بالخوف من العنت، و هو معصوم، و بفقدان الطول، و لا مهر عليه ابتداء و لا انتهاء.

و نكاح الكتابيّات على القول بجوازه للأمة، لأنّه أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة، و لأنّ أزواجه أمّهات المؤمنين. و يمكن فهم التحريمين من قوله «يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّٰا أَحْلَلْنٰا لَكَ أَزْوٰاجَكَ» (9) الآية، و قد وقع الخلاف من بعض العامّة في جميع ما ذكر من الخواصّ إلّا في الصدقة الواجبة و خائنة الأعين (10).

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 6 ص 187 ب 29 من أبواب المستحقين للزكاة ح 6.

(2) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 566 س 31.

(3) تحرير الأحكام: ج 1 ص 291 س 14.

(4) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 566 س 32.

(5) تحرير الأحكام: ج 1 ص 291 س 16.

(6) المبسوط: ج 3 ص 302.

(7) المبسوط: ج 3 ص 302.

(8) سنن البيهقي: ج 7 ص 40.

(9) الأحزاب: 50.

(10) راجع الحاوي الكبير: ج 9 ص 29.

36

و تحريم الاستبدال بنسائه لقوله تعالى «وَ لٰا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ» (1) أثابه لهنّ على اختيار هن له و للدار الآخرة، و لبعض العامّة قول بنسخة بقوله:

«تُرْجِي مَنْ تَشٰاءُ مِنْهُنَّ وَ تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشٰاءُ» (2).

و تحريم الزيادة عليهنّ لقوله تعالى «لٰا يَحِلُّ لَكَ النِّسٰاءُ مِنْ بَعْدُ» (3). لإثابتهن حتى نسخ بقوله تعالى «يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّٰا أَحْلَلْنٰا لَكَ أَزْوٰاجَكَ» (4) الآية ليكون المنّة له (صلّى اللّه عليه و آله) عليهن في ترك الزيادة، و الأخبار عندنا كثيرة بعدم تحريم الزيادة (5) و أنّ معنى الآية: لا يحلّ لك النساء اللاتي في قوله تعالى «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ» الآية (6).

و الكتابة لقوله تعالى «وَ لٰا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ» (7).

و قول الشعر لقوله تعالى «وَ مٰا عَلَّمْنٰاهُ الشِّعْرَ وَ مٰا يَنْبَغِي لَهُ» (8).

و فيهما تأكيد الحجّة و الإعجاز. و لعلّ في ذكرهما من خواصّه إشعارا بأنّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يحسنهما، لقوله في التذكرة: و قد اختلف في أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) هل كان يحسنهما أم لا؟ و أصحّ قولي الشافعي الثاني، و إنّما يتّجه التحريم على الأوّل (9)، انتهى.

و عندي فيه نظر، و قد ورد في أخبارنا أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يكتب و يقرأ باثنين و سبعين أو ثلاثة و سبعين لسانا (10).

و تحريم نزع لأمته إذا لبسها قبل لقاء العدوّ و للشافعية قول بكراهته (11). و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): ما كان لنبيّ إذا لبس لأمته أن ينزعها حتى يلقى العدوّ (12).

____________

(1) الأحزاب: 52.

(2) الجامع لأحكام القرآن: ج 14 ص 219.

(3) الأحزاب: 52.

(4) الأحزاب: 50.

(5) الكافي: ج 5 ص 387.

(6) النساء: 23.

(7) العنكبوت: 48.

(8) يس: 69.

(9) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 566 س 36.

(10) معاني الأخبار: ص 53 ح 6.

(11) لم نعثر عليه في كتبهم المتوفّرة لدينا، حكاه في تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 566 س 37.

(12) صحيح البخاري: ج 9 ص 138.

37

و من الثاني أعني التخفيفات أنّه أبيح له أن يتزوّج بغير عدد في الأصحّ، و قطع به الشيخ (1) لظاهر الآية و للأخبار. و للشافعية قول بحرمة الزيادة على التسع (2).

و أن يتزوّج و يطأ بغير مهر قطع به الشيخ (3) لإباحة تزوّجه بالهبة، و ظاهر الهبة يقتضي ذلك، و الأخبار به من طريقنا كثيرة (4). و للشافعية قول غريب بخلافه (5).

و أبيح له التزوّج بلفظ الهبة لظاهر الآية (6) و احتمل العدم، لقوله:

«إِنْ أَرٰادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهٰا» و منع ظهور «وَهَبَتْ» في ذلك. و قيل: يكفي لفظ الهبة منها، و لا بدّ فيه (عليه السلام) من لفظ النكاح (7).

و ترك القسم بين زوجاته لقوله تعالى «تُرْجِي مَنْ تَشٰاءُ مِنْهُنَّ وَ تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشٰاءُ» (8) و قيل بوجوبه (9) و استظهره في المبسوط (10) و يحمل الآية حينئذ على جواز التبدّل أو التخيير بين الواهبات أو جملة النساء المؤمنات أن ينكح من شاء منهنّ و يترك من شاء.

و في التذكرة: أنّ هذه الإباحات مبنيّة على كون النكاح في حقّه كالتسرّي في حقّنا (11) فإن كان الأمر كذلك يثبت، و إلّا فلا.

و أبيح له الاصطفاء لما اختاره من الغنيمة قبل القسمة، و كذا الإمام عندنا، فالخاصّة إضافيّة أو مطلقة على الوجه الذي عرفت.

و الوصال في الصوم، فعنه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه لمّا نهى عن الوصال قيل له: إنّك

____________

(1) المبسوط: ج 4 ص 154.

(2) المجموع: ج 16 ص 144.

(3) المبسوط: ج 4 ص 154.

(4) وسائل الشيعة: ج 14 ص 198 ب 2 من أبواب عقد النكاح.

(5) الحاوي الكبير: ج 9 ص 24.

(6) الأحزاب: 50.

(7) جامع المقاصد: ج 12 ص 59.

(8) الأحزاب: 51.

(9) الحاوي الكبير: ج 9 ص 25.

(10) المبسوط: ج 4 ص 160.

(11) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 568 س 4.

38

تواصل، فقال: لست كأحدكم إنّي أطعم و أسقي (1). و في رواية أخرى: أبيت يطعمني ربّي و يسقين (2).

قال في التذكرة: و معناه: أن يطوي الليل بلا أكل و لا شرب مع صيام النهار، لا أن يكون صائما، لأنّ الصوم في الليل لا ينعقد، بل إذا دخل الليل صار الصائم مفطرا إجماعا (3). و نحوه في المبسوط (4) و التحرير (5). و كلّ من عدم انعقاده بالليل في حقّه (صلّى اللّه عليه و آله) و الإجماع في حقّه و وجوب الأكل و الشرب أو نحوهما في الليل على غيره ممنوع، و قد صرّح في صوم التحرير (6) و المنتهى (7) بخلافه.

و أخذ الماء من العطشان بل الطعام و الشراب من مالكهما و إن اضطرّ إليهما، لأنّه (صلّى اللّه عليه و آله) أولى بالمؤمنين من أنفسهم، و حفظ مهجته الشريفة أهم و الحمى لنفسه لرعي ماشيته و للمسلمين، و لم يكن ذلك لأحد من الأنبياء و لا للأئمّة بعده، كذا في المبسوط (8) و التذكرة (9). نعم للإمام أن يحمي للمسلمين، و قيل: له الحمى لنفسه (10).

و من خواصّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالنسبة إلى الأنبياء (عليهم السلام) أنّه أبيح لنا و له الغنائم و لم يبح لأحد قبله، بل كانت تجمع فينزل نار فيحرقها.

و أنّه جعل له و لنا الأرض مسجدا و ترابها طهورا يصلّي أين يشاء، و يتطهّر بأيّ تراب، قال (صلّى اللّه عليه و آله): أعطيت خمسا لم يعطها أحد قبلي:

جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا، و أحلّ لي المغنم، و نصرت بالرعب، و أعطيت جوامع الكلم، و أعطيت الشفاعة (11). و في رواية أخرى: جعلت لي الأرض مسجدا و ترابها طهورا (12).

____________

(1) مسند أحمد بن حنبل: ج 2 ص 21.

(2) مسند أحمد بن حنبل: ج 2 ص 516.

(3) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 567 س 19.

(4) المبسوط: ج 4 ص 153.

(5) تحرير الأحكام: ج 2 ص 3 س 1.

(6) تحرير الأحكام: ج 1 ص 84 س 32.

(7) منتهى المطلب: ج 2 ص 617 س 26.

(8) المبسوط: ج 4 ص 153.

(9) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 617 س 26.

(10) جامع المقاصد: ج 12 ص 62.

(11) الخصال: ص 292 ح 56.

(12) عوالي اللآلي: ج 2 ص 208 ح 130.

39

و قد وقع الخلاف في التيمم بغير التراب، و لذا خصّ التراب بالذكر، و يجوز كونهما خاصّتين مطلقتين على الوجه المتقدّم.

و من الكرامات أنّه جعلت أزواجه أمهات المؤمنين بنصّ الآية (1). بمعنى تحريم نكاحهنّ على غيره و احترامهن سواء فارقهن بموت كالتسع المعروفات أو فسخ كالتي فسخ نكاحها بالبرص أو طلاق كالتي استعاذت منه، لشمول الأزواج لهن لا لتسميتهنّ أمّهات و لا لتسميته (صلّى اللّه عليه و آله) و أبا و لا لجواز النظر إليهن و الخلوة بهن، و لا آباؤهن و أمّهاتهن أجداد المؤمنين، و لا إخوانهن أخوالهم، و لا بناته أخواتهم.

و بعث إلى الكافة من الثقلين.

و من الكرامات الخاصة بالنسبة إلى الأنبياء بل مطلقا أنّه بقيت معجزته و هي القرآن إلى يوم القيامة و هو متضمّن لخواصّ:

إحداها: أنّ له معجزة من جنس الكلام.

و الثانية: بقاء المعجزة بعده.

و الثالثة: بقاء الكتاب من غير تحريف.

و جعل خاتم النبيّين و نصر بالرعب، و ذلك أنّه كان العدوّ يرهبه من مسيرة شهر، و جعلت أمّته معصومة لقوله تعالى «وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً» (2). و لقوله (صلّى اللّه عليه و آله): لا تجتمع أمّتي على ضلالة (3). و هذه الخاصة إنّما تتم عند العامة، لأنّ الإمام في كلّ امّة لا يكون إلّا معصوما عندنا، و غير الإمام ليسوا معصومين، فلا فرق عندنا بين أمّته و سائر الأمم، و قد يوجّه بأنّها معصومة من العذاب في الدنيا.

و خصّ بالشفاعة لنحو ما مرّ من الخبر.

____________

(1) الأحزاب: 6.

(2) البقرة: 143.

(3) سنن ابن ماجة: ج 2 ص 1303 ح 3950.

40

و كان ينظر من ورائه كما ينظر من قدّامه بمعنى الاستواء في التحفّظ و الحسّ، و كان تنام عينه و لا ينام قلبه كذلك أي بمعنى التحفّظ و الحسّ، و قد ورد مشاركة الأئمّة له (صلوات اللّه عليهم) فيهما (1) و يتفرّع على الثانية عدم انتقاض الوضوء بالنوم، و قد نصّ عليه في التذكرة (2).

و جعل بنصّ الآية (3) ثواب نسائه مضاعفا، و كذا عقابهن.

و أبيح له دخول مكّة فضلا عن خارجها من الحرم بغير إحرام.

و إذا وقع بصره على امرأة و رغب فيها وجب على الزوج طلاقها لقضية زيد (4) و إن كانت خليّة وجبت عليها الإجابة.

قال في التذكرة: و لعلّ السر فيه من جانب الزوج امتحان إيمانه، و من جانبه (صلّى اللّه عليه و آله) و ابتلاؤه ببلية البشرية، و منعه من خائنة الأعين، و الإضمار على خلاف الإظهار، كما قال اللّه تعالى «وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللّٰهُ مُبْدِيهِ» (5). قال: و لا شيء ادعى إلى غض البصر و حفظه عن لمحاته الاتفاقية من هذا التكليف، و ليس هذا من باب التخفيفات كما قاله الفقهاء، بل هو في حقّه غاية التشديد، إذ لو كلّف بذلك آحاد الناس لما فتحوا أعينهم في الشوارع خوفا من ذلك، و لذا قالت عائشة:

لو كان (صلّى اللّه عليه و آله) و يخفي آية لأخفى هذه (6).

[المبحث السابع]

السابع أقسام كتاب النكاح أو أقسام المبيح للوطء مجازا أو اصطلاحا ثلاثة أو الإضافة مجاز، أو الوصف بالدوام و أخويه مجاز، أو يقدّر مضاف إلى النكاح بمعنى الوطء أي مبيحة.

و على الجملة فما يستباح به الوطء ثلاثة: عقد أثره دائم، و عقد أثره منقطع، و ملك يمين و التحليل داخل في المنقطع أو ملك اليمين، و إن فسر

____________

(1) بصائر الدّرجات: ص 439.

(2) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 567 س 27.

(3) الأحزاب: 30 و 31.

(4) مجمع البيان: ج 8 ص 359.

(5) الأحزاب: 37.

(6) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 567 س 39.

41

النكاح بالكتاب فالمراد قسم الدائم و قسم المنقطع و قسم ملك اليمين.

و لنبدأ بالدائم فإنّه الأصل و العمدة و المطلوب غالبا و نتبعه بالآخرين إن شاء اللّه مع تقديم المنقطع، لدخول عقده في النكاح، و دخول المنكوحة به في الزوج، فالباب الثاني و الثالث في الدائم، و إن ذكر فيهما ما يشترك بينه و بين المنقطع للاختصار.

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

[الباب الثاني في العقد]

الباب الثاني في حقيقة العقد و شروطه و أحكامه و فيه فصلان:

[الفصل الأول]

الأوّل في أركانه أي ما يدخل في مفهومه و لو التزاما عرفيا، أو ما يدخل في تحقّق حقيقته و هي ثلاثة: الحدث، و الفاعل، و المفعول، و كذا حكم كلّ حدث متعدّي.

فالحدث هو إيقاع

[الركن الأول الصيغة]

الصيغة و كثيرا ما يطلق العقد على الصيغة، و لا بدّ فيه أي الصيغة لكونه عقدا و لفظا، أو في العقد أو النكاح من إيجاب و قبول كسائر العقود.

و ألفاظ الإيجاب: زوّجتك و أنكحتك بلا خلاف بين علماء الإسلام كما في التذكرة (1) و قد نطق بهما في القرآن (2).

و متّعتك وفاقا للنهاية (3) و الشرائع (4) و النافع (5) و الإرشاد (6) لعدم النّص على حصر لفظه في شيء، مع دلالته على المقصود، و كونه حقيقة عرفية في النكاح، إلّا أنّه إن ذكر الأجل انصرف إلى المنقطع، و لانصرافه إلى الدائم مع نسيان الأجل، و الأكثر على المنع، و ظاهر السيد في الطبريات الإجماع

____________

(1) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 581 س 23.

(2) الأحزاب: 37 و النساء: 22.

(3) النهاية: ج 2 ص 288.

(4) شرائع الإسلام: ج 2 ص 273.

(5) المختصر النافع: ص 169.

(6) إرشاد الأذهان: ج 2 ص 6.

44

عليه (1) و هو مختار التذكرة (2) و المختلف (3) للاستصحاب، و كونه حقيقة في المنقطع، و منع انصرافه إلى الدائم مع نسيان الأجل، و المجاز لا يكفي و إلّا لم ينحصر، و لأنّ فيه شوبا من العبادة، و هي لا تتلقى إلّا من الشارع.

و لفظ القبول قبلت النكاح أو التزويج أو المتعة أو نكحت أو تزوّجت.

و لو اقتصر على قبلت صحّ عندنا، لأنّه صريح في قبول ما أوجب.

و كذا يصحّ عندنا لو تغايرا مثل أن يقول الموجب: زوّجتك فيقول: قبلت النكاح أو نكحت و بالعكس لاتفاق المعنى.

و لا بدّ من وقوعهما بلفظ الماضي وفاقا لا بني حمزة (4) و سعيد (5) لأنّ أمر الفرج شديد لا يستحلّ إلّا بما تيقّن، و لا يقين في المستقبل، لاحتماله الوعد، و وقوع الخلاف فيه، و إن ساوى الماضي في كونهما للإخبار حقيقة، و جواز التجوّز في الإنشاء، و أمّا الأمر فهو في غاية البعد عن هذا الإنشاء و إن كان إنشاء.

و لو قصد بلفظ الأمر الإنشاء للقبول قيل و القائل الشيخ (6) و ابنا زهرة (7) و حمزة (8) و المحقق (9): يصحّ كما في خبر سهل الساعدي المرويّ بطرق من الخاصة و العامة: أنّ رجلا سأل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و تزويج امرأة، فقال: زوّجنيها، فسأله عمّا يصدقها به- إلى أن قال: زوّجتك بما معك من القرآن (10). و ليس في الخبر من طرقه أنّه أعاد القبول.

و الأقوى المنع، وفاقا للسرائر (11) و الجامع (12) و المختلف (13) استصحابا لعصمة

____________

(1) الطبريات- أي الناصريات- ص 325 المسألة 152.

(2) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 581 س 35.

(3) مختلف الشيعة: ج 7 ص 87.

(4) الوسيلة: ص 291.

(5) الجامع للشرائع: ص 436.

(6) المبسوط: ج 4 ص 194.

(7) الغنية: ص 341.

(8) الوسيلة: ص 291.

(9) شرائع الإسلام: ج 2 ص 273.

(10) عوالي اللآلي: ج 2 ص 263 ح 8.

(11) السرائر: ج 2 ص 574- 575.

(12) الجامع للشرائع: ص 437.

(13) مختلف الشيعة: ج 7 ص 89.

45

الفرج و عدم العلم بالاجتزاء بما في الخبر، مع احتمال الشهيد أن يكون ذلك اللفظ منه (صلّى اللّه عليه و آله) إيجابا و قبولا، لثبوت الولاية له على المؤمنين (1) فهو من خواصّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلّا أنّه قد يستبعد لكون المعروف في وليّ الصغيرين إذا زاوج بينهما التلفظ بكلّ من الإيجاب و القبول. و أمّا قصد إنشاء القبول من الأمر فمعناه إفادته الرضا المفهوم من لفظ القبول.

و لو قال: أتزوّجك- بلفظ المستقبل منشئا- فقالت: زوّجتك نفسي جاز على رأي وفاقا للحسن (2) و المحقّق (3) لرواية أبان بن تغلب عن الصادق (عليه السلام) سأله كيف أقول لها إذا خلوت بها؟ قال: تقول: أتزوّجك متعة على كتاب اللّه و سنّة نبيّه لا وارثة و لا موروثة كذا و كذا يوما، و إن شئت كذا و كذا سنة بكذا و كذا درهما، و تسمي من الأجر ما تراضيتما عليه، قليلا كان أو كثيرا، فإذا قالت: نعم، فقد رضيت و هي امرأتك و أنت أولى الناس بها. قلت: فإنّي أستحيي أن أذكر شرط الأيام. قال: هو أضرّ عليك. قلت: و كيف؟ قال: إنّك إن لم تشترط كان تزويج مقام، و لزمتك النفقة في العدة، و كانت وارثا و لم تقدر أن تطلّقها إلّا طلاق السنّة (4).

و رواية ابن أبي نصر عن ثعلبة قال: تقول: أتزوّجك متعة على كتاب اللّه و سنّة نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله) نكاحا غير سفاح على أن لا ترثيني و لا أرثك كذا و كذا يوما بكذا و كذا، و على أن عليك العدة (5).

و رواية هشام بن سالم قال: قلت: كيف يتزوّج المتعة؟ قال: تقول: يا أمة اللّه أتزوّجك كذا و كذا يوما بكذا و كذا درهما (6).

____________

(1) غاية المراد: ص 89 (مخطوط).

(2) حكاه عنه في نهاية المرام: ج 1 ص 24.

(3) شرائع الإسلام: ج 2 ص 273.

(4) وسائل الشيعة: ج 14 ص 466 ب 18 من أبواب المتعة ح 1 و تكملة الحديث في ج 14 ص 470 ب 20 من أبواب المتعة ح 2.

(5) وسائل الشيعة: ج 14 ص 466 ب 18 من أبواب المتعة ح 2.

(6) وسائل الشيعة: ج 14 ص 466- 467 ب 18 من أبواب المتعة ح 3.

46

و إذا جاز الاستقبال في المتعة جاز في الدوام، لعدم الفارق، مع تنصيص الخبر الأوّل بأنّه إذا ترك الشرط كان تزويج دوام، و لعدم الفرق بين الماضي و المستقبل في كونهما خبرين حقيقة صالحين للإنشاء، مع عدم الدليل على اشتراط المضيّ من نصّ و غيره.

و الأقوى المنع، وفاقا للمختلف (1) و ابني حمزة (2) و سعيد (3) استصحابا للعصمة، و اقتصارا على المتيقّن، و استضعافا للأخبار سندا و دلالة.

و لو قال مستفهم: زوّجت بنتك من فلان؟ فقال: نعم بقصد إعادة اللفظ تقديرا و إقامة «نعم» مقامه للإنشاء لا لقصد جواب الاستفهام.

فقال الزوج: قبلت صح عند الشيخ (4) و صاحبي الوسيلة (5) و النافع (6) و المصنف في الإرشاد قطعا (7) و هنا على إشكال من كونه صريحا في زوّجت و أجزائه اتفاقا، و ربّما يرشد إليه ما مرّ من خبري أبان و عبيد بن زرارة، و من الاستصحاب مع الشك في أنّ حكم الصريح في شيء حكمه.

و الأقوى المنع، لأنّه إنّما هو صريح في جواب الاستفهام دون إنشاء التزويج.

و لا إشكال في أنّه لو قصد الإخبار و هو جواب الاستفهام كذبا أو صدقا و لو بإرادة نية التزويج أو إشرافه عليه و نحو ذلك لم ينعقد.

و يصحّ العقد اتفاقا كما في المبسوط (8) مع تقديم القبول بأن يقول:

تزوّجتك أو نكحت (9) فتقول: زوّجتك أو أنحكتك، لحصول الركنين و عدم الدليل على اشتراط الترتيب، خصوصا و الإيجاب هنا من المرأة و هي تستحيي غالبا من الابتداء، و الوليّ و الوكيل فرعها، و يرشد إليه خبرا سهل و أبان.

____________

(1) مختلف الشيعة: ج 7 ص 89.

(2) الوسيلة: ص 291.

(3) الجامع للشرائع: ص 437.

(4) المبسوط: ج 4 ص 193.

(5) الوسيلة: ص 291.

(6) المختصر النافع: ص 169.

(7) إرشاد الأذهان: ج 2 ص 6.

(8) المبسوط: ج 4 ص 194.

(9) في ن: «أنكحت».

47

و ما قيل: من أنّ القبول إنّما هو رضا بمضمون الإيجاب، فلا معنى له مع التقدم (1) إنّما يتمّ في لفظ «قبلت».

[و إن قيل: معنى «تزوّجت» إنشاء صيرورته زوجا، و معنى «نكحت» إنشاء صيرورته ناكحا، و لا يصير شيئا منهما إلّا بعد تصييرها. قلنا: بل المعنى حينئذ إنشاء جعل نفسه زوجا أو ناكحا] (2).

و لا يصحّ بغير العربية مع القدرة اتفاقا منّا كما في المبسوط (3) و التذكرة (4) لأنّ ألفاظ العقود متلقّاة من الشارع، مع الأصل و الاحتياط في الفروج. و أجازه ابن حمزة، و استحبّ العربيّة (5) لأنّه من الألفاظ الصريحة المرادفة للعربية. و جوابه منع الكبرى لما عرفت.

و يجوز كما قطع به الأصحاب مع العجز عن العربية و لو بالتعلّم بلا مشقة و لا فوت غرض مقصود. و ربّما قيل: و عن التوكيل و هو أولى ليقع باللفظ المتلقّى من الشارع، لكن الأصل يدفعه، و وجه الجواز دفع الحرج و الفهم من فحوى الاجتزاء بإشارة الأخرس، و عدم النص الآمر بالعربية. و ربّما يؤيّد به قول ابن حمزة (6) و يدفعه الأصل و الاحتياط مع دعوى الإجماع.

و لو عجز أحدهما خاصّة تكلّم كلّ بلغته وفاقا للمبسوط (7) و الشرائع (8) و غيرهما، بشرط فهم كلّ مراد الآخر و لو بإخبار الثقة.

و لو عجزا عن النطق لخرس أصليّ أو طارئ أو أحدهما، أشار بما يدلّ على القصد للضرورة، و لفحوى ما ورد في الطلاق (9) و هو ممّا قطع به الأصحاب، و لو وكّلا أو أحدهما كان أحوط، و لم أجد نصّا من الأصحاب فيمن عجز للإكراه و نحوه.

____________

(1) جامع المقاصد: ج 12 ص 74.

(2) ما بين المعقوفتين ليس في ن.

(3) المبسوط: ج 4 ص 194.

(4) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 582 س 2.

(5) الوسيلة: ص 291.

(6) الوسيلة: ص 292.

(7) المبسوط: ج 4 ص 194.

(8) شرائع الإسلام: ج 2 ص 273.

(9) وسائل الشيعة: ج 15 ص 299 ب 19 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه.

48

و لا ينعقد عندنا بلفظ البيع و لا الهبة و إن جوّزناها للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) و لا الصدقة و لا التمليك سواء علّقت بنفسها أو بضعها أو منافعها و لا الإجارة، ذكر المهر بلفظ المهر أو مرادفه أو لا، و لا الإباحة علّقت بنفسها أو بضعها أو منافعها و لا العارية علّقت بنفسها أو بضعها اقتصارا على القدر المتيقّن المتلقّى من الشارع فيما خالف الأصل و الاحتياط، و لتخصيص الهبة به (صلّى اللّه عليه و آله) بنصّ الكتاب (1) و هو ربّما يرشد إليه في غيرها.

و لو قال: أتزوّجني بنتك أو قال لها: أتزوّجني نفسك فقال أو قالت: زوّجتك لم ينعقد حتى يقبل، و كذا لو قال: إن زوّجتني ابنتك، و كذا جئتك خاطبا راغبا في بنتك فيقول: زوّجتك لأنّ شيئا ممّا تقدّم الإيجاب ليس قبولا، و إن قصده به لم يكن صريحا فيه.

و لا ينعقد بالكتابة للقادر على النطق مطلقا، و لا للعاجز عنه إلّا أن يضم إليها قرينة تدلّ على القصد فإنّها بدونها كالكناية (2) لاحتمال انتفاء القصد، و أمّا معها فهي من أقوى الإشارات.

و يشترط التنجيز اتفاقا، إذ لا عقد مع التعليق، خصوصا و أمر الفروج شديد. فلو علّقه و لو بأمر متحقق كأن يقول: إن كان اليوم يوم الجمعة فقد زوّجتك لم يصحّ و إن لم يرد التعليق، لأنّه غير صريح فهو بمنزلة الكناية (3).

و اتّحاد المجلس عرفا لطرفي العقد، بحيث يعدّ القبول جوابا للإيجاب، و إن تراخى عنه كما هو شأن العقود اللازمة. و لعلّ السر في اشتراط اتحاد المجلس أنّه ما لم يتحقّق الطرفان جاز لكلّ منهما الإعراض، فإذا تحقّقا في مجلس واحد لزم العقد، لعدم الإعراض ظاهرا، بخلاف ما لو تفارقا، إذ لا قرينة على عدم إعراض الموجب، فإنه أمر قلبي. و بالجملة فمع التقارن صريح، و مع الافتراق بمنزلة الكناية (4) فكما لا يعتبر و إن قصد المراد في العقد فكذا مع الافتراق و إن لم يعرض في البين.

____________

(1) الأحزاب: 50.

(2) في المطبوع: كالكتابة.

(3) في المطبوع: الكتابة.

(4) في المطبوع: الكتابة.

49

فلو قالت: زوّجت نفسي من فلان و هو غائب فبلغه فقبل و لو فورا لم ينعقد، و كذا لو أخّر القبول مع الحضور بحيث لا يعدّ في العرف مطابقا للإيجاب لتخلّل كلام أو سكوت يخرجهما عن حدّ التخاطب في العقد اختيارا أم اضطرارا، و أمّا التأخير لابتلاع ريق و نحوه فلا يضره.

و في المبسوط: إنّ من العامة من يستحب في العقد خطبتين بأن يقول الوليّ مثلا: «بسم اللّه و الحمد للّه و صلّى اللّه على محمّد رسول اللّه أوصيكم بتقوى اللّه، زوجتك فلانة» فيقول الزوج: «بسم اللّه و الحمد للّه و صلّى اللّه على رسوله أوصيكم بتقوى اللّه قبلت هذه النكاح» قال: و لا أعرف ذلك لأصحابنا (1). و نحو ذلك في الخلاف (2) فيمكن أن لا يكون قطع بالفساد. و المصنف اقتصر في التذكرة (3) على نقل كلام المبسوط و أقوال العامة.

و لو أوجب ثمّ جنّ أو أغمي عليه قبل القبول بطل قبل بعد الإفاقة أو قبلها، طال الفصل أم لا، و كذا إن تقدم القبول، لبطلان العقود الجائزة بزوال العقل، و هو قبل تحقّق الطرفين جائز، بخلاف ما إذا تخلّل النوم و لم يطل الزمان، فإنّه لا يبطل العقود الجائزة.

و لو زوّجها الوليّ افتقر العقد أو الوليّ فيه اتفاقا إلى تعيينها كما لا بدّ من تعيين الزوج مطلقا إمّا بالإشارة أو بالاسم أو بالوصف الرافع للاشتراك و لو بنحو قوله: بنتي إن اتحدت، أو بالنية المتفقة منه و من القابل، و لا بد من الاتفاق في النية في الجميع، فلو سمى الكبرى باسم الصغرى غلطا، و قبل الزوج ناويا نكاح الصغرى، لم يصح.

فلو زوّجه إحدى ابنتيه بلا تعيين أو هذا الحمل لم يصح أما الأوّل: فظاهر، و أمّا الثاني فلأنّه و إن تعيّن بالإشارة لكنّه غير معلوم التحقّق، و لو تحقّق فلا يعلم ذكر أم أنثى أم خنثى، واحد أم متعدّد.

____________

(1) المبسوط: ج 4 ص 195.

(2) الخلاف: ج 4 ص 293 المسألة 61.

(3) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 571 س 9.

50

و لو كان له عدة بنات فزوّجه واحدة منهن و لم يذكر اسمها حين العقد و لا ميّزها بغير الاسم فإن لم يقصد معينة بطل كما عرفت و إن قصد صحّ إن وافقه الزوج، عالما بالموافقة لا اتفاقا، أو وكّل القصد إليه فقبل نكاح من نواها.

فإن اختلفا في المعقود عليها أي تنازعا فيها بعد الاتفاق على صحة العقد المستلزمة لورود الطرفين على واحدة معيّنة بالنية المتفقة بينهما فإن كان الزوج قد رآهن كلّهن فالقول قول الأب، وفاقا للنهاية (1) و الشرائع (2) و غيرهما لأنّ الظاهر أنّه و كلّ التعيين إليه فالاختلاف في فعله فيرجع إليه لأنّه أعلم به. و لصحيح أبي عبيدة عن الباقر (عليه السلام) سأله عن رجل كانت له ثلاث بنات أبكار، فزوّج واحدة منهن رجلا و لم يسمّ التي زوّج للزوج و لا للشهود، و قد كان الزوج فرض لها صداقها، فلمّا بلغ إدخالها على الزوج بلغ الرجل أنّها الكبرى من الثلاث، فقال الزوج لأبيها: إنّما تزوّجت منك الصغرى من بناتك، قال:

فقال (عليه السلام): إن كان الزوج رآهنّ كلّهنّ و لم يسمّ له واحدة منهنّ فالقول في ذلك قول الأب (3).

و عليه أي الأب حينئذ أن يسلّم إليه أي الزوج المنويّة بينه و بين اللّه، كما قال (عليه السلام) في هذا الخبر: و على الأب فيما بينه و بين اللّه أن يدفع إلى الزوج الجارية التي كان نوى أن يزوّجها إيّاه عند عقدة النكاح (4).

و لو مات الأب قبل البيان أقرع لأنّه لكلّ أمر متعيّن في نفسه مشتبه علينا.

و إن لم يكن رآهن كلّهن، رآى بعضهنّ أم لا، ادّعى هو أو الأب أو كلاهما العقد على من رآها أو غيرها كما يقتضيه الخبر بطل العقد لعدم جواز

____________

(1) النهاية: ج 2 ص 318.

(2) شرائع الإسلام: ج 2 ص 275.

(3) وسائل الشيعة: ج 14 ص 222 ب 15 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد ح 1.

(4) نفس المصدر السابق.

51

التفويض هنا، إلّا فيمن رآها، و لقوله (عليه السلام) في الخبر: «و إن كان الزوج لم يرهن كلّهن و لم يسمّ واحدة عند عقدة النكاح فالنكاح باطل» (1) لا لأنّ الرؤية دليل التفويض أو عدمها دليل عدمه، فلا خروج عن مضمون الخبر كما توهّم.

و لا إشكال في الخبر من أنّه يدلّ على أنّ الرؤية كافية في الصحة و الرجوع إلى قول الأب و إن خالف ما نواه الزوج، و عدمها كاف في البطلان و إن توافقا، مع أنّ الرؤية لا مدخل لها في صحة العقد و عدمها، و لا يفيد التعيين، و لا عدمها ينافيه، و لا يفيد ما نزّله عليه المصنف و غيره، لأنّ التفويض إلى الأب إن كفى مع تولّيه القبول من غير أن يقصد معيّنة فلا فرق بين الرؤية و عدمها، فيلزم الصحة على التقديرين، و إن لم يكف بطل على التقديرين، و ذلك لأنّه لا بعد في أن يكون التفويض إلى الولي جائزا في النساء اللاتي رآهن، لأنهنّ تعيّن عنده دون من لم يرهن لكثرة الجهالة، لا أنّ الرؤية دليل على التفويض، و أنّ التفويض جائز مطلقا، على أنّه إن رآى بعضهن خاصّة كان الظاهر تعلّق نيته بمن تعلقت بها الرؤية، و إن تعدّدت فالتفويض في تعيين واحدة منهنّ، فإن ادّعى الأدب غيرهن لم يسمع منه، لظهور خلافه.

إلّا أنّ في المختلف: و التخريج بهذه (2) الرواية: أنّ الزّوج إذا كان قد رآهن كلّهن فقد رضي بما يعقد عليه الأب منهنّ و رضي باختياره و وكّل الأمر إليه، فكان في الحقيقة وكيله و قد نوى الأب واحدة معيّنة فيصرف العقد إليها، و إن لم يكن قد رآهن كان العقد باطلا، لعدم رضى الزوج بما يسمّيه الأب و يعيّنه في ضميره، و الأصل في ذلك أن يقول: إن كان الأب قد نوى واحدة بعينها و كان رؤية الزوج، لهن دليلا على الرضا بما يعيّنه صح العقد، و كان القول قول الأب فيما عيّنه، و إلّا فلا (3). فجعل العمدة هو التفويض و الرؤية دليلا عليه.

____________

(1) نفس المصدر السابق.

(2) كذا، و الظاهر: لهذه، كما في المختلف.

(3) مختلف الشيعة: ج 7 ص 119.

52

و أبطل ابن إدريس العقد مطلقا (1) لعدم تعيين المعقود عليها، و طرح الخبر احتياطا للفرج.

و الجواب: أنّ التميّز حاصل على الوجه المعتبر، فإنّ الزوج ينوي قبول نكاح من نواها الأب، و هو وصف مميّز لها عمّا عداها، و أي فرق بين هذا الوصف، و الوصف بالصغرى و الكبرى و نحوهما مع عدم الرؤية.

[الركن الثاني: المحلّ]

الركن الثاني: المحلّ للعقد، أي ما يتعلّق به كالمبيع الذي يتعلّق به البيع و هو كلّ امرأة يباح العقد عليها للزوج، و هي بهذا الوجه محلّ، و باعتبار كونها أحد طرفي العقد عاقد، كالموجر نفسه و سيأتي ذكر المحرمات إن شاء اللّه تعالى و بضدّها يتبيّن الأشياء.

[الركن الثالث: العاقد]

الثالث: العاقد و هو مفهوم شامل للموجب و القابل، شمول الكلّ لأجزائه، لكون العقد عبارة عن مجموع الإيجاب و القبول. و يمكن أن يشملهما شمول الكلّي لجزئياته، لإطلاقه على كلّ منهما لكونه جزء السبب.

و هو الزوج أو وليّه و منه الوكيل و المرأة أو وليّها و يمكن أن يكون في التعبير عن الأوّل بالزوج، و عن الثاني بالمرأة، إيماء إلى كون الزوج قابلا، و أنّه لمّا قيل له: زوّجتك فكأنّه صار زوجا.

و كما يجوز للمرأة أن تتولّى عقدها مطلقا أو بإذن الولي على ما سيظهر فكذا لها عندنا أن تتولّى عقد غيرها زوجا أو زوجة خلافا للشافعية (2).

و يشترط فيه أي العاقد موجبا أو قابلا لنفسه أو لغيره البلوغ و العقل و الحريّة إلّا بإذن المولى فلا يصحّ عقد الصبيّ و لا الصبيّة و إن كانا مميّزين و إن أجاز الولي أو كان أذن، و لا المجنون رجلا أو امرأة كذلك و لا السكران و إن أفاق و أجاز و إن كان الإفاقة و الإجازة بعد

____________

(1) السرائر: ج 2 ص 573.

(2) الام: ج 5 ص 19.

53

الدخول وفاقا لابن إدريس (1) و المحقق (2) لأنّ الإجازة لا تفيد إذا لم يتحقق العقد، و هنا لم يتحقق، فإنّه لا عقد حيث لا قصد، و لا قصد للسكران.

و الأولى في تفسير قوله: «و إن كان بعد الدخول» أن يقال: و إن كان عدم الصحة بعد الدخول، أي الحكم كما ذكر و إن دخل بها، بل و إن مكّنته من الدخول، إلّا أنّ ما ذكرناه أوّلا موافق للنهاية (3) و غيرها، فإنّهم فرضوا الدخول و هي سكرى.

و عمل الصدوق (4) و الشيخ في النهاية، و القاضي (5) بصحيح ابن بزيع قال:

سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن امرأة ابتليت بشرب النبيذ فسكرت، فزوّجت نفسها رجلا في سكرها ثمّ أفاقت فأنكرت ذلك ثمّ ظنت أنّه يلزمها ففزعت منه- و في الفقيه فورعت منه (6)- فأقامت مع الرجل على ذلك التزويج، إحلال هو لها أم التزويج فاسد لمكان السكر، و لا سبيل للزوج عليها؟ فقال: إذا قامت معه بعد ما أفاقت فهو رضى منها، قلت: و يجوز ذلك التزويج عليها؟ قال: نعم (7).

و حمله في المختلف على ما إذا لم يبلغ بها السكر إلى حدّ عدم التحصيل (8) و يبعده لفظ السائل. و قوله (عليه السلام): «إذا أقامت معه بعد ما أفاقت فهو رضا منها».

قلت: و يمكن العمل بالخبر مع القول بقضية الأصل التي هي فساد العقد، بأن يكون الزوج جاهلا بسكرها، فإنّه حينئذ و إن لم يقع نكاح في الواقع، لكنّه لا يسمع في حقّه قول المرأة، خصوصا بعد التمكين من الدخول و الإقامة معه، فليس عليه مفارقتها، و له إلزامها بحقوق الزوجية، و أنّها ما دامت تظن صحة نكاحها ليس عليها شيء، و الوطء الواقع في تلك المدة بالنسبة إليه وطء صحيح شرعي،

____________

(1) السرائر: ج 2 ص 571.

(2) شرائع الإسلام: ج 2 ص 274.

(3) النهاية: ج 2 ص 317.

(4) المقنع: ص 102- 103.

(5) المهذّب: ج 2 ص 196.

(6) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 409 ح 4430.

(7) وسائل الشيعة: ج 14 ص 221 ب 14 من أبواب عقد النكاح، ح 1.

(8) مختلف الشيعة: ج 7 ص 115.

54

و بالنسبة إليها وطء شبهة و بعد ما علمت بالفساد فأحكام التزويج جائزة عليها، أي ماضية قهرا، و لكن ليس لها فيما بينها و بين اللّه حقوق الزوجية و إن كان عليها الامتناع من التمكين منها ما أمكنها، مع أنّ فيه تأمّلا.

و لا يشترط في نكاح الرشيدة الوليّ بكرا كانت أم ثيّبا، و سيأتي.

و لا الشهود في شيء من الأنكحة الدائم و المتعة [و التحليل] (1) و الملك، خلافا للحسن (2) في الدائم، و قد تقدّم (3). و لندرته و ضعفه حكى الإجماع على العدم في الانتصار (4) و الناصريات (5) و الخلاف (6).

و لو تآمر الكتمان لم يبطل عندنا، خلافا لمالك (7).

و يصحّ اشتراط الخيار في الصداق فإنّه يجوز إخلاء النكاح منه، فهو أولى، إذ غايته الفسخ فيبقى بلا مهر.

و لا يصحّ اشتراطه في النكاح اتفاقا، لأنّه ليس معاوضة محضة كالبيع و نحوه، و لذا يصحّ من غير تسمية للعوض، و مع التسمية لعوض فاسد، و مع الجهل بالمعقود عليها. و لأنّ فيه شوبا من العبادة و لا خيار فيها، و لإفضائه إلى الفسخ بعد ابتذالها و هو ضرر عظيم، و لذا وجب نصف الصداق بالطلاق قبل الدخول. و لعدم الحاجة إليه، لأنّه لا يقع إلّا بعد فكر و رؤية و سؤال كلّ من الزوجين عن صاحبه و المعرفة بحاله، بخلاف البيع في الأسواق بلا فكر و رؤية.

نعم وقع الخلاف في صحّة النكاح المشروط بالخيار، فالمشهور بطلانه، و قال ابن إدريس بصحته و حكى الإجماع عليها و سيأتي.

و لو ادّعى كلّ منهما أي أيّ منهما فرض الزوجية فصدّقه الآخر حكم بالعقد و توارثا و لزمهما أحكام الزوجية ظاهرا، لانحصار الحق فيهما

____________

(1) ليس في ن.

(2) نقله عنه في مختلف الشيعة: ج 7 ص 101.

(3) عبارة «و قد تقدم» ليس في ن.

(4) الانتصار: ص 118.

(5) الناصريات: ص 319 المسألة 150.

(6) الخلاف: ج 4 ص 261 المسألة 13.

(7) المجموع: ج 16 ص 199.