كشف اللثام و الإبهام عن قواعد الأحكام - ج8

- الفاضل الهندي المزيد...
535 /
5

[كتاب الفراق]

(كتاب الفَراق) و فيه أبواب خمسة:

[الباب الأوّل في الطلاق]

الباب (الأوّل في الطلاق) و هو في الشرع أو عرف أهله اسم لزوال قيد الزوجيّة بألفاظٍ مخصوصة.

و فيه مقاصد أربعة:

[المقصد الأوّل في أركانه]

المقصد الأوّل في أركانه و فيه فصول أربعة بعدد الأركان:

[الفصل الأول المطلق]

الأوّل: المُطلِّق و يشترط فيه أُمور أربعة:

[الشرط الأول البلوغ]

الأوّل: البلوغ وفاقاً للأكثر فلا يصحّ طلاق الصبيّ و إن كان مميِّزاً و لو بلغ عشراً لاستصحاب النكاح و الحجر عليه. و قول الصادق ((عليه السلام)) في خبر أبي الصباح الكِنانيّ: ليس طلاق الصبيّ بشيء (1) و في خبر أبي بصير:

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 15 ص 324 ب 32 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 1.

6

لا يجوز طلاق الصبيّ و لا السكران (1) إلّا على قول الشيخ في النهاية (2) و ابني حمزة (3) و البرّاج (4) اعتماداً على رواية ابن أبي عمير عن بعض رجاله عن الصادق ((عليه السلام))، قال: يجوز طلاق الصبيّ إذا بلغ عشر سنين (5) و قول عليّ بن بابويه بجواز طلاق الغلام للسنّة (6). و أطلق اعتماداً على رواية ابن بكير عنه ((عليه السلام)) قال: يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل و إن لم يحتلم (7). و مضمرة زرعة عن سماعة سأله عن طلاق الغلام و لم يحتلم، و صدقته، فقال: إذا طلّق للسنّة و وضع الصدقة في موضعها و حقّها فلا بأس (8) و هي كلّها ضعيفة سنداً و دلالة، لجواز إرادة طلاقه وكالة عن غيره و إن لم تصحّ الوكالة أيضاً. مع أنّ الأخيرين إنّما تضمّنا عدم الاحتلام و هو لا يستلزم عدم البلوغ.

و لو طلّق عنه وليّه لم يصحّ للإجماع. و النصوص (9) نعم، لو بلغ فاسد العقل صحّ طلاق وليّه عنه إن كانت فيه المصلحة؛ وفاقاً للأكثر. و الأخبار (10). و احترازاً عن الضرار. و خلافاً لابن إدريس (11) و الشيخ في الخلاف (12) للأصل. و كون الطلاق بيد من أخذ بالساق. و أطلق الشيخ في الخلاف

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 15 ص 324 ب 32 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 4.

(2) النهاية: ج 2 ص 447 448.

(3) الوسيلة: ص 323.

(4) المهذّب: ج 2 ص 288.

(5) وسائل الشيعة: ج 15 ص 324 ب 32 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 2.

(6) حكاه عنه في مختلف الشيعة: ج 7 ص 366.

(7) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 76 باب 3 أحكام الطلاق ح 176.

(8) وسائل الشيعة: ج 15 ص 325 ب 32 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 7.

(9) وسائل الشيعة: ج 15 ص 326 ب 33 من أبواب الطلاق و مقدّماته.

(10) الاستبصار: ج 3 ص 302، باب طلاق المعتوه ح 2.

(11) السرائر: ج 2 ص 673.

(12) الخلاف: ج 4 ص 442 مسألة 29.

7

نفي طلاق الوليّ عن المولّى عليه، و حكى عليه الإجماع.

و لو سبق الطلاق عنه على بلوغه لم يعتدّ به و لم يكن البلوغ فاسد العقل كاشفاً عن صحّته.

[الشرط الثاني العقل]

الثاني: العقل اتّفاقاً، إذ لا عبرة بعبارة غيره، و لا قصد له فلا يصحّ طلاق المجنون المطبق و لا غيره حال الجنون.

و خبر أبي بصير عن الصادق ((عليه السلام)) أنّه سئل عن المعتوه أ يجوز طلاقه؟ فقال: ما هو؟ قلت: الأحمق الذاهب العقل فقال: نعم (1) محمول على من يبقى له القصد، و هو الموافق للّغة. و حمله الشيخ على طلاق وليّه عنه (2) و لا السكران سكراً رافعاً للقصد و لا المغمىٰ عليه بمرض أو شرب مُرقد.

و لو كان المجنون يُفيق في وقت فطلّق فيه صحّ لزوال المانع.

و يطلّق عنه أي المجنون الوليّ إذا كان مُطبقاً و راعى المصلحة فإن لم يكن له وليّ طلّق عنه السلطان للضرورة و تشبيه الوليّ في أخبار طلاقه عنه بالإمام (3) فيفيد الأولويّة.

و لا يطلّق الوليّ و لا السلطان عن السكران و لا النائم و إن طال نومه، و لا المغمىٰ عليه، و لا من يعتوِره الجنون أدواراً للأصل. و رجاء زوال العذر.

نعم، لو امتنع من الطلاق وقت إفاقته مع مصلحة الطلاق، ففي الطلاق عنه حال الجنون إشكال من خبر أبي خالد القمّاط قال للصادق ((عليه السلام)): الرجل الأحمق الذاهب العقل يجوز طلاق وليّه عليه؟ قال: و لِمَ لا يطلّق هو؟ قال: لا يؤمن إن هو طلّق أن يقول غداً: لم أُطلّق، أو لا يحسن

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 15 ص 328 ب 34 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 8.

(2) الاستبصار: ج 3 ص 302، باب طلاق المعتوه ح 2.

(3) وسائل الشيعة: ج 15 ص 329 ب 35 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 3.

8

أن يطلّق، قال: ما أرى وليّه إلّا بمنزلة السلطان (1) و خبرين آخرين له مثل ذلك (2) فإنّ الظاهر من سؤاله ((عليه السلام)) و الجواب أن تعتوِره الإفاقة. و لأنّ الامتناع في الإفاقة ينزّل الجنون منزلة العذر الّذي لا يزول، فإنّ المجنون المطبق إنّما يطلّق عنه الوليّ لعدم علمه بما فيه المصلحة، و هو يشاركه فيه.

و من الأصل و اعتراض العذر للزوال. و لأنّ الوليّ إنّما يتولّى الطلاق عمّن لا قصد له، لأنّه لا يعلم أنّه يقصد الطلاق أو عدمه و هنا قصد العدم معلوم.

[الشرط الثالث الاختيار]

الثالث: الاختيار، فلا يصحّ طلاق المُكرَه بالنصّ (3). و الإجماع كما يظهر. و لانتفاء القصد حينئذٍ.

و هو من يصدق عليه المُكرَه عرفاً، و هو من توعّده القادر على ما توعّد به المظنون فعل ما توعّده به لو لم يفعل مطلوبه بما يتضرّر به في نفسه أو من يجري مجرى نفسه في التضرّر بضرره كالأب و الولد و شبههما من قتل أو جرح، أو شتم، أو ضرب، أو أخذ مال يضرّ أخذه و إن قلّ، أو غير ذلك من أنواع الضرر، أو فعل به أو بمن يجري مجراه ما يتضرّر به حتّى لَفِظ بالطلاق.

و يختلف الإكراه بحسب اختلاف المكرهين في احتمال الإهانة و عدمها لقضاء العرف به، فشتم الوجيه إكراه دون غيره، و عليه القياس. و لا يختلفون في القتل و القطع، فهما إكراه بالنسبة إلى الكلّ.

و لا إكراه مع الضرر اليسير عرفاً، قال في التحرير و لو اكره على الطلاق، أو دفع مال غير مستحقّ يتمكّن من دفعه، فالأقرب أنّه إكراه (4). و لعلّ المراد ما يتضرّر بدفعه و لو بكونه جزيلًا عرفاً. قال: أمّا لو اكره على الطلاق أو فعل

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 15 ص 329 ب 35 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 1.

(2) وسائل الشيعة: ج 15 ص 329 ب 35 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 3، و ب 34 ح 1.

(3) وسائل الشيعة: ج 15 ص 331 ب 37 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه.

(4) تحرير الأحكام: ج 2 ص 51 س 22.

9

ما تستحقّ المرأة فعله فليس بإكراه، سواء كان بذلَ مالٍ أو غيره (1) يعني ليس من الإكراه المسقط لاعتبار الطلاق إذا تمكّن من أداء حقّها. و كذا في كلّ ما يقال: إنّ للحاكم الإجبار على الطلاق قال: و لو اكره على الطلاق فطلّق ناوياً له فالأقرب أنّه غير مكره، إذ لا إكراه على القصد (2) يعني و إن ظنّ أنّه يلزمه الطلاق لا مجرّد لفظه بالإجبار و إن كان لا يريده، أمّا لو علم أنّه لا يلزمه إلّا اللفظ و له تجريده عن القصد، فلا شبهة في عدم الإكراه.

و الإكراه يمنع من صحّة سائر التصرّفات من عقد أو إيقاع أو غيرهما إلّا إسلام الحربيّ فيعتبر في ظاهر الشرع مع الإكراه و إلّا لم يقاتلوا عليه.

و السرّ فيه: أنّ كثيراً من المكرهين عليه يتدرّج إلى الإيمان بالقلب إذا أقرّ عليه، و يتسبّبون لرغبة غيرهم في الإسلام، و يتقوّى بهم المؤمنون، و تعظم شوكتهم، و يخاف أعداؤهم.

و لو اكره لكن ظهر ما له دلالة على اختياره الطلاق صحّ طلاقه لأنّه صدر من صحيح اللفظ بغير إكراه، و ذلك بأن يخالف المكرِه مثل: أن يأمره بطلقةٍ فيطلّق اثنتين أو تطليق زوجة فيطلّق غيرها أو هيَ أي أباها مع غيرها بلفظ واحد فيقع طلاقهما. و إن طلّقهما بلفظين لم يقع على المكره على طلاقها و وقع على الأُخرى. و ربّما قيل بمثله في الأوّل أو تطليق إحدى زوجتين (3) له بصفة الإبهام فيطلّق معيّنة.

و استشكل فيه في التحرير (4) من المخالفة. و من اتّحاد المؤدّى، إذ لا بدّ للمطلّق لإحدى الزوجتين أن يعيّنها، أو لأنّه بعض ممّا اكره عليه، لأنّه إن طلّق إحداهما مبهمة حرمتا عليه إلى أن يعيّن.

____________

(1) تحرير الأحكام: ج 2 ص 51 س 24.

(2) تحرير الأحكام: ج 2 ص 51 س 25.

(3) في قواعد الأحكام زيادة: لا بعينها.

(4) تحرير الأحكام: ج 2 ص 51 س 27.

10

أو يأمره بالكناية فيأتي بالصريح أو بخصوص لفظ فيأتي بآخر.

و لو ترك التورية بأن يقصد بقوله: «أنت طالق» أي: من وثاقي يعلّقه بشرط في نيّته أو بالمشيئة أو يقصد به الإخبار مع علمه بالتورية و اعترافه بأنّه لم يدهش بالإكراه ليترك له التورية لم يقع أيضاً؛ لتحقّق الإكراه و انتفاء القصد إلى الطلاق.

[الشرط الرابع القصد]

الرابع: القصد إلى إيقاع الطلاق فلا يقع طلاق الساهي، و الغافل، و الغالط، و تارك النيّة و غيرهم كالهازل بالنصّ (1). و الإجماع و إن نطق بالصريح خلافاً لبعض العامّة فلم يعتبر فيه القصد (2) و من سبق لسانه إلى أحد ألفاظه الصريحة أو غيرها من غير قصد و يشمله كلّ من الساهي و الغافل و الغالط و تارك النيّة، إلّا أنّه أراد بالساهي من نطق بالطلاق قصداً و هو ساهٍ عن معناه [و بالغافل من لَفِظ بالطلاق بلا قصد و يحتمل العكس] (3) و بالغالط مَن نطق و أراد به غير معناه غلطاً، كأن أراد به النكاح مثلًا. و بتارك النيّة من هزل به. و بمن سبق لسانه من أراد النطق بغيره فنطق به.

و لو كان اسمها طالقاً فقال: «يا طالق» إن اكتفينا بالنداء أو «أنتِ طالق» و قصد الإنشاء وقع الطلاق و إلّا فلا و هو ظاهر.

و لو كان اسمها طارقاً مثلًا فقال: «يا طالق» أو «أنتِ طالق» ثم ادّعى أنّه التفت (4) لسانه من الراء إلى اللام قُبل إن بادر بالدعوى، لا إن أمهلها حتّى فعلت فعل المطلّقات، و هو عالم ساكت، فإنّه قرينة ظاهرة على كذبه، و لم يذكره تعويلًا على الظهور، فإنّ دعوى التفاف اللسان و نحوه تبادر بها غالباً.

و وجه القبول هو الأصل. و أنّ النيّة من أركان الطلاق، و لا يعرف إلّا من جهته.

و لو نسي أنّ له زوجةً فقال: «زوجتي طالق» لم يقع لانتفاء

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 15 ص 285 ب 11 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه.

(2) نيل الأوطار: ج 7 ص 21.

(3) ما بين المعقوفتين لم يرد في ق، ن.

(4) في ط و قواعد الأحكام: التفّ.

11

القصد إلّا مع قيام القرينة المكذّبة له.

و يُصدَّق ظاهراً في دعوى عدم القصد لو ادّعاه و إن تأخّر ما لم تخرج العدّة كذا ذكره الشيخ (1) و غيره؛ للأصل، و كونه خبراً عن نيّته التي لا تعلم إلّا من جهته.

و الفرق بين ما بعد العدّة و ما قبلها: أنّها في العدّة في علقة الزوجيّة، و بعدها قد بانت، و ربما تزوّجت بغيره فلا يسمع قوله في حقّه و إن صدّقته. و لأنّ الإمهال إلى انقضاء العدّة و تعريضها للأزواج قرينة ظاهرة على كذبه، فهذا فرق ما بينه و بين البيع و سائر العقود، حيث لا يقبل قول العاقد فيها، لأنّها بمجرّدها ناقلة.

و قد يقال: إنّ الظاهر يعارض الأصل مطلقاً. لأنّ القصد هو الظاهر إلّا أن تصدّقه المرأة فيقبل لعدم المعارض. و أمّا مع إنكارها فهي كالمشتري في البيع، و لا يتفاوت الحال بانقضاء العدّة و عدمه، و إن كانت قرينة الكذب مع الانقضاء أوضح.

و إن خصّت العدّة بالرجعيّة كما قيل لم يكن في الحقيقة قبولًا لقوله لموافقته الأصل، و إنّما يكون إنكاره القصد رجعةً. و خبر منصور بن يونس عن الكاظم ((عليه السلام)) يؤيّد العدم، لقوله ((عليه السلام)) فيمن طلّق بلا نيّة و إنّما حمله عليه بعض أقاربه: أمّا بينك و بين اللّٰه فليس بشيء، و لكن إن قدّموك إلى السلطان أبانها منك (2) إلّا أن يراد السلطان الجائر.

و ديّن بنيّته باطناً على كلّ حال، فإن كذب لم يقربها، و لم يرثها إن ماتت، و إن صدق أنفق عليها، و جدّد لها الطلاق إن أرادت التزوّج بالغير إلى غير ذلك.

و لو قال لزوجته: أنت طالق لظنّه أنّها زوجة الغير هازلًا أو وكالة عنه لم يقع لانتفاء القصد إلى فكّ النكاح بينه و بينها و يصدّق في ظنّه ذلك إذا ادّعاه ما لم تخرج العدّة أو تشهد القرينة بكذبه.

و لو قال: «زوجتي طالق» بظنّ خلوّه عن الزوجة و ظهر أنّ وكيله

____________

(1) الخلاف: ج 4 ص 458 مسألة 14.

(2) وسائل الشيعة: ج 15 ص 332 ب 38 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 1.

12

زوّجه لم يقع لعدم النيّة.

و لو لُقّن الأعجميّ الصيغة و هو لا يفهمها فنطق بها لم يقع لانتفاء القصد.

و كما يصحّ إيقاعه مباشرة، يصحّ التوكيل فيه للغائب إجماعاً، و للحاضر على رأي وفاقاً لابن إدريس (1) و المحقّق (2) و إطلاق أبي علي (3) لعموم الأدلّة. و خلافاً للشيخ (4) و جماعة؛ جمعاً بين الأخبار العامّة في التوكيل (5) و خبر زرارة عن الصادق ((عليه السلام)) قال: لا تجوز الوكالة في الطلاق (6). و هو لضعفه لا يصلح للتخصيص.

ثمّ إنّه يكفي في الجمع اعتبار الغيبة عن مجلس الطلاق، و لكن الشيخ نصّ على اعتباره عن البلد (7) و لا نعرف وجهه.

و لو وكّلها في طلاق نفسها صحّ على رأي [وفاقاً للمحقّق] (8) لعموم ما دلّ على جواز التوكيل (9). و خلافاً للشيخ (10) بناءً على اشتراط المغايرة بين الفاعل و القابل. و ظاهر قوله ((عليه السلام)): الطلاق بيد من أخذ بالساق (11). و ضعفهما ظاهر.

و على المختار فلو قال: طلّقي نفسكِ ثلاثاً فطلّقت واحدة أو بالعكس صحّت واحدة على رأي لاتّحاد المؤدّى، فالتوكيل في الثلاث في الحقيقة توكيل في الواحدة، و التطليق ثلاثاً في الحقيقة فعل للواحدة. و لأنّ التوكيل في

____________

(1) السرائر: ج 2 ص 677.

(2) شرائع الإسلام: ج 3 ص 13.

(3) حكاه عنه في مختلف الشيعة: ج 7 ص 351.

(4) النهاية: ج 2 ص 431.

(5) وسائل الشيعة: ج 15 ص 333 ب 39 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه.

(6) وسائل الشيعة: ج 15 ص 334 ب 39 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 5.

(7) النهاية: ج 2 ص 431.

(8) شرائع الإسلام: ج 3 ص 13، ما بين المعقوفتين ليس في ن، ق.

(9) وسائل الشيعة: ج 15 ص 333 ب 39 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه.

(10) المبسوط: ج 5 ص 29.

(11) الجامع الصغير: ج 2 ص 57.

13

الثلاث توكيل في الواحدة و ما زادت عليها، فإذا فعلت الواحدة فقد أتت بما وكّلت فيه، و إن لم تأت بغيره ممّا وكّلت فيه أيضاً، و هو لا يقتضي فساد الأوّل. و كذا إذا طلّقت ثلاثاً و قد وكّلها في الواحدة فقد أتت بما وكّلت فيه و زيادة، و الزيادة لا تبطل الموكّل فيه.

نعم إن قلنا بفساد التطليق ثلاثاً مطلقاً اتّجه الفساد في الصورتين، ففي الأُولى؛ لأنّه وكّلها في طلاق فاسد و ما أتت به طلاق صحيح، فلا يكون من الموكّل فيه في شيء. و في الثانية ظاهر.

و يمكن القول بالفساد مطلقاً كما في الخلاف (1) و يظهر منه الإجماع عليه؛ لجواز تعلّق غرض الموكّل بما اختلف في صحّته، أو ما اتّفق فيه، أو ما دلّ على الواحدة بالتضمّن أو المطابقة، فما فعلته خلاف ما وكّلت فيه فلا يصحّ.

و أمّا إن وكّلها في التطليق ثلاثاً منفصلة على وجه يصحّ، فلا شبهة في صحّة الواحدة و إن لم تأت بالباقيتين.

و ما يتوهّم من كون الوكالة في الصورة الاولى في المجموع و لم يحصل، و الغرض من الثلاث البينونة و لم يحصل ظاهر الفساد، عَزَمت حين طلّقت الاولى على تعقيبها الباقيتين أو لا.

[الفصل الثاني: في المحلّ و هي الزوجة المطلقة]

الفصل الثاني: المحلّ و هي الزوجة و لها شروط ينظّمها قسمان:

[القسم الأول في الشروط العامة للمطلقة و هي أربعة]

الأوّل: الشروط العامّة للمطلَّقات و هي أربعة (2)

[الشرط الأول أن تكون زوجة]

الأوّل: أن تكون زوجة، و اكتفى عنه بأوّل ما ذكره و آخره.

[الشرط الثاني كون العقد دائما]

الثاني أن يكون العقد دائماً بالنصّ (3) و الإجماع عليهما.

____________

(1) الخلاف: ج 4 ص 472 مسألة 33 و 34.

(2) العبارة في ط ون هكذا:

و هي ثلاثة: الشرط الأول كون العقد دائما الأوّل أن يكون العقد دائماً بالنصّ و الإجماع و الثاني: التعيين على رأي .. و الثالث: البقاء على الزوجيّة حقيقة ..

(3) وسائل الشيعة: ج 15 ص 368 ب 9 من أبواب أقسام الطلاق و أحكامه.

14

[الشرط الثالث التعيين على رأي]

و الثالث التعيين على رأي السيّد (1) و الشيخين (2) و جماعة منهم: المصنّف في المختلف (3) و التحرير (4) و التلخيص (5) لاستصحاب النكاح إلى أن يعلم المزيل. و لاستحالة حلول المعيّن في المبهم مع أنّ الطلاق معيّن. و لأنّ العدّة و نحوها من توابع الطلاق لا بدّ لها من محلّ معيّن. و فيهما منع.

و لنحو قول الصادق ((عليه السلام)): الطلاق: أن يقول لها: اعتدّي. أو يقول لها: أنت طالق (6). و ادّعى السيّد الإجماع عليه في الانتصار (7) و الطبريّات (8).

[الشرط الرابع البقاء على الزوجية]

و الرابع البقاء على الزوجيّة حقيقة، و هو داخل في اشتراط الزوجيّة إلّا أنّ الجمع بينهما لئلّا يتوهّم وقوع طلقتين فصاعداً بالزوجة إذا تعاقبتا من غير رجوع و لا تجديد عقد، خصوصاً و المطلّقة الرجعيّة زوجة حكماً.

فلا يقع الطلاق بالمستمتع بها (9) و لا الموطوءة بالشبهة و لا الموطوءة بملك اليمين و لا الموطوءة بالتحليل و إن جعلناه عقداً، فضلًا عن سائر الأجنبيّات.

و لو طلّق الأجنبيّة لم يصحّ و إن علّقه بالتزويج، سواء عيّنها مثل: إن تزوّجت فلانة فهي طالق أو أطلق مثل: كلّ من أتزوّجها فهي طالق بالاتّفاق، و للأصل، و لنحو ما روي أنّ عبد الرحمن بن عوف دُعي إلى امرأة فقال: إن نكحتها فهي طالق، ثمّ سأل النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) فقال: انكحها فإنّه لا طلاق قبل النكاح (10).

____________

(1) الانتصار: ص 139.

(2) المقنعة: ص 525، النهاية: ج 2 ص 427.

(3) مختلف الشيعة: ج 7 ص 389.

(4) تحرير الأحكام: ج 2 ص 52 س 21.

(5) التلخيص (سلسلة الينابيع الفقهيّة): ج 39 ص 499.

(6) وسائل الشيعة: ج 15 ص 295 296 ب 16 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 4.

(7) الانتصار: ص 139.

(8) المسائل الناصريّات: ص 349.

(9) في بعض النسخ زيادة: و لما علمت أنّ المحلّ هي الزوجة علمت أنّه لا يطلّق.

(10) انظر سنن البيهقي: ج 7 ص 318 321.

15

و أمّا التعيين فإمّا باللفظ و النيّة جميعاً، أو بالنيّة خاصّة.

أمّا الأوّل بأنّ يقول: فلانة طالق، أو هذه طالق و يشير إلى حاضرة أو زوجتي طالق و ليس له سواها.

و أمّا الثاني: ففيما لو تعدّدت الزوجة، فإذا قال: زوجتي طالق و نوى واحدة منهنّ بعينها وقع إجماعاً كما في التحرير (1) و إلّا فلا على رأي من عرفتهم.

و يُقبل تفسيره لأنّه لا يعرف إلّا منه، و عليه المبادرة بالتفسير لحقّ الاعتداد و غيره.

و لو طلّق واحدة غير معيّنة لا نيّةً و لا لفظاً، قيل في المقنعة (2) و الانتصار (3) و الناصريّات (4) و السرائر (5) و غيرها بطل لما عرفت.

و قيل في المبسوط (6) و الشرائع (7) يصحّ و يعيّن للطلاق من شاء و هو أقوى لأصالة عدم الاشتراط، و عموم نصوص الطلاق.

و الأوّل: معارض بأصل بقاء النكاح، و أنّ المعهود في كلّ عقد أو إيقاع إيقاعه على المعيّن. و الثاني: ممنوع. و ربّما منع إطلاق الطلاق على ما وقع على غير المعيّنة.

و أمّا الرجوع في التعيين إليه فهو مختار المبسوط (8). و دليله أنّ بيده التعيين ابتداءً، فكذا استدامة.

و اعتبر المحقّق القرعة (9) لكون المطلّقة مبهمةً في نظره، فلا يرجع إليه في التعيين. و فيه: أنّ القرعة لما هو متعيّن في الواقع مشكل في الظاهر، و المطلّقة هنا مبهمة في نفس الأمر.

____________

(1) تحرير الأحكام: ج 2 ص 52 س 23.

(2) المقنعة: ص 525.

(3) الانتصار: ص 139.

(4) المسائل الناصريّات: ص 349.

(5) السرائر: ج 2 ص 665.

(6) المبسوط: ج 5 ص 78.

(7) شرائع الإسلام: ج 3 ص 15.

(8) المبسوط: ج 5 ص 78.

(9) شرائع الإسلام: ج 3 ص 15.

16

و على الأوّل فإن مات قبله أي التعيين أُقرع في وجه، لانتفاء الطريق إليه غيرها، و ربّما قيل بقيام الوارث مقامه في التعيين (1) كما يقوم مقامه في استلحاق النسب و حقّ الشفعة و نحوهما، و سيقوّي نفي القولين، و يجوز إدخال هذا الكلام في حيّز القيل.

و لو قال: هذه طالق، أو هذه و هذه قيل في المبسوط (2) طلّقت الثالثة يقيناً و يعيّن من شاء من الأُولى أو الثانية، و هو حقّ إن قصد العطف على إحداهما و لو قصده على الثانية خاصّة عيّن الأُولى أو الثانية و الثالثة جميعاً، فإنّ الترديد يكون بين الاولى وحدها و الثانيتين جميعاً، فلا تتعيّن الثالثة، و لا يجوز تعيين الثانية فقط، و هو مختار ابن إدريس (3) لقرب الثانية الموجب لظهور العطف عليها.

و الحقّ احتمال الكلام للمعنيين كما ذكره المصنّف، و أيّهما قصده المتكلّم صحّ.

و لو مات قبل التعيين أُقرع، و تكفي رقعتان مع الرقعة المبهمة بكسر الهاء أو فتحها بمعنى المبهم فيها. أو مع الزوجة المبهمة بالفتح و هي الثالثة؛ لكونها مبهمة عند المصنّف على القولين أمّا على قول الشيخ فالثالثة لا تحتاج إلى رقعة، و إنّما تكتب رقعتان للأُوليين. و على قول ابن إدريس (4) تكتب رقعتان إحداهما للأُولى و الأُخرى للأُخريين، أو للثانية أو الثالثة خاصّة، فإنّ أيّة منهما طلّقت طلّقت الأُخرى، و أمّا الرقعة المبهمة فهي رقعة خالية استحبّوها لزيادة الإبهام في الرقاع.

و على ما اخترناه من احتمال الأمرين لا بدّ من رقعة ثالثة ففي إحداهما اسم الاولى و في اخرى اسم الباقيتين و في اخرى اسم الثالثة [خاصّة] (5)

____________

(1) ن، ق: التعيّن.

(2) المبسوط: ج 5 ص 85.

(3) لم نعثر عليهما في السرائر، و حكاهما عن ابن إدريس في إيضاح الفوائد: ج 3 ص 295 296.

(4) لم نعثر عليهما في السرائر، و حكاهما عن ابن إدريس في إيضاح الفوائد: ج 3 ص 295 296.

(5) لم ترد في نسخة ن، ق.

17

فان خرجت أوّلًا رقعة الاولى حكم بطلاقها، ثمّ إن خرجت رقعة الثالثة حكم بالاحتمال الأوّل و طلّقت، و إن خرجت الرقعة الجامعة حكم بالاحتمال الثاني و لم تطلّق هي و لا الثانية. و إن خرجت أوّلًا الرقعة الجامعة حكم بطلاقهما و لم يخرج رقعة أُخرى. و إن خرجت أوّلًا رقعة الثالثة طلّقت، ثمّ إن خرجت رقعة الأُولى حكم بالاحتمال الأوّل و طلّقت أيضاً، و إن خرجت الجامعة حكم بالثاني.

و لو قال للزوجة و الأجنبيّة: إحداكما طالق، و قال: أردت الأجنبيّة، قُبل بلا خلاف كما في المبسوط (1) للأصل. و الرجوع إليه في نيّته من غير معارض ظاهر و ديّن بنيّته.

و لو قال: سُعدى طالق و اشتركتا أي زوجته و الأجنبيّة فيه أي الاسم قيل: لا يُقبل قوله لو ادّعى قصد الأجنبيّة لمعارضته الظاهر؛ فإنّهما لم يتشاركا في الاسم إلّا اشتراكاً لفظيّاً، و إطلاق المشترك على معنييه إن صحّ فهو خلاف الظاهر، فلم يرد إلّا إحداهما، و ظاهر صيغة الطلاق إيقاعها على الزوجة، بخلاف إحداكما، لاشتراكه معنًى، و ظاهر النطق به الإبهام، و لم أظفر بقائله من الأصحاب.

و ربّما يظهر من المبسوط الإجماع على القبول (2) و به قطع في التحرير (3) و هو الوجه لضعف الفرق، للاشتراك في أنّه لم يرد إلّا إحداهما و إن افترقا في كون الاشتراك لفظيّاً و معنويّاً. و مع ظهور إيقاع الصيغة على الزوجة، و إنّما هو إذا ظهر الإنشاء. و هو ممنوع، فإنّ التركيب حقيقة في الخبر.

و لو قال لأجنبيّة: «أنت طالق» لظنّه أنّها زوجته لم تطلّق زوجته؛ لأنّه قصد إيقاع الطلاق على عين المخاطبة و هي غير الزوجة، و الظنّ لا يُقَلِّب (4) العين، و النيّة وحدها لا تكفي فيما يعتبر فيه اللفظ. و يجوز كون

____________

(1) المبسوط: ج 5 ص 90.

(2) المبسوط: ج 5 ص 91.

(3) تحرير الأحكام: ج 2 ص 52 س 26.

(4) في ق، ط: لا يغلب.

18

«المخاطبة» مصدراً، أي: قصد الخطاب باللفظ، و هو ينافي وقوع الطلاق بعين (1) المخاطبة و إن ظنّها إيّاها، ففيه إشارة إلى أنّه إن لم يقصد الخطاب باللفظ بل عيّن التي أراد طلاقها كما في المسألة الآتية طلّقت.

و لو كانت له زوجتان زينب و سُعدى و قال: يا زينب، فقالت: سُعدى: لبّيك فقال: أنت طالق، فإن عرف أنّها سعدى و نواها بالخطاب طُلّقت و هو ظاهر و إن نوى طلاق زينب مع العلم بأنّها سعدى طلّقت زينب فإنّ النداء مع نيّة المناداة بالخطاب يكفي لتعيينها للطلاق. و لا يقدح فيه توجيه الخطاب ظاهراً إلى المجيبة. و لا تطلّق سعدى، لانتفاء القصد إليها، خلافاً للعامّة (2).

و لو ظنّها زينب و قصد المجيبة فالأقرب بطلانه لأنّه نظير ما تقدّم لأنّ قصد المجيبة لظنّها زينب فلم تطلّق لأنّه لم يقصد تطليق سعدى و هي المجيبة و لا زينب لعدم توجّه الخطاب إليها و لا قصد عينها بالخطاب و إنّما قصد به عين سعدى و إن ظنّها زينب خلافاً للشيخ فأوقع الطلاق بزينب قال: لأنّ المراعي قصده و نيّته بالتعيين (3). و يدفعه: أنّ القصد إنّما يعتبر إذا وافقه اللفظ و ما أراده به.

و أمّا البقاء على الزوجيّة فأن لا تكون مطلَّقة لأنّ الطلاق في الشرع إزالة قيد النكاح و قد حصل الزوال [بالأوّل] (4) فيمتنع حصوله بالثاني سواء كان الطلاق رجعيّاً أو بائناً فلا يفيد طلاق الرجعيّة بينونتها و امتناع الرجوع إليها و إن كان ثالثاً و لا مفسوخة النكاح بردّةٍ أو عيب أو لعان أو رضاع أو خلع، و يقع مع الظهار و الإيلاء؛ لأنّهما يوجبان تحريماً لا فسخاً.

[فروع على القول بالصحّة مع عدم التعيين]

فروع على القول بالصحّة مع عدم التعيين

____________

(1) في ط، ق بدل «بعين»: بغير.

(2) المجموع: ج 17 ص 236.

(3) المبسوط: ج 5 ص 90.

(4) لم يرد في ن، ق.

19

[الفرع الأول]

الأوّل: إذا طلّق غير معيّنة حرمتا عليه جميعاً حتّى يعيّن أي كلّ منهما.

أمّا على القول بكون التعيين كاشفاً فلاشتباه المحلّلة بالمحرّمة، فيجب الاجتناب عنهما. و أمّا على ما اختاره المصنّف كما سينصّ عليه من كونه مطلّقاً فلتشبّث كلّ منهما بحرمة الطلاق، لوجوب تعيين إحداهما من غير حاجة إلى تجديد صيغة، مع الاحتياط في الفروج، و كون الاجتناب عنهما من التقوى المأمور بها عقلًا و شرعاً.

و يحتمل أن يكون المراد حرمة الجمع بينهما في الوطء كما سيصرّح به، و دليلها إمّا بينونة إحداهما بالطلاق، أو تشبّثها بحرمة الطلاق. و دليل جواز وطء إحداهما أنّ المطلّقة أو المتشبّثة بحرمتها ليست إلّا إحداهما، و التعيين مفوّض إلى اختياره، و إذا جاز له إبقاء من شاء منهما على الزوجيّة، جاز وطء من شاء منهما. و يبعّده قوله: «حتّى يُعين» فإنّ حرمة الجمع غير مغيّا بالتعيين، و لذا استظهرنا حرمة كلّ منهما، و عليه يكون حكاية، و ما سيأتي اختياراً.

و يطالب الزوج كلّ منهما به أي بالتعيين؛ لأنّ لهما في ذلك حقّ الاعتداد و القَسم و نحو ذلك و عليه أن ينفق عليهما حتّى يعيّن لاحتباسهما عليه، و استصحاب الموجب لها بالنسبة إلى كلّ منهما.

و لا فرق في جميع ذلك بين الطلاق البائن و الرجعيّ و إن جاز وطؤهما بنيّة الرجوع إن كانتا رجعيّتين، و قد ينفى عن الرجعيّة حقّ المطالبة، لكونها في حكم الزوجة، و له الرجوع متى شاء و المطالبة في حقّ متعيّن.

[الفرع الثاني]

الثاني: لو قال: هذه التي طلّقتها، تعيّنت للطلاق إلّا أن يعلم أنّه لم يرد بيان من أُوقع عليها الطلاق، كأن أراد إنشاء الطلاق عليها الآن بهذا اللفظ. و لو قال: هذه التي لم أُطلّقها، تعيّنت الأُخرى للطلاق بالشرط المذكور إن كانت الأُخرى واحدة، و إلّا بقي الإبهام بعد، و عيّن في البواقي.

[الفرع الثالث]

الثالث: لو قال للتعيين طلّقت هذه بل هذه، طُلّقت الاولى

20

ظاهراً و باطناً إن لم يكن عن سهو، و إلّا فظاهراً دون الثانية، لأنّ الطلاق إنّما وقع على إحداهما و الأُولى إذا تعيّن الطلاق فيها لم يبق منه ما يقع على الثانية و لا يتعيّن الثانية، لأنّه إذا أنشأ التعيّن للأُولى تعيّنت، و لا وجه للرجوع عن تعيين، إلّا أن يدّعي السهو فيقبل قوله، كما يقبل في أصل صيغة الطلاق، فإنّه لا يعرف إلّا منه، و إذا قُبل تعيّنت الثانية.

[الفرع الرابع]

الرابع: هذا التعيين تعيين شهوة و اختيار لا تعيين إخبار عن معيّن في نفس الأمر لا يجوز تعدّيه فلا يفتقر إلى القرعة كما في الشرائع (1) استناداً إلى الإشكال عنده كما عند غيره بل له أن يعيّن من شاء فإنّ الغرض إيقاع الطلاق على إحداهما من غير تعيين لفظاً و لا نيّةً، و القرعة لما تعيّن في نفسه، فاشتبه علينا، لكن لو أقرع فاختار من خرجت باسمها لم يكن به بأس.

[الفرع الخامس]

الخامس: هل يقع الطلاق بالمعيّنة من حين الإيقاع للطلاق أو من حين التعيين؟ الأقرب الثاني استصحاباً للنكاح و احتياطاً للعدّة، و لأنّها لو طلّقت بالإيقاع، فإمّا أن يقع الطلاق حينئذٍ على الكلّ أو على واحدة معيّنة، و فسادهما ظاهر؛ لكونهما خلاف مقتضى اللفظ و النيّة، أو على واحدة مبهمة، و هو أيضاً باطل؛ لأنّ الطلاق معيّن لا يحلّ إلّا في معيّن. و لأنّ المطلّقة موجودة في الخارج، و لا وجود للمبهم. و يرد النقض بكلّ واجب مخيّر، و منع تعيّن الطلاق إذا لم يتعيّن المحلّ، و أنّ المطلّقة ذاتها موجودة مع تعلّق الطلاق المبهم بها.

و خيرة المبسوط الوقوع من حين الإيقاع (2) لأنّه أوقع (3) صيغة منجّزة مجزوماً بها فيقع بها الطلاق و إن كان مبهماً، و التعيين ليس من صيغة الطلاق في شيء، كما أنّ من أسلم على أكثر من أربع يزول بالإسلام نكاحه عن الزائدة المبهمة، و لا يتعيّن إلّا بالتعيين، و التعيين كاشف عمّن زال نكاحها لا مزيل، و هو عندي أقرب.

____________

(1) شرائع الإسلام: ج 3 ص 16.

(2) المبسوط: ج 5 ص 78.

(3) في ن بدل «أوقع»: إذا وقع.

21

و على الأوّل فتجب عليها العدّة من حين التعيين و على الثاني من الإيقاع، و هو ظاهر.

[الفرع السادس]

السادس: لو طلّقها بائناً ثمّ وطئ إحداهما و قلنا: يقع الطلاق باللفظ كان تعييناً للأُخرى للطلاق؛ لأنّ الظاهر أنّه إنّما يطأ من يحلّ له، فهو كوطء الجارية المبيعة في زمن الخيار، فإنّه يكون فسخاً من البائع أو إجازة من المشتري.

و قيل: لا يكون تعييناً؛ لأنّه أعمّ، و كما أنّ الطلاق إنّما يقع بالقول فكذا تعيينه (1). و لأنّه لو كان تعييناً لكان إذا وطئهما طلّقتا. و كما أنّ النكاح لا يملك بالفعل لا يتدارك به، و أمّا ملك اليمين فيحصل بالفعل فيتدارك به، فلذا كان وطء المبيعة فسخاً أو إجازة.

و إن قلنا: إنّ الطلاق إنّما يقع بالتعيين لم يؤثّر الوطء شيئاً؛ لأنّ الفعل لا يوقع الطلاق قطعاً.

ثمّ في المبسوط: أنّ من جعل الوطء تعييناً أباح وطء من شاء منهما، و إنّما حرم الجمع بينهما في الوطء، و من لم يجعله تعييناً حرّمهما، لأنّهما قبل التعيين متشبّثتان بحرمة الطلاق (2).

و الأقرب عند المصنّف مع أنّه يجعله (3) تعييناً- تحريم وطئهما معاً و إباحة من شاء منهما لما عرفت من أنّ المتشبّثة بحرمة الطلاق إنّما هي إحداهما مبهمة، فكماله إبقاء من شاء منهما على الزوجيّة، له وطء من شاء منهما.

[الفرع السابع]

السابع: يجب عليه التعيين على الفور و يعصي بالتأخير سواء كان التعيين كاشفاً أو مطلّقاً، بائناً كان الطلاق أو رجعيّاً.

و لو ماتت إحداهما قبل التعيين لم تتعيّن الأُخرى للطلاق، و له تعيين من شاء منهما و إن قلنا بأنّ الطلاق من التعيين، فإنّ الميّتة و إن لم تقبل

____________

(1) المبسوط: ج 5 ص 77.

(2) انظر المبسوط: ج 5 ص 77 و 78.

(3) في ط: لم يجعله.

22

الطلاق ابتداءً، لكنّها تقبل التعيين المسبوق بإيقاع الطلاق للاستصحاب فإن عيّن الميّتة فلا ميراث له منها إن قلنا: إنّ الطلاق يقع من وقت وقوعه و كان الطلاق بائناً أو انقضت العدّة.

و لو ماتتا معاً اقترن الموتان أم لا كان له أيضاً تعيين من شاء منهما و ليس لورثة الأُخرى منازعته و لا تكذيبه لأنّه مفوّض إلى اختياره، و ليس من الأخبار المحتملة للتكذيب.

و يرثهما معاً إن قلنا بوقوع الطلاق بالتعيين و إلّا فلا يرث إلّا غير المعيّنة إلّا إذا كان رجعيّاً و لم تنقض العدّة.

و لو مات قبلهما و لم يعيّن فالأقوى ما في المبسوط: من أنّه لا تعيين للوارث (1) لأنّ الطلاق بيد من أخذ بالساق، و التعيين إمّا طلاق، أو كاشف عنه و مبيّن لمحلّه و لا قرعة لإبهامها في نفس الأمر كما عندنا بل تُوقف من تركته الحصّة حتّى يصطلحن إن طلّقت بالإيقاع و بانت، و إلّا فلا إيقاف بل يرثن جمع، و قد سمعت وجهين آخرين: هما القرعة. و تعيين الوارث.

و لو ماتت واحدة قبله و واحدة بعده و لم يعيّن فإن قال الوارث: الأُولى هي المطلّقة و الثانية زوجة ورثت الثانية من الزوج و لم يرث الزوج من الاولى إن كانت بانت حين ماتت لأنّه إذا قال ذلك، فإمّا أن يُخبر بأنّ الزوج عيّن الاولى للطلاق، أو يُنشئ التعيين من نفسه، فإن كان الأوّل فقد أقرّ على نفسه بما يضرّه فيؤاخذ به، و إن كان الثاني كان بمنزلة المقرّ، فإنّه رضي بأن لا يرث من الاولى و يرث الثانية، فقد اصطلح مع ورثتهما بذلك.

و لو عكس وقف ميراثه من الاولى و ميراث الثانية منه حتّى يصطلح الورثة أي ورثة الزوجتين و الزوج جميعهم لما عرفت من أنّه لا تعيين للوارث و لا قرعة، فلا مخلص إلّا الاصطلاح.

____________

(1) المبسوط: ج 5 ص 80.

23

نعم، إن قال ذلك مدّعياً على الزوج التعيين كان عليه الإثبات و له التحليف على نفي العلم. و في التحرير احتمل حينئذٍ قبول قوله فيحلف على نفي علم طلاق الاولى و القطع على طلاق الثانية، و عدم القبول للتهمة، فيوقف الميراثان حتّى تقوم بيّنة أو تصطلح الورثة (1).

و لو كان له أربع زوجات فقال: زوجتي طالق لم يطلّق الجميع بل إنّما يطلّق واحدة مبهمة للأصل. و تبادر الوحدة فهو كما لو قال: إحداكنّ طالق، أو واحدة منكنّ طالق و في التحرير: أنّه لو أراد الجنس احتمل طلاقهنّ (2)

[الفرع الثامن]

الثامن: و ليس من فروع القول بالصحّة مع عدم التعيين، ففيه مسامحة و تغليب لو طلّق واحدة معيّنة ثمّ أشكلت عليه مُنع منهما لاشتباه الحلال بالحرام و طولب بالبيان إن رجي زوال الإشكال، أو بالقرعة و ينفق عليهما إلى أن يبيّن لاحتباسهما عليه.

فإن عيّن واحدة للطلاق أو للنكاح لزمه إقراره و لهما إحلافه لو كذّبتاه أو إحداهما، لأنّ القول قوله، لأنّه لا يعرف إلّا منه.

و لو قال: هذه التي طلّقتها بل هذه، طلّقتا معاً أي أُخذ بما يلزمه من أحكام الطلاق لأنّه أقرّ بطلاق الاولى و رجع عنه فلم يقبل رجوعه و قُبل إقراره في الثانية أيضاً، فالزم أحكام الطلاق فيهما إلّا أن تصدّقاه أو يحلف.

و لو قال: هذه بل هذه أو هذه طلّقت الاولى و إحدى الأُخريين لذلك و طولب ببيانها. و لو قال: هذه أو هذه بل هذه، طلّقت الأخيرة و إحدى الأُوليين، و لو قال: هذه أو هذه بل هذه أو هذه طلّقت واحدة من الأُوليين و واحدة من الأُخريين و طولب بالبيان فيهما و الكلّ ظاهر ممّا عرفته.

و هل يكون الوطء بياناً؟ إشكال و إن بانت المطلّقة أقربه ذلك

____________

(1) تحرير الأحكام: ج 2 ص 53 س 12.

(2) تحرير الأحكام: ج 2 ص 53 س 14.

24

إن بانت، لظهور صحّة الوطء. و يحتمل القرب و إن لم تبن، لأنّ الأصل عدم الرجوع في الطلاق، و وجه الآخر الّذي هو خيرة المبسوط (1): العموم إلى آخر ما عرفته في طلاق المبهمة.

و على العدم طولب بالبيان القولي، و لو عيّنه قولًا في الموطوءة فقد وطئها حراماً و عليه التعزير دون الحدّ للشبهة إن لم تكن ذات عدّة رجعيّة أو قد خرجت من العدّة و إلّا كان رجوعاً و عليه المهر مهر المثل؛ لأنّه عوض البضع الموطوء شبهة. و نفاه في المبسوط لعدم الدليل عليه، و نسبه إلى العامّة (2). و تعتدّ من حين الوطء لأنّه وطء شبهة.

و لو ماتتا قبله وقف نصيبه من تركة كلّ منهما ثمّ يطالب بالبيان فإن عيّن المطلّقة و صدّقه ورثة الأُخرى ورّثوا الموقف إيّاه و إن كذّبوه قدّم قوله مع اليمين، لأصالة بقاء النكاح و لأنّه فعله فإن نكل حلفوا على البتّ؛ لإمكان اطّلاعهم عليه و سقط ميراثه عنهما معاً فعن (3) الأُولى لإقراره بطلاقها، و عن الثانية لنكوله مع حلف ورثتها.

و لو مات الزوج خاصّة ففي الرجوع إلى بيان الوارث إشكال ممّا عرفته من قيامه مقام المورّث في نحو حقّ الشفعة و استلحاق النسب. و من أنّه غير من أخذ بالساق و أوقع الطلاق. و الأوّل (4) عندي في غاية الضعف؛ للفرق الظاهر بين هذا التعيين و تعيين من أبهم طلاقها، فإنّه إخبار عمّا فعله، و ذاك إنشاء، و لا معنى لإنشاء الوارث طلاق زوجة مورّثه (5) [و لا بأس بالأخبار من فعله لكنّه يؤول إلى إنكار إرث من يعيّنها، فلها مطالبته بالبيّنة، فإن لم يثبت فلها تحليفه] (6).

و الأقرب: القرعة لتعيين الأمر في نفسه و اشتباهه علينا، و هي لكلّ

____________

(1) المبسوط: ج 5 ص 78.

(2) المبسوط: ج 5 ص 77.

(3) في ن بدل «فعن»: أمّا عن.

(4) في ط بدل «الأوّل»: هو.

(5) في ق، ن و س: و لا معنى لإخبار الوارث عمّا لا يعلمه من فعل مورّثه.

(6) ما بين المعقوفتين ليس في ن، ق.

25

ما كان كذلك و يحتمل الإيقاف حتّى يصطلحا أخذاً باليقين، فإنّ القرعة إنّما تفيد الظنّ.

[و الحقّ أنّه لا مجال للاستشكال، فإنّ الوارث إن لم يدّع العلم لم يكن لبيانه معنىً، فلا إشكال في القرعة أو الإيقاف، و إن ادّعاه فلا إشكال في الرجوع إلى بيانه، لكن الزوجتين إن اعترفتا بالجهل كان لمن يعيّنها مطالبته بالبيّنة أو الحلف، و إن كذّبته من يعيّنها أقام البيّنة و إلّا حلفت أو أقامت البيّنة على كون الأُخرى المطلّقة بهذا الطلاق] (1)

[القسم الثاني في الشروط الخاصة للمطلقة و هي ثلاثة]

القسم الثاني: الشرائط الخاصّة ببعض المطلّقات.

و هي ثلاثة: و إنّما قال أمران لاتّحاد الحيض و النفاس حقيقة؛ لكون النفاس دم الحيض حقيقة.

[الشرط الأول الطهر من الحيض و النفاس]

الأوّل: الطهر من الحيض و النفاس، و هو شرط بالإجماع و النصوص (2) في المدخول بها الحائل الحاضر زوجها، أو من هو بحكمه، و هو الغائب أقلّ من مدّة يعلم أو يظنّ فيها انتقالها من القرء الّذي وطئها فيه إلى قرء آخر وفاقاً للإستبصار (3) و التهذيب (4) و السرائر (5) و الشرائع (6) جمعاً بين الأخبار، و تنزيلًا لما فيها من اختلاف مدّة (7) الغيبة على اختلاف عادات النساء. و لأنّه ثبت أنّ الطلاق مع الحيض و في طهر جامعها فيه غير صحيح، و إنّما يستثني الغائب إذا لم يعلم حيضها أو بقاؤها على الطهر الّذي جامعها فيه.

فلو طلّق الحائض، أو النفساء قبل الدخول، أو مع الحمل إن قلنا بمجامعته الحيض أو مع الغيبة مدّة يعلم أي يعتقد انتقالها فيها من

____________

(1) ما بين المعقوفتين ليس في «ق، ن، ي».

(2) وسائل الشيعة: ج 15 ص 276 ب 8 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه.

(3) الإستبصار: ج 3 ص 295 باب 171 طلاق الغائب ح 4 و 6.

(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 62 باب أحكام الطلاق ح 121 و 122.

(5) السرائر: ج 2 ص 686.

(6) شرائع الإسلام: ج 3 ص 15.

(7) في ن، ق بدل «مدّة»: هذه.

26

القرء الّذي وطئها فيه إلى قرء آخر صحّ اتّفاقاً، إلّا ما في مدّة الغيبة من الخلاف و الأخبار بها كثيرة، كحسن الحلبيّ عن الصادق ((عليه السلام)) قال: لا بأس بطلاق خمس على كلّ حال: الغائب عنها زوجها، و الّتي لم تحض، و الّتي لم يدخل بها، و الحبلى، و الّتي قد يئست من المحيض (1).

و قدّر قوم منهم: الصدوق (2) و الشيخ في النهاية (3) و بنو حمزة (4) و البرّاج (5) و سعيد (6) مدّة الغيبة بشهرٍ لأنّ الغالب الانتقال فيه من طهر إلى آخر. و لخبر إسحاق بن عمّار عن الصادق ((عليه السلام)) قال: الغائب إذا أراد أن يطلّقها تركها شهراً (7) و لما سيأتي من صحيح عبد الرحمن بن الحجّاج في الحاضر الّذي بحكم الغائب (8). و يجوز أن يراد بالشهر شهر الحيض، و هو زمان طهر و حيض، و أيّا كان فيرجع إلى القول الأوّل.

و آخرون منهم: أبو علي (9) بثلاثة أشهر، و اختاره في المختلف (10) لصحيح جميل بن درّاج عن الصادق ((عليه السلام)) قال: الرجل إذا خرج من منزله إلى السفر فليس له أن يطلّق حتّى تمضي ثلاثة أشهر (11). و خبر إسحاق بن عمّار سأل الكاظم ((عليه السلام)) الغائب الّذي يطلّق أهله كم غيبته؟ قال: خمسة أشهر أو ستّة أشهر. قال: قلت: حدّ دون ذلك قال: ثلاثة أشهر (12).

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 15 ص 306 ب 25 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 3.

(2) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 503 ذيل حديث 4766.

(3) النهاية: ج 2 ص 434.

(4) الوسيلة: ص 320.

(5) المهذّب: ج 2 ص 287.

(6) الجامع للشرائع: ص 465.

(7) وسائل الشيعة: ج 15 ص 307 ب 26 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 3.

(8) وسائل الشيعة: ج 15 ص 310 ب 28 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 1.

(9) حكاه عنه في مختلف الشيعة: ج 7 ص 357.

(10) مختلف الشيعة: ج 7 ص 358.

(11) وسائل الشيعة: ج 15 ص 308 ب 26 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 7.

(12) المصدر السابق ح 8.

27

و ظاهر الحسن (1) و عليّ بن بابويه (2) أنّ له الطلاق أيّ وقت شاء، و هو ظاهر كثير من الأخبار، كما تقدّم من حسن الحلبي، و صحيح محمّد بن مسلم سأل أحدهما ((عليهما السلام)) عن الرجل يطلّق امرأته و هو غائب، قال: يجوز طلاقه على كلّ حال (3).

و لو طلّق إحداهما أي الحائض أو النفساء بعد الدخول و عدم الحبل و الحضور أو حكمه فَعَل حراماً بلا خلاف و كان باطلًا عندنا، خلافاً للعامّة (4) سواء علم بذلك أي بكونها كذلك و بالحكم أو لم يعلم إذ لا مدخل للعلم في خطاب الوضع.

و لو خرج مسافراً في طهرٍ لم يقربها فيه صحّ طلاقها إن لم يعلم بانتقالها إلى الحيض. و إن صادف الحيض بلا خلاف؛ لخبر أبي بصير قال للصادق ((عليه السلام)): الرجل يطلّق امرأته و هو غائب فيعلم أنّه يوم طلّقها كانت طامثاً. قال: يجوز (5). و كذا إن خرج في طهر قاربها فيه.

و لكن لا يشترط الانتقال حينئذٍ خرج في طهر لم يقربها إلى قرء آخر لعدم اشتراطه مع الحضور، فمع الغيبة أولى.

و ظاهر بعض العبارات كالتهذيب (6) و الاستبصار (7) اعتبار التربّص شهراً؛ لإطلاق خبر إسحاق.

و لو كان حاضراً و هو لا يصل إليها بحيث يعلم حيضها و طهرها كالغائب وفاقاً للمشهور، لصحيح عبد الرحمن بن الحجّاج سأل الكاظم ((عليه السلام))

____________

(1) حكاه عنه في مختلف الشيعة: ج 7 ص 356.

(2) حكاه عنه في مختلف الشيعة: ج 7 ص 357.

(3) وسائل الشيعة: ج 15 ص 307 ب 26 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 1.

(4) المجموع: ج 17 ص 74.

(5) وسائل الشيعة: ج 15 ص 308 ب 26 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 6.

(6) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 62 باب أحكام الطلاق ح 121.

(7) الاستبصار: ج 3 ص 295 باب طلاق الغائب ح 4.

28

عن رجل تزوّج امرأة سِرّاً من أهلها و هي في منزل أهلها، و قد أراد أن يطلّقها و ليس يصل إليها فيعلم طمثها إذا طمثت و لا يعلم بطهرها إذا طهرت، فقال: هذا مثل الغائب عن أهله يطلّقها بالأهلّة و الشهور، قلت: أ رأيت إن كان يصل إليها الأحيان، و الأحيان لا يصل إليها فيعلم حالها، كيف يطلّقها؟ فقال: إذا مضى له شهر لا يصل إليها فيه يطلّقها إذا نظر إلى غرّة الشهر الآخر (1).

و خالف ابن إدريس تمسّكاً بأصل بقاء النكاح، و عموم اشتراط الخلوّ من الحيض، و كون الحمل على الغائب قياساً مع كون الخبر خبراً واحداً (2). و دفع في المختلف بأنّ الخبر نصّ في الباب، و إذا وافق المعنى المعقول الحديث الصحيح و اشتهر بين الجماعة العمل به كان متعيّناً (3).

[الشرط الثاني الاستبراء من الحيض و النفاس]

الثاني: الاستبراء و هو شرط بالإجماع و النصوص الكثيرة (4).

فإن طلّق في طهر واقعها فيه لم يصحّ، إلّا أن تكون يائسةً، أو لم تبلغ المحيض أي تسع سنين كما في النهاية (5) و السرائر (6) و غيرهما أو حاملًا، أو مسترابةً أي مَن لا تحيض و هي في سنّ من تحيض بالاتّفاق و النصوص، و هي كثيرة.

و لكن يشترط في المسترابة أن يكون قد مضى لها ثلاثة أشهر لم تَرَ دماً معتزلًا لها كما قطع به الأصحاب.

فإن طلّق المسترابة قبل مضيّ ثلاثة أشهرٍ من حين الوطء لم يقع لصحيح إسماعيل بن سعد الأشعري: سأل الرضا ((عليه السلام)) عن المسترابة من المحيض كيف تطلّق؟ قال: تطلّق بالشهور (7). و لمرسل داود بن أبي يزيد العطّار عن

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 15 ص 310 ب 28 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 1.

(2) السرائر: ج 2 ص 686.

(3) مختلف الشيعة: ج 7 ص 361.

(4) وسائل الشيعة: ج 15 ص 279 ب 9 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه.

(5) النهاية: ج 2 ص 441.

(6) السرائر: ج 2 ص 687.

(7) وسائل الشيعة: ج 15 ص 414 ب 4 من أبواب العدد ح 17.

29

الصادق ((عليه السلام)) سأل عن المرأة يستراب بها و مثلها تحمل و مثلها لا تحمل و لا تحيض و قد واقعها زوجها كيف يطلّقها إذا أراد طلاقها؟ قال: ليمسك عنها ثلاثة أشهر ثمّ يطلّقها (1). و خبر الحسن بن علي بن كيسان قال: كتبت إلى الرجل ((عليه السلام)) أسأله عن رجل له امرأة من نساء هؤلاء العامّة و أراد أن يطلّقها و قد كتمت حيضها و طهرها مخافة الطلاق، فكتب ((عليه السلام)): يعتزلها ثلاثة أشهر و يطلّقها (2).

و ليس من المسترابة مَن لا تحيض إلّا في أربعة أشهر مثلًا فصاعداً، بل يجب استبراؤها بحيضة.

فإذا حاضت بعد الوطء و لو بلحظة صحّ طلاقها إذا طهرت فإنّ الحيض دلّ على براءة الرحم، و هو شامل لما إذا وطئها في الحيض، إذ لا يتعيّن «حاضت» لحدوث الحيض، و الأمر كذلك، لصدق الطهر الّذي لم يجامعها فيه، و يمكن أن يعود ضمير «حاضت» على المسترابة، أي من كانت مسترابة فاتّفق أن حاضت بعد الوطء زال عنها الاسترابة و حكمها.

[الفصل الثالث: البحث في صيغة الطلاق]

الفصل الثالث: الصيغة

[الشروط التي ينبغي توفرها في صيغة الطلاق و هي خمسة]

و يشترط فيها أُمور خمسة:

[الشرط الأول التصريح]

الأوّل: التصريح و هو قوله: أنتِ أو هذه أو فلانة أو زوجتي معيّنة أو غيرها على القولين طالق و لا خلاف في وقوعه بذلك.

و لو قال: أنتِ طلاق أو الطلاق أو من المطلّقات أو مطلّقة على رأي وفاقاً للشرائع (3) و خلافاً للمبسوط (4) أو طلّقت فلانة على رأي وفاقاً للشيخ كما نسب إليه، و هو ظاهر التبيان (5). و خلافاً للمبسوط (6) لم يقع لعدم التصريح.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 15 ص 335 ب 40 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 1.

(2) وسائل الشيعة: ج 15 ص 311 ب 28 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 2.

(3) شرائع الإسلام: ج 3 ص 17.

(4) المبسوط: ج 5 ص 25.

(5) التبيان: ج 10 ص 29.

(6) المبسوط: ج 5 ص 25.

30

أمّا «طلاق» و «الطلاق» فلأنّه مصدر، و هي لا توصف بالمصدر إلّا إذا تجوّز به عن الصفة. و أمّا البواقي فلظهورها في الخبر، و إنّما يطلّق في إنشاء الطلاق مجازاً، و لعلّ الفرق بينها (1) و بين «طالق» بالنصّ و الإجماع و استصحاب قيد النكاح و الاحتياط، و الحصر في النصوص في «طالق» (2) و إلّا فالكلّ مشتركة في الكون حقيقةً في الإخبار، مجازاً في الإنشاء.

و يمكن أن يكون السرّ في ذلك أنّ «المطلّقة» بمعنى الموقع عليها الطلاق، و ظاهره تقدّم الطلاق على اللفظ (3) بخلاف «طالق» فإنّه لازم «و طلّقتك» ظاهره إيقاع الطلاق عليها في الزمان الماضي، لا الحال المناسب لإنشاء الطلاق.

و حكى في المبسوط عن العامّة: أنّ من الصريح سرّحتك و أنتِ مسرّحة، و فارقتك و أنتِ مفارقة، و طلّقتكِ و أنت طالقة أو مطلّقة. و قال: و عندنا أنّ قوله: «أنت مطلّقة» إخبار عمّا مضى فقط، فإن نوى به الإيقاع في الحال فالأقوى أن نقول: إنّه يقع به. ثمّ قال: إذا قال: طلّقتكِ نظرت فإن قال: «نويت بها الطلاق» وقع عندنا به الطلاق، و عندهم يكون ذكر النيّة تأكيداً، فإن قال: «نويت بها الطلاق» كان صريحاً (4) انتهى.

و يعضده ما يدلّ على وقوع الطلاق بقوله: «نعم» في جواب «طلّقتها» كما تعرفه الآن، فإنّه أولى بالصحّة، و «مطلّقةٌ» أولى بها من «طلّقت» لكونها حقيقة في الحال دون الماضي، و لعلّه الوجه في تخصيصهما بإيقاع الطلاق بهما.

و لو قيل له طلّقت فلانة سؤالًا أو خبراً فقال: نعم قيل في ظاهر النهاية (5) و الوسيلة (6) و غيرهما يقع لخبر السكوني عن جعفر عن أبيه عن عليّ ((عليهم السلام)): في الرجل يقال له: طلّقت امرأتك، فيقول: نعم، قال: قد طلّقها

____________

(1) في ط بدل «بينها»: بينهما.

(2) وسائل الشيعة: ج 15 ص 294 ب 16 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه.

(3) في ط زيادة: أو تأخّره.

(4) المبسوط: ج 5 ص 25.

(5) النهاية: ج 2 ص 427 428.

(6) الوسيلة: ص 324.

31

حينئذٍ (1). و خبر حفص بن البُختريّ عن الصادق ((عليه السلام)) في رجل طلّق امرأته ثلاثاً فأراد رجل أن يتزوّجها كيف يصنع؟ قال: يأتيه فيقول: طلّقت فلانة؟ فإذا قال: نعم تركها ثلاثة أشهر ثمّ خطبها إلى نفسها (2). و لأنّ «نعم» صريح في «طلّقت» و هو صريح في إيقاع الطلاق، و الصريح في الصريح صريح.

و الخبران مع الضعف ليسا بنصّين في الباب، لجواز أن يكون المعنى أنّه إقرار بالطلاق كما في المبسوط (3) و السرائر (4). و يؤيّده ما في الثاني من أنّه كان طلّقها ثلاثاً، و لا ينافيه التربّص ثلاثة أشهر، و لا لفظ «حينئذٍ» في الأوّل، و أمّا الدليل الثالث فممنوع المقدّمات. و الأقوى عدم الوقوع به للأصل، و الاحتياط، و الحصر في الأخبار (5) في «أنتِ طالق».

و لو قال: كلّ امرأة لي طالق وقع بالجميع، و إن لم يكن له إلّا واحدة وقع بها و في النداء بقوله: يا طالق إشكال من الأصل، و الاحتياط، و الخروج عن المنصوص و ما أجمع عليه، و عدم الصراحة، بل ظهور الخلاف؛ لأنّه لإنشاء نداء من اتّصفت بالطلاق، و ظاهره تقدّمه على النداء، و هو خيرة موضع من المبسوط (6).

و من التلفّظ ب«طالق» مع التعيين بالنداء، و هو خيرة موضع آخر من المبسوط (7). و ضعفه ظاهر.

و لا يقع عندنا بالكنايات جمع و إن نوى بها الطلاق ظاهرة أو باطنة كقوله: أنت خليّة أو بريّة و هما من الكنايات الظاهرة أو حبلكِ على غاربكِ، أو الحقي بأهلكِ أو اذهبي، أو أغربي، أو تقنّعي، أو استبرئي رحمكِ، و هي من الخفيّة.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 15 ص 296 ب 16 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 6.

(2) وسائل الشيعة: ج 15 ص 323 ب 31 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 1.

(3) المبسوط: ج 5 ص 52.

(4) السرائر: ج 2 ص 676.

(5) وسائل الشيعة: ج 15 ص 294 ب 16 من أبواب مقدّمات الطلاق.

(6) المبسوط: ج 5 ص 89.

(7) المبسوط: ج 6 ص 252.

32

أو بائن أو حرام أو بتّة أو بتلة و هي من الكنايات الظاهرة، خلافاً للعامّة (1).

و يدلّ على ما نقوله مع الأصل و الإجماع الأخبار، كخبر محمّد بن مسلم عن الباقر ((عليه السلام)) في رجل قال لامرأته: أنتِ حرام أو بائنة أو بتّة أو خليّة أو بريّة، فقال: هذا ليس بشيء إنّما الطلاق أن يقول لها في قبل عدّتها قبل أن يجامعها: أنت طالق، و يُشهد على ذلك رجلين عدلين (2).

أو اعتدّي و هو أيضاً من الكنايات الخفيّة و إن نوى به إنشاء الطلاق على رأي وفاقاً للمشهور، بل المجمع عليه كما في الانتصار (3) و الخلاف (4). و يؤيّده الأصل، و الاحتياط، و خبر محمّد بن مسلم الّذي سمعته الآن.

و أوقعه به أبو عليّ (5) لقول الباقر ((عليه السلام)) في الحسن لمحمّد بن مسلم: إنّما الطلاق أن يقول لها في قبل العدّة بعد ما تطهر من حيضها قبل أن يجامعها: «أنتِ طالق، أو اعتدّي» يريد بذلك الطلاق، و يُشهد على ذلك رجلين عدلين (6). و قول الصادق ((عليه السلام)) في (7) حسن الحلبي: الطلاق أن يقول لها: اعتدّي، أو يقول لها: أنتِ طالق (8).

و الجواب: ما أشار إليه الشيخ (9) من أنّ المراد منهما أنّ الطلاق إمّا أن تكون حاضرة عند الشاهدين فيخاطبها بالطلاق و يقول لها: أنتِ طالق، أو بأن يقول عند الشاهدين و هي غائبة: فلانة طالق، ثمّ يأتيها فيقول لها: اعتدّي فقد طلّقتك.

____________

(1) شرح فتح القدير: ج 3 ص 397 400.

(2) وسائل الشيعة: ج 15 ص 295 ب 16 من أبواب مقدّمات الطلاق ذيل الحديث 3.

(3) الانتصار: 129.

(4) الخلاف: ج 4 ص 462 و 465 مسألة 20.

(5) حكاه عنه في مختلف الشيعة: ج 7 ص 344.

(6) وسائل الشيعة: ج 15 ص 295 ب 16 من أبواب مقدّمات الطلاق، ح 3.

(7) في ط زيادة: خبر.

(8) وسائل الشيعة: ج 15 ص 295 296 ب 16 من أبواب مقدّمات الطلاق ح 4.

(9) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 27 باب أحكام الطلاق ذيل حديث 29.

33

و بالجملة ف«اعتدّي» ليس من صيغة الطلاق، و إنّما يقوله بعد إيقاعه بصيغته. و يؤيّده قول الباقر ((عليه السلام)) في خبر (1) محمّد بن قيس: الطلاق للعدّة أن يطلّق الرجل امرأته عند كلّ طهر يرسل إليها أن اعتدّي، فإنّ فلاناً قد طلّقك (2).

و خبر سماعة، عن محمّد بن زياد، عن عبد اللّٰه بن سنان، عن الصادق ((عليه السلام)) قال: يرسل إليها فيقول الرسول: اعتدّي، فإنّ فلاناً فارقك. قال ابن سماعة: و إنّما معنى قول الرسول: اعتدّي، فإنّ فلاناً قد فارقك يعني: الطلاق، أنّه لا تكون فرقة إلّا بطلاق (3).

و خبر ابن سماعة أيضاً عن عليّ بن الحسن الطاطريّ قال: الّذي أُجمع عليه في الطلاق أن يقول: «أنت طالق» أو «اعتدّي» و ذكر أنّه قال لمحمّد بن أبي حمزة: كيف يشهد على قوله: اعتدّي؟ قال: يقول أشهدوا اعتدّي. قال ابن سماعة: غلط محمّد بن أبي حمزة أن يقول: أشهدوا اعتدّي. قال الحسن بن سماعة: ينبغي أن يجيء بالشهود إلى حجلتها، أو يذهب بها إلى الشهود إلى منازلهم، و هذا المحال الّذي لا يكون و لم يوجب اللّٰه عزّ و جلّ هذا على العباد. و قال الحسن: ليس الطلاق إلّا كما روى بكير بن أعين أن يقول لها و هي طاهر من غير جماع: أنتِ طالق، و يشهد شاهدين عدلين، و كلّ ما سوى ذلك فهو ملغى (4).

أو خيّرها و قصد به الطلاق فاختارت نفسها في الحال على رأي وفاقاً للمشهور للأصل، و الاحتياط، و الأخبار الحاصرة للصيغة في غير ذلك (5). و الأخبار الناطقة بأنّ التخيير كان من خواصّه (صلّى اللّٰه عليه و آله)، و أنّه في غيره ليس بشيء و هي كثيرة (6).

____________

(1) في ن بدل «خبر»: حسن.

(2) وسائل الشيعة: ج 15 ص 296 ب 16 من أبواب مقدّمات الطلاق ح 5.

(3) وسائل الشيعة: ج 15 ص 295 ب 16 من أبواب مقدّمات الطلاق ح 2.

(4) الكافي: ج 6 ص 70 باب ما يجب أن يقول من أراد أن يطلّق ذيل حديث 4.

(5) وسائل الشيعة: ج 15 ص 294 ب 16 من أبواب مقدّمات الطلاق.

(6) وسائل الشيعة: ج 15 ص 335 ب 41 من أبواب مقدّمات الطلاق.

34

و قال أبو علي: إذا أراد الرجل أن يخيّر امرأته اعتزلها شهراً و كانت على طهر من غير جماع على مثل الحال التي لو أراد أن يطلّقها فيه طلّقها ثمّ خيّرها، فقال لها: خيّرتك أو قد جعلت أمركِ إليكِ، و يجب أن يكون ذلك بشهادة، فإن اختارت نفسها من غير أن تتشاغل بحديث من قول أو فعل كان يمكنها أن لا تفعله صحّ اختيارها، فإن اختارت بعد فعلها ذلك لم يكن اختيارها ماضياً، و إن اختارت في جواب قوله لها ذلك و كانت مدخولًا بها و كان تخييره إيّاها من غير عوض أخذه منها كانت كالتطليقة الواحدة التي هو أحقّ برجعتها في عدّتها، فإن كانت غير مدخول بها فهي تطليقة بائنة، و إن كان تخييره عن عوض أخذه فهو بائن و هي أملك بنفسها، و إن جعل الاختيار إلى وقت بعينه فاختارت قبله جاز اختيارها، و إن اختارت بعده لم يجز (1).

و نحوه كلام الحسن، إلّا أنّه أطلق رجعيّة الطلاق، و ذكر أنّه إن أجّل الخيار إلى وقت معلوم ثمّ رجع عنه قبله كان له ذلك، و قال: و ليس يجوز للزوج أن يخيّرها أكثر من واحد بعد واحد و خيار بعد خيار بطهر و شاهدين، فإن خيّرها أكثر من واحدة أو خيّرها أن تختار نفسها في غير عدّتها كان ذلك ساقطاً غير جائز. قال: و مستندهما أخبار، منها: حسن حمران سمع الباقر ((عليه السلام)) يقول: المخيّرة تبين من ساعتها من غير طلاق و لا ميراث بينهما، لأنّ العصمة قد بانت منها ساعة كان ذلك منها و من الزوج (2).

و خبر زرارة عن أحدهما ((عليهما السلام)) قال: إذا اختارت نفسها فهي تطليقة بائنة و هو خاطب من الخطّاب، و إن اختارت زوجها فلا شيء (3).

و خبره قال للباقر ((عليه السلام)): رجل خيّر امرأته، فقال: إنّما الخيار لها ما داما في مجلسهما، فإذا تفرّقا فلا خيار لها، قال: فقلت: أصلحك اللّٰه فإن طلّقت نفسها ثلاثاً

____________

(1) حكاه عنه في مختلف الشيعة: ج 7 ص 339.

(2) وسائل الشيعة: ج 15 ص 338 ب 41 من أبواب مقدّمات الطلاق ح 11.

(3) وسائل الشيعة: ج 15 ص 337 ب 41 من أبواب مقدّمات الطلاق ح 9.

35

قبل أن يتفرّقا من مجلسهما، قال: لا يكون أكثر من واحدة و هو أحقّ برجعتها قبل أن تنقضي عدّتها (1).

و خبر يزيد الكناسيّ عنه ((عليه السلام)) قال: لا ترث المخيّرة من زوجها شيئاً في عدّتها، لأنّ العصمة قد انقطعت فيما بينها و بين زوجها من ساعتها، فلا رجعة له عليها، و لا ميراث بينهما (2).

و لاختلافها في البينونة و عدمها اختلف كلامهما، و الأنسب بالجمع و بأحكام الطلاق ما اختاره أبو عليّ من التفصيل.

و الجواب: حملها على أنّ التخيير توكيل لها في الطلاق، كما هو ظاهر ثاني خبري زرارة، و معنى قوله في الخبر الأوّل: «من غير طلاق» من الزوج.

و يمكن أن يكون ما في بعضها من اشتراط الاتّحاد في المجلس، لاحتمال العزل عن الوكالة مع الافتراق. على أنّها موافقة لمذهب العامّة (3) فيحتمل التقيّة.

و لا يقع إلّا بالعربيّة مع القدرة عليها وفاقاً لابني إدريس (4) و سعيد (5) للأصل، و الاحتياط، و الحصر في الأخبار في قوله: أنت طالق.

و خلافاً لظاهر النهاية (6) و الوسيلة (7) لخبر وهب عن جعفر، عن أبيه، عن علي ((عليهم السلام)) قال: كلّ طلاق بكلّ لسان فهو طلاق (8). و هو مع الضعف محمول على صورة العجز.

و لا يقع بالإشارة إلّا مع العجز عن النطق كالأخرس بالاتّفاق، للأصل و الاحتياط، و الحصر في الأخبار في اللفظ، و لأنّه لمّا لم يقع بالكناية فبالإشارة أولى، و يقع من الأخرس بالإشارة المفهمة.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 15 ص 338 ب 41 من أبواب مقدّمات الطلاق ح 2.

(2) وسائل الشيعة: ج 15 ص 337 ب 41 من أبواب مقدّمات الطلاق ح 10.

(3) المجموع: ج 17 ص 88.

(4) السرائر: ج 2 ص 676.

(5) الجامع للشرائع: ص 466، شرائع الإسلام: ج 3 ص 17.

(6) النهاية: ج 3 ص 429.

(7) الوسيلة: 324.

(8) وسائل الشيعة: ج 15 ص 297 ب 17 من أبواب مقدّمات الطلاق ح 1.

36

و منها ما في رواية السكوني من أنّه يُلقي القناع عليها و يعتزلها (1) و كذا في رواية أبي بصير (2). و اقتصر عليه الصدوقان (3) و نسبه المحقّق إلى الشذوذ.

و يدلّ على الوقوع بالكتابة و بسائر الإشارات صحيح البزنطي قال: سألت الرضا ((عليه السلام)) عن الرجل تكون عنده المرأة فَصَمتَ فلا يتكلّم، قال: أخرس؟ قلت: نعم، قال: فيعلم منه بغض لامرأته و كراهة لها؟ قلت: نعم، أ يجوز له أن يطلّق عنه وليّه؟ قال: لا و لكن يكتب و يشهد على ذلك، قلت: أصلحك اللّٰه لا يكتب و لا يسمع كيف يطلّقها؟ قال: بالذي يعرف به من فعله مثل ما ذكرت من كراهته لها أو بغضه لها (4). و فيه تقديم الكتابة على الإشارة.

و خبر إسماعيل بن مرار عن يونس: في رجل أخرس كتب في الأرض بطلاق امرأته، قال: إذا فعل ذلك في قبل الطهر بشهود و فهم منه كما يفهم عن مثله و يريد الطلاق جاز طلاقه على السنّة (5).

و لا يقع بالكتابة و إن كان غائباً على رأي وفاقاً للأكثر، و منهم: الشيخ في المبسوط و الخلاف، و حكى فيه الإجماع عليه (6) و هو ظاهر المبسوط (7) و إن تعرّض فيه لرواية الخلاف.

و يدلّ عليه الأصل و الاحتياط، و أنّ الكتابة ليست من الإنشاء في شيء و الأخبار الحاصرة في قول: «أنت طالق». و حسن زرارة قال للباقر ((عليه السلام)): رجل كتب بطلاق امرأته أو بعتق غلامه ثمّ بدا له فمحاه، قال: ليس ذلك بطلاق و لا عتاق حتّى يتكلّم به (8).

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 15 ص 300 ب 19 من أبواب مقدّمات الطلاق ح 3.

(2) وسائل الشيعة: ج 15 ص 301 ب 19 من أبواب مقدّمات الطلاق ح 5.

(3) المقنع: ص 119، من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 515، ذيل الحديث 4806.

(4) وسائل الشيعة: ج 15 ص 299 ب 19 من أبواب مقدّمات الطلاق ح 1.

(5) وسائل الشيعة: ج 15 ص 300 ب 19 من أبواب مقدّمات الطلاق ح 4.

(6) الخلاف: ج 4 ص 469 مسألة 29.

(7) المبسوط: ج 5 ص 28.

(8) وسائل الشيعة: ج 15 ص 291 ب 14 من أبواب مقدّمات الطلاق ح 2.

37

و خلافاً للنهاية (1) و الوسيلة (2) و الكامل (3) فأوقعوه بها مع الغيبة، لصحيح الثمالي سأل الباقر ((عليه السلام)) عن رجل قال لرجل: اكتب يا فلان إلى امرأتي بطلاقها أو اكتب إلى عبدي بعتقه، يكون ذلك طلاقاً أو عتقاً؟ فقال: لا يكون طلاقاً و لا عتقاً حتّى ينطق به، أو يخطّه بيده و هو يريد الطلاق أو العتق، و يكون ذلك بالأهلّة و الشهور، و يكون غائباً عن أهله (4). و يبعد حمله على الضرورة إذ لا يشترط عندها الغيبة.

و لو عجز عن النطق لخرس و غيره فكتب و نوى صحّ لما عرفت.

[الشرط الثاني: التنجيز]

الشرط الثاني: التنجيز.

فلو علّقه على شرط و هو ما يحتمل الوقوع و عدمه أو صفة و هي ما يعلم وقوعه لم يقع عندنا، و في الشرائع: لم أقف فيه على مخالف منّا (5). و في الانتصار: الإجماع في الشرط (6).

و يدلّ عليه الأصل و الاحتياط، و أنّه ينافي الإيقاع و الإنشاء، و ذلك كقوله: أنت طالق إن دخلتِ الدار و إن دخلتها أو إذا جاء رأس الشهر، أو إن شئتِ، و إن قالت: شئت. و لو فتح «أن» في الأخير أو الأوّل و عرف المعنى و أراد ما هو الظاهر من تقدير «لأن» على أنّ اللام للتعليل دون التوقيت وقع الطلاق في الحال و إن لم تكن شاءت و لا دخلت الدار؛ لحصول التنجيز.

و لو قال: «أنت طالق لرضا فلان» فإن قصد الغرض أي التعليل برضاه صحّ و إن لم يرض به للتنجيز و إن قصد الشرط بكون اللام للتوقيت أو قصده مع جعل اللام للتعليل بطل و إن رضي. و إن اشتبه عليه الأمر بعد ذلك تعارض أصل بقاء النكاح، و ظهور اللام في التعليل.

____________

(1) النهاية: ج 2 ص 429 430.

(2) الوسيلة: ص 323.

(3) حكاه عنه في مختلف الشيعة: ج 7 ص 348.

(4) وسائل الشيعة: ج 15 ص 291 ب 14 من أبواب مقدّمات الطلاق ح 3.

(5) شرائع الإسلام: ج 3 ص 18.

(6) الانتصار: ص 127.

38

و لو قال: «أنت طالق الآن إن كان الطلاق يقع بك» فإن جهل حالها أو الحكم لم يقع و إن كانت طاهراً طهراً يقع فيه بها الطلاق، للتعليق. و إن علم طهرها و أنّه يقع بها وقع وفاقاً للمحقّق (1) لانتفاء التعليق حينئذٍ، و أطلق الشيخ البطلان (2) و يمكن أن يريد التفصيل.

و لو قال: «أنتِ طالق إلّا أن يشاء زيد» لم يصحّ للتعليق و كذا لو قال: إن شاء اللّٰه لذلك إلّا أن لا يريد به إلّا مجرد التبرّك.

[الشرط الثالث: عدم التعقيب بالمبطل]

الشرط الثالث: عدم التعقيب بالمبطل فلو قال للطاهر المدخول بها و إن لم يقربها في ذلك الطهر أنت طالق للبدعة فالأقرب البطلان، لأنّ البدعيّ لا يقع و غيره ليس بمقصود و إذا كانت طاهراً لم يقربها في طهرها كان مع ذلك تعليقاً للطلاق.

و للشيخ في الخلاف قول بالوقوع بمجرّد قوله: «أنت طالق» و يلغو قوله: «للبدعة» (3). و هو صحيح إن أراد إيقاعه أوّلًا بقوله: أنت طالق، ثمّ يجدّد له التقييد أو التعليق بالبدعة لفظاً فقط، أو و قصداً.

و لو قال: أنتِ طالق نصف طلقةٍ أو ربع طلقةٍ و وافق القصد لفظه لم يقع لأنّه لم يوقع الطلاق، خلافاً للعامّة (4) و عن الشيخ موافقتهم (5).

و كذا لو قال: نصف طلقتين و أراد النصف من كلّ طلقة، نعم لو لم يرد إلّا طلقة صحّ، لعدم المانع بوجه.

أمّا لو قال: نصفي طلقة، أو ثلاثة أثلاث طلقة، فالأقرب الوقوع وفاقاً للشرائع (6) لأنّه في الحقيقة قصد إيقاع طلقة كاملة و لم يعقّب بما يبطله، و خلافاً للمبسوط (7) بناءً على أنّ الطلاق لا يقبل التجزئة.

____________

(1) شرائع الإسلام: ج 3 ص 19.

(2) المبسوط: ج 5 ص 12.

(3) الخلاف: ج 4 ص 455 مسألة 8.

(4) شرح فتح القدير: ج 3 ص 361، المجموع: ج 17 ص 135.

(5) لم نعثر عليه.

(6) شرائع الإسلام: ج 3 ص 20.

(7) المبسوط: ج 5 ص 57.

39

و لو قال: أنت طالق نصف و ثلث و سدس طلقةٍ وقعت طلقة فإنّه بمنزلة طلقة.

و لو قال: نصف طلقةٍ و ثلث طلقةٍ و سدس طلقةٍ لم يقع شيء لتغاير الطلقات التي اعتبر أجزاؤها، فيكون كقوله: نصف طلقتين، و أولى بالبطلان.

و لو قال: «أنت طالق» ثمّ قال: «أردت أن أقول: طاهر» ممّا يقاربه في الحروف أو فاصلة ممّا لا يقاربه قُبل منه ظاهراً بالإجماع منّا كما في الخلاف (1) و لأنّه لا يقع إلّا بالنيّة، و لا يعرف إلّا من قبله و الأصل معه إلّا أن يعارضه الظاهر، و لذا قال في المبسوط: إنّما يقبل في العدّة لا بعدها (2) و دين في الباطن بنيّته.

و لو قال: أنتِ طالق طلقة قبل طلقة أو بعدها أي بعد طلقة أو بعدها طلقة أو قبلها طلقة أو معها طلقة أو مع طلقة لم يقع لأنّه نوى طلاقاً فاسداً، و هو المتعدّد دفعة و إن كانت قابلة لأكثر من طلقة بأن كانت مدخولًا بها.

و يحتمل الوقوع لو قال: مع طلقة أو معها طلقة أو قبل طلقة أو بعدها طلقة أو عليها طلقة دون قبلها طلقة أو بعد طلقة لأنّه في الأخيرين إنّما نوى إيقاع طلقة متأخّرة عن طلقة و هو ينافي التنجيز، إلّا أن يكون طلّقها سابقاً طلقة صحيحة و أراد تأخّر هذه الطلقة عنها فيقع، و أمّا فيما قبلهما (3) فإنّه نوى إيقاع طلقة بها، و إن وصفها بعد ذلك بمقارنة طلقة أو بالتقدّم على طلقة فيكون لغواً، و أوقع بالجميع في المبسوط (4).

و لو قال: «أنت طالق ثلاثاً أو اثنتين» قيل في الوسيلة (5) و الجامع (6)

____________

(1) الخلاف: ج 4 ص 458 مسألة 14.

(2) المبسوط: ج 5 ص 25.

(3) في ن بدل «قبلهما»: قبلها.

(4) المبسوط: ج 5 ص 55.

(5) الوسيلة: ص 322.

(6) الجامع للشرائع: ص 468، و فيه: وقع إن كان يراه، و إن كان لا يراه لم يقع.

40

و ظاهر المراسم (1) بطل و هو قول الحسن (2) لأنّ ما نواه غير مشروع، و ما شرع غير منويّ، مع الأصل و الاحتياط و الأخبار: كخبر الحسن الصيقل عن الصادق ((عليه السلام)) قال: لا تشهد أن يطلّق ثلاثاً في مجلس (3).

و صحيح أبي بصير عنه ((عليه السلام)) قال: من طلّق ثلاثاً في مجلس فليس بشيء مَنْ خالف كتاب اللّٰه ردّ إلى كتاب اللّٰه (4).

و خبر عليّ بن إسماعيل قال: كتب عبد اللّٰه بن محمّد إلى أبي الحسن ((عليه السلام)): جعلت فداك روى أصحابنا عن أبي عبد اللّٰه ((عليه السلام)) في الرجل يطلّق امرأته ثلاثاً بكلمة واحدة على طهر بغير جماع بشاهدين أنّه يلزمه تطليقة واحدة، فوقّع ((عليه السلام)) بخطّه: أُخطئ على أبي عبد اللّٰه ((عليه السلام))، لا يلزمه الطلاق، و يردّ إلى الكتاب و السنّة إن شاء اللّٰه (5).

و الأخبار الناهية عن المطلّقات ثلاثاً في مجلس، كخبر عمر بن حنظلة عن الصادق ((عليه السلام)): إيّاكم و المطلّقات ثلاثاً في مجلس واحد، فإنّهنّ ذوات أزواج (6). و يشترك الكلّ في عدم النصوصيّة.

و قيل في المشهور يقع طلقة واحدة لوجود المقتضي لها، و انتفاء المانع، فإنّ الزيادة عليها لا يمنع منها، بل غايته أن يكون لغواً. و قد يقال: المعتبر إنّما واحدة منفردة فإذا انضمّ إليها غيرها فسدت. و للأخبار كصحيح زرارة سأل أحدهما ((عليهما السلام)) عن رجل طلّق امرأته ثلاثاً في مجلس و هي طاهر: قال هي واحدة (7).

____________

(1) انظر المراسم: ص 160.

(2) حكاه عنه في مختلف الشيعة: ج 7 ص 353.

(3) وسائل الشيعة: ج 15 ص 315 ب 29 من أبواب مقدّمات الطلاق ح 17 و فيه: لا تشهد لمن طلّق ثلاثاً في مجلس واحد.

(4) وسائل الشيعة: ج 15 ص 313 ب 29 من أبواب مقدّمات الطلاق ح 8.

(5) وسائل الشيعة: ج 15 ص 316 ب 29 من أبواب مقدّمات الطلاق ح 19.

(6) المصدر السابق ح 20.

(7) وسائل الشيعة: ج 15 ص 311 ب 29 من أبواب مقدّمات الطلاق ح 2.

41

و صحيح أبي بصير الأسديّ، و محمّد بن عليّ الحلبيّ، و عمر بن حنظلة عن الصادق ((عليه السلام)) قال: الطلاق ثلاثاً في غير عدّة إن كانت على طهر فواحدة، و إن لم تكن على طهر فليس بشيء (1).

و حسن جميل سأل أحدهما ((عليهما السلام)) عن الّذي يطلّق في حال طهر في مجلس ثلاثاً، قال: هي واحدة (2).

و ظاهر الجميع التطليق ثلاث مرّات، لا بلفظ واحد مقيّد بالثلاث.

و المخالف يلزمه ما يعتقده من وقوع الثلاث أو الاثنتين، فزوجته بحكم من طلّقت ثلاثاً أو اثنتين اتّفاقاً كما يظهر منهم، و الأخبار به كثيرة: كخبر أبي أيّوب قال: كنت عند أبي عبد اللّٰه ((عليه السلام)) فجاء رجل فسأله فقال: رجل طلّق امرأته ثلاثاً، فقال: بانت منه. قال: فذهب ثمّ جاء رجل آخر من أصحابنا فقال: رجل طلّق امرأته ثلاثاً فقال: تطليقة. و جاء آخر فقال: رجل طلّق امرأته ثلاثاً، فقال: ليس بشيء، ثمّ نظر إليَّ فقال: هو ما ترى، قال: قلت: كيف هذا؟ فقال: هذا يرى أنّه من طلّق امرأته ثلاثاً حرمت عليه، و أنا أرى أنّ من طلّق امرأته على السنّة ثلاثاً فقد بانت منه، و رجل طلّق امرأته ثلاثاً و هي على طهر فإنّما هي واحدة، و رجل طلّق امرأته على غير طهر فليس بشيء (3).

و لو قال: «أنتِ طالق ثلاثاً إلّا ثلاثاً» صحّت واحدة لأنّا إمّا أن نوقع واحدة بقوله: «أنت طالق» و نلغي قوله: «ثلاثاً» فكما لغا، لغا و بطل الاستثناء و إمّا أن لا نوقع شيئاً، لمنافاة قوله: «ثلاثاً» له، فإذا قال: إلّا ثلاثاً اندفعت المنافاة (4) فصحّت الواحدة، و لمّا كان من نيّته ذلك أوّلًا لم يكن قوله: «ثلاثاً إلّا ثلاثاً» إلّا مؤكّداً لما نواه، و بمنزلة قوله: «لا ثلاثاً».

____________

(1) المصدر السابق ح 1.

(2) وسائل الشيعة: ج 15 ص 312 ب 29 من أبواب مقدّمات الطلاق ح 3.

(3) وسائل الشيعة: ج 15 ص 315 ب 29 من أبواب مقدّمات الطلاق ح 16.

(4) في ق وي زيادة: فإنّا نفيناها.

42

و لا يتوهّمنّ أنّ قوله «إلّا ثلاثاً» نفي للثلاث كلّها، فهو نفي للواحدة أيضاً، فهو أيضاً من التعقيب بما ينافيه، لأنّ غايته أن يكون بمنزلة الإنكار بعد الإيقاع، و لا عبرة به ما لم يرد به الرجعة، و هذا اللفظ ممّا لا يصلح لقصد الرجعة به فبطل الاستثناء أيضاً، فبطلان الاستثناء إشارة إلى الوجهين، و النظر مقطوع عن بطلان استثناء الشيء من نفسه، مع احتمال الإشارة إليه و إن كان الأوّل أدقّ و أفيد.

و كذا لو قال: أنت طالق طلقة إلّا طلقة فإن استثناء الشيء من نفسه باطل، و غايته هنا أن يكون إنكاراً بعد الإيقاع، و قد عرفت أنّه لا عبرة به.

و لو قال: أنت طالق غير طالق فإن قصد الرجعة صحّا معاً إن كانت رجعيّة فإنّ إنكار الطلاق رجعة كما سيأتي، و إن كان كاذباً فهو أولى بذلك، لأنّه لفظ صالح لإنشاء الرجعة، و قد قصدها به. و إن قصد النقض للطلاق من أصله لزم الطلاق إذ لا عبرة به بعد الإيقاع، فإنّه يكون حينئذٍ بمنزلة طلقة إلّا طلقة.

و لو قال: «زينب طالق» ثمّ قال: «أردت عمرة» قُبِل إن كانتا زوجتين له، للأصل و الاحتياط، و لأنّه لا يعرف إلّا منه، و سبق اللسان إلى غير المراد كثير. و الفرق بينه و بين الإنكار المحض أو النقض ظاهر، نعم لا يسمع إن عارضه ظاهر قويّ، و إذا قبل فالظاهر عدم طلاق أحد منهما، لعدم النطق بلفظ يعيّن المطلّقة، مع احتمال الوقوع، لتنزيل زينب منزلة عمرة.

و لو قال: «زينب طالق بل عمرة» طلّقتا جميعاً لأنّ «بل» ليس نصّاً في الإنكار أو النقض، فليحمل على الجمع على إشكال في وقوع طلاق عمرة ينشأ من اشتراط النطق بالصيغة المركّبة من المطلّقة و لفظ الطلاق، و ظهور الأخبار في الانحصار في «أنت طالق» (1) فيحصل الشكّ في أنّ العطف يكفي في ذلك. أو لا بدّ من التلفّظ بالطلاق صريحاً في المعطوفة.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 15 ص 294 ب 16 من أبواب مقدّمات الطلاق.

43

و يجوز تعلّق الإشكال بالمسألتين على أن يكون القبول في الأُولى مشتملًا على وقوع الطلاق ب«عمرة» و هو أيضاً ناشئ من اشتراط النطق بالصيغة، فإنّ أحد جزئي الصيغة اسم المطلّقة، أو ما يجري مجرى اسمها ممّا يعيّنها، و الشكّ حاصل في أنّ «زينب» هل تتنزّل هنا منزلة اسمها أم لا؟

و كذا الإشكال لو قال لأربع: أوقعتُ بينكنّ أربع طلقات من اشتراط الصيغة، مع ظهور الأخبار في انحصارها في «أنت طالق». و ممّا مرّ من الدليل على الوقوع بقوله: طلّقتك أو أنت مطلّقة. و قطع في المبسوط بوقوع طلاق كلّ منهنّ كما قطع به فيهما (1).

و لو قال: أنت طالق أعدل طلاق أو أحسنه أو أفضله أو أكمله أو أتمّه أو أقبحه أو أسمجه أو أردأه أو أحسنه أو أقبحه، أو ملء مكّة، أو ملء الدنيا، أو طويلًا، أو عريضاً، أو صغيراً أو حقيراً أو كبيراً أو عظيماً وقع لتمام الصيغة قبل القيود و لم تضرّ الضمائم و إن لم يتّصف الطلاق حقيقة بالصغر و الكبر و العظم و الحقارة و كونه مالئاً لحيّز، لشيوع التجوّز بأمثالها.

نعم إن أراد بها أو بالباقي ما ينافي الطلاق و لم يتجدّد القصد إلى ذلك بعد تمام الصيغة لم يقع، لعدم القصد إلى الإيقاع.

الشرط الرابع: إضافة الطلاق إلى المحلّ و هو جملة الزوجة.

فلو قال: يدك طالق، أو رجلك، أو رأسك، أو صدرك، أو وجهك أو بدنك من الأعضاء المعيّنة و إن كان يتجوّز بالوجه و الرأس و اليد و البدن عن الجملة كثيراً أو علّقه على الجزء المشاع. كأن قال ثلثك، أو نصفك، أو أضاف الطلاق إلى نفسه كأن قال أنا منك طالق، لم يقع عندنا، للأصل و الاحتياط و الحصر. خلافاً للعامّة (2).

الشرط الخامس: قصد الإنشاء كغيره من إيقاع أو عقد.

____________

(1) المبسوط: ج 5 ص 8.

(2) شرح فتح القدير: ج 3 ص 359 وص 378.

44

فلو قصد الإخبار لم يقع، و يصدّق في قوله لو ادّعى أنّه قصده أي الإخبار ما لم يعلم أو يظهر كذبه؛ لأنّه لا يعرف إلّا منه، مع الأصل و الاحتياط.

[الفصل الرابع: الإشهاد في الطلاق]

الفصل الرابع: الإشهاد و هو ركن في الطلاق بالإجماع و النصوص من الأخبار و هي كثيرة (1) و الكتاب (2) لأنّ حقيقة الأمر الوجوب. مع أنّ تعليقه بالإمساك ليس بأقرب من تعليقه بالطلاق و إن قرب لفظاً، لتخلّل قوله تعالى: «أَوْ فٰارِقُوهُنَّ» (3) فلا يجوز العطف على قوله: «فَأَمْسِكُوهُنَّ» (4) بل لا بدّ من العطف على مجموع هذه الشرطيّة أو الشرطيّة الاولى، أعني قوله: «إِذٰا طَلَّقْتُمُ النِّسٰاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ» (5).

و على كلّ لا يتعيّن ما فيه الإشهاد، و إذا حمل على الإشهاد في الطلاق بقي الأمر على حقيقته من الوجوب لا إذا حمل على الإشهاد في الإمساك، إذ لا قائل بوجوبه في الرجعة إلّا مالك (6) و الشافعي في أضعف قوليه (7). على أنّ العارف بالكلام يعلم أنّ التخصيص بالإمساك بعيد جدّاً.

ثمّ الإمساك لا يتعيّن للرجعة إلّا إذا حمل بلوغ الأجل على مشارفته و هو خلاف الظاهر، فالظاهر أن يكون الإمساك بمعنى تجديد النكاح.

و يشترط فيه سَماعُ شاهدين ذكرين عدلين كما نطق الكتاب (8) و السنّة (9) بالجميع النطقَ بالصيغة كما نطق به الأخبار و الأصحاب. و العاجز عن النطق يشاهد الشاهدان إشارته أو كتابته. و كأنّ من لم يذكر العدالة من الأصحاب كالشيخ في النهاية (10) إنّما تركها اعتماداً على الظهور لا ذهاباً.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 15 ص 281 ب 10 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه.

(2) الطلاق: 2.

(3) الطلاق: 2.

(4) الطلاق: 2.

(5) الطلاق: 1.

(6) الهداية للمرغيناني: ج 2 ص 7.

(7) الامّ: ج 5 ص 245.

(8) الطلاق: 2.

(9) وسائل الشيعة: ج 15 ص 281 ب 10 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه.

(10) النهاية: ج 2 ص 426.

45

فلو طلّق و لم يُشهد ثمّ أشهد لم يقع وقت الإيقاع للأمر في الأخبار بالطلاق بالشهادة بلفظة باء المصاحبة (1) و لأنّ رجلًا بالكوفة أتى أمير المؤمنين ((عليه السلام)) فقال: إنّي طلّقت امرأتي بعد ما طهرت من محيضها قبل أن أُجامعها فقال ((عليه السلام)): أشهدت رجلين ذوي عدل كما أمرك اللّٰه عزّ و جلّ (2)؟ فقال: لا، فقال: اذهب فإنّ طلاقك ليس بشيء (3).

و وقع حين الإشهاد إن قصد الإنشاء و قد أتى بلفظه حينه و إلّا فلا و عليه يحمل خبر يعقوب بن يزيد عن أحمد بن محمّد قال سألته عن الطلاق، فقال: على طهر، و كان عليّ ((عليه السلام)) يقول: لا طلاق إلّا بالشهود، فقال له رجل: إن طلّقها و لم يشهد ثمّ أشهد بعد ذلك بأيّام فمتى تعتدّ؟ قال: من اليوم الّذي أشهد فيه على الطلاق (4).

و يكفي سماعهما صيغة الطلاق و إن لم يأمرهما بالشهادة كما ربّما يتوهّم من لفظ الآية (5) لحسنة صفوان بن يحيى عن الرضا ((عليه السلام)) أنّه سئل عن رجل طهرت امرأته من حيضها فقال: فلانة طالق. و قوم يسمعون كلامه و لم يقل لهم: أشهدوا، يقع الطلاق؟ قال: نعم هذه شهادة (6). و نحوها حسنة البزنطي عنه ((عليه السلام)) (7).

و لا يقبل شهادة الفاسق و إن تعدّد حتّى أفاد الشياع و لا مع انضمامه إلى عدل لاشتراط العدالة في الكتاب و الأخبار، و لا ينافيه خبر البزنطي عن الرضا ((عليه السلام)) أنّه قال له: إن أشهد رجلين ناصبيّين على الطلاق أ يكون طلاقاً؟ قال: من ولد على الفطرة أُجيزت شهادته على الطلاق بعد أن يعرف

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 15 ص 281 ب 10 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه.

(2) في ن زيادة: به.

(3) وسائل الشيعة: ج 15 ص 283 ب 10 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 7.

(4) وسائل الشيعة: ج 15 ص 284 ب 10 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 10.

(5) الطلاق: 2.

(6) وسائل الشيعة: ج 15 ص 302 ب 21 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 2.

(7) المصدر السابق ح 1.

46

منه خير (1) المنع كون الناصب مولوداً على الفطرة ثمّ معرفة الخير منه، فإنّه كناية عن عدم معرفة الشرّ منه، و إلّا فالإسلام خير.

و كذا صحيح عبد اللّٰه بن المغيرة قال قلت للرضا ((عليه السلام)): رجل طلّق امرأته و أشهد شاهدين ناصبيّين: قال: كلّ من ولد على الفطرة، و عرف بالصلاح في نفسه، جازت شهادته (2).

و لو شهد فاسقان ثمّ تابا سُمعت شهادتهما إن انضمّ إليهما في السماع عدلان و إن لم يشهدا معهما الآن لانعقاده صحيحاً بشهادتهما و إلّا ينضمّا إليهما في السماع فلا فائدة لشهادة الفاسقين.

و لا بدّ من اجتماعهما حال التلفّظ بالصيغة أو إشارة العاجز أو كتابته بالاتّفاق كما هو الظاهر، لأنّه المفهوم من الآية و الأخبار، إذ مع الافتراق لم يقع في الطلاق إشهاد عدلين و لا كان مصاحباً لشهادتهما. و لحسن البزنطي سأل الرضا ((عليه السلام)) عن رجل طلّق امرأته على طهر من غير جماع و أشهد اليوم رجلًا ثمّ مكث خمسة أيّام ثمّ أشهد آخر، فقال: إنّما أُمر أن يُشْهدا جميعاً (3).

فلو أنشأ الطلاق بحضور أحدهما ثمّ أنشأ بحضور الآخر لم يقع إذا لم يُشْهدهما في شيء منهما.

و لو أنشأ بحضور أحدهما ثمّ أنشأ بحضورهما معاً وقع الثاني إن قصد به الإنشاء و لو قصد في الثاني الإخبار بطلا و هو ظاهر.

و لو شهدا بالإقرار لم يشترط الاجتماع للأصل من غير معارض.

و لو شهد أحدهما بالإنشاء و الآخر بالإقرار لم يقبل، و لا يشترط اجتماعهما في الأداء بل إنّما يشترط في التحمّل للإنشاء للأصل بلا معارض، و عليه يحمل صحيح ابن البزيع سأل الرضا ((عليه السلام)) عن تفريق الشاهدين

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 15 ص 282 ب 10 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 4.

(2) وسائل الشيعة: ج 18 ص 290 ب 41 من أبواب الشهادات ح 5.

(3) وسائل الشيعة: ج 15 ص 301 ب 20 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 1.

47

في الطلاق؟ قال: نعم، و تعتدّ من أوّل الشاهدين، و قال: لا يجوز حتّى يشهدا جميعاً (1).

و المراد بالاعتداد من أوّل الشاهدين: أنّه إذا ثبت الطلاق بالشاهدين فحساب العدّة ليس من شهادة الأخير، بل من شهادة الأوّل، بل من الوقت الّذي شهد بوقوعه فيه.

و لا يُقبل شهادة النساء و إن انضممن إلى الرجال باتّفاق الأصحاب كما يظهر منهم، لظاهر الآية (2). و حسن البزنطي قال للرضا ((عليه السلام)): فإن طلّق على طهر من غير جماع بشاهد و امرأتين، فقال: لا تجوز شهادة النساء في الطلاق، و قد تجوز شهادتهنّ مع غيرهنّ في الدم إذا حضرنه (3).

و قبل ابنا أبي عقيل (4) و الجنيد (5) شهادتهنّ مع الرجال. و كذا الشيخ في المبسوط (6). و الظاهر أنّ مرادهم ثبوته بذلك بعد إيقاعه بشهادة رجلين لا إيقاعه، و هو في كلام الشيخ أظهر، فلا خلاف في المسألة.

و لو أشهد من ظاهره العدالة وقع ظاهراً و باطناً و إن كانا في الباطن فاسقين أو أحدهما إذ لا تكليف إلّا بالظاهر، و الأصل في المؤمن العدالة، و الأصل عدم اشتراط الزائد على ذلك في الوقوع باطناً و حلّت هذه المطلّقة عليهما أي الشاهدين العادلين ظاهراً لا باطناً على إشكال من وقوع الطلاق الصحيح ظاهراً و باطناً لما عرفت. و من أنّه إنّما عُفي عمّا في الباطن و اكتفي بالظاهر لمن لم يطّلع إلّا على الظاهر، لاستحالة تكليف الغافل دون المطّلع على الباطن.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 15 ص 301 ب 20 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 2.

(2) الطلاق: 2.

(3) وسائل الشيعة: ج 15 ص 282 ب 10 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 4.

(4) حكاه عنه في مختلف الشيعة: ج 8 ص 463 464.

(5) حكاه عنه في مختلف الشيعة: ج 8 ص 463 464

(6) المبسوط: ج 8 ص 172.

48

و يجوز تعليق الإشكال بكلّ من الوقوع و الحليّة عليهما كما في التحرير (1). و ينشأ في الوقوع، من اشتراط العدلين في الكتاب و السنّة. و العدل حقيقة في العدل في نفس الأمر لا ظاهر العدالة، و إنّما يلزم من استحالة تكليف الغافل أن يقع ظاهراً إلى أن ينكشف الفسق فينكشف الفساد.

أمّا لو كان المطلّق ظاهراً أي مطّلعاً على فسقهما فالوجه البطلان فإنّ ظهور العدالة إن أفاد فإنّما يفيد في نظر المطلّق، فهما حينئذٍ ليسا بظاهري العدالة.

و لو كانا ظاهري الفسق، عادلين في أنفسهما فهل يقع؟ وجهان: من ظاهر الآية (2) و الأولويّة. و من حمل «ذَوَيْ عَدْلٍ» على ظاهري العدالة.

و لو كان أحدهما أي الشاهدين الزوج ففي صحّة إيقاع الوكيل إشكال من صدق إشهاد المطلّق شاهدين. و من أنّ ظاهر الخطاب في الآية (3) توجّهه إلى الأزواج، و أنّ المطلّق هو الزوج، و الوكيل نائب منابه و كالآلة له.

فإن قلنا به أي الوقوع أو الصحّة لم يثبت بشهادته مع الآخر عند الحاكم فإنّه المدّعى قطعاً.

____________

(1) تحرير الأحكام: ج 2 ص 54 س 26.

(2) الطلاق: 2.

(3) الطلاق: 2

49

[المقصد الثاني في أقسام الطلاق]

المقصد الثاني في أقسام الطلاق و هو إمّا واجب، كطلاق المولي و المظاهر، فإنّهما يجب عليهما، إمّا الطلاق أو الفئة كما يأتي و أيّهما أوقعه كان واجباً تخييراً، و كطلاق أحد الحكمين إذا تعذّر الصلح.

و إمّا مندوب، كما يوقعه الزوج في حالة الشقاق إذا لم يمكن الاتّفاق أو مع الريبة الظاهرة.

و إمّا مكروه، كما في حالة التئام الأخلاق لقوله (صلّى اللّٰه عليه و آله): «أبغض الحلال إلى اللّٰه الطلاق» (1) و قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله): «إنّ اللّٰه يبغض المطلاق الذوّاق» (2) إلى غير ذلك.

و إمّا محظور، كطلاق الحائض و الموطوءة في مدّة الاستبراء و هي قبل الانتقال من طهر الوطء إلى آخر بالشروط الآتية، و كذا (3) لو قسّم بينهنّ فلمّا جاءت نوبة بعضهنّ طلّقها على وجه، لما فيه من إسقاط حقّها.

و أيضاً الطلاق إمّا بدعيّ أو شرعيّ، فالأوّل طلاق الحائض و النفساء مع الدخول و الحضور و عدم الحمل، و طلاق الموطوءة في طهر المواقعة إذا كانت غير يائسة و لا صغيرة و لا حامل، و الطلاق ثلاثاً

____________

(1) السنن الكبرى: ج 7 ص 322.

(2) وسائل الشيعة: ج 15 ص 267 ب 1 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ح 5.

(3) في ن بدل «كذا» كما.

50

بلا تخلّل رجعة، و بالجملة كلّ ما خالف الشرع منه.

و الكلّ باطل إلّا الأخير، فإنّه يقع واحدة و إن كانت الثلاث بلفظ واحد على أحد القولين، و قد عرفت الجميع. و إطلاق الطلاق على الفاسد إمّا حقيقة لغويّة، أو شرعيّة، أو عرفيّة، أو مجاز.

و أمّا الشرعي: فإمّا طلاق عدّة أو سنّة، فالأوّل: يشترط فيه الرجوع في العدّة و المواقعة. و صورته: أن يطلّق على الشرائط المعتبرة ثمّ يراجع في العدّة و يواقع، ثمّ يطلّقها في غير طهر المواقعة و لو باعتقاده إذا كان غائباً ثمّ يراجعها في العدّة و يطؤها ثمّ يطلّقها في طهر آخر كما في صحيح زرارة عن الباقر ((عليه السلام)) قال: و أمّا طلاق العدّة التي قال اللّٰه تبارك و تعالى: «فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَ أَحْصُوا الْعِدَّةَ» فإذا أراد الرجل منكم أن يطلّق امرأته طلاق العدّة فلينتظر بها حتّى تحيض و تخرج من حيضها، ثمّ يطلّقها تطليقة من غير جماع بشهادة شاهدين عدلين و يراجعها من يومه ذلك إن أحبّ أو بعد ذلك بأيّام قبل أن تحيض و يُشهد على رجعتها و يواقعها و تكون معه حتّى تحيض الحيضة الثالثة، فإذا حاضت و خرجت من حيضها، طلّقها تطليقة أُخرى من غير جماع و يُشهد على ذلك، ثمّ يراجعها أيضاً متى شاء قبل أن تحيض، و يُشهد على رجعتها و يواقعها و تكون معه إلى أن تحيض الحيضة الثالثة، فإذا خرجت من حيضتها الثالثة طلّقها الثالثة بغير جماع و يُشهد على ذلك (1).

ثمّ الظاهر من عبارة المصنّف و كثيرٍ: أنّ مجموع الثلاث الطلقات صورة طلاق العدّة، و ربّما يتوهّم من الخبر. و الأجود ما [مرّ في النكاح و] (2) نصّ عليه جماعة منهم: بنو إدريس (3) و سعيد (4): من أنّه الطلاق الّذي يراجع في عدّته، و الخبر بهذا المعنى، فإنّه تفسير للآية و قد أمر فيها، و لا يظهر وجه للأمر بالثلاث، فالمراد

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 15 ص 348 ب 2 من أبواب أقسام الطلاق و أحكامه ح 1.

(2) ما بين المعقوفتين زيادة في ط.

(3) السرائر: ج 2 ص 669.

(4) الجامع للشرائع: ص 466 و شرائع الإسلام: ج 3 ص 24.

51

في الخبر بقوله: «ثمّ يطلّقها» ثُمّ يطلّقها إن أراد، و كذا الباقي.

و إذا طلّقت الطلقة الثالثة فتحرم عليه بالنصوص (1) و الإجماع حتّى تنكح زوجاً غيره فإذا فارقته ثمّ عادت إليه بنكاح جديد ففعل كالأوّل ثمّ تزوّجت بالمحلّل أي تزوّج فوطئها ثمّ فارقته و عادت إلى الأوّل فصنع كما تقدّم، حرمت عليه أبداً في المرّة التاسعة أو الطلقة (2) التاسعة بالإجماع كما في الانتصار (3).

و لخبر أبي بصير سأل الصادق ((عليه السلام)) عن الّذي يطلّق ثمّ يراجع ثمّ يطلّق ثمّ يراجع ثمّ يطلّق، قال: لا تحلّ له حتّى تنكح زوجاً غيره فيتزوّجها رجل آخر فيطلّقها على السنّة، ثمّ ترجع إلى زوجها الأوّل فيطلّقها ثلاث تطليقات فتنكح زوجاً غيره [فيطلّقها] (4) ثمّ ترجع إلى زوجها الأوّل فيطلّقها ثلاث مرّات على السنّة، ثمّ تنكح، فتلك التي لا تحلّ له أبداً (5). [و ما سيأتي في خبري جميل و زرارة، مع داود بن سرحان] (6).

و قول الرضا ((عليه السلام)) في مكاتبة محمّد بن سنان: و علّة تحريم المرأة بعد تسع تطليقات فلا تحلّ له أبداً عقوبة لئلّا يتلاعب بالطلاق و لا يستضعف المرأة، و ليكون ناظراً في أُموره متيقّظاً و ليكون يأساً لها (7) من الاجتماع بعد تسع تطليقات (8).

و أمّا طلاق السنّة فأن يطلّق على الشرائط، ثمّ يتركها حتّى تخرج من العدّة و الظاهر حصول المسمّى بمجرّد ذلك.

و لكن إن أراد أن يعقد عليها ثانياً عقد عقداً جديداً بمهر جديد

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 15 ص 350 ب 3 من أبواب أقسام الطلاق و أحكامه.

(2) في ق، ط: لِلطلقة.

(3) الانتصار: ص 108.

(4) لم يرد في نسخ كشف اللثام.

(5) الخصال: ص 421 باب التسعة ح 18.

(6) ما بين المعقوفتين زيادة في ط.

(7) في وسائل الشيعة بدل «يأساً لها»: مؤيساً لها.

(8) وسائل الشيعة: ج 15 ص 360 ب 4 من أبواب أقسام الطلاق و أحكامه ح 8.

52

ثمّ يطأها ثمّ يطلّقها إن أراد في طهر آخر و يتركها حتّى تخرج العدّة ثمّ يتزوّجها إن أراد بعقد جديد و مهر جديد ثمّ يطأها ثمّ يطلّقها في طهر آخر إن أراد، كما قال الباقر ((عليه السلام)) لزرارة في الصحيح: أمّا طلاق السنّة فإذا أراد الرجل أن يطلّق امرأته فلينتظر بها حتّى تطمث و تطهر، فإذا خرجت من طمثها طلّقها تطليقة من غير جماع، و يُشهد شاهدين على ذلك، ثمّ يدعها حتّى تطمث طمثتين فتنقضي عدّتها بثلاث حِيَض و قد بانت منه، و يكون خاطباً من الخطّاب إن شاءت تزوّجته، و إن شاءت لم تزوّجه و عليه نفقتها، و السكنى ما دامت في عدّتها (1).

و إذا تمّت الثلاث فتحرم عليه حتّى تنكح غيره و لا يهدم تركها إلى انقضاء عدّتها تحريمها في الثالثة لعموم الآية (2) و قول الصادقين ((عليهما السلام)) في صحيح زرارة و محمّد بن مسلم و غيرهما: إنّ الطلاق الّذي أمر اللّٰه به في كتابه و سنّة نبيّه (صلّى اللّٰه عليه و آله) أنّه إذا حاضت المرأة و طهرت من حيضها أشهد رجلين عدلين قبل أن يجامعها على تطليقة ثمّ هو أحقّ برجعتها ما لم تمض ثلاثة قروء، فإن راجعها كانت عنده على تطليقتين و إن مضت ثلاثة قروء قبل أن يواقعها (3) فهي أملك بنفسها، فإن أراد أن يخطبها مع الخطّاب خطبها، فإن تزوّجها كانت عنده على تطليقتين و ما خلا هذا فليس بطلاق (4).

و قول الصادق ((عليه السلام)) في صحيح ابن سنان قال: قال أمير المؤمنين ((عليه السلام)): إذا أراد الرجل الطلاق طلّقها في قبل عدّتها في غير جماع، فإنّه إذا طلّقها واحدة ثمّ تركها حتّى يخلو أجلها أو بعده فهي عنده على تطليقة، فإن طلّقها الثانية و شاء أن يخطبها مع الخطّاب إن كان تركها حتّى خلا أجلها، و إن شاء راجعها قبل أن ينقضي أجلها، فإن فعل فهي عنده على تطليقتين، فإن طلّقها ثلاثاً فلا تحلّ له حتّى تنكح زوجاً غيره و هي ترث و تورث ما دامت في الطلقتين الأوّلتين (5).

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 15 ص 344 ب 1 من أبواب أقسام الطلاق و أحكامه ح 1.

(2) البقرة: 230.

(3) في وسائل الشيعة بدل «يواقعها»: يراجعها.

(4) وسائل الشيعة: ج 15 ص 351 352 ب 3 من أبواب أقسام الطلاق و أحكامه ح 7.

(5) وسائل الشيعة: ج 15 ص 352 ب 3 من أبواب أقسام الطلاق و أحكامه ح 8.

53

و قوله ((عليه السلام)) لأبي بصير: إذا أراد الرجل أن يطلّق امرأة يدعها إن كان قد دخل بها حتّى تحيض ثمّ تطهر، فإذا طهرت طلّقها واحدة بشهادة شاهدين ثمّ يتركها حتّى تعتدّ ثلاثة قروء، فإذا مضت ثلاثة قروء فقد بانت منه بواحدة و كان زوجها خاطباً من الخطّاب، إن شاءت تزوّجته، و إن شاءت لم تفعل، فإن تزوّجها بمهر جديد كانت عنده على اثنتين (1) باقيتين و قد مضت الواحدة، فإن هو طلّقها واحدة أُخرى على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين ثمّ تركها حتّى تمضي أقراؤها. فإذا مضت أقراؤها من قبل (2) أن يراجعها فقد بانت منه باثنتين و ملكت أمرها و حلّت للأزواج و كان زوجها خاطباً من الخطّاب، إن شاءت تزوّجته، و إن شاءت لم تفعل، فإن هو تزوّجها تزويجاً جديداً بمهر جديد كانت معه على واحدة باقية و قد مضت ثنتان، فإن أراد أن يطلّقها طلاقاً لا تحلّ له حتّى تنكح زوجاً غيره تركها حتّى إذا حاضت و طهرت أشهد على طلاقها تطليقة واحدة، ثمّ لا تحلّ له حتّى تنكح زوجاً غيره (3).

و ظاهر الفقيه الهدم، قال: و سمّي طلاق السنّة طلاق الهدم متى استوفت قروءها و تزوّجها ثانية هدم الطلاق الأوّل (4).

و دليله أخبار: منها: خبر عبد اللّٰه بن بكير عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر ((عليه السلام)) يقول: الطلاق الّذي يحبّه اللّٰه و الّذي يطلّق الفقيه، و هو العدل بين المرأة و الرجل، أن يطلّقها في استقبال الطهر بشهادة شاهدين و إرادة من القلب، ثمّ يتركها حتّى يمضي ثلاثة قروء فإذا رأت الدم في أوّل قطرة من الثالثة و هو آخر القروء، لأنّ الأقراء هي الأطهار فقد بانت منه و هي أملك بنفسها، فإن شاءت تزوّجته و حلّت له بلا زوج، فإن فعل هذا بها مائة مرّة هدم ما قبله و حلّت له بلا زوج، و إن راجعها قبل أن تملك نفسها، ثمّ طلّقها ثلاث مرّات يراجعها و يطلّقها لم تحلّ له إلّا بزوج (5).

____________

(1) في ن بدل «اثنتين»: تطليقتين.

(2) في ن، ق بدل «من قبل»: من غير.

(3) وسائل الشيعة: ج 15 ص 345 ب 1 من أبواب أقسام الطلاق و أحكامه ح 3.

(4) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 495.

(5) وسائل الشيعة: ج 15 ص 355 ب 2 من أبواب أقسام الطلاق و أحكامه ح 16.

54

و يضعّفه مع كون ابن بكير فطحيّاً أنّ ابن سماعة قال: و كان ابن بكير يقول: المطلّقة إذا طلّقها زوجها ثمّ تركها حتّى تبين ثمّ يزوّجها فإنّما هي عنده على طلاق مستأنف، قال: و ذكر الحسين بن هاشم: أنّه سأل ابن بكير عنها فأجابه بهذا الجواب، فقال له: سمعت في هذا شيئاً؟ فقال: رواية رفاعة، فقال: إنّ رفاعة روى أنّه إذا دخل بينهما زوج فقال: زوج و غير زوج عندي سواء. فقلت: سمعت في هذا شيئاً؟ فقال: لا، هذا ممّا رزق اللّٰه من الرأي، قال ابن سماعة: و ليس نأخذ بقول ابن بكير، فإنّ الرواية إذا كان بينهما زوج (1). و حكى عنه نحو ذلك عبد اللّٰه بن المغيرة (2).

فالظاهر ما في التهذيب: من أنّه لمّا كان ذلك مذهبه و رأى أنّ أصحابه لا يقبلونه منه إذا كان من رأيه أسنده إلى من رواه عن الباقر ((عليه السلام)) ترويجاً له (3).

و منها: خبر سيف بن عميرة عن عبد اللّٰه بن سنان قال: إذا طلّق الرجل امرأته فليطلّق على طهر بغير جماع بشهود، فإنّ تزوّجها بعد ذلك فهي عنده على ثلاث و بطلت التطليقة الأُولى، و إن طلّقها اثنتين ثمّ كفّ عنها حتّى تمضي الحيضة الثالثة بانت منه بثنتين و هو خاطب، فإن تزوّجها بعد ذلك فهي عنده على ثلاث تطليقات و بطلت الاثنتان، فإن طلّقها ثلاث تطليقات على العدّة لم تحلّ له حتّى تنكح زوجاً غيره (4). و هو موقوف على ابن سنان، فيجوز أن يكون رأياً رآه أو سمعه من ابن بكير.

و منها: خبر معلّى بن خنيس عن الصادق ((عليه السلام)) في رجل طلّق امرأته ثمّ لم يراجعها حتّى حاضت ثلاث حيض، ثمّ تزوّجها، ثمّ طلقها فتركها حتّى حاضت ثلاث حيض من غير أن يراجعها حتّى (5) يمسّها قال: له أن يتزوّجها أبداً ما لم يراجع و يمسّ (6). و هو مع الضعف لا ينصّ على المقصود.

____________

(1) الكافي: ج 6 ص 78 ذيل حديث 3.

(2) الكافي: ج 6 ص 78 ذيل حديث 4.

(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 36 ذيل حديث 107.

(4) وسائل الشيعة: ج 15 ص 355 ب 3 من أبواب أقسام الطلاق و أحكامه ح 15.

(5) في ن، ق بدل «حتّى»: يعني.

(6) وسائل الشيعة: ج 15 ص 354 ب 3 من أبواب أقسام الطلاق و أحكامه ح 13 مع اختلاف.