كشف اللثام و الإبهام عن قواعد الأحكام - ج9

- الفاضل الهندي المزيد...
560 /
5

[كتاب الأيمان و توابعها]

«كتاب الأيمان و توابعها» و فيه مقاصد ثلاثة:

[المقصد الأوّل في الأيمان]

الأوّل في الأيمان و فيه فصول أربعة:

[الفصل الأوّل في حقيقتها]

الأوّل في حقيقتها اليمين في عرف الشرع عبارة أي لفظ ينبئ عن تحقيق ما يمكن فيه الخلاف ماضياً أو مستقبلًا، و تثبيته و تبعيده عن احتمال الخلاف بذكر اسم من أسماء اللّٰه تعالى أو صفة من صفاته و الاختصاص بأسمائه و صفاته للنهي عن الحلف بغيرها، و يخرج يمين اللغو و المناشدة عن التحقيق، و المقصود هنا ما يتعلّق بالمستقبل، و يجوز كون المعرف هو التحقيق بمعنى التلفّظ بما يبعد عن احتمال الخلاف. و يقال: إنّها مأخوذة من اليد اليمنى، لأنّهم كانوا يتصافقون بأيمانهم إذا تحالفوا.

6

و إنّما ينعقد عندنا باللّٰه تعالى للأصل و الأخبار (1) إمّا بذاته من غير تعبير باسم من أسمائه المختصّة أو المشتركة، بل بصفة تختصّ به كقوله: و مقلّب القلوب فقد روي أنّه صلى الله عليه و آله و سلم كان كثيراً ما يحلف بهذه اليمين و الّذي نفسي بيده (2) فعن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم إذا اجتهد في اليمين قال: لا و الّذي نفس أبي القاسم بيده (3) و في بعضها نفس محمّد بيده (4) و الّذي فلق الحبّة و برأ النسمة كما روي عن عليّ (عليه السلام) (5). و الّذي اصلّي له و أصوم، و نحو ذلك.

أو بأسمائه المختصّة به كقوله: و اللّٰه، و الرحمن و القديم و الأزلي و الأوّل الّذي ليس قبله شيء و الحيّ الّذي لا يموت، و ربّ العالمين و مالك يوم الدين و نحو ذلك.

أو بأسمائه الّتي ينصرف إطلاقها إليه، و إن أمكن فيها المشاركة كقوله: و الربّ و الخالق و الرازق لقولهم: ربّ الدار و خالق الافك و رازق الجند و نحو ذلك.

و كلّ ذلك ينعقد به اليمين مع القصد لا بدونه بنحو قوله تعالى: «لٰا يُؤٰاخِذُكُمُ اللّٰهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمٰانِكُمْ»* (6).

و لا ينعقد بما لا ينصرف الإطلاق فيه إليه كالموجود و الحيّ و البصير و السميع و الرحيم و الكريم و القادر و إن نوى بها الحلف به تعالى لسقوط الحرمة من هذه الألفاظ بالمشاركة و عدم كفاية النيّة. و عقدها أبو عليّ بالسميع و البصير لادّعائه اختصاصهما به تعالى (7). و يحتمل كلامه العدم.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 16 ص 141 ب 15 من أبواب الأيمان.

(2) عوالي اللآلي: ج 3 ص 305 ح 111.

(3) سنن البيهقي: ج 10 ص 26.

(4) صحيح البخاري: ج 8 ص 160.

(5) نهج البلاغة: الخطبة 101 ص 147.

(6) البقرة: 225.

(7) حكاه عنه في مختلف الشيعة: ج 8 ص 142.

7

و لو قال: و قدرة اللّٰه أو و علم اللّٰه و نحوهما فإن قصد بها المعاني الّتي يعتقد الأشاعرة زيادتها على الذات أو مقدوراته أو معلوماته لم ينعقد لأنّه حلف بغيره تعالى و إن قصد كونه قادراً عالماً انعقدت للانصراف إلى الذات، فإنّها امور ينتزعها العقل من الذات، و ليس في نفس الأمر إلّا الذات، و لأنّها أيمان في العرف و إن غايرت الذات و داخلة في الحلف باللّٰه و إن لم يقصد عين الذات بل الامور المنتزعة، إذ لا يتعيّن الحلفبه تعالى للحلف (1) بذاته، مع مشاركتها للذات في الحرمة، و ربما تحرم (2) الذات فلا يقسم بها بل بما يتعلّق بها.

و لو قال: و جلال اللّٰه و عظمة اللّٰه و كبرياء اللّٰه و لعمر اللّٰه و إن ورد النهي عنه في بعض الأخبار و اقسم باللّٰه أو أحلف باللّٰه أو حلفت باللّٰه أو أشهد باللّٰه انعقدت إلّا أن ينوي الإخبار بهذه الأفعال. و في الخلاف (3) الإجماع في لعمر اللّٰه، و هو ظاهر المبسوط فيه و في الحلف بجلال اللّٰه و عظمته و كبريائه، و فيه الانعقاد با شهد باللّٰه (4) و في الخلاف (5) و السرائر (6) العدم، لأنّ لفظة الشهادة لا تسمّى يميناً في اللغة، و هو ممنوع، بل يستعمل فيها لغة و ثبت شرعاً في اللعان.

و لو قال: اقسم أو أحلف أو أقسمت أو حلفت أو أشهد مجرّداً أو قال: و حقّ اللّٰه على الأقوى وفاقاً للخلاف (7) و السرائر (8) أو اعزم باللّٰه أو حلف بالطلاق أو العتاق أو التحريم للزوجة أو غيرها أو الظهار، أو بالمخلوقات المشرّفة كالنبيّ و الأئمّة أو الكعبة أو القرآن أو حلف بالأبوين أو بشيء من الكواكب أو بالبراءة من اللّٰه تعالى أو من رسوله صلى الله عليه و آله و سلم أو أحد الأئمّة على رأي وفاقاً للأكثر أو قال: هو يهودي

____________

(1) كذا، و الظاهر: في الحلف.

(2) في ن: يحترم.

(3) الخلاف: ج 6 ص 125 المسألة 15.

(4) المبسوط: ج 6 ص 197.

(5) الخلاف: ج 6 ص 128 المسألة 19.

(6) السرائر: ج 3 ص 48.

(7) الخلاف: ج 6 ص 125 المسألة 16.

(8) السرائر: ج 3 ص 48.

8

أو مشرك أو عبدي حرّ إن كان كذا أو أيمان البيعة تلزمني و هي بفتح الباء إمّا البيعة الّتي كانت على عهد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم أو إشارة إلى أيمان رتّبها الحجّاج مشتملة على الطلاق و العتاق و الصدقة و مؤكّدات كثيرة للإحلاف بها، فلما طال عليهم ذلك اجتزؤوا عنها بهذه اللفظة. و قد يقال بكسر الباء، و يؤيّده ما في النهاية (1) من اقتران «الكنيسة» بها أي الأيمان الّتي يحلف بها النصارى أو اليهود في بيعهم أو كنائسهم أو ياهناه، أو لا أب شانئك لم ينعقد.

أمّا الأفعال فلخلوّها عن المقسم به، و قال الصادق (عليه السلام) في خبر السكوني: إذا قال الرجل: أقسمت أو حلفت فليس بشيء حتّى يقول: أقسمت باللّٰه أو حلفت باللّٰه (2).

و أمّا قول: «حقّ اللّٰه» فللأصل، و لأنّ حقوق اللّٰه هي الأمر و النهي و العبادات، و الحلف بها حلف بغير اللّٰه، و عقد به الشافعية (3) لكونه يميناً بالعرف، قال في الخلاف: و هذا غير مسلم (4). و عن بعض العامّة أنّ حقّ اللّٰه هو القرآن (5) لقوله تعالى: «إِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ» (6) و في المبسوط الانعقاد به، لقضاء العرف العامّ به (7) و هو خيرة التحرير (8) و المختلف (9) و هو المختار إن أراد الحقّ الّذي هو اللّٰه، و لو أطلق فالأقرب الانعقاد.

و أمّا نحو أعزم باللّٰه فلأنّه لم يرد قسماً إلّا للطلب، كأن يقول: عزمت عليك لما فعلت كذا.

و أمّا الطلاق و العتاق و التحريم و الظهار فلأنّها ليست من ألفاظ اليمين في شيء عادة و لا شرعاً. و في الصحيح عن منصور بن حازم قال: قال أبو

____________

(1) النهاية: ج 3 ص 41.

(2) وسائل الشيعة: ج 16 ص 142 ب 15 من أبواب الأيمان ح 3.

(3) المجموع: ج 18 ص 23.

(4) الخلاف: ج 6 ص 126 المسألة 16.

(5) لم نعثر عليه و نقله عن بعض العامّة في الخلاف: ج 6 ص 126 المسألة 16.

(6) الحاقة: 51.

(7) المبسوط: ج 6 ص 199.

(8) تحرير الأحكام: ج 2 ص 97 س 5.

(9) مختلف الشيعة: ج 8 ص 170.

9

عبد اللّٰه (عليه السلام): أما سمعت بطارق أنّ طارقاً كان نخاساً بالمدينة فأتى أبا جعفر (عليه السلام) فقال: يا أبا جعفر إنّي هالك إنّي حلفت بالطلاق و العتاق و النذر، فقال له: يا طارق هذه من خطوات الشيطان (1). و عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم في خبر السكوني: كلّ يمين فيها كفّارة إلّا ما كان من طلاق أو عتاق أو عهد أو ميثاق (2). و عن الصادق (عليه السلام): من حرم على نفسه الحلال فليأته فلا شيء عليه (3).

و أمّا الحلف بالمخلوقات فللأصل و النهي عنه في الأخبار، ففي الحسن عن محمّد بن مسلم أنّه سأل الباقر (عليه السلام) عن قوله تعالى: «وَ اللَّيْلِ إِذٰا يَغْشىٰ» و «النَّجْمِ إِذٰا هَوىٰ» و ما أشبه ذلك، فقال: إنّ للّٰه أن يقسم من خلقه بما شاء، و ليس لخلقه أن يقسموا إلّا به (4). و كذا في الصحيح عن عليّ بن مهزيار عن الجواد (عليه السلام) (5).

و أمّا بالبراءة فللأصل مع انتفاء صيغة القسم و الإجماع كما يظهر من الخلاف (6). لكن جماعة ألزموا الكفّارة بالحنث بها و هو يؤذن بالانعقاد، و يمكن أن لا يريدوه. و صحيح الصفار «أنّه كتب إلى العسكري (عليه السلام): رجل حلف بالبراءة من اللّٰه عزّ و جلّ و من رسوله صلى الله عليه و آله و سلم فحنث ما توبته و كفّارته؟ فوقّع (عليه السلام): يطعم عشرة مساكين لكلّ مسكين مدّ و ليستغفر اللّٰه عزّ و جلّ» (7) ليس لفظ الحنث فيه إلّا من كلام السائل.

و أمّا نحو هو يهودي أو مشرك فلمثل ذلك، و لخبر إسحاق بن عمّار سأل الكاظم (عليه السلام) رجل قال: هو يهودي أو نصراني إن لم يفعل كذا و كذا، فقال: بئس ما

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 16 ص 139 ب 14 من أبواب الأيمان ح 4.

(2) وسائل الشيعة: ج 16 ص 140 ب 14 من أبواب الأيمان ح 7.

(3) دعائم الإسلام: ج 2 ص 98 ح 315.

(4) وسائل الشيعة: ج 16 ص 160 ب 30 من أبواب الأيمان ح 3.

(5) وسائل الشيعة: ج 16 ص 159 ب 30 من أبواب الأيمان ح 1.

(6) الخلاف: ج 6 ص 112 المسألة 4.

(7) وسائل الشيعة: ج 16 ص 126 ب 7 من أبواب الأيمان ح 3.

10

قال! و ليس عليه شيء (1). و خبر أبي بصير سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يقول: هو يهودي أو هو نصراني إن لم يفعل كذا و كذا، قال: ليس بشيء (2).

و أمّا أيمان البيعة فإنّما هي كناية إمّا عن أيمان باطلة أو حقّة، و على كلّ فليست من لفظ اليمين في شيء، و الأصل البراءة.

و أمّا ياهناه أو لا أب لشانئك فلأنّهما ليسا من ألفاظ القسم في شيء، و إنّما كانوا في الجاهلية يكنّون بهما عن القسم. و في صحيح الحلبي عن الصادق (عليه السلام): و أمّا قول الرجل لا بل شانئك فإنّه من قول الجاهلية، و لو حلف الناس بهذا و شبهه ترك أن يحلف باللّٰه، و أمّا قول الرجل ياهناه و يا هناه فإنّما ذلك طلب الاسم و لا أرى به بأسا، و أمّا لعمر اللّٰه و أيم اللّٰه فإنّما هو باللّٰه (3). و عن سماعة عنه (عليه السلام): لا أرىٰ للرجل أن يحلف إلّا باللّٰه، و قال: قول الرجل حين يقول: لا بل شانئك فإنّما هو من قول الجاهلية، و لو حلف الناس بهذا و شبهه ترك أن يحلف باللّٰه (4).

و قولهم: لا بل «شانئك» مخفّف «لا أب لشانئك» و قد ظهر من الخبرين النهي عن قول «بل شانئك» و من الأوّل أنّه لا بأس بقول «يا هناه» لكونه لطلب الاسم دون الحلف، و هو لا يعطي انعقاد اليمين به.

و كذا قال أبو عليّ: إنّه لا بأس بقولهم «يا هناه و يا هناه» لأنّه لطلب الاسم (5). و في حديث أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه (عليهما السلام): أنّه لا بأس به (6) و هو لا يفيد ذهابه إلى انعقاد اليمين بذلك.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 16 ص 168 ب 34 من أبواب الأيمان ح 1.

(2) وسائل الشيعة: ج 16 ص 169 ب 34 من أبواب الأيمان ح 3.

(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 278 ح 1010، وسائل الشيعة: ج 16 ص 160 ب 30 من أبواب الأيمان ح 4 و فيه: «لاب لشأنئك» بدل «لا بل شأنئك».

(4) وسائل الشيعة: ج 16 ص 160 ب 30 من أبواب الأيمان ح 5.

(5) حكاه عنه في مختلف الشيعة: ج 8 ص 169.

(6) وسائل الشيعة: ج 16 ص 160 ب 30 من أبواب الأيمان ح 4 و ذيله.

11

و حروف القسم الباء و التاء و الواو.

و لو خفض المقسم به و نوى القسم من دون حرف بأن يقول: «اللّٰه» بالكسر انعقد يميناً وفاقاً للمحقّق (1) و ما يعطيه كلام المبسوط (2) لموافقته للعرف و اللغة، خلافاً للخلاف (3) استناداً بالأصل و انتفاء حرف القسم و كذا لو قال: ها اللّٰه بإثبات ألف «ها» أو حذفها مع وصل همزة «اللّٰه» و قطعها فهي أربع صور، و «ها» عوض عن الجارّ المحذوف.

أو أيمُن اللّٰه بفتح الهمزة فضمّ الميم، أو بالكسر فالضمّ، أو بفتحها، أو بالكسر فالفتح، و الأكثر على أنّه اسم من اليمن أو اليمين، و قيل: إنّه جمع يمين، و قيل: إنّه حرف.

أو أيمُ اللّٰه بفتح الهمزة فضمّ الميم، أو بالكسر فالضمّ، أو بكسرتين. أو «هيم» بفتح الهاء المبدلة من الهمزة، أو «أم اللّٰه» بكسرتين، أو فتحتين، أو بالفتح فالضمّ، أو بالفتح فالكسر، أو بالكسر فالضمّ، أو بالكسر فالفتح.

أو من اللّٰه مثلّث الحرفين. أو «من ربّي» بضمّ الميم أو كسرها و سكون النون.

أو مُ اللّٰه مثلّث الميم.

و لو قال في أقسمت أو اقسم و نحوهما: أردت الإخبار أو العزم على إنشاء القسم قبل منه لاحتماله احتمالًا ظاهراً في اللغة و العرف و افتقار الانعقاد إلى النيّة و أصل البراءة، و عن بعض العامّة (4) لا يقبل.

و الاستثناء بمشيئة اللّٰه تعالى جائز، و من العامّة (5) من أوجبه؛ لظاهر الآية، و يوقف اليمين و لا يرفعها، و إنّما يؤثّر فيها بشرطين: الاتّصال بحيث لا يخرج الكلام عن الاتّحاد عرفاً و النطق، فإذا اتّصل حقيقة أو انفصل بما جرت العادة به في الكلام الواحد كالتنفّس و السعال و العيّ و التذكّر أثّر.

____________

(1) شرائع الإسلام: ج 3 ص 171.

(2) المبسوط: ج 6 ص 196.

(3) الخلاف: ج 6 ص 127 المسألة 18.

(4) المجموع: ج 18 ص 36.

(5) الحاوي الكبير: ج 15 ص 282.

12

و لو تراخى عن ذلك لم يؤثّر و كان لاغياً للخروج عن العادة، و لأنّه لو أثّر مطلقاً لم يتحقّق حنث إلّا في واجب أو مندوب أو مع الغفلة عنه رأساً؛ لجواز أن يستثنى إذا شاء أن يحنث، و ما في الأخبار (1) من الاستثناء إذا ذكر مطلقاً أو إلى أربعين يوماً أو شهر أو سنة، فلا يدلّ على التأثير مع التأخير. و عن ابن عبّاس في رواية: إنّ له الاستثناء أبداً، و في اخرى إلى حين أي سنة (2). و حمل على نحو ما يحمل عليه الأخبار من أنّ له ثواب الاستثناء إذا نسيه ثمّ استثنى إذا ذكره و إن لم يوقف اليمين. و عن الحسن وعطا: إنّ له ذلك ما دام في المجلس (3).

و كذا يقع لاغياً لو نواه من غير نطق به وفاقاً للمبسوط (4) و السرائر (5). و عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم و أمير المؤمنين (عليه السلام): إذا حلف سرّاً فليستثن سرّاً، و إن حلف علانية فليستثن علانية (6). و في بعض الكتب عن الباقر (عليه السلام): إذا حرّك بها لسانه أجزأ و إن لم يجهر، و إن جهر به إن كان جهر باليمين فهو أفضل (7).

و الأقوى ما في المختلف (8) من الاكتفاء بالنيّة؛ لما عرفت من اعتبار النيّة في انعقاد اليمين، فإذا لم ينو فعل المقسم عليه إلّا معلّقاً بالمشيئة فلم ينو الحلف عليه مطلقاً فلم ينعقد إلّا معلّقاً بها.

و لا بدّ من القصد للاستثناء دون التبرّك و نحوه حالة إيقاعه أي الاستثناء لا حالة اليمين فإنّه مع الاتّصال نيّة و نطقاً يؤثّر، و لا دليل على اشتراط نيّته عند ابتداء اليمين، و فيه تردّد.

فلو قصد الجزم و سبق لسانه إلى الاستثناء من غير قصد إليه و لا

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 16 ص 157 ب 29 من أبواب الأيمان.

(2) الحاوي الكبير: ج 15 ص 282.

(3) المغني لابن قدامة: ج 11 ص 228.

(4) المبسوط: ج 6 ص 200.

(5) السرائر: ج 3 ص 41.

(6) وسائل الشيعة: ج 16 ص 155 ب 25 من أبواب الأيمان ح 2.

(7) دعائم الإسلام: ج 2 ص 97 ح 309.

(8) مختلف الشيعة: ج 8 ص 170.

13

حين التلفظ به كان لاغياً، و لو لم ينو الاستثناء حالة اليمين بل حين فراغه منها وقت نطقه به أثّر.

و يصحّ الاستثناء بالمشيئة في كلّ الأيمان المنعقدة نفياً أو إثباتاً فيوقفها على المشيئة و إن لم يفسد الانحلال في الواجب و المندوب لتعلّق المشيئة بهما قطعاً كما سيأتي.

و لو قال: و اللّٰه لأشربنّ اليوم إلّا أن يشاء اللّٰه أو لا أشرب إلّا أن يشاء اللّٰه لم يحنث بالشرب و لا بتركه فيهما كما في الإثبات بأن يقول: «إن شاء اللّٰه» أي كما أنّه يوقف اليمين فلا يحنث بالفعل و لا بالترك لمنعه من الانعقاد، فكذا بصيغة الاستثناء لاتّحاد المعنى. و قد يقال هنا بالحنث بالترك في الأوّل و الفعل في الثاني؛ لاشتراطه الحلّ، و هو فعل خلاف المحلوف عليه، و هو الترك في الأوّل و الشرب في الثاني بالمشيئة، فما لم يعلم تحقّقها لم يجز له خلاف المحلوف عليه، بخلاف الإثبات فإنّه يتضمّن اشتراط العقد أي فعل المحلوف عليه بالمشيئة. و يدفعه أنّ المباحات يتساوى فعلها و تركها في تعلّق مشيئة اللّٰه و وقوع كلّ منهما كاشف عن التعلّق، نعم يفترق الحال في التعليق بمشيئة غيره تعالى كما سيأتي.

و لا فرق في الإيقاف بين تقديم الاستثناء على المحلوف عليه مثل و اللّٰه إن شاء اللّٰه لا أشرب اليوم و بين تأخيره.

و ضابط التعليق بمشيئة اللّٰه أنّ المحلوف عليه إن كان واجباً أو مندوباً انعقدت اليمين و لم يوقفها التعليق، لأنّهما ممّا شاء اللّٰه قطعاً إلّا على رأي الأشعري و إلّا فلا تنعقد؛ لما عرفت من تساوي طرفي المباح في مشيئته تعالى، و عليه ينزّل إطلاق الأصحاب و الأخبار (1) كقوله صلى الله عليه و آله و سلم: «من حلف على

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 16 ص 157 ب 28 من أبواب الأيمان.

14

يمين فقال: إن شاء اللّٰه لم يحنث» (1). و قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «من استثنى في يمين فلا حنث عليه و لا كفّارة» (2) مع احتمال الأوّل التبرّك، و إنّ من يتبرّك بذلك في يمينه وفّق للوفاء. و قيل (3) بعدم الفرق؛ لعموم النصّ و الفتوى، و هو بعيد من حيث الاعتبار.

و لو علّق العقد بمشيئة غيره تعالى، كأن قال: و اللّٰه لأشربنّ اليوم إن شاء زيد فشاء زيد لزمه الشرب، فإن تركه حتّى مضى اليوم حنث و إن لم يشأ زيد لم يلزمه يمين. و كذا لو لم يعلم مشيئته بموت أو جنون أو غيبة لكونها شرط الانعقاد، فما لم يتحقق لم يعلم الانعقاد.

و لو علّق الحلّ بمشيئة غيره كأن قال: و اللّٰه لا أشرب إلّا أن يشاء زيد فقد منع نفسه الشرب إلّا أن يوجد مشيئة زيد، فإن شاء فله الشرب لوجود شرط الانحلال و إن لم يشأ لم يجز له أن يشرب لفقد شرط الحلّ و كذا إن جهلت مشيئته لغيبة أو موت أو جنون لم يشرب لعدم العلم بوجود شرط الحلّ و إن شرب في صورتي الجهل و العلم بالعدم حنث، لأنّه منع نفسه، إلّا أن توجد المشيئة فليس له الشرب قبل تحقّق وجودها.

و لو قال: و اللّٰه لأشربنّ إلّا أن يشاء زيد فقد ألزم نفسه الشرب إلّا أن يشاء زيد أن لا يشرب لا إلّا أن يشاء أن يشرب لأنّ الاستثناء و المستثنى منه متضادّان، و المستثنى منه إيجاب لشربه بيمينه فالاستثناء نفي له، فكأنّه قال: و لا أشرب إن شاء زيد، و المتبادر منه مشيئته لعدم الشرب

____________

(1) سنن البيهقي: ج 10 ص 46 مع اختلاف.

(2) وسائل الشيعة: ج 16 ص 157 ب 28 من أبواب الأيمان ح 1.

(3) الروضة البهية: ج 3 ص 53.

15

فإن شرب قبل تحقّق مشيئة زيد لعدم الشرب برّ.

و إن قال زيد: قد شئت أن لا تشرب انحلّت، لأنّها معلّقة بعدم مشيئته لترك الشرب و لم تنعدم فلم يوجد شرطها في الانعقاد.

و إن قال: قد شئت أن تشرب أو ما شئت أن لا تشرب لم تنحلّ بل عليه الشرب، فإن لم يشرب حنث لأنّ هذه المشيئة غير المستثناة، فإن خفيت مشيئته لزمه الشرب أيضاً لأنّه علّق لزوم الشرب بعدم المشيئة و هي معدومة بحكم الأصل فانعقدت، و تحقّق الحنث بالترك، هذا على ظاهر الكلام من تعلّق المشيئة بعدم الشرب.

و التحقيق أنّه إن قصد بقوله أي استثنائه: إلّا أن يشاء زيد أن لا أشرب أو مفعول القصد أن لا أشرب فالحكم ما تقدّم، و إن قصد إلّا أن يشاء زيد أن أشرب فالحكم بضدّ ما تقدّم و قبل منه ذلك لاحتمال الكلام، لأنّ التضادّ ثابت هنا أيضاً فإنّه في قوّة و لا أشرب إن شاء زيد أن أشرب، و كما أنّ حرف الاستثناء قرينة على كون مفعول المشيئة عدم الشرب يصلح قوله: «لأشربنّ» قرينة على كونه الشرب.

و إن جهل الأمران أي القصدان احتمل الحمل على ما تقدّم لأنّه الظاهر و احتمل البطلان للاحتمال المفضي إلى جهل الاستثناء الموقف لليمين.

و لو قال: و اللّٰه لا أشرب إن شاء زيد فقال زيد: فقد شئت أن لا تشرب فشرب حنث إلّا أن يقول: أردت إن شاء أن أشرب فيقبل منه و يدين بنيته و إن شرب قبل مشيئته لم يحنث، لأنّ الامتناع من الشرب تعلّق بمشيئته و لم تثبت مشيئته فلم يثبت لزوم الامتناع و بالجملة فهذا تعليق للعقد بالمشيئة و ما تقدّم للحلّ.

16

و لا يدخل الاستثناء بالمشيئة في غير اليمين من طلاق أو عتاق أو نذر، بمعنى أنّه لم يوقف شيئاً من ذلك بل تقع لاغياً، لخروجها بالنصّ (1) و الإجماع كما في السرائر (2) و هو أحد قولي الشيخ (3) و قوله الآخر (4) دخوله في جميع ذلك. و الأولى ما في المختلف (5) من اتّحاد القولين و كونهما بمعنى البطلان مع الاستثناء؛ لاشتراط النيّة فيها، فإذا لم ينوها إلّا معلّقة بالمشيئة لم يقع، لعدم التنجيز و الجهل بالشرط. و هو قويّ إن لم يتجدّد له نيّة التعليق بعد الإيقاع و في دخوله في الإقرار و إبطاله له إشكال، أقربه عدم الدخول وفاقاً لأحد قولي الشيخ (6) و المحقّق (7) لأنّه إنكار بعد الإقرار. و وجه الخلاف اتّحاد الكلام و أصل البراءة، و هو خيرة المختلف (8).

[الفصل الثاني في الحالف]

الفصل الثاني في الحالف و يشترط فيه البلوغ و العقل و الاختيار و القصد أي كونه ممّن يصحّ منه القصد إلى شيء و النيّة و هو القصد إلى الحلف و المحلوف عليه.

فلو حلف الصغير أو المجنون أو المكره أو السكران أو الغضبان إذا غضب بحيث لم يملك نفسه لم ينعقد لانتفاء البلوغ في الأوّل، و العقل في الثاني، و الاختيار في الثالث، و القصد في الباقين. و عن عبد اللّٰه بن سنان قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): لا يمين في غضب و لا في قطيعة رحم و لا في جبر و لا في إكراه، قال: قلت: أصلحك اللّٰه فما فرق بين الإكراه و الجبر؟ قال: الجبر من السلطان

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 16 ص 138 ب 14 من أبواب الأيمان.

(2) السرائر: ج 3 ص 42.

(3) الخلاف: ج 6 ص 132 المسألة 26.

(4) الخلاف: ج 4 ص 483 المسألة 53.

(5) مختلف الشيعة: ج 8 ص 143.

(6) المبسوط: ج 3 ص 22.

(7) شرائع الإسلام: ج 3 ص 143.

(8) مختلف الشيعة: ج 8 ص 143.

17

و يكون الإكراه من الزوجة و الأب و الامّ و ليس ذلك بشيء (1).

و لو حلف من غير نيّة لم تنعقد عندنا سواء كان بصريح أو كناية فإنّما الأعمال بالنيّات. و قال الرضا (عليه السلام) لإسماعيل بن سعد في الصحيح (2) و لصفوان بن يحيى في الحسن؛ اليمين على الضمير (3) و لقوله تعالى: «لٰا يُؤٰاخِذُكُمُ اللّٰهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمٰانِكُمْ»* (4) و هذه هي يمين اللغو لقول الصادق (عليه السلام) لأبي بصير: هو لا و اللّٰه و بلى و اللّٰه (5). و لمسعدة بن صدقة: اللغو قول الرجل: لا و اللّٰه و بلى و اللّٰه و لا يعقد على شيء (6). و لأبي الصبّاح: هو لا و اللّٰه و بلى و اللّٰه و كلّا و اللّٰه لا يعقد عليها أو لا يعقد على شيء (7). و عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم: لغو اليمين قول الرجل في كلامه: كلّا و اللّٰه بلى و اللّٰه لا و اللّٰه (8). و عنه صلى الله عليه و آله و سلم: أنّه مرَّ بقوم ينتصلون و معه رجل من الصحابة فرمى رجل من القوم، فقال: أصبت و اللّٰه ثمّ أخطأ، فقال الصحابي: حنث الرجل يا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم؟ فقال: كلّا أيمان الرماة لغو لا كفّارة فيها و لا عقوبة (9). و للعامّة قول بأنّها اليمين على ما ظنّ أنّه كذلك و أخطأ ظنّه و آخر بأنّها على المعصية، و آخر بأنّها المكفرة لإسقاط الكفّارة لها و إلغاءها إيّاها، و آخر بأنّها قول الرجل أعمى اللّٰه بصري و أهلك مالي فيدعو على نفسه و آخر بأنّها يمين الغضبان (10). و يجوز عود الضمير في كلام المصنّف إلى جملة

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 16 ص 143 ب 16 من أبواب الأيمان ح 1.

(2) وسائل الشيعة: ج 16 ص 149 ب 21 من أبواب الأيمان ح 1.

(3) وسائل الشيعة: ج 16 ص 150 ب 21 من أبواب الأيمان ح 2.

(4) البقرة: 225.

(5) وسائل الشيعة: ج 16 ص 145 ب 17 من أبواب الأيمان ح 3.

(6) وسائل الشيعة: ج 16 ص 144 ب 17 من أبواب الأيمان ح 1.

(7) وسائل الشيعة: ج 16 ص 145 ب 17 من أبواب الأيمان ح 5.

(8) سنن البيهقي: ج 10 ص 49.

(9) تفسير الطبري: ج 2 ص 245.

(10) راجع الدرّ المنثور: ج 1 ص 269 ذيل الآية 225 من سورة البقرة.

18

ما ذكره من الأيمان؛ لعموم الآية، و احتمال الأخبار التمثيل مع ضعفها. و للعامّة (1) خلاف في انعقاد اليمين بلا نيّة إذا كان بالصريح و ينعقد بالقصد إذا كان بالصريح عندنا و بالكناية أيضاً عند العامّة (2).

و لا ينعقد يمين ولد مع وجود والده إلّا مع إذنه، و لا المرأة مع زوجها إلّا بإذنه، و لا المملوك مع مولاه إلّا بإذنه كما هو المتبادر من نحو قوله صلى الله عليه و آله و سلم في صحيح (3) منصور بن حازم و حسنته (4)؛ لا يمين لولد مع والده، و لا المرأة مع زوجها، و لا المملوك مع سيّده و ذلك فيما عدا فعل الواجب و ترك القبيح، أمّا فيهما فينعقد من دون إذنهم كما نصّ عليه الأكثر، و فيه أنّ النصّ مطلق، و لا ينافي وجوب الواجب و حرمة القبيح توقف انعقاد اليمين فيهما على الإذن.

و لو قيل بانعقاد أيمانهم بدون الإذن كما في ظاهر الأكثر حيث ذكروا أنّ لأوليائهم حلّ أيمانهم كان وجهاً لعموم ما دلّ على وجوب الوفاء باليمين و انعقادها، و النفي الوارد في الأخبار إنّما يراد به نفي حكمها، فإنّ من المعلوم تحقّق حقيقة اليمين إذا حلفوا، و الحمل على نفي حقيقتها في الشرع يوجب النقل الّذي يخالف الأصل، و الحكم كما يحتمل الانعقاد يحتمل الاستمرار و الحنث و التكفير، و كما خصّوها بانتفاء الإذن يجوز تخصيصها بالنهي.

نعم لهم الحلّ في الوقت الموقّت به اليمين مع بقاء الوالد و الزوجية و العبودية، فلو مات الأب أو طلّقت الزوجة مثلًا أو اعتق المملوك قبل حلّهم وجب عليهم الوفاء مع بقاء الوقت فإنّا و إن لم نشترط في صدق المشتقّ بقاء المبدأ، لكن اتّفقنا على عدم اشتراط الإذن في ابتداء اليمين بعد الفراق أو العتاق، فكذا في استدامتها.

____________

(1) المجموع: ج 18 ص 8.

(2) المغني لابن قدامة: ج 11 ص 184.

(3) وسائل الشيعة: ج 16 ص 129 ب 11 من أبواب الأيمان ح 1.

(4) وسائل الشيعة: ج 16 ص 128 ب 10 من أبواب الأيمان ح 2.

19

و كلّ موضع يثبت لهم الحلّ لا كفّارة معه على الحالف و إلّا لم يكن لنفيها معنى و لا عليهم للأصل.

و لو أذن أحدهم في اليمين انعقدت إجماعاً و لم يجز لهم بعد الإذن المنع من الإتيان بمقتضاها لأنّ حكمها ثبت لها مع الإذن لتحقّق الشرط و انتفاء المانع فيستصحب.

و هل للمولى بعد انعقاد يمين المملوك و إجازته أو تعلّق اليمين بواجب المنع من الأداء في الموسّع أو المطلق في أوّل أوقات الإمكان إشكال من أنّ التخيير في الواجب المخيّر في الأوقات إلى المكلّف، و من عدم التعيّن و تعلّق حقّ المولى بمنافعه، و كذا الإشكال فيما وجب على الزوجة موسّعاً أو مطلقاً ممّا يمنع الاشتغال به عن الاستمتاع.

و لو قال الحالف بالصريح لم أقصد اليمين قبل منه و دين بنيّته فإنّه لا يعلم إلّا من قبله، و الأصل البراءة و يأثم مع الكذب في قوله.

و يصحّ اليمين من الكافر على رأي وفاقاً للأكثر؛ لعموم خطابي الشرع و الوضع له، و لا بدّ من التخصيص بمن يعرف اللّٰه كما في المختلف (1) ليصحّ النيّة. و في الخلاف (2) و السرائر (3)؛ إنّها لا تصحّ من الكافر باللّٰه، و هو المحكيّ عن القاضي (4) و هو لا يخالف الأوّل إلّا إذا بقي (5) على إطلاقه أو عمّم الكافر باللّٰه لأصناف الكفّار.

فإن حلف و أطلق و أسلم لم يسقط الفعل للأصل، و اختصاص جبّ الإسلام بما قبله، و هو مستمرّ إلى ما بعده، مع أنّ المتبادر منه جبّه للإثم قبله

____________

(1) مختلف الشيعة: ج 8 ص 150.

(2) الخلاف: ج 6 ص 116 117 المسألة 9.

(3) السرائر: ج 2 ص 48.

(4) الحاكي هو فخر المحقّقين في إيضاح الفوائد: ج 4 ص 11.

(5) في ق و ن: «أبقى».

20

و كذا إن قيّده بوقت و أسلم قبل فواته و يظهر السقوط من الخلاف (1) لجبّ الإسلام ما قبله فإن حنث في الإسلام أو قبله وجبت الكفّارة لأنّه قضيّة الصحّة، لكن لا يصحّ منه ما لم يسلم لاشتراط القربة فيها، و تردّد المحقّق (2) في صحّتها منه.

و لو أسلم بعد فوات الوقت و لم يكن قد فعله كان قد حنث و وجبت عليه الكفّارة لكنها تسقط بإسلامه لأنّه جبّ ما قبله من الحنث.

[الفصل الثالث في متعلّق اليمين]

الفصل الثالث في متعلّق اليمين و فيه مطالب ثمانية:

[المطلب الأوّل في متعلّق اليمين بقول مطلق]

الأوّل في متعلّق اليمين بقول مطلق إنّما ينعقد اليمين على فعل الواجب أو المندوب أو المباح إذا تساوى فعله و تركه في المصالح الدينية أو الدنيوية أو كان فعله أرجح في المصالح الدينية أو الدنيوية أو على ترك الحرام أو المكروه أو المرجوح في الدين و الدنيا من المباح و الإتيان بالواو هنا و في السابق ب«أو» يعطي أنّه يكفي في انعقاد اليمين على الفعل الرجحان أو التساوي دنياً أو ديناً و إن كان مرجوحاً في الآخر، و لا ينعقد على الترك إلّا إذا كان مرجوحاً فيهما، و الفرق غير ظاهر، بل إمّا المراد بالواو «أو» أو العكس، أو المراد في الأوّل التساوي في الدين خاصّة تساوي في الدنيا أو رجّح أو في الدنيا خاصّة تساوي في الدين أو رجّح، بأن لا يراد التساوي في أحدهما و المرجوحية في الآخر، و في الثاني المرجوحية فيهما جميعاً أو بالتفريق، أو المراد أنّ المناط في انعقاد اليمين على الفعل هو

____________

(1) الخلاف: ج 6 ص 116 117 المسألة 9.

(2) شرائع ا لإسلام: ج 3 ص 172.

21

التساوي أو الرجحان في أحدهما، و على الترك هو المرجوحية في أحدهما و إن اشترط في الأوّل أن لا يكون مرجوحاً في الآخر فإن خالف اليمين في أحد هذه أثم و كفّر.

و ممّا يدلّ على الانعقاد على المباح مع العمومات و اتّفاق الأصحاب كما يظهر منهم قول الباقر (عليه السلام) في صحيح زرارة: و ما لم يكن عليك واجباً أن تفعله فحلفت أن لا تفعله ثمّ فعلته فعليك الكفّارة (1).

و خبر أبان بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه: سأله ما اليمين الّذي يجب فيها الكفّارة؟ فقال: الكفّارة في الّذي يحلف على المتاع أن لا يبيعه و لا يشتريه ثمّ يبدو له فيه فيكفّر عن يمينه (2).

و خبر عيسى بن عطيّة قال للباقر (عليه السلام): إنّي آليت أن لا أشرب من لبن عنزي و لا آكل من لحمها فبعتها و عندي من أولادها، فقال: لا تشرب من لبنها و لا تأكل من لحمها فإنّها منها (3).

و قوله تعالى «يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مٰا أَحَلَّ اللّٰهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضٰاتَ أَزْوٰاجِكَ وَ اللّٰهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قَدْ فَرَضَ اللّٰهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمٰانِكُمْ» (4) مع ما ورد في الأخبار من كونها يميناً و أنّه صلى الله عليه و آله و سلم كفّر عنها (5).

و قول الرضا (عليه السلام) في صحيح البزنطي: إنّ أبي صلوات اللّٰه عليه كان حلف على بعض امّهات أولاده أن لا يسافر بها، فإن سافر بها فعليه أن يعتق نسمة تبلغ مائة دينار فأخرجها معه و أمرني فاشتريت نسمة بمائة دينار فأعتقها (6) و هو و إن

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 16 ص 153 ب 24 من أبواب الأيمان، ذيل الحديث 4.

(2) وسائل الشيعة: ج 16 ص 154 ب 24 من أبواب الأيمان ح 5.

(3) وسائل الشيعة: ج 16 ص 171 ب 37 من أبواب الأيمان ح 1.

(4) التحريم: 1 و 2.

(5) وسائل الشيعة: ج 16 ص 169 170 ب 35 من أبواب الأيمان ح 3.

(6) وسائل الشيعة: ج 16 ص 154 ب 24 من أبواب الأيمان ح 6.

22

احتمل أن يكون الحلف فيه هو أنّه إن سافر فعليه العتق، لكن الظاهر خلافه. و الظاهر أنّه لو لم يكن ينعقد لما حلف.

و أمّا نحو قول الصادقين صلوات اللّٰه عليهما لحمران: ما حلفت عليه ممّا للّٰه فيه طاعة أن تفعله، [و لم تفعله] فعليك فيه الكفّارة، و ما حلفت عليه ممّا للّٰه فيه المعصية، فكفّارته تركه، و ما لم يكن فيه معصية و لا طاعة، فليس بشيء (1).

و قول الصادق (عليه السلام) لزرارة: ما حلفت عليه ممّا فيه البرّ، فعليك الكفّارة إذا لم تف به، و ما حلفت عليه ممّا فيه المعصية فليس عليك فيه الكفّارة إذا رجعت عنه، و ما كان سوى ذلك ممّا ليس فيه برّ و لا معصية، فليس بشيء (2).

فيمكن أن يقال: إذا انعقدت اليمين على شيء كان فيه البرّ و الطاعة للّٰه، فمعنى هذه الأخبار أنّه لا يتحقّق يمين على شيء لا يكون فيه برّ و لا معصية، فإنّه إن تساوى أو يرجّح الفعل أو الترك ديناً أو دنيا، فإذا حلف عليه انعقدت اليمين و وجب الوفاء به، فكان فيه البرّ و الطاعة.

و أمّا قول الصادق (عليه السلام) في خبري ابن سنان و أبي الربيع: لا يجوز يمين في تحليل حرام، و لا تحريم حلال، و لا قطيعة رحم (3) فمع الضعف يمكن حمله على ما الأولى فيه الخلاف و على ما يعمّ الكراهة، كما يرشد إليه قوله (عليه السلام) في خبر أبي بصير: لو حلف الرجل أن لا يحكّ أنفه بالحائط لابتلاه اللّٰه حتّى يحكّ أنفه بالحائط، و لو حلف الرجل أن لا ينطح رأسه الحائط لوكّل اللّٰه عزّ و جلّ به شيطاناً حتّى ينطح رأسه الحائط (4). و على تحليل المال الحرام لنفسه و تحريم الحلال على الغير بالحلف الكاذب.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 16 ص 153 ب 24 من أبواب الأيمان ح 2.

(2) وسائل الشيعة: ج 16 ص 153 ب 24 من أبواب الأيمان ح 3.

(3) وسائل الشيعة: ج 16 ص 130 ب 12 من أبواب الأيمان ح 6 و 7.

(4) وسائل الشيعة: ج 16 ص 116 ب 1 من أبواب الأيمان ح 8.

23

و لو حلف على فعل حرام أو مكروه أو مرجوح من المباح أو على ترك واجب أو مندوب لم ينعقد اليمين و لا كفّارة بالترك كما نصّ عليه ما سمعته من خبري حمران و زرارة. و نحو قول الباقر (عليه السلام) في خبر زرارة: كلّ يمين حلفت عليها لك فيها منفعة في أمر دين أو أمر دنيا فلا شيء عليك فيها، و إنّما تقع عليك الكفّارة فيما حلفت عليه فيما للّٰه فيه معصية أن لا تفعله ثمّ تفعله (1). و قوله أيضاً في خبره: كلّ يمين حلف عليها أن لا يفعلها ممّا له فيه منفعة في الدنيا و الآخرة فلا كفّارة عليه، و إنّما الكفّارة في أن يحلف الرجل و اللّٰه لا أزني، و اللّٰه لا أشرب الخمر، و اللّٰه لا أسرق، و اللّٰه لا أخون و أشباه هذا و لا أعصي ثمّ فعل فعليه الكفّارة فيه (2) إلى غير ذلك، فهو من الكثرة بمكان.

بل قد يجب الترك لتعلّق اليمين كما في فعل الحرام و ترك الواجب أو ينبغي الترك كغيرهما ممّا يترجّح فيه خلاف اليمين مثل أن يحلف أن لا يتزوّج على امرأته أو لا يتسرّى و قال الصادق (عليه السلام): من حلف على يمين فرأى ما هو خير منها فليأت الّذي هو خير و له زيادة حسنة (3).

و لا ينعقد على الماضي مثبتة كانت أو نافية، و معناه أنّه لا يجب بها كفّارة و إن كذب متعمّداً بالإجماع؛ للأصل، و الأخبار الحاصرة لوجوب الكفّارة في اليمين على المستقبل، و قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر السكوني: في رجل قيل له: فعلت كذا و كذا، فقال: لا و اللّٰه ما فعلته و قد فعله، فقال: كذب كذبة يستغفر اللّٰه منها (4). و أوجب بعض العامّة (5) بالكذب فيه الكفّارة.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 16 ص 151 ب 23 من أبواب الأيمان ح 2.

(2) وسائل الشيعة: ج 16 ص 151 ب 23 من أبواب الأيمان ح 3.

(3) وسائل الشيعة: ج 16 ص 147 ب 18 من أبواب الأيمان ح 8.

(4) وسائل الشيعة: ج 16 ص 127 ب 9 من أبواب الأيمان ح 2.

(5) المغني لابن قدامة: ج 11 ص 177 178.

24

و هي اليمين الغموس لغمسها الحالف بها في الذنب، إذ لا كفّارة لها. و عن الصادق (عليه السلام) في مرسل عليّ بن حديد: و اليمين الغموس الّتي توجب النار الرجل يحلف على حقّ امرئ مسلم على حبس ماله (1). و في رواية اخرى: و أمّا الّتي عقوبتها دخول النار فهو أن يحلف الرجل على مال امرئ مسلم أو على حقّه ظلماً، فهذه يمين غموس توجب النار، و لا كفّارة عليه في الدنيا (2). و هو قسم من اليمين على الماضي أحقّ باسم الغموس، إذ لا يكفّرها الاستغفار وحده.

و إنّما ينعقد اليمين على المستقبل و إن عبّر عنه بالحال كأن يقول لأفعلنّ الآن لانصرافه إلى الزمان المتّصل بالتكلّم و هو مستقبل.

و لا ينعقد على فعل الغير و هي يمين المناشدة لا في حقّ الحالف و لا في حقّ المقسم عليه بالاتّفاق؛ للأصل، و خبر عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يقسم على الرجل في الطعام ليأكل فلم يطعم فهل عليه في ذلك كفّارة؟ و ما اليمين الّتي يجب فيها الكفّارة؟ فقال: الكفّارة في الّذي يحلف على المتاع أن لا يبيعه و لا يشتريه ثمّ يبدو له فيكفّر عن يمينه (3). و خبر حفص و غيره عنه (عليه السلام) أنّه سئل عن الرجل يقسم على أخيه، قال: ليس عليه شيء إنّما أراد إكرامه (4).

و أمّا قول عليّ بن الحسين (عليه السلام) في مرسل عبد اللّٰه بن سنان: إذا أقسم الرجل على أخيه فلم يبرّ قسمه، فعلى المقسم كفّارة اليمين (5) فمع الإرسال و احتمال الاستحباب يحتمل أن يراد بالمقسم عليه أنّه أقسم عنه كأن يقول: و اللّٰه ليأتينّ

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 16 ص 127 ب 9 من أبواب الأيمان ح 1.

(2) وسائل الشيعة: ج 16 ص 127 ب 9 من أبواب الأيمان ح 3.

(3) وسائل الشيعة: ج 16 ص 154 ب 24 من أبواب الأيمان ح 5، و فيه: «فيبدو له فيه فيكفّر».

(4) وسائل الشيعة: ج 16 ص 174 ب 42 من أبواب الأيمان ح 1.

(5) وسائل الشيعة: ج 16 ص 174 ب 42 من أبواب الأيمان ح 4.

25

اليوم زيد، لظنّه إجابته فلم يأت. و من العامّة (1) من أوجب الكفّارة على المقسم و لا تنعقد على المستحيل عقلًا أو عادة كالجمع بين النقيضين و صعود السماء و معناه أنّه لا يجب بتركه كفّارة و إنّما تنعقد على الممكن فإنّ الاستحالة ينافي نيّة الحلف عليه إلّا أن لا يكون عالماً بالاستحالة حين الحلف كأن يقول: لأقتلنّ زيداً و كان قد مات و هو لا يعلم، و للإجماع كما في الخلاف (2) و لما دلّ من الأخبار (3) على انحصار الانعقاد فيما فيه برّ و طاعة فإن حلف على ممكن و تجدّد العجز مستمرّاً إلى انقضاء وقت المحلوف عليه أو أبداً إن لم يتقيّد بوقت انحلّت كمن يحلف ليحجّ عامه أو عام كذا فيعجز إلّا أن يتّسع الوقت و فرط بالتأخير.

و اليمين إمّا واجبة و إن كذب فيها مثل أن يتضمّن تخليص معصوم الدم من القتل كما قال (عليه السلام) في خبر السكوني احلف باللّٰه كاذباً و نجّ أخاك من القتل (4) لكن يجب التورية في الكاذب إن أمكنت.

و إمّا مندوبة كالّتي يتضمّن الصلح بين المتخاصمين كما يفهم بطريق الأولى من قوله تعالى: وَ لٰا تَجْعَلُوا اللّٰهَ عُرْضَةً لِأَيْمٰانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَ تَتَّقُوا وَ تُصْلِحُوا بَيْنَ النّٰاسِ، فقد روي فيه عن الصادق (عليه السلام) بعدّة طرق إذا دعيت لصلح بين اثنين فلا تقل على يمين أن لا أفعل (5).

و إمّا مباحة كالّتي تقع على فعل مباح أو تركه مع الحاجة لما سيأتي ما لم تكثر فإنّ الإكثار منها مكروه، لورود النهي (6) عن جعل اللّٰه عرضة

____________

(1) الشرح الكبير: ج 11 ص 181.

(2) الخلاف: ج 6 ص 116 المسألة 8.

(3) وسائل الشيعة: ج 16 ص 152 ب 24 من أبواب الأيمان.

(4) وسائل الشيعة: ج 16 ص 134 ب 12 من أبواب الأيمان ح 4.

(5) وسائل الشيعة: ج 16 ص 176 ب 44 من أبواب الأيمان ح 2.

(6) وسائل الشيعة: ج 16 ص 115 ب 1 من أبواب الأيمان.

26

للأيمان، و لقوله تعالى: وَ لٰا تُطِعْ كُلَّ حَلّٰافٍ مَهِينٍ (1).

و إمّا مكروهة كالمتعلّقة بفعل المكروه.

و إمّا محرّمة كالكاذبة و المتعلّقة بفعل الحرام.

و الأيمان الصادقة كلّها مكروهة إلّا مع الحاجة فربما وجبت و ربما استحبّت. و يدلّ على الكراهة الآيتان، و الاعتبار، و الأخبار و هي كثيرة كقول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي أيوب الخزاز: لا تحلفوا باللّٰه صادقين و لا كاذبين، فإنّ اللّٰه عزّ و جلّ يقول: وَ لٰا تَجْعَلُوا اللّٰهَ عُرْضَةً لِأَيْمٰانِكُمْ (2). و في حسن ابن سنان: اجتمع الحواريّون إلى عيسى (عليه السلام) فقالوا له: يا معلّم الخير أرشدنا فقال لهم: إنّ موسى نبيّ اللّٰه أمركم أن لا تحلفوا باللّٰه كاذبين و أنا آمركم أن لا تحلفوا باللّٰه كاذبين و لا صادقين (3). و لسدير من حلف باللّٰه كاذباً كفر، و من حلف باللّٰه صادقاً أثم، إنّ اللّٰه عزّ و جلّ يقول: وَ لٰا تَجْعَلُوا اللّٰهَ عُرْضَةً لِأَيْمٰانِكُمْ (4). و خبر عليّ بن مهزيار قال: كتب رجل إلى أبي جعفر (عليه السلام) يحكي له شيئاً فكتب إليه: و اللّٰه ما كان ذلك، و إنّي لأكره أن أقول «و اللّٰه» على حال من الأحوال و لكنه غمّني أن يقال ما لم يكن (5). و من العامّة (6) من قال: إنّ الأيمان كلّها مكروهة، لقوله تعالى: وَ لٰا تَجْعَلُوا اللّٰهَ عُرْضَةً لِأَيْمٰانِكُمْ و تتأكّد الكراهة في الغموس أي الحلف الصادق على الماضي، و هو غير معهود في معناه لكن في العين: أنّ اليمين الغموس هي الّتي لا استثناء فيها على قليل المال و يختلف باختلاف الشخص و الحال، ففي مرسل

____________

(1) القلم: 10.

(2) وسائل الشيعة: ج 16 ص 116 ب 1 من أبواب الأيمان ح 5.

(3) وسائل الشيعة: ج 16 ص 115 ب 1 من أبواب الأيمان ح 2.

(4) وسائل الشيعة: ج 16 ص 116 ب 1 من أبواب الأيمان ح 6.

(5) وسائل الشيعة: ج 16 ص 115 ب 1 من أبواب الأيمان ح 1.

(6) المغني لابن قدامة: ج 11 ص 164.

27

عليّ بن الحكم، عن الصادق (عليه السلام) إنّه قال: إذا ادّعي عليك مال، و ما لم يكن له عليك، فأراد أن يحلّفك، فإن بلغ مقدار ثلاثين درهماً فأعطه و لا تحلف، و إن كان أكثر من ذلك فاحلف و لا تعطه (1). قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: من أجلّ اللّٰه أن يحلف به أعطاه اللّٰه خيراً ممّا ذهب منه (2). و دفع زين العابدين (عليه السلام) إلى امرأته الّتي ادّعت عليه صداقها أربع مائة دينار، و قال: أجللت اللّٰه عزّ و جلّ أن أحلف به يمين صبر (3).

و قد تجب الكاذبة إذا تضمّنت تخليص مؤمن كما مرَّ أو مال مظلوم، أو دفع ظلم عن إنسان، أو عن ماله أو عرضه فقال الصادق (عليه السلام) في رجل حلف تقيّة: إن خشيت على دمك أو مالك فاحلف تردّه عنك بيمينك (4). و قال زرارة للباقر (عليه السلام): نمرّ بالمال على العشّار، فيطلبون منّا أن نحلف لهم و يخلّون سبيلنا، و لا يرضون منّا إلّا بذلك، قال: فاحلف لهم، فهو أحلّ من التمر و الزبد (5). و سئل عليّ (عليه السلام) عن الرجل يحلف لصاحب العشور يحوز بذلك ماله، فقال: نعم (6). سأل محمّد بن أبي الصبّاح أبا الحسن (عليه السلام): أن امّه تصدّقت عليه بنصيب لها في دار، فكتبه شراء، فأراد بعض الورثة أن يحلفه على أنّه نقدها الثمن و لم ينقدها شيئاً فقال: احلف له (7) لكن إن كان يحسن التورية وجب أن يورّى ما يخلص به من الكذب لوجوب اجتنابه ما أمكن و لو لم يحسن التورية جاز الحلف كاذباً و لا إثم و لا كفّارة عليه

.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 16 ص 118 ب 3 من أبواب الأيمان ح 1.

(2) وسائل الشيعة: ج 16 ص 115 ب 1 من أبواب الأيمان ح 3.

(3) وسائل الشيعة: ج 16 ص 117 ب 2 من أبواب الأيمان ح 1.

(4) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 364 ح 4289.

(5) وسائل الشيعة: ج 16 ص 135 ب 12 من أبواب الأيمان ح 6.

(6) وسائل الشيعة: ج 16 ص 135 ب 12 من أبواب الأيمان ح 8، و فيه: عن الصادق (عليه السلام).

(7) وسائل الشيعة: ج 16 ص 175 ب 43 من أبواب الأيمان ح 1.

28

[المطلب الثاني في اليمين المتعلّقة بالمأكل و المشرب]

المطلب الثاني في اليمين المتعلّقة بالمأكل و المشرب قاعدة: مبنى اليمين على نيّة الحالف لما عرفت إلّا إذا ظلم بها حقّ الغير، فإنّها على نيّة المستحلف كما سيأتي. و إذا اعتبرت نيّة الحالف فإذا نوى ما يحتمله اللفظ انصرف الحلف إليه، سواء نوى ما يوافق الظاهر أو ما يخالفه و إن انتفى شرط إرادته من نصب القرينة كالعامّ يريد به الخاصّ، كأن يحلف: لا آكل كلّ لحم أي لحماً، كما في قوله تعالى: وَ لٰا تُطِعْ كُلَّ حَلّٰافٍ مَهِينٍ (1) وَ اللّٰهُ لٰا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتٰالٍ فَخُورٍ (2).

و ينوي نوعاً معيّناً من اللحوم و كالعكس مثل أن يحلف: لا شربت لك ماءً من عطش، و يريد به قطع كلّ ما له فيه منّة، و كالمطلق يريد به المقيّد كأن يحلف: أن يكلّم رجلًا، يريد زيداً، أو أن يصلّي، و يريد ركعتين و كالحقيقة يريد بها المجاز سوى ما ذكر من التخصيص و التعميم و كالحقيقة العرفيّة يريد بها اللغويّة إن رجّحنا العرفيّة و بالعكس إن رجّحنا اللغوية، أو الأوّل إن كان من أهل العرف، و الثاني إن كان من أهل اللغة، و خصوصاً إذا عمّمنا العرف للخاصّ، أو اللغة للعرف العامّ.

و لو أطلق لفظاً له وضع عرفيّ و لغويّ و لم يقصد أحدهما بعينه، ففي حمله على العرفيّ أو اللغوي إشكال، أقربه الأوّل لنسخه اللغوي. و وجه الآخر أنّه الأصل، و هو مبنيّ على الخلاف في أيّهما تقدّم إذا تعارضا، فإذا حلف لا يأكل رأساً، فلغته عامّة، و في العرف يختصّ برؤوس الأنعام، فلا يحنث على الأقرب برأس الطير و الحوت. و لو قال: لا شربت لك ماءً من عطش، حرم عليه أكل طعامه على الأقرب دون خلافه.

و لو نوى ما لا يحتمله اللفظ و لا مجازاً لغت اليمين لأنّ غير

____________

(1) القلم: 10.

(2) الحديد: 24.

29

المنويّ لا يقع؛ لعدم قصده، و لا يقع المنويّ؛ لعدم النطق به.

و لو لم ينو شيئاً من عموم و خصوص أو تجوّز و غيره حمل على مفهومه المتعارف لأنّه الأصل، فلو حلف مثلًا: لا يلبس ثوباً من غزل امرأته، حمل على العموم، و أمّا إذا لم ينو ما يحتمله اللفظ و لا غيره فهو لاغٍ.

إذا عرفت هذا فلو حلف: لا يأكل هذه الحنطة، فطحنها دقيقاً أو سويقاً و أكله لم يحنث لأنّهما لا يسمّيان حنطة، خلافاً للقاضي (1) تمسّكاً ببقاء العين كتقطيع الخيار و قشره و هو خيرة المختلف (2) لصدق أكل الحنطة و إن لم يصدق اسمها، فإنّها إنّما تؤكل كذلك. و أمّا لو حلف: لا يأكل هذا، و لم يذكر الحنطة فأكله دقيقاً أو سويقاً أو خبزاً فإنّه يحنث قطعاً، للتعليق على العين الباقية و كذا لو حلف: لا يأكل الدقيق فخبزه و أكله لم يحنث، لأنّ الخبز غير الدقيق، خلافاً للمختلف (3) تمسّكاً بأنّ الدقيق إنّما يؤكل كذلك، و هو قضيّة كلام القاضي (4) لبقاء العين أو حلف: لا يأكل لحماً فأكل ألية أو مخّاً و هو ما في وسط العظام من الرجل و اليد أو دماغاً و هو ما في وسط الرأس لم يحنث، خلافاً لبعض العامّة (5) في الألية، لكونها بمنزلة اللحم، و يظهر من التحرير (6) احتماله.

و يحنث بالرأس و الكارع أي الكراع، و لم أسمعه بمعناه، لكنه صحيح في اللغة كالشارب و لحم الصيد برّياً أو بحريّاً، و للشيخ في لحم السمك قولان (7) من تبادر غيره في العادة، و من قوله تعالى: وَ مِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا (8) و هو خيرة السرائر (9) تقديماً لعرف الشرع على العادة، و لحم الميتة و المغصوب.

____________

(1) المهذّب: ج 2 ص 419.

(2) مختلف الشيعة: ج 8 ص 181.

(3) مختلف الشيعة: ج 8 ص 181.

(4) المهذّب: ج 2 ص 419 420.

(5) المجموع: ج 18 ص 59.

(6) تحرير الأحكام: ج 2 ص 101 س 25.

(7) المبسوط: ج 6 ص 239، و الخلاف: ج 3 ص 295 المسألة 73.

(8) فاطر: 12.

(9) السرائر: ج 3 ص 52.

30

و لا يحنث بالكبد و القلب و الرئة و المصران جمع مصير و هو المعاء، كرغيف و رغفان و الكرش و المرق و هو واحد من مراق البطن، و هي مارق منه عند الصفاق أسفل السرّة، و قيل: لا واحد لها (1) و قال ابن إدريس (2) يحنث بالقلب، لشمول اللحم له. و يؤيّده التعبير عنه في الأخبار بالمضغة (3). و استشكل فيه في التحرير (4) و المختلف (5) و الإرشاد (6) و التلخيص و زاد فيه التردّد في الكبد (7).

و لا يحنث في الشحم باللحم لتغاير الاسمين و الحقيقتين خلافاً لأبي عليّ (8) فاحتاط بتركهما إلّا مع الإفراد بالنيّة و لا شحم الظهر و هو الأبيض الملاصق للأحمر الغير المختلط به الّذي يسمّى سميناً على إشكال من إطلاق الشحم عليه عرفاً، و قوله تعالى: حَرَّمْنٰا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمٰا إِلّٰا مٰا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمٰا (9) و هو خيرة السرائر (10) و المختلف (11) و التحرير (12) و الشرائع (13). و من أنّه لحم أبيض و لذا يحمر عند الهزال و هو خيرة الشيخ (14) و لا بالألية و لا بما في الجنب أو تضاعيف اللحم من الأبيض المسمّى بالسمين، و يجري فيه الإشكال للتردّد في صدق الاسم.

و لا يحنث في اللبن بالزبد إذا لم يكن معه لبن ظاهر و السمن و الجبن لاختلاف الاسم. و للعامّة (15) قول بالحنث بكلّ ما يعمل منه و يحنث

____________

(1) لسان العرب: ج 10 ص 342 (مادّة مرق).

(2) السرائر: ج 3 ص 51.

(3) الخصال: ج 1 ص 31 ح 109.

(4) تحرير الأحكام: ج 2 ص 101 س 24.

(5) مختلف الشيعة: ج 8 ص 164.

(6) إرشاد الأذهان: ج 2 ص 86.

(7) تلخيص المرام (سلسلة الينابيع الفقهية): ج 32 ص 148.

(8) حكاه عنه العلّامة في مختلف الشيعة: ج 8 ص 165.

(9) الأنعام: 146.

(10) السرائر: ج 3 ص 56.

(11) مختلف الشيعة: ج 8 ص 165.

(12) تحرير الأحكام: ج 2 ص 101 س 25.

(13) شرائع الإسلام: ج 3 ص 174.

(14) المبسوط: ج 6 ص 241.

(15) المجموع: ج 18 ص 64.

31

في أكل السمن بأكله وحده و مع الخبز و على الطعام من طبيخ أو عصيدة أو حلواء أو خبز مذاباً متميزاً أي ظاهراً غير مستهلك كما في التحرير (1) و المبسوط (2) لصدق أكل السمن في جميع ذلك. و للعامّة (3) قول بأنّه لا يحنث إذا أكله وحده، لأنّه لم يأكله على جهته، و كذا مع الخبز. و أمّا إن أذابه فشربه وحده فلا يحنث، لأنّه غير الأكل مع احتماله ضعيفاً.

و لو حلف: لا يأكل رأساً، انصرف إلى الغالب كالبقر و الغنم و الإبل أي رؤوسهنّ دون رأس الطير و السمك و الجراد كما في الخلاف (4) مع ادّعاء الإجماع عليه على إشكال من شمول الاسم لغة و عرفاً، و من أنّ المتبادر هنا ما يطبخ أو يشوى منفرداً، و لم يعهد في الطيور و نحوها. و لذا قصرها بعض العامّة على رأس الغنم (5) و بعضهم على رأسه و رأس البقر (6). و في المبسوط: و إن كان بلد له صيد كثير و يكون رؤوس الصيد يؤكل منفردة حنث فيها، و إن حلف: لا يأكل الرؤوس، و هو في غيرها من البلاد، فأكل منها هل يحنث أم لا؟ قال قوم: يحنث، لأنّه إذا ثبت عرف في مكان تعلّق بها حكم اليمين في كلّ مكان، كخبر الارز له عرف بطبرستان فتعلّق به الأيمان في كلّ مكان. و قال آخرون: لا يحنث، لأنّ هذا الحالف لا علم له بذلك، و لا عرف له بهذا البلد. و هكذا القول في رؤوس الحيتان إذا ثبت لها من العرف ما ثبت لرؤوس الصيد. هذا إذا لم يكن له نيّة، و أمّا إذا كان له نيّة حنث و برّ على نيّته، و الورع أنّه يحنث بأيّ رأس كان ليخرج من الخلاف، لأنّ فيه خلافاً، و الأقوى عندي أنّه لا يحنث بما لا يعرفه، لأنّ الأصل براءة الذمّة انتهى (7) و كذا اللحم ينصرف إلى الغالب كلحم الغنم و البقر

____________

(1) تحرير الأحكام: ج 2 ص 101 س 13.

(2) المبسوط: ج 6 ص 240.

(3) المجموع: ج 18 ص 66.

(4) الخلاف: ج 6 ص 167 المسألة 72.

(5) الشرح الكبير: ج 11 ص 260.

(6) الشرح الكبير: ج 11 ص 260.

(7) المبسوط: ج 6 ص 241.

32

و الإبل لا الطير و السمك و الجراد على إشكال، و قد سمعت الخلاف في لحم السمك، و الظاهر أنّه لا إشكال في عدم دخول الجراد و نحوه.

و يحنث في الرطب و البسر بالمنصّف و المذنَّب، ففي الرطب بما ارطب منه و في البسر بالباقي وفاقاً للشيخ (1) و جماعة، فلو حلف: لا يأكل رطباً، فأكل المنصّف كلّه أو ما رطب منه حنث، و كذا لو حلف: لا يأكل بسراً فأكله أو ما لم يرطب منه، أو حلف: لا يأكلهما، فأكله أو بعضه أي بعض كان على إشكال من صدق الاسمين على البعضين و من مخالفة العادة، إذ لا يتبادر من العادة إلّا ما ارطب كلّه و من البسر إلّا ما لم يرطب منه شيء، و هو اختيار القاضي (2) و فصّل في المختلف بأنّه: إن أكل البسر منه حنث في البسر و لم يحنث في الرطب، و إن أكل الرطب منه حنث في الرطب لا البسر فإن أكل الجميع فإن كان أحدهما أغلب كأن يكون مذنَّباً جرى عليه حكم الغالب، فالبسر يشمل المذنَّب فيحنث به فيه دون الرطب، و ما ارطب أكثره يحنث به في الرطب دون البسر و لو تساويا حنث به في الرطب لأنّه يطلق عليه اسمه دون البسر إذ لا يسمّى به عرفاً (3) أمّا في الرطبة و البسرة فلا يحنث بالمنصّف كلًّا و لا بعضاً، فإنّ البعض ليس برطبة واحدة و لا بسرة، و الكلّ مركّب منهما، و ليس برطبة و لا بسرة إلّا إذا غلبت فيه إحدى الصفتين حتّى يسمّى باسم موصوفها على ما اقتضاه كلام المختلف.

و يندرج الرمّان و العنب و الرطب في الفاكهة لأنّها كلّ ما يتفكّه به، أي يستطاب و يتنعّم به من الثمار، خلافاً لبعض العامّة (4) فقد أخرجوا الثلاثة منها، للعطف في القرآن المقتضي للمغايرة. قال الأزهري و لم أعلم أحداً من العرب قال: النخل و الرمّان ليسا من الفاكهة، و من قال ذلك من الفقهاء فلجهله بلغة العرب

____________

(1) المبسوط: ج 6 ص 241.

(2) المهذّب: ج 2 ص 420.

(3) مختلف الشيعة: ج 8 ص 165 166.

(4) الشرح الكبير: ج 11 ص 234.

33

و بتأويل القرآن يعني أنّ العطف للتفضيل لا المباينة.

و لا يدخل الخضراوات قطعاً كالقثّاء و الخيار و القرع و الجزر و الباذنجان و في البطّيخ إشكال من الشكّ في شمول الاسم له عادة و أيضاً من نحو قوله (عليه السلام): نعم الفاكهة البطّيخ (1) و ما روي أنّه (عليه السلام): كان يحبّ من الفاكهة البطّيخ و العنب (2) و هو اختيار الشيخ (3) و من نحو قول الصادقين (عليهما السلام) لزرارة: أنّه (عليه السلام) عفى عن الخضر فقال: و ما الخضر قال: كلّ شيء لا يكون له بقاء البقل و البطّيخ و الفواكه (4) لظهور العطف في المغايرة، و هو خيرة التلخيص (5).

و الادم بالضمّ و بضمّتين جمع إدام ككتاب و هو ما يؤتدم به الخبز أي يطيب و يصلح، و مدار التركيب على الموافقة و الملائمة يابساً كالملح و التمر و رطباً كالدبس لعموم الاسم، و لما روى يوسف بن عبد اللّٰه بن سلام أنّه: رأى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أخذ كسرة من خبز الشعير فوضع عليها تمرة فقال: هذه إدام هذه (6). و قوله صلى الله عليه و آله و سلم: سيّد إدامكم الملح (7). و قوله: سيّد إدام أهل الدنيا و الآخرة اللحم (8). و لبعض العامّة (9) قول باختصاصه بما يصطبغ به و هو المائع. و قد حكى ذلك في الخلاف مع حكايته أنّه لا خلاف في الحنث بالملح (10).

و لو حلف: لا يأكل خلًا فاصطبغ به حنث إذ لا يؤكل مثله إلّا بنحو ذلك بخلاف ما لو أكل السكباج المستهلك فيه الخلّ، كما في المبسوط (11)

____________

(1) لم نعثر عليه.

(2) مستدرك الوسائل: ج 16 ص 393 ح 6.

(3) المبسوط: ج 6 ص 248.

(4) وسائل الشيعة: ج 6 ص 44 ب 11 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ح 9.

(5) تلخيص المرام (سلسلة الينابيع الفقهية): ج 32 ص 148.

(6) سنن أبي داود: ج 3 ص 362 ح 3830.

(7) بحار الأنوار: ج 66 ص 394 ح 1.

(8) الجامع الصغير: ج 2 ص 35.

(9) المغني لابن قدامة: ج 11 ص 237.

(10) الخلاف: ج 6 ص 183 المسألة 98.

(11) المبسوط: ج 6 ص 240.

34

و التحرير (1) أو مطلقاً بناءً على أنّه لا يسمّى بأكل الخلّ، و كذا لو شرب مرقة فيها خلّ و إن لم يستهلك.

و لا يحنث في التمر بالرطب و لا بالبسر و لا بالعكس فيهما و لا بينهما أي لا حنث بين الرطب و البسر فلا يحنث في الرطب بالبسر و لا بالعكس، و كذا الحال في الطلع و البلح و نحوهما.

و يحنث في اللبن بلبن الصيد و الأنعام و الأدمية و باللبا و الحليب و المخيض و الرائب.

و لو حلف: لا يأكل تمرة معيّنة، فوقعت في تمر لم يحنث إلّا بأكل الجميع أو تيقّن أكلها للأصل و يجب ترك الاستيعاب و لو بإبقاء واحدة يحتمل المحلوف عليها بل بعضها، لأنّه ليس تمرة و لا تلك التمرة، إلّا أن يريد بأكلها ما يعمّ الكلّ و أبعاضها و هل يجب اجتناب المحصور غير المشقّ اجتنابه، أي الموقع في المشقّة، و لم أسمع به و المعروف الشاقّ إشكال أقربه ذلك لاختلاط الحرام بالحلال فوجب الاجتناب عن الكلّ من باب المقدّمة، كما إذا اشتبهت الزوجة بالأجنبيّة، و وجه الخلاف أنّ الحرمة للحنث و إذ لا حنث بأكل غير المحلوف عليها يقيناً فلا حرمة و إنّا و إن حرّمنا المشتبهة بالأجنبيّة لكن الفرق حاصل لأصالة التحريم هناك فيجب الاجتناب ما لم يتيقّن الحلّ و أصالة الإباحة هنا فلا يجب الاجتناب عمّا لا يتيقّن حرمته، و أمّا إذا اشتبهت المحلّلة بالمحرّمة نسباً مثلًا فإنّما يجب الاجتناب، للاحتياط في الفروج و لو تلف منه أي التمر الواقع فيه تمرة لم يحنث بالباقي كلًّا أو بعضاً مع الشكّ في كون التالف هو المحلوف عليه، لأصل الاباحة مع الشكّ في

____________

(1) تحرير الأحكام: ج 2 ص 101 س 3.

35

الحرمة، بخلاف ما لو ماتت إحدى المرأتين من الزوجة و الأجنبيّة، لأصالة الحرمة.

و لو حلف: لا يأكل طعاماً اشتراه زيد، فأكل ما اشتراه مع غيره صفقة لم يحنث و إن اقتسماه كما في الخلاف (1) و السرائر (2) على إشكال كما في المبسوط (3) و الشرائع (4) من أنّهما مشتريان معاً لكلّ جزء يفرض فكلّ منهما مشترى إذ لا ينافيه شركة الغير و من تبادر التفرّد بالشراء و لا يفيده القسمة، فإنّها ليست بيعاً و إن اشتملت على ردّ و أيضاً من أنّ كلًّا منهما مشتري للنصف و لذا كان عليه نصف الثمن و لا يتعيّن إلّا بالقسمة و الأصل الإباحة فيكون كالتمرة المحلوف عليها إذا اختلطت بغيرها و عليه يتّجه أن يحنث إذا أكل أكثر من النصف، و من أنّ التعيّن بالقسمة لا يكفي في تعيّن المشتري فإنّه أمر طارئ غير الشراء، و من أنّه لا أحد منهما بمشتري و إنّما هو نصف مشتري و لذا كان عليه نصف الثمن لا لكونه مشتري النصف لإيقاعهما العقد على المجموع و لو اشترى كلّ منهما طعاماً و امتزج الطعامان فأكل الزائد على ما اشتراه الغير حنث و إلّا لم يحنث وفاقاً للخلاف (5) و المبسوط (6) للأصل كما في مسألة التمرة و إن وجب الاجتناب على وجه مضى.

و فيه أوجه اخرى، أحدها: أنّه لا يحنث و إن أكل كلّه، إذ لا يمكن الإشارة إلى شيء بأنّه اشتراه زيد فالكلّ كما لو اشتراه صفقة. و الثاني: أنّه إن أكل ما يمكن في العادة انفراد الغير به كحبّة من الحنطة لم يحنث، و إلّا ككفّ منها حنث، لقضاء العادة بالاشتمال على ما اشتراه زيد، و احتمله الشيخ في المبسوط (7). و الثالث: أنّهما إن

____________

(1) الخلاف: ج 6 ص 149 المسألة 46 و 47.

(2) السرائر: ج 3 ص 49.

(3) المبسوط: ج 6 ص 223.

(4) شرائع الإسلام: ج 3 ص 173.

(5) الخلاف: ج 6 ص 150 المسألة 48.

(6) المبسوط: ج 6 ص 223.

(7) المبسوط: ج 6 ص 223.

36

كانا مائعين حنث بالقليل و الكثير، لامتزاج الأجزاء كلّها، و إلّا فلا، و هو خيرة المختلف (1) و الرابع: قول القاضي (2) و هو الحنث مطلقاً لوجوب الاجتناب لاختلاط الحرام بالحلال، و هو ملزوم للإثم بتركه و لا إثم هنا إلّا للحنث.

و لو حلف: لا يأكل من لحم شاته و لا يشرب لبنها، لزم إلّا مع الحاجة، و لا يسري التحريم إلى النسل على رأي وفاقاً لابن إدريس (3) و المحقّق (4) للأصل و المباينة للمحلوف عليه، و خلافاً للشيخ (5) و أبي عليّ (6) و القاضي (7) لخبر عيسى بن عطيّة قال للباقر (عليه السلام): إنّي آليت أن لا أشرب من لبن عنزي، و لا آكل من لحمها، فبعتها، و عندي من أولادها، فقال: لا تشرب من لبنها، و لا تأكل من لحمها، فإنّها منها (8) و هو ضعيف.

و لو حلف: ليأكلنّ هذا الطعام غداً، فأكله أو بعضه اليوم حنث كما في المبسوط (9) و الخلاف (10) و الشرائع (11) و الجامع (12) لتحقّق المخالفة لأنّ التوقيت كما يقتضي نفي الفعل فيما بعد الوقت المقدّر يقتضيه قبله، فكأنّه حلف أن لا يأكله قبل الغد و لا بعده، فكما يحنث بالتأخير يحنث بالتقديم. و للعامّة (13) قول بالانحلال و احتمله بعض الأصحاب، لأنّه إذا وقّت اليمين لم يجب عليه الوفاء قبل الوقت، و حين حضر كان قد انتفى متعلّق اليمين. و مبنى القولين على أنّ اليمين هل يقتضي الأمر حالها بالإيقاع إذا حضر الوقت أو لا يقتضيه إلّا

____________

(1) مختلف الشيعة: ج 8 ص 176.

(2) المهذّب: ج 2 ص 417.

(3) السرائر: ج 3 ص 46.

(4) شرائع الإسلام: ج 3 ص 173.

(5) النهاية: ج 3 ص 49 50.

(6) مختلف الشيعة: ج 8 ص 148.

(7) المهذّب: ج 2 ص 403.

(8) وسائل الشيعة: ج 16 ص 171 ب 37 من أبواب الأيمان ح 1.

(9) المبسوط: ج 6 ص 228.

(10) الخلاف: ج 6 ص 158 المسألة 58.

(11) شرائع الإسلام: ج 3 ص 173.

(12) الجامع للشرائع: ص 421.

(13) لم نعثر عليه.

37

إذا حضر.

و على المختار يلزمه الكفّارة معجّلًا أي قبل الغد على إشكال من تحقّق المخالفة لما عرفته، و من احتمال انتفاء القدرة بالموت أو غيره في الغد فيظهر انتفاء التكليف، و أنّ المخالفة إنّما يتحقّق بحضور الوقت مع ترك المحلوف عليه، و بالأكل قبله إنّما يحصل العلم بحصول المخالفة، و في الإيضاح (1) عمّم الإشكال للحنث.

و كذا يحنث لو هلك الطعام قبل الغد أو فيه بشيء من قبله لعين ما مرَّ مع الاحتمال في ما قبله و لا يحنث لو هلك لا بسببه قبله أو فيه قبل التمكّن من الأكل و بعده وجهان. و للعامّة (2) قول بالحنث و إن هلك قبله لا من قبله.

و لو حلف لا يأكل سويقاً، فشربه و كذا إن حلف أن لا يأكل خبزاً، فماثه و شربه كالسويق أو حلف لا يشربه فأكله لم يحنث.

و لو حلف: لا يشرب، فمصّ قصب السكّر أو حبّ الرمّان أو نحوهما لم يحنث لأنّه لا يسمّى شرباً عرفاً و إن سمّي به لغة و كذا لو حلف: لا يأكل سكّراً، فوضعه في فيه فذاب و ابتلعه لم يحنث لذلك.

و لو حلف: لا يطعم أو لا يذوق، حنث بالأكل و الشرب و المصّ لاشتمالها على الذوق و زيادة، و لذا لا يمكن أن يقال: كل هذا و لا تذقه. و الطعم بشمل الشرب و المصّ، قال اللّٰه تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي (3). و في العين: الطعم، طعم كلّ شيء و هو ذوقه قال: و قول العرب: مرَّ الطعم و حلو الطعم معناه الذوق، لأنّك تقول: اطعمه أي ذقه، و لا تريد به امضغه كما يمضغ الخبز، و هكذا في القرآن: و من لم يطعمه فإنّه منّي، فجعل ذوق الطعام؟ الشراب. و في المقاييس: الطاء و العين و الميم أصل مطّرد منقاس في تذوق الشيء. إلى غير ذلك من نصوصهم.

____________

(1) إيضاح الفوائد: ج 4 ص 19.

(2) الحاوي الكبير: ج 15 ص 369.

(3) البقرة: 249.

38

و لو حلف: لا يأكل قوتاً احتمل صرفه إلى كلّ ما يقتات به و لو في غير بلده مثل الخبز و التمر و الزبيب و اللحم و اللبن، لأنّها تقتات بها في بعض البلدان فيشملها الاسم لغة و عرفاً و كذا غيرها معمّماً فيما يقتاته بعض الناس أو «في» بمعنى اللام أو على و «ما» مصدريّة، أي لاقتيات بعض الناس أو مع اقتياته له و احتمل صرفه إلى عادة بلده خاصّة و هو الأقرب لأنّه السابق إلى الفهم مع أصل البراءة و يحنث بالحبّ الّذي خبزه أو طبخه مقتات لشمول الاسم له عرفاً و يؤيّده ألفاظ الأخبار، نحو أنّه (عليه السلام): كان يدّخر قوت عياله سنة (1) و لا يحنث في القوت بالعنب و الخلّ و الحصرم لأنّ القوت ما يقوم به بدن الإنسان و يمسك الرمق، و لا يطلق في العادة على الفواكه و الأشربة.

و الطعام يصرف إلى القوت و الأدم و الحلواء و التمر و ما قيل (2) من اختصاصه بالبرّ لم يثبت و يشمل الجامد و المائع دون الماء فإنّه لا يسمّى به. و قوله تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ، بمعنى الذوق كما عرفت، و هو لا يقتضي دخوله في اسم الطعام. و قوله (عليه السلام): لماء زمزم طعام طعم (3) بمعنى أنّه يشبع كالطعام، و إلّا لم يكن مزيّة خاصّة به و دون ما لا يجرى العادة بأكله كورق الشجر و التراب و هل يختصّ بطعام أهل بلده أو يعمّ وجهان، كما مرَّ في القوت.

و يحنث في الشعير بالحبّات الّتي في الحنطة منه إلّا أن يقصد المنفرد أو يحلف: لا يأكل خبز الشعير أو سويقه، فلا يحنث بالمستهلك في الحنطة.

و لو حلف على شيء بالإشارة مع ذكر صفة هو عليها أو لا معه فتغيّرت صفته فإن استحالت أجزاؤه و تغيّر اسمه مثل أن يحلف: لا

____________

(1) تاريخ بغداد: ج 9 ص 443، الدرّ المنثور للسيوطي: ج 6 ص 193.

(2) لم نعثر عليه.

(3) الأحكام النبوية في الصناعة الطبية: ج 2 ص 107.

39

أكلت هذه أو هذه البيضة فتصير فرخاً أو هذه الحنطة فتصير زرعاً لم يحنث لقضاء العقل و العرف و اللغة، إذا ما حدث مغاير لما كان و إن زال اسمه بنموّ أو نضج أو عمل أو نحوها مع بقاء أجزائه مثل لا أكلت هذا أو هذا الرطب فيصير تمراً أو دبساً أو خلًا أو ناطفاً أي النوع من الحلواء المسمّى بالقبيطي أو هذا الحمل فيصير كبشاً، أو هذا العجين فيصير خبزاً، فإنّه يحنث للحكم بالاتّحاد عقلًا و عادة، و إنّما حصلت زيادة صفة إلى أن ينوي الاجتناب مع الاتّصاف بهذه الأوصاف. و الفرق بين هذه و الحنطة تصير دقيقاً أو سويقاً أو الدقيق يصير خبزاً غير ظاهر حتّى يحكم بالحنث هنا لا هناك، إلّا أن يريد هنا الحلف على هذه الّتي هي رطب و حمل و عجين لكنه اقتصر على الإشارة و لم يذكر الصفات و هو بعيد.

و لو حلف بالإشارة و الإضافة و تغيّرت الإضافة مثل: لا أكلت هذا رطب زيد، فباعه زيد على عمرو حنث بأكله إلّا أن يقصد الامتناع باعتبار الإضافة.

و إذا حلف ليفعلنّ شيئاً لم يبرّ إلّا بفعل الجميع إن كان له جميع لا نحو ليشربنّ ماء و لو حلف: أن لا يفعله و أطلق، ففعل بعضه لم يحنث وهما ظاهران و لكن لو اقتضى العرف غيرهما صُيّر إليه. و لو حلف ليشربنّ ماء الكوز لم يبرّ إلّا بفعل الجميع لاتّفاق الحقيقة و العرف عليه و لو حلف ليشربنّ ماء الفرات برّ بالبعض لقضيّة العرف و لو قصد خلاف مدلول العرف صُيّر إلى قصده فلو قصده في المثال شرب الجميع كان من الحلف على المستحيل.

و لو حلف لا شربت ماء الكوز لم يحنث بالبعض و يحنث في ماء الفرات به للعرف و لو حلف: لا شربت من الفرات، حنث بالكرع منها و من الشرب من آنية اغترفت منها و بالاغتراف باليد وفاقاً للخلاف (1)

____________

(1) الخلاف: ج 6 ص 163 المسألة 67.

40

لعموم اللفظ لغة و عرفاً، و ظاهر قوله تعالى: فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي ... إِلّٰا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ (1) و قيل في المبسوط (2) و السرائر (3) بالكرع خاصّة لأنّه الحقيقة العرفية أو المجاز الغالب. أمّا لو حلف: لا يشرب من ماء البئر فيحنث بالاغتراف، فإنّه المعروف، و كذا بالكرع و أولى، لأنّه الحقيقة. و قيل: لا لأنّه متروك (4).

و لو حلف على فعل شيئين لم يبرّ إلّا بفعلهما. و إن حلف على تركهما، و هو الّذي أراده المصنّف مثل لا آكل لحماً و خبزاً، و لا آكل زبداً و تمراً، فإن قصد المنع من الجمع أو من كلّ واحد حمل على قصده، و إلّا حمل على الأوّل للظاهر، و الأصل فلا يحنث بأحدهما و أظهر منه التثنية، كأن يحلف: لا يأكل الرغيفين. و من العامّة (5) من قال: يحنث بأحدهما، بناءً على أصله من أنّ القرب من الحنث حنث. و في المبسوط (6) قطع بالحمل على الأوّل في المثنّى و على الثاني في العطف، و مثّل بنحو لا كلّمت زيداً و عمرواً، قال: لأنهما يمينان حلف: لا كلّم زيداً و لا كلّم عمرواً، و إنّما دخلت الواو نائبة مناب تكرير الفعل و لو كرّر لا حنث بكلّ منهما قطعاً لأنّه صريح في الثاني.

و لو قال: لا آكل لحماً و أشرب لبناً، بالفتح و هو من أهل العربيّة لم يحنث إلّا بالجمع لا بالآحاد.

و لو حلف على السمن لم يحنث بالأدهان لأنّه سلاء الزبد خاصّة بخلاف العكس و لعلّ الوجه فيه ما في المقاييس: من أنّ السين و الميم و النون أصل يدلّ على خلاف الهزال، و منه السمن، و الدال و الهاء و النون أصل يدلّ على لين و سهولة و قلّة، و منه الدهن و لو حلف: لا يأكل بيضاً و أن يأكل ما

____________

(1) البقرة: 249.

(2) المبسوط: ج 6 ص 232.

(3) السرائر: ج 3 ص 52.

(4) لم نعثر عليه.

(5) الحاوي الكبير: ج 15 ص 379.

(6) المبسوط: ج 6 ص 231.

41

في كمّ زيد فإذا هو بيض، برّ بجعله في ناطف و نحوه و أكله لخروجه بذلك عن اسم البيض مع بقائه فيه حقيقة، فيصدق أنّه أكل ما في كمّه.

[المطلب الثالث في البيت و الدار]

المطلب الثالث في البيت و الدار إذا حلف على الدخول لم يحنث بالوقوف على الحائط بلا خلاف. كما في المبسوط (1) و الخلاف (2) و لا بصعوده السطح الغير المسقّف من خارج و إن كان محجّراً خلافاً للعامّة فلهم قول بالحنث مطلقاً (3) و آخر إن كان محجّراً (4) فعلى هذا لا يجوز الاعتكاف في سطح المسجد و لا يتعلّق الحرمة الّتي للمسجد به على إشكال من الإشكال في دخوله، لأنّ عدم الحنث بالصعود على السطح لا يعيّن خروجه عن الدار لجواز أن يدخل فيها، لكن لا يدخل صعوده في مفهوم «دخول الدار» عرفاً و يؤيّده ملك صاحب الدار له، و مبنى الاحتمالين على أنّ من المعلوم توقّف حصول الدار على السطح و لكن يحتمل أن يكون توقّف الكلّ على الجزء و أن يكون توقّف المشروط على الشرط و يحنث بدخول الغرفة في الدار فإنّها منها، مع صدق الدخول.

و لو حلف: لا يدخل بيتاً، فدخل غرفته لم يحنث بلا خلاف كما في الخلاف (5) و المبسوط (6) لأنّها منه كالسطح من الدار و يتحقّق الدخول في الدار أو البيت إذا صار بحيث لو ردّ بابه لكان من ورائه في الداخل و كذا يحنث في الدار بالدهليز لا بالطاق خارج الباب و لا بعتبة الباب.

و يتحقّق الدخول بأي وجه كان: بالدخول من الباب و السور و طرح نفسه من السطح و طرح النفس في الماء فحمله و القعود في سفينة و نحوها فدخلت، إلّا إذا لم

____________

(1) المبسوط: ج 6 ص 221.

(2) الخلاف: ج 6 ص 147 المسألة 43.

(3) الحاوي الكبير: ج 15 ص 348.

(4) الحاوي الكبير: ج 15 ص 348.

(5) الخلاف: ج 6 ص 147 المسألة 43.

(6) المبسوط: ج 6 ص 221.

42

يكن يريد الدخول فسقط من السطح أو حمله الماء أو السفينة قهراً إلى أن دخل فلا يحنث و إن صعد السطح أو دخل الماء أو السفينة مختاراً. و في المبسوط: أنّه إن قعد في سفينة أو على شيء فحمله الماء فأدخله أو طرح نفسه في الماء فحمله الماء فأدخله حنث، لأنّه دخل باختياره، فهو كما لو ركب فدخلها راكباً أو محمولًا (1) و نحوه في الجواهر (2) و هو مطلق و كأنّ القيد مراد. و فيه أيضاً: فإن كان فيها شجرة عالية عن سورها فتعلّق بغصن منها خارج الدار و حصل في الشجرة نظرت، فإن كان أعلى من السطح لم يحنث بلا خلاف، لأنّه لا يحيط به سور الدار، لأنّ هواء الدار ليس منها و إن حصل بحيث يحيط به سور الدار حنث لأنّه في جوف الدار. و إن حصل بحيث يكون موازياً لأرض السطح فالحكم فيه كما لو كان واقفاً على نفس السطح (3).

و لو حلف: لا دخلت بيتاً حنث ببيت الشعر و الجلد و الخيمة إن كان بدويّاً لدخول جميع ذلك في المعهود عند البادية و إلّا فلا لخلاف ذلك. و يحنث ببيت المدر مطلقاً. و للعامّة (4) قول بالحنث على كلّ حال إذا كان يعرف عرف الحاضرة و البادية و آخر (5) بأنّه إن كان بدويّاً لا يدخل بيوت الحاضرة لم يحنث ببيوتهم، و إن كان قرويّاً لا يعرف بيوت البادية لم يحنث ببيوتهم. و في الخلاف: الحنث بالجميع مطلقاً، لشمول الاسم لها لغة و عرفاً و شرعاً، كما قال اللّٰه تعالى: وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعٰامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهٰا (6) و في المبسوط (7) الحنث مطلقاً إن كان بدويّاً، و كذا إن كان قرويّاً يعرف بيوت البادية و إلّا فلا و لا يحنث بالكعبة و الحمّام و المسجد و البيعة و الكنيسة وفاقاً للشيخ (8) لأنّ البيت ما

____________

(1) المبسوط: ج 6 ص 221.

(2) جواهر الفقه: ص 203 المسألة 711.

(3) المبسوط: ج 6 ص 221.

(4) الحاوي الكبير: ج 15 ص 351 352.

(5) الحاوي الكبير: ج 15 ص 351 352.

(6) الخلاف: ج 6 ص 148 المسألة 45.

(7) المبسوط: ج 6 ص 222.

(8) المبسوط: ج 6 ص 227.

43

جعل بإزاء السكنى قال ابن فارس: الباء و الياء و التاء أصل واحد، و هو المأوى و المآب و مجموع الشمل (1) و قال الراغب: أصل البيت مأوى الإنسان بالليل، ثمّ قد يقال: من غير اعتبار الليل فيه (2). و خلافاً لابن إدريس فنصّ على الكعبة، لتسميتها في الشرع بالبيت (3) فيقال لها بيت اللّٰه، و قال تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّٰاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبٰارَكاً (4) وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (5) إلى غير ذلك. و للمحقّق فاستشكل فيها و في المسجد و الحمّام لقوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّٰهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ، و لأنّه يقال له بيت اللّٰه، و لما في الخبر من قوله (عليه السلام): نعم البيت الحمّام (6) و كذا الدهليز و الصفة ليسا من البيت عرفاً فلا يحنث بهما.

و لو حلف ليخرجنّ من الدار و نحوها فصعد السطح ففي البرّ إشكال من أنّ الدخول لا يتحقّق إلّا بالنزول منه إلى الدار و ما هو إلّا لأنّه ما كان عليه خارج عنها، و من احتمال أن لا يكون خارجاً و لا داخلًا كمن دخل ببعض بدنه و خرج ببعض لكون السطح من أجزاء الدار.

و لو حلف على فعل فإن كان ينسب إلى تمام المدّة كالابتداء أي كما ينسب إليه، كالركوب و السكنى لأنّه يصحّ أن يقال: ركب شهراً و سكن شهراً مثلًا حنث بهما أي بكلّ من الابتداء و الاستدامة و إلّا ينسب إلّا إلى الابتداء فبالابتداء يحنث خاصّة كالدخول و القعود، إذ لا يقال: دخلت البلد شهراً، و بعت الدار شهراً أو نحو ذلك.

فلو حلف: لا يدخل داراً و هو فيها لم يحنث بالمقام فيها و إنّما يحنث بما إذا دخلها ثانياً بعد الخروج خلافاً لبعض العامّة (7) و كذا لو قال: لا

____________

(1) مقاييس اللغة: ج 1 ص 324 (مادّة بيت) و فيه: مجمع الشمل.

(2) المفردات للراغب: ص 64 (مادّة بيت).

(3) السرائر: ج 3 ص 48.

(4) آل عمران: 96.

(5) الحجّ: 29.

(6) شرائع الإسلام: ج 3 ص 177.

(7) الحاوي الكبير: ج 15 ص 343.

44

آجرت هذه الدار أو لا بعتها أو لا و هبتها تعلّقت اليمين بالابتداء خاصّة فلا حنث لو كان آجرها أو باعها أو وهبها بالاستدامة بل بالإيقاع ثانياً.

و لو قال: لا سكنت بها و هو ساكن بها، أو لا أسكنت فيها زيداً و هو ساكن، حنث بالاستدامة و الابتداء، و يبرّ بخروجه عقيب اليمين بلا فصل، أو ما هو في حكم الخروج من المقام لنقل متاعه كما يأتي. و للعامّة قول (1) بأنّه إنّما يحنث لو أقام يوماً و ليلة. و آخر (2) بأنّه لا طريق له إلى البرء، لخروجه منها من السكون فيها و لو خرج ثمّ عاد لا للسكنى بل لنقل متاعه و عيادة مريض بها و شبهه كأن اجتاز بها في طريقه و إن تردّد فيها أو مكث لا بنيّة السكنى لغرض صحيح أو غيره لم يحنث إذ ليس شيء من ذلك بسكنى و كذا لو قال: لا أركب و هو راكب أو لا ألبس و هو لابس حنث بالابتداء و الاستدامة لصحّة أن يقال: ركب يوماً و لبس شهراً و في التطيّب إشكال، أقربه الحنث بالابتداء خاصّة كما في المبسوط (3) إذ لا يقال: تطيّب شهراً و إن قيل في الاستدامة، إنّه متطيّب كما يقال لمستديم الدخول: إنّه داخل، و لا يقال دخل شهراً. و حرمة الاستدامة على المحرم و وجوب الكفّارة عليه ليس للتطيّب بل لاتّحاد حكم التطيّب و الاستدامة بالنسبة إليه، و وجه الخلاف احتمال أن يكون حقيقة في الاستدامة أيضاً، لأنّه قبول الطيب و هو ضعيف.

و لو حلف: لا يسكن الدار حنث بالمكث ساعة يمكنه الخروج فيها لا للاشتغال بما يعين على الخروج و ان لم ينو به السكنى أو نوى خلافها، و الفرق بينه و بين ما إذا مكث بعد الخروج و العود ثانياً حيث لم يحكم فيها بالحنث إذا لم ينو السكنى أنّه لا يخرج عن السكون إلّا بالخروج و لا يصدق

____________

(1) الحاوي الكبير: ج 15 ص 343.

(2) الحاوي الكبير: ج 15 ص 343.

(3) المبسوط: ج 6 ص 222.

45

«ثانياً» إلّا بالسكون للسكنى، كما أنّ المقيم لا يصير مسافراً بالنيّة بل إذا خرج إلى السفر، و لا يعود مقيماً بمجرّد العود بل إذا نوى الإقامة و لو أقام لنقل رحله و قماشه و نحو ذلك من مقدّمات الخروج لم يحنث وفاقاً للخلاف (1) و المبسوط (2) لقضيّة العادة، و حنّثه في التحرير (3) و هو قول بعض العامّة (4) و تردّد في الإرشاد (5) و لا يجب في البرّ نقل الرحل و الأهل و لا يحنث بتركهما مع خروجه بنيّة الانتقال خلافاً لبعض العامّة (6).

و لو حلف: لا ساكنت فلاناً حنث بالابتداء و الاستدامة و لو انتقل أحدهما بعده بلا فصل و إن مكث لنقل الرحل و نحوه برّ و طريق معرفة المساكنة أنّهما لو كانا في بيتين من خان و إن كان ضيقاً أو من دار متّسعة لكلّ بيت باب و غلق مباين لما للآخر و لو بالقوّة القريبة من الفعل، بأن لم يكن و لكن صلح لأن يجعل له باب و غلق و هو على هيئته فليسا بمتساكنين بخلاف ما لو كانا في بيت واحد أو في صفّتين أو أحدهما في بيت و الآخر في صفّة أو في بيتين لدار صغيرة و إن انفردا بغلق أو في بيتين من دار متّسعة و لم ينفردا بغلق بأن كان أحدهما داخل الآخر، أو في حجرة صغيرة كلّ منهما في بيت له باب مفرد يغلق فكلّ هذا مساكنة. قال في المبسوط في الحجرة: لأنّ الحجرة الصغيرة إنّما تبنى لواحد و يفارق الخان الصغير، لأنّها و إن صغرت فإنّها تبنى مساكن (7) انتهى. ثمّ كلّ ذلك إذا أطلق المساكنة. و أمّا إذا قال: لا ساكنته في خان أو دار، حنث و إن كانا في بيتين منفردين، كما أنّه لو حلف: لا ساكنته في بلد حنث و إن كانا في دارين أو في اقليم حنث و إن كانا في بلدين و لو كانا في دار

____________

(1) الخلاف: ج 6 ص 145 المسألة 41.

(2) المبسوط: ج 6 ص 220.

(3) تحرير الأحكام: ج 2 ص 98 س 31.

(4) الحاوي الكبير: ج 15 ص 343.

(5) إرشاد الأذهان: ج 2 ص 87.

(6) الحاوي الكبير: ج 15 ص 344.

(7) المبسوط: ج 6 ص 221.

46

فخرج أحدهما عقيب اليمين و اقتسماها حجرتين و فتحا لكلّ واحدة باباً و بينهما حاجز ثمّ سكن كلّ منهما في حجرة لم يحنث. و لو تشاغلا ببناء الحاجز وهما متساكنان حنث و إن كان الاشتغال بذلك اشتغالًا بما يرفع المساكنة، لظهور الفرق بينه و بين الاشتغال بمقدّمات الخروج.

و لو قال لا ساكنته في هذه الدار فقسّماها حجرتين و بنيا حاجزاً بينهما ثمّ سكنا لم يحنث و إن صغرت الدار كما أنّه لا يحنث في الكبيرة إذا بنيا فيها حجرتين أو بيتين منفردين و إن لم يحجزا بينهما.

و لو حلف: ليخرجنّ من هذه الدار، اقتضى الخروج بنفسه خاصّة دون الرحل و العيال و إن أراد بالخروج خروج النقلة بأن يسكن في غيرها كما مرَّ في ترك السكنى، و لا يجب المبادرة إلّا أن يقيّد بها أو بوقت و إذا تحقق الخروج مرّة تنحلّ اليمين به فله العود متى شاء إلّا أن يريد الهجران.

[المطلب الرابع في العقود]

المطلب الرابع في العقود و الإطلاق ينصرف إلى الصحيح منها لأنّه الحقيقة فلو حلف: ليبيعنّ أو لا يبيع، انصرف إلى البيع الصحيح دون الفاسد فلا يبرّ به في الأوّل و لا يحنث به الثاني إلّا في المحرّم بيعه كالخنزير و الميتة و الخمر فإنّ اليمين فيه على عدم البيع لا ينصرف إلى الصحيح تحرّزاً عن حمل الكلام على الهذر بل إلى الصورة فيحنث بإيقاعها و قد يقال: لا يحنث اعتباراً بالحقيقة.

نعم الأقرب اشتراط ما يشترط في الصحيح سوى المعلوم فقدانه لقرب المجاز بذلك من الحقيقة و يحنث إذا حلف لا يبيع بالبيع مع الخيار قلنا بالانتقال بمجرّده أو لا، لأنّ البيع إنّما هو العقد و بالبيع المختلف فيه صحّةً و فساداً كوقت النداء ما لم يعلم حاله من الصحّة أو الفساد، بأن لا يكون مجتهداً و لا يمكنه الرجوع إلى مجتهد رجّح أحد الرأيين، أو

47

يكون مجتهداً متردّداً فيهما، و ذلك لأنّ الأصل الصحّة فيحكم بها ما لم يعلم الفساد و إن كان الأصل عدم الحنث و إنّما يحنث في البيع و غيره من العقود بالإيجاب و القبول جميعاً لا بأحدهما، فلو أوجب و لم يقبل المشتري لم يحنث لو حلف لا يبيع و لو حلف ليبيعنّ لم يبرّ به و ليس يلزم من ذلك أن يكون يميناً على فعل الغير و هو القبول و إنّما هي يمين على إيجابه ممّن يقبل.

و يحنث بالإيجاب فيما لا يفتقر تحقّقه إلى القبول كالوصيّة، لأنّ قبولها قد يقع بعد الموت و هو المعتبر في صحّتها فلا يمكن إناطة الحنث به قيل في الخلاف (1) و في المبسوط (2) على تردّد و الهبة لأنّه إذا قال: وهبت، قيل: إنّه وهب و إن لم يقبل الموهوب، بخلاف البيع.

و لو حلف ليتزوجنّ على امرأته يبرّ بالإيجاب و القبول من غير دخول إذ لا يدخل له في مسمّى التزويج و إن قصد بذلك أن يغيظ امرأته أو صرّح به لأنّ الغيظ يحصل به، بل بالخطبة فيضعف قول من قال من العامّة (3): أنّه لا يبرّ إلّا بالدخول، لعدم حصول الغيظ بدونه من وجهين، الأوّل أنّه غير التزوج، و الثاني أنّه حصول بدونه و لو قصد الغيظ صرّح به أو اكتفى بنيّته لم يبرّ بما لم يحصل به من التزويج كالتزويج بالعجوز.

و لو حلف: لا يأكل ما اشتراه زيد، لم يحنث بأكل ما ملكه بهبة معوّضة، أو رجع إليه بعيب أو إقالة أو قسمة أو صلح بعوض الأولى تعلّقه بكلّ من القسمة و الصلح أو شفعة و يحنث بأكل ما اشتراه بالسلم و الكلّ ظاهر.

و لو حلف: أن لا يشتري أو لا يتزوّج، فوكّل و عقد الوكيل، أو قال: لا بنيت بيتاً فبناه الصانع بأمره أو استيجاره أو قال: لا ضربت، و هو

____________

(1) الخلاف: ج 6 ص 186 المسألة 103.

(2) المبسوط: ج 6 ص 250.

(3) الحاوي الكبير: ج 15 ص 297.

48

سلطان ليس من عادته الضرب بنفسه فأمر به ففي الحنث إشكال، ينشأ من معارضة العرف و الوضع، و لعلّ الأقرب متابعة العرف لنسخه اللغة و خصوصاً فيمن لم يعتدّ منه أن يلي الأفعال بنفسه كالسلطان لا يلي البيع و الشراء و الضرب و من لا يعرف البناء، خلافاً للخلاف (1) و السرائر (2) و الشرائع (3) فرجّحوا اللغة. و في المبسوط (4): اعتبر اللغة إن كان يلي الفعل بنفسه، و تردّد فيمن لا يليه، و مال إلى ما استقربه المصنّف و قال في التزوّج و الطلاق باعتبار اللغة و إن كان الحالف سلطاناً، لأنّهما ممّا يليه بنفسه.

و لو قال: لا أستخدمه، فخدمه بغير أمره لم يحنث كان عبد نفسه أو عبد غيره، خلافاً لبعض العامّة (5) فحنثه إن كان عبد نفسه.

و لو حلف: لا يبيع أو لا يشتري أو لا يتزوّج فتوكّل لغيره في هذه العقود، فالأقرب الحنث لأنّها حقائق في إيقاع العقد. و يحتمل العدم، لقولهم: ما بعته و لا اشتريته بل كنت وكيلًا، و هو الحقّ في لا أتزوّج و لا أنكح، إذ لا يقال لوكيل الزوج: إنّه تزوّج أو نكح، و قد سمعته فيما مضى، نعم إن قال: لا أزوّج أو لا أنكح من الإنكاح حنث قطعاً.

و لو حلف: لا كلّمت عبداً اشتراه زيد، فاشترى وكيل زيد لم يحنث بكلامه و كذا في الحلف أن لا يكلّم امرأة تزوّجها زيد فقبل وكيل زيد و فيهما أيضاً معارضة اللغة و العرف بزعم المصنّف، و على ما قلناه في الشراء خاصّة و يحنث قطعاً لو قال لا كلّمت زوجة زيد أو عبده.

و لو حلف: لا يبيعه بعشرة، فباعه بأقلّ ففي الحنث إشكال من

____________

(1) الخلاف: ج 6 ص 162 المسألة 65.

(2) السرائر: ج 3 ص 50.

(3) شرائع الإسلام:، ج 3 ص 178.

(4) المبسوط: ج 6 ص 231.

(5) المبسوط للسرخسي: ج 9 ص 12.

49

الخروج عن المنطوق، و من الفهم في العرف بطريق الأولى و لا يحنث بالأكثر قطعاً و بالعكس في الشراء.

و لو حلف على الهبة انطلق إلى كلّ عطيّة متبرّع بها كما في المبسوط (1) و الخلاف (2) كالهديّة و النحلة و العمرى على إشكال في العمرى خاصّة من أنّها تمليك منفعة و هو خيرة الشرائع (3) فيها و في النحلة لجواز تناولها المنفعة، و من احتمال عموم الهبة لتمليك المنافع و قوله (عليه السلام): «العمرى هبة لمن وهبت» (4) له. أو في الكلّ من أنّها في الأصل التمليك بغير عوض كما نصّ عليه جماعة من أهل اللغة (5) و من اختصاصها في عرف الشرع بغيرها. و هو ممنوع في غير العمرى و الوقف كما في المبسوط (6) بناءً على الانتقال إلى ملك الموقوف عليه و الصدقة المندوبة كما فيه و في الخلاف (7) و الجامع (8) لدخولها في تمليك العين بلا عوض، و لم يدخلهما ابن إدريس فيها و منع كون الهبة عبارة عن تمليك العين تبرّعاً بلا عوض، قال: لأنّ الوقف كذلك و لا يسمّى هبة بغير خلاف، و صدقة التطوّع عندنا لا تسمّى هبة بل بينها و بين الهبة فرق كثير، لأنّ صدقة التطوّع بعد القبض لا يجوز الرجوع فيها (9) و في المختلف: أنّ ادّعاء الإجماع غلط، و أنّ احتجاجه بلزوم الصدقة دون الهبة ينتقض بهبة ذي الرحم (10) و قد يفرّق بينهما باشتراط القربة في الصدقة، و دفع بأنّها تدخل في الهبة أيضاً و إن لم يشترط بها، فإنّا نقول: إنّها نوع منها.

____________

(1) المبسوط: ج 6 ص 244.

(2) الخلاف: ج 6 ص 177 المسألة 91.

(3) شرائع الإسلام: ج 3 ص 177.

(4) مسند أحمد بن حنبل: ج 3 ص 302 و 304.

(5) النهاية لابن الأثير: ج 5 ص 231 (مادّة وهب).

(6) المبسوط: ج 6 ص 244.

(7) الخلاف: ج 6 ص 177 المسألة 91.

(8) الجامع للشرائع: ص 422.

(9) السرائر: ج 3 ص 55.

(10) مختلف الشيعة: ج 8 ص 163.

50

و لو قال: لا أتصدّق لم يحنث بالهبة غير المتصدّق.

و لو حلف على المال انطلق على العين و الدين الحالّ و المؤجّل و إن كان المديون معسراً لاشتغال ذمّته به و لذا يبرأه إذا أبرأه و العبد الآبق و المدبّر لبقاء الملك فلو حلف: ليتصدّقنّ بماله لم يبرّ إلّا بالجميع و للعامّة قول باختصاصه بالزكوي (1) و آخر بالعين، و ثالث بغير المؤجّل دون المكاتب و إن كان مشروطاً كما يقتضيه الإطلاق لجريانه مجرى الخروج من ملكه و لذا لا يملك منافعه، خلافاً للتحرير (2) لبقاء الملك حقيقة، كما قال (عليه السلام): المكاتب عبد ما بقي عليه درهم (3) و كذا امّ الولد خلافاً و دليلًا، نعم إن حلف على نحو التصدّق بماله لم يتناولهما، لمنع التصرّف فيهما بمثله شرعاً، و يجوز أن يكون الّذي أراده و في دخول المنفعة في المال كإجارة الدار أي كالسكنى المستحقّة بالإجارة و نحوها، و كخدمة العبد و منافع الدابّة نظر من تبادر الأعيان إلى الفهم، و من مساواتها الأعيان في الانتفاع و التقويم. و قد مرَّ ترجيحه في التفليس، و أمّا منفعة نفسه و نحو حقّ الشفعة و الاستطراق فليس منه.

[المطلب الخامس في الإضافات و الصفات]

المطلب الخامس في الإضافات و الصفات لو حلف: لا يدخل دار زيد انصرف إلى المملوكة له بلا خلاف كما في المبسوط (4) و لو بالوقف عليه إن قلنا بملكه و إن لم يكن مسكنه لا المسكونة باجرة و غيرها إلّا أن يكون نوى المسكن بالدار و لو حلف على مسكنة دخل المستعار و المستأجر، و في المغصوب إشكال من أنّ

____________

(1) الحاوي الكبير: ج 15 ص 457.

(2) تحرير الأحكام: ج 2 ص 103 س 1.

(3) سنن أبي داود: ج 4 ص 20 الحديث 3926 و فيه: «عليه من مكاتبته درهم».

(4) المبسوط: ج 6 ص 225.

51

الإضافة مقدّرة باللام و المتبادر منها الاستحقاق، و من أنّ أدنى الملابسة كافية فيها و لا يدخل الملك مع عدم السكنى فإنّ المتبادر من إضافة المسكن إليه اختصاصه به من حيث السكنى و إن جازت بدونه.

و اليمين تابعة للإضافة مع عدم الإشارة قطعاً فلو حلف: لا يدخل دار زيد فباعها أو لا يدخل مسكنه فخرج عنه أو لا يكلّم زوجته فطلّقها أو لا يستخدم عبده فباعه، انحلّت اليمين إلّا أن يكون نوى العموم، و يدلّ عليه خبر أبي بصير سئل الصادق (عليه السلام) في رجل أعجبته جارية عمّته، فخاف الإثم و خاف أن يصيبها حراماً فأعتق كلّ مملوك له، و حلف بالأيمان أن لا يمسّها أبداً، فماتت عمّته فورث الجارية، أ عليه جناح أن يطأها؟ فقال: إنّما حلف على الحرام و لعلّ اللّٰه أن يكون رحمه فورثها إيّاه لما علم من عفّته (1). و فيه: أنّه يجوز أن يكون عيّنها بالإشارة أو الانحلال، لأنّه صارت المخالفة أولى و لو قيّده بالإشارة دون الإضافة كقوله: لا دخلت هذه الدار لم ينحلّ اليمين و لو جمع بينهما كقوله: لا دخلت دار زيد هذه أو لا استخدمت هذا عبد زيد فالأقرب بقاء حكم اليمين مع عدم الإضافة لأنّ الإشارة أفادت تعلّقها بالعين فلا يضرّ زوال الصفة. و يحتمل الانحلال، لأصالة البراءة، و لأنّها علّقت بالعين مع الصفة فينحلّ بزوال أحد الأمرين، و لأنّه يتبادر إلى الأفهام من الحلف على مثله أنّه أراد قطع الموالاة بينه و بين زيد. قال في المبسوط: و هذا الّذي يدلّ عليه أخبار أصحابنا، و الأوّل أقوى (2) و به قطع في الخلاف (3) و نسبه إلينا. و لعلّه أراد بالأخبار خبر أبي بصير في جارية العمّة، لأنّه يعمّ ما إذا عيّنها بالإشارة مع الإضافة.

و لو قال: لا آكل لحم هذه البقرة و أشار إلى سخلة أو لا كلّمت هذا

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 16 ص 180 ب 49 من أبواب الأيمان ح 1.

(2) المبسوط: ج 6 ص 224.

(3) الخلاف: ج 6 ص 173 المسألة 85.

52

الرجل و أشار إلى طفل، حنث بالأكل و الكلام و إن خالف الذات في الأوّل و الوصف في الثاني تغليباً للإشارة و تحرّزاً عن إلغاء الكلام رأساً.

و لو حلف: لا يدخل هذه الدار من بابها لم يحنث بالدخول من غير الباب بنحو التسوّر و الدخول من منفذ الماء.

و لو استجدّ باب آخر فدخل به حنث سواءً ازيل الباب الأوّل أو بقي لعموم اللفظ كلّ باب اختصّ بها من قديم و جديد، كما أنّه إن حلف لا يدخل دار زيد حنث بما سيملكه من الدور. و قيل بالعدم (1) صرفاً للفظ إلى الموجود و لو قلع الباب و حوّل إلى دار اخرى و بقي الممرّ حنث بدخوله، لأنّ الاعتبار في الدخول بالممرّ لا بالمصراع و فيه وجهان آخران، أحدهما الاعتبار بالمصراع دون الممرّ، و الآخر باعتبارهما. وهما ضعيفان و إن سلّمنا كون الباب حقيقة في المصراع.

و على المختار لو حلف: لا دخلت من هذا الباب، لم يحنث بالدخول من باب آخر و إن حوّل الخشب إلى الثاني، و لو حلف على الدخول فنزل من السطح فالأقرب الحنث كان على السطح حين حلف أو خارجاً، فإنّ الدخول لا يعمّ الكون على السطح، و يعمّ الانتقال من الخارج إلى الداخل بأيّ وجه كان. و يحتمل العدم مطلقاً لما أنّ المتبادر من دخولها الدخول من الباب و نحوه من المنافذ لا النزول، و العدم إن كان على السطح بناءً على عموم دخولها للكون عليه، فإنّه لا يحنث إذا حلف و هو فيها إلّا بدخول متجدّد كما عرفت.

و لو حلف: لا ركب دابّة العبد عبّر بلفظ العبد أو ذكر اسمه و هو عبد لم يحنث إلّا بما يملكه بعد العتق إن أحلنا الملك مع الرقّية و إن و سمت له دابّة، لتبادر الملك. و أمّا إذا ملكها بعد العتق فإن عبّر باسمه حنث قطعاً و إن عبّر بدابّة العبد لم يحنث. و إن قال: دابّة هذا العبد جرى فيه ما جرى في نحو دار زيد

____________

(1) لم نعثر عليه.

53

هذه.

و يحنث في دابّة المكاتب و إن كان مشروطاً، لانقطاع تصرّف المولى عن أمواله فهي في حكم ماله، و لذا لا يحنث بركوب دابّته إذا حلف لا يركب دابّة السيّد و لو حلف لا يركب سرج الدابّة حنث بما هو منسوب إليها من السروج، إذ لا يراد هنا بالإضافة إلّا المعروف من الاختصاص دون الملك، لأنّها ليست أهلًا للملك بخلاف العبد.

و لو حلف: لا يلبس ما غزلت فلانة حنث بالماضي من الغزل خاصّة أمّا لو قال: لا ألبس ثوباً من غزلها فظاهر أنّه شمل الماضي و المستقبل و لا يحنث بما خيط من غزلها أو كان سداه خاصّة أو لحمته خاصّة منه إذا ذكر الثوب فإنّه لا ينطلق على السدى وحده و لا على اللحمة وحدها. أمّا لو قال: لا ألبس ما من غزلها أو ما غزلته أو تغزله فإنّه يحنث بلبس ما سداه خاصّة أو لحمته خاصّة منه، لصدق اللبس.

و لو حلف: لا يلبس قميصاً فارتدى به و هو على هيئته ففي الحنث إشكال من أنّه لبس، و من أنّ المتبادر لبسه على الوجه المعروف و لا يحنث بلا خلاف كما في المبسوط (1) لو فتقه و ائتزر أو ارتدى به.

و إذا علق على الإشارة دامت بدوام العين قطعاً كقوله: لا أكلت هذا أو لا كلّمته. و لو علّق على الوصف انحلّت بعدمه كقوله: لا كلّمت عبداً أو لا أكلت لحم سخلة فكلّم من أعتق أو أكل لحم بقرة كذا في النسخ و الظاهر لحم كبش، و يمكن تعميم السخلة لولد البقرة توسّعاً و لو اجتمعا فالأقرب تغليب الإشارة كما مرَّ في الإضافة كقوله: لا كلّمت هذا العبد أو لا أكلت لحم هذه السخلة فيعتق و تكبر فإنّه يحنث.

و لو حلف: لا يخرج بغير إذنه، فأذن بحيث لا يسمع المأذون، ففي

____________

(1) المبسوط: ج 6 ص 225.

54

الحنث إشكال من الشكّ في اشتراط تحقّق الإذن بعلم المأذون، و على عدم الاشتراط من الشكّ في كون الباء للسببيّة أو المصاحبة، و على السببيّة من الشكّ في اشتراط العلم بسبب الإباحة و إذا خرج مرّة بإذنه انحلّت اليمين و لم يلزمه كلّما دخل أن لا يخرج إلّا بإذنه إلّا إذا حلف كذلك.

و لو حلف: لا دخلت داراً، فدخل براحاً كان داراً لم يحنث لأنّه لا يسمّى داراً حقيقة لأخذها من الدوران، و إنّما سمّيت بها لدوران الحائط بها و إن كثر استعمالها فيه و لو قال: لا دخلت هذه الدار، فانهدمت و صارت براحاً احتمل الحنث بدخولها، و عدمه، للتردّد بين الرجوع إلى الإشارة أو الوصف و يزيد الإشكال هنا كون الوصف فيه بمنزلة اسم الذات، لأنّ الحكم فيه يتبع الاسم. و في المبسوط: أنّه لا يحنث عندنا (1). و عن المصنّف في الدروس أنّ الاسم للعرصة و ليست العمارة جزء من مفهومه (2). و إن انهدمت ثمّ بنيت بآلتها أو بغيرها حنث إن كانت الدار هي العرصة المحاطة بالحيطان دون الحيطان، و هو الظاهر. و قيل: لا يحنث مطلقاً (3). و قيل: يحنث إن اعيدت بآلتها (4).

و لو حلف: لا يدخل على زيد بيتاً، فدخل على جماعة هو فيهم جاهلًا لم يحنث عندنا، خلافاً لبعض العامّة (5) و إن كان عالماً و لم يستثنه حنث بلا إشكال و كذا إن استثناه بأن نوى الدخول على غيره خاصّة على رأي وفاقاً للخلاف (6) و السرائر (7) و الجامع (8) و الشرائع (9) لأنّه فعل واحد لا يختلف باختلاف القصود. و خلافاً للمبسوط (10) بناءً على اختلاف الأفعال

____________

(1) المبسوط: ج 6 ص 224.

(2) إيضاح الفوائد: ج 4 ص 34.

(3) إيضاح الفوائد: ج 4 ص 34.

(4) الحاوي الكبير: ج 15 ص 358.

(5) الحاوي الكبير: ج 15 ص 365.

(6) الخلاف: ج 6 ص 157 المسألة 56.

(7) السرائر: ج 3 ص 50.

(8) الجامع للشرائع: ص 421.

(9) شرائع الإسلام: ج 3 ص 177.

(10) المبسوط: ج 6 ص 227.