الأنوار الحيرية و الأقمار البدرية الأحمدية

- الشيخ يوسف البحراني المزيد...
221 /
1

مقدمة

أمّا بعد حمداً لله سبحانه على مزيد إفضاله و الشكر له جلّ شأنه على حميد نواله و الصلاة على أشرف خلقه محمّد و آله الناسجين على منواله في أفعاله و أقواله.

فيقول الفقير إلى ربِّه الكريم يوسف بن أحمد بن إبراهيم الدرازي البحراني أفاض الله تعالى من رواشح جوده السبحاني و سوانح فضله الصمداني و وفّقه للعمل في يومه لغده قبل أن يخرج الأمر من يده.

هذا جواب ما سألت عنه أيّها الأخ الجليل و الخِل النبيل الأمجد الأسعد الشيخ أحمد من المسائل موضّحاً موشحاً إن شاء الله تعالى بالحجج الظاهرة و الدلائل حسبما أدّى إليه الفكر الكليل و خطر بالخاطر العليل على توزّع من البال و تقسيم من الفكر و الخيال سائلًا منه سبحانه التوفيق لإصابة الصواب و تحقيق ما هو الحقّ في الجواب معتصماً به تعالى من زلل الإقدام في الأحكام و زيغ الأفهام عن الطريق النيّر الإعلام أنّه أكرم مرجو و مأمول و أجود مقصود و مسئول.

و قد ذكر سلّمه الله تعالى أنّه حصل بينه و بين بعض الإخوان في تلك المسائل الجدال و كثر بينهما القيل و القال و حيث إنّ الأجوبة عن هذه المسائل الشريفة كان في جوار سيّد الشهداء و إمام السعداء عليه و على آبائه و أبنائه أفضل صلوات ذي العلا و كان ذلك ملتقطاً من أخبارهم و مستنبطاً من آثارهم حسن تسمية هذا الكتاب بالأنوار الحيريّة و الأقمار البدريّة الأحمديّة سائلًا من بركات جواره الأقدس و واديه المقدّس أن يجعل ذلك وسيلة إلى الله

2

سبحانه و إليه و ينفعني به يوم القدوم على الله سبحانه و عليه و أن يعصمني الله سبحانه من زلّات أقدام الأعلام و مداحض الأفهام في الأحكام و ها أنا أذكرها مسألة مسألة مذنّباً لكلّ منها بالجواب الكاشف عن وجوه خرائدها إن شاء الله تعالى نقاب الشكّ و الارتياب.

[مسائل فقهية]

المسألة الأولى: فيما يجري على الإنسان من المصائب و النوائب و الرزايا و البلايا

قال سلّمه الله تعالى ما قول شيخنا فيما يجري على الإنسان من المصائب و النوائب و الرزايا و البلايا كمن خرج للتجارة أو الحجّ أو الزيارة و أكله سبع أو قتله لص أو غرق في البحر و لو علم بأحد هذه الأسباب المهلكة لما قدم عليه هل يكون ذلك اختياريّاً جرى عليه باختياره أم اضطراريّاً جرى عليه باضطراره رغماً على أنفه و لو كان هو اختياريّاً لكان هو ألقى نفسه إلى التهلكة التي نهى الله عنها.

الجواب: إنّه لا يخفى أنّ هنا شيئين أحدهما: ما يفعله العبد باختياره و قصده من سفر و أكل و شرب و نوم و مغدى و مجيء و نحو ذلك، و ثانيهما: ما يفعله الله سبحانه بعبده من مرض و صحّة و تسليط عدوّ و فقر و غنًى و نحو ذلك و هذا ليس من فعل العبد و لا للعبد فيه اختيار.

و لا ريب في المسألة المفروضة أنّ السفر من أفعال العبد التي يأتيها بقصده و اختياره لأي غرض كان من تجارة أو حجّ أو زيارة و نحو ذلك، و أمّا ما يعرض له في ذلك السفر من قتل أو غرق أو نهب ماله و سلبه و نحو ذلك فإنّه ليس من فعله و إنّما هو فعل الله سبحانه به كما لو كان في بيته فإنّه قد يسلّط عليه من يقتله أو يبتليه بمرض أو حرق أو نحو ذلك.

و من المعلوم أنّه لو كان له علم بما يقع عليه في سفره من هذه الأمور فإنّه لا يجوز له السفر شرعاً و لهذا أُسقط عنه الحجّ الواجب بذلك لأنّ فيه الإلقاء باليد إلى التهلكة و هو محرّم عقلًا و نقلًا و هذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا شبهة فيه و لا مرية يعتريه، و في الأخبار التي لا يحضرني محلّها الآن عنهم (عليهم السلام)

أنّ موسى على نبيّنا و آله و (عليه السلام) خرج ذات يوم إلى المناجاة فرآه بعض بني إسرائيل و كان إذا خرج إلى المناجاة يتغيّر لونه و يصفرّ وجهه فعرفه ذلك الإسرائيلي بتلك العلامة فقال له: يا

3

موسى أبلغ ربّك عنّي السلام و قل له إنّي أحبّه فلمّا مضى موسى للمناجاة بلغ رسالته فقال الله عزّ و جلّ: قل له إنّي أيضاً أحبّه، فلمّا رجع موسى من المناجاة وجد ذلك الإسرائيلي و قد افترسه السبع و أكله فرفع موسى (عليه السلام) يديه و قال: يا ربّ عبدك الإسرائيلي يحبّك و تحبّه و قد سلّطت عليه كلباً من كلابك يأكله، فأتاه الجواب: يا موسى هكذا أفعل بأوليائي.

نعم بقي في المقام هنا إشكال و هو أنّه قد عرفت أنّه مع علم العبد ما ينزل عليه من البلاء في بعض الأمور أو الأزمان فإنّه لا يجوز له الدخول في ذلك الأمر لما فيه من الإلقاء باليد إلى التهلكة مع أنّه قد وقع من الأئمّة (عليهم السلام) القدوم على تلك الأمور الموجبة لهلاكهم مع علمهم بها كقدوم الحسين (عليه السلام) إلى كربلاء مع علمه بمقتله فيها، و خروج أمير المؤمنين (عليه السلام) في تلك الليلة التي استشهد فيها إلى المسجد مع علمه بأنّه يُقتل في تلك الليلة، و أكل الكاظم (عليه السلام) السمّ مع علمه به و أنّه يموت به و نحو ذلك، و الجواب عن ذلك قد ذكرناه مستوفىً محقّقاً مبرهناً في كتاب الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفيّة فمن أراده فليرجع إلى الكتاب المذكور و الله العالم.

المسألة الثانية: فيمن يشهد باطلًا أو يقتل نفساً أو يجني على ولده في حالة الغضب الشديد هل يأثم في ذلك و يستحقّ النار و غضب الجبّار أم لا يأثم

قال دام ظلّه: ما يقول شيخنا فيمن يشهد باطلًا أو يقتل نفساً أو يجني على ولده في حالة الغضب الشديد هل يأثم في ذلك و يستحقّ النار و غضب الجبّار أم لا يأثم حيث أوّل المنازع في هذه المسألة هذا الحديث الذي في الكافي في الغضب و استدلّ فيه أنّ الله أعزّ و أكرم من أن يسلب العبد عقله و يحاسبه على ذنبه.

الجواب: إنّه لا ريب أنّ الغضب من الأخلاق النفسانيّة و أنّه قد يكون ممدوحاً و قد يكون مذموماً، فالممدوح ما كان في جانب الدين و على نهج الحقّ كدفع الضرر عن النفس على الوجه السائغ و جهاد الأعداء و البطش بهم، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و إقامة الحدود على الوجه المعتبر و المذموم ما كان على خلاف ذلك و لا ريب أنّه بهذا المعنى الثاني إنّما هو من الشيطان لا من الله تعالى كما توهّمه هذا القائل، لما رواه ثقة الإسلام في الكافي عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام)

4

قال

إنّ هذا الغضب جمرة من الشيطان توقد في قلب ابن آدم و إنّ أحدكم إذا غضب احمرّت عيناه و انتفخت أوداجه و دخل الشيطان فيه فإذا خاف أحدكم ذلك من نفسه فليلزم الأرض فإنّ رجز الشيطان يذهب عنه عند ذلك.

و ما رواه فيه عن ميسرة قال

ذكر الغضب عند أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنّ الرجل ليغضب فما يرضى أبداً حتّى يدخل النار فأيما رجل غضب على قوم و هو قائم فليجلس من فوره ذلك فإنّه يذهب عنه رجز الشيطان

الخبر.

و ما رواه فيه أيضاً عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال

قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الخلّ العسل.

إلى غير ذلك من الأخبار التي من هذا القبيل و هي صريحة الدلالة واضحة المقالة في أنّ الغضب من أقبح الخصال الذميمة و أنّه من دواعي الشيطان التي يحمل عليها الإنسان فيوجب له استحقاق العذاب و النيران.

و قال بعض علمائنا (رضوان الله عليهم) و نِعْمَ ما قال: «و الغضب حالة للقلب يثمرها الجهل بالأوامر الشرعية و الحدود المرعيّة و تسويل النفس الأمّارة و ثمرتها الطغيان على الخلق باليد و اللسان و التعدّي عليهم بالظلم و العدوان و من علاماته احمرار الوجه و العين و انتفاخ العروق و سرّ ذلك أنّ القوّة الغضبيّة إذا تحرّكت نحو الانتقام و اشتعلت نارها في الباطن يغلي به دم القلب كغلي الحميم فينبعث منه الدخان فيرتفع إلى أعالي البدن كما يرتفع في القدر و ينصب في الوجه و العين و العروق فيحمرّ الوجه و العين و تنتفخ العروق و يختلّ الدماغ الذي هو معدن الفكر في المحسوسات و ينطفي نور عقله كما ينطفي ضوء السراج في البيت باستيلاء الدخان عليه فيظلم بصره و بصيرته و لا يؤثِّر فيه وعظ و لا نصيحة فيموت صاحبه غيظاً، و هذه الخصلة من أعظم الخصال الذميمة، و لذا قال أمير المؤمنين (عليه السلام)

و احذر الغضب فإنّه جندٌ عظيم من جنود إبليس.

إلى آخر كلامه زيد في مقامه.

و بالجملة: فإنّه لا ريب أنّ الغضب مثل الحسد و الكبر و العُجب و نحوها من الصفات الذميمة و الرحمة و الرقّة و الرفق و العفّة و نحوها من الصفات من الأخلاق الحسنة و الجميع من أخلاق النفس الموجبة للثواب فيما كان منها حسناً و العقاب

5

فيما كان منها قبيحاً.

و بهذا يظهر لك أنّ ما ذكره هذا القائل من أنّ ما يفعله حال الغضب من المعاصي لا يُعاقب عليه لأنّ الغضب من الله حيث إنّه قد سلبه عقله فلا يؤاخذه إنّما نشئ عن عدم التأمّل في الأخبار كما عرفت ممّا قدّمناه و نزيده بياناً أنّ الآيات و الروايات الدالّة على تخليد قاتل النفس بغير حقّ في النار و إقامة الحدود و التعزيرات على من تعدّى بيد أو لسان على غيره لا فرق فيها بينما وقع منها على وجه الغضب و لا الرضا فتخصيصها يحتاج إلى دليل بل لو تمّ ما ذكره هذا القائل لبطلت أكثر الحدود و التعزيرات المقرّرة في الروايات إذ الغالب أنّ هذه التعدّيات من قتل أو سبّ أو أخذ مال أو نحو ذلك لا يقع إلّا في حال الغضب و شدّة ثورانه و استيلائه على العقل الشرعي، فإذا كانت لا عقاب عليها كما زعمه فإلى مَنْ تتوجّه هذه الأوامر و النواهي المتعلّقة بهذه المذكورات و الله العالم.

المسألة الثالثة: فيمن يدعو على أعداء الدين و زوال ملكهم و خراب ديارهم و قلع آثارهم حتّى لا يبقى لهم ملك كبير و لا صغير و يكون لنا في ذلك الفرج و القرب من ظهور الصاحب، هل يجوز له ذلك أم لا يجوز

ما قول شيخنا فيمن يدعو على أعداء الدين و زوال ملكهم و خراب ديارهم و قلع آثارهم حتّى لا يبقى لهم ملك كبير و لا صغير و يكون لنا في ذلك الفرج و القرب من ظهور الصاحب، هل يجوز له ذلك أم لا يجوز كما قال المنازع في هذه المسألة حيث قال: إنّه لا يجوز الدعاء عليهم لأنّه يخشى على بيضة الإسلام، فإذا كان كذلك لا يجوز أن تدعو عليهم فلا يجوز لنا أن نمقت زمان ملكهم و لا نمقتهم أيضاً و لا نحبّ زوالهم أو نحبّ زوالهم و لا ندعو عليهم و هم من ابتداء أمرهم إلى نهايته ملوك ظُلم و جور و فسوق، فالراضي ببقاء ملكهم راض بأفعالهم و الراضي بأفعالهم شريكٌ لهم و رادّ لقوله تعالى لٰا يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ.

الجواب: المستفاد من الأخبار و به صرّح جملة من أصحابنا (رضوان الله عليهم) بل الظاهر أنّه لا خلاف فيه هو جواز الدعاء على أعداء الدين بل القنوت عليهم في الصلوات، ففي صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال

تدعو في الوتر على العدوّ و إن شئت سمّيتهم.

و في رواية عبد الله بن هلال المنقولة في مستطرفات السرائر من كتاب محمد بن علي بن محبوب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال

إنّ رسول الله (صلى الله عليه و آله) قد قنت و دعي على قوم

6

بأسمائهم و أسماء آبائهم و عشائرهم و فعله عليّ (عليه السلام) من بعده.

و روى الكشّي في كتاب الرجال عن إبراهيم بن عُقبة قال

كتبت إلى العسكري (عليه السلام): جُعلت فداك قد عرفت هؤلاء الممطورة فأقنت عليهم في الصلاة؟ قال: نعم اقنت عليهم.

أقول: الظاهر أنّ المراد بالممطورة هو الواقفة كما ذكره شيخنا البهائي عطّر الله مرقده في مقدّمات كتاب مشرق الشمسين من تسمية الواقفة يومئذ بذلك تشبيهاً بالكلاب التي أصابها المطر مبالغة في نجاستهم و وجوب اجتنابهم. قال شيخنا الشهيد في الذكرى في بحث القنوت: يجوز الدعاء فيه للمؤمنين بأسمائهم و الدعاء على الكفرة و المنافقين لأنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله) دعي في قنوته لقوم بأعيانهم و على آخرين بأعيانهم كما روي أنّه قال

اللّهمّ انج الوليد بن الوليد و سلمة بن هشام و عبّاس بن ربيعة و المستضعفين من المؤمنين و اشدد وطأتك على مُضر و رعل و ذكوان.

و

قنت أمير المؤمنين (عليه السلام) في صلاة الغداة فدعى على أبي موسى الأشعري و عمرو بن العاص و معاوية و أبي الأعور و أشباههم

قاله ابن أبي عقيل، انتهى.

و روى شيخنا المجلسي في البحار من كتاب محمّد بن المثنّى عن جعفر بن محمد بن شريح عن ذريح المحاربي قال

قال الحرث بن المغيرة الناضري لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّ أبا معقل المزني حدّثني عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه صلّى بالناس المغرب فقنت في الركعة الثانية و لعن معاوية و عمرو بن العاص و أبا موسى الأشعري و أبا الأعور السلمي، قال الشيخ (رحمه الله): صدق فالعنهم.

و نحو ذلك ما روي عن الكاظم (عليه السلام) في دعائه على موسى المهدي أحد خلفاء بني العبّاس و كان قد بلغه عنه أنّه يهدّده بالقتل فدعى عليه بدعاء الجوشن الصغير فورد الخبر بموته لعنه الله و الحديث مروي في كتب أصحابنا (رضوان الله عليهم).

و مثله أمره (عليه السلام) جملة من الشيعة بالدعاء على أبي جعفر المنصور الدوانيقي فمات في تلك السنة قبل بلوغه الحجّ عند بئر ميمون قبل أن يقضي نسكه و كان قد سافر إلى مكّة في تلك السنة.

قال أبو ولّاد ناقل الخبر المذكور في آخر الخبر

و كنت تلك السنة حاجّاً فدخلت على أبي الحسن (عليه السلام) فقال: يا أبا ولّاد كيف رأيتم نجاح

7

ما أمرتكم به و حثثتكم عليه من الدعاء على أبي الدوانيق؟.

و ممّا يؤيّد ذلك أيضاً الأخبار الدالّة على النهي عن حبّ بقائهم و هي كثيرة: منها: ما رواه في الكافي عن سهل بن زياد رفعه

عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عزّ و جلّ

(وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّٰارُ)

قال: هو الرجل يأتي السلطان و يحبّ بقاءه إلى أن يدخل يده في كيسه فيعطيه.

و منه: ما رواه في حديث طويل عن فضيل بن عياض

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: و من أحبّ بقاء الظالمين فقد أحبّ أن يُعصى الله إنّ الله تبارك و تعالى حمد نفسه عند هلاك الظالمين فقال

(فَقُطِعَ دٰابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ)

.

و عن صفوان بن مهران الجمّال قال

دخلت على أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) فقال لي: يا صفوان كلّ شيء منك حسن جميل ما خلا شيئاً واحداً، قلت: جعلت فداك أي شيء؟ قال: إكراؤك جِمالك هذا الرجل يعني هارون، قلت: و الله ما أكريته أشراً و لا بطراً و لا لصيد و لا للهو و لكنّي أكريته لهذا الطريق يعني طريق مكّة و لا أتولّاه بنفسي و لكن أبعث معه غلماني، فقال لي: يا صفوان أ يقع كراك عليهم؟ قلت: نعم جعلت فداك، فقال لي: أ تحب بقاءهم حتّى يخرج كراك؟ قلت: نعم، قال: فمن أحبّ بقاءهم فهو منهم و من كان منهم كان وروده النار، قال صفوان: فذهبت فبعت جمالي عن آخرها فبلغ ذلك إلى هارون فدعاني فقال: يا صفوان بلغني أنّك بعت جمالك؟ قلت: نعم، فقال: لِمَ؟ قلت: أنا شيخ كبير و أنّ الغلمان لا يفون بالأعمال، فقال: هيهات هيهات إنّي لأعلم من أشار عليك بهذا أشار عليك بهذا موسى بن جعفر (عليه السلام)، قلت: ما لي و لموسى بن جعفر، فقال: دع هذا عنك فو الله لو لا حسن صحبتك لقتلتك.

و ممّا يعضد ذلك ما ورد في الدعاء لصاحب الأمر (عليه السلام) أورده الشيخ في المصباح و الصدوق في كتاب الغيبة و غيرهما و فيه

اللّهمَّ عجِّل فرجه و أيّده بالنصر و انصر ناصريه و اخذل خاذليه و دمدم على من نصب له و كذَّبَ به و أظهر به الحقّ و أمت به الجور و استنقذ به عبادك المؤمنين من الذلّ و انعش به البلاد و اقتل به جبابرة الكفر و اقصم رءوس

8

الضلالة و ذلِّل به الجبّارين و الكافرين و أبِر به المنافقين و الناكثين و جميع المخالفين و الملحدين في مشارق الأرض و مغاربها و برّها و بحرها و سهلها حتّى لا تدع منهم ديّاراً و لا تُبقي لهم آثاراً طهِّر منهم بلادك و اشف منهم صدور عبادك و جدّد به ما أمحتا من دينك

الدعاء إلى آخره.

إلّا أنّه قد ورد هنا ما ظاهره المنافاة لما قدّمناه و المناقضة لما ذكرناه و هو: ما رواه الصدوق عطّر الله مرقده في كتاب المجالس

عن النبيّ (صلى الله عليه و آله) قال: قال الله تعالى: أنا الله لا إله إلّا أنا خلقت الملوك و قلوبهم بيدي فأيما قوم أطاعوني جعلت قلوب الملوك عليهم رحمةً و أيما قوم عصوني جعلت قلوب الملوك عليهم سخطة ألا لا تشغلوا أنفسكم بسبّ الملوك توبوا إلى الله أعطف قلوبهم عليكم.

و بإسناده

عن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: قال لشيعته: يا معشر الشيعة لا تذلّوا رقابكم بترك طاعة سلطانكم فإن كان عادلًا فاسألوا الله إبقاءه و إن كان جائراً فاسألوا الله صلاحه و إنّ صلاحكم في صلاح سلطانكم فإنّ السلطان العادل بمنزلة الوالد الرحيم فأحبّوا له ما تحبّون لأنفسكم و أكرهوا له ما تكرهون لأنفسكم.

و الجواب عن هذين الخبرين: أوّلًا: أنّهما لا يقومان بمعارضة ما قدمناه من الأخبار بل هي أرجح منهما سنداً و عدداً و دلالة فلا ينهضان بالمعارضة.

و ثانياً: إنّ أقصى ما يدلّ عليه الخبر الأوّل هو تخويف الناس و زجرهم عن المعاصي و الأمر بالملازمة على الطاعة له سبحانه و أنّه جعل من جملة آياته القاهرة و قدرته الباهرة قلوب الملوك فمن أطاعه جعل قلوب الملوك له رحمةً و عطفها عليه و من عصاه جعلها نقمة له و سخطة عليه فلا يشغل في حال عصيانه و تسليط الملوك عليه بالسبّ لهم و الدعاء عليهم فإنّ ذلك إنّما هو من الله سبحانه سلّطهم عليه عقوبة لمعصيته، بل الواجب عليه الاشتغال بالإنابة و التوبة إليه سبحانه ليعطف قلوب الملوك عليه و هو من قبيل ما يقال أعمالكم عمّالكم.

و ممّا ورد عنهم (عليهم السلام) في الحديث القدسي

إذا عصاني من يعرفني سلّطت عليه من لا يعرفني

و هذا شيء آخر غير ما نحن فيه فلا منافاة.

و أمّا الحديث الثاني فالواجب حمله على التقيّة لمنافاته التامّة لما قدّمناه من

9

الأخبار و لا سيّما الأخبار الدالّة على النهي عن حبّ بقائهم و هي أرجح من هذا الخبر البتة.

و بالجملة فحمله على التقية عندي متعيّن سيّما مع علم من التهاب نيران التقية في زمانه (عليه السلام) زيادة على غيره من الأوقات و الأعوام.

و أمّا ما ذكره ذلك القائل من أنّه يخشى على بيضة الإسلام فهو غلط لأنّ الحافظ لبيضة الإسلام إنّما هو الله عزّ و جلّ لا هؤلاء و هذا الداعي بزوال ملكهم أو نحوه من الدعاء عليهم إنّما دعي بإبدالهم بمن يقوم بحياطة الإسلام و يحنو على الأنام و يقوم بالدين المبين و يُحيي شريعة سيّد المرسلين لا على الإطلاق حتّى يلزم ما ذكره في المقام، هذا.

و أمّا ما ذكرتموه من آية (لٰا يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ) فإنّها ليست من محلّ البحث في شيء فإنّ موردها إنّما هو الإمامة و الآية التي تناسب هذا المقام إنّما هي الآية التي تقدّمت في الأخبار و هي (وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) إلى آخرها هذا ما خطر بالبال بالنظر إلى أخبار الآل عليهم صلوات ذي الجلال و الله العالم.

المسألة الرابعة: مسألة في الطهارة الماء القليل المتنجّس الغير متغيِّر إذا أُدخل في ماء البئر

قال سلّمه الله تعالى مسألة في الطهارة الماء القليل المتنجّس الغير متغيِّر إذا أُدخل في ماء البئر في شربة أو إبريق أو أدخل في كثير من ماء و التقى مع أحدهما أعلاه و لم يلتق أسفله هل يكون طاهراً كلّه أعلاه و منتهاه أم أعلاه فقط أم لا، و هل يشترط ملاقاة الماء القليل المتنجّس الغير متغيّر للكثير بجميع أجزائه أم لا إذا لاقى بعضه طهر الباقي أم لا؟ أفتنا أيّدك الله.

الجواب: إنّ الكلام في هذه المسألة مبنيّ على مسألة قد اشتهر الخلاف فيها بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) و هو أنّه هل يكفي في تطهير الماء القليل بالماء الكثير مجرّد الملاقاة أم لا بدّ من الممازجة و المداخلة بحيث يصل الماء المطهر إلى ذلك الماء النجس و يداخل جميع أجزائه بحيث يكون الماءان ماءً واحداً؟ قولان أظهرهما الثاني و السبب في ذلك هو أنّه لم يرد في الأخبار ما يدلّ على كيفية تطهير الماء النجس القليل بالماء الكثير، و الأصحاب إنّما استندوا في ذلك إلى أخبار الكرّ و قولهم (عليهم السلام)

إذا بلغ الماء كرّاً لم ينجّسه شيء

و إنّ هذا الماء القليل بعد اتّصاله بالكثير

10

يصير معه ماءً واحداً بحيث يدخل تحت عموم تلك الأخبار فيطهر حينئذ، و الآخرون منعوا من صدق الوحدة إلّا مع الامتزاج و المداخلة بحيث يتخلّل الماء الكثير في جميع أجزاء الماء النجس و هو الأقرب مع أوفقيته للاحتياط المطلوب في أمثال هذه المسائل الغير المنصوصة و لا سيّما في مثل هذا الماء الذي في الإبريق و نحوه فإنّ في صدق الوحدة عليه مع ما يلاقيه بمجرّد ملاقاة الماء الذي في رأسه خاصّة إشكالًا ظاهراً، و بذلك يظهر أنّه على تقدير القول المختار لا يطهر ما في أسفل الإبريق و نحوه من الماء الذي لم يداخله ذلك الماء الكثير و هكذا القول في كلّ ما كان كذلك كما لو كان الماء القليل النجس في غدير أو مستنقع و إلى جنبه ماء كثير فوصل بينهما بساقية و جدول بحيث اتّصل أحدهما بالآخر فإنّه على تقدير ما اخترناه لا يطهر ذلك الماء النجس، و على القول بمجرّد الاتّصال يحكم بالطهارة ثمّ إنّ فرض المسألة المذكورة هنا وقع في وضع ذلك الإبريق في ماء البئر و لا ريب أنّه يأتي على القول بنجاسة البئر بالملاقاة نجاستها حينئذ فلا تفيد تطهيراً لما في الإبريق و لو الماء الذي في رأسه لأنّها بمجرّد ملاقاته تنجّس، و أمّا على القول بعدم انفعالها بالملاقاة يتمّ فرض المسألة و إجراء القولين المذكورين و الله العالم.

المسألة الخامسة: في الطهارة إذا أصابت اليد دهناً متنجّساً أو دسومة كذلك من لحم متنجّس أو غيره هل تطهر بالغسل من الإبريق مع بقاء الأثر أم لا؟

قال سلّمه الله تعالى مسألة أخرى في الطهارة إذا أصابت اليد دهناً متنجّساً أو دسومة كذلك من لحم متنجّس أو غيره هل تطهر بالغسل من الإبريق مع بقاء الأثر أم لا، و هل تطهر بغسلها في الماء الكثير مع بقاء الأثر أم يشترط زواله على الحالة الأولى أم الحالتين؟ أفتنا أيّدك الله تعالى.

الجواب: إنّ المسألة المذكورة لا تخلو من شوب الإشكال الموجب للاحتياط فيها على كلّ حال و ذلك لقيام هذه الأجزاء الدهنية و لصوقها باليد و المفروض أنّها نجسة فلا تطهر اليد إلّا بإزالتها و قلعها إذ قبولها للتطهير مع بقائها على حالها في اليد غير معلوم لعدم معلوميّة نفوذ الماء في تلك الأجزاء مع لصوقها باليد.

و بالجملة: فالأحوط عندي هو قلع تلك الأجزاء الدهنية من اليد بالدقيق و نحوه من الأشياء القالعة لها ثمّ تطهير اليد بعد ذلك من غير فرق بين التطهير بالماء القليل

11

أو الكثير و الله العالم.

المسألة السادسة: مسألة في الغسل من الجنابة و غيرها

قال سلّمه الله تعالى و أبقاه مسألة في الغسل من الجنابة و غيرها، هل يجوز للمرتمس إذا كان داخلًا في الماء إلى وسطه أو إلى ركبتيه أو أزيد من ذلك أو أقلّ أن يرتمس و هو على تلك الحال أو يجب عليه الخروج منه و يلقي نفسه من خارج و هل يستحبّ له إمرار يده على بدنه بعد خروجه أم لا، و هل يجب الإمرار في الترتيب أم يستحبّ، و في غسل الأموات هل هو واجب أو مستحبّ؟ أفتنا أيّدك الله.

الجواب: إنّ مقتضى الأصول الشرعيّة و القواعد المرعية هو صحّة الغسل ارتماساً و إن كان جالساً في الماء إلى وسطه أو أقلّ أو أزيد و ذلك فإنّ الواجب في الغسل هو غسل البدن الذي هو عبارة عن جريان جزء الماء على جزأين من البدن بنفسه أو بمعاون كما عرّفه به الأصحاب من غير خلاف يعرف في الباب و هذا الجالس في الماء متى نوى الغسل ثمّ دفع نفسه من موضعه إلى موضع آخر تحت الماء بحيث استولى الماء على جميع بدنه و حصل اختلاف سطوح الماء عليه الذي به يحصل الجريان فقد اغتسل غسلًا شرعيّاً صحيحاً و لم أقف على من توقّف في هذه المسألة و أوجب الخروج من الماء ثمّ إلقاء نفسه فيه دفعة إلّا الفاضل المولى محمد باقر الخراساني صاحب الذخيرة و الكفاية و تبعه شيخنا المحدِّث الصالح الشيخ عبد الله بن الحاجي صالح البحراني عطّر الله مرقديهما و قد بسطنا الكلام معهما في ذلك في باب غسل الجنابة من كتابنا الحدائق الناضرة.

و أمّا إمرار اليد في الغسل الارتماسي بعد الخروج من الماء فلا فائدة فيه و لا ثمرة له فإنّ الواجب إيصال الماء إلى جميع أجزاء البدن في حال الدخول تحت الماء في تلك الدفعة العرفية فلو فرض أنّ جزءاً من البدن لم يصله الماء في تلك الحال و إنّما وصل إليه بالمسح باليد بعد الخروج فإنّه لم يأت بالغسل على وجهه لأنّ الفرق بين الغسل الارتماسي و الترتيبي إنّما هو يكون غسل البدن يحصل دفعة واحدة في الأوّل بخلاف الثاني و حينئذ متى حصل الإخلال بجزء حتّى خرج لم يحصل الغسل دفعة و بناء ذلك على الترتيب الحكمي في الغسل الارتماسي ضعيف كما أوضحناه

12

في الكتاب المشار إليه.

و أمّا إمرار اليد في الغسل الترتيبي و أنّه يكون واجباً أو مستحبّاً فالكلام فيه أنّه لا يخفى أنّ الواجب هو إيصال الماء إلى البدن ليحصل الغسل لأنّ الواجب غسل البدن، و الغسل كما عرفت عبارة عن جري جزء من الماء على جزئين من البشرة بنفسه أو معاون و حينئذ فإن علم من صبّ الماء على البدن الوصول إلى جميع أجزائه فلا ضرورة في إمرار اليد و إن استحبّ للاستظهار فلا بأس و إن لم يعلم ذلك فالواجب إمرار اليد ليحصل العلم بإيصال الماء إلى الجسد فإمرار اليد في الصورة الأولى على جهة الأفضلية للاستظهار كما عرفت.

و في الصورة الثانية واجب لما عرفت من توقّف العلم بإيصال الماء عليه خصوصاً بالنسبة إلى ورد من أنّه يغسل جانبه الأيمن بثلاثة أكفّ و جانبه الأيسر بثلاثة أكفّ فإنّه لا يمكن العلم بوصول الماء إلى جميع أجزاء البدن إلا بإمرار اليد كما لا يخفى، و هكذا القول في غسل الأموات و الله العالم.

المسألة السابعة: من بنى بيتاً من قصب أو طين إعارة في غير ملكه أو في أرض وقف أو بنى في أرض مستأجرة و استوطنه هل يكون ذلك من قواطع السفر؟

قال سلّمه الله مسألة: من بنى بيتاً من قصب أو طين إعارة في غير ملكه أو في أرض وقف أو بنى في أرض مستأجرة و استوطنه هل يكون ذلك من قواطع السفر لو مرّ عليه بدون نيّة إقامة أم يشترط ملكية الأرض كما هو الظاهر من كلام السيّد في المدارك؟

الجواب: إنّ الظاهر أنّ ما ذكرتموه من ملك المنزل بدون ملك الأرض خاصّة ليس محلّ كلام و لا خلاف لصدق الملك على ذلك المنزل و لو في الجملة إنّما محلّ الكلام في المنزل المستعار أو الموصى به مدّة بمعنى أنّه لا يملكه الجالس فيه و المستوطن له و إن جاز له التصرّف فيه بأحد الأسباب المبيحة من إجارة أو إعارة أو نحوهما، فالمفهوم من كلام جملة من الأصحاب هو اشتراط ملك الرقبة أعمّ من أن يكون المنزل مع أرضه أو المنزل خاصّة مع كون الأرض خارجة و حينئذ فلا يكفي استئجار المنزل و لا استعارته و الظاهر من الأخبار و به صرّح بعض أفاضل متأخّري المتأخّرين هو العموم و منشأ الخلاف في ذلك هو حمل اللام في قولهم (عليهم السلام) له منزل على التمليك خاصّة

13

و هو غير واضح فإنّ أحد معانيها الاختصاص بل ظاهر بعض الأصحاب أنّه الأصل و إنّ الملك إنّما اندرج في ذلك من حيث حصول الاختصاص فيه و على هذا فيكفي في قطع السفر السكنى المدّة المذكورة في المنزل المستأجر و المعار و نحوهما.

و أمّا ما نقلتموه عن السيّد في المدارك فليس كذلك فإنّه لم يصرِّح بهذه المسألة بالكلّية فيما حضرني من نسخة.

و بالجملة: فالأظهر هو العموم كما ذكرناه و عليه يساعد كلام أهل اللغة أيضاً فإنّهم عرّفوا المنزل بأنّه موضع النزول كما صرّح به في القاموس و في كتاب المصباح المنير و لا ريب أنّ ذلك أعمّ من أن يكون ملكاً أو مستأجراً إلّا أنّ الخروج عمّا ظاهرهم الاتّفاق عليه مشكل و موافقتهم من غير دليل واضح أشكل و الله العالم.

المسألة الثامنة: فيمن استقرّ عليه الحجّ و مات و لم يحجّ هل يستناب عنه؟

قال سلّمه الله تعالى: ما يقول شيخنا فيمن استقرّ عليه الحجّ و مات و لم يحجّ هل يستناب عنه من بلده من الميقات إذا لم يجز الورثة و أنتم لكم اطّلاع على ما فيها من النزاع خصوصاً ابن إدريس و العلّامة رحمه الله عليهما؟.

الجواب: إنّ هذه المسألة قد أعطيناها في كتاب الحجّ من كتابنا الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة حقّها من التحقيق و أشبعنا البحث فيها بما به تليق و اخترنا فيها القول بالحجّ من بلد الموت و إن كان خلاف المشهور إلّا أنّها من حيث الخلوّ عن النصوص بالخصوص لا تخلو من شوب التأمّل و التوقّف و الأحوط الألفق بالأخبار فيها ما اختاره شيخنا الشهيد في الدروس و هو المفهوم من عبارة المحقّق في الشرائع من أنّه إن وسع المال فمن منزله و إلّا فمن حيث يمكن و ذيل البحث فيها واسع لا يقوم به هذا الإملاء و من أراد الوقوف على تحقيق الحال و الاطّلاع ما في المسألة من الأخبار و الأقوال فليرجع إلى كتابنا المشار إليه و الله العالم بحقائق أحكامه.

المسألة التاسعة: مسألة الذبائح التي توجد في أيدي فسّاق الشيعة

قال سلّمه الله تعالى: مسألة الذبائح التي توجد في أيدي فسّاق الشيعة التي يرمونها بالفسق أو الأعراب الذين في الصحاري من أكيله سبع أو موقوذة أو متردّية و يدّعون تذكيتها و هم فسقة يأكلون الحرام و ما يبالون بالأثام ما

14

تقول فيها؟ أفتنا أيّدك الله.

الجواب: إنّ مقتضى النصوص الواردة من أهل الخصوص (صلوات الله عليهم) هو الحلّ و به صرّح الأصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف لتصريحهم بأنّ ما في أيدي المسلمين و أسواقهم من ذبائح و غيرها فالأصل فيها الحلّ و تدلّ عليه القاعدة المنصوصة: «كلّ شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام بعينه فتدعه»، بل ظواهر كثير منها كراهة الفحص و السؤال و إن كان في مقام الشكّ و الريبة إيذاناً بسعة الشريعة السمحة السهلة و لا بأس بنقل جملة من الأخبار في المقام لينكشف بها غياهب الإبهام كما ذكرناه من الكلام.

و منها صحيحة ضريس الكناسي قال

سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن السمن و الجبن نجده في أرض المشركين بالروم أ نأكله؟ فقال: أما علمت أنّه خلطه الحرام فلا تأكل، و أمّا ما لم تعلمه فكُلْ حتّى تعلم أنّه حرام.

و رواية أبي الجارود قال

سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجبن و قلت: أخبرني من رأى أنّه يجعل فيه الميتة؟ فقال: أ من أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم في جميع الأرض ما علمت أنّه ميتة فلا تأكله و إن لم تعلم فاشتر و كُلْ و الله إنّي لاعترض السوق فأشتري بها اللحم و السمن و الجبن و الله ما أظنّ كلّهم يسمّون هذه البربر و هذه السودان.

و صحيحة الحلبي قال

قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الخفاف عندنا في السوق نشتريها فما ترى في الصلاة فيها؟ فقال: صلِّ فيها حتّى يقال لك إنّها ميتة بعينها.

و صحيحته الأخرى قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الخفاف التي تباع في السوق فقال: اشتر و صلِّ فيها حتّى تعلم أنّه ميت بعينه.

و رواية الحسن بن الجهم قال

قلت لأبي الحسن (عليه السلام): أعترض السوق فأشتري خفّاً لا أدري أ ذكي هو أم لا؟ فقال: صلِّ فيه، قلت: فالنعل؟ قال: مثل ذلك، قلت: إنّي أضيق من هذا، فقال: أ ترغب عمّا كان أبو الحسن (عليه السلام) يفعله.

و صحيحة البزنطي قال

سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبّة فراء لا يدري أ ذكية هي أم غير ذكية أ يُصلِّي فيها؟ قال: نعم ليس عليكم المسألة إنّ أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول: إنّ الخوارج ضيّقوا على أنفسهم لجهالتهم و إنّ الدين أوسع من ذلك.

15

و صحيحة سليمان بن جعفر الجعفري

عن العبد الصالح موسى بن جعفر (عليه السلام) أنّه سأله عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبّة فراء لا يدري أ ذكية هي أم غير ذكيّة أ يُصلي فيها؟ قال: نعم ليس عليكم المسألة إنّ أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول: إنّ الخوارج ضيّقوا على أنفسهم لجهالتهم و إنّ الدين أوسع من ذلك.

و رواية المعلّى بن خنيس قال

سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا بأس بالثياب التي تعملها المجوس و النصارى و اليهود.

و عن البزنطي عن الرضا (عليه السلام) قال

سألته عن الخفاف يأتي الرجل السوق فيشتري الخف لا يدري أ ذكي هو أم لا ما تقول في الصلاة فيه؟ قال: نعم أنا أشتري الخف من السوق و أصلي فيه و ليس عليكم المسألة.

و بهذا الإسناد قال

سألته عن الجلد الفراء يأتي الرجل سوقا من أسواق المسلمين فيشتري الجبة لا يدري أ ذكية هي أم لا يصلي فيها؟ قال: نعم إن أبا جعفر كان يقول: إن الخوارج ضيقوا على أنفسهم لجهالتهم و إن الدين أوسع من ذلك إن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يقول: إن شيعتنا في أوسع ما بين السماء و الأرض أنتم المغفور لكم.

و رواية معاوية بن عمار عن رجل من أصحابنا قال

كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) فسأله رجل عن الجبن فقال أبو جعفر (عليه السلام): إنه لطعام يعجبني و سأخبرك عن الجبن و غيره «كل شيء فيه الحلال و الحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه».

و بهذا المضمون في أخبار الجبن في غير خبر و يدل على خصوص موضع السؤال ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة و فضيل و محمد بن مسلم أنهم

سألوا أبا جعفر (عليه السلام) عن شراء اللحوم من الأسواق و لا ندري ما يصنع القصابون فقال: كل إذا كان ذلك في سوق المسلمين و لا تسأل عنه.

و رواه الصدوق في الصحيح عن الثلاثة المذكورين عن أبي جعفر (عليه السلام).

أقول: و هذه النصوص و أمثالها دليل ما ذكره الأصحاب من أصالة الحل و الطهارة في كل شيء حتى يعلم الحرام أو النجس بعينه.

و لا ريب أن محل السؤال من هذا القبيل و الاحتياط في مثل محل السؤال مطلوب و الله العالم.

16

المسألة العاشرة: في هذا الطائر الذي يسكن بيوت بلد الحسين (عليه السلام) يسمّى القلق

قال سلمه الله تعالى: ما يقول شيخنا في هذا الطائر الذي يسكن بيوت بلد الحسين (عليه السلام) يسمى القلق تارة يدف و تارة يصف و ما علمنا أيهما أكثر و ليس فيه من العلائم الثلاث؟.

الجواب: إن المعروف من مذهب الأصحاب (رضوان الله عليهم) أن ما ليس له قانصة و لا حوصلة و لا صيصية فهو حرام و ما له أحد هذه الأشياء فهو حلال، و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذه المسألة ما رواه في الكافي في الصحيح عن عبد الله بن سنان

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت: الطير ما يؤكل منه؟ فقال: لا تأكل ما لم يكن له قانصة.

و عن زرارة في الصحيح في حديث أنه

سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن طير الماء فقال: ما كانت له قانصة فكل و ما لم يكن له قانصة فلا تأكل.

و عن سماعة بن مهران في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال

كل الآن من طير البر ما كانت له حوصلة و من طير الماء ما كانت له قانصة كقانصة الحمام لا معدة كمعدة الإنسان

إلى أن قال

و القانصة و الحوصلة يمتحن بهما من الطير ما لا يعرف طيرانه و كل طير مجهول.

و عن مسعدة بن صدقة

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كل من الطير ما كانت له قانصة و لا مخلب له، قال: و سئل عن طير الماء، فقال مثل ذلك.

و عن ابن بكير

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كل من الطير ما كانت له قانصة أو صيصية أو حوصلة.

و عن أبي يعفور في حديث أنه

سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الطير يؤتى به مذبوحا، فقال: كل ما كانت له قانصة.

هذا ما حضرني من الأخبار و كلها قد اشتركت في الدلالة على ما ذكره الأصحاب في الباب، و حينئذ فمع عدم معرفة الطير المذكور بالطيران ينبغي ذبحه و استعلام هذه الأشياء من باطنه فإن كانت فيه فهو حلال و إن كانت له معدة كمعدة الإنسان فهو حرام.

و قد صرح موثق سماعة المذكور بأن هذه الأشياء يمتحن بها الطير الذي لا يعرف طيرانه فالواجب حينئذ استعلامه بذلك و الله العالم.

17

المسألة الحادية عشرة: في الغراب الأسود الذي يأكل الزرع الذي يسمّى زاغاً هل هو حلال أم لا؟

قال سلمه الله تعالى: ما قول شيخنا في الغراب الأسود الذي يأكل الزرع الذي يسمى زاغا هل هو حلال أم لا، و ما تقول في الغداف أيضا، و ما تقول في قول الشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك في العلائم الثلاث أنه لا محلل خال منها و لا محرم و هي فيه مع وجودها في كل جنس الغراب حتى في الأبقع؟.

الجواب: إنه قد اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في حكم الغراب بجميع أقسامه على أقوال: فقال الشيخ (رحمه الله) في النهاية: يكره أكل الغربان و أطلق و تبعه ابن البراج.

و قال في الخلاف: الغراب كله حرام على الظاهر في الروايات، و قد روي في بعضها رخص و هو الزاغ و هو غراب الزرع و الغداف و هو أصغر منه أغبر اللون كالرماد، ثم نقل عن الشافعي و أبي حنيفة أن الأسود و الأبقع حرام و الزاغ و الغداف على وجهين أحدهما حرام و الثاني حلال ثم قال: دليلنا إجماع الفرقة و عموم الأخبار في تحريم الغراب و طريقة الاحتياط تقتضي ذلك أيضا، انتهى.

و قال في المسبوط: ما لا مخلب له يعني من الطير مستخبث و غير مستخبث، فالمستخبث ما يأكل الخبائث كالميتة و نحوها و كلها حرام و هو النسر و الرخم و البغاث و الغراب و نحو ذلك عندنا و عند جماعة فروي

أن النبي (صلى الله عليه و آله) أتي بغراب فسماه فاسقا و قال: ما هو و الله من الطيبات.

و الغراب على أربعة أضرب: الكبير الأسود الذي يسكن الجبال و يأكل الجيف، و الثاني الأبقع فهذان حرامان، و الثالث الزاغ و هو غراب الزرع،

18

و الرابع الغداف و هو أصغر منه أغبر اللون كالرماد.

و قال قوم: هو حرام لظاهر الأخبار، و قال آخرون: هو مباح و هو الذي في رواياتنا. و قال ابن إدريس: الغربان على أربعة أضرب ثلاثة منها لا تجوز أكل لحمها و هي الغداف الذي يأكل الجيف و يفرس و يسكن الخرابات و هو الكبير من الغربان السود و كذا الأغبر الكبير لأنه يفرس و يصيد الدراج فهو من جملة سباع الطير، و كذلك لا يجوز أكل لحم الأبقع الذي يسمى العقعق طويل الذنب، فأما الرابع و هو غراب الزرع الصغير من الغربان السود الذي يسمى الزاغ فإن الأظهر من المذهب أنه يؤكل لحمه على كراهية دون أن يكون محظورا و إلى هذا يذهب شيخنا في نهايته و إن كان قد ذهب إلى خلافه في مبسوطه و مسائل خلافه فإنه قال بتحريم الجميع، و ذهب في استبصاره إلى تحريم الجميع.

و الصحيح ما اخترناه لأن التحريم يحتاج إلى دلالة شرعية لأن الأصل في الأشياء الإباحة و لا إجماع على خطره و لا أخبار متواترة و لا في كتاب الله، انتهى.

أقول: و قد ظهر من ذلك أن في المسألة أقوالا ثلاثة: أحدها: التحريم مطلقا، كما هو مذهب الشيخ في الخلاف و تبعه عليه العلامة في المختلف و ولده فخر المحققين في الشرح.

و ثانيها: الحل على كراهة مطلقا و هو مذهب الشيخ في النهاية و كتابي الحديث و تبعه القاضي ابن البراج و المحقق في النافع.

و ثالثها: التفصيل و هو مذهب الشيخ في «المبسوط» على الظاهر و ابن إدريس و العلامة في قول ثان فحرموا الأسود الكبير و الأبقع و أحلوا الزاغ و الغداف و هو الأغبر الرمادي إلا أن ظاهر كلام ابن إدريس المتقدم التخصيص بالزاغ و ظاهر جمع من الأصحاب منهم المحقق في الشرائع و شيخنا الشهيد الثاني في المسالك التوقف في المسألة من أصلها حيث اقتصروا على نقل الخلاف و الأقوال في المسألة و لم يرجحوا شيئا و هو ظاهر المحدث الكاشاني في المفاتيح أيضا حيث اقتصر على نقل الأقوال و أدلتها و لم يرجح شيئا.

19

و الظاهر من الفاضل الخراساني في الكفاية ترجيح القول الثاني و هو الحل على كراهة قال: و الأقرب الكراهية لصحيحة زرارة المعتضدة بالآيات و الأخبار و نفي الحل في صحيحة علي بن جعفر محمول على الكراهة جمعا بين الأدلة انتهى.

و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذه المسألة ما رواه الشيخ في الصحيح عن أبان بن عثمان عن زرارة

عن أحدهما (عليهما السلام) أنه قال: إن أكل الغراب ليس بحرام إنما الحرام ما حرم الله في كتابه و لكن الأنفس تتنزه عن كثير من ذلك تعززا.

و عن غياث بن إبراهيم

عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنه كره أكل الغراب لأنه فاسق

، و رواه الصدوق في كتاب العلل مثله.

و ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن علي بن جعفر

عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن الغراب الأبقع و الأسود أ يحل أكلهما؟ فقال: لا يحل شيء من الغراب زاغ و لا غيره.

و رواه علي بن جعفر في كتابه مثله، و ما رواه عن أبي يحيى الواسطي قال

سئل الرضا (عليه السلام) عن الغراب الأبقع قال: فقال: إنه لا يؤكل و من أحل لك الأسود.

و ما رواه الصدوق مرسلا قال

قال الصادق (عليه السلام): لا يؤكل من الغربان شيء زاغ و لا غيره و لا يؤكل من الخباث شيء.

و ما رواه في الكافي و (التهذيب) عن أبي إسماعيل قال

سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن بيض الغراب، فقال: لا تأكله.

و من الظاهر أن البيض تابع لحيوانه في الحل و الحرمة.

هذا ما وقفت عليه من الأخبار الواردة عنهم (عليهم السلام)، و لا يخفى ما هي عليه من التصادم و التضاد في المقام و إشكال الجمع بينها على وجه يحصل به الاجتماع و الالتئام و ذلك لصراحة صحيح زرارة و هو الأول في الحل مع تأيده بما ذكر فيه مما هو مذكور أيضا في عدة من الأخبار من قوله: «إنما الحرام ما حرم الله في كتابه» إلى آخره فإنه مما استدلوا به (عليهم السلام) في جملة من المواضع إلا أن هذا الاستدلال أيضا مما لا يخلو في حد ذاته من الإشكال المعلومية تحريم أشياء عديدة في السنة المطهرة مما

20

لم يشتمل عليها الكتاب كما لا يخفى على الممارس للأحكام و الناظر في جميع الأبواب.

و إلى هذه الرواية كما عرفت ترجيح صاحب الكفاية كما تقدم.

و أما من طعن في هذه الصحيحة بأبان بن عثمان فهو غير مسموع سيما بناء على قاعدتنا في الأخبار و المشهور بين الأصحاب هذا الاصطلاح هو عد حديثه في الصحيح أيضا للإجماع المنقول في حقه و القدح فيه إنما حصل من مقدوح مجروح لا يقابل به نقل الإجماع المذكور.

و بالجملة: فالحديث صحيح صريح فيما قلنا و يقابله صحيح علي بن جعفر في الصحة و الصراحة و الدلالة على التحريم مطلقا مؤيدا برواية أبي يحيى الواسطي و مرسلة الصدوق و رواية أبي إسماعيل بالتقريب الذي في ذيلها، و أما رواية غياث بن إبراهيم فهي محتملة للأمرين فلا يمكن الاستناد إليها في شيء من القولين لأن الكراهة و إن كانت في الاصطلاح الأصولي بمعنى الجواز على جهة المرجوحية لكن استعمال هذا اللفظ في الأخبار في التحريم أكثر كثير فهو عندنا في الأخبار من الألفاظ المتشابهة التي لا تحمل على أحد المعنيين إلا مع القرينة و بعض من رجح التحريم احتمل حمل صحيحة زرارة على التقية قال: و إن كان بينهم أيضا خلاف في ذلك لكن الحل بينهم أشهر.

أقول: و قد تقدم في عبارة الخلاف ما يشير إلى ذلك.

و بالجملة: فالمسألة عندي بمحل من الإشكال و الفتوى فيها مع اشتباه الدلالة من هذه الأخبار مشكل و إن كان الأقرب هو القول بالتحريم مطلقا لكثرة الأخبار الدالة عليه مؤيدا بشمول كل ذي مخلب من الطير لأكثرها و لجميعها و احتمال التقية كما عرفت في أخبار الحل و أما القول بالتفصيل فلا مستند له من الأخبار كما عرفت و ربما احتج له بأن الأولين من الخبائث لأنهما يأكلان الجيف و الأخيرين من الطيبات لأنهما يأكلان الحب و هذا التفصيل منقول عن بعض العامة أيضا.

و ظاهر كلام ابن إدريس الاستناد في تحريم الأولين إلى أنهما من سباع الطير و لم يذكر على الثالث حجة مع أنه حرمه و استند في حل الرابع إلى عدم الدليل على تحريمه و هو جيد على أصله الغير الأصيل و مذهبه الذي على خلافه العلماء جيلا بعد جيل.

21

و بالجملة: فالراجح عندي هو القول بالتحريم إلا أن في الجزم به على وجه يوجب الفتوى توقفا مما أخذ على المفتي في الإفتاء في الأحكام و أنه مخبر في ذلك عن الملك العلام و الله العالم.

فبقي الكلام فيما ذكرتموه من وجود القانصة و الصيصية و الحوصلة في الغراب بجميع أفراده فإن صح ذلك فهو أشد فيما ذكرناه من الإشكال حيث إن المفهوم من الأخبار المتقدمة في سابق هذه المسألة هو أن وجود أحد هذه الثلاثة موجب للحكم بالحل فإن صح وجودها في الغراب بجميع أنواعه أو بعضها فالواجب الحكم بحل ما وجدت فيه عملا بتلك الأخبار المتقدمة، و لا بد حينئذ من ارتكاب التأويل في أخبار التحريم المذكورة هنا، إلا أن الظاهر أن الأمر ليس كذلك و لعل ما ادعيتموه من وجود بعض تلك الأشياء في الغراب إنما نشأ عن ظن أو توهم و أما ما يفهم من ظاهر عبارة الشرائع من أن الاعتماد على هذه الثلاثة إنما هو بالنسبة إلى ما لم ينص على تحريمه من الطائر المجهول، و أما ما نص على تحريمه فلا عبرة بوجود شيء من هذه الثلاثة فيه المؤذن ذلك بتحريمه مع وجود شيء منها فيه فالظاهر بعده و توهم فهم هذا المعنى من موثقة سماعة و كذا رواية ابن أبي يعفور المتقدمتين في سابق هذه المسألة بعيد فإن غاية ما يدلان هو أنه مع عدم إمكان الاستعلام بالعلامات الظاهرة في حال الحياة كالطيران مثلا يرجع إلى العلامات الباطنة من القانصة و الحوصلة بعد الذبح و الله سبحانه العالم بحقائق أحكامه و نوابه القائمون بمعالم حلاله و حرامه.

المسألة الثانية عشرة: في الزهر و هو نوع من أنواع السمّ يصطاد به السمك؟

قال سلمه الله تعالى: ما يقول شيخنا في الزهر و هو نوع من أنواع السم يصطاد به السمك بحيث يلقى في شيء يأكله السمك و يقذف في الشطوط و الأنهار و الأهوار و الأبحار فإذا أكله السمك خرج على وجه الماء دائخا و له دوران و إذا لم يحصل له من يصيده مات و طفى على وجه الماء و ربما تذهب السمكة التي تأكل من هذا الزهر ميلا أو أكثر عن المحل الذي قذف فيه ذلك الشيء هل يكون ذلك الشيء آلة للصيد فيحرم على من صاده غير قاذفه أم يكون الناس فيه شرع لأنه ألقاه في مكان لا يمكن ضبطه له لأن السمكة ربما ذهبت عن موضع

22

الرمي فرسخا أو فرسخين أو أكثر و كثيرا ما يفعلون مع الطير هكذا بحيث يغلون الحب مع هذا الشيء و يرمونه في الصحراء و يأكل منه الصيد و يروح فيطير و يقع و يصيدونه أهل يملك ذلك الطير بما أكل من ذلك الحب المغلي فيكون آلة للصيد كما قال المنازع في السمك لأنهما أمر واحد لا فرق بينهما.

الجواب: إني لم أقف على هذه المسألة في كلام أحد من الأصحاب (رضوان الله عليهم) و لا على شيء من الأخبار يدل على الحكم فيها نفيا أو إثباتا إلا أن المفهوم من كلامهم و كذا من الأخبار بعد التأمل في مضامينها هو العدم و ذلك لأن ظاهر كلامهم تخصيص آلات الصيد الجمادية أعني غير الكلب و نحوه من الحيوانات بأشياء مخصوصة ليس هذا منها.

و المفهوم من الأخبار و كذا من كلام الأصحاب أنه ليس كل شيء قصد الصيد به و قتل ترتب عليه حل الصيد كما ورد في المعراض و صرح به الأصحاب من أنه إذا قتل بعرضه من غير أن يخرق اللحم فلا يؤكل و إن قتل بحدة أكل.

و منها: صحيح أبي عبيدة

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا رميت بالمعراض فخرق فكل و إن لم يخرق و اعترض فلا تأكل.

و روي عن عدي بن حاتم قال

سألت رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن صيد المعراض، فقال: إن قتل بحده فكل و إن قتل بثقله فلا تأكل

، و المعراض على ما في القاموس كمحراب سهم بلا ريش دقيق الطرفين غليظ الوسط يصيب بعرضه انتهى.

و قد ورد في الأخبار أيضا إنما قتله الحجر أو البندق لا يؤكل إلا إذا أدرك ذكاته، ففي صحيحة سليمان بن خالد قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عما قتل الحجر أو البندق أ يؤكل؟ قال: لا.

و بمضمونه أخبار عديدة.

و من هذا يعلم أنه ليس كلما قصد الصيد به حل به الصيد بأي نحو كان، بل لا بد له من آلات منصوصة بشروط مخصوصة.

و مما يؤيد ذلك أن أصالة حل صيد هذا النوع لكل من حازه فاصطاده فإنها باقية في جميع الأزمان و الأحوال لا يخرج عنها التخصيص بشخص دون شخص إلا بدليل و هذا أصل من الأصول المتفق عليها نصا و فتوى فإن أصالة الإباحة التي كان

23

عليها قبل إلقاء هذا الزهر ثابتة فيجب البقاء عليها إلى أن يقوم دليل على الخروج عنها و قد قامت الأدلة بالنسبة إلى السمك و الطير بأشياء مخصوصة ليس هذا منها فيجب البقاء على ما كان عليه و المدعى للخروج بهذا النوع يحتاج إلى دليل واضح و برهان لائح لا بمجرد التخريجات العقلية و التخرصات الوهمية فإن الأمور الشرعية إنما بنيت حلا و حرمة و طهارة و نجاسة و نحوها على الأدلة المعصومية و النصوص النبوية لا على الأوهام العقلية و هذا بحمد الله سبحانه واضح لكل ذي عقل برؤية.

و من هنا كان بعض مشايخنا المحققين يتوقفوا في الصيد بهذه الأدلة المشهورة و هي المعروفة بالتفنك من حيث إنه غير منصوص مع أنه أقرب شيء إلى آلات الصيد و الاحتياط فيما ذكره (قدس سره) على أن تعريف الصيد كما ذكره الأصحاب و هو الظاهر من الأخبار لا يصدق على هذا النوع الذي هو محل البحث حيث إنهم قالوا: إن الصيد في الشرع على معنيين أحدهما: إثبات اليد على الحيوان الممتنع و الثاني: إزهاق روحه بالآلة المعتبرة فيه من غير تذكية و كلاهما مباح بالكتاب و السنة و الإجماع بالشرائط المذكورة في محلها، و لا ريب أن ما نحن فيه من القسم الثاني.

و المراد من إزهاق هي مجيء ما يوجب قتله بغتة و فجأة و هذا النوع كما شرحتموه إنما يوجب له بعد أكله و دورانا في رأسه و يبقى على ذلك مدة بحيث يذهب قدر فرسخ أو فرسخين في الماء كما ذكرتم و كذا في الطير و هذا ليس من الإزهاق المذكور الذي هو عبارة عن الفجأة و البغتة في شيء.

و بالجملة: فالمسألة عندي محل إشكال و التمسك بالأصالة المتقدّمة أقوى متمسك حتّى يقوم الدليل على ما يوجب الخروج عنها و الله العالم.

المسألة الثالثة عشرة قال سلّمه الله تعالى في أُخت الأخ من الرضاع هل يحلّ لأخ أخيها من الرضاع أن ينكحها أم لا،

و الحديث يحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب و من قال بالمنزلة حرم بالرضاع على ما يحرم بالنسب لأنّ أُخت الأخ من نسب حلال أفتنا أيّدك الله الجواب: إنّ المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) هو الحلّ في الصورة

24

المذكورة و هو الأصحّ الذي عليه العمل و ذهب الشيخ في الخلاف و النهاية إلى التحريم استناداً إلى ظاهر التعليل في الروايات من كونهم بمنزلة ولد الأب و ذلك يقتضي حصول الاخوّة بينهم المانع من نكاح أحدهما في الآخر فإنّ كونهم بمنزلة ولد الأب يقتضي كونهم بمنزلة الإخوة للعلّة فإنّها منصوصة فيتعدّى حكمها و أُجيب عنه بأنّ تعدّي حكمها مشروط بوجودها في المعدى إليه و هنا ليس كذلك لأنّ كونهنّ بمنزلة ولد الأب ليس موجوداً في محلّ النزاع و ليس المراد بحجّة منصوصة العلّة انّه حيث ثبتت العلّة و ما جرى مجراها يثبت الحكم كذا قرّره شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك و الروضة و هو جيّد و توضيحه انّ النص إنّما تضمّن الحكم بتحريم نكاح أب المرتضع في أولاد صاحب اللبن معلّلًا ذلك بأنّهم صاروا في حكم أولاده و محلّ النزاع هو الحكم بنكاح أولاد أب المرتضع في أولاد الفحل أو المرضعة و الحكم بالتحريم في الصورة الثانية إنّما هو بدعوى استلزام بنوّة أولاد الفحل لأب المرتضع إخوتهم لأولاده فيحرم تناكحهم لحصول الاخوة و هو قياس محض لأنّ العلّة إنّما هي النبوّة و العلّة فيما نحن فيه هي الإخوة واحدهما غير الآخر و مجرّد اللزوم لا تثبت به الأحكام الشرعية لأنّ ذلك مذهب أصحاب القياس حيث يبنون الأحكام الشرعية على الملازمات العقلية و المناسبات و المشابهات الجلية أو الخفيّة فالعلّة فيما ذكروه غير منصوصة بل مستنبطة على أنّ كونهم بمنزلة أولاده في تحريمهم عليه لا يستلزم كونهم أولاده في تحريم بعضهم على بعض لأنّ إثبات حكم الأولاد لهم في مادّة خاصّة لا يستلزم ثبوته في جميع المواد إذ لا ملازمة تقتضي ذلك و من أوضح الأدلّة على الجواز هو تبعيّة الرضاع للنسب، و من المعلوم جواز ذلك في النسب. و بالجملة: فالعمل على القول بالجواز و إن كان على كراهة كما أنّه في النسب كذلك و يدلّ على ذلك في الرضاع موثّقة إسحاق بن عمّار

عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل تزوّج أُخت أخيه من الرضاعة فقال: ما أحبّ أن أتزوّج أُخت أخي من الرضاعة

و الكراهة وقعت هنا تفريعاً على الكراهة في النسب لرواية إسحاق بن عمّار أيضاً قال: سألته عن الرجل يتزوّج أُخت أخيه قال: ما أحبّ له ذلك.

25

نعم ذهب من قال بالتنزيل في الرضاع التحريم في هذه الصورة مع جملة صور ذكروها و قد استوفينا الكلام عليها و بيّنا ردّها و إبطالها في رسالتنا في المسألة المسمّاة بكشف القناع عن صريح الدليل في الردّ على من قال في الرضاع بالتنزيل و نقلنا فيها جملة من كلام المحقّق العماد مولانا مير محمّد باقر الداماد في رسالته التي اختار فيها القول بالتنزيل و أوضحنا بطلانه بواضح الدليل و الله العالم.

المسألة الرابعة عشرة قال سلّمه الله تعالى: ما قول شيخنا في رجل له زوجتان كبيرتان و أرضعتا زوجته الصغيرة

فالأُولى التي أرضعتها قبل حرمت عليه لكونها صارت أُمّ زوجته و ما تقول في الثانية التي أرضعتها بعد الاولى هل حرمت على زوجها كضرّتها أم لا لأنّها أرضعتها بعد ما حرمت عليه و صارت كابنته و المسألة خلافية و أردنا أن نرى دليلك فيها الجواب: انّه قد اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ذلك، فالمشهور هو التحريم في هذه الزوجة الثانية أيضاً لأنّه يصدق عليها أُمّ زوجته و إن كان عقدها قد انفسخ فإنّه لا يشترط في صدق المشتق بقاء المعنى فتدخل في قوله (وَ أُمَّهٰاتُ نِسٰائِكُمْ). و قال ابن الجنيد و الشيخ في النهاية: لا تحرم لخروج الصغيرة من الزوجية من البنتية فإنّ عقد الصغيرة انفسخ برضاع الاولى و به صارت بنتاً و لا يصدق عليها وقت رضاع الثانية انّها زوجة عرفاً و لا شرعاً و هذا القول هو الأظهر الذي عليه العمل امّا أوّلًا فلأصالة الإباحة السالمة من المعارض و امّا ثانياً فلما رواه ثقة الإسلام عطّر الله مرقده عن علي بن مهزيار رواه

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قيل له: إنّ رجلًا تزوّج جارية صغيرة فأرضعتها امرأته ثمّ أرضعتها امرأة له اخرى فقال ابن شبرمة: حرمت عليه الجارية و امرأتاه، فقال أبو جعفر (عليه السلام): أخطأ ابن شبرمة حرمت عليه الجارية و امرأته التي أرضعتها أوّلًا، فأمّا الأخيرة لم تحرم عليه لأنّها أرضعت ابنتها.

و رواها الشيخ في (التهذيب) و فيها لأنّها أرضعت ابنته و هو الصحيح قال في التهذيب: وفقه هذا الحديث إنّ المرأة الأُولى إذا أرضعت الجارية

26

حرمت الجارية عليه لأنّها صارت بنته و حرمت عليه المرأة الأُخرى لأنّها أُمّ امرأته فإذا أرضعتها المرأة الأخيرة أرضعتها و هي بنت الرجل لا زوجته فلم يحرم عليه لأجل ذلك، انتهى. و استضعاف الرواية المذكورة بالإرسال ضعيف عندنا و قد وافق على القول بهذه الرواية السيّد السند صاحب المدارك في شرحه على النافع مع تصلّبه في ردّ الأخبار الضعيفة و جعل موافقتها لمقتضى الأصل جابراً لضعفها و امّا ثالثاً: فلأنّ ما بنوا عليه تعليل التحريم من أنّه لا يشترط في صدق المشتقّ بقاء بعد الاشتقاق ضعيف لما وقع لهم في هذه القاعدة من الخلاف حتّى انتهت الأقوال فيها إلى ثمانية كما أوضحناه في كتابنا الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية و كذا مقدّمات كتاب الحدائق و أوضحنا انّ بناء الأحكام الشرعية على هذه القواعد الأُصوليّة المتزلزلة مع قطع النظر عمّا هي عليه من الاختلاف لم يقم عليه دليل بل الدليل على خلافه واضح السبيل و الله العالم

المسألة الخامسة عشرة قال سلّمه الله تعالى: ما قول شيخنا فيمن وقف ملكاً على أولاده الذكور دون الإناث

فما قولك في ذكور الإناث هل يشاركون ذكور الذكور أم ينفردون به دونهم، و على تقدير انفرادهم به إذا انقرضوا هل ينتقل إلى ذكور الإناث أم لا، و إذا انقرض ذكور الإناث هل ينتقل إلى الإناث مع عدم العلم بتقييده في ذلك لكن من جهة أولي الأرحام و أنت أعلم بالأحكام؟ الجواب: إنّ الكلام في هذه المسألة أعني دخول أولاد البنات الذكور في إطلاق الأولاد الذكور مبنيّ على أنّه هل يسمّى ابن البنت ابناً حقيقة أو إنّما يُطلق عليه مجازاً و الابن حقيقة إنّما هو الذكر المتولّد من الذكور و الذي ثبت عندنا بالأدلّة القاهرة و البراهين الباهرة من الآيات القرآنية و السنّة النبويّة هو صحّة إطلاق الولد و الابن على المتولّد من البنت حقيقة لا مجازاً و هو مذهب جملة من علمائنا الأعلام و إن كان خلاف المشهور بين المتأخّرين. قال الشيخ في الخلاف في باب الوقف: مسألة إذا وقف على أولاده و أولاد أولاده دخل أولاد البنات فيه و يشتركون فيه مع أولاد البنين الذكر و الأُنثى فيه سواء

27

كلّهم و به قال الشافعي و قال أصحاب أبي حنيفة: لا يدخل أولاد البنات فيه إلى أن قال: دليلنا إجماع المسلمين على أنّ عيسى ابن مريم من ولد آدم و هو ولد ابنته لأنّه ولد من غير أب ثمّ استدلّ بتسمية الرسول (صلى الله عليه و آله) للحسن و الحسين (عليهما السلام) ابنيه إلى أن قال: و أمّا استشهادهم بقول الشاعر

بنونا بنو أبنائنا و بناتنا * * * بنوهن أبناء الرجال الأباعد

فإنّه مخالف لقول النبيّ (صلى الله عليه و آله) و إجماع الأُمّة و المعقول فوجب ردّه و نحوه صرّح في كتاب؟ و قال الشيخ المفيد عطّر الله مرقده في كتاب الوقف من المقنعة: و إذا وقفه على العلوية كان لولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) و ولد ولده من الذكور و الإناث فإن وقف على الطالبيين كان على ولد أبي طالب (رحمه الله) و ولد ولده من الذكور و الإناث و التقريب فيه انّه أدخل المتقرّبين بالأمي في النسبة إليه و المخالفون من أصحابنا في هذه المسألة ينكرون صحّة النسبة إليه. قال العلّامة في (المختلف) بعد ذكر القول المشهور عندهم و هو عدم صدق الابن على ابن البنت حقيقة و ذهب السيّد المرتضى إلى انّ ابن البنت ابن حقيقة و من أوصى بمال لولد فاطمة دخل فيه أولادها و أولاد بناتها حقيقة و كذا لو وقف على ولده دخل فيه ولد البنت لدخول ولد البنت تحت الولد و الأقرب الأوّل إنّما يصدق الانتساب حقيقةً إذا كان من جهة الأب عرفاً فلا يقال تميمي إلّا إذا انتسب إلى تميم بالأب و لا حارثي إلّا إذا انتسب إلى حارث بالأب. و يؤيّده قول الشاعر: بنونا ثم ساق البيت المتقدّم في كلام الشيخ و ذيل الكلام في المقام أوسع من أن يسعه هذا الإملاء و قد حقّقنا هذه المسألة بما لم يسبق إليه سابق من التحقيق الذي هو للآيات و الروايات مطابق في كتاب الخمس من كتابنا الحدائق الناظرة و في كتاب الدرر النجفية و أوضحنا بطلان القول المشهور بما هو كالنور على الطور. و من ذلك يظهر لك أنّ أولاد البنات الذكور يشاركون الأولاد الذكور متى كان صيغة الوقف على أولاده الذكور فإنّه يدخل الجميع تحت هذا اللفظ و من هنا يعمل انجرار الحكم

28

المذكور إلى مسألة الخمس و انّه يجوز أن يعطى لمن انتسب بالأُمّ إلى هاشم من السادة و لا يجوز أن يعطى من الزكاة كما أوضحنا بلا مزيد عليه في الكتابين المشار إليهما و بيّنا دلالة الآيات و الأخبار المتكاثرة على ذلك. و امّا قولكم: إذا انقرضوا هل ينتقلوا إلى ذكور الإناث أم لا إلى آخر السؤال فهو لا يخلو من الإشكال بل الاختلال و ذلك لأنّه لا بدّ في صحّة الوقف من الدوام بأن يعيّن الواقف مصرفاً للوقف في كلّ زمان زمان و طبقة طبقة بمعنى أنّه لا بدّ من التصريح بالموقوف عليه في كلّ طبقة طبقة بأن يقول: على فلان ثمّ بعده على كذا ثمّ بعد على كذا و مع الانقراض فعلى كذا و هكذا إلى يوم القيامة، و حينئذ فيرجع في جميع هذه الطبقات إلى ما ذكره الواقف و عينه و حينئذ فقولكم: وهل ينتقل إلى الإناث مع عدم العلم بتقييده في ذلك لكن من جهة آية (أُولُوا الْأَرْحٰامِ)* لا معنى له في المقام لأنّ آية أُولي الأرحام إنّما هي في الميراث، و امّا الأوقاف فهي على ما وقفت عليه. و بالجملة: فإنّ كلامكم هنا لا يخلو من الإجمال و الحال و المرجع إلى ما ذكرناه من عبارة الواقف و تعيين الموقوف عليه في جميع الطبقات عملًا بشرط الدوام في الوقف و الله العالم.

المسألة السادسة عشرة قال سلّمه الله تعالى: ما يقول شيخنا في النبات و الشَكَر المعتصرين من السكّر

و على ما ينقلون انّ الذين يعصرون السكر القور و هم السامرة فما تقول فيهما، و ما تقول في الأشياء المائعات من المأكولات و الدهونات التي في أيدي الكفّار يبيعونها مع عدم العلم بمباشرتهم لها؟ أفتنا أيّدك الله الجواب: انّه تقدّم لك في جواب المسألة الثانية من الأخبار الواردة عن العترة الأطهار ما يعلم منه الجواب عن هذه المسألة و أمثالها لاتّفاقها على أنّ الأصل في الأشياء الحلّ و الطهارة حتّى يعلم الحرمة و النجاسة سواء كان في أيدي المسلمين أو الكفّار ما لم يعلم بمباشرتهم لها برطوبة و مجرّد الاخبار عن ذلك لا يفيد فائدة في الخروج عن هذا الأصل الأصيل كما هو واضح عند ذوي التحصيل و من أوضح الأدلّة زيادة على ما تقدّم رواية المعلّى بن خنيس و نحوها ما لم يتقدّم نقله أيضاً ما

29

رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمّار قال

: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الثياب السابرية تعملها المجوس و هم أخباث و هم يشربون الخمر و نسائهم على تلك الحال ألبسها و لا أغسلها و أُصلّي فيها؟ قال: نعم، قال معاوية بن عمّار: فقطعت له قميصاً و خطته و فتلت له أزراراً و رداءً من السّابري ثمّ بعثت إليه في يوم الجمعة حين ارتفع النهار فكأنّه عرف ما أُريد فخرج فيها إلى الجمعة.

أقول: لعلّ ذكر النساء في الخبر بناء على أنّ الغزل كان من عملهم و الحياكة من أزواجهنّ و نحوه و إن كان ليس مثله في الصراحة ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان قال

: سأل أبي أبا عبد الله (عليه السلام) و أنا حاضر انّي أُعير الذمّية ثوبي و أنا أعلم انّه يشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير فيرده عليَّ فأغسله قبل أن أُصلّي فيه؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): صلِّ فيه و لا تغسله من أجل ذلك فإنّك أعرته إيّاه و هو طاهر و لم تستيقن أنّه نجّسه فلا بأس أن تصلّي فيه حتّى تستيقن أنّه نجّسه.

و امّا ما رواه عبد الله بن سنان المذكور أيضاً في الصحيح قال

: سأل أبي أبا عبد الله (عليه السلام) عن الذي يعير ثوبه لمن يعلم أنّه يأكل الجرّي و يشرب الخمر فيرده أ يصلّي فيه قبل أن يغسله؟ قال: لا يصلّي فيه حتّى يغسله.

و ما رواه الشيخ عن أبي بصير قال

: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في الفري فقال: كان عليّ بن الحسين (عليهما السلام) رجلًا صرداً لا يُدفئه فراء الحجاز لأنّ دباغتها بالقرط و كان يبعث إلى العراق فيؤتى مما قبلهم بالفرو فيلبسه فإذا حضرت الصلاة ألقاه و ألقى القميص الذي تحته الذي يليه و كان يُسأل عن ذلك فقال: إنّ أهل العراق يستحلّون لباس الجلود الميّتة و يزعمون أنّ دباغه ذكاته

فالجواب عنهما و نحوهما بالحمل على الاستحباب جمعاً بين الأخبار كما ذكره الشيخ و غيره لما عرفت من خروجهما عن مقتضى القاعدة الكلّية المنصوصة في الأخبار المستفيضة سيّما أخبار الخفاف و صحيحتي البزنطي و سليمان بن جعفر الحضري المتقدّم أكثره في المسألة التاسعة و الله العالم

المسألة السابعة عشرة قال سلّمه الله تعالى: ما قول شيخنا في الجلود التي يجلبونها الكفّار من بلد إلى بلد

30

و المسوح و الأنعلة التي يجلبونها كذلك أو يبيعونها في بلد المسلمين التي هم فيها ساكنون لكن ما يعلم انّهم لحيوانها ذابحون و لها عاملون فما تقول في ذلك؟ أفتنا أيّدك الله الجواب: إنّ جواب هذه المسألة أيضاً معلوم من الأخبار المتقدّمة في المسألة التاسعة و في سابق هذه المسألة لما عرفت من دلالتها على هذه القاعدة الكلّية و هي أصالة الحلّ و أصالة الطهارة حتّى يعلم الناقل عن ذلك شرعاً و المخرج عنه قطعاً و مجرّد كون تلك الجلود في أيدي الكفّار يبيعونها أو يجلبونها لا توجب الخروج عن القاعدة المذكورة إلّا أنّ المشهور بين المتأخّرين من أصحابنا (رضوان الله عليهم) بالنسبة إلى الجلود و اللحم المجهول هو الحكم بالنجاسة استناداً إلى أصالة عدم التذكية و قد بيّنا في جملة من كتبنا و زبرنا ما في كلامهم هنا من الوهن و ضعف الدليل و انّه لا اعتماد عليه و لا تعويل و نحن نذكر هنا ما أودعناه في كتابنا الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة من التحقيق في المقام و ما فيه من النقص و الإبرام فنقول: المشهور في كلام متأخّري أصحابنا (رضوان الله عليهم) نجاسة الجلد لو وجده مطروحاً و إن كان في بلاد المسلمين جديداً أو عتيقاً مستعملًا أو غير مستعمل و كذا اللحم أيضاً استناداً إلى أصالة عدم التذكية و أنت خبير بما فيه امّا أوّلًا فللقاعدة المتّفق عليها نصّاً و فتوى من انّ كلّ شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتّى تعلم الحرام بعينه فتدعه، و كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر. و من قواعدهم المقرّرة و ضوابطهم المعتبرة انّه يجب الخروج عن الأصل بالدليل و الدليل كما ترى هنا واضح السبيل لا يداخله القال و القيل. و امّا ثانياً: فلما رواه الشيخ بسنده عن السكوني

عن أبي عبد الله (عليه السلام) انّ أمير المؤمنين (عليه السلام) سُئِلَ عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة كثيرٌ لحمها و خبزها و جبنها و بيضها فوقها سكّين؟ قال أمير المؤمنين (عليه السلام): يقوّم ما فيها ثمّ يُؤكل لأنّه يفسد و ليس له بقاء فإن جاء طالبها غرموا له الثمن، قيل: يا أمير المؤمنين لا ندري سفرة مسلم أو سفرة مجوسي؟ قال: هم في سعة

31

حتّى يعلموا.

و هو صريح في المراد عار عن وصمة الإيراد، و روى هذه الرواية في البحار عن الراوندي في كتابه بسنده عن موسى بن إسماعيل عن أبيه إسماعيل بن موسى عن أبيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) الحديث، إلّا أنّ فيه لا نعلم أ سفرة ذمّي أم مجوسي. و أمّا ثالثاً: فإنّ مرجع ما ذكروه من الأصل إلى استصحاب عدم الذبح نظراً إلى حالة الحياة و فيه مع الإغماض عمّا حقّقناه في جملة من زبرنا من أنّ هذا الاستصحاب ليس بدليل شرعيّ انّه قد صرّح جملة من المحقّقين بأنّ من شرط العمل بالاستصحاب أن لا يعارضه استصحاب آخر يوجب نفي الحكم الأوّل في الثاني و استصحاب أصالة عدم التذكية هنا معارض باستصحاب طهارة الجلد حال الحياة، و توضيحه: انّ وجه تمسّكهم بالأصل هنا من حيث استصحاب عدم الذبح نظراً إلى حال الحياة و لم يعلم زوال عدم المذبوحيّة لاحتمال الموت حتف أنفه فيكون نجساً إذ الطهارة لا يكون إلّا مع الذبح هكذا قرّروه و نحن نقول: إنّ طهارة الجلد في حال الحياة ثابتة و لم يعلم زوالها لتعارض احتمال الذبح و عدمه فيتساقطان و يبقى الأصل ثابتاً لا رافع له. و امّا رابعاً: فإنّ ما اعتمدوه من الاستصحاب و إن سلّمنا صحّته إلّا انّه غير ثابت هنا و لا موجود في محلّ البحث عند التأمّل و التحقيق بالفكر الصائب و النظر الدقيق فإنّه لا معنى للاستصحاب كما حقّق في محلّه إلّا ثبوت الحكم بالدليل في وقت ثمّ إجراءه في وقت ثان لعدم قيام دليل على نفيه مع بقاء الموضوع في الوقتين و عدم تغيّره في الحالين فثبوت الحكم في الوقت الثاني متفرّع على ثبوته في الوقت الأوّل و إلّا فكيف يمكن إثباته في الثاني مع عدم ثبوته أوّلًا و استصحاب عدم المذبوحية في المسألة لا يوجب الحكم بالنجاسة كما توهّموه لأنّ النجاسة لم تكن ثابتة في الوقت الأوّل و هو وقت الحياة و بيانه انّ عدم المذبوحيّة لازم أمرين أحدهما الحياة

32

و ثانيهما الموت حتف الأنف و الموجب للنجاسة ليس هذا هو اللازم من حيث هو بل ملزومه الثاني أعني الموت حتف الأنف فعدم المذبوحيّة اللازم للحياة مغاير لعدم المذبوحيّة اللازم للموت حتف الأنف و المعلوم ثبوته في الزمن الأوّل هو الأوّل لا الثاني و ظاهر انّه غير باق في الوقت الثاني. و بما ذكرنا لك من التحقيق الرشيق في المقام يظهر لك ما في كلام أولئك الأعلام أعلى الله تعالى درجاتهم في دار السلام و رفع مقاماتهم في جوار الملك العلّام و الله العالم بحقائق أحكامه

المسألة الثامنة عشرة قال سلّمه الله: ما قول شيخنا في هذا الحديث ما ثبت إيمان في قلب هوزي و لا حوزي

و نقله صاحب البحار حتّى عدّ سبعة و نرى من ثقاة رجال الحديث أهوازيين و ما تقول في الحويزة و السكنى فيها و هي ذكرها صاحب القاموس انّ الحويزة مصغّر حوزة قصبة في خوزستان و ما تعريف النسبة التي ينسب بها الإنسان إلى بلد من البلدان هل هو في ولادته فيه و نشأته فيه أم بكثرة الاستيطان فيه و لو هاجر عنه و استوطن غيره و هل ينتفي منه و ينتسب إلى الثاني أم إلى الأوّل أم إلى أطولهما مدّة في اللبث فإذا استوطن بلداً ثالثاً فكذلك أم لا و ما الرابع و ما الخامس و هلم جرّا أم تضيع نسبته أم ينتسب إليها كلّها كما قيل في النبيّ (صلى الله عليه و آله) المكي الأبطحي المدني التهامي فأفدنا أفادك الله؟ الجواب: انّ ما ذكرتموه من الحديث لم أقف عليه و لا أدري في أي موضع هو من كتاب البحار لا رجع إليه. و كيف كان فإنّه لا ينبغي الرجوع عن المعلوم بالموهوم و لا الأمر المحقّق بالمظنون فإنّ إيمان أهل هذه البلدان من اليقين الذي لا يخالطه شكّ و لا شبهة لا سيّما ما ذكرت من الرواة و خصوصاً من بينهم علي بن مهزيار الذي قد علم من الأخبار علوّ منزلته عند الأئمّة الأبرار (صلوات الله عليهم) مع أنّ الذي في الخبر الذي نقلتم إنّما هو هوزي و البلد إنّما هي الأهواز و النسبة إليها أهوازي و هكذا الحويزة و الذي في الخبر إنّما هو حوزي فلعلّ ذلك نسبة إلى أمكنة اخرى و قبائل من الناس كانت في تلك الأوقات. و بالجملة فإنّ الكلام في هذا الخبر يتوقّف على مراجعته و صورة عبارته فإنّ الكلام يتبع بعضه بعضاً و قرائن سياقه ربّما دلّت على ما يراد منه و لا يحضرني الآن

33

الكلام فيه بوجه و قائله (عليه السلام) أعلم. و امّا ما ذكرتم من النسبة فهي من الأُمور العرفية ليس لها تحديد في الشرع و لا ريب في حصولها بالتولّد في البلد مع التوطّن فيه سيّما مع الامتداد من زمان الآباء و الأجداد و الظاهر عرفاً استمرار هذه النسبة و إن خرج من بلده و توطّن غيرها كما يراه الإنسان الآن في نفسه إلّا أنّه إذا طال توطّنه في البلد الثانية ربّما نسب إليها أيضاً امّا إبقاء النسبة الأُولى كما هو الغالب أو مع زوالها. و كيف كان فالظاهر انّ المراد من تحقيق هذا السؤال الثاني إنّما من حيث التوطّن في هاتين البلدين و توهّم شمول الخبر للمتوطّن فيهما و الظاهر انّ الأمر ليس كما ربّما يتوهّم من الطعن على أهل هاتين البلدين و التأويل في الخبر المذكور ممّا لا بدّ منه أو ردّه إلى قائله من باب التسليم ما لأنت له قلوبكم فاقبلوه و ما اشمأزت منه فردّوه إلينا و الله العالم.

المسألة التاسعة عشرة قال سلّمه الله تعالى: ما قول شيخنا في الحصّة التي يأخذها الجائر من حاصل الأرض المملوكة

و من ثمر النخل و غيرها بالمقاسمة و ما تقول في القسط الذي يجعله عليها من الدراهم و ما تقول في القسط الذي يجعله على أرباب الصنائع و التّجار و على القول بإباحة أخذه له لو أتى جائرا آخر و انتزع الحكومة من يده هل يباح له أخذ ذلك القسط و الحصّة قبل قبضه لها في تلك السنة أم لا؟ أفتنا أيّدك الله الجواب: إنّ هذه المسألة لا تخلو من الإجمال و ذلك لأنّ هذا الجائر إمّا أن يكون ممّن يدّعي الإمامة كحكّام المخالفين أو لا كحكّام الشيعة و هذه الأراضي التي يؤخذ منها أو من نخيلها امّا أن تكون خراجيّة يعني من الاراضي المفتوحة عنوة أولًا و حينئذ فالكلام يقع في مقامين: الأول: ان تكون الأرض خراجيّة و الحاكم ممّن يدعي الإمامة كما هو الآن و سابقاً أيضاً في أرض العراق فإنّها من الأراضي التي فتحت عنوة و إن كان الذي فتحها إنّما هو الثاني في زمن خلافته لكن ظاهر الروايات عدّها في الأراضي الخراجية كما سار به أمير المؤمنين (عليه السلام) في وقت خلافته في هذه الأراضي و لعلّه حيث كان الفتح برضاه و إجازته (عليه السلام) و الحكم في هذه الأراضي أعني ما افتتحت عنوة هو أنّ عامرها وقت

34

الفتح للمسلمين يقبله الإمام و يصرف حاصله في مصالح المسلمين و مواتها فهو للإمام (عليه السلام) من الأنفال لعموم الأخبار الدالّة على أنّ من جملة الأنفال موات الأرضين الشامل لهذه الأرض و غيرها. و قد صرّح جمهور الأصحاب بأنّه مع فقد الإمام (عليه السلام) أو عدم بسط يده و تصرّف أئمّة الجور في هذه الأرض و أخذهم منها الخراج و المقاسمة بدعوى الإمامة فإنّه يجوز شراء ذلك و قبول اتهابه و إن كان تصرّف أولئك الحكّام ليس على وجه شرعي و على ذلك يدلّ جملة من الأخبار أيضاً، و منها: صحيحة أبي عبيدة

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل منّا يشتري من السلطان من إبل الصدقة و غنم الصدقة و هو يعلم انّهم يأخذون منهم أكثر من الحقّ الذي يجب عليهم قال: فقال: ما الإبل إلّا مثل الحنطة و الشعير و غير ذلك لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه قيل: فما ترى في مصدّق يجيئنا فيأخذ صدقات أغنامنا فنقول: بعناها فيبيعناها فما تقول في شرائها منه؟ فقال: إن كان قد أخذها و عزلها فلا بأس، قيل له: فما ترى في الحنطة و الشعير يجيئنا القاسم فيقسم لنا و يأخذ حظّه فيعزله بكيل فما ترى في شراء ذلك الطعام منه؟ فقال: إن كان قبضه بكيل و أنتم حضور فلا بأس بشرائه منه من غير كيل

و نحوها غيرها من الأخبار و هذا الذي يؤخذ من الأراضي الخراجيّة. امّا أن تكون حصّة من الحاصل و تسمّى بالمقاسمة أو دراهم و دنانير يجعلها عليهم و يسمّى بالخراج و الحكم فيه كما عرفت من أنّه متى أخذه الجائر و إن كان ظالماً في أخذه لكن الأئمّة (عليهم السلام) وسّعوا للشيعة في اتهابه منهم و جواز شرائه و أقرّوا الشيعة على إعطائهم لهم من زكاة و غيرها. و امّا ما ذكرتموه من القسط الذي يؤخذ على أرباب الصنائع و التّجار فهذا ظلم محض لا يجري فيه الحكم المتقدّم. و امّا ما ذكرتم من أنّه لو أتى جائر آخر و انتزع الحكومة من يده هل يباح له أخذ ذلك القسط و الحصّة قبل قبضه لها في تلك السنّة أم لا؟ فالجواب عنه إنّما ذكرناه من الحكم المتقدّم إنّما يترتّب على دعوى هؤلاء الإمامة و انضم التصرّف في ذلك من هذه الجهة. و حينئذ فمرجع الأمر إلى الإمام منهم

35

و الخليفة الذي ينصبونه و ينفقون عليه كما هو المعلول في الصدر الأوّل الذي عليه بزعمهم المعوّل و هو السلطان فكلّ من نصبه الخليفة المذكور في بلد من البلدان و قطر من الأقطار فحكمه حيث كان نائباً عنه حكم ذلك الخليفة فلو انّ أحداً اعتدى على هذا النائب و غصب ما تحت يده من غير إذن السلطان و الخليفة الأصلي فإنّه لا تجري عليه هذه الأحكام التي قدمناها. المقام الثاني: أن يكون الحاكم الجائر من قبيل الحكّام العجم الذين لا يدعون الإمامة سواء كان ما يأخذ منه الخراج من الأراضي الخراجية المفتوحة عنوة أو ليس كذلك كأرض فارس و نحوها فهل يكون حكمه حكم خلفاء الجور الذين قدّمنا ذكرهم نظراً إلى إطلاق النصوص و الفتوى أم لا نظراً إلى أنّ أولئك إنّما أخذوا ذلك بناءً على ما يدعونه و يعتقدونه من استحقاقهم ذلك بالإمامة التي يدعونها بخلاف حكّام الشيعة لاعترافهم بكونه ظلماً و انّهم لا يستحقّونه شرعاً و إنّما المرجع فيه إلى رأي الحاكم الشرعي و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك باستظهار الثاني حيث قال: و الظاهر انّ الحكم مختصّ بالجائر المخالف للحقّ إلى أن قال: و وجه التقييد أصالة المنع إلّا ما أخرجه الدليل و تناوله المخالف متحقّق و المستول عنه الأئمّة (عليهم السلام) إنّما كان مخالفاً للحقّ فيبقى الباقي و إن وجد مطلق فالقرائن دالّة على إرادة المخالف منه التفاتاً إلى الواقع أو الغالب انتهى كلامه زيد مقامه و هو جيّد. إلّا أنّه (قدس سره) أيضاً ما لفظه المقاسمة حصة من حاصل الأرض يؤخذ عوضها عن زراعتها و الخراج مقدار من المال يضرب على الأرض أو الشجر حسب ما يراه الحاكم و نبه بقوله باسم المقاسمة و اسم الخراج على أنّهما لا يتحقّقان إلّا بتعيين الإمام العادل إلّا إنّما يأخذه الجائر في زمن تغلّبه قد أذن أئمّتنا (صلوات الله عليهم) في تناوله منه و أطبق عليه علماؤنا لا نعلم فيه مخالفاً و إن كان ظالماً في أخذه لاستلزام تركه و القول بتحريمه الضرر و الحرج العظيم على هذه الطائفة و لا يشترط رضي

36

المالك و لا يقدح فيه تظلمه ما لم يتحقّق الظلم بالزيادة على المعتاد أخذه من عامّة الناس في ذلك الزمان انتهى. و ما ذكره (قدس سره) هنا من التعليل للحلّية من قوله لاستلزام تركه و القول بتحريمه الضرر إلى آخره جار بالنسبة إلى حكّام الشيعة أيضاً. و قال بعض فضلاء المتأخّرين: و الظاهر أنّ الأئمّة (عليهم السلام) لمّا علموا انتفاء تسلّط السلطان العدل إلى زمان القائم (عليه السلام) و علموا أنّ للمسلمين حقوقاً في الأراضي المفتوحة عنوة و علموا أنّهم لا يتيسّر الوصول إلى حقوقهم في تلك المدّة المتطاولة إلّا بالتوسّل و التوصّل إلى السلاطين و الأُمراء حكموا (عليهم السلام) بجواز الأخذ منهم إذ في تحريم ذلك حرج و غظاظة عليهم و تفويت لحقّهم بالكلّية انتهى. و هو مؤذن بالعموم أيضاً لحكّام الشيعة و المسألة لا تخلو من الإشكال و إن كان الأوّل و هو ما رجّحه شيخنا الشهيد الثاني هو الأقرب في هذا المجال، هذا في الأراضي الخراجيّة. امّا ما ليس كذلك من الأراضي الغير المفتوحة عنوة فإنّها ملك لأربابها و ليس فيها خراج و لا مقاسمة فما يأخذه الجائر منها سواء كان ممّن يدّعي الخلافة و الإمامة أم لا كحكّام الشيعة الظاهر انّه ظلم محض لا يجوز شراءه و لا قبول اتّهابه كالقسم الأوّل و إلحاقه بالأرض الخراجية غلط محض و قياس صرف هذا و ذيل الكلام في المسألة واسع إلّا أنّ ما ذكرناه كافل بالجواب و زيادة و الله العالم

المسألة العشرون قال سلّمه الله: لو غصب خشب و وضع في سفينة و اشتبه علينا بالخشب الحلال

هل يجوز لنا الركوب فيها و الصلاة أم لا، و لو كان متميّزاً و ركبنا على الحلال و صلّينا عليه هل يجوز لنا ذلك أم لا؟ أفتنا أيّدك الله الجواب: انّ هذه المسألة تشتمل على حكمين: الأوّل: لو اشتبه الخشب الحلال في تلك السفينة بالخشب الحرام فهل يجوز الركوب في تلك السفينة أم لا و الصلاة فيها؟ و الجواب: أنّ مقتضى القاعدة المشهورة بين الأصحاب المؤيّدة بالنصوص في

37

جملة من الأبواب هو التحريم و ذلك لأنّ ما اشتبه بالحرام و كذا بالنجس في المحصور فإنّ حكمه حكم ممّا اشتبه به في الحرمة و النجاسة خلاف غير المحصور و هو الذي تقدّمت فيه الأخبار في المسألة الثامنة من أنّ كلّ شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتّى تعلم الحرام بعينه فإنّ مورد هذه الأخبار بالنسبة إلى غير المحصور. و امّا ما يدلّ من الأخبار على ما ذكرنا من أنّ حكم المشتبه في المحصور حكم ما اشتبه به في الحرمة و النجاسة فمنه أخبار اللحم المختلط ذكيّة بميّتة كصحيحة الحلبي أو حسنته

عن أبي عبد الله (عليه السلام) انّه سئل عن رجل كانت له غنم و بقر و كان يدرك الذكي فيعزله و يعزل الميّتة ثمّ إنّ الميتة و الذكي اختلطا كيف يصنع؟ قال: يبيعه ممّن يستحلّ الميتة و يأكل ثمنه،

و نحوهما حسنته الأُخرى أو صحيحته و منه موثّقة عمّار الواردة في الإنائين المشتبه ظاهرهما بالنجس و أخبار الثوب الطاهر المشتبه بثوب نجس و أخبار الثوب النجس بعضه مع الاشتباه في جميع أجزاء الثوب. و بالجملة: فإنّ القاعدة المذكورة مسلّمة بين جمهور الأصحاب و إن ناقش فيها بعض محقّقي متأخّري المتأخّرين فصاحب المدارك و المحقّق الشيخ حسن في المعالم إلّا أنّا قد استوفينا الكلام في بيان بطلان ما ذهبا إليه في هذا المقام بما لا يحوم حوله نقض و لا إبرام في جملة من كتبنا و زبرنا بما لم يسبق له سابق من علمائنا الأعلام، و لا ريب أنّ السفينة بناءً على ما فرضناه من هذا القبيل و هذه القاعدة و إن لم ترد عنهم (عليهم السلام) بهذا العنوان الذي ذكرناه إلّا أنّ تتبّع أخبار جزئيات الأحكام التي من هذا الباب كلّها متّفقة على ما ذكرناه. و من الظاهر عند المتأمّل بعين التحقيق و الناظر بالفكر الصائب الدقيق انّ جلّ القواعد الشرعية إنّما استفيدت من تتبّع الجزئيات كالقواعد النحويّة المبنيّة على تتبّع كلام العرب كقولهم كلّ فاعل مرفوع و كل مفعول منصوب و نحو ذلك فإنّ هذه الكلّيات لم ترد بهذا العنوان عن العرب و انّما استخرجت من تتبّع كلامهم فكذلك الأحكام الشرعية و إن ورد في بعضها بقواعد كلّية مثل قولهم: كلّ شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام بعينه و نحو

38

ذلك. و بالجملة: فالحكم المذكور عندي ممّا لا شكّ فيه و لا مرية تعتريه. الحكم الثاني: ما لو كان الحلال متميّزاً و كان الركوب و الجلوس و الصلاة إنّما هو على الحلال، و الظاهر أنّه لا مانع من الصحّة هنا فإنّ مجرّد مجاورة الحرام لا تمتنع من جواز التصرّف في الحلال كما لا يخفى على ذوي الكمال و إنّما الإثم على من غصبه و وضعه في السفينة و هذا أمر آخر غير ما نحن فيه و الله العالم

المسألة الحادي و العشرون قال سلّمه الله تعالى: لو ركبنا في سفينة و غصب صاحبها ملاليحها لجرّها

و العمل فيها هل يجوز لنا فيها الركوب و الصلاة أم لا؟ أفتنا في ذلك أيّدك لله الجواب: إنّي لم أقف في هذا المقام على كلام لأحد من علمائنا الأعلام إلّا أنّ الذي يقتضيه النظر بالنسبة إلى أصالة براءة الذمّة هو جواز الركوب و الصلاة في السفينة المذكورة إذ لا تعلّق للغصب بذلك و غاية ما به ثبت هنا هو تعلّق الإثم بصاحب السفينة حيث جبر هؤلاء على جرّها و الخدمة فيها. و امّا من جلس فيها فلا يتعلّق به شيء من ذلك و نظير ذلك من ركب دابّة و غصب شخصاً على أن يسوقها به فهذا الغصب لا يوجب تحريم ركوب الدابّة بل غايته هو الإثم بجبره السائق على سوقها، و أمّا نفس الركوب فلا يتعلّق به شيء. و بالجملة: فإنّي لا أعرف هنا وجهاً و لا دليلًا على تحريم الركوب و الأصل براءة الذمّة حتّى يقوم الدليل على ما يوجب اشتغالها و الله العالم.

المسألة الثانية و العشرون قال سلّمه الله تعالى: ما تقول شيخنا في الجسر الذي ينصب على طريق المسلمين

و السفينة التي كذلك كجسر المسيب و سفينة في طريق زيارة سرّ من رأى يصدّون الناس عن العبور في غيرهما و يلجؤون الناس إليها غصباً بحيث لو عبر أحد في غير معبر و في الماء يضربونه و يأخذون منه الأُجرة التي يعينها و هي عباسيّة على السفينة و محمدية و شاهية على الجسر و لو لم يغصبوهم لعبر كلّ واحد منهم في بارتين أو أقلّ مع كون الجسر و السفينة يغصبون خشبها و يعملونها صخرة على الناس و على تقدير عدم الغصبيّة هل له اجرة مثلي أم لا أم

39

الأُجرة التي هو يقطعها باختياره و إرادته فيكون كلّ ما أراد أن يأخذ من الزيادة ممّا لا نهاية له جائزاً له و على تقدير جواز قول المنازع في جواز هذه المسألة لو لقي رجل رجلًا في طريق و عند أحدهما دابّة فقال صاحب الدابّة لذلك الرجل: اركب دابتي و أعطني اجرة عشرين درهماً أو أقلّ أو أكثر و إن لم تركب دابّتي و تعطيني اجرة أمنعك من المسير يكون حلالًا تلك الأُجرة مع كونه اضطرّه إلى دابّته فهذه و ما قبلها واحد في الاضطرار؟ أفدنا أفادك الله الجواب: انّه بمقتضى ما قرّرتموه من هذه المسألة و صورتموه فإنّه لا ريب في تحريم ما يأخذونه على الناس بمقتضى إرادتهم و من المعلوم اليقين الذي لا يدخله الظنّ و لا التخمين انّه يشترط في الأُجرة شرعاً حصول الرضا من الطرفين مع أنّ هؤلاء يحملون الناس على هذه الأُجرة التي عيّنوها لأنفسهم قهراً كره الناس أو رضوا فكيف يثبت حلّيتها و الحال هذه و المنازع في مثل هذا جاهل لا يعبأ به و الوجه الشرعي و المنهج المرعي في مثل ذلك هو أنّه لو وضع أحد سفينة مثلًا على الشط لأجل تعبير الناس و جاءه أحد لأجل العبور فيها فإنّه يقول له: إنّي لا أحملك فيها إلّا بكذا و كذا فإن شئت فاركب و إن شئت فاذهب و اعبر لنفسك في الشط أو بأيّ نحو كان لا أنّه يحجر عليه العبور في غير سفينته و يمنعه من ذلك فلو أنّ أمر هؤلاء كما ذكرنا لم يكن فيه بأس لأنّ صاحب الدابّة و السفينة و نحوهما مخيّر في إجارة دابته و سفينته بما أراد لا أنّه يمنع الناس عن الركوب و العبور في غيرهما و يلجئهم إلى سفينته أو دابّته و من هنا وقع التحريم فيما يأخذونه حيث إنّهم يلجؤن الناس إليه قهراً من حيث منعهم عن العبور فلا علاج انّ هذا المريد للسفر في معبرهم انّه يعطي هذه الأُجرة لا باختياره بل لجبره و إلجاءه إلى ذلك حيث إنّه لا مناص له من الركوب و العبور لقضاء غرضه و مطلبه و هم قد سدّوا عليه الطريق و منعوه من العبور إلّا أن يدفع لهم ما يريدونه و في التحقيق انّه لا فرق في هذا بين أن يأخذوا ذلك منه في مقابلة ركوبه في سفينتهم أو مطلقاً بحيث إنّهم يمنعونه من العبور إلّا أن يعطيهم ذلك كما هو المعمول في الزمان القديم من أخذ الطغمة على الزوّار في أماكن مخصوصة فإنّ الأمرين في

40

الوقع يرجعان إلى أمر واحد و هو جبره على هذا المبلغ و المنازع فيما قلناه جاهل و مركب فإنّ هذا بمقتضى القوانين الشرعية و الشريعة المحمّدية و الله العالم

المسألة الثالثة و العشرون قال سلّمه الله تعالى: مسألة في السيّار الذي يؤخذ من التجّار و المسافرين من الزائرين

و المتردّدين يأخذه أهل الجاه و أهل القدر عند الظلمة و عند أشرار العرب و المعادين المعاندين يأخذون منهم شيئاً من المال على دفع الشرّ و الحماية بالجاه فقط هل يحلّ لهم ذلك أم لا و إذا كان السّيار بالسيف و القتال فهل يجوز عليه الأُجرة أم لا؟ الجواب: إنّ هذا السؤال لا يخلو من الإجمال فإنّي لا أعرف للحماية بالجاه معنى يوجب صحّة أخذ المال عليه و هذا السّيار الظاهر انّ المراد به البذرقة للقوافل بأن يعطى المسافرون شيئاً من المال لمن يدفع عنهم العدوّ في الطريق و يكون سبباً في حراستهم و حفظهم لتوصلهم إلى مكان الأمن و هذا من قبيل الإجارة فإذا حصل التراضي من الجميع على مبلغ مخصوص بأن يسيرهم و يحميهم و يكون معهم إلى المحلّ الذي وقع عليه الاتّفاق و التراضي فلا بأس و ما عدا ذلك فلا أعرف له معنى يترتّب عليه الحلّ أو التحريم سيّما ما ذكرتم من السّيار بالجاه و الذي يدلّ على ما ذكرناه ما رواه الشيخ في (التهذيب) و الصدوق في (الفقيه) في الصحيح عن الصفّار

انّه كتب إلى أبي محمّد الحسن بن عليّ (عليهما السلام): رجل يبذرق القوافل من غير أمر السلطان في موضع مخيف و يشارطونه على شيء مسمّى أن يأخذ منهم إذا صاروا إلى الأمن، هل يحلّ له أن يأخذ منهم أم لا؟ فوقّع (عليه السلام): إذا واجر نفسه بشيء معروف أخذ حقّه إن شاء الله

أقول: و بذلك صرّح العلّامة (رحمه الله) في كتاب المنتهى فقال: و لا بأس للرجل أن يأخذ الأُجرة على بذرقة القوافل و حمايتها عملًا بالأصل الدالّ على الإباحة و لأنّها في محلّ الحاجة و الضرورة تبيح ذلك، ثمّ أورد الخبر المذكور و الله العالم

المسألة الرابعة و العشرون قال سلّمه الله تعالى: مسألة عن التحنّك و ما كيفيّته

فقد اختلفنا في الكيفية فبعضنا يقول: إنّه إسدال طرف العمامة على الصدر و بعضنا يقول: التحنّك دوران جزء من العمامة تحت الحنك و ردّه إلى العامّة و بعضنا يقول

41

وضع جزء من العمامة تحت الحنك لما ورد انّه يكره الصلاة في عمامة لا حنك لها، فكيف يكون حنّاكاً بوضع طرف العمامة على صدره و لا يعد عند من يراه انّه متحنّك، بل كيف يكون متحنّكاً مع بقاء العمامة ثلاثة أيّام أو أكثر خصوصاً عمائم البيض الميازر الهندية ربّما تبقى شهراً لا تفلّ فكيف يكون متحنّكاً و عمامته جمّاً مقطوعة و ورد في الحديث

: إنّ رسول الله (صلى الله عليه و آله) نهى عن الاقتعاط و أمر بالتلحي

و ذكر صاحب القاموس التلحي هو وضع العمامة تحت اللحيين و احتج المنازع في هذه المسألة في كيفية عمامة رسول الله (صلى الله عليه و آله) انّ لها رغزتان واحدة يسدلها على صدره و واحدة بين كتفيه و انّه لم يترك سنّته (صلى الله عليه و آله) و الأئمّة كذلك فلذلك التجأوا إلى هذا التعليل العليل فأجبنا فإنّ جوابك عليه التعويل الجواب: إنّ هذه المسألة مما استقصينا فيها الكلام بإبرام النقض و نقض الإبرام بما لم يسبق إليه سابق من علمائنا الأعلام في كتابنا الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة في مسألة استحباب التحنّك في الصلاة و لنا فيه بحث مع شيخنا المجلسيّ (قدس سره) في كتاب البحار سيأتي الإشارة إليه إن شاء الله تعالى و نحن هنا نلخّص ما ذكرناه في الكتاب المذكور على وجه يتّضح به المقام و تزول عنه غشاوة الإبهام فنقول: اعلم أيّدك الله تعالى بتأييده انّ المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) كراهة الصلاة في عمامة لا حنك لها، و قال الصدوق (قدس سره) في كتابه: و سمعت مشايخنا (رضوان الله عليهم) يقولون لا تجوز الصلاة في الطابقية و لا يجوز للمقيم أن يصلّي إلّا و هو متحنّك انتهى. و جملة من متأخّري متأخّري الأصحاب كالسيّد في المدارك و شيخنا البهائي و غيرهما صرّحوا بأنّ المستفاد من الأخبار كراهة ترك التحنّك في حال الصلاة و غيرها و لا خصوصية للصلاة بذلك و إنّما يكون دخولها من حيث العموم. أقول: و الذي وقفت عليه في الأخبار المتعلّقة بالتحنّك منه ما ورد في التعمّم مثل حسنة بن أبي عمير عمّن ذكره

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من تعمّم و لم يتحنّك

42

فأصابه داء لا دواء له فلا يلومنّ إلّا نفسه

و نحوها رواية عيسى بن أبي حمزة و من هاتين الروايتين استفيد العموم للصلاة و غيرها كما تقدّم نقله عن الأفاضل المذكورين. و منه ما ورد في الخروج للسفر كما في موثّقة عمّار. و منه السعي في الحاجة كما رواه الصدوق مرسلًا. إذا عرفت ذلك فاعلم انّ ظاهر الخبرين الأوّلين هو استحباب التحنّك مطلقاً كما ذكرناه و إليه ذهب من قدّمنا ذكره و مقتضى ذلك أنّ السنّة في العمامة هو التحنّك بها دائماً و التحنّك لغة عبارة عن إدارة طرف العمامة تحت الحنك كما سنقف عليه إن شاء الله تعالى مع أنّ المستفاد من جملة من الأخبار انّ السنّة فيها إنّما هو الإسدال كما رواه الكليني في الصحيح

عن الرضا (عليه السلام) في قول الله عزّ و جلّ

(مُسَوِّمِينَ)

قال: العمائم اعتمّ رسول الله (صلى الله عليه و آله) فسدلها بين يديه و من خلفه و اعتمّ جبرئيل فسدلها بين يديه و من خلفه

و

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كانت على الملائكة العمائم البيض المرسلة يوم بدر

و

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: عمّم رسول الله (صلى الله عليه و آله) عليّاً بيده فسدلها بين يديه و قصرها من خلفه قدر أربع أصابع ثمّ قال: أدبر فأدبر ثمّ قال: اقبل فأقبل ثمّ قال: هكذا تيجان الملائكة

و في حديث خروج الرضا (عليه السلام) لصلاة العيد بأمر المأمون قال ياسر ناقل الحديث

: و اعتمّ بعمامة بيضاء من قطن ألقى طرفاً منها على صدره و طرفاً بين كتفيه

و نحوها أخبار أُخر أيضاً. و مقتضى هذه الأخبار انّ السنّة في العمامة دائماً إنّما هو الإسدال كما تضمّنته هذه الأخبار و هو ظاهر المنافاة لظاهر الأخبار المتقدّمة الدالّة على أنّ السنّة فيها إنّما هو التحنّك. و ممّا ذكرنا علم أنّ التحنّك و الإسدال أمران متغايران كما سيظهر لك في المقام و انّ الأخبار قد اختلفت في أنّ السنّة في التعمّم هل هي التحنّك كما هو المشهور و عليه دلَّ ظاهر الخبرين المتقدّمين أو الإسدال كما دلّت عليه هذه الأخبار و شيخنا المجلسي عطّر الله مرقده في كتاب البحار حاول في الجمع بين الأخبار المذكورة بحمل الإسدال على التحنّك فجعل الإسدال تحنّكاً و زعم دلالة كلام جملة من علماء اللغة على ما ذكره و قد نقلنا كلامه في الكتاب المشار إليه و بيّنا ما فيه من

43

السهو الظاهر الذي لا يخفى على الخبير الماهر فإنّ التحنّك لغةً و عرفاً كما صرّح به أصحابنا (رضوان الله عليهم) إنّما هو إدارة جزء من العمامة تحت الحنك من أحد الجانبين إلى الجانب الآخر و الإسدال إنّما هو عبارة عن إرسال طرف العمامة على الصدر أو على القفا من خلفه و يدلّك على ذلك بأوضح دلالة كلام أهل اللغة. قال الجوهري: التحنّك التلحي و هو أن تدير العمامة من تحت الحنك و قال: الاقتعاط شدّ العمامة على الرأس من غير إدارك تحت الحنك، وفي الحديث: نهى عن الاقتعاط و أمر بالتلحي و قال: التلحي تطويق العمامة تحت الحنك ثمّ ذكر الخبر و قال في القاموس: اقتعط: تعمّم و لم يدر العمامة تحت الحنك، و قال: تحنّك أدار العمامة تحت حنكه و على هذا النهج كلمات جملة من علماء اللغة. و لا يخفى أنّها كلّها ظاهرة الدلالة في الانطباق على المعنى المشهور و إن تفاوتت في البيان و الظهور و لا سيّما عبارة الجوهري و قوله: التلحّي تطويق العمامة تحثك أي جعلها كالطوق و هو المراد من الإدارة و أين هذا من الإسدال الذي هو إرسال طرف العمامة على الصدر و يزيدك إيضاحاً لما ذكرناه انّ الحنك على ما ذكره أهل اللغة إنّما هو ما انحدر عن الذقن و ما حاذاه من دخل الفم. قال في كتاب مجمع البحرين: و الحنك ما تحت الذقن من الإنسان و غيره أو أعلى داخل الفم و الأسفل في طرف مقدّم اللحيين من أسفلهما. أقول: و على المعنى الثاني ورد استحباب تحنيك المولود بالحلو و ماء الفرات و التربة أي جعل ذلك في حنكه و هو أعلى داخل الفم و منه يظهر انّ التحنيك و هو الإمرار بالعمامة على الحنك الذي هو تحت الذقن غير الإسدال الذي هو عبارة عن رمي طرف العمامة و إرساله من اليمين أو اليسار بحيث يمرّ بأعلى إحدى اللحيين لا بالأسفل منهما. و بالجملة: فالأمر في ذلك أظهر من أن يحتاج إلى مزيد بيان على ما ذكرناه. إذا عرفت ذلك فاعلم انّه قد ظهر ممّا شرحناه المنافاة بين أخبار التحنيك الدالّة بظاهرها على أنّ السنّة هو التحنّك بالعمامة دائماً و اخبار الإسدال الدالّة على أنّ

44

السنّة في العمامة هو الإسدال دائماً، و الذي يقرب بالبال في الجمع بين هذه الأخبار هو أن يقال: لا ريب انّ أخبار التحنّك بعضها دلّ على استحبابه للسفر و بعضها دلَّ على استحبابه للسعي في قضاء الحاجة و بعضها بمجرّد التعمّم. و لا يخفى انّ المنافي لأخبار الإسدال إنّما هي أخبار القسم الثالث حيث انّها كما فهمه الأصحاب تدلّ على دوام ذلك و استمراره ما دام معتمّاً مع أنّ أخبار الإسدال دلّت على أنّ السنّة إنّما هي الإسدال دائماً ما دام معتمّاً، و حينئذ فيمكن القول ببقاء أخبار الفردين الأولين على ظاهرهما من غير تأويل إذ لا منافي لها إذ موردها خاص بهذين الفردين و يجب تخصيص أخبار الإسدال بها بمعنى أنّه يستحبّ الإسدال في هاتين الحالتين. و أمّا أخبار القسم الثالث فينبغي حملها على أنّ المراد التحنّك وقت التعمّم بمعنى أنّه بعد تمام التعمّم يدير طرف العمامة الباقي تحت حنكه و يتطوّق به لا دائماً كما فهمه الأصحاب، بل في هذا الوقت خاصّة و يشير إلى ذلك ظاهر الأخبار المذكورة فإنّ ظاهر قوله (عليه السلام)

من تعمّم و لم يتحنّك

من حيث كونه حالًّا من الفاعل في قوله: تعمم و الحال قيد في فاعلها يعطي أنّ التحنّك وقت التعمّم، و أمّا استمرار ذلك فيحتاج إلى دليل و ليس فليس و حينئذ فتبقى أخبار الإسدال على ظاهرها فيكون المستحبّ دائماً إنّما هو الإسدال و التحنّك مخصوص بهذه الصور الثلاث المذكورة أعني التحنّك وقت التعمّم خاصة مع الفردين الأخيرين و لا يحضرني الآن وجه جمع بينها سوى ما ذكرته و الله العالم.

[المسألة الخامسة و العشرون و فيها ثلاث مسائل فقهية متنوعة]

المسألة الخامسة و العشرون ما قول شيخنا في الحصرم و الزبيب هل يلحقان بالعنب أم لا المسألة السادسة و العشرون ما قول شيخنا في إباحة مال الكتابيين المتظاهرين بالمناكير المسألة السابعة و العشرون ما قول شيخنا في السامرة و الصابئين هل هما من الحربيين أم من الكتابيين المسألة الثامنة و العشرون في مال الطفل إذا كان عليه وصيّ من قِبَل مورثه المسألة التاسعة و العشرون ما تقول فيما ورد من الروايات الواردة في النهي عن حمل الحديد في الصلاة المسألة الثلاثون ما قول شيخنا في المال المغصوب لو أخذه من يعلم بغصبيّته بعوض من الغاصب المسألة الحادية و الثلاثون ما قول شيخنا في الكراهة الواردة في حمل السفر التي فيها اللحم و الحلاوات المسألة الثانية و الثلاثون ما قول شيخنا في وقوف المنفرد عن يمين الإمام هل هو على الاستحباب أم على الوجوب المسألة الثالثة و الثلاثون ما قول شيخنا في محاذاة المرأة للرجل في الصلاة هل هي مبطلة لصلاة اللاحق منهما أم لا المسألة الرابعة و الثلاثون الإقامة هل هي من قواطع السفر أم لا المسألة الخامسة و العشرون قال سلّمه الله تعالى: ما قول شيخنا في الحصرم و الزبيب هل يلحقان بالعنب أم لا، و القائل بإباحته إنّما أخرجه بالتسمية و كثير من يسمّي الحصرم عنباً فإن كان إباحته من غير دليل شرعي و رجع فيه إلى العرف بالتسمية فهي مختلفة فتارةً يسمّى عنباً و تارةً يسمّى حصرماً و عصير العنب هل هو نجس أم لا؟ أفتنا أيّدك الله.

الجواب: إنّ هذا السؤال يشتمل على مسائل ثلاث قد حقّقناها كما هو حقّها في الجلد الثاني من كتاب الطهارة من كتابنا الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة

45

وفّق الله تعالى لإتمامه و الفوز بسعادة ختامه، و لا بدّ هنا من بيان ما يتعلّق بكلّ منها من البحث الكاشف عنها نقاب الإبهام على وجه لا يداخله النقض و الإبرام كما هي قاعدتنا في جميع الأحكام فنقول:

الاولى: في الحصرم

لا ريب أنّ مقتضى الأصل و العمومات آية و رواية هو حلّ ماء الحصرم و إن طبخ و لم يذهب ثلثاه و روايات العصير مختصّة بماء العنب و الحصرم ليس بعنب اتّفاقاً و قولكم: إنّ كثيراً من يسمّي الحصرم عنباً غلط محض فإنّه لا قائل بذلك إلّا أن يكون من جهّال الناس الذين لا يعبأ بقولهم بل لا أظنّه أيضاً و قد صرّح أصحاب اللغة و الفقهاء بأنّ الحصرم غير العنب.

قال في القاموس: الحصرم كزبرج الثمر قبل النضج و ظاهره العموم للعنب و غيره و إنّ التسمية بذلك مختصّة بما قبل النضج.

و قال في كتاب المصباح المنير: و مثله في كتاب مجمع البحرين و الحصرم أوّل العنب ما دام حامضاً و مراده أنّ الحصرم اسم للمرتبة الاولى من مراتب العنب ثمّ إذا نضج وحلا سمّي عنباً و إذا يبس سمّي زبيباً فهذه أسماء لمسمّى واحد باختلاف الحالات التي تعتور عليه و هذا كثمر النخل في مراتبه.

قال في الصحاح: في ثمر النخل أوّله طلع ثمّ خلال ثمّ بلح ثمّ بسر ثمّ رطب ثمّ تمر.

و قال في كتاب المصباح المنير: العنب جمعه أعناب و العنبة الحبّة منه، و لا يقال له عنب إلّا و هو طري فإذا يبس فهو الزبيب و هو ظاهر كما ترى في تخصيص العنب بما إذا اكتسب الحلاوة لأنّ الحصرم متى يبس لا يسمّى زبيباً.

و بالجملة: فإنّه لا خلاف في مغايرة الحصرم للعنب لغةً و عرفاً و الأحكام الشرعية إنّما تبنى على التسمية و تدور مدارها هذا و من القواعد المقرّرة في كلام الفقهاء انّ اللفظ مع عدم وجود الحقيقة الشرعية يجب حمله على العرف الخاص أعني عرف الأئمّة (عليهم السلام) و مع عدمه فعلى الحقيقة اللغوية و مع عدمها فعلى العرف العام و لا ريب انّ الحصرم لا يسمّى عنباً لا لغةً و لا عرفاً كما عليه كافّة الأصحاب و إليه يشير أيضاً كثير من الأخبار و ممّا يزيدك بياناً لما ذكرناه و يعلن لك برهاناً فيما

46

سطّرناه انّ الأخبار الواردة في العصير العنبي حلًّا و حرمةً قد اتّفقت على أنّ مناط التحليل ذهاب الثلثين الذي يصير به العصير ذا قوام و غلظ و يكون دبساً.

و من الظاهر انّ الحصرم لعدم الحلاوة لا ينعقد بالطبخ و يصير دبساً كما لا يخفى.

و كيف كان فإنّه لا يخفى أنّ ما توهّموه من دخول الحصرم تحت العنب توهّم ساقط بعيد من مثلكم.

الثانية: في الزبيب

و المشهور بين الأصحاب انّه حلال و إن غلا و لم يذهب ثلثاه و قيل بتحريمه و إليه ذهب بعض من متأخّري المتأخّرين و ذيل الكلام في المقام واسع كما بسطناه في كتابنا المشار إليه آنفاً و عندي في المسألة توقّف و إن كان الأقرب القول المشهور لما أوضحناه في الكتاب المذكور و منشأ التوقّف من الروايات التي نقلها في الكافي في طبخ شراب الزبيب و عنوان الباب في الكافي بقوله: باب صفة الشراب الحلال و تلك الروايات قد اشتملت على اعتبار ذهاب الثلثين و عنوان صاحب الكتاب المذكور بما ذكره يؤذن باختياره العمل بتلك الأخبار و إن كان للاحتمال فيها مجال على وجه تخرج به عن الاستدلال و ظاهر المحدِّث الكاشاني في المفاتيح الميل إلى القول بالتحريم.

و كيف كان فالاحتياط به ممّا لا ينبغي تركه لكن ينبغي أن يعلم أنّ ذلك ممّا يترتّب على ماء الزبيب، امّا بأن يؤخذ ماؤه و يغلى أو يغلي الزبيب على وجه يخرج ماؤه و تتعدّى حلاوته و يغلى و الحال كذلك و أمّا مجرّد وضع الزبيب في الطبخ على وجه لا يتعدّى ماؤه و لا يغلي به الماء و لا بأس به بغير إشكال و الله العالم.

الثالثة: في نجاسة العصير العنبي

و هو المشهور في كلام المتأخّرين بل ظاهره في المختلف نسبة ذلك إلى جمع من المتقدّمين كالشيخ المفيد و الشيخ أبي جعفر و السيّد المرتضى و أبي الصلاح و سلّار و ابن إدريس، إلّا أنّ كلام المتأخّرين لا يخلو من اختلاف في تعلّق النجاسة فبعضهم علّق ذلك على مجرّد الغليان و بعضهم على الاشتداد و لم نقف على دليل.

و العجب انّه مع تكرّر ذكره في كلامهم لم يوردوا عليه دليلًا.

قال في الذكرى: و لا نصّ على نجاسة غير المسكر و هو منتف هنا.

و قال في البيان أيضاً لم أقف على نص يقتضي تنجيسه إلّا ما دلّ على نجاسة

47

المسكر لكنّه لا يسكر بمجرّد غليانه و اشتداده.

و نقل المحقّق الشيخ حسن في المعالم عن والده عطّر الله مرقديهما في المسائل انّ نجاسته من المشاهير بغير أصل.

و استدلّ المحدِّث الأمين الأسترآبادي (قدس سره) في تعليقاته على المدارك على نجاسته بصحيحة عمّار قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل من أهل المعرفة يأتيني بالبختج و يقول: قد طبخ على الثلث و أنا أعرفه أنّه يشربه على النصف فقال: خمر لا تشربه، قال: و إطلاق الخمر عليه يقتضي لحوق حكمه به.

أقول: هذه الرواية بهذا المتن قد رواها الكليني في الكافي و الشيخ في التهذيب عن معاوية بن عمّار، و أمّا ما ذكره عن محمّد بن عمّار فالظاهر انّه سهو من قلمه (قدس سره) و أيضاً في سند الرواية يونس بن يعقوب و حديثه عندهم معدود في الموثّق بتصريح جملة من علماء الرجال بكونه فطحيّاً و إن كان ثقة هذا المتن الذي نقله هو الذي في التهذيب.

و أمّا متن الرواية في الكافي فهو عار عن لفظ الخمر و هذه صورته: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج و يقول: قد طبخ على الثلث و أنا أعلم انّه يشربه على النصف، أ فأشربه بقوله و هو يشربه على النصف؟ فقال: لا تشربه.

و على هذه الرواية فلا دلالة في الخبر.

و العجب من صاحبي الوافي و الوسائل انّهما نقلا الرواية بالمتن الذي في الكافي عن الكتابين و لم ينتهيا لما في البين.

و كيف كان فالاعتماد على ما في التهذيب مع خلوّ الكافي عن ذلك لا يخلو من الإشكال بما أوضحناه من غير مقام ممّا وقع للشيخ (رضي الله عنه) من التحريف و الغلط و الزيادة و النقصان في الأخبار سنداً أو متناً و قل ما يخلو خبر من ذلك كما تحذيناه في قراءة بعض الاخوان الكتاب علينا و مع الاغماظ عن ذلك فإثبات النجاسة بهذه اللفظة لا يخلو من نظر إذ التشبيه لا يقتضي أن يكون من كلّ وجه و لعلّ ذلك إنّما هو بالنسبة إلى التحريم المتّفق عليه.

و بالجملة: فأصالة الطهارة أقوى مستمسك في البين إلى أن يقوم الدليل على الخروج عنها رأى العين و إلى ذلك مال جملة من محقّقي متأخّري المتأخّرين و هو الذي لا يعتريه الرين و لا المين و الله العالم.

48

المسألة السادسة و العشرون قال سلّمه الله تعالى: ما قول شيخنا في إباحة مال الكتابيين المتظاهرين بالمناكير

و ما قولك في الكتابيين الساكنين في غير بلدان المسلمين هل يجوز قتلهم و استرقاقهم إذا دخلوا في بلدان المسلمين أو إذا لقوا في الطريق أو في البحر كفعل الكعب بهم هل يحلّ مالهم و دمائهم مع الامتناع من الشهادتين أم لا؟ أفتنا أيّدك الله.

الجواب: انّ الظاهر كلام جملة من الأصحاب منهم المحقّق في الشرائع و شيخنا الشهيد الثاني في المسالك و سبطه السيّد السند في شرح النافع و غيرهم هو الحلّ في هذه المسألة لأنّهم متى أخلّوا بشرائط الذمّة كانوا في حكم المشرك الحربي الذي لا خلاف في حلّ ماله و دمه.

قال في الشرائع: و يختصّ الرق بأهل الحرب دون اليهود و النصارى و المجوس القائمين بشرائط الذمّة و لو أخلّوا دخلوا في قسم أهل الحرب.

و قال السيّد السند في شرح النافع بعد قول المصنّف في المتن نحو هذه العبارة التي ذكرها في الشرائع ما لفظه: و المراد بأهل الحرب من يجوز قتالهم و محاربتهم إلى أن يسلموا و بأهل الذمّة اليهود و النصارى العاملون بشرائط الذمّة و لو أخلّوا بشرائطها صاروا أهل حرب و جاز تملّكهم أيضاً و لا فرق في جواز استرقاق أهل الحرب بين أن ينصبوا الحرب للمسلمين أو يكونوا تحت حكم الإسلام و قهره كالقاطنين تحت حكم المسلمين من عَبدَة الأوثان و النيران و الغُلات و غيرهم إلى آخر كلامه زيد في إكرامه.

و على هذا النهج كلام غيره و يدلّ عليه من الأخبار بالنسبة إلى أهل الذمّة ما رواه الشيخ في القوي عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إنّ رسول الله (صلى الله عليه و آله) قَبِلَ الجزية من أهل الذمّة على أن لا يأكلوا الربا و لا يأكلوا لحم الخنزير و لا ينكحوا الأخوات و لا بنات الأخ و لا بنات الأُخت فمن فعل ذلك منهم برئت منه ذمّة الله و ذمّة رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: و ليس لهم اليوم ذمّة.

و رواه الصدوق في الفقيه و العلل مثله و روى الصدوق بإسناده عن فضيل بن عثمان الأعور عن أبي عبد الله (عليه السلام) في

49

حديث قال: و إنّما أعطى رسول الله (صلى الله عليه و آله) الذمّة و قبل الجزية عن رءوس أولئك بأعيانهم على أن لا يهوّدوا أولادهم و لا ينصروا، و أمّا أولاد أهل الذمّة اليوم فلا ذمّة لهم.

و رواه في العلل مثله إلّا أنّه قال: فأمّا الأولاد و أهل الذمّة اليوم فلا ذمّة لهم، و ممّا يدلّ على ذلك بالنسبة إلى الحري أخبار عديدة منها: موثّقة عبد الله بن بكير عن عبد الله اللحام و هو مجهول قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يشتري امرأة رجل من أهل الشرك يتّخذها أُمّ ولد قال: لا بأس.

و بإسناد آخر أيضاً عن عبد الله بن بكير عن عبد الله اللحام قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يشتري من رجل من أهل الشرك ابنته يتّخذها أُمّ ولد قال: لا بأس و نحوهما غيرهما.

و يظهر من بعض متأخّري المتأخّرين المناقشة هنا فيما إذا كان الحربي في بلاد الإسلام حيث قال بعد نقل جملة من أخبار الحربي الذي يظهر من هذه الأخبار انّ التملّك يحصل بسبي الحربي و من في معناه بالمقاتلة و السرقة و إخراجه من بلادهم التي لم يجر فيها أحكام الإسلام، و أمّا إذا كان الحربي في بلاد يجري فيها أحكام الإسلام مستأمناً أي من غير قتال، بل مطيعاً لحكّام الإسلام و إن كان جائراً في الخراج و المقاسمة و ما يشبهها راضياً منه الحكّام بذلك رافعين عنهم أذى الغير ككثير من بلاد الهند في زماننا هذا فدفع مثلًا ابنه ببيع أو غيره إلى أحد المسلمين فلا سواء أقعده معهم في بلادهم أولى.

و الحاصل انّ الأصل عدم التملّك و استحقاق هذه السلطنة الخاصّة، و لم يظهر من الأخبار و من كلام الأصحاب انّ مجرّد كونهم حربيّين كاف في استملاكهم و استملاك أولادهم و أجاب عن روايتي اللحام بعد استضعاف السند: بأنّ الظاهر انّ المراد بما إذا أخرجها من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، انتهى.

أقول: الظاهر أنّ ما ذكره طاب ثراه لا يخلو من نظر أمّا أوّلًا: فلأنّ ظاهر روايتي اللحام هو العموم كما لا يخفى و الطعن بضعف السند عندنا و عند جملة المتقدّمين غير مسموع و لا معتمد و كذلك ظاهر روايتي زرارة و فضيل المتقدّمين و إن كان موردهما أهل الذمّة إلّا أنّهم مع الإخلال بشرائط الذمّة

50

يكونون في حكم أهل الحرب بلا خلاف و عمومها أظهر من أن يخفى.

و أمّا ثانياً: فإنّ ما ادّعاه من أنّه لم يظهر من كلام الأصحاب انّ مجرّد كونهم حربيّين كاف في استملاكهم و استملاك أولادهم مردود بما عرفت من كلام السيّد السند (قدس سره) في شرح النافع من عدم الفرق في جواز استرقاقهم من أن ينصبوا حرباً للإسلام أو يكونوا تحت حكم الإسلام و قهره إلى آخره فإنّه صريح كما ترى في بطلان ما زعمه و نسبه إلى الأصحاب و نحو كلام السيّد المذكور كلام جدّه (قدس سره) في المسالك حيث قال: و لا فرق في جواز استرقاقهم بين أن ينصبوا الحرب للمسلمين و يستقلوا بأمرهم و يكونوا تحت حكم الإسلام و قهره كمن بين المسلمين من عَبدَة الأوثان و النيران و الغلاة و غيرهم غير أن يكونوا مهادنين للمسلمين بشرائطها المقرّرة في كتاب الجهاد فيجب حينئذ الكفّ عنهم إلى انقضاء المدّة المقرّرة، انتهى.

و هو صريح فيما قلناه و واضح فيما ادّعيناه من بطلان دعواه ما ذكره على الأصحاب في هذا الباب و ظاهرهما انّه لا مخالف في الحكم المذكور و إلّا لأشار إليه.

و بالجملة: فالظاهر من الأخبار و كلام الأصحاب هو الحلّ في الحربي و الذمّي مع عدم قيامه بشرائط الذمّة و من الظاهر عدم قيامه بذلك في هذه الأيّام بل في الأيّام السالفة كما أشار إليه الإمام (عليه السلام) في زمانه فكيف في هذا الزمان الذي انهدمت فيه مراسم الشرع بل الإيمان و علت نار الجور و الطغيان في كلّ ناحية و مكان و الله العالم.

المسألة السابعة و العشرون قال سلّمه الله تعالى: ما قول شيخنا في السامرة و الصابئين هل هما من الحربيين أم من الكتابيين

و اشتراط العلامة في السامرة موافقتهم لأُصول مذهب اليهود فيلحقون بهم أوْ لا فلا، وفي الصابئين بموافقتهم لأُصول مذهب النصارى فكذلك أمر عسير على الفقهاء غير يسير لأنّا من أين لنا معرفة أصول مذاهبهم لعنهم الله.

الجواب: إنّما نقلتموه عن العلامة لا يحضرني الآن إلّا أنّ المفهوم من كلام الأصحاب فيمن يجب قتالهم حيث قسموهم إلى أقسام ثلاثة: أحدها البُغاة على الإمام،