الرسائل الفقهية - ج2

- الشيخ الخواجوئي المزيد...
504 /
7

سلسلة آثار المحقق الخاجوئى (46)

رسالة في أحكام الطلاق

للعلامة المحقق العارف محمد إسماعيل بن الحسين بن محمد رضا المازندراني الخاجوئى المتوفّى سنة 1173 هق تحقيق السيد مهدي الرجائي

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

لقد سئلت عن هذه المسألة غير مرة، لأنها كانت عامة البلوى و مبسوطة الجدوى، فصار ذلك سببا مقدما لنا لتحريرها و تقريرها.

فأقول: و أنا العبد المذنب المفرط المقصر الجاني الفاني محمد بن الحسين بن محمد رضا المشتهر بإسماعيل المازندراني، أنهم عرفوا الطلاق مطبقين عليه بأنه إزالة قيد النكاح بصيغة مخصوصة.

و لا يخفى أنه بظاهره يفيد أنه يزيله و يرفعه رأسا، من غير فرق في ذلك بين طلاق و طلاق، إذ الرجعي منه فيه كالبائن منه، غير أنه يجوز فيه الرجوع دونه فالقول بأنه يرفع حكم الزوجية رفعا متزلزلا يستقر بانقضاء العدة، أقوى من القول بأن خروج العدة تمام السبب في زوال الزوجية، فيكون النكاح الأول باقيا متزلزلا يزول بانقضائها، لأن فيه شائبة التناقض، فان مقتضى الطلاق كما علم زواله، فكيف يكون بعده باقيا مستتبعا لبقاء حكم الزوجية.

قال الشهيد في شرح الإرشاد: الفراق ازالة قيد النكاح بسبب شرعي، و يدخل فيه الطلاق، و هو ازالة قيد النكاح بصيغة طالق من غير عوض.

و الخلع: و هو ازالة قيد النكاح بعوض، بشرط كراهية الزوجة.

10

و المبارأة: و هي إزالة قيد النكاح بعوض مع كراهة الزوجين.

و اللعان: و هو ازالة قيد النكاح بسبب الشهادات المخصوصة.

أقول: فكل ذلك مشترك في إزالة قيد النكاح، و لا يقول أحد في غير الطلاق ان النكاح باق بعد ازالة قيده و لا الزوجية فما بال قوم يقولون في الطلاق الذي هو أيضا إزالة قيد النكاح انه باق بعده، و كذا الزوجية.

و تفصيله: ان ازالة قيد النكاح لما كانت مشتركة بين الكل، فمقتضاها- و هو زوال النكاح و الزوجية- كان أيضا مشتركا بين الكل.

و ذلك لان المقتضي تابع للمقتضى اشتراكا و اختصاصا، فإذا لا بد من القول بزوال النكاح و الزوجية في الطلاق أيضا، إذ لا يفهم من زوال قيد النكاح إلا زوال النكاح، لأن إضافته إليه إضافة اللجين الى الماء.

و على احتمال كون الإضافة بيانية، كان المعنى بحاله، فزواله زواله.

فالقول ببقائه بعد الطلاق قول ببقاء الشيء بعد زواله و رفعه، و هو قول سوفسطائي، لأن رفع كل شيء نقيضه، فبعد عروضه لمعروضه لا يبقى منه عين و لا أثر، كالسواد العارض لمعروض البياض.

و معلوم أن بعد زوال النكاح لا تبقى الزوجية و لا حكمها، لأنها تابعة له، فزواله زوالها، كما أن بقاءه بقاؤها.

و بالجملة بقاء الزوجية بعد الطلاق ملزوم لبقاء النكاح الأول، و قد جعل الطلاق مزيلا له، فيلزم منه أن يكون مزيلا له و غير مزيل.

و بعضهم بعد أن صرح بأنه قد أزال قيد النكاح، صرح بأنه باق بعده، فلما أشعر بما قلناه و رام دفعه أخذ يقول تارة ان الطلاق ازالة قيد النكاح بالفعل و صيره بالقوة. و اخرى أنه لم يزله رأسا، و أخرى أن أثر النكاح الأول لم يزل بالكلية بل يتوقف على انقضاء العدة.

11

ثم بعد ذلك كله يقول: ان النكاح الأول باق غايته أنه متزلزل و استدامته غير ممتنعة، الى غير ذلك من التكلفات المشعرة باضطرابه في توجيه القول الثاني من القولين المذكورين.

ثم قال: و يؤيد الأول تحريم وطئها بغير الرجعة، و وجوب المهر بوطئها على قول، و تحريمها به إذا أكمل العدة.

و يؤيد الثاني عدم وجوب الحد بوطئها، و وقوع الظهار و اللعان و الإيلاء بها، و جواز تغسيل الزوج لها و بالعكس، فهي بمنزلة الزوجة.

أقول: لا تأييد فيه، أما في الأول فلان وطئها و ان لم يقصد به الرجوع رجوع و منه يعلم أنه لم يجب به عليه حد، نعم وطئها بقصد عدم الرجعة مع تذكره و علمه بأن الطلاق قد رفع حكم الزوجية، يوجب عليه الحد.

و منه يعلم ما في هذا التأييد من شبه المصادرة، فإن من يقول بأن الطلاق يرفع حكم الزوجية لا يقول بعدم وجوب الحد عليه بوطئها بقصد عدم الرجعة.

و أما في الثاني، فلان رفع حكم الزوجية لما كان متزلزلا يمكنه رفعه بالمراجعة في العدة، صح منه الظهار و الإيلاء و اللعان، فمناط وقوعها في العدة هو كون رفع حكمها متزلزلا، لإبقاء الزوجية و النكاح متزلزلا، فإنه سفسطة كما سبقت.

و أما في الثالث، فلان جواز التفصيل من الطرفين لعل الوجه فيه أنه غير مشروط ببقاء الزوجية إلى الموت، بل يكفي فيه بقاء المدة التي يجوز فيها الرجوع و ذلك كإرث الزوجة، فإنه أيضا غير مشروط ببقاء الزوجية إلى الموت، بل قد ترث و ان ارتفعت الزوجية، كما في المريض يطلق في مرض الموت، فان زوجته المطلقة ترثه ما لم تخرج السنة، أو يبرأ من مرضه أو تزوج.

و الظاهر أن هذه الثلاثة و ما شاكلها، كجواز الرجوع في العدة من فوائد

12

الطلاق الرجعي، و لا دلالة فيها و لا تأييد لبقاء النكاح و الزوجية بعد الطلاق.

على أن كونها بمنزلة الزوجة لا يضرنا فيما نحن بصدده، إذ الطلاق لما أزال النكاح بالفعل و ذهب بعينه بالكلية، و ان لم يذهب بأثره كذلك، بل جعله بالقوة المحضة، كما هو المفهوم من كلماته المنقولة آنفا.

فحينئذ نقول: لا نسلم أنه لا يجوز النكاح المنقطع على من هي بمنزلة الزوجية الكذائية، أي بالقوة، فإن القدر المسلم انما هو عدم جوازه على الزوجة الدائمة ما دامت زوجة دائمة بالفعل.

فإذا خرجت عن حبالته بالفعل و صارت زوجة بالقوة، فلا نسلم عدم جوازه عليها، بل لا بد لنفيه من دليل، فان جواز استدامته بالرجوع لا ينافي جواز الانقطاع بعدم الرجوع، فله أن لا يرجع و نجعله منقطعا في زمن العدة كما له في ذلك الزمان أن يرجع و نجعله مستداما.

بل نقول: عامة النساء زوجة لعامة الرجال بالقوة على تفاوت مراتب القوة فقولهم ان الطلاق أزال قيد النكاح بالفعل و جعله بالقوة، و الرجعة سبب فاعل لحصوله بالفعل لا يضرنا.

إذ الطلاق لما أزال فعليته و جعله بالقوة، فكما جاز أن تكون الرجعة سببا فاعلا لحصوله بالفعل، جاز أن تكون غيرها كالنكاح المنقطع كذلك، أي: سببا فاعلا لحصوله بالفعل.

و المحل كما هو قابل للأثر من الفاعل الأول، و هو حصوله بالفعل و صيرورتها دائمة، كذلك قابل للأثر من الفاعل الثاني، و هو حصوله بالفعل و صيرورتها منقطعة.

و توهم أن ذلك المحل لما كان قابلا للنكاح الدائم و كانت فيه قوة، لم يكن قابلا للنكاح المنقطع، و لم تكن فيه قوته. فاسد، فان ذلك المحل بعد وقوع

13

الطلاق و خروجه من صرافة الفعل الى محوضة القوة، صار كالمادة الاولى القابلة للصورتين على البدل، فأيتهما سبقت الأخرى و حلت فيها قبلتها من غير مائز، فمن ادعاه فعليه البيان.

و بالجملة فبعد رفع المانع، و هو فعلية النكاح الدائم يؤثر المقتضي على وقف مقتضاه، أن دائما فدائم، و ان منقطعا فمنقطع.

ثم لا يذهب عليك أن ما جعله مؤيدا ثالثا للقول الأول دليل واضح عليه، إذ لا وجه لتحريمها بإكمال العدة على القول ببقاء النكاح الأول و عدم زوال الزوجية بعد الطلاق.

و القول بأن الطلاق الرجعي ناقص في إزالة قيد النكاح و الزوجية، و انما يصير تماما بخروج العدة، سخيف يلزم منه الفرق من غير فارق بين طلاق و طلاق و عدة و عدة.

فان غير الرجعي من طلاق سبب تام في إزالة قيد النكاح و الزوجية من غير مدخل فيه لخروج، فليكن الرجعي منه أيضا كذلك تحقيقا و تحصيلا للعدة لمفهوم الطلاق، و الا فما الفارق؟ و بم صار هذا الطلاق ناقصا في مفهومه مستضعفا في أثره.

و كذا لا وجه لتحريم وطئها بغير الرجعة سوى زوال النكاح الأول بالطلاق، و رفع حكم الزوجية به، فهو أيضا دليل واضح عليه، فلا وجه لجعله مؤيدا له، و كذا وجوب المهر بوطئها.

و العجب من هذا القائل في هذا الموضع بأن وطئها بغير الرجعة يوجب عليه مهر المثل، لظهور أنها بانت بالطلاق، إذ ليس هناك سبب غيره، و هنا نسب وجوبه الى قول و جعله مؤيدة للقول برفع حكم الزوجية، و هو دليل واضح عليه.

14

أقول: و كذا عرفوا الرجعة بأنها رد نكاح زال بطلاق بملك الزوج رفعه في العدة، و هذا كسابقه صريح في أنه يزيله و يرفعه رأسا، و بعد زواله يزول حكم الزوجية لأنها تابعة له، فإذا زال زالت.

و أما قولهم ان النكاح لو زال لكان العائد بالرجعة، أما الأول و هو يستلزم اعادة المعدوم، أو غيره و هو منتف، و الا لتوقف على رضاها فالنكاح الأول باق.

ففيه أن القائل بزوال النكاح الأول لا يقول انه لا يعود بالرجعة ليلزم منه اعادة المعدوم، بل يقول: ان الرجعة نكاح مبتدأ، و لا يتوقف على رضاها، لان رفع حكم الزوجية لما كان متزلزلا يستقر بانقضاء العدة، فما لم تنقض لم يستقر، بل يمكن رفعه بالرجعة، فلا تتوقف على رضاها لعدم اختيارها وقتئذ، و انما تصير مختارة بعد انقضائها.

و حينئذ لو تجدد نكاح يتوقف على رضاها، و أما قبل ذلك فلا. نعم لها قبله اختيار بالنسبة الى غير النكاح، كالنكاح المنقطع، فيتوقف صحته على رضاها.

على أن هذا الدليل مبني على امتناع اعادة المعدوم، و ذلك لم يثبت، بل ظاهر بعض الاخبار و الآثار يدل على إمكانها.

ثم أقول: ان الطلاق الخلعي يزيل النكاح و أثره بالكلية، و يزول أحكام الزوجية بالمرة، و هو اتفاقي، ثم انها ان رجعت في البذل في العدة صار الطلاق رجعيا و العدة رجعية، فلو لزم بقاء النكاح و الزوجية فيها، للزم هنا أيضا مع زوالهما و هو يستلزم اعادة المعدوم ان كان العائد برجوعها في البذل في العدة هو النكاح الأول.

و بتقرير آخر: أن العائد بصيرورة الخلعي يكون رجعيا بعد رجوعها في البذل، أما الأول و هو يستلزم اعادة المعدوم أو غيره و هو منتف، و الا لتوقف على رضاها بل على رضاهما.

15

اللهم الا أن يقال: ان رجوعها في البذل ما دامت في العدة بمنزلة النكاح مبتدأ متزلزل، يستقر برجوعه فيها، فان لم يرجع حتى انقضت العدة بطل هذا النكاح و لا رجعة له بعده فتأمل.

و اعلم أن القائل بأن الرجعة كالعقد المستأنف لا يقول بإمكان طلاقها ثلاثا بعد الرجعة بدون الوقاع، و انما يقوله من يقول ببقاء الزوجية، و النكاح الأول بعد الطلاق.

و مع عزل النظر عن هذا الخلاف، فالأولى بل الأحوط أن لا يطلقها بعد الرجعة إلا بعد الوقاع، كما هو مذهب بعض أصحابنا و دل عليه بعض أخبارنا، و لما كانت الرجعة نكاحا مبتدأ جاز وطؤها بنية الرجوع بغير لفظ يدل عليه.

و منه يعلم أن استدلالهم على بقاء النكاح الأول و عدم زوال أثره بالكلية بقولهم ضعيف، و من ثم جاز وطؤها بنية الرجوع بغير لفظ يدل عليه و لا شيء ممن (1) ليست بزوجة يجوز وطؤها، كذلك ضعيف.

لأنها لو كانت زوجة و كان النكاح الأول باقيا لجاز وطئها بغير نية الرجوع، بل لا معنى حينئذ للرجوع و نيته، لكنه لا يجوز وطئها بغير نية الرجوع، فيظهر منه أنها ليست بزوجة، و ان النكاح الأول غير باق، و انها و ان لم تكن بعد الطلاق زوجة يجوز وطيها الا أنها بالرجعة التي هي نكاح مبتدأ صارت زوجة يجوز وطئها بغير لفظ دال عليه.

هذا. و يتفرع على الخلاف المذكور مسائل:

منها: ما لو عقد عليها زوجها في زمن عدتها عقدا منقطعا، فإنه على القول الأول صحيح دون الثاني، و لعل الصحة أقوى كما أومأنا إليه، إذ لا شبهة في أن الطلاق محرم للنكاح، و بعد تحريمه فكما صح تحليله بالرجعة و تصير حينئذ مستدامة، صح تحليله بغيرها من النكاح المنقطع و نحوها، إذ المقصود من الرجعة هو

____________

(1) كذا في الأصل.

16

الاستباحة، و انحصار طريقها فيها غير مسلم، بل لها طرق أخر.

و بالجملة ينفسخ النكاح بالطلاق و ان كان رجعيا، لأن فائدة الرجعي جواز الرجوع فيه، لإبقاء النكاح و الزوجية، و الا لم تبن بانقضاء العدة.

فإذا انفسخ النكاح بالطلاق و صار مرتفعا في زمان العدة و رفع حكم الزوجية و صارت أجنبية في ذلك الزمان و حرم عليه وطئها فيه، و حصلت الحيلولة بينهما فله أن يستبيح وطئها، و يستحل فرجها بأي طريق شاء من الطرق المبيحة المحللة بالرجعة، أو بالعقد، أو بالاشتراء، أو الاستحلال، ان كانت زوجته المطلقة أمة غيره.

نعم تأخير العقد عليها الى أو ان انقضاء العدة لتصير صحته خارجة عن الخلاف لعله الأولى أو الأحوط لو سلم ذلك لهم.

و أما أنه لو عقد عليها قبل ذلك، كان عقده هذا باطلا يحتاج الى تجديده بعد الانقضاء، أو تصير الزوجة المطلقة بوطئها بعد ذلك العقد دائمة لكونه راجعة، الى غير ذلك من الاحكام، كالتوارث، و وجوب النفقة و القسمة و غيرها، فلا، بل يجري عليها أحكام العقد المنقطع.

هذا و مما قررناه يستبين أن لا مانع على القول الأول أن يقول في حضور العدلين طلقتك، ثم يقول بعده برضاها: متعتك. بل على القول الثاني أيضا لا مانع منه على بعض الوجوه التي أشرنا اليه، و اللّٰه تعالى يعلم.

ثم أقول: و من المسائل المتفرعة على الخلاف المذكور ما لو طلقها رجعية فارتدت، فان جعلنا الرجعة نكاحا مبتدأ لم تصح كما لا يصح ابتداء الزوجية، بخلاف ما لو قلنا انها استدامة و ازالة لما كان طرأ عليه من السبب الذي لم يتم، فإنها تصح على هذا القول، و قد عرفت قوة الأول.

و احتج على عدم الصحة أيضا بأن الرجوع تمسك بعصم الكوافر، و هو

17

منهي عنه، و ان الرجعة إثبات لما صار بالقوة بالفعل، إذ الطلاق أزال قيد النكاح بالفعل، و الرجعة سبب فاعل لحصوله بالفعل فكان كالمبتدإ.

و شرط تحقق الأثر من الفاعل قبول المحل، و بالارتداد زال القبول، و بأن المقصود من الرجعة الاستباحة، و هذه الرجعة لا تفيد الإباحة، فإنه لا يجوز الاستمتاع بها و لا الخلوة معها ما دامت مرتدة.

و يتفرع على ذلك أيضا ما لو طلق المرتدة في زمن العدة، فإن جعلنا النكاح مرتفعا زمن العدة لم يقع بالأجنبية و الا وقع.

و منها: ما لو كانت عنده ذمية فطلقها رجعيا، ثم راجعها في العدة، فعلى القول بأن الرجعة كالعقد المستأنف لا تجوز، و على القول بأنها لم تخرج عن زوجيته فهي كالمستدامة جازت، و قد سبق الكلام مفصلا.

و قد بلغني بواسطة أظنها صادقة حاكية عن بعض الطلبة أن بعض معاصريه الذين كانوا من قبل زمانه هذا، و سماهم فلانا و فلانا، و ظني أنهم لم يكونوا بالغي درجة الاجتهاد، و لا لهم قوة تصرف في المسائل الاجتهادية، كانوا يمنعون الناس عن ذلك و يحكمون بالبطلان (1).

و الظاهر أن ذلك منهم كان بمحض تقليدهم بعض متأخري أصحابنا، فإن ظاهرهم حيث قالوا ببقاء الزوجية ما دامت في العدة، و عدم زوال أثر النكاح الأول بالكلية المنع من النكاح المنقطع قبل انقضاء العدة.

و لكن هذا لو صح فإنما يصح من أهله، لا ممن لا يعرف الهر من البر، كأكثر أهل دهرنا هذا، فإنهم يفتون الناس مشافهة و مكاتبة، و بينهم و بين درجة الاجتهاد بعد المشرقين أو أكثر، و انما يأخذون ما يفتون من غير مأخذه من أفواه الرجال، أو ما يجدونه مكتوبا في بعض الكتب.

____________

(1) أي: عن العقد المنقطع في زمان الغدة.

18

و قل ما يكون فيهم من يستطيع الرجوع الى كتاب فقهي، بل لا علم له بما فيه و لا بمدركه و مأخذه، و لا بصحته و سقمه، و انما يقول ما يقول من مقولة الرجم بالغيب.

و بهذه الأهواء المضلة يضلون و يضلون و لا يهتدون، فذرهم في غمرتهم يعمهون حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون.

فإن المروي عن سيدنا أبي عبد اللّٰه الصادق (عليه السلام) أنه قال: لا تحل الفتيا لمن لا يستغني (1) من اللّٰه بصفاء سره و إخلاص عمله و علانيته و برهان من ربه في كل حال، لان من أفتى فقد حكم، و الحكم لا يصح الا بإذن من اللّٰه و برهان. و من حكم بالخبر بلا معاينة فهو جاهل مأخوذ بجهله و مأثوم بحكمه (2).

و نحن نشرح هذا الحديث بهذا التقريب لتكون فائدته أتم، و الحجة على هؤلاء الغاغة أقوم.

فنقول: الفتيا بالياء و ضم الفاء، و الفتوى بالواو و فتح الفاء، ما أفتى به الفقيه.

و فيه دلالة على أن صفاء السر و العلانية و إخلاص العمل علة موجبة لان يفيض من اللّٰه عز اسمه على المفتي ما يغنيه في باب الإفتاء عن غيره تعالى، بأن يعطيه اللّٰه من فضل رحمته قوة يتمكن بها من رد الفرع إلى أصولها و استنباطها منها.

و هذه القوة هي العمدة في هذا الباب، و الا فتحصيل مقدمات الاجتهاد كما قيل قد صار في هذه الأزمان لكثرة ما حققه العلماء و الفقهاء فيها و في بيان استعمالها سهلا.

____________

(1) في المصباح: لا يصطفي.

(2) مصباح الشريعة ص 16.

19

و هذه القوة بيد اللّٰه يؤتيها من يشاء من عباده، بشرط ما سبق من صفاء سريرته و علانيته، و إخلاص عمله و نيته.

و يؤيده ما ورد في الخبر عن سيد البشر: ليس العلم بكثرة التعلم، انما هو نور يقذفه اللّٰه في قلب من يريد أن يهديه.

و في خبر آخر: من أخلص للّٰه أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه.

و في آخر: العلم نور و ضياء يقذفه اللّٰه في قلوب أوليائه و ينطق به لسانهم.

و في آخر: ما من عبد الا و لقلبه عينان، و هما غيب يدرك بهما الغيب، فإذا أراد اللّٰه بعبد خيرا فتح عيني قلبه، فيرى ما هو غائب عن بصره.

و في آخر: النور إذا دخل في القلب انشرح و انفسح، قيل: يا رسول اللّٰه هل ذلك من علامة؟ قال: نعم التجافي عن دار الغرور و الإنابة إلى دار الخلود و الاستعداد للموت قبل نزوله.

و يظهر منها و مما شاكلها أن العلم للعالم انما يحصل من اللّٰه جل ذكره إذا تبتل اليه تبتيلا، و اتخذ بالذكر و الفكر اليه سبيلا، على قدر صفائه و قبوله و قوته و استعداده.

و لا يحصل الا بعد فراغ القلب و صفاء الباطن و تخليته عن الرذائل، خاصة عن رذيلة الدنيا و حبها و زهراتها و زخارفها، فإنها رأس كل رذيلة، و المانع من كل حصول الاجتهادية و غيرها، مع تقارب المدارك منها مما يتنازع فيه الخصمان لمصالح المعاش و غالب الأحكام إلزام.

فبالانشاء تخرج الفتوى لأنها اخبار، و بتقارب المدارك في المسائل الاجتهادية يخرج ما يضعف مدركه جدا، كالعول و التعصيب و قتل المسلم بالكافر، فإنه لو حكم به حاكم وجب نقضه، و بمصالح المعاش تخرج العبادات، فإنه لا مدخل

20

للحكم فيها، فلو حكم به حاكم بصحة صلاة زيد مثلا يلزم صحتها، بل ان كانت صحيحة في نفس الأمر فذاك، و الا فهي فاسدة.

و كذا الحكم بأن مال التجارة لا زكاة فيها، و ان الميراث لا خمس فيه، فان الحكم فيه لا يرفع الخلاف، بل لحاكم غيره أن يخالفه في ذلك.

نعم لو اتصل بها أخذ الحاكم ممن حكم عليه بالوجوب مثلا لم يجز نقضه، فالحكم المجرد عن اتصال الأخذ اخبار كالفتوى، و أخذه للفقراء حكم باستحقاقهم فلا ينقض إذا كان في محل الاجتهاد.

هذا و لعل المراد بالمعاينة غلبة ظنه بأن الحكم الفلاني يستنبط منه بعد استعماله شرائط الاستنباط كأنه يعاينه، لا القطع و اليقين، فان ذلك مشكل في كثير من الاحكام.

و كذا المراد بمعرفة الاحكام في قولهم (عليهم السلام): انظروا الى من كان منكم قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا، فاجعلوه بينكم حاكما هو غلبه ظنه بأن تلك الاحكام تستنبط من أخبارهم و آثارهم، لا العلم و اليقين بذلك.

فان الاستنباط هو الاستخراج بالاجتهاد المشار اليه بقوله تعالى لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (1) لا يفيد الجزم، و في كثير من الاخبار دلالة على جواز استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، منها حديث من انقطع ظفره و جعل عليه مرارة كيف يصنع بالوضوء؟ فقال (عليه السلام): تعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّٰه مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (2).

و فيه أيضا دلالة على جواز العمل بالظواهر القرآنية، و المرارة في الأصل

____________

(1) سورة النساء: 83.

(2) سورة الحج: 78، وسائل الشيعة 1/ 327، ح 5.

21

هي التي تجمع المرة الصفراء معلقة مع الكبد، كالكيس فيها ماء أخضر، و المراد بها هنا الكيس و نحوه مما ينجبر به المكسور أو المقطوع.

فدل الخبر الذي نحن فيه و غيره مما سبق على أن الامام (عليه السلام) إذا كان غائبا عن شيعته، فلهم أن يتفقهوا في الدين بالنظر فيما روي عنه، ثم يحكموا بين المسلمين بما فهموا منه، بشرط أن يكون الحاكم فيهم على صفاء في سريرته، و طهارة في علانيته، و إخلاص في عمله و نيته، و جودة في قريحته، و دقة في بصيرته.

و أن يكون له في حكمه في كل حال برهان و حجة من اللّٰه و اذن و رخصة منه، فمن ليس له ذلك فلا يجوز له الرئاسة في الدين و الحكم و الإفتاء في المسلمين.

و على هذا الخبر انما يكون حجة للحاكم إذا حصل له منه ظن غالب على حكم يحكم به، و الا فهو جاهل به، و الفتوى انما هي من وظائف العالم به، و لذا لا عذر له في جهله، بل هو مأخوذ به و مأثوم بحكمه.

و يستفاد منه أيضا أن الناس في هذا الزمان، و هو زمان الغيبة و الحيرة صنفان: مجتهد و يجب عليه الاتصاف بما نطق به الخبر، و مقلد و يجب عليه السعي إلى معرفة يصير بالتفقه و النظر، ليأخذ عنه ما عن الامام رواه بعد معرفته بمعناه.

لقوله (عليه السلام): و عرف أحكامنا، بعد أن قال: قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا، فجعل معرفة الاحكام و النظر في الحلال و الحرام شرطا في جواز حكمه و وجوب اتباعه، كما تدل عليه تتمة الخبر.

و صلى اللّٰه على محمد و آله سادات البشر ما تبزغ الشمس و يطلع القمر.

و تم استنساخ و تصحيح هذه الرسالة في (9) رجب الأصب سنة (1411) هق في بلدة قم المقدسة على يد العبد السيد مهدي الرجائي عفي عنه.

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

سلسلة آثار المحقق الخاجوئى (47)

رسالة في شرح حديث لسان القاضي بين جمرتين من نار

للعلّامة المحقّق العارف محمّد إسماعيل بن الحسين بن محمّد رضا المازندراني الخاجوئي المتوفّى سنة 1173 هق تحقيق السيّد مهدي الرّجائي

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم في التهذيب في باب الزيادات في القضايا و الاحكام، عن أنس بن مالك عن سيد الأنام عليه و على آله الصلاة و السلام، قال: لسان القاضي بين جمرتين من نار حتى يقضي بين الناس، فاما الى الجنة و اما الى النار (1).

قال صاحب البحار عليه رحمة اللّٰه الملك الغفار في حاشية له عليه: كان المراد من الجمرتين الميل الى كل من الخصمين، فان لم يمل الى واحد منهما فإلى الجنة، و الا فإلى النار (2).

و لا يخفى على ذوي الابصار أن ارادة الميل من الجمرة بعيدة، إذ لا قرينة هنا و لا علاقة بينهما، و لا طريق للانتقال منها اليه، و لا وجه لتشبيهه بها و إطلاقها عليه، بل هو من قبيل إطلاق آسمان و ارادة ريسمان، بل هو أبعد مما بينهما.

إذ لو كان المراد من الجمرتين الميل الى كل من الخصمين لكان الواجب أن يقول: حتى يقضي بين الخصمين لا بين الناس، إذ لا معنى له أصلا، و سيما إذا

____________

(1) تهذيب الاحكام 6/ 292، ح 15.

(2) ملاذ الأخيار 10/ 189.

26

كانت «حتى» هذه لانتهاء الغاية.

و بالجملة فإنه مع بعده مما لا محصل له بحسب المعنى، و ارادة الخصمين من الناس من أبعد الأباعد.

و مثله ما أفاده والده الماجد (قدس سره)ما في حاشية له عليه، حيث قال: أي النفس و الشيطان في إغوائه، فلما كانا سببين للنار أطلقت عليهما، و الملائكة في هدايته، فاما أن يقبل قول الملائكة فيذهب الجنة، و أما أن يتبع الشيطان فيذهب الى النار.

فإن استفادة كون الملائكة في هدايته من الحديث، و ارادة النفس و الشيطان من الجمرتين كأنهما متعذرتان، إذ لا قرينة على الأول و لا وجه للثاني، و كان عليه أن يذكر له وجها، كما ذكر لإطلاق النار عليهما.

و توجيهه بأنهما لما استحقا لسوء صنيعتهما أن يرميا بالجمار أطلقت الجمرة عليهما، بعيد.

ثم ظاهر ما أفاده يفيد أن يكون لسانه بينهما و بين الملائكة في الهداية و الغواية، لا أن يكون بينهما في إغوائه الى أن يقضي بين الناس، كما هو مفاد الخبر على تقدير إرادتهما منهما.

و كأنه أراد أن يفيد معنى قوله «فاما الى الجنة و اما الى النار» فزاد ما زاد و لا حاجة إليه، فإنه على هذا يكون معناه: لسانه بينهما في إغوائه حتى يقضي بينهم، فاما أن يخالقهما و لا يتبعهما فيه فإلى الجنة، و اما أن يوافقهما و يتبعهما فيه فإلى النار، و حينئذ فلا حاجة الى تلك الزيادات.

أقول: و لو بنى الأمر على أمثال هذه الاحتمالات، لاحتمل أن يكون المراد من الجمرتين أخذ الرشوة من كل من الخصمين، فان لم يأخذ من واحد منهما فإلى الجنة، و الا فإلى النار.

27

و كما يجوز أن لا يأخذ الرشوة و يميل الى كل منهما، كذلك يجوز أن يأخذها و لا يميل الى واحد منهما، و حينئذ فلا ترجيح لهذا الاحتمال على هذا الاحتمال، فتأمل.

أو المراد بهما أخذ الرشوة و التقصير في الاجتهاد الموجب للخطإ في الحكم، فان لم يأخذ و لم يقصر فإلى الجنة، و الا فإلى النار.

أو المراد منهما الخصمان، و «حتى» تعليلية، و في الكلام تشبيه و استعارة تمثيلية شبه الهيئة المنتزعة من القاضي و رده السلام، و الكلام عليهما، أو رميه النظر إليهما، تارة الى هذا و اخرى الى ذلك بالهيئة المنتزعة من الناسك، و رميه الحصاة على الجمرتين تارة على هذه و اخرى على تلك.

و المعنى: أن القاضي لانه يقضي بين الناس لسانه بين خصمين منهم يكلمهما و يباحثهما في مباحثهما، فاما أن يميل بقضائه بينهما بالحق إلى الجنة، و اما أن يميل بقضائه بينهما بالجور الى النار. و لما كان كل من المذكورات سببا للنار أطلقت عليه.

و هنا احتمالات أخر كلها كهذه الاحتمالات بعيدة.

و التحقيق أن كل قاض بما هو قاض لا يخلو من أن يكون جاهلا بالحق، أو عالما به، و العالم لا يخلو من أن يحكم على خلاف علمه لغرض نفساني، أو على وفاقه. و الأولان و هو الحكم جاهلا بالحق سواء وافقه حكمه أو خالفه، و عالما به مع مخالفته مقتضاه يفضيان الى النار. و الثالث و هو الحكم عالما بالحق مع موافقته له يوجب الجنة.

و اليه يشير قول سيدنا أبي عبد اللّٰه الصادق (عليه السلام) القضاة أربعة: ثلاثة في النار و واحد في الجنة، رجل قضى بجور و هو يعلم فهو في النار، و رجل قضى بجور و هو لا يعلم فهو في النار، و رجل قضى بحق و هو لا يعلم فهو في النار، و رجل قضى

28

بالحق و هو يعلم فهو في الجنة (1).

و الوجه في كون ثالث الثلاثة في النار و قضاءه بالحق، ان من قضى بغير علم فقضاؤه هذا و ان وافق الحق فهو جور لعدم العلم، فالمراد بجمرتين من نار هو الحكمان المفضيان إليها، فإن لسان القاضي بينهما الى أن يقضي بين الناس، فان قضى بينهم بالحق فإلى الجنة، فان لم يقض بينهم بواحد منهما فإلى الجنة، و الا فإلى النار.

و الإيراد على هذا الوجه ما أوردناه على الوجوه السابقة، فإن لسان القاضي يشهد له، فإنه يكون بين الحكمين، و لا يكون بين الميلين، و لا بين النفس و الشيطان، و لا بين غيرها مما سبق الا بين الخصمين.

الا أن في هذا الوجه تكلف من وجه آخر، و هو جعل «حتى» تعليلية، فإنه خلاف الظاهر، تأمل.

و يحتمل أن يكون هذا اخبارا عن حال القاضي بالجور و ما يفعل به يوم القيامة، بان لسانه فيه بين جمرتين من نار حتى يحكم اللّٰه بين الناس، و يفرغ من حسابهم، فاما أن يأمر باذهابه إلى الجنة، و اما أن يأمر باذهابه الى النار، و «حتى» لانتهاء الغاية، و «يقضي» على بناء المفعول، و الكلام محمول على الحقيقة.

فلا يرد أن القاضي بالحق و هو يعلم أنه حق لا يكون لسانه يوم القيامة بين جمرتين من نار، لان هذا كما أشرنا إليه مخصوص بغيره، و هو القاضي بالجور، و تكون اللام في القاضي للعهد، فلا عموم فلا تخصيص.

أو يقال: لما كان أغلب أفراد القاضي جائرا معذبا بهذا النوع من العذاب، أطلق الحكم و جعله كليا، تغليبا للأكثر على الأقل، لأن القاضي كما سبق أربعة:

ثلاثة في النار، و واحد في الجنة، و هو مع ذلك فرد نادر.

____________

(1) الخصال ص 247، برقم: 108.

29

و ظني أن هذا الوجه من أسلم الوجوه، إذ ليس فيه الا التخصيص على الاحتمال الأول، و لا بأس به لما اشتهر بين الطلبة ما من عام الا و قد خص حتى هذا.

و أما الوجوه السالفة، فجلها بل كلها مبني على ارادة خلاف الظاهر، و إرادته بدون نصب قرينة ليست من دأب الفصحاء، فمجرد الاحتمال لا يكفي في الإرادة، الا أن يمنع من الحمل على الظاهر مانع، و هو هنا مفقود، فتأمل.

و تم استنساخ و تصحيح هذه الرسالة في (10) رجب المبارك سنة (1411) هق في بلدة قم المقدسة على يد العبد السيد مهدي الرجائي عفي عنه.

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

سلسلة آثار المحقق الخاجوئى (48)

رسالة في إرث الزوجة

للعلامة المحقق العارف محمد إسماعيل بن الحسين بن محمد رضا المازندراني الخاجوئى المتوفّى سنة 1173 هق تحقيق السيد مهدي الرجائي

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم بعد حمد من هو وارث السماوات و الأرض، و الصلاة على من الصلاة عليه و آله عين الفرض.

يقول العبد الواثق بتأييد ربه الجليل محمد بن الحسين بن محمد رضا المشتهر بإسماعيل: هذه رسالة وجيزة في بيان ما استقر عليه رأينا من إرث الأزواج مطلقا من أزواجهن، مرتبة على مقدمة و فصول أربعة و خاتمة.

المقدمة [جواز تخصيص العام]

قد تقرر في محله جواز تخصيص العام القطعي المتن إذا كان ظني الدلالة، بالخاص الظني المتن إذا كان قطعي الدلالة، لأنه دليل شرعي عارض مثله، و في العمل به جمع بين الدليلين.

و لا ريب في أنه أولى من إبطال أحدهما بالكلية، و من التوقف في البين.

34

و الحاصل أن كلا منهما له قوة من وجه، فإذا تعارضا وجب الجمع بينهما و لو من وجه، و لا يمكن ذلك الا مع العمل بالخاص، إذ العمل بالعام يلغي الخاص و يبطله، و لا شك في أن اعمال الدليلين خير من إلغاء أحدهما رأسا.

لا يقال: كل منهما لما كان قطعيا من وجه و ظنيا من آخر، فإذا تعارضا وجب التوقف لفقد الترجيح.

لأنا نقول: الترجيح في جانب العمل بالخاص، فان فيه جمعا بينهما، و أما العمل بالعام ففيه إبطال للخاص، و الجمع كما سبق أولى من الابطال.

لا يقال: غاية ما يقتضيه الدليل المذكور تساويهما في القوة و الضعف، و المتساويان فيهما لا يغير أحدهما الأخر، فكيف صار الخاص يغير العام عن عمومه حتى جعله مثله خاصا؟ و هذا يقتضي كونه أقوى منه، و هو خلاف المقدر.

لأنا نقول: لا كلام في أنهما متساويان فيهما، و لكن نقول: ترك العمل بهما يوجب إلغاء الدليلين، و كذا العمل بالعام يوجب إلغاء الخاص مع تساويهما فيهما، فلا بد من العمل بالخاص ليكون ذلك جامعا بينهما.

فهذا وجه أعمالنا الخاص، و ذلك لا يتوقف على كونه أقوى من العام و لا يقتضيه.

و بالجملة ليس ايثارنا العمل بالخاص لكونه أقوى، بل لكون العمل به جامعا بين الدليلين.

فما أفاده الشيخ البهائي (قدس سره) في حواشيه على زبدة الأصول، بعد إيثاره القول بالوقف بقوله: و قد يقال هذا الدليل بعد تمامه يقتضي تساويهما، و هو منظور القائل بالوقف.

فان المساوي لا يقدر على أضعاف مساويه، و لا على تغييره على ما هو عليه، و قد جعلتم الخاص فيما نحن فيه مغيرا للعام عن عمومه، و مغيرا حاله عن حقيقته.

35

و الحاصل أنكم بعد تقرير كون الواحد مساويا للكتاب في القوة و الضعف جعلتموه مضعفا للكتاب، و مغيرا حاله عن حقيقته، مع بقائه على صرافته من غير تطرق ضعف إليه أصلا، و هذا يقتضي كونه أقوى من الكتاب، لأنه أضعفه و غيره من غير أن يعتريه شيء من الضعف على حال من الأحوال.

محل تأمل لأن تقديمنا الخبر الواحد المساوي للكتاب عليه، لا يقتضي كونه أقوى منه، بل يقتضي أن يكون لتقديمه عليه وجه مطلوب، و قد عرفت وجهه، فتأمل.

و أما ما أفاده (قدس سره) في حاشية أخرى بقوله، و أما ما يقال: ان الوقف يستلزم إلغاء الدليلين.

فجوابه أن المتوقفين يوجبون اعمال العام فيما لا يعارضه فيه الخاص من الافراد و انما يتوقفون فيما وقعت فيه المعارضة.

مثلا المعارضة بين فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ (1) و بين لا تقتلوا الذمي، انما هي في بعض أفراد المشركين الذين تضمنت الآية قتلهم، و تضمن الحديث عدم قتلهم.

فالمتوقف يحكم بقتل من عدا الذمي، و يتوقف في قتله، لتعارض الآية و الحديث فيه إثباتا و نفيا، فقد أعمل العام في بعض ما يشمله لعدم ما يعارضه، و توقف في اعماله في الكل لوجود المعارض، فأين إلغاء الدليلين.

ففيه أيضا نظر، إذ لا معنى لإلغاء الدليل العام إلا إبطال عمله على وجه العموم، و رفعه عما يقتضيه من هذا الوجه، و قد تحقق ذلك هنا.

لان مقتضى فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ شمول القتل جميع أفرادهم، بحيث لا يشذ منهم شاذ، فإذا عمل في بعض ما يشمله، فقد ألغى عن مقتضاه الذي هو شمول

____________

(1) سورة التوبة: 5.

36

الكل من حيث هو كل، و لا معنى لإبطاله عن العمل الا هذا.

و بالجملة كما أن رفع حكمه عن كل الأفراد إلغاء له بالكلية، كذلك رفع حكمه عن البعض إلغاء له في الجملة. و أما اعماله في البعض، فليس هو مما يقتضيه هو من حيث هو.

بل لا يبعد أن يقال: هذا من مقتضيات الخاص، حيث عارض العام و خصه عن عمومه و حقيقته التي هي شمول الكل بما هو كل، فهذا في الحقيقة عام مخصوص مرفوع عن حقيقته مصروف عن صرافته، حيث أخرج عنه بعض أفراده و رفع عنه حكمه، فتأمل فيه.

فان قلت: فما تقول فيما نقله (قدس سره) في متن زبدة الأصول عن الشيخ الطوسي و أتباعه، أنهم لم يجوزوا تخصيص الكتاب بخبر الواحد.

ثم قال في الحاشية: و قد اعترض- أي الشيخ- على نفسه في كتاب العدة بأنك إذا أجزت العمل بالأخبار التي يختص بنقلها الطائفة المحقة، فهلا أجزت العمل بها في تخصيصك عموم الكتاب؟

و أجاب طاب ثراه بأنه قد ورد عنهم (عليهم السلام) ما لا خلاف فيه من قولهم: إذا جاءكم عنا حديث فاعرضوه على كتاب اللّٰه، فإذا وافق كتاب اللّٰه فخذوه، و ان خالفه فردوه و اضربوا به عرض الحائط انتهى كلامه.

ثم قال فان قلت: كلامه منقوض بتخصيص الكتاب بالخبر المتواتر، فقد جوزه طاب ثراه، قلت: ذاك مما انعقد عليه الإجماع بخلاف هذا.

فان قلت: لا مخالفة بين العام و الخاص، و انما تتحقق لو رفع الحكم عن كل أفراد العام.

قلت: رفع الحكم عن البعض مخالف لإثباته للكل. و أيضا فالقصر على البعض معنى مجازي للعام مخالف لمعناه الحقيقي الذي هو شمول الكل.

37

و أيضا قد استدللتم على مجازية العام المخصص، بأنه لولاها لكان حقيقة في معنيين مختلفين، و هو معنى الاشتراك، و المجاز خير منه، فقد أقررتم بالمخالفة فلا تنكروها.

و أيضا فقد روى ثقة الإسلام في الكافي بسند صحيح عن الصادق (عليه السلام): ان الحديث الذي لا يوافق القرآن فهو زخرف (1). و الحاصل أن عدم موافقة الخاص لعامه أظهر من الشمس.

قلت: يرد عليهم أن ظاهر الأزواج المذكورة في آية الإرث الآتية بعيد ذلك يعم الدائمة و المنقطعة، لأنها جمع مضاف يفيد العموم، كما ثبت في محله، و المنقطعة زوجة باتفاق الطائفة، و منهم الشيخ و من تبعه.

و تدل عليه المنفصلة المذكورة في قوله تعالى إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* (2) و هم قد خصوها بالدائمة للروايات و ليست بمتواترة فما هو جوابهم عن هذا فهو جوابنا عن ذاك.

و ليس في المسألة إجماع حتى يقولوا انها خرجت به، كما يشهد له قول الفاضل الأردبيلي (رحمه اللّٰه) في آيات أحكامه بعد نقله آية الإرث: الظاهر أنه يريد بالزوجة المعقود عليها بالعقد الدائم، كما هو مذهب أكثر الأصحاب، و ان كان ظاهرها أعم للروايات (3) انتهى كلامه (رحمه اللّٰه).

و يستفاد منه أن أكثر أصحابنا يجوزون تخصيص (4) الكتاب بخبر الواحد

____________

(1) أصول الكافي 1/ 69، ح 3.

(2) سورة المؤمنون: 6.

(3) زبدة البيان ص 652.

(4) تخصيص المتواتر بالآحاد جوزه الأكثرون، و نفاه الأقلون، و أما نسخة به فبالعكس، و الفرق أن التخصيص بيان و جمع للدليلين، و النسخ إبطال و رفع «منه».

38

لا خصوص العلامة و جماعة من العامة، كما ذكره الشيخ البهائي في الزبدة، تبعا لآخرين كشيخنا الحسن في معالم الأصول.

و انهم لا يلتفتون إلى أمثال هذه التشكيكات، إذ لو ثبت أن بين العام و خاصه اختلافا، بما ذكره في وجوه الاختلاف، لزم منه أن يوجد في القرآن اختلاف كثير، لان فيه عاما كثيرا أو خاصا له، و اللازم باطل بالإجماع، و بآية لَوْ كٰانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّٰهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلٰافاً كَثِيراً (1).

و بما قررناه يندفع ما ربما يقال: ان الاخبار الآتية مخالفة لما دل عليه القرآن بظاهره، و كل خبر مخالف له مردود، للأخبار المستفيضة الواردة في ذلك.

و لعله كذلك قال الفاضل الأردبيلي (رحمه اللّٰه) في شرحه على الإرشاد: ان من ينظر الى ما روي عنهم (عليهم السلام): إذا وصل إليكم منا الأخبار المختلفة، فاعملوا بما يوافق القرآن و اتركوا ما يخالفه.

يقول: بأن الزوجين يرثان كل واحد منهما صاحبه من كل ما ترك كسائر الورثة، كما ذهب اليه ابن الجنيد، و سيأتي إن شاء اللّٰه العزيز.

تنبيه

يستفاد من كلامه المنقول عن آيات أحكامه ميله (رحمه اللّٰه) الى القول بجواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد، و ان من لم يقل بذلك من الأصحاب أبقى الأزواج على عمومها، و قال بالتوارث بين الزوج و متعتها، ورد الروايات الدالة على اختصاصه بالعقد الدائم: إما لأنها مخالفة لظاهر الكتاب، أو غير صالحة لتخصيصه عنده، لأنها خبر واحد لا يخصص به القرآن، كما عليه جماعة من الأصوليين، أو لرده الخبر الواحد مطلقا، كما هو المنقول عن المتقدمين.

____________

(1) سورة النساء: 82.

39

فقول شارح اللمعة و قد تبع فيه الأخيرين: المتعة لا ترث بدون الشرط، للأصل، و لأن الإرث حكم شرعي، فيتوقف ثبوته على توظيف الشارع و لم يثبت هنا، بل الثابت خلافه، كقول الصادق (عليه السلام): من حدودها- يعني المتعة- أن لا ترثك و لا ترثها (1).

محل نظر، لأن المتعة داخلة في عموم الأزواج، فيثبت لها من الإرث ما تثبته الآية للأزواج، فهو وظيفة شرعية ثابتة لها من قبل الشارع.

و الأصل انما يصار إليه إذا لم يقم على خلافه دليل، و الخبر الواحد لا يخصص به القرآن، أو ليس هو بحجة مطلقا عند القائل بالتوارث بينهما مطلقا كالقاضي، أو مع عدم اشتراط عدم التوارث، كابن أبي عقيل و السيد المرتضى، لما عرفته آنفا و سابقا.

فالحق في تقرير هذه المسألة ما أشار إليه الفاضل الأردبيلي (رحمه اللّٰه).

الفصل الأول [تحقيق حول آية الميراث]

قوله تعالى وَ لَكُمْ نِصْفُ مٰا تَرَكَ أَزْوٰاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كٰانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّٰا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهٰا أَوْ دَيْنٍ وَ لَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّٰا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كٰانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّٰا تَرَكْتُمْ (2).

و ان كان عاما في ثبوت الربع و الثمن للزوجة من كل شيء تركه زوجها،

____________

(1) شرح اللمعة 5/ 296- 297.

(2) سورة النساء: 12.

40

كالنصف و الربع له مما تركت زوجته، لكنه خصص بالنصوص الصحيحة الصريحة ببعض ما تركه.

لا يقال: ان الآية كما أنها قطعية المتن، فكذلك قطعية الدلالة، لأنها نعم ذات الولد و غيرها، و تدل على أنهما ترثان الميت من كل ما تركه.

لأنا نقول: هذا انما يرد على من قال: ان دلالة العام على العموم قطعية، كدلالة الخاص على الخصوص.

و أما من قال بأن دلالته غير ظنية و هو الحق، لاحتمال أن يكون المراد به هنا مثلا خصوص ذات الولد أوهما معا، و لكن في بعض ما تركه، غاية الأمر أنه مجاز من باب إطلاق العام و ارادة الخاص.

أو من قبيل ما حذف فيه المضاف، أي: و لبعضهن الربع، أو و لهن الربع من بعض ما تركتم، و لا بأس به، لان باب المجاز واسع، و هو في القرآن واقع.

و حينئذ فيقع التعارض بين التخصيص و المجاز، و الظاهر تساويهما، و ان ذهب بعضهم الى رجحان التخصيص.

و عليه فنقول: انه و ان كان خلاف الظاهر و ما يقابله الظاهر، و لكن الظاهر لا يفيد القطع، فدلالته عليه ظنية، و التخصيص انما وقع في الدلالة بدليل منفصل خص إرثها ببعض ما تركه، فلا يرد عليه ذلك.

و مما قررنا يندفع ما ربما يقال: ان مدار الاستدلال بالآيات و الروايات من السلف الى الخلف على الظاهر المتبادر إلى الأذهان، كما قد بين في أصول الأعيان حيث أنهم يمنعون أن يخاطب الحكيم تعالى بشيء يريد خلاف ظاهره من دون البيان، و إلا لزم منه الإغراء بالجهل، لان المخاطب العام يوضع اللفظ يعتقد أنه يريد ظاهره.

فان لم يرده مع اعتقاده إرادته له، كان ذلك إغراء له على ذلك الاعتقاد الجهل

41

و لأنه بالنسبة إلى خلاف ظاهره مهمل.

و ذلك لأنهم (عليهم السلام) و هم تراجمة وحي اللّٰه و مهابطه، قد بينوا أن مراد اللّٰه سبحانه من هذه الآية خلاف ظاهرها في عدة أخبار:

منها: ما رواه شيخ الطائفة في التهذيب عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن زرارة و بكير و فضيل و بريد و محمد بن مسلم.

فالسند صحيح، لما ثبت عندنا من توثيق أبي علي إبراهيم بن هاشم القمي و فصلناه في بعض دفاترنا.

عن أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه (عليهما السلام)، منهم من رواه عن أبي جعفر (عليه السلام) و منهم من رواه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، و منهم من رواه عن أحدهما: ان المرأة لا ترث من تركة زوجها من تربة دار أو أرض، الا أن يقوم الطوب (1) و الخشب قيمة، فتعطى ربعها أو ثمنها، ان كان من قيمة الطوب و الجذوع و الخشب (2).

و هذا كما ترى يعم كل زوجة، سواء كان لها من الميت ولد أم لا، لقوله (عليه السلام) «أو ثمنها» فإنه لذات الولد.

و مثله ما في الكافي، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن زرارة و محمد بن مسلم، فالسند صحيح، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: لا ترث النساء من عقار الدور شيئا، و لكن يقوم البناء و الطوب و تعطى ثمنها أو ربعها، قال: و انما ذلك لئلا يتزوجن فيفسدن على أهل المواريث مواريثهم (3).

____________

(1) الطوب: الطوابيق المطبوخة من الأجر «منه».

(2) تهذيب الاحكام 9/ 297- 298، ح 24.

(3) فروع الكافي 7/ 129، ح 6.

42

و له نظائر ستأتي في تضاعيف البحث.

و بالجملة ظواهر الاخبار و التعليلات الواردة فيها، كما سبقت و ستأتي أيضا تعم ذات الولد و غيرها، و ظاهر صاحب الكافي أيضا يفيد أنه يقول بعمومها، فإنه قال فيه: باب أن النساء لا يرثن من العقار شيئا (1).

ثم روى فيه أخبارا تدل عليه من غير تصرف منه فيها.

هذا مع التزامه في صدر الكتاب أن لا يذكر فيه الا ما يعتقده و يفتي به، و هذا هو المعتمد، و اليه ذهب المفيد و المرتضى و الشيخ في الاستبصار (2) و ابن إدريس و المحقق في النافع و غيرهم، بل ادعى ابن إدريس عليه الإجماع.

و يدل عليه أيضا ما كتبه الرضا (عليه السلام) الى محمد بن سنان فيما كتبه من جواب مسائله: علة أن المرأة أنها لا ترث من العقار شيئا إلا قيم الطوب و النقض (3)، لان العقار لا يمكن تغييره و قلبه، و المرأة قد يجوز أن ينقطع ما بينها و بينه من العصمة و يجوز تغييرها و تبديلها، و ليس الولد و الوالد كذلك، لانه لا يمكن التفصي منهما، و المرأة يمكن الاستبدال بها، فما يجوز أن يجيء، و يذهب كان ميراثه فيما يجوز تبديله و تغييره إذا شبههما، و كان الثابت المقيم على حاله كمن كان مثله في الثبات و القيام (4).

و رواه الشيخ في التهذيب (5)، و الصدوق في الفقيه (6) بطريق ضعيف الى

____________

(1) فروع الكافي 7/ 127.

(2) الاستبصار 4/ 151.

(3) النقض بضم النون أو كسرها أو فتحها و سكون القاف بمعنى المهدوم «منه»

(4) عيون اخبار الرضا 2/ 98.

(5) تهذيب الاحكام 9/ 300، ح 34.

(6) من لا يحضره الفقيه 4/ 348، ح 5749.

43

محمد بن سنان، و ان كان محمد هذا ثقة عين، كما بيناه في بعض رسائلنا.

و ما في رواية حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: انما جعل للمرأة قيمة الخشب و الطوب لئلا تتزوج فتدخل عليهم من يفسد مواريثهم (1).

و سندها و ان كان في الكافي و التهذيب ضعيفا، الا أنه رواها الصدوق في الفقيه عن محمد بن الوليد عن حماد بن عثمان عنه (عليه السلام) (2).

و الظاهر أن محمدا هذا هو محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، فالسند صحيح.

و في رواية أخرى عن أبي عبد اللّٰه الصادق (عليه السلام) لهن قيمة الطوب و البناء و الخشب و القصب، و أما الأرض و العقارات، فلا ميراث لهن فيه، قال الراوي قلت:

فالثياب؟ قال: الثياب لهن.

قال قلت: كيف جاز ذا لهذه الربع و الثمن مسمى؟

قال: لأن المرأة ليس لها نسب ترث به، انما هي دخيلة عليهم، و انما صار هذا هكذا لئلا تتزوج المرأة فيجيء زوجها أو ولدها من قوم آخرين فيزاحم قوما في عقارهم (3).

فهذه و ما شاكلها و سيأتي يدل على اشتراك ذات الولد و غيرها في الحرمان من غير فصل بينهما في شيء من الميراث، فينبغي أن يكون عليه مدار العمل.

____________

(1) تهذيب الاحكام 9/ 298- 299، فروع الكافي 7/ 129، ح 7.

(2) من لا يحضره الفقيه 4/ 348، ح 5751.

(3) تهذيب الاحكام 9/ 299، ح 31.

44

الفصل الثاني [ميراث الزوجة مع الولد و بدونه]

المشهور بين المتأخرين أن الزوجة ان كانت ذات ولد منه ورثت من كل ما تركه، و ان كانت غير ذات ولد تمنع من الأرض عينا و قيمة، و من آلات البناء المستدخلة، كالأخشاب و الأبواب و الابنية من الأحجار و الطوب و غيرها عينا لا قيم.

و استدلوا عليه بما رواه الشيخ في التهذيب، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، في النساء إذا كان لهن ولد أعطين من الرباع (1).

و فيه أن هذا خبر موقوف (2) مقطوع ليس بحجة، لأن ابن أذينة أفتى به، و لم يسنده الى أحد من الأئمة (عليهم السلام)، و يجوز أن يكون هذا رأيه و مذهبه و ان كان خطا، و ما هذا شأنه فلا يخصص به الاخبار الصحيحة.

كصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): ان المرأة لا ترث مما ترك زوجها من القرى و الدور و السلاح و الدواب شيئا، و ترث من المال و الفرش و الثياب و متاع البيت مما ترك، فيقوم النقض و الأبواب و الجذوع و القصب، فتعطى حقها منه، كذا في الكافي (3).

____________

(1) تهذيب الاحكام 9/ 301، ح 36.

(2) الخبر الموقوف ما روى عن مصاحب المعصوم من قول أو فعل، و قد يطلق عليه المقطوع أيضا، كما هو متعارف الفقهاء «منه».

(3) فروع الكافي 7/ 127- 128، ح 2.

45

و فيه عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن زرارة و محمد بن مسلم- فالسند صحيح- عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا ترث النساء من عقار الأرض شيئا (1).

فهذان و ما سبقهما و غيرهما من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة خالية من الفرق بين الزوجتين ذات ولد و غيرها.

و القول بأن في الفرق تقليلا لتخصيص آية الإرث للزوجة، و هو أولى من تقليل تخصيص الاخبار. منظور فيه، لان تخصيص الآية لازم على مذهبي الفرق و عدمه.

أما على الأول، ففي «لهن» و أما على الثاني، ففي «ما تركتم» مع أن مذهب الفرق يحتاج الى تخصيص عموم الاخبار أيضا، ففيه زيادة كلفة ليست في غيره.

و اعلم أن الضمير في «لهن» على مذهب الفرق لذوات الأولاد من الأزواج و معلوم أن تخصيص الضمير مع بقاء المرجع على عمومه يجعله مجازا.

إذ وضعه على المطابقة للمرجع، فإذا خالفه لم يكن جاريا على قانون الوضع، و كان سبيله سبيل الاستخدام، فان من أنواعه أن يراد بلفظ معناه الحقيقي و بضميره معناه المجازي، و ما نحن فيه منه.

إذ قد فرض ارادة العموم الشامل لذوات الأولاد و غيرهن من الأزواج المذكورة في قوله تعالى وَ لَكُمْ نِصْفُ مٰا تَرَكَ أَزْوٰاجُكُمْ و أريد من ضميرها المعنى المجازي، أعني: ذوات الأولاد منهن.

فان قلت: نظيره يلزم على مذهب عدم الفرق أيضا، فإن الضمير في «لهن» على هذا المذهب للدائمات منهن، و مرجعه الأعم، لشموله المنقطعات منهن أيضا

____________

(1) فروع الكافي 7/ 128، ح 4.

46

كما سبق إليه الإيماء.

قلت: وضع المضمر لما يراد بالمرجع، فإذا أريد بالعام الخصوص، كما هو مذهب أكثر الأصحاب على ما سبق أيضا، لم يكن الضمير عاما ليلزم تخصيصه و صيرورته مجازا.

فليس هناك الا مجاز واحد مشترك بين المذهبين، بخلاف مذهب الفرق، فان فيه مجازين باعتبار الضمير و مرجعه.

هذا على مذهب من لم يقل بالتوارث بين المتعة و زوجها. و أما من قال به و بعدم الفرق بين الزوجتين في الميراث، فلا مجاز و لا تخصيص، لا في الضمير و لا في مرجعه، بل المرجع و الراجع اليه على حالهما في العموم.

ثم لا يذهب عليك أن على مذهب الفرق لا يعلم ميراث غير ذات الولد من الآية، فهذا أيضا مما يوجب وهنه، فتأمل فيه.

لا يقال: صحيحة زرارة المتقدمة مشتملة على ما لا يقولون به، فإن الأقوال في هذه المسألة ثلاثة:

الأول: و هو المشهور حرمانها في نفس الأرض و القرى و الرباع، كالدور و المنازل، و من عين الآلات و الابنية دون قيمتها.

الثاني: أنه من الدور و المساكن، دون البساتين و الضياع، و تعطى قيمة الآلات و الابنية.

الثالث: حرمانها من عين الرباع لا من قيمتها.

لأنا نختار الأول من الأقوال، و نقول: اشتمالها على تلك الزيادة لا يضرنا، لأنا منفية بالإجماع، و المنفي بالإجماع يسقط، و المختلف فيه و هو عدم إرثها من البساتين و الضياع و من قيمة الرباع يثبت بما سبق، لعدم المقتضي لنفيه.

لا يقال: ينفيه ما في التهذيب من رواية العلاء عن محمد بن مسلم، عن أبي

47

عبد اللّٰه (عليه السلام) أنه قال: ترث المرأة الطوب، و لا ترث من الرباع شيئا، لكن لهن منها الطوب و الخشب، فقلت له: ان الناس لا يأخذون هذا، قال: إذا ولينا ضربناهم بالسوط، فان انتهوا، و الا ضربناهم بالسيف (1).

و هذا يدل على أنهم لا يقولون بحرمان الزوجة مطلقا من تركة زوجها مطلقا فما ورد في طريقنا موافقا لهم في ذلك كما سيأتي، فهو محمول على التقية.

لأنا نقول: انهما مع عدم صحتهما سندا بل مع ضعف الأخير جدا، لان يزيد الصائغ من الكذابين المشهورين، كما يظهر مما نقل عن الفضل في ترجمة محمد ابن علي أبي سمينة، لا دلالة فيهما على الزائد من الأرض بنفي و لا إثبات، فإذا دلت عليه تلك الاخبار تعين القول بها لعدم المعارض.

الفصل الثالث [تنقيح أخبار المسألة]

ما رواه الشيخ في التهذيب، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن أبان، عن الفضل بن عبد الملك أو ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل هل يرث من دار امرأته، أو أرضها من التربة شيئا، أو يكون في ذلك بمنزلة المرأة، فلا يرث من ذلك شيئا؟ فقال: يرثها و ترثه كل شيء ترك و تركت (2).

غير معارض لما ذكرناه من صحاح الاخبار.

أما على القول بعدم العمل بالموثق، فظاهر.

____________

(1) تهذيب الاحكام 9/ 299، ح 29.

(2) تهذيب الاحكام 9/ 300، ح 35.

48

و أما على القول بالعمل به، فلان الضعيف لا يقاوم القوي، و خاصة إذا كان القوي موافقا لإجماعهم، و الضعيف مخالفا له، و ذلك أنهم اتفقوا الا ابن الجنيد على حرمان الزوجة في الجملة من شيء من أعيان التركة.

و أما ابن الجنيد، فإنه خالفهم في ذلك و حكم بإرثها من كل ما تركه زوجها كسائر الورثة، و تمسك في ذلك بعموم الآية و خصوص هذا الخبر، و الظاهر أنه مبني على أنه لا يقول بجواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد، كما هو مذهب جماعة من الأصوليين، و لكن قد استبان في كتب الأصول وهنه لضعف دليله.

و اعلم أن منهم من حكم بصحة هذا الخبر، و لعله ظن أن المراد بأبان هذا ابن تغلب، و هو بعيد، فإنه قد مات في حياة سيدنا أبي عبد اللّٰه الصادق (عليه السلام)، و فضالة بن أيوب من رواة الكاظم و الرضا (عليهما السلام)، فهو لم يلق ابن تغلب، فكيف يروي عنه؟

فالحق أن المراد به ابن عثمان الأحمر الناووسي من رواة الصادق و الكاظم (عليهما السلام)، فرواية ابن أيوب عنه غير بعيد، و لكن السند كما قلناه موثق لا صحيح.

نعم هو كالصحيح، لأن أبان بن عثمان ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه. و الظاهر أن مرادهم بالصحة هذا، لا ما هو المشهور من كون رجال السند في جميع الطبقات إماميا مصرحا بالتوثيق.

لا يقال: قوله تعالى إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (1) يوجب عدم اعتبار رواية أمثال ابن عثمان، إذ لا فسق أعظم من عدم الايمان.

لأنا نقول: الفسق هو الخروج عن طاعة اللّٰه مع اعتقاد الفاسق كذلك، و مثل هذا ليس كذلك، فان هذا الاعتقاد عند معتقده هو الطاعة لا غير. و فيه نظر.

____________

(1) سورة الحجرات: 6.

49

و الاولى أن يقال: ان الإجماع خصصه، فروايته مقبولة عند من يقبل الموثق إذا لم يكن في الطريق مانع من غير جهته.

و ذلك أنهم اختلفوا في العمل بالموثق، فقبله قوم مطلقا، و رده آخرون مطلقا حيث اشترطوا في قبول الرواية الايمان و العدالة. و فصل ثالث فقبله إذا كان العمل بمضمونه مشتهرا بين الأصحاب.

و الموثق فيما نحن فيه ليس كذلك، إذ المشهور بينهم هو العمل بخلاف مضمونه، كما سبق إليه الإيماء.

و يمكن حمله على التقية، لأن هذه المسألة و هي حرمان الزوجة من بعض تركة زوجها من متفردات مذهب الإمامية، كمسألة الحبوة، و قد علم مما سبق من رواية يزيد الصائغ.

لا يقال: عبد اللّٰه بن أبي يعفور كان من خواص أصحاب أبي عبد اللّٰه الصادق (عليه السلام) و حواريه، فكيف يتقيه؟

لأنا نقول: لعله كان هناك غيره ممن يتقيه، أو خاف الامام (عليه السلام) أن ينتشر ذلك منه في أهل الكوفة فيصيبه، أو يصيب عبد اللّٰه هذا ما يخاف و يحذر، فان عبد اللّٰه كان فاضلا مشهورا صاحب كتاب قارئا في مسجد الكوفة.

ألا يرى الى ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن سلمة بن محمد، قال قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): ان رجلا أرمانيا مات و أوصى الي.

فقال: و ما الارماني؟

قلت: نبطي من أنباط الجبال مات و أوصى الي بتركته و ترك ابنته.

قال فقال لي: أعطها النصف.

قال: فأخبرت زرارة بذلك، فقال: انما المال لها.

قال: فدخلت عليه بعد، فقلت أصلحك اللّٰه أن أصحابنا زعموا أنك اتقيتني

50

فقال: لا و اللّٰه ما اتقيتك و لكني اتقيت عليك، فهل علم بذلك أحد، قلت: لا قال: فأعطها ما بقي (1).

فبمقتضى قواعد الأصحاب حيث صرحوا بأن أحد الخبرين إذا كان مخالفا لأهل الخلاف و الأخر موافقا لهم، يرجح المخالف لاحتمال التقية في الموافق، على ما هو المعلوم من أحوال الأئمة (عليهم السلام).

و قد أخذوا ذلك من مقبولة عمر بن حنظلة بل صحيحته، فان الشهيد الثاني (رحمه اللّٰه) وثقه في دراية الحديث، قال: جعلت فداك وجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة و الأخر مخالفا لها، بأي الخبرين يؤخذ؟ قال: بما يخالف العامة فإن فيه الرشاد، وجب الأخذ بما يخالفهم.

و من هنا ترى شيخ الطائفة يقول في كتابه العدة: إذا تساوت الروايتان في العدالة و العدد، عمل بأبعدهما من قول العامة.

و يؤيد كونه محمولا على التقية قول الراوي «أو يكون في ذلك بمنزلة المرأة فلا يرث من ذلك شيئا» فإنه صريح في أن عدم إرثها من ذلك كان شائعا ذائعا فيهم مشهورا معروفا بينهم مسلم عندهم، و انما كان المشتبه عليهم أمر الرجل و مساواته لها في ذلك.

فهذه الرواية في الحقيقة لنا لا علينا، مع أنها معارضة بموثقات مثلها، كما سيأتي.

لا يقال: هذا الخبر و ان كان مخالفا لإجماعهم، الا أنه موافق لعموم القرآن فله جهة ترجيح فليؤخذ بها.

لأنا نقول: احتمال وروده على التقية مع معارضته بموثقات مثله بمنع الأخذ به، بل يسقط حكمه رأسا، و يبقى ما دل عليه صحاح الاخبار سالما عن المعارض،

____________

(1) تهذيب الاحكام 9/ 277، ح 14.

51

فيكون مخصصا لعموم الآية.

و ما تمسك به جماعة من الأصوليين في عدم جواز تخصيص القرآن بخبر الواحد، مدفوع بما ذكرناه في المقدمة، و لنشر الى نبذة من المعارضات، فنقول:

منها: ما رواه الشيخ عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن جعفر، عن مثنى، عن عبد الملك بن أعين، عن أحدهما (عليهم السلام)، قال: ليس للنساء من الدور و العقار شيء (1).

و منها: ما رواه عن الحسن بن محمد بن سماعة أيضا، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام): ان المرأة لا ترث مما ترك زوجها من القرى و الدور و السلاح و الدواب شيئا، و ترث من المال و الرقيق و الثياب و متاع البيت مما ترك، و يقوم النقض و الجذوع و القصب فيعطى حقها منه (2).

و اشتمالها على زيادة لا يقولون بها لا يضر كما سبق.

و منها: ما رواه عن علي بن الحسن بن فضال، عن أحمد بن الحسن، عن أبيه عن عبد اللّٰه بن المغيرة، عن موسى بن بكر الواسطي.

فالسند موثق كسوابقه، لا مجهول كما هو المشهور، لان موسى هذا ممدوح مدحا كاد أن يرتقي إلى ذروة التوثيق، كما فصلناه في رسالة معمولة لبيان تحريم تزويج المؤمنة بالمخالف.

قال قلت لزرارة: إن بكيرا حدثني عن أبي جعفر (عليه السلام) ان النساء لا ترث مما ترك زوجها من تربة دار و لا أرض الا أن يقوم البناء و الجذوع و الخشب،

____________

(1) تهذيب الاحكام 9/ 299، ح 30.

(2) تهذيب الاحكام 9/ 299- 300، ح 32.

52

فيعطى نصيبها من قيمة البناء، فأما التربة فلا يعطى شيئا من الأرض و لا تربة دار، قال زرارة: هذا لا شك فيه (1).

فإذا تعارضت الموثقتين تساقطتا، و تبقى الصحاح من الاخبار الدالة على الحرمان بحالها.

و يدل عليه أيضا ما رواه يونس بن عبد الرحمن، عن محمد بن حمران، عن زرارة و محمد بن مسلم.

فالسند معتبر بل صحيح، لان الظاهر أن محمدا هذا هو ابن حمران بن أعين، و هو من المعتبرين من أصحابنا، كما يظهر مما ذكروه في ترجمة هشام بن الحكم، و القرينة عليه روايته عن عمه زرارة بن أعين.

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: النساء لا يرثن من الأرض و لا من العقار شيئا (2).

و في ضعيفة محمد بن مسلم قال قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): ترث المرأة الطوب و لا ترث من الرباع شيئا، قال قلت: كيف ترث من الفرع و لا ترث من الرباع شيئا، فقال لي: لأنها ليس لها فيهم نسب ترث به، و انما هي دخيل عليهم فترث من الفرع و لا ترث من الأصل، و لا يدخل عليهم داخل بسببها (3).

و هذا منه (عليه السلام) إشارة الى حكمة عدم إرثها من الأصل، و حاصله أنها لو ورثت منه، ثم تزوجت بعد موت زوجها، لأمكن أن يدخل على الورثة به من يفسد عليهم مواريثهم و يزاحمهم في عقاراتهم، و تدخل عليهم به منقصة، فاقتضت الحكمة عدم إرثها منه، دفعا للفساد الناشئ منه.

و أما إرثها من الفرع فلا يلزم منه ذلك، و ذلك لانتقاله بانتقالها، فلا يدخل به

____________

(1) تهذيب الاحكام 9/ 301، ح 37.

(2) تهذيب الاحكام 9/ 298، ح 26.

(3) تهذيب الاحكام 9/ 298، ح 27.

53

عليهم داخل يترتب عليه ذلك النقص و الفساد.

فتبين بما حررناه أن كل من يعمل بخبر الواحد و يجعله مخصصا لعموم الكتاب، فلا بد له في هذه المسألة أن يقول بما نقول من التسوية بين الزوجتين ذات ولد و غيرها في الإرث من الفرع دون الأصل على نحو سبق بيانه.

و أما من لم يعمل به إذ لم يجعله مخصصا، فله أن يعمل بظاهر ما دلت عليه الآية من التسوية بينهن حتى المتعة في الإرث من كل ما تركه أزواجهن، كما ذهب اليه ابن الجنيد.

الفصل الرابع [ما لا ترث المرأة من زوجها]

لفظ البناء الوارد في الاخبار السالفة يعم ما اتخذ للسكنى و غيرها، من المصالح، كالحمام و الرحى و الإصطبل و المراح و نحوها، لصدق البناء على ذلك كله.

فقول الصدوق (رحمه اللّٰه) في الفقيه يعني بالبناء الدور (1). غير جيد.

و يظهر من قوله «الا أن يقوم الجذوع» حرمانها من أعيان الأشجار كالأبنية لا من قيمتها، لان الجذع بالكسر ساق النخلة وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ (2) و هو المشهور بين المتأخرين. و يدل عليه أيضا ما ورد في عدة روايات من عدم إرثها من العقار شيئا، فإن الشجر داخل في العقار.

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 4/ 348.

(2) سورة طه: 71.

54

قال ابن الأثير في النهاية: العقار بالفتح الضيعة و النخل و الأرض و نحو ذلك (1).

لكن ذهب شيخ الطائفة و من تبعه منهم إلى إرثها من عين الشجر، محتجين بأن النصوص الصحيحة و غيرها دالة عليه أكثر من دلالتها على المشهور.

و فيه تأمل، لأن قوله (عليه السلام) في صحاح الاخبار «يقوم الجذوع» و «قيمة الجذوع و العقار» و نحو ذلك يدل على المشهور صريحا، الا أن يحمل الجذوع و العقار على غير الأشجار، و ظاهر اللغة لا يساعده.

و مع ذلك فرواية الحسن بن محبوب عن الأحول عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: لا يرثن النساء من العقار شيئا، و لهن قيمة البناء و الشجر و النخل (2) ناصة بالباب، و ذكرهما بعد العقار من مقولة التصريح بما علم ضمنا، فيكون من باب ذكر الخاص بعد العام لزيادة الاهتمام.

و الرواية صحيحة السند، لان طريق الصدوق الى الحسن بن محبوب صحيح، و الأحول و ان كان لقب جماعة منهم، الا أن الإطلاق ينصرف الى محمد بن النعمان الأحول المشهور بمؤمن الطاق.

الخاتمة

و على ما قررناه من توجيه موثقة ابن أبي يعفور، و التوفيق بينها و بين غيرها لا حاجة الى ما ذكره الصدوق (رحمه اللّٰه) في الفقيه في الجمع بينهما، و تبعه في ذلك الشيخ في التهذيب، من أن هذا- أي: إرث المرأة من كل شيء تركه زوجها- إذا كان لها منه ولد، فإذا لم يكن لها منه ولد، فلا ترث من الأصول إلا قيمتها.

____________

(1) نهاية ابن الأثير 3/ 274.

(2) من لا يحضره الفقيه 4/ 348، ح 5750.

55

ثم قال: و تصديق ذلك ما رواه محمد بن أبي عمير، عن ابن أذينة في النساء إذا كان لهن ولد أعطين من الرباع (1).

و من هنا نشأ ما اشتهر بين المتأخرين من الفرق بين ذات ولد و غيرها في الإرث.

و قد عرفت أن لا منشأ له في الحقيقة، فإن هذا الخبر الموقوف لا حجية فيه، فلا يصلح لتخصيص هذه الاخبار الكثيرة بين الصحاح و الحسان و الموثقات.

و أما موثقة ابن أبي يعفور السابقة، فقد عرفت حقيقة الكلام و تخصيص المقام فيها.

و ما أحسن ما قال من قال: لم يبق في الإمامية مفت على التحقيق، بل كلهم حاك، و ذلك أن الصدوق لما ذهب الى ما ذهب اليه و تبعه فيه الشيخ، سرى منه ذلك الى غيره و اشتهر فيهم اشتهار الشمس في وسط السماء الرابعة، فصار مصداق رب مشهور لا أصل له.

لا يقال: انه (رحمه اللّٰه) قد قال في الفقيه: و لم أقصد فيه قصد المصنفين في إيراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به و أحكم بصحته و أعتقد فيه أنه حجة بيني و بين ربي تقدس ذكره (2).

لأنا نقول: انه (رحمه اللّٰه) و ان أفتى به و ظن أنه حجة ظنية إلا أنك قد عرفت أنه ليس بحجة، لأن ابن أذينة لم يسنده الى معصوم، و من الشائع أن يكون هذا من مذهبه، لانه كان فاضلا صاحب كتاب صغير و كبير، فلا بعد في أن يكون هذا مما أفتى هو به و ان كان خطأ.

يشهد لما قلناه ما ذكروه في الدرايات من عدم حجية الخبر الموقوف، فهذا شيخنا الشهيد الثاني (رحمه اللّٰه) يقول في دراية الحديث بعد ذكر أقسام الموقوف

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 4/ 349.

(2) من لا يحضره الفقيه 1/ 3.

56

و كيف كان الموقوف فليس بحجة، و ان صح سنده على الأصح، لأن مرجعه الى قول من وقف عليه، و قوله ليس بحجة. و قيل: هو حجة مطلقا، و ضعفه ظاهر (1) انتهى.

و الظاهر أن الشيخ الصدوق (رحمه اللّٰه) ممن قال بكونه حجة، و لذا حكم به هنا، و جعله مخصصا لعموم الاخبار، مع التزامه في صدر الكتاب أن لا يروي فيه الا ما يعمل به.

و بالجملة فظهر مما قررناه أن القول بالتفصيل ضعيف غايته، و ان ما قيل في بيان ترجيحه من حيث أن فيه تقليلا لتخصيص الآية و ظهور الشبهة في عموم هذه الاخبار بواسطة رواية عمر بن أذينة، و رواية عبد اللّٰه بن أبي يعفور، الدالة على إرثها من كل شيء كالزوج، بحملها على ذات الولد جمعا، فلا أقل من انقداح الشبهة في العموم للزوجات، المانع من حمل الآية على عمومها، مضافا الى ذهاب جماعة من أجلاء المتقدمين، كالصدوق و الشيخ في التهذيب، و جملة المتأخرين اليه، و ذهاب جماعة آخرين الى أن مثل هذه الاخبار لا يخصص القرآن مطلقا، فلا أقل من وقوع الشبهة في التخصيص، مثله في الضعف.

و ان القول بالتسوية بين الزوجات قوي متين غايتهما، و ان حرمانهن ثابت في نفس الأرض و القرى و الرباع كالدور و المنازل، و من عين الآلات و الابنية و العقار و الأشجار دون قيمتها فتأمل فيه، ثم خذه بيد غير قصيرة و كن من الشاكرين.

و الحمد للّٰه رب العالمين، و الصلاة على سيدنا سيد الأنبياء و المرسلين، محمد و عترته الطيبين الطاهرين الى يوم الدين.

و تم استنساخ و تصحيح هذه الرسالة في (16) رجب المرجب سنة (1411) هق في بلدة قم المقدسة على يد العبد السيد مهدي الرجائي عفي عنه.

____________

(1) الرعاية في علم الدراية ص 134.