رسائل الميرزا القمي - ج1

- الميرزا القمي المزيد...
593 /
7

مقدمة التحقيق

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه، و الصلاة على رسول اللّه و آله الميامين.

و بعد، فهذه رسائل فقهية للمحقّق الصمداني، و الفقيه الربّاني، المجتهد المدقّق الأصولي، الميرزا أبي القاسم ابن المولى محمد حسن بن نظر عليّ الجيلاني الشفتي الجابلاقي القمّي، المعروف بصاحب القوانين، و بالمحقّق القمّي، الفاضل القمّي. و الكلام هنا في مقامين: المقام الأوّل، في المؤلّف. و الثانيّ في المؤلّف.

و بما أطلنا الكلام عن حياة الميرزا القمّي، و سيرته العلميّة، و بعض أحواله في مقدّمة الموسوعة القيّمة «غنائم الأيّام» التي حقّقناها و نشرناها قبل سنين لا نعيد هنا ما سطرناه قبل، بل نذكر ما يكون صلة و تكملة لها في وريقات.

الميرزا القمّي في وريقات

هنا لك ثلاث مشخصات تتميّز بها حياة الميرزا القمّي و تبدو واضحة لكلّ من طالع شيئا من حياته، و قرأ بعض مقدّمات كتبه و رسائله و هي كما تلي:

فالمشخّصة الأولى: هي كثرة ابتلاءاته التي يخبر عنها أنين شكواه و حزين نجواه بعد توالي النوائب عليه.

8

و المشخّصة الثانية: هي جدّه و جهده في مجال طلب العلم، و كثرة التفكّر و التعمّق في المسائل الأصوليّة و الفقهيّة و غيرهما.

المشخّصة الثالثة: هي اعتقاده الراسخ، و شدّة تمسّكه بمذهبه الذي ينبئ عنه إعراضه عن الدنيا رغم إقبالها عليه في آخر المطاف، و زهده فيها رغم حاجته و نزر ما في يده. و لا بأس ببسط الكلام في تلك المشخّصات الثلاث:

أما الابتلاء و النوائب التي أصابته و الآلام التي أحاطت به، فمدارها الفقر المدقع، و التغرّب في البلاد، و استهانة المناوئين، و الحاسدين و تضييع قدره، بل النقيص منه من قبل الجهّال، كلّ ذلك بالإضافة إلى فرط تعبه عند تقنين القوانين، و تحصيل الغنائم الفقهيّة.

ممّا يبدو أن هذه الآلام كانت موجودة منذ صباه و منذ نعومة أظفاره لأنه قال في مقدّمة كتاب غنائم الأيام: «فانّي منذ تعارفت مع الزمان فقد أخذني على طرف الخصام لدودا ..».

بينما ظلّت تلك الآلام تساوره على مرّ الأيام و على الدوام حتى قال في تلك المقدمة: «و كلما صافيته- الزمان- بوجه الإقبال أدبر عنّي بتخييب الآمال، و مهما وافيته بعرض المطالب في معرض النوال فجبّهني بالردّ و ناقضني ببلبال البال، و متى عانقني بوجه الالتفات فعضّني بضرس النائبات و حينما ضيّفني ببسط موائد العطيات أطعمني بتشعّبات الأمراض و سقاني بمشارب الحسرات».

ممّا يدلّ على أنّ عمدة الأمة عن خيبة آماله، و عدم تحقّق شيء من مطالبه، و كثرة اضطراب باله، و شدّة نوائبه التي قال عنها بعد ذلك: «فربّ فجيعة تدهش منها مشاعر الخواطر، و ربّ نزيلة ينهش قذى سمومها أناسيّ النواظر.

بينما قال في آخر رسالته التي كتبها في منجّزات المريض: «و كتبه مؤلفه في حال تفرّق الخاطر، و توزّع الحال، و تراكم النوائب و الأصول.»

هذا بالإضافة إلى أنواع الأمراض و الأسقام التي استولت عليه، فعبر عنها بتشعّبات تشعّبات الأمراض في الكلام السابق، و الفقر الذي قال عنه «و كم من ضنك في العيش و ضيق في المعيشة» يكتب أكثر ذلك في الأربعين من عمره و هو آيس من الحياة حيث يقول: «قد رأيت قد ولى الشباب، و ألمّ المشيب، و ولى وجه المحبوب، و تدلّت شدائد قهر الرقيب، و طار غراب الأمل عن الهامة، و عشّش البوم، و ذهب يمن الأيّام بإدراج رياح الخيبة، و بقي منها الشؤم، و خفت عدم مساعدة العمر و الأسباب لختم ذلك الكتاب يعني كتاب الغنائم. يقول بعده: «هذا و إنّي كالآيس من إتمام ما أنا فيه

9

إلّا من روح الله.»

على إنّه لم يكن غافلا عمّا يجري على الساحة السياسية آن ذلك ليضيف إلى همومه الانزجار من تسلّط الظلمة و أهل الضلال على رقاب المسلمين و سوء فعلهم، و هو يقول: «و اغتنم نفسا بعد نفس و إن كنت في غاية اضطراب و وجس، سيّما في هذا الزمان الذي غلبت عليه أحزاب الشيطان، و رفعت فيه أعلام الجهل و الطغيان، و ولّت عنه آيات العلم و العرفان، و استمرّت به تلك الشيمة و السجيّة حتى كاد أن تكون أيّام الجاهليّة».

مختصر حياة الميرزا القمّي تنبئ عن آلامه.

ولد ميرزا القمّي عام 1152 هفي منطقة «جابلاق» التي هي من أعمال دار السرور التابعة لمدينة بروجرد، و هو ينحدر من أصل گيلانى من قرية شفت القريبة من مدينة رشت، فاشتغل منذ صباه بدراسة علوم العربيّة على والده الذي هو أحد العلماء في «جابلاق».

ثم انتقل إلى مدينة خوانسار، و درس فيها عند السيد حسين الخوانساري صاحب «المشارق» و تزوّج بأخته، ثمّ انتقل إلى النجف حيث الأستاذ الأكمل الوحيد البهبهاني غير أنّه كان قد بلغ الغاية من الفقر فيها بحيث كان أستاذه الوحيد يصلّي بالأجرة و يدفع ما يأخذه من هذا الطريق للميرزا القمّي ليدير بها معاشه و يديم تفقّهه.

و بعد أن أخذ قسطا وافيا من العلم في النجف عاد إلى إيران إلى موطن أبيه «درّباغ» و هي قرية من قرى «جابلاق» فكانت أسباب المعاش فيها محدودة جدّا، فاضطرّ معه إلى الانتقال إلى قرية «قلعة بابو» من قرى «جابلاق» و كادت أن تتّسع عليه المعيشة هناك، فتصدّى له شيخ قرويّ ثقل عليه وجود الميرزا و دبّر له بعد أن أعلن في القرية أن الميرزا لا يعرف الكتابة، و دعاه للامتحان أمام الملأ، فقال له: اكتب «حيّة» فكتب الميرزا ما أمر به الشيخ لكنّ الشيخ رسّم صورة الحيّة و عرض على الناس ما كتباه و سألهم أيّهما الحية؟ فأشاروا بجهلهم إلى ما رسّمه الشيخ القروي و خطّئوا ما كتبه الميرزا فتأثّر الميرزا و ترك على أثره تلك القرية.

فانتقل إلى أصفهان، فلمّا استقرّ بها ألحق به بعض علماء الدنيا أذى؛ حسدا لما رأى فيه من آثار الرشد، فسافر على أثره إلى مدينة شيراز و كان أيّام سلطنة كريم خان زند فبقي فيها سنتين أو ثلاث، ثم رجع إلى قرية «بابو» و كانت العيشة فيها ضيّقة، و استخفّ به أهل القرية أشدّ من السابق، فبكى على أثر ذلك و رفع يده نحو السماء و هو يقول: اللّهم لا تقدّر ذلي أكثر من ذلك.

10

فاتّفق أن طلب منه أهل قمّ الإقامة في بلدهم، و أجابهم إلى ذلك و توطّن فيها و درّس فيها و ألّف كثيرا من كتبه ليتحسس هذه المرّة الام الأمّة و ما يصيبها من جراء تسلّط الحكّام الظالمين.

المشخّصة الثانية: و هي جدّه و جهده في طلب العلم و التفكر و التعمّق في المسائل الأصولية و الفقهية و غيرها، فقد قيل: إنه كان يطالع و يدرّس مضربا عن الدنيا حتى النوم لأنّه كان ينام على السراج بعد أن يضع عليه إناء فيكتحل من النوم بمقدار ما يسخن الإناء من حرارة و حج السراج، و عندها لا يطيق وضع يده عليه فيستيقظ و يستمرّ بالمطالعة و الكتابة.

حتى إذا أتمّ كتاب القوانين المحكمة أصيب من جراء شدّة تعمّقه و تفكّره بثقل السمع، و لما جيء بالكتاب إلى السيد مهدي بحر العلوم في النجف الأشرف و رآه و أحاط خبرا ببعض مطاويه و لم يعلم من هو مصنّفه قال لمن جاء به: يا هذا لاحظت هذا الكتاب و لم أدر ممّن هو إلّا أنّ صاحبه قد أصيب ببعض مشاعره لا محالة، أم لا بد له من آفة تنزل على سمعه أو بصره. فقيل له: بلى إنّه من تأليفات مولانا الميرزا القمّي و قد أصيب بعد فراغه منه بثقل السامعة كما بيّنّا، فتعجّب الحاضرون من فراسة السيد.

و لعلّ و عورة العلم و كثرة التوغّل فيه هو سبب آخر لتأوه الميرزا و تألّمه، فإنّ من المجرّب أنّ كثرة التوغّل في ذلك يجعل صاحبه يتسأم من كلّ ما يعيقه عن طلبه و يحده من المبالغة فيه، بل يتنفّر حتى من الأمور المعاشية العائقة عن ذلك.

المشخّصة الثالثة: و هي إعراضه عن الدنيا بعد إقبالها عليه و شدّة اعتقاده.

لأنّه لمّا دخل بلدة قمّ بعد طلب من أهلها و استقر فيها، و أخذ بالتدريس و التأليف حتى أصبح من كبار المحقّقين، توجّهت إليه الناس و اشتهر أمره، و طار ذكره في البلدان، و رجع إليه بالتقليد، و استقلّ بالزعامة الدينية، أيّام السلطان فتح على شاه القاجار الذي أخذ يعظّم الميرزا أشدّ تعظيم، و يجلّه أكبر إجلال، كما كان يكثر من زيارته و الكلام معه.

غير أنّ الميرزا لم يكن ليرى في هذه العلاقة سوى أنّها فرصة لنصح السلطان و وعظه من دون أدنى ملاحظة أو مساومة، فكان يأخذ لحية السلطان بيده و هي طويلة تجوز محزمه و يقول له: احذر أن تعمل ما يؤدّي إلى أن تحرق لحيتك هذه يوم القيامة، و إذا دخل معه الحمام و سلخا عنهما ثيابهما قال له: هكذا تحشر يوم القيامة فانظر ما ذا ستصحب معك عن الأعمال.

و يبقى عند ذلك على أشد الحذر من الاقتراب من السلطان و من أعوانه أكثر فأكثر، بل يحاول

11

على الدوام الابتعاد عنه و يتحذّر من التورط في مظالمهم، فيبدي تخوّفه ذلك حتى لنفس السلطان و يقول له: اعدل فإنّي أتخوّف من جراء رابطتي معك أن أدخل تحت قوله تعالى: وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّٰارُ و هو يتضمّن التصريح بأنّ السلطان ظالم و أنّه يحذر من الاقتراب منه أو حتى محبّته.

و لمّا قرّر السلطان تزويج ابنته من ابن الميرزا الذي هو الولد الذكر الوحيد له حاول الميرزا الحيلولة دون تحقق ذلك الأمر تخوّفا من سحب ابنه إلى البلاط الملكي و التورّط في مظالمهم.

غير أن محاولته تلك لم تفلح لأجل إصرار السلطان و عزمه على ذلك فاضطرّ الميرزا بعد ذلك إلى التضرّع إلى الله سبحانه و الطلب منه أن يقبض روح ابنه قبل التورّط معهم، و بعد إتمام الدعاء غرق ابن الميرزا في الماء و توفّي و لم يكن له من الذكور سواه.

و ما ذلك إلّا حكاية عن عمق اعتقاد الميرزا و صدق تديّنه، بل خلوّه من كلّ شائبة، جعله يتحمّل أشدّ مصيبة من أجل ذلك؛ لأنّ البكاء على الشباب مرير، و لعلّه هو الذي قال عند قبره: و ربّ فجيعة ... السابق.

فيخلص إعراض الميرزا القمّي عن الدنيا و رغم توفّر دواعي الزيغ لما كان عليه من الرئاسة و الزعامة و خضوع ملك عصره و أعوانه له فما زاده إقبالهم عليه إدبارا، و لا توجّههم إليه إلّا فرارا.

و يبيّن ديانته و إخلاصه بوضوح كراماته التي ظهرت في حياته و بعد مماته إلى يومنا هذا؛ إذ أن الدعاء عند قبره و التوسّل به من أجل الظفر بالحوائج و أداء الديون و غيرها مستجاب و مجرّب، بل تنقل له بعض الكرامات العجيبة أوردت بعضها في مقدّمة كتاب الغنائم.

و ظلّت به هذه السجية حتى توفي عام 1231 هو حزن عليه الناس حتى كانت مدينة قمّ يوم وفاته كيوم عاشوراء، و دفن بمقبرة شيخان، يعني هو و الشيخ علي بن بابويه والد الصدوق، و قبره يزار و يقصده أرباب الحوائج.

فقه الميرزا القمّي

المطالع للمسيرة الفقهية من يوم تأسيسها إلى يومنا هذا يجد أنها بدأت بإيراد النصوص المنتقات مع حذف الأسناد حتى يتألّف كتاب فقهي يجمع أمّهات المسائل الفقهية لا يعدو كونه كتابا روائيا في واقع الحال ككتاب المقنع و الهداية للصدوق.

12

و في المرحلة الثانية جاء دور التفرع اعتمادا على الإجماعات، و بعض الأصول العمليّة ثم أضيف إلى ذلك الاستفادة من العمومات و الإطلاقات ليأتي الفقيه اللاحق فيعتمد على ما سطره الفقيه السابق حتى كانت فترة المقلدة الذين لم يجرءوا على مخالفة الشيخ الطوسي (رحمه اللّه) إلى زمان ابن إدريس. الذي كانت عنده الجرأة على مخالفة جدّه الشيخ الطوسي و العدول إلى رأي السيد المرتضى أستاذ الشيخ أو غيره غير أنّه لم يفتح باب الاجتهاد على مصراعيه.

نعم يأتي دور المحقّق الحلّي في وضع اللبنات الأولى للاستدلال بالأحاديث المنتقات من دون الإشارة إلى معارضاتها و ما يقع عليها من النقض و الإبرام.

بينما انطلق العلّامة الحلّي في حلبة الاستنباط و أعطى لنفسه الحقّ في ملاحظة الروايات المتخالفة و المتعارضة بل حتى أنحاء الاستفادة من الرواية الواحدة لتأتي استنباطاته متفاوتة مختلفة مع بعضها في كتبه المختلفة. غير أنّ الحركة الفقهية الاستنباطية لم تزل مشلولة بمتابعة المجمع عليه أو المشهور لا يعدو الاستدلال فيها أن يكون ذريعة في مقابل السائل و المستفهم. حتى جاء الشهيد لينظر إلى الأدلّة في عرض البعض و يزيح التراب المتراكم على حقائق الأحكام الشرعية؛ ليصل إليها مستنبطا لها استنباط الماء من بين التراب و المدر.

بمعنى محاولة التفهم و التفقه و الإلمام بواقع الحال، طاردا فكره عن محورية الإجماع و الشهرة، و لذلك قال الشيخ جعفر كاشف الغطاء: الفقه على بكارته لم يمسها إلا أنا و الشهيد و ولدي موسى.

ثم أعقبت هذه الفترة المشاحنات بين الأخباريين و الأصوليين كي ينتعش فيها علم الأصول و يبلغ الذروة في كتاب القوانين للميرزا القمّي نفعه كل ذلك التعمق الأصولي في تجديد مرحلة أخرى من مراحل المسيرة الاستنباطية.

و هى مرحلة استيعاب الاختلاف و التعارض الموجود في الأخبار أو مطلق الأدلة الذي يمكن عزوه من خلال ملاحظة كتب الميرزا و رسائله إلى خطأ الناقل و عدم درك صحيح للأخبار أو عدم فهم الراوي لما تحمله من الألفاظ.

بالإضافة إلى دراسة جذور اشتهار الأحكام أو تحقّق الإجماع، و بالتالي درك الواقعة على حالها بما فيها منشأ اختلاف الأقوال و تعارض الأدلّة ممّا يغني عن الاعتماد الكلّي على ملاحظة الأسناد، بل قد ترتفع بذلك كثير من التعارضات و الاختلافات، و يدعم الأسناد بعضها بعضا و تتحقّق النتائج

13

الصحيحة، و هو كلام دقيق يحتاج بسطه إلى كتاب.

غير أنه يجب الإقرار بأن الميرزا لم يتخلّص من استقطاب الإجماع و الشهرة بشكل تام، بل كان همه هو إعطاء مستند لكل ما أجمع عليه أو اشتهر بين الأصحاب، و ذلك بإطلاق عنان الفكر و القلم و التوسع في كل مبحث و مسألة، ليكتب كل ما يفكّر فيه أو يفكّر أكثر ممّن عداه و يكتب أكثر من غيره ليحيي كتاب مناهج الأحكام موسّعا مبسوطا يعجز الطالب من تناول أطرافه، و كذا بعض رسائله.

و لمّا رأى قصور همم طلّاب ذلك الزمان و من يأتي بعده حاول الاختصار محافظا على لباب فقهه و جوهره في كتاب غنائم الأيام.

و المهمّ- كما بيّنّا- في فقه الميرزا القمّي هو النظر إلى كلّ الأدلّة بعرض البعض من دون الانتقاء، بل يشمل حتى مثل روايات الفقه الرضوي و دعائم الإسلام و العوالي، لم يترك شيئا من الأدلّة انطلاقا ممّا انتهى إليه في الأصول من حجّيّة مطلق الظنّ، ليستفيد كلّ الفائدة من تراكم الأدلّة، لكنّه مع كل ذلك كان يحاول جهد الإمكان صبّ النتائج في مجرى الإجماع و الشهرة.

كي يعتمد كلّ الفقهاء الذين جاءوا بعده نفس الطريقة التي اعتمدها، أعني الأخذ باعتبار جميع الأدلّة غير أنّهم تحرّروا من متابعة الإجماع و الشهرة أكثر فأكثر، و كذا قاموا بتعيين المعتبر من الأدلّة و الاعتماد عليه في أخذ النتائج النهائية.

و لا أظنّ أنّ هذا المختصر سيوصلني إلى حقيقة ما أهدف التوسّل إليه إن لم تعمل مقايسة بين فقه الميرزا و فقه من سبق عليه أو عاصره بل حتى من أعقبه.

فالميرزا القمّي فقيه بتمام معنى الكلمة، و ذلك بكثرة تحقيقه و تنقيبه و استقصائه بل تفكّره و تعمّقه، بينما يعتمد معاصره الشيخ جعفر كاشف الغطاء على حدّة ذكائه و قوّة حافظته و موهبته التي تطوي كلّ توسّع الميرزا القمّي و استقصائه و تعمّقه في عملية قصيرة توصله الغاية من إدراك واقع الحال و يعبّر عنها بحاسة الشم، فالفقه على بكارته، و أوّل من مسّها هو الشهيد و الشيخ جعفر كاشف الغطاء و الميرزا القمّي.

تعريف بهذا الكتاب

تمهيدا للكلام عن كتاب الرسائل الفقهية التي يجمع- هذا الكتاب الشريف مجموعة منها للمحقّق القمّي نذكر أقسام الكتب الفقهية المدوّنة و هي على أربعة أقسام:

14

القسم الأوّل: الكتب الفتوائية، أعني الجوامع التي تجمع نضائد من الأحكام الشرعية تدخل تحت عناوين و مواضيع فقهية مختلفة من دون التعرض للأدلة قد تتفاوت هذه الكتب فيما بينها من ناحية البسط و الاختصار، غير أنّها أخذت في الآونة الأخيرة وتيرة واحدة و صارت تعرف بالرسائل العملية.

القسم الثاني: الكتب الفقهية الاستدلالية التي يهتمّ الفقيه فيها بإيراد الأدلّة المتنوّعة على الأحكام الشرعية تبدأ بكتاب الخلاف للشيخ الطوسي و تستمر لتشمل مثل كتاب المعتبر للمحقّق الحلّي و أكثر كتب العلامة و تنتهي بموسوعات فقهية كبيرة ككتاب الجواهر، و يتفرع من هذا القسم في الغالب كتب الخلاف المدوّنة لبيان الاختلاف بين فرق المسلمين أو علماء، الفرقة، الواحدة.

القسم الثالث: أجوبة المسائل الواردة من مناطق معيّنة أو غير معيّنة يغلب فيها بيان الفتوى فقط من دون ذكر دليل خاص، و قد يكون في بعضها نوع من الاستدلال الطفيف تلبية لرغبة السائل.

القسم الرابع: هو الرسائل الفقهيّة التي تتناول موضوعا واحدا في الغالب، فتضعه على طاولة البحث ببسط الكلام فيها غالبا، و تعود كتابتها الى أسباب و علل مختلفة و دوافع متفاوتة لا بأس بذكرها و بسط الكلام فيها.

لما ذا كتابة الرسائل

العلل في كتابة الرسائل بصورة كلية كثيرة فذكرها كما يلي:

1. كثرة الابتلاء في مسألة من مسائل الفقه أو تجدّده لأجل تغييرات و طوارئ سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية سبّبت كثرة التساؤل عن حكم تلك المسألة و فروعها كمسألة الجهاد عند وقوع حرب، أو مسألة استثناء المؤمن عند غلائها في الزكاة، أو الذبح خارج منى و هكذا.

2. اختلاف الفقهاء في مسألة من المسائل نتيجة لعدم وضوح دليلها، أو وقوع التشاجر فيما بينهم، أو تجدّده بعد ما كانت مسكوتا عنها مدّة من الزمن و إن لم تكن هي محلّ ابتلاء كمسألة مالكية العبد.

3. رغبة الفقيه في التوسّع و التفصيل في مسألة؛ لما يحزّ في نفسه أنه لم يتمكّن من التفصيل الشافي فيها في كتاب الفقه إمّا للزوم التطويل و الخروج عن طور الكتاب، أو لأجل الالتزام بالاختصار معها، تراه يفرد لها رسالة يستوفي البحث فيها.

4. قلّة الأدلّة في مسألة من المسائل، أو عدمها بالكلّيّة أو حتى غمومها يجد الفقيه نفسه مضطرّا

15

لتمهيد مقدّمات و إلحاق معقّبات في رسالة مفردة.

5. تخوّف الفقيه أو الفاضل في البداية من الخوض في كتابة كتاب فقهيّ متكامل فيجرّب نفسه و قدرته خلال كتابة بعض الرسائل بمعنى التدرّج في ممارسة الكتابة.

6. طلب بعض الطلّاب أو غيرهم من الفقيه التوسّع في مسألة و كتابة رسالة مفردة فيها.

7. مخالفة الفقيه للمشهور أو الإجماع في مسألة من المسائل، و سعيه في توجيه تلك المخالفة و تكثير الأدلّة و تفصيلها في رسالة مفردة.

8. كثرة فروع المسألة مع تجدّد فروع أخرى لم تكن مطروحة في السابق، أو لم تخطر في ذهن الفقيه عند كتابته لكتاب الفقه، فيفرد لها رسالة مفردة يذكر فيها تلك الفروع، و يتدارك بها ما فاته في كتاب الفقه.

9. قد يكون المهمّ لوازم المسألة و ليس نفس المسألة كمسألة البيع بشرط التي يحتال الناس بها للتخلّص من الربا.

10. وجود إبهام في مسألة يتخيّل السابقون وضوحها، أو عدم وجود دليل عليها غير شهرتها، كمسألة إقرار العقلاء على أنفسهم نافذ.

11. وضوح الحكم و وجود إبهام في الموضوع و تطبيقاته، كمسألة الغناء بما فيه المراثي الحسينيّة و الحداء و غيرهما.

12. تجدّد قول مخالف للمشهور و لظاهر الأدلّة يسعى الفقيه في دحضه و ردّه خلال رسالة، كمسألة إعطاء المرأة حقوق أكثر من السابق أو حلّيّة بعض الملاهي.

13. نسبة بعض العلماء حكما من الأحكام إلى المشهور أو الأكثر و التعرّض لصحّة تلك النسبة و عدمها باستقراء آراء العلماء في رسالة مفردة، كنسبة الشهيدين القول بملكية العبد إلى الأكثر.

14. خطورة بعض المسائل و كونها مزالق يتورّط فيها الكثير، كمسألة الربا و بعض طرق الفرار منه.

15. كون المسألة من الحيل الشرعية التي يسعى الناس الفرار بها عن الحرام أو الصورة المنفورة للربا.

16. ضياع بعض المسائل و هجرها و عدم الاعتناء بها في مقام العمل، كمسألة الجزية في زمن الغيبة و ولاية الفقيه و غيرهما.

16

17. اشتباه المسألة على الفقيه نفسه فيضطرّ لإفرادها و تفصيل البحث فيها.

18. رجوع الفقيه عن الفتوى، و تبدّل رأيه يضطرّه لإعلام ذلك و بيان الوجه فيه خلال رسالة مفردة.

و بعد بيان العلل و الأسباب في كتابة الرسائل الفقهية بصورة عامّة يحاول الإشارة إلى العلل في كتابة الرسائل المجموعة في هذا الكتاب و فهرست مطالبها بالإجمال.

1. رسالة في بيع الفضولي

الأسباب التي دعت إلى كتابة هذه الرسالة متعدّدة، ككثرة الابتلاء، و كثرة الأقوال في المسألة، و تجدّد فروع جديدة، كمسألة اشتراط وجود المجيز حال العقد و عدمه، و مسألة من باع شيئا فضولة فبان أنّه ملكه، أو باعه ثمّ ملكه، و كذا لو باع الموهوب في الهبة الجائزة، أو باع فبان أنّه وكيل في البيع، و مسألة عدم اختصاص الفضولي في البيع و هكذا.

2. رسالة في بيان بعض أحكام البيع و الشرط

هذه الرسالة تبحث عن حكم اشتراط البائع على المشتري أن يبيعه المتاع بعد ما يشتريه و ترجع كتابتها إلى كثرة الابتلاء بها، كمحاولة لاستعادة المضطرّ الى بيع ما لا يريد بيعه بهذه الطريقة. و السبب الأهمّ في كتابتها هو طرح إشكال الدور و عدم قصد البائع على أنّ المسألة هي وجوه الفرار من الربا، كما يبحث فيها حكم البيع نسية إلى مدّة و الشراء منه قبل حلول الأجل و قبل الاستلام.

3. رسالة في المعاوضة بدون الصيغة (المعاطاة)

العلّة في كتابة هذه الرسالة هي عموم الابتلاء بها، و تشتّت الأقوال فيها، مع رغبة المصنّف في التوسّع فيها، كما يأتي في ضمنها مسألة إقرار العقلاء على أنفسهم، و فرقه مع إقرار العاقل على نفسه.

4. رسالة في تحقيق الغناء

و العلّة في كتابتها هي إبهام الموضوع- أعني الغناء- و اختلاف تعاريفه و كثرة الابتلاء ببعض مصاديقه و وجود الخلاف في بعض مستثنياته، كالغناء في الأعراس و الأفراح و مراثي الإمام

17

الحسين (عليه السلام) و الغناء بالقرآن و أناشيد الحروب.

5. رسالة ملك العبد لما في يده

وقوع الاختلاف و تجدّد قول مخالف للمشهور أعني القول بالملكيّة المطلقة. و نسبه الشهيد ذلك إلى الأكثر، بالإضافة إلى تجدّد بعض الفروع كالتملّكات القسريّة و حكم بيع العبد ماله أو مال مولاه، كل ذلك يحدث مع قلّة العبيد و ارتفاع شأنهم بطرح مسألة كرامة الإنسان بصورة كلية. و مع ذلك لا تزيد الفائدة في هذا البحث على كونها علميّة فقط.

6. رسالة في المعاملة المحاباتية بشرط القرض و بالعكس

المقصود هو بيع الشيء بأضعاف الثمن بشرط أن يعطيه البائع قرضا، فقد وقع البحث فيها لأجل أنّها أحد طرق الفرار من الربا و هي محلّ ابتلاء شديد يطرح فيها كون الشرط زيادة، و كذا مسألة عدم اختصاص الربا بالبيع و القرض و تعميمه لسائر المعاملات ثم بيان دقائق مسائل الربا و الحيل الشرعية ببيان مقدّمات رغب المحقّق في التوسّع فيها، على أنّها لا تخلو من فروع جديدة، كإذن المالك بيع الفضولي بشرط القرض.

7. رسالة في أحكام الجزية في زمن الغيبة

فإنّ هذه المسألة مع توابعها كمسألة الخروج عن الذمّة و مخالفة شرائطها من المسائل التي صارت مهجورة و متروكة في الساحة العملية رغم تأكيد الشرع عليها، و حصول اختلاط الأمر فيمن يأخذها و من هو مستحقّها مع خروج أهل الذمّة نوعا عن الذمّة يستدعي بيان دور الفقيه و عامّة المؤمنين فيها.

8. رسالة في حكم مدرسة لا يعلم واقفها

هذه مسألة طلب بعض الطلّاب و غيرهم من المحقّق الجواب عنها و الكتابة فيها طرأ الابتلاء بها بعد تشيّع بعض النواحي مع وجود مدارس و مساجد هي موقوفات أبناء العامّة فيأتي السؤال عن حكم سكنى الشيعة في تلك المدارس و إقامتهم الصلوات في تلك المساجد مع علمهم بعدم رضا

18

الواقف بذلك لو كان في قيد الحياة، و كذا حكم المدارس التي لا تعلم صيغة وقفها و كيفيّتها، خصوصا مع عدم وجود دليل على هذه الأحكام ممّا يحتاج إلى بسط الكلام في المقدّمات و المعقّبات.

9. رسالة في العقد على الصغيرة

هذه المسألة هي محلّ سؤال و ابتلاء تعرف بنكاح المحرمية بالإضافة إلى عدم معقوليّة التمتّع بالصغيرة مع شمول الإطلاقات لها، يتعرّض المصنّف في ضمنها لمسألة جواز تقليد الميّت و وجه الحلّيّة في تحليل أمّ الصغيرة المعقود عليها بتقليد الميّت القائل بالجواز مع وجود رغبة ملحة عند السائل.

10. رسالة في الطلاق

فيما إذا أقرّ الرجل بطلاق زوجته و هي تنكر ذلك تعود العلّة في كتابتها إلى وقوع التشاجر بين علماء العصر فيها، تصدّى عنده الميرزا القمّي لحسم مادّة النزاع بتفصيل أمور كثيرة، كالتفرقة بين الاصطلاح اللغوي و العرفي العامّ، و عرف الشارع، و عرف المتشرعة، و عرف الفقهاء، و كذلك مسألة حمل أقوال المسلمين و أفعالهم على الصحّة، و بيان أقسام الإقرار و بيان معنى قول الفقهاء «القول قوله»، و كذا المقولة المعروفة «إقرار العقلاء على أنفسهم نافذ أو جائز»، و معنى المدّعي و المنكر، و بعض أحكام الحكومة و خصوصا في هذه المسألة، و قاعدة «من ملك شيئا ملك الإقرار به» و قاعدة «من قدر على شيء ملك الإقرار به» كلّ ذلك يدلّ على شدّة النزاع الواقع في هذه المسألة و كثرة القيل و القال و تشتّت كلام الأصحاب بالإضافة إلى رغبة المصنف في التوسّع فيها لحسم مادّة النزاع و تصوير كيفية نفوذ إقرار الزوج في حقّ نفسه دون الزوجة.

11. رسالة في الطلاق بعوض عن الخلع

المسألة المطروحة و المشكلة الموجودة هي صيرورة الطلاق عوض الخلع و ثمنه يعني تبدّل الإيقاع إلى معاوضة و عقد و اختلاف العلماء في بقائه و الحال هذه تحت عنوان الخلع و عدمه و كذا مسألة تحقّق الفراق من دون كراهة أصلا أو اختصاصها بالزوج، و هي مسألة مفصّلة اشتبه أمرها على المحقّق القمّي، و أحسّ وجود خطر حاصل بفتوى سابقة منه صارت موردا لسوء الاستفادة

19

و هجر طريقة السابقين. أخذ فيها بتفصيل قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و ذكر أقوال المفسّرين، و كذا قول النبي (صلى اللّه عليه و آله): «المؤمنون عند شروطهم» و كذا حكم مخالفة المشهور، و معنى الطلاق، و أقسام المفارقة بين الزوجين، و جعل الطلاق وجه المصالحة كالمعاوضة بين الطلاق و الثوب، و اندراج هذا الطلاق في الشرط ضمن العقد و الجعالة، و تحقّق وجود فرد من الطلاق يؤخذ العوض بإزائه، و جعل البذل شرطا في الطلاق، و معنى الإلزام و الالتزام في الشرط بصورة كلّيّة، و جريان الشرط في الإيقاعات، و بيان الفرق بين الخلع و الطلاق بعوض.

12. كتاب القضاء

لم يكتب الميرزا القمّي في كتابيه الفقهيين أعني كتاب غنائم الأيام و كتاب مناهج الأحكام سوى في العبادات، و لم يقتحم في كتب المعاملات مع إلحاح الحاجة للكتابة في مثل كتاب القضاء لتصدّي الفقهاء يومها للحكومة بين الناس مع وجود ميول لحكام القاجار خصوصا الملك فتح على شاده لرعاية ظواهر الإسلام التي منها القضاء الإسلامي، و كذا التساؤلات التي تطرح بعد كل حكم من حاكم أو فقيه من قبل المحكوم عليهم أو لهم، كل ذلك حقّق الدواعي عند المحقّق القمّي للكتابة في القضاء بشكل مستقلّ فدوّن كتاب القضاء.

جاء هذا الكتاب منسجما مع التطبيقات العملية للقضايا و الأحكام في زمان الغيبة جعله أكثر مساسا بالواقع الموجود من غيره من الكتب التي نسقت على الخط النظري المحض.

و لذا تجده يطرح فكرة إعداد أفراد صالحين للقضاء- اجتهادا و تقليدا- دون الفتوى أي بعنوان المجتهد المتجزئ و المقلّد، و طرح الاستفادة من قاعدتي «الضرر» و «الحرج» و بيان شروطهما و أحكامهما.

كما اضطرّ لإدخال الكثير من مسائل الكتب الفقهية الآخرة كمسائل كتاب الشهادات و كتاب الإقرار و كتاب القسمة و القرعة و غيرها لأجل إغناء المتصدّين لذلك المنصب، فكان مدّ نظر الميرزا هو كلّ ما يحتاجه القاضي من دون التقيّد بالطريقة السائدة عند الفقهاء.

13. رسالة في الميراث

يدور الكلام فيها حول تقسيم الإرث بعد أداء الدين و الوصيّة و الحبوة، خصوصا إذا كانت الحبوة

20

مستغرقة للتركة، مع تحقيق بعض المسائل الأصولية، و خصوص مسألة العام و الخاص، و أخيرا مسألة عدم توريث الأخ الرضاعي.

15. رسالة في الزكاة

يعرّض فيها لمسألة هي محلّ ابتلاء شديد و حرج أكيدا وقع في زمان الميرزا حول اجرة الحصاد و الحمالة و الرضاضة حيث كانت باهضة إذا تقرّر إخراج الزكاة من هذه الأمور المذكورة و لم يضعوها يضطرون إلى ترك الزراعة و حرمان الفقراء رأسا بتركها.

فقد كانت هذه المسألة محل ابتلاء عام يعود ترك العمل فيها على مذاق المشهور موجبا للضرر العام.

16. رسالة في الشرط ضمن العقد

و هي مسألة مشكلة و عويصة دعا إبهامها عند المصنّف إلى الكتابة فيها و فتح مغالقها، و نشر معاقدها، توغّل معه في أقسام الشروط، الصحيح منها و الفاسد، ثم أطلق عنان القلم على حدّ تعبيره في قاعدة العقود تابعة للقصود.

17. رسالة في مسألة شيربها

شيربها أمر رائج في بعض البلاد الإسلامية، محصّله أخذ ولي الزوجة مالا من الزوج بعنوان ثمن الرضاع، لم تبحث في شيء عن الكتب الفقهية العامّة فكانت من المسائل المستحدثة في زمانها لم تبحث قبل ذلك الحين و كأنها تنتظر من لا يرهبه فضّ المسائل البكر التي لم يفتضها أحد قبله، ألا و هو الميرزا القمي.

18. رسالة في حكم متاع البيت في صورة التنازع

اختلف فيها أقوال الفقهاء اختلافا شديدا حتى أن لبعض الفقهاء اكثر من قول في هذه المسألة، و من ناحية أخرى فهي لم تمحّص بشكل تامّ إذ لا تنفع فيها قاعدة اليد لوقوعه تحت يديهما معا، و لذلك احتاجت المسألة إلى تحقيق شامل و تمحيص قام به المحقّق القمي (رضوان اللّه عليه).

21

19. رسالة في بعض فروعات الضرر

و خصوص تصرف المالك في ملكه المؤدّي إلى تضرّر الغير فهي من المسائل التي تحتاج إلى التمحيص و التحقيق.

20. رسالة في منجّزات المريض

فهي الأخرى ممّا وقع فيه الخلاف و تكثّرت فيها الأقوال و بحث في آخرها عن إقرار المريض.

21. رسالة في شرح الحديث المنسوب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)

و هو حديث الطين لما فيه من الإيهام، و الإلغاز، يبدو أنّ البعض تحيّر فيه، فصار يسأل عنه و قد يكون السائل هو نفس الميرزا ثم عمد إلى تحقيق الجواب عن مكنون أسراره و خباياه.

عملنا في التحقيق

اعتمدنا في تحقيق هذه الرسائل على نسختين: النسخة الحجرية و نسخة خطّية واحدة في الغالب، فأخذنا بالمقابلة و التدقيق في الاختلافات و تثبيتها ثمّ صرفنا الجهود الأكيدة و المساعي الحثيثة باتّجاه الاستخراج و التصحيح و هو كالآتي:

1. استخراج الروايات من المصادر الأولى المعتبرة بالإضافة إلى الإشارة إلى المصادر العامّة كالوسائل و المستدرك و البحار.

2. استخراج الأقوال فقهيّة كانت أو أصوليّة أو لغويّة أو تفسيريّة أو غيرها، ساعين في العثور على أوّل قائل مع عدم تعيينه، و من ثمّ تكثير المصادر.

3. تقويم النصّ و تصحيحه و اختيار النسخة الصحيحة بعد التبحّر و التدقيق في مراد المصنّف، معتمدين على عمليّة التلفيق و إخراج الكتاب خاليا من الخلل و الغموض بالإضافة إلى عمل المقوّم الأوّل من تقطيع المتن و تزيينه بالفواصل الجميلة و التقسيمات المفكّكة لعقد المطالب مع انتزاع العجمة التي تحظى بها كتب الميرزا عادة.

4. صياغة الهامش الذي لا يتحوى على الثقل الذي حواه كتاب الغنائم، لصرف المصنّف همّه إلى

22

بيان الأدلّة و استعراض النقوض و الإشكالات دون سرد الأقوال و تحرّي القائلين.

5. المراجعة النهائية، التي عاودناها مرّة بعد أخرى لملاحقة ما زاغ عن البصر و ما يقصر عن دركه طبع البشر.

و في الختام نذكر أن اجتماع سواعد الفضلاء الجادّين و العلماء المحققين في ميدان إحياء تراث هذا الدين المبين جاء بفضل قيام الدولة الإسلامية و حصول النهضة العلمية التي بلغت الرفوف الغابرة و الكواليس الغائرة لتستخرج تلك الكنوز الثقافية الثمينة فتكسوها حلّة زاهية ثم تقدّمها للناهل و الرافد إلى ضفاف غدير العلم و المعرفة. كما أتقدّم بالشكر الجزيل لمدير مكتب الإعلام الإسلامي في مدينة مشهد على مدده و مساعدته في إخراج هذه الرسائل إلى النور و كذا جميع من ساهم في هذه المهمة كالأستاد الأمجد: حسن الحكيمباشي، و الماجد: على الشكوهي و غيرهما.

و آخر دعوانا الحمد للّه رب العالمين.

عباس تبريزيان قسم إحياء المتون مكتب الإعلام الإسلامي فرع خراسان

23

رسالة في بيع الفضولي

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

رسالة في بيع الفضولي

السؤال:

هل يصحّ البيع الفضولي، أم لا؟

و هل تختصّ صحّة الفضولي- على تقديرها- بالبيع، أو تعمّ سائر العقود؟

و هل يشترط وجود المجيز حين العقد، أم لا؟

الجواب:

استقصاء الكلام في هذا المرام لا يسعه المجال، لكن نذكر كثيرا من أحكام الفضولي هنا، بقدر الوسع. فلنقدّم الكلام في البيع و نقول:

إنّ بيع مال الغير من دون ولاية أو وكالة، إمّا أن يكون مع العلم بأنّه مال ذلك الغير، أو بدونه، كمن يبيع ماله، الّذي اشتراه من مسلم، أو وصل إليه بميراث أو هبة أو غير ذلك، ثمّ ظهر أنّه مستحقّ للغير.

و على الأوّل: فإمّا أن يبيع للغير نيابة عنه له، أو لنفسه.

و على الأوّل؛ فإمّا أن يبيعه متزلزلا، بمعنى أنّه إن رضي لزم، و إلّا فيكون باقيا على حاله، و هو الأصل في إطلاق البيع الفضولي. أو يبيعه له باتّا، و يسلّمه المشتري، أو يرخّصه في الأخذ كذلك.

26

و على الثاني- أي ما يبيعه لنفسه- فإمّا أن يبيع لنفسه بتّا غصبا من دون قصد أن ينقله من المالك إلى نفسه، أو يبيعه و يذهب و يشتريه ليتمّ البيع لنفسه.

و على الأوّل؛ فهو غصب، فإمّا أن ينتقل بعد ذلك إليه بوجه من الوجوه الشرعيّة، أو لا.

و على الأوّل- أي ما ينتقل إليه بعد ذلك- فإمّا أن يجيز ثانيا أم لا، و سيجيء الكلام في تصحيحه بالإجازة، و عدمه.

و على الثاني- أي ما يبيعه و يذهب يشتريه لنفسه- فإمّا أن يكتفي بالاشتراء من المالك، أو يجيزه بعد الشراء أيضا.

ثمّ في هذه الصور كلّها، إمّا أن تلحق به الإجازة من المالك أو من قام مقامه، أم لا.

و على الثاني؛ فإمّا أن يكتفى بعدم الإجازة- بأن يقول: لم أرض- في البطلان، أو لا بدّ من التصريح بالفسخ.

فههنا مقامات:

[المقام] الأوّل: الكلام في الفضولي المصطلح

و المشهور من الأصحاب صحّته، و توقّفه على إجازة المالك (1)، بل و عن التذكرة في موضع منها أنّه جائز عندنا، لكن يكون موقوفا على الإجازة. (2)

و ذهب الشيخ في الخلاف إلى البطلان؛ مدّعيا عليه الإجماع (3)، و عن الغنية مثله (4)،

____________

(1). كالمفيد في المقنعة: 606، و الشيخ في النهاية: 385، و ابن حمزة في الوسيلة: 249، و الشهيد الثاني في الروضة البهيّة 3: 226، و المحدّث البحراني في الحدائق الناضرة 18: 377.

(2). تذكرة الفقهاء 1: 463.

(3). الخلاف 3: 168، المسألة 275.

(4). غنية النزوع (الجوامع الفقهية): 585.

27

و هو قول ابن إدريس (1)، و فخر المحقّقين في الإيضاح (2)، و ربّما نسب إلى غيرهم أيضا (3).

و العمدة في الدليل على الجواز: عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (4) و أمثاله.

و استدلّ جماعة بفحوى ما دلّ عليه في النكاح (5)؛ لأنّ الأمر فيه أشدّ.

و تدلّ عليه أيضا: رواية عروة بن جعد البارقي: أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أعطاه دينارا ليشتري به شاة، فاشترى به شاتين، ثمّ باع إحداهما بديا نار في الطريق، قال: فأتيت النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) بالدينار فأخبرته، فقال: «بارك اللّه في صفقة يمينك» (6).

و كذا حكاية إجازته (صلى اللّه عليه و آله) بيع عقيل داره بمكّة (7).

و وجه الاستدلال بعموم الآية أنّ المراد من «العقود» العهود الموثّقة، و لا ريب أنّه بالإجازة يصير من جملتها.

و اضطرب كلام القوم في طريق الاستدلال بالآية، فبعضهم جعله الأصل؛ نظرا إلى العموم إلّا ما خرج بالدليل (8)، و بعضهم جعل العقود توقيفيّة على ما ورد به الشرع، و حمل العقود على العهود في زمن الشارع (9).

و الأظهر عندي الآن هو الأوّل، و توضيح ذلك يحتاج إلى زيادة بسط أوردناها في الرسالة الّتي كتبناها في مسألة «الطلاق بعوض» فليراجع هناك.

____________

(1). السرائر 2: 274.

(2). إيضاح الفوائد 1: 418.

(3). كالشيخ في المبسوط 2: 150، و الحلبي في الكافي في الفقه: 359.

(4). المائدة: 1.

(5). انظر وسائل الشيعة 14: 591، أبواب نكاح العبيد، ب 88.

(6). عوالي اللآلي 3: 205، ح 36؛ مستدرك الوسائل 13: 245، أبواب عقد البيع و شروطه، ب 18، ح 1.

(7). أخبار مكّة 2: 161؛ بحار الأنوار 8: 267، و حكاها الوحيد البهبهاني في حاشيته على مجمع الفائدة و البرهان:

82.

(8). انظر مسالك الأفهام 3: 158.

(9). انظر الحدائق الناضرة 18: 380.

28

و يدلّ عليه أيضا ما رواه المشايخ الثلاثة في بيع الوليدة و إجازة سيّدها، و في متنها اختلافات.

أوضحها متنا ما رواه الشيخ في التهذيب، في الحسن لإبراهيم بن هاشم، عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر عليه (عليه السلام)، قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في وليدة باعها ابن سيّدها و أبوه غائب، فاستولدها الّذي اشتراها، فولدت منه غلاما، ثمّ جاء سيّدها الأوّل فخاصم سيّدها الآخر، فقال: وليدتي باعها ابني بغير إذني، فقال: الحكم أن يأخذ وليدته و ابنها، فناشده الّذي اشتراها، فقال له: خذ ابنه الّذي باعك الوليدة حتّى ينفذ لك البيع، فلمّا أخذه، قال له أبوه: ارسل ابني، فقال:

لا و اللّه لا أرسل إليك ابنك حتّى ترسل ابني، فلمّا رأى ذلك سيّد الوليدة، أجاز بيع ابنه» (1).

قوله (عليه السلام): «خذ ابنه الّذي باعك» الظاهر أنّ المراد أخذه لأجل أخذ الثمن و الغرامة.

و ربّما نوقش في الرواية بأنّها تدلّ على أنّ المولى ردّ البيع أوّلا، و القائل بالفضولي لا يقول بالصحّة بعد الردّ، و لا تنفع الإجازة بعده.

و يمكن دفعه بأنّها ليست بصريحة في الردّ، و لا ظاهرة، بل غايته الظهور في عدم الرضا بالإقباض و مطالبة ردّ الجارية، فلعلّه كان متردّدا في الفسخ و الإمضاء، و التردّد لا يستلزم الفسخ، و المعتبر إنّما هو الفسخ، كما سنشير إليه.

و حجّة المانعين الأصل، و الإجماع المنقول (2)، و أنّه تصرّف في ملك الغير، و أنّه غير قادر على التسليم، و الأخبار الناهية عن بيع ما ليس عنده (3)، و الناهية للبيع عمّا

____________

(1). الكافي 5: 211، ح 12؛ الفقيه 3: 140، ح 615؛ تهذيب الأحكام 7: 74، ح 319، و 488، ح 1960؛ الاستبصار 3: 85، ح 288، و ص 205، ح 739؛ وسائل الشيعة 14: 591، أبواب نكاح العبيد، ب 88، ح 1.

(2). كالمنقول في الخلاف 3: 168، المسألة 275.

(3). تهذيب الأحكام 7: 230، ح 1005؛ وسائل الشيعة 12: 368، أبواب أحكام العقود، ب 2، ح 4.

29

لا يملك من طريق العامّة و الخاصّة، مثل قوله (صلى اللّه عليه و آله) لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك» (1).

و ما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عنه (صلى اللّه عليه و آله)، أنّه قال: «لا طلاق إلّا في ما يملك، و لا عتق إلّا في ما يملك، و لا بيع إلّا في ما يملك» (2).

و ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح، عن الصفّار: أنّه كتب إلى أبي محمّد (عليه السلام):

رجل له قطاع من الأرضين، فحضره الخروج إلى مكّة، و القرية على منازل من منزله، و لم يؤت بحدود أرضه، و عرف حدود القرية الأربعة، فقال للشهود: اشهدوا أنّي قد بعت من فلان جميع القرية الّتي حدّ منها كذا، و الثاني و الثالث و الرابع، و إنّما له بعض هذه القرية، و قد أقرّ له ملكها، فوقّع (عليه السلام): «لا يجوز بيع ما ليس يملك، و قد وجب الشراء على البائع على ما يملك» (3).

و ما رواه الشيخ في الصحيح، عن ابن أسباط، عن سليمان بن صالح، عن الصادق (عليه السلام)، قال: «نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عن سلف و بيع، و عن بيعين في بيع، و عن بيع ما لم ليس عندك، و عن ربح ما لم يضمن» (4).

إلى غير ذلك من الأخبار.

و بقوله تعالى: إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (5)، فإنّ ذلك غير ناش عن التراضي، و إن لحقه بعد ذلك.

و حاصل الجواب عن جميع ذلك أنّ الأصل يخرج عنه بالدليل، كما عرفت.

____________

(1). مسند أحمد 3: 402 و 434؛ سنن الترمذي 3: 534، ح 1234 و ح 1233؛ سنن أبي داود 3: 283، ح 3503، السنن الكبرى 5: 267.

(2). مسند أحمد 2: 207؛ سنن الترمذي 3: 486، ح 1181؛ السنن الكبرى 7: 318، سنن الدارقطني 4: 14 ح 42.

(3). الكافي 7: 402، ح 4؛ الفقيه 3: 153، ح 674؛ تهذيب الأحكام 7: 150، ح 667؛ وسائل الشيعة 12: 252، أبواب عقد البيع و شروطه، ب 2، ح 1، بتفاوت.

(4). تهذيب الأحكام 7: 230، ح 1005؛ وسائل الشيعة 12: 368، أبواب أحكام العقود، ب 2، ح 4.

(5). النساء: 29.

30

و الإجماع مقدوح بانحصار القول في مدّعيه (1) و من شذّ ممّن تأخّر عنه (2)، مع وجود القائل في من تقدّم عليه، و قد نسب المدّعي خلافه إلى قوم من أصحابنا (3)، (4).

و أمّا التصرّف: فمع أنّه ممنوع بمجرّد الصيغة، فغايته النهي و القول بالحرمة- كما يظهر من بعض الأصحاب (5)- و هو لا يدلّ على الفساد.

و أمّا الأخبار: فلا دلالة فيها؛ إذ الظاهر منها المنع عن بيع مال الغير لنفسه عدوانا، بأن يأخذ الثمن لنفسه، أو تحمل على ما لا يقدر على تسليمه.

و يحمل بعضها «مثل قوله (صلى اللّه عليه و آله): و لا بيع إلّا في ما يملك» (6) على المنع من بيع الحرّ، و الخنزير، و الخمر، أو على نفي اللزوم، لا نفي الصحّة، مع أنّ حرمة بيع ما ليس يملكه لا تدلّ على فساده مع الإجازة؛ لأنّ النهي لا يدلّ على الفساد؛ و لذلك ذهب الأكثر إلى صحّة بيع الغاصب بعد إجازة المالك (7).

و ربّما حملت على ما إذا باعه ثمّ ذهب يشتريه، كما في رواية حكيم بن حزام:

أنّه (صلى اللّه عليه و آله) قال في جوابه حين سأله عمّن يبيع مال غيره، ثمّ ذهب يشتريه: «لا تبع ما ليس عندك» (8).

و هو بعيد في مطلق الأخبار، سيّما ما رواه أصحابنا، مع أنّ السؤال غير مخصّص للجواب، فيعمل على عموم الجواب.

____________

(1). ادّعى الإجماع الشيخ في الخلاف 3: 168.

(2). كالسيّد ابن زهرة في غنية النزوع (الجوامع الفقهية): 585.

(3). انظر الخلاف 3: 168، المسألة 275.

(4). كالمفيد في المقنعة: 606، و حكاه في المختلف 5: 85 عن الإسكافي.

(5). انظر مسالك الأفهام 3: 161.

(6). مسند أحمد 2: 207؛ سنن الترمذي 3: 486، ح 1181؛ سنن الدارقطني 4: 14، ح 42؛ السنن الكبرى 7: 318.

(7). كالعلامة في مختلف الشيعة 5: 87، مسألة 48، و ص 55 في طبعة جماعة المدرسين. و الفخر في إيضاح الفوائد 1: 417، و الشهيد في الدروس الشرعية 3: 193، و الكركي في جامع المقاصد 4: 69.

(8). مسند أحمد 3: 402، ح 434؛ سنن الترمذي 3: 534، ح 1232، و ح 1233؛ سنن أبي داود 3: 283، ح 3503؛ السنن الكبرى 5: 267.

31

و ربّما حملت على ما إذا علم المشتري بالغصبيّة، كما تضمّنته سؤالاتها؛ نظرا إلى أنّه مع علم المشتري يكون قد سلّط البائع الغاصب على الثمن، و لم يكن له الرجوع لو تلف، بل مع بقائه أيضا على إشكال و خلاف، فلا يدخل في ملك صاحب المال.

و يتفرّع عليه أنّ البائع إذا اشترى به متاعا، فقد اشتراه لنفسه، و يصير ملكا له، فلا تجدي فيه إجازة المالك الأصلي.

و عن حواشي الشهيد (رحمه اللّه) على القواعد: أنّه رأى بخطّ المصنّف أنّ الفرق بين علم المشتري و جهله أنّ البيع إنّما يتحقّق مع الجهل بالغصبيّة؛ ليقع العقد شبيها بالصحيح، و يقع في ملك البائع، فينتقل منه إلى المالك، أمّا مع علمه: فلا يقع العقد صحيحا بوجه، فلا يستحقّ البائع الثمن حتّى يستحقّه المالك.

و أمّا الجواب بمعارضتها بالأخبار المجوّزة لبيع ما ليس عنده، المشعر بعضها بأنّ القول بعدم الجواز مذهب العامّة- كما سنشير إليها- و لا كراهة فيه؛ إذ المراد من تلك الأخبار أنّه لا يشترط وجود المبيع حال البيع، كما في السلف، لا أنّه يجوز بيع مال الغير المعيّن المشخّص فضولا. مع أنّها معارضة بمثل صحيحة محمّد بن القاسم بن الفضيل عن رجل اشترى من امرأة من آل فلان بعض قطائعهم، و كتب عليها كتابا بأنّها قد قبضت المال، و لم تقبضه، أ يعطيها، أم يمنعها؟ قال: «قل له: يمنعها أشدّ المنع، فإنّها باعته ما لم تملكه» (1).

و مثل صحيحة محمّد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام)، قال: سأله رجل من أهل النيل عن أرض اشتراها بفم النيل، و أهل الأرض يقولون: هي أرضهم، و أهل الأسنان يقولون:

هي من أرضنا، فقال: «لا تشترها إلّا برضا أهلها» (2).

____________

(1). الكافي 5: 133، ح 8؛ تهذيب الأحكام 6: 339، ح 945، و 351، ح 996، و ج 7: 181، ح 795، وسائل الشيعة 12: 249 أبواب عقد البيع و شروطه، ب 1، ح 2.

(2). الكافي 5: 283، ح 4؛ تهذيب الأحكام 7: 149، ح 662؛ وسائل الشيعة 12: 249، أبواب عقد البيع و شروطه، ب 1، ح 3.

و النيل: نهر يخرج من الفرات الكبير فيمرّ بالحلّة، انظر معجم البلدان 5: 334.

32

و الجواب عن هذه الأخبار بحملها على البيع لنفسه، من غير قصد أن يكون لمالكها، بل هو الظاهر منها.

و مثله الجواب عن الأخبار الواردة في المنع عن شراء السرقة و الخيانة (1).

ثمّ إنّ الأخبار المانعة- على فرض تسليم دلالتها على الحرمة- لا تدلّ على عدم الصحّة بعد الإجازة، و سيجيء تمام الكلام.

و أمّا عدم القدرة على التسليم: ففيه منع واضح؛ إذ هي موجودة مع الإجازة.

و ثبوت الاشتراط مطلقا ممنوع، و القدرة في الجملة ثابتة؛ فهو كبيع الطائر المعتاد عوده.

و أمّا الاستدلال بالآية: ففيه أنّ الاستثناء منقطع، و حليّة التجارة عن تراض لا تنافي حليّة ما يلحقه التراضي، إذا دلّ الدليل عليه من عموم الآية و الأخبار.

و يتمّ المقام بذكر أمور:

[الأمر] الأوّل:

أنّهم قالوا: لا يكفي في الإجازة الحضور مع السكوت، و حكمه حينئذ حكم الغائب.

قال في التذكرة: «قاله علماؤنا و أكثر أهل العلم» و إنّما نقل الخلاف عن ابن أبي ليلى قياسا على البكر (2).

و كذلك لو لم يكن حاضرا و حصل العلم له به و سكت.

و قال المحقّق الأردبيلي (رحمه اللّه): «و ممّا تقدّم يعلم أنّه لو علم الرضا يكفي لصحّة البيع، و لا يحتاج إلى التصريح» (3).

و الظاهر أنّه أراد ب«ما تقدّم» هو ما ذكره في الاستدلال على كفاية المعاطاة في

____________

(1). انظر وسائل الشيعة 12: 248، أبواب عقد البيع و شروطه، ب 1، و ج 13: 50 أبواب بيع الحيوان، ب 23.

(2). تذكرة الفقهاء 1: 463.

(3). مجمع الفائدة و البرهان 8: 160.

33

البيع، بأنّ الظاهر أنّ الغرض حصول العلم بالرضا و هو حاصل.

أقول: و كلامه مبنيّ على القول بصحّة الفضولي، و إلّا فهو لا يقول بصحّته من الأصل، و هو بعيد. و اتّفاق الأصحاب هنا ظاهرا على لزوم اللفظ، ممّا يؤيّد اشتراط الصيغة في أصل البيع، و أنّه لا يكفي مطلق الرضا.

و أمّا قولهم بجواز الاكتفاء بسكوت البكر في إجازة النكاح الفضولي: فهو لا يضرّ؛ لثبوته كإذنها في أصله بالدليل. و بعض الأخبار الدالّة على كفاية السكوت في نكاح العبد (1) مهجور و مؤوّل.

[الأمر] الثاني:

أنّه كما يشترط اللفظ في الرضا، يشترط في الفسخ أيضا.

و عن الشهيد (رحمه اللّه) في حواشي القواعد في باب النكاح أنّه قال: لو قال:

«لم أجز»، كان له الإجازة بعد ذلك، فالردّ هو أن يقول: «فسخت» أو ما في معناه (2).

و تؤيّده صحيحة محمّد بن قيس المتقدّمة (3).

و ينقدح ممّا ذكرنا أنّ الإجازة و الفسخ من باب الإرادة و الكراهة، لا الشهوة و النفرة، فلا تكفي محبوبيّة البيع في الإجازة، و لا مبغوضيّته في الفسخ.

[الأمر] الثالث:

أنّه يظهر ممّا ذكرنا أنّه لا يكفي في صحّة الفضولي العلم برضا المالك قبل العقد بإيجاب العقد، فلو علم بشاهد الحال أنّه راض ببيع ملكه و باعه، فلا يخرج بذلك عن البيع الفضولي، و لا يدخل في التوكيل؛ إذ التوكيل يحتاج إلى إنشاء مفهم له، فمحض الرضا الباطني لا يكفي في ذلك، و إن أوجب جوازه. و ليس معناه الرخصة في الفعل بالخصوص.

____________

(1). انظر وسائل الشيعة 14: 525، أبواب نكاح العبيد، ب 26، و ص 206، أبواب عقد النكاح، ب 5.

(2). حواشي الشهيد على قواعد الاحكام غير موجود لدينا.

(3). الكافي 5: 211، ح 12؛ الفقيه 3: 140، ح 615؛ تهذيب الأحكام 7: 74، ح 319، و ص 488، ح 1960؛ الاستبصار 3: 85، ح 288، و ص 205، ح 739؛ وسائل الشيعة 14: 591، أبواب نكاح العبيد، ب 88، ح 1.

34

[الأمر] الرابع:

أنّ الفسخ لا بدّ أن يكون من المالك، أو من قام مقامه، فلا ينفع فسخ الفضولي، كما لا ينفع رضاه، سيّما إذا كان أحد الطرفين لنفسه، حتّى أنّه لو فرض كون الطرفين فضوليين و حصل التقايل بينهما، فلا يوجب بطلان العقد؛ إذ بمجرّد حصول العقد فضولا تعلّق حقّ الإجازة للمالك بذلك العقد، و لا يرتفع بتقايل العاقدين، فإنّ المالكين لهما إجازة مضمون العقد، سواء بقي رضا العاقدين بحاله، أم لا.

و لم نقف في كلامهم على تصريح بكثير ممّا ذكرنا.

[الأمر] الخامس:

أنّ الإجازة ليست بفورية، كما صرّح به جماعة (1)؛ للأصل، و الاستصحاب، و العمومات. فيندفع ما يتوهّم أنّ الفضولي خلاف الأصل، فيقتصر فيه على المتيقّن؛ لأنّ الأصل لا يعارض الدليل.

و يستفاد ذلك- مضافا إلى العمومات- من خصوص الأخبار، منها صحيحة محمّد بن قيس المتقدّمة.

[الأمر] السادس:

إذا أبى المعقود له فضولا، و أظهر الكراهة، يبطل العقد، و لا تنفع إجازته بعد ذلك.

و الظاهر أنّه لا خلاف فيه، فلاحظ كلامهم في مسائل النكاح الفضولي؛ و لأنّ الفضولي خلاف الأصل، فيقتصر فيه على المتيقّن.

المقام الثاني: في بيع الغاصب

و الأكثر على أنّه يصحّ بالإجازة، كما في الإيضاح (2).

و اختلفوا في اطّراد الحكم للجاهل و العالم، و عدمه، فعن العلّامة في المختلف (3)،

____________

(1). كالشهيد في الدروس الشرعية 3: 194، و الفاضل المقداد في التنقيح 2: 27.

(2). إيضاح الفوائد 1: 417.

(3). مختلف الشيعة 5: 55، و (في طبعة مركز الأبحاث) ص 78.

35

و ولده في الإيضاح (1)، و الشهيد في حواشي القواعد (2)، و العلّامة الرازي، اختصاص الصحّة بالمشتري الجاهل.

و عن الدروس الشرعية (3) و المحقّق الثاني في شرح القواعد (4)، تعميمها للعالم.

و يظهر من العلّامة الإشكال و التردّد في العالم في التذكرة (5) و القواعد (6).

بل و عن التذكرة الإشكال في الجاهل إذا كان البائع فضوليّا أيضا، قال: «لو باع الفضولي أو اشترى مع جهل الآخر، فإشكال؛ ينشأ من أنّ الآخر إنّما قصد تمليك العاقد، أمّا مع العلم فالأقوى ما تقدّم، و في الغاصب مع علم المشتري أشكل» (7).

حجّة الأوّلين: الأخبار المانعة عن بيع «ما لا يملك» (8) و «ما ليس عنده» (9).

و فيه: أنّها إنّما تدلّ على حرمة البيع لنفسه، بأن يسلّم المبيع و يأخذ الثمن لنفسه، و ليس فيها ما يدلّ على البطلان بعد لحوق الإجازة.

و أنّ ما دفعه إلى الغاصب كالمأذون له في إتلافه، فلا يكون ثمنا، فلا تؤثّر الإجازة في جعله ثمنا.

و يدلّ على الصحّة: عموم قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (10) فإنّ الظاهر أنّ بيع الغاصب مع علم المشتري بعد لحوق الإجازة من العهود الموثّقة، و يصدق على

____________

(1). إيضاح الفوائد 1: 417.

(2). حواشي القواعد غير موجود.

(3). الدروس الشرعية 3: 193.

(4). جامع المقاصد 4: 69.

(5). تذكرة الفقهاء 1: 463.

(6). قواعد الاحكام 1: 124.

(7). تذكرة الفقهاء 1: 463.

(8). انظر عوالي اللآلي 2: 247، ح 16.

(9). مسند أحمد 3: 402، ح 434؛ سنن الترمذي 3: 534، ح 1232، و ح 1233؛ سنن أبي داود 3: 283 ح 3503؛ السنن الكبرى 5: 267.

(10). المائدة: 1.

36

الثمن أنّه عوض عن المبيع عرفا، و إن لم يكن التعويض مجزيا شرعا، و لم يخرج الثمن عن ملك المشتري ما دام باقيا، و تجوز استعادته على الأصحّ.

و جواز التصرّف بتسليط المشتري، لا ينافي كونه عوضا عن المبيع بمقتضى عقد البيع؛ كما أنّه لا يضرّ التصريح بتجويز التصرّف في الفضولي المصطلح بالإجازة بعده.

و يشكل المقام بما ذكره الشهيد في وجه إشكال العلّامة في تتبّع العقود الواقعة على ثمن المغصوب، من أنّه مع علمه يكون مسلّطا للبائع على الثمن، فلا يدخل في ملك ربّ العين، فحينئذ إذا اشترى به البائع متاعا فقد اشتراه لنفسه، و أتلفه عند الدفع إلى البائع، فيتحقّق ملكه للمبيع، فلا يتصوّر نفوذ الإجازة هنا؛ لصيرورته ملكا للبائع- و إن أمكن إجازة المبيع، مع احتمال عدم نفوذه أيضا- لأنّ ما دفعه إلى الغاصب كالمأذون له في إتلافه، فلا يكون ثمنا، و لا تؤثّر الإجازة في جعله ثمنا.

ثمّ قال: «إنّه يلزم من القول ببطلان التتبّع، بطلان إجازة البيع في المبيع؛ لاستحالة كون المبيع بلا ثمن» (1).

أقول: و يمكن دفعه بإمكان التزام بطلان التتبّع مع صحّة إجازة البيع، بأن يجوز له التصرّف في الثمن و التسليم إلى الغاصب، مع التزامه للغرامة لو أجاز المالك. و بهذا يحصل الجمع بين جواز تسليط الغاصب على الثمن، و جواز تصرّفه فيه مع صحّة إجازة البيع، فيأخذ عوضه من المشتري مثلا أو قيمته.

فكما يمكن أن يستدلّ بجواز تصرّف الغاصب- كما نصّ عليه الأصحاب- على أنّ الثمن لم يكون عوضا، بل سلّمه المشتري مجّانا، فلا تصحّ الإجازة في البيع و لا في التتبّع للمالك، فيمكن أن يستدلّ به على أنّ للمشتري أن يعاوض الثمن، و يلتزم عوضه في ذمّته مثلا أو قيمته، و تسليمه إلى الغاصب، فتصحّ الإجازة للبيع، و أخذ

____________

(1). حواشي الشهيد على القواعد غير موجود لدينا.

37

العوض، و إن لم يجز للمالك التتبّع، فلا ملازمة بينهما.

و ذلك كما قيل في جواز بيع المشتري للمبيع في آن خيار البائع، و لزوم ردّ المثل أو القيامة لو ردّ البائع مثل الثمن إلى المشتري و فسخ البيع، و إن كان ضعيفا عندي؛ لعدم استقرار الملك و تماميّته المعتبرين في صحّة البيع، مع أنّ التزلزل هنا أقوى؛ لأنّ الملك هنا مرجوّ بحصول الإجازة بعد ذلك، و ثمّة شائبة لبقاء الملك السابق.

و يتّضح ما ذكرنا غاية الوضوح في ما لو باعه الغاصب في ذمّة المشتري، و سلّمه المشتري في ضمن فرد من الكلّي، فلا يصحّ البيع؛ لأنّ المشتري ليس مستقلّا في تعيين ما في الذمّة، فكأنّه سلّطه عليه مجّانا، و تصحّ الإجازة لو ردّها على ما في ذمّة المشتري.

لا يقال: إنّ في صورة إباحة المشتري للمتصرّف غير مترقّب للإجازة و لا محتمل لها منافاته للعوضية ظاهرة، و مع ترقّبها، فالإباحة على القول بأنّ الإجازة كاشفة- كما هو الأصحّ- فاسدة، لا تؤثّر في تصحيح التصرّف، فتجويزهم التصرّف للغاصب، إنّما هو لعدم كون العقد صحيحا؛ لأنّا نقول: مع أنّه لا يتمّ في الفضولي أيضا القول بالكشف؛ لأنّه إباحة في التصرّف في مال الغير يرد عليه أنّ المراد بالعوضيّة، هي العوضيّة بمقتضى ظاهر العقد، لا المعاوضة مع المالك، و أيضا عدم ترقّب الإجازة، بل و عدم احتمالها لا يضرّ بتأثير الإجازة بعد حصولها من باب الاتّفاق، و إن كان و لا بدّ، فالّذي يضرّ هو قصد الانتقال إلى الغاصب مطلقا، أي سواء أجاز المالك أو لم يجز، لا مطلق قصد الانتقال.

و الحاصل أنّ التحقيق و إن كان انتفاء الجنس بانتفاء الفصل، و أنّه لا بقاء للجنس بعد انتفاء الفصل، و أنّ عقد الغاصب لنفسه حرام و فاسد بالنسبة إلى نفسه، لكنّه عقد البيع عرفا. و فائدة ملاحظة الجنس هنا الإشارة إلى الصيغة، يعني: أنّ العقد الّذي وقع بضم الصيغة إلى قصد كونها واقعة على المال المعيّن لنفس البائع الغاصب و المشتري العالم قد بدّلته بجريانها على ذلك بعينه لنفسي، فيكون عقدا جديدا، كما

38

هو أحد الأقوال في الإجازة، كما سنشير إليه.

و معنى ضمّ فصل آخر إلى الجنس كون العقد السابق مذكّرا للجنس؛ ليضمّ إليه فصل آخر، حتّى يتحقّق نوع، لا أن يضمّ ذلك الفصل إلى الحصّة من الجنس الموجودة مع الفصل السابق. كما أنّه كذلك في المالك الجاهل بأنّ الملك لغيره، إذا باعه و أجازه المالك الواقعي.

فالمعيار هو وقوع الإيجاب و القبول على ملك معيّن، فإنّه يطلق عليه البيع عرفا، و إن كان فاسدا؛ و لا ريب أنّ قصدهما حينئذ إيقاع البيع و إن كان فاسدا، فيبدّل المالك الحقيقي هذا العقد الفاسد بالعقد الصحيح، بل هذا الكلام يجري في المشتري الجاهل بالغصب مع علم البائع بأنّه مال الغير و يبيعه عدوانا، فإنّ معنى إيجاب الغاصب، نقل الملك عن نفسه و أخذ العوض لنفسه، و الّذي حصل من إجازة المالك هو بيعه لنفسه، و هما نوعان متباينان.

و أمّا الفضولي المصطلح: فهو و إن كان يمكن إجراء هذا الكلام فيه؛ لأنّ المانع من الفضولي هو الإيجاب المشروط المعلّق على شرطه ضمنا، و الّذي أجازه المالك و رضي به هو وقوعه بتّا، فليس ما أجازه نفس ما وقع من الفضولي، بل هما نوعان متباينان. و هذا إمّا مبنيّ على عدم جواز التعليق في العقود إلّا ما خرج بالدليل، و إمّا مبنيّ على جوازه إلّا ما أخرجه الدليل- كما هو الأقوى- و هذا ممّا لم يخرجه.

و لكن يمكن أن يقال: إنّ ما أوقعه الفضولي هو الإيجاب الباتّ مشروطا بشرط.

و هذه الإجازة هي شرط وقوعه بتّا، و المفروض وجود الشرط، فيوجد المشروط بوجوده، فليس عقدا جديدا، بل هو بعينه ما أوجده الفضولي مع تحقّق شرطه.

و تأخّر الشرط عن المشروط في الأحكام الشرعيّة غير عزيز، كتأثير غسل الاستحاضة الفجريّ المتأخّر عن أوّل الفجر، في تصحيح جزء من الصوم المتقدّم عليه.

و بعبارة أخرى نقول: إنّ هذا الشرط الضمني هو شرط في التصرّف، نظير ما

39

نقوله في قول القائل: «أنت وكيلي في بيع عبدي إذا قدم الحاج» حيث جوّزه العلّامة و ادّعى عليه الإجماع (1)، مع أنّه ادّعى الإجماع في اشتراط التنجيز في الوكالة و بطلان التعليق (2)، فالتعليق إنّما هو في الموكّل فيه، لا في التوكيل.

و لك أن تجعله هنا من باب الشرط في ضمن العقد، لا الشرط بمعنى التعليق، كما فعله العلّامة في الوكالة في كتاب الوقف، حيث قال في التذكرة في الفرق بين قول الواقف: «وقفت هذا على فلان إن جاء زيد» و بين قوله: «وقفت هذا على فلان» و شرط أنّه إن خرج عن مذهبه إلى مذهب آخر فلا نصيب له.

ثمّ قال: «و هذا مثل الوكالة لو علّقها بشرط لم يصحّ، و إن أطلق الوكالة و علّق التصرّف فيها بشرط جاز» (3).

و الحاصل أنّ المعتمد هو عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (4) سواء اتّحد مورد العقد و الإجازة أو تباينا.

و لا يذهب عليك، أنّ ما اخترنا من كون ذلك عقدا جديدا لا ينافي القول بالكشف؛ إذ معناه حينئذ: إنّي جعلت هذا العقد في موضع ما أوقعه الفضولي، لا إنّي جعلته ناقلا من الحين، كما هو الظاهر من لفظ «العقد الجديد». فإنّ المراد من الجديد بيان المغايرة، يعني أنّه هذا عقد مغاير لما أوقعه الفضولي، و إن اعتبرنا حصوله في موقعه، لا أنّه لا أثر له قبل الإجازة، و يبطل الأثر بمجرّد ذلك، فافهم.

على أنّا نقول: يمكن دعوى الاتّحاد أيضا، و أنّ الإجازة قد وقعت على ما أوجبه الغاصب، فإنّ الغاصب إنّما قصد الإيجاب في حال اعتقاده بكون الملك له، و أن ينقله إلى المشتري لنفسه لا بشرط ذلك، فحيثيّته تقييديّة، لا تعليلية. فكأنّه قال:

____________

(1). تذكرة الفقهاء 2: 114 (الطبعة الحجرية).

(2). نفس المصدر.

(3). نفس المصدر 2: 439 (الطبعة الحجرية) ..

(4). المائدة: 1.

40

«نقلت هذا الملك إلى المشتري مطلقا» و كان هذا القول في حال ذلك الاعتقاد، فلا يصير قصد النقل لنفسه فصلا له بحيث لا يتخلّف عنه.

و ذلك نظير ما ذكره العلّامة و غيره في صحّة تصرّف الوكيل في صورة التعليق، مع بطلان التعليق؛ اعتمادا على الإذن العام الحاصل من التوكيل، و إن لم يكن ذلك التصرّف من باب التوكيل (1).

و نظير جواز التصرّف في المبيع ببيع المعاطاة على القول بكونها بيعا فاسدا؛ اعتمادا على الرضا الحاصل من البائع؛ إذ رضاه غير معلّل بكونه بيعا، بل في حال اعتقاد كونه بيعا.

فالغاصب في ما نحن فيه ينقل المبيع إلى المشتري على الإطلاق في حال معيّن، و يجيز المالك النقل المذكور المطلق، فيصير مورد البيع و الإجازة متّحدين.

و من ذلك يظهر دفع ما يتوهّم أنّ صحّة الإجازة في المشتري العالم باطل؛ لأنّ المقصود في بيع الغاصب إنّما هو لنفسه، و العقود تابعة للقصود.

و الأولى بالاندفاع ما نقلناه من الإشكال عن التذكرة في الفضولي إذا كان أحدهما جاهلا، و كذا في الغاصب (2).

تتمّة:

قال العلّامة في المختلف: «قال الشيخ في النهاية: لو أمضى المغصوب منه البيع، لم يكن له بعد ذلك درك على المبتاع، و كان له الرجوع على الغاصب بما قبضه من الثمن، و فيه نظر؛ فإنّ إمضاء البيع لا يوجب الإجارة في قبض الثمن، فحينئذ للمالك مطالبة المشتري بالثمن، سواء كان قد دفعه إلى الغاصب أو لا، نعم لو أجاز القبض،

____________

(1). تذكرة الفقهاء 2: 114 (الطبعة الحجرية).

(2). نفس المصدر 1: 463 (الطبعة الحجرية).

41

كان ما قاله الشيخ جيّدا» (1).

أقول: ما ذكره جيّد، و الظاهر عدم الفرق بين ما كان البيع بالعين أو بالذمّة، في عدم استلزام إجازة البيع إجازة القبض.

و عن الشهيد و المقداد: أنّ إجازة البيع الواقع بالعين إجازة للقبض (2)، (3) و هو ممنوع.

و تحقيق المقام أن يقال: إنّ إجازة المالك للبيع مقتضاها «أنّي رضيت بأن يكون المبيع مال المشتري و الثمن مالي» و أمّا الرضا بأن يكون أخذ الغاصب نائبا عن أخذ المالك فيحتاج إلى إجازة جديدة، و رضا مستقلّ.

فما لم يحصل القبض فليس له المطالبة من الغاصب، سواء كان الثمن عينا أو دينا.

و إن قبضه، فما لم تحصل الإجازة و الرضا بالقبض لم يبرأ المشتري من حقّ المالك، و له مطالبته إيّاه.

و ليس له مطالبة الغاصب، إلّا أن يكون عينا، فإنّه تجوز له مطالبة الغاصب حينئذ أيضا، و إن لم يبرأ المشتري و جازت مؤاخذته بالعين أو عوضها. و الظاهر أنّه لا فرق في المسألة بين الغاصب و الفضولي.

و اعلم، أنّ البائع إذا باع مال الغير في الذمّة، و كان للمشتري في ذمّة البائع مثله، فتباريهما و إسقاط المشتري ما في ذمّة البائع عوضا عن الثمن، بمنزلة الإقباض.

فلا دلالة في إجازة البيع على إجازة ذلك الإسقاط الّذي هو بمنزلة القبض.

و أمّا لو جعل البائع الثمن هو ما في ذمّته من مال المشتري، فالظاهر أنّ إجازة البيع بعينه، هي بعينها الإجازة للإقباض أيضا، فلا تجوز له المطالبة إلّا من البائع.

____________

(1). مختلف الشيعة 5: 57، و ص 89 (طبع مركز الأبحاث)، و انظر النهاية: 402.

(2). الدروس الشرعية 3: 194.

(3). التنقيح الرائع 2: 27.

42

المقام الثالث: في أنّ الإجازة كاشفة عن الانتقال من حين العقد

اختلفوا في أنّ الإجازة كاشفة عن الانتقال من حين العقد، أو ناقلة من حين الإجازة.

الأشهر الأقوى الأوّل (1)؛ لأنّها رضا و إمضاء للعقد، و مقتضى العقد هو النقل و الانتقال بمجرّد الصيغة، و هو مدلول الإيجاب و القبول و مقتضى الإنشاء، و المجيز إنّما أجاز مقتضى العقد، و هو ما قصده الفضولي من النقل حين العقد.

و لو كان النقل إنّما يحصل بالإجازة، فلا تكون الإجازة إمضاء للعقد، و المفروض خلافه.

و لو كان المراد من الصيغة النقل من حين الإجازة، فهو ليس إمضاء للنقل السابق المستفاد من العقد.

و يتّضح ذلك غاية الوضوح في الغاصب و الجاهل بكونه مال الغير، إذا باعه معتقدا للملكيّة، ثمّ ظهر استحقاقه للغير؛ فإنّهما يريدان النقل حين العقد جزما.

و يدلّ عليه في النكاح خصوص صحيحة أبي عبيدة في تزويج صغيرين، الدالّة على أنّه لو بلغ أحدهما و أجاز و مات، ثمّ بلغ الآخر و أجاز، ورث منه (2)، و عمل بها الأصحاب، فإنّه لا يتمّ إلّا على القول بالكشف؛ إذ لا يمكن حصول الزوجيّة الابتدائية للميّت، بخلاف الرضا بزوجيّته.

و ذهب الآخرون إلى الثاني، و منهم المحقّق الأردبيلي مع إصراره فيه (3)؛ محتجّا

____________

(1). كما في رياض المسائل 1: 513 (الطبعة الحجرية).

(2). الكافي 7: 131، ح 1؛ تهذيب الأحكام 7: 388، ح 1555، و ج 9: 382 ح 1366؛ وسائل الشيعة 17: 527، أبواب ميراث الأزواج، ب 11، ح 1.

(3). مجمع الفائدة و البرهان 8: 159.

43

بأنّ الظاهر من الآيات و الأخبار، سيّما قوله تعالى: إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (1) و كذلك الظاهر من العقل و الإجماع أنّ رضا صاحب المال جزء أو سبب أو شرط له دخل في صحّة العقد، فكيف يصحّ العقد بدونه؟!

و أنّه إن لم يكن الرضا جزءا- و المفروض عدم جزء آخر بالاتّفاق- فيلزم الحكم بالصحّة بمجرّد الإيجاب و القبول من دون الرضا.

و أيضا، إذا لم يجزه المالك و فسخه، و ظهر كون العقد غير صحيح من حين الوقوع، فيلزم الحكم بفساد العقد، مع وجود جميع ما يتوقّف عليه بحكم الفرض.

و أيضا، أنّ توقّف العقد على أمر آخر إلى حين الإجازة، يلزم منه عدم صحّة العقد قبله، فلا يكون الرضا كاشفا عن الصحّة بالفعل قبل لحوق الرضا.

أقول: أمّا الجواب عن الأوّل: فإنّ الظاهر مراده من المذكورات، ما ذكره في بطلان أصل الفضولي أنّه ليس بتجارة عن تراض، و أنّه بيع لما لا يملك، المنهي عنه في الأخبار (2)، و أنّه تصرّف في مال الغير، المحرّم بالعقل و النقل و الإجماع. و قد عرفت الجواب عنها مفصّلا.

و نزيد هنا، أنّا نمنع دلالتها على مدخليّة الرضا في الصحّة مطلقا، بل القدر المسلّم هو البطلان بعد الفسخ. و قد عرفت أنّه لا يكفي عدم الإجازة، بل يعتبر الفسخ، و هو في معنى الصحّة؛ إذ لا معنى لفسخ ما ليس له تحقّق. و عدم ترتّب الأثر الّذي هو معنى الصحّة، إنّما هو بحصول الفسخ. و يكفي في الصحّة ترتّب الأثر في الجملة.

و أثر البيع إنّما هو الانتقال في الجملة، و هو متحقّق في ضمن النقل المتزلزل، و هو حاصل قبل الإجازة. فهي شرط لاستقرار الانتقال، نظير انقضاء أيّام الخيار في

____________

(1). النساء: 29.

(2). انظر وسائل الشيعة 12: 248، أبواب عقد البيع و شروطه، ب 1.

44

البيع اللازم. فكما أنّ توقّف الاستقرار فيه على انقضاء أيّام الخيار لا ينافي ترتّب الأثر قبله، فكذا في ما نحن فيه.

و كذا الكلام في عدم جواز تصرّف المشتري إذا علم بكون البائع غاصبا مثلا، و توقّف جوازه على الإجازة لا ينافي حصول الانتقال المتزلزل. و هو يكفي في الصحّة، مع أنّه على القول بكونها شرطا لا جزءا، لا استبعاد في تأثير الشرط المتأخّر، كما أشرنا سابقا و أتينا بمثاله، فإنّ علل الشرع معرّفات.

و يظهر بالتأمّل في ما ذكرنا الجواب عن البواقي.

و حاصله أنّ الإجازة شرط اللزوم، لا سبب للصحّة، و لا جزؤه، و لا يضرّ تأخّره عن المشروط في تأثيره. كانقضاء أيّام الخيار، و كغسل المستحاضة لصلاة الصبح بعيد طلوع الفجر لتصحيح الصوم مع تقدّم قطعة من النهار بلا غسل.

و أنّ الصحّة و ترتّب الأثر، أعمّ من الانتقال المستقرّ، كما أشرنا.

و أنّ عدم ترتّب الآثار إنّما هو من جهة الفسخ؛ لا لأنّه كان بيعا فاسدا، إلى غير ذلك ممّا يظهر بالتأمّل في ما ذكرنا سابقا.

و تظهر ثمرة هذا النزاع في النماء المتخلّل بين العقد و الإجازة، و غيره ممّا يترتّب على البيع من الثمرات: فالنماء للمشتري في المبيع، و لمالك العين في الثمن، إذا باعها بعين معيّنة على المختار. و لمالك المبيع في المبيع، و للمشتري في الثمن على الآخر.

و قال في الروضة: «إنّه على الآخر للمالك المجيز في الثمن و المثمن كليهما» (1).

و ربّما علّل بأنّ المشتري له التصرّف في ماله، و قد نقله إلى البائع الفضولي بقبوله للعقد، فلا وجه لتوقّفه على إجازة غيره.

و فيه أوّلا: أنّه لا يتمّ في ما إذا كان المشتري أيضا فضوليا و أجاز المالكان.

____________

(1). الروضة البهية 3: 229.

45

و ثانيا: أنّ ما ذكره له وجه في ما لو كان المشتري عالما بأنّ المبيع مال الغير، فضوليا كان أو غاصبا. مع الإشكال في غير الغاصب أيضا؛ فإنّه كأنّ بقبوله نقل الثمن إليه مجّانا.

و أمّا لو كان جاهلا: فلم ينقله إلّا على وجه المعاوضة، فإذا لم يتحقّق فماله و نماؤه باق على ماليته. و على القول بكونها ناقلة، لا يحصل النقل الحقيقي إلّا بالإجازة. فهذا العقد ليس من باب ما يفيد الملكيّة الثابتة في نفس الأمر المتزلزلة بالخيار، بل من باب جزء السبب الصالح لأن يتمّ بلحوق الإجازة، و يفيد الملك حينئذ.

و الحاصل أنّه يحكم بقبوله بالملكيّة الظاهرة، حتّى يتحقّق سبب الملكيّة الواقعيّة فيحكم بها، لا بالملكيّة الحقيقيّة المتزلزلة، حتّى يستقرّ تزلزلها، و ستجيء بعض الثمرات في تعاقب العقود.

و ربّما يقال: إنّ من ثمرة النزاع، أنّه لا يجوز للمشتري الفسخ قبل الإجازة على القول بالكشف، و يجوز على القول الآخر، و لعلّ المراد أنّ الإجازة لمّا كانت كاشفة، فهي كاشفة عن بطلان الفسخ؛ لعدم اختياره للفسخ حينئذ؛ لثبوت لزوم البيع حينئذ في الواقع، فلا خيرة فيها إلّا بالتقايل، و أمّا على القول الآخر: فيمكن؛ لعدم تحقّق البيع.

و فيه، أنّه لا معنى لتسميته فسخا للبيع، بل غاية توجيهه إبطال تأثير جزء السبب؛ إذ جواز الإبطال ممنوع؛ لأنّ ترتّب الأثر على جزء السبب بعد انضمام الجزء الآخر من أحكام الوضع، لا مدخليّة لاختيار المشتري فيه.

فالقولان مشتركان في عدم جواز الفسخ بمعنى القدر المشترك بين فسخ البيع و فسخ تأثير جزء السبب، فيرجع مال كلام القائل بإمكان تصوّر فسخ البيع على القول بالكشف، دون القول بالنقل، و هي مسألة علمية لا دخل لها في الفروع، و البحث في الجواز و عدم الجواز، فرع إمكان تحقّق الموضوع، و قد عرفت عدمه.

46

المقام الرابع: في حكم تعاقب العقود على الثمن أو الثمن

قد ظهر ممّا مرّ حكم الإجازة و عدمها إذا كان العقد واحدا، و أمّا لو تعاقبت العقود على المثمن أو الثمن أو كليهما: فلا إشكال لو أجاز الجميع.

و أمّا لو أجاز واحدا منها: فإن كان هو العقد الواقع على المثمن، صحّ في المجاز و ما بعده، و يبطل ما قبله. كما لو باع زيد أرض عمرو لبكر بفرس، ثمّ باع بكر الأرض لخالد ببقر، ثمّ باع خالد الأرض لوليد بدراهم؛ فإن أجاز عمرو بيع خالد بدراهم، فيصحّ بيع الأرض بالدراهم، و يبطل ما قبله، سواء قلنا: إنّ الإجازة كاشفة أو ناقلة؛ لأنّ إجازته لبيعها بالدراهم إنّما تتمّ مع بقاء ملكيّته عليها، و بقاؤها على ملكه لا يجامع صحّة ما قبلها؛ إذ لو كان ما قبلها صحيحا، لما كان ملكا، بل كان ملكا للبائع. فلم تصحّ إجازته في بيعها بالدرهم.

و إن أجاز أحد البيوع السابقة، كما لو أجاز بيعها بالبقر، فيبطل بيعها بالفرس- كما مرّ- و يصحّ ما بعده، يعني بيع خالد بالدراهم، إن قلنا بأنّ الإجازة كاشفة- كما هو المختار- لتبيّن وقوع بيع خالد في ماله عند العقد.

و أمّا إن قلنا بأنّها ناقلة: فليس كذلك؛ لأنّ المالك إذا أجاز بيع الفضولي المتقدّم- و هو بيع بكر في المثال- فقد صار الآن ملكا للمشتري منه، و هو خالد، و حينئذ فلا يمكن للمالك الأصلي إجازة العقود اللاحقة؛ لخروجه عن ملكه، فيبقى الأمر في يد المشتري الأوّل، و هو خالد، فإنّه هو المالك حينئذ، و حينئذ ففي المثال المذكور احتمالات:

أحدها: البطلان؛ لأنّها لم تكن ملكا لخالد حين العقد، و لا تنفع إجازته أيضا بناء على أنّ الإجازة إنّما تصحّ من المالك حين العقد، و المفروض عدمه.

و الثاني: أنّه يصحّ بيع خالد من وليد إن أجاز البيع، بناء على القول بكفاية مطلق الملك، سواء كان في حال العقد أو بعده.

47

و الثالث: الصحّة و إن لم يجز، بناء على أنّ التملّك أبلغ من الإجازة.

و الأظهر عندي الصحّة إن أجاز بعد حصول الملك، كما لو باع أحد مال الغير فضولا، ثمّ اشتراه منه، أو انتقل إليه بنحو آخر، سواء قيل بأنّ الإجازة كاشفة أو ناقلة، و سنحقّق هذا المطلب في ما بعد.

و أمّا إن كان المجاز هو العقد الواقع على الثمن: فهو يحتمل وجهين:

[الوجه] الأوّل: أن يجيز العقد على الثمن، ثمّ على ثمن الثمن، و هكذا.

و [الوجه] الثاني: أن يجيز العقود المتعاقبة على أصل الثمن.

مثال [الوجه] الأوّل أن يبيع الفضولي دار زيد بفرس من عمرو، ثمّ يبيع الفرس من بكر ببعير، ثمّ يبيع البعير من خالد بدراهم.

و مثال [الوجه] الثاني: أن يقع البيع فضولا على الفرس مرارا، مثل أن يبيع الفضولي دار زيد بفرس من عمرو، ثمّ يبيع الفرس ببعير من بكر، ثمّ باع بكر الفرس من خالد ببقر، ثمّ باع خالد الفرس بدراهم من وليد.

فأمّا [الوجه] الأوّل، فحكمه أنّه يصحّ المجاز و ما قبله، و يقف ما بعده على الإجازة.

أمّا الأوّل: فلأنّ زيدا لو أجاز بيع الفرس من بكر ببعير، فيعلم منها إجازته لما قبله؛ حملا لقول المسلم و فعله على الصحّة؛ إذ لا تمكن صحّة الإجازة إلّا مع كونه للفرس، و لا يتحقّق ذلك إلّا بإجازة بيع داره بالفرس.

و أمّا الثاني- أعني وقوف ما بعده على الإجازة-: فلأنّ إجازة بيع الفرس الّذي كان ثمن ملكه بالبعير لا يفيد نقل البعير إلى خالد، و ليس له آخر، فيصدق أنّ البعير حينئذ ملك زيد، و أنّ بيع البعير بالدراهم كان فضوليا، فإذا أجازه صحّ البيع.

و أمّا [الوجه] الثاني:- أعني جريان العقود على أصل الثمن- فحكمه أنّ المجاز منها صحيح، و يبطل ما قبله إلّا العقد الأوّل الذي وقع على الثمن الّذي هو في مقابل أصل المثمن.

48

و أمّا ما بعده: ففيه الوجوه الثلاثة المتقدّمة.

فإذا أجاز المالك بيع بكر الفرس من خالد ببقر، فيصحّ بيع الفرس بالبقر، و بيع الدار بالفرس، و يبطل بيعه ببعير.

و في بيع الفرس بالدراهم الوجوه الثلاثة.

أمّا صحّة بيع الفرس بالبقر؛ فلأنّ إجازته دليل على أنّه رضي بأن يكون الفرس ماله حتّى تصحّ منه إجازته، و لا يتمّ ذلك إلّا بإجازته بيع بداره بالفرس؛ ليقع فعل المسلم على الوجه الصحيح.

و أمّا بطلان ما قبله: فلعدم وقوع الإجازة عليه؛ إذ لا تستلزم إجازة بيع الفرس بالبقر إجازته بيعه بالبعير، و لا تتوقّف صحّته عليه، و لكن لا مناصّ عن كونه مجيزا لبيع الدار بالفرس؛ ليصحّ فعل المسلم.

و أمّا جريان الوجوه الثلاثة في ما بعده- أعني في بيع الفرس بالدراهم-: فلأنّ خالدا باع الفرس بالدراهم فضولا؛ لأنّه باع ما لا يملكه، و الحال صار مالكا له بإجازة المالك الأصلي، فدخل في مسألة «من باع شيئا فضولا أو اشترى بثمن فضولا ثمّ ملكه» فإنّ فيه الأوجه الثلاثة، و الأظهر احتياجه إلى إجازة خالد لبيعه الفرس من وليد، كما أشرنا سابقا.

هذا حاصل ما ذكره المحقّق الشيخ عليّ (رحمه اللّه) في هذا المقام (1).

و يمكن أن يقال: إنّ هذا إنّما يتمّ على القول بكونها كاشفة، فيظهر كونه حين بيع بكر من مال خالد، فوقع بيع خالد من وليد في ماله فيصحّ، و لا يحتاج إلى الإجازة، و لا تجري فيه الأوجه الثلاثة.

فإن قلت: إنّ صيرورة الفرس مال زيد إنّما هو بهذه الإجازة، فالفرس حين بيع بكر من خالد لم يكن مالا لزيد و لا لبكر، فلم تقع إجازة زيد على ماله.

____________

(1) جامع المقاصد 4: 7.

49

قلت: مرادنا من حمل فعل المسلم على الصحّة، أنّه وقعت من زيد إجازة لبيع الدار بالفرس غير هذه الإجازة، حتّى ترد الإجازة على الملك.

سلّمنا عدم لزوم حمل فعل المسلم على الإجازة السابقة المنفردة، و اكتفينا بهذه الإجازة، لكن نقول: إنّ صيرورة الفرس مال زيد و انتقاله إلى خالد بإجازته بيع بكر من خالد، حصل بجعل واحد، فيصدق أنّ زيدا أجاز بيع ماله من خالد، و على القول بالكشف انتقل الفرس إلى خالد ببيع بكر، فبيع خالد من وليد إنّما هو في ماله.

فإن قلت: الفرق بين القول بالكشف و النقل مع كون الإجازة من المالك حين العقد هو أنّ النقل عبارة عن انتقال مال المجيز الثابت الماليّة إلى المشتري حين الإجازة، و الكشف عبارة عن انتقاله منه إليه بعد العقد و بسبب العقد، ففي كلا الصورتين يعتبر تقدّم الماليّة على الإجازة، و المفروض حصول الماليّة بالإجازة لا قبل الإجازة، فالإجازة لم ترد على ماله، بل حصلت الماليّة بسببها، فلا مناص إلّا عن إجراء الوجوه الثلاثة بالنسبة إلى إجازة خالد بيعه من وليد.

قلت: لا ينافي حصولهما بجعل واحد تقدّم ماليّة زيد؛ إذ المدلول التبعي قد يكون متقدّما بالطبع، كمقدّمة الواجب، كما قد يكون متأخّرا، فبسبب دلالة إجازة بيع بكر من خالد بالبقر على إجازته بيع الفضولي داره من عمرو بفرس تبعا ثبتت ماليّة الفرس لزيد أوّلا، ثمّ ثبتت صحّة ماليّة الفرس لخالد؛ لدلالته عليه ثانيا أصالة بتلك الإجازة.

فعلى القول بالكشف يقع بيع خالد من وليد في ماله فيصحّ، و على القول بالنقل تجيء الأوجه الثلاثة، لكن يرد حينئذ أنّ التفصيل يجيء في نفس المجاز أيضا.

فنقول في تفصيل المقام: إنّ إجازة المالك الأصلي- و هو زيد- إمّا أن تتعدّد بأن يجيز مرّة بيع الدار بالفرس، و أخرى بيع الفرس بالبقر، أو تتّحد، و في صورة التعدّد؛ إمّا أن تتقدّم الإجازة الأولى على بيع بكر.

فعلى القول بالكشف يصحّ الجميع بسبب الإجازة الثانية، إذ بيع بكر حينئذ وقع على مال زيد، و صار بإجازته الثانية مال خالد، و وقع بيع خالد من وليد في ماله.

50

و على القول بالنقل؛ وقع بيع بكر الفرس بالبقر أيضا في مال زيد، و أجازه بإجازته الثانية، فصار البقر ماله حين الإجازة، و الفرس مال خالد حينئذ، فيجيء في بيع خالد من وليد بالدراهم الأوجه الثلاثة؛ لأنّه يدخل تحت مسألة «من باع مال الغير فضولا أو اشترى مالا بثمن هو مال غيره فضولا ثمّ ملك المبيع أو الثمن»، و إن تأخّرت الإجازة الأولى عن بيع بكر من خالد.

فعلى القول بالكشف، يصحّ الجميع بإجازته الثانية كما تقدّم، و يظهر وجهه ممّا تقدّم.

و على القول بالنقل، يصير الفرس مال زيد بعد بيع بكر، فيجيء في انتقال البقر إليه بإجازة بيع بكر من خالد وجهان: الصحّة بالإجازة، و البطلان؛ نظرا إلى عدم اشتراط وجود المالك المجيز حين العقد، و إلى اشتراطه، و هو مفقود بالفرض، فإنّ بكرا باع الفرس حين لم يكن ماله و لا مال زيد، فإذا أجاز زيد بيع داره بالفرس بعد بيع بكر، فالحين صار صاحب الفرس، و حينئذ، فإن قلنا بالبطلان، فيبطل بيع خالد من وليد بطريق أولى، و إن قلنا بالصحّة مع إجازته ثانيا، فتجيء الوجوه الثلاثة في بيع خالد من وليد، فإنّه من فروع «من باع مال الغير أو اشترى فضولا ثمّ ملك المبيع أو الثمن».

و إن اتّحدت الإجازة بأن يجيز زيد بيع بكر الفرس من خالد بالبقر- و اكتفينا بالدلالة التبعيّة على إجازة بيع الدار بالفرس- فهو مثل ما لو تعدّدت الإجازة، مع تقدّم إجازة بيع الدار بالفرس، فإنّ المدلول التبعي هنا متقدّم بالطبع.

و ممّا ذكرنا من التفصيل ظهر أنّه لا يتمّ إطلاق الشهيد (رحمه اللّه) تبعا لفخر المحقّقين حيث قال: «و لو ترتّبت العقود على العين و الثمن فللمالك إجازة ما شاء، و مهما أجاز عقدا على المبيع صحّ و ما بعده خاصّة، و في الثمن ينعكس» (1) حيث أهملا بيان حال

____________

(1). إيضاح الفوائد 1: 417؛ الدروس الشرعية 3: 193.

51

ما بعد المجاز في مسألة التعاقب على المثمن، و لم يذكر الفرق بين القول بالكشف و النقل، و لعلّ بناءهما على القول بالكشف، و لكنّه خلاف مختار فخر المحقّقين (1).

و كذلك يظهر منها عدم صحّة الإجازة في ما بعد المجاز في مسألة التعاقب على الثمن، و لم يذكرا توقّفه على الإجازة، و كذلك لم يتعرّضا للفرق بين القسمين في هذه السلسلة، و قد نبّه على ذلك المحقّق الثاني و الشهيد الثاني (2).

المقام الخامس: في حكم الفضولي إذا لم يجز المالك

قد ظهر ممّا ذكرنا حكم الإجازة للفضولي، و أمّا لو لم يجز فله أن يرجع إلى المشتري و ينتزع منه العين و نماءها المتّصل و المنفصل، و عوض منافعها المستوفاة و غير المستوفاة، و قيمة الهالك من ذلك إن كان قيميّا، و مثله إن كان مثليّا، أو قيمة المثل إذا أعوز المثل.

و ألحق بقيمة العين الهالكة- إذا كانت قيمية- قيمة ما نقص من العين عنده، فيردّ العين مع قيمة نقصها.

و ربّما خصّ الحكم بالمشتري، مع أنّ القاعدة تقتضي رجوع المالك إلى العين في يد أيّ شخص كان، و لعلّه ناظر إلى كون الكلام في الفضولي المصطلح، و هو الّذي لا يصدر منه إلّا الصيغة للمالك، مترقّبا للإجازة من دون تسليم أو تصرّف لم يكن بإذن المالك، فبناء على أنّ إجراء الصيغة فضولا لا يسمّى تصرّفا و ليس بحرام، فيختصّ الرجوع بالمشتري المتصرّف فيه، و ليس على الفضولي شيء.

و أمّا لو كان غاصبا في أوّل الأمر أو سلّمه العين بعد إجراء الصيغة فيكون غاصبا؛ فيجوز الرجوع إليه.

____________

(1). انظر إيضاح الفوائد 1: 417.

(2). انظر جامع المقاصد 4: 70 و مسالك الأفهام 2: 158.

52

و كيف كان، فلا خلاف و لا إشكال في جواز الرجوع إلى المشتري إذا تسلّم العين، سواء كانت باقية أو تالفة، عالما بكون العين مال الغير أو جاهلا، مدّعيا للإذن من المالك في صورة العلم أو غيره.

و أمّا جواز الرجوع إلى المشتري المتصرّف في جميع ما ذكره: فلا إشكال فيه بلا خلاف.

و يدلّ عليه عموم قوله: «على اليد ما أخذت» (1) و خصوص الأخبار، فإذا كانت العين باقية، فيرجع فيها و نمائها و منافعها و قيمة التالف منها، إنّما الكلام في رجوع المشتري إلى البائع، فنقول: إن كان المشتري جاهلا بأنّه مال الغير أو عالما و لكن البائع كان مدّعيا للإذن من المالك، فقالوا: إنّ للمشتري الرجوع إلى البائع بالثمن و بما اغترم من قيمة العين التالفة، و إن زاد عمّا دفعه إلى البائع، و من كلّ ما اغترم و لم يحصل له في مقابله نفع، حتّى بنقص القيامة الحاصل من الهزال، و قيمة الولد الّذي حصل من الأمة المشتراة، فإنّه حرّ، يجب على والده فكاكه بإعطاء قيمته إلى المالك؛ لكونه غارما له.

و عن جماعة من الأصحاب دعوى الإجماع، كالعلّامة في المختلف (2)، و فخر المحقّقين في شرح الإرشاد (3)، و تظهر نسبته إلى الأصحاب من غيرهما، و لكن العلّامة ادّعاه في صورة الجهل.

و يدلّ على بعض ما ذكر الأخبار، مثل ما رواه الشيخ في الموثّق عن جميل بن درّاج، عن الصادق (عليه السلام): الرجل يشتري الجارية من السوق فيولدها، ثمّ يجيء

____________

(1). مسند أحمد 5: 8 و 13؛ سنن أبي داود 3: 296، ح 3561؛ سنن ابن ماجة 2: 802، ح 2400؛ سنن البيهقي 6: 95؛ و استدلّ به الشيخ في الخلاف 2: 101 من كتاب الغصب، و ابن إدريس في السرائر 2: 481، و فخر المحقّقين في إيضاح الفوائد 2: 167، و الفاضل المقداد في التنقيح 2: 249، و السيّد عليّ في رياض المسائل 2: 301.

(2). مختلف الشيعة 5: 56.

(3). شرح الإرشاد غير موجود.

53

مستحقّ الجارية، فقال: «يأخذ الجارية المستحقّ، و يدفع إليه المبتاع قيمة الولد، و يرجع على من باعه بثمن الجارية و قيمة الولد الّتي أخذت منه» (1).

و في القويّ عن زرارة قال، قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل اشترى جارية من سوق المسلمين، فخرج بها إلى أرضه، فولدت منه أولادا، ثمّ أتاها من يزعم أنّها له، و أقام على ذلك البيّنة، فقال: «يقبض ولده، و يدفع إليه الجارية، و يعوّضه في قيمة ما أصاب من لبنها و خدمتها» (2) إلى غير ذلك من الأخبار (3).

و أمّا ما اغترمه في عوض المنافع المستوفاة، مثل اللّبن و سكنى الدار: ففيه قولان، أحدهما: الرجوع- كما هو الظاهر من الأكثر- لأنّه غرّه بتسليطه عليه مجّانا، و لعلّه لو كان عالما بأنّه مال الغير و يلزمه العوض لم يتصرّف فيه، كما لو قدّم إليه طعام الغير و أكله، أو غصب طعاما فأطعمه المالك.

و تؤيّده موثّقة جميل أيضا (4)، إن لم يجعل الولد من المنافع؛ لأنّه حرّ لا يملك.

و وجه القول الآخر الأصل، و أنّه غرم في مقابله نفع، فلا عوض له و لا يرجع به إلى أحد، و أنّ المباشر أولى بالضمان؛ لوقوع (5) التلف في يده.

و فيه منع كلّية الكبرى، و أنّ المباشر أضعف بالغرور من السبب، و الأصل يخرج عنه ما ذكرنا.

و الأحوط ترك الرجوع، و إن كان القول الأوّل أظهر، سيّما إذا أخذ المالك في

____________

(1). تهذيب الأحكام 7: 82، ح 353؛ الاستبصار 3: 84، ح 285؛ وسائل الشيعة 14: 592، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 88، ح 5.

(2). تهذيب الأحكام 7: 83، ح 357؛ الاستبصار 3: 85، ح 289؛ وسائل الشيعة 14: 592، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 88، ح 4.

(3). وسائل الشيعة 14: 592، أبواب نكاح العبيد و الإماء، ب 88.

(4). تهذيب الأحكام 7: 82، ح 353، الاستبصار 3: 84، ح 285؛ وسائل الشيعة 14: 592، أبواب نكاح العبيد و الإماء ب 88، ح 5.

(5). في نسخة: لو وقع.

54

العوض ما يزيد على قيمة الملك زيادة يمكن الانتفاع بها مثل المبيع، كما لو كان المبيع بقرة حلّابة، و أخذ المالك منه عشرة دنانير في قيمتها و قيمة منافعها، و يمكن الآن أن يشتري بها بقرتين حلّابتين، أو نحو ذلك ممّا يستلزم ذلك الضرر.

و أمّا إذا كان المشتري عالما بأنّه مال الغير: فقال في المختلف: «قال علماؤنا:

لم يكن للمشتري الرجوع على الغاصب البائع؛ لأنّه عالم بالغصب، فيكون دافعا للمال بغير عوض، و أطلقوا القول في ذلك، و الوجه عندي التفصيل، و هو أنّ الثمن إن كان موجودا قائما بعينه، كان للمشتري الرجوع به، و إن كان تالفا، فالحقّ ما قاله علماؤنا» (1).

و قال في التذكرة: «و لو كان عالما لم يرجع بما اغترم و لا بالثمن، مع علم الغصب مطلقا عند علمائنا، و الأقوى أنّ له الرجوع مع بقاء الثمن؛ لعدم الانتقال» (2).

و عن جماعة من الأصحاب نسبة عدم جواز الرجوع إلى الأصحاب على الإطلاق من دون التفصيل، و اختار جماعة منهم التفصيل الّذي اختاره العلّامة، منهم الشهيدان (3) و المحقّق الثاني (4).

و قال الشهيد الثاني: «إنّ العلّامة ادّعى الإجماع في التذكرة على عدم الرجوع مع التلف» (5). و لعلّه مبنيّ على أنّه فهم من نسبته إلى علمائنا الإجماع مع اختياره التفصيل أنّ ذلك في صورة التلف، فنسب دعوى الإجماع عليه في صورة التلف.

و كيف كان، فالأظهر الرجوع مع بقاء العين، و عدمه مع التلف.

أمّا الأوّل: فلأنّ المفروض بطلان البيع؛ لعدم إجازة المالك، و الأصل عدم

____________

(1). مختلف الشيعة 5: 55.

(2). تذكرة الفقهاء 1: 463.

(3). الدروس الشرعية 3: 193؛ مسالك الأفهام 3: 160.

(4). جامع المقاصد 4: 71.

(5). مسالك الأفهام 3: 161.

55

الانتقال، و استصحاب الملكيّة، و قولهم (عليهم السلام): «الناس مسلّطون على أموالهم» (1)، و لأنّه دفعه إليه عوض شيء لا يسلّم له إلّا مجّانا، و المفروض عدم ناقل شرعي آخر يوجب الإباحة أو اللزوم.

و نظر الجماعة في عدم الرجوع بما اغترم للمالك إلى استقرار الضمان عليه؛ لأنّ التلف وقع في يده فهو غاصب محض.

و أمّا في الثمن الّذي أدّاه إلى البائع فلتسليطه إيّاه على ماله، مع أنّه يعلم أنّه ما يأخذه منه لا يصير عوضا له، فهو تسليط مجّانا، فهو بمنزلة الإباحة و قد أتلفه.

و لعلّ نظرهم في الإطلاق في صورة بقاء الثمن إلى أنّه من باب الإعراض عن ماله، فيكون موجبا لزوال الملك، و كون الإعراض موجبا لزوال الملك و إن كان لا يخلو من قوّة- نظرا إلى صحيحة عبد اللّه بن سنان، في حكاية الإبل الكال في الصحراء (2) و غيرها من الأخبار (3)، و التنبيهات الّتي أشرنا إليها في محلّها- و لكن كونه منه محلّ نظر، حتّى بأن يكون منظوره الإعراض و إن أخذه منه مالكه.

نعم، قد يمكن في مثل ما لو اشتراه بطعام من الغاصب الجائع المضطرّ الّذي يعلم أنّه يأكله فورا، أو يفارقه مفارقة لا يرجى لقاؤه، مع أنّ غاية الأمر عدم جواز الرجوع إلى البائع.

و أمّا حلّية أكله للبائع: فمحلّ إشكال، كما سنشير إليه من عدم المنافاة بين الحرمة و عدم جواز الرجوع.

و كيف كان، فالأظهر جواز الرجوع مع البقاء؛ لما ذكرنا، و لعدم ثبوت الإعراض، بل و قد يستشكل في صورة التلف أيضا لو لم يكن إجماعا؛ لأنّ أكل ذلك الثمن مع العلم بأنّه يعطيه بإزاء المغصوب حرام، و أكل مال الغير بالباطل كالرشوة و عوض

____________

(1). عوالي اللآلي 1: 457، ح 198.

(2). الكافي 5: 140، ح 13؛ الوسائل 17: 363، أبواب اللقطة، ب 13، ح 2.

(3). وسائل الشيعة 17: 363، أبواب اللقطة، ب 13.

56

الخمر، بل و قد يستشكل في كونه إجماعيّا، مع أنّ المحقّق ذهب في بعض تحقيقاته إلى الرجوع مع التلف، كما نقل عنه (1)، و نسب في الشرائع قول المشهور إلى قيل، فقال:

«و قيل: لا يرجع بالثمن مع العلم بالغصب» و أطلق (2).

و قال في اللمعة: «و يرجع المشتري على البائع بالثمن إن كان باقيا، عالما كان أو جاهلا، و إن تلف قيل: لا رجوع به مع العلم، و هو بعيد مع توقّع الإجازة» (3)، و قوّى الرجوع به في الروضة أيضا (4)؛ معلّلا بما سيجيء من أنّه لم يتّجه مطلقا، و بأنّ تصرّف البائع محرّم، و أكل مال بالباطل، فيكون مضمونا عليه.

و أمّا مع بقاء العين: فالأمر أوضح؛ لأنّ مع فرض تسليم الإباحة أيضا لم يثبت موجب للملك، و قال: «فيكون القول بجواز الرجوع مطلقا قويّا، و إن كان نادرا إن لم يثبت الإجماع على خلافه، و الواقع خلافه. فقد ذهب المحقّق إلى الرجوع به مطلقا» (5).

أقول: ما ذكره في اللمعة من قوله: «مع توقّع إجازة المالك» فلم يتّجه مطلقا، و لم يعرض عنه، بل أباحه؛ لتوقّع أن يجيز المالك أو يرجع إلى البائع بالثمن، و هذا مبنيّ على أنّ إجازة البيع إجازة لقبض الثمن إذا كان عينا، كما هو مختاره، أو مطلقا كما هو مختار الشيخ، و قد مرّ الكلام فيه.

نعم، يمكن أن يكون المراد توقّع الإجازة في قبض الثمن أيضا، فيتمّ الكلام مطلقا.

و في المسالك:- بعد نقل ما ذهب إليه المحقّق معلّلا بتحريم تصرّف البائع فيه،

____________

(1). نقله عنه في مسالك الأفهام 3: 161.

(2). الشرائع الاسلام 2: 8.

(3). اللمعة الدمشقيّة (الروضة البهية) 3: 234.

(4). الروضة البهية 3: 235.

(5). الروضة البهية 3: 235.