الاجتهاد و التقليد

- الوحيد البهبهاني المزيد...
484 /
31

[مقدمة المحقق]

دور الوحيد البهبهاني (رحمه اللّه) في تجديد علم الأصول

علم الأصول قبل عصر الوحيد البهبهاني:

اكتسب علم الأصول في عصر الشيخ حسن بن زيد الدين الشهيد الثاني (صاحب المعالم) (المتوفّى 1011 ه) (1) حدّا كبيرا من النضج و المنهجيّة في كتاب (معالم الأصول) لهذا الفقيه الجليل. و قد استمرّ هذا الكتاب إلى اليوم الحاضر محورا للتدريس في المراحل الأوّليّة من دراسة هذا العلم، و محورا للتحقيق و من أهمّ التحقيقات التي كتبت حول هذا الكتاب حاشية الشيخ محمّد تقي (رحمه اللّه) و هي من أفضل ما كتب في هذا العلم.

و قد سئل الشيخ مرتضى الأنصاري (رحمه اللّه) بعد أن شاع كتاب فرائد الأصول لم لم يشفع المباحث العقليّة التي دوّنها في كتابه الجليل (فرائد الأصول) بكتاب آخر في مباحث الألفاظ لتكتمل عنده دورة كاملة في

____________

(1) الذريعة 21: 198.

32

الأصول فقال (رحمه اللّه) إنّ الشيخ محمّد تقي الأصفهاني أغنانا عن ذلك بما كتبه من التعليقة على المعالم.

الاتّجاه الأخباري و الأمين الأسترآبادي:

إلاّ أنّ حدثا جديدا طرأ على هذا العلم، فقد ظهر في هذه الفترة اتّجاه جديد في الاجتهاد عند الشيخ على يد الشيخ محمّد أمين الأسترآبادي (المتوفّى 1036 ه) (1) مؤلّف كتاب (الفوائد المدنيّة) في الاستغناء عن القواعد العقليّة. و عرف هذا الاتّجاه الجديد ب(الأخباريّة) في مقابل المدرسة الأصوليّة السائدة في الأوساط الفقهيّة الشيعيّة.

و رغم أنّ الأمين الأسترآبادي يحاول أن يبرز لهذا الاتّجاه عمقا تاريخيّا يمتدّ إلى عصر الصدوقين و الفقهاء الأوائل و لكن من الواضح أنّ هذا الاتّجاه بأبعاده و خصائصه و قواعده- الّذي يذكره الأمين الأسترآبادي في (الفوائد المدنيّة)- اتّجاه جديد في الاجتهاد عند الشيعة.

و قد كاد هذا الاتّجاه الجديد أن يحدث صدعا في الاجتهاد عند الشيعة لو لا أنّ الفقهاء و الأصوليّين وقفوا أمام هذا التوجّه و دافعوا عن الطابع العقليّ للأصول ممّا أدّى إلى تقلّصه و تراجعه بالتدريج و ضعفه عن مواصلة التحرّك و التأثير على الوسط الفقهي في المدارس الشيعيّة.

و يبدو أنّ الخلفيّة التي كانت من وراء ظهور هذه المدرسة هي التخوّف من الاستغراق في اعتماد العنصر العقلي في الاجتهاد، و الابتعاد عن النصّ الشرعي، كما حدث ذلك لمدرسة الرّأي عند أهل السنّة، حيث

____________

(1) رياض العلماء 5: 36. و في الذريعة 16: 358، توفّي سنة 1033.

33

استدرجهم اعتماد الرّأي إلى القياس و الاستحسان و محاولة استنباط أحكام اللّه تعالى بمثل هذه المصادر الظنّيّة التي لا تغني عن الحقّ شيئا.

غير أنّ الأمين الأسترآبادي و من جاء بعده من أعلام الأخباريّين غالوا في هذا التحفّظ و التخوّف حتّى أدّى بهم ذلك إلى موقف سلبي من العقل و الملازمات العقليّة و التشكيك في حجيّة الأحكام العقليّة إلاّ ما كان له مبدأ حسّي أو قريب من الحسّ كالرياضيّات.

الدليل العقلي بين الأصوليّين و الأخباريّين:

و قد وجدت أنّ كلمات الأخباريّين مضطربة و مختلفة في أمر اعتماد العنصر العقليّ في الاجتهاد حتّى أنّ المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) استقرب في كتابه (كفاية الأصول) أن يكون مقصود الأخباريّين واحدا من اثنين أحدهما كبروي و الآخر صغروي، أمّا الأمر الكبروي فهو منع الملازمة بين الحكم العقلي و الحكم الشرعي (بين ما يجب بالعقل و ما يجب بالشرع)، و أمّا الأمر الصغروي فهو التشكيك في إمكان الوصول إلى نتائج قطعيّة من المقدّمات العقليّة و أنّ نتائج المقدّمات العقليّة لا تزيد على أن تكون أحكاما ظنيّة.

و يعتقد المحقّق الخراسانيّ أنّ كلمات الأخباريّين و لا سيّما في كتاب (الفوائد المدنيّة) لا تفقد الدليل على وجود مثل هذا الاتّجاه السلبي تجاه العقل (1).

و لو أنّ علماء الأخباريّين كانوا يستوعبون الموقف السائد في المدرسة

____________

(1) راجع كفاية الأصول ص 311.

34

الأصوليّة في التفريق بين الظنّ و الرّأي الّذي لا يغني عن الحقّ من جانب و بين حكم العقل القطعي من جانب آخر لما سلكوا هذا المسلك العسير من الرّأي.

فإنّ الحجّة عند الأصوليّين هو الدليل الّذي يثبت متعلّقه ثبوتا قطعيّا سواء كانت حجيّته ذاتيّة و هو القطع (العلم) أو كانت حجّيّته عرضيّة و هي الطرق و الأمارات التي تثبت حجّيّتها بدليل قطعي و حجّيّة القطع ذاتيّة لا يمكن أن تناله يد التشريع لا سلبا و لا إيجابا فإنّ القطع هو انكشاف المقطوع به للقاطع، و ما كان كذلك كانت الحجّيّة حاصلة له بالذات، و لا معنى لتحصيل ما هو حاصل بالذات، كما لا معنى لسلبها، و أمّا الأمارات و الطرق الظنّيّة فإنّ حجّيّتها تؤول أخيرا إلى ما يكون حجّة بالذات أخذا بالقاعدة العقليّة المعروفة القائلة (إنّ كلّ ما بالعرض لا بدّ أن ينتهي إلى ما بالذات).

و من لوازم الحجّيّة العقليّة: المنجزيّة و المعذريّة، فيحكم العقل بحسن عقاب العبد على تقدير مخالفة الحجّة إذا أصابت الحجّة الواقع، كما يحكم بقبح عقابه و إعذاره على تقدير موافقة الحجّة أصابت الحجّة الواقع أم لا. و هذه القضايا من بديهيّات علم الأصول.

و لا سبيل للنقاش في شيء من ذلك و الأدلّة العقليّة قائمة على هذه البديهيّة.

و أمّا الرّأي الّذي يستند الظنّ و لا يستند حجّة ذاتيّة أو حجّة مجعولة من قبل الشارع قطعا فلا شأن له في الاستنباط.

و لو أنّ الأخباريّين كانوا يستوعبون هذه البديهيّة في الحجّيّة لما حدث هذا الصدع في الاجتهاد، و لما تجاوز الخلاف بينهم و بين الأصوليّين الخلاف الصغروي في قيام الحجّة و عدمها، لا التشكيك في أصل حجّيّة

35

الأحكام العقليّة و ملازمتها في الشرع في فرض وقوعها و حصولها.

و هذه هي النقطة الجوهريّة في الخلاف بين الأخباريّين و الأصوليّين.

المسائل الخلافيّة الأخرى بين المدرستين:

و أهمّ المسائل التي اختلفت فيها هاتان المدرستان بعد مسألة حجّيّة العقل و التلازم بين الحكم العقلي و الشرعي هي:

أوّلا: قطعيّة صدور كلّ ما ورد في الكتب الحديثيّة الأربعة من الروايات لاهتمام أصحابها بتدوين الروايات التي يمكن العمل و الإحتجاج بها و عليه فلا يحتاج الفقيه إلى البحث عن أسناد الروايات الواردة في الكتب الأربعة و يصحّ له التمسّك بما ورد فيها من الأحاديث و هذا هو رأي المدرسة الأخباريّة.

أمّا الأصوليّون فلهم رأي آخر في ما ورد في الكتب الأربعة و يقسّمون الحديث إلى الأقسام الأربعة المشهورة: الصحيح و الحسن و الموثّق و الضعيف و يأخذون بالأوّلين أو بالثلاثة الأول دون الأخير.

ثانيا: عدم جريان البراءة في الشبهات الحكميّة التحريميّة و هو رأي للأخباريّين، أمّا الأصوليّون فيذهبون إلى صحّة جريان البراءة في الشبهات الحكميّة الوجوبيّة و التحريميّة بالعقل و الأدلّة النقليّة.

ثالثا: نفي حجّيّة الإجماع و هو رأي معروف للأخباريّين أمّا الأصوليّين فيتمسّكون بالإجماع إذا كان من الإجماع المحصّل.

رابعا: نفي الإحتجاج بالكتاب العزيز. و قد توقّف الأخباريّون عن العمل بالقرآن ما لم يرد فيه إيضاح من الحديث و ذلك لطروّ مخصّصات و مقيّدات من السنّة لعموماته و مطلقاته، و لما ورد من الأحاديث الناهية عن

36

تفسير القرآن بالرأي.

و مهما يكن من أمر فقد توسّعت هذه الحركة العلميّة و شقّت طريقها إلى الأوساط العلميّة الشيعيّة و فرضت طريقتها على العقليّة الفقهيّة الشيعيّة بفضل الجهود التي بذلها مؤسّس هذه الطريقة الأمين الأسترآبادي (رحمه اللّه) فقد كان الأمين الأسترآبادي شخصيّة قويّة من الناحية العلميّة، و يبدو على مناقشاته و أبحاثه في كتابه (الفوائد المدنيّة) القدرة على البحث العلمي و الدقّة العلميّة.

و قد أشغلت هذه المعارضة العلميّة التي قادها الأمين الأسترآبادي فقهاء الشيعة فترة من الزمان، و أدخلتهم في صراع لم يكن لهم به عهد من قبل.

و قد يكون الّذي حدث خيرا لهذا العلم فإنّ هذا الصراع قد فتح لهذا العلم فرصا جيّدة للنمو و التكامل و التلاقح ... لم يتمّ لو لا ظروف هذا الصراع.

تطوّر علم الأصول بعد الأمين الأسترآبادي:

و ظهر في هذه الفترة نفر من كبار علماء الأصول جاءوا من بعد هذه المعركة الفكريّة التي أثارها الأمين الأسترآبادي ... حاولوا أن يثروا هذا العلم بتحقيقات جديدة و أن يحكّموا بناء هذا العلم و يقنّنوه و يحدثوا في مناهج البحث الأصولي تغييرات جوهريّة.

و هذه الحركة العلميّة التي قام بها هذا النفر من العلماء كان لها دور كبير في إعادة الحيويّة إلى البحث الأصولي و إن لم يكن لها دور حاسم في أضعاف الاتّجاه الأخباري و تطويقه، فقد بقيت المدرسة الأخباريّة رغم ظهور علماء كبار في أصول الفقه في هذه الفترة تتحرّك بقوّة في أوساط الفقه

37

و الاجتهاد. و لم يتمّ عزل هذه المدرسة إلاّ على يد الفقيه محمّد باقر البهبهاني المعروف على لسان تلاميذه بالوحيد البهبهاني، كما سوف نرى إن شاء اللّه تعالى في هذا البحث.

إلاّ أنّ من الحقّ أنّ العلماء الذين جاءوا في هذه الفترة و ألّفوا و حقّقوا في الأصول كان لهم دور كبير في إنضاج مدرسة الوحيد البهبهاني و الشيخ الأنصاري.

و التحقيقات التي تمّت في هذه الفترة من ظهور مدرسة الأمين إلى ظهور مدرسة الوحيد كان لها تأثير مباشر و قويّ في تنقيح و بلورة و تقنين الفكر الأصولي لدى كلّ من المدرستين اللّتين ظهرتا بعد المدرسة الأخباريّة و هما مدرسة «الوحيد البهبهاني» و مدرسة «الشيخ الأنصاري» و هاتان المدرستان تدينان لهما.

و أبرز العلماء الذين ظهورا في هذه الفترة هم:

الحسين بن رفيع الدين محمّد الحسيني (المتوفّى سنة 1064 ه) (1):

و يعرف ب(سلطان العلماء) لأنّ الشاه عبّاس الصفوي استوزره فترة من الزمان و زوّجه ابنته، كما استوزره الشاه صفي و الشاه عبّاس الثاني، كتب على كتاب (المعالم) تعليقة معروفة فيها كثير من التحقيقات النقديّة لنظريّات صاحب المعالم.

الفاضل التوني (المتوفّى سنة 1071 ه) (2):

ألّف مجموعة من الكتب في الفقه و الأصول، و لكن لم يبق لنا من هذه

____________

(1) أعيان الشيعة 6: 164.

(2) الكنى و الألقاب 2: 128.

38

المجموعة إلاّ (الوافية) الّذي هو من خير ما ألّف في هذا العلم على ما فيه من إيجاز و قد طبع الكتاب قبل زمن طويل في الهند و نفذ في حينه، و لم يعد لهذا الكتاب وجود و أثر في الأوساط العلميّة حتّى أقدم أخيرا مجمع الفكر الإسلامي بإعادة طبعه و إخراجه بصورة جيّدة، و قد تمّ تحقيق هذه الطبعة بجهود أخينا الجليل السيّد محمّد حسين الكشميري حفظه اللّه و جزاه اللّه خيرا.

و للشيخ الأنصاري في (فرائد الأصول) اهتمام بليغ بهذا الكتاب فهو يذكره و يشيد بآرائه و ينتقده باحترام خاصّ.

و قد سبق الفاضل التوني معاصريه في تنظيم أبواب الأصول و نقد المنهج الأصولي المعمول به لدى العلماء في عصره و من قبلهم. فهو يرى أنّ علم الأصول ينقسم إلى شطرين، مباحث الألفاظ و المباحث العقليّة و هو التقسيم المعمول به إلى حدّ ما حتّى اليوم. و يرى أنّ مباحث مقدّمة الواجب و الضدّ و المفاهيم يجب أن تندرج في المباحث العقليّة دون مباحث الألفاظ في الوقت الّذي كان العلماء المعاصرون له و من قبلهم يدرجون هذه المباحث في بحث الألفاظ.

و حتّى اليوم، فإنّ المنهج المعمول به و المتعارف في الكتب الأصوليّة و دروس الأصول هو درج هذه الأبحاث في مباحث الألفاظ، فالمحقّق الخراسانيّ مثلا وضع هذه المباحث في المجلّد الأوّل من كتابه (كفاية الأصول) و هو المجلّد الخاصّ بمباحث الألفاظ ... و في (الوافية) يضع الفاضل التوني هذه المباحث ضمن الأبحاث العقليّة تحت عنوان (التلازم بين الحكمين) و قد وجدنا من المتأخّرين المحقّق الشيخ محمّد الحسين الأصفهانيّ يلتزم بهذا النظم إلى حدّ مّا في كتابه القيّم الّذي وضعه في أصول الفقه و هو: (الأصول

39

على النهج الحديث).

و ممّا يلاحظ في (الوافية) تقسيم الأدلّة إلى أدلّة شرعيّة (و هي الكتاب و السنّة و الإجماع) و أدلّة عقليّة و يقسّمها إلى ما يستقلّ بحكمه العقل و ما لا يستقلّ.

و مهما يكن من أمر فإنّ هذا العالم الجليل قد فتح للعلماء في كتابه الصغير هذا من فرص التفكير و التجديد و الإبداع الشيء الكثير.

و الّذي يقارن بين هذا الكتاب و كتاب (المعالم) للشيخ محمّد بن زين الدين (رحمه اللّه) و هو بحجمه يلمس الفارق الكبير في المستوى و العمق بين هذين الكتابين اللذين ألّفهما عالمان من أعلام هذا العلم يفصل بينهما نصف قرن من الزمان تقريبا و هو زمن قصير في عمر تاريخ العلم.

المحقّق السيّد حسين الخوانساري (المتوفّى سنة 1098 ه) (1):

خلّف لنا هذا العالم الجليل كتابه الكبير الواسع (مشارق الشموس في شرح الدروس) و قد كان الكتاب طبع من قبل طباعة على الحجر غير محقّقة و لا منظّمة و نفذت نسخ الكتاب، و أعادت أخيرا مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) طبع هذا الكتاب على نفس النسخة المطبوعة السابقة بالأفست. و الكتاب حافل بالتحقيقات العلميّة، و نأمل أن يوفّق اللّه العلماء إلى تحقيق هذا الكتاب و إخراجه بالشكل المناسب الّذي يلائم قيمته العلميّة.

و للكتاب طابع عقلي واضح و يطغى هذا الطابع العقلي على منهجه و طريقته في البحث ...

و قد يصحّ أن نقول: إنّ هذا المحقّق الجليل هو من أوائل الّذين

____________

(1) رياض العلماء 2: 58.

40

أدخلوا الدقّة العقليّة في أبحاث هذا العلم و التي استمرّت فيما بعد، و كانت صفة متميّزة للدراسات الأصوليّة عند الشيعة الإماميّة.

و لا تزال كلمات هذا العالم المحقّق موضع عناية و اهتمام المحقّقين من علماء الأصول حتّى اليوم.

المحقّق الشيرواني (المتوفّى سنة 1099 ه) (1):

لديه تعليقة معروفة على المعالم، أكمل دراساته في النجف و طلب منه الملك سليمان الصفوي أن ينتقل إلى أصفهان فانتقل إليها و تخرّج على يده جمع من العلماء، منهم مؤلّف (الرياض).

و تحقيقات هذا العالم الجليل حول محور كتاب (المعالم) تدلّ على عمق و دقّة و استيعاب.

الصراع بين المدرسة الأصوليّة و الأخباريّة:

رغم ظهور علماء كبار في هذه الفترة في العراق و إيران (في النجف و كربلاء و أصفهان) من أمثال الفاضل التوني و المحقّق الخوانساري فإنّ الاتّجاه الأخباري بقي قويّا و نافذا و متحرّكا في الأوساط الفقهيّة الشيعيّة في (العراق) و (البحرين) و (إيران) و (جبل عامل) و هي الأوساط الفقهيّة الشيعيّة الأربعة المعروفة في ذلك الوقت.

و نحن نجد في هذه الفترة دعوة قويّة إلى هذا الاتّجاه من قبل علماء معروفين في هذه الحواضر الأربعة درسوا و ألّفوا و حقّقوا على الطريقة الأخباريّة و منحوا هذه الطريقة قوّة و عمقا. و كان من أبرزهم و أفقههم الفقيه

____________

(1) أعيان الشيعة 9: 142.

41

الجليل المحقّق صاحب (الحدائق الناضرة) (رحمه اللّه).

و قد استمرّ هذا الصراع قائما خلال هذه الفترة في حواضر الفقه الإمامي.

أثر العامل السياسي في الصراع بين المدرستين:

و لا نستبعد أن يكون للعامل السياسي دور في تعميق هذا الصراع و توسعته، فقد كان ملوك الصفويّة يوم ذاك يحكمون إيران و العراق. و هما بلدان معروفان بالولاء لأهل البيت (عليهم السلام)، و كانوا يتقرّبون إلى الفقهاء، و يقرّبونهم، و يضعونهم في مواضع حسّاسة من الدولة. و يدعمون حكمهم بتأييد و دعم الفقهاء، و قد استضافوا خلال هذه الفترة جمعا غفيرا من العلماء من جبل عامل و العراق و البحرين.

و لكنّ الّذي يتتبّع سير الأمور في العاصمة الصفويّة في ذلك الوقت يجد أنّ ملوك الصفويّة رغم حاجتهم إلى العلماء، و رغم اهتمامهم بهجرة الفقهاء إلى عاصمة ملكهم كانوا يراقبون اتّساع دائرة نفوذ العلماء في أجهزة الحكم و فيما بين الناس بقلق ... و قد كان ذلك يؤدّي بهم أحيانا إلى طلب الهجرة العكسيّة من بعض الفقهاء من أصفهان إلى العراق، كما حدث ذلك للمحقّق الكركي (رحمه اللّه). فقد كانوا يجدون في اتّساع دائرة نفوذ العلماء ما يزاحم نفوذهم و سلطانهم و شعبيّتهم. و لنا أدلّة و شواهد عديدة على ذلك لسنا الآن بصدد استعراضها و دراستها.

و على ذلك فلا نستبعد أن يكون لملوك الصفويّة دور في اتّساع رقعة الخلاف و تعميقها بين المدرستين الشيعيّتين في الاجتهاد (الأخباريّة و الأصوليّة).

42

و مهما يكن من أمر فقد اتّسعت دائرة هذا الصراع، و اكتسب عمقا أكثر ممّا يستحقّ، و كاد أن يكون له دور سلبي في نموّ و تكامل هذا العلم الشريف الّذي لا بدّ منه في الاجتهاد.

و شاء اللّه أن يحتدم هذا الصراع الفكري في كربلاء بين اثنين من أبرز فقهاء هاتين المدرستين، و أكثرهما عمقا و إنصافا و دينا و ورعا و هما صاحب الحدائق (رحمه اللّه) و الوحيد البهبهاني (رحمه اللّه).

و لنقرأ قصّة هذا الصراع في كربلاء.

الصراع بين المدرستين في كربلاء:

انتقل الشيخ يوسف صاحب الحدائق (رحمه اللّه) إلى كربلاء، و ازدهرت به هذه الحاضرة العلميّة و انتعشت المدرسة الأخباريّة، و كانت هي الاتّجاه السائد للاجتهاد في هذه المدينة المقدّسة يوم ذاك، و كانت الدروس و التحقيقات العلميّة تجري على هذا المنوال.

الصراع الفكري بين الوحيد و صاحب الحدائق في كربلاء:

كان الوحيد البهبهاني (المتوفّى سنة 1206 ه) (1) يوم ذاك في مدينة بهبهان، تعز له هذه المدينة المنزوية عن المشاركة الفعّالة في الصراع الدائر بين هاتين المدرستين، و كان يشعر بفداحة الخسارة لو أنّ الفكر الأصولي انزوى عن الساحة، و فقد دوره في إدارة الاجتهاد و الاستنباط ... فهاجر إلى كربلاء، و انتقل إلى هذا الجوّ العلمي الحافل بالصراع و الأخذ و الردّ، و حضر

____________

(1) أعيان الشيعة 9: 182، نقلا عن أمل الآمل.

43

درس الشيخ يوسف صاحب الحدائق بعض الأيّام. و يومئذ لا يعرفه أحد ممّن حضر درس الشيخ، و لا يعرف ما قدّر اللّه له من دور كبير في هذا الصراع. فقام في بعض الدروس- بعد أن انفضّ الدرس- على قدميه و نادى بجماهير الطلبة الذين كانوا يحضرون دروس الشيخ يوم ذاك بصوت عال:

(أنا حجّة اللّه عليكم) و شرح لهم الأخطار التي تحيق بالاجتهاد بعزل علم الأصول عن الحوزات العلميّة ...

و تحوّلت مدرسة (كربلاء) يومئذ- بعد قدوم هذين العلمين- إلى ساحة لصراع فكري عنيف من أعنف ما يكون الصراع و في نفس الوقت من أنزه ما يكون الصراع بين هاتين المدرستين، و بشكل خاص بين هذين الشيخين الجليلين صاحب الحدائق و الوحيد البهبهاني (رحمهما اللّه).

حدّث الشيخ عبّاس القمّي في (الفوائد الرضويّة) عن صاحب (التكملة) عن الحاج كريم «فرّاش الحرم الحسيني الشريف» أنّه كان يقوم بخدمة الحرم في شبابه، و ذات ليلة التقى بالشيخ يوسف البحراني و الوحيد البهبهاني داخل الحرم الحسيني الشريف و هما واقفان يتحاوران، و طال حوارهما حتّى حان وقت إغلاق أبواب الحرم فانتقلا إلى الرواق المحيط بالحرم و استمرّا في حوارهما و هما واقفان، فلمّا أراد السدنة إغلاق أبواب الرواق انتقلا إلى الصحن و هما يتحاوران، فلمّا حان وقت إغلاق أبواب الصحن انتقلا خارج الصحن من الباب الّذي ينفتح على القبلة، و استمرّا في حوارهما و هما واقفان فتركهما و ذهب إلى بيته و نام، فلمّا حلّ الفجر و رجع إلى الحرم صباح اليوم الثاني سمع صوت حوار الشيخين من بعيد، فلمّا اقترب منهما وجدهما على نفس الهيئة التي تركهما عليها في الليلة الماضية مستمرّان في الحوار و النقاش، فلمّا أذّن المؤذّن لصلاة الصبح رجع الشيخ يوسف إلى

44

الحرم ليقيم الصلاة جماعة و رجع الوحيد البهبهاني إلى الصحن و افترش عباءته على طرف مدخل باب القبلة، و أذّن و أقام و صلّى صلاة الصبح.

و في أمثال هذه المحاورات كان الوحيد يتمكّن من خصومه الفكريّين و يدحض شبهاتهم و يكرّس الاتّجاه الأصولي و يعمّقه.

و لا بدّ أن نقول مرّة أخرى اعترافا بالفضل للشيخ يوسف مؤلّف (الحدائق): إنّ تقوى الشيخ و خلوصه و صدقه و ابتغاءه للحقّ كان من أهمّ عوامل هذا الانقلاب الفكري الّذي جرى على يد الوحيد في كربلاء، و لو كان الشيخ يوسف يبتغي الجدل العلمي في حواره مع الوحيد البهبهاني لطالب محنة هذه المدرسة الفقهيّة، و اتّسعت مساحة الخلاف فيها، و تعمّق فيها الخلاف، و لكن الشيخ يوسف كان يؤثر رضا اللّه و الحقّ على أيّ شيء آخر، و مكّن الوحيد البهبهاني في حركته الإصلاحيّة العلميّة.

و من غرائب ما يروى عن هذا العبد الصالح، أنّ الوحيد كان يحظر على تلاميذه حضور دروس الشيخ يوسف، و لكنّ الشيخ في المقابل كان يسمح لتلاميذه بحضور دروس الوحيد، و كان يقول كلّ يعمل بموجب تكليفه، و يعذر الوحيد في ذلك، و هو نموذج رائع من نماذج سعة الصدر و التقوي في فقهائنا الأعلام.

و نشط الوحيد البهبهاني يومئذ في التدريس و حفل درسه بفضلاء الطلبة و علماء كربلاء، و برز في مجلس درسه عدد كبير من العلماء و المحقّقين و المجتهدين ممّن تخرّجوا عليه.

و لو تحرّينا نحن فروع شجرة فقهاء أهل البيت في القرن الثاني عشر و الثالث عشر و الرابع عشر وجدنا أنّهم جميعا يرجعون بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى الوحيد البهبهاني و لذلك يطلق عليه (أستاذ الكلّ)

45

أو (الأستاذ الأكبر) و هو لقب يختصّ به هذا المحقّق الجليل.

تآليف الوحيد:

خلف الوحيد البهبهاني من بعده كتبا قيّمة من آثاره و أفكاره، يقول تلميذه الشيخ أبو علي في (منتهى المقال): إنّ تآليف الأستاذ يقرب من ستّين كتابا، و قد خصّص الوحيد البهبهاني جملة من كتبه في ردّ الشبهات عن المدرسة الأصوليّة، و دحض شبهات الأخباريّين، و نظريّاتهم من قبيل رسالة (الاجتهاد و الأخبار) و رسالة (حجّيّة الإجماع) و رسالة (الفوائد الحائريّة) القديمة و رسالة (الفوائد الجديدة) و غير ذلك من التآليف.

و كتب الوحيد متينة و مشحونة بالأفكار الفقهيّة و الأصوليّة، و تعتبر جملة من أفكاره التي دوّنها و التي درّسها لتلاميذه أسسا لعلم الأصول الحديث.

تلاميذ الوحيد البهبهاني و خلفاؤه:

و بعد الوحيد البهبهاني تولّى تلاميذه التدريس و التحقيق في هذا العلم و مارسوا نشاطا واسعا في التحقيق و الإبداع فيه و أثروا الأصول بكثير من الأفكار الجديدة و التحقيقات النقديّة نذكر منهم:

1- المحقّق الميرزا أبو القاسم بن محمّد حسن القمّي (1151 1231 ه) (1) صاحب (القوانين) و هو من أفضل ما كتب في الأصول، في مباحث الألفاظ و المباحث العقليّة.

____________

(1) الكرام البررة 1: 52.

46

و قد توسّع المحقّق القمّي في بحث حجّيّة الدليل العقلي و في بحث الملازمة بين الحكم العقلي و الحكم الشرعي بما لا نجد له نظيرا في أبحاث المتقدّمين عليه و ما يقلّ نظيره في أبحاث المتأخّرين.

2- و من هؤلاء الشيخ أسد اللّه بن إسماعيل الكاظمي (1186- 1234 ه) (1) مؤلّف كتاب (كشف القناع عن حجّيّة الإجماع) و هو كتاب قيّم في البحث عن حجّيّة الإجماع.

3- و الشيخ محمّد تقي بن محمّد رحيم الأصفهانيّ (1248 ه) (2) صاحب الحاشية المعروفة على معالم الأصول باسم (هداية المسترشدين) و هذا الكتاب هو واحد من أبرز و أفضل ما كتب في مباحث الألفاظ في أصول الفقه، و قد ذكرنا سابقا أنّ الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه) كان يقول: إنّه اكتفي بما كتبه الشيخ محمّد تقي الأصفهانيّ على المعالم عن الكتابة في مباحث الألفاظ و اقتصر فقط في كتابه الفرائد على مباحث القطع و الظنّ و الشكّ.

و لا تزال الآراء التي طرحها الشيخ محمّد تقي في هذا الكتاب تعدّ مادّة للتحقيق و النقد عند المتأخّرين و خاصّة الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه).

4- و منهم الشيخ محمّد حسين الأصفهانيّ (1250 ه) (3) صاحب كتاب (الفصول) و هو من الكتب القيّمة في علم الأصول، و كان هذا الكتاب و كتاب (القوانين) من الكتب الدراسيّة في علم الأصول إلى وقت قريب.

5- و محمّد شريف بن حسن علي الآملي المعروف ب(شريف العلماء

____________

(1) الكرام البررة 1: 122.

(2) الكرام البررة 1: 215.

(3) الذريعة 16: 241.

47

توفّي في 1245 ه) (1) و هو من أساتذة الشيخ الأنصاري و تخرّج عليه جمع من كبار العلماء في الأصول، و الشيخ الأنصاري يذكر آراء أستاذه الشريف باحترام و إكبار.

6- و الشيخ ملاّ أحمد النراقي (المتوفّى في 1245 ه) (2) من أساتذة الشيخ الأنصاري، له كتاب (مستند الشيعة) في الفقه و كتاب (عوائد الأيّام) في جملة من القواعد الفقهيّة و الأصوليّة.

7- و السيّد محسن الأعرجي الكاظمي (المتوفّى سنة 1227 ه) (3) تتلمذ على الوحيد البهبهاني و ألّف في الأصول (المحصول في علم الأصول) و (الوافي في شرح الوافية).

و هؤلاء هم من أبرز رجال هذه المرحلة من تاريخ علم الأصول، و قد ساهموا بدور فعّال في إيضاح الفكر الأصولي و تعميقه و نقده و تنميته ...

و لا شكّ أنّ الجهد الّذي بذله هؤلاء الأعلام كان له تأثير فعليّ في ظهور مدرسة الشيخ الأنصاري بعد مدرسة الوحيد البهبهاني.

و الّذي يقرأ كتاب (الفوائد الحائريّة) للوحيد و (فرائد الأصول) للشيخ الأنصاري يلمس بوضوح أثر الجهد الّذي بذله هؤلاء الأعلام قبل و بعد الوحيد في تكوين هذه المدرسة و تلك و بلورة الأفكار و التحقيقات الفكريّة التي جاء بها الوحيد و الشيخ الأنصاري (رحمهما اللّه).

____________

(1) أعيان الشيعة 7: 338.

(2) الكرام البررة 1: 116.

(3) أعيان الشيعة 9: 46.

48

دراسة أهمّ النظريّات الأصوليّة للوحيد البهبهاني:

و فيما يلي سوف نحاول إن شاء اللّه إبراز أهمّ النظريّات الأصوليّة التي ابتكرها هذا الفقيه المجدّد في علم الأصول في كتابه القيّم (الفوائد الحائريّة) لنعرف القيمة العلميّة الرائدة لهذا الأثر العلمي الجليل.

فإنّ هذا الكتاب الجليل يعتبر في الحقيقة فتحا من أهمّ الفتوحات العلميّة المعاصرة في هذا العلم الشريف.

و تقويم هذا الكتاب و دراسته و معرفة موقعه من علم الأصول الحديث يحتاج إلى استقراء سريع للنظريّات التي أبدعها هذا الفقيه الجليل و ربطها بالتطوّرات التي ألحقها الفقهاء من بعده بهذه النظريّات للتمكّن من معرفة الدور الرائد لنظريّات الوحيد (رحمه اللّه) في علم الأصول.

و إليك عرضا و شرحا موجزا لأهمّ هذه النظريّات:

1- التفريق بين الأمارات و الأصول:

يبدو أنّ الجذور الأولى لفكرة التفريق بين الأمارات و الأصول تعود إلى الوحيد البهبهاني (رحمه اللّه) و من قبل الوحيد لم يكن الفقهاء يفرّقون بين هذين النوعين من الحجج و الأدلّة. كما إنّ فقهاء المذاهب الأربعة لا يميّزون لحدّ اليوم بين الأمارات و الأصول و يدرجون الأمارات و الأصول كلّها في سياق البحث عن الأدلّة و الحجج.

و لأوّل مرّة نلتقي بدايات هذا التمييز عند الوحيد البهبهاني.

فقد ذكر الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه) في بداية المقصد الثالث (من فرائد الأصول) أنّ التمييز بين الأمارات و الأصول و تسمية الأمارات بالأدلّة الاجتهاديّة و الأصول بالأدلّة الفقاهتيّة كان من الوحيد البهبهاني.

49

و قد استعرضت كتابي الفوائد الحائريّة للوحيد (رحمه اللّه) القديم و الحديث فلم أظفر بهذا المصطلح الّذي نقله الشيخ عن الوحيد و يمكن أن يكون ذلك في غير هذين الكتابين من مصنّفات الوحيد.

و لعلّ المناسبة التي اقتضت تسمية الأمارات و الطرق نحو خبر الواحد و الإجماع و الشهرة بالأدلّة الاجتهاديّة، و الأصول من البراءة و الاشتغال و التخيير و الاستصحاب بالأدلّة الفقاهتيّة، هو ما ورد في تعريف الاجتهاد بأنّه تحصيل الظنّ بالحكم الشرعي و ما ورد في تعريف الفقه بأنّه العلم بالحكم الشرعي.

و مهما يكن من أمر فإنّ فكرة الأصول و التفريق بينها و بين الأمارات اختمرت كما يظهر لأوّل مرّة لدى الوحيد البهبهاني حيث وجد أنّ الأدلّة الشرعيّة الموصلة إلى الحكم الشرعي (الأعمّ من الواقعي و الظاهري) على نحوين و ليست على نحو واحد.

فهناك طائفة من الأدلّة يوظّفها المجتهد للوصول إلى الأحكام الإلهيّة الواقعيّة و الكشف عنها، كالسنّة و الإجماع و الشهرة مثلا.

و هذه الأدلّة هي مجموعة الطرق و الأمارات التي يستخدمها المجتهد أو مطلق المكلّف للوصول إلى الأحكام الشرعيّة الواقعيّة غير أنّها قد تصيب و قد لا تصيب الأحكام الواقعيّة، و تكون حالة الإصابة فيها ظنّيّة، و هي الأدلّة التي اصطلح الوحيد البهبهاني (رحمه اللّه) على تسميتها ب(الأدلّة الاجتهاديّة) و طائفة أخرى من الأدلّة تقع في امتداد هذه الأدلّة في طولها و ليس في عرضها يوظّفها المكلّف للوصول إلى الوظائف الشرعيّة المقرّرة للجاهل في ظرف الجهل بالحكم الشرعي، كالبراءة بالنسبة إلى المكلّف في ظرف الشكّ في التكليف و الاحتياط المقرّر في ظرف الشكّ في المكلّف به،

50

فإنّ كلاّ من البراءة و الاحتياط وظائف للمكلّف في ظرف الشكّ في التكليف بالنسبة إلى البراءة و في المكلّف به بالنسبة إلى الاحتياط فلا ينهض دليل البراءة و الاحتياط بأكثر من تحديد الوظيفة المقرّرة للجاهل عند الشّك في التكليف و المكلّف به، و لا يدّعي المكلّف خلو الواقعة من التكليف في مورد الشكّ في التكليف و لا يدّعي ثبوت الحكم الشرعي في مورد الشكّ في المكلّف به و إنّما هما وظيفة عمليّة مقرّرة للمكلّف تخرجه عن الحيرة في ظرف الجهل و الشكّ بالحكم الشرعي.

و هذه الطائفة من الأدلّة هي التي اصطلح الوحيد البهبهاني (رحمه اللّه) على تسميتها ب(الأدلّة الفقاهتيّة).

و واضح أنّ علاقة هاتين الطائفتين من الأدلّة بعضها ببعض علاقة طوليّة، تقع بموجبها الطائفة الثانية في طول الطائفة الأولى و يحقّ للمكلّف الفقيه استخدامها عند ما يعجز عن استخدام الطائفة الأولى من الأدلّة، و لا مجال لها عند إمكان استخدام الطائفة الأولى من الأدلّة.

فتتقدّم إذن الطائفة الأولى من الأدلّة على الطائفة الثانية غير أنّي لم أجد في كلمات الوحيد (رحمه اللّه) في الفوائد القديمة و الجديدة توضيحا دقيقا لتقديم الأدلّة الاجتهاديّة على الأدلّة الفقاهتيّة.

و قد يكون الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه) هو أوّل من مكّنه اللّه تعالى من التفريق بين موارد استعمال الأدلّة الاجتهاديّة و الفقاهيّة و تقنين العلاقة بينهما بتقديم الأدلّة الاجتهاديّة على الأدلّة الفقاهتيّة، و تقديم الأدلّة الفقاهيّة بعضها على بعض، و تنظيم علم الأصول بموجب ذلك على أساس جديد و منهجيّة جديدة ثبتت إلى اليوم الحاضر.

51

التنظير و التقسيم للشكّ:

يغطّي مباحث الشكّ في علم الأصول الحديث مساحة واسعة من هذا العلم، إن لم يغطّ معظم مسائل و مباحث هذا العلم، و ذلك لأنّ الأصول العمليّة جميعا تندرج في مباحث الشكّ، و مباحث الأصول العمليّة من أوسع و أهمّ مباحث هذا العلم.

و لم يكن للشكّ في دراسات القدماء، للأصول عنوان خاصّ و باب معيّن، فضلا من أن يغطّي هذا العنوان مساحة واسعة كالمساحة التي يستوعبها هذا العنوان من علم الأصول في كتاب (فرائد الأصول) للشيخ الأنصاري و ما صدر بعد هذا الكتاب من الدراسات الأصوليّة.

و الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه) هو رائد أوّل تنظيم منهجيّ لمباحث الشكّ في علم الأصول من دون شكّ، كما هو رائد التنظيم المنهجي الحديث للمباحث العقليّة عموما، و التي تشمل مباحث القطع و الظنّ و الشكّ، و لكنّ الوحيد البهبهاني هو مؤسّس التنظير الحديث للشك، و تقسيم الشكّ إلى الشكّ في التكليف و الشكّ في المكلّف به، و هذا الفتح في هذا العلم ممّا يسّره اللّه تعالى لهذا العبد الصالح الّذي آثره اللّه بفتوحات جمّة في هذا العلم و ليس من شكّ أنّ علم الأصول الحديث مدين في هذا التنظير و التقسيم للشكّ للوحيد البهبهاني (رحمه اللّه).

و ما استنبطه الوحيد (رحمه اللّه) من الوظيفة لكلّ من حالتي الشكّ في التكليف و الشكّ في المكلّف به، بحكم العقل، ممّا لا نجد له ذكرا واضحا بصورة منهجيّة و منظّمة في آثار المحقّقين من علماء الأصول ممّن سبقوا الوحيد (رحمه اللّه) و نحن فيما يلي نستعرض كلمات الوحيد (رحمه اللّه تعالى) في أقسام الشكّ.

52

يقسّم الوحيد البهبهاني (رحمه اللّه) الشكّ إلى قسمين:

1- الشكّ في التكليف.

2- الشكّ في المكلّف به.

و الوظيفة العمليّة العقليّة التي استنبطها الوحيد (رحمه اللّه) لكلّ من هذين القسمين هي:

1- البراءة العقليّة في موضع الشكّ في التكليف بموجب قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) العقليّة.

2- الاشتغال و الاحتياط في موضع الشكّ في المكلّف به بموجب القاعدة العقليّة (الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة) و فيما يلي سوف نتحدّث عن آراء الوحيد (رحمه اللّه) في هذه النقاط، و نتوسّع في ذكر هذه النقاط و الإشارة إلى الآراء المتأخّرة عن الوحيد البهبهاني (رحمه اللّه) بقدر ما نستطيع أن نوصل الحاضر بالماضي، و نتعرّف على الدور الرائد لهذا العالم المحقّق في علم الأصول الحديث.

أقسام الشكّ:

انتبه الوحيد البهبهاني (رحمه اللّه) إلى أنّ شكّ المكلّف من حيث المتعلّق على نوعين و ليس نوعا واحدا، أحدهما يتعلّق بالتكليف و الآخر يتعلّق بالمكلّف به و الاشتباه بينهما يؤدّي إلى أخطاء منهجية كبيرة.

و للعقل في كلّ منهما حكم يختلف عن حكمه في الآخر و هو البراءة العقليّة في مورد الشكّ في التكليف، و اشتغال الذمّة و الاحتياط في مورد الشكّ في المكلّف به.

و قد يكون السبب في تمسّك الأخباريّين بالاحتياط في مورد الشبهة

53

الحكميّة التحريميّة هو عدم التمييز الدّقيق بين موارد الشكّ في التكليف و الشكّ في المكلّف به.

و قد استنبط الوحيد لحكم العقل في مورد الشكّ في التكليف قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) و استند إلى هذه القاعدة في كلّ مورد من موارد الشكّ في التكليف، كما استنبط لحكم العقل في مورد الشكّ في المكلّف به قاعدة (الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني).

و قد نهج من جاء بعد الوحيد (رحمه اللّه) هذا النهج في الأصول العمليّة، و وضعوا هذا التمييز بين الشكّ في التكليف و الشكّ في المكلّف به أساسا للتمييز بين موارد البراءة العقليّة و الاحتياط العقلي، كما تمسّكوا بهاتين القاعدتين، عدا الفقيه الشهيد الصدر (رحمه اللّه) الّذي خالف المشهور من الأصوليّين في التشكيك في القيمة العقلية لقاعدة قبح العقاب بلا بيان.

و لكن إذا كان الوحيد (رحمه اللّه) قد وضع مفتاح هذه المسألة الأصوليّة بيد علماء الأصول، فإنّ من الحقّ أن نقول: أنّ الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه) كان أوّل من وضع هذين الأصلين، على أسس علميّة متينة و قنّنهما و قعدهما على قواعد علميّة محكمة، و بحثهما بحثا علميّا مستوفيا ضمن منهجيّة علميّة متينة لا تزال قائمة حتّى اليوم.

و نحن فيما يلي نتحدّث إن شاء اللّه حول كلمات الوحيد البهبهاني في التمييز بين موارد الشكّ في التكليف و الشكّ في المكلّف به. و جريان البراءة في الأوّل و الاحتياط في الثاني و التمسّك بقاعدة قبح العقاب بلا بيان في المورد الأوّل و بقاعدة الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني في المورد الثاني.

54

الشكّ في التكليف و المكلّف به:

يقول الوحيد (رحمه اللّه) في الفوائد القديمة في التفريق بين الشكّ في أصل التكليف و الشّكّ في المكلّف به (أي الشّكّ في الخروج عن عهدة التكليف الثابت بالقطع):

«فرق بين مقام ثبوت التكليف و مقام الخروج عن عهدة التكليف الثابت، إذ بمجرّد الاحتمال لا يثبت التكليف على المجتهد و المقلّد له، لما عرفت من أنّ الأصل براءة الذمّة حتّى يثبت التكليف، و يتمّ الحجّة، و أنّه ما لم يتمّ الحجّة لم يكن مؤاخذة أصلا و قبح في الارتكاب أو الترك مطلقا.

و أمّا مقام الخروج من عهدة التكليف فقد عرفت أيضا أنّ الذمّة إذا صارت مشغولة، فلا بدّ من اليقين في تحصيل براءتها للإجماع و الأخبار، و تثبت أيضا من العقل و النقل و الآيات القرآنيّة و الأخبار المتواترة و الإجماع من جميع المسلمين وجوب الإطاعة للشارع، و معلوم أنّ معناها هو الإتيان لما أمر به، فلا يكفي احتمال الإتيان و لا الظنّ به، لأنّ الظنّ بالإتيان غير نفس الإتيان.

و ممّا ذكرنا يعلم أنّه إن استيقن أحد بأنّ عليه فريضة فائتة فلا يعلمها بخصوصها أنّها الظهر أو الصبح، أو يعلم أنّ عليه فريضة فائتة و لم يعلم أنّها فائتة أو حاضرة، يجب عليه أن يأتي جميعا حتّى يتحقّق الامتثال» (1).

و فيما يلي إيضاح و شرح لهذا الإجمال:

____________

(1) الفوائد الحائريّة القديمة: 319 322.

55

التمييز بين الشّكّ في التكليف و الشّكّ في المكلّف به:

التمييز بين الشّكّ في التكليف و الشّكّ في المكلّف به يسير في مقام المفهوم و عسير و صعب في موضع تشخيص و فرز مصاديق و مفردات الشّكّ في التكليف عن الشّكّ في المكلّف به.

أمّا من حيث التمييز في المفهوم فإنّ الشّكّ قد يكون في أصل التكليف كما لو شككنا في التكليف بزكاة مال التجارة مثلا. و قد يكون الشّكّ في المكلّف به و هو أمر آخر يختلف عن الشّكّ في التكليف اختلافا واضحا و يكون فيه التكليف واضحا عند المكلّف إلاّ أنّه يشكّ في الخروج عن عهدة التكليف بامتثال ما يشكّ في كونه مصداقا للمكلّف به بهذا التكليف، كما إذا شككنا في أنّ الصلاة المكلّف بها ظهر يوم الجمعة هو الجمعة أم الظهر؟

أو الصلاة المكلّف بها على نقطة رأس أربع فراسخ هي القصر أم التمام؟

فليس يشكّ المكلّف أنّ عليه تكليفا من اللّه تعالى بالصلاة ظهر يوم الجمعة و لا يشكّ أنّ عليه تكليفا بالصلاة على رأس أربع فراسخ، و لكنّه يشكّ في أنّ الّذي كلّفه اللّه تعالى (المكلّف به) هو صلاة الجمعة أو الظهر في المورد الأوّل و القصر أو التمام في المورد الثاني.

و خلاصة الكلام في هذا التمييز أنّ الشّكّ في المكلّف به لا يكون إلاّ بعد العلم بالتكليف بينهما يشكّ المكلّف في أصل التكليف في حالة الشّكّ في التكليف، و هو أمر واضح.

إلاّ أنّ هذا التوضيح وحده لا يكفي في التمييز بين موارد الشّكّ في التكليف و الشّكّ في المكلّف به في المصاديق التي يشتبه أمرها بين هذين الشكّين و لا بدّ أن يستخدم الفقيه المقاييس بدقّة ليتمكّن من فرز موارد البراءة عن موارد الاحتياط.

56

أقسام الشّكّ الأربعة:

و لكي نلقي بعض الضوء على هذه الموارد نقول:

إنّ للشكّ أربع حالات:

1- الشّكّ في أصل التكليف و هو الإلزام و الحكم بالإيجاب أو التحريم.

2- الشّكّ في متعلّق التكليف، كالصلاة و الزكاة و شرب الخمر الّذي يتعلّق به حكم إلزامي بالإيجاب أو التحريم.

3- الشّكّ في متعلّق المتعلّق (الموضوع) كالخمر في الحكم بتحريم شرب الخمر و النقدين و الغلاّت و الأنعام في وجوب الزكاة فيها.

4- الشّكّ في شروط التكليف العامّة، كالبلوغ و العقل، و الخاصّة، كالاستطاعة الماليّة في الحجّ.

تشخيص مواضع الشّكّ في التكليف:

و ضابط الشّكّ في التكليف:

1- هو ما كان الشّكّ في أصل التكليف الإلزاميّ و هو الأمر الأوّل كما لو شككنا في وجوب زكاة مال التجارة أو حرمة شرب التبغ.

2- و ما كان الشّكّ في الموضوع (متعلّق المتعلّق) و هو الأمر الثالث، فإنّ الموضوع يدخل لا محالة في فعليّة التكليف سلبا أو إيجابا، فلا يكون الحكم بحرمة شرب الخمر فعليّا في حقّ المكلّف إلاّ بتشخيص الخمر و ما لم يشخص الخمر و يعلم بأنّ المائع الّذي بين يديه من الخمر المسكر لا ينجز عليه الحكم بحرمة شربه و لا يكون الحكم في حقّه فعليّا.

و كذلك حكم الزكاة لا يكون فعليّا ما لم يحرز المكلّف ملكيّته للنقدين

57

و الغلاّت و الأنعام.

3- و ما كان الشكّ في شروط و قيود التكليف العامّة و الخاصّة (و هو الرابع) كالشكّ في البلوغ أو الشّكّ في الاستطاعة أو الشّكّ في حلول الوقت فإنّ الشّكّ فيها من الشّكّ في أصل التكليف بالضرورة.

الشّكّ في هذه الموارد جميعا يكون من الشّكّ في أصل التكليف و يكون المورد موردا للبراءة بلا كلام.

تشخيص مواضع الشّكّ في المكلّف به:

و أمّا ضابط الشّكّ في المكلّف به فهو:

1- أن يكون الشّكّ في المكلّف به (متعلّق التكليف) رأسا (و هو الأمر الثاني) كما لو شكّ أنّه قد صلّى الظهر أو لم يصلّ و هو من الشّكّ في الامتثال.

2- أو كان الشّكّ في متعلّق المتعلّق (الموضوع) (و هو الأمر الثالث) إذا كان يعلم بوجوده في الخارج و في دائرة ابتلائه و متناوله، و لكنّه كان يتردّد في تشخيصه بين مجموعة من المصاديق كما لو علم بوجود الخمر في مجموعة من السوائل بين يديه، إلاّ أنّ الخمر كان مشتبها بين هذه السوائل فلا يكاد يميّزه عن غيره من السوائل، فإنّ حرمة الشرب لا محالة فعليّة لوجود الخمر بين يديه، و اشتباهه بين مجموعة محدودة من السوائل لا يرفع فعليّة حرمة شرب الخمر و لا يجوز له تناوله، كما كان يجوز له ذلك في الشبهة البدويّة الموضوعيّة إذا اشتبه في سائل أنّه خمر أم لا، فيكون المورد من موارد الشّكّ في المكلّف به.

و كذا لو اشتبه أمر القبلة عليه، فإنّ وجوب التوجّه إلى القبلة في الصلاة يبقى فعليّا و لا يسقط فعليّة وجوب التوجّه إلى القبلة باشتباه القبلة

58

بين الأطراف الأربعة و على المكلّف أن يحتاط حتّى يحرز القبلة بحسب القواعد، لو لا وجود النصوص الخاصّة في البين. و هذا المورد كذلك من موارد الشّكّ في المكلّف به، و هو مجرى الاحتياط كما علمنا.

و الخلاصة أنّ الشّكّ في التكليف و الشّكّ في الموضوعات و القيود و الشروط التي لها دخل في فعليّة التكليف، و الشّكّ في كلّ ما من شأنه أن يستتبع الشّكّ في التكليف يعتبر من الشّكّ في التكليف و ما عدا ذلك يعتبر من الشّكّ في المكلّف به.

أقسام الشّكّ في التكليف:

و الشّكّ في التكليف على أقسام متعدّدة:

لأنّ الشّكّ في التكليف قد يكون في الشبهة الحكميّة (كالشكّ في حلّيّة لحم الأرنب)، و قد يكون في الشبهة الموضوعيّة (كالشكّ في طهارة الكحول، فإنّ منشأ هذا الشّكّ هو الشّكّ في مصداقيّة الكحول للمسكرات، و ليس من الشّكّ في نجاسة المسكر، و إنّما الشّكّ في أنّ الكحول من مصاديق المسكر أم لا).

و على كلّ حال فإنّ الشبهة قد تكون وجوبيّة كالشكّ في وجوب جهاد الكفّار ابتداء، و قد تكون تحريميّة كالأمثلة المقدّمة في الشبهة الموضوعيّة و الحكميّة.

و هذه أربعة أقسام رئيسيّة للشكّ في التكليف، و منشأ الشبهة الحكميّة (بقسميها الوجوبيّة و التحريميّة) قد يكون فقدان النصّ، و قد يكون إجمال النصّ، و قد يكون تعارض النصّين.

و الحكم في جميع هذه الأقسام واحد و هو البراءة عدا بعض الأقسام

59

منها.

و قد أفرد الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه) و من تبعه من الأصوليّين هذه الأقسام بشروح مستقلّة، إلاّ أنّ الخلاف المعروف بين الأصوليّين و الأخباريّين هو في خصوص الشبهة الحكميّة التحريميّة فقط، حيث ذهب الأخباريّون في موردها إلى التوقّف أو الحرمة و ذهب الأصوليّون فيها إلى البراءة قولا واحدا.

و لا خلاف يذكر بين هاتين المدرستين في غير هذا المورد.

أقسام الشّكّ في المكلّف به:

و من التوضيح السابق نستطيع أن نصنّف الشّكّ في المكلّف به إلى قسمين رئيسيّين: ما لا يقترن الشّكّ في المكلّف به بالعلم الإجمالي، و ما يقترن فيه بالعلم الإجمالي.

و القسم الأوّل و هو ما لا يقترن فيه الشّكّ في المكلّف به بالعلم الإجمالي يكون مرجعه لا محالة إلى الشّكّ في امتثال المتعلّق (المكلّف به) كما لو شكّ في الإتيان بصلاة الظهر، و هو من أظهر مصاديق الشّكّ في امتثال المكلّف به بعد العلم بالتكليف و هو مجرى الاحتياط قطعا.

و القسم الثاني و هو ما يقترن فيه الشّكّ في المكلّف به بالعلم الإجمالي و في هذا القسم قد يكون متعلّق العلم الإجمالي هو متعلّق التكليف، كما لو تردّد في التكليف يوم الجمعة بين صلاة الظهر و صلاة الجمعة. و قد يكون متعلّق العلم الإجمالي و الترديد هو موضوع الحكم (متعلّق المتعلّق) كالخمر في المثال السابق، كما لو علم بوجود الخمر في إناء مردّد بين مجموعة من الأواني، إلاّ أنّه لم يكن يشخّص إناء الخمر بخصوصه، فإن التكليف باجتناب

60

تناول الخمر يكون تكليفا فعليّا ناجزا لا محالة، و فعليّة التكليف و تنجّزه بالاجتناب عن إناء الخمر يتطلّب الاحتياط باجتناب كلّ الأواني، و اشتباه إناء الخمر بغيره من الأواني لا يضرّ بفعليّة التكليف و تنجّزه على المكلّف، ما دام المكلّف عالما بأصل التكليف، حتّى و إن كان العلم على نحو الإجمال و ليس على نحو التفصيل.

تنجيز العلم الإجمالي في كلمات الوحيد:

و يبحث الوحيد (رحمه اللّه) في الفوائد عن تنجيز العلم الإجمالي في بحثين:

فيما إذا كانت أطراف العلم الإجمالي محصورة في دائرة صغيرة و محدودة، و فيما إذا كانت أطراف العلم غير محصورة و في دائرة واسعة فيذهب إلى تنجيز العلم الإجمالي في القسم الأوّل و ينفي اقتضاء العلم الإجمالي في القسم الثاني للتنجيز.

و يرى في القسم الأوّل إنّ العلم الإجمالي علّة لحرمة المخالفة القطعيّة كما هي علّة أو مقتض لوجوب الموافقة القطعيّة، و يجري في هذا البحث العميق على أسس علميّة عقليّة متينة.

يقول (رحمه اللّه): «ثمّ اعلم أنّ جمعا من المجتهدين فرّقوا في اشتباه موضوع الحكم بين المحصور و غير المحصور، و حكموا بالمنع في الأوّل، بناء على أنّ الحكم بحلّيّة المجموع يستلزم الحكم بحلّيّة ما هو حرام علينا قطعا، و طهارة ما هو نجس جزما كالإناءين المشتبهين و الثوبين.

و إن حكمنا أنّ أحدهما نجس أو حرام فهو ترجيح من غير مرجّح شرعيّ.

و الفرق بين المحصور و غير المحصور أنّ في المحصور: يتأتّى التنزّه عن

61

الكلّ بحيث لا يلزم الحرج المنفي بخلافه، و ذلك لأنّ الحرمة و النجاسة تكليفان يحب امتثالهما، فحيث يمكن الامتثال بترك المحتملات من باب المقدّمة الواجبة، و حيث لا يمكن لعدم تأتّي ترك الجميع و عدم الترجيح الشرعي لا يكون مكلّفا» (1).

و الوحيد البهبهاني (رحمه اللّه) يدخل- كما يرى القاريء- هذا البحث العميق من مباحث الأصول، و يتحدّث عنه و يقسّمه إلى أقسامه و يبحث عن حكم كلّ قسم بصورة علميّة و على نهج علميّ دقيق، و هو أمر مثير للإعجاب و لو لا موقع الشيخ الأنصاري من مدرسة الأصول الحديثة لقلنا بأبوّة الوحيد البهبهاني لمدرسة الأصول الحديثة.

و لكن إذا كانت هذه الأبوّة موضع نقاش بسبب موقع الشيخ الأنصاري من هذه المدرسة فإنّ ممّا لا شكّ فيه أنّ الوحيد البهبهاني من أكبر روّاد هذه المدرسة و دوره الرائد في المدرسة الأصوليّة الحديثة قبل الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه) و أسبق منه.

دوران الأمر بين الأطراف المتباينة أو الأقلّ و الأكثر:

و هذا القسم من الشكّ في المكلّف به الّذي يقترن بالعلم الإجمالي ينقسم إلى قسمين أساسيّين:

القسم الأوّل: ما يكون الترديد فيه بين الأطراف المتباينة، كالمثال السابق في الخمر المشتبه بين الأواني المتعدّدة المختلفة.

و القسم الثاني: ما يكون الترديد فيه بين الأقلّ و الأكثر، كما لو علم

____________

(1) الفوائد القديمة: 136.

62

المكلّف بالتكليف بالزكاة و شكّ في أنّ الواجب المكلّف به خمسة دنانير أو عشرة دنانير، و هذا هو الأقلّ و الأكثر الاستقلاليّان، و لا إشكال في أنّ العلم الإجماليّ ينحلّ في هذا المورد و يتنجّز فيه وجوب الأقلّ للعلم التفصيليّ به و يكون الزائد عليه مشكوكا شكّا بدويّا و تجري فيه البراءة.

و القسم الآخر من الأقلّ و الأكثر هو الأقلّ و الأكثر الارتباطيّان، كما لو شكّ في أنّ الصيام الواجب إلى غروب الشمس أو إلى زوال الحمرة المشرقيّة بعد غروب الشمس، و هو موضع خلاف معروف بين المحقّقين من الأصوليّين، و منشأ الخلاف أنّ هذا القسم من التردّد بين الأقلّ و الأكثر هل هو من قبيل التردّد بين الأقلّ و الأكثر المستقلّين فينحلّ العلم الإجمالي بتنجيز الأقلّ، أو أنّه من قبيل دوران الأمر بين المتباينين، فينجز فيه الأكثر و هو الاستمرار في الصيام إلى غياب الحمرة المشرقيّة؟.

و لا بدّ من التنبيه إلى أنّ دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر كما يجري في موضوعات الواجبات (متعلّق المتعلّق) كالمثال الّذي ذكرناه للأقلّ و الأكثر المستقلّين كذلك يجري في نفس الواجب (المتعلّق) كالمثال الّذي ذكرناه لدوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيّين.

الوظيفة العقليّة لدى الشكّ في التكليف:

لا شكّ في أنّ وظيفة المكلّف عند الشكّ في التكليف هو الأخذ بالبراءة و الخلاف بين الأصوليّين في مصدر هذه الوظيفة. هل هو الشرع أم الشرع و العقل. و الوحيد البهبهاني (رحمه اللّه) يذهب إلى الرّأي الثاني.

و ما يهمّنا هنا في هذا البحث هو الوظيفة العقليّة للمكلّف لدى الشكّ في التكليف و رأي الوحيد البهبهاني (رحمه اللّه) في ذلك.

63

و البراءة التي تجري بحكم العقل في هذا القسم من الشكّ هو ما يصطلح عليه علماء الأصول ب(البراءة العقليّة) في مقابل (البراءة الشرعيّة) التي تجري في نفس المورد بموجب الأدلّة الشرعيّة التي تحكم بالبراءة عند الشكّ في التكليف.

و قد اشتهر بين علماء الأصول التمسّك بالدليل العقلي على البراءة إلى جنب التمسّك بالأدلّة الشرعيّة على البراءة إلاّ أنّنا لا نجد قبل المحقّق الحلّي (رحمه اللّه) (676 ه) صياغة علميّة دقيقة للبراءة العقليّة أو البراءة الأصليّة على مصطلح القدماء بموجب حكم العقل.

تاريخ البراءة العقليّة عند القدماء:

و نجد أوّل محاولة فنّيّة لصياغة البراءة العقليّة عند المحقّق الحلّي (رحمه اللّه) حيث يقول:

«لو كان الحكم ثابتا لدلّت عليه إحدى تلك الدلائل، لأنّه لو لم يكن عليه دلالة لزم التكليف بما لا يطاق للمكلّف إلى العلم به و هو تكليف بما لا يطاق» (1).

و هذا الكلام لا يخلو من مناقشة لأنّ التكليف بالمشكوك يمكن بالاحتياط و ليس ممّا لا يطاق، إلاّ أن يكون المقصود به بالمجهول المطلق، و هو أمر آخر و ليس موضوع البحث.

و استقرّ القول بالبراءة العقليّة لدى الفقهاء بعد المحقّق الحلّي ضمن هذه الصياغات أو صياغات أخرى قريبة منها حتّى عصر الوحيد البهبهاني الّذي

____________

(1) المعارج للمحقّق 212 213، طبع آل البيت (عليهم السلام)، قم.

64

توفّق إلى صياغة فنيّة متينة لهذه القاعدة اتّبعه عليها الأصوليّون الذين جاءوا من بعده بما فيهم مدرسة الشيخ الأنصاري و من تخرّج من هذه المدرسة.

قاعدة قبح العقاب بلا بيان:

و هذه القاعدة هي القاعدة المعروفة ب(قبح العقاب بلا بيان) و لعلّ المعركة الفكريّة التي دخلها الوحيد ضدّ المدرسة الأخباريّة كان من وراء هذه الصياغة العقليّة لأصالة البراءة.

يقول الوحيد (رحمه اللّه) في كتابه (الفوائد الحائريّة):

«اعلم أنّ المجتهدين ذهبوا إلى أنّ ما لا نصّ فيه و الشبهة في موضوع الحكم الأصلي فيهما البراءة. و المقصود بالأوّل الشبهة الحكميّة و بالثاني الشبهة الموضوعيّة».

ثمّ يقول: «دليل المجتهدين حكم العقل بقبح التكليف و المؤاخذة ما لم يكن بيان» (1).

و قد عدّل صياغته من بعده سبطه السيّد محمّد المجاهد الطباطبائي ابن السيّد علي صاحب (رياض المسائل) في موسوعته الأصوليّة الكبيرة (مفاتيح الأصول) فقال في الاستدلال للبراءة العقليّة: و منها ما أشار إليه جدّي (الوحيد البهبهاني) فقال: «إنّ دليل المعظم إنّه إذا لم يكن نصّ لم يكن حكم فالعقاب قبيح، ثمّ قال: فالصواب أن يجعل الدليل هكذا:

____________

(1) الفوائد الحائريّة مع تعاليق الفريد الگلپايگاني: 133، مكتبة الصدر.

65

إذا لم يصل الحكم لم يكن عقابا لقبح التكليف و العقاب حينئذ» (1).

و قد اعتبر الشيخ الأنصاري هذه القاعدة من القضايا البديهيّة التي لا يشكّ فيها أحد من العقلاء و لم يتعرّض الشيخ للاستدلال لهذه القاعدة اعتمادا على وضوحها و بداهتها.

تقرير المحقّق النائيني للبراءة العقليّة:

و ذهب المحقّق النائيني في توجيه هذه القاعدة و الاستدلال لها إلى أنّ البيان ما لم يصل إلى المكلّف لا يكون محرّكا له و وجود البيان الواقعي كعدمه لا يصلح أن يكون سببا في تحريك المكلّف، كما لا تصلح الأمور التكوينيّة المثيرة للرغبة و الحركة في الإنسان لإثارة الإنسان و تحريكه بوجودها الواقعي بل بوجودها الواصل إلى المكلّف (2).

تقرير المحقّق الأصفهانيّ للبراءة العقليّة:

و يقرّر المحقّق الأصفهانيّ (رحمه اللّه) البراءة العقليّة بطريقة أخرى فيرى أنّ أحكام العقل العملي تؤول بالنتيجة إلى حسن العدل و قبح الظلم بالضرورة و لا شكّ أنّ تمرّد العبد على أوامر المولى و نواهيه إذا أقام عليها الحجّة من الظلم و الخروج عن طور العبوديّة و هو من أقبح الأمور و يستحقّ العبد عليه العقاب.

____________

(1) مفاتيح الأصول للسيّد المجاهد الطباطبائي: 518.

(2) راجع فوائد الأصول للشيخ محمّد علي الكاظميني تقريرات المحقّق النائيني 3:

365، طبعة انتشارات جامعة المدرّسين مع حواشي المحقّق العراقي.

66

أمّا ما لم تقم عليه الحجّة، و لم يصل بيانه إلى المكلّف من أوامر المولى و نواهيه فلا يعتبر مخالفته من قبل المكلّف من الظلم و الخروج عن طور العبوديّة، فلا يستحقّ بذلك العقاب و لا يصحّ عقابه من قبل المولى، بل يقبح عقابه من جانب المولى الحكيم، لأنّه لم يرتكب ظلما في علاقته بمولاه لتحسن عقوبته (1).

مناقشة الشهيد الصدر للبراءة العقليّة:

و للمحقّق الشهيد الصدر (رحمه اللّه) رأي معروف في نفي البراءة العقليّة و التشكيك في القيمة العقليّة لقاعدة قبح العقاب بلا بيان.

و خلاصة رأي هذا المحقّق الجليل أنّ من غير الجائز قياس حقّ الطاعة للّه سبحانه و تعالى على عباده بحقّ طاعة الموالي العرفيّة على من يتولون أمرهم و ذلك لأنّ مولويّة اللّه تعالى ذاتيّة، و مولويّة الموالي العرفيّة مجعولة، و لا تقاس أحكام المولويّة الذاتيّة في حقّ الطاعة بالمولويّة العرفيّة.

و بناء عليه فإنّ انحصار حقّ الطاعة للمولى على المكلّفين فيما وصلهم من التكاليف فقط حقّ إلاّ أنّه يختصّ بالموالي العرفيّة، أمّا حقّ طاعة اللّه تعالى على عباده فلا يقاس بما سبق بل يشمل التكاليف المحتملة أيضا.

يقول (رحمه اللّه): «و نحن نؤمن في هذا المسلك بأنّ المولويّة الذاتيّة الثابتة للّه سبحانه و تعالى لا تختصّ بالتكاليف المقطوعة بل تشمل مطلق التكاليف الواصلة و لو احتمالا و هذا من مدركات العقل العمليّ، و هي غير مبرهنة.

فكما إنّ أصل حقّ الطاعة للمنعم و الخالق مدرك أوّليّ للعقل العملي

____________

(1) نهاية الدراية 2: 190.

67

غير مبرهن، كذلك حدوده سعة و ضيقا، و عليه فالقاعدة العمليّة الأوّليّة هي أصالة الاشتغال بحكم العقل ما لم يثبت الترخيص الجادّ في ترك التحفّظ على ما تقدّم في مباحث القطع» (1).

و لكن أصالة الاشتغال العقليّة، على رأي الشهيد الصدر (رحمه اللّه) لمّا كانت مقيّدة بعدم ورود ترخيص من الشارع في موارد الشكّ في التكليف كانت أدلّة البراءة الشرعيّة واردة بطبيعة الحال على الأصل العقلي الحاكم بالاشتغال.

مناقشة الشهيد الصدر لرأي العلمين النائيني و الأصفهانيّ:

و بهذا الصدد يناقش (رحمه اللّه) تقرير كلّ من العلمين المحقّقين النائيني و الأصفهانيّ (رحمهما اللّه) الّذي سبق و أن شرحناه.

فيقول في مناقشة تقرير المحقّق النائيني: «إنّ هذا الكلام مصادرة لأنّ عدم المقتضي فرع ضيق دائرة حقّ الطاعة و عدم شمولها عقلا للتكاليف المشكوكة، لوضوح أنّه مع الشمول يكون المقتضي للتحرّك موجودا، فينتهي البحث إلى تحديد دائرة حقّ الطاعة» (2).

و يقول في مناقشة تقرير المحقّق الأصفهانيّ:

«و التحقيق أنّ ادّعاء كون حكم العقل بقبح الظلم هو الأساس لأحكام العقل العملي بالقبح عموما و أنّها كلّها تطبيقات له و إن كان هو المشهور و المتداول في كلماته و كلمات غيره من المحقّقين إلاّ إنّه لا محصّل له،

____________

(1) دروس في علم الأصول، القسم الثاني من الحلقة الثالثة: 33 و 34.

(2) دروس في علم الأصول، القسم الثاني من الحلقة الثالثة: 29 و 30.

68

لأنّنا إذا حلّلنا نفس مفهوم الظلم وجدنا أنّه عبارة عن الاعتداء و سلب الغير حقّه، و هذا يعني افتراض ثبوت حقّ في المرتبة السابقة، و هذا الحقّ بنفسه من مدركات العقل العملي. فلو لا أن للمنعم حقّ الشكر في المرتبة السابقة لما انطبق عنوان الظلم على ترك شكره، فكون شيء ظلما و بالتالي قبيحا مترتّب دائما على حقّ مدرك في المرتبة السابقة، و هو في المقام حقّ الطاعة فلا بدّ أن يتّجه البحث إلى أنّ حقّ الطاعة للمولى هل يشمل التكاليف الواصلة بالوصول الاحتمالي أو يختصّ بما كان واصلا بالوصول القطعي، بعد الفراغ من عدم شموله للتكليف بمجرّد ثبوته واقعا و لو لم يصل بوجه» (1).

مناقشة رأي المحقّق الشهيد الصدر (رحمه اللّه):

و يبدو لي ان التقرير التالي لنظرية (قبح العقاب بلا بيان) يرفع الملاحظات العلمية التي أوردها المحقّق الشهيد (قدّس اللّه نفسه)الطاهرة على هذه النظريّة التي اعتبرها الشيخ الأعظم (قدّس اللّه سرّه) من البديهيّات.

و هذا التقرير يتألّف من ثلاث نقاط:

النقطة الأولى:

ليس من ريب في أنّ للمولى على المكلّف حقّ الطاعة، و هذا الحقّ من الحقوق الثابتة بالقطع و لا مجال للتشكيك فيه، على خلاف في مصدر هذا الحقّ.

فإنّ الرّأي الرسمي في علم الكلام هو شكر المنعم. و الّذي يتبنّاه

____________

(1) دروس في علم الأصول، القسم الثاني من الحلقة الثالثة: 30.

69

علماء الأصول هو المولوية اللازمة للخلق و الملك و كلّ منهما حقّ و لكن ضمن الصيغة التي يعرضها القرآن و هي الميثاق.

و الولاية و الإنعام بغير هذه الصيغة لا ينهضان بحق الطاعة. و قد شرحت النظرية القرآنية بصورة مستوفاة في كتاب (الميثاق).

و مهما يكن من أمر فإنّ حق الطاعة للمولى على المكلّف من المسلّمات التي لا مجال فيها للمناقشة. و لا يختلف العقلاء أيضا في أنّ حقّ الطاعة إنّما يثبت للمولى على من يتولاّه- في غير حقّ اللّه تعالى على عباده- في حال وصول التكليف إلى المكلّف وصولا قطعيّا.

و ليس للمولى حق الطاعة على المكلّف ما لم يبلغه التكليف- بصورة قطعية- إذا تحرّى المكلّف عن التكليف في مظانّه، و لا يكفي احتمال التكليف في إثبات حقّ الطاعة للمولى على المكلّف.

و هذا الشرط (الوصول القطعي للتكليف) من أهم شروط (حق الطاعة) عند العقلاء عامّة.

و إذا توقّفنا عند ملاحظة المحقّق الشهيد الصدر (رحمه اللّه) في حق طاعة اللّه تعالى على عباده، فلا يتوقّف أحد في هذا الشرط في حقّ الطاعة لغيره تعالى من الموالي على المكلفين.

و لا يختلف في ذلك مولى عن مولى، و لا يفرق الناس بين درجات الموالي في هذا الشرط.

و على هذا يتطابق العقلاء جميعا، و المناقشة في ذلك مناقشة في البديهيات، و المحقّق الشهيد (رحمه اللّه) نفسه لا ينفي ذلك، و لا يشك فيه.

يبقى أن نعرف قيمة هذا التطابق بين العقلاء من الناحية العلمية.

لا شك أنّ هذا التطابق قائم على حكم العقل العملي بنفي حق

70

الطاعة في حال عدم الوصول القطعي للتكليف، مع التحرّي عنه في مظانّه، و ثبوت حقّ الطاعة للمولى على المكلّف عند الوصول القطعي للتكليف.

و هذا الحكم العقلي من مدركات العقل العملي و مثله في ذلك مثل حكم العقل بحسن العدل و قبح الظلم، و هو حكم عقلي قطعي، و إمارة ذلك تطابق العقلاء على ذلك.

و لا تتوقف حجية مثل هذه الأحكام العقلية على إمضاء الشارع لها ليصح كلام المحقق الشهيد (رحمه اللّه) في ردّه حيث يقول (رحمه اللّه): «و كأنّهم قاسوا ذلك ببعض المولويات العقلائية التي لا تثبت في غير موارد وصول التكليف، نعم لو قيل بأنّ الشارع أمضى السيرة و الطريقة المعتادة في المولويات الثابتة عند العقلاء و بمقدار ما تستوجبها من الحقّ فلا بأس به، و يكون مرجع هذا بحسب الحقيقة إلى البراءة الشرعية المستكشفة عن طريق إمضاء السيرة العقلائية» (1).

فإنّ المورد ليس من موارد السيرة العقلائية قطعا، و إنّما هو من موارد حكم العقل العملي، شأنه في ذلك شأن حكم العقل بحسن العدل و قبح الظلم و إمارة ذلك جزم العقل و حكمه بثبوت و نفي حق الطاعة عند وجود هذا الشرط و عدمه، و السيرة العقلائية هي السلوك الخارجي للعقلاء، و المرتكزات العقلائية و هي عبارة أخرى عن عرف العقلاء في شئون الحياة، كما يقول تعالى في الطلاق: ... فَإِمْسٰاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسٰانٍ ... (2).

____________

(1) بحوث في علم الأصول، مباحث الحجج و الأصول العمليّة 1: 30، تقرير السيّد محمود الهاشمي.

(2) البقرة: 229.

71

فإنّ الإمساك بالمعروف هو الإمساك بما يتعارف عليه العقلاء في مثل هذه الموارد من الرفق و الإنفاق و الإحسان.

و أين ذلك من حكم العقلاء جميعا على إثبات أو نفي حقّ الطاعة للمولى على المكلّف عند وجود أو عدم هذا الشرط.

و إذا ثبت أنّ هذا الحكم حكم عقلي من أحكام العقل العملي فلا نحتاج في حجيته إلى إمضاء الشارع و إنما يلازمه الحكم الشرعي بموجب حكم العقل النظريّ، من باب الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع.

و شتان بين إمضاء الشارع للسيرة العقلائية- الذين يؤول أمره كما يقول المحقّق الشهيد (رحمه اللّه) إلى البراءة الشرعية- و بين الملازمة بين حكم العقل العملي و الحكم الشرعي الّذي قررناه في هذا التقرير.

نعم، لا شك انّ للمولى، إذا وجد أهمية متميزة لبعض أحكامه أن يأمر المكلف بالاحتياط فيما لم يصله الحكم على نحو القطع و اليقين، كما في موارد الدماء و الأموال و الفروج مثلا لاهتمام الحاكم و المولى به أكثر من غيره، و لكن بشرط تبليغ الأمر بالاحتياط، و من دون التكليف بالاحتياط، لا تحق له الطاعة من دون وصول التكليف.

و لا إشكال عند القائلين بالبراءة العقلية بوجوب الاحتياط عند ما يأمر المولى بالاحتياط فيكون المورد من موارد الاحتياط الشرعي.

النقطة الثانية:

و يحكم العقل كذلك حكما قطعيا بقبح العقاب على المولى الحكيم للمكلفين إذا خالفوه في أمر أو نهي في كل مورد ليس له حق الطاعة عليهم، لأنّ العقاب و المؤاخذة فيما لا يكون للمولى على المكلف (حق الطاعة) قبيح و مخالف للعدل و الحكمة.

72

و بهذا النهج من البحث نصل بالدقة إلى ما يريده (قدّس اللّه نفسه)من ابتناء مسألة (قبح العقاب بلا بيان) علميا على عدم وجود (حق الطاعة) للمولى على المكلف في مرحلة سابقة فيما لم يصل التكليف إلى المكلف بصورة قطعية.

يقول (رحمه اللّه) في كلام سابق له نقلناه في مناقشته لتقرير المحقق الأصفهاني: «فلا بدّ أن يتّجه البحث إلى أنّ حق الطاعة للمولى هل يشمل التكاليف الواصلة بالوصول الاحتمالي أو يختصّ بما كان واصلا بالوصول القطعي» (1).

و هو كلام دقيق وجيه، لا ريب فيه.

و قد حرصنا نحن أن نسلك هذا النهج فنثبت أوّلا، في النقطة الأولى من البحث نفي حقّ الطاعة للمولى على المكلّف فيما لم يصله التكليف بصورة قطعية بعد التحرّي و البحث عنه في مظانّه.

و إذا ثبت لنا ذلك بموجب حكم العقل العملي، كما أسلفنا، رتّبنا على ذلك حكم العقل القطعي بقبح عقاب المولى للمكلّف عند مخالفته للتكليف إذا لم يصله التكليف وصولا قطعيا، و هو معنى القاعدة المعروفة لدى المشهور من الأصوليين ب(قبح العقاب بلا بيان).

و هذه القاعدة- كما نرى- مزج بين حكمين عقليين، و ليس حكما عقليا واحدا.

و نقطة الارتكاز في نقد المحقق الشهيد (رحمه اللّه) لكلمات المحققين من الأصوليين هي اعتبار القاعدة منطلقة من حكم عقلي واحد، و ليست تركيبا من حكمين عقليين بالطريقة التي شرحناها.

____________

(1) دروس في علم الأصول، القسم الثاني من الحلقة الثالثة: 30، 31.

73

النقطة الثالثة:

و تبقى بعد ذلك النقطة الأخيرة في هذا البحث، و هي أنّ غاية الجهد الّذي قدّمه هذا التقرير إثبات القاعدة إثباتا عقليّا بديهيّا كما يقول الشيخ (رحمه اللّه) للموالي على المكلفين، و لكن في غير حق الطاعة للّه تعالى، و لا يقاس حق الطاعة للّه تعالى على عباده بحق الطاعة الثابتة للموالي العرفية العقلائية و لا يلازم ثبوت هذه القاعدة العقلية في الموالي العقلائية العرفية المجعولة ثبوتها في المولوية الذاتيّة المطلقة للّه تعالى يقول المحقّق الشهيد (رحمه اللّه):

«فلا بدّ من جعل منهج البحث ابتداء عن دائرة مولوية المولى و أنّها بأيّ مقدار و هنا فرضان:

1- ان تكون مولوية المولى أمرا واقعيا موضوعها واقع التكليف بقطع النّظر عن الانكشاف و درجته، و هذا باطل جزما لأنّه يستلزم أن يكون التكليف في موارد الجهل المركب منجزا و مخالفته عصيانا، و هو خلف القطع و واضح البطلان.

2- أن يكون حق الطاعة في خصوص ما يقطع به و يصل إلى المكلفين من المولى و هذا هو روح موقف المشهور الّذي يعني التبعيض في المولوية بين موارد القطع و الوصول و موارد الشك، و لكنا نرى بطلان هذه الفريضة أيضا لأنا نرى أن مولوية المولى من أتمّ مراتب المولوية على حدّ سائر صفاته، و حقه في الطاعة على العباد أكبر حق لأنّه ناشئ من المملوكية و العبودية الحقيقية.

3- المولوية في حدود ما لم يقطع بالعدم، و هذه هي التي ندّعيها و على أساسها ننكر قاعدة قبح العقاب بلا بيان التي على أساسها ذهب المشهور إلى التبعيض في المولوية، و كأنّهم قاسوا ذلك ببعض المولويات العقلائية التي

74

لا تثبت في غير موارد وصول التكليف» (1).

و بناء على ذلك تبقى لدينا مهمة واحدة ليتم بها تقرير هذه القاعدة العقلية و شمولها ل(حق الطاعة) للّه تعالى على عباده و هي تعميم هذه القاعدة العقلية لتشمل (حق الطاعة) للّه تعالى على عباده.

و هذا التعميم يثبت بصورة قطعية بملاحظة وحدة مصدر الطاعة الشرعية، أو وحدة حق الطاعة. فليس لدينا حقان و مصدران للطاعة، حق الطاعة للّه و حقّ الطاعة لغير اللّه تعالى من الموالي، و إنما هو حق واحد و مصدر واحد.

و توضيح ذلك: ان الطاعة لا تزيد على حالتين: اما أن تكون طاعة شرعية أو تكون طاعة غير شرعية.

و الطاعة الشرعية هي طاعة اللّه تعالى و طاعة كل من يأمر اللّه تعالى بطاعته من أنبيائه و رسله (عليهم السلام) و أوصيائهم (عليهم السلام) و من يؤمّرونهم على الناس من الأمراء و من الدرجة الثانية و الثالثة ... و تدخل في هذا الحقل من الطاعة، طاعة الزوج، و طاعة الوالدين، و طاعة الأجير فان كل ذلك يتم بأمر من اللّه تعالى. و في الحقيقة هي مصاديق لطاعة اللّه تعالى، و في امتداد طاعة اللّه و تحمل نفس قيمة و قوّة طاعة اللّه، و إن كانت تختلف عن طاعة اللّه في مساحة الطاعة فانّ حق طاعة الزوج محدود في مساحة معيّنة، بعكس مساحة حق الطاعة للّه فانّها مساحة مطلقة و غير محدودة.

و هذه المساحة هي التي تتحدد بالجعل من قبل اللّه تعالى فمهما أمر اللّه

____________

(1) بحوث في علم الأصول، مباحث الحجج و الأصول العملية 1: 30، للسيّد محمود الهاشمي.

75

تعالى بطاعة لأحد في مساحة يحددها للطاعة وجبت تلك الطاعة في تلك المساحة، من دون أن تختلف قيمة هذه الطاعة.

فإنّ قيمة حق الطاعة في كل طاعة مشروعة واحدة، لأنها جميعا تصدر عن حق طاعة اللّه تعالى على عباده.

و ليس من شك أنّ العقلاء يتطابقون على أن حقّ الطاعة مشروط بوصول التكليف إلى المكلّف و ما لم يصل التكليف إلى المكلف وصولا قطعيا لم يكن للمولى حق للطاعة على المكلف.

و إذا عرفنا بوحدة حق و مصدر الطاعة الشرعية أمكننا أن نعمّم الحكم العقلي السابق في مورد حق اللّه تعالى على عباده بالطاعة.

و ليس من شك أنّ للّه تعالى أن يطلب الطاعة من عباده بالاحتياط في حال احتمال التكليف و الشك بل الوهم أيضا، و لكن بشرط التبليغ، و من دون التبليغ يبقى الحكم العقلي الثابت في موارد الطاعة المشروعة نافذا في حق طاعة اللّه تعالى على عباده، من دون فرق، لوحدة حق الطاعة و مصدرها. فما يشترط من شرط في حق الطاعة هناك يشترط في حق الطاعة للّه و ما لا يشترط هناك لا يشترط في حق الطاعة للّه، و ذلك لأنّ هذه النماذج من الطاعة واحدة. و حق الطاعة لها و للّه تعالى من المتواطئ الّذي لا تختلف أفراده من حيث الزيادة و النقيصة و ليس من مقولة المشكك، و إن اختلفت في مساحة الطاعة.

و لا فرق فيها بين وجوب و وجوب، و طاعة و طاعة، فإنّ وجوب طاعة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و وجوب طاعة أوصيائه و خلفاء أوصيائه و الحكام و المسئولين الشرعيين من وجوب طاعة اللّه.

و لدى التزاحم بين هذه الواجبات نرجح الأهم من حيث متعلق الأمر

76

و الوجوب لا الأهم من حيث مصدر الأمر و الوجوب، كما هو مقتضى باب التزاحم. فإن ردّ السلام- مثلا- واجب بصريح القرآن فلو تزاحم ردّ السلام مع تكليف الوالد لولده بمهمة خطيرة قدّم الولد أمر الأب على ردّ السلام و ذلك لأنّ طاعة الأب هي من طاعة اللّه تعالى و لا فرق بين طاعة و طاعة إلاّ من حيث أهمية متعلّق الأمر.

فإذا كان متعلّق الأمر في تكليف الوالد أهم من ردّ السلام قدّمه عليه لدى التزاحم على قاعدة تقديم الأهم على المهم.

فإن طاعة الوالد من الطاعة للّه تعالى و وجود الوسائط لا يغير جوهر الطاعة. فيتم تقديم طاعة على طاعة بموجب أهميّة متعلّق الأمر لا بموجب أهمية مصدر الأمر، فإن مصدر الأمر في كلّ هذه النماذج هو اللّه تعالى.

و هذه حقيقة مهمّة تعيننا في درك عمومية قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) في مورد طاعة اللّه تعالى و عدم وجود استثناء في البين.

و الفرق بين الولايتين بأنّ إحداهما ذاتية و الأخرى مجعولة و بالعرض غير فارق فيما هو المهم من هذه المسألة في اشتراط حق الطاعة للمولى بوصول التكليف أو عدم الاشتراط.

و ذلك لأنّ المولويات العرضية المشروعة التي هي من النحو الثاني تتم بجعل من اللّه تعالى. و ليست لها طاعة و معصية مستقلّة عن طاعة اللّه و معصيته.

و إلى ذلك تشير النصوص الواردة عن أولياء أمور المسلمين في أنّ طاعتهم من طاعة اللّه و معصيتهم من معصية اللّه و من أطاعهم فقد أطاع اللّه و من عصاهم فقد عصى اللّه.

فليس لهؤلاء حق في الطاعة غير حق اللّه تعالى.

77

و لا وجود لحقوق متعدّدة في الطاعة حتّى يمكن أن يكون حق الطاعة في الموالي المجعولة مشروطا بوصول التكاليف و حق الطاعة من اللّه تعالى غير مشروط بوصول التكليف.

فإذا ثبت بالدليل العقلي اشتراط حق الطاعة المشروعة لأحد (غير اللّه تعالى) بالوصول و البلوغ، فإن معنى ذلك اشتراط حق الطاعة للّه تعالى على عباده بالوصول و البلوغ بالضرورة، لأنّ ذلك الحق من هذا الحق بل لا حق إلاّ هذا الحق. و كلّ حقّ آخر للطاعة موهوم بالنظرة العقلية الدقيقة.

و يدلّ على ذلك دلالة قطعيّة ما سبق أن أشرنا إليه من تقديم الأهم على المهم من متعلق الأمر و النهي فيما إذا تزاحم أمران مولويّان على المكلّف أحدهما من جانب اللّه تعالى و الآخر ممّن له طاعة مشروعة على المكلّف، و لا يلحظ في تقديم أحدهما على الآخر ملاحظة مصدر الطاعة و لا يلاحظ تقديم أمر اللّه على الأمر الآخر.

نعم يصح كلام هذا المحقّق الشهيد (رحمه اللّه) فيما إذا كان مصدر حقّ للطاعة غير اللّه تعالى كما في حق طاعة أولياء الأمور في المجتمعات الديمقراطية، فإنّ مصدر الطاعة في النظرية الديمقراطية هو الشعب، و ليس هو اللّه تعالى، فإذا صلح و ثبت شرط عقلي في الطاعة في النظام الديمقراطي فليس يجب أن يثبت بالضرورة نفس الشرط في طاعة اللّه تعالى، للاختلاف العظيم بين الولاية الذاتيّة الثابتة للّه تعالى و الولاية الموهومة للشعب.

و هذا حقّ، لا نناقش فيه، و لكنّا وجدنا أن شرط وصول التكليف إلى المكلف يعم كل حالات الطاعة المشروعة عقلا، فإذا ثبت هذا الشرط العقلي في مورد من موارد الطاعة المشروعة عقلا كان لا بدّ أن يثبت في حق

78

اللّه تعالى على عباده بالطاعة بالضرورة.

و بناء عليه فإنّ قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) العقلية تعمّ كل موارد الطاعة، و لا يحتمل خروج حق طاعة اللّه تعالى عن هذه القاعدة العقلية، و هو الّذي قرّره الوحيد البهبهاني (رحمه اللّه تعالى).

الوظيفة العقليّة للمكلّف لدى الشكّ في المكلّف به:

و وظيفة المكلّف لدى الشكّ في المكلّف به هي الاحتياط بعكس حالة الشكّ في التكليف، و هذه الوظيفة عقليّة و هي موضوع اتّفاق الأصوليّين و الأخباريّين و تثبت بالقاعدة العقليّة المعروفة: (اشتغال الذمّة اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة) و هي قاعدة عقليّة محكمة لا مجال للتشكيك فيها، و قد اعتمدها علماء الأصول أساسا عقليّا لأصالة الاحتياط كلّما كان المورد من موارد العلم بالتكليف و الشكّ في المكلّف به أو في متعلّقه و هذه القاعدة العقليّة نجدها لأوّل مرّة واضحة في كلمات الوحيد البهبهاني و قد طوّر علماء الأصول و خاصّة الشيخ الأنصاري هذه القاعدة و مجالات استخدامها فيما بعد و لكن تبقى كلمات الوحيد البهبهاني في (الفوائد) هي المصدر الأوّل الّذي استوحى منها علماء الأصول تفاصيل البحث في هذه القاعدة العقليّة.

قاعدة «الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني» في كلمات الوحيد:

يقول (رحمه اللّه) في تقرير هذه القاعدة العقليّة:

«التكليف بالمجمل صحيح إذا تيسّر الامتثال بإتيان المحتملات التي بإتيانها يتحقّق المكلّف به يقينا أو عرفا، كوجوب التنزّه عن الإناءين المشتبهين و قضاء الفريضة المنسيّة من الخمس و غيرها. فتعيّن الإتيان بها

79

حينئذ من باب المقدّمة. و لأنّ شغل الذمّة بها يقيني، و البراءة اليقينيّة تتوقّف على الإتيان بها حينئذ. و لأنّه مخاطب بالإطاعة و الامتثال، و لا يعدّ ممتثلا إلاّ أن يأتي بها إذ بغير الإتيان يكون البراءة على سبيل الاحتمال و هو غير مجز عندهم قطعا» (1).

تفصيل القاعدة:

و تتألّف هذه القاعدة من شطرين:

1- إنّ العلم بالتكليف علّة لاشتغال الذمّة اليقيني.

2- و الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.

و لا بدّ من إيضاح لكلّ من هاتين النقطتين و إيضاح مجالات استخدام هذه القاعدة.

1- اشتغال الذمّة اليقيني:

و قد أدرج علماء الأصول تفصيل البحث عن هذا الشطر من القاعدة في مباحث حجّيّة القطع حيث اعتبروا الحجّيّة من لوازم القطع الذاتيّة التي لا يمكن إضافتها إليه و جعلها له كما لا يمكن سلبها عنه، لأنّها من ذاتيّات القطع التي لا يوجد القطع من دونها.

و لازم الحجّيّة صحّة الإحتجاج بها من قبل اللّه تعالى على عبده إذا تخلّف المكلّف من امتثال الحكم الّذي قطع به، و أصاب قطعه الواقع، و لم يخطئ فيصحّ أن يؤاخذه اللّه تعالى بقطعه و يعاقبه على تخلّفه، بدليل حجّيّة

____________

(1) الفوائد الحائريّة القديمة: 234- 236.

80

القطع، و هذا هو معنى تنجيز الحكم الشرعي الثابت بالقطع على المكلّف، و هو أحد لازمي الحجّيّة.

و اللازم الآخر للحجّيّة هو صحّة احتجاج العبد بعلمه عند مولاه إذا قطع بانتفاء الحكم الإلزاميّ من جانب اللّه فأخطأ قطعه الواقع، فانّه يحقّ له أن يعتذر عن تخلّفه عن الحكم الإلزاميّ بقطعه بانتفاء الإلزام من جانب اللّه، و هذا هو معنى المعذريّة و هو اللازم الثاني للحجّيّة.

و قد جعل علماء الأصول المنجزيّة و المعذريّة من لوازم القطع.

و هما في الحقيقة من لوازم قطع المكلّف بالحكم الشرعي من جانب اللّه و وصوله إليه لا من لوازم القطع.

المنجزيّة:

و الّذي يهمّنا هنا هو المنجزيّة بالخصوص و معنى المنجزيّة هو وصول التكليف إلى المكلّف و دخوله في عهدته و اشتغال ذمّته به بصورة قطعيّة.

و المنجزيّة تتألّف من كبرى و صغرى أمّا الكبرى فهي حقّ المولويّة و الطاعة من اللّه تعالى على عبده في كلّ تكليف واصل إلى العبد.

و أمّا الصغرى فهي وصول التكليف إلى العبد بالقطع.

و النتيجة التي نستنتجها من ضمّ هاتين الجملتين إلى بعض هي تنجّز التكليف على المكلّف و دخوله في عهدته و اشتغال ذمّته به يقينا.

و عندئذ تشتغل ذمّة المكلّف بالتكليف الشرعي بصورة قطعيّة.

و هذا هو معنى اشتغال الذمّة