الاجتهاد و التقليد (هداية المسترشدين)

- الشيخ محمد تقي الرازي المزيد...
27 /
463

[المطلب التاسع في الاجتهاد و التقليد]

قوله (رحمه الله) الاجتهاد في اللغة

مأخوذ من الجهد بالضم أو الفتح بمعنى الوسع و الطاقة و قد يخص حينئذ بالضم فهو بذل الوسع و الطاقة في أمر من الأمور أو مأخوذ من الجهد بالفتح بمعنى المشقة فهو تحمل المشقة و قد يخص معناه اللغوي بالأول و يجعل الثاني تفسيرا له باللازم و كان الأظهر أنهما معنيان متعددان و المناسبة بين كل من ذينك المعنيين و معناه الاصطلاحي على كل من الوجهين الآتيين ظاهرة و إن اختلفت فيها جهة المناسبة

قوله و في الاصطلاح استفراغ الفقيه وسعه إلى آخره

قد ذكروا للاجتهاد حدودا شتى و الذي يتلخص في المقام أن له بحسب الاصطلاح إطلاقان أحدهما أن يؤخذ مصدرا فيكون بمعناه الحدثي و قد يجعل حينئذ اسما للحال في مقابلة ما سيجيء من إطلاقه على الملكة و قد عرفه المصنف تبعا للعضدي بأنه استفراغ الفقيه وسعه و في الوافية أنه الاصطلاح المشهور و يرد على الحد المذكور أمور أحدها أن أخذ الفقيه في الحد يوجب الدور فإن الفقيه هو العالم بالمسائل عن الاجتهاد لوضوح خروج معرفة الأحكام عن التقليد عن اسم الفقه فأخذه في حد الاجتهاد قاضٍ بالدور ثانيها أن الفقيه إنما يصدق بعد المعرفة بقدر يعتد به من الأحكام فإن القادر على استنباط المسائل من الأدلة لا يعد فقيها في العرف قبل تحصيل العلم بقدر يعتد به من الأحكام حسبما مرت الإشارة إليه عند تعريف الفقه كما هو الحال في المتكلم و النحوي و الصرفي و غيرها و حينئذ نقول إن الاستفراغ الحاصل منه قبل حصول الفعلية المذكورة اجتهاد مع أنه غير حاصل من الفقيه فلا ينعكس الحد ثالثها أن الحد المذكور إن كان تحديدا للاجتهاد الصحيح فلا بد من قيود أخر لينطبق على المحدود و إن كان تحديدا للأعم فلا وجه لأخذ الفقيه في الحد رابعها أن استفراغ الوسع غير معتبر في تحصيل كل من الأحكام بل و ذلك أقصى ما يلزم المجتهد في المسائل المفصلة و أما سائر المسائل مما لا يكون بتلك المثابة فلا يلزم فيها ذلك توضيح ذلك أن أقصى ما يجب على المجتهد الاطمئنان بتحصيله ما يستفاد من الأدلة الموجودة و ذلك قد يحصل بأول نظره في كل المسألة كما في كثير من المسائل التي مداركها ظاهرة و قد لا يحصل إلا بعد استفراغ منتهى الوسع كما في بعض المسائل المشكلة و قد يكون بين الأمرين و من البين تحقيق الاجتهاد في جميع ذلك فلا ينعكس الحد أيضا خامسها أن جملة من الأدلة الفقهية ليست مفيدة للظن بالواقع

464

بل إنما يكون حجة على سبيل التعبد و إن لم يفد ظنا بالواقع كما هو الحال في الاستصحاب و أصالة البراءة بل و كذا الحال في مداليل الألفاظ في كثير من الموارد حسبما نبهنا عليه في المباحث السالفة فليس هناك تحصيل ظن بالأحكام في كثير من الأحيان مع أن تحصيل الحكم المستفاد من تلك الأدلة يندرج في الاجتهاد قطعا فلا ينعكس أيضا سادسها أنه قد يتوقف الفقيه في الحكم بعد اجتهاده في المسألة فليس هناك تحصيل ظن بالحكم الشرعي مع استفراغه الوسع في ملاحظة الأدلة و كون استفراغه المذكور اجتهادا قطعيا سابعها أن الفقيه كثيرا ما يحصل له القطع بالحكم إذ ليس جميع مسائل الفقه ظنية غاية الأمر أن يكون معظمها ظنية فأخذ الظن في الحد يقضي بخروج القطعيات مع أن استنباطها عن الأدلة يكون بالاجتهاد كيف و من البين أن الاجتهاد قد ينتهي في بعض الأحيان إلى القطع لتراكم الظنون و ظاهر الحد المذكور يقضي بخروجه من الاجتهاد ثامنها أنه يندرج في الحد استفراغ الفقيه وسعه في تحصيل الظن بالأحكام الأصولية مما يندرج في أصول الدين كخصوصيات عالم المعاد أو البرزخ أو في أصول الفقه كحجية الحسن و الموثق و الضعيف المنجبر بالشهرة و نحوها مع أن ذلك لا يعد اجتهادا في العرف تاسعها أنه يندرج فيه استفراغ وسعه في تحصيل الأحكام الظنية الخاصة المتعلقة بالموضوعات كيقين الهلال لوجوب الصوم أو الإفطار و القيمة و سائر ما يتعلق به القضاء و لا يندرج شيء من ذلك في الاجتهاد و قد يذب عن الأول بأن المراد بالفقيه من مارس الفقه احترازا من غير الممارس كالمنطقي الصرف و فيه أن مجرد ممارسة الفقيه مع عدم المعرفة بالأدلة و كيفية إجرائها و الاقتدار على رد الفروع إلى الأصول غير كاف في المقام بل هو بمنزلة المنطقي الصرف في عدم الاعتداد باستفراغه و عدم كونه اجتهادا بحسب الاصطلاح و عدم اندراج المستفرغ المذكور في عنوان المجتهد مضافا إلى ما في الحمل المذكور من التعسف لخروجه عن المعنى المصطلح من غير قيام قرينة عليه و القول بأن استفراغ الوسع في تحصيل الأحكام لا يحصل إلا بتحصيل جميع ما يتوقف عليه مدفوع بأنه يأباه ظاهر الإطلاق إذ الظاهر منه استفراغ الوسع الحاصل للمستدل على حسب ما يقتضيه حاله و قد لا يسع الجميع ذلك و لو أريد به خصوص ما يعتد به شرعا من استفراغ الوسع صح ذلك إلا أنه لا شاهد في العبارة على التقييد و قد يقال إنه مع افتقاره إلى تحصيل تلك المقدمات لا يعد الاستفراغ الحاصل منه قبل تحصيلها استفراغا للوسع و فيه مع ظهور كونه في محل المنع أن التقييد بالفقيه حينئذ يكون لغوا و كأنه لذا أو لانصراف الإطلاق إلى خصوص الاستفراغ الحاصل منه و لو بملاحظة المقام ترك التقييد في كلام جماعة من الأعلام منهم المحقق في المعارج و العلامة في النهاية و المبادي و الآمدي في الأحكام و قد يقال إن الاجتهاد يعم الصحيح الذي يترتب عليه الآثار و الفاسد و ينبغي أن يكون التحديد للأعم لا خصوص الصحيح منه فيندرج فيه الاستفراغ الحاصل من الفقيه و غيره غاية الأمر أن يعتد به إذا كان من غير الفقيه و ذلك لا يقضي بخروجه عن الاجتهاد فعلى هذا لا يتجه التقييد بكونه من الفقيه كذا ذكره بعض الأفاضل و لذا عرف الاجتهاد بأنه استنباط الحكم من الأدلة و لذا تراهم بعد ذكر تعريف الاجتهاد يجعلون المعرفة بما يتوقف عليه و منه القوة القدسية من شرائطه لا من مقوماته و أنت خبير بما فيه لظهور أنه لا يعد كل استنباط من الأدلة اجتهادا في الاصطلاح و لو صدر من العوام بل من غير القادر على استنباط المعتبر بل من القادر عليه إذا لم يأت به على وجهه فظاهر الاصطلاح اختصاصه بالواقع عن المجتهد القادر على الاستنباط إذا أتى به على الوجه المعتبر و كان عدم التقييد به في كلام الجماعة مبني على أحد الوجهين المتقدمين و لذا وقع التقييد به في كلام آخرين كالعلامة في التهذيب و السيد العميدي في منية اللبيب و العضدي و لم يبنوا ذلك على اختلافهم في المقام و عدهم المعرفة بطريق الاستدلال و القوة القدسية الباعثة على الاقتدار من رد الفروع إلى الأصول من شرائطه لا ينافي ذلك لوضوح أنه بعد تقييده بالحاصل من القادر على الاستنباط يكون القدرة المذكورة شرطا في تحقق الاجتهاد لا جزءا مقوما له فيوافق ذلك حدهم ما ذكر من شرائط الاجتهاد إذ ظاهر ما ذكروه كون ذلك من شرائط تحقق الاجتهاد و حصوله لا من شرائط جواز الأخذ به و الاعتماد عليه كما حاوله الفاضل المذكور فهو بالدلالة على

خلاف ما حاوله أولى هذا و الأظهر في الجواب أن يقال إن عدم تحقق الفقاهة إلا بتحقق الاجتهاد لا يقضي بتوقف تصوره على تصوره و الدور المذكور إنما يلزم بناء على الثاني دون الأول على أن تحقق الفقاهة من أصله غير مفتقر إلى الاجتهاد كما هو الحال بالنسبة إلى من يأخذ الأحكام من الإمام (عليه السلام) من غير واسطة إلا أنه قد توقف حصوله على ذلك في عهد الغيبة من جهة العارض نظرا إلى خفاء الطرق و وقوع الفتن الباعثة على اختفاء الأحكام الشرعية و قد يورد الدور في المقام بوجه آخر بأن يقال إن أخذ الفقيه في حد الاجتهاد يعطي توقف حصول الاجتهاد على تحقق الفقاهة ضرورة كون الاستفراغ الحاصل من الفقيه و من البين توقف حصول الفقاهة على الاجتهاد فيلزم الدور في تحقق الاجتهاد في الخارج لا في التصوّر ليدفع بما ذكر و يدفعه منع توقف كل من الاجتهاد و الفقاهة على الآخر على نحو يوجب الدور غاية الأمر أن يستحيل انفكاك أحدهما عن الآخر لحصول الإناطة بينهما فالدور هناك معي و منه يظهر الجواب عن الإيراد الثاني فإن ذلك الاستفراغ إنما يعد اجتهادا إذا كان المستفرغ عالما بقدر يعتد به من الأحكام فإنه حينئذ يكون حجة بالنسبة إليه و يجوز تعين تقليده فيه و أما قبل حصول الفعلية المفروضة فهو كغيره مما يستنبط الأحكام من غير أن يعتد باستنباطه فصدق الفقه و الاجتهاد في آن واحد و إن تقدم منه حصول الاستفراغ هذا إذا قلنا بتوقف حجية ظنه على حصول الفعلية المذكورة كما يبنى على الحد المذكور و أما إن قلنا بجواز الرجوع إلى ظنه بمجرد قدرته على الاستنباط و حصول ملكة الاجتهاد له فلا إشكال إذن في صدق الاجتهاد على استفراغه الحاصل قبل حصول الفعلية فحينئذ يشكل الحال في الحد المذكور و ينبغي أن يراد بالفعلية حينئذ من له ملكة الفقه و إن لم يكن عالما بشيء منه فعلا و لا يخلو عن بعد و الأولى على هذا ترك أخذ الفقيه في الحد و عن الثالث أن المقصود استفراغ الوسع في تحصيل الحكم على الوجه المعتبر كما هو الظاهر من لفظ الاجتهاد في الاصطلاح و لا يندرج فيه ما لا يعتد بشأنه و القول بأنه لا حاجة حينئذ إلى اعتبار قيد الفقيه في الحد مدفوع بأنه إنما أخذ ذلك فيه لاستفراغ المقلد وسعه في تحصيل قول المجتهد فيما إذا توقف معرفته على ذلك فهو أيضا

465

استفراغ للوسع في تحصيل الحكم الشرعي إلا أنه لا يعد اجتهادا في الاصطلاح و كذا فيما إذا بذل وسعه في تحصيل الاحتياط إذ المشهور فيما وجب عليه العمل بذلك و عن الرابع بأن المراد ببذل الوسع هو صرف النظر في التفتيش عن الأدلة إلى أن يحصل له الاطمئنان بتحصيل ما هو مقتضى الأدلة الموجودة بحيث يحسن من نفسه العجز عن تحصيل ما عدا ذلك مما يفيد خلاف ما استفاده فيكون ما أدى نظره إليه هو غايتها ما يمكنه الوصول إليه و ذلك أنه يختلف حصوله بحسب اختلاف المسائل فربما يحصل بأدنى نظر في المسألة و قد يتوقف على فحص جديد و تجسس واف في الأدلة و تأمل تام في وجوه الاستنباط و طرق الاستدلال و ليس المراد به أن يصرف ما يسعه من النظر و الزمان في كل واحد واحد من المسائل إذ من المعلوم خلافه و فيه أنه لا يوافقه ظاهر التقرير المذكور فإن مفاد بذل الوسع في ذلك هو صرف الطاقة فيه على وجه لا يؤدي إلى الخروج و أين ذلك من التفسير المذكور إلا أن يقال إن بذل الوسع من المسائل إذ من المعلوم خلافه و فيه أنه لا يوافق الظاهر التقرير المذكور و أن مفاد بذل الوسع في ذلك هو معرف الطاقة فيه على وجه لا يؤدي إلى الخروج و أين ذلك من التفصيل المذكور إلا أن يقال إن بذل الوسع إنما يعتبر بالنسبة إلى مجموع المسائل التي يحتاج إلى استنباطها لا حصول كل مسألة و حينئذ فيكتفى في كل منها بما يحصل به الاطمئنان حسبما ذكر و هو أيضا لا يوافق ظاهر الحد حيث اعتبر فيه بذل الوسع بالنسبة إلى خصوص الأحكام و عن الخامس أن المطلوب عند المجتهد في المسائل الاجتهادية هو تحصيل الظن بالواقع إذ هو القائم مقام العلم بعد انسداد أسبابه غاية الأمر أنه مع عدم تحصيل الظن بالواقع و عجزه عن ذلك في مقام الاجتهاد و يرجع إلى أدلة الفقاهة فيندرج استفراغه المفروض في الحد المذكور لكونه في تحصيل الظن و إن لم يحصل له الظن إذ لم يعتبر في الحد حصوله فثمرة الاجتهاد فيما إذا حصل منه الظن بالحكم هو الأخذ به و هو كونه مكلفا بالعمل بمراده و فيما إذا عجز عن تحصيل الظن بالرجوع إلى أدلة الفقاهة عن الحكم بأصالة البراءة و الاحتياط و نحوهما فظهر بذلك أن التوقف في المسألة لا ينافي الاجتهاد فيها كما توهمه بعضهم كما سيجيء الإشارة إليه إن شاء الله و منه يظهر الجواب عن السادس و أنت خبير بأن ذلك إنما يتجه في دفع هذا الإيراد و أما دفعه للرابع فيبتني على اعتبار الترتيب المذكور بأن يكون الواجب أولا عن المجتهد في المقام تحصيل الظن بالأحكام ثم بعد العجز عنه ينتقل إلى نقيضه بأدلة الفقاهة و هو في محل المنع بل الظاهر أن اللازم عليه هو الرجوع إلى الأدلة الشرعية و تحصيل ما يستفاد منها سواء أفادت الظن بالواقع أو لا و تقدم بعض الأدلة على بعض عند التعارض بينها لا يقضي بكون اللازم على المجتهد هو تحصيل تلك الأدلة في جميع الأحكام حتى يؤخذ بما يستفاد منها إذ قد يعلم من أول الأمر عدم قيام شيء منها في بعض المسائل فلا يكون استفراغه الوسع في تحصيلها أصلا مضافا إلى أن بعض الأدلة الاجتهادية قد لا يكون مفيدا للظن بالواقع أيضا كما مرت الإشارة إليه فلا يتم الجواب بوجوب بذل الفقيه وسعه في تحصيل الظن في كل مسألة و قد يقال في الجواب بأن الرجوع إلى أدلة الفقاهة أيضا إنما يفيد الظن في الغالب لا بملاحظة الواقع بل بالنظر إلى الحكم الذي يقتضيه الأدلة الموجودة فإن كون ما استنبطه فهو مفاد تلك الأدلة و أنه هو الحكم الظاهري المستفاد من الأدلة القائمة إنما يثبت عند المستنبط على سبيل الظن نظرا إلى احتمال حصول المعارض أو احتمال حصول سهو عنه في كيفية الاستنباط و نحو ذلك و عن السابع بالتزام خروج استنباط المسائل القطعية عن الاجتهاد و اندراج العلم بها في الفقه لا يستدعي كونها اجتهادية إذ مسائل الفقه كما سبقت الإشارة إليه على قسمين قسم لم ينسد فيه سبيل القطع و الأدلة القطعية قائمة على إثباتها فتلك المسائل ليست متعلقة للاجتهاد بحسب الاصطلاح و لذا ينقض حكم الحاكم مع خطائه فيها و قسم آخر مما انسد فيه سبيل العلم فأخذ فيه بالظن و هو الذي يتعلق به الاجتهاد و لا ينقض فيه حكم الحاكم و لو عدل عنه أو رجعوا فيه إلى حاكم آخر نعم لو اتفق حصول القطع للمجتهد في تلك المسائل بأن أداه النظر إلى ذلك أحيانا لم نخرج عن

كونها اجتهادية و كون استفراغ وسعه في تحصيلها اجتهادا فقد يشكل الحال في الحد بالنظر إلى ذلك إلا أنه يمكن دفعه إذن بنحو ما مر من أن استفراغه الوسع في تلك المسألة إذا كان لتحصيل الظن حيث إن المتوقع فيها و إن اتفق له حصول القطع فيندرج في الحد إذ لم يعتبر فيه حصول الظن أيضا فكما يندرج فيه ما إذا استفرغ الوسع في تحصيل الظن فاتفق عجزه عن ذلك كذا يندرج فيه ما إذا اتفق له حصول الظن بالحكم كما يستفاد من غير واحد منهم استشكل الأمر في المقامين إلا أنه لا شاهد في ظاهره على اعتباره فلا إيراد عليه من جهته فظهر بما ذكرنا أن ما زعمه بعض الأفاضل من اتحاد متعلق الفقاهة و الاجتهاد حيث جعل معرفة المسائل النظرية فقها و تحصيلها و استنباطها عن أدلتها اجتهادا سواء كانت قطعية أو ظنية ليس على ما ينبغي لخروجه عن ظاهر الاصطلاح حسبما ينادي به ملاحظة حدودهم في المقام و يعطيه ملاحظة استعمالاتهم حيث يجعلون المسائل الفقهية القطعية و الظاهر أن الشهيد في المقام إنما نشأ من ملاحظة ما ذكروه في حد الفقه و لما زعم اتحاد متعلق الأمرين حكم بتعميم الاجتهاد للصورتين حيث أدى حكمهم بشمول الفقه لهما و قد وقع عكس ذلك لشيخنا (رحمه الله) حيث نص الفقه الظنيات و قطع بخروج القطعيات لما رأى من تخصيصهم الاجتهاد بالظنيات كما مرت الإشارة إليه في أول الكتاب و قد عرفت أن الحقّ اختلاف متعلق الأمرين و أن متعلق الاجتهاد أخص مطلقا من متعلقات الفقاهة كما هو ظاهر من ملاحظة إطلاقاتهم و الرجوع إلى تحديداتهم في المقامين و عن الثامن أن الظاهر من الحكم الشرعي هو الفرعي كما هو المنساق من حده المعروف بل ربما يقال باختصاصه به بحسب الاصطلاح فتأمل و بنحو ذلك يجاب عن التاسع إذ المنساق من الحكم الشرعي هو الحكم الثابت من الشرع للأفعال من غير ملاحظة لخصوصيات الموضوعات و أما التمييز بينهما و إثبات الأحكام الخاصة لها حسبما يستكشف في القضاء فمما لا ينصرف إليه الإطلاق ثانيهما أن يؤخذ اسما غير مصدر و قد عرفه شيخنا البهائي بأنه ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي من الأصل فعلا أو قوة قريبة فيأخذ الملكة في الحد يخرج استنباط بعض الأحكام تعسفا من غير حصول ملكة أو تلقينا للأدلة من غيره بغير أن يكون له استقلال في الاستنباط و بأخذ القوة القريبة يدخل من له تلك الملكة من غير أن يستنبط بالفعل بل يحتاج إلى زمان إما لتعارض

466

الأدلة أو لعدم استحضار الدليل أو لاحتياجه إلى التفاوت أو نحو ذلك كذا ذكر الشارح الجواد و أنت خبير بأن قوله فعلا أو قوة قريبة إما أن يكون قيدا للاقتدار أو للاستنباط فعلى الأول يكون المقصود تعميم الاقتدار للصورتين و حينئذ فشموله لما كان الاستنباط حاصلا بالفعل لا يخلو عن خفاء إذ لا قدرة بعد حصول الفعلية و قد يدرج إذن في القوة القريبة إذ تلك الحالة الحاصلة من شأنها أن يقتدر بها على تحصيل الحكم من غير فرق بين حصول الفعلية و عدمه غاية الأمر أن لا يصدق الاقتدار فعلا بعد حصول الفعلية فتلك الشأنية حاصلة و على الثاني يكون المقصود به بيان أنه ليس المراد بالملكة في المقام مجرد القوة القريبة المقابلة للفعلية بل المراد بها الحالة التي يتسلط بها على استنباط المسائل سواء كان الاستنباط حاصلا بالفعل أو لا ثم إن ظاهر الحد المذكور يعم ما لو كان استنباط الحكم على سبيل العلم أو الظن و هو ينافي ما نص عليه من خروج القطعيات عن الفقه معللا بأنه اجتهاد فيها و يدفعه أن إخراج القطعيات إنما يتصور بالنسبة إلى إطلاقه الأول و أما بالنظر إلى الإطلاق المذكور فلا إذ الملكة التي يقتدر بها على كل من الأمرين شيء واحد فلذا لم يؤخذ فيه خصوص الظن و يشكل بأن اتحاد المبدإ للأمرين لا يقضي بجواز الإطلاق في الحد نظرا إلى اختلاف الحيثية و الاجتهاد بناء على ما ذكر إنما هو ملكة الاستنباط الظني دون العلمي و كان الأظهر أن الاجتهاد بالنسبة إلى المعنى المذكور لم يؤخذ فيه الظن إذ المقصود به مطلق الاقتدار على استنباط المسائل في مقابلة مقلد الغير القادر عليه سواء كان استنباطه ذلك بطريق القطع أو الظن بخلاف إطلاقه على المعنى الأول فإنه كما لا يقع من المقلد كذا لا يحصل من المجتهد أيضا بالنسبة إلى المسائل المقطوع بها و لذا يقال المسائل الاجتهادية بالمسائل القطعية و الاجتهاد بهذا المعنى يساوق الفقاهة و إن اختلفا في الأخبار و قد يقال بأن اعتبار الاجتهاد على الوجه المذكور أعم صدقا من الفقاهة لإمكان حصول الملكة المذكورة من دون علم بالفعل بشيء من المسائل الفقهية و هو متجه إن اعتبرنا في صدق الفقاهة حصول الفعلية بقدر يعتد به كما هو الأظهر حسبما مر و إن اكتفينا بمجرد حصول القوة القريبة لاستنباط الأحكام عن الأدلة فلا يتجه ذلك و قد يقال بناء على الأول باعتبار الفعلية كذلك في صدق الاجتهاد أيضا نظرا إلى مساوقة لفظ المجتهد للفقيه بحسب إطلاقاتهم فمن يعتبر ذلك في صدق الفقيه لا بد أن يعتبره في صدق المجتهد أيضا فعلى هذا يشكل الحال في التحديد المذكور أيضا ثم إن الظاهر الحد المذكور يعم الاجتهاد المطلق و غيره و هو بناء على جواز التجزي لا إشكال فيه و أما بناء على المنع منه فيشكل الحال فيه فإن الظاهر بناء على القول المذكور عدم استفراغه فيما يقدر على استنباطه من المسائل و لا ملكة التي يقتدر بها على ذلك اجتهادا في الاصطلاح كما ينبئ عنه بغيرهم عن تلك المسألة بأن الاجتهاد هل يقبل التجزئة أم لا و القول باندراجه في الاجتهاد و إن لم يعقل به بناء على القول بعدم التجزي خروج عما يقتضيه ظاهر الإطلاقات كما لا يخفى هذا و للاجتهاد إطلاق ثالث و هو أن يراد به استنباط حكم المسألة عما عدا النص من الأمارات الظنية و منه ما يقال في مقام رفع بعض الاستنباطات الظنية إنه اجتهاد في مقابلة النص و قد يحمل عليه ما في الذريعة في تعريف الاجتهاد من أنه عبارة عن إثبات الأحكام الشرعية بغير النصوص بل بما طريقة الأمارات و الظنون و كأنه المراد بما ورد من ذم الاجتهاد و عدم جواز البناء عليه في استنباط الأحكام و بما ذكره علماء الرجال من تصنيف بعض قدمائنا كتابا في الرد على الاجتهاد حيث إن المناط في استنباط الأحكام الشرعية عندنا هو النص و ما بمنزلته دون سائر الأمارات و الاعتبارات التي يبنى عليها الاجتهاد بالمعنى المذكور

قوله و قد اختلف الناس في قبوله للتجزية إلى آخره

اعلم أن كلا من الاجتهاد بمعنى الملكة و الفعل إما أن يكون هناك استنباط جميع المسائل مع حصول الفعلية كذلك و نعني بإطلاق حصول الفعلية أن يكون مستفرغا لوسعه في المسائل المعروفة المدونة مما يعد عنه عادة عرفا بمسائل الفقه لا جميع ما يمكن تصويره من المسائل لعدم تناهيها و امتناع إحاطة القوة البشرية بها و إما أن يكونا جزأين أن يكون القوة تامة كلية على الوجه المذكور و الفعلية ناقصة جزئية و أما العكس فغير متصور غالبا فيمكن تصويره فيما إذا استنبط الحكم في المسائل المشكلة بمعادل من إسناد و نحوه من غير أن يقتدر نفسه على الاستنباط بخلاف غيرها من المسائل فالأول اجتهاد مطلقا من غير إشكال كما أن الثاني تجزي كذلك و أما الثالث فالذي قطع به غير واحد من الأفاضل أنه أيضا من الاجتهاد المطلق نظرا إلى أن تجزي الاجتهاد و إطلاقه إنما يعقل بالنسبة إلى القوة و الملكة و أما بالنسبة إلى الفعلية فلا يعقل فيه إلا التجزي إذ لا يتصور إحاطة الاجتهاد بجميع المسائل لعدم تناهيها و فيه أنه إنما يتم ذلك إذا أريد بإطلاق الفعلية هو إطلاقها بالنسبة إلى ما يمكن تصويره من المسائل و أما لو أريد به المسائل المعروفة المدونة حسبما ذكرنا فلا و من البين أنه مع علمه بتلك المسائل يعد عالما بحسب العرف بمسائل الفقه بل الظاهر الاكتفاء في صدقه بما دون ذلك أيضا فيما إذا كان عالما بقدر يعتد به من تلك الأحكام حسبما مرت الإشارة و مع الغض عن ذلك فقد يناقش في امتناع الاجتهاد في جميع المسائل نظرا إلى إمكان استفراغ الوسع فيها على سبيل الكلية و الاندراج تحت القاعدة و إن لم يتصورها بخصوصها فما ذكر من عدم تناهي المسائل و الفروع المتجددة إنما يفيد امتناع استعلامها و استفراغ الوسع فيها على سبيل التفصيل و بعنوان مستقل و ملاحظة خاصة دون ما إذا أريد ذلك بعنوان كلي على سبيل الإجمال في الملاحظة فتأمل و سيجيء تتمة الكلام في ذلك إن شاء الله و من الغريب أن بعض من حكينا عنه القطع بذلك في المقام قد نص في أول المسألة بخلاف ذلك حيث قال لا شك في جواز الأخذ من العالم إذا كان عالما بكل الأحكام أو ظانا لها من الطرق الصحيحة و هو المسمى بالمجتهد المطلق و المجتهد في الكل و أما جواز الأخذ عن الظان ببعضها من الطرق الصحيحة و هو المسمى بالمتجزي ففيه خلاف انتهى ملخصا و هذا كما ترى ظاهر جدّا في تقريره النزاع بملاحظة الفعلية دون مجرد القوة و الملكة و قد يئول بعيدا بما يرجع إلى الأول ثم إن في المقام وجوها ثلاثة أخرى أحدها أن يحصل الاقتدار على استنباط جميع المسائل من دون استفراغ

467

الوسع في تحصيل شيء منها فيكون القوة التامة و الفعلية منتفية بالمرة ثانيها أن يحصل الاقتدار على استنباط بعض المسائل خاصة مع عدم استفراغ الوسع في تحصيله فألقوه ناقصة و الفعلية منتفية أيضا ثالثها أن يتحقق هناك استنباط بعض المسائل من غير أن يكون للمستنبط ملكة في الاستنباط و إنما حصل له ذلك على سبيل التكلف و التعسف أو تبعهم الغير و إعانته في بيان الأدلة و إبداء وجوه الاستنباط بحيث حصل له الاطمئنان باستيفاء الأدلة و وجوه دلالتها على حكم المسألة فهناك فعلية ناقصة من دون حصول القوة و الملكة فتحصل مما ذكرنا أن الوجوه المتصورة في المقام ستة لا إشكال في الوجه الأول منها و هو ما لو كانت الملكة تامة مع حصول الفعلية كذلك على الوجه المذكور و الظاهر الاكتفاء في حصول الفعلية بما يعدها معها عالما بالأحكام الشرعية و ذلك بأن يعلم جملة وافية من الأحكام و يستنبط قدرا يعتد به من أبواب الفقه و إن لم يكن عالما بالفعل بخصوصيات جميع المسائل المدونة على سبيل الاستغراق الحقيقي و أما من سوى ذلك ففي كونه مكلفا معه بالرجوع إلى الأدلة الشرعية أو إلى تقليد غيره تأمل و إشكال إلا أن إدراج جميع تلك الوجوه في التجزي غير ظاهر و القدر المتيقن منه هو ما لو كان كل من القوة و الفعلية ناقصة و إن كان الظاهر شموله ببعض الوجوه الأخر أيضا كما سيجيء الإشارة إليه إن شاء الله ثم إن الخلاف في المسألة التجزي يمكن أن يكون في مقامين أحدهما أن يقع النزاع في إمكان حصول التجزي و عدمه بأن يحصل للعالم ملكة الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض إن قرر النزاع في الملكة و بأن يستفرغ الوسع في تحصيل الظن ببعض المسائل دون بعضها إن اعتبر الخلاف بالنسبة إلى الفعلية ثانيهما أن يقرر الخلاف في الحجية بعد تسليم أصل التجزي و قد يتخيل في المقام عدم تعقل الخلاف في المقام الأول لوضوح إمكان التبعيض في القوة ضرورة اختلاف مسائل الفقه في الوضوح و الغموض و من البين أن ملكة استنباط الجميع لا تحصل دفعة بل على سبيل التدريج إذ ملكة استنباط المسائل الظاهرة تحصل بأدنى ممارسة بخلاف الغامضة و يلزم من ذلك إمكان تحصيل الظن ببعض المسائل دون البعض فهو مع غاية وضوحه في نفسه ظاهر بالبيان المذكور كيف و لو لا ذلك لما أمكن تحصيل الظن بشيء من المسائل لتوقف تحصيل الظن بكل منهما على تحصيل الظن بالآخر و هو دور ظاهر و أنت خبير بأن شيئا مما ذكر لا ينافي وقوع الخلاف فيه غاية الأمر أن يكون الخلاف فيه ضعيفا ساقطا كيف و صريح كلام بعضهم و قضية بعض أدلتهم المذكورة في المسألة وقوع الخلاف في كلا المقامين بعد نص بعضهم بأن الظاهر إمكان التجزي في القوة و الملكة غير معقول و كان الوجه فيه أن مسائل الفقه كلها من قبيل واحد لاشتراكها في معظم المقدمات و الاحتجاج عليها يكون بسياق واحد فإن بلغ المستدل إلى حيث يتمكن من إجراء الأدلة و تفريع الفرع على الأصل يصح له ذلك في الجميع و إلا لم يصح له في شيء منها و الحاصل أن القوة الباعثة على الاقتدار على تحصيل تلك المسائل أمر واحد يختلف أعمالها بحسب اختلاف المسائل فلا يعقل فيها التجزي و التبعيض و قد احتجوا على المنع من التجزي بأن كل ما لا يقدر على استنباطه من جهله به يجوز تعلقه بالحكم فلا يحصل له ظن بعدم المانع من الحكم بمقتضى ما وصل إليه من الأدلة و هو كما ترى يعطي المنع من تحصيل الظن من أصله و هو عدم حصول الاجتهاد قبل تحصيل الجميع إذ لا بد في الاجتهاد من استنباط الأدلة الموجودة و لو ظنا و لا يحصل ذلك حيث ما ذكر بغير المجتهد المطلق و هذان الوجهان و إن كانا في غاية الوهن و الركاكة إلا أنهما مذكوران في كلامهم و قضية الأول المنع من تجزي الاجتهاد بمعنى الملكة و قضية الثاني المنع من تجزي الفعلية و عدم إمكان انفكاك الظن ببعض المسائل عن بعض آخر فالظاهر وقوع الخلاف في كل من المقامين المذكورين إلا أن الخلاف في المقام الأول في غاية الضعف و السخافة قال الشيخ سلمان البحراني في العشرة الكاملة إن فرض التجزي بمعنى الاقتدار على بعض المسائل دون بعض على وجه يساوي استنباط المجتهد المطلق أمر جائز بل واقع و المنازع فيها يكاد يتحقق نزاعه بالمباهتة و المكابرة إلى آخر ما ذكر فحق الخلاف أن يقرر في المقام الثاني و الظاهر أنه ملحوظ الجماعة في البحث عن التجزي و إن عنونوا المسألة بقبول الاجتهاد للتجزي الظاهر

إرادة المقام الأول إلا أن الظاهر الملحوظ بالبحث هو اعتبار الحجية دون حصول المظنة حيث إن الاجتهاد بحسب الاصطلاح كما عرفت أنما يطلق حقيقة على استفراغ الوسع في تحصيل الأحكام الشرعية بحيث يترتب عليه أمر في الشريعة في جواز الأخذ بمؤداه أو الرجوع إلى الأصول الفقهية مع عجزه حينئذ من تحصيل المظنة و أما مجرد تحصيل الظن بالأحكام عن ظواهر الأدلة فمما يمكن حصوله لغير البالغين إلى درجة الاجتهاد مطلقا مع عدم عده من الاجتهاد قطعا و إن اعتبروا في حده أن يكون الاستفراغ المذكور من الفقيه حسبما مر الكلام و التوقف في المقام الأول من الشهيد في الألفية و شيخه فخر الإسلام و السيد العميدي ليس في محله و لا يبعد تنزيل ما ذكروه على المقام الثاني بالتقريب الذي بيناه فظهر بما قررناه أن مآل الحكم بقبول الاجتهاد المتجزي و عدمه و الحكم بحجية ظن المتجزي و عدمه أمر واحد و لذا وقع التغيير في معظم كلماتهم بالأول مع أن الملحوظ في المقام كما عرفت هو الثاني و منه يظهر ضعف ما استشكل في المقام من أن المانعين من التجزي إن اعتبروا في الاجتهاد كما هو ظاهر العنوان ملكة استنباط جميع المسائل فإن كان ذلك لجواز العمل به لم يخل عن وجه لكن ذلك كلام في الحجية لا في أصل حصول الاجتهاد كما هو ظاهر العنوان و إن كان ذلك لنفس تحقق الاجتهاد فلا يظهر وجهه إذ الاجتهاد ليس إلا الظن بالمسألة بعد استفراغ الوسع في أدلتها و هو غير متوقف على الاقتدار على الجميع استنباط غيرها و القول بأن القائل بعدم التجزي لا يسمى الاقتدار على استنباط بعض المسائل اجتهادا بل يعتبر في التسمية الاقتدار على الجميع لا يرجع إلى طائل فإنه بحث لفظي لا فائدة فيه مع أن المعظم قائلون بجواز التجزي فهم حاكمون بصدق الاجتهاد حينئذ و المعاني الاصطلاحية إنما ثبت بقول الأكثر و إن اعتبروا في تحقق الاجتهاد العلم بجميع أدلة المسألة و هو غير حاصل للمتجزي فهو منقوض بالمطلق بعدم حصوله بالنسبة إليه أيضا إذ اقتضاء حصول الظن بذلك و انعقاد الإجماع على تنزيل ظنه منزلة العلم دون غيره لا يفيد في المقام بأن ذلك

468

إنما يلحظ بالنسبة إلى حجية ذلك الظن لا في نفس حصول المظنة و تحقق الاجتهاد في المسألة و إن اكتفوا فيه بالظن باستيفاء الأدلة فهو مما يمكن حصوله للمتجزي قطعا من غير فرق بينه و بين المطلق في ذلك فلا يقضي ذلك بالمنع من التجزي انتهى ملخصا إذ قد عرفت أن الاجتهاد في ظاهر اصطلاحهم اسم لاستفراغ الوسع في تحصيل الأحكام الشرعية على وجه يعتد به في الشريعة فحينئذ فالخلاف في حجية ظنّ المتجزي يرجع إلى الخلاف في قبول الاجتهاد بالمعنى المذكور للتجزي فيلزم القائل بعدم حجية أن لا يسمى ذلك اجتهادا كما يلزم القائل بحجيته بإدراجه في الاجتهاد و حينئذ فذهاب المعظم إلى جواز التجزي و مخالفة آخرين ليس مبنيا على البحث اللفظي و ليس القائل بالمنع من التجزي قائلًا بعدم إمكان حصول الظن لغير المجتهد المطلق و القول به كما يظهر من بعض كلماتهم كلام سخيف إن صح وجود القائل به فهو لشذوذ منهم لا يتجه إسناده إلى الأفاضل فلا تغفل هذا و حيث علمت أن المتيقن من موضوع التجزي هو التجزئة يجب كل من القوّة و الفعلية فلنفرض المسألة في تلك الصورة ثم نتبعها بالكلام في باقي الوجوه المذكورة فنقول إن في المسألة قولان معروفان أحدهما القول بالتجزي و عزي إلى أكثر الأصوليين و في الوافية أن الأكثر على أنه يقبل التجزئة و قد اختاره جماعة من علمائنا منهم العلامة (رحمه الله) في عدة من كتبه الأصولية و الفقهيّة و الشهيدان و شيخنا البهائي و والده و جماعة من المتأخرين بل استظهر بعضهم اتفاق أصحابنا الإمامية عليه و على تقدير منعه فلا أقل من الشهرة العظيمة التي يعد معها دعوى شذوذ المخالف فاختاره أيضا جماعة من العامة منهم الغزالي و الرازي و التفتازاني و يظهر القول من الآمدي و ثانيهما المنع منه و حكي القول به عن قوم و عزاه بعضهم عن أكثر العامة و اختاره بعض مشايخنا المحققين و يظهر من جماعة التوقف في ذلك منهم الحاجبي و العضدي من العامة و فخر المحققين و السيد عميد الدين من الخاصة حيث ذكروا احتجاج الطرفين و لم يرجحوا شيئا من القولين حجة القول بقبوله للتجزي وجوه الأول ما أشار إليه المصنف و يأتي الكلام فيه إن شاء الله الثاني أن قضية حكم العقل بعد انسداد باب العلم و بقاء التكاليف هو الرجوع إلى الظن لكونه الأقرب إلى العلم حسبما مر تفصيل القول فيه سواء كان الظان به قادرا على استنباط غيره من الأحكام أولا فالذي يقتضيه الدليل المذكور قيام الظن مقام العلم للقادر على تحصيله فالعامي الصرف الغير المتمكن من تحصيل المظنة و استنباط الأحكام عن الأدلة خارج من موضوع المسألة بخلاف المتجزي و بالجملة أن العبرة بحال الظن حسب ما يقتضيه الدليل المذكور على ما مر تفصيل القول فيه فيحكم به لقيامه مقام العلم من غير ملاحظة لحال الظان و المستنبط فمهما كان المكلف قادرا على تحصيل الظن كان ذلك قائماً عنده مقام العلم مطلقا كان أو متجزيا و إن لم يكن قادرا على ذلك كما هو الحال في الخارج عن القسمين المذكورين فهو خارج عن مؤدى الدليل و كان تكليفه شيئا آخر و يورد عليه بأنه لو تم ذلك لدل على حجية الظن الحاصل لغير القادر على ملاحظة جميع الأدلة و التمكن عن البحث عن معارضاتها و وجوه دلالتها حتى العوام القادرين على تحصيل الظن بمجرد الرجوع إلى بعض الروايات و بعض ملاحظة ترجمتها لكون الجميع ظنا بالحكم بل قد يكون الظن الحاصل لهؤلاء أقوى من الظنون الحاصلة للمجتهد لعدم انسباق الشبهة إلى أذهانهم و القول بخروج ظن هؤلاء بالإجماع مدفوع بلزوم تخصيص القاعدة العقلية فما دل على عدم حجية الظن المفروض يدل على عدم جواز التعويل على الوجه المذكور يدفعه أن قضية الدليل المذكور هو حجية كل ظن لم يقم الدليل على خلافه فما قام الدليل على عدم جواز الأخذ به خارج عن موضوع تلك القاعدة إلا أنه تخصيص لها نظرا إلى قيام الدليل عليه و التحقيق في الإيراد عليه وجهان أحدهما أن قضية العقل بعد انسداد باب العلم هو حجية أقوى الظنون و قيامه مقام العلم إذ هو الأقرب إليه و لا ريب أن الظن الحاصل لصاحب الملكة القوية الباعثة على الاقتدار على استنباط جميع المسائل و معرفة جميع المسائل و معرفة جميع الأدلة الشرعية و الوصول إلى وجوه دلالتها و كيفية استنباط الأحكام منها أقرب إلى إصابة الحق و الوصول إلى الواقع من استنباط من هو دونه في الملكة بحيث لا يقدر إلا على استنباط بعض المسائل و لا يتمكن إلا من إدراك بعض الدلائل و إذا دار الأمر بين اعتبار القدرة

على استنباط جميع الأدلة و البحث عن معارضتها و كيفية دلالتها كما هو شأن المجتهد المطلق أو الاكتفاء باستنباط مدارك المسألة الخاصة و لو مع العجز عن إدراك غيرها كما هو شأن المتجزي كان الأول هو الأولى و الحاصل أنه كما يجب تحصيل أقوى الظنون من حيث المدرك مع اختلاف المدارك في القوة و الضعف كذا يجب مراعاة الأقوى من حيث المدرك فكما يجب عليه البحث عن الأدلة لتحصيل المدرك الآخر كذا يجب عليه السعي في تحصيل القوة القوية حتى يكون مدركا لتلك الأقوى لكون الظن الحاصل معها أقرب إلى مطابقة الواقع من الحاصل من القوة الناقصة و الملكة الضعيفة فإن قلت لو كان الأمر على ما ذكر لما اكتفي بالظن الحاصل من المجتهد المطلق مطلقا بل كان الواجب عليه تحصيل القوة الأتم و الملكة الأقوى على حسب الإمكان لوضوح اختلاف المجتهدين المطلقين في القدرة أو الملكة مع أن أحدا لم يقل بوجوب ذلك قلت لو لا قيام الدليل القاطع على الاكتفاء بظن المجتهد مطلقا كان مقتضى الدليل المذكور ذلك إلا أنه لما قام الإجماع على عدم وجوب تحصيل كمال القوة بعد تحصيل ملكة الاجتهاد المطلق كان ذلك دليلا على عدم وجوب مراعاة الزائد فهو نظير ما إذا دل الدليل القاطع على الاكتفاء في مقدار البحث و النظر في الأدلة على قدر مخصوص من غير حاجة إلى اعتبار ما يزيد عليه و لو مع التمكن من الزيادة فإنه لا منافاة لمقتضى الدليل المذكور أصلا إذ اعتبار وجوب تحصيل الأقوى إنما هو لعدم قيام الدليل على الاكتفاء بما دونه و أما بعد قيام الدليل عليه فلا إلا أن اقتضاء المتحصل من الدليل المذكور هو حجية الظن الحاصل من صاحب الملكة المطلقة بعد تحصيل ما هو الأقوى من المدارك حسب أنه الظن الأقرب إلى إصابة الواقع فيجب على المكلف إذن تحصيل الأقوى بعد انسداد سبيل العلم بالحكم ليكون مؤديا بالتكليف خارجا في حكم العقل عن عهدة التكليف الثابت باليقين بعدم القطع بتحصيل البراءة من دونه فذلك هو الظن القائم مقام العلم بحكم العقل دون سائر الظنون و كان ذلك هو الاجتهاد الواجب في تحصيل الأحكام و لما دل الدليل القاطع

469

على عدم وجوب الاجتهاد على الأعيان بل على سبيل الكفاية قضى ذلك بعدم وجوب تحصيل المرتبة المذكورة إلا على بعض المكلفين فيرجع الباقون إلى ظنه و الأخذ بمقتضى اجتهاده فإن قلت إن قضية حكم العقل وجوب تحصيل العلم بالأحكام بالنسبة إلى آحاد الأنام و بعد انسداد باب العلم يرجع إلى الظن بالنسبة إلى كل واحد منهم لاشتراك الجميع في التكليف غاية الأمر قيام الدليل من الإجماع و الضرورة على جواز الرجوع إلى التقليد لغير البالغ إلى درجة التجزي و لا المتجزي فلا دلالة في الإجماع و الضرورة على جوازه بالتقليد و لا دليل قاطع سواء على خروجه عن الاستقبال المعلوم بمجرد التقليد و مجرد دوران الأمر في شأنه بين الوجهين لا يقضي بتجويز الأمرين بالنسبة إليه و التخيير بين المسلكين بل الذي يقتضيه العقل عند دوران أمره بين الرجوع إلى ظنه و الأخذ بتقليد غيره مما يكون الظنون عنده خلافه هو الأخذ بظنه فإن بناءه على التقليد حينئذ أخذ بالوهم و تنزل من الظن إلى ما دونه من غير قيام دليل عليه و هو خلاف ما يقتضيه حكم العقل هذا إذا اجتهد في تلك المسألة و حصل له الظن بخلافه و أما لو كان ذلك قبل اجتهاده فلا أقل من احتمال أن يكون المظنون عنده خلاف ذلك بعد اجتهاده فيه و هو أيضا كاف في المقام قلت بعد ما تقرر بملاحظة ما بيناه أن الاجتهاد الواجب هو استفراغ الوسع في معرفة الحكم بعد تحصيل المرتبة المفروضة من الملكة كان ذلك هو الواجب على سبيل الكفاية فدوران الأمر في المكلف بين أن يكون مجتهدا أو مقلدا عالما أو متعلما يقضي بوجوب التقليد على كل من لم يبلغ تلك الدرجة نظرا إلى عدم انتهاء ظنه إلى العلم فلا يندرج في العالم إذ مجرد الظن الغير المنتهي إلى اليقين لا يعد علما فيندرج فيما يقابله أعني الجهل و وظيفته الرجوع إلى العالم فليس المقصود بالأخذ المذكور إثبات وجوب التقليد عليه ابتداء حتى يقال إنه عند دوران الحكم في شأنه بين الأمرين لا وجه لترجيح التقليد على الأخذ بظنه مع اشتراكها في مخالفة الأصل بل ينبغي ترجيح الأخذ بالظن نظرا إلى ما ذكروا إنما المراد أن الملحوظ في المقام اندراجه في موضوع الجاهل ليتعين عليه الرجوع إلى العالم أو من قام الدليل القاطع على قيام ظنه مقام العلم فصار المحصل أن رجوع الجاهل أمر معلوم و إنما الكلام في المقام في اندراج المتجزي في موضوع الجاهل و بعد ملاحظة الوجه المذكور تبين اندراجه فيه إذ قد عرفت أن قضية العقل حينئذ هو حجية الظن في الجملة على سبيل القضية المهملة و قضية ترجيح ظن المطلق من جهة القوة انصراف المهملة إليه فيبقى ظن غيره مجهولا فلا يكون الظان المذكور عالما بما هو الحكم في شأنه فلا محالة يندرج في الجاهل و ما ذكر من أن الظن أقرب إلى العلم فيتعين عليه الأخذ به حتى يقوم الدليل على الاكتفاء بغيره إنما يفيد في المقام إذا ثبت كونه من أهل الاستنباط إذ بعد وجوب الاستنباط عليه لا وجه لترك الأقوى و الأخذ بالأضعف من دون قيام الدليل عليه و أما إذا دار أمره بين الأمرين في شأنه فذلك مما تحقق اندراجه في الجاهل و مجرد أقربية الظن إلى العلم لا يثمر في حقه شيئا أ لا ترى أنه لو كان سبيل العلم بالأحكام مفتوحا كان الأمر أيضا دائرا بين العلم بالأحكام و بين أخذها عن العالم فلا يصح أن يقال إن شأن غير العالم ممن له الاقتدار على تحصيل الظن أن يأخذ بظنه دون أن يقلد العالم لكون الظن أقرب إلى العلم بالنظر إلى التقليد بل الواجب في شأنه هو التقليد حيث إنه أحد الوجهين المذكورين من العلم أو التعلم و منه يظهر الحال في المقام فإنه إذا كانت تلك المرتبة من الظن نظرا إلى الوجه المذكور قائمة مقام العلم لكون الواجب في شأن كل من المكلفين إما تحصيل تلك المرتبة أو الرجوع إلى من يكون مستنبطا للحكم على الوجه المذكور فمع عدم حصول الأول للمتجزي يتعين عليه الأخذ بالثاني و أيضا لو تعين على كل من المكلفين تحصيل العلم بالأحكام عن مداركها كان انسداد باب العلم قاضيا بالتنزيل إلى الظن بالنسبة إلى كل واحد منهم و أما إذا قلنا بعدم تعين ذلك على كل واحد منهم و كان القدر اللازم قيام جماعة بتحصيل العلم بالأحكام بحيث يكتفي بهم في تعليم الباقين ليرجعوا إليهم في أخذ تلك الأحكام لم يقض انسداد باب العلم إلا بالرجوع إلى الظن الأقوى مع انفتاح سبيله و لو بالنسبة إلى البعض المذكورين دون ما دونه من المراتب و إن لم يتمكن

الكل من الأخذ بذلك الأقوى فإن تمكن من يقوم به الكفاية كاف في ذلك و كان وظيفة الباقين الرجوع فإن قلت إن الواجبات الكفائية تتعلق بكل واحد من الأعيان و إن كان تعلقه على سبيل الكفاية و تعلق الوجوب بكل واحد منهم في الجملة كان فيما نحن بصدده من الانتقال إلى الظن بالنسبة إلى من يتمكن منه بعد انسداد سبيل العلم قلت إن جميع المكلفين في تحصيل العلم بالأحكام بمنزلة شخص واحد فإذا تمكن من تحصيله من يقوم به الكفاية لم ينتقل الأمر إلى الاكتفاء بالظن و كذا لو تمكنوا من الظن الأقوى على الوجه المذكور و لم ينتقل الحال في الباقين على ما دونه لحصول التمكن من الأقوى بالنسبة إلى الكل فإن الملحوظ بالتكليف الكفائي حال الكلي دون كل واحد من الآحاد ثانيهما أنه إنما يتم ما ذكر من الدليل لو تم لم يقم الإجماع على حجية الظن المطلق و أما بعد قيام الإجماع على حجية ظنه فلا وجه للحكم بحجية الظن الحاصل لغيره فإن قضية انسداد باب العلم و بقاء التكليف هو الرجوع إلى الظن في الجملة و القدر الثابت هو الظن الخاص لقيام الإجماع عليه فالباقي يندرج تحت ما دل على المنع من الأخذ بالظن نعم إن لم يثبت هناك مرجح بين الظنون من حيث المدرك كما أنه لا مرجح بينها من حيث المدرك على ادعاء القائل بأصالة حجية الظن لزم الحكم بتساوي الكل من الجهة المذكورة أيضا لانتفاء المرجح أيضا و ليس كذلك لما عرفت من كون الإجماع على حجية الظن المطلق مرجحا في المقام و ما قد يقال من منع انعقاد الإجماع على حجية ظن المطلق لا ينفع في المقام نظرا إلى وقوع الخلاف في طرق الاستنباط من الأخذ بطريقة الاجتهاد أو الأخبار أو الطريقة الوسطى حيث ذهب إلى كل من تلك الطرق الثلاثة جماعة و في هؤلاء من يمنع الرجوع إلى غيره فلا إجماع على الأخذ بظن خاص عنها ليكون دليلا قاطعاً في المقام و كون الرجوع إلى المطلق في الجملة في مقابلة المتجزي مقطوعا لا يكفي في المقام بعد دوران الأمر فيه بين الوجوه المذكورة و انحصار الأمر في الرجوع إلى واحد منهم فلا مناص إذن من الرجوع إلى الظن و يتم الاستدلال مدفوع بأن قيام الإجماع على حجية الظن المطلق مما لا مجال للناقل عنه و جعل دوران الأمر بين أحد الطرق

470

الثلاثة مانعا لانعقاد الإجماع موهون جدا إذ الاختلاف الواقع في ذلك كالاختلاف الحاصل بين المجتهدين في تعيين الأدلة حيث لا يمنع أحد من أجل ذلك من الرجوع إلى غيره نعم ربما وقع في البين خلاف لبعض القاصرين في جواز الرجوع إلى علمائنا المجتهدين لشبهات واهية عرضت لهم و ليسوا من يعتد بشأنهم في مقابلة أولئك الأعلام ليكون خلافهم ناقضا لإجماعهم فإن قلت إن ما ذكر لا يجدي فيما نحن من المعرفة بتكليف المتجزي إذ لا إجماع على جواز رجوعه إلى المطلق بل الأشهر خلافه و قيام الإجماع على حجية ظن المطلق في شأن نفسه و شأن من يقلده من العوام غير مقيد في شأنه فلا بد له إذن من الرجوع إلى الظن و يتم الاحتجاج المذكور بالنسبة إليه و القول بقضاء الأصل بعدم حجية الظن فيقتصر فيما دل على خلافه على المقدار المعلوم مدفوع فإن قضى الأصل الأولى بعدم حجية الظن في شأنه فقد قضى أيضا بعدم جواز رجوعه إلى التقليد و الأخذ بقول الغير فلا وجه لترجيح الثاني بل نقول إنه لا بد من ترجيح الأول نظرا إلى الدليل المذكور إذ بعد دوران أمره بين أمرين مخالفين للأصل و عدم دليل قطعي على شيء منهما لا بد من البناء على الظن و الأخذ بمقتضاه لكونه الأقرب إلى العلم فيتعين البناء عليه بعد انسداد سبيل العلم و القطع ببقاء التكليف فلا وجه للأخذ بالتقليد و أيضا لو دار أمره بين تقليد العالم بالحكم و الأخذ بالظن لربما أمكن القول بتعادلهما و أما لو دار بين الأخذ بالظن و تقليد الظان فلا ريب في تقديم الأول إذ ليس فيه مخالفة للأصل لا من جهته إلا من جهة الاتكال على الظن بخلاف الثاني لمخالفته للأصل من جهتين نظرا إلى اتكاله على الظن و على فهم الغير فالاتكال على الظن مشترك بين الوجهين و يزيد الثاني بالأخذ بفهم الغير و دعواه قلت لما انقسم الناس في حكم الشرع إلى قسمين عالم بالأحكام و مستنبط لها عن مداركها و متعلم أخذ بقول ذلك العالم كان العلم بالأحكام عن أدلتها مطلوبا من ذلك العالم دون غيره و حينئذ فإذا فرض انسداد باب العلم بالنسبة إليه مع القطع ببقاء التكليف قضى ذلك بالانتقال إلى الظن في الجملة و حينئذ فإن لم يكن هناك ترجيح بين الظنون قضى ذلك بحجية الجميع لاستحالة الترجيح مع انتفاء المرجح فتكون القضية المهملة المذكورة بعد ملاحظة ذلك كلية و أما إذا كان هناك دليل قطعي على حجية بعضها و قيامه مقام العلم في استنباط الأحكام كان ذلك مرجحا بين الظنون و لم يكن المستفاد من المذكور جواز الاستناد إلى غيره فينطبق القضية المهملة المستفادة من العقل على ذلك و حينئذ نقول إذا قام الإجماع على قيام الظن الحاصل بعد تحصيل الملكة التامة و القدرة الكاملة على استنباط الأحكام الشرعية و إعمال تلك الملكة على حسب الوسع و الطاقة مقام العلم و تنزيله منزلته قضى ذلك بكون ما دل عليه العقل من قيام الظن في الجملة مقام العلم هو حصول الظن المفروض إذ لا يستفاد حينئذ من المهملة المذكورة ما يزيد عليه فيكون وظيفة العالم بعد انسداد سبيل العلم هو تحصيل الظن المفروض بتحصيله الملكة المفروضة و إعمالها في البحث عن الأدلة على حسب وسعه و يكون وظيفة المتعلم هو الرجوع إليه و هذا كله ظاهر في حكم العقل بعد التأمل فيما يقتضيه الدليل المذكور إذا تقرر ذلك و تفرع عليه أن يكون وظيفة المتجزي الرجوع إلى العالم المذكور دون ظنه الحاصل عن ملاحظة الأدلة فليس المقصود عن جعل الاحتجاج على حجية الظن المطلق مرجحا في المقام إلا إثبات كون المرجع حال انسداد باب العلم هو الظن المذكور و أنه القائم مقام العلم من غير ملاحظة لخصوص المتجزي و غيره فعدم قيام الإجماع على خصوص المتجزي على جواز رجوعه إلى العالم المفروض لا ينافي ما قررنا إذ يتفرع على ما ذكر أن تكليف المتجزي في حكم العقل هو ما ذكرناه و إن لم يقم إجماع على جواز رجوعه إلى التقليد و الأخذ بقول الغير فإن قلت لو كان حكم العقل بكون المناط في التكليف هو الظن المذكور من جهة إدراكه أن ذلك هو المطلوب في الشريعة و الحجة بعد انسداد باب العلم دون غيره تم ما ذكر من غير إشكال و أما إذا كان حكمه به من جهة عدم قيام دليل عنده على جواز الرجوع إلى غير الظن المذكور فيحكم بوجوب الأخذ به من جهة قيام الدليل على حصول البراءة به دون غيره فلا يتفرع عليه حكم المتجزي إذ كما لم يقم دليل قطعي على رجوعه إلى ظنه فليس في رجوعه إلى

العالم المفروض أخذ باليقين لدوران تكليفه في بادي الرأي بين الأمرين فكيف يصح القول بكون تكليفه في حكم العقل هو الظن المفروض لزمه الحكم بوجوب تحصيله في حصول البراءة و أن ذلك لعدم قيام الدليل على الاكتفاء بغيره إذ حينئذ يكون الظن المعتد به في ظاهر الشريعة هو ذلك دون غيره فإذا لم يقم دليل على تنزيل غيره من الظنون منزلة العلم لزمه الحكم بعدم قيامه مقامه لما دل من القاعدة على عدم الاكتفاء بالظن فإذا كان الظن المذكور في ظاهر التكليف منزلا منزلة عدمه كان قضية الأدلة القطعية الدالة على وجوب رجوع الجاهل إلى العالم وجوب رجوع الظان المذكور إلى العالم المفروض فالمقصود مما قررنا هو إدراج الظان المذكور بحكم العقل في عنوان الجاهل لا يقال إنه كما قضى أصالة عدم حجية الظن بعدم حجية ظنه و إدراجه في عنوان الجاهل كذا يقضي أصالة عدم جواز التقليد إدراجه في العالم لأنا نقول إنه من الظاهر أن ما دل على المنع من التقليد إنما هو في شأن العالم و أما الجاهل فليس وظيفته إلا التقليد إجماعا فإذا شك في اندراج المتجزي تحت العالم أو الجاهل كان مشكوك الاندراج تحت ما دل على المنع من التقليد فلا يمكن الاستناد إليه في المقام على أنه لو سلم شمول ما دل على المنع من التقليد لمجهول الحال فإنما يدل على المنع بالنسبة إليه من حيث إنه مجهول فلا يدل على اندراجه تحت العالم فلا يعارض ذلك ما دل على اندراجه في الجاهل فيجب عليه التقليد بخروجه بذلك عن الجهالة المأخوذة فيما يستفاد من الأول مضافا إلى ما قد يقال من أنه مع عدم قيام الدليل على حجية ظنه و جواز عمله به يندرج في عنوان الجاهل بالوجدان إذ المفروض جهله بالحكم فيجب عليه التقليد من غير حاجة إلى الاحتجاج عليه بعموم ما دل على المنع بالظن و لا يعارضه حينئذ ما دل على المنع من التقليد إذ بعد اندراجه في عنوان الجاهل لا يشمله تلك الأدلة قطعا و مما قررنا ظهر اندفاع الوجوه المقررة في وجوه الإيراد ثالثها أن انسداد باب العلم و العلم ببقاء التكليف إنما يقضي بجواز العمل بالظن أنه مكلف به في ظاهر الشريعة لا ما ظن أنه كذلك بحسب الواقع كما هو ملحوظ المستدل توضيح ذلك أنه بعد العلم بوقوع التكاليف

471

إنما يجب في حكم العقل الإتيان بما يحصل العلم بحصول البراءة في حكم المكلف حسبما قرره في معرفة أداء ما كلف به حكما و موضوعا سواء حصل معه العلم بمطابقته للواقع أو لا فلا يجب على المكلف مراعاة ما يزيد عليه بعد العلم بما جعله طريقا إلى الواقع إلا أن يجعل الطريق إليه خصوص العلم به فالقدر المعتبر في الحكم بالبراءة و الامتثال هو ما يعلم معه بتفريغ الذمة في حكم الشرع و هو أعم مطلقا من العلم بأداء المكلف به بحسب الواقع فيحصل الأول مع تعين المكلف لمراعاة الثاني بخلاف العكس و لذا لم يقرر المكلف طريقا إلى الواقع أو قررها و لم يصل إلينا و كان سبيل العلم بالواقع مفتوحا تعين مراعاة ذلك لعدم العلم بحصول البراءة و الخروج عن عهدة التكليف إلا به بل جاز مراعاته مع العلم بالطريق المقرر أيضا إذا لم يكن هناك مانع آخر و حينئذ نقول إذا انسد سبيل العلم بما جعله المكلف طريقا إلى معرفة ما كلف به و انسد أيضا سبيل العلم بالواقع مع القطع ببقاء التكليف تعين تحصيل الظن بما هو مكلف به في ظاهر الشريعة و مراعاة ما يظن كونه طريقا إلى تفريغ الذمة في حكم المكلف لقيام الظن بذلك مقام العلم به في حكم العقل حسبما مرت الإشارة إليه و لا يصح الاكتفاء حينئذ بمجرد ما يظن معه بأداء الواقع إذ لا ملازمة بينه و بين الأول و ليس ذلك أخص مطلقا من مراعاة ما يظن معه بتفريغ الذمة كما أن العلم به أخص مطلقا من العلم بذلك حسبما مر بل النسبة بينهما عموم من وجه لظهور أنه قد يحصل بتفريغ الذمة في حكم الشرع مع عدم حصول الظن بأداء الواقع و قد يكون بالعكس فيما إذا شك في كون ذلك مناطا في حكم الشرع أو ظن خلافه و المعتبر في المقام بمقتضى حكم العقل كما عرفت هو الأول و حينئذ فلا يتم الاحتجاج إذ مجرد ظن المتجزي بالحكم مع الشك في كونه مكلفا شرعا بالعمل بظنه أو رجوعه إلى ظن المجتهد المطلق لا يكفي في الحكم بحجية ظنه و الاكتفاء به في الشريعة أمكن الاستناد إلى الوجه المذكور و هو غير مأخوذ فيما ذكر من البيان رابعها أن الاحتجاج المذكور إنما يتم إذا قام دليل قطعي على عدم وجوب الاحتياط على مثله إذ مع احتمال وجوب الاحتياط عليه يتعين ذلك بالنسبة إليه إذ هو أيضا نحو من العمل بالعلم إذ المقصود في المقام تحصيل اليقين بالفراغ الحاصل بذلك و هو ممنوع بل الظاهر خلافه إذ أقصى ما يستفاد مما دل على عدم وجوبه هو هدم في أصل الشريعة و عدم وجوبه على المجتهد المطلق و من يقلده و أما عدم وجوبه في الصورة المفروضة فلا كما هو الحال بالنسبة إلى غير البالغ درجة الاجتهاد و إذا تعذر عليه الرجوع إلى المجتهد فإن القول بوجوب الاحتياط حينئذ إذ أمكن من تحصيله هو الموافق لظاهر القواعد بل لا يبعد البناء عليه و حينئذ فلا يصح الحكم بانتقاله إلى الظن بعد انسداد باب العلم و العلم ببقاء التكليف فإن قلت إنما يتم ما ذكر فيما يمكن فيه الاحتياط و أما فيما لا يمكن مراعاته فلا يتم ذلك و حينئذ يتمكن إقامة الدليل بالنسبة إليه فيتم إثبات المدعى حينئذ بعدم القول بالفصل قلت انعقاد الإجماع على عدم القول بالفصل غير معلوم غاية الأمر عدم قائل به في الكتب المفروضة و مجرد ذلك لا يعد إجماعا سيما في المقام فغاية الأمر حينئذ هو جواز الاعتماد على ظنه في بعض الفروض النادرة مما لا يمكن فيه مراعاة الحائط بشيء من وجوهها لمكان الضرورة و أين ذلك من المدعى الثالث إطلاق ما دل على المنع من التقليد و الأخذ بقول الغير من العقل و النقل غاية الأمر جوازه في شأن غير القادر على الاستنباط لمكان الضرورة و قيام الإجماع عليه فيبقى غيره مندرجا تحت أدلة المنع و يمكن الإيراد عليه بوجوه أحدها أن العمل بالظن على خلاف الأصل أيضا خرج عنه ظن المجتهد المطلق لقضاء الاضطرار به و قيام الإجماع عليه فيبقى غيره مندرجا تحت قاعدة المنع و أجيب عنه بأن رجوعه إلى الظن مما لا كلام فيه إذ بعد انسداد باب العلم لا يجوز للمتجزي البناء على ترك العمل فلا بد له من الرجوع إلى الظن الحاصل من الاجتهاد أو الحاصل من التقليد فلا يكون منهيا عن اتباع الظن على الإطلاق بخلاف التقليد و رد ذلك بأنه ضعيف في الغاية إذ غاية ما يحصل للمتجزي العلم بكونه مكلفا بالعمل بغير العلم و أما أنه التقليد أو الاجتهاد فغير معلوم عنده إذ لا دليل

على التعيين فعلى هذا يجب عليه العمل بأحد الأمرين دون الآخر من دون علم بالتعيين فهو حينئذ من باب اشتباه الحرام بالحلال كالزوجة المشتبهة فيجب الاجتناب عنهما و لو لم يكن هناك بد من الإقدام على أحدهما تخير و أين هو من لزوم الرجوع إلى الاجتهاد كما هو المدعى و يمكن دفعه بأن مقصود المجيب أن هناك عمومات قاضية بالمنع عن العمل بالظن و أدلة قاضية بالمنع من خصوص الظن الحاصل من التقليد فتلك العمومات مخصوصة قطعا إذ لا مناص له من الأخذ بأحد الظنين بخلاف ما دل على المنع من خصوص التقليد إذ لا دليل على الخروج من مقتضاه حينئذ بعد تعين الرجوع إلى الظن لا بد من الأخذ بالظن الحاصل من غير التقليد للأدلة الدالة على المنع من التقليد من غير باعث للخروج عنها نعم يمكن الإيراد عليه بأن الرجوع إلى التقليد ليس أخذا بالظن حتى يكون بين ما دل على المنع من الرجوع إلى الظن و ما دل على المنع من الأخذ بالتقليد عموم مطلق ليكون عدم المناص من الرجوع إلى أحد الظنين موجبا للخروج عن مقتضى تلك الأدلة دون هذه بل هو نوع آخر من الأخذ بغير العلم قد دل الدليل على المنع منه فبعد عدم المناص من الأخذ بأحد الوجهين يدور الأمر بين تخصيص كل من الدليلين و لا دليل على الترجيح فيجب تركهما أو يتخير في البناء و لا يمكن دفعه تارة بأن الترجيح حينئذ في تخصيص ما دل على المنع من العمل بالظن إذ بعد كون السبيل إلى الواقع أولا هو العلم بكون الأقرب إليه هو الظن فبعد دوران الأمر بين الرجوع إلى الأقرب إليه أو الأبعد من غير قيام دليل على التعيين يتعين الأخذ بالأقرب و فيه أنه إنما يتم إذا جعلنا الواجب أولا هو الأخذ بالعلم بالواقع و أما إذا قلنا بوجوب الأخذ بما يعلم معه بتفريغ الذمة من حكم الشرع سواء حصل معه العلم بالواقع أو لا كما هو الأظهر و مر تفصيل القول فيه و لا يتم ذلك إذ لو ظن بكونه مكلفا شرعا بالرجوع إلى التقليد لزم اتباعه و مع الشك في كونه مكلفا بالأخذ بالظن أو التقليد لا يصح له الحكم بوجوب الرجوع إلى شيء منهما لتساويهما بالنسبة إلى الحكم بتفريغ الذمة في حكم الشرع كما هو قضية الشك فأقصى الأمر مع المناص في الأخذ بأحد الوجهين أن يحكم بالتخيير و مجرد اقتضاء أحد الوجهين ظنا بالواقع لا يقضي بحصول الظن بالبراءة في حكم الشرع إذ لا ملازمة بين الأمرين حسبما مر بيانه نعم لو قام دليل ظني على كونه مكلفا بالاجتهاد صح الأخذ به و ليس في الاحتجاج المذكور ما يفيده و تارة بأن التقليد أيضا اتكال على الظن و إن لم يوجب حصول الظن للمقلد نظرا إلى حكمه

472

بحجية الظن الحاصل للمجتهد بالنسبة إليه و ما دل على عدم حجية الظن و عدم جواز الاتكال عليه يفيد عدم جواز الاستناد إليه مطلقا سواء كان المستند إليه هو الظان أو غيره بل ربما كان الثاني أولى بالمنع فلا بد من التزام التخصيص فيما دل على عدم الاعتداد بالظن فيتم التقرير المذكور و مع الغض عنه فالحاصل في تقليد المجتهد جهتان للمنع نظرا إلى الاتكال فيه إلى الظن و إلى الغير ففيه استناد إلى التقليد و إلى الظن بخلاف العمل بالظن نعم لو كان من تقليده عالما بالحكم كان المانع هناك مجرد التقليد فربما يكافئ ذلك رجوعه إلى الظن إلا أنه لا يكون ذلك إلا في نادر من الأحكام و قد يدفع ذلك بأنه لا كلام في حجية ظن المجتهد المطلق إنما الكلام في حجية ظنه بالنسبة إلى المتجزي و هو المراد من تقليده له فليس هناك أمران مخالفان للأصل و بعبارة أخرى أن ظن المجتهد المطلق منزل منزلة العلم قطعا فليس في المقام إلا إثبات جواز التعويل على علم الغير أو ما بمنزلته و فيه أن ما دل على حجية ظن المجتهد إنما أفاد حجيته بالنسبة إلى نفسه و من يقلده من العوام دون المتجزي و لا دليل على تنزيله منزلة العلم مطلقا فما يدل على عدم جواز الاتكال على الظن يدل على المنع منه و كون ذلك عين التقليد لا ينافي تعدد الحيثية و حصول جهتين قاضيتين بالمنع بخلاف الأخذ بالظن فتأمل ثانيها أنه ليس في ما دل على المنع من التقليد ما يشمل تقليد المجتهد مع كمال ثقته و أمانته و وفور علمه و كونه بحسب الحقيقة حاكيا لقول الإمام بحسب ظنه غاية الأمر أنه لا دليل على جواز اعتماد المتجزي على ذلك فلا يمكن الحكم ببراءة ذمته بمجرد ذلك و حينئذ فالدليل على المنع منه هو الدليل على المنع من الأخذ بالظن مع اختصاص الظن بظواهر أخرى فليس على المنع من التقليد دليل خاص يلزم الخروج عن مقتضاه لو قلنا بوجوب الرجوع إليه بخلاف ما لو قلنا برجوعه إلى الظن ليتم ما ذكر في الاحتجاج و منه يظهر وجه آخر لضعف ما ذكرنا في الإيراد المتقدم ثالثها أن المتخلص من الأدلة الدالة عليه و الملحوظ في المقام أن المتجزي بعد تحصيل الظن بالحكم هل هو داخل في عنوان الجاهل أو العالم فاندراجه فيما دل على المنع من التقليد غير ظاهر بل الظاهر خلافه لدلالة الأدلة الدالة على المنع من العمل بالظن على عدم الاعتداد بظنه فيندرج في الجاهل و يشمله ما دل على وجوب رجوعه إلى العالم حسبما مرت الإشارة إليه الرابع أن الأدلة الدالة على حجية الظنون الخاصة من الروايات الدالة على وجوب الرجوع إلى الكتاب و السنة و الأخذ بالأخبار المأثورة عن الأئمة (عليهم السلام) بتوسط من يعتمد عليه من النقلة و غيرها تعم المطلق و المتجزي و لا دليل على اختصاصها بالمطلق بل الظاهر منها كون الأخذ بها وظيفة لكل قادر على استنباط الحكم منها و من هنا نشأ توهم كون الاجتهاد واجبا عينيا و لو لا قيام العسر و الحرج العظيم و اختلال نظام المعاش الباعث على اختلال أمور المعاد مضافا إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على جواز التقليد لكان القول بوجوبه العيني متجها نظرا إلى ما ذكر و الحاصل أن مرتبة الاجتهاد متقدمة على مرتبة التقليد و لو لا قيام ما قام من الأدلة على جواز التقليد لقلنا بوجوب الاجتهاد على الأعيان و حينئذ نقول إن غاية ما ثبت من الأدلة جاز التقليد بالنسبة إلى غير المتمكن من الاستدلال و أما القادر عليه على نحو المجتهد المطلق و لا دليل على جواز التقليد بالنسبة إليه و حينئذ فيتعين عليه الرجوع إلى الكتاب و السنة و سائر الأدلة المقررة و يرد عليه أن أقصى ما يفيده تلك الأدلة هو الظن بشمول الحكم للمتجزي و من المقرر أن الظن من حيث هو لا حجية فيه فالعبرة في المقام بالدليل القاطع القائم على حجية الظن و ليس إلا الإجماع أو الضرورة و هما لا يفيدان ما يزيد على حجية ظن المطلق إذ لا إجماع و لا ضرورة بالنسبة إلى غيره و لو قلنا بأصالة حجية الظن مطلقا و قيام مقامه بنفسه حجة على المطلوب من غير حاجة إلى ملاحظة تلك الأدلة نعم لو قلنا بقيام الظن مقام تفريغ الذمة مقام العلم به حسبما مر بيانه صح إلا أن جريان تلك القاعدة هنا على فرض ثبوتها غير ظاهر لابتنائها على مقدمات لا يمكن إثبات غير واحد منها في المقام كما ظهر الحال فيه مما قدمناه الخامس أن جواز التقليد في الأحكام مشروط بعدم كون

المكلف مجتهدا فيها ضرورة عدم جواز تقليد المجتهد لغيره و حينئذ فإن قام دليل على عدم جواز رجوعه إلى ظنه و عدم تحقق الاجتهاد في شأنه فلا كلام و أما عدم قيامه كما هو الواقع فلا وجه لرجوعه إلى التقليد إذ لو كان الأمران مترتبان يكون التكليف بأحدهما متوقفا على انتفاء الآخر لم يصح الأخذ بالثاني مع عدم قيام الدليل على انتفاء الأول و هذا الوجه بظاهره في غاية الوهن إذ من البين أن الوجه المذكور على فرض صحته إنما يفيد عدم جواز الحكم بالرجوع إلى التقليد قبل قيام الدليل عليه أما صحة الرجوع إلى الاجتهاد كما هو المدعى كيف و لو أريد إثبات جواز رجوعه إلى ظنه قبل إثبات اجتهاده نظرا إلى قضاء توقف صحة تقليده على انتفاء اجتهاده و ترتب الأمرين و تقدم الرجوع إلى الاجتهاد على الأخذ بالتقليد ليكون قضية هو الرجوع إلى الاجتهاد حتى يتبين الحرج عنه لكان ذلك مغلوبا عليه فإن صحة اجتهاده في المسألة و جواز رجوعه إلى ظنه مشروط بأن لا يكون وظيفته التقليد ضرورة أنه ليس الرجوع إلى الأدلة من وظيفة المقلد إلى آخر ما ذكر فمجرد اشتراط جواز تقليده مع انتفاء اجتهاده لا يفيد تقدم الآخر بحسب التكليف على الوجه المذكور كيف و من البين أن وجود كل من الضدين يتوقف على انتفاء الآخر و مع ذلك فلا ترتب بينهما كذلك و إلا لزم حصوله من الجانبين و هو غير معقول السادس جريان الطريقة في أعصار الأئمة (عليهم السلام) و ما قاربها بالرجوع إلى الروايات الواردة عن الأئمة (عليهم السلام) و معلوم بعد ملاحظة كتب الرجال عدم اطلاع الجميع على جميع روايات الباب فضلا عن غيرها بل ربما كان عند واحد منهم أصل أو أصلان أو أصول عديدة متعلقة ببعض مباحث الفقه كالطهارة و الصلاة و الصوم و نحوها مع أنهم كانوا باقيين على الأخذ بها و العمل بمقتضاها من غير استنكار منهم لذلك فكان إجماعا منهم كاشفا عن تقرير أئمتهم (عليهم السلام) لقيام العلم العادي على اطلاعهم على ذلك و يرد عليه أولا بالنقض لقضاء ذلك بجواز الأخذ بما عثر عليه من الروايات من غير أن يجب البحث عما يعارضها أو يؤيدها و ملاحظة الترجيح بينها و لا قائل به و ثانيا بالحل و ذلك لظهور الفرق بين أعصار الأئمة (عليهم السلام) و ما قاربها و هذه الأعصار و ما ضاهاها لكون الإمام (عليه السلام) بالنسبة إلى كثير من أهل تلك الأعصار كالمجتهد بالنسبة إلى عوامنا فكما أنه يأخذ العامي بقول المجتهد عند سماعه منه أو نقله إليه بتوسط الثقات من غير حاجة إلى تحصيله لملكة الاجتهاد و كذا الحال بالنسبة إلى كثير من الموجودين في تلك الأعصار في جملة من الأحكام و ليس ذلك من التجزي في الاجتهاد في شيء كيف و لا خلاف في جواز العمل بما يأخذه المكلف عن الإمام (عليه السلام) بالمشافهة و إن كان حكما واحدا و أحكاما عديدة فلو كان ذلك من التجزي

473

في الاجتهاد لما كان محلا للخلاف فظهر أن استنباط الأحكام على النحو المذكور خارج عما هو محل الكلام فلا حجة فيه على ما هو مورد النزاع في المقام الرابع ظواهر عدة من الأخبار منها مشهورة أبي خديجة المروية في الفقيه و غيره و قد دعي اشتهارا بين الأصحاب اتفاقهم على العمل بمضمونها فينجبر بذلك ضعفها و فيها انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايا فاجعلوه بينكم قاضيا فإني قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه و ورد الرواية في القضاء لا يمنع من دلالتها على المدعى للاتفاق على عدم الفرق بين القضاء و الإفتاء و قد يناقش فيه بأن المذكور في الرواية خصوص العلم و لا شك في جواز عمل المتجزي به إنما الكلام في ظن الحاصل له و لا دلالة في الرواية على جواز أخذه به و حمل العلم على الأعم من الظن و إن كان ممكنا لشيوعه في الاستعمالات سيما في الشرعيات إلا أنه مجاز لا يصار إليه إلا بدليل و مجرد الاحتمال غير كاف في مقام الاستدلال و حمل قوله (عليه السلام) عرف أحكامنا في مقبولة عمر بن حنظلة على الأعم من الظن نظرا إلى الإجماع على عدم اعتبار خصوص العلم في الأخذ بقول المطلق لا يكون دليلا على حمل العلم هنا أيضا على ذلك بإمكان الفرق بين الأمرين و قد يجاب عنه بقيام الإجماع على اعتبار الاجتهاد في القاضي فإن كان ما يظنه ذلك العالم بالبعض حجة بثبوت المقصود و إن لم يكن مجتهدا فيلزم الحكم بصحة قضاء من لم يبلغ درجة الاجتهاد و هو كما عرفت خلاف الإجماع فتأمل و منها مكاتبة إسحاق بن يعقوب إلى الحجة (عليه السلام) و فيها و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم و أنا حجة الله فإن ظاهر إطلاقها يعم القضاء و الإفتاء و يتناول ما لو كانوا قادرين على جميع استنباط الأحكام أولا و قد يناقش فيه بأن أمره (عليه السلام) بالرجوع إليهم في الحوادث الواقعة شاهد على كون الرجوع إليهم عالمين أو قادرين على استنباط الجميع إذ لا يمكن إرجاعهم إلى غير القادر على الاستنباط و لا يكون ذلك شأن المتجزي و قد يدفع ذلك بأن غاية الأمر اعتبار قدرة الكل على استنباط الكل و لا يلزم من ذلك اقتدار كل من الآحاد على الكل لئلا ينطبق على المدعى فتأمل و منها مكاتبة ابن ماهويه و أخيه إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام) المروية في الكشي حيث سألاه عمن يأخذا معالم دينهما فكتب (عليه السلام) إليهما فاعتمدا دينكما على كل حسن في حسبنا و كل كثير القدم في أمرنا كأنهم كأخوكما و منها ما عن تفسير الإمام فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا عما هواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه فإن ظاهر إطلاقها يعم المتجزي في الجملة بناء على شمول لفظ الفقيه من قدر على استنباط جملة وافية من الأحكام و عرفها عن الأدلة و إن عجز عن الباقي و فيه تأمل و يمكن الإيراد على الاستناد إلى تلك الأخبار بأن أقصى ما يستفاد من إطلاقها على فرض دلالتها الظن بجريان الحكم في المتجزي و من المقرر عدم جواز الاستناد إلى الظن من حيث هو فلا يصح اعتماد المتجزي عليها نعم لو قام دليل على حجية الظن الحاصل من الأخبار مطلقا تم الاستدلال إلا أنه محل المنع لعدم قيام الإجماع عليه كذلك كيف و لو سلم ذلك لكان بنفسه حجة مستقلة على جواز التجزي من غير حاجة إلى ضمها إلى ذلك حجة القول بالمنع من التجزي وجوه أحدها أصالة المنع من العمل بالظن الثابت من العقل و العمومات الناهية عن الأخذ به كتابا و سنة خرج عنه ظن المجتهد المطلق بالإجماع فيبقى غيره تحت الأصل إذ لم يقم دليل قطعي على حجية ظن كما قام على حجية ظن المجتهد المطلق و فيه أن الأصل كما قضى بالمنع من العمل بالظن كذا قضى بالمنع من التقليد عليه بل هو أولى بالترجيح لكونه كاشفا عن الواقع على سبيل الرجحان بخلاف التقليد إذ لا يدور مدار ذلك سيما فيما إذا قضى الظن الحاصل للمتجزي بخلافه و يمكن دفعه بما مرت الإشارة إليه من أن ما دل على عدم جواز رجوعه إلى ظنه لما قضى بعدم حجية ظنه في شأنه كان الظن الحاصل له كعدمه فيندرج حينئذ في عنوان الجاهل فلا يندرج فيما دل على المنع من التقليد فالقول بقضاء ما دل على المنع من التقليد أيضا باندراجه في العالم لانتفاء الواسطة بين الأمرين مدفوع بأن ما دل على المنع من التقليد لا يفيد جواز عمله بالظن إذ أقصى الأمر قضاء الإطلاقين

بعدم جواز عمله بشيء منهما لكن بعد دلالة الإطلاق الأول على عدم جواز عمله بالظن يتعين عليه الأخذ بالتقليد لاندراجه حينئذ بذلك في عنوان الجاهل حسبما ذكرنا لا يقال إنه بعد قضاء الإطلاقين بعدم جواز عمله بكل من الظن و التقليد و قضاء الإجماع بكون وظيفة الشرع الأخذ بأحد الوجهين لا بد من ملاحظة الترجيح بين الأمرين أو التخيير فلا يصح الحكم بتحكيم الأول نظرا إلى ما ذكر أو نقول ذلك إنما يتم هناك دليل على وجوب رجوعه إذن إلى التقليد و أما إذا أفاد على عدم جواز عمله بالظن على اندراجه في الجاهل و لم يفد ما دل على المنع من التقليد سوى منعه من الرجوع إلى الغير كان الأول حاكما على الأخير بملاحظة ما دل على وجوب رجوع الجاهل إلى العالم لوجوب تقديم الخاص على العام و ليس الحكم بوجوب التقليد عليه إلا بملاحظة ذلك إلا بمجرد تحكيم الإطلاق الأول على الأخير و بالجملة دلالة الإطلاقين على ما ذكرنا بكون قضية ما دل على وجوب رجوع الجاهل إلى العالم و لزوم التقليد فلا يبقى تردد بين الأخذ بأحد الإطلاقين ليرجع إلى التخيير أو غيره فإن قيل ذلك مغلوب على المستدل لدلالة الإجماع على حجية الظن على من ليس شأنه التقليد فإذا رجع دل الإطلاق الثاني على عدم جواز التقليد في شأن المتجزي أخذا بما يقتضيه الإجماع من وجوب رجوعه إلى الظن لكونه حجة في شأن غير المقلد و الحاصل أنه كما قضى ما دل على المنع من العمل بالظن باندراجه في الجاهل فيدل ما دل على وجوب التقليد في شأن الجاهل على وجوبه في شأنه كذا قضية ما دل على حجية الظن في شأن غير المقلد هو وجوب أخذه بالظن قلت لو لا اقتضاء الإطلاق الأوّل بنفسه على اندراجه في الجاهل و عدم اقتضاء الثاني كذلك اندراجه في المجتهد صحّ ما ذكر نظرا إلى قضاء الإطلاق الأول بعدم اندراجه في المجتهد فيلزم اندراجه في المقلد للإجماع على لزوم التقليد في شأن غير المجتهد و قضاء الإطلاق الثاني إلى منعه من التقليد فيرجع إلى الظن لقيام الإجماع أيضا على حجية الظن بالنسبة إلى غير المقلد أعني المجتهد فلا وجه لتحكم أحد الإطلاقين على الآخر من غير قيام دليل عليه و أما بعد ملاحظة اندراجه في الجاهل بنفس ملاحظة الإطلاق و عدم دلالة الثاني على اندراجه في العالم يكون قضية الإطلاقين بالمذكورين عدم جواز أخذ الجاهل المفروض بالظن و التقليد و حينئذ فلا ريب في لزوم ترك الإطلاق الثاني للدليل الخاص القاضي بوجوب تقليد الجاهل فتأمل ثانيها أنه قد قام الدليل القاطع على عدم العبرة بالظن من حيث إنه ظن و إنما يصح الاعتماد عليه بعد قيام القاطع على الاعتداد به

474

و انتهائه بذلك إلى اليقين حيث لم يقم دليل قاطع على حجية ظن المجتهد في المقام كما عرفت من ملاحظة أدلتهم لم يصح له الاعتداد بظنه فيكون جاهلا بتكليفه فيما حصل له ظن بالحكم من المسائل التي اجتهد فيها و مع اندراجه في الجاهل يتعين عليه الرجوع إلى المجتهد في استعلام الأحكام الشرعية لما دل من الأدلة من وجوب رجوع الجاهل إلى المجتهد فينتظم قياس بهذه الصورة المتجزي جاهل بتكاليفه المتعلقة به في الشريعة و كل جاهل يجب عليه الرجوع إلى العالم أما الصغرى فلما قررناه و أما الكبرى فللأدلة الدالة عليه المقررة في محله و قد يناقش فيه بعدم ظهور شمول ما دل على وجوب التقليد لمثله لعدم شمول الإجماع للمقام نظرا إلى شياع الخلاف فيه بل ذهاب الأكثر إلى خلافه و أما غير ذلك من الأدلة الدالة عليه لو قلنا لشمولها كذلك فهي أيضا ظواهر لا تفيد القطع و قد يذب عنه بأن وقوع الخلاف في المقام إنما هو من جهة البناء على حجية ظنه و أما مع البناء على عدم الاعتماد به و عدم حجيته فلا ريب في وجوب تقليده ثالثها الاستصحاب فإنه قبل البلوغ إلى درجة التجزي كان مكلفا بالتقليد فيجب عليه التقليد إلى أن يثبت خلافه ببلوغه إلى درجة المطلق إن حصل له ذلك و القول بعدم جريانه فيمن بلغ درجة التجزي أول بلوغه أو قبله فلا يتم به المدعى مدفوع بإمكان تتميم المقصود حينئذ بعدم القول بالفصل و فيه أن جواز احتجاج المتجزي بالأصل المذكور أول الكلام إذ لا فرق بين إجرائه الاستصحاب في المقام أو في المسائل الفقهية مما يجري فيه ذلك فلا يصح استناده إلى ذلك إلا بعد إثبات كونه حجة في شأنه و معه يتم المدعى و لا حاجة إلى الاستناد على الاستصحاب على أنه منقوض بما إذا بلغ درجة الاجتهاد المطلق ثم صار متجزيا فإن قضية الاستصحاب حينئذ بقاؤه على العمل بظنه رابعها ظاهر مقبولة عمر بن حنظلة المروية عن الصادق (عليه السلام) انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فارضوا به حكما قد جعلته عليكم حاكما فإن الجمع المضاف حقيقة في العموم فإن لم يكن يراد به الاستغراق الحقيقي فلا أقل من حمله على العرفي بأن يعرف جملة وافية من الأحكام بحيث يعد مع علمه بها عارفا بالأحكام و قد يناقش فيه بأن كون الإضافة فيه جنسية بقرينة ما يقدمه من المفرد المضاف الظاهر في الجنسية و ليجمع بينه و بين رواية أبي خديجة المتقدمة و مع الغض عن ذلك فأقصى ما يفيده الرواية اعتبار الإطلاق في نصبه للقضاء و الرجوع إليه في الحكومات و أين ذلك من الرجوع إليه في الفتيا بل حجية ظنه بالنسبة إلى نفسه كما هو المدعى و دعوى الملازمة بين الأمور المذكورة ممنوعة فلا يثبت بها المدعى و لو سلم ذلك فليس في الرواية دلالة على اعتبار الظن سواء تعلق بالكل أو بالبعض إذ المفروض فيها هو العلم الظاهر في اليقين إلا أن يقال إنه إذا اعتبر الإطلاق في نصبه للقضاء في صورة تحصيله العلم بالأحكام فاعتباره عند تحصيله الظن بالأولى و لو سلم حمله على الأعم من الظن فأقصى ما في الرواية الدلالة على اعتبار ظن المجتهد المطلق و أما ظن المتجزي فلا دلالة فيها على اعتباره و لا عدمه خامسها أن القول بجواز رجوع المتجزي إلى ظنه يستلزم الدور و قد يقرر ذلك بوجوه منها ما قرره الفاضل الجواد من أن صحة اجتهاد المتجزي في مسائل الفروع متوقفة على صحة اجتهاده في مسألة المتجزي و صحة اجتهاده في مسألة التجزي موقوفة على صحة اجتهاد المتجزي مطلقا لكونها من جزئيات تلك المسألة حيث إنها مسألة اجتهادية فالموقوف عليه في الثاني و إن لم يكن خصوص التوقف في الأول لكنه أعم منه بحيث يندرج ذلك فيه اندراج الخاص تحت العام الأصولي و هو كاف في لزوم الدور و أورد عليه بمنع كون صحة اجتهاده في مسائل الفروع متوقفة على صحة اجتهاده في مسألة التجزي و إنما يتوقف على صحتها نفسها و مع الغض عنه فالتوقف فرع و ظاهر أن صحة اجتهاده في المسائل الفرعية هي عين صحة اجتهاده في تجزي الاجتهاد قلت إن أريد بتوقف صحة اجتهاده في مسائل الفروع على صحة اجتهاده في جواز التجزي أن مطابقة اجتهاده في الواقع يتوقف على ذلك فهو واضح الفساد إذ لا يعقل توقف بينهما و إن أريد أن جواز عمله بما اجتهد فيه من المسائل يتوقف على جواز عمله بما اجتهد فيه من جواز التجزي ففيه أيضا ذلك و إنما يتوقف على جواز التجزي في نفسه

كما أن جواز عمله بما اجتهده من جواز التجزي يتوقف على ذلك أيضا فغاية الأمر أن لا يكون عالما بالجواز فلا يعقل الدور على شيء من التقريرين المذكورين و يمكن أن يقال إن المراد بذلك أن حكم المتجزي بجواز اجتهاده في المسائل الفقهية و جواز عمله به في حكمه يتوقف على حكم بصحة اجتهاده في جواز التجزي و حينئذ فالتوقف ظاهر لا إشكال فيه لوضوح أن حكمه بجواز عمله في كل مسألة اجتهد فيها بالظن المتعلق فيها مبني على ثبوت كلية الكبرى الواقعة في استدلاله على جواز عمله بظنه في تلك المسألة كما أن المجتهد المطلق يتوقف حكمه بجواز عمله بظنه في خصوص المسائل على أن كل ما يظنه المجتهد المطلق أو عن الأدلة الخاصة حجة في شأنه لينتظم له قياس بهذه الصورة هذا الظن مما حصل للمجتهد المطلق و كل ظن حصل للمجتهد المطلق فهو حجة في حقه لينتج أن ظنه المتعلق بكل من المسائل الخاصة حجة في حقه فإن نظير ذلك جار في حق المتجزي و بيانه لكلية الكبرى هو إثباته للمتجزي فإنكار التوقف مما لا وجه له و دعوى اتحاد الأمرين غير معقول أيضا و توقف حكمه بصحة اجتهاده في جواز التجزي على حكمه بحجية ظن المتجزي مطلقا ظاهر أيضا أن ذلك أيضا مسألة ظنية على نحو سائر المسائل الفقهية فيتوقف علمه بحجية ظنه فيها على علمه بتلك الكلية الواقعة في كبرى القياس الدال على حجية ظنه به و قد يورد عليه بأن الحكم بقبول الاجتهاد للمتجزي من المسائل الأصولية فيتوقف جواز الاجتهاد في الفروع على جواز الاجتهاد في تلك المسألة الأصولية ليتوقف جواز الاجتهاد في تلك المسألة على جواز التجزي في الاجتهاد مطلقا بل على جواز التجزي في المسائل الأصولية و هو خارج عن محل الكلام بل لا خلاف في جوازه على ما قيل فلا دور و أيضا لا ملازمة بين التجزي في مسائل الفروع و التجزي في الأصول فقد لا يكون متجزيا في الأصول بأن يكون قادرا على استنباط جميع مسائله بل محصلا له عن أدلتها فلا يتوقف العلم بالتجزي في الاجتهاد على العلم بالتجزي أصلا كيف و لو ذكر لجرى ذلك بعينه في شأن المطلق إذ جواز اجتهاده في المسائل الفقهية يتوقف على جواز اجتهاده في جواز الاجتهاد و هو أن اجتهاده في هذه المسألة يتوقف على جواز اجتهاده في المسائل تكون تلك المسألة أيضا كغيرها من المسائل و الجواب في المقامين أمر

475

واحد و هو ما ذكر من الفرق بين مسائل الأصول و الفروع و يدفعه أنه لا فرق بين حجية ظن المتجزي في الفروع أو الأصول كيف و المسألة جارية فيما يجري فيه التكليف بالتقليد و من البين ثبوته في مسائل أصول الفقه في الجملة مما يتوقف عليه عمل العوام إذ ما دل على الأخذ بالتقليد في الفروع دل عليه في الأصول أيضا كما سيفصل القول فيه في محله إن شاء الله و ما ذكر من إمكان كونه مجتهدا مطلقا في الأصول فيخرج عن محل البحث مدفوع بأنه لا فائدة في فرض كونه مطلقا في استنباط الأصول إذ الكلام في المقام أن المتجزي في مسائل الفروع هل يعتد بظنه شرعا أو لا سواء تعلق ذلك الظن بالفروع أو الأصول و سواء كان مطلقا في الأصول أو لا بل يجري ذلك في سائر العلوم المرتبطة بالفروع أ لا ترى أنه لو كان متجزيا في الفقه كان جواز استناده في لفظ الصعيد مثلا إلى ظنه مبنيا على هذه المسألة و لم يتجه القول بجواز استناده إلى ظنه مع عدم القول بحجية ظن المتجزي نظرا إلى كونه لغويا غير متجز بحسبه كيف و لو كان كذلك لجرى في المقلد إذا كان لغويا و الظاهر أنهم لا يقولون به و بالجملة أن البلوغ إلى درجة الاجتهاد المطلق قاضٍ بحجية ظنه في المسائل الفقهية و ما يرتبط بها من مقدماتها للاستنباط سواء كانت أصولية أو لغوية أو غيرها و لا حجية في شيء من ذلك لظن المقلد في المسائل الشرعية و أما المتجزي فيها فالكلام المذكور جار فيه بعينه من غير فرق في ذلك بين كونه مطلقا في سائر العلوم أو متجزيا فيها أيضا و ما ذكر من جريان الإيراد في المجتهد المطلق بين الفساد نظرا إلى قيام الإجماع على حجية ظنه و قد عرفت فساد المناقشة في ثبوت الإجماع و لو سلم فقضاء العقل به بعد انسداد سبيل العلم كاف في الحكم بحجيته و لا يجري ذلك في المتجزي كما عرفت نعم يمكن دفع الدور على التقرير المذكور باختلاف طرفيه نظرا إلى أن حكمه بحجية ظن المتجزي مطلقا غير حكمه بحجية الظن الحاصل للمستنبط المفروض في خصوص كل مسألة من المسائل الفقهية مما اجتهد فيها كيف و يقع الكلية المذكورة الكبرى في القياس الدال عليه فكيف يتحد معه ليلزم الدور حسبما ذكر في الإيراد و منها أن يقال إن صحة اجتهاد المتجزي في المسائل الفقهية و جواز عمله به متوقفة على صحة اجتهاده في أن الاجتهاد يتجزى و صحة اجتهاده في تجزي الاجتهاد متوقفة على تجزي الاجتهاد و جواز عمله بظنه أعني صحة اجتهاده في المسائل الفقهية ضرورة أن صحة كل حكم يتوقف على وقوع المحكوم به بحسب الواقع و دفعه ظاهر لاختلاف معنى الصحة في المقامين فإن صحة الاجتهاد في المسائل بمعنى جواز عمله على وفق اجتهاده و إن لم يكن مطابقا للواقع و صحة الحكم المتوقف على وقوع المحكوم به بمعنى مطابقته للواقع و إن لم يتعلق التكليف على حسبه و منها أنه قد تقرر أن شيئا من الظنون لا يكون حجة إلا بعد انتهائه إلى اليقين فلا يجوز الاعتماد على الظن من حيث إنه ظن فحينئذ نقول إن علم المتجزي بجواز عمله بظنه في مسألة التجزي و بالدليل الظني الدال على حجية ظن المتجزي يتوقف على علمه بقبول الاجتهاد للمتجزي أعني حجية كل ظن للمتجزي فالمفروض أن المسألة المفروضة من المسائل الظنية و علمه بحجية كل ظن للمجتهد متوقف على علمه بجواز عمله بدليل الظني الدال عليه إذ المفروض توقف إثباته على ذلك و عدم قيام دليل قطعي عليه و الحاصل أن علمه بحجية هذا الظن الحاصل متوقف على علمه بحجية كل ظن من ظنونه و علمه بحجية كل ظن له يتوقف على علمه بحجية هذا الظن الخاص و إن شئت قلت إن علمه بقيام ظنه مقام العلم من المسائل و لا يمكن دفعه إلا بالقول بالفرق بين مسائل الأصول و الفقه بأن يقال إن المختلف فيه هو حجية ظن المتجزي في المسائل الفقهية و أما المسائل الأصولية فلا كلام في حجية ظن المتجزي بالنسبة إليها و لذا وقع في كلام شيخنا البهائي حكاية الإجماع عليه و قد عرفت وهنه إذ لا فرق في مقام الحكم بالحجية و جواز العمل بين مسائل الفقه و الأصول و غيرهما من المسائل المربوطة بالعمل و إن كان موضوع التجزي هو خصوص مسائل الفقهية نظرا إلى اختصاص الاجتهاد اصطلاحا بالمسائل الفرعية دون الأصولية إلا أنه لا فرق في البحث عن حجية ظن المتجزي فيها بين الظن المتعلق بها و بغيرها مما يرتبط بها حسبما أشرنا إليه

و منها أن علم المتجزي بجواز عمله بظنه في المسائل أن مسألة التجزي أيضا من جملة المسائل الظنية و عمله بجواز بنائه عليه موقوف على علمه بحجية الظن الحاصل له و يرد عليه أن علمه بحجية ظنه في المسائل هو عين علمه بقبول الاجتهاد للتجزي إذ مفاده هو حجية كل ظن حاصل للمتجزي في المسائل الفقهية و مقدماتها فلا يتجه لزوم الدور إذ هو فرع مغايرة الطرفين نعم هو من توقف الشيء على نفسه و هو كاف في المقام فإنه و إن لم يكن دورا في الاصطلاح إلا أنه نظيره في المفسدة بل هو أوضح فسادا منه في وجه و ما قد يقال من أنه إن أريد بتوقف علمه بجواز عمله بظنه في المسائل على علمه بقبول الاجتهاد للتجزي أن علمه بجواز اجتهاده في المسائل الفقهية موقوف على علمه بصحة اجتهاده في تلك المسألة ليس اجتهادا في المسألة الفقهية ليتوقف على جواز التجزي في الاجتهاد و إنما هي مسألة أصولية و لا خلاف في جواز التجزي في الأصول على أنه قد يكون مجتهدا مطلقا فيه و إن كان متجزيا في الفروع إذ لا ملازمة بين الأمرين و إن أريد به أن علمه بجواز علمه له بظنه في المسائل أصولية كانت أو فروعية يتوقف على علمه بقبول الاجتهاد للتجزي فهو على إطلاقه فممنوع إذ لا توقف للعلم بحجية ظنه في المسائل الأصولية على صحة التجزي في المسائل الفقهية فمدفوع بما مر بيانه من عدم الفرق في الحكم بحجية ظن المتجزي في المسائل الفقهية و الأصولية و غيرهما مما يتوقف عليه استنباط الأحكام الشرعية فمنع التوقف في المقام غير متجه و فرض كونه مطلقا في استنباط الأحكام الأصولية غير مفيد كما عرفت و الذي يقتضي التحقيق في المقام أن يقال إن استنباط المتجزي أما أن يكون بالنسبة إلى المسائل القطعية أو الظنية و على الثاني فإما أن يتفق له القطع بالمسألة أو لا و على الثاني فإما أن يراد معرفة جواز التجزي في الاجتهاد و عدمه في نفسه و لو كان الحاكم به مجتهدا مطلقا على نحو غيرها من المسائل أو يراد معرفة الحكم بالنسبة إلى معرفة تكليف المتجزي نفسه في جواز بنائه على ما يستنبطه في المسائل إذا ذهب إلى جواز التجزي و حجية ظن المتجزي و على كل حال فإما أن يراد معرفة حاله في جواز رجوعه إلى ظنه أو جواز رجوع غيره إليه في الفتيا و إمضاء حكوماته في القضاء فنقول لا ينبغي التأمل ظاهرا في حجية ما يحصله من الأدلة بالنسبة إليه في الصورتين الأولين إذ لا مزيد على القطع في معرفة التكاليف فبعد حصول القطع بالحكم لا مجال للتأمل في حجيته و لو حصل له القطع بكونه مؤدى الأدلة الموجودة و أن من خالفه فيه مخطئ قطعا كما قامت عليه الأدلة الشرعية فيما يمكن الوصول إليه ففي جواز اتكاله عليه وجهان من عدم حصول القطع بالواقع

476

فيكون الحال فيه كسائر ظنونه و من تحصيله القطع بالطريق و هذا هو الظاهر و كون المتيقن من حجية تلك الأدلة حجيتها بالنسبة إلى المجتهد المطلق دون المتجزي فلا فائدة في تحصيله القطع بمقتضاها مدفوع بأن قول المجتهد أنما يكون حجة من حيث كشفه عن الأدلة الشرعية و ليس قوله حجة من حيث هو فإذا حصل له القطع بذلك فلا حاجة إلى التوصل بقوله إليه فلا يجوز له الرجوع إليه بعد القطع المذكور إذا كان ما فهمه مخالفا لذلك هذا إذا علم انحصار الأدلة الموجودة فيما وصل إليه و علم كون مقتضاها ذلك و أما لو حصل له الظن بالأمرين أو أحدهما فهو يندرج في مسألة الظن و الظاهر أنه الملحوظ بالبحث في المقام و حينئذ فإن أريد معرفة حكم التجزي في نفسه و لو كان الحاكم به مجتهدا مطلقا فالظاهر حينئذ هو القول بحجية الظن الحاصل له و جوازه أخذه به و لو قيل بعدم جواز الأخذ بمجرد ظن المتجزي كونه حجة في شأنه فإن طريان المنع من الأخذ به من جهة عدم انتهائه إلى اليقين فلا ينافي ذلك جواز الأخذ به في حكم المطلق و حينئذ فله أن يحكم بجواز التجزي و إن لم يكن للمتجزي الرجوع إليه بمجرد ظنه فإن قلت إنه إذا لم يجز للمتجزي الرجوع إلى ظنه لعدم دليل قاطع على جواز رجوعه إليه لم يكن أيضا للمجتهد المطلق الحكم بجواز رجوعه إلى ظنه بل اللازم عليه الحكم بمنعه من الرجوع إليه قلت فرق بين عدم قبول الاجتهاد للمتجزي في اجتهاد نفسه و عدم حجية ظن المتجزي من أصله و بين حجيته في الواقع و عدم جواز كون المتجزئ إليه من جهة انتفاء علمه به فهناك جواز للمتجزي و علم بجوازه فعدم جواز الحكم بالمتجزي في شأن المتجزي لانتفاء علمه به غير الحكم بعدم جوازه من أصله و إنما يمتنع حكم المطلق بالجواز مع اختيار عدمه في الثاني دون الأول فأقصى الأمر أن يحكم بعدم جواز اعتماد المتجزي في جواز التجزي بمجرد ظنه فإن جاز التجزي في نفسه و الملحوظ في المقام هو نفس الجواز و إن كان الحاكم به هو المطلق دون المتجزي و من هذا القبيل ما لو حكم المجتهد بجواز تقليد المفضول مع التمكن من الرجوع إلى الأفضل فإنه يجوز استناده إلى الأدلة الظنية و إن لم يجز ذلك للمقلد و لم يكن له في نفسه إلا الرجوع إلى الأفضل لعدم علمه بحصول البراءة إلا به و يدل حينئذ على جواز التجزي عدة من الوجوه الظنية قد مرت الإشارة إلى بعضها و يأتي الكلام في بعضها عند تعرض المصنف إن شاء الله و لا مانع من استناد المجتهد المطلق إليها بعد قيام الدليل القاطع على جواز حكمه بتلك الأدلة الظنية بخلاف حكم التجزي بها لعدم قيام دليل قطعي على جواز استناده إليها مضافا إلى أنه المعروف من مذهب الأصحاب و الشهرة محكية عليه حد الاستفاضة و إن أريد معرفة حكم المتجزي نفسه في معرفة تكليفه من الأخذ بظنه أو رجوعه إلى غيره فإن حصل له القطع في مسألة التجزي بجوازه أو عدم جوازه فلا كلام في حجية إذن في شأنه فيرجع على الأول إلى ظنه و على الثاني إلى تقليد غيره و لا إشكال لانتهاء الأمر في ظنه أو تقليده إلى العلم ليخرج بذلك عما دل على المنع من الأخذ بالظن أو التقليد لما عرفت من أن النهي عنه هناك أنما هو الاتكال على الظن أو التقليد بما دون ما انتهى الأمر فيه إلى اليقين و حصل الاتكال فيه على القطع فإنه في الحقيقة أخذ بالعلم حسب ما مر تفصيل القول فيه و إن لم يحصل له القطع بالواقع في المسألة المفروضة تم ما مر من الكلام في تقرير القاعدة النقلية في المقام من كون الظن القائم مقام العلم بحكم العقل هو الظن الحاصل من صاحب الملكة القوية دون غيره و أن الواجب على غيره الرجوع إليه لما دل على أن الرعية صنفان عالم و متعلم و مجتهد و مقلد حسبما مر تفصيل القول فيه تعين عليه الرجوع إلى المجتهد المطلق و كذا إن تم ما مرت الإشارة من اندراجه إذن في عنوان الجاهل نظرا إلى عدم انتهاء ظنه في خصوصيات المسائل و في مسألة التجزي إلى اليقين و قيام الدليل القاطع من غير صريح العقل و النقل على عدم جواز التعويل على الظن من حيث إنه ظن فيندرج إذن في الكلية القائلة بوجوب رجوع الجاهل إلى العالم فهما إذن دليلان ظاهريان يفيدان القطع بالتكليف في مقام العمل من وجوب رجوعه إلى التقليد و منعه من الأخذ بظنه و حينئذ فنقول إن

كانت مسألة التجزي من المسائل التي لا يقدر على استنباط حكمها و كان من يرجع إليه من المجتهدين قائلًا بمنع التجزي فليس وظيفته إلا الأخذ بتقليده في خصوصيات المسائل و إن كان قائلًا بجوازه تعين الرجوع إلى ظنه فيكون اتكال المتجزي حينئذ في الأخذ بظنه على تقليد المجتهد المطلق و لا مانع منه بعد قضاء الدليل به فهو في الحقيقة رجوع إلى التقليد لانتهاء أمره إليه و إن كانت المسألة المذكورة مما استنبط حكمه فإن كان قائلًا بجوازه و كان المجتهد الذي يرجع إليه قائلًا بجوازه أيضا وجب عليه الرجوع إلى اجتهاده و إن كان قائلًا بالمنع منه تعين عليه الرجوع إلى التقليد و لا عبرة بظنه المتعلق بمسألة التجزي و كذا لو كان قائلًا بالمنع منه سواء كان من يرجع إليه قائلًا بمنعه أو جوازه هذا كله إذا كان المتجزي قاطعاً بجواز التقليد في المسائل المتعلقة بالعمل من غير فرق بين الأصول و الفروع كما هو الحق و أما لو كان قاطعاً بعدمه فلا يصح له في الصورة المفروضة سوى تقليد المجتهد في الأحكام الفرعية سواء كان ذلك المجتهد مجوزا للتقليد في الأصول أو لا قائلًا بتجزي الاجتهاد أو لا و أما لو كان مترددا في تلك المسألة ظانا بأحد الجانبين لزمه مراعاة الاحتياط مع الإمكان أما باعتبار ما يحصل معه العلم بأداء الواقع أو بأداء التكليف حسبما نقرره في الصورة الآتية ثم إن جميع ما ذكرناه مبني على صحة ما ذكر و إن لم ينهض شيء من الوجهين المذكورين القاضيين بوجوب رجوعه إلى العالم حجة في المقام حسبما نوقش فيهما بما مرت الإشارة إليه و تم ما ذكر من الإيراد تعين القول برجوعه إلى الاحتياط و لم يصح له الرجوع إلى التقليد و الأخذ بقول الغير لعدم قيام الدليل القاطع عليه بالنسبة إليه و إلى مجرد ما يظنه لما عرفت من عدم قيام دليل قطعي على حجية ظنه و الدليل العقلي القائم على حجية ظن المقلد لا نسلم في شأن المتجزي لتوقفه على إثبات عدم وجوب الاحتياط في شأنه و ليس هناك دليل قاطع على عدم وجوبه بالنسبة إليه كما مر التنبيه عليه و حينئذ فقضية الأصل رجوعه إلى الاحتياط مع الإمكان و يتصور الاحتياط في شأنه على وجوه أحدها مراعاة ما يحصل منه القطع بأداء الواقع ثانيها مراعاة التوافق بين ما ظنه و ما تيقنه المجتهد المطلق لحصول القطع له بتفريغ الذمة لدوران أمره بين الأخذ بقوله و رجوعه إلى المجتهد المطلق و المفروض إتيانه على كل من الوجهين ثالثها أنه يرجع إلى فتوى المطلق في جواز التجزي و الرجوع

477

إلى الوجه المذكور مبني على جواز التقليد في مسائل الأصول كما أن مع عدم القول بجوازه لا يتم له الاحتياط بمراعاة ذلك فحينئذ نقول إنه إما أن يكون المتجزي قادرا على استنباط حكم التجزي أو لا و على الأول فإما أن يكون مرجحا لجواز التجزي أو لمنعه و على التقادير المذكورة فإما أن يكون من يرجع إليه قائلًا بالتجزي أو مانعا منه فيجري فيه الاحتمالات الستة المتقدمة أيضا و إن كان عاجزا عن ترجيح مسألة التجزي تعين عليه الرجوع إلى المجتهد المطلق في جوازه و منعه لوضوح وجوب التقليد عليه فيما لا يقدر على استنباطه فعلى الأول يأخذ بظنه و على الثاني يرجع إلى تقليد المجتهد في المسائل و إن كان قادرا عليه و كان قائلًا بجوازه كالمجتهد الذي يرجع إليه فلا إشكال و إن كان من يرجع إليه قائلًا بمنعه فلا مجال للاحتياط فيه على المجتهد كما هو الحال في عكسه بل يتعين فيهما الرجوع إلى أحد الوجهين المذكورين و لو كانا ناقلين بمنع التجزي تعين عليه الأخذ بالتقليد هذا كله مع إمكان الاحتياط في حقه على أحد الوجوه المذكورة و أما مع عدم إمكانه فإن كان مرجحا لجواز التجزي و حجية ظن المتجزي تعين عليه الأخذ به كتعين أخذه بالتقليد إذا كان مرجحا لعدمه و ذلك لقضاء العقل بقيام الظن بتفريغ الذمة مقام العلم به بعد انسداد سبيله و المفروض حصوله بذلك و لو كان متوقفا في المسألة من غير ترجيح لأحد الجانبين تخير بين الوجهين و لا ترجيح حينئذ بين الأخذ باجتهاده نظرا إلى تحصيله الظن بالواقع لما عرفت فيما مضى من أن المناط أولا هو تحصيل العلم بتفريغ الذمة فينوب منابه الظن بالتفريغ بعد انسداد باب العلم به و المفروض عدم حصوله في المقام لتساوي الاحتمالين عنده في مقام الفقاهة فالرجوع إلى ظنه و إن كان راجحا من جهة تحصيل الواقع إلا أن رجوعه إلى ظن المجتهد المطلق أرجح من جهة أخرى كما لا يخفى و الحاصل أن المفروض تساوي الاحتمالين في نظره بحسب التكليف فلا مناص له عن التخيير و مما ذكر يظهر ما في كلام بعض الأفاضل من أنه مع عدم تمكنه من الأخذ بالاحتياط يتخير بين العمل بظنه و تقليد المجتهد المطلق كما هو الحال في الخبرين المتعارضين لكن الأولى أخذه بما أدى إليه ظنه لرجحان القول به إذ مع رجحان القول بأخذه بظنه لا وجه لتخيير بينه و بين الوجه المرجوح لقطع العقل إذن بترجيح الراجح بعد القطع ببقاء التكليف و عدم إمكان الاحتياط و ليس المانع من الأخذ بظنه من أول الأمر إلا أن تقدم الأخذ بالاحتياط على الرجوع إلى الظن فمع فرض عدم إمكانه و حصول الظن بكونه مكلفا شرعا بالأخذ بظنه لا وجه لجواز أخذه بالطرف المرجوح و كذا الحال لو ترجح عنده الرجوع إلى التقليد كما هو الحال في الخبرين المتعارضين إذا كان أحدهما على الآخر في إفادة ما هو المكلف به في ظاهر الشريعة نعم لو تساوى الاحتمالان في نظره تعين البناء على التخيير حسبما بيناه و من ذلك يظهر ضعف ما في كلام بعض آخر من تعيين أخذه بظنه بعد انسداد سبيل العلم بالواقع أو مع الغض عن تكليفه أولا لمراعاة الاحتياط يرد عليه أن اللازم عليه مراعاة ما هو الراجح عنده في أداء التكليف دون ما يظن معه بأداء الواقع إذ قد يظن عدم أدائه التكليف الشرعي بالرجوع إلى ظنه أو يتساوى عنده الوجهان فلا وجه للترجيح مع تساويها بالنسبة إلى أداء التكليف فتأمل

قوله بمعنى جريانه في بعض المسائل

لما كان التفسير المذكور مشعرا بكون الكلام في جواز التجزي بحسب الفعلية و عدمه بأن يستفرغ وسعه في تحصيل بعض المسائل دون بعضها و لو كانت القوة و الملكة تامة عقب ذلك بقوله بأن يحصل للعالم إلى آخره مقيدا بذلك كون التجزئة المذكورة لنقص الاقتدار على الاستنباط لا بمجرد عدم التصدي لاستفراغ الوسع في ذلك البعض فيكون محل الكلام على ظاهر كلامه في جواز تجزي القوة و عدمه و قد فرع عليه جواز الاستفراغ في ذلك البعض بمعنى حجية ظنه في ذلك و عدمه و أنت خبير بأن تقرير النزاع في جواز التجزي في نفس الاقتدار و القوة في كمال الضعف لوضوح جوازه كما مرت الإشارة إليه كيف و القوة على استنباط الكل مسبوق غالبا بالقوة الجزئية فإن الاقتدار على الجميع لا يحصل غالبا إلا على سبيل التدريج ثم مع البناء على جواز التجزي في القوة لا وجه لتفريع حجته على ذلك نعم قد يقال حينئذ بعدم حجية الظن له كما هو الظاهر من كلام المانعين و الجواب عنه ما عرفت من أن المقصود من الاجتهاد في المقام هو الاستفراغ المعتبر عن أهل الشرع إذ هو المعنى المصطلح عندهم دون مطلق الاستفراغ و حينئذ يتجه تقرير النزاع في جواز التجزي بحسب القوة و الملكة إذ القدر المعلوم الذي ليس قابلًا للنزاع هو مجرد الاقتدار على تحصيل الظن ببعض المسائل دون البعض دون الاقتدار عليه على الوجه المعتبر و حينئذ يندفع عنه ما ذكر من عدم صحة التفريع المذكور لوضوح تفريع حجية ظنه على القول بقبوله للتجزي كما هو ظاهر العبارة ففي تعبير المصنف (رحمه الله) إشارة إلى ما ذكرناه و قد يجعل قوله يجتهد فيها أولا بيانا لمحل النزاع فيكون المقصود أنه بعد تحصيل ما هو المناط في الاجتهاد بالنسبة إلى بعض المسائل دون بعضها هل يجوز الاجتهاد في ذلك البعض أو لا فليس المفروض في تقرير الخلاف في جواز تجزي القوة و عدمه بل في حجية ظن المتجزي و عدمها و هو بعيد عن ظاهر العبارة كما لا يخفى

قوله و ذهب العلامة (رحمه الله) إلى آخره

و قد اختار ذلك جماعة ممن تأخر عن هؤلاء كشيخنا البهائي و والده و صاحب الوافية و كشف اللثام و اختاره أيضا جماعة من العامة منهم الرازي و التفتازاني و ابن العماني و قد حكي القول عن المعظم

قوله و صار قوم إلى الثاني

و كأنهم من العامة إذ لم نجد في أصحابنا ممن تقدم على المصنف من صرح بالمنع منه

قوله أنه إذا اطلع على دليل المسألة بالاستقصاء إلى آخره

توضيح الاستدلال أن المناط في حجية ظن المجتهد المطلق في كل مسألة بعد استفراغ وسعه في الأدلة القائمة عليها هو اطلاعه على الأدلة الموجودة في تلك المسألة و وقوفه على وجوه دلالتها و ما هو المناط في قوة الظن فيها على حسب وسعه و طاقته بحيث يحصل العلم أو الظن بانتفاء ما ينافيها و المفروض حصول ذلك للمتجزي إذ الكلام فيما إذا اطلع على الأدلة القائمة في المسألة التي اجتهد فيها على نحو المجتهد المطلق من غير فرق بينها سوى اقتدار المطلق على استنباط الحكم في غيره و عدم اقتداره أو اطلاعه على الأدلة القائمة في غيرها و عدم اطلاعه و هذا مما لا مدخل له قط في استنباط حكم هذه المسألة المفروضة ضرورة أن استنباط حكم المسألة إنما يتوقف على الأدلة القائمة عليه دون غيره فلا ربط له بحجية ظنه

478

الحاصل في تلك المسألة فمع ثبوت انتفاء الفارق بينهما إلا في ذلك و عدم العبرة بما هو الفارق قطعا يتعين القول بحجية حكم المتجزي أيضا

قوله فلا يحصل له ظن عدم المانع

هذا الكلام يوهم كون القائل يمنع التجزي مانعا عن تحصيل الظن و قد عرفت وهنه جدا ضرورة إمكان حصول الظن لغير المطلق من غير إشكال و يمكن توجيهه بأنه مع قيام احتمال وجود المعارض في الأدلة لا بد من مراجعتها فلا يكون ظنه بانتفاء المانع قبل المراجعة حجة شرعا فإن ظن المجتهد إنما يكون حجة بعد المراجعة إلى الأدلة الشرعية دون ما إذا حصل من ملاحظة بعض الأدلة من غير استفاء لما يعارضه و ما يحتمل ترجيحه عليه أو مساواته له و حينئذ فما ذكر في الجواب عنه من أن المفروض تحصيل جميع ما هو دليل في تلك المسألة بحسب ظنه لا يجدي في المقام فإن ذلك إنما يقضي بحصول الظن له و أما جواز الاعتماد على ذلك الظن من غير مراجعة إلى سائر الأدلة و اقتداره على استنباط الأحكام منها فغير صحيحة و الفرق بين ذلك و الظن الحاصل للمجتهد المطلق الناظر في جميع الأدلة و العارف بوجوه استنباط الأحكام منها ظاهر و هل ذلك إلا نظير الظن الحاصل للمجتهد المطلق قبل ملاحظة جميع الأدلة و استفراغ وسعه في تحصيلها و من البين أن الظن الحاصل له حينئذ بانتفاء المعارض لا حجة فيه غاية الأمر في الفرق بينهما أن المجتهد المطلق قادر على استيفاء الأدلة و هذا غير قادر عليه و هو غير مجد في المقام نعم يمكن الإيراد عليه بأنه لا يجب على المجتهد ملاحظة جميع الأدلة الشرعية القائمة على المسائل الفرعية في استنباط كل حكم بل لا بد من ملاحظة مظان الأدلة و ذلك مما يمكن حصوله للمتجزّي أيضا و قد يمكن استيفاء جميع الأدلة من حيث استنباط الحكم المذكور عنها و عدمه و إن لم يقدر على استنباط سائر الأحكام عنها و مع الغض عن ذلك أيضا فقد يحصل للمجتهد القطع بكون ما حكم به هو مقتضى الأدلة الموجودة التي يمكن الوصول إليها بحسب العادة و قد يحصل له الظن بذلك و غاية ما يستفاد من الوجه المذكور عدم جواز اعتماد المتجزي على الظن الحاصل له كذلك و أما مع قطعه به كما يتفق ذلك في كثير من الأحكام أو قطعه بانتفاء ما يعارضه في سائر المقامات فلا و ليس ما استفاده حينئذ قطعيا حتى يخرج عن محل البحث إذ لا ينافي ذلك كونه ظانا بالحكم الواقعي بل و شاكا فيه فتأمل

قوله و لكن الشأن في العلم بالعلة

أنت خبير بأن ذلك إن تم فإنما يتم فيما إذا قطع بكون الحكم مقتضى الأدلة الموجودة حسبما أشرنا إليه لكن التعويل في الاعتماد على الإجماع و قضاء الضرورة فبعد تسليمه إنما يفيد عدم قيام دليل على تعويله على ظن المتجزي و لا يفيد ذلك عدم تعويل المتجزي على ظنه و إن أراد أن تعويل المجتهد على ظنه هو من الجهتين المذكورتين فغير مسلم إذ الأدلة الدالة على حجية الأدلة الشرعية إنما تفيد حجيتها لكل من يقدر على الوصول إليها و يقتدر على استنباط أحكام منها و المفروض مساواة المتجزي للمطلق بالنسبة إلى المسائل الضرورية فلا وجه لسقوطها عن الحجية بالنسبة إليها مع إطلاق ما دل على حجيتها و عدم رجحان المجتهد المطلق عليه بالنسبة إلى تلك المسائل و قد يورد عليه أيضا بأن الباعث على التعويل بل على ظن المجتهد المطلق ليس منحصرا في ذلك بل العمدة فيه هو انسداد سبيل العلم بعد القطع ببقاء التكليف القاضي برجوعه إلى الظن و تقديمه على غيره بعد ثبوت عدم وجوب الاحتياط إما بعدم إمكانه في كثير من الصور أو لاشتماله على العسر و الحرج العظيم المرجوح في هذه الشريعة السمحة المؤيد بجريان الطريقة من الأصحاب على خلافه حيث إن القول بوجوب الاحتياط الشاذ من الأصحاب بل لا قائل بوجوبه على الإطلاق و هذا كما ترى جاز في التجزي إذ بعد إمكان رجوعه إلى الظن لا وجه لرجوعه إلى التقليد الموهوم بعد ظنه بخلافه و قد عرفت ما فيه مما قررناه سابقا فلا يفيد القول به

قوله و هو إجماع الأمة عليه و قضاء الضرورة به

و قد يورد عليه تارة بما مرت الإشارة إليه من أنه لا إجماع في المقام على الرجوع إلى خصوص المطلق للاختلاف الظاهر بين الطائفة في اختيار طريقة المجتهدين أو الأخباريين و المتوسطين و قيام الإجماع على الرجوع إلى المطلق في الجملة في مقابلة المتجزي لا ينفع في المقام بعد الاختلاف المذكور و قد عرفت الجواب عنه فيما سبق و تارة بأن حصول الإجماع في هذه المسألة غير ظاهر إذ ظاهر أن هذه المسألة مما لم يسأل عنه الإمام (عليه السلام) فالعلم بالإجماع الذي يقطع بدخول المعصوم فيه بالنسبة و إلى ما يضاهيها من المسائل التي لم يوجد فيها نص شرعي مما لا يكاد يمكن كيف و العمل بالروايات في عصر الأئمة (عليهم السلام) للروايات بل و غيرهم لم يكن موقوفا على إحاطتهم بمدار الأحكام و القوة القوية على الاستنباط بل يظهر بكلامه بأدنى الاطلاع على حقيقة أحوال القدماء فلا معنى لدعوى الإجماع في المسألة و ما ذكره من قضاء الضرورة به إن أراد به كونه بديهيا من غير ملاحظة أمر خارج فهو بديهي البطلان و إن أريد بداهته بعد ملاحظة أمر خارج و هو احتياج المكلف إلى العمل و انحصار الأمر بين الاجتهاد و التقليد فالبديهة تحكم بتقديم الاجتهاد فهو صحيح لكنه مشترك بين المطلق و المتجزي كذا ذكره بعض الأفاضل و هو موهون جدا إذ المناقشة في الإجماع المذكور عجيبة بعد وضوح اتفاق الكل على حجية ما فهمه المطلق من غير شائبة تأمل لأحد فيه كيف و لو لم يكن فهم المطلق حجة عند البعض لم يكن فهم المتجزي حجة عنده بالضرورة و فيه هدم للدين و لا بتوقف كشف الإجماع عن قول المعصوم على ورود النص بل يكفي فيه وجود الكاشف من قوله و لو بتوسط العقل على الأخبار المأثورة في الرجوع إلى العلماء و المشتملة على أمرهم بالرجوع إلى جماعة من فضلاء أصحابنا كثيرة بل قد يكون متواترة و جريان طريقة العوام في عصرهم في الرجوع إلى أهل العلم أمر ظاهر لا سترة فيه فقول الإمام (عليه السلام) و تقريره موجودان في المقام فكيف يتوهم عدم كشف الاتفاق من قول الإمام لخلق المسألة من الرواية فما ذكره من وضوح انتفاء السؤال عن المسألة إن أراد به عدم سؤالهم عن خصوص حجية فهم المجتهد المطلق فمسلم و لا يقع ذلك من كشف الاتفاق عن قول الإمام بعدم ورود ما يدل على الرجوع إلى العالم الشامل لذلك و إن أراد عدم ورود ما يدل على حجية فهمه و جواز الرجوع إليه فممنوع كيف و من الظاهر خلافه و هو كاف في كشف الاتفاق عن قول المعصوم على مذاقه أيضا و الحاصل أن المقصود (رحمه الله) من القدر المقطوع به المتفق عليه بين الكل هو حجية ظن المجتهد المطلق و ما زاد عليه لم يتفق عليه اتفاق و لم يقم عليه دليل قاطع آخر فلا يصح الأخذ به مع انتفاء القطع بجوازه فلو نوقش في المقام فإنما يناقش في منعه من قيام القاطع على حجية ظن غيره لا في حجية ظنه فما ذكره من أن العمل بالروايات في عصر الأئمة (عليهم السلام) للرواة غير مرتبط بمنع الإجماع على جواز الرجوع إلى صاحب القوة القوية المحيطة

479

بمدارك الأحكام الشرعية غاية الأمر أنه يدعى جريان الطريقة هناك على الرجوع إلى غيره أيضا هو كلام آخر و لا ربط له بالمقام و قد مرت الإشارة إلى ما فيه ثم الظاهر أن مقصود من قضاء الضرورة بحجية ظن المطلق هو أن الاضطرار إلى العمل بعد خفاء مدارك الأحكام يقضي بحجية فهم من يستنبط الأحكام منها و إلا لزم الخروج عن الدين و القدر المتيقن من ذلك هو حجية فهم المطلق لاندفاع تلك الضرورة به دون ما يزيد عليه و ليس مقصوده شيئا من الوجهين اللذين أشار إليهما كيف و الوجه الأول منهما ضروري الفساد و الثاني فاسد أيضا و إن سلمه المعترض إذ لا بداهة قاضية بترجيح الناقص فهم نفسه على فهم الكامل المتدرب حتى يكون عدم جواز تقليده له من الضروريات كيف و قد ذهب جماعة من الفحول إلى عدم جواز ترجيح ظنه على ظن الآخر و وجوب الأخذ بقوله

قوله و مع ذلك فالحكم في نفسه مستبعد

لا يخفى لو كان وظيفة المتجزي هو التقليد لم يكن من شأنه إلا الرجوع إلى المجتهد و إذا كان ذاهبا إلى جواز التجزي و حجية ظن المتجزي و قائلًا بجواز التقليد في المسائل المتعلقة بالعمل من أصول الفقه كهذه المسألة لم يكن له بد من الحكم بعمله بمؤدى ظنه فالاستبعاد المذكور ليس في محله ثم لا تذهب عليك أن ما ذكره المصنف على فرض صحته لا يفيد كون وظيفة المتجزي هو الأخذ بالتقليد إذ غاية ما يلزم حينئذ بطلان الدليل الدال على وجوب رجوعه إلى ظنه و لم يقم دليلا قطعيا على جواز أخذه بالتقليد و كما أن رجوعه إلى ظنه يتوقف على قيام دليل قاطع قطعي عليه فكذا رجوعه إلى التقليد و مع عدم قيام دليل قطعي عليه لا يتم الحكم بعدم جواز أخذه بظنه بل قضية التقرير المذكور هو حجية ظنه في الجملة إذ غاية الأمر حينئذ تخييره بين الوجهين و هو يفيد جواز رجوعه إلى ظنه أيضا فتأمل هذا ملخص القول في مسألة التجزي و قد عرفت أن المتيقن من التجزي هو من كان كل من استنباطه للمسائل و اقتداره على ذلك جزئيا و أما لو كانت قوية تامة مع كون الفعلية ناقصة على الوجه الذي أشرنا إليه فالذي نص عليه جماعة أنه مجتهد مطلقا كما قدمنا الإشارة إليه و كان الفقيه الأستاذ (قدس سره) ذاهبا إلى عدم حجية ظنه فما لم يكن مستنبطا لقدر يعتد به من الأحكام بحيث يعد فقيها عرفا على صدق سائر ما يشتق من أسامي العلوم على أربابها لا حجية في ظنه بالنسبة إليه و إلى غيره و هو قبل البلوغ إلى تلك الدرجة ليس بفقيه و وظيفته الرجوع إلى الفقيه لما دل على أن الناس صنفان فقيه و غير فقيه و أن وظيفة الثاني الرجوع إلى الأول و لأن المذكور في مقبولة عمر بن حنظلة اعتبار معرفتهم بأحكامهم (عليهم السلام) و هو جمع مضاف يفيد العموم و لا أقل من العموم العرفي و هو غير صادق بمجرد عموم الملكة ما لم يكن عالما بالفعل بقدر يعتد به بحيث يصدق عليه عرفا بأنه عارف بالأحكام فالتفصيل بين حجية ظنه بالنسبة إليه دون غيره خارج عن الطريقة إذ لو كان مجتهدا صح له الرجوع إلى ظنه و لغيره الرجوع إليه و إلا لم يجز في المقامين و يشكل بأنه لا دليل على دوران المكلف بين الوجهين سوى ما قد يتخيل من الإجماع و القدر المسلم منه على ثبوته هو لزوم كون المكلف عالما بحكمه على سبيل الاجتهاد أو أخذا له بطريق التقليد و أما كونه مجتهدا في بعضها و هكذا في بعضها لم يقم إجماع على المنع منه كيف و كثير منهم قد جوزوا التجزي في الاجتهاد على أنه قد يقال بصدق عنوان الفقيه عليه بالنسبة إلى ما اجتهد فيه إلا أنه غير متجه حسبما مرت الإشارة إليه في أوائل الكتاب و قيام الإجماع على الملازمة بين عدم حجية ظنه بالنسبة إلى غيره و عدمها بالنسبة إليه غير ظاهر كيف و الافتراق بينهما في المجتهد الفاسق و المفضول مع وجود الأفضل بناء على المنع من الرجوع إليه ظاهر فأي مانع من البناء على التفصيل في المقام أيضا لكن لا يخفى عليك أنه لم يقم أيضا إجماع على حجية ظنه بالنسبة إليه و حينئذ فيشكل اعتباره عليه على نحو ما مر بيانه في المتجزي فيجري فيه ما قدمناه من التفصيل في حكم المتجزي فالظاهر أنه بمنزلته و إن كان القول بحجية ظنه أقوى من الحكم بحجية ظن المتجزي فيجري الكلام المذكور في صاحب القوة التامة الخالية عن الفعلية بالمرة فإن قلنا بجواز التقليد للمجتهد المطلق بالنسبة إلى المسائل التي لم يجتهد فيها فالأمر فيه ظاهر و أما بناء على المنع منه فيشكل الحال فيه أيضا و الأظهر حينئذ رجوعه إلى ظنه حسبما مر في المتجزي لما عرفت هذا بالنسبة إلى ما يقتضيه ظواهر الأدلة في شأنه و أما تكليفه في نفسه و بحسب فهمه في صحة تقليده أو وجوب اجتهاده و رجوعه إلى ظنه فيجري فيه ما قدمناه من التفصيل لعدم قيام دليل قاطع على جواز تقليده أو رجوعه إلى ظنه على نحو ما ثبت بالنسبة إلى العامي و المجتهد المطلق و ظاهر الجماعة أيضا إدراجه في المطلق و هو ضعيف و لو كانت فعلية تامة مع نقص القوة بأن كان عاجزا عن إدراك المسائل المشكلة من دون تلقين الغير و تعليمه إياه لوجه الترجيح فلا يقتدر بنفسه على استخراجها و الابتداء إليها فالظاهر إدراجه في الفقيه لصدق العنوان فيندرج تحت الإجماع القاضي بحجيته و ربما يتراءى من ظاهر بعض كلماتهم عدم اندراجه فيه

نظرا إلى أن القدر المتيقن من الحكم بجواز التقليد هو تقليد المجتهد المطلق و أما غيره فلم يقم دليل قاطع على جواز الرجوع إليه و قضية الأصل عدم جواز الرجوع إليه و عدم الاكتفاء في الحكم للبراءة بعد اليقين بالاشتغال بمجرد تقليده و الأظهر أن حجية ظنه بالنسبة إليه قاضٍ بحجيته بالنظر إلى غيره في الجملة و في مشهور أبي خديجة المتقدمة دلالة عليه فلو انحصر الأمر من الرجوع إليه لم يبعد وجوبه نعم لو دار الأمر بين الرجوع إليه و إلى المطلق من الأحياء لم يجز الرجوع إليه بناء على وجوب تقليد الأفضل فلا فرق بينه و بين المطلق في ذلك هذا بالنظر إلى ما يقتضيه الأدلة الظنية و أما المقلد فلا يجوز له الرجوع إليه من غير قيام دليل قاطع عنده على جواز تعويله عليه لما عرفت و لو رجع إلى المجتهد المطلق في جواز رجوعه إليه لم يكن به بأس كما إذا قلد الميت أو المفضول بتقليده الحي أو الأفضل في ذلك

و لنتم الكلام في مباحث الاجتهاد برسم أمور

أحدها في بيان شرعية الاجتهاد و إثبات الاعتماد على ظن المجتهد

و يمكن الاستدلال عليها بوجوه الأول العقل و يبتني ذلك على بيان انسداد العلم في كثير من الأحكام بل معظمها و انحصار الطريق بالعمل بالظن و الأخذ بالظنيات و القواعد التي لا تفيد علما بالواقع في الخصوصيات و يدل عليه بعد قضاء الضرورة الوجدان بذلك إذ لا يحصل للنفس بعد كمال الجد و بذل الوسع في معرفة الأحكام و غاية الاهتمام في النظر في الأدلة و البحث عن مدارك الأحكام الشرعية و ملاحظة الأمارات المؤيدة ما يزيد

480

على المظنة فيكفي فيه ملاحظة الوجدان عن مئونة البيان أن ما يكون من الأدلة الشرعية علمية مفيدة للقطع بالواقع في الوقائع أو محتملة لإفادة اليقين بالواقع أو قيل بإفادتها لذلك أما الإجماع أو العقل المستقل أو الكتاب و السنة المتواترة و ما بمنزلتها أو سائر الأخبار المأثورة عن العترة الطاهرة المذكورة في الكتب المعتمدة أما الإجماع و العقل الكاشف عن الواقع فلم ينهضا إلا في قليل من الأحكام فمع ذلك فلا يفيدان غالبا بالتفصيل و أما الكتاب فهو ما كان قطعي المتن إلا أنه في الغالب ظني الدلالة و مع ذلك لا يستفاد منه غالبا إلا أمور إجمالية و أما السنة المتواترة و ما بمنزلتها فلا توجد إلا في نادر من الأحكام مع أنها لا يفي غالبا إلا بالأحكام الإجمالية و أما سائر الأخبار المأثورة المذكورة في الكتب المعتمدة فهي ظنية بحسب المتن و الدلالة إذ وجوه الاختلال الطارية عليها سندا و دلالة كثيرة قد أشرنا إليها فيما مضى و قد فصلنا القول في بيان طينتها و عدم إفادتها اليقين بالواقع بما لا مزيد عليه و أوضحنا فساد ما لفقه جماعة من الأخبارية من الشبه في بيان قطعيتها و لو سلم قطعية تلك الأخبار حسب ما ادعوا فمن البين أنها لا تفي ببيان جميع الفروع المتجددة على سبيل التفصيل بل لا بد من التأمل في إدراجها فيما يناسبها من القواعد المقررة في تلك الأخبار و من الظاهر أيضا اختلاف الأنظار في ذلك و عدم إمكان تحصيل اليقين غالبا لذلك كما لا يخفى على من مارس تفريعات الفقهية و أمعن النظر فيما يرد عليه من الفروع المتجددة فإنه لا مناص غالبا من الأخذ بالظن في الحكم باندراجها في خصوص كل من القواعد المقررة و ذلك أيضا من الوضوح بمكان لا يحتاج إلى البيان فإذا تقرر انسداد باب العلم في معرفة الأحكام مع القطع ببقاء التكليف تعين الانتقال إلى الظن أو الأخذ بالوجوه الظنية التي دلت على حجيتها الأدلة المخصوصة و هو المعنى بالاجتهاد الثاني انعقاد الإجماع عليه من الخاصة و العامة و قد نص بانعقاد الإجماع عليه جماعة من أجلاء الطائفة و معلوم من ملاحظة الطريقة الجارية المستمرة في سائر الأعصار و الأمصار بين الشيعة و ملاحظة كتب الفتاوي و الاستدلال كافية في العلم به و قد ناقش في ذلك بعض من الأخباريين بوجوه موهونة لا بأس بالإشارة إليه ليقضي بالعجب منها قال و الجواب أولا بمنع حجية الإجماع إذ لم يورد عليها دليلا قطعيا و الاعتماد على الظن في الأصول غير معقول بل الدليل الظني الذي أوردوه غير تام و لا سالم عن المعارضة بما هو أقوى منه و ثانيا بمنع انعقاد الإجماع هنا بمخالفة المتقدمين و المتأخرين و تصريحاتهم بذلك بطول الكلام بنقلها و ثالثا بتقدير انعقاد الإجماع فهو دليل ظني لا يجوز العمل به في الأصول و رابعا أنه ظني لا يجوز الاستدلال به على الظن إذ يلزم منه الدور و خامسا المعارضة بمثله فقد نقل الشيخ في العدة الإجماع على خلافه و هو مقدم لتقدمه و تواتر النصوص به و سادسا أن الإجماع عند محققيهم أن ما يعتبر مع العلم بدخول الإمام و لا سبيل إلى تحقيق ذلك هنا و سابعا أنه على تقدير ثبوت قول الإمام هنا فالحجة قول الإمام لا الإجماع و هو على ذلك التقدير خبر واحد لا يعارض المتواتر و ثامنا أنه على تقدير ثبوت قول الإمام هنا و هو خلاف الآيات الصريحة و معارضة من قول الأئمة (عليهم السلام) موافق لها فتعين المصير إليه للأمر بالعرض على الكتاب و تاسعا أنه على ذلك التقدير موافق للعامة فتعين حمله على التقية و العمل بما يعارضه لعدم احتمال التقية و نظيره الإجماع على بيعة أبي بكر فقد دخل فيها أمير المؤمنين (عليه السلام) و لم يدل دخوله على صحتها للتقية و هذا أقوى المرجحات المنصوصة على تقدير وجود المعارض الصحيح فكيف و هو هنا غير موجود انتهى و أنت خبير بأن أقصى ما يمكن إيراده في المقام و إن كان واضح الفساد أيضا المنع من تحقق الإجماع لما يتوهم من كلمات جماعة من الأصحاب من المنع من الاجتهاد أو العمل بالظن و قد أشار إليه بما ذكر من مخالفة جماعة من المتقدمين و المتأخرين فيه و حكاية الشيخ الإجماع عليه و سيجيء الإشارة إلى جملة من عبائرهم بما يوهم دلالتها على ذلك و نوضح القول في فساده إن شاء الله و أما سائر ما ذكر من الإيرادات فغير معقولة لما هو واضح من أن الإجماع على فرض تحققه من الأدلة القطعية الكاشفة عن رأي الإمام (عليه السلام) أو عن الحجة التي لا مجال للتشكيك

على حجيته و لزوم الأخذ به حسبما حقق في محله نعم لو أريد به الإجماع المنقول صحت دعوى كونه ظنيا إلا أنه غير مراد المستدل قطعا و حينئذ فمعارضته بحكاية الشيخ غير متجهة على أنه من الواضح أن مراد الشيخ من الاجتهاد غير ما هو المقصود في المقام و ليت شعري كيف يعقل القول بدعوى الشيخ الإجماع على حرمة الاجتهاد و المنع منه مع ما يرى من طريقته في الاحتجاج في المبسوط و غيرهما و سنوضح ما هو مقصوده من الاجتهاد في ذلك المقام و أنه مما لا ربط في المرام و ما ذكره من أن مفاد الإجماع المذكور مخالف للآيات الصريحة و الأخبار المأثورة ضعيف جدا لوضوح كون مفاد الإجماع على فرض تحققه قطعيّا و أقصى ما يسلم كون ظاهر إطلاق الآيات و الروايات ذلك فكيف يمكن أن يقاوم القاطع مضافا إلى أن الاستناد إليها استناد إلى الظن و المدعى خلافه فلو صح الاستناد إليها بطل ما ذكر من الدعوى على أن دلالتها على ذلك محل منع أيضا كما ستعرف الوجه فيه إن شاء الله الثالث ظواهر كثير من الأخبار منها الصحاح المستفيضة الدالة على أن عليهم (عليهم السلام) إلقاء الأصول و أن علينا التفريع عليها فقد رواه زرارة و أبو بصير في الصحيح عن الباقر (عليه السلام) و الصادق (عليه السلام) و رواه البزنطي في جامعه عن هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام) و رواه البزنطي بنفسه عن الرضا (عليه السلام) إذ من البين أن تفريع الفروع على الأصول و القواعد لا تكون غالبا إلا على سبيل الظن إذ دلالة العمومات على حكم كل من الجزئيات المندرجة فيها إنما تكون في الغالب على سبيل الظهور دون التنصيص و أيضا كثير من التفريعات مما يختلف فيه الأنظار و يتفاوت الأفهام في إدراجها بحسب القواعد المقررة و كثيرا ما لا ينافي الحكم باندراج الفرع تحت أصل معين إلا على سبيل يندرج فيها المداليل الالتزامية المفهومة بتوسط الخطاب كدلالة الأمر بالشيء على الأمر بمقدمته و دلالة النهي على الفساد و كثير من دلالة المفاهيم و نحوها و قد يناقش فيه بالمنع من شمولها للتفريعات الظنية فلا يفيد المدعى و يمكن دفعها بأن قضية الأمر بالتفريع إثبات ما يتفرع على الكلام من الأحكام بحسب العرف و هو أعم مما لا يفيد العلم بالواقع هذا و قد أورد بعض المحدثين في المقام بأنه لا دلالة في الأخبار المذكورة على صحة الاجتهاد الظني في أحكام الله تعالى فإن مفادها الأخذ بالقواعد الكلية المأخوذة عن أهل العصمة كقولهم (عليهم السلام)

481

إذا اختلط الحلال بالحرام غلب الحرام و قولهم (عليهم السلام) كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه و قوله (عليه السلام) الشك بعد الانصراف لا يلتفت إليه و قولهم لا تنقض اليقين بالشك أبدا و إنما ينقضه بيقين و ذلك أن الأنظار العقلية إذا كانت مادة الفكر فيها و صورته مأخوذين عن أهل العصمة فلا ريب في جواز العمل به لأنه معصوم عن الخطاء و لا شك أن مفاد الأخبار المذكورة هو التفريع على الأصول المأخوذة عن الأئمة (عليهم السلام) خاصة و هو عين مذهب الأخباريين و خلاف دعوى الأصوليين قلت من البين أن تفريع الأحكام على الأصول المأخوذة عن أهل العصمة إما أن يكون بإثبات تلك الأحكام للجزئيات الظاهرة الاندراج أو للجزئيات التي يتأمل في اندراجها تحت أي من تلك القواعد و يتوقف اندراجها في خصوص بعضها على البحث و النظر أو بإثبات اللوازم المتفرعة على الملزومات المأخوذة عنهم (عليهم السلام) و حينئذ فقد يكون اللزوم بينا و قد يفتقر إلى البيان فقد يكون المنهي له العقل أو النقل أو الملفق منهما أو ظاهر تلك الأخبار تعميم ذلك الجميع و من البين حينئذ أنه لا يلائم طريقة الأخباريين و تخصيصها بالصورة الأولى خروج عما يقتضيه إطلاق تلك النصوص بل ربما يقال بعدم عد ذلك تفريعا فإن تلك الصّور الجزئية هو نفس ما ذكر في تلك القواعد الكلية لظهور أن المحكوم عليه في القضايا الكلية هو خصوص كل من الجزئيات فإثبات الحكم لكل منها من جهة الأخذ يعين النصوص لا التفريع على المنصوص و مع الغض عن ذلك فلا ينفك ما ذكر أيضا من استعمال الظن لظهور احتمال التخصيص في تلك العمومات فالقول بخصوص العصمة من الخطاء بمجرد الأخذ بظواهر تلك العمومات و الإطلاقات كما ترى و منها الأخبار الكثيرة الدالة على الرجوع إلى المرجحات الظنية عند تعارض الأخبار المأثورة ليتميز الصحيح منها عن السقيم و المقبول من المردود و من البين أن ذلك من أعظم موارد الاجتهاد فإن تمييز المعول عليه من الأخبار من غيرها قد يشكل جدا و قد دلت الأخبار المذكورة على الرجوع في التميز إلى وجوه ظنية و المستفاد من جميعها بعد الجمع بينها هو الأخذ بالراجح من حيث المفاد و السند و ما قد يتوهم من أن المرجحات المذكورة إنما هي لأجل تمييز الخبر الوارد من جهة التقية من غيرها و أن جميع أخبارنا المذكورة في الكتب المعتمدة قطعي الصدور من الأئمة (عليهم السلام) واضح الفساد حسبما مرت الإشارة إليه مضافا إلى أن في تلك الأخبار شهادة على خلافه إذ الرجوع إلى الأعدل و ترجيحه على غيره لا ربط بالجهة المذكورة و كذا الحال في عدة من المرجحات المقررة كما لا يخفى على المتدبر و منها ما دل من الأخبار على حجية قول الثقة و الاعتماد على نقله إذ من البين أن الوثاقة لا يبلغ إلى درجة العصمة حتى يمتنع في شأنه الخطاء و الغفلة كيف و قد وقع من أعاظم الثقات من السهو و الاشتباه في أسناد الروايات و متونها ما لا يخفى على المتتبع في الأخبار سيما كتابي التهذيب و الإستبصار مضافا إلى ما عرفت من الاكتفاء في العدالة بحسن الظاهر و من الظاهر أنه بمجرده لا يفيد العلم بحصول العدالة فلو سلمنا قضاء تلك الصفة بعدم وقوع الكذب و الغفلة و الزيادة و النقيصة من المتصف بها فكيف يعقل القول بقضاء الظن بها للعلم بذلك و منها غير ذلك من الأخبار المتكثرة الدالة على حجية أخبار الآحاد حسبما فصل في محله فالملخص من ملاحظة مجموع الأخبار المذكورة القطع بحجية الظن في إثبات نفس الأحكام الشرعية و كون كل واحد من تلك الروايات ظنيا لا يقدح في المقصود بعد كون القدر الجامع بينها قطعيا على أنهم يدعون قطعية الأخبار فكل واحد منها حجة قاطعة بالنسبة إليهم هذا و قد زعمت الأخبارية عدم جواز الاجتهاد في نفس الأحكام الشرعية و حكموا بخطرها في الشريعة لشبهة واهية و شكوك ركيكة واضحة الفساد غير صالحة للاعتماد عند من له مسكة لا بأس بالإشارة إلى جملة منها أنه لا دليل على جواز العمل بالظن فلا وجه للرجوع إليه و التعويل في استنباط الأحكام عليه و فيه أنه لا كلام في عدم جواز الاستناد إلى الظن من غير قيام دليل عليه و ما ادعى من انتفاء الدلالة في المقام فهو بين الفساد كيف و لو لم يكن هناك دليل على حجية سوى انسداد سبيل العلم و انحصار الطريق في الظن مع القطع ببقاء التكليف لكفي في القطع بحجيته مع أن هناك أدلة خارجية على حجية عدة من الطرق الظنية كما قرر

في محله و قد اعترف الأخباريون بحجية قول الثقة و جواز الاعتماد عليه في الأحكام الشرعية كما دلت عليه عدة من النصوص مع أنه لا يفيد غالبا ما يزيد على الظن و دعوى إفادة قول الثقة القطع بالواقع كما صدر من جماعة منهم مما يشهد ضرورة الوجدان بخلافه مع ثبوت وثاقته بطريق اليقين فكيف مع ثبوتها بحسن الظاهر و منها أن العمل بالظن مما يستقل العقل بقبحه فيستحيل تجويز الشرع له و وهنه ظاهر فإنه إن تم ذلك فإنما يتم بالنسبة إلى الاعتماد على الظن من حيث إنه ظن و أما مع أوله إلى العلم و انتهائه إلى اليقين فكلا و كيف يتوهم ذلك و لا عمل حينئذ إلا بالعلم و من البين أن المسائل الفقهية إنما يراد لأصل العمل و من الظاهر أيضا أنه بعد قيام الدليل القاطع على وجوب العمل بمؤدى الأدلة الظنية يكون العمل حاصلا على وجه اليقين دون الظن و التخمين كيف و لو لا ذلك لم يجز بناء الشرع على الأخذ بالظن أصلا لعدم جواز الاستثناء في القواعد العقلية مع أن جواز العمل بالظن في كثير من المقامات كالحكم بالشهادات و الاعتماد على أخبار ذي اليد و نحوهما مما لا كلام في وروده في الشرع بل و كذا الحال بالنسبة إلى دلالة الألفاظ لقيام الإجماع على جواز الاعتماد فيها على الظنون و كذا الحال في جواز الاعتماد على قول الثقة كما دلت عليه روايات عديدة و منها ما ذكر بعض المحدثين من أن المتقدمين من علمائنا لا يقولون بجواز الاجتهاد و التقليد و لا يجزون العمل بغير الكتاب و السنة من وجوه الاستنباط الظنية و من المعلوم أن طريقة المتقدمين هي الموافقة للأئمة و لأحاديثهم المتواترة فإن شذ منهم شاذ عيانا أنكر عليه الأئمة إن كان في ظهورهم و في هذه الطريقة مباينة لطريقة العامة متباينة كلية و طريقة المتأخرين موافقة لهم لا تخالفهم إلا نادرا و ناهيك بذلك دليلا على تحقيق الحق من الطريقتين ثم قال و بالجملة فقدم جواز الاجتهاد في نفس الأحكام الشرعية و عدم جواز العمل بالاستنباطات الظنية كان معلوما من مذهب المتقدمين من الإمامية إلى زمان العلامة بل كان معلوما عند العامة و الخاصة أنه من اعتقادات الشيعة و قد نقلوه عن أئمتهم لتواتر النص بذلك عنهم و هذا كما ترى يفيد دعوى إجماع الشيعة الكاشف عن قول الأئمة على بطلان الاجتهاد

482

في الأحكام الشرعية و قال في موضع آخر إن القول بحجية ظن المجتهد على نفسه و على من يقلده مذهب العلامة و الشهيدين و الشيخ حسن و الشيخ علي و الشيخ بهاء الدين لا غير و باقي علمائنا المتقدمين و المتأخرين على بطلان ذلك كله و هذا كما ترى و قد ذكر جملة من عبائر القدماء الموهومة لما ادعاه لا بأس بأن نشير إلى جملة ثم نتبعها بإيضاح فساد تلك الدعوى فمن ذلك ما ذكره الكليني في أول الكافي قال و الشرط من الله فيما استعبد به خلقه أن يؤدوا جميع فرائضه بعلم و يقين و بصيرة إلى أن قال و من أراد خذلانه و أن يكون إيمانه معارا مستودعا سبّب له أسباب الاستحسان و التقليد و التأويل بغير علم و بصيرة و قال الصدوق في العلل بعد ذكر حديث موسى و الخضر إن موسى مع كمال عقله و فضله و محله من الله تعالى لم يدرك باستنباطه و استدلاله معنى أفعال الخضر حتى اشتبه عليه وجه الأمر به فإذا لم يختر لأنبياء الله تعالى و رسله القياس و الاستدلال و الاستخراج كان من دونهم من الأمم أولى بأن لا يجوز لهم ذلك إلى أن قال فإذا لم يصلح موسى للاختيار مع فضله و محله فكيف تصلح الأمة لاختيار الإمام و كيف يصلحون لاستنباط الأحكام الشرعية و استخراجها بعقولهم الناقصة و آرائهم المتفاوتة و قال السيد في الذريعة عندنا أن الاجتهاد باطل و أن الحق المدلول عليه و أن من أخطأ غير معذور و قد نص السيد هناك أيضا بأن الإمامية لا يجوز عندهم العمل بالظن و لا الرأي و لا القياس و لا الاجتهاد و قال في الانتصار في أول كتاب القضاء إنما عول ابن الجنيد في هذه المسألة على ضرب من الرأي و الاجتهاد و خطؤه ظاهر و قال في المسألة التي بينها أن من خالفنا اعتمد على الرأي و الاجتهاد دون النص و التوقيف و ذلك لا يجوز و قال في كتاب الطهارة منه في مسألة مسح الرجلين إنا لا نرى الاجتهاد و لا نقول به و قد ذكر أيضا في عدة من كتبه أن ما يفيد الظن دون العلم لا يجوز العمل به عندنا و قال الشيخ في العدة و القياس و الاجتهاد فعندنا أنهما ليسا بدليلين بل محظور في الشريعة استعمالها و قال في موضع آخر منه و إنا نقول بالاجتهاد و القياس و قال أيضا و أما الظن فعندنا أنه ليس بفاصل في الشريعة تنسب الأحكام إليه و إن كان تقف أحكام كثيرة عليه نحو تنفيذ الحكم عند شهادة الشاهدين و نحو جهات القبلة و ما جرى مجراه انتهى و معلوم أن ما حكم بجواز العمل فيه بالظن من الموضوعات دون الأحكام و قال في مواضع من التهذيب و أنا لا نتعدى الأخبار و قال ابن إدريس في مسألة تعارض البينتين بعد ذكر عدة من المرجحات و لا ترجيح بغير ذلك عند أصحابنا و القياس و الاستحسان و الاجتهاد باطل عندنا و قال الطبرسي في المجمع لا يجوز العمل بالظن عند الإمامية إلا في شهادة العدلين و قيم المتلفات و أرش الجنايات و ظاهر أن ما استثناه من قبيل الموضوعات دون الأحكام و قال المحقق في المعتبر ثم إن أئمتنا مع هذه الأخلاق الطاهرة و العدالة الظاهرة يصوّبون رأي الإمامية في الأخذ عنهم و يعيبون على غيرهم ممن أفتى باجتهاده و قال برأيه و يمنعون من يأخذ عنه و يستخفون رأيه و ينسبونه إلى الضلال و يعلم ذلك علما ضروريا صادرا عن النقل المتواتر فلو كان ذلك يسوغ لغيرهم لما عابوا و قال فيه أيضا و اعلم أنك مخير في حال فتواك عن ربك فما أسعدك إن أخذت بالجزم و ما أخيك إن بيّنت على الوهم فاجعل فهمك تلقاء قوله تعالى وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ* انتهى و في ملاحظة أحوال الرواة أيضا ما يفيد ذلك فقد روى الكشي عن أبي حنيفة قال له أنت لا تقول شيئا إلا برواية قال أجل و روى الكشي و غيره عن أكثر علمائنا المتقدمين و خواص الأئمة (عليهم السلام) أيضا مثل ذلك بل ما هو أبلغ منه و قد صنف جماعة من قدمائنا كتبا في رد الاجتهاد و عدم جواز الأخذ به منها كتاب النقض على عيسى بن أبان في الاجتهاد و ذكره النجاشي و الشيخ في مصنفات الشيخ الجليل إسماعيل بن علي بن إسحاق عن أبي سهل بن نوبخت و منها كتاب النقض اجتهاد الرأي علي بن راوندي ذكره الشيخ في ترجمة إسماعيل المذكور نقلا عن ابن النديم أنه من مصنفاته و منها

الاستفادة في الطعون على الأوائل و الرد على أصحاب الاجتهاد و القياس من مصنفات عبد الله ابن عبد الرحمن التبريزي ذكره النجاشي و منها كتاب الرد على من رد آثار الرسول و اعتمد على نتائج القول من مؤلفات الشيخ الجليل هلال بن إبراهيم بن أبي الفتح المدني ذكره النجاشي و منها كتاب النقض على ابن الجنيد في اجتهاد الرأي من مؤلفات الشيخ المفيد إلى غير ذلك من الكتب في هذا الشأن أقول و أنت خبير بأنه لا دلالة في شيء مما ذكر على ما ادعاه بل لا إشعار فيها على ما ذكره أما عبارة الكليني و الصدوق (رحمه الله) فلظهور أن المقصود مما ذكراه عدم جواز الاعتماد في الأحكام الشرعية على الظنون العقلية و الاستحسانات الظنية و التخريجات التخمينية كما هي الطريقة المتداولة بين العامة و من البين إطباق أصحابنا على المنع منه و ليس في كلامهما ما يفيد غير ذلك و ليس مقصودهما عدم جواز الاجتهاد بمعنى بذل الوسع في فهم الكتاب و الأخبار النبوية و الإمامية و تمييز الأخبار المعتبرة عن غيرها و في إجراء القواعد المقررة في الشريعة من أصالة البراءة و الإباحة و الاحتياط و غيرها من الأصول الممهدة في الشريعة و أما ما ذكره السيد و الشيخ من المنع من الرجوع إلى الاجتهاد و الأخذ بالظن في مذهب الشيعة فالمراد بالاجتهاد هو المتداول بين العامة أعني تحصيل مطلق الظن بالحكم دون الرجوع إلى الأدلة الشرعية المقررة في الشريعة التي قامت عليها الأدلة و بذل الوسع في تحصيل الظن من تلك المدارك المعينة المفيدة للعلم من جهة أخرى و الحاصل أن هناك اجتهادا في استخراج الأحكام و لو بمجرد الظنون العقلية و نحوها و اجتهادا في فهم الحكم و استخراجه من الأدلة المذكورة و الممنوع منه في كلامهم إنما هو الأول دون الثاني لوضوح رجوعهم إلى الأدلة و تحصيل الظن بالأحكام الشرعية و الحكم على سبيل الظن و الاستظهار عن الأدلة غير عزيز في كلام السيد و الشيخ و غيرهما و قد كان الاجتهاد في كلام الأوائل إنما يطلق على تحصيل الحكم بالوجه الأول كما يظهر من ملاحظة كتب الأصول و من ذلك ما اشتهر في مقام دفع بعض الوجوه التخريجية أنه اجتهاد في مقابلة النص و يشير إليه ذكر القياس و الرأي معه و مقابلته بالرجوع إلى النص و التوقيف بل في ظاهر العدة و غيره دلالة على إطلاق الاجتهاد عندهم على خصوص استنباط الحكم بالقياس و قد حملوا الاجتهاد الوارد في حديث معاذ على القياس و جعلوا تلك الرواية دليلا على مشروعية و قد ذكروه في باب القياس و كأنها و ما في معناها مما رووا هي الأصل في إطلاق تلك اللفظة على القياس و الرأي و المراد بالظن الممنوع منه هو مطلق الظن من حيث إنه ظن حيث إن

483

المدارك الشرعية للأحكام المقررة في الشريعة و أمور مضبوطة مقررة عند الشيعة في الجملة مقطوع بها عندهم و لا يجوزون الرجوع إلى مطلق الظن كما جوزه أهل الخلاف و من البين أن الحكم المستفاد مما قام على حجية الأدلة القطعية يكون قطعيا بحسب الشريعة و إن كان مصادفته للواقع ظنية فهم إنما يريدون بالدليل القطعي ما يقطع بوجوب العمل به فإذا كان الدليل قطعيا بحسب العمل كان كغيره من الأدلة المفيدة للقطع بالواقع حسب أن المقصود من الفقه تصحيح العمل دون مجرد الاعتقاد المفروض كون ما يفيد العلم بالواقع و ما تفيد العلم بوجوب العمل مشتركين بالقطع في العمل و معرفة التكليف فلذا صح عد الأدلة المذكورة علمية مفيدة للقطع في مقابلة سائر الأمارات المفيدة للظن و منه يظهر الوجه في عدم تجويزهم للعمل بالظن حيث لم يقم عندهم دليل قطعي على جواز الأخذ به بل قام على خلافه كما بين في محله و في كلام الشيخ في العمدة ما يشير إلى ما ذكرنا حيث إنه دفع استدلال القائلين بالمنع من القياس بالآيات الدالة على المنع من الحكم بغير العلم بأن للمخالف أن يقول ما قلنا بالقياس إلا بالعلم و عن العلم فلم يخالف ظاهر الكتاب و إنما ظننتم علينا أنا نعلق الأحكام بالظنون و ليس نفعل ذلك بل الحكم عندنا معلوم و إن كان الطريق إليها الظن هذا و لا يذهب عليك أن المستفاد من العبارات المذكورة أن عدم جواز العمل بمطلق الظن من الاتفاقيات بين الخاصة و أن القول بجوازه من خواص العامة و ظاهر ذلك يعطي كون الأصل عندهم جواز العمل بالظن إلا ما قام الدليل القاطع أو المنتهي إلى القطع على خلافه كما هو المختار لا ما يدعيه جماعة من متأخري المتأخرين من انقلاب الأصل و كون قضية الأصل حينئذ حجية الظن إلا ما قام الدليل على خلافه فإنه أشبه شيء بمذهب العامة بل عين ما ذهبوا إليه و أما الوجه الأول فهو بعيد جدا عن طريقتهم كما لا يخفى و منه يظهر ضعف ما ذكره المحدث المذكور من كون طريقة المجتهدين موافقة للعامة لا تخالفهم إلا نادرا ثم إن ما ذكره الشيخ من أنه لا يتعدى مضمون الأخبار فهو من الأمور المعلومة عند الشيعة لعدم حجية القياس عندهم و الاستناد إلى منصوص العلة أو مفهوم الموافقة و نحوهما ليس تعديا عن الأخبار كما قرر في محله و مما ذكرنا يظهر الحال في باقي العبارات المنقولة و قد نص المحقق في المعارج بأن الاجتهاد في عرف الفقهاء بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعية قال و بهذا الاعتبار يكون استخراج الأحكام من أدلة الشرع اجتهادا لأنها يبتني على الاعتبارات النظرية ليست مستفادة من ظواهر النصوص في الأكثر سواء كان ذلك الدليل قياسا أو غيره فيكون القياس على هذا التقدير أحد أقسام الاجتهاد فإن قيل يلزم على هذا أن يكون الإمامية من أهل الاجتهاد قلنا الأمر كذلك لكن فيه إيهام من حيث إن القياس من جملة الاجتهاد فإذا استثنى القياس كنا من أهل الاجتهاد في تحصيل الأحكام بالطرق النظرية التي ليس أحدها القياس انتهى و الحاصل أن اختيار كثير من هؤلاء كالسيد و الشيخ و ابن إدريس و المحقق و أضرابهم بطريقة المجتهدين أمر ظاهر جلي معلوم من ملاحظة كتبهم في الاستدلال و اعتمادهم على الإجماع و استنادهم إليه في كثير من المسائل مما لا مجال لإنكاره كما ينادي به ملاحظة كتبهم و كذا الحال في اعتمادهم على كثير من المطالب المقررة في الأصول كما يظهر من الرجوع إلى كيفية استدلالهم في المسائل الفقهية و من ملاحظة ما قرره السيد في الذريعة و الشيخ و العدة و المحقق في المعارج بأن للعامي تقليد العالم و الأخذ بقوله و حكي بالإجماع عليه و بالجملة أن اختيار هؤلاء طريقة المجتهدين أمر واضح يكاد يلحق بالضروريات فالاستناد إلى ما يوهمه العبارات المذكورة لدفعهم طريقة الاجتهاد و اختيارهم مذهب الأخباريين من العجائب و حيث إنهم لم يقرروا خلافا بين الشيعة في الطريقة على حسبما وقع الاختلاف فيه بين المتأخرين و لا أشاروا إلى ذلك في شيء من كتبهم الأصولية كالذريعة و العدة و الغنية و المعارج و كتب العلامة و غيرها دل ذلك على انتفاء الخلاف في ذلك و إن اختلفوا في بعض الخصوصيات حسب ما بينوا كلا منها في محله فما ذهب إليه الأخبارية من متأخري علمائنا من حرمة العمل بالأدلة الظنية مطلقا و وجوب تحصيل العلم بالأحكام و انفتاح سبيله على المكلفين في المسائل الشرعية و المنع من التقليد بالمرة الظاهر أنه مذهب جديد لم يذهب إليه أحد من علمائنا المتقدمين قد أحدثه مولانا محمد أمين الأسترآبادي لزعمه أنه مذهب

قدمائنا أخذا بما يوهمه بعض إطلاقاتهم من غير إمعان النظر فيما حاولوا من ذلك و لشبهات عرضت له قد عجز عن حلها و زعم أنها أدلة على الطريقة التي سلكها و سنشير إليها و نوضح القول بفسادها إن شاء الله كيف و لو كان ذلك مذهبها معروفا بين علماء الشيعة لذكروه في كتب الأصولية و أشاروا إلى من خالف فيه فإن قلت إن علماء الشيعة قد كانوا من قديم الزمان على صنفين من إخباري و أصولي كما أشار إليه العلامة في النهاية و غيره قلت إنه و إن كان المتقدمون من علمائنا أيضا على صنفين و كان فيهم أخبارية يعملون بمتون الأخبار إلا أنه لم يكن طريقتهم ما زعمه هؤلاء بل لم يكن الاختلاف بينهم و بين الأصولية إلا في سعة الباع في التفريعات الفقهية و قوة النظر في تقرير القواعد الكلية و الاقتدار على تفريع الفروع عليها فقد كانت طائفة منهم أرباب النصوص و رواة الأخبار و لم يكن طريقتهم التعدي عن مضامين الروايات و موارد النصوص بل كانوا يفتون غالبا على طبق ما يروون و يحكمون على وفق متون الأخبار و في المسائل المتعلقة بالفروع و الأصول و لم يكن كثير منهم من أهل النظر و التعمق في المسائل العلمية ممن له سعة باع في الاقتدار على الاستدلال في المسائل الكلامية و الفروع الفقهية و إن قصدوا ذلك أحيانا عند مسيس الحاجة و هؤلاء لا يتعرضون غالبا للفروع الغير المنصوصة و هم المعروفون بالأخبارية و طائفة منهم أرباب النظر و البحث من المسائل و أصحاب التحقيق و التدقيق في استعلام الأحكام من الدلائل و لهم الاقتدار على تأصيل الأصول و القواعد الكلية عن الأدلة القائمة عليها في الشريعة و التسلط على تفريع الفروع عليها و استخراج أحكامها منها و هم الأصوليون منهم كالعماني و الإسكافي و شيخنا المفيد و سيدنا المرتضى و الشيخ (قدس الله أرواحهم) و غيرهم ممن يحذو حذوهم و أنت إذا تأملت لا تجد فرقا بين الطريقتين إلا من جهة كون هؤلاء أرباب التحقيق في المطالب و أصحاب النظر الدقيق في استنباط المقاصد و تفريع الفروع

484

على القواعد و لذا اتسعت دائرتهم في البحث و النظر و أكثروا من بيان الفروع و المسائل و تعدوا عن متون الأخبار إلى ما يستفاد منها بالفحوى أو بطريق الالتزام أو غيرهما و أولئك المحدثون ليسوا غالبا بتلك القوة من الملكة و ذلك التمكن من الفن فلذا اقتصروا على ظواهر الروايات و لم يتعدوا غالبا عن ظاهر مضامينها و لم يوسعوا الدائرة في التفريعات على القواعد و لذا رأيهم لما كانوا في أوائل انتشار الفقه و ظهور المذهب كان من شأنهم تنقيح أصول الأحكام التي عمدتها الأخبار المأثورة عن العترة الطاهرة فلم يتمكنوا من مزيد إمعان النظر في مضامينها و تكثير الفروع المتفرعة عليها ثم إن ذلك إنما حصلت بتلاحق الأفكار في الأزمنة المتأخرة و لا زالت تتزايد و تتلاحق الأعصار و تتزايد الأفكار هذا و قد ظهر مما ذكرناه أن ما حكاه عن ضرير و أضرابه من اقتصارهم على موارد النصوص مما لا منافاة فيه لما ذكرنا مع ما هناك من البون البعيد بيننا و بين أولئك لكونهم في عصر الإمام (عليه السلام) و عدم احتياجهم في كثير من المسائل إلى الاجتهاد على أنه لا يبعد أن يكون مقصوده بذلك عدم احتياجه في استنباط الأحكام الشرعية إلى القياس و نحوه من التخريجات العقلية الظنية مما لا يستند إلى صاحب الشريعة و يؤيده أنه قد روى الكشي (رحمه الله) عنه و هذا يشير إلى عمله بظاهر الكتاب من دون حاجة إلى ورود رواية في تفسيره و أخذه بما يتفرع عليه من الفروعات و عدم اقتصاره في الأحكام على موارد الأخبار و ظهر أيضا مما بيناه أن تصانيفهم المتعلقة برد الاجتهاد و بيان المنع منه مما لا ربط له بما نحن فيه إذ المقصود هناك على ما عرفته مورد ما عليه العامة العمياء من الرجوع إلى القياس أو غيره من سائر الوجوه التخريجية و الاستحسانات العقلية الغير المستندة إلى صاحب الشريعة و اشتراك ذلك و ما نحن فيه في إطلاق لفظ الاجتهاد عليه لا يوجب سريان المنع إلى الاجتهاد بالمعنى المقصود في المقام و هو واضح و منها نصوص الكتاب الدالة على المنع من الأخذ بالظن و الروايات المتكثرة بل المتواترة الدالة على لزوم الأخذ بالعلم و عدم جواز الحكم بالظن و ما دل على عدم جواز الإفتاء بالرأي مثل قوله اتقوا الله و لا تفتوا الناس بما لا تعلمون و قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) إياك أن تدين الله و تفتي الناس بما لا تعلم و قوله (عليه السلام) إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا و إذا جاءكم ما لا تعلمون فها و وضع يده على فيه و قوله (عليه السلام) رجل قضى بحق و هو لا يعلم فهو في النار و قوله (عليه السلام) من أفتى الناس و هو لا يعلم الناسخ من المنسوخ و المحكم من المتشابه فقد هلك و أهلك و قوله (عليه السلام) من دان الله بالرأي و لم يزل دهره في التباس و قول الباقر (عليه السلام) من أفتى برأيه فقد دان الله بما لا يعلم و قول الصادق (عليه السلام) فيما رواه محمد بن مسلم و قد قال له إن قوما من أصحابنا قد تفقهوا و أصابوا علما و رووا أحاديث فيرد عليهم فيقولون برأيهم فقال لا فقل لهلك من مضى إلا بهذا و أشباهه و قوله (عليه السلام) فيما رواه ابن مسكان من حبيب قال قال لنا أبو عبد الله (عليه السلام) إن الناس سلكوا سبيل شتى فمنهم من أخذ بهواه و منهم من أخذ برأيه و أنكم أخذتم بما له أصل يعني بالكتاب و السنة و قوله (عليه السلام) إياكم و أصحاب الرأي فإنهم أعيتهم السنن أن يحفظوها فقالوا في الحلال و الحرام برأيهم فأحلوا ما حرم الله و قوله (عليه السلام) في أصحاب الرأي استغنوا بجهلهم و تدابيرهم عن علم الله و اكتفوا بذلك دون رسوله و القوام بأمره و قالوا لا شيء إلا ما أدركته عقولنا و عرفته ألبابنا فولاهم الله ما تولوا و أهملهم و خذلهم حتى صاروا عبدة أنفسهم من حيث لا يعلمون و قوله (عليه السلام) إياك أن تفتي الناس برأيك أو تدين بما لا تعلم إلى غير ذلك من الأخبار و المستفاد من هذه الروايات و ما يفيد مفادها عدم جواز الاجتهاد في الأحكام الشرعية و المنع من العمل بالاستنباطات الظنية قال في الفوائد الطوسية إن الأخبار في هذا المعنى قد تجاوزت حد التواتر و قد جمعنا منها في مواضع أخر أكثر من ألف حديث و فيه أما أولا فبأن المراد بالآيات و الروايات الدالة على وجوب الرجوع إلى العلم و عدم جواز الأخذ بالظن هو

عدم الاكتفاء في الحكم و الإفتاء بالظن من حيث إنه ظن و أما بعد الأول إلى العلم و قيام الدليل القاطع على تعيين العمل بالوجوه المقررة أفادت العلم بالواقع أو لم تفد فلا ريب أن الفتوى و العمل إنما يكون حينئذ بالعلم دون غيره فلا تندرج الصورة المفروضة في شيء من الآيات و الروايات المذكورة لعلم المفتي و القائل بكون ذلك هو المقصود منه في الشريعة و المكلف به في حكم الشرع و إن لم يعلم بكون ذلك هو الحكم الأولي و قد أشار إلى ذلك الشيخ في العدة كما مر و الأخبار المانعة عن الفتوى بالرأي إنما يراد بها ما تداولته العامة أو ما بمعناه من الاستحسان و نحوه و أما الرجوع إلى الكتاب و السنة و سائر الأصول المقررة في الشريعة فليس من الرجوع إلى الرأي أصلا و إن لم يستفد منها العلم بالواقع سيما بعد قيام الدليل القاطع على وجوب الأخذ بها كما هو المدعى و أما ثانيا فبأن تلك الروايات و إن سلم كونها متواترة لكن دلالتها على ما ذكر ليست قطعية فلو لم نقل بأن الظاهر منها النهي عن الأخذ بما يعلم تجويز الشارع الأخذ به فلا أقل من احتمال ذلك و لو احتمالا مرجوحا و كذا يحتمل ورود التقييد على تلك الإطلاقات فلا يزيد مفادها على الظن ففي الاستناد على المدعى إبطال لأصل الدعوى و أما ثالثا فبأنه لو سلم دلالتها على ذلك و جواز الاستناد إليها فيما ذكر فلا مانع من ورود التقييد عليها بعد ثبوت المقيد و من البين أن القائل بحجية الظنون الخاصة أو مطلق المظنة حين انسداد سبيل العلم فإنما يقول به بدليل قطعي لما عرفت من عدم حجية الظن من حيث إنه ظن من غير خلاف ظاهر فيه و ظاهر أنه بعد ثبوته بالدليل لا وجه للاستناد إلى الإطلاق و منها ما دل عليه الأخبار المتواترة بل ضرورة دين الإسلام من أن حلال محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة فإن ذلك ينافي الأخذ بالأدلة الظنية ضرورة أن الظن مما يتغير و يتبدل و حرام الله و حلاله مما لا تغيير فيه و لا تبديل و قد قرر بعضهم هذا الوجه بهذه الصورة و هي أن كل حكم اجتهادي قابل للتغيير مناف للشريعة الإسلامية الأبدية فينتج أن كل حكم اجتهادي مخالف للشريعة الإسلامية و وهنه واضح أما أولا فبأنه منقوض بما يحكم الأخباريون لجواز الرجوع عن الحكم بالنسبة إليهم أيضا كما إذا عملوا بالعموم ثم عثروا بعد ذلك على خبر يخصصه أو فهموا أولا من الخبر

485

حكما ثم عدلوا عن فهمهم و إن كان إمكان ذلك في شأنهم مكابرة ظاهرة و حينئذ فنقول إن حكم الأخباري قابل للتغيير إلى آخر ما ذكر و أما ثانيا فبأنه لو تم فإنما يتم لو قلنا بكون ما يفيده الظن هو حكم الله الواقعي ليكون الأخذ به مطلوبا من حيث كشفه عن الواقع و كونه طريقا إليه ليكون حكما ظاهريا كما هو المذهب عندنا فلا إذ تغيير الأحكام الظاهرة غير عزيز في الشريعة و قد اتفق عليه الفريقان كما إذا وجد شيئا في أسواق المسلمين فحكم بحله ثم علم بعد ذلك كونه حراما لو أخذ لحما من يد مسلم ثم علم كونه لحم خنزير أو ميتة فإن حكمه بالحل أولا حكم ظاهري قد انكشف بعد ذلك خلافه و لو جعل كلا من الحل و الحرمة المتعلقين بالموضوع الواحد حكما واقعيا في المقام فمع وضوح فساده يجري الدليل المذكور بالنسبة إليه أيضا فلا بد من الالتزام بفساده و القول بعدم جواز الأخذ بأحد الحكمين المذكورين و هو واضح الفساد فظهر أنه لا دلالة لابدية الأحكام على عدم جواز الأخذ بالاجتهاد القابل للتغيير إذ لا يتوهم أحد نسخ الحكم بعد رجوع المجتهد عنه حتى يلزم انقطاع الحكم و خروجه عن التأبيد بل ليس اختلاف الحكم من جهة الاختلاف في الاجتهاد و الرجوع عن الحكم الأول إلا ظاهريا كالاختلاف الحاصل في الحكم المتعلق بالموضوع الواحد من جهة انكشاف خلاف ما يثبت أولا كما عرفت في المثال المذكور فكما يحكم هناك بالحل في وقت و بالحرمة في وقت آخر مع كون الحكم الواقعي المتعلق بذلك الموضوع المعين شيئا واحدا لا يختلف بحسب اختلاف العلم و الجهل به فكذا في المقام و كما أن ذلك لا يقضي بانقطاع حكم الشريعة و خروجه عن التأبيد فكذا الحال في محل الكلام و أما ثالثا فبأنه إن أراد بقوله كل حكم اجتهادي قابل للتغيير بالنسبة إلى الموضوع المفروض حينئذ مع جميع خصوصياته فممنوع ضرورة أنه ما دام المجتهد باقيا على حاله الأول لا يمكن تغيير ذلك الحكم في بيانه أصلا و إن أراد أنه قابل للتغيير في الجملة و لو بسبب تغير حاله كأن يصير ظانا بخلاف ما ظنه أولا فممنوع و لا مانع منه ضرورة أن أبدية الأحكام لا تقضي بعدم اختلافها بحسب اختلاف أحوال المكلفين كيف و اختلاف صلاة الحاضر و المسافر و الصحيح و المريض و القادر و العاجز من الضروريات و لا منافاة فيه لابدية الأحكام الثابتة بالضرورة أصلا فكذا الحال في المقام و رابعا فبأنه إن أراد بكون كل حكم اجتهادي قابلًا للتغيير أن ما يحكم به المجتهدون من الأحكام قابل للتغيير فهو ممنوع بل فاسد لأن ما يدركه من الأحكام غير قابل للتغيير عما هو عليه فإنه إن كان ما أدركه مطابقا للواقع لم يكن قابلًا للتغيير عما هو عليه و إن أدرك بعد ذلك خلافه غاية الأمر أن يكون معذورا في خطائه فيه ثانيا و إن كان غير مطابق للواقع فكذلك أيضا غاية الأمر أن يكون معذورا في خطائه فيه أولا و إن أريد به أن نفس حكمه و إدراكه قابل للتغيير بأن يدرك ثانيا خلاف ما أدركه أولا فيزول إدراكه الأول و يخلفه الثاني فممنوع و لا يلزم من ذلك أن يكون إدراكه مطلقا منافيا للشريعة الأبدية كما هو القضية الكلية المدعاة إذ قبول الإدراك للتغيير إنما يقضي بعدم الملازمة بينه و بين إصابة الواقع لأنه لا يكون مصيبا للواقع مطلقا فأقصى ما يلزم من الدليل المذكور أن ظنون المجتهدين قد تصيب الواقع و قد تخطيه و هذا مما اتفق عليه أصحابنا و اتفقوا مع ذلك على وجوب العمل بظنه إذ لا منافاة بين عدم إصابة الظن للواقع و وجوب العمل بمؤداه كما هو الحال في سائر الطرق المقررة في الشريعة فلا تغفل و منها أن الدليل الدال على وجوب عصمة الإمام (عليه السلام) قاضٍ بعدم جواز الرجوع إلى الظن فإنهم قالوا باعتبار العصمة في الإمام (عليه السلام) من جهة حصول الاعتماد بقوله على قوله و الوثوق بما يؤدّيه فقضية ذلك أن لا يجب اتباع ما لا يقطع مصادفته للواقع و يحتمل فيه انتفاء الإصابة نظرا إلى العلة المذكورة فكما أن جعل الإمام حجة يقضي بعصمته فيكون كلامه مفيدا للقطع و حجة قاطعة للعذر في الكشف عن الواقع كذا كون سائر الوجوه و الأدلة حجة على المكلف يتوقف على كونها مفيدة للقطع كاشفة عن الواقع ليكون قاطعة لعذر المكلف و من البين أن رأي المجتهد مما لا وثوق بكشفه عن الواقع بالنسبة إلى المجتهد نفسه فكيف لغيره و فيه أولا أن ذلك منقوض بما يذهب إليه الأخبارية من جواز رجوع

الجاهل إلى العالم و البصير بالأخبار و كذا اعتماد العالم بقول الثقة و من البين أن قول الواحد لا يفيد العلم بالواقع لو فرضنا حصول العلم بوثاقته بالمعاشرة الباطنة الموصلة إلى درجة اليقين بالعدالة مع أنه في كمال القدرة لعدم بلوغه بذلك إلى درجة العصمة كيف و لو لا كذلك لاكتفي بذلك في الإمام أيضا فكيف مع الاكتفاء فيها بحسن الظاهر كما هو المذهب إذ لا يقطع معه بحصول العدالة فضلا عن القطع بمطابقة ما يحكيه للواقع فلو تم ما ذكروه لقضي باعتبار العصمة في الوسائط التي بين المكلف و بين الأنام في زمان الحضور في أزمنة الغيبة مضافا إلى أن القواعد المقررة في الشريعة لاستكشاف أحكام الموضوعات كأصالة طهارة الماء و أصالة صحة فعل المسلم و قبول إخبار ذي اليد و نحوها لا يفيد قطعا بالواقع مع أن الشارع حكم بجواز الرجوع إليها اتفاقا من الفريقين بل إجماعا من المسلمين و كذا الحال في استصحاب حكم العموم إلى أن يأتي المخصص و استصحاب الحكم الثابت إلى أن يثبت نسخه و لو قيل بحصول القطع هناك بتجويز الشرع فهو بعينه جاز في المقام إذ القائلون بحجية الظن إنما يقولون به لقيام الدليل القاطع عليه لا بمجرد كونه ظنا و ثانيا بالفرق الظاهر بين الإمام و المجتهد فإن الإمام (عليه السلام) أمين الله على كافة الأنام و له الرئاسة العامة و وجوب الطاعة على الخاص و العام و هو مرجع الجميع في استفادة الأحكام و مع ذلك لا يستند في العلم بها إلى الأسباب الظاهرة و من البين أن مجرد العدالة غير كاف في اطمئنان النفس بمثل ذلك إذ لا تطمئن بقول العدل إذا ادعى شيئا خارجا عن المعتاد خارقا للعادة الجارية بين الناس بل يتسارع الظنون إليه بالتهمة نعم لو دل الدليل على عصمته كان قوله برهانا قاطعاً لا مجال لإنكاره فالفرق بينه و بين المجتهد ظاهر من وجوه شتى فاعتبار العصمة فيه لا يقضي باعتبارها في المجتهد الذي هو بمنزلة الراوي عنهم (عليهم السلام) و لا يكون السبيل الذي يستنبطه ذلك المجتهد قطعيا بعد القطع بوجوب العمل بمؤداه و منها أن فتح سبيل العلم على المكلفين و تكليفهم بالعلم بالأحكام من اللطف فيجب أن يكون حاصلا لوجوب اللطف على الله تعالى أما الصغرى فلما فيه من تعويل العبد إلى الطاعة و إبعاده عن المعصية ما ليس في الظن لوضوح أن اليقين ادعي إلى تحصيل

486

الامتثال من الظن و أما الكبرى فظاهرة و الجواب عنه أما أولا فبأن العلم و الظن مشتركان فيما ذكر إذا كان الظن منتهيا إلى اليقين كما هو المفروض في المقام لظهور كون المكلف في مقام العمل عالما بالتكليف قاطعاً به نعم لو قيل بابتناء التكليف على الظن من حيث إنه ظن لربما أمكن التمسك في دفعه بما ذكر فظهر فساد ما قد يقال إنه مع كون المسألة ظنية لا كون على ترتب الثواب أو العقاب ليكون ذلك داعيا إلى الإقدام و الإحجام نظرا إلى وضوح ترتب الثواب أو العقاب على مخالفة الأحكام الظاهرية لقيامها مقام الواقعية بل قد يقال بإناطة الثواب و العقاب مدار التكليف الظاهري سواء طابق الواقع أو لا و إن أمكن القول باختلاف الثواب و العقاب مع المطابقة و عدمها و ذلك لا يستلزم التصويب كما لا يخفى و أما ثانيا فبالمنع من كلية الكبرى إذ ليس كل لطف واجبا عليه تعالى كيف و ظهور الإمام (عليه السلام) من اللطف على الوجه المذكور قطعا و دفع أهل الفساد المانعين من تمكنه من اللطف كذلك فيكون واجبا عليه تعالى مع أن المعلوم خلافه فلا مانع من أن يكون البناء على الظن في أزمنة الغيبة و انقطاع اليد عن الرجوع إلى الأئمة (عليهم السلام) من قبيل ذلك بل يمكن أن يكون ذلك من فروعه حيث إن انسداد سبيل العلم إنما جاء من جهة غيبة الإمام (عليه السلام) و خفاء طرق الأحكام فيكون الأمران من قبيل واحد مضافا إلى أن كون التكليف بالعلم لطفا محل منع بل قد يقال بأن عدم إلزام المكلفين بتحصيل اليقين في خصوصيات التكاليف هو اللطف لما في إناطة التكليف بخصوص العلم بالأحكام من الحرج التام و لذا اكتفي الشارع في زمانه عن المكلفين الأخذ بعدة من الطرق الظنية مع انفتاح سبيل العلم حينئذ كما أشرنا إليه في محله و منها أن الظن مداركه مختلفة غير جارية على وجوه منضبطة فلا يكون الأحكام المبتنية عليها جارية على قانون واحد بل يختلف جدا بحسب اختلاف الآراء و مثل ذلك لا يصلح أن يكون مدارا للتكليف سيما بالنسبة إلى عامة الأنام إلى قيام القيام و يوهنه أن ذلك لو تم فإنما يتم لو قلنا بكون المرجع هو مطلق الظن من أي طريق و أما إذا قلنا بكون المناط هو الأخذ بظنيات خاصة و التمسك بقواعد مخصوصة منضبطة كما هو المختار فلا مضافا إلى أن ذلك وجه استحساني لا يصلح حجة لتأسيس حكم شرعي و أي مانع من اختلاف التكاليف في ظاهر الشريعة على اختلاف الظنون و إن كان الحكم الواقعي أمرا واحدا و منها أنه يتفرع على بناء التكاليف على الظنون وجوه من الفساد من إثارة الفتن و إقامة الحروب و سفك الدماء و نحوها فلا يقع التكليف به من الحكيم كيف و ذلك من شبهات العامة في الاعتذار عما صدر من سلفهم من وجوه الفساد في الإسلام من إثارة الحروب و سفك الدماء و هتك الأعراض و نهب الأموال و غيرها و يدفعه أن الأخذ بالطرق الظنية الشرعية على الوجه المعتبر في الشريعة لا يفضي إلى شيء من ذلك بل نقول إنها في الانضباط ليست دون الوجوه العلمية و جعل الاجتهاد فساد الشرعي عذرا لإقدام أولئك على الفساد لا يقضي بفساد الرجوع إلى الاجتهاد مع وضوح فساد دعواهم في ذلك الاستناد كيف و ربما يعتذرون لهم بقطع كل منهم بشرعية ما يأتي به من الفساد مضافا إلى اتفاق الفريقين على جواز العمل بالظن في الجملة بالنظر إلى الموضوعات و إثارة الفتن و إقامة الحروب و نحوها إنما يتفرع في الغالب على ذلك دون نفس الأحكام الشرعية و اعتذار العامة عن سلفهم إنما هو بالنظر بالنسبة إلى ذلك غالبا فلو تم ذلك لقضي بعدم جواز الرجوع إلى الظن في ذلك و لا قائل به و منها أن الاجتهاد أمر خفي لابتنائه على الاستنباطات الخفية و على الملكة التي يقتدر بها على استنباط حكم المسألة و هي أيضا من الأمور الخفية النفسية فلا يمكن أن يكون مناط الأحكام الشرعية سيما بالنسبة إلى جميع الأمة و وهنه واضح إذ لا خفاء في شيء من ذلك عند المجتهد و العامي ليس وظيفته الرجوع إلى الأدلة فلا ربط لخفاء وجوه الاستنباط لذلك و علمه بكونه من يقلده بالغا درجة الاجتهاد يحصل بالرجوع إلى أهل الخبرة أو بغيره مما يجيء الإشارة إليه فنفس الملكة و إن لم تكن ظاهرة إلا أن الطريق أمر ظاهر كما هو الحال في العدالة و غيرها من الملكات مضافا إلى جريان ذلك على طريقة الأخباريين أيضا إذ لا بد عند المحققين منهم في الرجوع إلى الأدلة الشرعية من

الاقتدار على فهم الأخبار و الجمع بينها و التمكن من رد الفروع إلى الأصول و ذلك أيضا من الأمور النفسية الغير الظاهرة فلو كان ذلك مانعا لجرى في كل من الطريقين

المسألة الثانية أنهم اختلفوا في وجوب تجديد النظر على المجتهد عند تجدد الواقعة

التي اجتهد في حكمها و جواز بقائه على مقتضى اجتهاده الأول إلى أن ينساه أو يتغير رأيه عنه فيجوز له الإفتاء باجتهاده السابق في الوقائع المتأخرة من غير حاجة إلى اجتهاد آخر على أقوال ثالثها التفصيل بين نسيان دليل المسألة و عدمه فيجب عليه تجديد الاجتهاد في الأول دون الثاني ذهب إليه المحقق و السيد العميدي و حكى القول به عن الإمام و الآمدي و عزاه في النهاية إلى قوم و قال العلامة في قواعده إنه تفصيل حسن يقرب من قواعدهم الفقهية رابعها التفصيل بين ما إذا قربت قوته في الاستنباط لكثرة الممارسة و الاطلاع على وجوه الأدلة و عدمها فيجب على الأول دون الثاني و قد نفي عنه البعد في الزبدة و مال إليها فاضل الجواد في شرحها و المحكي عليه الشهرة بين الأصوليين من أصحابنا و العامة هو القول بعدم وجوب تجديد النظر مطلقا و قد احتجوا عليه بوجوه أحدها استصحاب الحكم الثابت بالاجتهاد الأول ثانيها حصول ما وجب عليه من الاجتهاد بالمرة الأولى نظرا إلى تعلق الوجوب بالطبيعة و حصول الطبيعة بالمرة و وجوب الإتيان مرة أخرى يحتاج إلى قيام دليل عليه عدا ما دل على وجوب أصل الاجتهاد و حيث لم يقم دليل آخر عليه قضى ذلك بالاجتزاء بالمرة الأولى و غاية ما يتخيل احتمال وجوب التجديد إمكان اطلاعه على ما لم يطلع عليه في الاجتهاد السابق و هو مع عدم قيام دليل على نفسه من الحكم مدفوع بالأصل على أنه لو كان مانعا بالحكم لجرى بالنسبة إلى الموانعة مع أنه لا يجب تكرار النظر بالنظر إليه بالاتفاق ثالثها أن القول بوجوب تجديد النظر موجب للعسر العظيم و الحرج الشديد المنفي في الشريعة نظرا إلى شيوع تكرار الوقائع سيما فيما يعم به البلوى فوجوب تكرر الاجتهاد بحسبها باعث على ما ذكرنا رابعها جريان السيرة المستمرة على عدم وجوب التكرار و لذا لو سئل مجتهد عن المسألة التي اجتهد فيها مرات عديدة لم يتوقف عن الإفتاء في غير المرة الأولى بل بقي آخرا بما ذهب إليه أولا من غير تأمل أصلا و ربما يستدل له أيضا بإطلاق ما دل على حجية كل من الأدلة الشرعية فإن قضية ما دل على ذلك هو جواز الرجوع إلى كل منها و الأخذ بما يدل

487

عليه من غير حاجة إلى البحث عما يعارضه خرج عن ذلك ما إذا كان الرجوع إليه قبل البحث من الأدلة و الاجتهاد في تحصيل حكم المسألة نظرا إلى ما دل على وجوب استفراغ الوسع في ملاحظة الأدلة فبقي غير تلك الصّورة مندرجا تحت الأدلة المذكورة فلا يجب الاجتهاد ثانيا و إن زاده القوة أو نسي ما لاحظه من تفصيل الأدلة و أنت خبير بوهن ذلك لعدم انطباقه على المدعى فإن أقصى ما يدل على الاكتفاء حينئذ في الاستدلال بمجرد الرجوع إلى أخذ الأدلة المذكورة من غير حاجة إلى البحث عما يعارضها و أين ذلك عن المدعى على أن الظاهر قيام الإجماع على وجوب البحث عن المعارض على فرض الاستدلال بتلك الأدلة و الأخذ بها و على القول بعدم وجوب تجديد النظر لا حاجة إلى الرجوع إلى أحد الأدلة المذكورة أيضا مضافا إلى أن ذلك لا يوافق القول بحجية الظنون الخاصة حيث إنه أقيم الدليل حينئذ على حجية كل واحد منها و أما على القول بحجية مطلق الظن فإنما قام الدليل على الرجوع إلى الظن بعد بذل الوسع و الاجتهاد في تحصيل الأدلة فحينئذ يبقى الكلام في اعتبار الإتيان بالاجتهاد المذكور بالنسبة إلى كل واقعة أو يكتفي باجتهاد واحد للجميع و ليس هناك ما يدل على الثاني لو لم نقم باقتضائه الوجه الأول فتأمل هذا و يرد على الأول بأن الاستصحاب إنما يكون حجة عند عدم قيام دليل شرعي و لو ظاهر عموم أو إطلاق على خلافه فلذا لا يقاوم الاستصحاب شيئا من الظواهر و الإطلاقات و حينئذ فنقول إن قضية العمومات و الإطلاقات الدالة على عدم جواز الأخذ بالظن هو عدم جواز الرجوع إليه و العمل به في شيء من الأحوال و الأزمان خرج ذلك عن ظن المجتهد المطلق بالنسبة إلى الإفتاء الحاصل عقيب الاجتهاد و أما العمل به بعد الحكم الأول فمما لا إجماع عليه و قضية تلك الإطلاقات هو المنع من الأخذ به و الحكم ثابتا بمقتضاه فلا يصح الخروج عن مقتضاه بما ذكر من الاستصحاب و يمكن دفعه بأن قضية تلك الإطلاقات عدم حجية الظن من حيث هو مع عدم قيام دليل شرعي قاطع على جواز الرجوع إليه لوضوح أنه مع قيام الدليل عليه يكون الاتكال على العلم دون الظن كما مرت الإشارة إليه فإذا قضى الاستصحاب بجواز الرجوع إليه كفي في المقام إذ لا معارضة إذن بينه و بين تلك الإطلاقات حيث إنها لم تدل إلا على عدم جواز الرجوع إلى كل ظن لم يقم دليل على عدم حجيته فبعد قضاء الدليل بحجية الاستصحاب و قضاء الاستصحاب بحجية الظن المذكور و لا يكون الاتكال في المقام على الظن بل على الدليل القاطع الذي ينتهي إليه الظن المذكور فهذا غاية ما يوجه به التمسك بالاستصحاب في المقام و فيه تأمل و على الثاني أن جواز الحكم و الإفتاء بمجرد الظن على خلاف الأصل خرج عنه ما إذا وقع ذلك عقيبه بالاجتهاد لقيام الإجماع عليه فيبقى غيره تحت قاعدة المنع إذ لا دليل على جواز الحكم حينئذ عند تجدد الواقعة من غير تجدد النظر و على الثاني أنه إن سلم فإنما ينفي وجوب تجديد النظر مطلقا دون القول بالتفصيل و مثله يرد على الرابع أيضا لعدم وضوح قيام السيرة مع نسيان دليل المسألة أو زيادة القوة زيادة ظاهرة يحتمل بسببها عثورها على دليل آخر أو استدراك وجه آخر للاستنباط حجة القول بوجوب تجديد النظر مطلقا أنه يحتمل حينئذ تغير اجتهاده بعد تجديد نظره كما يتفق في كثير من المسائل الظنية و مع الاحتمال المذكور لا بقاء الظن فلا بد ثانيا من استكشاف الحال لدفع هذا الاحتمال و دفعه أولا النقض لقيام الاحتمال المذكور قبل إفتائه في الواقعة الأولى أيضا فلو صح ما ذكر لزم تكرر النظر بالنسبة إليها أيضا و هو باطل اتفاقا كما نص عليه العضدي و هو الظاهر من ملاحظة كلماتهم و ثانيا بالمنع من كون قيام الاحتمال المذكور مانعا من حصول الظن و هو ظاهر جدا قلت و يمكن الاحتجاج للقول المذكور بالإطلاقات المانعة عن العمل بالظن حسبما عرفت بيانه و حينئذ يتوقف دفعه على إثبات الجواز بالدليل فالقاعدة إذن قاضية بوجوب تجديد النظر إلى أن يثبت خلافه حجة القول الثالث العمومات الدالة على المنع من الأخذ بالظن خرج عنه صورة تذكر الدليل لما دل على حجية ذلك الدليل و وجوب الأخذ بمقتضاه فيبقى الباقي تحت دليل المنع و أيضا من لم يذكر دليل المسألة لم يكن حكمه فيها مستندا إلى الدليل فيكون محظورا لوضوح حرمة الحكم من غير دليل و يرد على الأول أنه إن سلم قيام الدليل على حجية الأدلة التي استند إليها

في الحكم للواقعة الأولى بالنسبة إلى سائر الوقائع أيضا كان ذلك الاجتهاد كافيا في الحكم للجميع من غير حاجة إلى تجديد الاجتهاد و لا فرق حينئذ بين نسيان الدليل و تذكره إذ المفروض خصوصية الدليل و أما كون الحكم مستندا إلى الحجة الشرعية فالمفروض علمه به و هو كاف في جواز الأخذ به و إن قلنا بأن القدر الثابت حجية تلك الأدلة نظرا إلى تلك الملاحظة بالنسبة إلى حكم الواقعة الأولى دون غيرها فلا فرق أيضا في عدم جواز الاستناد إليه بين تذكر الدليل على سبيل التفصيل و عدمه و على الثاني أنه إنما يتم إذا لم يذكر استناد الحكم إلى الدليل بأن احتمل عدم استناده إلى الدليل رأسا و أما إذا علم استناده إلى الدليل إجمالا لكن لم يذكر تفصيل الدليل كما هو المفروض في المقام فليس الحكم به حكما بغير دليل لوضوح كونه حينئذ حاصلا عن الدليل مستندا إليه و إن لم يذكر حين الحكم دليله كيف و لو كان ذلك مانعا عن الحكم لكان نسيان تفصيل الدليل قبل حكمه في الواقعة الأولى مانعا عن الاعتماد عليه بالنسبة إليها أيضا و لا قائل به ظاهرا حجة القول الرابع أن مزيد القوة بكثرة الاطلاع و الممارسة و الاقتدار على استنباط وجوه الدلالة قاضٍ بقوة احتمال اطلاعه على ما لم يطلع عليه في المرة الأولى فلا يبقى له ظن بصحة ما حكم به أولا و يمكن أن يستدل له أيضا بأن ظن صاحب القوة القوية أقرب إلى إصابة الواقع من غيره و لذا قدم تقليد الأفضل على تقليد المفضول فيكون ظنه الحاصل من الاجتهاد الثاني هو المنع بالنسبة إليه دون ظنه الأول فلا بد لتحصيله من تجديد الاجتهاد له و يرد على الأول أن مجرد مزيد القوة لا يقضي بذلك كيف و من البين عدم اختلاف الحال في الحكم في كثير من المسائل زيادة القوة و نقصها بل ربما يقطع المجتهد مع زيادة القوة بعدم اختلاف فهمه للحكم سيما إذا تذكر تفصيل الأدلة فلا حاجة إلى المراجعة الجديدة و منه يظهر الجواب عن الوجه الثاني لاختلاف المسائل في ذلك فلا يتم إطلاق القول بوجوب تجديد النظر مع زيادة القوة و الذي يقتضيه التحقيق في المقام أن يقال إن الإفتاء الثاني إما أن يكون عقيب الأول من غير نزاع منه أو مع التراخي مع استحضاره لدليل المسألة و

488

استقصائه فيه بحيث يعلم عدم تغيير رأيه مع تجديد النظر كما يتفق في كثير من المسائل أو عدمه بأن يكون تأسيا للدليل أو يحتمل تجديد رأيه بتجدد النظر فإن كان الإفتاء الثاني عقيب الأول الحاصل عقيب الاجتهاد في المسألة فالظاهر أنه لا مجال للتأمل في عدم توقفه على النظر الجديد إذ المفروض وقوع الإفتاء المذكور عقيب النظر و الاجتهاد و إن سبقه الإفتاء الأول إذ لا يعقل مانع من تعاقب فتاوي جديدة لاجتهاد واحد و كذا لو كان مستحضرا للدليل على سبيل التفصيل قاطعاً بعدم انقلاب رأيه بالنظر الجديد و كأنه مما لا ينبغي الخلاف فيه و لا يبعد جريان ذلك فيما إذا قطع بعدم انقلاب رأيه بتجديد الاجتهاد و لو لم يكن مستحضرا للدليل و إن عثر على معارض للدليل الذي اعتمد عليه أوله بعض الوجوه الدافعة لاستدلاله و نحو ذلك لظاهر أنه لا تأمل في وجوب تجديد النظر و ملاحظة الراجح سيما إذا تراخى إفتاؤه الاجتهاد و لو بالنظر إلى الواقعة الأولى لوجوب بذل الوسع على المجتهد و عدم عثوره أولا على المدعى إنما يصح حكمه في تلك الحال دون الحالة الثانية فلا يصح له الحكم قبل إمعان النظر فيه ثانيا و قد نبه عليه بعض الأفاضل و كأنه مما لا خلاف فيه أيضا و إن تراخى إفتاؤه عن النظر الأول من غير أن يعرض له ما يعارض دليله على المسألة و احتمل عدوله عن الحكم بعد تجديد النظر ففي وجوبه حينئذ للواقعة الثانية لوجوه المذكورة أجودها القول بعدم الوجوب و يدل عليه بعد الاستصحاب بالتقريب المذكور المعتضد بالشهرة كما نص عليه بعضهم أنه لا كلام ظاهرا في جواز جريان المقلد على تقليد المجتهد ما لم يعلم رجوعه من الحكم و هو لا يتم إلا مع حجية ظنه بالنسبة إلى الوقائع المتأخرة من غير اختصاص لها بالواقعة الأولى و الأزمنة المقاربة لزمان اجتهاده إذ لو كان طول المدة باعثا على عدم اعتماد المجتهد على ظنه الأول و لزمه تجديد النظر و الاجتهاد ثانيا للواقعة المتأخرة كان عدم اعتماد المقلد على فتواه أولى لظهور كون رجوعه إلى ظن المجتهد فرع حجية قول المجتهد فلو لم يجز له البناء على ظنه السابق و لم يكن ذلك الظن حجة في شأنه فوجب عليه تجديد النظر لم يجز لمقلده البناء على فتواه السابق و وجب عليه الرجوع ثانيا لاستعلام ما يؤدي إليه نظره الثاني و لم نقف إلى الآن على من أوجب عليه ذلك و قال بعدم معنى الاجتهاد الأول في شأنه بعد طول المدة بالنسبة إلى الوقائع المتأخرة بل ظاهر كلامهم الإطباق على جواز الجري على ذلك إلى أن يعلم رجوع المجتهد عنه نعم فرق بعض العامة في المقام فرجح وجوب تجديد السؤال عند تجدد الواقعة إذا علم استناد المجيب إلى الرأي و القياس أو شك فيه و كان المقلد حيا و قطع بعدم الوجوب في غيره و هو وجه ضعيف مبني على أصولهم و أيضا الظاهر إطباقهم على جواز حكاية المقلد فتاوي المجتهد لسائر المقلدين و جواز أخذهم بذلك مع وثاقة الواسطة و لو بعد طول المدة و لا يتم ذلك إلا مع حجية ظنه بالنسبة إلى الوقائع المتأخرة و يؤيده ما مر من لزوم العسر و الحرج و القول بالفرق بين نسيانه دليل المسألة و تذكره لها مما لا يظهر له وجه يعتمد عليه كما عرفت و كذا القول في التفصيل الآخر نعم لو كان الأمر بحيث يرتفع منه وثوق المجتهد بما أفتى به و أوجب تزلزله في المسألة فلا يبعد القول بوجوب تكرار النظر ليحصل الوثوق و الاطمئنان و الظاهر جريان ذلك بالنسبة إلى فتواه الأول أيضا إذا تخلل فصل بينه و بين زمان الاجتهاد مع خروجه عن محل البحث على ما هو ظاهر عناوينهم و الحاصل أنه مع بقاء اطمئنان المجتهد بما ظنه و وثوقه بكونه مقتضى الأدلة الشرعية لا ينبغي الإشكال في عدم وجوب تجديد النظر و أما انتفاء وثوقه إما لعدم اعتماده على نظره السابق أو لاحتمال عثوره على ما لم يعثر عليه أولا من المدارك بحيث يضطرب و يتزلزل في كون ما أدركه هو مقتضى الأدلة فلا يبعد حينئذ وجوب التجديد سيما إذا لم يبق له ظن بالحكم فإن قلنا بخروج هذه الصور عن محل البحث بناء على أن النزاع فيما إذا بقي ظن المجتهد و على الصفة التي يطلب حين الاجتهاد بأن يطمئن كون ذلك مقتضى الأدلة و يحسن من نفسه العجز عن تحصيل غيره لو فرض كونه حكم الله بحسب الواقع كان ذلك اختيارا لما هو المشهور و إلا كان تفصيلا آخر و لا مانع من عدم العثور على من ذهب إليه

إذ لا إجماع على خلافه هذا و ربما يتخرج على هذه المسألة الاجتهاد المتعلق بالموضوعات فهل يجب التكرار هناك بتكرر الحاجة أو لا كما إذا اجتهد في طلب القبلة لصلاة فحضرت أخرى أو طلب الماء للتيمم مرة فأحدث ثم أراد أن يتيمم أخرى أو زكى الشاهد عند الحاكم لقبول شهادته في واقعة أخرى و نحو ذلك فقد يقال بوجوب التكرار هنا بناء على وجوب التكرار في الاجتهاد المتعلق بالأحكام و عدمه بناء على عدم وجوبه هناك و الأظهر انتفاء الملازمة بين الأمرين و المتبع هو ما يقتضيه الدليل في خصوص كل من تلك المقامات المسألة الثالثة إذا حكم المفتي بشيء ثم عدل عنه وجب عليه الأخذ بمقتضى اجتهاده الثاني سواء كان قاطعاً أو لا بالحكم ثم ظن خلافه أو بالعكس أو كان الحكمان ظنيين مختلفين في القوة أو متفقين و سواء كان أقوى نظرا و أوسع باعا حال اجتهاده الأول و بالعكس أو تساوى حاله في الحالين و كذا الحال بالنسبة إلى من قلده فيه فإنه يجب عليه العدول عن فتواه الأول مطلقا بلا خلاف ظاهر في شيء من المقامين بل قد حكي الإجماع على الأمرين ففي شرح المبادي إذا اجتهد في مسألة فأداه اجتهاده إلى حكم ثم اجتهد في تلك المسألة فأداه اجتهاده إلى غير ذلك الحكم فإنه يجب عليه الرجوع إلى ما أداه اجتهاده ثانيا إليه إجماعا و يجب على المستفتي العمل بما أداه اجتهاده إليه ثانيا و الرجوع عن الأول إجماعا انتهى و ظاهره دعوى الإجماع على تعين أخذ المقلد بفتواه الثاني و هو غير ظاهر إذ بعد رجوعه عن تقليده في حكمه الأول لا دليل على تعين أخذه بالحكم الثاني لجواز رجوعه إلى مجتهد آخر كما هو قضية الأصل و قد ينزل العبادة على تعين أخذه بالفتوى الثاني إن أراد الرجوع إليه إذ الفرض بيان عدم جواز أخذه بفتواه الأول أو بحمل الوجوب على التخييري و كيف كان فالمتعين رجوع المقلد من حكمه الأول و يتخير حينئذ بين الأخذ بفتواه الثاني أو الرجوع إلى غيره على ما كان تكليفه في ذلك قبل تقليده فيه و يظهر من الفقيه الأستاذ (قدس سره) احتمال الفرق بين ما إذا كان عدول المجتهد عن فتواه الأول على سبيل القطع أو الظن فقد قطع في الأول بعدول المقلد عن الأول و أخذه بالثاني و جعل ذلك في الثاني هو الأقوى

489

قال (قدس سره) و إن علم عدوله عن حكم مخصوص بطريق علمي عدل عما كان عليه أولا إلى ما صار إليه أخيرا و إن كان ظنيا كان الأقوى ذلك أيضا و إن لم توجب هنا قضاء ما عمل أولا و لا إعادته و كان الوجه فيه أن كلا من فتواه الأول و الأخير ظني فلا وجه لترجيح الثاني و فيه أنه بعد عدوله عنه يكون حاكما بفساد ظنه الأول فقضية الرجوع إليه ترك الأخذ بحكمه الأول مضافا إلى الاتفاق عليه ظاهرا و قد عرفت إطلاق ما حكي من الإجماع فالوجه المقابل للأقوى ضعيف جدا و هل يجب على المفتي أعلام من قلده برجوعه وجهان بل قولان فظاهر العلامة في غير واحد من كتبه وجوب ذلك و ظاهر المحقق عدمه حيث جعل التعريف أولى و هو الظاهر من السيد العميدي حيث جعله أليق و احتج للأول بأن المقلد إنما عمل في المسألة بقول المفتي و المفروض رجوعه عنه فلو استمر لبقي عاملا بالحكم من غير دليل و لا فتوى مفت و أنه روي عن ابن مسعود أنه كان يقول باشتراط الدخول في تحريم أم الزوجة فلقي أصحاب رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و ذاكرهم فكرهوا فرجع ابن مسعود إلى من أفتاه بذلك قال سألت أصحابي فكرهوا و أنت خبير بأن ما حكي عن ابن مسعود على فرض صحته و دلالته على رجوعه و على كون الإعلام على سبيل الوجوب لا حجة فيه و ما ذكر من لزوم كونه عاملا بالحكم من غير دليل و لا فتوى مفت فمدفوع بأن المفروض كونه أخذا بالحكم عن فتوى المفتي بانيا على استمراره من جهة الاستصحاب المقطوع حجيته في مثل المقام فلا يكون أخذه بالحكم خاليا عن المستند و لذا يحكم بصحة أعماله حجة القول الثاني الأصل السالم عن المعارض لبطلان حجة القائل بالوجوب و لزوم الضيق و الحرج الشديد بناء على وجوب الإعلام سيما مع تشتت المقلدين في البلدان و ظاهر السيرة المستمرة الجارية بين العلماء الإعلام لشيوع تجدد الآراء مع عدم تعرضهم للإعلام مضافا إلى ما في ذلك من سقوط اعتماد العامة على اجتهاد المجتهدين و تنفر طباعهم عما يفتون به من أحكام الدين أقول و توضيح الكلام في المرام مع خروج من خصوص المقام أن يقال إن الرجوع عن الحكم إما أن يكون في الأحكام أو في الموضوعات و على كل حال فإما أن يكون من المجتهد أو من المقلد كما إذا حكى العدل فتوى المجتهد ثم تبين له فساد حكايته أو شهد في خصوص واقعة ثم تبين له خلافه ثم الرجوع إما أن يكون بقطعه بخلاف ما حكم به أو بظنه ذلك أو بتردده ثم إن ذلك إما أن يكون في المسائل القطعية التي لا تكون مورد الاجتهاد أو غيرها من المسائل الاجتهادية و على كل حال فإما أن يعلم بأخذ الغير بقوله و جريه عليه بعد ذلك أو يعلم بعدمه أو لا يعلم شيئا منهما فنقول إن الذي يقتضيه الأصل في جميع ذلك في صورة علمه بعمل الغير به هو وجوب الإعلام مع الإمكان نظرا إلى أن إيقاع المكلف إلى ما يخالف الواقع علما أو ظنا إنما كان من جهته فلا بد من تنبيهه و إرجاعه عن ذلك و جواز عمله بالحال لا يقضي بجواز بقائه على حاله إذ المفروض كون جواز الجري عليه من جهة جهله بالحال و كونه مقدورا من جهته لا لكونه هو المكلف به بحسب الواقع أ لا ترى أنه لا مجال لإنكار وجوب الإعلام في كثير من صور المسألة كما إذا شهد الشاهد عند الحاكم ثم تفطن أن الأمر على خلاف ما شهد به و كذا الحال فيما إذا علم باشتباهه في حكاية قول المجتهد و كذا لو علم المجتهد بفساد حكمه الأول سيما فيما يتعلق بأموال الناس و لو تم ما ذكر لم يجب الإعلام في شيء من الصور المذكورة مع وضوح خلافه نعم لو قلنا بأن كلا من حكمي المجتهد حكم ظاهري تكليفي يجوز الجري عليه في حكم الشرع إلا أن يعلم عنه خلافه فلا يكون العدول باعثا على رجوع المقلد عن الأول في حكم الشرع إلا بعد بلوغه إليه فيكون عدوله حينئذ كعدمه بالنسبة إليه أمكن القول بعدم وجوب الإعلام إلا أن الظاهر خلافه إذ المكلف به بحسب الواقع أمر واحد و الطريق إليه في ظاهر الشرع هو ما ظنه المجتهد و المفروض صيرورة ظنه الأول وهما خارجا عن كونه مظنونا فوجب على المجتهد و من يقلده الأخذ بالثاني و جواز أخذ المقلد بالأول قبل علمه به إنما هو لحكمه ببقاء الظن و معذوريته في جهالته بذلك على نحو نظائره

من موارد الجهل حسبما أشرنا إليه فوجوب عمله بذلك فعلا لكونه هو المظنون عند المجتهد سابقا فيجعله الأخذ به حكما شرعيّا من حيث تعلق ظن المجتهد به في الزمان السابق و جهله بعدوله عنه و بون بيّن بين الاعتبارين و عدم وجوب الإعلام إنما يتفرع على الثاني و لا تغفل هذا و إن علم عدم الأخذ به و الظاهر عدم وجوب الإعلام مطلقا لانتفاء الباعث عليه و مجرد اعتقاده بما يخالف الواقع لا يقضي بوجوب الإعلام و أما مع جهله في الحال ففي وجوب الإعلام وجهان من الأصل و مراعاة الاحتياط لاحتمال أخذه به فلا بد من إعلامه لئلا يقع في الخطاء من جهته إذا عرفت ذلك تبين لك ما يرد على الأدلة المذكورة للقول بعدم وجوب الإعلام أما الأصل فما عرفت و أما لزوم الضيق و الحرج فإنما يتم لو قلنا بوجوب ذلك و لو مع جهله بعلمه به و أما إذا قلنا باختصاصه بما إذا علم بذلك فلا لتوقفه على العلم بحاجة المقلد إلى تلك المسألة و بنائه في العمل على مجرد الفتوى دون الرجوع إلى الاحتياط و العلم بذلك ليس أغلبيا حتى يلزم العسر و الحرج و منه يظهر ما في دعوى السيرة إذ قيامها في صورة العلم بالأمرين غير واضح فأقصى ما يلزم من ملاحظة السيرة عدم وجوب الإعلام مطلقا لا عدم وجوبه مع علمه بعمل المقلد بفتواه السابق فغاية ما يسلم من لزوم الحرج و دعوى السيرة هو عدم وجوب الإعلام مع الشك في عمل المقلد بفتواه و هو لا يستلزم المدعى فظهر بما قررنا أن الحكم بعدم وجوب الإعلام مطلقا كما يظهر من بعض الأفاضل ليس على ما ينبغي بل الظاهر فيما إذا قطع ببطلان فتواه السابق و علم عمل المقلد به سيما إذا كانت المسألة قطعية و أما إذا ظن بخلافه أو تردد في المسألة مع قضاء أصل الفقاهة عنده بخلاف ما أفتى به أولا فالحكم بعدم وجوب الإعلام مع العلم بعمل المقلد به لو لا إعلامه بالحال فلا يخلو عن الإشكال سيما بالنسبة إلى مسائل المعاملات مع تصريح جماعة هناك بعدم مضي ما وقع بفتوى المجتهد حال ظنه بالحكم بعد رجوعه عنه إذا لم يضم إليه حكم الحاكم كما سيجيء الإشارة إليه إن شاء الله و لو سلم قيام السيرة في المقام أو لزوم الضيق و الحرج التام فإنما هو في هذه الصورة دون غيرها فلا بد من الاقتصار عليها في الخروج عن مقتضى القاعدة المذكورة فتأمل

بقي الكلام في المقام في الأعمال الواقعة على مقتضى فتواه الأول

قبل رجوعه عنه فهل يحكم بمضيها بعد العدول عنه أولا و تفصيل القول في ذلك أن الأخذ بالفتوى الأول إما أن يكون في العبادات و الطاعات أو في العقود و الإيقاعات أو في الأحكام و على كل حال فإما أن يقطع المفتي بفساد فتواه السابق أو يظنه أو يتردد فيه و على كل حال فإما أن يكون المسألة قطعية أو اجتهادية ثم إنه إما أن يراد معرفة حال

490

العمل الواقع عن المفتي أو الأعمال الواقعة عن مقلديه فنقول إن كانت المسألة قطعية و قد قطع المفتي بذلك فالظاهر حينئذ فساد ما أتي به من الأفعال الواقعية على مقتضى فتواه الأول لعلمه بوقوعه على خلاف ما قرره الشارع من غير فرق في ذلك بين العبادات أو المعاملات و الحق انتفاء الإثم عنه مع عدم تقصير في استنباط الحكم كما مرت الإشارة إليه و كذا الحال بالنسبة إلى مقلده إذا رجع إليه أو إلى غيره ممن يعتقد كون المسألة قطعية و أما إذا رجع إلى من يعتقد كونها اجتهادية فحكم بصحة ما فعله اجتزى به و لا يلزمه الرجوع إلى المفتي الأول إلا أن يكون قد تعين عليه تقليده من جهة أخرى و وقوع عباداته على مقتضى الأمر كما يقضي بصحتها لكون الأمر ظاهريا صرفا و هو لا يقضي بالإجزاء بعد انكشاف الخلاف و إن ظن خلاف ما أفتى به أو تردد فيه مع قضاء أصول الفقاهة عنده بخلاف فتواه السابق جرى حكم العدول في المسائل الاجتهادية بالنسبة إليه لاندراج المسألة في جملتها بحسب اعتقاده و كذا الحال فيمن قلده إن رجع في ذلك إليه أو إلى من يوافقه في ذلك و إن رجع إلى من يعتقد كون المسألة قطعية جرى عليها حكمها المتقدم من البناء على الفساد كما أنه يحكم بعدم ترتب الآثار على العقود و الإيقاعات المفروضة الواقعة عن المجتهد المفروض و من قلده في ذلك إذا قطع ما يترتب على الاجتهاد حينئذ ارتفاع الإثم و أما الصحة الشرعية فلا كما عرفت و إن كانت المسألة اجتهادية لكن بلغ اجتهاده الثاني إلى حد القطع بفساد الأول فالذي نص عليه بعضهم هو الحكم بفساد ما أتى به من العبادات الواقعة على النحو المذكور فيجب عليه الإعادة و القضاء فيما يثبت فيه القضاء بفوات و يدل عليه ما أشرنا إليه في الصورة المتقدمة و هو الأظهر و ظاهر بعض فضلاء العصر عدم وجوب الإعادة و القضاء في المقام و في المسألة المتقدمة أيضا نظرا إلى اقتضاء الأمر بالإجزاء و عدم تكليفه بغير ما أدى إليه الاجتهاد إذ المفروض بذل وسعهم في فهم المسألة و هو ضعيف لما عرفت من كون تكليفه بما أدى إليه ظنه ظاهريا فلا يراد منه الأخذ بالظن إلا من حيث كونه كاشفا عن الواقع موصلا إليه و الفعل المفروض مطلوب شرعا من حيث إنه واقع لا من حيث ذاته و لو مع مخالفته للواقع فلما كان ذلك قبل انكشاف الخلاف محكوما في الشرع بأنه الواقع كان مجزيا فبعد انكشاف المخالفة لا يمكن الحكم بأداء الواجب فيجب عليه الإعادة في الوقت و القضاء في خارجة فيما ثبت وجوب قضائه بعد فواته و سيأتي إن شاء الله توضيح القول في ذلك في مباحث التقليد هذا بالنسبة إلى العبادات و أما بالنظر إلى غيرها من العقود و الإيقاعات و الأحكام فلا بد من حكمه بالنقض إلا فيما إذا انضم إلى الفتوى حكم الحاكم فيجري فيه الكلام الآتي و الوجه فيه ظاهر بعد القول بالتخطئة و عدم كون فتوى المجتهد باعثا على تغيير الحكم بحسب الواقع و الظاهر أنه لا كلام فيه عندنا و لا فرق فيه أيضا بين الأعمال الصادرة عن المجتهد أو عن مقلديه إن رجعوا في ذلك إليه و أما إن رجعوا إلى غيره ممن لا قطع له بالحكم فحكم بصحة الأفعال الواقعة منهم جروا عليه و إن بلغ اجتهاده الثاني إلى حد الظن أو تردد في المسألة و قضى أهل الفقاهة عنه بخلاف ما أفتى به أولا فظاهر المذهب عدم وجوب الإعادة و القضاء للعبادات الواقعة منه و من مقلديه و يدل عليه بعد لزوم العسر و الحرج في القول بوجوب القضاء أن غاية ما يفيده الدليل الدال على وجوب الأخذ به و قد وقع الفعل المفروض على مقتضى حكم الشرع و ما دل عليه الدليل الشرعي فيكون مجزيا و الظن المذكور القاضي بفساده لم يقم دليل على وجوب الأخذ بالنسبة إلى الفعل المتقدم و حينئذ فلا داعي إلى الخروج عن مقتضى الظن الأول بعد وقوع الفعل حال حصوله و كون إيقاعه على ذلك الوجه مطلوبا للشرع و منه يعلم الحال بالنسبة إلى من قلده نعم لو سئل عن الواقعة المفروضة غير من قلده و كانت المسألة قطعية عند من استفتاه فأفتاه بوجوب الإعادة و القضاء لزمه ذلك فإن قلنا إنه كما قضى الظن الأول بصحة الفعل الواقع على مقتضاه فقد قضى الظن الثاني باشتغال الذمة بالفعل المطابق لمقتضاه فغاية الأمر حينئذ عدم وجوب القضاء لعدم تحقيق صدق الفوات و أما الإعادة فلا وجه لسقوطه عنه إذ مع بقاء الوقت و قضاء الظن الثاني باشتغال الذمة

بأداء الفعل على الوجه الذي اقتضاه الظن المفروض لا بد من الإتيان به على ذلك الوجه فلا يقتصر الحكم بالاشتغال حينئذ إلى تعلق أمر آخر حتى يمكن دفعه بالأصل قلت بعد الحكم شرعا بحصول البراءة بأداء الفعل على مقتضى الظن الأول لا يبقى مجال للحكم بالاشتغال به بناء على الوجه الثاني لوضوح أنه ليس هناك إلا تكليف واحد فإذا كان الوجه الأول طريقا إلى تفريغ الذمة شرعا و لم يقم دليل على فساد ذلك الطريق و عدم جواز الأخذ به صح الحكم بالبراءة و حينئذ فلا وجه للحكم بالاشتغال من جهة الظن الثاني نعم لو لم يأت بالفعل على الوجه الأول فقد قضى الظن الثاني بعدم حصول البراءة إلا بإتيانه على الوجه الثاني و كما أن الأول طريق شرعي فكذا الثاني فأي وجه للترجيح قلت لا ريب أنه بعد تعارض الظنين المفروضين لا وجه للحكم بترجيح الأول بل يتعين الأخذ بالثاني كما إذا لم يأت به على الوجه الأول حسبما ذكرناه و أما في الصورة المفروضة فلا تعارض بين الظنين المفروضين إذ بعد الحكم بحصول البراءة بالفعل الأول لا اشتغال في ظاهر الشرع حتى يكون قضية الثاني توقف البراءة عنه بإتيانه على الوجه الثاني نعم لو قضى الظن الثاني بعدم حصول البراءة بما أتى به أولا تم الكلام المذكور إلا أنك قد عرفت أنه لا دليل على حجية الظن الثاني إلا بالنسبة إلى ما بعد حصوله أما بالنظر إلى الفعل الواقع قبل حصوله فلا و حينئذ فمع عدم حجية الظن المفروض إلا لذلك الوجه المخصوص لا يبقى مجال للمعارضة بين الظنين حسبما قررناه و أما العقود و الإيقاعات الواقعة على مقتضى الاجتهاد الأول فإما أن تكون صادرة عن المجتهد المفروض أو عن مقلديه فإن كانت صادرة عن المجتهد فإما أن ينضم إليها حكم الحاكم أو لا أما على الأول فقد نص جماعة بعدم نقضه و يعلل ذلك بوجهين أحدهما أنه قد اعتضد الفتوى حينئذ بالحكم و تقوى به فلا يجوز نقضه بمجرد الفتوى الثاني و أورد عليه في النهاية و منية اللبيب بأن حكم الحاكم تابع لحكم الشيء في نفسه لا متبوع له إذ حكم الشيء عندنا لا يتغير من جهة حكم القاضي و عدمه ثانيهما أن جواز نقض الحكم بمجرد تغيير الاجتهاد مخالف للمصلحة التي تنصب القضاة لأجلها فإن المقصود إلى هنا جف قلم المصنف أعلى اللّه مقامه و قد فرغت من كتابة هذا الشرح الشريف و التعليق المنيف على معالم الأصول المسمى بهداية المسترشدين تصنيف العالم العامل الفاضل الكامل شمس المحققين أعلم العلماء العلامة النقي الأوحدي الشيخ محمد تقي في 1269 و أنا العبد العاصي كلب علي ابن العبّاس القزويني الأفشار قضى اللّه عن سيئاتهما