حاشية الوافي

- الوحيد البهبهاني المزيد...
511 /
5

[مقدمات التحقيق]

المقدّمة (1) [للسيد محمد اليثربي]

الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين.

بعد أن كان الفقه هو عبارة عن مجموعة معيّنة من القوانين التي تنظّم الأعمال الفرديّة، و الأحوال الشخصيّة، و الروابط الاجتماعيّة للفرد، مع ربّه و مع عباده و مجتمعه، له في مذهب الإماميّة طوال تاريخه تلاطم و تصادم مقابل التيارات الحاكمة و الأهواء المتشتّتة .. و يكفي لإثبات ذلك تصفّح الرسائل العلميّة، و المجاميع الفقهيّة المدوّنة خلال هذه الفترات الزمنيّة.

و ما يعرف- في يومنا هذا- باسم «الفقه الإمامي» أو «فقه الإماميّة» ما هو إلّا حصيلة مدرسة الاعتدال، و بلورة لما تمحّض من أفكارها، و عصارة لما جمع من لباب آرائها.

و قد كانت- هذه المدرسة- بعيدة كلّ البعد عن التحجّر و الجمود و القوقعة التي جاءتها من جهة، و كذا كانت حريصة على التعبّد بالنصوص الشرعيّة، و المبادئ الأصيلة؛ مبتعدة عن الخروج من كلّ المسلّمات العلميّة الثابتة و المقرّرة؛

____________

(1) و هي بعينها مقدّمة كتاب «مصابيح الظلام» نوردها لمزيد الفائدة.

6

بمعنى عدم مسّ القواعد الأصيلة، و السنن الثابتة الإلهيّة، بل و كلّ ما يشين تلك الاصول المسلّمة و المقدّسة في ان واحد.

إنّ الطريقة الحاكمة- في يومنا هذا- على المجاميع العلميّة و الحوزات الدينيّة ما هي إلّا حصيلة مساعي ثلّة طاهرة قامت مجتهدة و مثابرة لمحو كلا الانحرافين المزبورين، حتّى أصبحت كلتا المدرستين- الإفراطيّة و التفريطيّة- في يومنا هذا بديهيّة البطلان، و واضحة الزيف و التجوّف.

و لإلقاء الضوء على ما لأبناء كلا المدرستين من الانحراف و الابتعاد عن الجادّة و الصراط المستقيم، حفاظا على حاقّ الشريعة و جوهرها، و ما عبّرنا عنه اليوم ب: مدرسة الاعتدال، أقول: لكي يتضح ما نريد القول به .. حريّ بنا أن نشير إلى لمحة مجملة عن كلا الخطّين، و نذكر دراسة مبسّطة لكلتا المدرستين كي يبرز منهما عظمة ما وصلت إليه مدرسة الاعتدال المزبورة في سيرها العلميّ و العمليّ معا.

فنقول: أمّا الأخباريّون؛ و هم الممثّلون لمدرسة التحجّر و الجمود (1)، التي بدأت ظاهرا في أوائل القرن الحادي عشر ببروز مدرسة جديدة لاستنباط أحكام الشرعيّة- لو صحّ لنا أن نعبّر عنها بذلك- و ذلك على يد شخص اسمه: ميرزا محمّد أمين الأسترآبادي (رحمه اللّه)، الذي يعدّ باني اسس هذه الطريقة، و مؤسّس مبانيها، و الذي أبعد الشريعة السمحاء- إنصافا- بفعله هذا عن جوهر مبانيها، و حاقّ حقيقتها بما أسّسه من طرق، هي أشبه بما جاءتنا به مدرسة الرأى و القياس عند العامّة من ضحالة و سطحيّة.

____________

(1) لا نجد ثمّة ضرورة لبيان الفارق بين هؤلاء و مكتب الاصوليّين، بعد ما أسهبنا الحديث- إلى حدّ ما- عنهما في مقدمة كتابنا «الرسائل الاصوليّة»، (راجع! الرسائل الاصوليّة: 18- 32 (المقدمة).

7

و ما كان هذا إلّا نتيجة عدم استيعاب ما قرّره السلف الصالح من قواعد فقهيّة و مباني اصوليّة للفقه لم يهضمها هؤلاء- كما هي- ممّا سبّب خروجهم عن كثير ممّا هو مسلّم علميّا و ثابت استدلاليّا اليوم.

و لكي نعطي صورة مجملة عمّا ذهب إليه القوم نذكّر نزرا يسيرا من مهمّ آرائهم التي دانوها و قالوا بها.

منها: إنكارهم حجّية ظواهر القرآن الكريم! مستدلّين على ذلك ب:

أ: انحصار فهم القرآن بأهل بيت العصمة و الطهارة (عليهم السلام)، استنادا إلى بعض الروايات، منها «ما يعرف القرآن إلّا من خوطب به» (1).

ب: الروايات الناهية عن التفسير بالرأي (2).

ج: كثرة التخصيصات و التقييدات الواردة على العمومات و المطلقات القرآنيّة ممّا يهد من حجّية عمومات و مطلقات القرآن و يقلّل من أهميّة الأخذ بها.

د: إطلاق الأدلّة القائمة على عدم جواز الأخذ بالظنّ يشمل الظواهر القرآنيّة من غير فرق بينها و بين غيرها.

و منها: عدم اعتبار العقل في فعليّة الأحكام الشرعيّة، حيث ذهب المحدّث الأسترآبادي في «الفوائد المدنيّة» (3) إلى أنّ مناط تعلّق التكاليف كلّها السماع من الشرع، و منهم من أفرط فذهب إلى إنكار لزوم امتثال الأوامر الشرعيّة التي قامت عليها الأدلّة العقليّة الثابتة.

و منها: ردّهم للإجماع بجميع أقسامه، حتّى رفضوا جميع التوجيهات المسلّمة عند الاصوليّين.

____________

(1) مستدرك الوسائل: 17/ 335 الحديث 21515.

(2) بحار الأنوار: 89/ 107- 112،

(3) الفوائد المدنيّة: 29 و 30.

8

و منها: الاقتصار في الحجّية على خصوص السنن الواردة الخاصّة دون غيرها من الطرق المقرّرة و المعتبرة شرعا، و هم في هذا قد سلكوا طريقة التسامح و التساهل في النقل، لاكتفائهم بصرف نسبة القول لأحد المعصومين (عليهم السلام) في القبول، بل عدّوه بذلك قطعي الصدور!. و لذا انكروا فائدة علم الرجال و ثمرته و تبعا لذلك علم دراية الحديث بالمعنى المصطلح .. إلى غير ذلك من أقوالهم و آرائهم الضعيفة.

و لعلّ من هذا و غيره يتضح مقدار الظلامة التي حلّت بالأدلّة الثلاثة الباقية من المبادئ الاستدلاليّة الأربعة .. أعني الكتاب، و الإجماع، و العقل. و الاقتصار على الحديث بما فسّروه لنا ..

فالقران؛ الذي هو العدل الأكبر و الثقل الأعظم للشريعة يجرّد من دلالته و يفرّط و يقلّل من حجّيته؛ و هو الحجّة الكبرى؟!. و هذا أمر غريب جدّا، إذ إنّهم يحسبون فهمه منحصرا فيهم لقولهم (عليهم السلام): «إنّما يعرف القرآن من خوطب به» (1) و حصر فهمه فيهم (عليهم السلام) كاف لإسقاط الكتاب عن الحجّية، مع أنّه من المسلّم كونه ناظرا إلى فهم خصوص متشابهات القرآن و مجملاته و ناسخه و منسوخه ..

و غير ذلك.

و أيضا أنّ القول بهذا يلزم منه إنكار ما للقرآن من فصاحة و بلاغة و إعجاز .. و غير ذلك.

ألا ترى أنّ الأخذ بهذا التعميم ما هو إلّا إنكار للسنّة القطعيّة، التي منها قوله (عليه السلام): «إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن» (2)،

____________

(1) وسائل الشيعة: 27/ 185 الحديث 33556.

(2) وسائل الشيعة: 6/ 171 الحديث 7657.

9

و قوله (عليه السلام): «فما وافق كتاب اللّه فخذوه» (1) ..؟!

و الأهمّ من هذا و الأدهى أنّه يلزم منه طرح حديث الثقلين المتواتر لفظا فضلا عن معناه و مؤداه. و القول بلغويّة نزول الوحي و إنزال الكتب، و بعث الأنبياء و الرسل؟!.

و بعد كلّ هذا؛ يتّضح أنّه لا يصحّ أن يقال: إنّ الأخذ بالظهورات و المحكمات في النصوص القرآنيّة تفسير بالرأى؟! إذ لو صحّ ذلك لم يبق لنا نصّ- بل و لا ظهور- لكلّ ألفاظ التحاور المتداولة بيننا و بين الآخرين.

و ليس معنى هذا إنكار أهمّيّة التخصيصات و التقييدات الواردة على العمومات و الإطلاقات القرآنيّة .. فإنّ ذلك أمر مسلّم برهانا و وجدانا. و لكن هذا لا يمنع و لا ينافي الرجوع إليهما بعد ملاحظة الروايات الواردة فيهما؛ إذ أنّ حجّية الظهورات ثابتة على كلّ حال.

و يكفي في النقض عليهم تشبّثهم بالآيات و الأدلّة الناهية عن العمل بالظنّ مع فرض كونه ظاهرا قرآنيا، و المفروض فيها ألا حجّية لها على مختارهم.

و عدا هذا فهي مردودة بوجوه:

1- إنّ سياق أمثال هذه الأخبار مرتبط بالنهي عن اتّباع الظنّ و الوهم في الامور الاعتقاديّة، و لا ربط له بالفروع العمليّة.

2- عدم قول أعلام الطائفة و عمدها بحجّية مطلق الظنّ، بل إنّهم قد صرّحوا بعدم حجّية الظنّ الغير المعتبر، و ذهبوا إلى الاقتصار في الحجّية على ما قام الدليل عليه خاصّة لا مطلقا.

3- تضافر الروايات المعتبرة على حجّية الظواهر القرآنيّة، بل كادت أن

____________

(1) وسائل الشيعة: 27/ 109 و 110 الحديث 33343.

10

تكون متواترة لفظا فضلا عن كونها كذلك معنى.

و بالجملة؛ لا نجد ثمّة عاقلا فضلا عن عالم متفقّه عدا الفقيه .. ينكر دلالة أمثال قوله سبحانه و تعالى وصفا للقرآن: تِبْيٰاناً لِكُلِّ شَيْءٍ (1) و كونه: نُوراً و هُدىً و تِبْيٰاناً، و هو الذي لا يغادر صغيرة و لا كبيرة و لا رطبا و لا يابسا إلّا كان فيه، بل كلّ ما يحتاجه البشر، طبعا بالاستضاءة بنور الولاية و العترة الطاهرة (عليهم السلام) المكمّلة للثقل الأكبر.

و إذا لم تكن دلالة أمثال هذا واضحة لما بقي لنا دليل و لا دلالة.

كما لا يفيد إنكار حجّية المدركات العقليّة التي عدّت في الشريعة الحجّة الباطنيّة: «و إنّ للّه على الناس حجّتين ..» (2)، «و إنّما يداقّ اللّه العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما اتاهم من العقول في الدنيا» (3) .. و أمثال ذلك.

هذا من جهة؛ و من جهة اخرى نحن لا نريد بما قلناه إثبات قطعيّة صدور تمام الروايات الواردة عن طريق أهل بيت العصمة و الطهارة (عليهم السلام)، بمعنى حجّية كلّ منقول، كما ذهب إليه الأسترآبادي في قولته المشهورة: أحاديثنا كلّها قطعيّة الصدور عن المعصوم (عليهم السلام)، فلا نحتاج إلى ملاحظة سندها؛ .. (4) إذ فيه أوجه للمناقشة لا نودّ الخوض فيها، و الإسهاب في بيانها فعلا، و يكفينا منها ما قاله شيخنا المعظّم الوحيد- طاب ثراه- في رسالته «الاجتهاد و الأخبار» (5).

ثمّ إنّ من المسلّم عند أعلام الطائفة كثرة وجود الأحاديث الموضوعة،

____________

(1) النحل (16): 89.

(2) الكافي: 1/ 16.

(3) وسائل الشيعة: 1/ 40 الحديث 64.

(4) الفوائد المدنيّة: 181.

(5) الرسائل الاصوليّة (الاجتهاد و الأخبار): 142- 156.

11

و الأخبار الضعيفة، و الرواة المتّهمون؛ سواء ما كان منها في الأسانيد الروائيّة أو المجاميع الحديثيّة .. و هذا ممّا يحدو بنا إلى الأخذ بالقواعد الرجاليّة، بل منه يعلم ضرورة مراجعة علم الرجال كي تميّز به الأخبار، و تصحّح به الأسانيد الروائيّة، و يعرف به الغث من السمين، و الصحيح من السقيم، بل و يظهر من هذا سخف إنكار القوم لضرورة الحاجة إلى علم الرجال، فتدبّر!

و قد تمحّض من مجمل ما أسلفناه من الحديث عن الأخباريّين حصول طريقة جديدة في كيفيّة استنباط الأحكام الشرعيّة كان وليدها الطبيعي هو:

مكتب الاعتدال؛ بحلّته الجديدة المتمثّلة بما ذهب إليه شيخنا المجدّد- طاب رمسه- و تلامذته (رحمهم اللّه)؛ إذ يلزم- ممّا سلف من طريقة الأخباريّين في الاستنباط- ما كانوا يرونه من عدم ضرورة الغور في المسائل الاصوليّة، و المبانى الاجتهاديّة .. بل كلّ يعمل بمقدار ما يفهمه و يظهر له من ظواهر الأحاديث و الأخبار. و من البديهي أنّ سلوك مثل هذا النوع من التفكّر سيخلق لنا فاجعة لا يمكن سدّها، و ثلمة لا يمكن جبرها في اسس المباني الشرعيّة و أحكامها، بل يوجب تزلزلا في أساس الدين القويم، حيث لو ابيح لكلّ أحد أن يخوض المنابع الأوّليّة للاصول الدينيّة، أو يستخرج بنفسه ما يحتاج إليه من الأحكام الشرعيّة بدون أن يكون له صلاحية واقعيّة .. أو إحاطة دينيّة .. لكانت تلك مصيبة ليس وراءها فاجعة.

و سيظهر لنا في موضوع واحد عشرات بل مئات الأحكام المختلفة المتضادة، بل المتناقضة النابعة من اختلاف المدارك و المدركات، و تعدّد الفهم و الانتزاعات.

و هذا في حدّ نفسه نقض لغرض الشارع المقدّس من تقنين القوانين، كما يعدّ مخالفا لاسس التقنينيّة الاجتماعيّة و نظامها.

و حيث لم يبق لهذا المذهب في يومنا الحاضر ذاك الرصيد العلميّ الكافي أو

12

من يتبنّاه و يدافع عنه من أهل المعرفة و الاطّلاع .. لذا نكتفي بما ذكرناه و نطوي الحديث عنهم في هذه العجالة. و يكون موقفنا منهم مجرد سرد تاريخ للفقه لا مناقشة أقوال و مباني رصينة أكل الدهر عليها و شرب، و قد أغنانا السلف الصالح عناء الدفاع و الرد و النقض و الإبرام.

المتحرّرون:

و هم جمع لا يقلّ خطرهم عن سابقيهم إن لم يزد عليهم، فإنّهم كانوا و لا يزالون يهدمون حصون الشريعة و واقعها .. و قد اشتدّ و عظم اليوم خطرهم بعد أن جاءوا بعناوين جديدة برّاقة، و شعارات زائفة .. و هم قد خرجوا من هذه الامور التي تشدّقوا بها و زمّروا لها بدعاوي حسبوها فريدة تحت إطار دور الزمان و المكان في الأحكام!

و كان ذلك ذريعة لبعض في الخروج عن اطر القواعد المقبولة و المسلّمة إلى تغيير الأحكام القطعيّة، و المسائل الأساسيّة، و قد سرت المناقشة في الترديد و التشكيك في الطرق المحدّثة و المسلّمة في الاستنباط بحجّة ملاحظة مقتضيات الزمان و المكان.

و مع أنّا لا ننكر ما لهذين الأصلين من الأثر و دور مهمّ- في الجملة- في طريقة الاستنباط و الاستظهار في الأحكام الشرعيّة، إلّا أنّه لا يمكن القول بأنّ أحكام الشريعة المقدّسة على نحو الإطلاق و بما هي هي امور قابلة للتغيير و التبديل، و أنّها تتبدّل و تتغيّر بتوارد الأيّام و تعاقب الزمان، فيصبح الواجب محرّما، و ينقلب المحرّم إلى واجب، إذ إنّ قبول مثل هذا إنكار- بنحو اخر- لفلسفة تشريع الدين من المشرّع الخالق الإلهي الحكيم. و من جهة اخرى؛ ما هو إلّا إنكار لخاتميّة الرسالة المحمّديّة (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و لكون «حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة

13

و حرامه حرام إلى يوم القيامة» (1).

فإنّ تمام ما تمتاز به الشرائع السماويّة عن القوانين البشريّة الوضعيّة هو هذا التفاوت الجوهريّ الماهويّ في أنّ القوانين الشرعيّة وليدة مقنّن حكيم عالم محيط ممثّل الكمال المطلق، بل مبدأ الكمالات .. بخلاف غيرها.

و من الواضح أنّ ما يترشح عن مبدأ الكمال لا يمكن أن يكون ناقصا، لمنافات ذلك لكماله و حكمته مع إحاطته بكلّ ما في متعلق أحكامه و موضوعاته، و ما تشريع الأديان إلّا لسدّ كلّ ما يفتقر إليه المكلّف في مقام العمل، و جميع ما يحتاج إليه ليومه و غده مؤطّر بإطار هذه القوانين الشرعيّة.

و من البيّن أنّ التغيير و التبديل- لو صحّ الإطلاق- يكون كاشفا عن نقصان و قصور المقنّن- و العياذ باللّه- في أحكامه، بل حاك عن جهله و عدم إحاطته، لما يلزم أنّ المشرّع بعد صدور حكمه و إجراء قانونه قد أدرك عدم تطابق ذلك الحكم مع متطلّبات الإنسان و احتياجاته. و كأنّه بتقنينه القانون الجديد يحاول سدّ النقص الحاصل الذي جاءه في ما قرّره في قانونه السالف .. و فساد هذا من الوضوح بمكان، إذ لا يتلائم مع أساس التشريع و مقرّراته.

نعم، وقوع مثل هذا طبيعى جدّا في القوانين الوضعيّة، و التشريعات البشريّة التي تكون تابعة إلى تكامل ذلك القانون و المجتمع و رقيّه، إذ عند ما يشعر المجتمع بأنّ القانون الحاكم غير واف بما يحتاجه، و لا يحلّ مشاكله الفرديّة أو الاجتماعيّة .. يبادر لرفع النقصان و تكميله بوضع قانون جديد ينسخ ما سلفه أو يسدّ نقيصته، و يرفع قصوره ..

و عليه؛ فلا يتصور للزمان و المكان دور بشكل مطلق بهذا المعنى في مسير

____________

(1) بصائر الدرجات: 148 الحديث 7.

14

التشريع الإلهيّ الخارج عن قيد الزمان و المكان، و المتحرّر من ملابساتهما، لما نعتقده و ندين به من كمال الشارع و حكمته، و عدم نقصان الشريعة و كمالها.

نعم، نقرّ وجود دور للزمان و المكان في رفع بعض الاحتياجات الوليدة من متطلّبات الزمن قد أحدثتها الحاجة، و أولدتها الأيّام، و هي تتفاوت عمّا كانت عليه سابقا لوجود حوادث محدثة تقتضي أحكاما جديدة لم تكن من ذي قبل، و لذا تفتقر إلى تعيين الحكم من طرف الشارع و الأخذ بنظره فيها.

إلّا أنّ هذا التلوّن و التصادم ليس بمعنى أنّ ما يحتاجه البشر من الامور الثابتة الأوّليّة و الفطريّة التي لها أحكامها الثابتة و المنصوصة أن تتبدّل بتبدّل المكان أو أن تتغيّر بتوارد الأزمان، إذ لا أثر لذا و لا ذا، بل لا تتغيّر و لا تتبدّل بحال ..

بخلاف غيرها.

إذ أنّ هذه الامور الفطريّة- في حدّ نفسها- غير قابلة للتبدّل و التغيير، و الإنسان في مسيرته الدنيويّة- و على مدّ التاريخ- لا بدّ له منها، إذ أنّ من الطبيعى عدم إمكان قبول التغيير لمثل هذه الأحكام النابعة لتأمين الاحتياجات الفطريّة.

نعم؛ هناك احتياجات ثانويّة- و هي في واقعها موصلة مكمّلة للحوائج الأوّليّة- يمكن أن تتغيّر في نفسها، و من الواضح أنّ الأحكام الواردة في مثل هذه الموارد قابلة للتغيير و التبدّل تبعا.

و عليه، فإنّا نظنّ أنّه قد أصبح واضحا- بهذه الوجيزة المجملة- أنّ جذور أكثر المنازعات و المباحث- إثباتا و نفيا- في تأثير الزمان و المكان و عدمه في الأحكام الشرعيّة- الفرعيّة و الأصليّة- ما هو إلّا نزاع لفظي بحت.

بل إنّ هذا العنوان- الذي تشدّق به البعض- لم يكن شيئا جديدا أبدا، بحيث لم يلتفت إليه الماضون، أو عجز عنه الفقهاء السابقون، أو يعدّ مشكلة عويصة

15

لم يدركها المتقدّمون، كما حسبها البعض؛ إذ مثل هذه التحوّلات و التغييرات في الامور الممكنة و اليوميّة طبيعيّة دارجة، و مسألة واضحة بديهيّة، و بها تتغيّر الأحكام الشرعيّة الفرعيّة لا الأوّليّة الفطريّة. إذ كثيرا ما يكون الفقهاء في معرض أمثال هذه الامور التي أقرّوها و أعطوها الأحكام الكافية الدقيقة مستندين فيها إلى ما لهم من إحاطة بالقواعد الفقهيّة المقرّرة الثابتة عندهم، و لعلّ من هذا ما سنوافيك به ممّا يعبّرون عنه ب: المسائل المستحدثة.

و لا نعرف متفقّها- فضلا عن فقيه- يسمح لنفسه أن يغيّر الأحكام الأوّليّة مع فرض بقاء موضوعاتها و مباديها الأساسيّة، إذ ذاك تشريع لا يستسيغه من له أدنى إحاطة بالفقه، و لا يجيزه من له تقوى عمليّة في مقام الحكم.

و نرى من المناسب التعرّض لبعض تلك القواعد التي أشرنا لها:

فمنها: تبدّل الموضوع؛ إذ ذهب علماء الاصول إلى أنّ وضع الأحكام الشرعيّة و جعلها من قبيل القضايا الحقيقيّة لا الخارجيّة .. أي إنّ المقنّن عند ما قنّن و أقرّ الحكم لاحظ طبيعة الموضوع و وضع بإزائه قانونا له، و كلّ فرد كان مصداقا لذلك الكلّي الطبيعي؛ يكون محكوما بذلك الحكم المحفوظ موضوعه، فيستحيل في مقام الجعل و التقنين أن يجعل الشارع المقدّس حكمين لمعنون و موضوع واحد.

و لو صادفنا نادرا مثل هذه الموارد في مصادر الأحكام لعدّ ذلك من باب تعارض الأدلّة التي يلتجأ فيها غالبا إلى المعالجة و التصحيح بواسطة الأدلّة العلاجيّة المقرّرة عندهم.

أمّا لو كان الموضوع بنحو القضايا الخارجيّة فلا يستحيل تقنين أحكام متضادة أو متناقضة على عنوان واحد باعتبارات مختلفة.

و لتقريب الموضوع نومي إلى بعض الأمثلة، حيث عند ما نجد حكم الشارع

16

المقدّس بأنّ الخمر حرام، أو لحم الغنم حلال .. فإنّ مراده هو: طبيعة المائع الخمري أو طبيعة لحم الغنم .. و ما دام هذان العنوانان الكلّيان منطبقان على كل مصداق تترتّب عليه نفس الأحكام بلا فرق، و لا يمكن مع حفظ هذا العنوان ترتيب حكم اخر عليه مناقض للحكم الأوّل، بخلاف ما لو قال: إنّ غنم البلد الفلاني حلال ..

فإنّ هذه قضيّة خارجيّة، و إن قلنا بحرمة أغنام بلدة اخرى، فهو غير ناف للحكم الأوّل، نعم في مثل هذه القضيّة الحقيقيّة لو تبدّل العنوان- بأن صار المائع الخمري مثلا بعد ذهاب ثلثيه خلًّا- ارتفع حكمه الأوّلي لتبدّل الموضوع، و لا ريب أنّ هناك عوامل عديدة في تبدّل التكليف بالنسبة إلى الموضوعات المختلفة، نذكر بعضا منها:

أ: العرف؛

قد علم ممّا سلف بيانه أنّ التكاليف التي خاطب بها الشارع المقدّس الناس أراد بها عموم المكلّفين و عامّة الناس، و أوكل تشخيص الموضوعات إليهم إلّا في المواضيع المستنبطة، فلو تغيّر موضوع حكم في نظر العرف؛ بأن شهد العرف مثلا- أنّ هذا العنوان لا ينطبق اليوم على هذا المصداق، فلا يشمله حكمه المذكور طبعا، كما لا يكون حكم الشارع المقدّس ناظرا إليه؛ فمثلا حكم حرمة التعامل بالدم عند قدماء فقهائنا- (رضوان اللّه عليهم)- معلّلا بكونه نجسا، و النجس مسلوب المنفعة العقلائيّة. و ما كان كذلك لا يجوز التعامل عليه بلا كلام و لذا حكموا بما حكموا. أمّا اليوم؛ فإنّ العرف لا يرى ذلك، بل عنده إنّ الدم له منفعة و فائدة- بل جملة فوائد- قطعا، و حيث إنّ الموضوع قد تبدّل هنا حتما في نظر العرف، فلا وجه لترتّب حكم الحرمة عليه جزما.

و مثال اخر: بيع الثلج؛ حيث إنّ بيعه في غالب نقاط العالم أمر متعارف معقول، و متاع يدفع بإزائه ثمن و عرض، كما و تترتّب عليه منفعة و فائدة، و لكن

17

مثل هذا التعامل في القطبين غير معقول و لا فائدة فيه، بل لا وجه للتعامل عليه، و لذا يحكم عليه بعدم الجواز.

و نظير هذا التعامل على الماء القليل عند النهر العريض .. و أمثال ذلك.

فيعلم من هذا أنّ الزمان و كذا المكان لهما دور مهمّ في نتيجة بعض الأحكام.

و أنت ترى إنّ هذا ليس بشيء جديد، و لا موضوع بكر، بل كان دوما مورد بحث و نقاش في الموسوعات الفقهيّة لأعلامنا و فقهائنا (رحمهم اللّه).

ب: قاعدة التزاحم؛

و مدلولها ما لو كان ثمّة تزاحم و تمانع في مقام الامتثال لحكمين بالنسبة إلى موضوعين غير مرتبطين مع البعض، فبحكم القواعد العقليّة في تقديم الأهمّ على المهمّ، و ترك المهمّ بالنسبة إلى الموضوع الأهمّ يصبح ذاك فعليا، و من الطبيعى إنّ الزمان و المكان في أمثال هذه الموارد لهما دور مهمّ في تعيين الوظيفة الشرعيّة.

و غالبا ما يمثّل لمثل هذه الموارد بإنقاذ الغريق الواجب شرعا الملازم للاجتياز بالأراضي المغصوبة المحرّمة قطعا، حيث هما موضوعان مستقلّان لا ربط لأحدهما بالآخر، و مع اجتماعهما في مورد خاصّ يتوقّف الإتيان بأحدهما على الأخذ بالآخر .. أي هما موضوعان كلّ واحد منهما له حكمه الخاصّ، و هو يضادّ الآخر، و قد اجتمعا و كانا سبب حرج للمكلّف و إشكال في مقام الأداء و التنفيذ؛ فالعقل يحكم هنا بإلزام المكلّف بالإتيان بالأهمّ منهما و العمل به. و لذا يرى العقل لزوم حفظ الإنسان و نجاته و إنقاذ الغريق .. و هو يقدّمه على حرمة الدخول في ملك الغير و التصرّف فيه.

و هذه القاعدة تحلّ لنا كثيرا من المشاكل المعاصرة، مثل علاج المريض بواسطة لمس الأجنبي أو الأجنبيّة مع فرض الانحصار، أو تشريح جنازة الميّت مع

18

فرض عدم وجود جنازة اخرى لغير المسلم .. و غير ذلك. و هي كثيرة جدّا، إذ بعد تشخيصنا للأهمّ و المهمّ يسهل الحكم عند ذاك.

ج: القواعد الثانويّة؛

نظير قاعدة لا ضرر، و قاعدة لا حرج- على فرض تعدّدهما- و هما من الامور التي يمكن أن يكون لهما دور مهمّ في تشخيص ما للمكلّف من حكم بمقتضى الزمان و المكان على ما هناك من اختلاف في كيفيّة جمع هذه القواعد مع الأدلّة الأوّليّة للأحكام الشرعيّة. فإنّ النتيجة- على كلّ حال- هي تقديم مفادّ هذه القواعد، و هي تشمل سعة المعاملات و العبادات على حدّ سواء. مثلا لو ألزمنا الشارع المقدّس بحكم دليل وجوب الصلاة أو الصيام على تحصيل الطهارة المائيّة أو صيام شهر رمضان .. فإنّ ذاك يصحّ فيما لو لم يلزم من الإتيان به ضررا على المكلّف. أمّا لو لزم من أيّ حكم من هذه الأحكام ضررا عليه لزم رفعه قطعا.

و بالجملة؛ مفادّ هذه القاعدة نفي كلّ قانون في الشرع يلزم من جعله و تقنينه أو متعلقه ضررا أو حرجا على المكلّفين. و حيث كان لفظ «الضرر» كسائر الألفاظ الموضوعة للمفاهيم الواقعيّة، و المخاطب فيها هو شخص المكلّف الذي يتضرّر من ناحية الحكم، فعليه كلّ مكلّف لو كان في شرائط خاصّة- زمانيّة أو مكانيّة- و اقتضى كلّ واحد من هذه ورود ضرر عليه، كان ذلك الحكم مرفوعا.

و عليه، فهذا الطريق- كسالفه- يمكن أن يحلّ لنا كثيرا من المشاكل المهمّة.

و منها: كشف ملاكات الأحكام؛

حيث أنّ علماء الإماميّة و المعتزلة- المعبّر عنهم ب: العدليّة- خلافا للأشاعرة ذهبوا إلى أنّ الأحكام الشرعيّة تابعة للملاكات و المناطات الواقعيّة و نفس الأمريّة، و لا يمكن للشارع المقدّس أن يقرّ حكما لموضوع بدون ملاك واقعيّ له، لما

19

يلزم من قبول هذا الأمر من إنكار لحقائق الأشياء، و تسليم التغيّر في الحقيقة الثابتة، مع أنّ الواقع الخارجي للأشياء يمكن أن يكون معرضا للحوادث الزمانيّة و المكانيّة و يتغيّر بخلاف حقيقة الأشياء و ماهيّتها.

مثلا السرقة و التصرّف في مال الغير بدون رضاه مذموم و قبيح على أيّ حال، و في كلّ زمان و مكان. و لذا كان القبيح الذاتيّ محكوما بالحكم الشرعيّ التحريميّ. فلو وصل المجتهد بالطرق المقرّرة إلى الحكم الواقعيّ للشارع المقدّس كان مصيبا، و لو اشتبه كان مخطئا؛ لأنّ حقيقة الحكم الإلهيّ لا تتغيّر بحسب فتواه ..

كي يقال: إنّ المجتهد مصيب على كلّ حال، و إنّ فتواه و حكمه حكم القانون الإلهيّ.

و كلّ ما أفتى به هو- و إن كان قبيحا- كان حسنا، و كذا العكس. فالمجتهد عند الإماميّة مستنبط و كاشف لا مشرّع و مقنّن، و هو يمكن أن يصل إلى واقع حكم اللّه تعالى و قد يخطئ، كلّ ذاك خلافا لما ذهب إليه الأشاعرة من القول بكون المجتهد على كلّ حال مصيبا .. أي إنّ حكمه هو الحكم الواقعيّ للشارع.

هذا من جهة، و من جهة اخرى ذهبوا إلى أنّ الحسن ما حسّنه الشارع و القبيح ما قبّحه، ففي الواقع قد جوّزوا أن يكون الموضوع الواحد له عدّة أحكام في ان واحد بحسب تعدّد الفتوى عليه، و كلّها صحيحة و مصابة! و هذا ما يخالف بداهة العقل و ما أقرّته الشرائع السماويّة.

هذا مع أنّ ثبوت الشرائع الإلهيّة أساسا موقوف على قبول الحسن و القبح الواقعيّ الذاتيّ للأشياء، و إلّا فإذا كان ثبوت الشريعة مستندا إلى الطرق الشرعيّة فما هو البرهان على وجوب قبول ذلك الطريق فلا بدّ أن يكون ذلك الطريق منتهيا إلى مستند عقليّ حذرا من التسلسل إلى غير النهاية.

و على كلّ؛ فيلزم قبول أنّ أساس جعل الشرائع الإلهيّة و الأحكام الشرعيّة

20

تابع للملاكات الواقعيّة.

مضافا لذلك أنّ ما قرّرناه قد تضافرت عليه الأحاديث و جاء فيها بألسنة متعدّدة، نظير ما نقله الشيخ الصدوق (رحمه اللّه) في «علل الشرائع» عن محمد بن سنان إنّ أبا الحسن عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) كتب إليه- بما في هذا الكتاب جواب كتابه إليه يسأله عنه-: «جاءني كتابك تذكر أنّ بعض أهل القبلة يزعم أنّ اللّه تبارك و تعالى لم يحلّ شيئا و لم يحرّمه لعلّة أكثر من التعبّد لعباده بذلك، قد ضلّ من قال ذلك ضلالا بعيدا و خسر خسرانا مبينا .. إلى أن قال: إنّا وجدنا كلّ ما أحلّ اللّه تبارك و تعالى ففيه صلاح العباد و بقاؤهم، و لهم إليه الحاجة التي لا يستغنون عنها، و وجدنا المحرّم من الأشياء لا حاجة بالعباد إليه، و وجدناه مفسدا داعيا إلى الفناء و الهلاك ..» (1).

و بعد أن ثبت أنّ الأحكام الشرعيّة لها مناطاتها الخاصّة و ملاكاتها الواقعيّة، و كذا ظهر بطلان ما ذهب إليه الأشاعرة و من تبعهم، فلنسأل: هل يمكن لشخص أن يدّعي أنّه يمكنه إدراك ملاكات و مناطات الأحكام الشرعيّة؟! حيث لا شكّ أنّ كلّما ذكر الشارع المقدّس حكما معلّلا بذكر دليله و فلسفته، صحّ تعميم الحكم إلى الموارد الاخرى المشتملة للمناط له، إذ مع لحاظ وجود المناط في موضوع اخر لزم سراية الحكم إليه. نظير قولهم: «لا تشرب الخمر لأنّه مسكر» فكلّما جاءت هذه العلّة في موضوع اخر غير الخمر ترتّب عليه حكم حرمة الشرب، لاستحالة انفكاك الأحكام عن ملاكاتها الواقعيّة، مثل ما جاء في رواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه سئل عن قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «غيّروا الشيب و لا تشبّهوا باليهود»، فقال (عليه السلام): «إنّما قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ذلك و الدين قلّ، و أمّا الآن و قد اتّسع نطاقه

____________

(1) علل الشرائع: 592 الحديث 43.

21

و ضرب بجرانه فامرؤ و ما اختار» (1).

حيث نصّ (عليه السلام) أنّ علّة وجوب أو استحباب الخضاب في عصر الضعف و قلّة المسلمين، أمّا اليوم- حيث زاد عددهم و قلّ عدوّهم!- و لا معارضة لهم مع الكفّار، فلا دليل على لزوم هذا العمل.

فأمكن- من هذا- للحوادث الطارئة على المكان و الزمان أن يكون لها دور في تعيين الحكم و تأثيره و التأثّر به.

و هذه أحد الطرق النافعة في يومنا هذا لحلّ جملة من المشاكل و المسائل المستحدثة.

و الظاهر عدم الفرق في كون هذا الحكم مربوطا بالامور العباديّة، أو الأعمّ منها و من المعاملات، و كذا الأحكام الشخصيّة أو الحكوميّة.

و الوحيد (رحمه اللّه) في مبحث «حجّية القياس المنصوص العلّة» صرّح، و قال: بأنّ القياس المنصوص العلّة حجّة مطلقا لفهم العرف و كون البناء في الأخبار على محاورات العرف و تفاهمهم. و قال بعض المحقّقين بحجّية ما هو بمنزلته مثل الحكم بعدم الاعتناء بحال كثير الشكّ في الوضوء و غيره من الواجبات، بسبب ما ورد عنهم (عليهم السلام) في حكم كثير الشكّ في الصلاة: «لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه فإنّ الشيطان خبيث معتاد لما عوّد» (2)، هذا و أمثال ذلك. و الحقّ أنّه حجّة إذا كان بحيث يفهمه أهل العرف، أو يكون المناط منقّحا (3).

حيث يستفاد من هذا بوضوح أنّ إحراز مناط حكم في موضوع قابل للسراية إلى موضوع اخر، سواء كان الموضوع عباديّا أم غيره، و لإحراز كشف

____________

(1) وسائل الشيعة: 2/ 87 الحديث 1565.

(2) وسائل الشيعة: 8/ 228 الحديث 10496.

(3) الفوائد الحائريّة: 451 و 452 (الفائدة 23).

22

المناط لا ريب في كون العوامل الزمانيّة و المكانيّة دخيلة فيه. و إحراز المناط المنصوص و تعميمه و تسريته أمر متّفق عليه، و لكنّ البحث في أنّه في موضوع لم ينصّ الشارع فيه على ملاك أو مناط، بل جعل الحكم بما أنّه شارع و مقنّن فقط، ففي مثل هذا هل يمكن ادّعاء مناط يكون ذاك موجبا لسريان الحكم إلى سائر الموارد أم لا؟ أو يدّعى إنّ ذلك المناط المنصوص لا ينطبق اليوم لما حكم الشارع به، و عليه فلا حكم له و يكون بذلك منتفيا أم لا؟

الحقّ فيه أنّ العقول البشريّة عاجزة بل قاصرة عن الإحاطة بتمام مناطات الأحكام، و لا تجد من يدّعي جزما أو يقطع في مورد أنّ ملاك الحكم الفلاني- سواء أ كان إيجابيّا أو تحريميّا، بل حتّى الاستحبابي و الكراهتي- هو بنفس الفلسفة و العلّة التي أدركتها أنا دون غيرها. إذ في تلك الحال كما يحتمل فيها أنّ ملاك الحكم فيه هو ذاك كذا قد يكون هناك احتمال اخر قد غفل عنه .. و عليه فلا يمكن الجزم بذلك، و لا يكون كلّ ما حكم به الشرع يجب أن يحكم به العقل، و ما لم يحكم لا يعدّ حكما شرعيا ..!

بل معنى هذه العبارة المعروفة: «كلّ ما حكم به الشرع حكم به العقل» هو أنّ الأحكام الشرعيّة بشكل بحيث أنّ لها أسرار و رموز لو بيّنات تلك الأسرار للعقل لأقرّ العقل ضرورة تلك الأحكام.

و هذا التوجيه ليس إنكارا لقاعدة الملازمة، حيث هي ناظرة إلى الكشف القطعيّ و اليقينيّ الذي هو مقبول عقول جميع العقلاء، و لا يتردّد فيه العاقل البتّة.

نعم، في مثل هذه الموارد تعدّ قاعدة الملازمة مقبولة بلا كلام.

و هو مجرد فرض؛ حيث إنّ طريق الكشف عن الواقع و الوصول إليه مسدود، و ما ورد في ذلك قليل، بل نادر.

و عليه؛ فما كان من الاستدلال مبنيّ على هذه القاعدة كان مردودا جزما

23

و مرفوضا حتما.

ثمّ إنّ التأمل في هذه الرواية الصحيحة المرويّة في «الكافي» عن عليّ بن إبراهيم- بإسناده- عن أبان بن تغلب، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما تقول في رجل قطع إصبعا من أصابع المرأة، كم فيها؟ قال: «عشرة من الإبل»، قلت: قطع اثنين؟ قال: «عشرون»، قلت: قطع ثلاثا؟ قال: «ثلاثون»، قلت: قطع أربعا؟

قال: «عشرون»، قلت: سبحان اللّه يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون، و يقطع أربعا فيكون عليه عشرون؟! إنّ هذا كان يبلغنا و نحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله و نقول:

الذي جاء به الشيطان، فقال: «مه يا أبان! هكذا حكم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إنّ المرأة تقابل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان! إنّك أخذتني بالقياس، و السنّة إذا قيست محق الدين» (1) كاف في المقام، حيث إنّها صريحة في أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) قد صرّح في ذيلها أنّ تحليل المسائل الشرعيّة و تعليلها بهذا الشكل يوجب إبطال الشريعة و محقها، و الطريف أنّ صدر الرواية ناظر إلى بيان أمر طالما تشدّق به بعض المعاصرين في توحيد دية الرجل و المرأة! و نقل عنه- استدلالات لإثبات دعواه- معتبرا بأدلّة مدّعاة لإثبات تشريعاته، كقوله بقضاء إطلاق أدلّة الدية و عدم الدليل على التقييد ..! و هذا غريب، إذ يكفيه للتقييد هذه الرواية الصحيحة الصريحة، فضلا عن ثلاثة عشر رواية اخرى أكثرها تامّة السند مدرجة في نفس هذا الباب.

و أيضا: حكي عنه دعواه أنّ هذا الحكم- أعني عدم التساوي- ظلم! وَ أَنَّ اللّٰهَ لَيْسَ بِظَلّٰامٍ لِلْعَبِيدِ (2)! و هو شيء مضحك حقّا، إذ لو جرت عمومات القرآنيّة و اصبحت مستندا لمثل هذه الأحكام الشرعيّة لكان الأولى به أن يستدلّ ب: (حسبنا

____________

(1) الكافي: 7/ 299 و 300 الحديث 6.

(2) آل عمران (3): 182.

24

كتاب اللّه)، مضافا إلى أنّه لو عدّ مثل هذا الحكم ظلما لكان قوله سبحانه و تعالى:

لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (1) في باب الميراث ظلما أكبر. و ما العمل في هذا الحال عند ما يتعارض عمومان في الكتاب؟!

و نضيف هنا أيضا بأنّ نفي الظلم في كلامه سبحانه و تعالى ليس بمعنى التساوي، حيث إنّ مقابل الظلم؛ العدل، و هو- على ما هو المعروف و تلقّاه الأصحاب بالقبول-: إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، و من الواضح أنّ الدية من الحقوق المجعولة، و الجاعل بحسب المصلحة المخفيّة علينا قد جعل و قرّر حقّ المرأة بهذا الشكل، و لا يعدّ مثل هذا مصداقا للظلم قطعا؟! و لا يصحّ إنكار الروايات المستفيضة فيه بصرف توهّم معارضتها مع عموم الكتاب، إذ لا يوجب مثل ذاك أن يكون موردا للإعراض و الإسقاط كما لا يخفى.

و بعد كلّ هذا، هل ياترى أنّ أخذ الدية دوما يعدّ ظلما للمرأة كي يقال: لما ذا يأخذ الرجل تمام الدية و المرأة نصف ما قرّر له ..؟! حيث قد يكون عكس ذلك؛ بأن تكون الدية المنتهية إلى القتل لورثة جميعهم رجال و المقتول امرأة، أو كلّهم نساء و المقتول رجل. عند ذاك تكون الدية كلّها للنساء ..

و لا ريب أنّ أمثال هذه الدعاوي تسبّب الانحراف و الخروج عن اصول الشريعة، و أنّ صرف الحوادث الزمانيّة أو الخوف من طعن المخالفين لا يوجب تغيّر حكم اللّه سبحانه، أو إسقاط أحد طرق الاجتهاد المهمّة عندنا، أو أن تؤثّر في اسس طريقة استنباط الأحكام الشرعيّة ..!

و منها: التحوّل في طرق الاجتهاد؛ حيث أنّ مقتضيات الزمان أو المكان تلزمنا أن نجدّد النظر في المبادي الأوّليّة القطعيّة لاستنباط الأحكام، و نحدّد حجّية

____________

(1) النساء (4): 11.

25

القرآن الكريم، و السنّة الشريفة، و دليلي العقل و الإجماع و اعتبارها بزمان خاصّ و نتعبّد بذلك، و نتذرّع لذلك بكون السنّة المحمّديّة (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) شريعة سهلة و سمحاء، و كلّما واجه الحكم- بحجّة المكان أو الزمان- ما لا يوافقه، و لم يكن فيه من المرونة الكافية، و السهولة المطلوبة أوجب منّا الطعن في منبع الحكم و منشأه! و أن نجعل بدلا من ذلك حكما يوافقها على أساس ما يرتضيه أو يقتضيه الزمان أو المكان و يوافقان عليه.

فهل ياترى هذا هو المعنى المراد من تأثير الزمان و المكان في أحكام الإسلام؟! أو يكون المراد منها تأثير الحوادث الزمانيّة و المكانيّة و كذا الموضوعات المحدثة و المتجدّدة في أنّ الفقيه يستخرج الحكم الشرعي بما لديه من معايير علميّة و فنّيّة مع مقتضيات جديدة يواجه بها الموضوعات، و مع معرفته بتبدّل الموضوع و تغييره، أو كشف المناط و الملاك المنصوص على لسان الشارع، أو بتنقيح المناط القطعي مستندا فيه إلى العمومات و المطلقات و مستعينا بها و مطبقا لها على المصاديق، و إلّا للزم الهرج و المرج العلميّ في غير هذه الصورة، مع ما في ذاك من خروج قطعي عن القواعد المقرّرة .. و ما مستند هؤلاء إلّا مجموعة من الأدلّة الخطابيّة .. إن صحّ التعبير عنها ب: الأدلّة. مع أنّ الاجتهاد- الذي هو بمعنى السعي المنظّم- له قواعده المقرّرة، و اسلوبه الخاصّ لأخذ النتيجة. و هذا أمر مسلّم و مقبول عند علماء جميع الفنون العلميّة.

و من هؤلاء من استدل بمثل هذه السفاسف بالنسبة لجواز تأخير بلوغ البنت إلى ثلاثة عشر سنة، بذريعة أن يقال: كيف يسوغ لو سرقت هذه البنت المسكينة في سنة التاسع أن تقطع يدها؟! أو إنّها تصوم طوال يوم صائف ذو أربعة عشر ساعة من الحرّ القارص؟! أو إنّها تبكّر إلى صلاة الصبح مع طفولتها؟! أو .. إلى آخره.

و يمكن الجواب عن أمثال هذه التوهمات المضحكة باستدلالات اخر

26

خطابيّة متشابهة لها بالاستفادة من كلمة «بلوغ»، بأن يقال: بأنّ هذه البنت- بل نوع جنس المرأة- لها قابليّة توجّه الخطابات الإلهيّة في هذا السنّ المبكر، و هذا نوع امتياز للمرأة و منزلة لها لم يحظ بها الرجل، لا أنّه نوع كلفة و ثقل عليها .. و إلّا لما كلّفها سبحانه و تعالى بذلك. فلما ذا لا نركز على هذه القابليّة الإلهيّة، و نسلبها هذه العناية الربانيّة بذريعة هذه السفسطات و التوهمات الخياليّة التي عدّوها أدلّة لجواز تأخير رشدها و بلوغها ..؟!

و من الواضح أنّ أمثال هذه البراهين الخطابيّة لا يمكن الأخذ بها أو تكون بدليّة عن البراهين العقليّة .. لا في الفقه فقط، بل في سائر العلوم. نعم، قد تنفع لإقناع بعض العوام و السذج، كما أنّ من البديهي أنّ مثل هذا يعدّ خروجا عن الطرق الفنّيّة و الأساليب العلميّة المتداولة عند الأعلام، و لا قيمة علميّة لها تذكر، و لا داعية ثمّة للعلماء للأخذ بها.

فتحصّل أنّ هذه الامور الحديثة لا توجب أيّ توسعة و لا تضييق في منابع أدلّة الأحكام الأوّليّة، كما أنّها لا يمكنها أن تؤثّر أو أن تغيّر في متون الأدلّة الشرعيّة الأوّليّة، بمعنى أنّ الآية الفلانيّة، أو الرواية التالية كانت تفسّر سابقا .. بكذا، أو تأوّل .. بكذا إلّا أنّ مدلولها اليوم أصبح بواسطة مرور الزمان قد تبدّل .. حيث إنّ لسان الأدلّة مشخّص في قالب لغة معيّنة ذا معان معلومة، و قواعد أدبيّة خاصّة، و هي لا تقبل أيّ تبدّل و لا تغيير و لا أثر لمرور الزمان و المكان عليها بحال.

و كيف يمكن أن يقال مثل هذا مع أنّ لازمه هو قبول أنّ اللفظة الفلانيّة كان معناها سابقا كذا، أو صيغة الأمر و النهي في الجمل الكلاميّة كانت تدل على مفهوم في يوم ما خاصّ، أمّا الآن فبمرور الزمان و المكان أصبحت أمثال هذه المفردات و كذا التركيبات قد تغيّرت و تبدّلت و صار لها معاني جديدة ..! و ذاك في مثل لغة العرب التي لها قواعدها الأدبيّة الفنيّة الدسمة الخاصّة، بحيث إنّها لكلّ حرف من

27

الحروف المستعملة، أو لكلّ مورد من موارد وقوع التراكيب الكلاميّة مدلول خاصّ كما هو ذو معان و مفاهيم خاصّة قد قرّرت و ثبتت عندهم لا يمكن أن تختلف أو تتخلّف بمرور الأيّام أو تغيير الأمكنة.

نعم، نحن نقرّ أنّ مرور الزمان و التطوّر العلميّ الحادث أوجب وضوح فهم كثير من الامور التي كانت غامضة يوما ما أو كانت مبهمة، من الآيات القرآنيّة، أو المتون الروائيّة، و كلّما تكاملت العلوم الجديدة برزت لنا أسرار أكثر و أكبر عن مفاهيم كنّا قد غفلنا عنها من ذي قبل، و لعل هذا سرّ كلام المعصوم (عليه السلام) حيث قال:

«إنّ للقرآن ظهرا و بطنا، و لبطنه بطنا .. إلى سبعة أبطن» (1).

و عليه فيمكن القول بإمكان انطباق العمومات و الإطلاقات المزبورة الواردة في متون الأدلّة على المصاديق الحديثة في حالة إمكان انطباق و إحراز ذلك منها، و لا نحصر أنفسنا بعصر النصّ بما فيه من مصاديق خارجيّة معيّنة.

فمثلا بالتمسّك ب: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2)، يمكن تصحيح و إمضاء عقود جديدة عقلائيّة كالتأمين مثلا، و بالاستناد إلى حَرَّمَ الرِّبٰا (3) يمكن الحكم بصور جديدة مستنبطة للقروض الربويّة مثلا، إذ أنّ الالتزام بحصر المعاملات المتعارفة بما كان في عصر الصدور، و بما كان يوم ذاك من أعيان خارجيّة .. يلزم منه عدم جواز التعامل على الأمتعة الجديدة .. و هذا ما لا يقرّ أحد، و لا يقول به ذو مسكة.

ثمّ لنرجع إلى ما كنّا عليه، و هو أنّه لا يمكن القول بحال من قبول أيّ تغيير أو تبديل في متون الأدلّة .. لا التضييق فيها و لا التوسعة. حيث إنّ قبول مثل هذا المعنى مساوق للالتزام بالنقص في الشريعة الخاتمة، و القول بعدم إشباع الوحي

____________

(1) عوالي اللآلي: 4/ 107 الحديث 159.

(2) المائدة (5): 1.

(3) البقرة (2): 275.

28

الإلهي، و كلمات أهل بيت العصمة و الطهارة (عليهم السلام) في تأمين مفتقرات البشر و حاجاته ممّا يلجئنا إلى الرجوع إلى البدع و التشريع و إدخال ما ليس من الدين في الدين.

و من البديهي إنّ منابع الأحكام عندنا- و خاصّة في فقه الإماميّة- لا تحوجنا و لا تفقرنا لمثل هذا بحال، إذ ليست هى قاصرة أو ناقصة، و لا أعلام فقهائنا (رحمهم اللّه) أظهروا العجز أو الاستئصال في الوصول إلى الأحكام الإلهيّة، بل هم في غنى عن كلّ ذاك باستنادهم إلى منابع الوحي، و أخذهم باطر القواعد العلميّة المسلّمة، و القوانين الفنّيّة المقبولة لحلّ ما يطرأ لهم من معضلات علميّة و مشكلات اجتماعيّة.

و كلّما أحسّ أحدهم بأحد الخطرين- أعني التحجّر و الجمود، أو التحرّر و التجدّد- بحيث يخرجه عن القواعد العلميّة ممّا يوجب تحديد الفقه و القواعد الإلهيّة، كانت ليد السماء و العناية الربانيّة في أن تبعث في كلّ فترة فقيها دقيقا عالما متعمّقا لمواجهة أمثال أحد هذين الخطرين أو هما معا، و لعلّ من عمد من كان كذلك شيخنا المصنّف استاد الكلّ في الكلّ العلّامة المجدّد الوحيد- حقّا- الشيخ محمد باقر البهبهاني- طاب رمسه- الذي استحقّ- و بكلّ كفاءة و جدارة- مصطلح: المجدّد.

الوحيد و مواجهته للانحراف في مسيرة الاستنباط الفقهي

إنّ هذا الاسم العظيم- كان و لا يزال- يذكر مقرونا- و بكلّ إجلال- بما له من مساعي مباركة و جهود جبّارة قام بها قبال الجمود الفكري لطائفة الأخباريّة.

و هذا التفكّر المحظور الذي هيمن على الحوزات العلميّة الشيعيّة طوال قرن من الزمن تلاشى و انمحى ببزوغ نجم هذا الرجل العظيم في سماء الفقاهة و التفكّر و الإيمان. و كان للتصلّب العلميّ و العمليّ للمرحوم الوحيد- طاب رمسه- و إرادته

29

الجبّارة أكبر الأثر في تبيين مفاسد القوم و زيفهم من جهة، و ضلال هذا الطريق و ضعفه من جهة اخرى، ممّا أوجب- و بمرور الزمان- اضمحلاله و افوله يوما بعد يوم.

فكان ذاك الفقيد الفقيه الفذّ بما حواه من خزائن علميّة وافرة، و ما كان له من توفيق في موقفه- و بكلّ شهامة و قدرة علميّة و عمليّة- في ميادين التطاحن مع المدارس الانحرافيّة، بتشييده و إحيائه تلك المدرسة الفقهيّة الإماميّة التي تمتاز في قبال سائر المدارس بخصوصيّة التعقل و التفكّر، فكان ذاك انجرّ جميع المدارس المخالفة إلى الاضمحلال بل الزوال و الفناء تدريجا، بعد أن جدّد بناء مدرسة الاعتدال، و استحقّ بذلك- و بكلّ جدارة- لقب: مجدّد المذهب (1).

و بعد، فقد حلّل- طاب مضجعه- و نقد بتأليفه القيّمة الثمينة بعد أن حكّم لنا المباني الصحيحة و الأصليّة للاستنباط، وقف أمام كلّ الانحرافات و الإبداعات الضالّة و المضلّة، كما أنّه من جهة اخرى قد اهتمّ بشرح المتون الأوّليّة، و تحشية الاصول الفقهيّة التي أبقتها لنا الأيّام من مصنّفات الأعلام.

و الملفت للنظر حقّا أنّه في الوقت الذي قد اشتهر بمواقفه الجادة و الحادة أمام المدّ الأخباري، و كان جديرا بها و موفّقا فيها، إذ قدّم بذلك خدمة للطائفة لا تنكر .. و خدم بذلك المدرسة الفقهيّة الإماميّة في هذا الطريق.

هذا مع مباشرته- طاب رمسه- للتدريس طوال سنوات مديدة، و تربيته لجمع كبير من فحول الأعلام، و مباشرته تأليف كثير من المصنّفات التي لا زالت إلى يومنا هذا محطّ نظر الأعلام، و لم تبلها لنا الأيّام.

____________

(1) سنذكر في ترجمته- طاب رمسه- أدوار هذا التطوّر العلميّ الذي سايره- (قدس سره)- طوال مسيرة العلميّة.

30

و من هذا القبيل سفره الجليل «الفوائد الحائريّة»، و كذا مجموعة «الرسائل الاصوليّة» و «الرسائل الفقهيّة» و «مصابيح الظلام» و كتابنا الحاضر «حاشية الوافي» .. و غيرها. و كلّ منها نادر في بابه فريد في نوعه .. إلّا أنّ هذا الرجل العظيم كما كان له موقفه المعروف أمام التحجّر و الجمود و السذاجة العلميّة و الفكريّة، كذا كان له الحدّية و القاطعيّة مع كلّ من أبدع بالقول بالخروج إلى التحرّر عمّا كان عليه السلف الصالح من سنن و اصول.

و قد قاوم أمام كلّ من يتجرّأ على مخالفة الموازين العلميّة الثابتة، و لذا فهو قد حكم على كلا الطريقين بالانحراف و الخروج عن الجادة، بل كان له موقفه الخاصّ أمام الطريق الأخير الذي يظهر من بعض كلمات المتأخّرين و المعاصرين له، و قد حاكم آراءهم و أظهر مختاره عليهم ضمن ما جاد به من حواش على مصنّفاتهم، و ما بيّنه من نقاط ضعف في أنظارهم.

و من نماذجه الواضحة حاشيته على «مجمع الفائدة و البرهان»، و كذا حاشيته على «مدارك الأحكام» و على كتاب «الذخيرة» .. و غيرها.

و عليه؛ فقد اعيد مجد الحوزات العلميّة من حين بزوغ نجم هذا العظيم و ظهوره، إذ كان هو منشأ لتربية ثلّة طاهرة من أبناء مكتب الاعتدال كانوا و لا زالوا إلى يومنا هذا قد حافظوا لنا ذاك الطريق بجهودهم، و ما أسّسوه لنا من قواعدهم و اصولهم .. و كذا من ساير بسيرته.

و لذا فقد كان هناك خطران يهدّدان هذه المسيرة المباركة:

الأوّل: طريقة الأخباريين:

إنكار هم ضرورة الاجتهاد و لزوم الفحص في الأدلّة للوصول إلى حكم شرعي، بمعنى إنكارهم طريقة المجتهدين، إذ هذا النظر- و مع الأسف- قد تبنّاه

31

تدريجا جمع من أعلام الطائفة عدّ منهم الفيض الكاشاني (رحمه اللّه)، و كان لشيخنا الوحيد طاب رمسه- عند ما أحسّ بجدّية خطر هذا الطريق أن وقف أمامه- و بكلّ حول و قوّة- و ذلك بتأليفه القيّمة سواء ما كان منها على نحو الكتاب المفصّل، أو الرسالة المستقلّة .. أو غير ذلك للردّ و قمع هذا النوع من التفكّر المنحرف و الطريقة الشاذة.

و من نماذجه المتداولة المعروفة كتابه «الفوائد الحائريّة» القديمة و الجديدة.

و كذا مجموعة «الرسائل الاصوليّة» .. و غيرهما.

و يلمس أهل الفنّ و النظر خلال هاتيك المصنّفات استدلالات و براهين قويمة أصبحت اليوم عند المجتهدين بديهيّة و ضروريّة واضحة، و ما هذه البداهة و الضرورة اليوم إلّا نتيجة ما أبطله ذلك البطل من التفكّر الأخباري و ما كان لمساعيه و جهوده الجبّارة في تفتيت ذاك النوع من التحجّر، و لم يمنعه في هذا الطريق شيء و قد بلغ من التوفيق ما لم يبلغه إلّا النادرين، إذ لم يبق من بعده من يحمل هذا الفكر الانحرافي من له شأن يذكر.

بل قد نجد الكلّ يتبرّأ من بعد ذاك عن مثل هذا التفكّر، أو يقذف الآخرين به. و حيث أحسّ- طاب رمسه- أنّ تصدّي جمع من عيون الطائفة، و بتبعهم من أصحاب التأليف للأخذ ببعض أفكار الأخباريّين، و عدّ مثل هذا خطر كبير على سلامة طريقة الاجتهاد و التفقّه .. لذا بادر للتحشية و الشرح و نقد مؤلّفاتهم و مصنّفاتهم.

الثانى: الخروج عن طريقة المجتهدين و ما تعارفوا عليه:

و غير خفيّ لما في هذه من الخطرات و الآفات الكثيرة التي أشرنا لبعضها سالفا، و المواجهة مع هذا الانحراف ممّا أخذه الوحيد (رحمه اللّه) على عهدته، و قاومه بشدّة في كتاباته، و أشار إليه في حواشيه التي أثبتها على المتون و مؤلّفات سالكي هذه الطريقة، بالنقد لهذا الطريق المحظور، و ذلك بألسنة متعدّدة، مع التنبيه على ما فيه

32

من الاشتباهات الكثيرة، و جذور الخطاء و الانحراف، و كذا التذكير بالنتائج المضرّة لأمثال هذه المسالك المنحرفة.

و من هؤلاء الأعلام المرحوم المحقّق المقدّس الأردبيلى (رحمه اللّه) صاحب كتاب «مجمع الفائدة و البرهان»، حيث حشّى شيخنا الوحيد (رحمه اللّه) على قسم المعاملات من كتابه ذاك بحواشي نقديّة، قد كان جارحا في بعضها، و نبّه على ما اشتبه به- طاب ثراه- و ما في كلماته من خطرات و اشتباهات، و لوازم غير صحيحة.

فمثلا؛ نجد في مبحث خيار الشرط- و إنّه هل يسقط الخيار مع تصرّف المشتري أم لا؟- قال المرحوم الأردبيلي في مقام القول بعدم سقوط خيار الشرط بصرف التصرّف- ما نصّه: هذا كلّه مع عدم الدليل أصلا على ما رأيناه على سقوط خيار الشرط بالتصرّف، مع ثبوته بالدليل اليقيني من الكتاب و السنّة و الإجماع .. (1)

و علّق المرحوم الوحيد البهبهانيّ (رحمه اللّه) فقال- بعد أن نقل الرواية الواردة و قال إنّ جميع الأصحاب فهم سقوط الخيار منها-: عدم اطّلاعه على الدليل لا يقتضي عدمه، فإنّه (رحمه اللّه) في غالب المواضع يناقش و يقول كذلك، فلو صحّ مناقشاته لم يبق للشرع و الفقه أثر أصلا، و لم يوجد حكم شرعي إلّا في غاية الندرة، و أين هذا من الدين و الشريعة؟! (2)

و كذا ما ذكره في باب مستثنيات حرمة أكل مال الغير؛ حيث حشّى كلام المحقّق الأردبيلي عند أخذه برواية صحيحة و إعراضه عن فتوى المشهور- المستند كلامهم إلى روايات صحاح أكثر- و عضّد كلامه بدليل العقل. فقال الوحيد (رحمه اللّه) هنا

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان: 8/ 414.

(2) حاشية مجمع الفائدة و البرهان: 263.

33

في مقام معاضدة المشهور و الدفاع عنه، و لزوم الأخذ به- ما نصّه: .. كلّما يزيد قوّة ما ذكره و يشتدّ يصير منشئا لقوّة المعارض و فتاوي الفقهاء، لأنّهم الخبيرون الماهرون، يظهر أنّه ظهر عليهم قوّة مستند فتواهم إلى الحدّ الذي عدلوا عن حكم العقل و النقل المذكور و اتفقوا على خلافه، لوثوق تامّ خال عن التزلزل بالمرّة، حتّى أنّهم ما أمروا بالاحتياط أصلا، مع كونهم بحيث يحتاطون غالبا، بل و كليّا في مقام الخطر و الضرر. (1)

ثم عقّب بعد ذلك بسطور في إثبات حجّية أسانيد الروايات التي هي مستند المشهور، فقال: و مع جميع ما ذكر انجبرت بالشهرة بين الأصحاب، و الخبر المنجبر و إن كان ضعيفا، كما هو الحقّ المحقّق في محله. و المسلّم عند الفقهاء القدماء و المتأخّرين إلّا نادرا من متأخّرى المتأخّرين، لشبهة ضعيفة .. إلى أن قال: فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون في موت الفقه، ألا ترى أنّ الشارح لا تكاد توجد مسألة فقهيّة خالية عن الاضطراب عنده!!. (2)

و أنت ترى أنّ هذا الفقيه المتعمّق يرى أنّ الفهم الإجماعي للأصحاب أو ما هو مشهور عند هؤلاء هو بحكم القاعدة، و لو أراد الفقيه أن يقف و يقاوم أمام كلّ ما ذهب إليه فقهاء السلف من الأدلّة لما بقي من الفقه- بل من الشرع- شيء أبدا، خاصّة مع وجود روايات بيّنة و واضحة الدلالة أمامه، و مع هذا فقد أعرضوا عنها و طرحوها، فيفيد أنّ إعراض المشهور عنده مهمّ جدّا، و عدم الاعتناء به و الفتوى بما أعرض عنه المشهور يوجب موت الفقه، و يعتقد أنّ سالك مثل هذا المسلك- في النهاية- سيصل إلى وادي المخالفة مع القواعد العلميّة، و حتّى البديهيّات الفقهيّة ..

____________

(1) حاشية مجمع الفائدة و البرهان: 723.

(2) حاشية مجمع الفائدة و البرهان: 725.

34

بشكل قد يلتجئ إلى إنكار حجّية الظواهر، أو الإغماض عن القواعد المعمولة في المرجّحات، أو أن يتمسّك- مع وجود نصّ خاصّ- بالاصول العمليّة! أو أن يستنجد بالعقل في قبال النصّ .. و غير ذلك.

و حريّ هنا ملاحظة بعض الموارد؛ حيث إنّ المحقّق الأردبيلي (رحمه اللّه) قد صرّح في ذيل صحيحة أبي عبيدة الدالّة على جواز شراء الصدقات و الخراجات بقوله: و لا يدلّ على جواز شراء الزكاة بعينها صريحا، نعم ظاهرها ذلك و لكن لا ينبغي الحمل عليه لمنافاته للعقل و النقل (1).

و صرّح المرحوم الوحيد (رحمه اللّه)- ابتداء و معلّقا- بقوله: الظهور يكفي للاستدلال و لا يشترط الصراحة، و مداره- حينئذ- على الاستدلال بالظواهر .. (2)، و كأنّه يريد أن يقول إنّ مثل هذه الطريقة مع النظر إلى الأدلّة ينتهي إلى إنكار حجّية الظهورات، مع أنّ مدار المستدل هو الأخذ بالظواهر، بل قد يوجب الغافلة عن نصوصيّة الدليل، حيث قال- بعد هذا-: مع أنّ الظهور إنّما هو في صدر الحديث، و أمّا وسطه و ذيله فهما صريحان في غاية الصراحة .. (3)

ثمّ حقّق و بحث في ادّعاء التنافي بين هذه الرواية مع الأدلّة العقليّة و النقليّة، و ذهب إلى أنّ المدّعي لم يشر إلى الدليل النقلي المنافي في المقام، لذا لم يكن قابلا للقبول، و العقل هنا لا يستطيع أن يكون له الحكم مع وجود النصّ الخاصّ.

أمّا ما يرجع إلى غمض العين عن قواعد باب التعادل و الترجيح، فنرى في موارد من كتاب مجمع الفائدة- حسب تتبّعنا- هناك روايات موثّقة قدّمت على الصحيحة، أو حسنة رجّحت على الصحيحة، مع أنّ مقتضى القاعدة في باب

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان: 8/ 102.

(2) حاشية مجمع الفائدة و البرهان: 40.

(3) حاشية مجمع الفائدة و البرهان: 40.

35

التعارض هو تقديم ذو المزيّة و الأرجح على غيره .. كما هو واضح (1).

و من أمثال هذه الانحرافات الكثيرة ما يجده من يلاحظ حاشية الوحيد (رحمه اللّه) النقديّة، إذ يجد شواهد كثيرة لها، و لذا ترى شيخنا البهبهاني (رحمه اللّه)- مع كلّ ما كان يكنّه من احترام و تقديس للمقدّس الأردبيلي (رحمه اللّه)، كما صرّح بذلك في مقدّمته على الحاشية- ينصّ على أنّ علّة تحشيته لهذا الكتاب هي: رأيته قد كبا جواده في بعض الميادين فأخذ يعترض على علمائنا الأساطين ...! (2).

و كأنّ غرضه من تدارك الأدلّة و التنبيه على غفلاته و شطحاته هو صون طلّاب العلم و من يأتى في المستقبل من بعده من سلوك أمثال هذه المسالك، و الأخذ بمثل هذه الطرق.

و هو- طاب رمسه- قد بادر خلال مسيرته العلميّة إلى كتابة حاشية نقديّة اخرى على كتاب «مدارك الأحكام»- الذي يعدّ مؤلفه أحد خرّيجى مكتب المقدّس الأردبيلي- و قام (رحمه اللّه) بنقد هذا الطريق و المسلك مع التنبيه إلى ما فيه من الزلّات و الاشتباهات.

فصاحب المدارك (قدس سره) في مقام الاستنباط لا يرى غير الكتاب و السنّة الصحيحة المسلّمة في كلّ مسيرته العلميّة، و هذا المسلك قد تجلّى بشكل أصبح مشكلة جديدة في الفقه يتنافى مع ما كان عليه الفقه السابق و يختلف عنه. و لذا بادر المرحوم الوحيد (رحمه اللّه) في مقام ردّه و بيان خطره لهذه الطريقة فأعلن- طاب ثراه- بقوله: و لا شكّ في فساد المناقشة لاقتضائها سدّ باب إثبات الفقه بالمرّة، إذ لا شبهة بأنّ عشر معشار الفقه لم يرد فيه حديث صحيح، و القدر الذي ورد فيه الصحيح لا

____________

(1) لاحظ! مجمع الفائدة و البرهان: 8/ 110 و 302- 305.

(2) حاشية مجمع الفائدة و البرهان: 3.

36

يخلو ذلك الصحيح من اختلالات كثيرة بحسب السند و بحسب المتن و بحسب الدلالة، و من جهة التعارض بينه و بين الصحيح الآخر، أو القرآن، أو الإجماع .. أو غيرهما- كما أشرنا إليه في الفوائد و ظهر لك من التأمل فيها، و في الملحقات أيضا إلى هنا- و بدون العلاج كيف يجوز الاحتجاج به؟! و كذا إذا لم يكن العلاج حجّة و كون العلاج هو الخبر الصحيح، أو مختصا به بديهي البطلان (1)،

و قال- طاب ثراه- في موضع اخر: إذ عمل الشيعة بأخبار غير العدول أضعاف عملهم بأخبار العدول ... و بناء الفقهاء في الأعصار و الأمصار كان كذلك إلى زمان صاحب المدارك (2).

و من الأفكار التي كان يحملها بعض الأعلام التي كان يحسّ بخطرها شيخنا الوحيد (رحمه اللّه) هو ما جاء في مصنّفات المرحوم الفيض الكاشاني (قدس سره)، حيث كان يعتقد المصنّف إنّ الفقه قد تأثّر بأفكار الأخباريّين من جهة، و من جهة اخرى تبعيّته إلى ما ذهب إليه الشهيد الثاني (رحمه اللّه) و صاحب المدارك (رحمه اللّه) من مبان، و هذا ما يظهر من مقدمة كتابه «مفاتيح الشرائع»، إذ إنّه بعد أن ادّعى أنّه مورد عنايته سبحانه، و قد حصل على الطريق الواقعي للاستنباط؛ و إنّه يحمل أفكار الماضين من علماء السلف! ممّا سوّغ له أن يتهجّم على الآخرين من الأعلام و قد اتّهمهم بقوله: و من لا يعرف الهرّ من البرّ، و هم الذين يأتون البيوت من ظهورها، فيدخل فيه من غير معرفة، بل على التخمين، أو الاقتفاء لآراء الماضين مع اختلافهم الشديد، و اعتراف أكثرهم بعدم جواز تقليد الميّت، و ألا قول للميّتين، و إن لم يأتوا في هذا بشيء مبين، فهو في ريب من أمره و عوج، و في صدره من ذلك حرج، ألّا يقبل منه

____________

(1) الفوائد الحائريّة: 488 (الفائدة 31).

(2) الفوائد الحائريّة: 142 و 143 (الفائدة 10).

37

صلاة و لا زكاة و لا صيام و لا حجّ، إذ العامل على غير بصيرة كالسائر على غير المنهج، لا يزداده كثرة السير إلّا بعدا ...

.. إلى أن وفّقني اللّه سبحانه لاستنباط مفاتيح جملة من تلك الأبواب، من مآخذها المتينة و اصولها المحكمة، و هي محكمات كلام اللّه عزّ و جلّ، و كلام رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و كلام أهل البيت (عليهم السلام)، من غير تقليد لغيرهم و إن كان من الفحول، و لا اعتماد على ما يسمّى إجماعا و ليس بالمصطلح عليه في الاصول الراجع إلى كلام المعصوم من آل الرسول، و لا متابعة للشهرة من غير دليل، و لا بناء على اصول مبتدعة ليس إليها من الشرع سبيل، و لا جمود على الألفاظ بيد قصيرة، و لا عمل بقياسات عامية من غير بصيرة، بل بنور من اللّه سبحانه و هدى و رحمة، و له الحمد على هذه النعمة (1).

كلّ هذا طعنا منه بعلماء الطائفة و أكابر الفقه و أساطينه باتّهامهم بالعمل بالقياس و الاصول المبتدعة! و في قبال ذلك إنّه قد أدرك- و من تابعه، بالأنوار الإلهيّة- حاقّ الحقائق العلميّة!

و قد كرّر الوحيد (رحمه اللّه) ردّ هذه الأفكار المتطرفة في أكثر من موطن من كتابه، نظير قوله- طاب ثراه- في الشرح المذكور: إذ بعد التنبيه التام، و المبالغة في إظهار ما هو أظهر من الشمس، و إتمام الحجّة، تراهم ينكرون الإجماع مطلقا كما كانوا ينكرون، و يقولون بانحصار مدرك الشرع في الآية و الخبر كما كانوا يقولون، بل و يزيدون في اللجاج، و ينسبون جميع الفقهاء إلى سوء الفهم و الاعوجاج، بل و إلى الحكم بغير ما أنزل اللّه و القياس، و الهلاك و إهلاك الناس، و البدعة، و متابعة العامّة، أو مخالفة طريقة الشيعة، و غير ما ذكر من الامور الشنيعة (2).

____________

(1) مفاتيح الشرائع: 1/ 4 و 5.

(2) مصابيح الظلام: 1/ 54.

38

ثمّ استدل على القسم الثاني ممّا ادّعاه من كون الفيض (رحمه اللّه) مقلّدا لصاحب المدارك و المسالك، حيث ذكر في شرحه لجملة الماتن عند قوله: «أو ذكره و يوثق به». قال:

أقول: الظاهر أنّ مراده منه صاحب «المدارك» و «المسالك»، فإنّه اعتمد عليهما نهاية الاعتماد، إلى أن قلّدهما أشدّ تقليد إلّا ما شذّ و ندر، بل في الحقيقة كتابه هذا ليس إلّا «المدارك» و «المسالك» اختصرهما، و كان الأولى أن يسمّيه مختصر المدارك و المسالك.

نعم، ربّما زاد فيه بعض الامور، مضافا إلى ما ندر من المخالفة، و إلّا ففي الحقيقة هو مقلّدهما و إن قال- فيما سبق-: من غير تقليد الغير و إن كان من الفحول.

و ما ذكرنا من التقليد الشديد غير خفيّ على من له أدنى اطّلاع و تفطّن، فإنّا وجدنا في الكتابين اشتباهات كثيرة واضحة غاية الوضوح، مثل كونه ربّما نقل فيهما الحديث بنحو، و ليس كذلك قطعا، و كذلك كلام الفقهاء، و كذلك دليل المسألة.

و ربّما ذكر فيهما حديث دليلا للحكم موردا للاعتراض، و ليس دليله ذلك بلا شبهة، بل دليله حديث اخر بلا شبهة و ريبة.

و ربّما اقتصر فيهما على نقل الخلاف من بعض، مع أنّ المخالف أزيد.

و ربّما اقتصر على نقل بعض الخلافات في مسألة مع أنّها أزيد، بل ربّما كانت أزيد بمراتب شتّى.

و ربّما لم ينقل فيهما كثير من المسائل الخلافيّة، و المصنّف في جميع ما ذكر على طبق كتابيهما ...

.. و أيضا ربّما ذكرا فيهما في مسألة: إنّا لم نجد نصّا فيها. و المصنّف تبعهما، مع أنّ النصوص موجودة في الكتب المشهورة، بل ربّما كان في الكتب الأربعة، بل ربّما

39

كان في مقام ذكر تلك المسألة، بل ربّما كان في غير المقام نصوص كثيرة في كتب غير المشهورة، أو المشهورة، أو الأربعة، أو هي أيضا مشهورة.

و أيضا ربّما اقتصرا على ذكر بعض الأدلّة، و المصنّف تبعهما، و ربّما قالا: لم نجد دليلا، و المصنّف تبعهما، مع أنّ الدليل موجود قطعا، بل و ربّما يكون واضحا، بل و ربّما يكون في الكتب مذكورا.

و أيضا ربّما اقتصرا على نقل الإجماع عن بعض، و ربّما لم ينقلا الإجماع، مع أنّ الناقل موجود، بل ربّما يكون متعدّدا.

و أيضا ربّما ادّعيا الإجماع أو نقلا، و ظهر أنّه ليس كذلك يقينا، و ربّما كان الأمر بالعكس .. إلى غير ذلك من الاشتباهات، مثل ما وقع في فهم الحديث، أو الجمع أو الطرح أو الترجيح، أو غير ذلك، مثل الحكم بصحّة حديث ليس بصحيح و بالعكس، و مثل الاصول و القواعد الفقهيّة و الاصوليّة و غيرها، و المصنّف تبعهما.

و نحن نبّهنا على الاشتباهات المذكورة و غيرها في حاشيتنا على «المدارك»، و «الذخيرة»، و شرح الإرشاد للمقدّس الأردبيلي، و «الوافي»، و كذا قليلا من الحواشي التي كتبناها على المفاتيح- هذا الكتاب- و «الكفاية» و «المسالك» و غيرها (1).

و مع كلّ هذا، فإنّ الشارح (رحمه اللّه) كان يحسّ مدى خطر هذه الأفكار و ما تجرّه على الطائفة من ويلات، و كان يعتقد بأنّ هذا المقدار من الحواشي غير كاف لرفع هذا الخطر الجسيم، و لذا بادر (رحمه اللّه) إلى شرح بعض الكتب، مثل «مفاتيح الشرائع» و قد صرّح في أكثر من مورد فيه إنّه طرح كثيرا من المطالب لم يتعرّض لها و لم ينقدها،

____________

(1) مصابيح الظلام: 1/ 66- 68.

40

كما في بحث انفعال ماء القليل، حيث قال: و لمّا رأينا المقام من مزالّ الأقدام من المحقّقين الأعلام في أمثال زماننا، و كاد أن يرسخ في قلوب الخاصّ و العامّ، لا جرم بسطنا الكلام كما بسطنا في نظائره، و إن كان ما ذكرته قليلا بالنسبة إلى ما أحب أن أذكره لكن تركته خوفا من الملال و السأم (1).

المؤلف و خصوصيات كتابه

و هي كثيرة، جدّا نشير إلى بعض منها:

الاولى: تشقيق الفروع الفقهيّة و الاستدلال عليها؛

إنّ هذا الأثر النادر- مع قلّة ما كان عند مؤلّفه و في متناول يده من منابع و مصادر- يعدّ بحقّ عمل عظيم جدّا، و العجب أنّه مع افتقاره إلى كثير من المصادر كيف استطاع أن يبقي منه هذا الأثر العظيم، فها هو في شرح المفاتيح يقول: و ليس عندي «الخلاف» .. (2)، مع أنّ من البيّن إنّ كتاب «الخلاف» يعدّ من أمّهات مصادرنا، و مع هذا لم يكن عنده، فكيف استطاع إتمام عمل بمثل هذه العظمة؟!.

و كان سعيه- طاب ثراه- في كتابه هذا؛ الإبداع- قدر الإمكان- في غالب المباحث الضروريّة و طرح ما لا ضرورة فيه و لا أهميّة له، و تكميل المباحث الفقهيّة بدرج الفروع اللازمة فيه، فنحن نرى في مبحث الفقير و المسكين أيّهما أسوأ حالا يقول: نقل هذا الاختلاف يوجب بسطا لا طائل تحته، من أراد الاطّلاع فعليه بمطالعة «الذخيرة» أو غيره (3).

و قبال ذلك في مبحث الشكّ في النوافل نجده يطرح ثمان و عشرون فرعا

____________

(1) مصابيح الظلام: 5/ 288 و 289.

(2) مصابيح الظلام: 10/ 66 و 67.

(3) مصابيح الظلام: 10/ 381.

41

ضروريّا و مهما (1)، لا تجد واحدة من هذه الفروع في أيّ موسوعة فقهيّة اخرى.

الثانية: تحكيم الأدلّة و تنوّعها؛

و هذا ما يظهر من مقارنة هذا السفر الجليل بما سلفه من مصنّفات الأصحاب، إذ يظهر منه مدى ابتكاره و خلاقيّته بما برز من الشارح- طاب ثراه- من نكات و ملاحظات خلال شرحه، ممّا يكشف عن مقدار إحاطته على كتب السلف و مبانيهم مع استحكام الأدلّة و إثباتها على كلّ دعوى ادّعاه، و كل ما أورده فيه مع تنوّع فيها، مثلا في مبحث انفعال الماء القليل استدلّ بروايات كثيرة، ثمّ خلّص إلى القول بقوله: قد عرفت تواتر الأخبار، و قد أشرنا إلى بعضها، و قد زاد على المائة و المائتين، فما ظنّك بصورة ضمّ ما لم يشر؟ (2).

ثم إنّ سرد الأدلّة المنقولة في كلامه في الأبواب المختلفة المربوطة بهذا البحث مع ما هناك من إجماعات مدّعاة عليه- يوجب تقوية المدعى.

و الشاهد على ذلك قوله ردّا على أدلّة ابن أبي عقيل و من تابعه، خاصّة نقضه على ادّعائه العجيب في أنّه: تواتر عن الصادق (عليه السلام) «أنّ الماء لا ينجّسه شيء إلّا ما غيّر لونه، أو طعمه، أو رائحته»، حيث قال: مع أنّ هذا المضمون لم يرو عنه (عليه السلام) بعنوان الآحاد أحد من مشايخنا المحدّثين الضابطين لأحاديثهم (عليهم السلام) المقبولة و المردودة، كما هو دأب المحدّثين، و كذلك الفقهاء المتمسّكون بأخبارهم (عليهم السلام) من القدماء و المتأخّرين جميعا في مقام الاستناد، أو التوجيه، أو الطعن في كتاب من كتبهم، أو مقام من مقامات ذكر مثل هذا الحديث.

و لذلك ما رووا في ذلك المقام إلّا خصوص ما رواه العامّة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

____________

(1) مصابيح الظلام: 9/ 305- 358.

(2) مصابيح الظلام: 5/ 285.

42

بالمضمون المذكور (1) في مقام الاحتجاج أو الردّ أو التأويل (2).

إلّا أنّ العلماء قبل الشارح كأنّهم قبلوا ادّعاء التواتر و نقلوا التواتر بشكل أفرده ضمنا و ردّوا من جهة اخرى و نجد هناك روايات اخر رفضها الوحيد (رحمه اللّه) من جهات اخر، إمّا لشذوذها، أو موافقتها للعامّة، أو عدم موافقتها مع الروايات المعتبرة أو غير ذلك (3).

الثالثة: تبعيّة الدليل على أيّ حال؛

حيث قد يتصوّر البعض أنّ الشارح قد ألزم نفسه بالدفاع عن الشهرة المنقولة و الإجماعات الواردة، إلّا أنّه قد ثبت أنّه مخالف للإجماع في ما لو كان هناك اتّفاق من الفقهاء، و لم يكن يتلائم مع روح الشريعة. مثلا في بحث مستحقّ الزكاة (الغارمون) قال: إذ الفقهاء متّفقون في أنّ المدين يجب عليه أداء ديونه بكلّ ما يملك، سوى قوت يومه و ليلته، و لباسه، و الدار، و الخادم، و نحوهما، لأنّ لازم ذلك أن يعطي مئونة سنته سوى قوت يومه. لكن معلوم أنّه تعالى لا يرضى أن يذلّ المؤمن نفسه و يجعلها فقيرة، فلذا جعل له هذا السهم، فهو فقير واقعا، و هو المرعيّ في المقام، كما هو ظاهر (4).

حيث يظهر منه أنّه يفتي بما يعتقده و يراه موافقا للشريعة على ما وصل إليه نظره، و لو كان ذلك مخالفا لما أجمع و اتّفق عليه الفقهاء- (رضوان اللّه عليهم)- على مدّ السير الفقهي للمسألة.

____________

(1) السنن الكبرى للبيهقي: 1/ 259.

(2) مصابيح الظلام: 5/ 264 و 265.

(3) مصابيح الظلام: 5/ 271- 276.

(4) مصابيح الظلام: 10/ 448.

43

تحليل المؤلف لخروج بعض الأصحاب عن مدلول بعض الأدلّة

و كي نعرف و يتّضح لنا فلسفة ما ذهب إليه المحشّي في عمله الكبير، و نعلم سبب أمثال هذه الانحرافات عنده مع ما تفرّد به من المباني أو اهتمّ بها، نسرّدها و نشير إليها ضمن بعض النقاط:

أ: عدم الدقّة في موارد حرمة التعدّي عن النصّ و وجوبه؛

هناك خلط عندهم بين أصلين مهمّين لم يفرق بينهما غالبا، و هما عدم جواز التعدّي عن النصّ و وجوب التعدّي عنه؛ إذ لم يفرق بين التعدّي الواجب و الحرام، و من الواضح وجود موارد كثيرة في الفقه قد تجاوز مدلول النصّ و تعدّي عنه حتّى ذهب جمع من الأخباريّين و نزر من الاصوليّين إلى عدّ مثل ذاك نوعا من القياس، و لذا ردّوه.

مع أنّا نجد أنّ هناك موارد يلزم فيها التعدي، و في بعض الموارد يحرم، و المرحوم الوحيد- طاب ثراه- في مقام بيان موارد التعدي الواجب و الحرام يقول:

و عدم الفرق بين المقامين أعظم خطرا على المجتهد، فلو كان أحد لم يفرق، و لم يعرف ما به الفرق يخرّب في الدين تخريبات كثيرة من أوّل الفقه إلى آخره .. كما وجدنا غير واحد من العلماء أنّهم يفعلون كذلك (1).

و قال في شرح مقدّمة المفاتيح- في مقام ردّه لاتّهام عمل أعلام الطائفة بالقياس- ما نصّه: و غالب المواضع التي طعنوا بالقياس وجدنا- بعنوان اليقين- أنّه ليس بقياس أصلا، لاطّلاعنا على دليل التعدّي، و جزمنا بأنّ الطاعن إمّا قاصر، أو غافل، أو معاند (2).

____________

(1) الفوائد الحائريّة: 293.

(2) مصابيح الظلام: 1/ 34.

44

ثمّ ذكر موارد وجوب التعدّي فيها كي لا يقع في محذور القياس (1).

و تعرّض بعد ذاك إلى طرق التعدّي الواجب و الموارد التي لا يقع فيها الباحث في القياس.

ب: عدم المعرفة التامّة بعلم الرجال؛

حيث إنّ صاحب الحدائق (رحمه اللّه) ادّعى- و لأوّل مرّة بعد اثني عشر قرن- إنّ الجمع بين الفاطميّتين حرام، تمسّكا برواية جاءت في «علل الشرائع»، و ذكر في مقام تصحيحها، فقال: و أمّا عند المتأخرين فطريق «العلل» صحيح البتّة (2)؛ إلّا أنّ المحشّي في جوابه قال: و أمّا حكمه بصحة طريق الصدوق على طريقة المتأخرين، فليس إلّا من جهة عدم اطّلاعه على طريقتهم، و عدم اطّلاعه على شرائط صحّته، و عدم اطّلاعه على علم الرجال؛ لأنّ الصحيح عندهم ليس إلّا ما رواه ثقة عن ثقه .. و هكذا عن المعصوم (عليه السلام)، و محمّد بن علي ماجيلويه غير مذكور في الرجال إلّا مهملا (3).

و لذا نجده في موارد كثيرة استطاع إلى التنبّه إلى ما فيها من الانحرافات و الاشتباهات لتسلّطه و إحاطته بالرجال، و تنبّه إلى نكاته و دقائقه فاستطاع أن يوضّح و يصحّح ما وقع فيه البعض لا عن قصد من الاشتباهات و الانحرافات.

ج: عدم التسلّط التام على اللغة؛

حيث قال المحشّي- طاب رمسه- في بحث التيمم: «الصعيد» جعلوه مطلق وجه الأرض .. ثمّ ردّه بكونهم جاهلين باللغة. ثمّ ردّ صاحب المدارك مستندا

____________

(1) مصابيح الظلام: 1/ 36- 39.

(2) الحدائق الناضرة: 23/ 551.

(3) الرسائل الفقهيّة: 189.

45

ببعض أقوال اللغويّين المعتبرين، و مستعينا بالروايات، و أثبت أنّ الصعيد هو التراب لا مطلق وجه الأرض (1).

د: عدم الالتفات إلى مواطن الأمارات و مجاري الاصول؛

حيث لا يخفى على أهل الفنّ أنّ مع وجود الأمارات لا مجرى لأصل البراءة مثلا. إلّا أنّا نجد بعض الأعاظم غفل عن هذا المهمّ و استدلّ بأصالة البراءة في مواطن متعدّدة، مثل صاحب الذخيرة في بحث فطرة عائلته الغائبة.

و قد استغرب الشارح لمثل هذا الاستدلال، و قال: و أعجب منه أنّه قال:

و قد عورض هذا الأصل بأصالة براءة الذمّة (2)، إذ الأصل براءة الذمّة فيما لم يقم عليه دليل شرعي، و أصل البقاء من أقوى الحجج الشرعيّة و على ذلك؛ المدار في الفقه و الفتاوى، و عمل المسلمين في الأعصار و الأمصار. مع أنّ الأصل براءة ذمّة العيال أيضا و عنده، بل و غيره أيضا أنّه إذا لم تجب على المعيل تجب على العيال في بعض الوجوه. مع أنّ كون الأصل براءة الذمّة في وجوب النفقة باطل جزما، و وجوب الفطرة تابع له، كما عرفت (3).

ه: الغافلة عن عدم إمكان إجراء الأصل في ماهيّة العبادات؛

حيث تمسّك البعض في ماهيّة العبادات بأصالة البراءة مع أنّها ليست موردا لها، و المحشّي أشار لمثل هذا الاشتباه في بحث صلاة الجمعة مثلا، حيث قال:

و أعجب من جميع ما ذكر أنّهم ربّما يتمسّكون بأصالة عدم الاشتراط لتتميم استدلالاتهم. و فيه؛ أنّ الأصل دليل برأسه لا مدخليّة له في الاستدلالات بالآية

____________

(1) لاحظ! مصابيح الظلام: 4/ 297- 311، الحاشية على مدارك الأحكام: 2/ 98- 116.

(2) ذخيرة المعاد: 474.

(3) مصابيح الظلام: 10/ 574.

46

و الروايات. مع أنّ الأصل لا يجري في ماهيّة العبادات، كما هو المحقّق و المسلّم (1).

و أيضا، ذكر هذا المعنى في «الفوائد الحائريّة» بشكل مبسوط هناك (2).

و: عدم غور البعض في الأدب العربي و مباديه الأوّليّة؛

حيث نجد أنّ صاحب الذخيرة (رحمه اللّه) في رواية: «في خمس من الإبل شاة» (3) ذهب إلى عدم إمكان حمل (في) على الظرفيّة. و الشارح (رحمه اللّه) عند شرحه لذلك أثبت في تحقيق أدبيّ رائع: أنّ (في) هنا بمعني الظرفيّة .. ثمّ ردّ الماتن و علّل اشتباهه بعدم إحاطته بالأدب العربي (4).

ز: عدم التوجه إلى العرف؛

حيث إنّ المحشّي (رحمه اللّه) عند نقده لقول المحقّق (قدس سره) الذي قال: (السوم شرط الوجوب ... فإنّه لا يقال للمعلوفة: سائمة في حال علفها) (5). قال: ما ذكر من عدم صدق السائمة عليها حال علفها .. ففيه أنّ الظاهر عدم الخروج عن كونها عرفا بذلك، كما لا يخرج الكلام عن العربيّة باشتماله على ما هو أعجميّ، و بالجملة المعتبر هو التسمية عرفا و ما يتبادر عندهم (6).

و لذا تجده قد عقد بابا في كتابه «الفوائد الحائريّة» على أنّ الأئمّة (عليهم السلام) كانوا يتكلّمون على طريقة المحاورات العرفيّة (7)، و من هنا جعل العرف مفتاحا لفهم

____________

(1) مصابيح الظلام: 1/ 398.

(2) لاحظ! الفوائد الحائريّة: 477- 485 (الفائدة 30).

(3) وسائل الشيعة: 9/ 108 الباب 2 من أبواب زكاة الأنعام.

(4) لاحظ! مصابيح الظلام: 10/ 367- 370.

(5) المعتبر: 2/ 507.

(6) مصابيح الظلام: 10/ 49 و 50.

(7) الفوائد الحائريّة: 463- 466.

47

كثير من الروايات. و ذهب أخيرا إلى أنّ صاحب المدارك حيث لم يلتفت لمثل هذه الموارد ترك طريقة الفقهاء في بحث الحيض و الاستحاضة، و سلك طريقا معوجا في فهم الروايات، و تابعه- غفلة- جمع من الفقهاء (قدس سرهم).

ح: عدم الدقّة في نقل الأقوال؛

إذ نجد في الكتب الفقهيّة أقوالا نسبت إلى السلف الصالح (رحمهم اللّه) لو رجعنا بدقّة- إلى كلماتهم و اصولهم المدوّنة، لوجدنا أنّ هذه النسبة غير صحيحة، بل قد تكون معكوسة، و هذه من الأعمال المهمّة التي قام بها المحشّي عند تصحيحه لاشتباهات المصنّف و الآخرين، حيث صرّح بأنّه: قد ذهب المصنّف (رحمه اللّه) أيضا في مفاتيحه إنّ جمعا أفتوا أنّ الفطرة يمكن إعطاءها للمستضعف غير الشيعي (1) .. إلّا أنّ المرحوم الوحيد- طاب رمسه- مع ردّه لهذا الادّعاء صرّح بعدم من قال بذلك عن فقهاء الشيعة، نعم أفتوا بذلك إذا لم يكن شيعيّا (2)!

ط: عدم الالتفات إلى دور الزمن في واقع النصّ؛

حيث إنّ الشارح (رحمه اللّه) يعتقد أنّ عدم الاعتناء بالزمان يوجب أنّ الفقيه لا يمكنه الوصول إلى الاستنباط الصحيح، لذا فهو مع أخذه بنظر الاعتبار لهذا المهمّ و ملاحظة زمن الأئمة (عليهم السلام) و تاريخ النصّ، وجّه كثيرا من الروايات و أماط عنها الإبهام، و صرّح بجواز إعطاء الفطرة للفقير غير الشيعي، متمسّكا برواية جاءت في عصر السجاد (عليه السلام)، ثمّ عقّب ذلك بقوله: و الحقّ أن يقال: إنّ زمان علي بن الحسين (عليه السلام) ما كان يوجد المؤمن العارف إلّا نادرا نهاية الندرة لو قلنا بوجوده ..

و لذا كان (عليه السلام) يعطي فطرته الضعفاء (3).

____________

(1) مفاتيح الشرائع: 1/ 221 (المفتاح 249).

(2) مصابيح الظلام: 10/ 636.

(3) مصابيح الظلام: 10/ 640.

48

ى: عدم الالتفات إلى دور المكان في بيان الحكم؛

و قد اعتنى (رحمه اللّه) و اهتمّ بهذه النكتة المهمّة في استنباطاته و أحكامه. لذا نجد في بحث التيمّم قرينة لإثبات أنّ المراد من «الصعيد» هو التراب، فيقول: مع أنّ معظم الأرض و أغلب أجزائها- في مكان السؤال في بلد الراوي- هو التراب، بل لعلّه لا يوجد فيها من الأرض سوى التراب إلّا شاذّا نادرا، و المطلق ينصرف إلى الفرد الغالب، كما هو ظاهر (1).

و كذا في مقام إثبات عدم مانعيّة ملاقات الحائض و النفساء مع الأئمّة (عليهم السلام)، استدلّ بأنّ بيوتهم (عليهم السلام) ما كانت خالية من النساء و الجواري لهم و لخدمهم و مماليكهم و غيرهم (2).

ك: الاتكال إلى الأدلّة و الغافلة عن الشخصيّات؛

إذ نجد أنّ بعضهم نسبوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه بقي إلى صبح يوم الصيام عمدا على الجنابة و لم يبادر إلى رفع الحدث و الغسل ..! إلّا أنّ المحشّي (رحمه اللّه) مع التفاته إلى عظمة شخصيّته (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و مقام الرسالة و العصمة فيه، و ما له من خصائص كوجوب صلاة الليل عليه؛ نفى هذا الادّعاء، و قال: مع أنّ صلاة الليل كانت واجبة عليه بالإجماع و صلاة الليل ما كان يتركها (3).

ل: عدم الدقّة في استعمال الاصطلاحات؛

إذ كلّ علم- كما تعرف- له اصطلاحاته الخاصّة، و لا يستثنى علم الفقه من هذا، نظير عناوين: الوجوب، و الحرمة .. و أمثال ذلك. حيث تستعمل في معاني

____________

(1) مصابيح الظلام: 4/ 303.

(2) مصابيح الظلام: 4/ 15.

(3) مصابيح الظلام: 4/ 27.

49

خاصّة لها، و قد ذهب جمع من الأعلام و واجهوا الأدلّة، بما ارتكز في ذهنهم من المعاني المصطلحة، و هذا بنفسه يوجب الاشتباه في مقام الاستنباط، إلّا أنّ الشارح (رحمه اللّه) مع أخذه بما ذهب إليه الشيخ الطوسي (قدس سره) من قوله: (إنّ الوجوب عندنا ضربين .. ضرب على تركه عقاب، و ضرب على تركه اللوم و العتاب)، أوضح لنا أنّه لا يمكن في مواطن حمل بعض الألفاظ المستعملة إلّا على معانيها اللغويّة، إلّا إذا كانت هناك قرينة على خلاف ذلك. إذ أنّ لسان الشارع هو لسان العرف و اللغة لا الاصطلاح (1).

م: إثبات الحكم بالأدلّة الضعيفة؛

حيث نجد في كلمات بعض الأعلام أنّهم أثبتوا حكما ما برواية ضعيفة غير مجبورة بعمل الأصحاب و أفتوا على ضوئها، كما نقله الشارح (رحمه اللّه) في إثبات كراهة قراءة القرآن للجنب و الحائض أكثر من سبع أو سبعين آية (2)، حيث بعد أن ذكر مستند القول بالجواز و استفاد من الروايات المجوّزة و عبّر عنها بأنّها صحيحة السند، و جعل فتوى المشهور دليلا اخر على الجواز: جعل هذه الفتوى موافقة مع العمومات و الاصول. إلّا أنّ الروايات الناظرة إلى الكراهة عبّر عنها بكونها مضمرة، أو مضطربة المتن. ثمّ صرّح أنّ تأييد هذا الحكم- أعني الكراهة- برواية عامية غير نافع، حيث إنّها بحكم «خذ ما خالف العامّة» (3) مؤيّدة للحكم بالجواز لا الكراهة، ثمّ قال: إنّ صرف كون الحكم غير إلزامي لا يسوّغ عدم الاهتمام به عند جمع الأدلّة، حيث إنّ الحكم الشرعي حكم و إن كان استحبابيّا أو كراهيّا.

____________

(1) مصابيح الظلام: 2/ 93 و 94.

(2) مصابيح الظلام: 4/ 22 و 23.

(3) مستدرك الوسائل: 17/ 303 الحديث 21413.

50

فكان فتح هذا الباب عنده- أعني الاستناد إلى الأدلّة الضعيفة- يهدّد اتقان الكيان الفقهي و ثباته.

ن: عدم الاعتناء بالإجماعات و خلق إجماعات جديدة مدّعاة؛

حيث إنّ هناك جمع- كصاحب المدارك- في موارد عديدة لم يعتن بالإجماع بل لم يعتبره، إلّا أنّ ما فعله المرحوم الفيض (قدس سره) في المفاتيح، هو أنّه كلّ ما واجه الإجماع خبرا- و لو كان ضعيفا- عبّر عنه بالإجماع، أما لو لم يجد خبرا مطابقا له قال: قالوا إنّه إجماع ..! مع أنّ الإجماع لو لم يكن معتبرا فإنّ صرف ضمّ الخبر الضعيف إليه لا يوجب صيرورته معتبرا، فلا يجعله معتبرا.

و في بعض الموارد هناك رواية إلّا أنّها لم تصل بيده يكرّر تعبيره السالف:

(قالوا: إنّه إجماع)، و الشارح عند نقده لكلامه هذا قال: ثمّ اعلم! أنّ المصنّف إذا رأى مع إجماع العلماء خبرا- و لو كان ضعيفا- يحكم بأنّه إجماع، و إن لم ير معه خبرا يقول: قالوا: إنّه إجماع. و إن وجد عوض الخبر ظنيّا اخر، بل ظنيّا متعدّدا، كما اتّفق منه في تحريم الزنا بذات البعل و ذات العدّة الرجعيّة، فإنّه نقل موضع الخبر قياسين بطريق أولى. مع أنّ الاستقراء أيضا يعضدهما فإنّ حالهما بحسب الشرع واحد غالبا، و يعضده أيضا أنّهم نقلوا النصّ على أنّ ذات العدّة الرجعيّة بحكم ذات البعل (1).

س: عدم التوجه للقواعد المسلّمة؛

حيث ذهب البعض في مبحث البلل في باب مستحبات الغسل إلى نقل روايتين من كتاب «من لا يحضره الفقيه» و قد أشار إلى ما أفتى به الصدوق (رحمه اللّه)، و ذكر قول صاحب المدارك في ذيله، قال: هو جيّد لو صحّ السند. ثم قال: أقول:

____________

(1) مصابيح الظلام: 1/ 64.

51

على تقدير الصحّة أيضا مشكل، للمخالفة للقاعدة الشرعيّة الثابتة من الأدلّة الكثيرة الموافقة لطريقة المسلمين في الأعصار و الأمصار، و لمخالفتها للأخبار الصحيحة و المعتبرة الكثيرة التي أفتى الفقهاء بها (1).

و كأنّه في مقام تأسيس أصل أنّه لو كانت الرواية صحيحة السند إلّا أنّها مخالفة مع القواعد المسلّمة و القطعيّة للشريعة لا يمكن الاستناد عليها و بها فحينئذ يلزم إمّا تأويلها و توجيهها، أو طرحها و ردّها.

و على هذا الأساس ذكر في «الفوائد الحائريّة» أنّ هناك بحث قد عنون تحت قولهم: (تعارض الأدلّة و النصوص)، و هم يستندون إلى هذه الرواية و نظائرها من قوله (عليه السلام): «اعرضوا الحديث على سائر أحكامنا، فإن وجدتموه يشبهها فخذوا به، و إلّا فلا»، و بذلك أثبت أنّ حكم وجوب الطرح و عدم جواز الأخذ ليس مختصّا بالروايات المخالفة للنصوص الصريحة القرآنيّة، و القواعد القطعيّة الشرعيّة، بل الروايات التي هي مخالفة للإجماع- و حتّى الشهرة بين الأصحاب- ساقطة عن الاعتبار (2).

بسبب عدم الالتفات إلى هذا الأصل المهمّ جرّ جمع من الفقهاء (رحمهم اللّه) إلى التفردات الفقهيّة و الاستنباطات المغلوطة.

و يستنتج من هذه الفائدة أنّه حتّى الروايات في باب الاعتقادات و القضايا التاريخيّة لو تغايرت مع الاصول المسلّمة الاعتقاديّة للطائفة الحقّة الإماميّة لا يمكن الاستناد إليها، بل و لا يصح نقلها على أنّها رواية، إذ أنّ ذاك يوجب تضعيف المباني الاعتقاديّة .. أعاذنا اللّه تعالى من الزلل.

____________

(1) مصابيح الظلام: 4/ 155.

(2) الفوائد الحائريّة: 319- 322 (الفائدة 33).

52

ع- عدم الاعتناء بالشهرة؛

حيث إنّ إطلاق التعبير بالشهرة يمكن حمله على الشهرة الروائيّة، أو العمليّة، أو الفتوائيّة. و مراد الشارح من الاهتمام بالشهرة هما الأخيران منها خاصّة، حيث إنّ نقل الرواية الضعيفة في المجاميع الحديثيّة العديدة لا يوجب الاطمئنان بصدورها، إذ أنّ حجّية الرواية تابعة لقواعدها المقرّرة الخاصّة بها، أمّا إذا كانت الرواية ضعيفة و عمل بها المشهور، ثمّ عارضتها رواية صحيحة، فنظر الشارح- كما صرّح في «الفوائد الحائريّة»- هو تقديم الرواية المعمولة بها، و هذا ما تجده قد عمل به في غالب كتبه الفقهيّة.

قال- طاب ثراه-: و ممّا ذكر ظهر- أيضا- أنّه إذا وقع التعارض بين الضعيف المنجبر بالشهرة و الصحيح الغير المنجبر، يكون الضعيف مقدّما عليه، كما هو طريقة القدماء و أكثر المتأخرين، كما لا يخفى على المطّلع (1).

و مع التأمّل في كلمات الوحيد (رحمه اللّه) نجد أنّ دعوى الشهرة لا حجّية لها في نفسها، فكيف يحتجّ بها و يكون ما لا حجّية له حجّة بها .. مدفوعة، خصوصا إنّ الرواية الصحيحة قد أعرض عنها و لا اطمئنان لنا في حجّيتها، و إتقان الخبر أو عدم وجود قرينة مانعة من الظهور- بعد إعراض المشهور عنها- سيّما و إنّ المسألة من المسائل المبتلى بها، و كانت بمرئى و منظر من فقهائنا الأعاظم (قدس سرهم).

و عليه، فإعراض القوم عن هذه الرواية و عملهم بالرواية الضعيفة و افتاؤهم على ضوئها كاف في وهنها، مثل عدم الاكتفاء بجميع الأغسال عن الوضوء عدا الجنابة .. و غير ذلك.

فتحصّل ممّا سلف أنّ مقام الفقاهة مقام و منصب خطير، و قد نصّ

____________

(1) الفوائد الحائريّة: 491.

53

الشارح (رحمه اللّه) في الفائدة الاولى من «الفوائد الحائريّة» إلى ذلك (1)، و تعرّض مفصلا لخطورة هذا المقام و عظمته، و أدرج جملة من الآيات و الروايات المهدّدة الكثيرة الواردة في الفقه، من قبيل قوله سبحانه و تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ (2) و قوله عزّ اسمه: وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنٰا بَعْضَ الْأَقٰاوِيلِ (3) و قوله (عليه السلام):

«من حكم بدر همين بغير ما أنزل اللّه عزّ و جل فقد كفر» (4)، و قوله (عليه السلام): «إنّ المفتي ضامن قال أ و لم يقل» (5)، و ما ورد مكررا إنّه «.. هلك .. و أهلك» (6)، و «إنّ المفتي على شفير السعير» (7)، و «إنّ أجرأكم على الفتيا أجرأكم على اللّه تعالى» (8) ..

و أمثال ذلك- و ما أكثرها- يستنتج أنّ الفقه كلّا مبنيّ على الظنون، و الظنّ مقارب للشكّ، و يجرّ الإنسان بأدنى غفلة إلى وادي الوهم.

و لذا اعتصم الفقهاء في مقام الإفتاء بالاحتياط مهما أمكن، و عليه فليس لمن له أدنى قدر من التقوى و العلم أن يفتخر بدعوى تركه الاحتياط، و يقول: إنّا تركنا مئات الاحتياطات في الرسائل العمليّة ..! حيث إنّه لا شكّ أنّ ضرر عدم الاحتياط و تركه عند سلوك هذه الجادة أخطر من ترك الاحتياط في عالم الطبّ، لكونه هذا أعظم خطرا، لما يلزم من كون الطبيب القاصر غير المحتاط عدوّ النفوس

____________

(1) الفوائد الحائريّة: 91- 94.

(2) المائدة (5): 44.

(3) الحاقة (69): 44.

(4) وسائل الشيعة: 27/ 23 الحديث 33141.

(5) وسائل الشيعة: 29/ 220 الباب 7 من أبواب آداب القاضي.

(6) وسائل الشيعة: 27/ 45 الحديث 33173، بحار الأنوار: 2/ 119- 121.

(7) رجال الخاقاني: 28.

(8) رجال الخاقاني: 28.

54

و الأرواح، و الفقيه القاصر غير المحتاط عدوّ الدين و الإيمان و اعتقادات الناس ..

عصمنا اللّه و إيّاكم من مضلّات الفتن، و من الزلّات و الهفوات .. و هو نعم المولى و نعم النصير .. و اخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.

عيد الغدير الأغرّ 1423 ه، ق

المير السيّد محمّد اليثربي الكاشاني

قم المقدّسة