شرح الرسالة الصلاتية

- الشيخ يوسف البحراني المزيد...
173 /
1

المقدمة:

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ.

الحمد لله رب العالمين، و آله الموحدين و العارفين، و الهادي بنوره للصراط المستقيم، و محل علم الأنبياء و المعصومين، للفقهاء و المحدثين، و الخالق للناس أجمعين، البصيرة و الدين، و الجاعل في أرضه من الراكعين، و المصلي على خير المرسلين، بخير صلاة و تسليم، السراج المنير في الأولين و الآخرين، محمد و آله الطاهرين.

و بعد: فقد شمرت عن ساعد الجد و الاجتهاد لخوض ما أهمل في هذا الزمان من نشر و تحقيق كتب علمائنا الأعلام أمثال هذه الشهب العظام و السادة الكرام كشيخنا الفقيه المتبحر علم الأحرار و ورع الأبرار و حامل الأسرار و جاعل الفقه شمس الأنوار الشيخ يوسف بن الشيخ أحمد بن الشيخ إبراهيم آل عصفور البحراني الدرازي (قدس سره) و الله المستعان و هو ولي التوفيق.

الصلاة و المصلي

اعلم أن الله سبحانه و تعالى أنزل الكتاب و أرسل الرسل رحمة للعالمين و هداية للمسترشدين و طلباً للفوز بيوم الدين الذي أوعد به عباده المؤمنين و قال عز من قائل [أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ]* في كثير من الآيات، و أوصى بها أنبياءه الصالحين و أمر بالمحافظة عليها و جعلها العمود للدين بعد ولاية أمير المؤمنين كما وردت به الروايات المعتبرة عن الأئمة المطهرة [و العلة في فرضها و وجوبها الإقرار بالربوبية لله عز و جل و خلع الأنداد و نفي الأضداد و القيام بين يدي الجبار بالذل].

و فيها وضع الوجه على الأرض إرغاماً للملك الجبار، و إقراراً بعزته كل يوم خمس مرات في الليل و النهار، إعظاماً له عز شأنه و أن يكون العبد ذاكراً غير ناس له و لا بطراً، و يكون في ذكره لربه و قيامه بين يديه ما يزجره عن المعاصي و أنواع الفساد، و هي قرة عين النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و قربان كل تقي و غاية كل مشتكي.

و هي تحتّ الذنوب حتّ الورق و تطلقها إطلاق الرق و تنمي القلوب بذكر الإله و تشفي الصدور من كل داء.

و هي كالنهر الجاري الذي يذهب عمل الجني و يضع كل ما اجتني من كتاب الله المجيد.

إنها [تَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ]، و تكفر الخطايا كما كفرت خطية آدم.

و أن تاركها كافر و إن كان لا عن استحلال، و تركها من أعظم الكبائر، و من تركها متعمداً فقد برئت منه ذمة الإسلام

و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) [ليس مني من استخف بصلاته لا يرد على الحوض لا و الله].

إلى غير ذلك من الفوائد و الفضائل الواردة عن الآل (عليهم السلام).

التقليد و المقلد عند المصنف

اختلف الأصحاب في هذه المسألة اختلافات شاسعة و واسعة في أنه هل يجوز تقليد الحي و الميت أم اختص التقليد بالأول.

ثم هل يجوز التقليد في أصول الدين و فروعه أم في الثاني فقط؟.

قال الحر العاملي في الفوائد الطوسية ما هذا لفظه «منهم من أجازه في الفروع و الأصول و منهم من أجازه في الفروع خاصة، و الخلاف مشهور و أدلة الجواز ضعيفة و الآيات الشريفة صريحة في ذمه و المنع منه مطلقاً».

أي أن جواز التقليد في الأصول ممنوع بل اختص التقليد بالفروع و هذا لأن الأصول يحتاج لجزم و إذعان لا ترتب العلم و ظن، و لا يحصل ذلك إلا من نفس الإنسان لتحصل الطمأنينة ثم إن الآيات و الروايات أحالتنا في هذا الباب بأخذ العقل حجة و وسيلة فيه لا في غيره فيلزم عدم جواز التقليد في ذلك.

و أما الخلاف الواقع في الفروع بتقييده بالحي و عدمه.

فأكثر المتقدمين يجوزون تقليد الميت و أكثر المتأخرين يمنعون تقليد الميت و يبطلونه و على ذلك قال الحر العاملي (قدس سره) ما هذا لفظه «و من المعلوم أن طريقة المتقدمين هي الموافقة للأئمة (عليهم السلام) و لأحاديثهم المتواترة فإن شذّ منهم شاذ أحياناً أنكر عليه الباقي و أنكر عليه الأئمة (عليهم السلام).

و قال شيخنا المصنف الأعظم في كتاب الدرر النجفية واصفاً أولئك (المتأخرين) ما هذا لفظه «لقد تقاعدت الهمم في هذا الزمان عن نصرة الدين المبين، و السعي في إحياء سنة سيد المرسلين، و تحصيل الأحكام على وجه الذي ذكرناه في هذا المقام أو ذكره من تقدموا من الأعلام، و قنعوا بما قنعت به منهم الجهال في هذا المجال، فتصدوا لهذا المنصب النبوي، فأكثروا من الفتيا في الأحكام و خبطوا خبط عشواء في موارد الحلال و الحرام من غير معرفة لهم في ذلك بدليل و لا وقوف على نهج السبيل، و تصدر للحكومة بين الناس من لم يبني في ذلك على أصل و لا أساس، [أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئٰاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللّٰهُ بِهِمُ الْأَرْضَ، أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذٰابُ مِنْ حَيْثُ لٰا يَشْعُرُونَ]، فصاروا إذا أوردت أحدهم القضية هيأ لها حشواً من المقال، و أردف الجواب عاجلًا بالسؤال من غير معرفة بالصواب أو الضلال، و المتورع منهم الفاضل بزعمه بين العباد.

إذا أوردت عليه مسألة هيأ لها شرح اللمعة، أو المسالك، أو أحد شروح الإرشاد، و اعتمد الجواب منها، من غير علم بابتنائه على صحة أو فساد، (آللّٰهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّٰهِ تَفْتَرُونَ)؟.

هذا مع أن أصحاب تلك الكتب متفقون على المنع من تقليد الأموات كما صرحوا به في كتبهم الأصولية و الفروعية من مختصرات و مطولات»، (انتهى كلامه (قدس سره).

و قال الشهيد الثاني مخالفاً على ما تقدم في رسالته بعدم جواز تقليد المجتهد الميت مطلقا، ما هذا لفظه «إن بطلان العمل بقول الميت مجمع عليه لا خلاف فيه».

2

أقول: إن كان الفقيه راويا لأحاديثهم (عليهم السلام) كما نص بالأخذ بفتواه و الرجوع إليه فلا تبطل الرواية بموت الراوي إجماعاً من الطرفين: المتقدمين و المتأخرين: و القول عندنا هو أن الفقيه راوياً لا يعمل بعقله و اجتهاده و لا بالظن و التخمين فإنّه مجرد واسطة بين الإمام (عليه السلام) و الأنام و هو صريح في قوله (عليه السلام)

[حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة]

و قوله (عليه السلام)

[ما لم يخرج منا فهو باطل].

أما إن كان الفقيه معبراً عن رأيه و حاكياً عن عقله و مستدلا بظن فإن مات مات قوله هذا متجه له و لمقلده لا غير و فيه ما فيه، على أنه إن كان كذلك هل يجوز تقليده و اتباعه.

الجواب: لا كما قالها كثير من مشايخنا (قدس سرهم) و قد أشار إلى ذلك المصنف (قدس سره) في الدرة 55 من كتاب الدرر النجفية ما هذا لفظه «المرجع في استعلام من له أهلية الحكم و الفتوى و هو ممن اتصف بما قدمنا من العلوم و الملكة مع تسربله بسربال الورع و التقوى أما إلى المعاشرة التامة بمن مثله في العلم و العمل أو شهادة عدلين بذلك أو عرض فتاويه مع فتاوي من له تلك الملكة العلمية و القوة القدسية أو عمل أهل العلم بأقواله و فتواه.

و لا فرق في العمل بقوله حياً كان أو ميتاً و ما ذكره الأصحاب من الاكتفاء برؤيته مصدراً ناصباً نفسه للفتوى و إقبال النّاس عليه فلا يخفى ما فيه من عظم المحنة و البلوى سيما في هذا الزمان الذي عزّ فيه الورع و التقوى»، (انتهى كلامه (قدس سره).

نذكر نخبة من الفقهاء الذين لا يفرقون في التقليد بين الحي و الميت.

1- الشيخ ثقة الإسلام (قدس سره).

2- الشيخ الطوسي (قدس سره).

3- السيد المرتضى (قدس سره).

4- الشيخ المفيد (قدس سره).

5- الشيخ الصدوق (قدس سره).

6- المحقق الحلي (قدس سره).

7- القاضي (رحمه الله).

8- المازندراني (قدس سره).

9- الشيخ علي بن عبد العالي (رحمه الله).

10- الفاضل محمّد بن علي الأحسائي (رحمه الله).

11- الشيخ عبد الكريم الفتال النجفي (رحمه الله).

12- الشيخ زين الدين الجزائري (رحمه الله).

13- الشيخ أبو الحسن العصفوري البحراني (قدس سره).

14- الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني (رحمه الله).

15- الشيخ علي بن هلال (رحمه الله).

16- الشيخ حسين البحراني (قدس سره).

17- الشيخ حسين بن يوسف البحراني (رحمه الله).

18- الشيخ الفاضل الخراساني (قدس سره).

19- السيد نعمة الله الجزائري (قدس سره).

20- ناصر مكارم الشيرازي.

21- الشيخ حسين الكركي (قدس سره).

22- الفيض الكاشاني (قدس سره).

23- المجلسين (قدس سرهما).

24- السيد ماجد البحراني (قدس سره).

25- المولى الأسترآبادي (قدس سره).

26- الشيخ محمد باقر الأصفهاني (رحمه الله).

27- الحرّ العاملي (قدس سره).

28- ميرزا محمّد الأخباري (قدس سره).

29- الشيخ حسن العصفوري البحراني (رحمه الله).

30- الشيخ خلف بن الشيخ عبد علي العصفوري (قدس سره).

31- الشيخ ميرزا القمي (قدس سره).

هذه نخبة من علمائنا القائلين بجواز تقليد الميت مطلقاً و ذكرنا لهم كان استطرادا لما تتبعناه لا على سبيل الحصر كما هو محال عليّ.

هذا و نذكر بعض الكتب التي تتعلق بذلك لتكون عوناً لمن أراد مزيداً من التحقيق، و طلب مسلكاً للتدقيق، و جعله سداً أما الشّنآن و الشنيع و تنبيهاً لمن كثر الضليل، و رفعاً لما وضع من التشويش، و إراقة لسالكي الطريق، و حصناً كان هو منيع، و نشراً لعلم أهل بيت الأمين (صلى الله عليه و آله).

1- الدرر النجفية.

2- المحاسن النفسانية.

3- مزيلة الشبهات عن المانعين من تقليد الأموات.

4- منبع الحياة.

5- مقدمة كتاب حجة الإسلام في شرح تهذيب الأحكام.

6- الفوائد الطوسية.

7- الجوهر النضيد في مسألة التقليد.

8- مصادر الأنوار.

9- هداية الأبرار.

10- أجوبة مسائل الفارسية.

11- شرح التقليد و الاجتهاد.

12- حاشية العدة.

13- الفوائد المدنية.

14- رسالة المنع من التقليد.

15- القوانين في الأصول.

16- هداية الأصول.

17- رسالة التقليد و الاجتهاد.

فتش تجد هنالك التفصيل.

الكتاب بين يدي القارئ الكريم

إذا تأمل القارئ، و نظر الباحث، و انكب المطالع في هذا الكتاب ظهرت له فكرة خالدة واضحة إزاء مؤلفه: و هي أن هذا الكتاب وثيقة لمعرفة صاحبه في الارتقاء و خوضه في البحور و الآفاق بين الأعلام السامية و الشهب الثاقبة في كل العصور و الدهور، في القيل و القال هو مرجع الكلام عمّا سلف من الكرام (عليهم السلام) و هو ممن اختار الوزرين و الثقلين لأمة محمّد (صلى الله عليه و آله) و هما الكتاب و السنة لا زيادة و لا نقصان إذن هو محدث بارز متمسك بالسلف الصالح يميل للقدماء كميل الحرّ للحياة و العبد للإله.

و ذلك لا يخفى على كل من تتبع لكتبه و آرائه و يكفيك في ذلك هذا الكتاب الجلي في بيانه و الراقي في معانيه.

و الذي يجعل هذا الكتاب نفيس و عزيز: أنه آخر ما كتبه في الفقه و حاصله أن يكون عصارة جهوده، و نخبة أفكاره، و موجز في عبارته، و صائب في إشكاله، و حامل لاستدراكاته، و برّام في نقده، و سداد في فتواه، و وتيرة تصانيفه، و منوال تآليفه، فقد اعتمد في كل أخذ و ردّ من الكتاب و السنة معياراً للحق و الباطل.

و إذا تأملت أكثر و أحصيت عدداً أكبر تجد أن المصنف (قدس سره) لم يحيد عن ذلك قيد شعرة و لم يفارقه قدر أنملة.

و هذا الكتاب يؤدي مهمة بجدارة فائقة النظير كإخراج السواد بياضاً و إخراج الكفر إيماناً و إخراج الظلام الدامس ضياء.

و هو شرح مزجي و بياني و تفصيلي و استدلالي.

هذا الكتاب ينضح بما فيه و هذا القلم يغنيك عن باقيه السائل عن لسان أهل العلم و العصمة (عليهم السلام) و ما دونه فهو دان و من تخلف عنه هوى في الجو لا يأوي إلى سكان.

تحقيق الكتاب

تم تحقيق هذا الكتاب و الحمد لله و قد راجعنا كثير من الأحاديث و إنّما لم نذكر المصدر: لأنّا إذا ذكرنا بعض المصادر اطردت القاعدة المتعارفة بنا لأن نخرّج جميع الأحاديث و لأن النسخة الأصلية المصورة الخطية الموجودة عندنا هي أصح نسخة لقلّة خطئها و عناء كاتبها، و لأنّه كتبها على نسخة المصنف الأصلية و قد قابلها عدة مرات كما كتب في آخرها و قد قابل الحواشي بخط المصنف (رحمه الله): فخرجت أصح النسخ و أوثقها إلّا ما ظهر خلاف بين النسختين أو ركة في العبارة رجعنا إلى مصدر الحديث هذا إذا كان في الحديث أما في العبارة فقلّ ما وجد و قد زدنا في الكتاب كلمة «المسألة» توضيحاً.

و أما القوسان المعكوفان [] فإنّهما قد أدرجا لآية أو رواية و هكذا () لأصل الرسالة الصلاتية و هكذا () لأسماء الرواة أو العلماء و كتبهم و هكذا «» لتنبيه عليه، أو المنقول عن كتاب مع المراجعة و رمز كتاب سداد العباد ب(س ع).

و اختصرنا بكلمة «شيخنا» لشيخ حسين العصفوري البحراني.

و الله المرشد لخير سبيل و الهادي لخير طريق و هو ولي العلم و الحمد لله و صلى الله على محمّد و آله الطاهرين.

أبو أحمد بن أحمد آل عصفور البحراني وفقه الله لمراضيه و جنبه معاصيه.

3

شرح الرّسالة الصّلاتيّة تصنيف العلّامة المتبحِّر الشّيخ يوسف البحرانيّ صاحب الحدائق النّاضرة «(قدس سره)» أشرف على مقابلته و تصحيحه خادم أهل البيت (عليهم السلام) عادل بن الشّيخ أحمد بن الشّيخ خلف العصفوري.

[الباب الأول في الطهارات]

[الفصل الأول في الوضوء]

المسألة الأولى: [1] (موجبات الوضوء:)

(البول و الغائط و الريح من الموضع المعتاد) أي الموضع الطبيعي (مطلقاً) أي مع الاعتياد و عدمه فإنه بالخروج أول دفعه يكون موجباً و إن تخلف أثر لفقد شرط كالصغير.

فإن شرط تكليفه البلوغ أو لوجود مانع كالحيض و نحوه و مثله على المشهور بل ادعى عليه الإجماع.

المسألة الثانية: (تجب في الوضوء النية:)

(و هي قصد الفعل قربة إلى الله) و الأمر «عندنا» فيها و في جميع العبادات سهل لا يحتاج إلى كلفة و لا احتمال فإنه أمر لا ينفك عنه العاقل الغير الغافل في فعل من الأفعال.

و من ثم قال بعض الفضلاء و نعم ما قال لو كلفنا الله العمل بلا نية لكان تكليف بالمحال و العاقل يرى نفسه عند جملة أفعاله الاختيارية التي لا يقع شيء منها إلا بقصد و إرادة مع أنه لا يحصل له فيها قلق و لا اضطراب و ليس العبادة إلا واحدها، نعم تزيد عليها بقصد التقرب و هذا أمر لا يوجب الالتباس و لا الوقوع في شبائك الوسواس كما يفعله كثير من النّاس و هذه جملة كافية في المقام شافية لذوي الأفهام و المشهور وجوب ضم نية الوجه من وجوب أو ندب و الرفع و الاستباحة و لم أقف له على دليل.

و القربة كافية هنا و في جميع العبادات «عندنا» و يجب استدامتها حكماً: بأن لا ينوي نية تخالفها و في نية الضمائم اللازمة الحصول أقوال:

(أحدها) الصحة مطلقاً و الظاهر أنه هو المشهور.

(ثانيها) البطلان مطلقاً و هو ظاهر جماعة منهم (الشهيد الثاني في البيان و روض الجنان و المولى الأردبيلي في شرح الإرشاد).

(ثالثها) التفصيل بين ما إذا كانت راجحة فيصح و إلا فيبطل و هو اختيار (السيد السند في المدارك) و إليه أشار بقوله أظهرها الصحة مع رجحان الضميمة.

(رابعها) كذلك مع ملاحظة رجحان الضميمة و هو اختيار (شيخنا أبي الحسن (قدس سره) في رسالة الصلاة).

و الظاهر رجوعه إلى سابقه عند التأمل و التحقيق كما أوضحناه في محل أليق لكن مقتضى الأدلة عدم الاختصاص بالملازمة و هو كذلك فإن من جملة الأدلة التي أوردوها على الصحة قصد مخرج الزكاة علانية اقتداء الغير به بل سائر أفعال الخير علانية و من الظاهر أنه لا ملازمة بين إخراج الزكاة و اقتداء الغير، و لا يخفى أن من جملة الأدلة أيضاً استحباب إطالة الإمام الركوع لانتظار الداخل و إطالة القيام في صلاة الخوف لانتظار إتمام الفرقة الأولى و دخول الثانية و جهر المصلي

____________

[1] و جاء في نسخة ط من الأصل الباب الأول في الطهارة و ما يلحق بها و فيه مقاصد المقصد الأول في الوضوء و فيه فصول فصل .. موجبات ..

4

بصلاة الليل في منزله ليوقظ جاره إذا كان ممن يعتادها و نحو ذلك مما يقف عليه المتتبع.

و هذه الضمائم كلها غير لازمة الحصول لكنّها راجحة شرعاً و العبادة معها صحيحة بالاتفاق نصاً و فتوى نعم في مثل الصوم لأجل الحمية يتم ما ذكروه إلا أنه لا يختص به كما عرفت، و أوجب جمهور الأصحاب مقارنتها لغسل الوجه و رخصوا في مقارنتها لغسل اليدين المستحب و توقف بعضهم «و عندي» في أصل الحكم و هو وجوب المقارنة نظر لعدم الظفر بدليله لا في هذا الموضع و لا في غيره.

(و يجب غسل الوجه مبتدئا بأعلاه) هذا هو المشهور و ذهب جملة من الأصحاب و لا سيما (متأخري المتأخرين) إلى العدم تمسكاً بإطلاق الآية و حملا لما ورد في الأخبار البيانية من الابتداء بالأعلى إلى كونه أحد أفراد الواجب المطلق لا لوجوبه بخصوصه و فيه نظر من وجوه:

(أحدهما) أن الأوامر القرآنية كلها لا تخلو من إجمال و إطلاق إلّا ما شذّ.

و قد استفاضت الأخبار بالرجوع إليهم (صلوات الله عليهم) في بيان مجمله و مطلقه فإذا ورد عنهم (عليهم السلام) ما يكشف عن ذلك وجب الوقوف عليه و لا ينافي ذلك بعض الأخبار البيانية عنه مع عدم دلالتها على خلافه فإنها محمولة على ما بين في غيرها حملا للمطلق على المقيد.

و (ثانيها) ما رواه (الحميري في كتاب قرب الإسناد) بسنده عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) في حديث قال فيه

[و لا تلطم وجهك بالماء لطما و لكن اغسله من أعلى وجهك إلى أسفله بالماء مسحا]

و الأمر للوجوب كما تقرر في محله و عليه دلت الأخبار كما أوضحناه في مقدمات (كتاب الحدائق).

و (ثالثها) أن غسل الوجه مع عدم الابتداء لا أقل أن يكون بما ذكرنا مشكوكا في صحته لوقوعه على خلاف ما بينه صاحب الشرع و الشك في صحته يقتضي الشك في رفعه و يقين الحدث لا يرتفع إلا بيقين الطهارة للصحيح المتفق عليه

[ليس لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا]

إلى غير ذلك من الوجوه التي بسطنا الكلام عليها في (كتاب الحدائق الناضرة) و بذلك يظهر «وجوب» الابتداءِ بالأعلى (الذي هو قصاص شعر المقدم) منتهياً الغسل (إلى محادر الذقن طولا).

(فلا يجوز النكس على الأظهر و ما دارت عليه الإبهام و الوسطى عرضاً و لما في دليل التحديد) و هو (صحيحة زرارة)

عن أبي جعفر (عليه السلام) [قال: أخبرني عن حدّ الوجه الذي ينبغي أن يوضأ كما قال الله تعالى فقال: الوجه الذي أمر الله بغسله الذي لا ينبغي لأحد أن يزيد عليه و لا ينقص عنه إن زاد عليه لم يؤجر و إن نقص عنه أثم ما دارت عليه الوسطى و الإبهام من قصاص شعر الرأس إلى الذقن و ما جرت عليه الإصبعان مستديرا فهو من الوجه و ما سوى ذلك فليس من الوجه قلت الصدغ من الوجه قال لا]

و لما فيه من الإجمال [2] اعترى بعض ما وقع في المحدود غياهب الإشكال فوقع الخلاف فيه بين علمائنا الأبدال.

و على ما فهمه (شيخنا البهائي (قدس سره) من معنى الرواية بالحمل على الدائرة يهون الإشكال الذي ذكرناه و توضيح ما ذكره (قدس سره) «أن يأخذ خيط و يقدر به ما بين القصاص إلى أسفل الذقن

____________

[2] و في نسخة م من إجماع.

5

ثم تنصفه و تجعل أحد طرفيه من أعلى الحدين أو أسفلهما إلى حيث ينتهي من وسط الوجه ثم تثبت رأسه في وسط الوجه الذي انتهى إليه و تديره من جميع جوانب الوجه [3] فإنه يظهر لك ما يدخل في الحدود و ما يخرج منها» (فمنه) أي مما اعتراه الإشكال فوقع فيه الخلاف.

(العذار) و هو الشعر النابت على العظم الذي على سمت الصماخ يتصل أعلاه بالصدغ و أسفله بالعارض (و المشهور خروجه و قيل بدخوله) و هو منقول عن ظاهر (الشيخ (رحمه الله) في (الخلاف و المبسوط) و عن (ابن الجنيد) أيضا و إليه مال (ثاني المحققين و ثاني الشهيدين) و وجه الجمع ممكن بحمل كلام القائلين بدخوله على ما تشمله الإصبعان منه و كلام القائلين بخروجه على البعض الذي لا تشمله كما يشهد به تتبع كلامهم.

(و منه مواضع التحذيف) بالحاء المهملة و الذال المعجمة و هي ما بين الصدغ و النزعة سمي بذلك لأنّه تحذفه النساء و المترفون و قد قطع في (المنتهى و التذكرة) بخروجها و قطع جملة من الأصحاب بدخولها و علله البعض بالاحتياط و هو متجه.

(و منه العارض) و هو الشعر المنحط عن محاذاة الأذن يتصل أسفله بما يقرب من الذقن و أعلاه بالعذار و قد قطع في (المنتهى) بخروجه (و الشهيدان) بدخوله بل ادعى ثانيهما الإجماع على ذلك و الجمع ممكن بما فصله في (النهاية) من أن ما خرج عن حد الإصبعين فلا يجب غسله و ما دخل فيها يجب غسله.

(و أما الصدغ فالمشهور خروجه و هو صريح الدليل).

و قيل بدخوله و نسب إلى (القطب الراوندي) و وجه الجمع ممكن أيضاً فإن الصدغ بناءً على ما ذكره أهل اللغة «يطلق على ما بين العين و الأذن و يطلق على الشعر المتدلي على هذا الموضع» (و العلامة في المنتهى) فسره بالشعر الذي بعد انتهائي العذار المحاذي لرأس الأذن و ينزل عن رأسها قليلًا، فيمكن حمل كلام (القطب) على تفسير الصدغ بما ذكره أهل اللغة فإنه لا شك أن بعضه داخل في الوجه إذ من البعيد مخالفته (قدس سره) في الحكم مع تصريح الرواية الصحيحة التي هي مستند الأصحاب في هذا الحكم بعدم وجوب غسله و أبعد منه عدم اطلاعه على الرواية المذكورة.

(و لا يجب تخليل الشعر من لحية و غيرها) خفيفاً أو كثيفاً نعم (يجب البشرة الظاهرة) إشارة إلى أن التخليل الذي نقل عن البعض عدم وجوبه إنّما هو عبارة عن إدخال الماء تحت الشعر لأجل غسل البشرة المستورة به و الذي نقل عن البعض الآخر في القول بوجوبه إنّما هو غسل ما ظهر خلال الشعر من البشرة لما ستره الشعر كما توهموه فجعلوا النزاع في هذه المسألة معنويا فإنه لفظي (بغير ريبة) كما لا يخفى على من راجع عبارات أولئك القائلين.

(ثم يجب غسل اليد اليمنى ثم اليسرى مبتدئاً بالمرفقين إلى أطراف الأصابع فلا يجوز النكس على الأظهر) و الكلام هنا في الابتداء بالمرفقين كما تقدم في وجوب الابتداء بالأعلى في غسل الوجه و أكثر الأخبار البيانية هنا قد اشتمل على ذكر الابتداء بالمرفقين.

و من المعلوم أن يقين البراءة لا يحصل إلا بمتابعتهم (صلوات الله عليهم)

____________

[3] و في النسخة المذكورة ثم ثبت رأسه و هو أن كلا من الطول و العرض للوجه هو ما اشتملت عليه الإبهام و الوسطى من جميع جوانبه.

6

عليهم) سيما ما ورد في الأخبار في مقام الجواب عن الكيفية التي أمرت بها [رواية صفوان المروية في تفسير العياشي عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) و فيها قال

قلت فإنه قال

«فَاغْسِلُوا (وُجُوهَكُمْ وَ) أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ»

فكيف الغسل؟ فقال هكذا: أن يأخذ الماء بيده اليمنى فيصبه في اليسرى ثم يفضه على المرفق ثم يمسح إلى الكف]

«الحديث».

و من المقرر (عندهم) أنه إذا وقع فعله (عليه السلام) بياناً للمجمل وجب اتباعه و السؤال عن الغسل مما يدل على وقوع الإجمال فيه كما لا يخفى و مثل هذه الرواية رواية (الهيثم بن عروة التميمي) و لا ينافي ذلك أمره (عليه السلام) بأخذ الماء باليمين و صبه باليسرى حيث إنه غير واجب بهذه الكيفية لقيام الدليل عن خارج على ما يدفع التخصيص في هذا الخبر بخلاف ما نحن فيه (و يجب إدخال المرفقين لكن هل دخولهما أصالة أو من باب المقدمة قولان أظهرهما الأول) وجه الأظهرية التمسك بالاتفاق و الأخبار الدالة على وجوب غسلهما.

و الأصل كون ذلك أصالة و مدعى خلافه عليه البيان و الأدلة التي أوردها المدعي قاصرة عن إفادة الدلالة (مخللا ما يمنع وصول الماء وجوباً و ما لا يمنع استحباباً مجرياً له فيهما و في الوجه بما يسمى غسلا) و الدهن في الأخبار محمول على أدناه قد استفاضت الأخبار بالاكتفاء في غسل الوضوء بمثل الدهن و منها [صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم و فيها إنّما الوضوء حدّ من حدود الله ليعلم الله من يطيعه و من يعصيه و أن المؤمن لا ينجسه شيء إنّما بكيفية مثل الدهن].

و قوله في [رواية محمّد بن مسلم [4]

أ يأخذ أحدكم الراحة من الدهن فيملأ بها جسده و الماء أوسع من ذلك].

و قوله في [صحيحة زرارة إذا مس جلدك الماء فحسبك] إلى غير ذلك من الأخبار و الأصحاب قد حملوه على المجاز و المبالغة في الاكتفاء بأقل الغسل المشترط فيه الجريان فلا بد من الجريان و لو قليلا، و ظواهر هذه الأخبار لا تكاد تقبله و لهذا أن بعض (مشايخنا من متأخري المتأخرين) خصها بالضرورة.

و تحقيق هذه المسألة قد أتينا عليه في (كتاب الحدائق الناضرة).

(غاسلا لما في محل الغرض من يد أو إصبع و لحم زائد مما زاد على أصل الخلقة) احتياطاً و إنّما نسب غسل هذه الأشياء إلى الاحتياط مع كون الحكم اتفاقياً لعدم وضوح الدليل عليه إذ ما ذكروه (رضوان الله عليهم) من التعليلات في المقام كلها عليلة كما بسطنا الكلام عليه في (كتاب الحدائق).

على أن ظاهر الإضافة في قوله سبحانه [وَ أَيْدِيَكُمْ] «العهدية» فينصرف إلى اليد المعهودة و ما اشتملت عليه من الأجزاء المعهودة.

(ثم يجب مسح مقدم الرأس من بشرته أو شعره الذي لا يخرج بمده عن حدّه) يعني أن ذلك الشعر الذي يجب المسح عليه يجب أن يكون مختصاً بالمقدم بمعنى أنه لو مدّ إلى جهة الوجه لا يزيد على حدّ المقدم فلو زاد على حدّ المقدم لم يجز المسح على الزائد لخروجه عن محل الفرض بل يمسح على أصوله و ما زاد ما لم يخرج عن الحدّ المذكور.

(و يجب أن يكون المسح ببقية البلل) «الظاهر» أنه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في وجوب المسح ببقية البلل ما وجد في اليد و إنّما الخلاف فيما لو لم

____________

[4] في نسخة م مروية عن زرارة.

7

يبق فيه شيء أعم من أن يكون لتفريط من المكلف أو عدمه فالمشهور أنه مع فقد النداوة يأخذ من شعر لحيته أو حاجبيه و مع جفاف الجميع فإن كان لضرورة إفراط الحر أو قلة الماء جاز الاستئناف و إلا أعاد الوضوء.

و المنقول عن (ابن الجنيد) جواز الاستيناف مع فقد البلة من اليدين مطلقاً و تردّه (أولا) الأخبار البيانية الدالة على الأمر بالمسح بالبلة الباقية و فعلهم (عليهم السلام) له في مقام البيان.

و الجواب عنه بما أجابوا به عن وجوب الابتداء بالأعلى في غسل الوجه ساقط بما قدمنا ذكره هناك.

(و ثانياً) الأخبار المستفيضة بأن من نسي المسح حتى جفت بلة يده فإنه يأخذ من بلل وجهه و يمسح و في بعضها أنه مع تعذر البلل في وجهه فإنه يعيد وضوءه و هو صريح في المطلوب.

و ما تمسك به بعض متأخري المتأخرين (لابن جنيد) من إطلاق الآية فقد عرفت ما فيه في مسألة الابتداء بالأعلى في غسل الوجه و بالجملة فهذا القول بالنظر [5] إلى الأخبار لا يبقى له اعتبار كما لا يخفى على من جاس خلال الديار.

(و هل أقل ما يتأدى به الواجب هو المسمى أو قدر إصبع أو ثلاث أصابع) (أقوال) المشهور في كلام المتأخرين الأول و بالثاني صرح (الشيخان في المقنعة و التهذيب و القطب الراوندي في أحكام القرآن و العلامة في المختلف) بل ظاهره فيه أنه المشهور (و شيخنا الشهيد) في جملة من كتبه صريحاً في (الدروس) و ظاهراً في غيره.

و ما تمحله (شيخنا الشهيد الثاني في كتاب الروض) من حمل العبادات الدالة على هذا القول على أن المراد بالإصبع فيها كونها آلة للمسح لا ملحوظة بالتقدير فبعيد عن إلحاق أكثرها و تكلف لا ضرورة تلجئ إليه مع دلالة جملة من الأخبار عليه.

و بالقول الثالث صرح (الصدوق في الفقيه و الشيخ في النهاية و المرتضى في مسائل الخلاف) و اختاروه (المحدث الأمين الأسترآبادي) و هو الظاهر و إليه أشار (بقوله أقربها الثالث) فإن ما دل على المسمى من إطلاق الآية و جملة من الأخبار يجب تقييده بما دلّ على مقدار معين من الأخبار.

نعم يبقى الكلام في أخبار التعين فبعضها دلّ على الإصبع و بعضها دلّ على الثلاث.

«و التوفيق» بينها بحمل الإصبع على الضرورة من برد و نحوه كما يستفاد من بعض أخبارها، و الثلاث على ما دون ذلك أو المراد الثلاث في عرض الرأس و الإصبع الواحدة في طوله كما ذكره جماعة أيضاً و أن جعلوه على وجه الاستحباب بناء على اكتفائهم بالمسمى.

(و لا يجزي المسح على حائل) إلا لضرورة من برد أو تقية أو قرح.

(ثم مسح الرجلين من رءوس الأصابع إلى الكعبين ببقية البلل و يجوز النكس فيهما و في الرأس) و هو المشهور بين الأصحاب خلافاً لظاهر (المرتضى و ابن بابويه) و به قطع (ابن إدريس) و يدل على المشهور (صحيحة حماد) و فيها

[لا بأس بمسح الوضوء مقبلا و مدبراً]

و مرسلة يونس و فيها

الأمر موسع من شاء مسح مدبراً

____________

[5] في نسخة ع بالنص إلى الأخبار.

8

و استدل للقول الآخر بالوضوء البياني [و صحيحة البزنطي] و فيه أنها محمولة على الاستحباب جمعاً و إلى ذلك أشار بقوله على كراهية و الأحوط تركه.

(و في وجوب الاستيعاب) أن استيعاب ظهر كل من الرجلين طولا من رءوس الأصابع إلى الكعبين قولان المشهور ذلك و الأدلة من الطرفين متصادمة (و القول بالوجوب أحوط) فمما يدل على وجوب الاستيعاب ظاهر الآية يجعل إلى فيها غاية للمسح.

و جملة من الأخبار البيانية المشتملة على كون (مسحهم (عليهم السلام) إلى الكعبين [و صحيحة البزنطي

عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفه على الأصابع إلى الكعبين إلى ظاهر القدم]

«الحديث» و فيما عدا (صحيحة البزنطي) من هذه الأدلة مناقشات أوضحناه في (كتاب الحدائق).

و مما يدل على عدم وجوب الاستيعاب الأخبار الدالة على عدم استبطان الشراكين حال المسح و هي مستفيضة.

و من ثم حصل التوقف في الحكم و الالتجاء إلى الوقوف على جادة الاحتياط لاشتباه الحكم من الأخبار و إن كان القول المشهور (لا يخلو من القوة إلا أن الجزم به مشكل لما ذكرنا) فالأحوط الوقوف عن الفتوى و العمل بما ذكرنا و أما الاستيعاب العرضي فقد نقل الإجماع على عدمه فيكفي المسمى حينئذ.

و في (التذكرة و المختلف) ما يؤذن بالخلاف حيث قال في (التذكرة) بعد نقل الإجماع على عدم وجوب الاستيعاب العرضي و الاكتفاء بالمسمى بأسطر يسيرة ما لفظه: «و يستحب أن يكون بثلاث أصابع مضمومة و قال بعض علمائنا يجب» انتهى.

و في (المختلف) نسب الحكم المذكور إلى المشهور و هو مما يؤذن بالخلاف فيه مع دلالة (صحيحة البزنطي) على ذلك لقوله (عليه السلام) فيه كما قدمناه [6]

[فوضع كفه على الأصابع فمسحها إلى الكعبين قال الراوي: قلت جعلت فداك لو أن رجلا قال بإصبعين من أصابعه هكذا، فقال لا إلا بكفه كلها]

و لا يخفى ما فيه من المبالغة في الاستيعاب [7] و الدلالة الصريحة عليه بفعله (عليه السلام) (أولا) و بأنه بعد السؤال عن الكيفية فهو بيان المجمل و موجب لتقييده و نهيه صريحاً.

(ثانياً) إلا عن الكف كاملا و المسألة لتعارض الأخبار لا تخلو من الإشكال لما عرفت من صراحة (صحيح البزنطي) في الاستيعاب مع ما يعارض ذلك من أدلة القول المشهور.

و هي روايات عدم استبطان الشراكين في المسح (و صحيحتا الأخوين) و حسنتاها الدالة على أنه إذا مسح بشيء من قدمه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه و لو لا أخبار الشراكين لكان القول بوجوب الاستيعاب في غاية القوة.

(فالقول بالوجوب أحوط) لدلالة تلك الصحيحة عليه صريحاً مؤكداً و قبول ما عدا روايات الشراكين للتأويل بحمل إطلاقها على تلك الصحيحة و من أجل ذلك وقع التوقف في الفتوى بالحكم المذكور و الالتجاء إلى الوقوف على جادة الاحتياط لاشتباه الحكم في الأخبار.

(و هل الكعب هنا عبارة عن قبة القدمين) كما هو المشهور أو المفصل بين الساق و القدم كما نقل عن

____________

[6] المروية عن الإمام الرضا (عليه السلام) في الوسائل في الباب 24 من أبواب الوضوء.

[7] و جاء في ع حيث إنه مفهوم أولا من قوله «فمسحها» ثم من النهي الصريح.

9

(العلامة) و من تبعه إشكال ينشأ من تعارض الأخبار و كلام أهل اللغة أيضاً.

و قد فصلنا البحث في هذه المسألة في (كتاب الحدائق).

و نقلنا ما يتعلق بها من الأخبار و كلام أهل اللغة و أوضحنا رجحان القول المشهور و إن كان خلاف ما عليه الأكثر من (متأخري المتأخرين) و إليه أشار بقوله و إن كان الأقرب المشهور (إلا أن الأحوط الثاني) و لا يجزي المسح على حائل إلا لضرورة أو تقية و لا الغسل عوض المسح إلا لها.

المسألة الثالثة: (للوضوء مستحبات)

(منها: غسل اليدين:) و المفهوم من الأخبار أن غسل اليدين المستحب لمن وقع قبل الاستنجاء كفى و إلا قبل الوضوء و هل يختص الحكم بالإناء الواسع الرأس دون غيره أو يستحب مطلقاً.

(الظاهر) من كلام البعض الأول و صرح آخرون بالتعميم «و هو أظهر».

فإن الظاهر أن ذلك محض تعبد شرعي لا للنجاسة الوهمية و إن دل على ذلك (موثقة عبد الكريم) الواردة في النوم خاصة فإنه لا منافاة إذ الظاهر كونه توضيحاً أو بياناً للحكم كما في غيره من العلل الشرعية لا علة حقيقية للحكم.

(و يستحب الغسل من حدث النوم مرة و مثلها من البول و يستحب من الغائط مرتين) و على المرة من النوم و البول و المرتين من الغائط تدل (صحيحة الحلبي) و على المرة من النوم تدل (موثقة عبد الكريم بن عتبة الهاشمي) (و تستحب التسمية و الدعاء بالمأثور) على ما تضمنه حديث وضوء (الأمير (صلوات الله عليه) و هو (بسم الله و الحمد لله الذي جعل الماء طهورا و لم يجعله نجسا و المضمضة ثم الاستنشاق ثلاثاً ثلاثاً).

و يدل على الترتيب بين المضمضة و الاستنشاق بما ذكرنا حديث (عبد الرحمن بن كثير) الوارد في حكاية وضوء (الأمير (صلوات الله عليه) فإن فيه ذكر المضمضة أولا و عطف الاستنشاق عليه ثم و يدل على التثليث فيهما خبر العهد الذي كتبه (الأمير (صلوات الله عليه) لمحمد بن أبي بكر (رضي الله عنه) لما ولاه مصر و فيه تمضمض ثلاث مرات و استنشق ثلاثا فما ذكره جمع من الأصحاب من الإشكال في الحكم المذكور بعدم الوقوف على نص فيه غفلة عن ملاحظة ما ذكرناه (و يستحب الدعاء حالتيهما) أي حالة المضمضة و الاستنشاق بالمأثور أما المضمضة (فيقول: [اللهم لقني حجتي يوم ألقاك و أطلق لساني بذكرك] و أما الاستنشاق فيقول [اللهم لا تحرم عليّ ريح الجنة و اجعلني من يشم ريحها و روحها و طيبها] (و يستحب الاغتراف باليمنى) لغسل غيرها أما لها نفسها فيتخير بين الأخذ بها و الإدارة في اليسرى و بين الاغتراف لها باليسرى.

أما الحكم الأول فالأخبار عليه متفقة لا حاجة إلى ذكرها.

و أما الثاني فوجهي الجمع بين ما دل على الأخذ بها و الإدارة في اليسرى (كصحيحة محمّد بن مسلم) أو ضعيفته باعتبار اشتمال سندها على (العبيدي عن يونس) و فيها [فأخذ كفاً آخر بيمينه فصبه على يساره ثم غسل به ذراعه الأيمن] و مثلها (موثقة الأخوين) و ما دل على الاغتراف لها باليسرى (كصحيحة زرارة) و فيها [ثم أعاد يده اليسرى في الإناء فأسدلها على يده اليمنى ثم مسح جوانبها] و مثلها صحيحة أخرى و صحاح آخر أيضاً.

و المشهور بين الأصحاب في هذا المقام أنه يستحب الاغتراف باليمنى لغسل نفسها

10

ثم يديره في اليسرى و يغسلها بها استناداً إلى الأخبار المتقدمة فعندهم أنه يستحب الاغتراف باليمنى مطلقاً لغسل نفسها و غيرها و قيل باستحباب الاغتراف باليسرى و عليه تدل صحاح الأخبار المشار إليها و الأكثر حملوها على بيان الجواز كما صرح به في (الروض) و لا يخفى ما فيه و العكس أنسب و أقرب لقوة مستند القول بالاغتراف باليسار و صحته.

«و الأظهر كما اخترناه هو التخيير» جمعاً بين الأخبار.

(و يستحب الدعاء بالمأثور حال غسل كل من الأعضاء المغسولة.

فيقول حال غسل الوجه «اللهم بيض وجهي يوم تسود فيه الوجوه و لا تسود وجهي يوم تبيض فيه الوجوه».

و عند غسل اليد اليمنى «اللهم أعطني كتابي بيميني و الخلد في الجنان بيساري و حاسبني حساباً يسيراً».

و عند غسل اليسرى «اللهم لا تعطني كتابي بشمالي و لا من وراء ظهري و لا تجعلها مغلولة إلى عنقي و أعوذ بك من مقطعات النيران».

و كذا يستحب الدعاء عند مسح كل من الأعضاء الممسوحة. فيقول عند مسح الرأس «اللهم غشني برحمتك و بركاتك» و عند مسح القدمين «اللهم ثبتني على الصراط يوم تزل فيه الأقدام و اجعل سعيي فيما يرضيك عني» (و في كتب الأخبار اختلاف في هذه الأدعية زيادة و نقصاناً إلا أن «ما ذكرناه أوضح» ما اعتمدنا عليه من كتب الحديث الواردة في (رواية عبد الرحمن بن كثير في حكاية وضوء أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) (و يستحب بدأة الرجل بغسل ظاهر ذراعيه في غسل اليدين و المرأة بباطنهما.

و المشهور بين الأصحاب أنه يستحب للرجل في الغسلة الأولى البدأة بظاهر ذراعيه و في الغسلة الثانية البدأة بباطنهما و المرأة بعكسه و لم نقف له على مستند) و المروي في الأخبار هو ما ذكرناه.

(و يستحب إمرار اليد في غسل اليدين) و ربّما قيل بوجوبه و اختاره من أفاضل متأخري المتأخرين (السيد المحدث السيد نعمة الله الجزائري (قدس سره) تمسكاً بأخبار الوضوء البياني و فيه قوة إلا أن (صحيحة علي بن جعفر) الواردة في الوضوء بماء المطر بمجرد تساقطه عليه مما يمنع الوجوب كما لا يخفى.

(و يستحب الإسباغ بمد) و الأحوط أن يكون الغسل في كل من الأعضاء الثلاثة بغرفة واحدة و في تكرار الغسل إشكال، المشهور بين الأصحاب أنه يستحب تكرار الغسل بمعنى أنه بعد غسل العضو مرة يستحب غسله ثانيا بل ادعى (ابن إدريس) عليه الإجماع و الأخبار التي استدلوا بها على ذلك قاصرة الدلالة و قيل بالتحريم و إليه يشير كلام (ابن إدريس) حيث قال بعد دعوى الإجماع «و لا يقتد بخلاف من خالف من الأصحاب فقال إنه لا يجوز الثانية لمعروفية نسبه انتهى» و بذلك أيضا صرح (الشيخ في الخلاف) حيث قال: «و في أصحابنا من قال الثانية بدعة و ليس بمعول عليه انتهى» و حينئذ فإنكار بعض المتأخرين القول بالتحريم في المسألة غفلة.

(أقول:) و القول بالتحريم هو ظاهر الشيخين الأقدمين (ثقة الإسلام الكليني و الصدوق ابن بابويه (قدس سرهما) كما يدل عليه كلامهما و هو المؤيد بالأخبار كما أوضحناه في كتابنا (الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة).

و من أراد تحقيق المسألة و الإحاطة بما فيها من الأخبار و وجوه الجمع بينها على ما ذكره علماؤنا الأبرار و الأبحاث الشافية في ذلك فلا يرجع إلى الكتاب المذكور.

المسألة الرابعة: للوضوء أحكام

منها: (وجوب الترتيب بين الأعضاء

و هو إجماعي نصا و فتوى إلا في الرجلين) فأقوال

11

(أحدها) و هو المشهور سقوط الترتيب فيجوز مسحها دفعة واحدة بالكفين معا و تقديم كل منهما على الأخرى استنادا إلى إطلاق الأمر بالمسح في الآية و الأخبار.

(ثانيها) وجوب الترتيب (لقوله (عليه السلام) في حسنة (محمد بن مسلم)

[امسح على القدمين و ابدأ بالشق الأيمن].

(ثالثها) وجوب المقارنة أو تقديم اليمنى دون العكس و يدل عليه ما رواه في (الاحتجاج) من التوقيع الخارج من الناحية المقدسة في (أجوبة مسائل الحميرية) حيث سأل عن المسح على الرجلين يبدأ باليمنى أو يمسح عليهما جميعا فخرج التوقيع

يمسح عليهما جميعا فإن بدأ بأحدهما قبل الأخرى فلا يبدأ إلا باليمين.

(أحوطها الوجوب) أي وجوب الترتيب بينهما و إنما صار إلى وجوب الترتيب احتياطا عملا بالحسنة المتقدمة و تحرزا من مخالفتها رواية الاحتجاج و أما من يعمل بالاصطلاح الحادث في تقسيم الأخبار فيتحتم عنده العمل بالحسنة و ترجيحها على هذه الرواية.

(و منها: وجوب الموالاة)

بمعنى عدم تأخير العضو عن سابقه حتى يجف جميع ما تقدمه على الأظهر و هو أحد الأقوال في المسألة و فيه إشارة إلى أنه لو حصل الجفاف مع عدم التأخير فإنه لا يضر إذ غاية ما يستفاد من (صحيحة معاوية بن عمار و موثقة أبي بصير) اللتين هما مستند الحكم في المسألة لحصول الإبطال بالجفاف الناشئ عن التفريق أما لو اتفق بغير تفريق فلا دلالة لهما عليه و ليس غيرهما في الباب إلا أن الظاهر من الأخبار هو الشرطية دون الوجوب.

إذ غاية ما تدل عليه الروايتان المشار إليهما بطلان الوضوء بالجفاف مع التفريق و هو مؤذن بالشرطية دون الوجوب الذي ادعاه الأصحاب المؤذن بالإثم مع المخالفة (و الأحوط مراعاة المتابعة) بمعنى عدم التأخير بما يسمى تراخيا.

و وجه الأحوطية ذهاب جمع من الأصحاب إلى تفسير الموالاة بالمتابعة اختيارا و مراعاة الجفاف اضطرارا و استدلالهم على وجوب المتابعة بجملة من الأخبار إلا أنها «عندي» غير واضحة الدلالة على ما ادعوه كما بسطنا الكلام عليه في كتاب الحدائق.

(و تحرم التولية) و هي عبارة عن أن يولي الغير غسل أعضائه و مسحها أو مشاركته اختيارا فلو كان ذلك لضرورة من مرض أو تقية أو نحوهما فلا تحريم اتفاقا.

و المشهور كراهة الاستعانة و هي عبارة عن صب الماء في اليد.

و عد جمع من الأصحاب منهم (السيد في المدارك) طلب إحضار الماء للطهارة من جملة الاستعانة و هو ضعيف لما سيأتي بل ما ذكروه من «كراهة الاستعانة» بقول مطلق أيضا ضعيف.

و دليله لا يخل من خدش إذ ما استدلوا به على ذلك من (رواية الرشاء) المتضمنة لكونه أراد أن يصب على (الرضا (عليه السلام) الماء حال الوضوء فقال

[مه يا حسن فقلت لم تنهاني أن أصب عليك أ تكره أن أؤجر فقال: تؤجر أنت و أوزر أنا فقلت و كيف ذلك فقال: أما سمعت الله يقول

«فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صٰالِحاً وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً»

و هو أن ذا الوضوء للصلاة و من العبادة فأكره أن يشركني فيها أحد]

12

بحمل الصب فيها على الصب في اليد و حمل الوزر على الكراهة بقرينة قوله في آخر الخبر قال إلخ فهو بالدلالة على خلافه أشبه إذ ظاهر الرواية إنما هو المنع عن الصب على العضو الذي هو عبارة عن التولية المحرمة بقرينة نهيه (عليه السلام) الذي هو حقيقة في التحريم مردفا له بأن قبول ذلك موجب للوزر الذي لا يكون إلا على ارتكاب محرم.

معللا ذلك بدخوله تحت النهي عن الشرك بعبادة ربه في الآية التي لا مجال لإنكار كون النهي فيها للتحريم.

و ما استندوا إليه من (قوله (عليه السلام)» أكره» فليس فيه دلالته إذ الكراهة بالمعنى المذكور اصطلاح «أصولي متأخر» و استعمالها بمعنى التحريم في الأخبار شائع و متى ثبت كون موردها التولية انتفى الدليل على كراهة الاستعانة من أصلها إذ ليس غيره في الباب.

و أما عد طلب إحضار الماء من باب الاستعانة.

ففيه أن أخبار الوضوء البياني و حديث وضوء (أمير المؤمنين (عليه السلام) و كذا هذا الخبر قد تضمنته و هو دليل على عدم الكراهة.

(و يجب طهارة الماء و إباحته) و هذا مما لا خلاف فيه و لا إشكال إلا فيما إذا كان جاهلا بالنجاسة و الغصب فإن طهارته صحيحة في الموضعين (و في اشتراط إباحة المكان إشكال) ينشأ من عدم النص على ذلك فلا يشترط «حينئذ».

و من لزوم اجتماع الأمر و النهي في شيء واحد و هو محال لأنه مأمور بالكون من حيث إن الأمر بالشيء يستلزم الأمر بمقدماته و منهي عن هذا الكون من حيث إنه تصرف في مال الغير بغير إذنه و ما أجاب به في (المدارك) من أن هذا الاجتماع إنما يقتضي فساد ذلك الكون خاصة.

و وجوبه على تقدير تسليمه إنما هو من باب المقدمة و الغرض من المقدمات التوصل إلى الواجب و إن كان منهيا عنها لسقط الطلب عنها كما في سلوك الطريق المغصوب إلى الميقات عند وجوب الحج لا يخفى ما فيه فإن الكلام إنما هو في لزوم حصول المحال.

و هو حصول الاجتماع على هذا الوجه بعين ما استدلوا به في بطلان الصلاة كما قرره (قدس سره) سابقا في صدد المسألة فهذا الكون لو كان واجبا فإنه يلزم اجتماع الأمر و النهي في الشيء الواحد و هو تكليف بالمحال و لو لم يكن واجبا يلزم وجوب الشيء بدون وجوب مقدمته و الغرض أنه مستحيل و حينئذ فالاجتماع غير ممكن و به يلزم القول ببطلان الوضوء لاستلزام القول بصحة ما هو مستحيل عقلا و حينئذ فلا يحدث ما ذكره من صحة الفعل و إن كان مقدمته منهيا عنها فإنه خروج عن موضع الاستدلال و محل الإيراد.

نعم لقائل أن يقول: إنه على تقدير تسليم وجوب المقدمة مطلقا أن الكون هنا ليس مقدمة حتى يلزم أن يكون مأمورا به بل هو من لوازم وجود الجسم إذ المقدمة هو الطريق الذي يتوصل منه إلى الشيء و الظاهر أن الكون ليس كذلك.

و حينئذ فيصح الوضوء في المكان المغصوب إلا أن هذا بعينه يرد (عليهم) في الصلاة أيضا و إن كان (ظاهرهم) الاتفاق على البطلان من حيث إن

13

مستندهم إنما هو ما ذكرناه من لزوم (المحال) باجتماع الأمر و النهي في الشيء الواحد و ادعى بعضهم الإجماع على البطلان أيضا في هذا المقام.

إلا أن (المحقق في المعتبر) صرح بصحة الطهارة في المكان المغصوب و نقل عن (العلامة في المنتهى) أيضا و سيأتي (إن شاء الله تعالى) بقية الكلام مما يتعلق بهذا المقام في مسألة المكان من الباب الآتي.

(و الشاك في شيء من أفعال الوضوء إن كان على حاله) أي حال الوضوء مشتغلا بأفعاله و إن كان في آخره (أتى بما شك فيه و ما بعده) لقول (أبي جعفر (عليه السلام) في (صحيحة زرارة)

[إذا كنت قاعدا على وضوئك و لم تدر أ غسلت ذراعيك أم لا فأعد عليهما و على جميع ما شككت فيه أنك لم تغسله أو لم تمسحه مما سمى [8] الله]

ما دمت في حال الوضوء فإذا قمت من الوضوء و فرغت، و قد صوت إلى حال أخرى في صلاة أو غير صلاة فشككت في بعض كالتي يتلافى فيها المشكوك.

فيه عبارة عن حالة الاشتغال بالوضوء فلو فرغ منه و إن بقي في محله لا يلتفت و أن التقييد بالقيام و الصيرورة إلى حال أخرى كما اشتملت عليه الصحيحة المذكورة إنما خرج مخرج الغالب من أن المتوضئ إذا فرغ من وضوئه، فالغالب أن يقوم من محله أو يتشاغل بشيء آخر أو أنه عبارة عن البقاء في موضع وضوئه إلى أن يقوم أو يتشاغل بأمر آخر ما لم يطل القعود، حملا لتلك الألفاظ على ظاهرها قولان ظاهر (الذكرى و الدروس) (الثاني) و ظاهر المشهور (الأول).

و المسألة لا تخل من نوع إشكال و إن كان القول المشهور لا يخلو من قرب و تحقيق المسألة قد أودعناه كتابنا (الحدائق الناضرة).

و كيف كان فإنما يجب الإتيان بما شك فيه و ما بعده إذا كان على حاله (ما لم يجف السابق) و إلا أي إن جف السابق من الأعضاء كلها أعاد على المشهور و إنما نسب ذلك إلى المشهور لما ذكر سابقا من أن غاية ما يستفاد من الدليل هو حصول الإبطال بالجفاف الناشئ عن التفريق كما هو (مورد الخبرين) اللذين هما مستند الحكم المذكور مطلقا و لكن الأصحاب (رضوان الله عليهم) حيث ذهبوا في تفسير الموالاة التي هي أحد واجبات الوضوء إلى مراعاة الجفاف مطلقا اتجه عندهم هذا الاشتراط.

(و إن انتقل إلى حالة أخرى لم يلتفت) قد عرفت الكلام في هذه الحالة التي لا يلتفت فيها و أنها عبارة عن هذا.

و الشاك (في الحدث و الطهارة يبني على يقينه) للأخبار المستفيضة بأن الشك لا يعارض اليقين و الشاك في تقديم أيهما يتطهر أي أنه تيقنهما معا و شك في المقدم منهما.

فالواجب حينئذ الطهارة لتكافي الاحتمالين و استحالة الترجيح بلا مرجح فيجب إلغاؤها و الرجوع إلى حكم الأصل من البقاء على حكم الحدث الذي لا ينفك عنه الإنسان في سائر الأحيان.

المسألة الخامسة: (ذو الجبيرة)

(إن أمكنه نزعها أو إيصال الماء إلى ما تحتها وجب) لوجوب الغسل في الأعضاء المغسولة (و إلا مسح عليها) لدلالة جملة من الأخبار على

____________

[8] و جاء في حديث

ما سمى الله مما أوجب الله عليك فيه وضوء فلا شيء عليك

«الحديث» و هل المراد في الحال و ذلك في نسخة م أيضاً أورده.

14

أنه مع تعذر إيصال الماء إلى العضو يمسح على الجبيرة كقوله (عليه السلام) في رواية كليب الأسدي

[إن كان يتخوف على نفسه فليمسح على جبائره].

(و صحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج) مما يدل بظاهره على أنه يغسل ما حول الجبيرة خاصة و هي مطلقة ينبغي تقيدها بتلك الأخبار و ربما ظهر من (الصدوق (رحمه الله) التخيير بين المسح على الجبيرة و الاكتفاء بغسل ما حول.

هذا إذا كان الجبيرة في موضع الغسل أما إذا كانت فهي موضع المسح فإن لم تستوعب محل المسح مسح على ما بقي مما يتأدى به الفرض و إن استوعبت فإن أمكن نزعها و المسح على البشرة مع طهارتها أو إمكان تطهيرها وجب و إلا مسح على الجبيرة مع طهارتها (و مع عدم إمكان المسح) لنجاستها و عدم إمكان تطهيرها (فالمشهور وضع طاهر عليها و المسح عليه و لا بأس به) و إنّما نسبه إلى الشهرة لعدم وجود الدليل عليه من الأخبار و الوجه في نفي البأس عنه أنه لا يخلو من نوع احتياط (و لو كان القرح و الجرح خالياً من الجبيرة و تضرر بغسله غسل ما حوله) و عليه تدل جملة من الأخبار كقوله (عليه السلام) في (حسنة الحلبي) حيث سأله عن الجرح كيف يصنع به في غسله قال

[اغسل [1] ما حوله].

و المشهور مع ذلك وضع طاهر عليه و المسح عليه و لا بأس به إنّما نسبه إلى الشهرة لعدم الدليل في الأخبار و إنّما الموجود فيها ما ذكرناه من غسل ما حول الجرح و القرح و الوجه في نفي البأس ما تقدم.

(و السلس يضع ذكره في خريطة مملوءة بالقطن ثم يتوضأ و يجمع بين كل صلاتين بوضوء و يفرد الصبح بوضوء) وفاقاً (للمنتهى) و عليه تدل (صحيحة حرز) عن

(أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [إذا كان الرجل يقطر منه البول و الدم إذا كان حين الصلاة اتخذ كيساً و جعل فيه قطناً ثم علقه عليه و أدخل ذكره فيه ثم صلى يجمع بين الصلاتين الظهر و العصر يؤخر الظهر و يعجل العصر بأذان و إقامتين و يؤخر المغرب و يعجل العشاء بأذان و إقامتين و يفعل ذلك في الصبح].

و المشهور وجوب الوضوء لكل صلاة و الروايات الواردة في المسألة لا دلالة لها على ذلك إذ غاية ما تدل عليه بعد الأمر بالوضع في الخريطة الوضوء و الصلاة بقول [2] مطلق و مقتضى القاعدة حمل إطلاق تلك الأخبار على (هذه الصحيحة) من قبيل حمل المطلق على المقيد.

(و المبطون يتوضأ و يصلي و متى فاجأه الحدث توضأ و بنى على الأظهر) هذا هو المشهور و عليه تدل موثقة (محمّد بن مسلم) عنه [3] (عليه السلام) قال

[صاحب البطن يتوضأ ثم يرجع في صلاته فيتم ما بقي]

(و صحيحته) المروية في (الفقيه) عنه (عليه السلام) قال

[صاحب البطن الغالب يتوضأ و يبني على صلاته]

و في المسألة أقوال أخر لا نعرف لها دليل.

الفصل الثاني في الغسل

و فيه مسائل:

المسألة الأولى (موجبات الغسل)

(أمران أحدهما:) إنزال المني يقظة أو نوماً من الرجل إجماعاً نصاً و فتوى و من المرأة إجماعاً في الثاني) أي في الفتوى فإنه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في «وجوب» الغسل عليها بخروج المني يقظة أو نوماً (و على الأظهر في الأول) أي في النص فإن الروايات مختلفة في وجوبه عليها بالاحتلام و الروايات الدالة على عدم الوجوب صحيحة صريحة مستفيضة إلا أن الأظهر

____________

[1] و في نسخة م [يغسل ما حوله] وفاقا إلى ما جاء في الوسائل في الباب 39 نواقض الوضوء و الفقيه مروي عن الجبائر.

[2] في نسخة م بقوله.

[3] في نسخة م موثقة محمد بن مسلم و في نسخة ع في «التهذيب».

15

العمل بالأخبار الدالة على الوجوب «لاتفاق الأصحاب على العمل بمضمونها قديماً و حديثاً».

و حمل تلك الأخبار على التقية و إن لم يعلم بوجود السائل بمضمونها الآن فإن المستفاد من الأخبار كما حققناه في (مقدمات كتاب الحدائق) و غيره أن جل الاختلاف الواقع في الروايات بل كله عند التحقيق إنّما نشأ من «التقية».

و حينئذ متى كان إجماع الأصحاب سلفاً و خلفاً على العمل بتلك الأخبار فهو مؤذن بكون ذلك هو (مذهب أهل البيت (صلوات الله عليهم).

و حينئذ يتعين حمل ما خالف مع صحته على التقية و يؤيد ذلك موافقة أخبار الوجوب للاحتياط الذي هو أحد المرجحات الشرعية ..

(ثانيهما:) (الإيلاج حتى تغيب الحشفة في قبل المرأة على القابل و الفاعل إجماعاً نصاً و فتوى و في دبرها) على الفاعل و القابل (على المشهور «و الأحوط» الوجوب).

قد اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في الوطي في دبر المرأة فالمشهور وجوب الغسل عليهما مقابل صريح عبارة (المرتضى (رضي الله عنه) الإجماع على ذلك من المسلمين و نقل عن (الشيخ في الاستبصار و النهاية و سلار) عدم الوجوب و هو ظاهر (الصدوق (رحمه الله) في الفقيه) حيث اقتصر على رواية ما يدل على عدم الوجوب و كذلك (ثقة الإسلام في الكافي).

و المسألة لا تخلو من شوب الإشكال و قد حققنا حقيقة الحال في ذلك (في كتابنا الحدائق الناضرة).

«و الأحوط القول بالوجوب» و إن كان الآخر هو الأظهر لصراحة الأخبار الدالة عليها و كثرتها و ضعف دلالة ما يقابلها.

(و يجب) الغسل بالإيلاج (في دبر الغلام على المشهور و لم نقف له على دليل معتمد) فيه إشارة إلى أن «ثمة دليلا» و هو ما استدلوا به من الإجماع المركب .. بأن كل من أوجب الغسل بالغيبوبة في دبر المرأة أوجبه بالغيبوبة في دبر الذكر إلّا أنه «عندنا ليس دليل شرعي يعتمد عليه و لا برهان جلي يركن إليه».

المسألة الثانية: (تجب فيه النية)

(مستدامة الحكم مقارنة لغسل الرأس) فيه إشارة إلى وجوب غسل الرأس و أنه أول الأعضاء المغسولة و قد اكتفى بذلك عن التصريح به على حدّه و لهذا عطف عليه غسل البدن اكتفاء بذلك.

و وجوب المقارنة لغسل الرأس متفق عليه (عند الأصحاب و قد عرفت ما فيه) أي ما في وجوب المقارنة كما تقدم في الوضوء.

(و رخصوا أيضاً في تقديمها كالوضوء) عند أول الأفعال المستحبة (مدخلا للرقبة في الرأس) لظاهر (حسنة زرارة) حيث قال (عليه السلام)

[صب على رأسه ثلاث أكف ثم صب على منكبه الأيمن مرتين و على منكبه الأيسر مرتين]

فإنه ظاهر في دخول الرقبة في الرأس إذ لا تدخل في المنكبين قطعاً و لا تبقى متروكة بغير غسل (فما توهمه بعض مشايخنا المعاصرين) من عدم الدليل على ذلك حتى أوجب الاحتياط بغسلها مع الرأس ثم غسلها مع البدن غفلة ظاهرة (ثم يجب غسل البدن و المشهور تقديم أيمن الجانبين على أيسرهما و دليله غير ظاهر إلا أنه «أحوط») لعدم ظهور الدليل في ذلك من حيث إنه لم يقع في شيء من أخبار غسل الجنابة ما يدل على الترتيب من الجانبين فإن ما تضمن ذكر الجانبين منها إنّما عطف فيها الأيسر على الأيمن بالواو دون ثم و الواو لمطلق الجمع كما هو المشهور فلا تفيد ترتيباً.

إلا «أني وقفت على تحقيق نفيس» (للوالد نوّر الله تعالى مرقده) يدل على تأييد القول المشهور و قد نقلته (في كتاب الحدائق) و حققت المسألة ثمة لا مزيد عليه و ملخصه: إن الأخبار الواردة في

16

غسل الميت قد صرحت بالترتيب بين الجانبين (كرواية يونس و رواية عبد الله الكاهلي و رواية عمار بن موسى) و غيرها مع ما استفاض في الأخبار إن غسل الميت لغسل الجنابة بل استفاض فيها في علة غسل الميت إن وجوب غسله إنّما هو لأجل خروج النطفة التي منها خلق و أنه لذلك جنب.

و قضية التعليل بخروج النطفة و أنه جنب يقتضي كون غسله غسل جنابة مع تصريح الروايات الأخرى بوجوب الترتيب فيه كما عرفت و ينتج من ذلك بأن غسل الجنابة «مرتب أيضاً» و تحمل الأخبار الواردة بعطف الجانب الأيسر على الأيمن بالواو على ظهور الحكم يومئذ كما ورد في كثير من الأخبار عطف غسل الجسد على غسل الرأس «بالواو أيضاً» و بذلك يظهر أن القول المشهور و المؤيد المنصور.

(و تجزي عنه ارتماسة) و هي عبارة عن الدخول تحت الماء دفعة واحدة عرفية (قالوا) و لا ينافي الدفعة الاحتياج إلى التخليل لو كان كثيف الشعر أو كان بجلده مكاسر أو نحو ذلك لعدم إمكان التخلص عن هذه الأشياء عادة و الأصل في ذلك الأخبار الكثيرة منها (حسنة الحلبي) قال

سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: [إذا ارتمس الجنب في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك عن غسله]

و نحوها غيرها و مورد الأخبار كلها فيه و إن كان غسل الجنابة «إلّا أن أحداً من الأصحاب» لم يفرق بينه و بين غيره.

و بذلك صرح (شيخنا الشهيد (قدس سره) في الذكرى) و الظاهر أنه من باب العمل بتنقيح المناط القطعي لعدم معلومية الخصوصية للجنابة في المقام و خروج الأخبار في غسل الجنابة من حيث إنه الفرد الشائع المكرر .. و أيده بعضهم كما في (رواية الحلبي)

عن (أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [غسل الجنابة و الحيض واحد]

و يؤيده أيضاً الأخبار المتظافرة بأن غسل الميت كغسل الجنابة.

و حينئذ فالارتماس مطلقاً مجز و صحيح (و لو بعد دخول الماء) فيه إشارة إلى «الرد» على بعض (مشايخنا المعاصرين) و آخر من أفاضل (متأخري المتأخرين) حيث استشكلوا في إجزاء ذلك.

و أوجبوا الخروج من الماء إذا أريد الارتماس فيه و وجهه غير واضح كما أوضحناه (في كتاب الحدائق).

و غيره منه أجوبة مسائل بعض الأعلام و الارتماس و إن كان مجزياً (إلا أن الترتيب أفضل) لكونه الأصل و المنقول فعله عن (أهل العصمة (صلوات الله عليهم) و الارتماس إنّما شرع رخصة و تخفيفاً كما يومي إليه لفظ الإجزاء في (حسنة الحلبي) المتقدمة و غيرها و يأتي بما ذكر حال كونه (غاسلا يديه أمام الغسل من المرفقين ثلاثاً استحباباً) كما يدل عليه (صحيحة يعقوب بن يقطين) عن (أبي الحسن (عليه السلام) (متمضمضاً مستنشقاً) قد أطلق في المضمضة و الاستنشاق.

و إن كان الأصحاب (رضوان الله عليهم) قد ذكروا استحباب التثليث فيهما لعدم الظفر له بمستند من الأخبار فإن ما وقفنا عليه منه الأخبار مطلق غير مقيد بعدد و إن كان العمل بما قالوه «أولى».

(ممراً يديه على بدنه مسبغاً بصاع كذلك) أي استحباباً في الجميع (مخللا ما يمنع وصول الماء «وجوباً» و ما لا يمنع «استحباباً» مستبرئاً بالبول بعد الإنزال استحباباً

17

على المشهور «و الأحوط» الوجوب).

و القول بوجوب الاستبراء بالبول على من كانت جنابته بالإنزال مذهب (الشيخ في المبسوط و الاستبصار) و نقله في (الذكرى) أيضاً عن (ابن حمزة و ابن زهرة و ابن البراج) و نفى عنه البأس قال في (المدارك) و يمكن الاستدلال عليه (بصحيحة أحمد بن محمّد) قال

سألت (أبا الحسن (عليه السلام) عن غسل الجنابة فقال: «اغسل يدك اليمنى من المرفقين إلى أصابعك و تبول إن قدرت على البول».

و يمكن حملها على الاستحباب لعدم صراحة الجملة الخبرية في الوجوب و خلو أكثر الأخبار الواردة في بيان الغسل من ذلك و كيف كان فالأولى أن لا يترك بحال انتهى.

(أقول:) أما طعنه في الخبر المذكور بعدم صراحة الجملة الخبرية في الوجوب كما تكرر منه في غير موضع من هذا الكتاب فليس بشيء لأن المستفاد من الآيات و الروايات الدالة على كون الأمر للوجوب كما حققناه (في بعض مقدمات الحدائق الناضرة) أنه لا اختصاص لذلك بصيغة افعل كما ذكروه بل كلما دل على الطلب و إرادة الفعل بأي صيغة كان فإنه للوجوب نعم يمكن القدح في دلالة الخبر المذكور على الوجوب بمسبوقية الجملة التي هي محل الدلالة بجملة غسل اليدين المتفق على استحبابه فلا يبعد حينئذ نظم هذه الجملة في سلك الاستحباب.

و يدل على ذلك أيضاً ظاهر (رواية أحمد بن محمّد و رواية كتاب الفقه الرضوي) إلا أن الاحتمال فيهما قائم أيضاً و كيف كان «فالأحوط العمل بالوجوب».

المسألة الثالثة (يحرم على الجنب)

(قراءة السجدة) المشهور في كلام الأصحاب عموم التحريم للسورة كاملة و أبعاضها حتى البسملة مع القصد بها إليها، و الأخبار التي وقفنا عليها إنّما اشتملت على آية السجدة خاصة.

(و يحرم) أيضاً على الجنب (مس كتابة القرآن) المشهور بين (متأخري المتأخرين) كراهة مس كتابة القرآن على المحدث «و المختار» عندنا هو المشهور بين أصحابنا (رضوان الله عليهم) للآية و الحكم و إن لم يكن في مصحف و المشهور تحريم مس شيء عليه اسم الله تعالى، و الدليل هو (موثقة عمار) الدالة على أنه لا يمس الجنب درهمان و لا دينار عليه اسم الله تعالى.

معارض بمثله في الدلالة مع كونه أكثر عدداً مثل (صحيحة محمّد بن مسلم) المروية في (المعتبر) منه جامع (البزنطي) و موثقة (إسحاق بن عمار) الدالتين على أن الجنب يمس الدرهم الأبيض و رواية (أبي الربيع) الدالة على أن الجنب يمس الدراهم و فيها اسم الله و اسم رسوله.

و وجه الجمع غير منحصر فيما ذكروا من حمل الروايتين الأوليتين على الدرهم الخالي من الخط و الثالثة على مس غير الكتابة بجواز الجمع بحمل موثقة (عمار) على الكراهة سيما مع اعتضاد هذه الأخبار بالأصل و إليه أشار بقوله (الكراهية أظهر «و الاحتياط لا يخفى»).

و يحرم على الجنب أيضاً (الجلوس في المساجد)

18

للأخبار المستفيضة و لا خلاف فيه إلا ما ينقل عن (سلار) فإنه كرهه و لا يبعد حمل الكراهة في كلامه على التحريم فإنه كثر من كلامهم كما في الأخبار.

و وضع شيء فيها لصحيحة (عبد الله بن سنان) قال

سألت (أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجنب و الحائض يتناولان من المسجد متاعاً يكون فيه قال: [نعم لكن لا يضعان في المسجد شيئاً].

و هل تحريم الوضع أعم منه أن يكون منه داخل أو منه خارج أو يختص بالأول، قولان: للأول منها عموم الرواية.

و للثاني كونه الفرد الشائع المتبادر فينصرف إليه الإطلاق.

(يحرم الاجتياز في المسجدين) للأخبار المستفيضة و تأمل بعض (أفاضل متأخري المتأخرين) منافي التحريم من حيث عدم وضوح دلالة النهي في أخبارنا على التحريم ضعيف لا يلتفت إليه كما حققناه (في مواضع من مؤلفاتنا).

(و لو احتلم فيهما) أي في المسجدين (تيمم للخروج وجوباً) و هو المشهور بين أصحابنا (رضوان الله عليهم)، و عليه تدل صحيحة (أبي حمزة) قال

قال (أبو جعفر (عليه السلام) [إذا كان الرجل نائماً في المسجد الحرام أو في مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله)، فاحتلم فأصابته جنابة فليتيمم و لا يمر في المسجد إلا متيمماً].

و إطلاق الخبر يقتضي وجوب التيمم مطلقاً و إن أمكن الغسل في المسجد و ساوى زمانه زمان التيمم.

و رجح (جماعة) وجوب الغسل من الشرط المذكور و عدم لزوم تعدي النجاسة إلى شيء من المسجد أو آلاته «و الأظهر» الاقتصار على مورد الخبر و قيل باستحباب التيمم و هو «ضعيف».

(و هل يلحق به كل مجنب الأظهر العدم) لاختصاص مورد النهي بالمحتلم فالإلحاق «قياس» و عدم تعقل الخصوصية كما قيل لا يدل على عدمها في نفس الأمر.

(و من خرج منه بلل مشتبه بعد الغسل) و لم يبل بعد الجنابة ( «يعيد» الغسل و إن بال و لم يجتهد «فالوضوء» و إن بال و اجتهد فلا شيء عليه) للأصحاب (رضوان الله عليهم) في هذه المسألة صور خمس و لكن الظاهر «عندنا» من الأدلة الانحصار في الثلاث المذكورة لأن منه جملة ما ذكروه من الصور من اجتهد و لم يبل مع إمكانه و من كان كذلك من عدم إمكانه و كل من الصورتين محل خلاف عندهم «و الأظهر عندنا» دخولهما في ما ذكرناه منه الصورة الأولى لاستفاضة الأخبار الصحاح الصراح بأن من لم يبل فعليه الغسل و من مطلقة فيمن اجتهد أو لم يجتهد أمكنه البول أو لم يمكنه و عدم التمكن من البول مع عدم الدليل على إسقاط الغسل لا يخرج الخارج عن كونه منياً ليسقط وجوب الغسل بل إنّما يخرجه خروج البول بالفعل و ما في المسألة من بعض الأخبار المنافية فمع «ضعف» سندها، محمولة على غير ذلك كما بيناه (في كتاب الحدائق).

(و في من أحدث في أثناء الغسل أقوال) منها وجوب الإعادة و هو منقول عن (الشيخ في المبسوط و الصدوق (قدس سرهما)» و منها «الإتمام خاصة ذهب إليه جمع منهم (ابن إدريس و القاضي ابن البراج) و اختاره (المحقق الشيخ علي)» و منها «الإتمام مع الوضوء و إليه ذهب (السيد المرتضى) و هو من حيث الاعتبار «أقوى الأقوال» كما نبه عليه في (المدارك) (و لعل أقربها وجوب الإعادة) وجه الأقربية ما نقله جماعة من أصحابنا منهم (الشهيد في الذكرى و السيد السند في المدارك) عن (كتاب عرض المجالس للصدوق (رحمه الله) عن (الصادق (عليه السلام) قال: [لا بأس بتبعيض الغسل تغسل يدك و فرجك و رأسك و تؤخر غسل جسدك إلى وقت الصلاة ثم تغسل جسدك إذا أردت ذلك فإن أحدثت حدثاً من بول أو غائط أو ريح أو مني بعد ما غسلت رأسك من قبل أن تغسل جسدك «فأعد الغسل من أوله»].

و قد ذكر جمع من (متأخري المتأخرين) أنّهم لم يقفوا على هذه الرواية في كتاب مجالس الصدوق و هو المشهور (بالأمالي) و الظاهر أن الكتاب المنقول منه الخبر غيره.

و قال (السيد في المدارك) بعد نقل الرواية «و لو صحت هذه الرواية لما كان لنا منها عدول لصراحتها في المطلوب إلا أنّا لم نقف عليها مسندة انتهى».

و هو يدل على جزمه بوقوع الخبر في الكتاب المشار إليه و روي

19

هذا الخبر (في كتاب فقه الرضا (عليه السلام) إلا قوله «أو مني» و يؤيده أيضا أنه موافق في العبارة لكلام (والد الصدوق في رسالته) إليه على ما نقله عنه و هو ممن يعد الأصحاب كلامه في عداد النصوص .. و كيف كان «فالاحتياط يقتضي الإتمام و الوضوء ثم الإعادة».

الفصل الثالث (في التيمم):

و فيه مسائل:

المسألة الأولى (موجبات التيمم)

(ما أوجب مبدله) أي الذي يوجب التيمم هو الذي يوجب مبدله و هو الوضوء و الغسل في الحدث الصادر عنه حدث أصغر أو أكبر (عند تعذره) أي تعذر المبدل و هو الوضوء أو الغسل (بفقد الماء أو آلته عيناً أو ثمناً غير مجحف بحاله أو بالاحتياج إليه) عطف على قوله بفقد الماء و لو لحيوان محترم على قول هذا القول (للفاضلين).

و احتج عليه (في المعتبر) بأن الخوف على الدواب خوف على المال و معه يجوز التيمم.

و رد بأنه على إطلاقه ثم لأن مطلق ذهاب الدابة أو إتلافها و استعمال الماء لأنّه واجد للماء غير مضطر إليه فلذا [4] يسوغ له التيمم و كيف كان فينبغي أن يستثني مما إذا كان محتاجاً إلى الدابة بحيث يضره فواتها كما إذا كان في سفر لا يمكنه قطع مسافته إلا بها أو يحتاج إما لنقل ثقله أو إزالة نجاسته بمعنى أن يكون الاحتياج إليه.

لذلك قال (المحقق في المعتبر) فلو كان على جسده نجاسة و الماء يكفي لإزالتها أو الوضوء أزالها به و تيمم بدلا من الوضوء و كذا الغسل لأن إزالة النجاسة مع القدرة واجب و لا بد من الماء في إزالتها فيتعين لها.

«و الظاهر» أنه لا خلاف في ذلك إلا أني لم أقف على نص يدل عليه و طريق السلامة في القضاء بعد وجود الماء (أو تعذر استعماله لمرض) بالفعل أو خوف حدوثه و خلاف (الشيخين) ممن أجنب نفسه مختارا فإنه يجب عليه الغسل و إن خاف التلف شاذ و إن دل بعض الأخبار على الأمر بالغسل و إن أصابه ما أصابه فإنها مردودة بالأدلة العقلية و النقلية آية و رواية.

المسألة الثانية: (تجب فيه النية عما سبق)

من اعتبار القربة فيها و الكلام في الوجوب و الندب و اشتراط استدامتها حكماً و نحو ذلك منه أحكام النية (و في اعتبار نية البدلية) هنا (أقوال): أحدها: اعتبارها مطلقاً.

ثانيها: عدمها مطلقاً.

و ثالثها: اعتبار ذلك إن قلنا باختلاف هيئتي التيمم بدلا من الغسل و بدلا من الوضوء و عدمها إن قلنا باتحادهما ( «أحوطهما» ذلك) للخروج به عن الخلاف و تيقن الخروج من العهدة (مقارناً بها الضرب ببطني يديه).

فيه إشارة (أولا) إلى الرد على من جوز المقارنة بها لمسح الجبهة تنزيلا للضرب منزلة أخذ الماء في الطهارة المائية فإن الضرب أحد الواجبات التي تعلق بها الأمر من الشارع بخلاف أخذ الماء.

(و ثانياً) إلى أن الواجب في التيمم هو الضرب كما هو أحد القولين دون مطلق الوضع كما هو القول الآخر بدلالة جملة من الأخبار على الأمر بالضرب و إطلاق الآية و باقي الأخبار محمول عليها حمل المطلق على المقيد كما هو القاعدة «المتكررة».

(و ثالثاً) إلى أنه يجب أن يكون الضرب ببطني الكفين لأنّه المتعارف المعهود فيحمل عليه إطلاق الأخبار (على ما يسمى أرضاً) فيه إشارة إلى أن المختار فيما تيمم به هو الأرض كما

____________

[4] في نسخة ع فلا يسوغ ..

20

هو المشهور دون التراب كما هو المنقول عن (المرتضى (رضي الله عنه) لوجوه لا يسع المقام نشرها هنا و قد بسطنا الكلام فيها في جملة من تحقيقاتنا ثم بعد الضرب على الأرض بيديه (يمسح بها جبهته من قصاص الشعر إلى أعلى الأنف و إن أضاف الجبينين فهو «أحوط»).

الحكم بكونه أحوط مع دلالة بعض الأخبار عليه و عدم منافاتنا لأخبار الجبهة، و قول جملة من الأصحاب بذلك لعدم تيقن حمل تلك الأخبار عليه بل الظاهر منها إرادة الجبهة و إن أطلق عليها لفظ «الجبين» مجازاً و لهذا أن الواقع في الأخبار بلفظ الجبين مفرداً و تحقيق المقام في ذلك كما ينبغي قد بسطنا الكلام فيه (في أجوبة مسائل لبعض الأعلام و حواشي المدارك و الوافي).

(ثم يمسح ببطن كل واحدة ظهر الأخرى) كقوله (في حسنة الكاهلي) [ثم مسح كفيه أحدهما على ظهر الأخرى من الزند إلى أطراف الأصابع] هذا أحد (الأقوال) في المسألة و عليه تدل الأخبار الكثيرة.

و قيل بالمسح من أصول الأصابع إلى آخرها.

و قيل من المرفقين إلى أطراف الأصابع.

و قيل بعدم وجوب الابتداء بالزند بل يجوز من أطراف الأصابع إلى الزند.

و يدل على القول الثاني رواية متروكة الظاهر بين الأصحاب متشابهة الدلالة معارضة بالأخبار الكثيرة.

و على الثالث أخبار محمولة على التقية.

و على الرابع إطلاق الآية و هو مقيد بالأخبار المستفيضة (مقدماً لليمنى مستوعباً للممسوح) لا خلاف في وجوب استيعاب الأعضاء الممسوحة بالمسح و أما الأعضاء الماسحة فلا يجب استيعابها بجميع بطن الكف للأصل و لقوله (عليه السلام) في صحيحة (زرارة) [أنه (صلى الله عليه و آله) مسح جبينيه بأصابعه مرتباً] كما ذكر موالياً وجوباً في الجميع.

و وجوب الجميع مما انعقد عليه الاتفاق بين الأصحاب و الوجه في الوجوب كون ذلك هو المفهوم المعهود من بيان صاحب الشريعة و القول بأن الناسي إنّما يجب فيما يعلم وجوبه ممتنع فإن فعل صاحب الشريعة إذا وقع بياناً للمجمل أوضحه و قيده و كان الواجب اتباعه لقوله سبحانه [مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ]، إلا أن يقوم الدليل من خارج على عدم الوجوب كما أوضحناه في محل أليق.

(و الأفضل جعل ضربة للوجه و أخرى لليدين مطلقاً) و اختلف الأصحاب في عدد الضرب في التيمم فقيل بوجوب المرة و قيل بوجوب المرتين مطلقاً و قيل بالتفصيل بينما إذا كان بدل من الغسل فالمرتان و من الوضوء فالمرة و قيل ثلاث ضربات واحدة للوجه و أخرى لليد اليمنى و ثالثة لليد اليسرى.

و الأخبار في ذلك مختلفة و القول بالتفصيل جعلوه وجه الجمع بين الأخبار مع أنّ جملة من الأخبار الصريحة في البدلية من الغسل دالة على الاكتفاء بالواحدة كأخبار (قصة عمار) و كذا (موثقة إسحاق بن عمّار

عن أبي عبد الله (عليه السلام) [التيمم من الوضوء و من الجنابة و من الحيض للنساء سواء؟ قال: نعم ..].

و أما القول بالثلاث فيدل عليه (صحيحة محمّد بن مسلم) «و الظاهر» حملها على التقية كما ذكره جملة من (مشايخنا عطّر الله مراقدهم).

بقي الكلام في الجمع بين ما دلّ بإطلاقه على المرة و ما دلّ كذلك على المرتين و وجه الجمع حمل أخبار المرتين على الاستحباب كما ذكره بعض الأصحاب.

ثمّ الذي ظهر لي بعد ذلك هو حمل أخبار المرتين على التقية لما نقله (شيخنا باقر العلوم المجلسي عطّر الله مرقده) (في كتاب بحار الأنوار) عن (الطبيبي من علماء العامة في شرح المشكاة في شرح حديث عمار)

21

من أن الضربة الواحدة للوجه و الكفين مذهب (علي و ابن عبّاس و عمار) و جمع من التابعين.

و الضربتين مذهب (عبد الله بن عمر و جابر) و جمع من التابعين و الأكثرين من (فقهاء الأمصار) انتهى ملخصاً.

المسألة الثالثة (يجب طلب الماء في السعة)

في التقييد بالسعة إشارة إلى أنه مع ضيق الوقت لا يجب الطلب، بل يجب التيمم اتفاقاً (من كلّ جهة يرجو فيها الإصابة) في التقييد برجاء الإصابة إشارة إلى أنه مع العلم بعدم الماء لا يجب طلبه و هل يقوم الظن هنا مقام العلم؟.

(الأظهر) العدم بل الظاهر أنه لا خلاف فيه و لا يجوز التيمم إلا بعد الطلب على الوجه المذكور و عدم وجود الماء (بحيث يصدق عدم الوجدان عرفاً) الذي هو مناط لمشروعيّة التيمم حيث إنه مسبب عن عدم الوجدان كما أشارت إليه الآية [فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا].

(و الأحوط الطلب ما دام في الوقت) لما دلت عليه (حسنة زرارة)

عن أحدهما (عليهما السلام) قال: [إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام الوقت فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم و ليصلي في آخر الوقت]

«الحديث».

(و التقدير بالغلوة و الغلوتين ضعيف المستند) و هو (رواية السكوني) عنه

(جعفر بن محمّد عن أبيه عن علي (عليه السلام) قال: [تطلب الماء في السفر إن كانت الحزونة فغلوة و إن كانت سهلة فغلوتين لا تطلب أكثر منه ذلك]

و هي معارضة لحسنة (زرارة) التي هي أوضح منها سنداً و دلالة إلا أن الحسنة المذكورة معارضة بالأخبار الدالة على التيمم مع السعة و لذا جعلنا العمل بها طريق الاحتياط.

(و يشترط طهارة أعضاء التيمم مع الإمكان على المشهور) فلو لم يكن سقط اعتبارها و وجب التيمم إذ لا دليل على وجوب طهارة أعضاء التيمم إلا وجوه اعتبارية ذكروها، و من ثم نسب الحكم إلى الشهرة و لا ريب أنه «الأحوط» و ظاهرهم أنه مع عدم إمكان الإزالة يجب التيمم و إطلاق الأخبار بوجوب التيمم يساعده فلا بأس به.

( «و الأحوط» اعتبار العلوق) حال الضرب على الأرض لدلالة قوله سبحانه [فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ] على ذلك فإن ضمير منه راجع إلى التراب و ما ذكره (السيد السند في المدارك) من عود الضمير إلى التيمم مستنداً في ذلك إلى (صحيحة زرارة) عن (أبي عبد الله (عليه السلام) حيث قال فيها

[فلما أن وضع الوضوء عن من لم يجد الماء أثبت بعض مسحاً لأنّه قال بوجوهكم ثم وصل بها و أيديكم منه أي من ذلك التيمم لأنّه علم أن ذلك جميعه لم يجر على الوجه لأنّه يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكف و لا يعلق ببعضها]

، مردود بأن (الرواية المذكورة) بالدلالة على خلاف ما ذكره أشبه لأن المراد بالتيمم فيها هو المتيمم به و حاصل معنى (الرواية المذكورة) أنه إنّما أثبت سبحانه بعض الغسل مسحاً و لم يوجب مسح الجميع لأنّه لما علم أن ذلك الصعيد لا يأتي على الوجه كملا من حيث إنه يعلق ببعض الكف و لا يعلق ببعض آخر منها (قال سبحانه «فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ).

و حينئذ (فقوله (عليه السلام) لأنّه علم) أي علم أن ذلك الصعيد المضروب عليه و هو المدلول عليه في الرواية بالتيمم الذي هو بمعنى المتيمم به كما ذكرنا و لا يخفى ما فيه من الإشعار بل الدلالة على وجوب العلوق.

و هو مذهب (ابن الجنيد) و إليه مال جملة من أفاضل (المتأخرين) فالأقرب حينئذ اعتبار العلوق (و إن استحب النفض) بمعنى أنه لا منافاة بين اشتراط العلوق و

22

استحباب النفض لأن الأخبار الدالة على استحباب النفض إن لم تكن مؤيدة و مؤكدة لا تكون منافية إذ الظاهر أن الأمر بالنفض إنّما هو تقليل ما يوجب التشويه في الوجه من الغبار اللاصق و هذا لا يتم إلا مع اشتراط العلوق على أن النفض لا يستحب على وجه المبالغة بحيث تخلو إليه من الأجزاء الغبارية بالكلية حتى يقال إن ذلك مناف لاشتراط العلوق إذ الإجزاء الغبارية لا تخلس بأسرها بمجرد النفض كما لا يخفى.

(و الأقرب التفصيل في الوقت بالرجاء فيؤخر و عدمه فيقدم) هذا أحد الأقوال في المسألة و قيل بجواز التيمم مع السعة مطلقاً.

و قيل بوجوب التأخير إلى آخر الوقت مطلقاً «و ما ذكرناه أجود» لأن فيه جمعاً بين الأدلة و عليه تدل (حسنة زرارة) المتقدمة.

(و ينتقض التيمم بنواقض مبدله و بالتمكن منه) أي من الماء المدلول عليه بسياق الكلام و قرينة المقام (و هل يشترط استقراره بمضي زمان يسعه)؟ (إشكال) ينشأ من إطلاق النص (كقوله (عليه السلام) لما سئل أ يصلي الرجل بتيمم واحد لصلاة الليل و صلاة النهار؟ قال

[نعم ما لم يحدث أو يصب ماء]

و نحوه غيره.

و من أن التكليف بعبادة في وقت لا يسعها من قبيل التكليف بما لا يطاق فإن المقتضي للنقض هو التمكن من فعلها لا مطلق التمكن من الماء.

(و لو أحدث المتيمم عن الأكبر بالأصغر) أي بالحدث الأصغر بأن بال أو تغوط مثلا فهل يتيمم بعد ذلك الحدث الأصغر بدلا عن الأول و هو الغسل أو عن الثاني و هو الحدث الأصغر، (قولان أقربهما الثاني و مثله ما لو وجد ما يكفيه للوضوء خاصة فإنه يتوضأ)، على الثاني المشهور بين (الأصحاب (رضوان الله عليهم) في هذه المسألة أنه يتيمم بدلا من الغسل لعدم ارتفاع الحدث بالتيمم فإن غاية ما يحصل به الاستباحة فإذا زالت بسبب الحدث الأصغر عاد المكلف إلى الحالة الأولى.

و نقل عن (السيد المرتضى (رضي الله عنه) أنه يتيمم بدلا من الوضوء «و الظاهر» أن مبنى الخلاف في هذه المسألة على الفرق بين الرفع و الاستباحة و عدمه و التعليل المذكور إنّما يتم بناء على الفرق بينهما و أما على عدم الفرق كما هو التحقيق، حيث إنا لا نعقل من الحدث إلا الحالة المانعة من الدخول في العبادة المرتفعة بالطهارة من تيمم و نحوه.

و حينئذ فإذا سوغ الشارع الدخول في الصلاة بالتيمم فقد علم منه زوال تلك الحالة المانعة نعم زوالها إنّما يكون إلى غاية وجود الماء.

و حينئذ فبالتيمم الأول قد ارتفع الحدث الأكبر إلا أن يوجد الماء و بذلك يظهر أن التيمم بعد الحدث الأصغر هنا إنّما يكون عن الأصغر لا عن الأكبر على أن القائل أن يقول إنه لو قيل بأن التيمم إنّما يفيد الإباحة دون الرفع فالإباحة بالتيمم الأول ثابتة فيستصحب حكمها حتى يعلم رفعها و المعلوم قطعاً مانعية الأصغر لا عود حكم الأكبر إلا أنه لا يخلو من خدش و مما «ذكرنا» يعلم أنه لو وجد ما يكفيه للوضوء بعد الحدث الأصغر فإن الواجب بمقتضى «ما قلناه» هو الوضوء خاصة كما صرح به (المرتضى (رضي الله عنه) إلا أن المسألة لما كانت غير منصوصة فسلوك سبيلا الاحتياط فيها بالتيمم «عنهما معاً» و الجمع بين الوضوء و التيمم عن الأكبر في الصورة المفروضة أخيراً مما لا ينبغي تركه.

الفصل الرابع: في إزالة النجاسات

و فيه مسائل:

المسألة الأولى (النجاسات عشر:)

(البول و الغائط من ذي النفس) أي ما كان له نفس سائلة و هو خروج الدم عند ذبحه بقوة (و إن كان صبياً).

فيه رد على (ابن الجنيد) حيث حكم بعدم نجاسة بول الصبي ما لم يأكل اللحم .. و إطلاق الأخبار و عمومها بنجاسة البول يرده غير المأكول قيد

23

لذي النفس (و إن كان بالعرض) كالجلال ما لم يستبرأ أو موطوء الإنسان ( «و الأظهر عندي» نجاسة أبوال الدواب الثلاث) و هي الفرس و البغل و الحمار وفاقاً (للشيخ في النهاية و ابن الجنيد) و إليه قال (المولى المحقق الأردبيلي) و اختاره (شيخنا العلامة أبو الحسن الشيخ سليمان البحراني) و عليه تدل الأخبار المستفيضة.

و المشهور الطهارة و دليله قاصر عن معارضة تلك الأخبار سنداً و عدداً [5] و دلالة كما بسطنا الكلام فيه بما لا مزيد عليه في بعض (أجوبة مسائل بعض الأعلام).

و أما الأرواث «فالأظهر» طهارتها للأخبار الدالة على ذلك (و المني و الدم من ذي النفس) قيد فيهما (مطلقاً) مأكول اللحم و غير مأكول اللحم.

و أنت خبير بأن الأخبار الدالة على نجاسة المني لا عموم فيها على وجه يتناول كل حيوان بل المتبادر منها هو مني الإنسان خاصة و لكن الأصحاب أطبقوا على العموم كما «ذكرناه» و لكن يرد عليهم دخول غير ذي النفس أيضاً في عموم تلك الأخبار بناءً على ما ذكروه مع أن ظاهرهم الحكم بطهارته.

(و الميتة منه أيضاً [6] و أجزائها إلا ما لا تحله الحياة) و هو الصوف و الشعر و الوبر و السن و الريش و العظم و القرن و الظلف و الظفر و الحافر و البيض الأنغمة «و الظاهر» أنه لا خلاف فيها و عليه تدل الأخبار.

و قيد بعضهم البيض بما إذا اكتسى القشر الأعلى و عليه تدل (رواية غياث بن إبراهيم) و الذي فيها الجلد الغليظ و أكثر الأخبار خال من هذا القيد و كأنهم قيدوا إطلاق تلك الأخبار بهذه الرواية، و اختلف الأصحاب في اللبن «و المشهور» الطهارة و عليه تدل (صحيحة زرارة و حسنة حرز و موثقة حسين بن زرارة) و ذهب (ابن إدريس) إلى نجاسته محتجاً بأنه مائع ملامس للميتة النجسة فيكون نجساً و يدل على ما قاله (رواية وهب بن وهب).

و يرد على الأول أن فيه نوع مصادرة و على الثاني ضعف الراوي «فإنه ضعيف جدّاً كذاب» و يمكن حمل روايته على التقية.

«فالقول» بالطهارة هو المعتمد (و الكافر بأنواعه) و إن أظهر الإسلام إذا جحد ما يعلم ثبوته في الدين ضرورة كالخوارج و الغلاة و الجميع مما اتفق على نجاسته إلا أهل الكتاب من اليهود و النصارى «و المشهور» النجاسة.

(و منه) أي من الكافر (المخالف الغير المستضعف على الأقوى) خلافاً لجمهور (متأخري أصحابنا) حيث قالوا بطهارة المخالفين للحكم بإسلامهم و المستفاد من الأخبار المتكاثرة بل المتواترة معنى الحكم بكفرهم و نصبهم كما «أوضحناه» بما لا مزيد عليه في (رسالتنا الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب). و الحكم بكفرهم وقع في وجوه منها استفاضة الأخبار ببعضهم لأهل البيت (عليهم السلام) و منها إنكارهم الإمامة التي هي أحد الأصول الدينية و منها تصريح الأخبار بنصبهم و كفرهم كفر جحود و إنكار و شركهم بالجملة «فالحكم عندي» في الوضوح و الاشتهار كالشمس في دائرة النهار.

لا يعتريه الشك و لا الإنكار و من أراد الوقوف على تحقيق الحال على وجه لا يعتريه الإشكال فليرجع (للرسالة المذكورة) فإنها قد أحاطت بأطراف المقال و نشر الأقوال و بسط الاستدلال بما لم يسبق إليه سابق في هذا المجال نعم «يستثني» منه المستضعف كما استثنته الأخبار الواردة في هذا

____________

[5] في نسخة م سندا و عودا.

[6] في النسخة المذكورة منه أيضا أي من ذي النفس.

24

المضمار.

(و أخواه الكلب و الخنزير و أجزاؤهما و إن لم تحل لهما الحياة) خلافاً (للسيد المرتضى (رضي الله عنه) حيث حكم بطهارة ما لا تحل له الحياة من نجس العين قياساً على الميتة «و المشهور» واضح لأن الحكم على الكلب و الخنزير بالنجاسة كما صرحت به الأخبار شامل لجميع أجزائهما ما تحله الحياة و ما لا تحله.

و الأوامر الواردة بغسل الثوب الملاقي لهما برطوبة مع أنه إنّما يلاقي الشعر غالباً أوضح دليل على ذلك.

(و ما تولد منهما على المشهور) القول بنجاسة [7]، و إن ما بينهما في الاسم لا يخلو من الإشكال لأن الطهارة و النجاسة تابعة للاسم و مجرد التولد من نجس العين لا يكون «سبباً شرعياً» في النجاسة.

و من ثم أسند الحكم أبي للشهرة (و الأظهر الاختصاص بالبريين [8] (كما عليه الأكثر (و نقل عن ابن إدريس) القول بنجاسة كلب الماء لصدق الاسم و فيه ما أشرنا إليه في غير موضع من أن إطلاق الاسم يرجع إلى ما هو المتبادر الشائع و الفرد الغالب (و المسكر المائع بالأصالة) لأن ما كان جامداً بالأصالة كالحشيشة «طاهر» بلا خلاف و إن عرض له الميعان، و القول بنجاسة المسكر هو «المشهور».

و الأخبار في ذلك مختلفة و العمل بأخبار النجاسة «أرجح» لموافقتها للاحتياط الذي هو أحد المرجحات المنصوصة و احتمال اختيار الطهارة للتقية.

و ما يقال من أن أكثر العامة قالوا بالنجاسة فلا يمكن الحمل على التقية مردود بأنه و إن كان الأمر كذلك إلا أن جميع الخلفاء الأمويين و العباسيين و أتباعهم و أرباب الدول مطبقون على شربها و مكبون عليها كما لا يخفى على من طالع الأخبار و كتب السير و الآثار فالتقية إنّما هي منهم.

(و الفقاع على الأقرب) المستفاد من الأخبار أن الفقاع هو النبيذ إلا أنه إن حصل فيه الغليان و هو المعبر عنه في الأخبار بالاغتلام و هو لغة الهيجان كان خمراً يلحقه أحكام الخمر من التحريم و النجاسة على القول بها و إن لم يبلغ إلى ذلك كان حلالا و الأخبار قد استفاضت بإطلاق الخمر عليه بعد الغليان.

و من الأخبار الدالة على النجاسة لذلك (رواية أبي جميل البصري)

[قال كنت مع (يونس بن عبد الرّحمن) ببغداد و أنا أمشي معه في السوق ففتح صاحب الفقاع فقاعه فأصاب يونس فرأيته قد اغتم لذلك حتى زالت الشمس فقلت: أ لا تصلي؟ فقال: ليس أريد أن أصلي حتى أرجع إلى البيت و أغسل هذا الخمر من ثوبي، قال: [فقلت هذا رأيك أو شيء ترويه؟] قال: أخبرني هشام بن الحكم أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الفقاع قال: [لا تشربه «فإنه خمر مجهول» و إذا أصاب ثوبك فاغسله]

و هو صريح في المطلوب (و في العصير العنبي إذا غلا و اشتد تردد).

و المشهور بين الأصحاب طهارته و نقل عن (المحقق في المعتبر) نجاسته بعد الاشتداد و به صرح (العلامة في الإرشاد) و نقل أيضا عن (ابن حمزة) و استشكل (في التذكرة) و نقل عن بعضهم النجاسة بمجرد الغليان و ذكر جماعة من الأصحاب أنه لا نص على نجاسته حتى قال (الشهيدان) إن نجاسته من المشاهير بغير أصل و مال (المحدث الأمين الأسترآبادي) إلى القول بالنجاسة لإطلاق الخمر عليه في صحيحة (محمد بن عمار) قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل من أهل المعرفة يأتيني بالبختج [9] و يقول قد طبخ على الثلث و أنا أعرفه أنه يشربه على النصف فقال: [خمر لا تشربه]

و إطلاق الخمر عليه يقتضي لحوق حكمه به.

أقول: و يؤيد ذلك (حسنة عبد الرحمن

____________

[7] في النسخة م و القول بنجاسة ما تولد منهما.

[8] المورد المذكور الأظهر بما عليه الأكثر الاختصاص أي اختصاص الحكم و هو النجاسة بالبريين.

[9] في نسخة ع بالنجيح ..

25

بن الحجاج)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): الخمر من خمسة [10] و العصير من الكرم، و النقيع من الزبيب، و البتع من العسل]

الحديث.

و إطلاق الخمر على العصير في الخبر شامل لما أسكر منه و ما لم يسكر خرج ما طبخ على الثلث بدليل فيبقى ما عداه.

و القول بأن الخمر لغة و عرفا: عبارة عن المسكر من العنب، و إطلاقه على كل مسكر أو ما لا يسكر كما في هذا المقام مجاز للاشتراك في التحريم دعوى في خبر المنع إذ المرجع في ترتب الأحكام إلى عرفهم (عليهم السلام) و إطلاقاتهم، و المستفاد من أخبارهم ما عرفت.

و يؤيد ما ذكرناه من ترتب النجاسة على إطلاق الخمر ما تقدم من (رواية أبي جميل البصري) حيث قال فيها: أخبرني هشام بن الحكم إلى آخره إلا أن المسألة بعد لا تخلو من شوب تردد.

لأن الرواية التي نقلها (المحدث المشار إليه) لم نقف عليها في شيء من الأصول التي بأيدينا و احتمال التخصيص في (صحيحة عبد الرحمن قائم) «أما التحريم فإجماعي نصا و فتوى» و ألحق به في التحريم (الزبيبي و التمري، و في الأول إشكال، و الإلحاق غير بعيد) لورود جملة من الروايات دالة بظاهرها على ذلك و قد أوردها في (الكافي في باب صفة الشراب الحلال) و قد تضمنت هذه الأخبار «طبخ الزبيب على وجه يستخرج ماؤه ليشرب» و في تلك الأخبار ما يعطي بظاهره التحريم كقوله (عليه السلام) في بعضها و قد سأله الراوي: كيف طبخه حتى يشرب حلالا؟ فقال

[تأخذ ربعا من زبيب فتنقيه و تصب عليه اثنى عشر رطلا من ماء ثم تنقعه ليلة فإذا كان أيام الصيف و خشيت أن ينشر جعلته في تنور مشجور قليلا حتى لا ينش إلى أن قال: و لا تزال تغليه حتى يذهب الثلثان و يبقى الثلث]

إلخ.

و لا يخفى أن المحاذرة من التنشيش و هو الغليان ثم غليانه حتى يذهب الثلثان بعد سؤال السائل عن الكيفية التي يترتب عليها شربه حلالا قرائن ظاهرة في التحريم و ربما يظهر من عنوان (صاحب الكافي) في الباب المذكور بما قدمنا ذكره عنه اختيار ذلك و إليه يميل كلام (المحدث الكاشاني في المفاتيح).

«و لا ريب أن الاحتياط» في اجتناب طبخ الزبيب متى أدت الحلاوة إلى الماء.

(و أما الثاني) و هو التحريم في التمري (فضعيف) إذ لا دليل عليه يعتمد عليه «و المشهور» بين أصحابنا بل أدعي عليه الإجماع هو الحلية و لم نقف على مصرح بالتحريم إلا من بعض (متأخري المتأخرين)، و هو صريح (شيخنا أبي الحسن الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني (قدس سره) و هو ظاهر (المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي) و إليه يميل كلام (المحدث السيد نعمة الله الجزائري) «و عمدة» ما استندوا إليه في ذلك (صحيحة عبد الله بن سنان) الدالة على أن كل عصير أصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه.

و لا يخفى على المتتبع للأخبار حق التتبع أن المستفاد منها أن العصير في عرفهم (عليهم السلام) إنما يطلق على ماء العنب، و أما المتخذ من التمر و الزبيب فإنما يسمى «بالنبيذ» أو النقيع و الأول هو الأكثر و لا سيما في التمر، و من ذلك (حسنة عبد الرحمن بن الحجاج) و قوله (عليه السلام) فيها

[الخمر من خمسة: العصير من الكرم، و النقيع من الزبيب و النبيذ من التمر]

الحديث ..

و المستفاد منها أيضا على وجه لا يعتريه الشك و لا سيما حديث (الوفد اليماني) المروي في (الكافي:) أن المدار في تحريم العصير التمري إنما هو

____________

[10] في نسخة م من خمس العصير.

26

على الإسكار كما حققنا ذلك بما لا مزيد عليه (في كتاب المسائل و في أجوبة بعض الأعلام).

و لو حمل العصير في (صحيحة ابن سنان) التي استندوا إليها على المعنى اللغوي «و هو كلما يعصر» للزم منه تحريم ما علم حله ضرورة من مذهب الإسلام و هو جميع ما يعصر من الفواكه و العقاقير و الأدوية و المأكل و نحو ذلك .. «و هو باطل ضرورة» و التخصيص بالتمر و الزبيب و العنب تحكم محض كما لا يخفى.

«و حينئذ» فالمراد بالكلية ليس باعتبار ما ذكروه بل المراد هو العصير العنبي بخصوصه أعم من أن يكون يسكر كثيره أم لا أخذ من كافر أو من مسلم مستحل لما دون الثلث أم لا عارف أم لا .. [11].

و يؤيد ذلك ورود الأخبار في حل العصير المأخوذ من أيدي «هؤلاء» و عدمه بالفرق في بعضها بين العارف و عدمه و في بعضها بين من يستحله على الثلث و غيره ممن يشربه على النصف و كذا بالنسبة إلى العارف و غيره.

«فحاصل» الكلية حينئذ أن كل فرد من أفراد عصير العنب المأخوذ من أيدي هؤلاء فإنه بعد إصابة النار له «حرام» حتى يعلم ذهاب الثلثين بأحد الأسباب المفيدة لذلك منه مباشرة طبخه أو أخذه من يد مسلم عارف أو نحو ذلك.

(و في نجاسة عرق الجنب من الحرام و عرق الإبل الجلالة قولان: أظهرهما النجاسة).

أما القول بالنجاسة في الأول فهو لجمع من (قدماء أصحابنا) بل «الظاهر» أنه هو المشهور عندهم.

و إلى الطهارة ذهب (ابن إدريس) و من تأخر عنه و يدل على النجاسة جملة من الأخبار لكنها في غير الكتب المشهورة [12].

منها ما رواه (الشهيد في الذكرى) قال: روى (محمد بن همام) بإسناده إلى (إدريس بن يزداد الكفرثوثي) أنه كان يقول بالوقف فدخل سر من رأى في عهد (أبي الحسن (عليه السلام) فأراد أن يسأله عن الثوب الذي يعرق فيه الجنب أ يصلي فيه؟ فبينما هو قائم في طاق باب لانتظاره إذ حركه (أبو الحسن (عليه السلام) بمقرعته و قال

[إن كان من حلال فصل فيه: و إن كان من حرام فلا تصل فيه]

(أقول:) (و إدريس ابن يزداد) هذا «مجهول» و الذي في كتب الرجال (إدريس بن يزداد الكفرثوثي) «ثقة» و لم ينقل عنه القول بالوقف و احتمال أنه هو قريب و في كتاب (فقه الرضا) قال (عليه السلام)

[إن عرفت في ثوبك و أنت جنب و كانت الجنابة من الحلال فتجوز الصلاة فيه و إن كانت حراما فلا تجوز الصلاة فيه حتى يغسل].

و يعضد ذلك جملة من الأخبار الدالة على النهي عن الغسل من غسالة الحمام معللا بأنه يغتسل منه أي من الزنا .. (في الثاني الإبل الجلال) و أما النجاسة في الثاني الإبل الجلال فيها قال (الشيخان و العلامة في المنتهى و ابن البراج) و عليه تدل (صحيحة هشام بن سالم و حسنة حفص بن البختري) و لا معارض لهما.

المسألة الثانية: (يجب إزالة هذه النجاسات عن الثوب و البدن للصلاة و الطواف)

. أما وجوب الإزالة للصلاة فإجماعي نصا و فتوى، و أما للطواف فقد نقل جمع من (الأصحاب) فيه الإجماع أيضاً.

و لكن الأخبار فيه «مختلفة» فظاهر (رواية يونس بن يعقوب) [13] (و صحيحة البزنطي) عن بعض أصحابه العدم و احتمال التأويل في كل منهما قائم فيمكن حمل رواية يونس على الاستحباب عملا بصحيحة البزنطي.

و يمكن حمل صحيحة البزنطي على الجاهل دون العالم و حمل رواية (يونس) على ظاهرها و بذلك حصل الاشتباه في الحكم المذكور.

____________

[11] في نسخة م مستحل أم لا عارف أم لا ..

[12] في النسخة المذكورة في غير الكتب الأربعة المشهورة ..

[13] في نسخة ع يعقوب بالوجوب و صريح صحيحة البزنطي.

27

«فيجب الاحتياط» فإن هذا أحد مواضع وجوب الاحتياط «عندنا» و حينئذ فمستند الوجوب في الطواف هو «الاحتياط».

(و يجب إزالتها عن الأواني للأكل و الشرب و عن المأكول و المشروب لتحريم أكل النجس اتفاقاً نصاً و فتوى).

(و يحرم إدخالها المساجد مع التعدي) و المشهور بين الأصحاب تحريم الإدخال مطلقاً و أدلته قاصرة فلهذا ناقش جملة من (متأخري المتأخرين) في الحكم المذكور.

أما مع التعدي إلى المسجد [2] فظاهر الكل الاتفاق عليه.

و لا أعرف لهم دليلًا صريحاً سواه.

نعم ربّما أشعر بعض الأخبار بذلك (كقوله (عليه السلام) (في صحيحة معاوية بن عمار) الواردة في المستحاضة [و إن كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت و دخلت المسجد و صلت كل صلاة بوضوء] فإن فيه إشارة تحريم إدخال النجاسة المتعدية المسجد.

و أنت خبير بأن هنا أشياء غير ما ذكروه مما يجب إزالة النجاسة عنها اتفاقاً في بعض و اختلافاً في آخر.

فمن الأول «مسجد الجبهة» فقد اتفقوا على وجوب إزالة النجاسة عنه متعدية أو غير متعدية.

و منه «طهارة موضع المصلي» من النجاسة المتعدية فيجب إزالتها متى تعدت إليه حال الصلاة.

و من الثاني طهارة موضع المصلي من النجاسة «مطلقاً» (ذهب إليه المرتضى (رضي الله عنه) و منه طهارة مساقط الأعضاء «السبعة» (ذهب إليه الحلبي) و تدفعه الأخبار الكثيرة الدالة على أنه يصح الصلاة على الموضع الذي يصيبه البول أو نحوه إذا جف.

مثل (صحيحة علي بن جعفر) الواردة في البول و صحيحة أخرى في الماء القذر أيضاً له.

و منه المصاحف المطهرة و جلودها و لفائفها و الضرائح المقدسة و كسوتها و ما يلقى عليها من الملاحف ذكره (الشهيدان) إلحاقاً لها بالمساجد و نفى عنه البأس جملة ممن تأخر عنهما نظراً إلى وجوب احترامها و تعظيمها (و عفي عن دم القروح و الجروح حتى تبرأ).

هذا أحد الأقوال في المسألة.

و قيل بتخصيص العفو بالسيلان في جميع الوقت بحيث لم يكن هناك فترة مطلقاً.

و قيل بالسيلان في جميع الوقت على وجه لا يكون هناك فترة تسع الصلاة.

و قيل بإناطة سهول المشقة [3].

و المستفاد من الأخبار هو ما ذكرناه.

و منها (صحيحة ليث المرادي) قال

قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) «الرجل تكون به الدماميل و القروح فجلده و ثيابه مملوءة دماً و قيحاً و ثيابه بمنزلة جلده؟ قال (عليه السلام) [يصلي في ثيابه و لا شيء عليه و لا يغسلها]

[4].

و بمضمونها أخبار صريحة و لم نقف لتلك الأقوال [5] على مستند من الأخبار إلا مجرد الاعتبار.

(و عفي عما نقص عن سعة الدرهم إلا من الحيض) فإنه لا يعفى عن شيء منه قل أو كثر لرواية (أبي بصير

عن أبي عبد الله (عليه السلام) [6] (قال: [لا تعاد الصلاة من دم لم يبصره إلا دم الحيض فإن قليله و كثيره في الثوب إن رآه و إن لم يره سواء].

و مثله في كتاب الفقه الرضوي.

(و ألحق به النفاس و الاستحاضة) نقل ذلك عن (الشيخ (قدس سره).

(و ألحق آخرون منهم) (القطب الراوندي) و حكى أيضاً عن (ابن حمزة و ابن إدريس) و اختاره (العلامة في الإرشاد و المختلف) (دم نجس

____________

[2] في نسخة م مسجد ولايته فظاهر.

[3] و في نسخة ع و قيل بالطاقة لحصول المشقة.

[4] و في نسخة م يصلي في ثيابه و لا يغسلها و لا شيء عليه.

[5] في نسخة م الأقوال الباقية.

[6] في نسخة م عن أبي عبد الله (عليه السلام) و عن أبي جعفر (عليه السلام).

28

العين) و علله (العلامة في المختلف) بملاقاة جسده و نجاسة جسده غير معفو عنها.

و فيه أنّ الأخبار الدالة على العفو عن هذا المقدار من الدم شاملة بإطلاقها لهذا الدم و هو يجري مجرى النطق به فإخراجه يحتاج إلى دليل شرعي و مثل هذا يأتي أيضاً دم النفاس و الاستحاضة كما لا يخفى.

(و الأظهر العدم لما عرفت).

(و ألحق بعض) هو المحدّث الأسترآبادي (قدس سره) (دم الغير و لا بأس به للرواية) و هي (رواية البرقي) المرفوعة

(عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [دمك أنظف من دم غيرك إذا كان في ثوبك شبه النضح من دمك فلا بأس، و إن كان دم غيرك قليلا أو كثيراً فاغسله].

(و عفي) أيضاً (عن نجاسة ما لا تتم الصلاة فيه منفرداً كالتكة و القلنسوة) و نحوهما.

و عدّ (الصدوق) العمامة من ذلك و ينبغي حمله على ما لا تتمّ الصلاة فيه منها أو بناءً على اعتبار ما هي عليه في الهيئة.

و يدل على أصل الحكم أخبار عديدة و جمع من الأصحاب عمموا الحكم فيما كان محمولا أو ملبوساً.

و قصر آخرون الحكم على الثاني.

«و الأظهر الأول» [7] فإن غاية ما يستفاد من الأدلة وجوب طهارة ثياب المصلي من النجاسات.

و أما طهارة محموله فلا دليل عليه (و قيده بعضهم بكونه في محله.

«و الأظهر العدم») لما ذكرنا آنفاً من أن غاية ما يستفاد من الأدلّة طهارة ثياب المصلّي لا محموله و هذه متى لم تكن في محلها كانت من قبيل المحمول (و لمرسلة عبد الله بن سنان) المتضمنة العفو عن كل ما كان على الإنسان أو معه مما لا تجوز الصلاة فيه وحده (عدا قطنة الاستحاضة و خرقتها) فإنّهما مستثنيات من هذا الحكم فلا يعفى عنهما (على المشهور).

قد ذكر (الأصحاب (رضوان الله عليهم) أنّه يجب على المستحاضة إذا كان لا يثقب دمها الكرسف تغيير القطنة و الوضوء لكل صلاة.

و إذا كان يثقب الكرسف تغيير القطنة و الخرقة.

و عللوه بعدم العفو عن هذا الدم في الصلاة و ظاهر عبارة (المنتهى) دعوى الإجماع على ذلك.

و الأخبار الواردة في أحكام المستحاضة خالية عن ذلك و من ثم نسبه إلى المشهور.

(و عدا ثوب المربية) دون المربي و دون بدن تلك المربية (للمولود).

هذا لفظ الرواية و هو شامل للذكر و الأنثى و خصه بعضهم بالذكر محتجاً بأنه المتبادر من اللفظ.

و فيه ما لا يخفى.

و العفو عن ثوبها (إذا لم يكن لها غيره) بملك و لا إجارة و لا إعارة (و غسلته في اليوم مرة) و المستند في ذلك (رواية أبي حفص)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) في امرأة ليس لها إلا قميص و لها مولود فيبول عليها كيف تصنع؟ قال (عليه السلام) [تغسل القميص في اليوم مرة].

و الظاهر أنّه أراد باليوم ما يشمل الليل و النهار معاً كما ذكره (ابن الأثير في نهايته).

و ربّما ألحق بالمربية المربي لاشتراك العلة و بالمولود الواحد المتعدد للاشتراك و زيادة.

و الظاهر أن التخصيص بالثوب الواحد دون ما إذا كان لها ثوبان فصاعداً فإنّه يجب عليها إبداله لزوال المشقة بذلك إنّما هو فيما إذا لم تحتج إلى لبس الجميع و إلا فيهما أو الأزيد كالثوب الواحد.

و صريح الخبر العفو بالنسبة إلى نجاسة البول خاصة.

و المشهور العموم للغائط و غيره من النجاسات للاشتراك في العلة و الوقوف على ظاهر النص «أحوط».

و عفي أيضاً (عما يتعذر

____________

[7] في نسخة م على الثاني و الأظهر هو.

29

إزالته من النجاسات على الأظهر).

المشهور أنّه مع تعذر الإزالة يصلي عارياً إلّا مع الضرورة له من برد و نحوه و قيل بالتخيير و أكثر الأخبار الصحاح متضمنة للأمر بالصلاة فيه مع النجاسة «و هو الأظهر».

المسألة الثالثة: (يجب غسل موضع النجاسة مع علمه)

(و لو اشتبه موضعها غسل موضع الاشتباه كملا مرتين) متعلق بيجب (من بول غير الرضيعين و إلا فالصبّ) (لحسنة الحلبي) قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) [8] عن بول الصبي؟ قال: [يصب عليه الماء [9] فإن كان قد أكل فاغسله غسلا و الغلام و الجارية شرع سواء].

و فسره الأصحاب بمن [10] يأكل الطعام مستنداً إلى شهوته (في الثوب و الجسد و مرة في ما عدا ذلك) يعني أن وجوب المرتين من البول مخصوص بالثوب و الجسد و هو أحد الأقوال في المسألة و عليه تدل جملة من الأخبار (كصحيحة ابن أبي يعفور و صحيحة محمّد بن مسلم و رواية الحسين بن أبي العلاء و حسنة ابن أبي إسحاق) و غيرها.

و قيل بوجوب المرة خاصة في البول و غيره.

و فيه طرح للأخبار المذكورة [11]، و قيل بوجوب المرتين من البول في الثوب خاصة و مرة في غيره.

و قيل بوجوب المرتين في ما له قوام كالمني و مرة في غيره.

(و الأحوط المرتان في البول مطلقاً) سواء كان في الثوب و الجسد احتمال أو غيرهما.

و وجه الاحتياط مع أن مورد الأخبار الدالة على المرتين إنّما هو الثوب و الجسد احتمال خروج الثوب و البدن في تلك الأخبار مخرج التمثيل و أن خصوص عنها في تلك الأخبار لا يخصص.

(و الأحوط العصر في الثوب).

المعروف من كلام (الأصحاب (رضوان الله عليهم) توقف طهارة الثياب و نحوها مما يرسب فيه الماء على العصر و عللوه بأن العصر مأخوذ في مفهوم الغسل و هو الفارق بينه و بين الصب.

و بأن النجاسة ترسب في الثوب و لا تزول إلّا بالعصر و لهذا صرح (جمع منهم) بأنه لو غسل الثوب من غير عصر ثم جف في الشمس لم يحكم بطهارته.

و اعترض هذه الأدلة جملة من (متأخري المتأخرين) بما لا يسع المقام ذكره و لهذا نسب الحكم بالعصر إلى الاحتياط.

(و ثالثاً) عطف على قوله مرتين أي و يجب غسل موضع النجاسة ثلاثاً (أولهن بالتراب في إناء ولوغ الكلب على المشهور) في نسبته للمشهور ما يؤذن في الدليل بنوع من القصور فإن ما دلّ على الحكم المذكور (و صحيحة أبي العباس) إنّما تضمن الغسل بالتراب أول مرة ثم بالماء و لفظ المرتين بعد الماء نقله (المحقق في المعتبر) فتبعه عليه من تأخر عنه و كتب الأخبار خالية من ذلك إلا أنّه (الأولى و الأحوط).

و يجب الغسل (سبعاً في إناء ولوغ الخنزير) لصحيحة (علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال

سألته عن خنزير شرب من إناء كيف يصنع به قال: [يغسل سبع مرات].

و هذا هو المشهور بين (المتأخرين) و قيل المرة و حمل السبع على الاستحباب .. و مستنده غير واضح.

(و الأحوط السبع للفأرة الميتة) في الإناء (و الخمر بجميع) أفراده كما تقدم.

و المشهور في الفأرة و الخمر ثلاث مرات و مستنده في ذلك (موثقة عمار)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الإناء يشرب فيه الخمر فهل يجزيه أن يصب فيه الماء؟ قال: [لا يجزيه حتى يدلكه بيده و يغسله ثلاث مرات].

و أما الثلاث في الفأرة فلم نقف له على دليل، و مستنده يدل على السبع في

30

الخمر (موثقة عمار) أيضاً عنه (عليه السلام) في الإناء يشرب فيه النبيذ؟ قال

[يغسل سبع مرات].

و أما في الفأرة فموثقته أيضاً عنه (عليه السلام) قال

[اغسل الإناء الذي تصيب فيه الجرد ميتا سبعاً].

و قيل بالمرة فيهما استضعافاً لهذه الأخبار و فيه ما لا يخفى.

«و الأحوط» أيضاً السبع في ولوغ الكلب لما في (موثقة عمار) المذكورة في النبيذ حيث قال في آخرها

[و كذلك الكلب]

و لهذا أوجب (ابن الجنيد) السبع فيه للخبر المذكور.

(و مرة في ما عدا ذلك) من نجاسة البول أو غيره.

(و الأحوط الثلاث في الأواني) (لموثقة عمار)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الإناء يكون قذراً قال: [يغسل ثلاث مرات و يحرك [12] و يفرغ].

(هذا كله) من المرتين و الثلاث و سبع (في غير الكثير و الجاري أما فيهما فالمشهور الاكتفاء بالمرة) و خالف فيه (الشيخ) فجعل غسله في الجاري بعدد الغسلات المعتبرة في غيره مع (تقدم التعفير في الولوغ) للأمر به في الخبر فيكون جزءاً من المطهر فلا يكفي الماء بدونه قليلًا كان الماء أو كثيراً و استوجه (العلامة) في (المختلف) طهارة الإناء بوقوعه في الكثير قال لأنّه لا يمكن القول بنجاسته حينئذ لزوال عين النجاسة إذ التقدير ذلك.

و رد بأنا نمنع طهارته بدون التعفير و لا بعد في بقائه على نجاسته حال الوقوع في الكثير كما في جلد الميتة إذا وضع فيه كر من ماء فإن ذلك الماء يكون طاهراً مع بقاء الجلد على النجاسة (و هو) أن الاكتفاء بالمرة متجه (فيما عدا الأواني) لدلالة (صحيحة محمّد بن مسلم) على وجوب المرتين في البول إن غسله في المركن و إن كان في الجاري فمرة واحدة و موردها و إن كان البول في الثوب إلّا أن الظاهر مساواة البول له [13] و غير مساواة البول في الجاري عملا بإطلاق الأدلة فيما لم يقم فيه دليل على التعدد.

(و أما فيها فإشكال) ينشأ من ورود الأخبار بالتعدد و إطلاقها يقتضي عدم الفرق بين كون الغسل في ماء كثير أو قليل.

و الخروج عن مقتضى إطلاق تلك الأخبار يحتاج إلى دليل.

(و الأحوط التعدد) في غسل الأواني (مطلقاً) في الجاري و غيره.

المسألة الرابعة: (المشهور أن الشمس تطهر ما جففته من النجاسة التي لا جرم لها)

(أعم من أن يكون لا جرم) لها من أصلها أو كان لها جرم و لكن أزيل بغير المطهر و بقي محله نجساً.

(إذا كانت تلك النجاسة) في الأرض أو الحصر أو البواري أو ما لا ينقل عادة.

و قيل (الاختصاص بالبول) أي أن الذي يطهر بالشمس إنّما هو نجاسة البول خاصة و هو منقول عن (العلامة في المنتهى) و قيل بالاختصاص أي اختصاص ما يطهر بالشمس (بالثلاثة الأولى) و هي الأرض و الحصر و البواري مع العموم في النجاسة بولا كان أو غيره (و هو قول الشيخ في الخلاف).

و اختاره (المحقق في النافع) (و قيل بالاختصاصين) أي اختصاص تطهير الشمس بالثلاثة المذكورة من نجاسة البول خاصة و هو منقول عن (الشيخين في المقنعة و المبسوط).

(و قيل بعدم الطهارة بل العفو خاصة) متى يبست بالشمس فلو عادت الرطوبة عادت النجاسة و نقل عن (القطب الراوندي) و مال إليه جملة من (متأخري المتأخرين) منهم (المحدث الكاشاني).

( «و عندي» في أصل المسألة) و هو حصول الطهارة بالشمس توقف لتعارض الأخبار على وجه لا يمكن الجزم بالحكم منها فإن (صحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع) قال سألته عن الأرض و السطح يصيبه البول و ما

____________

[8] في نسخة ع عن أبي الحسن (عليه السلام).

[9] في نسخة م الماء صبا.

[10] في نسخة م بمن لم يأكل الطعام.

[11] في نسخة م و قيل بوجوب المرتين في نجاسة البول بظاهر و قيل بوجوب المرتين في جميع النجاسات و قيل.

[12] في نسخة م يغسل ثلاث مرات يصب الماء فيه و يحرك و يفرغ.

[13] في نسخة م مساواة البدن له و مساواة غير البول له.

31

أشبهه هل تطهره الشمس من غير ماء؟.

قال [كيف يطهر من غير ماء] صريحة في عدم الطهارة (و موثقة عمار الساباطي و صحيحة زرارة) قال

سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن البول يكون على السطح أو في المكان الذي أصلي فيه؟ فقال [إذا جففته الشمس فصلي عليه فهو طاهر]

و هي ظاهرة الدلالة على الطهارة و مثلها رواية (الحضرمي) حيث قال (عليه السلام) فيها [ما أشرقت عليه الشمس فقد طهر] و حمل الطهارة فيها على المعنى اللغوي بعيد و غير ما ذكرنا من الأخبار غاية ما تدل عليه جواز الصلاة مع اليبوسة و هو محتمل لكل من الأمرين و من ثم حصل التوقف.

(و توقف السيد السند في المدارك) أيضاً في الحكم المذكور.

( «و الاحتياط» فيها) و هو العمل بمقتضى النجاسة واجب لاشتباه الحكم و هو أحد مواضع الاحتياط الواجب «عندنا» (و الأرض تطهر باطن القدم و الخف) و التخصيص بهذين الفردين لموردين الأول في (صحيحة زرارة و رواية المعلى بن خنيس) و غيرهما و الثاني في (رواية حفص بن أبي عيسى) (و زاد بعض الأصحاب، النعل و لو من خشب و آخرون كلما يوطأ به و لو كخشبة الأقطع) و لعل مستندهم إطلاق جملة من الأخبار الواردة في المقام مثل قوله في (صحيحة مؤمن الطاق) [في الرجل يطأ في الموضع الذي ليس بنظيف ثم يطأ بعده مكاناً نظيفاً؟ قال: لا بأس فإنّه شامل لكل ما يوطأ به].

و في كثير من الأخبار أن الأرض تطهر بعضها بعضاً و هو مؤيد لذلك أيضاً بل ربّما ظهر من فحاوي هذه الأخبار تطهير أسفل العصا و الرمح كما صرّح به بعضهم و حصول التطهير بالأرض أعم من أن يكون (مشياً أو مسحاً) و يدل على الطهارة بالمسح (صحيحة زرارة) قال

قلت لأبي جعفر (عليه السلام) رجل وطئ على عذرة فساخت رجله فيها أ ينقض ذلك وضوءه؟ و هل يجب عليه غسلها؟ فقال: [لا يغسلها إلا أن يستقذرها لكن يمسحها حتى يذهب أثرها و يصلي].

و إطلاق الخبر و إن دل على جواز المسح بغير الأرض كما هو ظاهر (ابن الجنيد) إلا أن «الأظهر» حمل الإطلاق فيها على ما هو المتعارف المعهود من المسح بالأرض (و اشترط البعض) و هو (ابن الجنيد) على ما نقل عنه (طهارتها) أي طهارة الأرض (و جفافها و المشي خمسة عشر ذراعاً و في الأخبار ما يدل عليه).

أما الأول ففي رواية (الحلبي) حيث قال فيها إن

[بيننا و بين المسجد زقاقا قذراً فقال لا بأس الأرض يطهر بعضها بعضاً].

و أما الثاني ففي (حسنة المعلى بن خنيس) حيث سأل عن الخنزير يخرج من الماء فيمر على الطريق فيسيل منه الماء و أمر عليه حافياً فقال

[أ ليس وراءه شيء جاف قلت: بلى قال: فلا بأس أن الأرض يطهر بعضها بعضاً].

و أما الثالث ففي (صحيحة مؤمن الطاق) في الرجل يطأ في الموضع الذي ليس بنظيف ثم يطأ بعده مكاناً نظيفاً قال

[لا بأس إذا كان خمسة عشر ذراعاً]

و المراد بقوله (عليه السلام) يطهر بعضها بعضاً أي يطهر بعضها ما ينجس ببعض منها و علقه بنفس البعض مجازاً كما يقال الماء مطهر للبول أي للنجاسة الحاصلة من البول.

و قيل في معناه غير ذلك و لكن ما ذكرناه «أظهر» (إلا أن الثالث) و هو المشي خمسة عشر ذراعاً (معارض بما هو أوضح و أصح) و هو (صحيحة زرارة) المتقدمة

32

الدالة على التطهير بمجرد المسح و مثلها رواية (حفص بن أبي عيسى) قال

قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) «إني وطأت عذرة بخفي و مسحته حتى لم أرى فيه شيئاً ما تقول في الصلاة فيه؟ قال: [لا بأس].

(فحمله على الاستحباب أرجح) جمعاً بين الأخبار.

(و تطهر النّار ما أحالته رماداً أو دخاناً على الأظهر) و تردد فيه (المحقق في الشرائع في كتاب الأطعمة و الأشربة) و الأظهر ما هو المشهور لأنّه لا وجه للنجاسة إلا باعتبار الاستصحاب.

و إجراؤه في مثل ما نحن فيه محل نظر كما حققناه في (كتاب الدرر النجفية).

و ما نقل عن (الشيخ في المبسوط) في حكمه بنجاسة دخان الأعيان النجسة شاذ يدفعه دعواه للإجماع في (الخلاف) على طهارة ما أحالته النّار رماداً [14].

و أما النهي عن الاستصباح [15] بالدهن النجس تحت السقف فلعله للتعبد أو التنزيه (أو خزفاً أو آجراً على تردد) ينشأ من صدق الاستحالة و تحققها بالطبخ و عدمه.

(و الشيخ في الخلاف) حكم بطهر الطين النجس إذا طبخ حتى صار خزفاً أو آجراً محتجاً بالإجماع (و بصحيحة الحسن بن محبوب) قال

سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجص توقد عليه العذرة و عظام الموتى و يجصص به المسجد أ يسجد عليه؟ فكتب (عليه السلام) بخطه [إن الماء و النار قد طهراه].

و أنت خبير ما في هذا الاستدلال من القصور و عدم الظهور.

أما الإجماع فظاهر لمن تتبع إجماعات (الشيخ (قدس سره) و أما الرواية فلما فيها من الإجمال الذي لا تصلح معه للاستدلال و غاية ما يستفاد منها هو طهارة الدخان و الرماد و لو لا ذلك لتنجس الجص بملاقاتهما فلا يصلح لأن يجصص به المسجد لكن النّار قد طهرته بسبب إحالتها العذرة و العظام رماداً أو دخاناً.

و أما الماء فلا دخل له في التطهير إجماعاً كما نقله (في المعتبر) و لعل المراد بالماء هو الماء الممزوج بالجص فيكون من قبيل رش الماء على المكان أو الثوب المظنون النجاسة استحباباً أو ماء المطر الذي يصيب أرض المسجد المجصص بذلك الجص إذا كان بلا سقف كما هو السنّة في المساجد.

و المراد من النّار ما يحصل من الوقود الذي يستحيل به أجزاء العذرة و العظام المختلطة بالجص.

و الغرض من الخبر أنه قد ورد على ذلك الجص أمران مطهران و هما النّار و الماء فلم يبق ريب في طهارته فلا يرد السؤال بأن النّار إذا طهرته أولا فكيف يحكم بتطهير الماء ثانياً إذ لا يلزم من ورود المطهر الثاني تأثيره في التطهير كما أشرنا إليه أولا و احتج من قال بالنجاسة بأنه لم يخرج عن اسم الأرض كما لم يخرج الحجر عن مسماه مع كونه أشد صلابة.

و استوائها في العلة المقتضية لذلك و هي عمل الحرارة في أرض أصابتها رطوبة و ردّ بأن عدم الخروج عن اسم الأرض لا يوجب الحكم بالنجاسة فإن مرجع ما ذكره المستدل إلى الاستصحاب و الحكم بالنجاسة «عندنا» تابع للدليل الدال عليها أو هو مقصور على حالة مخصوصة فلا يتعدى إلى غيرها إلا بدليل على أن ادعاء عدم الخروج عن اسم الأرض محل تأمل.

و القياس على الحجر للعلة المذكورة مردود بأن العرف يحكم بصدق الأرض على الحجر دون الخزف و لهذا أن (المحقق في المعتبر) في بحث التيمم منع من التيمم بالخزف قال لأنّه خرج بالطبخ عن اسم الأرض ثم ذكر جوازه بالحجر محتجاً بأنه أرض إجماعاً.

و مما ذكرنا يظهر لك وجه التردد في الحكم المذكور و هل.

____________

[14] في نسخة م رمادا أو دخانا.

[15] جاء في النسختين بهذا و لكن المشهور الاستصحاب بالدهن.

33

يطهر العجين النجس بالخبز؟ المشهور العدم لأنّه لم يستحل بالنّار إلى حقيقة أخرى كما في الرماد و الدخان بل إنّما جففته و أزلت بعض رطوبته.

و خالف (الشيخ) في الحكم المذكور فحكم بالطهارة و يدل على القول المشهور (مرسلة ابن أبي عمير)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) في العجين يعجن من الماء النجس كيف يصنع به؟ قال (عليه السلام) [يباع من يستحل أكل الميتة].

و في أخرى [يدفن و لا يباع].

و استدل (الشيخ) في موضع من النهاية على طهارته (بمرسلة ابن أبي عمير الأخرى)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) في عجين عجن و خبز ثم علم أن الماء كانت فيه ميتة؟ قال (عليه السلام): [لا بأس أكلت النّار ما فيه].

و فيه أنّها غير صريحة في نجاسة تلك الميتة التي كانت في الماء فلعلها كانت طاهرة.

«و حينئذ» فقوله لا بأس أكلت النّار ما فيه إنّما هو كناية عن زوال الاستقذار الحاصل من ذلك و تؤيده رواية (عبد الله بن الزبير)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه سأله عن البئر تقع فيه الفأرة أو غيرها من الدواب فيموت فيعجن من مائها أ يؤكل ذلك الخبز؟ قال: [إذا أصابه النّار فلا بأس بأكله].

فإنّه على القول بعدم نجاسة البئر بالملاقاة كما هو الأظهر الأشهر بين (المتأخرين) لا توقف على إصابة النّار إلا لأجل رفع الاستقذار كما ذكرنا.

(و تطهر النطفة بالاستحالة حيواناً) و هو إجماعي بل ضروري (و الكافر بالإسلام، و الخمر بالانقلاب خلا) للأخبار مضافة إلى الاتفاق و الإجماع (و الدم بالانتقال إلى البعوض و نحوه) و عليه تدل رواية (محمّد بن المرزبان) المروية في (الكافي) بلا خلاف في الجميع (و الآدمي بالغيبة على «الأظهر»).

و قيل إنه لا بد من العلم بالإزالة و به صرح (المحدث الكاشاني في المفاتيح).

و قيل باشتراط تلبسه بما يشترط فيه الطهارة عنده و اختاره في (المدارك) على تردد. و الأظهر ما ذكرناه و هو اختيار (المحدث الأمين الأسترآبادي) لأنّه من المعلوم جزماً أنّه لا ينفك أحد من الحدث فالعلم بالنجاسة مما لا سبيل إلى إنكاره فلو لم يحكم الطهارة بمجرد الغيبة لم يمكن الحكم بطهارة أحد بالكلية و لا امتنع الاقتداء بإمام الجماعة حتى يسأله إذ مجرد تلبسه بما يشترط فيه الطهارة كما هو القول الآخر لا يكفي في الحكم بطهارته مما يعلم نجاسته به لجواز السهو و النسيان عليه.

و أيضاً فإن الدليل الذي ذكروه على طهارة الحيوان غير الآدمي من عدم ثبوت التكليف بغسل النجاسة عنه جار هنا أيضاً فإنه لم يثبت أيضاً من الشارع التعبد بالفحص عن نجاسة الغير في ثوبه أو بدنه و أيضاً فإنّه لو لم يكن ذلك كافياً مع عموم البلوى به لبلغنا فيه عنهم (عليهم السلام) ما يدل على عدم كفايته و هذا الوجه الأخير يرجع إلى البراءة الأصلية.

«و قد حققنا في كتابنا الدرر النجفية» أن ما يعم به البلوى من الأحكام إذا لم يوجد له دليل من الأخبار بعد الفحص و التفتيش فإنّه يمكن الاعتماد فيه على البراءة الأصلية و ما عدا ذلك فلا كما حققناه ثمة.

(و غيره) أي غير الآدمي يطهر (بزوال العين) و به صرح جمع من (المتأخرين) و عللوه بالأصل و عدم ثبوت التعبد بغسل النجاسة عنه قالوا و لا يعتبر فيه الغيبة قطعاً.

(أقول:) و يدل عليه الأخبار الكثيرة بطهارة سؤر الهرة مع العلم بأنه لا يكاد ينفك سؤره عن النجاسة، و كذلك الأخبار الدالة على جواز استعمال سؤر الطيور

34

و السباع مع أنا نعلم مباشرتها للنجاسات في أكثر الأوقات.

(و به) أي بزوال العين (تطهر البواطن) و عليه تدل موثقة عمار.

(و المشهور طهارة الخنزير بصيرورته ملحاً و العذرة تراباً أو رماداً أو دوداً) و هو قول (الشيخ في موضع من المبسوط) و يعزى [16] إليه قول آخر في (المبسوط) أيضاً بالنجاسة في صورة الاستحالة تراباً، و تردد (المحقق) في ذلك في (مختصر النافع) و جنح في الطهارة في (المعتبر) كما هو المشهور، و نقل عنه في (المعتبر) الحكم بعدم طهر الكلب و الخنزير إذا استحالا ملحاً.

و نقل عن (العلامة) في عدة من كتبه، و توقف في (التذكرة) و (القواعد) احتج (الفاضلان) على النجاسة في المسألة استحالة الكلب و الخنزير ملحاً، بأن النجاسة قائمة بالأجزاء لا بالأوصاف للأجزاء و تلك الأجزاء فلا تزول بتغير أوصاف محلها فتكون النجاسة باقية الانتفاء ما يقضي ارتفاعها، و فيه منع ظاهر كما سيأتي بيانه.

(و خالف فيه) أيضاً (بعض محدثي متأخرين المتأخرين مقتصراً على مورد النص) و هو (المحدث الأمين الأسترآبادي) تبعاً لجماعة المتقدم ذكرهم في تعليقاته على (كتاب المدارك) مستنداً إلى عدم ثبوت كون الاستحالة من حيث هي مطهّراً شرعياً فيقتصر فيها على مورد النص من الأفراد المتقدمة و الباقي يستحب فيه الحكم بالنجاسة عنده حكم ظاهري لا واقعي و قد بسطنا الكلام معه في هذه المسألة (في كتاب الدرر النجفية في الدرة الموضوعة في مسألة الاستصحاب).

«و الأظهر» ما عليه (الأصحاب (رضوان الله عليهم) لدوران الأحكام الشرعية مدار التسمية فصدق التراب على ما ذكر يقتضي إجزاء حكم الطهارة و نحوها عليه و يدخل قوله (صلى الله عليه و آله)

[جعلت لي الأرض مسجداً و ترابها طهور].

المسألة الخامسة: (من صلى في النجاسة الغير المعفو عنها مختاراً)

لا لضرورة من برد و نحوه فإن ذلك جائز إجماعاً و لا لفقد ساتر سوى ذلك الثوب النجس، لأن «الأظهر» كما تقدم صحة الصلاة فيه، (فإن كان عالماً عامداً فالإعادة وقتاً و خارجاً) وجوب الإعادة في هذه الصورة اتفاقي حتى بالنسبة إلى جاهل الحكم.

(و إن) كان (جاهل) بالنجاسة (فإن استمر الجهل حتى فرغ) من الصلاة (فالأشهر الأظهر الصحة) و عليه تدل صحاح الأخبار و قيل بالإعادة في الوقت و عليه تدل (صحيحة وهب ابن عبد ربه)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) في جنابة تصب الثوب و لم يعلم بها صاحبه فيصلي فيه ثمّ يعلم بعد؟ قال: [يعيد إذا لم يكن علم].

و تأولها (الأصحاب) بتأويلات:

منها الحمل على الاستحباب.

و منها سقوط حرف النفي و توهم الراوي.

و الأقرب «عندي» حملها على الاستفهام الإنكاري بحذف همزة الاستفهام.

و أصرح منها رواية (أبي بصير)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سألته عن رجل صلّى في ثوبه بول أو جنابة؟ فقال: [علم به أو لم يعلم فعليه إعادة الصلاة إذا علم].

و حملت على الاستحباب و يمكن الحمل في (الخبرين المذكورين) على «التقية» لمخالفتهما للأخبار الكثيرة الصحيحة و عمل (الطائفة و الشيخ) حينئذ و إن خالف في موضع إلا أنّه وافق الجماعة في آخر فإنّه لم ينقل القول بالإعادة في الوقت إلا عنه في (المبسوط).

و ربّما نقل عن ظاهر (الخلاف) أيضاً وجوب القضاء و لم نقف له على مستند.

(و إن علم في الأثناء فإن علم السبق فالأحوط الاستيناف) بمعنى أنّه إذا صلى في النجاسة جاهل بها و حصل له

____________

[16] في نسخة م بغير إليه أخرى.

35

العلم بتقدمها على دخوله في الصلاة «فالأحوط» له متى كان كذلك قطع الصلاة و استينافها بعد إزالة النجاسة، و جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) صرحوا في هذه الصورة، بأنه يجب عليه إزالة النجاسة أو إلقاء ثوبه النجس و ستر العورة بغيره إن أمكن و إتمام الصلاة، و إلا فقطع الصلاة.

و فهم هذا التفصيل من الأخبار بعيد فإن ظاهر (صحيحة زرارة) عن أبي جعفر (عليه السلام) و قوله فيها قلت فإن رأيته في ثوبي و أنا في الصلاة قال: [تنقض الصلاة] [17] (و صحيحة محمّد بن مسلم)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة].

و هو تعين القطع مطلقا سواء تمكن من إلقاء الثوب و ستر العورة بغيره أم لا، (في حسنة محمّد بن مسلم) قال

قلت له الدم يكون عليّ [18] و أنا في الصلاة قال: [إن رأيته و عليك ثوباً غيره فاطرحه و صلّ و إن لم يكن عليك غيره فأمضى في صلاتك و لا إعادة عليك]

الحديث.

و ما يدل على طرح الثوب إن كان ثمة غيره، و إلا فأمضى في صلاتك و هي أيضاً غيره دالة على ما ذكروه من التفصيل.

و في (موثقة داود بن سرحان)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل يصلي فأبصر في ثوبه دماً قال: [يتم]

ما يدل على المضي مطلقاً، و حملها (الشيخ) على ما إذا كان أقل من درهم و هو «جيد» و يحتمل حملها أيضاً على دم لا يكون معلوم النجاسة فإن مقتضى الأصل البناء على الطهارة فيما له أفراد بعضها نجس و بعضها طاهر كالدم لقوله (عليه السلام)

[كل شيء طاهر حتى تعلم أنّه قذر].

و يؤيد هذا المعنى تنكير لفظ الدم في الخبر و كيف كان «فالأحوط» الوقوف على ظاهر الصحيحتين المتقدمتين.

(و إلا) أي و إن لم يعلم سبقها بل احتمل تجددها حال الصلاة (فطرح النجاسة أو إزالتها إن أمكن) بغير منافي مبطل ثم يتم صلاته و يدل على الحكم المذكور قوله (عليه السلام) (في آخر صحيحة زرارة الطويلة)

[و إن لم تشك ثم رأيته رطباً قطعت و غسلته ثم بنيت على الصلاة لأنّك لا تدري لعله شيء وقع عليك فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشك].

و يدل على ذلك الأخبار الكثيرة الواردة في الرعاف الذي يعرض للمصلي حال صلاته و أنّه ينفتل في صلاته و يغسل الدم ثم يبني ما مضى من صلاته و يتمها إلّا أن يتكلم فيعيد الصلاة (و إلا) أي و إن لم يكن طرح النجاسة أو إزالتها.

(فالقطع و الاستيناف) لما عرفت من أخبار الرعاف و قولهم (عليهم السلام) أنّه إذا تكلم فليعد (و إن كان ناسياً فإن ذكر في الأثناء فأقوال، أحوطها الاستيناف مطلقاً) الظاهر أن هذه المسألة من جزئيات المسألة المتقدمة و هو من رأى النجاسة حال الصلاة مع علمه بتقدمها فإنّها أعم من أن يكون ذلك العلم بقرينة حالية مع جهله بها قبل ذلك أو بالعلم بها سابقاً ثم نسيانها حال الدخول في الصلاة.

(و إن استمر) النسيان (حتى الفراغ فإشكال و الأحوط الإعادة مطلقاً) في الوقت و خارجه (و للأصحاب (رضوان الله عليهم) هنا أقوال: أحدها: وجوب الإعادة مطلقاً و عليه تدل جملة من الأخبار.

و ثانيها: العدم مطلقاً و عليه تدل منها أيضاً.

و ثالثها: التفصيل بين الوقت فيعيد فيه و خارجه فلا يعيد و هو المشهور و جعلوه وجه جمع بين الأخبار الواردة في هذه المسألة.

و استند في ذلك إلى (صحيحة علي بن مهزيار) و الحق كما (أوضحناه

____________

[17] في نسخة ع [تقضي الصلاة].

[18] في نسخة ع الدم يكون في الثوب علي.

36

في كتاب المسائل الشيرازية) أن هذا القول لا وجه لدلالة بعض الأخبار للمسألة على ردّه.

(و الصحيحة) التي استندوا إليها في ذلك متشابهة المعنى لقبولها للعمل على معاني عديدة تمنع من الاستناد إليها كما (أوضحناه في الكتاب المشار إليه) و بعض الأصحاب حمل أخبار الإعادة على الاستحباب جمعاً و في الأخبار ما يرده و ظني أن أخبار أحد الطرفين قد خرج مخرج «التقية» لأنّها هي السبب التام في اختلاف الأخبار و بالجملة فالحكم «عندي» محل توقف و الاحتياط بالإعادة مطلقاً «عندي» واجب.

(و لو اشتبه الثوب الطاهر بالنجس صلّى الفريضة الواحدة فيما زاد على النجس بواحد) فإن كان النجس واحداً صلّى الفريضة مرتين و إن كان اثنان صلاهما ثلاثاً هكذا ليكون الزيادة هي الظاهر مراعى للترتيب فيصلي من وجب عليه الظهر و العصر مثلًا الظهر في كل منها ثم العصر في كل منها أو كان مشتبهاً بثوب واحد نجس و لو صلى الظهر و العصر في أحدهما ثم نزعه (و صلى الفريضتين أيضاً في الآخر) فقد صرح (الأصحاب) بالصحة لتحقق الترتيب.

و استشكل بعض للنهي عن الشروع في الثانية حتى يتحقق البراءة من الأولى و لو صلى الظهر في أحدهما ثم صلى العصر في الآخر ثم الظهر في الثاني ثم العصر في الأول صحّت الظهر لا غير، و وجب إعادة العصر في الثاني بجواز أن يكون الطاهر هو ما وقعت فيه العصر أولا.

الباب الثاني في مقدمات الصلاة

و فيه مسائل:

المسألة الأولى (الظهر أربع ركعات)

للحاضر أو المسافر على بعض الوجوه الآتي بيانها في صلاة السفر.

(وقتها زوال الشمس) و هو عبارة عن ميلها عند دائرة نصف النّهار (المعلوم بزيادة الظل بعد انتهاء نقصانه) و هذه العلامة في البلاد التي لا يعدم فيها الظل ما دام [19] في الأوقات الذي لا يعدم، و ضابطه ما كان عرض المكان المنصوب فيه للقياس مخالفاً لميل الشمس في المقدار.

(أو حدوثه بعد عدمه) و هذه علامة للمواضع التي ينعدم فيها الظل، و ذلك كل مكان يكون عرضه مساويا للميل الأعظم [20] للشمس، أو أنقص عند ميلها بقدره و موافقته له في الجهة.

(و) يعلم أيضاً (لميل الشمس إلى الحاجب الأيمن لمن استقبل نقطة الجنوب) إذا كان سمت الرأس شمالياً بالنسبة إلى مدار الشمس كما هو الواقع في «بلدنا».

و أما لو كان جنوبياً عن مدارها فبالعكس.

(و العصر أربع ركعات) كما تقدم في الظهر (و وقتها بعد الفراغ من الظهر و لو تقديراً) بمعنى أن وقت العصر يدخل بعد مضي مقدار فعل الظهر بحسب حال المكلف بقصر و إتمام و خفة و بطوء، و استكمال الشرائط و عدمه بحيث لو اشتغل بالفرض ليتمه لا بمعنى جواز فعل الظهر [21] حينئذ مطلقاً.

و مظهر الفائدة ما لو صلى العصر ناسياً قبل الظهر فإنّها تقع «صحيحة» إن وقعت بعد مضي مقدار الظهر على التفصيل المذكور و إلا «فباطلة». (و المشهور اختصاص الظهر من أول الوقت بمقدار أدائها و ما يتوقف عليه الأداء) من الشروط الواجبة.

(ثم يشترك الوقتان حتى يبقى للمغرب قدر أداء العصر كذلك) أي بما يتوقف عليه الأداء من الشروط المشار إليها آنفاً (فيختص به) أي بذلك الوقت.

(و قيل بالاشتراك من أول الوقت إلى آخره إلا أن هذه قبل هذه).

(هذا القول للصدوق (رحمه الله) و فيه قوة لدلالة الصحاح من الأخبار عليه.

كقول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة)

[إذا زالت الشمس دخل الوقتان الظهر و العصر و إذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب و العشاء]

إلى آخره.

و قول أبي عبد الله (عليه السلام) في (صحيحة عبد الله بن زرارة).

[منها صلاتان أول وقتهما من عند زوال الشمس إلى غروب الشمس إلا أن هذه قبل هذه] [22].

و قول ابن الحسن (عليه السلام) في (صحيحة محمّد بن أحمد بن يحيى)

[إذا زالت الشمس فقد

____________

[19] في م إما دائما أو في الأوقات.

[20] و هناك زيادة محشاة ألحقه بالمصنف (رحمه الله) و لا بد من هذا لتحصل المساحة التي بها يعدم الظل بالكلية إذ لو كان عرض البلاد شماليا و بلاد جنوبيا أو بالعكس لم يعدم الظل قصير أو طويل بحسب بعد البلاد عن الشمس و قربها بالنسبة إلى سمت الرأس.

[21] في ع فعل العصر.

[22] في م قد أخر هذه الرواية عن اللاحقة لها.

37

دخل وقت الصلاتين]

[23] إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة و مما تدل على المشهور رواية (داود بن فرقد) عند بعض أصحابنا

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر حتى يمضي مقدار ما يصلي المصلي أربع ركعات فإذا مضى ذلك فقد خرج وقت الظهر و بقي وقت العصر حتى تغيب الشمس]

[24].

و يؤيده أيضاً ظواهر بعض الأخبار، و التأويل في كل من أخبار الطرفين قائم إلا أنّه فرغ الترجيح و ليتفرغ على القولين فروع عديدة:

(منها) صحة العصر الواقعة نسياناً في أول الوقت على القول بالاشتراك دون المشهور.

(و منها) ما لو صلى الظهر ظاناً دخول الوقت ثم انكشف وقوع العصر في أول الوقت و الظهر قبل دخوله فإنّها تصح على القول بالاشتراك دون القول المشهور.

(و منها) من أدرك من آخر وقت العشاء بقدر أدائها فإنّه يجب عليه أداء الفريضتين على القول بالاشتراك و العشاء خاصة على القول بالاختصاص.

إلى غير ذلك من الفروع.

(و في حواشي العلامة السيد ماجد البحراني (قدس سره) على رسالته التي في الصلاة ما يدل على أن خلاف (الصدوق في الاختصاص) إنّما هو بالنسبة إلى أول الوقت و أما آخره فهو موافق (للأصحاب) و قائل بالاختصاص في العصر من آخره بمقدار أدائها و ادّعى أنّه صريح بذلك (في كتابه) و هو غريب، فإنه خلاف لما صرح به (الأصحاب) و نقلوه عنه و أيضاً قد تتبعنا كتابه فلم نقف على ما نسبه إليه من التصريح بذلك و الله العالم.

(و يستحب التنفل قبل الأولى بثمان ركعات إلى تمام القدمين و ثمان قبل الثانية إلى إتمام أربعة أقدام) تحديد وقت النافلة بما ذكر من القدمين و الأربعة هو المشهور.

و عليه يدل أكثر الأخبار و قيل بامتداده إلى أن يصير ظل كل شيء مثله.

و قيل بامتداده بامتداد وقت الفريضة و ما دل عليهما من الأخبار متأول و العمل على المشهور.

(و المغرب ثلاث ركعات و وقتها غروب الشمس المعلوم بزوال الحمرة المشرقية على الأظهر) و هو المشهور بين (الأصحاب) و عليه تدل جملة من الأخبار.

و قيل بدخول وقتها باستتار القرص، و إليه ذهب جمع من (الأصحاب) و عليه يدل أيضاً كثير من الأخبار.

و ما ذكرناه مع كونه قد دل عليه جملة من الأخبار ففيه جمع بين مختلفاتها مع موافقته «للاحتياط» و بعده من مذهب العامة المأمور في صحاح الأخبار بالأخذ بخلافهم فرجحانه ظاهر.

(و يستحب بعدها بأربع ركعات) منتهياً وقتها (إلى ذهاب الشفق على المشهور) في نسبته إلى المشهور ما يؤذن في الدليل بنوع من القصور فإنّا لم نقف لهم على دليل معتمد في ذلك و «الأظهر» هو امتداد وقتها بامتداد وقت الفريضة.

و من أوضح الأدلة على ذلك، الأخبار الدالة على التأكيد و الحث على الإتيان بنافلة المغرب.

و قولهم (عليهم السلام)

[لا تدعها في حضر و لا سفر]

مع ما ورد من جواز تأخير المغرب في السفر إلى ثلث الليل، و هذا بحمد الله ظاهراً لا سترة عليه.

(و العشاء أربع ركعات و وقتها الفراغ من المغرب

____________

[23] في م إكمال الحديث

ثم أنت في وقت منهما جميعا حتى تغيب الشمس.

[24] في م قال

[إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر حتى يمضي مقدار ما يصلي المصلي أربع ركعات فإذا مضى مقدار ذلك فقد دخل وقت الظهر و العصر حتى بقي من الشمس مقدار ما يصلي أربع ركعات فإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت الظهر و بقي وقت العصر حتى تغيب الشمس].

38

و لو تقديراً) و الكلام هنا كما تقدم في الظهرين.

(و الأحوط) خروجها [25] من خلاف (الشيخين) (قدس سرهما) (تأخيرها إلى ذهاب الشفق) حيث جعلا ذلك أول وقتها، مع دلالة جملة من الأخبار عليه و إن أمكن حملها على الفضيلة جمعاً بين الأخبار كما هو المشهور.

(ثم يشترك الوقتان إلى أن يبقى للانتصاف قدر أدائها فتختص به) كما هو المشهور و يأتي على قول (الصدوق) المتقدم الاشتراك إلى أول آخر الوقت.

(و في امتدادهما للمفطر إلى الفجر قول ليس بالمختار) هذا القول ذهب إليه (المحقق في المعتبر) و اقتفاه (السيد السند في المدارك) و تبعهما جمع من متأخري المتأخرين ك(المحدث الكاشاني و الفاضل الخراساني صاحب الكفاية و شيخنا الشيخ سليمان البحراني (نور الله تعالى مراقدهم) «و هو ضعيف» (و إن دل عليه بعض صحاح الأخبار) فإن ما دل عليه من الأخبار الواردة في بعض جزئيات الأحكام.

و من الأخبار الدالة على أن الحائض إذا طهرت قبل طلوع الفجر صلت المغرب و العشاء و بعض الأخبار الدالة على أن من نام أو نسي

[أن يصلي المغرب و العشاء فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصليهما]

«الحديث» معارض بأخبار الوقت المستفيضة و بالآية الكريمة الدالة على تفصيل الأوقات بمعونة تفسيرها بالأخبار و ببعض الأخبار الواردة في خصوصية ما دلت عليه تلك الأخبار مع موافقة ما دلت أخبارهم «للعامة» فإن ذلك مذهب الجمهور، و العجب منهم «نور الله أجداثهم» أنه من القواعد المقررة و كلام أهل العصمة (صلوات الله عليهم)، عند اختلاف الأخبار العرض على كتاب الله عز و جل، و الأخذ بما يوافقه، و العرض على مذهب «العامة» و الأخذ بما يخالفه، و أخبارهم مخالفة للكتاب و موافقة «للعامة» فكيف يمكن التمسك بها و التعويل عليها؟.

و قد أحطنا في هذه المسألة بأطراف البحث في (كتاب المسائل الشيرازية) فمن أراد تحقيق الحال فليرجع إليه.

(و الكلام في الاختصاص و الاشتراك كما تقدم) بلا خلاف يعرف إلا ما عرفته من كلام (العلامة السيد ماجد (قدس سره).

(و يستحب التنفل بعد العشاء بركعتي من جلوس يعدان بركعة) قد صرح جمع (من الأصحاب) باستحباب الجلوس في هاتين الركعتين، و أنه «هو الأفضل» و عليه يدل قوله (عليه السلام) في (حسنة الفضيل بن يسار).

«منها»

[ركعتان بعد العتمة جالسا يعدان بركعة من قيام].

و في رواية (البزنطي)

[ركعتان بعد العشاء من قعود تعد بركعة من قيام].

و ربما قيل بأفضلية القيام فيهما لقوله (عليه السلام) في رواية (سليمان بن خالد)

[و ركعتان بعد العشاء الآخرة يقرأ فيهما مائة آية قائما أو قاعدا و القيام أفضل].

و يؤيده أيضا قوله (عليه السلام) في رواية (الحرث النضري)

[و ركعتان يصليهما بعد العشاء كان أبي يصليهما و هو قاعد و أنا أصليهما و أنا قائم].

وجه التأييد أن مداومته (عليه السلام) على صلاتهما قائما مع حمل صلاة أبيه (عليه السلام) جالسا على أنه من حيث المشقة عليه في القيام، لأنه كان رجلا جسيما يدل على أن الأفضل فيهما القيام، و في سقوط هذه النافلة في السفر و عدمه كلام يأتي تحقيقه إنشاء الله تعالى في صلاة السفر.

(و الصبح ركعتان و وقتهما من طلوع الفجر الثاني) ممتد إلى طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس كانت قضاء.

(و يستحب التنفل قبلها بركعتين) و هما المسميتان بركعتي الفجر ممتدا وقتهما (إلى الاسفار) و هو طلوع الحمرة المشرقية (على المشهور) و المشهور بين (الأصحاب) أن أول وقت ركعتي الفجر بعد الفراغ و إن كان قبل الفجر الأول منتهيا ذلك إلى الاسفار و قيل إن أوله طلوع الفجر الأول و قيل إن آخره طلوع الفجر الثاني.

«و الأظهر عندي هو المشهور بالنسبة إلى الأول و القول الأخير بالنسبة إلى الآخر».

لنا على الأول الأخبار المستفيضة الدالة على الأمر بأن تحشى بهما

____________

[25] في م خروجا.

39

صلاة الليل و أنه إذا انتصف الليل صلى ثلاثة عشرة ركعة و هي كثيرة.

و الأخبار الدالة على أنها قبل الفجر و بعده، و المراد به الفجر الأول بقرينة الأخبار المتقدمة و ما سيأتي.

و لنا على الثاني و هو أن آخر وقتها طلوع الفجر الثاني (لصحيحة زرارة) قال

قلت لأبي جعفر (عليه السلام) الركعتان اللتان قبل الغداة أين موضعهما؟ فقال: [قبل طلوع الفجر فإذا طلع الفجر دخل وقت الغداة]

[26].

و صحيحة الآخر

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سألته عن ركعتي الفجر قبل الفجر أو بعد الفجر؟ فقال: [قبل الفجر إنهما من صلاة الليل ثلاثة عشر صلاة الليل أ تريد أن نقايس لو كان عليك من شهر رمضان أ كنت تتطوع إذا دخل وقت الفريضة فبدأ بالفريضة].

(و صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر) قال

قلت لأبي الحسن (عليه السلام): ركعتي الفجر أصليهما قبل الفجر أو بعد الفجر؟ فقال: قال أبو جعفر (عليه السلام): [27] [احش [28] بهما صلاة الليل و صلهما قبل الفجر].

و أما ما ورد في بعض الأخبار من كونها بعد الفجر الثاني فهو محمول على «التقية» لأن مذهب جمهور العامة أنهما يصليان بعد الفجر الثاني و يدل على ذلك ما رواه (أبو بصير) قال

قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): متى أصلي ركعتي الفجر؟ قال: فقال لي: [بعد طلوع الفجر] قلت له إن أبا جعفر (عليه السلام) أمرني أن أصليهما قبل الفجر قال: [يا أبا محمد إن الشيعة أتوا أبي مسترشدين فأفتاهم بمر الحق و أتوني شكاكا فأفتينهم بالتقية]

[29].

(و رخصوا في دسها في صلاة الليل) هذا إنما يتجه على مذهب من جعل أول وقتها طلوع الفجر (التي هي ثمان ركعات ثم ركعتا الشفع و مفردة الوتر) فالثمان مع ما بعدها صلاة الليل فلا تقع ركعتا الفجر إلا بعد الجميع.

المسألة الثانية (يشترط في مكان المصلي)

و الأجود في تعريفه بحسب الإباحة أنّه الفراغ الذي يشغله شيء من بدن المصلي أو يستقر عليه و لو بوسائط و باعتبار الطهارة أنّه ما يلاقي بدن المصلي أو ثيابه (الإباحة) و المراد بها هنا ما يقابل الغصب فيدخل فيه المملوك عيناً أو منفعة و المأذون بجملة أقسامه و المباح بالمعنى المشهور.

(على الأشهر الأظهر) و خلافه ما نقله (شيخنا ثقة الإسلام عطر الله مرقده) في (الكافي) عن (الفضل بن شاذان (رحمه الله) في كتاب الطلاق) مما يدل على صحة الصلاة في المكان المغصوب و الثوب المغصوب (قال (قدس سره) في جواب من قاس من العامة صحة الطلاق في الحيض لصحة العدة مع خروج المعتدة من بيت زوجها ما هذا ملخصه: «و إنّما قياس الخروج و الإخراج كرجل دار دخل قوم بغير إذنهم فصلى فيها فهو عاص في دخوله و صلاته جائزة، لأن ذلك ليس من شرائط الصلاة لأنه منهي عن ذلك صلى أو لم يصل، و كذا لو أن رجلا غصب ثوباً فصلى فيه لكانت صلاته جائزة

____________

[26] في م فإذا طلع وقت الفجر.

[27] في م فقال أبو جعفر (عليه السلام) فقط.

[28] في ع احشوا بهما.

[29] في م

[يا أبا محمّد إن الشيعة أتوني فأفتيهم بمر الحق و أتوني شكاكاً فأفتينهم بالتقية].

40

و كان عاصياً في لبسه لذلك الثوب لأن ذلك ليس من شرائط الصلاة، لأنّه منهي عن ذلك صلى أو لم يصلّ، و لو أنّه لبس ثوباً غير طاهر أو لم يطهّر نفسه، أو لم يتوجه نحو القبلة [1] لكانت صلاته فاسدة غير جائزة لأن ذلك من شرائط الصلاة و حدودها لا يجب إلّا للصلاة» إلى آخر كلامه (قدس سره).

و ظاهره أن القول بالصحة كان شائعاً بين الشيعة في تلك الأعصار و يؤيده أن (الشيخ الكليني (رضي الله عنه) بعد نقله لم يتعرض للكلام عليه.

و مال إلى ذلك (المحدّث الكاشاني) «و لا يخلو من قوة» لو لا ما رواه (شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار عن كتاب تحف العقول للحسن بن علي بن شعبة و كتاب بشارة المصطفى للطبري)

عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته لكميل [يا كميل انظر فيما تصلي و على ما تصلي إن لم يكن من وجهه و حلّه فلا قبول]

و ما ذكره (أصحابنا (رضوان الله عليهم) في المقام لا يخلو من مناقشة، يطول بذكرها الكلام «و المختار الإباحة» و لو كان الدلالة على الإباحة (بشاهد الحال) [2] و هو عبارة عن الأمارة الدالة على عدم كراهية المالك (إن أفاد العلم) كما «هو الأظهر الأشهر».

و قيل الاكتفاء بإفادة الظن الغالب و عللوه بعضهم بأنّ الظن الغالب متاخم للعلم بل يسمى علماً عرفاً و عادة و هذه الدعوى في خيرة المنع.

(و الطهارة من المتعدية بما لا يخفى) أي يشترط في المكان الطهارة من المتعدية بما لا يخفى عنه من النجاسات ما للمعفو عنه كأقل من الدرهم في الدم.

«فظاهر أنّه لا يزيد على ما هو على المصلي».

فلو كان المكان نجساً بما دون الدرهم من الدم و تعدى إلى المصلي «فالأظهر العفو» و الظاهر أنّه لا خلاف فيه.

و أما غير المتعدية، فالمشهور أنّه لا يشترط الطهارة منها.

و عليه تدل صحاح الأخبار (و عن أبي الصلاح) أنه اشترط طهارة موضع المساجد السبعة.

(و عن المرتضى) أنّه اعتبر طهارة جميع مكان المصلي.

و لم نقف لهما على دليل معتمد (إلا موضع الجبهة مطلقا) أي فيشترط فيه الطهارة المطلقة من المتعدية و غير المتعدية.

(على المعروف من مذهب الأصحاب) فيه إشارة إلى عدم الموقوف على مستند من الأخبار، إلا أنّه اتفاقي و إن ناقش فيه بعض (متأخري المتأخرين) و قد ادعى عليه «الإجماع» جمع منهم (كالمحقق في المعتبر) و (العلامة في التذكرة و المنتهى و المختلف) و (الشهيد في الذكرى و ابن الزهرة في المغنية) [3].

(و يزيد) أي موضع الجبهة على ما يشترط في مطلق المكان (اشتراط كونه أرضا، أو ما أنبتت مما ليس بملبوس و لا مأكول عادة) و الأخبار به متضافرة، و كلمة الأصحاب عليه متفقة، و المراد بكونه مأكولا عادة، أن يكون آكله مطرداً، فلا عبرة بالأكل ضرورة أو نادراً كالعقاقير التي تجعل في الأدوية من الإنبات [4] التي لا تعد مأكولا عادة (و القرطاس مطلقاً) سواء كان متخذاً من القطن أو من غيره، حتى الإبريسم عملا بإطلاق النص، و خلافاً (للتذكرة) حيث قيده بالمتخذ من غير الإبريسم.

(و للذكرى) حيث توقف في الحكم.

و كذا كان مكتوباً أم لا، إذا وقعت

____________

[1] في م لم يتوجه فقط بحذف الإضافة.

[2] في ع و لو بشاهد الحال.

[3] في م ابن زهير.

[4] في ع النباتات.

41

الجبهة على الموضع الخالي من الكتابة.

(مستثنى بالنص) و أراد به الجنس، فإن ذلك في عدة روايات (كصحيحة علي بن مهزيار) قال

سأل (داود بن فرقد) أبا الحسن (عليه السلام) عن القراطيس و الكواغذ المكتوبة هل يجوز السجود عليها أم لا؟ فكتب: [يجوز]

و نحوها (صحيحة جميل بن دراج) و (صحيحة صفوان الجمال) و غيرهما.

إلا أنّه يكره السجود على المكتوب كما تدل عليه (صحيحة جميل بن دراج) [5]

عن أبي عبد الله (عليه السلام) [أنّه يكره أن يسجد على قرطاس فيه كتابة].

(و في القطن و الكتان قولان مرويان أظهرهما المنع) المشهور بين (الأصحاب) هو القول بالمنع سواء كان منسوجاً أو قبل النسج.

و عن (المرتضى) و إليه يميل كلام (المحقق في المعتبر) الجواز على كراهة.

و يدل على المشهور أخبار عديدة منها (صحيحة زرارة» قال

قلت له أسجد على الزفت يعني القير؟ قال: [لا و لا على الثوب الكرسف].

(و صحيحة علي بن يقطين)

عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) أنّه [قال بالسجود على الثياب في حال «التقية»].

و في (صحيحة حماد)

[السجود على ما أنبتت الأرض إلا ما أكل و لبس].

و في (رواية الفضل بن عبد الملك) قال

قال أبو عبد الله (عليه السلام): [لا تسجد إلا على ما أنبتت الأرض إلا القطن و الكتان].

إلى غير ذلك من الأخبار، و يدل على القول الآخر روايات عديدة أيضاً منها رواية (داود الصيرفي) قال

سألت أبا الحسن (عليه السلام) [6] هل يجوز السجود على القطن و الكتان من غير تقية؟ فقال: [جائز].

و مثلها رواية (علي بن كيسان الصنعاني) قال

كتبت إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام) أسأله عن السجود على القطن و الكتان من غير تقية و لا ضرورة؟ فكتب إلى ذلك [جائز].

و في رواية (منصور بن حازم) عن غير واحد من أصحابه [7] قال

قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إنّا نكون بأرض باردة يكون فيها الثلج فنسجد عليه قال: [لا و لكن اجعل بينك و بينه شيئاً قطناً أو كتاناً].

إلى غير ذلك من الأخبار.

و أجاب (الشيخ) (رحمه الله) عن هذه الأخبار بالحمل على الضرورة أو التقية [8] و اعترضه (المحقق) في (المعتبر) بأن في رواية الحسن الصنعاني التنصيص على الجواز مع انتفاء التقية و الضرورة.

و فيه أن هذا قيد في المسئول عنه و التقية المحمول عليها الخبر إنّما هي تقيته (عليه السلام) في الجواب على أنّه لا يخفى على المتتبع للأخبار حق التتبع أن أجوبتهم (عليهم السلام) إنّما تقع على حسب ما يظهر لهم من المصلحة بحسب المقام لا على ما يريد السائل.

فكثير ما يمسكون عن الجواب و كثير ما يأتون به على وجه التعمية و الألغاز كما لا يخفى على المتتبع.

(و الثوب و اليد مختصان [9] بالضرورة أو التقية [10] (و الروايات به متضافرة، إلا أن ظاهرها تقديم الثوب أولا و مع عدمه ظهر الكف.

ففي (صحيحة القسم بن الفضيل [11] (قال

قلت للرضا (عليه السلام) جعلت فداك الرجل يسجد على كمه من أذى الحر و البرد؟ قال: [لا بأس به].

و رواية (أبي بصير)

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال قلت له: أكون في السفر فتحضر الصلاة و أخاف الرمضاء على وجهي كيف أصنع؟ قال: [لا تسجد على بعض ثوبك] قلت: ليس علي ثوب يمكنني أن أسجد على طرفه أو ذيله؟ قال: [اسجد على ظهر كفك فإنّها أحد المساجد]

، إلى غير ذلك من الأخبار.

(و في السجود [12] على الخزف) تردد منشأه ما أشرنا إليه في مسألة المطهرات من الشك في استحالته و خروجه بالطبخ عن اسم الأرض.

و قد قطع جملة من (المتأخرين) بجواز السجود عليه، من غير نقل خلاف في ذلك، مع أن (

____________

[5] في م دارج و الأصح دراج لأنّه هو الموقوف عليه في كتب الحديث و الرجال و لكن تيمناً بالنص كتبناه بالحرف.

[6] أي أبا الحسن الثالث (عليه السلام).

[7] في نسخة ع أصحابنا.

[8] في نسخة م و التقية.

[9] في نسخة م مخصوصان.

[10] في النسخة المذكورة و التقية.

[11] في نسخة ع ابن الطفيل.

[12] في نسخة ع و في الخزفة تردد.

42

الشيخ) قد جعل من جملة الاستحالة المطهرة صيرورة التراب خزفاً.

(و المحقق) منع من التيمم به لذلك، و إن كان قد قال بجواز السجود عليه إلحاقاً له بالقرطاس في الاستثناء لا من حيث كونه أرضاً.

و إلى المنع مال (صاحب الذخيرة و الكافية).

(و المشتبه بالنجس يتجنب) السجود عليه (إن كان محصوراً و إلا فلا) يعني أنّه إذا تنجس بعض الأرض مثلا و اشتبه موضع النجاسة، فإن كان مكان الاشتباه محصوراً امتنع السجود عليه بناء على القول بالمنع كما عليه الاتفاق بينهم.

و مناقشة (صاحب المدارك) و من تبعه في الحكم المذكور في غاية القصور، كما أوضحناه في (كتاب الحدائق).

(و الأفضل مساواة موضع الجبهة للموقف) لدلالة (صحيحة عبد الله بن سنان) على الأمر بالمساواة مع دلالة رواية أخرى [13] على نفي البأس فيما إذا كان موضع السجود مرتفعاً بقدر لبنه.

و يؤيد ذلك ظاهر (صحيحة أبي بصير) قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يرفع موضع جبهته في المسجد؟ فقال: [إني أحب أن أضع وجهي في موضع قدمي و كرهه].

و الظاهر مثل المروحة و السواك و نحوهما مما وردت به الأخبار لا تخل بالمساواة بل التربة التي ليس فيها مزيد ارتفاع.

(و إن جاز التفاوت ارتفاعاً و انخفاضاً بقدر اللبنة خاصة) ظاهر كلام (المتقدمين) هو اعتبار المساواة أو انخفاض [14] موضع الجبهة مطلقاً و إن كان بأزيد من لبنة أو ارتفاعه [15] بقدر اللبنة.

و ألحق (الشهيدان) [16] الارتفاع بالانخفاض أيضاً، فمنع من زيادته على قدر اللبنة.

و يدل عليه (موثقة عمار) الواردة في صلاة المريض الدالة على أنّه إذا كان موضع السجود أخفض بقدر آجرة استقامة أن يسجد عليه و إلّا فلا.

و مما يدل على جواز الانخفاض بقول مطلق رواية (محمّد بن عبد الله) عن الرضا (عليه السلام) لدلالتها على نفي البأس عما إذا كان موضع سجوده أسفل من مقامه، و هي مطلقة في قدر اللبنة، أو أزيد كما هو ظاهر كلام (المتقدمين) إلا أنّه يجب تقيدها (بالموثقة المذكورة).

و يمكن تقيد إطلاق كلام (المتقدمين) بذلك أيضاً. و قد ذكر جمع من الأصحاب أولهم (شيخ الطائفة) على ما صرح به البعض تقدير اللبنة بأربع أصابع مضمومة فإنّها كانت كذلك في زمن (الأئمة المعصومين (عليهم السلام) و هو غير بعيد كما شاهدناه في بعض الأبنية الموجودة الآن من زمن بني العباس (و في محاذاة الرجل للمرأة أو تقدمها) عليه [17] (قولان أحوطهما المنع) المشهور سيما بين (المتأخرين) هو القول بالكراهة.

(و شيخان) و من تبعهما على التحريم، و الأخبار في ذلك مختلفة إلا أن ما يدل على المشهور «أظهر» فلهذا جعلنا المنع «أحوط».

(إلا مع بعد عشرة أذرع أو حائل) فإنّه يجوز ذلك إجماعاً.

المسألة الثالثة (يشترط ستر العورة)

أي في الصلاة بقرينة المقام و الظاهر كما يدل عليه كلام الأكثر، أن شرطية الستر إنّما هو مع الذكر فلو انكشفت عورته من غير علم له بذلك أو سهى عن ذلك طال الزمان أو قصر فلا يضره.

و عليه يدل ظاهر

(صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) في الرجل يصلي و فرجه خارج لا يعلم به هل عليه الإعادة؟ قال: [لا إعادة عليه و قد تمت صلاته].

(و هي من الرجل القبل و الدبر و الأنثيان على المشهور) و عن (ابن البراج) أنّها من الستر إلى الركبة

____________

[13] في نسخة ع مع دلالة روايته أيضاً.

[14] في نسخة م و انخفاض.

[15] في نسخة م و ارتفاعه.

[16] في نسخة ع و ألحق الارتفاع بالانخفاض.

[17] في نسخة ع على.

43

و عن أبي صلاح أنّها من الستر إلى نصف الساق.

و لم نقف لهما على دليل معتمد.

و كثير من (الأصحاب) لم يعد الأنثيين من العورة مع دلالة (مرسلة الواسطي) عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) على ذلك حيث: قال

[العورة عورتان القبل و الدبر مستور بالأليتين فإذا سترت القضيب و البيضتين فقد سترت العورة].

و ظاهر الخبر أن البيضتين داخلة في القبل فالمراد به القضيب (معها) و العورة (من المرأة الحرة) التقيد بالحرة احتراز عن الأمة، فإنّها يجوز لها كشف الرأس في الصلاة إجماعاً نصاً و فتوى.

بل ربّما ظهر من بعض الأخبار كراهة القناع لها حال الصلاة.

(البدن كله عدا الوجه و الكفين و القدمين) الظاهر أنّه لا فرق بين ظاهر الكفين و القدمين و لا بين باطنها كما يستفاد من (صحيحة محمّد بن مسلم)

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: [و المرأة تصلي في الدرع و المقنعة إذا كان الدرع كثيفاً]

وجه الدلالة أنّه اجتزأ بالدرع و هو القميص و المقنعة التي هي للرأس خاصة فيستفاد من أن ما عدا ذلك غير واجب.

و من الظاهر البيّن أن الدرع لا يستر اليدين و لا القدمين بل و لا العقبين غالباً.

و ربّما قيد بعضهم القدمين بظاهرهما بل صرح بعضهم بوجوب ستر باطن القدمين.

و الصحيحة المذكورة ترده.

و ستر العورة المشترط في صحة الصلاة لا بد أن يكون (بلباس مباح) على المشهور، و قد سمعت خلاف (الفضل بن شاذان) و من تبعه.

ثم إن جميع ما يشترط في اللباس لا اختصاص له بالساتر دون غير و التعبير خرج مخرج الاقتصار على الواجب [18] الذي لا يتم الصلاة إلا به (طاهر إلا ما استثنى) مما تقدم ذكره كالدم الذي ينقض سعته عن الدرهم و دم القروح و الجروح و نحوهما مما تقدم ذكره.

و لا بد في اللباس أن يكون (غير حرير خالص) احتراز من الممتزج في النساجة، فإنّه غير مانع إجماعاً نصاً و فتوى.

و إنّما الممنوع منه هو الخالص إذا كان لباساً (للرجل) و فيه إيذان باختيار ما هو المشهور من تخصيص الحكم بالرجل خلافاً (للصدوق في الفقيه) حيث ذهب إلى شموله للنساء أيضاً، فمنع من صلاتهن في الحرير المحض مستنداً إلى الرخصة إنّما وردت للنساء في لبسه، و لم ترد بجواز صلاتهن فيه.

و إن الأخبار الواردة بالنهي عن الصلاة في الحرير المحض شاملة بإطلاقها و عمومها للرجال و النساء.

و يرد على الأول أنّه يكفي في صحة صلاتهن العمومات الآمرة بالساتر خرج ما خرج بدليل و بقي الباقي.

و على الثاني أن أكثر الأخبار إنّما اشتملت على السؤال عن الرجل و موردها الرجال [19] خاصة.

نعم (صحيحة محمّد بن عبد الجبار) الآتية، و إن كانت متناولة بإطلاقها للنساء إلا أن ابتناءها [20] على السبب الخاص و هي القلنسوة التي هي من ملابس الرجال، بضعف حمل إطلاقها على النساء.

و يدل على ما هو المشهور (موثقة ابن بكير) عن بعض أصحابه

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [النساء تلبس الحرير و الديباج إلا في الإحرام].

نعم و في رواية (زرارة)

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: [سمعته ينهى عن لباس الحرير للرجال و النساء إلا ما كان من حرير مخلوط]

إلى أن قال

[و إنّما يكره الحرير المحض للرجال و النساء].

و روي في (كتاب الخصال) بسنده إلى (جابر

____________

[18] في نسخة م على أقل الواجب.

[19] في نسخة ع عن الرجال و موردها الرجال.

[20] في نسخة م بتناولها.

44

الجعفي)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [إنّما يجوز للمرأة لبس الديباج و الحرير في غير صلاة و إحرام].

إلا أنّهما ضعيفتان السند، و كيف كان «فالاحتياط» بما ذهب إليه (قدس سره) مما لا ينبغي تركه.

و حينئذ فلا يجوز الصلاة فيه للرجال جزماً و للمرأة احتياطاً (إلا في الضرورة) كالبرد و الحر المضرين فيجوز لبسه و الصلاة فيه إجماعاً.

و لم أقف له على نص فيه إلا أن حال الضرورة موجبة لسقوط التكليف فلا إشكال، و كذا في الحرب أيضاً، و به روايات عديدة إلا أن موردها مجرد اللبس دون الصلاة، و لكن ظاهر الأصحاب العموم.

(و في التكة و القلنسوة) و نحوهما مما لا تتم الصلاة فيه إذا كان حريراً محضاً (قولان أحوطهما المنع) المشهور بين (أصحابنا (رضوان الله عليهم) استثناء ما ذكرناه من تحريم الصلاة في الحرير المحض.

و نقل عن (الشيخ المفيد و الصدوق و ابن الجنيد) عدم الاستثناء، و قواه في (المختلف) و بالغ (الصدوق في الفقيه): «فقال لا يجوز الصلاة في التكة رأسها في إبريسم» [21] و يدل على القول المشهور رواية (الحلي)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: [كلما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس بالصلاة فيه مثل التكة الإبريسم و القلنسوة و الخف و الزنار و يكون في السراويل و يصلي فيه]

[22].

و يدل على الثاني (صحيحة محمّد بن عبد الجبار) قال

كتبت إلى أبي محمّد (عليه السلام) أسأله هل يصلى في قلنسوة الحرير المحض أو قلنسوة ديباج؟ فكتب (عليه السلام): [لا تحل الصلاة في حرير محض].

و مثلها (صحيحة الأخرى) المشتملة على السؤال عن الصلاة في التكة المعمولة من الحرير فأجابه بذلك أيضاً، و الجمع بين الأخبار هنا كما يمكن بحمل الخبرين الأخيرين على الاستحباب و الفضل بناء على القول المشهور.

و يمكن بحمل الخبر الأول على التقية أيضاً و يعضد الخبرين الأخيرين أيضاً عموم الأخبار المانعة من الحرير المحض، و بذلك يظهر أحوطية المنع، نعم يبقى الكلام في مطلق الحرير مثل ما يخاط به الثوب أو يزر به أو يكف به.

و الذي يظهر من كلام (الصدوق (قدس سره) هو المنع من الجميع و الذي وقفت عليه من الأخبار مما يجري في هذا المضمار، روايات أحدهما رواية (يوسف بن إبراهيم)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [لا بأس بالثوب أن يكون مسداه و زره و عمله حريراً و بما كره الحرير المبهم للرجال]

و هي كما ترى دالة على استثناء الزر و العلم كسبب ما يحصل في الثوب علامة من طراز و غيره كما نص عليه في (المصباح المنير) و الظاهر أن المراد هنا ما مخاط به.

الثانية رواية (جراح المدائني)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه كان [يكره أن يلبس القميص المكفوف بالديباج]

و هذه الرواية حجة الأصحاب في استثناء الكف بالحرير، بأن يجعل في رؤس الأكمام و الذيل.

و هو مبني على نفي الكراهة في الخبر على المعنى المصطلح بينهم رضي الله عنهم و ضعفه ظاهر لأن استعمال الكراهة بمعنى التحريم في الأخبار أكثر شيء، الحق أن ورود الكراهة في أخبار أعم من المعنيين فلا يحمل على أحدهما إلا مع القرينة الثالثة (صحيحة الحسين بن سعيد) قال قرأت

في كتاب (محمّد بن إبراهيم) إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) يسأله عن الصلاة في ثوب حشوه قزّ «فكتب إليه» [23] و قرأته [لا بأس بالصلاة فيه].

____________

[21] و يميل إلى القول الثاني جمع من متأخري المتأخرين منهم المحدث الكاشاني في المفاتيح و السيد السند في المدارك و شيخنا المجلسي و الفاضل الخراساني في الذخيرة (قدس سرهم).

[22] أفاض بعض الأفاضل أن المراد بقوله كلما لا تجوز الصلاة فيه وحده يعني مما يستر العورة و قوله فلا بأس بالصلاة فيه يعني إذا كان حريراً محضاً.

[23] في نسخة م فكتب إلي.

45

و يعضد هذه الرواية [24]

مكاتبة (إبراهيم بن مهزيار) إلى أبي محمّد (عليه السلام) في رجل يجعل في جبته بدل القطن قز أ هل يصلي فيه؟ فكتب [نعم لا بأس به].

و المشهور بين الأصحاب المنع، و استظهر بعض (متأخري المتأخرين) العمل بالخبر المذكور و هو الأظهر و يؤيده أيضاً مضافاً إلى أصل تعلق النهي في أكثر الأخبار بالثوب الإبريسم و عدم صدقه على الحشو و كيف كان «فالاحتياط» بالوقوف على ظاهر تلك الصحيحتين من اجتناب الحرير المحض مطلقا فلا يصلي في حرير محض (و لا متخذ من غير المأكول) أي لا يكون اللباس متخذاً من غير ما يؤكل لحمه بأن يصلي في جلده أو صوفه أو شعره أو وبره (إلا وبر الخز إجماعاً و جلده على الأظهر).

و يدل على (صحيحة سعد بن سعد الأشعري) قال

سألت الرضا (عليه السلام) عن جلود الخز فقال: [هو ذا نحن نلبس] فقلت ذلك الوبر جعلت فداك قال: [إذا حل وبره حل جلده].

و ربما طعن فيها بأنّها غير مشتملة على جواز الصلاة فيه.

و فيه أن ظاهر تعليق حل الجلد على حل الوبر الشامل بإطلاق لحل [25] الصلاة في الوبر كما عرفت هو حل الصلاة في الجلد أيضاً، و أما غير هذه الرواية من الأخبار التي استدلوا بها على ذلك فلا تخلو من قصور في الدلالة.

(و تجوز) الصلاة (في السنجاب جلده و وبره على تردد) وجه التردد أن المشهور بين (المتأخرين) بالجواز و بين (المتقدمين) العدم و الأخبار في ذلك مختلفة، و الجمع كما يمكن بحمل أخبار المنع على الكراهة كما ذكر جملة من (متأخري المتأخرين) [26] يمكن أيضاً بحمل أخبار المنع الجواز على التقية سيما مع اشتمال جملة منها: على عدم ما لا يقول به الأصحاب فيما يجوز الصلاة فيه و يؤكد الثاني أيضاً الترجيح بالتقية عند اختلاف الأخبار و لهذا قال (و الأحوط المنع) و ينبغي أن يعلم أن الاحتياط في موضع التوقف داخل في الاحتياط الواجب و هو الاحتياط المشار إليه [27] في الخبر المستفيض

[حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات بين ذلك فمن وقف عند الشبهات نجى من الهلكات].

(و في) جلود و وبر (الثعالب و الأرانب روايتان أحوطهما المنع) أما ما يدل على الجواز (فصحيحة الحلبي [28] و صحيحة علي بن يقطين و صحيحة جميل [29] (و هي متفقة في نفي اللباس عن جواز الصلاة في جلود الثعالب و نحوها، و الفرو [30] المتخذ منها و أما ما يدل على العدم فرواية (علي بن مهزيار و موثقة ابن أبي بكير) و غيرهما، و المشهور بين (الأصحاب) هو المنع من الصلاة فيها و ظاهر (المعتبر) الجواز، و المسألة محل إشكال «الاحتياط فيها واجب» كما تقدم.

(و لا متخذ في جلد ميتة ذي النفس) تخصيص الميتة بذي النفس هو المشهور بين المتأخرين، و ظاهر إطلاق المتقدمين إطلاق الأخبار عدم الفرق بين ذي النفس و غيره.

و قواه (شيخنا البهائي عطر الله مرقده) في (كتاب الحبل المتين) و نقل عن (والده) الميل إليه، و الأقوى هو القول المشهور.

و إطلاق الأخبار و كذا (عبائر متقدمي الأصحاب) محمول على الفرد الغالب كما في سائر الأحكام حسبما حققه جملة من (الفضلاء) من أن الأحكام المودعة في الأخبار تحمل على الأفراد الشائعة المتكررة.

و تحرم الصلاة فيما

____________

[24] في النسخة المذكورة الروايات.

[25] في نسخة ع محل الصلاة مع حل الصلاة في الوبر.

[26] في نسخة ع من المتأخرين.

[27] في نسخة ع و هو الاحتياط في موضع الاشتباه المشار إليه.

[28] في نسخة م ففي صحيحة الحلبي.

[29] في نسخة ع حميل.

[30] جاء في النسختين و الفر المتخذ منها.

46

اتخذ من غير المأكول و ما اتخذ من جلد الميتة (و لو كان) المتخذ من غير المأكول و من جلد الميتة (مما لا تتم الصلاة فيه منها) فإنّه لا يجوز الصلاة فيه لإطلاق الأخبار بالمنع عدا ما استثني مما ذكرناه.

(و لا ذهب للرجل) أي لا تجوز الصلاة في الذهب للرجل و لا خلاف بين الأصحاب في تحريم لبس الذهب على الرجال.

و أما الصلاة فيما لا تتم الصلاة إلا فيه منه كالخاتم مثلًا فالأكثر على البطلان و قوى (المحقق) العدم لإجرائه مجرى لبس خاتم مغصوب قال «النهي ليس عن فعل من أفعال الصلاة و لا شرط من شروطها» و فيه أن الخبر قد ورد بالنهي عن الصلاة فيه و النهي في العبادة موجب للفساد فروى (الصدوق في كتاب العلل) في الموثق عن (عمار الساباطي)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: [لا يلبس الرجل الذهب و لا يصلي فيه لأنّه من لباس أهل الجنة]

[31] و في (كتاب الخصال) بسنده عن (جابر الجعفي)

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: [يجوز للمرأة لبس الديباج إلى أن قال: و يجوز أن تتختم بالذهب و تصلي فيه و حرم ذلك على الرجال].

و صرح (الشهيد في الذكرى) بأنه لو لبس خاتماً منه و صلى فيه بطلت صلاته، و لو موه به ثوباً و صلى فيه بطل.

و قال أيضاً لو موه الخاتم بذهب فظاهر تحريمه انتهى.

«و هو جيد» (و شرطية الستر مع الإمكان) بمعنى أنّه لا تسقط بفقد الساتر بل يصلي عارياً و هل يصلي قائماً مع أمن المطلع و جالساً مع عدمه [32] مومياً للركوع و السجود في الحالين أو يصلي قائماً مطلقاً مومياً أو قاعداً مطلقاً مومياً أقوال أشهرها الأول.

و عليه تدل (صحيحة ابن مسكان) [33]

عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يخرج عارياً فتدركه الصلاة؟ قال: [يصلي عرياناً قائماً إن لم يراه أحد فإن رآه أحد صلى جالساً].

و يدل على الثاني (صحيحة علي بن جعفر و صحيحة عبد الله بن سنان).

و على الثالث (صحيحة زرارة و صحيحة عبد الله بن سنان الأخرى) و غيرهما و يمكن الجمع بين الأخبار بحمل هذه المطلقة على خبر المفصل الذي «ذكرناه» و هو اختيار صاحب (المدارك).

و أما بالتخيير كما نقل عن صاحب (المعتبر) استعطافاً للخبر المفصل على الأفضلية.

(و ضابطه) أي الساتر (ما لم يحك اللون و فيما لا يحكي الحجم احتمالان) [34] لا خلاف و لا إشكال في اشتراط خفاء اللون، أما اشتراط خفاء الحجم فالذي صرح به (المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى) و تبعهم جملة من (المتأخرين) العدم.

و قد روي في (الكافي عن محمّد بن يحيى)

رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [لا تصلي فيما شفّ أو صف يعني الثوب الصيقل].

و مثله روى (الشيخ في التهذيب عن أحمد ابن محمّد) رفعه قال في (الذكرى) و معنى شف لاحت منه البشرة و وصف حكمي الحجم انتهى.

و أنت خبير بأن الموجود في الرواية أو وصف بواو واحدة و في رواية (الكافي) بالسين عوض الصاد و الراوي قد فسره بالصيقل.

و من هنا يظهر عدم صراحة الخبرين.

(و الاحتياط) بالاستعمال ما يستر اللون و الحجم (لا يخفى و هل يعتبر تقديم الثوب و غيره من حشيش و نحوه ثم الطين أو يتخير بين الجمع أو يتخير بعد الثوب بين ما عداه أقوال أقربها أوسطها).

و هو اختيار (العلامة في الإرشاد)، و وجه قربه كون الواجب هو

____________

[28] في نسخة م ففي صحيحة الحلبي.

[31] و جاء يسنده بهذا المعنى عن ثقة الإسلام في الكافي و الشيخ في التهذيب بسندهما إلى البختري عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال فيه: و جعل الله الذهب في الدنيا زينة للنساء و حرم على الرجل لبسه و الصلاة فيه.

[32] في نسخة م جالساً مع وجوده.

[33] في نسخة ع عن بعض أصحابه.

[34] في نسخة ع احتمال.

47

ستر العورة، و هو حاصل بالثوب و غيره لما روي في التورية من أنّها ستر فغيرها من الحشيش و الورق و نحوهما بطريق أولى.

و دعوى أن المتبادر من الساتر في الأخبار هو الثوب في حيز المنع مع وجود أخبار التورية [35].

(و أحوطهما أولها) حيث تقديم الثوب نظر إلى احتمال صحة ما يدعى من تبادر الإطلاق إلى الثوب بناءً على ما «ذكرناه» في غير موضع من أن الأحكام المودعة في الأخبار إنّما يبتني على الأفراد الشائعة المتكررة دون الفروض النادرة.

و في المسألة أيضاً قول آخر و هو التخيير بين الثوب و الحشيش و الورق فإن تعذر بالطين و لكل من هذه الأقوال دلائل يطول بنقلها الكلام لما فيها من مزيد النقض و الإبرام.

(و الأحوط اجتناب الصلاة في فضلة ما لا يأكل لحمه) (لموثقة أبي بكير) الدالة على أن الصلاة في وبر كل شيء حرام أكله و شعره و جلده و بوله و روثه و لبانه، و كل شيء فاسدة لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلي في غيرها مما أحل الله أكله إلى أن قال في آخرها أيضاً فإن كان غير ذلك مما قد نهيت عن أكله و حرم عليك أكله «فالصلاة» في كل شيء منه فاسدة.

و لا يخفى ما فيه من التأكيد و تنصيص على الحكم المذكور بأبلغ وجه و قد قطع جمع من (الأصحاب) بالمنع من الصلاة في الثوب الملقى عليه شعر غير صاحبه.

و يدل عليه نص ظاهر رواية (الهمداني) لدلالتها على عدم جواز الصلاة في الثوب الذي يسقط عليه الشعر و الوبر مما لا يأكل لحمه و نحو ذلك رواية (الوشاء) و بإزاء هذه الروايات روايات عديدة منها ما تقدم في الخز و السنجاب و الثعالب من الأخبار الدالة على جواز الصلاة في جلودها و وبرها.

و منها (صحيحة ابن محمّد بن عبد الجبار) في مكاتبته للعسكري (عليه السلام) يسأله عن الصلاة في قلنسوة عليها وبر ما لا يؤكل لحمه أو تكة من وبر الأرانب فكتب

[إن كان الوبر ذكيا حلت الصلاة فيه].

و من هنا نسب الحكم إلى الاحتياط و ظاهر المشهور أن ما لا تتم فيه الصلاة من هذه الأشياء «يجوز الصلاة فيه و الأحوط الاجتناب» للصلاة في فضلة ما لا يؤكل لحمه مطلقاً (إلا ما يحصل من الإنسان نفسه) و عليه تدل (صحيحة علي بن مهزيار [36]

(قال كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) هل يجوز الصلاة في ثوب يكون فيه شعر من شعر الإنسان و أظفاره من قبل أن ينفضه و يلقيه عنه فوقع [يجوز].

المسألة الرابعة: (يشترط استقبال القبلة:)

(و هل هي عبارة عن عين الكعبة للقادر و جهتها لغيره؟ أو العين [37] لمن في المسجد و هو) أي المسجد (لمن في الحرم و الحرم لمن خرج عنه قولان مشهوران) و على القول الثاني تدل جملة من الأخبار و إن ضعف سندها بالاصطلاح الحادث إلا أنّها صريحة الدلالة و أما القول الأول و إن دلّ بعض الصحاح إلا أن في الدلالة نظراً، و من ثم نسب الأول للاحتياط فقال (أحوطها الأول) إيذاناً بقوة القول الثاني و اختياره لصراحة ما دلّ عليه من الأخبار مع كثرتها و الظاهر ممن قال به أنّ مراده بالحرم للبعيد إنّما هو الجهة لا العين كما توهمه جملة من (المتأخرين).

فأورد عليه ما هو مسطور في مطولاتهم (و الظاهر أن الخلاف) الذي هو عبارة عن القولين المتقدمين (بالنسبة إلى البعيد قليل الجدوى) لاتفاق

____________

[35] في نسخة م النورة.

[36] في ع مهزيار و هو الموقوف عليه في كتب الرجال و الحديث.

[37] في نسخة م و العين.

48

الفريقين على أن النائي بعد فقد العلم الحاصل بالتواتر مثلا أو غيره يعول على الأمارات و هي المشار إليها هنا بقوله (و تعلم بمحراب المعصوم إن كان) كمسجد المدينة و الكوفة إن ثبت انضباطه و كونه على الهيئة التي صلى فيه المعصوم.

(و إلا عول على قبلة البلد مع عدم الغلط) و المراد بقبلة البلد ما يشمل المحاريب المنصوبة في المساجد و القبور و ظاهرهم الاتفاق عليه و لا أعلم لهم دليل سواه.

(أو الأمارات [38] المنقولة) في كلام علماء الهيئة كجدي و بنات [39] نعش و نحوها فإنها مفيدة للعلم عندهم.

و من ذلك ما رواه في (موثقة محمّد بن مسلم) قال

سألته عن القبلة؟ فقال: [ضع الجدي قفاك [40] و صلّ].

و (مرسلة الفقيه) عن الصادق (عليه السلام) من أمره لمن سأله أنّه يكون في السفر و لا يهتدي للقبلة؟ فقال

[أ تعرف الكوكب الذي يقال له الجدي قال نعم قال اجعله يمينك و إذا كنت في طريق الحج فاجعله بين كتفيك].

و لم نقف في معرفة القبلة مع الاشتباه على غير هذين الحديثين المشتبهين المجهولين المجملين، و لعل في ذلك دلالة على اتساع الأمر و سهولة الخطب فيها، إذ مثل هذا الحكم الذي هو شرط في صحة الصلاة التي هي عمود الدين مع تكررها في اليوم و الليلة خمس مرات و اضطرار النّاس في الأسفار إلى معرفة ذلك لا يخرج عنهم (عليهم السلام) فيه إلّا هذان الحديثان المجملان و لم يسأل عنه أحد من أولئك الرواة الأجلاء المتعددين مع ما علم من أحوالهم من السؤال عن كل جليل و حقير.

و تنقيح الأسئلة و لو فرضنا غفلة الرواة مع بعد هذا الفرض فكيف رضى الأئمة (صلوات الله عليهم) لهم بالقيام و الاستمرار على جهل هذا الحكم الذي هو من أعظم الأحكام و أجلّها لترتب صحة الصلاة التي هي عمود الدين عليه و كيف لم ينبهونهم و يهدوهم إليه و ما ذلك [41] جميعه إلّا لما قلناه.

و يؤيده أيضاً ما هو المشاهد الآن من اختلاف القبلة في قبور الأئمة (عليهم السلام) (في العراق) و مباينة كل واحد للآخر و مباينة الجميع لمسجد الكوفة مع قرب المسافة بينهما، و القطع بكون تلك القبور المقدسة على القبلة لعكوف الشيعة و علمائهم جيلا بعد جيل من بعد دفنهم (عليهم السلام) إلى الآن على الصلاة في تلك المشاهد المقدسة، و دفن أمواتهم في جوارها على القبلة التي هي عليها، و ما ذاك إلا لما ذكرناه، و من أظهر الشواهد على ما ذكرناه ما رواه (ابن بابويه في الصحيح عن زرارة)

عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: [لا صلاة إلّا إلى القبلة قال: قلت: و أين حد القبلة؟ قال: ما بين المشرق و المغرب قبلة كله، قال: قلت: فمن صلى لغير القبلة في يوم غيم أو في غير الوقت؟ قال: يعيد].

(و لو خفيت الأمارات اجتهد و عول) و يدل على ذلك (موثقة سماعة) قال

سألته عن الصلاة في الليل و النّهار إذا لم ير الشمس و القمر و النجوم؟ قال: [اجتهد رأيك و تعمد القبلة]

[42].

(متحرياً الأقوى) أي الظن الأقوى (فالأقوى) و لو بقول كافر يفيده (و إلا) أي و لو لم يمكنه الاجتهاد و لا الترجيح بين الجهات بل تساوت ظنونه (فإلى أي جهة شاء) و إلى هذا القول ذهب (الصدوق و ابن أبي عقيل) و تابعهما جملة من (المتأخرين و متأخريهم) و يشهد له (صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم)

عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال [يجري المتحير أينما توجه إذا لم يعلم أين وجه القبلة].

و مثلها (صحيحة معاوية بن عمار و صحيحة محمّد بن أبي عمير عن بعض أصحابه [43] عن زرارة و غيرها) [44].

و المشهور

____________

[38] في نسخة م و أما الأمارات.

[39] في نسخة م كجدوى و نبات.

[40] في نسخة ع في قفاك.

[41] في نسخة ع و ما ذاك.

[42] في نسخة ع و تعهد.

[43] في نسخة ع عن بعض أصحابنا عن زرارة.

[44] و فيها نزلت هذه الآية في قبلة المتحير «وَ لِلّٰهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ» 115 البقرة.

49

أنّه يصلي في الصورة المذكورة إلى أربع الجهات.

و استدلوا على ذلك برواية (خراش عن بعض أصحابه)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت: جعلت فداك إن هؤلاء المخالفين يقولون إذا أطبقت أو ظلمت فلم تعرف السماء كنا و أنتم سواء في الاجتهاد؟ فقال: [أ ليس كما يقولون إذا كان كذلك فليصلي إلى أربع الجهات].

و الظاهر أن المراد من الرواية المذكورة مع قطع النظر عن ضعف السند و عدم معارضتها لما قدمنا من صحاح الأخبار هو ما فهمه (مولانا المحدث الأمين الأسترآبادي (قدس سره) من أن قصده (عليه السلام) إنّما هو مجرد الرد على المخالفين فيما يدعونه من الالتجاء إلى الاجتهاد الذي يبنون عليه الأحكام الشرعية بأن لنا مندوحة هنا و هو الصيرورة إلى العمل بالاحتياط الذي يحصل بالصلاة إلى أربع الجهات لا أن مراده (عليه السلام) الاجتهاد في القبلة بالكلية مع دلالة الأخبار عليه كما عرفت من (موثقة سماعة المتقدمة) و كذا غيرها.

إلا أنه حيث ادعي عليه الإجماع مع قيام الاحتمال في الخبر لما ذكروه فالأحوط العمل بما ذكروه إليه إشارة بقوله (و إلى الأربع مع الإمكان) بسعة الوقت [45] و عدم مانع من عدو أو سبع أو نحو ذلك و إلا فما أمكن (أحوط) قالوا بناءً على وجوب ذلك أنّه يعتبر في الجهات الأربع كونها على خطين مستقيمين وقع أحدهما على الآخر بحيث يحدث عنهما زوايا قوائم لأنّه المتبادر من النص.

(أقول:) و يمكن حصول ذلك أيضاً بالخطوط الثلاثة المتقاطعة على زوايا قوائم بناء على ما دل عليه (صحيح معاوية بن عمار) فيمن صلى ثم نظر بعد ما فرغ فرأى أنّه قد انحرف عن القبلة يميناً أو شمالا؟ فقال

[قد مضت صلاته ما بين المشرق و المغرب قبلة].

(و الأعمى و العامي) و هو الذي لا يتمكن من معرفة القبلة بالاجتهاد.

(الفاقدان) للأمارات من قبلة مسجد أو قبر أو نحو ذلك.

(يقلدان) على الأظهر الأشهر و (للشيخ) قول في (الخلاف) بأنهما يصليان إلى أربع جهات [46].

(و في اشتراط عدالة من يقلدانه نظر) وجه النظر أولا من حيث إن المدار عندهم مع فقد العلم بالقبلة على التعويل على الأمارات المفيدة للظن مع فقدها على الاجتهاد و التحري، و اعتبار الأقوى من الظن فالأقوى كما عرفت فيما سبق.

و حينئذ فيرجع ذلك إلى كل ما يفيد الظن من قول عدل أو غير عدل.

و ثانياً ما يظهر من الأخبار المؤيدة بالاعتبار من المسامحة الزائدة في أمر القبلة، و اتساع الدائرة فيها كما أشرنا إليه فيما تقدم.

و زاد بعض الأصحاب اشتراط العدلين أيضاً، و فيه ما لا يخفى (و إن كان أحوط.

نعم لا بد من إفادة قوله الظن) لأنّه الذي عليه المدار في هذا الباب كما عرفت (و لو تبين الانحراف) عن جهة القبلة لمن صلى [47] باجتهاد أو لضيق الوقت عن الأربع جهات، بناء على القول بذلك أو لاختياره بناء على ما اخترناه من تخير المتحير.

(فإن كان) تبين الانحراف (في الأثناء) أي في أثناء الصلاة و حال الاشتغال بها (و) الحال أن الانحراف (كان بين اليمين و اليسار) من غير أن يصلي إلى محض أحدهما (استدار) إلى جهة القبلة في أثناء صلاته و أتمها.

و هو إجماع بين الأصحاب و يدل عليه عموم قولهم (عليهم السلام)

[ما بين المشرق و المغرب قبلة].

و يدل على الحكم المذكورة و ما بعده (موثقة عمار)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل صلى على غير القبلة فعلم و هو

____________

[45] بمعنى أنّه يصلي إلى الأربع مع سعة الوقت و عدم المانع، فلو امتنع الصلاة إلى الجهات الأربع و أمكن ثلاث خاصة عمل عليه، و إلى جهتين خاصة فكذلك.

[46] و ذلك لأنّهما لهما كما للمتحير.

[47] في نسخة م كمن صلى في.

50

في الصلاة قبل أن يفرغ من صلاته؟ قال: [إذا كان متوجهاً فيما بين المشرق و المغرب و ليحول وجهه حين يعلم و إن كان متوجهاً إلى دبر القبلة فليقطع ثم ليحول وجهه إلى القبلة ثم يفتتح الصلاة].

و رواية (القسم بن الوليد) قال

فسألته عن رجل تبين له و هو في الصلاة أنّه على غير القبلة؟ قال: [يستقبلها إذا ثبت ذلك و إن كان قد فرغ منها فلا يعيدها].

و المراد أنّه يستقبل القبلة إذا تيقن الانحراف بإرجاع الضمير في يستقبلها إلى القبلة لا إلى الصلاة.

و هي محمولة على ما إذا كان الانحراف بين اليمين و اليسار (و إلا) أي و إن لم يمكن الانحراف بين اليمين و اليسار بل كان إلى محضهما.

(أو مستدبر مع كون ذلك في الأثناء كما هو المفروض استأنف في الوقت).

و يدل على الاستيناف في المستدبر (موثقة عمار المتقدمة) و فيما إذا كان إلى محض اليمين و اليسار، أن الإعادة للإخلال بشرط الواجب مع بقاء وقته و لأنّه موجب للاستيناف بعد الفراغ كما يأتي فكذا في الأثناء لأن ما يفسد الكل يفسد الجزء.

(و إن كان) قد تبين الانحراف (بعد الفراغ فيعيد في الوقت خاصة) لا في خارجه (ما كان) من الصلاة التي تبين الانحراف (إلى محض اليمين و اليسار أو خارجا عنهما) إلى دبر القبلة (على الأقوى) أما الإعادة في الوقت على المستدبر أو من صلى إلى محض اليمين و اليسار فالظاهر أنّه إجماعي و به استفاضت الأخبار ففي جملة من الأخبار منها الصحيح و غيره، أن من استبان له أنّه صلى إلى غير القبلة، فإن كان في الوقت أعاد، و إن كان قد مضى الوقت فلا إعادة، إنّما الخلاف في المستدبر هل عليه القضاء أم لا؟ فذهب (الشيخان و أتباعهما) إلى وجوب القضاء، و لم نقف له على دليل [48] (و موثقة عمار المتقدمة) التي نقل عنهم الاستناد إليها في ذلك موردها كما عرفت من علم في الأثناء، و هو دال على بقاء الوقت.

و قد عرفت دلالة الأخبار المستفيضة التي أشرنا إليها على أنّه إن كان مضي الوقت فلا إعادة (دون) الصلاة التي وقع الانحراف فيها إلى (ما بينهما) و عليه تدل من الأخبار (صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة).

(و الأحوط القضاء على المستدبر) خروجاً من خلاف (الشيخين و أتباعهم) و إن كان دليلهم غير ناهض بما ادعوه.

(و هل الناسي هنا كذلك؟) أي مثل من صلى باجتهاد و نحوه مما تقدم (قولان) أحدهما (للشيخ و جماعة منهم الشهيدان) و هو إلحاق الناسي بالظان استناداً إلى عموم الأخبار التي في المسألة.

و قيل بالعدم لأنّه مستند إلى تقصيرة بخلاف الظان.

(و المسألة محل تردد) منشأه من دلالة جملة من أخبار المسألة على دخول الناسي و شموله بقوله (عليه السلام) في (صحيحة معاوية بن عمار) الرجل يقوم في الصلاة ثم ينظر بعد ما يفرغ فيرى أنّه قد انحرف إلى آخر ما تقدم.

و قوله (عليه السلام) في (صحيحة زرارة) إذا صليت على غير القبلة فاستبان لك الخبر و نحوهما فإنّها شاملة للظان و الناسي.

و من دلالة جملة من الأخبار الواردة في بطلان الصلاة بالالتفات على دخول الناسي فيها كما سيأتي ذكره إنشاء الله تعالى في تلك المسألة.

و من الظاهر عدم الفرق بين السهو في بعض الصلاة و جميعاً.

____________

[48] ما يمكن أن يستدل به الشيخين (قدس سرهما) و إن لم يذكراه في كتبهما، رواية معمر بن يحيى قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى على غير القبلة ثم تبينت القبلة و قد دخلت في وقت صلاة أخرى قال: يعيدها قبل أن يصلي هذه التي قد دخل وقتها

إلا أن هذه الرواية معارضة بما ذكرنا من الروايات الصحيحة الصريحة الدالة على أن

من صلى إلى غير القبلة و استبان له بعد مضي الوقت فلا إعادة عليه مثل صحيحة عبد الرّحمن بن أبي عبد الله و صحيحة سليمان بن خالد و غيرها.

و الأظهر حمل الرواية المذكورة «و هي لمعمر بن يحيى» إما على أن المراد من الوقت فيها وقت الفضيلة و الإجزاء فالمراد بالوقت بدخوله في وقت صلاة أخرى «يعني وقت فضيلة الصلاة الثانية».

المسألة الخامسة: (يستحب الأذان و الإقامة)