مصابيح الظلام - ج2

- الوحيد البهبهاني المزيد...
537 /
5

[تتمة فن العبادات و السياسات]

[تتمة كتاب مفاتيح الصلاة]

[تتمة الباب الأول في شرائطها و أعداد ركعاتها و بعض الآداب]

[تتمة القول في اليومية و الجمعة]

8- مفتاح [وجوب صلاة الجمعة عند حضورها]

الذين وضع اللّه عنهم الجمعة متى حضروها لزمهم الدخول فيها، كما ورد النص في بعضهم معلّلا (1).

و الظاهر أنّه لا خلاف في ذلك فيما سوى المرأة، و لا في احتسابهم من العدد فيما سوى المسافر و العبد، بل و لا في عدم احتسابهما، و ذلك لأنّ الساقط عنهم إنّما هو السعي، و لذا (2) من كان على رأس فرسخين تجب عليه مع الحضور قطعا.

روى الصدوق في أماليه عن الباقر (عليه السلام) قال: «أيّما مسافر صلّى الجمعة رغبة فيها و حبّا لها أعطاه اللّه عزّ و جلّ أجر مائة جمعة للمقيم» (3) (4).

و يستفاد من بعض الروايات إجزاء الجمعة عن المرأة أيضا (5).

____________

(1) لاحظ! وسائل الشيعة: 7/ 337 الباب 18 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها.

(2) في النسخة المطبوعة: و كذا.

(3) أمالي الصدوق: 19 الحديث 5، وسائل الشيعة: 7/ 339 الحديث 9521.

(4) و بإسناده عن الباقر (عليه السلام) قال: «ما من قدم سعت إلى الجمعة إلا حرّم اللّه جسده على النار» (أمالي الصدوق: 300 الحديث 14، وسائل الشيعة: 7/ 297 الحديث 9388) «منه (رحمه اللّه)»

(5) وسائل الشيعة: 7/ 337 الحديث 9518.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

قوله: (الذين وضع اللّه عنهم). إلى آخره.

____________

قد عرفتهم و عرفت الدليل على الوضع.

و أمّا أنّهم إذا حضروها لزمهم الدخول، فهو المشهور بين الأصحاب، بل في «التذكرة»: أنّه لو حضر المريض و المحبوس لعذر المطر أو الخوف، وجبت عليهم، و انعقدت بهم إجماعا (1).

و ربّما يؤذن هذا بأنّ لزوم الدخول على غير من ذكره ليس إجماعيّا، فيشكل الحكم المذكور، لأنّ مقتضى الأخبار الصحاح المعمول بها سقوطها عنهم (2)، فإذا سقطت وجب الظهر، لأنّ العبادة التوقيفيّة لا بدّ من دليل على صحّتها و مطلوبيّتها.

و ما قيل- موافقا لما ذكره المصنّف- من أنّ مقتضى الصحاح سقوط وجوب السعي إليها خاصّة، لا سقوط الوجوب مطلقا بدليل أنّ من جملتهم من كان على رأس فرسخين، و لا خلاف في الجمعة عليه مع الحضور (3)، محلّ تأمّل، لأنّ من جملتهم من سقط عنه مطلقا، و هو الصبيّ و المجنون.

و مع هذا لا يلزم أن يكون السقوط بالنسبة إلى كلّ سقوط خصوص السعي، بل ربّما كان أعمّ منه و من السقوط مطلقا، فإنّه أقرب المجازات إلى الحقيقة، فإنّ مقتضى أكثر الصحاح سقوط نفس الجمعة.

و أما ما دلّ على وجوب السعي إليها أو حضورها، فأقصى ما يستفاد منه خصوص هذا الوجوب و سقوطه عنهم، أمّا وجوب نفس الجمعة فمن أين؟

و بالجملة، ما دلّ على وجوب نفسها يقتضي سقوط نفسها، و ما دلّ على

____________

(1) تذكرة الفقهاء: 4/ 37 و 38 المسألة 393.

(2) لاحظ! وسائل الشيعة: 7/ 295 الباب 1 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) انظر! الحدائق الناضرة: 10/ 158.

8

..........

____________

وجوب السعي و سقوطه، لا يدلّ على وجوب نفسها.

هذا، مع أنّ عدم الخلاف لم يعلم بعد كونه إجماعا، سيّما أن يكون إجماعا مقبولا عند المصنّف و من وافقه، حتّى يدّعون القطع منه.

إنّما قلنا ذلك، لأنّ صاحب «المدارك» ادّعى عدم الخلاف في البعيد خاصّة، و جعله أمارة بالنسبة إلى الباقين (1)، و المصنّف ادّعى القطع موضع دعوى عدم الخلاف.

هذا، مع استفاضة الروايات في أنّ فرض المسافر الظهر لا الجمعة، مثل صحيحة ابن مسلم، عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «صلّوا في السفر صلاة الجمعة جماعة بغير خطبة» (2).

و صحيحته الأخرى، أنّه سأله عن صلاة الجمعة في السفر؟ فقال:

«تصنعون كما تصنعون في الظهر، و لا يجهر الإمام بالقراءة، و إنّما يجهر إذا كانت خطبة» (3).

و مثلها صحيحة جميل عنه (عليه السلام) (4)، و غيرها من الأخبار، مثل ما ورد أنّه:

«ليس في السفر جمعة و لا عيد» (5).

____________

(1) مدارك الأحكام: 4/ 53.

(2) تهذيب الأحكام: 3/ 15 الحديث 51، الاستبصار: 1/ 416 الحديث 1595، وسائل الشيعة: 6/ 161 الحديث 7625.

(3) تهذيب الأحكام: 3/ 15 الحديث 54، وسائل الشيعة: 6/ 162 الحديث 7628.

(4) تهذيب الأحكام: 3/ 15 الحديث 53، الاستبصار: 1/ 416 الحديث 1597، وسائل الشيعة: 6/ 161 الحديث 7627.

(5) من لا يحضره الفقيه: 1/ 283 الحديث 1287، تهذيب الأحكام: 3/ 289 الحديث 868، الاستبصار:

1/ 446 الحديث 1726، وسائل الشيعة: 7/ 338 الحديث 9520.

9

..........

____________

و ما ورد: أنّ من أهل القرى ليس عليهم جمعة (1)، حمل على ما إذا كانوا على رأس فرسخين أو أزيد (2).

نعم إنّما يصحّ الاستدلال بما رواه الشيخ بسنده إلى حفص بن غياث قال:

سمعت بعض مواليهم يسأل ابن أبى ليلى عن الجمعة، هل تجب على المرأة و العبد و المسافر؟ فقال ابن أبي ليلى: لا تجب على واحد منهم و لا الخائف، فقال الرجل:

فما تقول إن حضر واحد منهم الجمعة مع الإمام فصلّاها معه هل تجزيه تلك الصلاة عن ظهر يومه؟ فقال: نعم، فقال [له الرجل]: كيف يجزى ما لم يفرضه اللّه عليه عمّا فرض اللّه عليه؟ و قد قلت: إنّ الجمعة لا تجب عليه، و من لم تجب عليه فالفرض عليه أن يصلّي أربعا، و يلزمك فيه معنى أنّ اللّه فرض عليه أربعا، فكيف أجزأ عنه ركعتان؟ مع ما يلزمك من أنّ من دخل فيما لم يفرضه اللّه عليه لم يجز عنه ممّا فرض اللّه عليه، فما كان عند ابن أبي ليلى فيها جواب فطلب إليه أن يفسّرها له فأبى، ثمّ سألته أنا عن ذلك، فقال: الجواب إنّ اللّه فرض على جميع المؤمنين و المؤمنات و رخّص المرأة و المسافر و العبد أن لا يأتوها، فلمّا حضروها سقطت الرخصة و لزمهم الفرض الأوّل، فمن أجل ذلك أجزأ عنهم، فقلت: عمّن هذا؟ فقال: عن مولانا أبي عبد اللّه (عليه السلام) (3).

و ضعف السند منجبر بالشهرة، و أمّا الدلالة فمقتضى قوله: «إنّ اللّه فرض على جميع المؤمنين و المؤمنات» دخول جميع المكلّفين ممّن وضع اللّه عنهم فيه، و أنّها الفرض الأوّل عليهم، و بالحضور لها تجب عليهم البتة.

____________

(1) تهذيب الأحكام: 3/ 248 الحديث 679، الاستبصار: 1/ 420 الحديث 1618، وسائل الشيعة:

7/ 307 الحديث 9426 نقل بالمعنى.

(2) تهذيب الأحكام: 3/ 248 ذيل الحديث 679، الاستبصار: 1/ 420 ذيل الحديث 1618.

(3) تهذيب الأحكام: 3/ 21 الحديث 78، وسائل الشيعة: 7/ 337 الحديث 9518 مع اختلاف يسير.

10

..........

____________

فيلزم أن يكون وضعها عن كلّ من يكون منهم بمعنى الرخصة في أن لا يأتوها لا مطلقا، فالدلالة أيضا ظاهرة تامّة، سيّما بعد فتاوى الأصحاب كذلك، و اشتهارها بحيث لم يظهر مخالف.

و يؤيّدها أيضا صحيحة أبي همام، عن أبي الحسن (عليه السلام) أنّه قال: «إذا صلّت المرأة في المسجد مع الإمام يوم الجمعة ركعتين فقد نقصت صلاتها، و إن صلّت في المسجد أربعا نقصت صلاتها، لتصلّ في بيتها أربعا أفضل» (1).

و ضبط «نقصت»- بالمهملة- في الموضعين، و لعلّه الأظهر من الرواية أيضا.

و يؤيّدها أيضا ما قاله في «المنتهى» من أنّه لا خلاف في أنّ العبد و المسافر إذا صلّيا الجمعة أجزأتهما عن الظهر، و حكى نحو ذلك في البعيد (2).

و يؤيّد أيضا الرواية التي ذكرها المصنّف في ثواب صلاة المسافر الذي يصلّي الجمعة.

و ممّا ذكر ظهر أنّ المرأة أيضا إذا حضرتها لزمها الدخول، و المحقّق حكم بعدم اللزوم، محتجّا بأنّه مخالف لما عليه اتّفاق فقهاء الأمصار، و طعن في سند رواية حفص المتقدّمة (3).

و لا يخفى أنّها منجبرة بالفتاوى، إذ ظاهر أنّها المستند، و أمّا المخالفة للإجماع فلم يظهر.

نعم، الإجماع واقع في عدم وجوب السعي و الحضور، و أمّا إذا اتّفق حضورها، فلم يعلم من طريقة كلّ المسلمين أو الشيعة عدم اللزوم، إذ لم يعهد

____________

(1) تهذيب الأحكام: 3/ 241 الحديث 644، وسائل الشيعة: 7/ 340 الحديث 9524.

(2) منتهى المطلب: 5/ 371 و 373 و 379.

(3) المعتبر: 2/ 293.

11

..........

____________

حضورها بلا شبهة على ما نشاهد، و ظاهر تشابه أجزاء الزمان في أمثال هذه، فكيف يمكن الاستدلال باتّفاق فقهاء الأمصار؟

مع أنّ المفيد في «المقنعة» صرّح بأنّ هؤلاء الذين وضع اللّه عنهم الجمعة متى حضروها لزمهم الدخول فيها (1)، و هو مؤسّس مذهب الشيعة.

و كذا العلّامة (رحمه اللّه) في «النهاية» (2).

و الشيخ في «المبسوط» صرّح بأنّ المرأة يجوز لها فعلها (3)، و في «المدارك» مال إلى ذلك (4) و هذا مؤيّد، إذ الظاهر أنّ جواز الفعل مع وضعه عنها ليس إلّا لكون ما وضع عنها هو السعي، كما يظهر من العلّة المذكورة في رواية حفص بعد الإشكال المذكور فيها.

مع أنّ الشيخ جمع في «المبسوط» بين المرأة و المسافر فيما ذكره من الجواز (5)، و مع ذلك الأحوط أن لا تحضر، و إن حضرت جمعت بينها و بين الظهر.

و أمّا انعقاد الجمعة بما سوى المرأة و المسافر و العبد، بمعنى احتسابهم من العدد المعتبر فيها، فقد مرّ عن «التذكرة» دعوى الإجماع في المريض و المحبوس، لعذر المطر و الخوف (6).

و يظهر منه عدم الإجماع في غير ما ذكر، و إن قال في «المدارك»: اتّفق الأصحاب على انعقاد الجمعة بالبعيد و المريض و الأعمى و المحبوس، بعذر المطر

____________

(1) لم نعثر على هذا المتن في «المقنعة»، نقل عنه في مدارك الأحكام: 4/ 54.

(2) نهاية الإحكام: 2/ 42.

(3) المبسوط: 1/ 143.

(4) مدارك الأحكام: 4/ 55.

(5) المبسوط: 1/ 143.

(6) تذكرة الفقهاء: 4/ 37 و 38 المسألة 393، راجع! الصفحة: 7 من هذا الكتاب.

12

..........

____________

و نحوه مع الحضور، كما نقله جماعة (1)، انتهى.

و ربّما يظهر من هذا أنّ اتّفاق الأصحاب على ما ذكر نقله جماعة.

و فيه ما فيه، إذ لو كان كذلك لكان (رحمه اللّه) في المسألة السابقة يذكر ذلك شاهدا، لا أنّه من باب الغريق يتشبّث بما تشبّث.

مع أنّه (رحمه اللّه) ادّعى عدم الخلاف في البعيد، و جعل ذلك هو الدليل، على أنّ المراد من قولهم (عليهم السلام): وضع اللّه عن التسعة أو الخمسة (2) هو سقوط السعي لا سقوط نفس صلاة الجمعة.

ثمّ استشهد بتصريح المفيد في «المقنعة»، و ذكر مقدّما على ذلك كلام «التذكرة» و «المنتهى»- و قد ذكرتهما- و هما ظاهران في خلاف مطلوبه، كما لا يخفى.

ثمّ نقل عن «نهايته» أنّ من لا يلزمه الجمعة إذا حضرها و صلّاها انعقدت جمعة و أجزأته، لأنّها أكمل في المعنى، و إن كانت أقصر في الصورة، فإن أجزأت الكاملين الذين لا عذر لهم، فلأن تجزي أصحاب العذر أولى (3).

ثمّ قال: و يمكن المناقشة في هذه الأولويّة بعدم ظهور علّة الحكم و باستفاضة الأخبار في سقوطها عن التسعة أو الخمسة (4)، فلا يكون الآتي بها من هذه الأصناف آتيا بما هو فرضه.

ثمّ قال: إلّا أن يقال: إن الساقط عنهم السعي إليها خاصّة.

ثمّ جعل عدم الخلاف في البعيد هو الدليل على ذلك، و قد عرفت

____________

(1) مدارك الأحكام: 4/ 55، و لم ترد فيه: كما نقله جماعة.

(2) وسائل الشيعة: 7/ 295 الحديث 9382، 300 الحديث 9397.

(3) نهاية الإحكام: 2/ 45.

(4) وسائل الشيعة: 7/ 295 الباب 1 من أبواب صلاة الجمعة.

13

..........

____________

الإيراد عليه.

ثمّ استشهد بتصريح المفيد (رحمه اللّه) (1)، كما ذكرنا.

و لا يخفى على المتأمّل أنّه لو كان له اتّفاق الأصحاب الذي نقله جماعة لما فعل ما فعل، فتأمّل جدّا! و ما ذكره (رحمه اللّه) من الحكم لم أجده في كلام المتقدّمين حتّى في «نهاية» الشيخ (رحمه اللّه)، بل لم أجده إلّا في بعض كتب الفاضلين و الشهيد (رحمه اللّه) و بعض كتب المتقدّمين (2).

و أين هذا من الاتّفاق؟ فضلا عن نقل الاتّفاق، فضلا أن يكون الناقل جماعة، مع أنّ الذي وجدت في بعض كتبهم الانعقاد لجميع المكلفين سوى المرأة (3).

و لا شكّ في أنّه ليس بوفاقيّ، كما صرّح به في «المدارك» و المصنّف تبعا له، و صاحب «المدارك» أعرف، إلّا أنه لا بدّ لنا من دليل على الانعقاد، و لم يثبت من كلام «المدارك» إجماع منقول يعتمد عليه لما عرفت.

بل ربّما لم يظهر إجماع أصلا، و إن قلنا باتّفاق الأصحاب، إذ لم يعلم بعد كونه إجماعا، فتأمّل جدّا! و قد عرفت فيما تقدّم عند ذكر العدد و شرائطه الإشكال في انعقاد الجمعة بالمسافر و العبد، و عرفت في صدر هذا المبحث أيضا الإشكال الذي ذكرنا.

فإن قلت: لعلّ رواية حفص دليل الانعقاد، لتضمّنها أنّ الفرض الأوّل كان

____________

(1) مدارك الأحكام: 4/ 53- 55.

(2) المبسوط: 1/ 143، السرائر: 1/ 93، نهاية الإحكام: 2/ 45، قواعد الأحكام: 1/ 36، الدروس الشرعيّة: 1/ 186.

(3) المبسوط: 1/ 143.

14

..........

____________

شاملا لهم، و الفرض الأوّل كان نسبته إلى جميع المكلّفين على السواء.

قلت: وجوب الجمعة على شخص غير انعقادها به، و لذا لم تنعقد بالمرأة اتّفاقا و إجماعا، كما هو ظاهر.

و شرائط وجوب الجمعة (1) غير شرائط العدد، كما صرّح به المصنّف (رحمه اللّه) فيما سبق، فإنّ الإسلام و الإيمان ليسا بشرط في الوجوب، لوجوبها على الكافرين و أهل السّنة و أمثالهم عند الشيعة و العامّة (2)، سوى أبي حنيفة (3)، لما اشتبه عليه الفرق بين مقدّمة الواجب المطلق و بين مقدّمة الواجب المشروط.

و لذا جعل المصنّف الإسلام شرطا في العدد دون من وجب عليه الجمعة، و ظاهر أنّ مراده ما هو مرادف الإيمان، لعدم صحة صلاة المخالف إجماعا، و يدلّ عليه الأخبار المتواترة أيضا، فالعبادة الفاسدة كيف تكون الجمعة منعقدة بها و صحيحة من جهتها؟! فكيف تصير متبوعة للصلاة الصحيحة؟! و بعض الشروط مشترك بين الوجوب و الانعقاد، و هو الذي صرّح به المصنّف في الوجوب، ثمّ صرّح به أيضا في شروط العدد، و صرّح بكون ذلك شرطا حيث قال: أربعة نفر كذا و كذا، و أكّد ذلك بقوله: (لا غير)، و لم يذكر في العدد مثل السلامة عن المرض و العمى و أمثالهما، لعدم كونها شرطا في العدد، لانعقادها بهم، نعم، يكون شرطا في الوجوب، و لذا ذكرها فيه.

نعم، لم يذكر عدم البعد بفرسخين من جملة شرائط الوجوب مع كونه من شرائطه بالإجماع و الأخبار المستفيضة، كما ستعرف، و جعله شرطا في العدد.

____________

(1) في (ز 3): و شرائط الوجوب.

(2) في (ز 3): و المشهور من العامّة.

(3) لاحظ! فواتح الرحموت: 1/ 128 مع اختلاف يسير.

15

..........

____________

مع أنّه يذكر هنا أنّه لا خلاف في احتسابهم من العدد، و هو صريح في أنّه ليس شرطا في العدد، فكان اللازم عليه أن يجعله شرطا للوجوب دون العدد، كالمرض و العمى و أمثالهما.

و يمكن أن يقال: قوله: (حاضر)، في ذكر شرائط الوجوب أعمّ من غير المسافر و غير البعيد بفرسخين، و الظاهر أنّه كذلك.

و أمّا تقييد الأربعة بكونهم غير بعيدين، فإنّه قيّد ذلك القيد بقوله:

«جميعا»، أي لا يكون جميع الأربعة و مجموعهم بعيدين.

و يمكن أن يكون مراده: لا يكونون مع الإمام جميعا غير بعيدين، و هذا غير احتسابهم من العدد، فإنّ الظاهر من قوله: احتسابهم من العدد، أن يكون واحدا من العدد أو اثنين- مثلا- منهم، لا أن يكون المجموع من حيث المجموع بعيدين، إذ لا شبهة في أنّ المسافرين لا يجب عليهم الجمعة، بل فرضهم الظهر، كما عرفت.

و كذلك الحال في البعيدين عنده، بأن لا يظهر تفاوت بينهم و بين المسافر في ذلك.

و ممّا ذكرنا ظهر أنّ ما نقلناه سابقا عن الشهيد في بحث شرائط العدد من وقوع الاتّفاق على صحة الجمعة بجماعة المسافرين (1) فاسد البتة، بل مخالف لإجماعهم، إذ قلّما يتحقّق السفر بجماعة أقلّ من خمسة، بل غالبا أكثر، و كثيرا ما يكون فيهم من يصلّى بهم جماعة.

فلو كانت في السفر واجبة عليهم بالوجوب التخييرى بل مستحبّة بالاستحباب العيني، لما كانوا يتركونها بالمرّة البتة، فلا شكّ في الترك بالمرة و لا شبهة، و أنّ ذلك المدار في الأعصار و الأمصار، و الظاهر أنّ الحال في البعيدين أيضا

____________

(1) ذكرى الشيعة: 4/ 117.

16

..........

____________

كذلك، لعدم دليل على الصحّة.

مع أنّ مقتضى الأخبار سقوطها عنهم بالمرّة، و لزوم الدخول عند الحضور غير انعقاد الجمعة بمجموعهم، بل عرفت التأمّل أيضا في احتساب المسافر من العدد، و كذا العبد.

و أمّا البعيد فإن ثبت إجماع واقعي أو منقول بخبر الواحد على احتساب البعيد من العدد، و إلّا فلعلّ للمناقشة طريق إليه، و قلنا: إنّا لم نجد ذلك إلّا في كلام بعض المتأخرين و القدماء، و ظاهر بعض القدماء عدم الانعقاد، بل ظاهر الكليني و الصدوق و أضرابهما عدم الوجوب و السقوط عنهم، مثل: المجنون و الصبي و إن حضروها (1)، حتّى أنّ الصدوق (رحمه اللّه) ذكر في كتابه «العلل» كلّ حديث تضمّن علّة، و إن لم يكن الحديث صحيحا عنده، بل و يكون فاسدا، كما صرّح به فيه (2)، و مع ذلك لم يذكر رواية حفص المتقدّمة أصلا.

و مقتضى الأخبار الصحاح المتضمّنة للسقوط و الوضع عدم صحّتها منهم فضلا عن الوجوب عليهم، كما اعترف صاحب «المدارك» (3)، مع نهاية ظهور الاقتضاء، فهذا هو الظاهر من الكليني و أضرابه.

و رواية الصدوق (رحمه اللّه) في أماليه (4)- على ما نقل عنه المصنّف- لا يكون دليلا على رضاه بها و فتواه بمضمونها، لأنّ أماليه ليس كتاب فتواه، بل «الفقيه» كتاب فتواه، فإذا لم يذكرها فيه، و ذكر ما يخالفها كثيرا، و ظهر أن فتواه بالمخالف البتة،

____________

(1) الكافي: 3/ 419 الحديث 6، من لا يحضره الفقيه: 1/ 266 الحديث 1217، تهذيب الأحكام: 3/ 21 ذيل الحديث 77.

(2) لاحظ! علل الشرائع: 2/ 350 ذيل الحديث 6.

(3) مدارك الأحكام: 4/ 53.

(4) أمالي الصدوق: 19 الحديث 5، وسائل الشيعة: 7/ 339 الحديث 9521.

17

..........

____________

البتة، فكيف يمكن أن يقال: إنّ تلك الرواية فتواه؟! مع أنّ المسافر إذا قصد الإقامة، أو زاد مكثه مترددا عن الثلاثين يكون حاله حال المقيم، على ما صرّح به بعض الأصحاب (1)، فربّما تكون الجمعة وجوبها عليه تخييريّا، و ثوابها أزيد من ثواب جمعة المقيم.

و هذا، و إن كان خلاف الظاهر، إلّا أنّ القاعدة أنّ الخبر الذي يعارض الأخبار أو الخبر الواحد الذي يكون حجة يؤوّل حتّى يوافقها، صونا عن الطرح.

مع أنّ ذلك الخبر ليس بصحيح، مع أنّه على فرض أن يكون قائلا بظاهرها، يكون الحكم مختصّا بالمسافر.

و جعل حكم المسافر قرينة على إرادة سقوط السعي خاصّة، قد عرفت فساده، و مع ذلك انعقاد الجمعة به من أين؟ فإنّ ظاهرها انعقاد الجمعة بغيره، و دخوله معهم و متابعته إيّاهم، و مع ذلك مقتضى الإجماع المنقول بخبر الواحد، كون المريض و المحبوس بالمطر و الخوف خاصّة ينعقد بهم الجمعة لا غيرهم.

فانظر أيّها العاقل إلى دعوى صاحب «المدارك» و موافقيه الإجماع هاهنا في مقابل الأخبار المستفيضة بالصحاح الظاهرة في عدم صحّة الجمعة، مع طعنهم في رواية حفص بالضعف (2)، و نهاية اعتمادهم على هذا الإجماع.

مع ما عرفت من عدم ذكر الفتوى بذلك إلّا في كتاب بعض المتأخّرين، و مخالفة القدماء لهم، و فتواهم بتلك الصحاح المستفيضة.

و مع ذلك صدر منهم بالنسبة إلى الإجماعات المنقولة في كون الجمعة منصب الإمام (عليه السلام) و نائبه الخاصّ ما صدر، مع زيادة عدد النقل عن الأربعين، و موافقة

____________

(1) منتهى المطلب: 5/ 372، جامع المقاصد: 2/ 420.

(2) مدارك الأحكام: 4/ 55.

18

..........

____________

الباقين في الفتوى.

حتّى أنّ المحقّق السيّد الداماد ادّعى إطباق الفقهاء على دعوى الإجماع على عدم عينيّة وجوبها (1)، مضافا إلى الأخبار. (2) الدالّة على مضمون إجماعاتهم، و الاعتبارات القطعيّة، و القرائن على حسب ما عرفت.

بل عرفت أنّه لم يوجد في مسألة من مسائل الفقه إجماع بهذه المثابة بلا شبهة.

مع أنّ ما صدر منهم إنّما صدر باعتبار ظاهر عبارة بعض القدماء في بعض مواضع كتبهم، مع ما عرفت في ذلك الظاهر أيضا.

مع أنّ مدار هؤلاء على العمل بأمثال ما عرفت من الإجماع الذي لا يصير طرف النسبة أصلا بالنسبة إلى تلك الإجماعات في كونها منصب الإمام (عليه السلام)، بل أين الثريا من الثرى! مع أنّه على فرض ثبوت احتسابهم من العدد، انعقاد الجمعة بهم جميعا من أين؟ و لذا ذكر المصنّف فيما سبق ما ذكر.

قوله: (و لذا من كان). إلى آخره.

قد عرفت ما فيه، سيّما مع دعواه القطع، مع أنّ من كان على رأس فرسخين وقع النزاع في وجوب حضوره، و اختلفت الأخبار أيضا فيه، و مقتضى حسنة ابن مسلم خلاف ما ذكره، لأنّه روى عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «تجب الجمعة على كلّ من كان منها على رأس فرسخين، فإذا زاد على ذلك فليس عليه شيء» (3).

____________

(1) نقل عنه في مفتاح الكرامة: 3/ 56.

(2) انظر! وسائل الشيعة: 7/ 303 الباب 2 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها.

(3) الكافي: 3/ 419 الحديث 3، تهذيب الأحكام: 3/ 240 الحديث 641، الاستبصار: 1/ 421 الحديث 1619، وسائل الشيعة: 7/ 309 الحديث 9432.

19

..........

____________

و قيل: لا تجب عليه، بل تجب على من نقص عن الفرسخين، و نسب هذا إلى الصدوق و ابن حمزة (1)، كما نسب الأوّل إلى الشيخ و المرتضى و ابن إدريس (2).

و يدلّ عليه صحيحة زرارة، عن الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «وضعها عن تسعة». إلى قوله: «و من كان منها على رأس فرسخين» (3).

و هذه أقوى سندا و أوفق بالاصول، و مع ذلك الوقوع على رأس فرسخين بحيث لا يزيد و لا ينقص من الفروض النادرة، و المطلقات تنصرف إلى غيرها.

و يمكن أن يكون كلام الفقهاء هاهنا أيضا كذلك.

لكن نقل عن ابن أبي عقيل أنّه قال: تجب الجمعة على من إذا غدا من منزله بعد ما صلّى الغداة أدرك الجمعة (4).

و عن ابن الجنيد أنّه قال بوجوب السعي إليها على من سمع النداء بها، أو من كان يصل إلى منزله إذا راح منها قبل خروج نهاره (5)، و هو ما يقارب ما ذكره ابن أبي عقيل.

و لعلّ مستندهما صحيحة زرارة، عن الباقر (عليه السلام): «الجمعة واجبة على من إن صلّى الغداة في أهله أدرك الجمعة، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إنّما يصلّي العصر في وقت الظهر في سائر الأيّام كي إذا قضوا الصلاة مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) رجعوا إلى

____________

(1) نسب إليهما في ذكرى الشيعة: 4/ 122، لاحظ! الهداية: 144، الوسيلة الى نيل الفضيلة: 103.

(2) نسب إليهما في ذخيرة المعاد: 300، لاحظ! رسائل الشريف المرتضى: 3/ 41، المبسوط: 1/ 143، النهاية للشيخ الطوسي: 103، الخلاف: 1/ 594 المسألة: 357، السرائر: 1/ 293.

(3) الكافي: 3/ 419 الحديث 6، من لا يحضره الفقيه: 1/ 266 الحديث 1217، تهذيب الأحكام: 3/ 21 الحديث 77، وسائل الشيعة: 7/ 295 الحديث 9382 مع اختلاف يسير.

(4) نقل عنه العلّامة في مختلف الشيعة: 2/ 227.

(5) نقل عنه العلّامة في مختلف الشيعة: 2/ 227.

20

..........

____________

رحالهم قبل الليل، و ذلك سنّة إلى يوم القيامة» (1).

و أجاب عنها في «الذكرى» بالحمل على الفرسخين (2).

و لا يخلو عن قرب، بقرينة اتّحاد راوي هذه الرواية و المروي عنه مع رواية الفرسخين عنه، و أنّ بناء أمثال هذه التقادير (3) على ملاحظة حال أضعف الناس في الأيّام، فإنّ كلّ الناس ليس لهم دابّة فارهة.

بل ربّما لا يكون لهم دابّة أصلا و يمشون، و ربّما كانوا في المشي ضعفاء قاصري الخطوات، و الأيّام ربّما يكون تسع ساعات، و ربّما يكون في بعض البلاد أنقص من ذلك، بل ربّما يكون ستّ ساعات.

و يؤيّده أيضا ظهور وجه المصلحة في وجوب السعي إليها على خصوص هؤلاء دون من يكون أبعد بقليل.

و هذه الصحيحة في غاية الظهور- كنظائرها- في كون الجمعة الواجبة عينيّا منصب شخص معيّن، و يكون الواجب بالوجوب العينيّ على أهل أطرافه السعي إلى صلاته من كلّ طرف إلى الحدّ الذي إذا وجب عليهم السعي و يسعون بعد صلاة غداتهم يرجعون إلى منازلهم قبل إدراك الليل.

و أنّ في عهد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) كان الأمر كذلك، و أنّه سنة إلى يوم القيامة، و أنّ أهل الأطراف ما كانوا يصلّون سوى خلف الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و ما كان يجوز لهم التخلّف، و أنّ هذه سنّته و طريقة دينه إلى يوم القيامة، لا خصوصيّة له و لا لصلاته في ذلك.

____________

(1) تهذيب الأحكام: 3/ 240 الحديث 642، الاستبصار: 1/ 421 الحديث 1621، وسائل الشيعة:

7/ 307 الحديث 9427.

(2) ذكرى الشيعة: 4/ 123.

(3) في (ز 1، 2) و (ط): هذه الروايات.

21

..........

____________

و معلوم على سبيل اليقين أنّ أهل أطراف الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) كانوا يصلّون جماعة في فرائضهم بلا شبهة، و ما كانت صلاتهم مقصورة في الفرادى بلا شكّ، و كان في القرى و الجماعات ما يزيد عن الخمسة و السبعة بلا شبهة.

و في غاية الظهور أيضا أنّ من زاد بعده عن القدر المذكور لم يكن عليه جمعة أصلا، كما ينادي به قوله: «فلا شيء عليه» (1) و أمثال هذه العبارة.

و أين هذا من القول بكون وجوبها عينا على كلّ سبعة أحدهم قابل لإمامة الجمعة، قادر أن يقول: الحمد للّه، و الصلاة على محمّد و آله، و اتّقوا اللّه، و يقرأ «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ» مثلا؟

و أعجب من هذا أنّهم يستدلّون بأمثال هذه الأحاديث على مطلوبهم، و لا يتفطّنون بأنّها عليهم لا لهم، و لو أغمضنا عن هذا، فلا يكون لا لهم و لا عليهم.

و أمّا أنّها لهم لا عليهم، ففي غاية الغرابة، مع أنّ استدلالهم ليس إلّا بأنّ هذه الأخبار مطلقة، و لا يدرون أنّه لا بدّ لهم من التقييد.

و الكلام إنّما هو في القيد، بل ربّما لا يحتاج المشهور إلى قيد أصلا، لأنّ نصب الإمام (عليه السلام)- غالبا و متعارفا- لم يكن بحيث يحتاج إلى القيد و ارتكاب خلاف الظاهر.

بل قال ابن أبي عقيل: صلاة الجمعة فرض على المؤمنين حضورها مع الإمام في المصر الذي هو فيه، و حضورها مع امرائه في الأمصار و القرى النائية، و من كان خارجا من مصر أو قرية إذا غدا من أهله بعد ما يصلّي الغداة فيدرك الجمعة مع الإمام، فإنّ الجمعة عليه فرض، و إن لم يدركها فلا جمعة عليه (2).

____________

(1) وسائل الشيعة: 7/ 309 الحديث 9432 مع اختلاف يسير.

(2) نقل عنه العلّامة في مختلف الشيعة: 2/ 227.

22

..........

____________

و هذا صريح في أنّها منصب حكّام (1) الإمام.

و المعهود المتعارف عدم نصب حاكمين في فرسخين، بل أزيد منهما بكثير، مع أنّ من قال: يجب على جميع الأطراف المزبورة أن تشهدها، يكون النصب أيضا منه، فلعلّه لا ينصب حاكمين حتّى يضرّ ذلك القول، و ما يستفاد منه حقيقة و ظاهر أو الأصل حمل الكلام على الحقيقة و الظاهر حتّى يثبت خلافه، و لم يثبت، بل ذلك القول منه في قوّة أن يقول: ما أنصب حاكمين فيهما، مضافا إلى ما عرفت من القرائن.

و أمّا جواز الجمعتين إذا كان بينهما فرسخ، فهو حكم نفس المسألة من حيث هي هي، لا بملاحظة المعهود المتعارف في النصب، إذ الجمعة غير منحصرة في الوجوب العيني.

و مع ذلك ربّما يتحرّك المنصوبون الذين هم الحكّام من مواضعهم المنصوبة فيها، إذ لا شكّ في عدم نصب حاكمين عادة في فرسخ أو فرسخين- مضافا إلى ما عرفت- و إلّا ربّما يقع النزاع في تقديم أيّهما، و يحصل الإشكال.

و قد عرفت أنّ النصب لحسم مادّة النزاع في هذه المرتبة العظيمة، سيّما و إذا انضمّ إليها نفس الحكومة و باقي مناصبها.

فلعلّ الإيجابات بناء على المقرّر المعهود، و صحّة الجمعتين إذا كان بينهما فرسخ بناء على ما إذا عرض ما يمنعه، كما كان يعرض للحكّام كثيرا لنظم امور الحكومة و غيرها، و يعرض للرعيّة أكثر ممّا يمنعهم عن إدراك جمعة حاكمهم و إمامهم.

و لذا وقع في الأخبار السؤال عنه، و عن عدم درك صلاة عنده، و أجابوا بما

____________

(1) لم ترد في (ز 3): حكّام.

23

..........

____________

أجابوا، فتأمّل، على أنّه لو كان حاكمان في فرسخين ففي غاية الندرة، و الأخبار واردة على الفروض الشائعة المتعارفة، كما هو محقّق و مسلّم.

و أمّا ما ورد من اشتراط الفاصلة بفرسخ، فليس المراد خصوص الفرسخ بحيث لو زاد عنه لم يصحّ، للقطع بصحّة ما زاد أيضا.

بل المراد أنّ أقلّها فرسخ، فيشمل جميع صور الفاصلة الشرعيّة سواء كانت الأفراد الشائعة و غيرها، كما هو الحال في أحاديث العدد بأنّه خمسة أو سبعة (1)، و إن كانت الجمعة التي تكون عددها خمسة أو سبعة من غير زيادة من الأفراد النادرة إلى حدّ لم نر إلى الآن فردا منها أصلا، و لعلّه لم يره غيرنا أيضا، و هذا لا يقتضي ورود تلك الأخبار مورد النادر بالبديهة.

على أنّا نسلّم تحقّق حاكمين في فرسخين كثيرا، و نقول: ليس مقتضى الأخبار سوى وجوب حضور الجمعة الشرعيّة، متى تحقّقت- أيّ جمعة تكون- فوجوب حضورها عينيّ، و التخيير إنّما هو في اختيار فرد من أفراد الكلّي لإيجاد الكلّي في ضمنه، كاختيار عتق المملوك الرومي أو الزنجي لامتثال الأمر بعتق رقبة، و كذا الحال في جميع التكاليف، إذ كلّ فرد من التكليف إنّما هو بالكلّي، و التكليف بالجزئي الحقيقي منتف قطعا، و إيجاد الكلّي لا يكون إلّا باختيار فرد منه، و ليس هذا وجوبا تخييريّا بالبديهة، و عند المصنّف و موافقيه تكون (2) هذه الإيجابات الظاهرة في الوجوب العيني- كما هو ظاهر و مسلّم عندهم، بل و يستدلون بها على عينيّة وجوب صلاة الجمعة من دون اشتراط إذن خاصّ- وجوبا تخييريّا في الغالب، لندرة خلوّ جميع أطراف الجمعة عمّن يمكنه الجماعة

____________

(1) لاحظ! وسائل الشيعة: 7/ 303 الباب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) في (د 1) و (ز 3): تصير.

24

..........

____________

و أقلّ الخطبة، لما عرفت من أنّ الأعجمي قادر عليها فضلا عن غيره.

و إن لم نقل بالندرة فلا أقلّ من التساوي، و إن لم نقل بالتساوي فلا شكّ في أنّ خلافه ليس بنادر جزما، مع أنّه على فرض الندرة فقد عرفت أنّ كلمة «من» في حديث «من إن صلّى الغداة» تفيد العموم لغة.

مع أنّ القطع حاصل بأنّ مثل الكوفة و المدينة من البلاد لا تخلو أطراف جمعتهم إلى فرسخين عمّن يمكنه الجماعة و أقل الخطبة قطعا، بل و كان يتحقّق كثيرا، خصوصا مثل الكوفة و بغداد و أمثالهما، إذا كان تحققه فيهما في غاية الكثرة، كما لا يخفى على المطّلع.

على أنّا نقول: لو سلّمنا أنّه يلزمنا القول بخروج بعض الصور من هذه العمومات بإجماع أو نصّ، نقول: العام المخصّص حجّة في الباقي جزما، و مسلّم عندهم، و بناء استدلالاتهم ليس إلّا على ذلك.

فإن قلت: لعلّ ما ذكرت يكون مسلّما عندهم، إلّا أنّهم أخرجوا ما قالوا بنصّ أو غيره.

قلت: أوّلا: إنّهم احتجّوا بهذه الأخبار لمطلوبهم، مع أنّها بظاهرها عليهم لا لهم.

و ثانيا: إذا خرج ما ذكروا، يصير الخارج أكثر من الباقي، و لا يرضون به كأكثر المحقّقين، سيّما بعد عروض تخصيصات اخر في غاية الكثرة، كل تخصيص بالنسبة إلى شرط من الشروط.

و ثالثا: أنّ إرجاع هذه الأخبار إلى الفروض النادرة، فيه ما فيه، بل عرفت أنّه في معظم بلاد صدور هذه الأخبار فيها لا يبقى فرد نادر جزما.

و رابعا: أشرنا إلى أنّ في زمان الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) كان لأطراف المدينة جماعات

25

..........

____________

في الفرائض.

و خامسا: أنّه كما يجوز التخصيص بالنحو الذي ارتكبوا، كذا يجوز حمل الوجوب على ما هو أعم من العيني و التخييري، بل هو أولى، ثمّ أولى، فكيف استدلّوا بها على عينيّة الوجوب؟! و سادسا: أنّ بناء استدلالاتهم على إفادة العموم لهم، و إخراج أفراد لا تحصى بالقياس إلى الشروط المسلّمة، و كذا إخراج ما ذكر في المقام، و قد عرفت سابقا التأمّل فيه أيضا.

و سابعا: لم نجد نصّا يكون لهم، إذ عرفت أنّ كلّ نصّ تمسّكوا به لم يخلص عن أمثال ما ذكرنا هنا.

و ثامنا: أنّه بعد اللتيّا و التي، كيف يقاوم ذلك إجماعات الفقهاء و أدلّتهم الصريحة أو الظاهرة؟ سيّما و أن يغلب عليها.

ثمّ اعلم! أنّه قد ادّعى بعض العلماء أنّ قدماءنا كانوا يقولون بالوجوب العينيّ من دون اشتراط الإمام أو من نصبه (1).

و قد ظهر لك ممّا ذكرنا فساد هذه الدعوى، و كذا ما ادّعى صاحب «المدارك» (2).

و وجه الفساد أنّهم ذكروا وجوب الحضور على كلّ من كان على رأس فرسخين من دون تخصيص.

و قد عرفت أنّه ظاهر في خلاف ما ادّعاه، بل ربّما يحصل العلم، كما عرفت.

و ذكروا أيضا أنّه لا بدّ من الإمام، و قد عرفت سابقا أنّه إمام الأصل بالتبادر

____________

(1) منهم الشهيد في ذكرى الشيعة: 4/ 104 و 105، البحراني في الحدائق الناضرة: 9/ 378.

(2) مدارك الأحكام: 4/ 21.

26

..........

____________

و انصراف الإطلاق إلى الكامل، فكما ينصرف الوجوب إلى العينيّ لأنّه الكامل فكذلك الإمام، فلا وجه لتفكيك الذي ارتكب، و بالأخبار منها: ما ذكرناه عن «العلل» (1)، فإنّ الفضل بن شاذان- مع نهاية فضله- سأل الرضا (عليه السلام) عن علّة قصر الجمعة من بين الصلوات للحاضرين الآمنين.

مع أنّه كان يرى أنّ الصلوات تصلّى كثيرا خلف الأئمّة (عليهم السلام) من غير قصر جزما.

فكلامه في قوّة أنّ الفرائض التي تصلّى خلف الأئمّة (عليهم السلام) ليست بقصر، فما بال الجمعة صارت قصرا؟

فأجاب (عليه السلام) لعلل، منها: «إنّ الصلاة مع الإمام أتمّ و أكمل، لعلمه و فقهه و عدله و فضله».

و لا يخفى أنّ المراد منه إمام العصر (عليه السلام)، بقرينة ما يذكر بعد ذلك.

مع أنّه لا وجه لأن يكون إمام الجماعة، لما عرفت من أنّ الفرائض الاخر تصلّى عادة خلف إمام الجماعة أربعا، فلم يبق إلّا أن يكون المراد إمام العصر (عليه السلام).

فإن قلت: فلم تصلّى خلفه الفرائض الاخر أربعا؟

قلت: إذا صار إمام الجماعة، فهو حينئذ إمام الجماعة من حيث هو إمام الجماعة، كما إذا باع شيئا، فهو حينئذ بائع من حيث إنّه بائع، و كذا إذا اشترى، و كذا إذا فعل فعلا آخر.

و أما إذا صار إمام الجمعة فمن حيث إنها منصبه، فهو إمام العصر من حيث إنّه إمام العصر، و لذا صلح أن تكون الصلاة التي صلّى هو و صلّى المكلّفون معه بمرتبة من الكمال و التمامية، بحيث تصير ركعتاه عدال الأربع و إلا فمن المعلوم أنّ

____________

(1) علل الشرائع: 264 و 265، عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 2/ 118، وسائل الشيعة: 7/ 312 الحديث 9440.

27

..........

____________

غيره (عليه السلام) ليس له هذه المرتبة و المزيّة (1) و الشرافة و الكرامة، بلا شبهة و لا ريبة، فلا جرم يكون هو من حيث هو هو.

ثمّ قال بعد ذلك: «لأنّ الجمعة مشهد عام». إلى آخر ما ذكرناه سابقا، سيّما بملاحظة لفظ الأمير.

ثمّ قال بعد ذلك: «و ليس بفاعل غيره ممّن يؤمّ الناس في غير يوم الجمعة»، و هذا أيضا صريح فيما ذكرناه.

هذا كلّه، مضافا إلى ما ذكرناه من الإجماعات و الأخبار، مثل الحديث الوارد في «الأشعثيّات»: «الجمعة و الحكومة لإمام المسلمين» (2) و غير ذلك.

و روى العلّامة في «المنتهى»: أربع إلى الولاة: الفيء، و الحدود، و الصدقات و الجمعة (3)، و السند منجبر بعمل الأصحاب، سيّما مثل هذا العمل.

و ربّما يظهر من هذه الرواية أنّ ما رواه الشيخ في «التهذيب» بسنده عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا جمعة إلّا في مصر تقام فيه الحدود» (4) أيضا من جملة تلك الروايات، إذ عرفت من الرواية أنّ إقامة الحدود منصب الولاة، كما قال به من قال من الفقهاء، و يظهر من غيرها من الأخبار أيضا (5).

فظهر أنّ ما في روايته إشارة إلى أنّ الجمعة منصب من يقيم الحدود، فلا وجه لحملها على التقيّة.

____________

(1) في (ز 3) و (د 2): الرتبة و المرتبة، و في (د 1): الرتبة و المزيّة.

(2) قرب الإسناد (الأشعثيّات): 220 و 221 نقل بالمضمون.

(3) منتهى المطلب: 5/ 335.

(4) تهذيب الأحكام: 3/ 239 الحديث 639، الاستبصار: 1/ 420 الحديث 1617، وسائل الشيعة:

7/ 307 الحديث 9425.

(5) وسائل الشيعة: 7/ 305 الحديث 9420.

28

..........

____________

و أيضا القدماء يذكرون ما دلّ على أنّ إمام الجماعة غير إمام الجمعة البتة (1)، و قد ذكرنا الروايات الدالّة عليها، و نزيد هنا و نقول:

و يدلّ عليه أيضا ما رواه ابن بكير- في الموثّق كالصحيح، بل الحقّ أنّه صحيح- عن الصادق (عليه السلام) عن قوم في قرية ليس لهم من يجمع بهم، أ يصلّون الظهر يوم الجمعة في جماعة؟ قال: «نعم إذا لم يخافوا» (2).

و هذا نظير الأخبار الواردة في أنّ صلاة العيد إذا لم يكن إمام، أو لم يدركوها مع الإمام، هل يصلّون جماعة؟ فأجابوا (عليهم السلام) ب«نعم» على ما سيجيء.

و ما رواه الشيخ بسنده عنه (عليه السلام) عن صلاة ظهر يوم الجمعة، قال: «أمّا مع الإمام فركعتان، و أمّا من صلّى وحده فهي أربع ركعات بمنزلة الظهر، يعني إذا كان الإمام يخطب، فإذا لم يكن إمام يخطب فهي أربع ركعات، و إن صلّوا جماعة» (3).

و في «الكافي» روى- في الموثّق كالصحيح- عن الصادق (عليه السلام) هكذا: «أمّا مع الإمام فركعتان، و أمّا من يصلى وحده فهي أربع ركعات، و إن صلّوا جماعة» (4).

فإذا رووا هذه الروايات، فكيف يكونون قائلين بالوجوب العيني في صورة يكون إمام الجماعة القادر على قراءة أقلّ الواجب من الخطبة؟ و خصوصا مع أنّه ظهر أنّ غير إمام الجماعة هنا من هو؟ بالأدلّة الخارجة عن حدّ الإحصاء.

على أنّه روى في «الفقيه»- في الصحيح- عن ابن مسلم ما ذكرناه سابقا:

____________

(1) الكافي في الفقه: 151، إصباح الشيعة: 85، السرائر: 1/ 292.

(2) تهذيب الأحكام: 3/ 15 الحديث 55، الاستبصار: 1/ 417 الحديث 1599 وسائل الشيعة: 7/ 327 الحديث 9491.

(3) تهذيب الأحكام: 3/ 19 الحديث 70، وسائل الشيعة: 7/ 310 الحديث 9435.

(4) الكافي: 3/ 421 الحديث 4، وسائل الشيعة: 7/ 314 الحديث 9445.

29

..........

____________

من أنّها «تجب [الجمعة] على سبعة: الإمام و قاضيه» (1). إلى آخر الحديث، و لم يؤوّل أصلا و ذكر في أوّل كتابه ما ذكر.

و مسلّم عند صاحب «المدارك» أنّ جميع ما يذكره فيه فتواه، كما قال في أوّل كتابه (2).

بل ذكره في كتابه «الهداية»: إذا اجتمع يوم الجمعة سبعة و لم يخافوا، أمّهم بعضهم و خطبهم، و قال بعده: و السبعة التي ذكرناهم: الإمام، و المؤذّن، و القاضي، و المدّعي، و المدّعى عليه، و الشاهدان (3).

و يمكن أن يكون مؤذّن الإمام (عليه السلام) كان منصبه ضرب الحدّ بين يديه، على أنّا نقول: لو كان القدماء قائلين بما ادّعاه، فكيف يقول الشيخ: الفرقة لا يختلفون في أنّ شرط الجمعة الإمام (عليه السلام) أو من يأمره (4)، كما ذكرنا سابقا.

و يقول ابن إدريس في «سرائره»: عندنا بلا خلاف بين أصحابنا أنّ من شرط الجمعة الإمام (عليه السلام) أو من نصبه للصلاة (5).

و يقول المحقّق في «المعتبر»: السلطان العادل أو نائبه شرط في وجوب الجمعة، و هو قول علمائنا (6).

و يقول العلّامة (رحمه اللّه) في «التذكرة»: يشترط في وجوب الجمعة السلطان العادل أو نائبه عند علمائنا أجمع. إلى أن قال: أجمع علماؤنا كافّة على اشتراط

____________

(1) من لا يحضره الفقيه: 1/ 267 الحديث 1222، وسائل الشيعة: 7/ 305 الحديث 9420.

(2) من لا يحضره الفقيه: 1/ 3.

(3) الهداية: 145 و 146.

(4) الخلاف: 1/ 626 المسألة 397.

(5) السرائر: 1/ 303.

(6) المعتبر: 2/ 279.

30

..........

____________

عدالة السلطان، و هو الإمام المعصوم (عليه السلام) أو من يأمره بذلك. إلى أن قال: أطبق علماؤنا على عدم الوجوب- أي الجمعة- في زمان الغيبة (1).

و يقول في «النهاية»: يشترط في وجوب الجمعة السلطان أو نائبه عند علمائنا أجمع. إلى أن قال: و السلطان عندنا هو الإمام المعصوم (عليه السلام) (2).

و يقول في «المنتهى»: أمّا اشتراط الإمام (عليه السلام) أو إذنه، فهو مذهب علمائنا أجمع (3). إلى غير ذلك من أمثال هذه الأقوال عن العلماء الخبيرين الماهرين المطّلعين المتتبّعين المتقدّمين و المتأخّرين، مثل قول ابن زهرة في غنيته: من شرائط وجوب الجمعة حضور الإمام العادل أو من نصبه و جرى مجراه، ثمّ قال: كلّ ذلك بدليل الإجماع (4).

و قول القاضي عبد العزيز بن البرّاج: من شروط الجمعة الإمام العادل و من نصبه، و جرى مجراه، و الدليل على صحّة ما ذهبنا إليه الإجماع (5).

و قول الشهيد (رحمه اللّه) في «الذكرى»: شروطها- أي الجمعة- سبعة: الأوّل، السلطان العادل، و هو الإمام أو نائبه إجماعا منّا، ثمّ قال: في حال زمان الغيبة عملت الطائفة على عدم الوجوب [العيني] في سائر الأعصار و الأمصار (6).

و قال الشيخ المقداد في «كنز العرفان»: السلطان العادل أو نائبه شرط في وجوبها و هو إجماع علمائنا (7).

____________

(1) تذكرة الفقهاء: 4/ 19 المسألة 381.

(2) نهاية الإحكام: 2/ 13 و 14.

(3) منتهى المطلب: 5/ 334.

(4) غنية النزوع: 90.

(5) المهذّب: 1/ 100.

(6) ذكرى الشيعة: 4/ 100 و 105.

(7) كنز العرفان: 1/ 168.

31

..........

____________

و قال المحقّق الشيخ علي في «رسالته»: أجمع علماؤنا الإماميّة- طبقة بعد طبقة من عصر أئمّتنا (عليهم السلام) إلى عصرنا هذا- على انتفاء الوجوب العيني عن الجمعة، أي في مثل زمان الغيبة (1).

و قال فيها أيضا: يشترط لصلاة الجمعة وجود الإمام المعصوم (عليه السلام) أو نائبه، و على ذلك إجماع علمائنا قاطبة (2).

و قال في «شرح القواعد»: يشترط لوجوب الجمعة السلطان العادل، و هو الإمام المعصوم (عليه السلام) أو نائبه عموما، أو في صلاة الجمعة بإجماعنا (3).

و قال الشهيد الثاني في «شرح الألفيّة»: اشتراط الجمعة بالإمام أو من نصبه- بالنسبة إلى وجوب العيني- موضع وفاق (4).

و في شرحه على «الإرشاد»: الوجوب العيني منفي حال الغيبة بالإجماع (5).

و قال في «شرح اللمعة»: لو لا الإجماع على نفي الوجوب العيني في زمان الغيبة، لكان القول به قويّا (6).

و قال السيّد المحقّق الداماد في كتابه «عيون المسائل»: أجمع علماؤنا على أنّ النداء المشروط به وجوب السعي إلى الجمعة لا بدّ أن يكون من قبل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أو الإمام (عليه السلام) أو من يأذن له الإمام (عليه السلام) و ينصبه لها، و على ذلك إطباق الإماميّة، و قال- في نفي الوجوب العيني في زمان الغيبة-: قد أطبق الأصحاب على نقل الإجماع

____________

(1) رسائل المحقّق الكركي: 1/ 147 و 148.

(2) رسائل المحقّق الكركي: 1/ 158.

(3) جامع المقاصد: 2/ 371.

(4) المقاصد العليّة في شرح الألفيّة: 193.

(5) روض الجنان: 291.

(6) الروضة البهيّة: 1/ 301.

32

..........

____________

عليه، و لا رادّ له في الأصحاب، لاشتراط الجمعة بالإمام أو منصوب من قبله (1).

و في «التنقيح» بعد ما نقل أنّ الجمعة في زمان الغيبة حرام عند جمع، و مستحبّة عند آخرين، قال: منشأ الخلاف أنّ حضور الإمام هل هو شرط في ماهيّة الجمعة أم في وجوبها؟ فالسيّد و سلّار و ابن إدريس على الأوّل، و باقي الأصحاب على الثاني (2). إلى غير ذلك من الإجماعات المنقولة التي نقلها الثقات العدول، الذين أمر اللّه تعالى بقبول خبرهم و تصديق قولهم، كما أشرنا سابقا.

و أشرنا أيضا إلى أنّ الحديث ليس حجّة إلّا من جهة الأدلّة التي تشمل الإجماع المنقول، و الإجماع هو خبر في الحقيقة عندنا، إلّا أنّه يصل إلينا بعنوان اليقين، أو المنقول بخبر الواحد.

و أشرنا إلى أنّ الحديث لو وصل إلى منكري هذا الإجماع بعدد نقل الإجماع لجزموا به، فضلا عن الحكم بالحجيّة.

مع أنّ سند الحديث لا يمكن أن يصير مثل الإجماع المنقول، و أين هؤلاء من الراوي الذي لم يظهر حاله، أقصى ما فيه ظنّ بعدالته و أين هو ممّن يكون عدالته و تقدّسه و جلالته يقينيّة؟ بل هو حجّة اللّه على الخلق، و الأئمّة (عليهم السلام) حجج اللّه عليه، و هو مؤسّس مذهب الشيعة، و مجدّد دين الرسول (صلّى اللّه عليه و آله). إلى غير ذلك ممّا لا يفي لذكره الدفاتر.

هذا، مع أنّ علو السند غاية العلو، مضافا إلى الأخبار الدالّة على صدقهم، و الآثار اليقينيّة على حقيقة قولهم، ممّا مرّت الإشارة إلى بعضها.

على أنّا نقول: من بقي منهم لا يظهر حاله، حتّى يدّعى أنّه قال بعدم اشتراط

____________

(1) عيون المسائل للسيّد الداماد: 216.

(2) التنقيح الرائع: 1/ 231.

33

..........

____________

الإمام أو من نصبه أصلا، و أنّه لا فرق بين إمام الجمعة و الجماعة، فإنّ ابن أبي عقيل عرفت كلامه، و كذا الشيخ، بل في كلّ واحد من كتبه أيضا نقل الإجماع كذلك، أو أفتى كذلك، مثل مبسوطه، و جمله و عقوده، و تبيانه، و نهايته (1).

و المرتضى أيضا قال في «المسائل الميافارقيّات»: لا جمعة إلّا مع إمام عادل أو من نصبه الإمام العادل فإذا عدم صلّيت الظهر أربع ركعات (2)، و كذلك قال في جمله و غيره (3).

و أمّا الصدوق (رحمه اللّه) فقد عرفت حاله في «الفقيه» و كتابه «الهداية»، و في مجالسه نقل صحيحة هشام عن الصادق (عليه السلام): «احبّ للمؤمن أن لا يخرج من الدنيا إلّا و تمتّع و لو مرّة و يصلّي الجمعة و لو مرّة» (4)، نقلها على وجه يظهر منه أيضا ارتضاؤها عنده.

و الشيخ في مصباحه بعد ما حكم باستحباب صلاة الجمعة في زمان الغيبة ذكر هذه الصحيحة (5)، فلاحظ.

و قال ابن حمزة في وسيلته في جملة شرائط الجمعة: حضور السلطان العادل أو من نصبه (6).

و قال سلّار في مراسمه: صلاة الجمعة فرض مع حضور الإمام الأصل أو من يقيمه، و قال في رسالته: و لفقهاء الطائفة أن يصلّوا في الأعياد و الاستسقاء، و أمّا

____________

(1) المبسوط: 1/ 143، الرسائل العشر (الجمل و العقود): 190، التبيان: 10/ 8، النهاية للشيخ الطوسي: 103.

(2) رسائل الشريف المرتضى (المسائل الميافارقيّات): 1/ 272.

(3) رسائل الشريف المرتضى (جمل العلم و العمل): 3/ 41، الناصريات: 265 المسألة 111.

(4) لم نعثر عليه في أمالي الصدوق، نقل عنه في الوافي: 8/ 1115 ذيل الحديث 7855.

(5) مصباح المتهجّد: 364، وسائل الشيعة: 21/ 14 الحديث 26394.

(6) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 103.

34

..........

____________

الجمعة فلا (1).

و قال يحيى بن سعيد في جامعه: الجمعة واجبة بشرط حضور الإمام الأصل أو من يأمره (2).

و قال الكفعمي: في شروط الجمعة السلطان العادل أو من يأمره (3).

و قال الطبرسي في تفسير سورة الجمعة: لا تجب- أي الجمعة- إلّا عند حضور السلطان العادل أو من نصبه (4)، إلى غير ذلك من أقوالهم، فهي كثيرة، فلم يبق إلّا المفيد (رحمه اللّه) و قد عرفت حاله.

و الكليني (رحمه اللّه) و هو روى في «الكافي» في تهيئة الإمام للجمعة، بسنده عن سماعة أنّه سأل الصادق (عليه السلام) عن الصلاة يوم الجمعة؟ فقال: «أمّا مع الإمام فركعتان، و أمّا من يصلّي وحده فهي أربع ركعات و إن صلّوا جماعة» (5)، و قد عرفت الحال فيها.

و روى في باب قنوت الجمعة في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «إذا كان إماما قنت في الركعة الاولى و إن كان يصلّي أربعا ففي الركعة الثانية قبل الركوع» (6).

و لا شكّ في أنّ من يصلّي أربعا ربّما يكون إماما بسبب اختلال شرط من شرائط الجمعة، و يظهر من أخبار كثيرة- مضافا إلى أنّك قد عرفت- أنّ المتبادر من الإمام، الإمام الأصل (7).

____________

(1) المراسم: 77 و 261 مع اختلاف يسير.

(2) الجامع للشرائع: 94.

(3) المصباح للكفعمي: 410.

(4) مجمع البيان: 6/ 76 (الجزء 28).

(5) الكافي: 3/ 421 الحديث 4، وسائل الشيعة: 7/ 310 الحديث 9435، 314 الحديث 9445.

(6) الكافي: 3/ 427 الحديث 2، وسائل الشيعة: 6/ 270 الحديث 7933.

(7) وسائل الشيعة: 7/ 297 الحديث 9389.

35

..........

____________

و هو (رحمه اللّه) روى فيه صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام): «لا تكون الخطبة و الجمعة و صلاة ركعتين على أقلّ من خمسة رهط: الإمام و أربعة» (1).

و قال (رحمه اللّه) بعد ذلك بقليل (2): باب من فاتته الجمعة مع الإمام (3).

و هذا أيضا يؤيّد، إذ كان يكفي أن يقول: باب من فاتته الجمعة، إذ ذكره «مع الإمام» مشعر بأنّه منصبه، و أنّه لا يتأتّى منه بعد ذلك، كما ورد كذلك في صلاة العيدين (4)، فلاحظ و تأمّل! و أيضا روى ما تضمّن وجوب حضورها على من كان على رأس فرسخين (5)، و قد عرفت حالها.

مع أنّه ليس عادته ذكر الإجماعات في «الكافي» و غيره، إذ كثير من المسائل إجماعي عند الشيعة، حتّى عند هؤلاء القائلين بعدم اشتراط الإمام أو من نصبه فيها بحيث لم يتأمّلوا، و مع ذلك ليس في «الكافي» منها عين و لا أثر.

مع أنّه (رحمه اللّه) لم يذكر فيه كثيرا من ضروريّات الدين و المذهب، بل و ربّما لم يذكر ما هو من اصول الدين، و مع ذلك يروي فيه روايات ظاهرة في خلافه و لا يتعرّض لتوجيهه أصلا، مثل أنّه روى في كتاب الإيمان و الكفر أخبارا ظاهرة في الجبر و غيره (6) ممّا هو ليس مذهب الشيعة، و لا يتعرّض للتوجيه، مع أنّ عدالة إمام الجمعة لم يتعرّض لها في «الكافي» أصلا، و لعلّ بعض الشروط أيضا كذلك،

____________

(1) الكافي: 3/ 419 الحديث 4، وسائل الشيعة: 7/ 303 الحديث 9413.

(2) في (ز 1، 3، 2) و (ط): بقدر.

(3) الكافي: 3/ 427.

(4) الكافي: 3/ 459 الحديث 1 و 2، وسائل الشيعة: 7/ 421 الحديث 9744، 423 الحديث 9753.

(5) الكافي: 3/ 419 الحديث 2 و 3، وسائل الشيعة: 7/ 309 الحديث 9431 و 9432.

(6) انظر! الكافي: 2/ 212- 215.

36

..........

____________

و مرّ الكلام في أمثال ما ذكرنا.

فكلّ ما تقول بالنسبة إلى ما ذكرنا، نقوله بالنسبة إلى اشتراط الإمام أو من نصبه، مع أنّك عرفت وجود هذا الشرط فيه، فتأمّل جدّا! و أمّا الباقون من النافين إلى زمان الشهيد الثاني و باقي كتبهم الفتاوى، مثل «الشرائع» و «النافع» و غيرهما، فغير خفي في الصراحة في الاشتراط المذكور، أو انحصار قول الشيعة في التخيير و الحرمة (1)، فلاحظ و تأمّل! و من هذا قال رئيس المحقّقين و المدقّقين جمال الملّة و الدين: إنّ القول بالوجوب العيني في زمان الغيبة بدعة مخترعة (2) حدث في هذه الأزمان (3).

و يعضده أنّ في «المختلف» لم يذكر سوى هذين القولين (4).

على أنّا نقول: لو كانوا يقولون بوجوب الجمعة عينيّا لكانوا يفعلونها، و ما كانوا يتّفقون على تركها، و لو كانوا يفعلون أو يفعل بعضهم لكان يصل إلينا و يظهر علينا عادة، كما ظهر علينا- و على أهل السنّة أيضا- أنّهم كانوا يتمتّعون النساء، و يتمتّعون في الحجّ، و يمسحون الرجل في الوضوء، و يسبّون الشيخين و غيرهما، و يتنزّهون عن مساورة أهل الذمّة و الكفّار، و يصلّون صلاة الغدير.

حتّى أنّ العامّة نقلوا أنّهم في بطن بغداد صلّوا هذه الصلاة جماعة في آلاف ألوف منهم (5)، بل و نقلوا أنّهم ضربوا الكوس في اليوم المذكور إظهارا للإجهار و البشاشة (6).

____________

(1) شرائع الإسلام: 1/ 94، المختصر النافع: 35، إيضاح الفوائد: 1/ 118.

(2) في (د 2): محرّمة.

(3) لاحظ! مستند الشيعة: 6/ 18.

(4) مختلف الشيعة: 2/ 237.

(5) شذرات الذهب: 2/ 9.

(6) الكامل في التاريخ: 8/ 549 و 550، البداية و النهاية: 11/ 276.

37

..........

____________

بل و وقع واقعات في بطن بغداد بين الشيعة و أهل السنّة في تعصّب الدين، و الواقعات مشهورة (1).

و كذا الواقعات و الحكايات بالنسبة إلى قم و كاشان و سبزوار، و طريقة سلوك أهل قم بالنسبة إلى السلاطين و عدم إطاعتهم لهم، حتّى نصبوا حاكما شيعيّا فأطاعوه، و أنّهم كانوا يمشون على طريقة الشيعة، و يفتخرون و يباهون (2).

و وقع بينهم و بين أهل أصفهان ما وقع (3)، و كذا بين غيرهم. إلى غير ذلك ممّا هو معروف مشهور، و وقوعها عنهم جهارا علانية غير مستورة على العامّة، فضلا عن الخاصّة حتّى السبّ الذي ذكرناه.

فإنّ أطفال العامّة و نساءهم في الخدور يعرفون يقينا صدور السبّ منهم، و أنّهم يتمتّعون، و يمسحون بالرجل، و يكبّرون خمسا على الميّت. إلى غير ذلك، بل المستحبّات أيضا، مثل القنوت في الصلاة و صلاة الغدير، و غير ذلك، بل المباحات أيضا، كما لا يخفى، بل العقائد الخفيّة و إن كانت لبعضهم.

فكيف خفي على الخاصّة و العامّة فعل الجمعة بالمرّة؟ بل الظاهر ظهور خلافه عليهم، فإنّ العامّة كان ديدنهم الطعن على الشيعة بتركهم الجمعة، بل و ربّما نسبوا إليهم القول بالتحريم، و ليس ذلك إلّا من جهة أنّهم اتّفقوا على الترك، بحيث يكون ظاهرا في التحريم عندهم، و إلا فلا وجه في هذا المقدار من الاتّفاق في أنّهم كانوا يعلمون أنّهم في مقام عدم التقيّة يتركون بالمرّة.

و لهذا نسبوا إليهم القول بالحرمة، و إلّا فهم يعلمون أنّ الشيعة مذهبهم

____________

(1) الكامل في التاريخ: 9/ 575 و 591- 593، 12/ 424، البداية و النهاية: 12/ 79 و 81.

(2) لم نعثر عليه.

(3) الكامل في التاريخ: 8/ 517، البداية و النهاية: 11/ 261.

38

..........

____________

التقية، و يشنّعون هذا عليهم على حدة، و ينسبونهم إلى ترك الواجبات و فعل المحرّمات من جهة التقيّة التي لا تصير عذرا عندهم، فلو كان تركهم الجمعة للتقيّة لكانوا يشنّعون عليهم بما كانوا يشنّعون عليهم من أنّهم يتركون الفريضة من جهة التقيّة التي ليست بعذر، لا أنّهم لا يقولون بل و يحرّمون.

و ينادي إلى ذلك أنّ علماء الشيعة في الأزمنة مع كونهم في غاية الاهتمام في دفع المطاعن عن الشيعة، ما دفعوا عنهم بأنّهم كانوا يتركون الجمعة تقيّة، و بأنّهم كانوا يصلّونها، كما كان عادتهم الذبّ عنهم في موضع التقية بأنّهم يتّقون، و كانوا يشرعون في تصحيح التقيّة و مشروعيّتها، و يصرّون و يبالغون في ذلك.

و في المقام الذي كانوا يكذبون على الشيعة، كان علماؤنا يبالغون في تكذيبهم و إنكارهم ذلك، و ما كانوا يتّقون في أمثال المقامات، كما أنّهم كانوا يظهرون بطلان مذهب أهل السنّة و إظهار نفاق الخلفاء الثلاثة و كفرهم و مطاعنهم، و تشييد مذهب الشيعة، و أنّهم هم الناجون، إلى غير ذلك.

و مع ذلك في مقام دفع الطعن بترك الجمعة اتّفقوا على القبول و تصديقهم، و أنّه ليس من جهة التقيّة، بل من جهة أنّ الجمعة منصب الإمام (عليه السلام)، مع أنّه لا يناسب أن يقال: إنّ تركهم للتقيّة، مع أنّهم كانوا يرتكبون السبّ و أمثاله، إلى أن ظهر عليهم و على نسائهم و أطفالهم.

مع أنّ معظم العامّة لا يقولون باشتراط إذن السلطان، كالمالكيّة و الشافعيّة و الحنابلة (1)، فكيف كانوا في أمثال السبّ ما كانوا يتّقون؟ و في هذا الذي معظم العامّة يقولون بجوازه و صحّته كانوا يتّقون.

و ظهر ممّا ذكر أنّه يمكن أن يكون ما تضمّن وجوب الجمعة من دون اشتراط

____________

(1) المجموع للنووي: 4/ 583.

39

..........

____________

إذن الإمام محمولا على التقيّة بأنّهم (عليهم السلام) كانوا يتّقون من هؤلاء.

مضافا إلى ما ورد منهم من الأمر بالأخذ بما اشتهر بين الأصحاب، و الأمر بترك ما خالف السنّة و طريقة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) (1)، و قد عرفت طريقته (صلّى اللّه عليه و آله) و طريقة الإمامين (عليهما السلام)، و كذلك الأوامر الدالّة على متابعة العقل.

و منه قوله (عليه السلام): «عليكم بالدرايات دون الروايات» (2)، إلى غير ذلك.

مع أنّ القول باستحباب الجمعة من خصائص الشيعة، بل هو المشتهر بينهم (3).

و الأخبار الدالّة عليه كثيرة صحيحة السند، مضافا إلى معاضدة الشهرة و غيرها: منه أنّه ليس قول أحد من أهل السنّة، و تضمّن بعضها حكاية حليّة المتعة (4).

فما دلّ على الاستحباب أو ظاهر فيه مخالف لمذاهب العامّة بأجمعهم، فتعيّن أن يكون هو الحقّ و الرشد، للأخبار المتواترة في الأمر بالأخذ بما خالف العامّة و أنّه الرشد و الحقّ (5)، مضافا إلى الشهرة العظيمة.

و أمّا موافقتهم مع القائلين بالحرمة في الترك، فلأنّ الظهر كانت عندهم

____________

(1) الكافي: 1/ 67 الحديث 10، من لا يحضره الفقيه: 3/ 5 الحديث 18، تهذيب الأحكام: 6/ 301 الحديث 845، الاحتجاج: 2/ 355 و 356، وسائل الشيعة: 27/ 106 الحديث 33334.

(2) بحار الأنوار: 2/ 160 الحديث 12 مع اختلاف يسير.

(3) شرائع الإسلام: 1/ 98، تذكرة الفقهاء: 4/ 27 المسألة 389، ذكرى الشيعة: 4/ 105.

(4) مصباح المتهجد: 364، الوافي: 8/ 1115 ذيل الحديث 7855، وسائل الشيعة: 21/ 14 الحديث 26394.

(5) الكافي: 1/ 8 و 68/ 10، من لا يحضره الفقيه: 3/ 5 الحديث 2، عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 1/ 249 الحديث 10، تهذيب الأحكام: 6/ 294 الحديث 820 و 301 الحديث 845، الاحتجاج: 356.

وسائل الشيعة: 27/ 106 الحديث 33334، بحار الأنوار: 2/ 235 الحديث 17- 20.

40

..........

____________

مبرئة للذمّة على سبيل اليقين (1)، كما هو يقين أنّها كانت كذلك عندهم، و أمّا الجمعة، فلم تكن مبرئة على اليقين، بل على الظنّ لظهور الرخصة و الاستحباب من أخبار الآحاد (2).

و لذا من أنكر حجيّة خبر الواحد لم يقل بالاستحباب، بل و صرّح بعضهم بذلك (3)، بل لا شكّ في أنّ الأمر كان كذلك، و أنّ من يقول بالاستحباب كان يقول بأنّه يظهر من الأخبار كذا و كذا، فإنّ الصدوق و الشيخين و من تابعهم كانوا يقولون بحجيّة خبر الواحد (4)، فمن ثمّ قالوا بالاستحباب.

و لا شكّ في أنّهم في مقام تحصيل البراءة عن شغل الذمّة اليقيني كانوا يقدّمون اليقين على الظنّ، كما هو شأن غيرهم من الفقهاء، و هو الحقّ عقلا و نقلا، مثل قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (5) و غير ذلك، و مسلّم عند الفقهاء، مع أنّ تيسّر اليقين لا يجوز العمل بالظنّ إلّا في موضع تحصيل اليقين من الشرع بالاكتفاء بالظنّ.

و مع ذلك الأولى عندهم في ذلك الموضع أيضا العمل باليقين، كما حقّق و أشرنا مكرّرا، فعلى هذا لم يكن لهم الداعي إلى الاجتماع و إتيان الجمعة مع شرائطها الكثيرة التي لا بدّ من معرفتها و تحصيلها مع كثرتها، و ربّما يصعب تحصيل بعضها.

مع أنّ العدول عنها إلى الظهر كان أحسن عندهم لو لم يكن لازما، سيّما في

____________

(1) السرائر: 1/ 303، الحدائق الناضرة: 9/ 436.

(2) انظر! وسائل الشيعة: 7/ 309 الباب 5 من أبواب صلاة الجمعة و آدابها.

(3) رسائل الشريف المرتضى: 1/ 272، السرائر: 1/ 303، منتهى المطلب: 5/ 460.

(4) من لا يحضره الفقيه: 1/ 3، مصنّفات الشيخ المفيد (أوائل المقالات): 4/ 122، الاستبصار: 1/ 4.

(5) وسائل الشيعة: 27/ 167 الحديث 33506.

41

..........

____________

دولة المخالفين.

و ممّا يؤيّد ما ذكرناه أنّ في كلام القدماء: أنّ الجمعة مع الإمام واجبة (1).

و قلنا: إنّ المتبادر من لفظ «الإمام» هو الأولى بالتصرّف، كما قال عزّ و جلّ:

وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً (2) الآية، و كذا غيره من الآيات (3)، و الأخبار المتواترة الظاهرة (4)، مضافا إلى التبادر و أنّ الإطلاق ينصرف إلى الكامل، و غير ذلك ممّا مرّ.

و العامّة نقلوا عن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله): «من ترك الجمعة و له إمام عادل أو جائر» (5)، حيث ذكروا «جائر»، و لم يذكروا فاجر و فاسق، فظهر أنّ الإمام كان مطلقا منصرفا إلى ما ذكرناه.

و الشيعة نقلوا ذلك الحديث هكذا: و له إمام عادل (6).

و يظهر من الفقهاء أنّ الإمام العادل كان اصطلاحا فيما ذكرنا.

و يظهر ذلك من الأخبار مثل ما رواه في «التهذيب»، عن الباقر (عليه السلام) فيمن قتل ناصبيّا غضبا للّه تعالى أنّه قال: «أمّا هؤلاء فيقتلونه، و لو رفع إلى إمام عادل لم يقتله» (7).

و في «الكافي» و «الفقيه»، عن الصادق (عليه السلام) في امرأة قتلت من قصدها

____________

(1) المقنعة: 163، رسائل الشريف المرتضى: 3/ 41، الخلاف: 1/ 626 المسألة 397، المراسم: 77.

(2) القصص (28): 5.

(3) البقرة (2): 124، الإسراء (17): 71، الأنبياء (21): 73.

(4) مناقب ابن المغازلي: 114، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 6/ 167 و 168، الأربعين للفخر الرازي: 2/ 294، لاحظ! الغدير: 1/ 159- 163.

(5) سنن ابن ماجة: 1/ 343 الحديث 1081.

(6) رسالة في صلاة الجمعة للشهيد الثاني: 61، الوافي: 8/ 1124 ذيل الحديث 7874.

(7) تهذيب الأحكام: 10/ 213 الحديث 843، وسائل الشيعة: 29/ 132 الحديث 35323.

42

..........

____________

بحرام أنّه: «ليس عليها شيء، و إن قدمت إلى إمام عادل أهدر دمه» (1).

و في «الكافي»- في باب التحديد- عن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «ساعة إمام عادل أفضل من عبادة سبعين سنة، و حدّ يقام في أرضه أفضل من مطر أربعين صباحا» (2).

و في «الكافي» أنّه ذكر عن الصادق (عليه السلام): «لا غزو إلّا مع إمام عادل» (3).

و في «التهذيب»- في باب قتال أهل البغي- عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال:

«إن خرجوا على إمام عادل [أو جماعة] فقاتلوهم، و إن خرجوا على إمام جائر فلا تقاتلوهم» (4).

و فيه أيضا الإشعار الذي ذكرنا عن رواية العامّة.

و في «التهذيب» أيضا- في باب حدّ السرقة- عن الصادق (عليه السلام): «إذا سرق السارق من البيدر من إمام جائر فلا قطع عليه، فإذا كان مع إمام عادل عليه القطع» (5).

و في «الكافي»- في باب أنّ الأرض لا تخلو عن حجة- عن الصادق (عليه السلام):

«إنّ اللّه أعزّ و أجلّ أن يترك الأرض بغير إمام عادل» (6).

و في «المحاسن»، عن الباقر (عليه السلام): «من دان اللّه بعبادة يجهد فيها نفسه بلا إمام

____________

(1) الكافي: 7/ 291 الحديث 2، من لا يحضره الفقيه: 4/ 75 الحديث 232، وسائل الشيعة: 29/ 61 الحديث 35154 مع اختلاف يسير.

(2) الكافي: 7/ 175 الحديث 8، وسائل الشيعة: 28/ 12 الحديث 34096 مع اختلاف يسير.

(3) في الكافي: 5/ 20 الحديث 1، الكلام ليس عن الصادق (عليه السلام)، و هو في تحف العقول: 175، بحار الأنوار:

74/ 274 الحديث 1، 416 الحديث 38 من وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) لكميل بن زياد.

(4) تهذيب الأحكام: 6/ 145 الحديث 252، وسائل الشيعة: 15/ 80 الحديث 20025.

(5) تهذيب الأحكام: 10/ 128 الحديث 510، وسائل الشيعة: 28/ 289 الحديث 34791 مع اختلاف يسير.

(6) الكافي: 1/ 178 الحديث 6 مع اختلاف يسير.

43

..........

____________

عادل فهو غير مقبول» (1).

و في ثواب زيارة الحسين (عليه السلام): «من أتى الحسين (عليه السلام) عارفا بحقّه». إلى قوله: «عشرين حجّة و عمرة مع نبي مرسل أو إمام عادل» (2).

و في الاعتكاف عن الصادق (عليه السلام): «لا اعتكاف إلّا في مسجد جماعة صلّى فيه إمام عادل» (3)، إلى غير ذلك.

و أمّا كلام المتقدّمين و المتأخّرين من الفقهاء، فأكثر من أن يذكر، انظر إلى كتاب الجهاد و غيره، منها ما مرّ في الجمعة.

فإن قلت: القرائن المانعة عن الحمل على إمام الجماعة موجودة في كثير ممّا ذكرت، بل أكثر.

قلت: نعم و الغرض إظهار الاستعمال و نهاية كثرته، بل أكثر استعمالا بالنسبة إلى إمام الجماعة بمراتب شتّى.

و مع ذلك يدّعي الموجبون تبادر إمام الجماعة من جهة كثرة الاستعمال فيه، و معلوم أنّ ذلك الاستعمال أيضا بمعونة القرينة، و إلّا فمن أين يعرفون أنّ المراد إمام الجماعة؟! بل في مقام صلاة الجمعة لا شكّ في أنّ المراد إمام الجمعة لا إمام الجماعة جزما، و كونه إمام الجماعة و اتّحاده معه من أين؟! بل المستفاد من الأخبار و فتاوى الأصحاب و الأدلّة العقليّة و الشواهد و القرائن و المؤيّدات المغايرة قطعا، كما لا يخفى.

____________

(1) المحاسن: 1/ 176 الحديث 274، وسائل الشيعة: 1/ 118 الحديث 297 مع اختلاف يسير.

(2) كامل الزيارات: 316 الحديث 536، وسائل الشيعة: 14/ 459 الحديث 19597 مع اختلاف يسير.

(3) الكافي: 4/ 176 الحديث 1، من لا يحضره الفقيه: 2/ 120 الحديث 519، تهذيب الأحكام: 4/ 290 الحديث 882، وسائل الشيعة: 10/ 540 الحديث 14069.

44

فلا بدّ من التنبيه على فهرست ما يوقع المغرور في القول بالوجوب العيني

____________

من جهة الغفلة و القصور، كيلا يقع فيه بسبب عدم الاطّلاع، أو عدم الشعور.

الأوّل: احتجّ القائلون به بالآية و الأخبار (1)، فيتوهّم المغرور أنّ أحدا أنكر عينيّة وجوب الجمعة.

و قد عرفت أنّها بديهي الدين يقطع كلّ أحد بأنّ الأمين نزل بها من عند ربّ العالمين، كما هو مدلول القرآن و الأخبار المتواترة، و محلّ النزاع أمر آخر، و هو أنّ هذه الجمعة ما هي على قول؟ أو أنّ من شرائطها الإمام (عليه السلام) أو من نصبه أم لا؟

على قول آخر.

و بديهي أنّ محلّ النزاع غير محلّ الإجماع، لأنّ محلّ الإجماع حكم صلاة الجمعة، و هو الوجوب العيني، و محلّ النزاع معنى صلاة الجمعة أو زيادة شرط في شرائطها، فما هو مضمون أدلّتهم لا نزاع فيه، و ما هو محلّ النزاع لا يأتون بدليل له، و ربّما يشيرون بإشارة إجماليّة فاسدة، كما عرفت و ستعرف.

الثاني: يقولون: إنّ المحرّمين يحرّمون صلاة الجمعة، و حاشاهم عن ذلك،

بل و يقولون: صلاة الجمعة من الواجبات العينيّة ليس إلّا.

و أمّا ما يقولون بحرمته فليس إلّا ما أطلق عليه خصمهم لفظ صلاة الجمعة حقيقة، و أمّا هؤلاء فإن كان يطلقون فعلى سبيل التوسّع، كما يطلقون لفظ الأمر على الأمر التهديدي، و يقولون: هذا الأمر أمر حرمة، و إن كان الأمر عندهم حقيقة في الوجوب، أو يطلقون على حسب اصطلاح هذه الأزمنة، كما ستعرف.

و إنّما قلنا: يقولون بعينيّة وجوبها ليس إلّا، لأنّ ابن البراج قال: فهذه الشروط إذا اجتمعت يثبت كون هذه الصلاة فريضة جمعة، و إن لم تجتمع لم يثبت

____________

(1) رسائل الشهيد: 51- 58، ذخيرة المعاد: 298، لاحظ! الحدائق الناضرة: 9/ 398 و 408.

45

..........

____________

كونها كذلك (1).

و مثل هذا كلام السيّد بأنّ الجمعة حقيقة ما يكون مع مجموع الشرائط (2).

و قال الفاضل التوني مولانا عبد اللّه في رسالته: إنّ صلاة الجمعة ما تصلّي خلف الإمام (عليه السلام) أو نائبه. إلى أن قال: و الحقّ أنّ صلاة الجمعة عبارة عن تلك (3)، إلى غير ذلك.

مع أنّ المحقّق الثابت أنّ ألفاظ العبادات أسام للصحيحة، للتبادر و عدم صحّة السلب، و لعدم التبادر و صحّة السلب بالنسبة إلى فاقد الشرائط، و غير ذلك من الأدلّة، و لعلّه المشهور عند القدماء، و معظم (4) المتأخّرين، فصلاة الجمعة الباطلة لا تكون صلاة جمعة، بل تكون غير صلاة الجمعة، فالحرام غير صلاة الجمعة.

و كذلك يقولون: إنّ المخيّر يقول: إنّ صلاة الجمعة واجبة تخييرا، فيشمئزّ منه المغرور، بأنّ الفرض العيني القرآني و الأخباري و الإجماعي، كيف يكون تخييريّا؟

لأنّ الشرائط إن كانت موجودة، فالوجوب العيني ليس إلّا، و إلّا فحرام ليس إلّا، و لا يدري المغرور أنّ المخيّر قائل بما هو بديهي الدين و ما يظهر من القرآن و الأخبار، و أنّ التخييري غيره قطعا عنده، لأنّه مستحبّ، و بديهي أنّ المستحبّ مغاير للواجب، و إنّما يطلق عليه لفظ الوجوب التخييري، من جهة أنّ بفعل هذا المستحبّ يسقط هذا الواجب عنه، فتخيّر بين فعله و إسقاط الواجب عنه، أو تركه و الإتيان بالواجب.

____________

(1) المهذّب: 1/ 100.

(2) رسائل الشريف المرتضى: 1/ 272.

(3) رسالة نفي الوجوب العيني لصلاة الجمعة في زمن الغيبة: 10 (مخطوط).

(4) في (ز 2) و (ط): بعض.

46

..........

____________

ألا ترى أنّ صلاة العيد من الواجبات العينيّة قطعا، إلّا أنّ لها شرائط، فبعد انتفاء بعض الشرائط ينتفي ذلك الواجب، إلّا أنّه يستحبّ الإتيان بها بفرادى أو جماعة، و معلوم أنّ صلاة الفرادى مثلا أمر آخر جزما.

و أيضا عرفت أنّ المطلق ينصرف إلى الكامل، و لذا يستدلّ هؤلاء بمطلق الوجوب على عينيّته، و معلوم أنّ صلاة الجمعة أيضا مطلقها ينصرف إلى الكامل التي هي الواجب عينا.

و ممّا يشير إلى أنّ هذا المستحبّ أمر على حدة، أنّهم ما يعتبرون باقي الشرائط، و إن تيسّر مثل الإمام، و العدد، و الفاصلة بثلاثة أميال، إمّا كلّهم ما يعتبرون، أو بعضهم و الباقي لا يستنكف و لا يتعجّب، حتّى أنّ في الجمعة المستحبّة أيضا، قال بعض الأصحاب بعدم وجوب الفاصلة بثلاثة أميال بين متعدّدها (1).

و قال الشيخ مفلح الصيمري في شرح قول المحقّق: إذا لم يكن الإمام أو من نصبه، و أمكن الاجتماع استحبّ فعل الجمعة، قال: هذا مذهب الشيخ و العلّامة و الشهيد، لعموم قوله تعالى و لروايات لهم على الاستحباب. و المنع مذهب ابن إدريس و السيّد، لأنّ شرط الجمعة الإمام أو من نصبه، و لأنّ الظهر ثابتة في الذمّة بيقين، فلا يخرج عن العهدة إلّا بفعلها، و أخبار الآحاد المظنونة لا يجوز التعويل عليها.

ثمّ قال: على القول بانعقادها حال الغيبة يجوز إيقاع جمعتين بينهما أقلّ من فرسخ، قاله أبو العبّاس في موجزه، و قال: الأقوى عدم الجواز (2)، انتهى.

ألا ترى أنّ واحدا منهم يجوّز عدم الفاصلة، و غير المجوّز يقول: الأقوى

____________

(1) انظر! مفتاح الكرامة: 3/ 130، جواهر الكلام: 11/ 246.

(2) غاية المرام في شرح شرائع الإسلام: 1/ 175 و 176.

47

..........

____________

عدم الجواز، لا أنّه كذلك قطعا.

ثمّ أطال الكلام في أنّه على القول باستحباب الجمعة، هل يفعل بنيّة الاستحباب أو الوجوب؟ و إن فعل بنيّة الاستحباب، هل تبرئ الذمّة أم لا؟

و أطال الكلام في ذلك.

الثالث: إنّ القائلين بالوجوب استدلّوا بإطلاق الآية و الأخبار،

فالمغرور يتوهّم أنّ هذا الاستدلال نافع بأنّ الخصم منحصر في منكر الإطلاق.

و قد عرفت فساده، لأنّ جمعا منهم صرّح بأنّ الجمعة حقيقة فيما فعل مع الإمام أو نائبه مع باقي الشرائط ليس إلّا.

فكيف يمكن أن يقال: إطلاق الآية و الأخبار حجّة عليهم؟ مع أنّهم يقولون بإطلاقها و عمومها قطعا، و لا يجوّزون التخصيص و التقييد أصلا و رأسا، و كذا الكلام بالنسبة إلى من قال: الجمعة اسم للصحيحة فقط.

و لا شكّ في أنّ الجمعة المستجمعة لجميع شرائطها واجبة عينا، إنّما النزاع في أنّها ما هي؟ فما أشاروا إلى بطلان مذهبهم أصلا.

لا يقال: لمّا تحقّق عندهم أنّ الجمعة اسم لمجرّد الأركان، استدلّوا كذلك.

لأنّا نقول: إنّهم يعرفون أنّ جمعا من الفقهاء يعتقدون أنّه اسم للمستجمعة لجميع الشرائط، كما هو حال في سائر ألفاظ العبادات.

فلعلّ المحرّم و المخيّر يقولون كذلك، بل عرفت أنّ المحرّمين صرّحوا بذلك، و عرفت الحال في المخيّرين أيضا.

فاللازم على المستدلّ إبطال هذا المعنى خاصّة، لا إثبات وجوب الجمعة مع كونه مسلّما، بل ضروري الدين، فكيف يطوّلون في الكلام بما لا طائل تحته أصلا و يسكتون بالمرّة عمّا هو نزاع الخصم؟ فهل هذا إلّا الخلط بين المقامين؟! فإن قلت: لعلّ مرادهم الردّ على المخيّرين فقط من حيث إنّ هذه الجمعة

48

..........

____________

صحيحة عندهم جزما، فتكون داخلة في الآية و الأخبار عندهم قطعا.

قلت: فكيف يقولون: أثبتنا الوجوب العيني؟ و يصرّون في ذلك، و يشنّعون على المتأمّل، بل و تشنيعهم على المحرّمين أزيد و أزيد (1).

و مع ذلك نقول: هذه الجمعة ليست داخلة فيها عندهم قطعا، كما عرفت.

و عرفت أنّ الوجوب العيني للجمعة من ضروريّات الدين عندهم أيضا، و أنّها كانت كذلك في زمان الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و علي و الحسن (عليهما السلام)، و كذا إلى يوم القيامة إذا حصل الإمام (عليه السلام) أو من ينصبه.

و كانوا يجزمون أنّ هذا الضروري لا مانع من ورودها في الآية و الأخبار، بل لا تأمّل في ورودها، بل اعترفوا به، فإذا كانت داخلة فكيف يمكنهم التأمّل؟! إذ ما كانوا بمجانين- العياذ باللّه منه- إذ عرفت أنّ لفظ الوجوب حقيقة في الأعم من العيني قطعا، و البناء على الانصراف إلى العيني خاصّة ليس إلّا من جهة انصراف الإطلاق إليه، و هذا يستلزم أن يكون لفظ صلاة الجمعة كذلك أيضا، إذ لا شكّ في أنّ الكاملة منها هي الواجبة عينا، مع أنّها الأصل، كما أنّ الكامل من الوجوب أيضا كذلك، فبمجرّد كون المستحبّة و الواجبة تخييرا من أفراد الجمعة حقيقة لا يستلزم انصراف الإطلاقات إليها أيضا.

فعلى هذا فكيف تصير الأخبار و الآية ردّا عليهم؟ إلّا أن يكونوا يقولون:

هذه الفرائض الواردة في الآية و الأخبار هي عين المستحبّة.

و فيه ما فيه، و لا شكّ في أنّهم قالوا بثبوت المستحبّة من حديث «أحبّ»، و «حثّ»، و أمثالهما (2)، و لذا قال السيّد و ابن إدريس: إنّه أخبار آحاد (3)، و إلّا

____________

(1) رسالة في صلاة الجمعة للشهيد الثاني: 93، ذخيرة المعاد: 308، لاحظ! الحدائق الناضرة: 9/ 408.

(2) وسائل الشيعة: 7/ 309 و 310 الحديث 9433 و 9434، 21/ 14 الحديث 26394.

(3) رسائل الشريف المرتضى: 1/ 21 و 22، الذريعة إلى اصول الشريعة: 2/ 517، السرائر: 1/ 303.

49

..........

____________

فالقرآن عندهما من القطعيّات، و كذلك الأخبار المتواترة.

الرابع: على تقدير تسليم كون الجمعة مجرّد الأركان،

و مرادهم الردّ على المحرّم و المخيّر جميعا أو اسما للصحيحة، و مرادهم الردّ على المخيّر خاصّة.

نقول: الإطلاق يستعمل على ثلاث صور:

الأولى: أن يراد نفس وجوب الجمعة من غير مدخليّة الأفراد و الشرائط، مثل ما نقول: إنّ الجهاد من الواجبات الفروعيّة، و هذا هو الأصل في مثل هذه الاستعمالات، لأنّ الأصل عدم التقدير.

الثانية: أنّ المراد أنّها واجبة بشرط تحقّق شروطها بعنوان الإجمال من دون تفصيل و تعيين في الشروط، و هذا أيضا لا بأس به، لأنّ كون الجمعة مشروطة بشروط من جملة ضروريّات الدين، فلا مانع من إرادته من دون إظهار بلفظ- لأنّ الضروري من جهة حضوره في الأذهان ربّما لا يحتاج إلى ذكره- فالمراد حينئذ أنّها واجبة بعد تحقّق شرائطها بعنوان الإجمال.

و هذه كالصورة الاولى لا ينفع للمستدلّ أصلا، لأنّهما لا يزيدان على ما هو ضروري الدين أصلا و رأسا، إذ ضروري نفس وجوب الجمعة، كما عرفت، و كذا عند استجماع جميع ما هو شرط من دون تعيين و تفصيل.

الثالثة: أن يكون المراد طلب إيجاد الجمعة بشرائطها المفصّلة، و قد عرفت سابقا أنّها ليست مرادة بالضرورة، من جهة التقيّة و من جهة عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة.

مضافا إلى القطع بفساد دعوى تحقّق البيان التفصيلي بأنّ كذا و كذا شرط خاصّة، فعدم ذكر شرط في هذا المقام لا يدلّ على عدم اشتراطه بالضرورة، و جعل الوقت الأخير- غير وقت الخطاب- وقت حاجته و أنّه وصل إليه الشرائط

50

..........

____________

الوفاقيّة خاصّة دون الخلافيّة ليس إلّا من باب الرجم بالغيب، إذ لم يوجد في الأخبار منه عين و لا أثر، بل أيّ فرق بين ذلك، و بين أن يقول: وقت الخطاب ذكر له الشرائط الوفاقيّة دون الخلاقيّة، و إن لم نجد هناك ممّا ذكر عينا و لا أثرا؟

و كون بعض الشرائط وصل إلى بعض الرواة، و بعض إلى بعض آخر، و هكذا لا يسمن و لا يغني من جوع، بل القطع حاصل بأنّ مجموع زمان الأئمّة (عليهم السلام) ما كان يمكن تحقّق مصداق تلك الروايات.

و بالجملة، الصور الثلاثة صار منشأ للخلط و الخبط على المغرور.

الخامس (1): كما أنّ أخبار الجمعة مطلقة، و كذلك أخبار الظهر أيضا مطلقة،

مثل ما روى في «الكافي»- في باب التفويض- عن الصادق (عليه السلام): «إنّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) زاد ركعتين في الظهر و العصر و العشاء فلا يجوز تركهنّ إلّا في سفر، و لم يرخّص رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لأحد تقصير الركعتين اللتين ضمّهما [إلى ما فرض اللّه عزّ و جلّ]، بل ألزمهم إلزاما واجبا لم يرخّص لأحد في شيء من ذلك إلّا للمسافر» (2)، و أمثال هذه الروايات متواترة، بل ربّما كانت أقوى دلالة.

مع أنّ الإطلاق كيف لا يكون مؤثّرا في أخبار الظهر أصلا؟ مع أنّهم يقولون: وجوب الجمعة مشروط بشرائط زائدة على شرائط الظهر، و لا يقولون في الظهر ذلك.

و معلوم أنّ الأمر كذلك، فمع ذلك لعلّ إطلاق الظهر يصير أقوى لأنّه يصير أصلا بالنسبة إلى الجمعة.

سلّمنا التساوي، فالترجيح من أين؟ سلّمنا الترجيح، لكنّهم لم يتعرّضوا

____________

(1) أي: الخامس ممّا يوقع المغرور في الغلط.

(2) الكافي: 1/ 266 الحديث 4، وسائل الشيعة: 4/ 45 الحديث 4474 مع اختلاف يسير.

51

..........

____________

لذلك أصلا، فكيف يقولون: ثبت الوجوب العيني ممّا لا مزيد؟! مع أنّه لم نر ثبوتا بعد أصلا، فالمغرور يتوهّم أنّ الإطلاق منحصر في الجمعة.

السادس: إنّ التمسّك بالإطلاق فرع معرفة معناه قطعا،

و معناه لم يعلم بعد أصلا، و إن كنّا نعرف إطلاقنا و معناه، فإنّ إطلاقنا لم يعلم بعد أنّه إطلاق المعصوم (عليه السلام) بعينه، و هو ليس من الامور البيّنة و لا المبيّنة و لا المسلّمة، مع أنّ المسلّمة لا تنفع إلّا في مقام الجدل، فلا يناسب الفقيه.

و معلوم- يقينا- أنّ الحجّة إنّما هي إطلاق المعصوم (عليه السلام) خاصّة، و لمّا يرى المغرور أنّ في بعض المقامات نجعل إطلاقنا إطلاق المعصوم (عليه السلام) يتوهّم أنّ المدار على ذلك، و لا يعلم أنّه ليس كذلك قطعا، إذ لو كان كذلك لما وقع النزاع العظيم في أنّ الحقيقة الشرعيّة ثابتة أم لا؟ و النزاع في أنّ عرفنا العام مقدّم على اللغة أم لا؟

و لم يقع الوفاق في أنّ عرفنا الخاص لا عبرة به شرعا يقينا، مثل الرطل و غيره، إلى غير ذلك، مع أنّ كون إطلاقنا إطلاق الشارع جزما غلط جزما.

و في الموضع الذي يجعل إطلاقنا إطلاقه إنّما هو من دليل، و لا يتمشّى ذلك الدليل في أمثال المقام قطعا، لأنّه ليس إلّا أصالة عدم التغيير و التعدّد، و فيما نحن فيه تحقّق التغيّر و التعدّد جزما، لأنّ عرف اللغوي غير عرف المتشرّعة جزما.

و القرينة الصارفة عن اللغوي لا تغني للزوم تحقّق المعيّنة أيضا، و لم يوجد عند المستدلّين أصلا، لأنّهم لا يعتبرون مجرّد الصارفة، و من يعتبره لا بدّ أن يكون له دليل شرعي، و على تقدير تماميّته، فإنّما هو في المقام الذي علمنا أنّ الشارع استعمل فيه كثيرا إلى حدّ توهّم القائل بثبوت الحقيقة الشرعيّة صيرورته حقيقة فيه، و تحقّق ذلك في المقام غير معلوم، لأنّه إنّما يتمّ في موضع يكون عند جميع

52

..........

____________

المتشرّعة حقيقة، و لم يعلم أنّ المقام كذلك، لما عرفت من أنّ جمعا من المتشرّعة يقولون: ليس ذلك صلاة الجمعة أصلا، بل فعل آخر مغاير لصلاة الجمعة.

و جماعة آخرون يقولون: إنّ الجمعة اسم لمستجمعة لجميع شرائط الصحّة ليس إلّا (1).

مضافا إلى أنّ إطلاقنا ليس أزيد من استعمال، و الاستعمال أعم من الحقيقة فالمغرور الذي لا اطّلاع له بالفقه، يتوهّم أنّ كلّ إطلاق يكون إنّما هو عين إطلاق المعصوم (عليه السلام)، و قد عرفت فساده، و ليس غروره في هذا السادس من جهة، بل من جهات.

السابع: أنّهم يستدلّون بأنّها واجبة على جميع المكلّفين (2)،

و أنّ الأخبار عامة في ذلك، فيتوهّم المغرور أنّ أحدا أنكر ذلك، و ليس كذلك بالبديهة، فإنّ المحرّم و المخيّر يقولان أيضا: إنّ وجوبها العيني على المكلّفين و لا يخصّصانه بصنف منهم.

نعم، يقولان: وجوبها مشروط بشروط، كما أنّ المستدلّ أيضا يقول كذلك.

غاية ما في الباب أنّهما يزيدان شرطا آخر، و هذا لا يمنع شمول جميع المكلّفين، إذ هي واجبة على كلّ واحد واحد منهم، و لكن ذلك الواجب له شروط، و بين المقامين فرق واضح.

ألا ترى أنّ المستدلّ مع قوله بالعموم و شمول جميع المكلّفين، يقول بأنّ لها شروطا كثيرة، فكيف لا يصير ذلك منشأ لعدم العموم و الشمول؟! و بمجرّد أن يقول الخصم لها شرط واحد آخر، تخرج الأخبار من الشمول إلى عدم الشمول.

____________

(1) انظر! المهذّب: 1/ 100.

(2) رسائل الشهيد: 51، ذخيرة المعاد: 308، لاحظ! الحدائق الناضرة: 9/ 408.

53

..........

____________

ففي المقام لا بدّ من نفي الشرط فقط، لأنّه محلّ النزاع فقط، لا أن يثبت العموم، لما عرفت من عدم تأمّل أحد في العموم.

الثامن: إنّهم حين الاستدلال يقولون: وجوبها باق إلى يوم القيامة،

و أمثال هذه العبارات، فيتوهّم المغرور أنّ أحدا قال بأنّه منسوخ في زمان الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، أو بعده، حاشاهم عن ذلك، للقطع بقولهم بالبقاء إلى يوم القيامة.

نعم بشروط و بانتفاء الشروط لا يجوز فعلها، و هذا من المسلّمات، إنّما النزاع في شرط زائد ليس إلّا.

فمنهم من يقول باختلاله لا يجوز فعلها (1)، و منهم من يقول: يستحبّ فعلها (2)، فلا معنى لنسبتهم إلى القول بعدم البقاء.

ألا ترى أنّ المستدلّ أيضا يقول بعدم وجوبها على من اختلّ شرط من الشرائط بالنسبة إليه، و هذا لا يقتضي قوله بالنسخ حينئذ.

التاسع: إنّ بعض المستدلّين حين ما يعترض عليهم في استدلالهم بالآية و الأخبار،

بأنّها دالة على ما لا نزاع لأحد فيه، و هو القدر الضروري، و أنّ الكلّ قائلون بإطلاق الآية و الأخبار، و الكلّ قائلون بشمولها لجميع المكلّفين و بعدم النسخ- على حسب ما قرّرنا- إلّا أنّهم يقولون بزيادة شرط واحد، و هذا هو محلّ نزاعهم لا غير، يجيبون بأنّ الأصل عدم زيادة شرط زائد، و لا يتفطّن أنّ الدليل على ذلك ليس سوى هذا الأصل، فالإتيان بالآية و الأخبار و التطويل فيها من أيّ جهة؟! فإنّ الكلّ يقولون بالوجوب العيني على النحو الذي قرّرنا، فكان يكفي أن يقولوا: الأصل عدم زيادة الشرط، و به يتمّ مطلوبكم لو تمّ من دون حاجة أصلا

____________

(1) رسائل الشريف المرتضى: 1/ 272، السرائر: 1/ 303.

(2) المعتبر: 2/ 297، روض الجنان: 290.

54

..........

____________

إلى التمسّك بآية أو خبر.

فالمغرور يتوهّم الحاجة أو اطمئنانه من جهة الآية التي هي قول اللّه تعالى، و الأخبار المتواترة، حتّى أنّ منهم من يقول: كما أنّ خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) ثبت من التواتر بعنوان اليقين، كذلك وجوب صلاة الجمعة.

و المغرور المسكين لا يتفطّن أنّ الأمر اليقيني حقّ البتة، و هو الضروري، لا ينكره أحد من المسلمين، و أنّ منكره كافر بلا شبهة.

و أنّ ما قال ليس إلّا خبط النزاعي بالإجماعي، و خلط النظري بالضروري و اشتباه الظنّي باليقيني، لأنّ أصل دليل الموجبين عينا ليس سوى الأصل المذكور السخيف المردود، لما ستعرف.

العاشر: إنّ أصل العدم الذي ذكر لا خصوصيّة بالجمعة،

بل يجري أيضا في الظهر جزما، فكيف في الجمعة يؤثّر و في الظهر لا يؤثّر؟! مع أنّ الظهر هو الأصل بالنسبة إلى الجمعة- على حسب ما عرفت و ستعرف- فيكون تأثيره فيه أولى، على قياس ما قلنا في الإطلاق.

الحادي عشر: إنّ الأصل المذكور من أين ثبت كونه حجّة؟

حتّى صدر منكم ما صدر من الحكم الثابت الجازم المخالف لفتاوى القدماء و المتأخّرين و الأدلّة العقليّة و النقليّة الكثيرة التي مرّت و سيجيء.

مع أنّ الأصل ليس إلّا استصحاب العدم الأصلي، و الاستصحاب ليس حجّة عند المستدلّين (1).

بل و ربّما يصرّحون بعدم جواز ابتناء الأحكام الشرعيّة على هذه الاصول السخيفة، فالمغرور يتوهّم أنّ أصل العدم من الحجج الشرعيّة و أنّه غير

____________

(1) ذخيرة المعاد: 309، الدر النجفيّة: 36- 40، لاحظ! الحدائق الناضرة: 1/ 52.