مصابيح الظلام - ج3

- الوحيد البهبهاني المزيد...
550 /
5

[تتمة فن العبادات و السياسات]

[تتمة كتاب مفاتيح الصلاة]

[تتمة الباب الأول في شرائط و أعداد ركعاتها و بعض الآداب]

[تتمة القول في النوافل]

35- مفتاح [صلاة الاستسقاء]

يستحبّ صلاة الاستسقاء عند عوز الأنهار (1) و فتور الأمطار، للإجماع و التأسّي و النصوص (2).

و خطبتاها كخطبتي العيدين بعد الصلاة على المشهور، بل الإجماع للتسوية بينها و بين صلاة العيدين في النصوص (3)، و للنصّ الخاصّ به (4)، لكن في الموثّق: «أنّ الخطبة فيه قبل الصلاة» (5)، و هو شاذّ.

____________

(1) كذا، و الظاهر الصحيح: غور الأنهار.

(2) راجع! وسائل الشيعة: 8/ 5 الباب 1 من أبواب صلاة الاستسقاء.

(3) راجع! وسائل الشيعة: 8/ 5 الباب 1 من أبواب صلاة الاستسقاء.

(4) وسائل الشيعة: 8/ 5 الحديث 9988.

(5) تهذيب الأحكام: 3/ 150 الحديث 327، وسائل الشيعة: 8/ 11 الحديث 10004.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

قوله: (يستحبّ صلاة الاستسقاء).

____________

الاستسقاء: طلب السقي من اللّه تعالى عند الحاجة، و يكون بالدعاء، كما ورد في «الصحيفة السجاديّة» و غيرها (1).

بل لا تأمّل في جواز الدعاء بأيّ نحو كان عند الحاجة، للعمومات، و يكون بالصلاة أيضا أي بالصلاة الموظّفة له، و إلّا فالصلاة لطلب الحاجة بعدها، أو لحصول القرب لأن تقضى الحاجة بعدها أمر على حدة.

و الصلاة عبادة توقيفيّة لا بدّ من ثبوتها من الشرع بحسب الكيفيّة و الماهيّة، و كونها مطلوبة لأمر كذا.

أمّا المطلوبيّة؛ فبعنوان الاستحباب مجمع عليها بين الأصحاب.

بل في «المنتهى»: إنّه إجماع من أهل العلم سوى أبي حنيفة، فإنّه قال: لا تسنّ لها الصلاة بل الدعاء (2).

و يدلّ عليه بعد الإجماع فعل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) (3)، و غيرها من الأئمّة (عليهم السلام)، مثل عليّ و الرضا (عليهما السلام) (4)، بل الحسنين (عليهما السلام) أيضا على الظاهر (5)، و لعلّ غيرهم أيضا فعل، لكن الآن ليس ببالي.

____________

(1) راجع! الصحيفة السجاديّة الجامعة: 107 و 108، من لا يحضره الفقيه: 1/ 335- 340.

(2) منتهى المطلب: 6/ 113، لاحظ! شرح فتح القدير: 2/ 91.

(3) الكافي: 3/ 462 الحديث 2، من لا يحضره الفقيه: 1/ 338 الحديث 1505، تهذيب الأحكام: 3/ 149 الحديث 323، وسائل الشيعة: 8/ 5 الحديث 9988، 7 الحديث 9993 و 9995.

(4) بحار الأنوار: 88/ 293- 295 و 311، عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 2/ 179 الحديث 1، وسائل الشيعة:

8/ 8 الحديث 9997.

(5) لم نعثر عليه في مظانّه.

8

..........

____________

و أمّا الأخبار؛ ففي غاية الكثرة، منها كالصحيح، عن هشام بن الحكم، عن الصادق (عليه السلام): «صلاة الاستسقاء مثل صلاة العيدين يقرأ و يكبّر فيها كما يقرأ و يكبّر فيها، يخرج الإمام فيبرز إلى مكان نظيف في سكينة و وقار و خشوع و مسألة، و يبرز معه الناس، فيحمد اللّه و يمجّده و يثني عليه و يجتهد في الدعاء و يكثر من التسبيح و التكبير و التهليل، و يصلّي مثل صلاة العيدين ركعتين في دعاء و مسألة و اجتهاد، فإذا سلّم الإمام قلّب ثوبه و جعل [الجانب] الذي على المنكب الأيمن على الأيسر و الذي على الأيسر على الأيمن فإنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) صنع كذلك» (1) .. إلى غير ذلك من الأخبار (2).

و ما قال المصنّف: (عند عوز الأنهار و فتور الأمطار)، موافق لما ذكره بعض الفقهاء (3).

و قال بعض آخر: يصلّي عند الجدب، و بعض آخر قال: عند فتور الأمطار و جفاف الآبار (4)، و بعض آخر قال: إذا أجدبت البلاد و قلّت الأمطار (5).

و في «مصباح المتهجّد»: إذا أجدبت البلاد و قلّت الأمطار و قحط الزمان، يستحبّ أن يلتجئ الناس إلى اللّه تعالى و يستسقوا الغيث (6).

و بعض آخر قال: الاستسقاء طلب السقيا من اللّه عند الحاجة إليها (7).

____________

(1) الكافي: 3/ 463 الحديث 2، تهذيب الأحكام: 3/ 149 الحديث 323، وسائل الشيعة: 8/ 5 الحديث 9988 مع اختلاف يسير.

(2) لاحظ! وسائل الشيعة: 8/ 5 الباب 1 من أبواب صلاة الاستسقاء.

(3) شرائع الإسلام: 1/ 108.

(4) الدروس الشرعيّة: 1/ 197.

(5) النهاية للشيخ الطوسي: 138.

(6) مصباح المتهجّد: 526.

(7) مسالك الأفهام: 1/ 272، روض الجنان: 324، ذخيرة المعاد: 346.

9

..........

____________

و رأينا بعض العلماء أنّه كان يتأمّل في جواز هذه الصلاة بمجرّد الحاجة إلى السقيا، و يقول: الشرط هو جفاف الآبار و الأنهار و فتور الأمطار.

و ربّما كان الظاهر من إطلاقات الأخبار أنّ الاحتياج إلى السقيا كاف.

نعم؛ في مرفوعة محمّد، عن الصادق (عليه السلام) المرويّة في «الكافي» أنّه سأله عن تحويل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ردائه إذا استسقى؟ فقال: «علامة بينه و بين أصحابه يحوّل الجدب خصبا» (1).

و في «الفقيه»: أنّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان إذا استسقى قال: «اللهمّ اسق عبادك و بهائمك، و انشر رحمتك، أحي بلادك الميتة» يردّدها ثلاث مرّات (2).

و قنوت هذه الصلاة كما في «المصباح»: «اللهمّ قد انضاحت جبالنا و اغبرّت أرضنا و هامت دوابّنا [و قنط اناس منّا أو من قنط منهم الناس و تاهت البهائم] و تحيّرت في مراتعها [و عجّت] عجيج الثكلى على أولادها»، و أمثال ذلك في الخطب، بل و أشدّ مثل: «فدقّ [لذلك] عظمها و ذهب لحمها و ذاب شحمها و انقطع درّها»، بل و أشدّ أيضا من هذا مثل: «اللهمّ خرجنا إليك حين فاجأتنا المضايق الوعرة و ألجأتنا المحابس العسرة و عضّتنا علائق الشين فتأثّلت علينا لواحق المين و اعتكرت علينا حدابير السنين» (3). إلى غير ذلك من أمثال ما ذكر من الشدائد.

فلعلّه بملاحظة هذه الامور و تتبّع تضاعيفها، يظهر عدم كفاية مجرّد الحاجة، بل لا بدّ من تحقّق العوز و الفتور، و من ذلك يتحقّق الجدب.

____________

(1) الكافي: 3/ 463 الحديث 3، وسائل الشيعة: 8/ 9 الحديث 9999.

(2) من لا يحضره الفقيه: 1/ 335 الحديث 1503.

(3) مصباح المتهجّد: 528- 530 مع اختلاف يسير.

10

..........

____________

و ربّما يؤيّده طريقة المسلمين في الأعصار و الأمصار من أنّهم بمجرّد الحاجة لا يخرجون إلى البريّة، و لا يصلّون هذه الصلاة جماعة.

و يمكن الفرق بين إيقاعها جماعة و فرادى بأنّ مجرّد الحاجة تكون كافيا في الفرادى خاصّة.

و عن العلّامة في «المنتهى» أنّه قال: و تصلّى هذه الصلاة جماعة و فرادى و هو قول أهل العلم (1).

قلت: و لعلّ الأخبار الدالّة على أنّها مثل صلاة العيد يؤيّد ذلك و سنذكرها، فلاحظ و تأمّل! و كيف كان؛ لا يبعد الاكتفاء بمجرّد الحاجة، و عدم الحاجة إلى أزيد منها للجماعة أيضا للإطلاقات، و عدم معلوميّة الاشتراط بما ذكر ممّا زاد عن قدر الحاجة، و عدم ثبوت المنع في صورة تحقّق مجرّد الحاجة، سيّما و المقام؛ مقام الاستحباب.

قوله: (و خطبتاها).

أقول: لم يتعرّض لكيفيّتها، و كيفيّتها كيفيّة صلاة العيدين. نعم، في قنوتها يطلب المطر و الرحمة، كما هو المناسب.

و يدلّ على اتّحادهما في الكيفيّة الحسن- كالصحيح- المذكور، و في «الكافي» في رواية ابن المغيرة قال: «يكبّر في صلاة الاستسقاء كما يكبّر في العيدين، في الاولى سبعا، و في الثانية خمسا، و يصلّي قبل الخطبة و يجهر بالقراءة و يستسقى و هو قاعد» (2).

____________

(1) منتهى المطلب: 6/ 123.

(2) الكافي: 3/ 463 الحديث 4، وسائل الشيعة: 8/ 6 الحديث 9990 مع اختلاف يسير.

11

..........

____________

و رواية طلحة بن زيد، عن الصادق (عليه السلام)، عن أبيه (عليه السلام): «أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) صلّى الاستسقاء ركعتين، و بدأ بالصلاة قبل الخطبة، و كبّر سبعا و خمسا و جهر بالقراءة» (1).

و في «دعائم الإسلام»: روي عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «لا يكون الاستسقاء إلّا في براز من الأرض، يخرج الإمام في سكينة و وقار و خشوع و مسألة، و يخرج معه الناس فيستسقي لهم، قال- يعني الصادق (عليه السلام)-: «و صلاة الاستسقاء كصلاة العيدين يصلّي الإمام ركعتين يكبّر فيهما كما يكبّر في صلاة العيدين، ثمّ يرقى المنبر [فإذا استوى عليه]، و جلس جلسة خفيفة، ثمّ قام فحوّل رداءه فجعل ما على عاتقه الأيمن على الأيسر، و ما على الأيسر على الأيمن، كذلك فعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و علي (عليه السلام)، و هي من السنّة، ثمّ يكبّر اللّه رافعا صوته». إلى أن قال: «و يخطب و يعظ الناس» (2).

و في «قرب الإسناد» بسنده، عن الصادق (عليه السلام)، عن أبيه عن علي (عليهم السلام)، قال: «كان يكبّر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في العيدين و الاستسقاء في الاولى سبعا، و في الثانية خمسا، و يصلّي قبل الخطبة و يجهر بالقراءة» (3).

و في «المدارك» بعد ذكر رواية هشام المذكورة، قال: و يستفاد من هذه الرواية أنّ هذه الصلاة مثل صلاة العيد كيفيّة و وقتا و خطبة (4)، انتهى.

و نقل عن «الذكرى»: أنّ وقتها وقت صلاة العيد (5).

____________

(1) تهذيب الأحكام: 3/ 150 الحديث 326، وسائل الشيعة: 8/ 11 الحديث 10003.

(2) دعائم الإسلام: 1/ 202 و 203، مستدرك الوسائل: 6/ 181 الحديث 6718 مع اختلاف يسير.

(3) قرب الإسناد: 114 الحديث 396، الكافي: 3/ 463 الحديث 4، وسائل الشيعة: 8/ 7 الحديث 9995.

(4) مدارك الأحكام: 4/ 193.

(5) نقل عنه في الحدائق الناضرة: 10/ 484، لاحظ! ذكرى الشيعة: 4/ 253.

12

..........

____________

و نقل عن ابن أبي عقيل التصريح بكون الخروج في صدر النهار، و عن أبي الصلاح: عند انبساط الشمس، و عن ابن الجنيد بعد صلاة الفجر (1).

قال: و الشيخان لم يعيّنا وقتا، إلّا أنّهما حكما بمساواتها لصلاة العيد (2).

و صرّح الفاضلان بأنّه لا يتعيّن لها وقت، بل العلّامة ادّعى الإجماع في «النهاية» و «التذكرة» على عدم الوقت لها- على ما نقل عنه- ثمّ قال: الأقرب عندي إيقاعها بعد الزوال؛ لأنّ ما بعد العصر أشرف (3)، انتهى.

لا يخفى أنّ الأحوط مراعاة وقت صلاة العيد فيها، و كذلك الحال في الخطبتين، لما مرّ في صلاة العيدين، مع ما ذكر هنا من الأخبار.

و لا بدّ أن تكونا بعد الصلاة، لما مرّ من الأخبار المتضمّنة لذكر الخطبة، و أنّها مؤخّرة عن الصلاة، و أنّها مثل العيدين، و لذا تكون الخطبة المذكورة في هذه الأخبار خطبتين كصلاة العيدين، و إن كان المذكور فيها ليس إلّا بلفظ الخطبة.

و ما في موثّقة إسحاق من كون الخطبة قبل الصلاة (4)، مرّ الكلام في العيدين أنّه من بدع مبدع، و أنّه تقيّة أو توهّم.

قال خالي (رحمه اللّه): ظاهر الأصحاب أنّ الخطبة هنا كالعيدين خطبتان، و ظاهر الأخبار الاكتفاء بخطبة واحدة، و تنبّه لذلك في «الذكرى»- و إن كان عدل تبعا للمشهور- حيث قال: الظاهر أنّ الخطبة الواحدة غير كافية، بل يخطب اثنتين تسوية بينها و بين صلاة العيد (5)، انتهى.

____________

(1) نقل عنهم العلّامة في مختلف الشيعة: 2/ 340، لاحظ! الكافي في الفقه: 162.

(2) نقل عنهما في مختلف الشيعة: 2/ 340.

(3) المعتبر: 2/ 364، نهاية الإحكام: 2/ 104، تذكرة الفقهاء: 4/ 212 المسألة 515.

(4) تهذيب الأحكام: 3/ 150 الحديث 327، وسائل الشيعة: 8/ 11 الحديث 10004.

(5) ذكرى الشيعة: 4/ 259.

13

..........

____________

ثمّ اعترض بأنّ التسوية و التشبيه في الصلاة لا يستلزم المساواة في [كيفيّة] الخطبة لأنّها خارجة (1)، انتهى.

قلت: ما ذكره إنّما يرد على القول بكون العبادة اسما للأعم، أو عدم اشتراط الخطبة للصلاة، و مع ذلك الظاهر أنّ السؤال في مثل كصحيحة هشام ليس عن نفس ماهيّة الصلاة فحسب، بل عنها و عن المتعلّقات.

و لذا تعرّض المعصوم (عليه السلام) في الجواب لكثير من المتعلّقات الخارجة عنها قطعا، بل الخطبة ارتباطها بالصلاة أزيد من المذكورات بمراتب شتّى، بل الذي ذكر في الجواب غير مرعي في العيدين غير الخروج إلى الصحراء في سكينة و وقار، فلعلّه ذكر لذكر ما بعده من قوله: «و خشوع و مسألة و اجتهاد في السؤال».

و ممّا ذكرنا فهم الأصحاب- و منهم المصنّف- التسوية بالنسبة إلى المتعلّقات الخارجة، بحيث لم يبق لهم تأمّل و لا تزلزل، فلاحظ كلماتهم، فإنّهم مثل الشهيد و المصنّف يقولون (2).

على أنّا نقول: المعصوم (عليه السلام) كيف يتعرّض لذكر الامور التي ليست مثل الخطبة في الارتباط للجاهل بماهيّة صلاة الاستسقاء و لا يذكر الخطبة؟ مع أنّهم (عليهم السلام) في الجمعة و العيدين قد أكثروا من إطلاق لفظ الخطبة على الخطبتين، بحيث ظهر كون اللفظ علما للخطبتين، إذ تعارف التعبير عنهما باللفظ المفرد تعارفا شائعا، و لذا لم يتأمّل أحد من الفقهاء في كون المعتبر هو الخطبتين لا الخطبة الواحدة، و اتّفقت كلمتهم على ذلك من غير تأمّل من أحد.

مع أنّ استقراء اتّحاد أجزائهما و اتّحاد متعلّقهما أيضا يؤيّد و يشير إلى الفهم

____________

(1) بحار الأنوار: 88/ 335 و 336.

(2) لاحظ! المقنعة: 207، المبسوط: 1/ 134، النهاية للشيخ الطوسي: 138، ذكرى الشيعة: 4/ 254.

14

..........

____________

المذكور، مع أنّ جميع ما ذكر إجماعي، سوى حكاية الوقت، و كون الخطبتين في حال الجماعة لا يتركان احتياطا، و أمّا استحبابهما فيه؛ فإجماعي منقول في «التذكرة» (1).

و لا يدلّ هذا على جواز الاكتفاء بالصلاة من دون قراءة الخطبة؛ لأنّ المتعارف أنّهم يعبّرون الواجب الشرطي للمستحبّ بالمستحبّ، مثلا يقولون:

الوضوء مستحبّ لصلاة النافلة و أمثال ذلك. مع أنّ غاية ما ذكره في «التذكرة» خبر واحد، فلا يمنع من الاحتياط عن مقتضى الأخبار الآحاد، سيّما مع تعدّدها، فتأمّل! و ممّا ذكر يظهر كونها مثل العيدين جهريّة، و يخرج فيها إلى الصحراء، إلّا في مكّة ففي المسجد الحرام.

و يدلّ على ذلك رواية أبي البختري، عن الصادق، عن أبيه، عن علي (عليهم السلام) قال: «مضت السنّة أنّه لا يستسقى إلّا بالبراري حيث ينظر الناس إلى السماء، و لا يستسقى في المساجد إلّا بمكّة» (2).

و في «المنتهى»: أنّ ذلك إجماعي (3)، و ألحق ابن الجنيد به مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) (4)، و مرّ الكلام فيه في العيدين (5).

و ابن أبي عقيل، و المفيد، و جماعة لم يستثنوا المسجد الحرام أيضا (6)،

____________

(1) تذكرة الفقهاء: 4/ 213 المسألة 517.

(2) تهذيب الأحكام: 3/ 150 الحديث 325، وسائل الشيعة: 8/ 10 الحديث 10002.

(3) منتهى المطلب: 6/ 119.

(4) نقل عنه في مختلف الشيعة: 2/ 339.

(5) راجع! الصفحة: 397 (المجلّد الثاني) من هذا الكتاب.

(6) نقل عنهم في مختلف الشيعة: 2/ 338 و 339، المقنعة: 207، المراسم: 83، الروضة البهيّة: 1/ 319، المهذّب البارع: 1/ 430.

15

..........

____________

و المشهور هو الأظهر.

و ظهر منها أيضا استحباب الخروج على السكينة و الوقار و الخشوع و المسألة مشمّرين حفاة، و غير ذلك ممّا صدر عن الرضا (عليه السلام) في الخروج إلى العيدين (1)، مضافا إلى ما ورد في الأخبار في العيدين (2) و هاهنا، مضافا إلى ظهور مطلوبيّة أمثال ذلك في المقام.

ثمّ اعلم! أنّ جميع ما ذكر من خواصّ فعلها جماعة، سوى حكاية الوقت و الجهر، مع احتمال كون الأخير أيضا من خواصّه.

و بالجملة؛ التسوية التي ذكرها المصنّف عرفت وجهها، و يؤيّدها الاستقراء.

و معلوم أنّ مقتضاها الاستواء في جميع ما اعتبر فيها، إلّا أن يظهر الخصوصيّة، و من جملة ما يتساويان كراهة الكلام و الإمام يخطب.

و في «قرب الإسناد» ورد رواية بإسناده، عن علي (عليه السلام) أنّه يكره الكلام يوم الجمعة و الإمام يخطب، و في الفطر و الأضحى و الاستسقاء (3).

____________

(1) الكافي: 1/ 488 الحديث 7، عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 2/ 160 الحديث 21، وسائل الشيعة: 7/ 453 الحديث 9844.

(2) لاحظ! وسائل الشيعة: 7/ 449 الباب 17 من أبواب صلاة العيد.

(3) قرب الإسناد: 150 الحديث 544، وسائل الشيعة: 7/ 331 الحديث 9505.

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

36- مفتاح [مستحبّات صلاة الاستسقاء]

يستحب فيه الغسل، و صيام الناس ثلاثة أيّام، و خروجهم يوم الثالث و كونه الاثنين، و إلى الصحراء حفاة على سكينة و وقار تذلّلا و خشوعا، و إخراجهم الشيوخ و الأطفال و العجائز و البهائم معهم؛ لأنّهم أقرب إلى الرحمة و أسرع إلى الإجابة، و تفريقهم بين الأطفال و امّهاتهم ليكثر البكاء و العجيج.

و أن يقلّب الإمام رداءه إذا صعد المنبر، فيجعل الذي على يمينه على يساره و بالعكس، ثمّ يستقبل القبلة فيكبّر اللّه مائة تكبيرة، ثمّ يلتفت إلى الناس عن يمينه فيسبّح اللّه مائة تسبيحة، ثمّ يلتفت إليهم عن يساره فيهلّل اللّه مائة تهليلة، ثمّ يستقبل الناس فيحمد اللّه مائة تحميدة، في كلّ ذلك يرفع صوته، ثمّ يرفع يديه فيدعو ثمّ يدعون، و أن يكرّروا الخروج لو تأخّرت الإجابة إجماعا، و الكلّ للرواية (1) إلّا ما علّل بغيرها.

____________

(1) لاحظ! وسائل الشيعة: 8/ 5- 9 الباب 1- 3 من أبواب صلاة الاستسقاء.

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

قوله: (و يستحبّ فيه الغسل). إلى آخره.

____________

لم نجد من حكم باستحباب الغسل غيره هنا نصّا، و لعلّهم اكتفوا بحكاية التسوية.

و يدلّ عليه- مضافا إلى التسوية- موثّقة سماعة المتضمّنة للأغسال الكثيرة، منها: «أنّ الغسل للاستسقاء واجب» (1).

و أمّا صيام الناس ثلاثة أيّام؛ فاستحبابه مقطوع به في كلام الأصحاب، إلّا أنّ كونه شرطا لهذه الصلاة ظاهر بعضهم (2)، و عدم الاشتراط ظاهر بعضهم (3).

دليل الأوّل: توقيفيّة العبادة بأنّ الواقعة بهذا الصيام معلوم كونها الموظّفة شرعا بخلاف الخالية، و لصحيحة عثمان بن عيسى- و هو ممّن أجمعت العصابة (4)- عن حمّاد السراج قال: أرسلني محمّد بن خالد إلى الصادق (عليه السلام) أن أقول له: إنّ الناس قد أكثروا عليّ في الاستسقاء فما رأيك في الخروج غدا؟ فقلت ذلك للصادق (عليه السلام)، فقال لي: قل له: «ليس الاستسقاء هكذا، فقل له: يخرج فيخطب الناس و يأمرهم بالصيام اليوم و غدا و يخرج لهم يوم الثالث و هم صيام» (5)، الحديث.

و هذه الرواية مستند الأصحاب في استحباب الصيام ثلاثة أيّام، و هي

____________

(1) الكافي: 3/ 40 الحديث 2، من لا يحضره الفقيه: 1/ 45 الحديث 176، تهذيب الأحكام: 1/ 104 الحديث 270، وسائل الشيعة: 3/ 303 الحديث 3710.

(2) إرشاد الأذهان: 1/ 266، ذخيرة المعاد: 346.

(3) الحدائق الناضرة: 10/ 486.

(4) رجال الكشّي: 2/ 831 الرقم 1050.

(5) تهذيب الأحكام: 3/ 148 الحديث 320، وسائل الشيعة: 8/ 8 الحديث 9996.

20

..........

____________

ظاهرة في الاشتراط لقوله (عليه السلام): «ليس الاستسقاء هكذا». إلى آخره.

و مستند الثاني: خلوّ أكثر الأخبار الواردة الظاهرة في مقام الحاجة، و حكاية التسوية بينها و بين صلاة العيدين، و لعلّه أقوى، إلّا أنّ الأوّل أحوط.

و أمّا كون اليوم الثالث هو الاثنين؛ فلما ورد في رواية محمّد بن خالد المشهورة، حيث قال الراوي للصادق (عليه السلام): متى يخرج جعلت فداك؟ قال: «يوم الإثنين» (1).

لكن ربّما وقع التأمّل من بعض من جهة السند، و كون محمّد بن خالد القسري من أتباع بني اميّة و حكّامهم (2)، و هم كانوا يعظمون الاثنين و يطلبون بركته.

مع أنّه لا شكّ في أنّ هذا الإرشاد من الصادق (عليه السلام) كان يشتهر إلى أن يصلّ إلى السلطان و سائر بني اميّة.

كما أنّه اشتهر بين أهل المدينة، و كانوا يقولون: هذا من تعليم جعفر (عليه السلام)، و إن كان محمّد بن خالد كان له ميل و محبّة، بل الظاهر كونه من الشيعة، و لذلك كان يراجع في غير المقام أيضا إلى الصادق (عليه السلام)، على وجه يشير إلى تشيّعه.

و أيضا ربّما كان الأمر بالخروج يوم الإثنين من جهة صياح أهل المدينة إلى محمّد بن خالد يوم الجمعة، و بعثه فيه إلى الصادق (عليه السلام).

و لذلك قال (عليه السلام): «قل له: يخرج و يأمر الناس بصيام ثلاثة أيّام، فاتّفق الوقوع في يوم الإثنين من جهة تشديد أهل المدينة، و عدم رضائهم بالتأخير، و إلّا لما كان له مدخليّة في هذه الصلاة.

____________

(1) الكافي: 3/ 462 الحديث 1، تهذيب الأحكام: 3/ 148 الحديث 322، وسائل الشيعة: 8/ 5 الحديث 9989.

(2) بحار الأنوار: 88/ 312.

21

..........

____________

لكن في «العيون» بسنده، عن العسكري (عليه السلام)، عن آبائه، عن الرضا (عليهم السلام)- في حديث طويل-: إنّ المطر احتبس، فقال له المأمون: لو دعوت اللّه عزّ و جلّ، فقال له الرضا (عليه السلام): «نعم»، فقال: و متى تفعل ذلك؟- و كان يوم الجمعة-، فقال:

«يوم الإثنين؛ فإنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أتاني البارحة في منامي و معه أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا بني! انظر يوم الإثنين و ابرز إلى الصحراء و استسق فإنّ اللّه عزّ و جلّ يسقيهم» (1) الحديث.

و في «دعائم الإسلام»: عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «و يستحبّ أن يكون الخروج للاستسقاء يوم الإثنين، و يخرج المنبر كما يخرج للعيدين، و ليس فيها أذان و لا إقامة» (2).

و بالجملة؛ التخيير بين كون اليوم الثالث الاثنين أو الجمعة أقوى، و هو المشهور. أمّا الاثنين؛ فلهذه النصوص، و أمّا الجمعة؛ فللأخبار الكثيرة التي تبلغ التواتر و ما فوقه الدالّة على بركته و فضيلته، و كونه محلّ استجابة الدعوات و نيل الحاجات، و مقرّبا إلى اللّه تعالى (3).

و عدم ثبوت مانع من ذلك من هذه النصوص، سيّما مع احتمال كونه اتّفاقيّا من جهة ضيق الوقت، أو أولويّة المسارعة مهما أمكن.

حتّى أنّ أبا الصلاح لم يذكر سوى الجمعة (4)، و المفيد و ابن أبي عقيل و ابن الجنيد و سلّار لم يعيّنوا يوما للاستحباب أيضا (5)، لكن الأحوط عدم التعدّي عن

____________

(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 2/ 179 الحديث 1، وسائل الشيعة: 8/ 8 الحديث 9997 مع اختلاف يسير.

(2) دعائم الإسلام: 1/ 203، مستدرك الوسائل: 6/ 185 الحديث 6725 مع اختلاف يسير.

(3) لاحظ! وسائل الشيعة: 7/ 375 الباب 40، 383 الباب 41 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) الكافي في الفقه: 162.

(5) المقنعة: 207، نقل عن ابن أبي عقيل و ابن الجنيد في مختلف الشيعة: 2/ 333، المراسم: 83.

22

..........

____________

اليومين، بل عن الاثنين.

و أمّا كون الخروج إلى الصحراء، و كذا كونهم حفاة على سكينة و وقار تذلّلا و خضوعا (1) إلى غير ذلك، فقد مرّ.

و أمّا استحباب إخراج الشيوخ و الأطفال و البهائم معهم؛ فلما ذكره المصنّف من أنّهم أقرب إلى استجلاب الرحمة و الشفقة، لقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لو لا أطفال رضّع و شيوخ ركّع و بهائم رتّع لصبّ عليكم البلاء صبّا» (2). إلى غير ذلك من أمثال ما ورد عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و عن باقي الأئمّة (عليهم السلام) (3).

و يعضده الاعتبار أيضا، و لذا قوم يونس (عليه السلام) ارتكبوا أمثال ذلك لجلب الرحمة، و فرّقوا بين الأطفال و امّهاتهم لما ذكر (4)، و لما ورد من أنّه تعالى عند القلوب المنكسرة (5)، و لما ورد في البكاء من خوف اللّه و رقّة القلب و هيجانه (6).

و أمّا أنّ الإمام يقلّب رداءه إذا صعد المنبر بالنحو الذي ذكره؛ فلما عرفت من الأخبار الدالّة على أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فعل هكذا، فللتأسّي و التفؤّل (7).

و لما رواه في «العلل» كالصحيح عن ابن أبي عمير، عمّن ذكره، عن الصادق (عليه السلام) قال: سألته لأيّ علّة حوّل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في صلاة الاستسقاء

____________

(1) في (ف) و (ز 1) و (ط): و خشوعا.

(2) السنن الكبرى للبيهقي: 3/ 345.

(3) لاحظ! الكافي: 2/ 276 الحديث 31، الخصال: 1/ 128 الحديث 131، بحار الأنوار: 70/ 344 الحديث 28، 381 الحديث 2.

(4) مجمع البيان: 3/ 99 (الجزء 11).

(5) الدعوات للراوندي: 120 الحديث 282، بحار الأنوار: 70/ 157 الحديث 3.

(6) الكافي: 2/ 481 باب البكاء، راجع! وسائل الشيعة: 15/ 223 الباب 15 من أبواب جهاد النفس.

(7) لاحظ! وسائل الشيعة: 8/ 9 الباب 3 من أبواب صلاة الاستسقاء.

23

..........

____________

رداءه الذي على يمينه على يساره و الذي على يساره على يمينه؟ قال: «أراد بذلك تحوّل الجدب خصبا» (1)، و العلّة المنصوصة حجّة.

و أمّا وقت التحويل؛ فالأكثر أنّه بعد الصلاة قبل الأذكار و الخطبة، كما هو مقتضى رواية محمّد بن خالد، حيث قال: «يصلّي بالناس ركعتين بغير أذان و لا إقامة ثمّ يصعد المنبر فيقلّب رداءه فيجعل الذي على يمينه على يساره، و الذي على يساره على يمينه» (2).

و قد عرفت أنّه وافقها كالصحيحة التي ذكرناها و ما نقلناه عن «الدعائم» (3).

و في «الفقه الرضوي» أيضا أنّه (عليه السلام) قال: «صلاة الاستسقاء ركعتان بلا أذان و لا إقامة يخرج الإمام يبرز إلى ما تحت السماء، و يخرج المنبر، و المؤذّنون أمامه، فيصلّي بالناس ركعتين، ثمّ يسلّم فيصعد المنبر فيقلّب رداءه الذي على يمينه على يساره، و الذي على يساره على يمينه مرّة واحدة، ثمّ يحوّل وجهه إلى القبلة فيكبّر مائة تكبيرة؛ يرفع بها بصوته، ثمّ يلتفت عن يمينه و يساره إلى الناس فيهلل مائة رافعا صوته، ثمّ يرفع يديه إلى السماء فيدعو اللّه» (4) الحديث.

و نقل عن بعض الأصحاب أنّه يحوّل بعد الفراغ من الخطبة (5)، و عن المفيد و سلّار و ابن البرّاج: أنّه يحوّل رداءه ثلاث مرّات (6).

قيل: لعلّها بعد الفراغ من الصلاة، و بعد الصعود على المنبر، و بعد

____________

(1) علل الشرائع: 2/ 346 الحديث 2، وسائل الشيعة: 8/ 10 الحديث 10001.

(2) الكافي: 3/ 462 الحديث 1، تهذيب الأحكام: 3/ 148 الحديث 322، وسائل الشيعة: 8/ 5 الحديث 9989.

(3) دعائم الإسلام: 1/ 202 و 203، مستدرك الوسائل: 6/ 181 الحديث 6719.

(4) الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 153، مستدرك الوسائل: 6/ 181 الحديث 6719.

(5) نقل عن بعض الاصحاب في ذخيرة المعاد: 246، لاحظ! تذكرة الفقهاء: 4/ 216 المسألة 521.

(6) نقل عنهم في ذخيرة المعاد: 346، لاحظ! المقنعة: 208، المراسم: 83، المهذّب: 1/ 144.

24

..........

____________

الخطبة (1).

و في «الفقه الرضوي» صرّح بكونه مرّة (2)، و باقي الأخبار ظاهرة فيها، و لعلّ البناء على المرّتين و الثلاث من العلّة المنصوصة و التفؤّل.

و فيه؛ أنّهما إن اقتضيا حسن التكرار، فلا خصوصيّة له بالمرّتين أو الثلاث.

و هل يستحبّ للمأمومين هذا التحويل؟ قيل: نعم (3)، و قيل: لا (4)، و هو الظاهر من الأخبار.

نعم؛ في موثّقة ابن بكير، عن الصادق (عليه السلام) أنّه سمعه يقول في الاستسقاء:

«يصلّي ركعتين و يقلّب رداءه الذي على يمينه فيجعله على يساره و الذي على يساره على يمينه و يدعو اللّه فيستسقي» (5).

لكن لا يبعد أن يكون الظاهر منها الإمام على وفق سائر الأخبار.

ثمّ لا يخفى أنّ المستفاد من أخبار التحويل أنّ المطلوب هو أن يجعل ما على اليمين على اليسار، و ما على اليسار على اليمين، كما هو أفتى بها الفقهاء أيضا.

قال في «الذكرى»: و لا يشترط تحويل الظاهر باطنا و بالعكس، و الأعلى أسفل و بالعكس، و لو فعل ذلك فلا بأس (6).

و الشهيد الثاني أفتى بحسنهما أيضا في «شرح اللمعة» و «الروض» (7)، و لا

____________

(1) ذخيرة المعاد: 346.

(2) مرّ آنفا.

(3) المبسوط: 1/ 135، تذكرة الفقهاء: 4/ 216 المسألة 521، ذكرى الشيعة: 4/ 257.

(4) الخلاف: 1/ 688 المسألة 463.

(5) تهذيب الأحكام: 3/ 148 الحديث 321، وسائل الشيعة: 8/ 9 الحديث 9998.

(6) ذكرى الشيعة: 4/ 257.

(7) الروضة البهيّة: 1/ 319، روض الجنان: 325.

25

..........

____________

يظهر لنا وجهه.

و هل يكفي المسمّى أم يترك محوّلا إلى أن يفرغ؟ الأظهر الثاني، لظواهر الأخبار (1) و للاستصحاب.

و أمّا ما ذكره من أنّه بعد تحويل الرداء يستقبل القبلة، فيكبّر اللّه مائة مرّة إلى. آخره؛ فيدلّ عليه رواية مولى محمّد بن خالد، عن الصادق (عليه السلام)، إذ فيها بعد تقليب الرداء: «ثمّ يستقبل القبلة فيكبّر اللّه مائة تكبيرة رافعا بها صوته، ثمّ يلتفت إلى الناس عن يمينه فيسبّح اللّه مائة تسبيحة رافعا بها صوته، ثمّ يلتفت إلى الناس عن يساره فيهلّل اللّه مائة تهليلة رافعا بها صوته، ثمّ يستقبل الناس فيحمد اللّه مائة تحميدة، ثمّ يرفع يديه فيدعو، ثمّ يدعون، فإنّي لأرجو أن لا تخيبوا» (2)، الحديث.

و يؤيّده «الفقه الرضوي»، كما عرفت، لكن بعض الفقهاء نقل هذه الأذكار بترتيب آخر، و لم يظهر وجهه لي، و أنّ المفيد قال: يكبّر إلى القبلة، و يسبّح إلى اليمين، و يحمد إلى اليسار، و يستغفر للناس مستقبلا (3)، و الصدوق جعل التحميد إلى اليسار، و التهليل مستقبل الناس (4).

و أمّا ما ذكره من قوله: (و أن يكرروا). إلى آخره؛ فإجماعي عند علمائنا، مضافا إلى أنّ بقاء سبب هذه الصلاة يقتضي بقاءها، و الأخبار مطلقة.

مع أنّه لا تأمّل في أنّه تعالى يحبّ إلحاح الملحّين، و يصير سببا للإجابة و دفع الشدّة.

ثمّ اعلم! أنّه لا أذان فيها و لا إقامة، بل يقول المؤذّن: الصلاة- ثلاثا- على

____________

(1) وسائل الشيعة: 8/ 9 الباب 3 من أبواب صلاة الاستسقاء.

(2) الكافي: 3/ 462 الحديث 1، وسائل الشيعة: 8/ 5 الحديث 9989.

(3) المقنعة: 208.

(4) نقل عنه في مختلف الشيعة: 2/ 337.

26

..........

____________

نهج ما مرّ في صلاة العيد، لحكاية التسوية، مضافا إلى ما ذكر من الأخبار.

قال في «الذكرى»: أذانها أن يقول: الصلاة ثلاثا، و قال بعض العامّة:

يقول: الصلاة جامعة، و لا مانع منه (1)، انتهى. و فيه تأمّل! و من جملة المستحبّات في العيدين عدم نقل المنبر، و أمّا المقام؛ فمقتضى التسوية أيضا ذلك، إلّا أنّه مرّ عن «الفقه الرضوي» نقل المنبر (2)، بل ورد في رواية مولى محمّد بن خالد أيضا (3).

قال في «الذكرى»: قال السيّد، و ابن الجنيد، و ابن أبي عقيل: ينقل المنبر فيحمل بين يدي الإمام إلى الصحراء (4)، و قد رواه مولى محمّد بن خالد، عن الصادق (عليه السلام)، و قال ابن إدريس: الأظهر في الرواية أنّه لا ينقل، بل يكون كمنبر العيد معمولا من طين (5)، و لعلّ الأوّل أولى، لما روي أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أخرج المنبر في الاستسقاء (6) و لم يخرجه في العيد (7)، قال: و يستحبّ أن يخرج المؤذّنون بين يدي الإمام في أيديهم العنزة (8).

و من جملة المستحبّات أنّ الفقهاء ذكروا أنّ المسلمين لا يخرجوا معهم الكافر. لأنّه بعيد عن الرحمة، فربّما يبعد عنها عكس الشيوخ و الأطفال.

و في «المنتهى» جوّز الإخراج، لما روي أنّ فرعون دعا ربّه عند ما غار ماء

____________

(1) ذكرى الشيعة: 4/ 253، لاحظ! المغني لابن قدامة: 2/ 149، فتح العزيز: 5/ 97.

(2) راجع! الصفحة: 23 هذا الكتاب.

(3) مرّ آنفا.

(4) نقل عنهم في مختلف الشيعة: 2/ 332.

(5) لاحظ! السرائر: 1/ 325.

(6) الكافي: 8/ 217 الحديث 266، وسائل الشيعة: 8/ 7 الحديث 9991.

(7) سنن أبي داود: 1/ 296 الحديث 1140، سنن ابن ماجة: 1/ 406 الحديث 1275.

(8) ذكرى الشيعة: 4/ 251 و 252.

27

..........

____________

النيل فأصبح يتدفّق (1)، و قال: إنّ الكفّار يطلبون أرزاقهم من اللّه، و قد ضمنها لهم في الدنيا (2)، و لعلّ الأوّل لا يخلوا عن أولوية.

و من جملة المستحبّات، بل الشروط كون الخطبة عن قيام، كما هو المقرّر المتعارف في الخطبة، و يقتضي ذلك حكاية التسوية أيضا، فما في بعض الأخبار في المقام أنّه يجلس و يستسقي (3)، محمول على غير الخطبة من الدعاء و التضرّع إليه تعالى.

و من جملة المستحبّات؛ بل الواجبات التوبة عن الذنوب، و ردّ المظالم، و الاستحلال ممّن ظلم و له حقّ.

و من جملة المستحبّات؛ اختيار القنوتات المأثورة و الدعوات المرويّة، و أن يدعو أهل الخصب لأهل الجدب، لكونهم في محلّ رحمته الواسعة، فتقبل شفاعتهم عند الكريم.

و من جملة الآداب أن يكونوا في حال الصلاة و الدعاء، و بعدهما يظنون الاستجابة، و يعتقدون ذلك، و يحسنون ظنونهم بربّهم (4).

ثمّ إنّ المستسقين لو سقوا في أثناء الصلاة أتمّوها على حسب المقدور و لو مخفّفة، بل و لو كانت في حال المشي على الأحوط، و لو سقوا قبل الصلاة يستحبّ الشكر بالصلاة و الدعاء، إلّا أن لا يكون لهم وثوق بتماميّة السقي، بحيث ترتفع حاجتهم، إذ الظاهر عدم المانع من صلاة الاستسقاء، و اللّه يعلم.

و لو كثر الغيث و خيف من ضرره استحبّ الدعاء لإزالته، و يكره نسبة المطر

____________

(1) من لا يحضره الفقيه: 1/ 334 الحديث 1502.

(2) منتهى المطلب: 6/ 121.

(3) الكافي: 3/ 463 الحديث 4، وسائل الشيعة: 8/ 6 و 7 الحديث 9990 و 9993.

(4) في (ف) و (ز 1) و (ط): و يحسنون قلوبهم.

28

..........

____________

إلى الأنواء، كما ورد عنهم (عليهم السلام) (1)، و يحرم اعتقاده، و النوء سقوط كوكب في المغرب و طلوع رقبة في المشرق، لأنّه إذا سقط الساقط بالمغرب، ناء أي نهض الناهض في المشرق.

و روى في «قرب الإسناد» عن الصادق (عليه السلام): «إنّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال:

لا تشيروا إلى المطر و لا إلى الهلال فإنّ اللّه يكره ذلك» (2).

قيل: المراد الإشارة على وجه التعجّب، بأن يقال مثلا: ما أغزر هذا المطر! و قيل: الإشارة حال الدعاء (3).

____________

(1) لاحظ! وسائل الشيعة: 8/ 15 الباب 9 و 10 من أبواب صلاة الاستسقاء.

(2) قرب الإسناد: 74 الحديث 236، وسائل الشيعة: 8/ 12 الحديث 10006 مع اختلاف يسير.

(3) بحار الأنوار: 88/ 338، ذيل الحديث 22.

29

37- مفتاح [نوافل شهر رمضان]

قيل: يستحب في شهر رمضان صلاة ألف ركعة زيادة على النوافل المرتبة على المشهور (1)، و النصوص بذلك مستفيضة (2)، و هي مختلفة في توظيفها و توزيعها على الليالي، و كلّها مشتركة في عدم صحّة السند.

و قال الصدوق (رحمه اللّه): لا نافلة في شهر رمضان زيادة على غيره (3)، و به صحاح صريحة (4)، و أوّلها سائر الأصحاب بتأويلات بعيدة (5)، و المسألة محلّ إشكال.

____________

(1) مختلف الشيعة: 2/ 340.

(2) لاحظ! وسائل الشيعة: 8/ 17 الباب 1، 28 الباب 7 من أبواب نافلة شهر رمضان.

(3) من لا يحضره الفقيه: 2/ 88 و 89، نقل عنه في السرائر، 1/ 310.

(4) وسائل الشيعة: 8/ 42 الباب 9 من أبواب نافلة شهر رمضان.

(5) وسائل الشيعة: 8/ 44 ذيل الحديث 10060، للتوسّع راجع! الحدائق الناضرة: 10/ 512- 516.

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

قوله: (قيل: يستحب). إلى آخره.

____________

المشهور استحبابها، بل لا يكاد يوجد منكر، إذ نسب إنكاره إلى الصدوق (1)، و كلامه في «الفقيه» ظاهر في تجويز البناء على الاستحباب أيضا (2).

و قال في أماليه: من دين الإماميّة الإقرار بأنّ الصلاة في شهر رمضان كالصلاة في غيره من الشهور، فمن أحبّ أن يزيد فليصلّ كلّ ليلة عشرين ركعة، ثمان ركعات بعد الغروب، و اثنتي عشرة ركعة بعد العشاء، إلى أن يمضي عشرون ليلة من شهر رمضان، ثمّ يصلّي كلّ ليلة ثلاثين ركعة، ثمان منها بين المغرب و العشاء، و اثنين و عشرون ركعة بعد العشاء، و يقرأ في كلّ ركعة منها «الحمد» و ما تيسّر له من القرآن، إلّا في ليلة إحدى و عشرين و ثلاث و عشرين، فإنّه يستحبّ إحياؤهما، و أن يصلّي الإنسان في كلّ واحدة منها مائة ركعة يقرأ في كلّ ركعة «الحمد» مرّة و «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ»، عشر مرّات، و من أحيا هاتين الليلتين بمذاكرة العلم فهو أفضل (3)، انتهى.

و أمّا الأخبار الواردة (4)، فكادت تبلغ التواتر، بل الظاهر تواترها فلا يضرّ ضعف السند، فكيف يضرّ عدم صحّته؟ مضافا إلى الانجبار بالشهرة، بل اتّفاق الكلّ.

إذ عرفت أنّ الصدوق أيضا لا مضايقة له، مضافا إلى التسامح في أدلّة السنن، فلا يضرّ الصحاح الدالّة على خلافها لشذوذها، فلا تكون حجّة، و إن لم يكن لها معارض و تأويلها متعيّن، و إلّا تطرح، و اللّه يعلم.

____________

(1) نقل عنه العلّامة في مختلف الشيعة: 2/ 341.

(2) من لا يحضره الفقيه: 2/ 88 الحديث 397.

(3) أمالي الصدوق: 516 و 517 مع اختلاف يسير.

(4) راجع! وسائل الشيعة: 8/ 17 الباب 1، 28 الباب 7 من أبواب نافلة شهر رمضان.

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

38- مفتاح [صلاة جعفر الطيّار]

من الصلوات المؤكّدة؛ صلاة جعفر بن أبي طالب (عليهما السلام) إجماعا، و تسمّى ب«صلاة التسبيح» و «صلاة الحبوة»، و عدد ركعاتها أربعة و هي مشهورة، و الصحاح بها مستفيضة.

منها: «متى ما صليتهن- يعني الركعات الأربع- غفر لك ما بينهنّ إن استطعت كلّ يوم، و إلّا فكلّ يومين أو كلّ جمعة أو كلّ شهر أو كلّ سنة، فإنّه يغفر لك [ما] بينهما» (1).

و منها: فيمن صلّاها، لو كان عليه مثل رمل عالج و زبد البحر ذنوبا لغفرها اللّه له (2).

و يجوز جعلها من النوافل و القضاء للصحيح (3)، و تجريدها من التسبيح ثمّ قضاؤها بعدها و هو ذاهب في حوائجه لمن كان مستعجلا.

____________

(1) تهذيب الأحكام: 3/ 186 الحديث 420، وسائل الشيعة: 8/ 50 و 51 الحديث 10070.

(2) من لا يحضره الفقيه: 1/ 347 الحديث 1536، وسائل الشيعة: 8/ 51 الحديث 10072 مع اختلاف يسير.

(3) تهذيب الأحكام: 3/ 187 الحديث 422، وسائل الشيعة: 8/ 57 الحديث 10083.

34

و أفضل أوقاتها يوم الجمعة صدر النهار للخبر (1).

____________

(1) الاحتجاج: 491، وسائل الشيعة: 8/ 56 الحديث 10080.

35

قوله: (من الصلوات المؤكّدة). إلى آخره.

____________

اعلم! أنّ لكلّ من الأئمّة و فاطمة (عليهم السلام) نفلا و ذكر صلاة، سيّما الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أمير المؤمنين (عليه السلام) و فاطمة (عليهما السلام).

و لم يتعرّض لها المصنّف قبل صلاة جعفر، و خالف الفقهاء و تعرّض لصلاة جعفر أوّلا لغاية اشتهارها بين الخاصّة و العامّة، بل بلغ التواتر، و الأئمّة (عليهم السلام) بأنفسهم كانوا يصلّونها، و تسمّى «صلاة التسبيح» و «صلاة الحبوة» أيضا.

و بعض العامّة نسبوها إلى العبّاس (1)، و هي جهل أو تجاهل، فإنّ جعفرا لمّا رجع من الحبشة استسرّ به الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) سرورا عظيما، فقال: «ألا أمنحك؟ أ لا أحبوك؟»، فظنّ الناس أنّه يعطيه ذهبا أو فضّة، فقال جعفر: بلى فداك أبي و امّي، فعلّمه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هذه الصلاة، و قال له ما ذكره المصنّف من الثواب و هو المغفرة لجميع ذنوبه إن فعله كلّ يوم، أو كلّ يومين، أو كلّ جمعة، أو كلّ شهر، أو كلّ سنة- و في بعض الأخبار: و إن لم تستطع ففي عمرك مرّة (2)- و هي أربع ركعات، كلّ ركعتين بتشهّد و تسليم، بعد تكبيرة الافتتاح «الحمد» و سورة من سور القرآن- أيّ سورة تكون- و الركوع و السجود على نحو سائر الصلوات إلّا أنّه يقول: «سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلّا اللّه و اللّه أكبر» خمس عشرة مرّة في حال القيام، و عشر مرّات في الركوع، و عشرا بعد رفع الرأس عن الركوع، و عشرا في السجدة الاولى، و عشرا بعد رفع الرأس منها، و عشرا في السجدة الثانية، و عشرا بعد رفع الرأس منها، يكون المجموع في ركعة خمسا و سبعين، فيصير المجموع ثلاث

____________

(1) سنن ابن ماجة: 1/ 442 الحديث 1386.

(2) بحار الأنوار: 88/ 204، مستدرك الوسائل: 6/ 223 الحديث 6775.

36

..........

____________

مائة تسبيحة ألف و مائتا ذكر (1).

و الكلام فيها في مواضع:

الأوّل: المشهور بين الأصحاب أنّها بتسليمتين، كما ذكرنا، بل الظاهر أنّه إجماعي، و إن نسب إلى الصدوق في مقنعه أنّها بتسليمة واحدة (2).

قال خالي (رحمه اللّه): لا دلالة في عبارة «المقنع» في ما ذكره إلّا من حيث أنّه لم يذكر التسليم، و لعلّه أحاله على الظهور كالتشهّد و القنوت و غيرها (3).

الثاني: المشهور أنّ التسبيح في حال القيام إنّما هو بعد الفراغ من القراءة و قبل الركوع، ذهب إليه الشيخان (4) و ابن الجنيد و ابن أبي عقيل (5)، و ابن إدريس (6)، و جمهور المتأخّرين (7).

و في «الفقيه» بعد إيراده رواية أبي حمزة الدالّة على كون التسبيح قبل القراءة بعد تكبيرة الافتتاح (8)، قال: و قد روي أنّ التسبيح في صلاة جعفر بعد القراءة، فبأيّ الحديثين أخذ المصلّي فهو مصيب (9). و المشهور أقوى، و عليه العمل.

الثالث: في الركعة التي يقرأ القنوت يجعل التسبيحات قبل القنوت.

الرابع: التسبيحات على ما هو المعروف من التسبيحات الأربعة، كما ذكرنا،

____________

(1) الكافي: 3/ 465 الحديث 1، وسائل الشيعة: 8/ 49 الحديث 10068 نقل بالمعنى.

(2) ذكرى الشيعة: 4/ 245، المقنع: 140 و 141.

(3) بحار الأنوار: 88/ 212.

(4) المقنعة: 169، النهاية للشيخ الطوسي: 141، المبسوط: 1/ 132.

(5) نقل عن ابن الجنيد و ابن أبي عقيل في مختلف الشيعة: 2/ 348.

(6) السرائر: 1/ 312.

(7) بحار الأنوار: 88/ 212، الحدائق الناضرة: 10/ 503.

(8) من لا يحضره الفقيه: 1/ 347 الحديث 1536، وسائل الشيعة: 8/ 51 الحديث 10072.

(9) من لا يحضره الفقيه: 1/ 348 ذيل الحديث 1537، وسائل الشيعة: 8/ 52 الحديث 10073.

37

..........

____________

و هو المستفاد من الأخبار (1) سوى رواية أبي حمزة المذكورة، و الصدوق خيّر بينهما أيضا (2)، و المشهور أقوى، و عليه العمل.

الخامس: الثواب المذكور- في عبارتنا، و في عبارة المصنّف و غيره- يعطيه اللّه تعالى لكلّ من يصلّي هذه الصلاة من الشيعة، كما هو صريح الأخبار، و ليس مختصّا بجعفر، سأل إسحاق بن عمّار، عن الصادق (عليه السلام) من صلّى صلاة جعفر هل يكتب له من الأجر مثل ما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لجعفر؟ قال: «إي و اللّه» (3).

السادس: في السورة التي يقرأ بعد «الحمد» يجوز كونها من أيّ سور القرآن، كما ورد في بعض الأخبار الواردة، عن الكاظم (عليه السلام) (4).

و في «الفقه الرضوي»: إن شئت كلّها ب «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ» (5).

و في بعض الأخبار الصحيحة: كلّ ركعة ب قُلْ هُوَ اللّٰهُ، و «قُلْ يٰا أَيُّهَا الْكٰافِرُونَ» (6).

و في بعض الأخبار: سأل الراوي عن المعصوم (عليه السلام)، و قال: أعترض من القرآن- يعني آخذ من عرض القرآن أيّ سورة تكون- فقال (عليه السلام): «لا، اقرأ فيها «إِذٰا زُلْزِلَتِ»، و «إِذٰا جٰاءَ نَصْرُ اللّٰهِ»، و «إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ»، و «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ» (7).

____________

(1) وسائل الشيعة: 8/ 49 و 50 الحديث 10068 و 10070، 52 الحديث 10073 و 10074.

(2) من لا يحضره الفقيه: 1/ 348 ذيل الحديث 1537.

(3) من لا يحضره الفقيه: 1/ 349 الحديث 1540، وسائل الشيعة: 8/ 50 الحديث 10069.

(4) من لا يحضره الفقيه: 1/ 347 الحديث 1536، وسائل الشيعة: 8/ 51 الحديث 10072.

(5) الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 155، مستدرك الوسائل: 6/ 228 الحديث 6780.

(6) من لا يحضره الفقيه: 1/ 348 الحديث 1538، وسائل الشيعة: 8/ 53 الحديث 10075.

(7) من لا يحضره الفقيه: 1/ 348 الحديث 1539، ثواب الأعمال: 63، تهذيب الأحكام: 3/ 186 الحديث 421، وسائل الشيعة: 8/ 54 الحديث 10076.

38

..........

____________

و في «المدارك»: أنّ هذا الخبر المذكور صحيح، و في بعض الأخبار: في الاولى «إِذٰا زُلْزِلَتِ»، و في الثانية «وَ الْعٰادِيٰاتِ»، و في الثالثة «إِذٰا جٰاءَ نَصْرُ اللّٰهِ»، و في الرابعة «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ» (1)، و إلى العمل به ذهب الأكثر (2).

و منهم الشيخ و السيّد و ابن الجنيد و أبو الصلاح و ابن البرّاج و سلّار و المحقّق و العلّامة و الشهيد و غيرهم (3)، و منهم الصدوق في «الفقيه»، إلّا أنّه قال بعد ذلك:

و إن شئت صلّيت كلّها ب«الحمد»، و «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ» (4).

و نقل عن علي بن بابويه أنّه يقرأ في الاولى «وَ الْعٰادِيٰاتِ» و في الثانية «إِذٰا زُلْزِلَتِ»، و في الثالثة «إِذٰا جٰاءَ نَصْرُ اللّٰهِ»، و في الرابعة «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ» (5)، و بهذا النحو ذكر في «الفقه الرضوي» (6).

و عن الصدوق في «المقنع»: أنّه يقرأ «التوحيد» في الجميع (7). و عن ابن أبي عقيل: أنّ في الاولى «الزلزلة»، و في الثانية «النصر»، و في الثالثة «و العاديات»، و في الرابعة «التوحيد» (8).

و قال في «الذكرى»: و روي القراءة ب«الزلزلة»، و «النصر»، و «القدر»،

____________

(1) وسائل الشيعة: 8/ 54 الحديث 10077.

(2) مدارك الأحكام: 4/ 206 و 207.

(3) النهاية: 141، المبسوط: 1/ 132، رسائل الشريف المرتضى (جمل العلم و العمل): 3/ 43، نقل عن ابن الجنيد في مختلف الشيعة: 2/ 347 الكافي في الفقه: 161، المهذّب: 1/ 149، المراسم: 84 و 85، المعتبر:

2/ 372، شرائع الإسلام: 1/ 111، تحرير الأحكام: 1/ 48، قواعد الأحكام: 1/ 41، تذكرة الفقهاء:

2/ 291، الدروس الشرعيّة: 1/ 198، الألفية و النفليّة: 146.

(4) من لا يحضره الفقيه: 1/ 348 الحديث 1537.

(5) نقل عن علي بن بابويه في مختلف الشيعة: 2/ 347 و 348.

(6) الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 155، مستدرك الوسائل: 6/ 228 الحديث 6780.

(7) المقنع: 140.

(8) نقل عن ابن أبي عقيل في مختلف الشيعة: 2/ 348.

39

..........

____________

و «التوحيد» (1)، انتهى.

و قد عرفت أنّ الذي ذكرنا عن «المدارك» أنّه صحيح، هو هذا الذي ذكره في «الذكرى»، و العمل بالكلّ حسن، إلّا أنّه لو اختار المشهور يكون أولى و أحوط البتة، و إن كان في سند روايتهم ضعف لانجبارها بالشهرة التي كادت تكون إجماعا، و بذكرها في «الكافي» (2)، و باختيار صاحب «الكافي».

السابع: المشهور أنّ العشر بعد السجدة الثانية قبل القيام، كما هو مقتضى الأخبار، بل في «الفقه الرضوي» صرّح بذلك (3)، و كذا في صحيحة بسطام، كما رواه المفيد (4).

و عن ابن أبي عقيل: ثمّ يرفع رأسه من السجود، ينهض قائما و يقول عشرا ثمّ يقرأ (5)، و العمل على المشهور البتة، بل هو الصحيح.

الثامن: هل يكتفى بالتسبيحات المذكورة عن ذكر الركوع و السجود أم لا بدّ من ذكرهما؟ الأحوط بل الأظهر أنّه لا بدّ من ذكرهما، و أنّ هذه التسبيحات تذكر بعد الفراغ عن ذكرهما، لظاهر قولهم (عليهم السلام): «فإذا ركعت قلت عشرا، و إذا سجدت قلت عشرا» (6)، و للاستصحاب في مقام التداخل.

و لا فرق بين المتداخلة و غيرها بالإجماع و الأخبار، و لأنّها لو كانت تكفي عنه لكانوا (عليهم السلام) يقولون: و تقول عوض ذكر الركوع كذا و كذا، و ذكر السجود كذا،

____________

(1) ذكرى الشيعة: 4/ 243.

(2) الكافي: 3/ 466 ذيل الحديث 1.

(3) الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 156، مستدرك الوسائل: 6/ 224 الحديث 6776.

(4) المقنعة: 168 و 169، وسائل الشيعة: 8/ 50 الحديث 10070.

(5) نقل عن ابن أبي عقيل في مختلف الشيعة: 2/ 351.

(6) وسائل الشيعة: 8/ 49 الحديث 10068.

40

..........

____________

فلا تكفي عن استحباب «سمع اللّه لمن حمده» بعد الرفع عن الركوع، و التكبير للهويّ إلى الركوع و السجود، و للرفع عن السجود، و عن الاستغفار بين السجدتين، إذ كفاية تلك التسبيحات عن جميع الامور المذكورة بعيدة، كما لا يخفى على المتأمّل.

و السياق بالنسبة إليها و إلى الامور المذكورة، و بالنسبة إليها و إلى ذكر الركوع و السجود واحد.

فيؤيّده عدم سقوط ذكر الركوع و السجود، و هذه التسبيحات لا تسقط التشهّد في الركعة الثانية، كما لا تسقط التسليم بالإجماع و الأخبار (1). و هذا من مؤيّدات عدم سقوط ذكر الركوع و السجود، فتأمّل جدّا! و هذه التسبيحات قبل الشروع في التشهّد بعد رفع الرأس عن السجود، كما هو ظاهر من الأخبار، بل وقع التصريح بذلك في بعض الأخبار (2).

التاسع: ورد في بعض الأخبار المعتبرة أنّ «من كان مستعجلا يصلّي صلاة جعفر مجرّدة عن التسبيحات، ثمّ يقضي التسبيحات و هو ذاهب في حوائجه» (3).

و في خبر آخر معتبر أيضا: «أنّه يصلّي إيّاها مجرّدة، ثمّ يقضي التسبيح» (4)، و الفقهاء أفتوا بهما (5).

و هذا ممّا ينادي بعدم سقوط ذكر الركوع و السجود و لا غيرهما في هذه

____________

(1) لاحظ! وسائل الشيعة: 8/ 49 الباب 1 من أبواب صلاة جعفر (عليه السلام).

(2) راجع! وسائل الشيعة: 8/ 49 الباب 1 من أبواب صلاة جعفر (عليه السلام).

(3) الكافي: 3/ 466 الحديث 3، تهذيب الأحكام: 3/ 187 الحديث 424، وسائل الشيعة: 8/ 60 الحديث 10090 مع اختلاف يسير.

(4) من لا يحضره الفقيه: 1/ 349 الحديث 1543، وسائل الشيعة: 8/ 60 الحديث 10091.

(5) المقنع: 141، البيان: 222، مسالك الأفهام: 1/ 280.

41

..........

____________

الصلاة، كما لا يخفى على الفطن.

العاشر: لو صلّى منها ركعتين ثمّ عرض عارض، بنى بعد إزالة عارضه بالركعتين الأخيرتين، و يأتي بهما بعد زوال عذره بلا فصل احتياطا، كما أنّ الفصل بين الأربع لا يفعل عن غير عذر احتياطا، لما ورد في بعض الأخبار عنهم حين ما سألوهم (عليهم السلام) عن جواز الفصل و البناء: «إن قطعه ذلك أمر لا بدّ منه فليقطع ثمّ ليرجع فليبن [على ما بقي] إن شاء اللّه» (1).

الحادي عشر: لا وقت لهذه الصلاة على سبيل الوجوب، بل تصلّى في أيّ ساعة تكون من الليل و النهار، ما لم يتضيّق وقت واجب، بل ما لم يكن وقت فريضة من الفرائض اليوميّة على الأحوط، و إذا كان الوقت الموسّع لفريضة اخرى، فالأولى و الأحوط تقديم الفريضة، بل تقديم الواجب الآخر أيضا، إلّا في صورة يكون تأخير الفريضة، و الواجب أولى.

و بالجملة؛ الأوقات بالنسبة إلى هذه الصلاة على السويّة في صورة عدم تحقّق مانع خارجي، و ورد في «الاحتجاج» أنّ أفضل أوقات هذه الصلاة صدر النهار يوم الجمعة (2). و ورد: أنّ الكاظم (عليه السلام) صلّاها عند ارتفاع نهار يوم الجمعة (3)، و الظاهر كون البناء عند الفقهاء على ذلك.

الثاني عشر: في «الاحتجاج»، عن الحميري، عن الصاحب (عليه السلام): أنّه إذا سها المصلّي في التسبيح في قيام أو قعود أو ركوع أو سجود و ذكر في حالة اخرى قد صار فيها من هذه الصلاة قضى ما ذكره في الحالة التي ذكره فيها (4).

____________

(1) من لا يحضره الفقيه: 1/ 349 الحديث 1541، تهذيب الأحكام: 3/ 309 الحديث 957، وسائل الشيعة: 8/ 59 الحديث 10088.

(2) الاحتجاج: 491، وسائل الشيعة: 8/ 56 الحديث 10080.

(3) جمال الاسبوع: 183.

(4) الاحتجاج: 482، وسائل الشيعة: 8/ 61 الحديث 10092 مع اختلاف يسير.

42

..........

____________

و في «الفقه الرضوي» أيضا: «إن نسيت التسبيح في ركوعك أو سجودك أو قيامك فاقض حيث ذكرت على أيّ حالة تكون» (1)، و لا بأس بالعمل بذلك لاعتبار الكتابين، سيّما في مثل المقام.

الثالث عشر: قال في «الذكرى»: و يصلّي صلاة جعفر سفرا و حضرا، و يجوز في المحمل مسافرا (2).

و في «المنتهى» قال: روى الشيخ في الصحيح (3)، عن علي بن سليمان قال:

كتبت إلى الرجل (عليه السلام): ما تقول في صلاة التسبيح في المحمل؟ فكتب: «إن كنت مسافرا فصلّ (4)» (5).

قلت: لا تأمّل في جواز فعلها سفرا أيضا، و الظاهر جواز فعلها على طريقة سائر النوافل، لكن الأولى و الأحوط العمل بهذه الصحيحة و ما يظهر من الفاضلين (6).

الرابع عشر: ورد دعاء مختصر للسجدة الأخيرة من هذه الصلاة مذكور في كتب الأخبار و الأدعية (7)، و دعاء آخر أبسط منه (8)، و أذكار و دعوات لما بعدها، من أراد المعرفة فعليه ب«المصباح» و غيره من كتب الأدعية (9).

____________

(1) الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 156، مستدرك الوسائل: 6/ 232 الحديث 6789.

(2) ذكرى الشيعة: 4/ 244.

(3) في (ف) و (ز 1) و (ط): في تهذيب الأحكام.

(4) تهذيب الأحكام: 3/ 309 الحديث 955، وسائل الشيعة: 8/ 58 الحديث 10086.

(5) منتهى المطلب: 6/ 148.

(6) شرائع الإسلام: 1/ 111، منتهى المطلب: 6/ 145- 148.

(7) الكافي: 3/ 467 الحديث 6، تهذيب الأحكام: 3/ 187 الحديث 425، وسائل الشيعة: 8/ 55 الحديث 10078.

(8) الكافي: 3/ 466 الحديث 5، من لا يحضره الفقيه: 1/ 349 الحديث 1544، وسائل الشيعة: 8/ 56 الحديث 10079.

(9) انظر! مصباح المتهجّد: 305- 314، جمال الاسبوع: 183- 191.

43

..........

____________

و ما ذكره المصنّف من الصحيح الدالّ على جواز جعلها من النوافل و القضاء، فهو صحيح ذريح، عن الصادق (عليه السلام) قال: «إن شئت صلّ صلاة التسبيح بالليل، و إن شئت بالنهار، و إن شئت في السفر، و إن شئت جعلتها من نوافلك، و إن شئت جعلتها من قضاء صلاة» (1).

و في رواية أبي بصير، عن الصادق (عليه السلام): «إن شئت حسبتها من نوافل الليل، و إن شئت حسبتها من نوافل النهار، و تحسب لك من نوافلك، و تحسب لك من صلاة جعفر» (2).

و ورد في غيرهما من الروايات أيضا (3)، و أفتى بذلك الفقهاء مثل العلّامة و الشهيد و غيرهما من المتأخّرين (4)، مضافا إلى من قال به من القدماء (5).

بل جوّز الشهيدان جعلهما من الفرائض أيضا (6)، بناء على أنّه ليس فيها ما ينافي و يضادّ هيئة الفريضة.

و يؤيّده إطلاق لفظ «قضاء صلاة» من دون تقييد بالنافلة.

و يمكن أن يستدلّ له بصحيحة بسطام على النحو الذي رواها المفيد، إذ في آخرها هكذا: فقال له بسطام: أبا لليل اصلّيها أم بالنهار؟ فقال: «لا، و لكن تصلّيها من صلاتك التي كنت تصلّي قبل ذلك» (7).

____________

(1) الكافي: 3/ 466 الحديث 2، تهذيب الأحكام: 3/ 187 الحديث 422، وسائل الشيعة: 8/ 57 الحديث 10083.

(2) من لا يحضره الفقيه: 1/ 349 الحديث 1542، وسائل الشيعة: 8/ 58 الحديث 10087.

(3) انظر! وسائل الشيعة: 4/ 56 الحديث 4496.

(4) مختلف الشيعة: 2/ 347، ذكرى الشيعة: 4/ 244، البيان: 222، الجامع للشرائع: 112، روض الجنان: 327، مسالك الأفهام: 1/ 280.

(5) نقل عن علي بن بابويه و ابن أبي عقيل في مختلف الشيعة: 2/ 347، الهداية: 154.

(6) البيان: 222، روض الجنان: 327 و انظر! مفتاح الكرامة: 3/ 268.

(7) نقل عن المفيد (رحمه اللّه) في الأربعين حديثا للشهيد الأوّل: 53 الحديث 23، وسائل الشيعة: 8/ 51 الحديث 10071، في المصادر: ابن بسطام.

44

..........

____________

و ظاهر غير الشهيدين عدم جعلها من الفرائض (1)، و هو الظاهر من الأخبار حيث قيّدوا فيها بالنوافل (2).

و ظاهر أنّ هذا القيد احترازي، مع أنّه لو كانت الفريضة أيضا تصحّ هكذا، لكانت أولى بالذكر؛ لأنّ كلّ واحد يصلّي الفريضة بخلاف النافلة، و لأنّ النافلة ربّما يسامح فيها ما لا يسامح في الفريضة.

فالتقييد بالنافلة يشير إلى أنّ هذا أيضا من ذلك، مع أنّ العبادة التوقيفيّة لا بدّ أن تكون هيئتها منصوصة أو إجماعيّة.

و أيضا لو كان يجوز ذلك لشاع و ذاع بمقتضى العادة و الدواعي، لا أن يصير الأمر بالعكس بحسب الفعل و الفتوى إلى زمان الشهيدين.

و لذا قيّدوا قوله (عليه السلام): «قضاء صلاة» بكونه قضاء النافلة بقرينة السياق، و أنّه لو جاز الإطلاق في القضاء لناسب الإطلاق بالنسبة إلى الأداء أيضا، فلا حاجة إلى التكليف و العناية في تطويل القيد و تكريره بالقول بالنافلة، و القول بالقضاء خاصّة، إذ كلّما ازداد القيد ازداد الإخراج قوّة، فكان اللازم عدم القيد؛ لأنّه يوهم خلاف المقصود، بل يدلّ عليه، فكيف الحال إذا ازداد القيد؟

و بالجملة؛ الأحوط الاجتناب.

نعم؛ في صورة الاستعجال لا بأس بارتكاب الأذكار خارجة عن الصلاة بقصد الترديد بأنّه إن صحّ كون ما فعله صلاة جعفر أيضا، فيكون تسبيح صلاة جعفر، و إلّا فذكر اللّه حسن على كلّ حال.

____________

(1) مثل العلّامة في مختلف الشيعة: 2/ 347.

(2) لاحظ! وسائل الشيعة: 8/ 57 الباب 5 من أبواب صلاة جعفر (عليه السلام).

45

39- مفتاح [الصلوات المسنونة]

يستحبّ الصلاة يوم الغدير بالمأثور (1)، و كذا أوّل ذي الحجّة، و ليلة المبعث و يومه، و ليلة النصف من شعبان، و ساعة الغفلة للخبر، و هي ما بين مغيب الشمس إلى مغيب الحمرة المغربيّة، و تسمّى صلاتها ب«الغفيلة» (2)، و للهدية للمعصومين (عليهم السلام)، و للاستخارة، و الحاجة، و الشكر، و تحيّة المسجد، و الزيارات، و للميّت ليلة الدفن، و للاستطعام، و الحبل، و للدخول بالزوجة و الاهتمام بالتزويج، و السفر، و للعافية و رفع الخوف.

و صلاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و أمير المؤمنين، و فاطمة، و الحسن، و الحسين (عليهم السلام) و الأعرابي.

و صلوات اخر غير ذلك، و هي مذكورة في أماكنها مع كيفيّتها و آدابها و مستندها.

____________

(1) انظر! وسائل الشيعة: 8/ 89 الباب 3 من أبواب بقيّة الصلوات المندوبة.

(2) وسائل الشيعة: 8/ 120 الباب 20، مستدرك الوسائل: 6/ 302 الباب 15 من أبواب بقية الصلوات المندوبة.

46

و في الخبر: «الصلاة خير موضوع فمن شاء استكثر و من شاء استقلّ» (1).

____________

(1) بحار الأنوار: 79/ 308 و 309 الحديث 9، مستدرك الوسائل: 3/ 42 و 43 الحديث 2971 و 2972.

47

قوله: (يستحبّ الصلاة يوم الغدير). إلى آخره.

____________

هو يوم الثامن عشر من ذي الحجّة قبل الزوال بنصف ساعة، و هذه الصلاة ركعتان يقرأ في كلّ ركعة منها «الحمد» مرّة، و «قل هو اللّه» عشرا، و آية الكرسي عشرا و «إنّا أنزلناه» عشرا، روى ذلك محمّد بن موسى الهمداني، عن علي بن حسان الواسطي، عن علي بن الحسين العبدي، عن الصادق (عليه السلام)، و فيها: أنّها «تعدل عند اللّه مائة ألف حجّة و مائة ألف عمرة، و ما سأل اللّه عزّ و جلّ حاجة من حوائج الدنيا و الآخرة إلّا قضيت له كائنة ما كانت، و إن فاتتك الركعتان قضيتها» (1).

و أمّا ما ذكره من سائر الصلوات؛ فهي في كتب الأدعية و الأخبار مذكورة (2)، لم نجد لذكرها هنا كثير فائدة؛ لأنّ محلّ ذكرها كتب الأدعية لا كتب الفقه، سيّما الاستدلاليّة منها.

نعم؛ الفقهاء يتوجّهون إلى بعض منها للخصوصيّة الظاهرة.

منها: صلاة الغفيلة و مرّ الكلام فيها (3).

و منها: صلاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، ففي «مصباح المتهجّد» (4) و «جمال الاسبوع»: أنّه سئل الرضا (عليه السلام) عن صلاة جعفر؟ فقال: «أين أنت عن صلاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟ فعسى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يصلّ صلاة جعفر، و لعلّ جعفر صلّى صلاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)». فقلت: علّمنيها، قال: «تصلّي ركعتين تقرأ في كلّ ركعة

____________

(1) تهذيب الأحكام: 3/ 143 الحديث 317، وسائل الشيعة: 8/ 89 الحديث 10154 مع اختلاف.

(2) لاحظ! وسائل الشيعة: 8/ 85 أبواب بقيّة الصلوات المندوبة.

(3) راجع! الصفحة: 502- 504 (المجلّد الثاني) من هذا الكتاب.

(4) مصباح المتهجّد: 290، وسائل الشيعة: 8/ 88 الحديث 10153.

48

..........

____________

فاتحة الكتاب و «إنّا أنزلنا» خمس عشرة مرّة ثمّ تركع فتقرأها و خمس عشرة مرّة إذا استويت قائما، و خمس عشرة مرّة إذا سجدت، و خمس عشرة مرّة إذا رفعت رأسك من السجود، و خمس عشرة مرّة في السجدة الثانية، و خمس عشرة مرّة قبل أن تنهض إلى الركعة الاخرى، ثمّ تقوم إلى الثانية فتفعل كما فعلت في الركعة الاولى، ثمّ تنصرف و ليس بينك و بين اللّه تعالى ذنب إلّا و قد غفر لك و تعطى جميع ما سألت»، و الدعاء بعدها: «لا إله إلّا اللّه». إلى آخر الدعاء (1).

و ذكرها الشيخ في سياق أعمال يوم الجمعة (2) و لا يظهر من الرواية المذكورة اختصاصها به.

و منها: صلاة أمير المؤمنين (عليه السلام) و هي أربع ركعات بتشهّدين و تسليمين، يقرأ في كلّ ركعة «الحمد للّه» مرّة، و «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ» خمسين مرّة رواها الصدوق في «الفقيه» في الصحيح (3)، و في «المجالس» أيضا (4)، و في «ثواب الأعمال» أيضا، و الكلّ بمضمون واحد، و فيها: أنّه «لم ينفتل و بينه و بين اللّه ذنب إلّا و قد غفر له» (5).

ثمّ روى في «الفقيه» عن العيّاشي (رحمه اللّه) هذه الصلاة بسنده إلى الصادق (عليه السلام):

«إنّ هذه الصلاة؛ صلاة فاطمة (عليها السلام)، و صلاة الأوّابين» (6).

و نقل عن شيخه ابن الوليد أنّه روى هذه الصلاة و ثوابها، و كان يقول:

لا أعرفها بصلاة فاطمة (عليها السلام)، و أمّا أهل الكوفة فإنّهم يعرفونها بصلاة

____________

(1) جمال الاسبوع: 162، مستدرك الوسائل: 6/ 272 الحديث 6838 مع اختلاف.

(2) مصباح المتهجّد: 290.

(3) من لا يحضره الفقيه: 1/ 356 الحديث 1559، وسائل الشيعة: 8/ 112 الحديث 10197.

(4) أمالي الصدوق (رحمه اللّه): 87 الحديث 3، وسائل الشيعة: 8/ 113 الحديث 10201.

(5) ثواب الأعمال: 62 و 63 الحديث 1، وسائل الشيعة: 8/ 112 الحديث 10197.

(6) من لا يحضره الفقيه: 1/ 356 الحديث 1560، وسائل الشيعة: 8/ 113 الحديث 10198.

49

..........

____________

فاطمة (عليها السلام) (1)، انتهى.

و في «المصباح»: روي هذه الصلاة؛ صلاة أمير المؤمنين (عليه السلام)، و أنّ من صلّاها خرج من ذنوبه كيوم ولدته امّه و قضيت حوائجه، و ذكر دعاء لما بعد الفراغ منها، ثمّ ذكر دعاء آخر، ثمّ ذكر صلاة اخرى لأمير المؤمنين (عليه السلام) تصلّى يوم الجمعة، مع دعاء و آداب، من أراد ما ذكر فليلاحظ «المصباح» (2).

و منها: صلاة فاطمة (عليها السلام) و هي ركعتان يقرأ في الاولى «الحمد» مرّة و «القدر» مائة مرّة، و في الثانية «الحمد» مرّة و «التوحيد» مائة مرّة.

ذكرها في «المصباح» و قال: إذا سلّمت سبّحت تسبيح الزهراء (عليها السلام)، ثمّ نقل دعاء يقرأ بعدها (3).

و في «جمال الاسبوع» نقلها بسنده إلى المفضل بن عمر، عن الصادق (عليه السلام)، و ذكر بعد هذه الصلاة تسبيح الزهراء (عليها السلام) كالشيخ، و قال: تكشف عن ركبتيك و ذراعيك على المصلّى و تدعو بهذا الدعاء، و تسأل حاجتك، و ذكر الدعاء (4).

و نقل لها (عليها السلام) صلاة اخرى أيضا، و هي ركعتان تقرأ في كلّ منهما بعد «الحمد» «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ» خمسين مرّة، ثمّ ترفع يديك، و تقول: «اللهمّ. إلى آخر الدعاء (5)، مذكور في «المصباح» (6) مع تلك الصلاة.

____________

(1) من لا يحضره الفقيه: 1/ 357، لاحظ! وسائل الشيعة: 8/ 113 الحديث 10199.

(2) مصباح المتهجّد: 292، وسائل الشيعة: 8/ 116 الحديث 10207.

(3) مصباح المتهجّد: 301، وسائل الشيعة: 8/ 114 الحديث 10202.

(4) جمال الاسبوع: 173، مستدرك الوسائل: 6/ 292 الحديث 6861.

(5) جمال الاسبوع: 172- 173.

(6) مصباح المتهجّد: 302.

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

الباب الثّاني في المقدّمات

القول في الوضوء

قال اللّه تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (1).

40- مفتاح [ما يجب له الوضوء]

وجوب الوضوء للصلاة الواجبة و شرطيّته للصلاة مطلقا من ضروريّات الدين.

____________

(1) المائدة (5): 6.

52

و يجب للطواف الواجب أيضا، و يشترط فيه بالنصّ (1) و الإجماع.

و لمس كتابة القرآن على المشهور، لتحريم مسّها على المحدث، كما يستفاد من الروايات (2)، و لكتابة القرآن للصحيح (3)، إلّا أنّي لم أجد به قائلا، و قد يجب بالنذر و شبهه، كما يأتي.

و لا يجب لغير ذلك بلا خلاف و لا لنفسه على المشهور، للأصل و مفهوم الآية (4)، و الصحيح: «إذا دخل الوقت وجب الطهور و الصلاة» (5).

و قيل: بل يجب الطهارات جمع بحصول أسبابها وجوبا موسّعا، لا يتضيّق إلّا بظنّ الفوات (6)، أو تضيّق وقت العبادة المشروطة بها (7)، لإطلاق أكثر النصوص.

و الصحيح استحبابها كذلك دون الوجوب، و إنّما تجب بوجوب المشروط بها.

____________

(1) الكافي: 4/ 420 الحديث 3، وسائل الشيعة: 13/ 374 الحديث 17994.

(2) لاحظ! وسائل الشيعة: 1/ 383 الباب 12 من أبواب الوضوء.

(3) تهذيب الأحكام: 1/ 127 الحديث 345، وسائل الشيعة: 1/ 384 الحديث 1015.

(4) فإنّ في «إذا» معنى الشرط فقبل دخول الوقت لا وجوب. و ربّما يجاب عن الآية بأنّ أقصى ما يدلّ عليه ترتّب الأمر بالغسل و المسح على إرادة الصلاة، و الإرادة متحقّقة قبل الوقت و بعده، إذ لا يعتبر فيها المقارنة للقيام، و إلّا لما كان الوضوء في أوّل الوقت واجبا بالنسبة إلى من أراد الصلاة في آخره.

و عن الحديث بأنّ المشروط وجوب الطهور و الصلاة معا، و انتفاء هذا المجموع يتحقّق بانتفاء أحد جزأيه، فلا يتعيّن انتفاؤهما معا «منه (رحمه اللّه)»، لاحظ! مدارك الأحكام: 1/ 10.

(5) تهذيب الأحكام: 2/ 140 الحديث 546، وسائل الشيعة: 1/ 372 الحديث 981.

(6) و تظهر الفائدة في نيّة الوجوب أو الندب قبل شغل الذمّة، و في العصيان بتركه أو ظنّ الموت قبله، و لو قلنا بعدم اشتراط الوجه- كما هو الأصحّ- لزال الإشكال في الأوّل «منه (رحمه اللّه)».

(7) ذكرى الشيعة: 1/ 194- 196، مدارك الأحكام: 1/ 10.

53

قوله: (للطواف الواجب). إلى آخره.

____________

هذا الإجماع نقله جماعة (1) و أمّا النصّ؛ فهو صحيح ابن مسلم، قال: سألت أحدهما (عليهما السلام) عن رجل طاف طواف الفريضة و هو على غير طهر؟ قال: «يتوضّأ و يعيد طوافه، و إن كان تطوّعا توضّأ و صلّى ركعتين» (2). إلى غير ذلك من الأخبار (3).

و منه يظهر عدم اشتراط الطواف المندوب بالطهارة، و هو الأصحّ و المشهور. لأنّهم يقيّدون الطواف بالواجب هنا كالمصنّف، فتأمّل! و يمكن الاستدلال لغير الأصح بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الطواف بالبيت صلاة» (4)، إذ ليس المراد أنّه صلاة حقيقة، فلا جرم يكون المراد مجازا، و أقرب المجازات المشاركة في جميع الأحكام، إلّا ما أخرجه الدليل.

و فيه؛ أنّ اشتراط الطهارة أيضا أخرجه الدليل، مضافا إلى أنّ الاستدلال المذكور فرع خروج الأقلّ و بقاء الأكثر، و عدم كون وجه الشبه أمرا حاضرا في الأذهان ينصرف إليه، و تمام التحقيق سيجيء في محلّه إن شاء اللّه.

قوله: (لتحريم مسّها). إلى آخره.

ستجيء الروايات الدالّة عليه، فيتوقّف وجوب الوضوء له على حرمة

____________

(1) الخلاف: 2/ 322 المسألة 129، تذكرة الفقهاء: 8/ 83، ذخيرة المعاد: 626، كفاية الأحكام: 66.

(2) الكافي: 4/ 420 الحديث 3، من لا يحضره الفقيه: 2/ 250 الحديث 1202، تهذيب الأحكام: 5/ 116 الحديث 380، الاستبصار: 2/ 222 الحديث 764، وسائل الشيعة: 13/ 374 الحديث 17994.

(3) راجع! وسائل الشيعة: 13/ 374 الباب 38 من أبواب الطواف.

(4) سنن الدرامي 2/ 66 الحديث 1847، سنن النسائي: 5/ 222، مسند أحمد: 4/ 423 الحديث 14997.

5/ 11 الحديث 16176.

54

..........

____________

المس على المحدث، و كون المس واجبا، و لذا قيّده الفقهاء بالواجب، و لكن يتوقّف أيضا على ثبوت وجوب مقدّمة الواجب المطلق مطلقا، أو إذا كان شرطا شرعيّا، و هو محلّ نظر، كما حقّق في الاصول (1).

و لعلّ مراد المصنّف من الوجوب الوجوب الشرطي، و لذا ترك قيد الوجوب في المس، فعلى حرمة المس على المحدث بالأصغر يتمّ مطلوبه، لكن لا مناسبة في ذكر الوجوب الشرطي هنا.

و أمّا الروايات الدالّة على حرمة المس، فمنها رواية أبي بصير، عن الصادق (عليه السلام) عمّن قرأ في المصحف و هو على غير وضوء، قال: «لا بأس و لا يمس الكتاب» (2).

و ليس في سندها من يتوقّف فيه، سوى الحسين بن مختار، و أبي بصير، و لا قدح من جهتهما.

أمّا من جهة أبي بصير، فلأنّه مشترك بين يحيى بن القاسم، و ليث المرادي، و كلاهما ثقتان (3)، و توهّم كون يحيى واقفيّا فاسد، لما حقّقنا في الرجال (4)، و على تقدير كون الحجّال يكنّى بأبي بصير، فهو أيضا ثقة.

و أمّا يوسف بن الحارث؛ فعلى تقدير تكنيته بأبي بصير، فهو أيضا من أصحاب الباقر (عليه السلام) مجهول نادر الرواية (5).

____________

(1) الوافية: 219.

(2) الكافي: 3/ 50 الحديث 5، تهذيب الأحكام: 1/ 127 الحديث 343، وسائل الشيعة: 1/ 383 الحديث 1012.

(3) رجال النجاشي: 441، جامع الرواة: 2/ 34 و 324.

(4) تعليقات على منهج المقال: 371.

(5) جامع الرواة: 2/ 352، لاحظ! معجم رجال الحديث: 20/ 166 الرقم 13789.