مصابيح الظلام - ج4

- الوحيد البهبهاني المزيد...
529 /
5

[تتمة فن العبادات و السياسات]

[تتمة كتاب مفاتيح الصلاة]

[تتمة الباب الثاني في المقدمات]

القول في الغسل

قال اللّه تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا (1)، و قال عزّ و جلّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ (2).

57- مفتاح [ما يجب له الغسل]

وجوب الغسل بالحدث الأكبر للصلاة الواجبة و شرطيّته لمطلق الصلاة من ضروريّات الدين، و كذا للطواف الواجب.

و يجب لمسّ كتابة القرآن لما مضى في الوضوء، و للمكث في المساجد، و وضع شيء فيها، و دخول المسجدين، و قراءة العزائم مع وجوب الأربعة،

____________

(1) المائدة (5): 6.

(2) البقرة (2): 222.

6

تحريمها على المحدث بالأكبر، لقوله تعالى وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ (1)، و للصحاح (2).

و قول الديلمي بالكراهة في غير [قراءة العزائم] شاذّ، كقوله بالتحريم فيها مطلقا (3)، و كقول القاضي بتحريم الزيادة على سبع آيات (4). و يدفعها جميعا الصحاح الصريحة (5).

و للدخول في صوم رمضان على المشهور، للصحاح المستفيضة (6)، خلافا للصدوق (7)، لظاهر فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ. إلى قوله حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ (8) و للصحاح (9)، و حملت على التقيّة (10)، و ربّما يحمل الأولى على الاستحباب (11)، و ليس بشيء.

و كيف كان، فلا يعمّ صوم غير رمضان، وفاقا للمعتبر (12)، و خلافا لظاهر الأكثر (13)، للصحيح الصريح في الثلاثة الأيّام المسنونة في

____________

(1) النساء (4): 43.

(2) لاحظ! وسائل الشيعة: 2/ 205 الباب 15 من أبواب الجنابة.

(3) المراسم: 42.

(4) المهذّب: 1/ 34.

(5) لاحظ! وسائل الشيعة: 2/ 215 الباب 19 من أبواب الجنابة.

(6) وسائل الشيعة: 10/ 61 الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.

(7) المقنع: 189.

(8) البقرة (2): 187.

(9) وسائل الشيعة: 10/ 57 الباب 13 من ابواب ما يمسك عنه الصائم.

(10) وسائل الشيعة: 10/ 59 و 60 ذيل الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، ذخيرة المعاد: 498.

(11) وسائل الشيعة: 10/ 63.

(12) المعتبر: 2/ 655 و 656.

(13) لاحظ! الحدائق الناضرة: 13/ 121.

7

الشهر (1)، و لا غسل غير الجنابة، وفاقا لجماعة من المتأخّرين (2)، و خلافا للآخرين (3)، و لا نصّ فيه للقدماء.

و ذلك لاختصاص الدليل بهما، على إشكال في الأخير، لورود الموثّق بإلحاق الحيض (4)، و الصحيح المشتمل على الحكم الغير المعمول بإلحاق الاستحاضة (5).

نعم، يلحق برمضان قضاؤه قطعا للصحيحين و غيرهما (6)، و علّله في الخبر بأنّه لا يشبه رمضان شيء من الشهور (7)، و الحسن صريح في عدم إلحاق التطوّع حين سئل عنه (8).

و على تقدير الوجوب فوقته تمام الليل كالنيّة، لعدم إمكان التحديد، و وجوب الإصباح متطهّرا.

و قد يجب الغسل بنذر و شبهه، كما يأتي، و لا يجب بغير ذلك بلا خلاف و لا لنفسه مطلقا، للنصّ (9)، بل يستحبّ، كما مرّ في الوضوء (10).

____________

(1) وسائل الشيعة: 10/ 68 الحديث 12846.

(2) نهاية الإحكام: 1/ 119، مجمع الفائدة و البرهان: 5/ 47، مدارك الأحكام: 6/ 57.

(3) منتهى المطلب: 2/ 566، ذخيرة المعاد: 498، لاحظ! الحدائق الناضرة: 13/ 123.

(4) وسائل الشيعة: 10/ 69 الحديث 12849.

(5) وسائل الشيعة: 10/ 66 الحديث 12842.

(6) وسائل الشيعة: 10/ 67 الباب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.

(7) وسائل الشيعة: 10/ 67 الحديث 12845.

(8) وسائل الشيعة: 10/ 68 الحديث 12846.

(9) من لا يحضره الفقيه: 1/ 22 الحديث 67، تهذيب الأحكام: 2/ 140 الحديث 546، وسائل الشيعة:

2/ 203 الحديث 1928.

(10) راجع! مفاتيح الشرائع: 1/ 38.

8

و ذهب جماعة إلى وجوب غسل الجنابة خاصّة لنفسه (1)، نظرا إلى إطلاق النصوص، و هو ضعيف، لأنّها مقيّدة بدلائل اخر، منها مفهوم الشرط في الآية (2). و حمل الواو على الاستيناف ضعيف، كما بيّن في محلّه، مع أنّه لا وجه لتخصيص ذلك بالجنابة. قال المحقق: و إخراج غسل الجنابة من دون ذلك تحكّم بارد (3).

و ربّما يقال: يتّجه ذلك في غسل مسّ الميّت، لأنّ الثابت فيه أصل الوجوب (4)، و لم نقف على ما يقتضي اشتراطه في شيء من العبادات، فلا مانع من أن يكون واجبا لنفسه، كغسل الجمعة و الإحرام عند من أوجبهما.

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان: 1/ 136، كفاية الأحكام: 3، كشف اللثام: 2/ 22 و 23، لاحظ! مفتاح الكرامة: 1/ 49.

(2) المائدة (5): 6.

(3) الرسائل التسع: 100.

(4) لاحظ! مدارك الأحكام: 1/ 16.

9

قوله: (وجوب الغسل). إلى آخره.

____________

الحدث الأكبر: هو الجنابة و الحيض و الاستحاضة و النفاس و مسّ الميّت من الآدمي بعد برده و قبل غسله.

و مقتضى ظاهر هذه العبارة أنّ الغسل للأحداث كلّها، إنّما يكون واجبا لغيره، لا لنفسه، و إن كان غسل المسّ، و هذا هو الظاهر من المشهور، و سيجيء الكلام فيه.

و قوله: (من ضروريّات الدين)، الضروري ما لا يحتاج ثبوته و العلم به إلى دليل، فلا يحتاج ما ذكره إلى الاستدلال، و أمّا الطواف الواجب، فسيجيء إن شاء اللّه تعالى في مبحثه.

و أمّا الوجوب لمسّ كتابة القرآن، فقد مضى دليله، و حرمة المسّ على المحدث بالأكبر إجماعي، كما نقل الفاضلان و غيرهما (1)، و إن نقل في «الذكرى» عن ابن الجنيد قوله بالكراهة، إذ صرّح بأنّه كثيرا ما يطلق الكراهة على الحرمة (2).

و كيف كان، قوله غير مضرّ في الإجماع.

ثمّ اعلم! أنّه لا وجه للتأمّل في حرمة المسّ على المستحاضة و ماسّ الميّت، لكونهما حدثا يتوقّف دفعه على الطهارة، فما لم يكن مطهّرا لا يجوز عليه مسّ القرآن، إذ لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (3)، و غير ذلك.

بل ورد في الموثّق عن عمّار عن الصادق (عليه السلام): «لا يمسّ الجنب درهما و لا

____________

(1) المعتبر: 1/ 187، تذكرة الفقهاء: 1/ 238، ذخيرة المعاد: 52.

(2) لاحظ! ذكرى الشيعة: 1/ 265.

(3) الواقعة (56): 79.

10

..........

____________

دينارا عليه اسم اللّه تعالى» (1).

و الموثّقة حجّة فلا يعارضه رواية أبي الربيع عنه (عليه السلام): «أنّه لا بأس به و ربّما فعلت» (2)، لعدم المقاومة، و لأمرهم (عليهم السلام) بتعظيم شعائر اللّه، و ما كانوا يأمرون بالبرّ و ينسون أنفسهم العياذ باللّه.

و ممّا ذكر ظهر الجواب عن غير رواية أبي الربيع أيضا، مع إمكان الحمل على الدرهم الخالي عن اسم اللّه تعالى، و كان معهودا بين السائل و المعصوم (عليه السلام)، فلا يعارض النصّ، فتأمّل! ثمّ اعلم! أنّ المراد من المسّ ما هو بالبشرة لصدق مسّ القرآن بمسّها، و لأنّها التي تصير محدثة و متطهرة، فلا يضرّ المسّ بالشعر، لعدم الروح، و عدم الحدث، و كذا الظفر.

مع احتمال كون المس بالظفر مسّا للقرآن، للصدق، و عدم لزوم كون الماسّ ذا روح و تطهر، مع أنّه يجب غسله (3) في الغسل، و احتمل العدم أيضا، لعدم تبادره من قوله تعالى لٰا يَمَسُّهُ. إلى آخره، و كذا ما ورد في الأخبار، و أنّ الظاهر أنّ الماس لا بدّ أن يكون متطهرا و لا يكون محدثا، لأنّ الحدث ينافي تعظيم القرآن.

و الأحوط الاجتناب، بل في الظفر أقوى أيضا، و وجوب الطهارة للمس إذا كان المس واجبا و إلّا فشرط، و ربّما يسمّى بالوجوب الشرطي، و تسميته بالواجب مجاز، لعدم وجوب فيه، و لأنّ الواجب ما يكون على تركه عقاب، و لذا قال المصنّف بعد هذا مع وجوب الأربعة.

____________

(1) تهذيب الأحكام: 1/ 31 الحديث 82، الاستبصار: 1/ 48 الحديث 133، وسائل الشيعة: 2/ 214 الحديث 1960.

(2) المعتبر: 1/ 188، وسائل الشيعة: 2/ 215 الحديث 1963 مع اختلاف يسير.

(3) في (ف) و (ز 1) و (ط): غسل الظفر.

11

قوله: (و للمكث في المساجد).

____________

هذا أيضا كسابقه مقيّد و مشروط بالوجوب، و إلّا فشرط و وجوب شرطي.

و ظاهر العبارة أنّ الغسل عن كلّ حدث يجب للمكث، كما يجب لمسّ كتابة القرآن.

أمّا مسّ كتابة القرآن، فلاشتراط الطهارة فيه، و المحدث غير متطهّر، و الجميع حدث حتّى مسّ الميّت، كما ستعرف.

و أمّا المكث، فقد ورد أنّ الجنب و الحائض لا يدخلان المسجد إلّا مجتازين، رواه زرارة و محمّد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) في الصحيح (1).

و في صحيحة أبي حمزة عنه (عليه السلام) قال في الجنب: «لا بأس أن يمرّ في سائر المساجد و لا يجلس في شيء من المساجد» (2).

و مثلها حسنة جميل عن الصادق (عليه السلام) (3)، و مثل الاولى رواية ابن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (4).

و ممّا ذكر ظهر ضعف القول بكراهة مكثهما فيها كما حكي عن سلّار (5)، فإذا وجب عليهما المكث فيها وجب عليهما الغسل له، و كذا إذا أرادا ذلك وجب

____________

(1) علل الشرائع: 288 الحديث 1، وسائل الشيعة: 2/ 207 الحديث 1940.

(2) الكافي: 3/ 73 الحديث 14، تهذيب الأحكام: 1/ 407 الحديث 1280، وسائل الشيعة: 2/ 206 الحديث 1936.

(3) الكافي: 3/ 50 الحديث 4، تهذيب الأحكام: 1/ 125 الحديث 338، وسائل الشيعة: 2/ 205 الحديث 1932.

(4) تهذيب الأحكام: 1/ 371 الحديث 1132، وسائل الشيعة: 2/ 209 الحديث 1947.

(5) نقل عنه في الحدائق الناضرة: 3/ 50، المراسم: 42.

12

..........

____________

بالوجوب الشرطي.

و أمّا النفاس، فقد مرّ أنّ حكمه حكم الحيض، إلّا أن يدلّ دليل على خلافه.

و هذا إجماعي أيضا على ما نقل (1)، لكن مقتضى الأدلّة أنّ الحائض لا يجوز لها المكث، و في حال الحيض لا يرتفع حيضها بالغسل، و بعد الخروج عن الحيض لا يسمّى حائضا حقيقة و إن قلنا بعدم اشتراط بقاء المبدأ في صدق المشتق، إذ معلوم أنّ الحائض بعد تماميّة حيضها لو كانت حائضا أيضا على سبيل الحقيقة تكون حائضا حقيقة في جميع أوقات عمرها بعد صدور حيض واحد، إذ الغسل أمر شرعي لا يكون له مدخليّة في الوضع اللغوي و العرفي البتة، فيكون انقطاع الحيض و الدخول في الطهر كانقطاع الكفر و الدخول في الإسلام.

فوجوب الغسل عليها للمكث فيها إنّما هو بعد الخروج عن الحيض و قبل الغسل استصحابا للمنع السابق، حتّى يثبت خلافه، و لم يثبت إلّا بعد الغسل.

و يؤيّده تعليق الحكم على الحيض المشعر بالعلّية مع ضمّها مع الجنب، فيكون ظاهرا في كون حدثها المانع من المكث كحدث الجنب، لا انحصار المنع في خصوص سيلان الدم و صدوره، فتأمّل! و سيجيء زيادة التوضيح في صحيحة زرارة، فتأمّل! مضافا إلى أنّ المشهور ألزموا عليها الغسل للمكث، بل ادّعى في «المنتهى» الإجماع عليه (2).

و سيجيء أنّ الحائض تتيمم للخروج عن المسجدين، فتأمّل! و ما ورد عن الصادق (عليه السلام) من أنّه: «لا بأس بأن ينام الجنب في المسجد» (3)

____________

(1) منتهى المطلب: 2/ 449.

(2) منتهى المطلب: 2/ 349.

(3) تهذيب الأحكام: 1/ 371 الحديث 1134، وسائل الشيعة: 2/ 210 الحديث 1948، في المصدرين (عن أبي الحسن (عليه السلام)).

13

..........

____________

فشاذّ متروك أو مأوّل.

و هل لهما أن يتردّدا في جوانب المسجد بحيث يخرجان عن الاجتياز الوارد في الأخبار المزبورة؟

قيل: لا (1)، لما ذكر. و قيل: نعم (2)، لأنّ المراد من الاجتياز ما هو في مقابل الجلوس، و لرواية جميل عن الصادق (عليه السلام): «للجنب أن يمشي في المساجد كلّها و لا يجلس فيها» (3).

و الأحوط الأوّل لو لم نقل أنّه أقوى.

و أمّا غسل الاستحاضة، فقد مرّ في مبحثه ما يتعلّق بالمقام فلاحظ! و أمّا غسل المسّ، فسيجيء إن شاء اللّه.

قوله: (و وضع شيء فيها).

هذا هو المشهور، بل مذهب الأصحاب- على ما نقل- عدا سلّار، فإنّه كره الوضع فيها (4).

و يدلّ على التحريم صحيحة عبد اللّه بن سنان أنّه سأل الصادق (عليه السلام) عن الجنب و الحائض يتناولان من المسجد المتاع يكون فيه؟ قال: «نعم، و لكن لا يضعان في المسجد شيئا» (5).

____________

(1) قاله الكركي في جامع المقاصد: 1/ 266.

(2) قاله العاملي في مدارك الأحكام: 1/ 281.

(3) الكافي: 3/ 50 الحديث 3، وسائل الشيعة: 2/ 206 الحديث 1934.

(4) المراسم: 42.

(5) الكافي: 3/ 51 الحديث 8، تهذيب الأحكام: 1/ 125 الحديث 339، وسائل الشيعة: 2/ 213 الحديث 1957.

14

..........

____________

و في «الفقه الرضوي»: «و ليس للحائض و الجنب أن يضعا في المسجد شيئا و لهما أن يأخذا منه، لأنّ ما فيه لا يقدران على أخذه من غيره و هما قادران على وضع ما معهما في غيره» (1).

و ورد هذا المضمون في صحيحة زرارة و ابن مسلم، عن الباقر (عليه السلام) قالا: قلنا له: الحائض و الجنب يدخلان المسجد أم لا؟ قال: «لا يدخلان إلّا مجتازين إنّ اللّه تعالى يقول وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا (2) و يأخذان من المسجد و لا يضعان فيه شيئا»، قال زرارة: قلت: ما بالهما يأخذان منه و لا يضعان فيه؟

قال: «لأنّهما لا يقدران على أخذ ما فيه إلّا منه، و يقدران على وضع ما بيدهما في غيره»، قلت: فهل يقرءان من القرآن شيئا؟ قال: «نعم ما شاء إلّا السجدة، و يذكران على كلّ حال» (3).

قيل: و يختصّ التحريم بالوضع المستلزم للّبث (4).

و فيه، أنّ الأخبار المذكورة عامة.

و صرّح الشهيد الثاني بعدم الفرق بين الوضع من داخل المسجد أو من خارجه، للعموم (5).

و قيل بالاختصاص بالأوّل، لكونه المتبادر (6).

و ربّما كان في هذه الصحيحة إيماء إلى أنّ الحائض مثل الجنب في وجوب

____________

(1) الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 85، مستدرك الوسائل: 1/ 463 الحديث 1169.

(2) النساء (4): 43.

(3) علل الشرائع: 288 الحديث 1، وسائل الشيعة: 2/ 213 الحديث 1958.

(4) المقتصر: 49.

(5) الروضة البهيّة: 1/ 92.

(6) قاله العاملي في مدارك الأحكام: 1/ 282.

15

..........

____________

الغسل عليها بعد زوال حدثها، كما أشرنا، فتأمّل! و قيل: و يلحق بالمسجد المشاهد المشرّفة و الضرائح المقدّسة، لاشتمالها على فائدة المسجد مع زيادة الشرف بالمنسوب إليه (1)، و توقّف بعض آخر فيه (2).

و اعلم! أنّ ما ذكر من عدم جواز المكث و الوضع إنّما هما بالنسبة إلى الحائض و الجنب و النفساء لا غير، بل ما ذكره المصنّف لا يتمشّى إلّا في الجملة، لا بالنسبة إلى كلّ واحد واحد من الأحداث الكبار، إذ المستحاضة قد ظهر حكمها، و المسّ سيظهر.

نعم، وردت الأخبار بمنع دخول الجنب بيوت الأنبياء (3)، و لا يبعد شموله ضرائحهم المقدّسة، لأنّ حرمة المؤمن حيّا حرمته ميّتا، كما ورد عنهم (عليهم السلام) (4)، و غير ذلك.

و شمول ذلك الحائض و النفساء محلّ تأمّل، لحرمة القياس، بل الظاهر كونه مع الفارق أيضا، لأنّ الظاهر أنّ الحائض و النفساء ربّما كنّ يدخلن بيوتهم (عليهم السلام) للسؤال عن المشكلات التي كانت ترد عليهنّ.

مضافا إلى أنّ بيوتهم ما كانت خالية من النساء و الجواري لهم و لخدمهم و مماليكهم و غيرهم، من غير سلوك دخول المسجدين و المكث في المساجد معهنّ، مع عموم البلوى و شدّة الحاجة، فلو كان منع لاشتهر اشتهار الشمس و لم يخف، فتأمّل جدّا! إلّا أنّ الأحوط أن يكون حال الحيض و النفاس أيضا حال الجنابة بالنسبة

____________

(1) قاله الشهيد في ذكرى الشيعة: 1/ 278.

(2) منهم صاحب مدارك الأحكام: 1/ 282.

(3) لاحظ! وسائل الشيعة: 2/ 211 الباب 16 من أبواب الجنابة.

(4) تهذيب الأحكام: 1/ 465 الحديث 1522، وسائل الشيعة: 3/ 219 الحديث 3453 مع اختلاف يسير.

16

..........

____________

إلى ضرائحهم المقدّسة، و الأخبار الواردة بمنع دخول الجنب في بيوتهم (عليهم السلام) و هي كثيرة.

و منها: صحيحة بكر بن محمّد المرويّة في «بصائر الدرجات» قال: خرجنا من المدينة نريد [منزل] الصادق (عليه السلام) فلحقنا أبو بصير خارجا من زقاق و هو جنب، و لا نعلم حتّى دخلنا على الصادق (عليه السلام)، فرفع رأسه إلى أبي بصير فقال: «يا أبا محمّد! أما تعلم أنّه لا ينبغي لجنب أن يدخل بيوت الأنبياء (عليهم السلام)؟» قال: فرجع أبو بصير و دخلنا (1).

و مثله روى في «قرب الإسناد» (2)، و لفظ «لا ينبغي» و إن لم يكن ظاهرا في الحرمة، إلّا أنّ أبا بصير كان دخوله لأجل تحصيل الفقاهة الواجبة و المعارف اللازمة، بل ربّما كان أبو بصير يسأل عن واجب أو حرام يجب معرفتهما و معرفة بعض أحكامهما أو أحوالهما وجوبا مضيّقا أو فوريّا.

مع أنّ طلب العلم فريضة على كلّ مسلم (3) و في كلّ وقت، كما هو مقتضى الأخبار (4) فكيف أخرج المعصوم (عليه السلام)- بهذا الكلام- أبا بصير؟ لأنّه فهم عدم رضاء المعصوم (عليه السلام) فخرج، بل أنكر على دخوله، فتعيّن خروجه خلوصا عن إنكاره، و بعد ما خرج أقرّه عليه.

بل الكشّي روى هذه الحكاية بالنحو الذي ذكر، إلّا أنّ فيها: أنّ المعصوم (عليه السلام) بعد دخولهم عليه أحدّ النظر إلى أبي بصير و قال: «هكذا تدخل بيوت الأنبياء و أنت جنب؟» فقال: أعوذ باللّه من غضب اللّه و غضبك، و أستغفر اللّه و لا

____________

(1) بصائر الدرجات: 241 الحديث 23، وسائل الشيعة: 2/ 211 الحديث 1952.

(2) قرب الإسناد: 43 الحديث 140.

(3) في (ف) و (ز 1) و (ط): مؤمن و مؤمنة، بدلا من: مسلم.

(4) الكافي: 1/ 30، باب فرض العلم و وجوب طلبه و الحث عليه.

17

..........

____________

أعود (1).

و معلوم أنّ حدّة النظر إنّما هو في حال الغضب على من يحدّ النظر إليه، و لهذا قال: أعوذ باللّه. إلى آخره.

و مقتضى الروايات المذكورة المنع عن الدخول مطلقا، لا خصوص المكث، و لذا ما قال: «يمكث»، بل قال: «يدخل»، و لا مانع عن المنع المذكور بعد ما ظهر من الأخبار، و لم يظهر ما يخالفه من إجماع (2) أو غيره من الأدلّة.

قوله: (و دخول المسجدين).

أي: مسجد الحرام و مسجد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

هذا الحكم أيضا كسابقه في الجنب و الحائض و النفساء موضع وفاق.

و يدلّ عليه الأخبار مثل صحيحة ابن مسلم، عن الباقر (عليه السلام): «أنّ الجنب و الحائض لا يقربان المسجدين الحرمين» (3).

و مثلها صحيحة محمّد بن حمران عن الصادق (عليه السلام) (4).

و في صحيحة أبي حمزة عن الباقر (عليه السلام): «إنّ المحتلم فيهما يجب عليه التيمم للمرور» (5). و سيجيء التحقيق في ذلك إن شاء اللّه تعالى.

و رواية جميل عن الصادق (عليه السلام): «للجنب أن يمشي في المساجد كلّها و لا يجلس فيها إلّا المسجد الحرام و مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» (6).

____________

(1) رجال الكشي: 1/ 399 الرقم 288، وسائل الشيعة: 2/ 212 الحديث 1956.

(2) في (ف) و (ز 1) و (ط) زيادة: أيضا.

(3) تهذيب الأحكام: 1/ 371 الحديث 1132، وسائل الشيعة: 2/ 209 الحديث 1947.

(4) تهذيب الأحكام: 6/ 15 الحديث 34، وسائل الشيعة: 2/ 206 الحديث 1935.

(5) تهذيب الأحكام: 1/ 407 الحديث 1280، وسائل الشيعة: 2/ 206 الحديث 1936.

(6) الكافي: 3/ 50 الحديث 3، وسائل الشيعة: 2/ 206 الحديث 1934.

18

..........

____________

و نقل في «الذكرى» عن الصدوقين و المفيد أنّهم أطلقوا الحكم بحرمة المكث دون الاجتياز (1).

و ربّما كان مرادهم سوى المسجدين الحرامين، و لذا قال في «التذكرة»: و إليه ذهب علماؤنا (2)، و ابن زهرة أيضا نقل الإجماع من دون إشارة إلى مخالف (3).

قال في «المدارك»: تحريم الجواز في هذين المسجدين قول علمائنا أجمع (4).

قوله: (و قراءة العزائم).

المراد منها السورة التي فيها سجدة واجبة و هي: «الم السجدة»، و «حم السجدة»، و «النجم»، و «اقرأ»، و الحكم بتحريم قراءة هذه السور و أبعاضها إجماعي، نقل عليه الإجماع جماعة منهم المحقّق في «المعتبر» (5).

و يدلّ عليه موثّقة زرارة و ابن مسلم عن الباقر (عليه السلام): «أنّ الحائض و الجنب يقرءان ما شاءا إلّا السجدة» (6).

و نقل عن كتاب «العلل» هذه الرواية بطريق صحيح (7)، و في الحسن بإبراهيم- عنه (عليه السلام): «الجنب و الحائض يفتحان المصحف من وراء الثوب، و يقرءان من القرآن ما شاءا إلّا السجدة» (8).

____________

(1) ذكرى الشيعة: 1/ 267.

(2) تذكرة الفقهاء: 1/ 240.

(3) غنية النزوع: 37.

(4) مدارك الأحكام: 1/ 282.

(5) المعتبر: 1/ 186 و 187.

(6) تهذيب الأحكام: 1/ 129 الحديث 352، الاستبصار: 1/ 115 الحديث 384، وسائل الشيعة:

1/ 312 الحديث 822.

(7) علل الشرائع: 288 الحديث 1.

(8) تهذيب الأحكام: 1/ 371 الحديث 1132، وسائل الشيعة: 2/ 217 الحديث 1970.

19

..........

____________

قال في «المدارك»: ليس في هاتين الروايتين مع قصور سندهما تحريم قراءة ما عدا نفس السجدة، إلّا أنّ الأصحاب قاطعون بتحريم السورة كلّها، و نقلوا عليه الإجماع، و لعلّه الحجّة، و على هذا فيحرم قراءة أجزائها المختصّة و المشتركة مع النيّة (1)، انتهى.

أقول: الخدشة في السند لا وجه لها بعد ما عرفت مرارا، مضافا إلى حجّية الموثّق و مثل الحسن المذكور.

مع أنّ الضعيف إذا انجبر بفتاوى الأصحاب يكون حجّة، فما ظنّك بهما؟

و في «الفقه الرضوي»: «و لا بأس بذكر اللّه و قراءة القرآن و أنت جنب، إلّا العزائم التي تسجد فيها، و هي: الم تنزيل، و حم السجدة، و النجم، و سورة «اقرأ»، و لا تمسّ القرآن إذا كنت جنبا أو [كنت على] غير وضوء و مسّ الأوراق» (2)، انتهى.

و هذه تدلّ على المنع من نفس السورة، مع أنّ لفظ «السجدة» في الروايتين غير محمول على معناه الحقيقي قطعا، فلا جرم يكون المراد منه معنى آخر، و ليس إلّا آية السجدة أو سورة السجدة، و الثاني متعارف في القرآن، مثلا يقولون:

«حم»، و يريدون سورة «حم»، و كذلك «الم» و البقرة و الأنعام و «ص» و الأعراف و تنزيل و «يس» و الصافّات و الفيل. إلى غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة، فالموافق لهذا كون المراد سورة السجدة.

و لذلك فهم الأصحاب كذلك و أفتوا بذلك، و فهمهم و فتواهم و اتّفاقهم في الفتوى و الفهم قرينة اخرى واضحة، كذلك الإجماعات و عبارة «الفقه [الرضوي]» المذكورة.

____________

(1) مدارك الأحكام: 1/ 278 و 279.

(2) الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 84 و 85، مستدرك الوسائل: 1/ 465 و 464 الحديث 1173 و 1171.

20

..........

____________

و ظهر ممّا ذكر حرمة الأجزاء المختصّة و المشتركة مع النيّة أيضا، كما ذكر، و من المشتركة البسملة.

ثمّ اعلم! أنّ حال مسّ المصحف حال قراءة السجدة، فيحرم مسّ كلّ جزء من القرآن المختصّ به و المشترك بينه و بين غيره إذا علم من القرينة أنّ المراد منه القرآن و جزؤه حتّى الحروف، بل التشديد أيضا، لأنّه حرف أيضا و جزء.

قوله: (و قول الديلمي). إلى آخره.

قد عرفت التحقيق في ذلك (1).

قوله: (كقوله). إلى آخره.

اختلف الأصحاب في قراءة القرآن للجنب و الحائض عدا العزائم، فالمشهور الجواز، حتّى أنّه نقل عن المرتضى الإجماع عليه (2)، و الشيخ في «الخلاف»، و المحقّق في «المعتبر» (3).

و نقل عن سلّار في أحد قوليه تحريم القراءة مطلقا (4). و عن ابن البرّاج تحريم ما زاد على سبع آيات (5). و نسب إلى الشيخ في كتابيه الحديث (6).

و نقل في «المنتهى» عن بعض الأصحاب تحريم ما زاد على السبعين (7).

____________

(1) راجع! الصفحة: 11- 17 من هذا الكتاب.

(2) نقل عنه في مدارك الأحكام: 1/ 284 و 285، لاحظ! الانتصار: 31.

(3) الخلاف: 1/ 101 المسألة 47، المعتبر: 1/ 186 و 187.

(4) نقل عنه الشهيد في ذكرى الشيعة: 1/ 269.

(5) المهذّب: 1/ 34.

(6) نسب إليه في مختلف الشيعة: 1/ 334، لاحظ! تهذيب الأحكام: 1/ 128 ذيل الحديث 349، الاستبصار: 1/ 115 ذيل الحديث 383.

(7) منتهى المطلب: 2/ 219.

21

..........

____________

و المشهور أقوى، للأصول و العمومات، و خصوص صحيحة الفضيل عن الباقر (عليه السلام): «لا بأس أن يتلو الجنب و الحائض القرآن» (1).

و صحيحة الحلبي عن الصادق (عليه السلام): أ تقرأ النفساء و الحائض و الجنب و الرجل يتغوط، القرآن؟ قال: «يقرءون ما شاءوا» (2).

و موثّقة ابن بكير عن الصادق (عليه السلام): عن الجنب يأكل و يشرب و يقرأ القرآن، قال: «نعم يأكل و يشرب و يقرأ، و يذكر اللّه عزّ و جلّ ما شاء» (3).

و يدلّ عليه الأخبار السابقة في منع قراءة العزائم (4). إلى غير ذلك، و لا يعارضها موثّقة سماعة المضمرة قال: سألته عن الجنب هل يقرأ القرآن؟ قال: «ما بينه و بين سبع آيات» (5)، و في رواية زرعة عن سماعة: «سبعين» (6)، لعدم المقاومة من وجوه متعدّدة: الشهرة بين الأصحاب، و الصحّة في السند، و الكثرة في العدد،- بل في الصحيح منها و المعتبرة أيضا- و الموافقة للأصول و العمومات، بل الاصول و العمومات بأنفسهما حجج، و للإضمار و الاضطراب و الندرة عددا و فتوى، و عدم

____________

(1) تهذيب الأحكام: 1/ 128 الحديث 347، الاستبصار: 1/ 114 الحديث 380، وسائل الشيعة:

2/ 217 الحديث 1968 مع اختلاف يسير.

(2) تهذيب الأحكام: 1/ 128 الحديث 348، الاستبصار: 1/ 114 الحديث 381، وسائل الشيعة:

2/ 217 الحديث 1969.

(3) الكافي: 3/ 50 الحديث 2، تهذيب الأحكام: 1/ 128 الحديث 346، الاستبصار: 1/ 114 الحديث 379، وسائل الشيعة: 2/ 215 الحديث 1965.

(4) وسائل الشيعة: 2/ 215 الباب 19 من أبواب الجنابة، راجع! الصفحة: 18 و 19 من هذا الكتاب.

(5) تهذيب الأحكام: 1/ 128 الحديث 350، الاستبصار: 1/ 114 الحديث 383، وسائل الشيعة:

2/ 218 الحديث 1972.

(6) تهذيب الأحكام: 1/ 128 الحديث 351، الاستبصار: 1/ 114 الحديث 383، وسائل الشيعة:

2/ 218 الحديث 1973.

22

..........

____________

صحّة السند، و عدم قوّة الدلالة فيهما، إذ ليست دلالتها بمثابة دلالة المعارض، لجواز إرادة الكراهة بخلاف تلك الأخبار.

و ممّا ذكر ظهر حجّة المخالف للمشهور و جوابها، لانحصارها فيما ذكرنا، فظهر ممّا ذكرنا عدم الكراهة أيضا.

و ربّما قيل بالكراهة، و تأييدها باشتهار النهي عن قراءة القرآن للجنب و الحائض في عهد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) (1). و من ثمّ تخلص عبد اللّه بن رواحة من تهمة امرأته بأمته، بأن شرع في القراءة فقالت: صدق اللّه و رسوله و كذب بصري (2).

و ما نقل عن علي (عليه السلام) أنّه لم يكن يحجب النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو قال يحجزه عن قراءة القرآن شيء ليس (3) الجنابة (4). و لا يخفى ما فيه، لأنّ ما ذكر و أمثاله من العامة كيف يقاوم ما ذكرنا؟

بل غير خفي على المتأمّل أنّ ما ذكرنا من الأخبار ردّ على العامّة في اعتقاداتهم برواياتهم.

فعلى هذا، رواية سماعة على تقدير الصحّة و الخلوص ممّا ذكرنا يجوز حملها على التقيّة، لكونها موافقة لهم.

و هم (عليهم السلام) أمرونا في أخبار متواترة بترك ما وافق العامّة و الأخذ بما خالفهم، كما أنّهم (عليهم السلام) أمرونا بالأخذ بما وافق الكتاب و عموماته و ترك ما خالفه، و الأخذ بما اشتهر بين الأصحاب و ترك ما خالفه، و الأخذ بما أخبر به العدل أو الأعدل (5). إلى

____________

(1) ذكرى الشيعة: 1/ 269 و 270.

(2) زهر الربيع: 156 و 157، المجموع للنووي: 2/ 159، سنن الدار قطني: 1/ 127 الحديث 426.

(3) في (ك): سوى.

(4) سنن ابي داود: 1/ 59 الحديث 229، سنن النسائي: 1/ 144.

(5) الكافي: 1/ 67 الحديث 10، تهذيب الأحكام: 6/ 301 الحديث 845، وسائل الشيعة: 27/ 106 الحديث 33334، 112 الحديث 33352، 118 الحديث 33362.

23

..........

____________

غير ذلك.

فعلى هذا يكون الحكم بالكراهة في السبع أو السبعين من جهة الخروج عن الشبهة أيضا محلّ تأمّل ظاهر.

قوله: (و للدخول). إلى آخره.

المشهور كذلك، بل في «الانتصار» ممّا انفردت به الإماميّة إيجابهم على من أجنب في ليل شهر رمضان و تعمّد البقاء إلى الصباح من غير اغتسال القضاء و الكفّارة (1). بل في «المنتهى» و «التذكرة» أنّه مذهب علمائنا (2)، و كذلك قال ابن إدريس، ثمّ قال: و لا يعتدّ بالشاذّ الذي يخالف ذلك (3).

أقول: الظاهر أنّ الشاذ هو الصدوق على ما ستعرف.

و أمّا الصحاح الدالّة على ذلك، فهي صحيحة البزنطي عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن رجل أصاب من أهله في شهر رمضان أو أصابته جنابة ثمّ ينام حتّى يصبح متعمّدا؟ قال: «يتمّ ذلك اليوم و عليه قضاؤه» (4).

و صحيحة ابن أبي يعفور عن الصادق (عليه السلام): الرجل يجنب في شهر رمضان ثمّ يستيقظ ثمّ ينام حتّى يصبح؟ قال: «يتمّ يومه و يقضي يوما آخر، و إن لم يستيقظ حتّى يصبح أتمّ يومه و جاز له» (5).

____________

(1) الانتصار: 63.

(2) منتهى المطلب: 2/ 566 ط. ق، تذكرة الفقهاء: 6/ 26.

(3) السرائر: 1/ 377.

(4) تهذيب الأحكام: 4/ 211 الحديث 614، الاستبصار: 2/ 86 الحديث 268، وسائل الشيعة: 10/ 62 الحديث 12834.

(5) تهذيب الأحكام: 4/ 211 الحديث 612، الاستبصار: 2/ 86 الحديث 269، وسائل الشيعة: 10/ 61 الحديث 12832.

24

..........

____________

و صحيحة معاوية بن عمّار عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال له: فإنّه استيقظ ثمّ نام حتّى أصبح، قال: «فليقض ذلك اليوم عقوبة» (1).

و مثلها صحيحة ابن مسلم عنه (عليه السلام) (2)، و صحيحة الحلبي عنه (عليه السلام) عن رجل أجنب في شهر رمضان فنسي أن يغتسل حتّى خرج [شهر] رمضان؟ [قال: عليه ان يقضي] قضاء الصلاة و الصيام» (3). إلى غير ذلك من الصحاح و غيرها، و هي في غاية الكثرة.

منها: موثقة أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ثمّ ترك الغسل متعمّدا حتّى أصبح، قال: «يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستّين مسكينا»، قال: و قال: «إنّه خليق أن لا أراه يدركه أبدا» (4).

قال المحقّق- بعد نقل هذه الرواية: و بهذا أخذ علماؤنا إلّا شاذّ (5)، انتهى.

و نقل عن الصدوق (رحمه اللّه) أنّه قال في «المقنع»: و سأل حمّاد بن عثمان أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أجنب في شهر رمضان من أوّل الليل و أخّر الغسل إلى أن يطلع الفجر؟ فقال له: «قد كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يجامع نساءه من أوّل الليل و يؤخّر

____________

(1) تهذيب الأحكام: 4/ 212 الحديث 615، الاستبصار: 2/ 87 الحديث 271، وسائل الشيعة: 10/ 61 الحديث 12831.

(2) الكافي: 4/ 105 الحديث 2، تهذيب الأحكام: 4/ 211 الحديث 613، الاستبصار: 2/ 86 الحديث 270، وسائل الشيعة: 10/ 62 الحديث 12833.

(3) تهذيب الأحكام: 4/ 311 الحديث 938، وسائل الشيعة: 10/ 238 الحديث 13313.

(4) تهذيب الأحكام: 4/ 212 الحديث 616، الاستبصار: 2/ 87 الحديث 272، وسائل الشيعة: 10/ 63 الحديث 12837 مع اختلاف يسير.

(5) المعتبر: 2/ 655.

25

..........

____________

الغسل حتّى يطلع الفجر، و لا أقول كما يقول هؤلاء الأقشاب يقضي يوما مكانه» (1).

قيل: عادته (رحمه اللّه) في هذا الكتاب نقل متون الأخبار و إفتاؤه بمضمونها (2).

فظهر أنّه لم يصرّح الصدوق بما يخالف الباقين، و لم ينسب إلى «الفقيه» المخالفة، مع أنّه العمدة في فتاويه.

لكن مال إلى ذلك المقدّس الأردبيلي (رحمه اللّه) تمسّكا بظاهر قوله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيٰامِ (3) الآية (4).

و صحيحة حبيب الخثعمي عن الصادق (عليه السلام) قال: «كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يصلّي صلاة الليل في شهر رمضان ثمّ يجنب ثمّ يؤخّر الغسل متعمّدا حتّى يطلع الفجر» (5).

و في «الذخيرة» أتى بأخبار كثيرة ظاهرة في مذهب الصدوق و المقدّس، ثمّ قال: يمكن الجمع بوجهين: أحدهما: حمل ما دلّ على المنع على الكراهة.

و ثانيهما: حمل ما دلّ على الجواز على التقيّة، ثمّ قرّب الأوّل، ثمّ قال: و لكن لا يبعد أن يقال: الترجيح للثاني بوجوه من الترجيح (6).

و اجيب عن الآية بأنّها مخصصة بالأخبار الكثيرة، بل ربّما كانت متواترة،

____________

(1) نقل عنه في ذخيرة المعاد: 497، لاحظ! المقنع: 189 مع اختلاف يسير.

(2) مدارك الأحكام: 6/ 53.

(3) البقرة (2): 187.

(4) مجمع الفائدة و البرهان: 5/ 35.

(5) تهذيب الأحكام: 4/ 213 الحديث 620، الاستبصار: 2/ 88 الحديث 276، وسائل الشيعة: 10/ 64 الحديث 12840.

(6) ذخيرة المعاد: 498.

26

..........

____________

سيّما مع انضمامها بالإجماعات المنقولة، بل الظاهر ظهور ذلك من الشيعة و معروفيّتهم به، مضافا إلى أنّ إطلاق الآية منصرف إلى الفروض الشائعة.

مع أنّ تجويزه إلى أن يطلع الفجر بعيد، سيّما بعد ملاحظة الأخبار المتواترة في المنع عنه بعد طلوع الفجر (1).

مع أنّ المكلّف ربّما لا يتأتّى منه النزع لاستيلاء الشهوة، فتأمّل! و أمّا قوله تعالى حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ (2) الآية، فالظاهر كونه قيدا للأكل و الشرب، مع أنّه مذهب الشيعة و المعروف منهم- إلّا من شذّ- كون القيد بعد الجمل المتعاقبة راجعا إلى خصوص الأخيرة، سيّما مع بعد أن يقال: جامع إلى أن يتبيّن الصبح و لا تجامع بعد ما تبين، لما عرفت.

و بالجملة، لا تأمّل في كون المنع مخالفا لرأي جميع العامّة مطلقا سواء كانت النومة الاولى أو الثانية أو الإبقاء على الجنابة متعمّدا (3)، و غير ذلك، فتعيّن حمل المجوّز على التقيّة.

و لا محيص عنه سيّما بعد ورود الأخبار المتواترة في الأمر بأخذ ما خالف العامّة و ترك ما وافقهم (4)، مع أنّه يظهر من الأخبار المجوّزة أمارة التقيّة.

و بالجملة، القول بجواز أمر في الليل مثلا على سبيل الإطلاق، و إرادة ما سوى مقدار الارتماس ممّا لا يعتدّ به عرفا شائع متعارف عرفا مع قرينة ظنّية، لو لم نقل مطلقا، و أدلّة المشهور وافية لتلك القرينة، بل و زائدة عنها.

مضافا إلى ملاحظة عدم جواز الرفث في أوّل الليل، إلّا بعد مضي مقدار منه

____________

(1) لاحظ! وسائل الشيعة: 10/ 63 الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.

(2) البقرة (2): 187.

(3) في (ك): سواء كان هذا البقاء على مقدار الجنابة عمدا أو في النومة الاولى أو الثانية إلى غير ذلك.

(4) لاحظ! وسائل الشيعة: 27/ 106 الباب 9 من أبواب صفات القاضي.

27

..........

____________

يتحقّق به الدخول في الليل، و ملاحظة عدم جوازه في آخره أيضا بذلك المقدار، لأنّ كون ذكر الرجل في الفرج و داخلها حرام في أوّل الفجر البتة، و كذا إخراج الذكر عن فرجها، لأنّه من تتمّة الجماع و جملته، مع أنّه ربّما لا يتيسّر النزع بسرعة لغلبة الشهوة، فتأمّل جدّا! أمّا رواية «المقنع» التي هي مستند الصدوق (1) إن كان قائلا، فلأنّ مضمونها أنّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من أوّل الليل إلى الصبح كان جنبا في شهر رمضان، مع أنّ صلاة الليل كانت واجبة عليه بالإجماع، و صلاة الليل ما كان يتركها، بل كان يرتكبها بالنهج الوارد في الأخبار.

مع أنّ شهر رمضان كان شهر قيامه و عبادته من أوّل الليل. إلى آخره، فكيف كان يختار الجنابة على العبادة؟

مع أنّه نسب القول بقضاء يوم إلى الأقشاب، مع أنّه في غاية الظهور أنّ أحدا من العامّة لم يقل بذلك، بل هو من خواصّ الخاصّة و الوارد في أخبارهم المستفيضة عنهم (عليهم السلام) لا غير، فظهر أنّ هذا كلام أهل السنّة يطعنون به على الشيعة.

و ممّا ذكر ظهر حال صحيحة الخثعمي (2) أيضا، سيّما بعد ملاحظة استفادة استمرار بقاء الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على الجنابة في أفضل أوقات الليل في أفضل شهور السنة، مع عدم رضائه ببقاء غيره على الجنابة متعمّدا من غير عذر مطلقا.

و أيضا روى الصدوق (3) عن إسماعيل بن عيسى، عن الرضا (عليه السلام) عن رجل أصابته جنابة في شهر رمضان فنام حتّى يصبح، أيّ شيء عليه؟ قال: «لا يضرّه

____________

(1) راجع! الصفحة: 24 و 25 من هذا الكتاب.

(2) راجع! الصفحة: 25 من هذا الكتاب.

(3) لم نعثر على هذه الرواية في كتب الصدوق (رحمه اللّه)، إنّما رواها الشيخ الطوسي (رحمه اللّه) في التهذيبين.

28

..........

____________

هذا و لا يفطر و لا يبالي، إنّ أبي قال: قالت عائشة: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أصبح جنبا من جماع من غير احتلام، قال: لا يفطر و لا يبالي» (1).

انظر! إلى أنّه (عليه السلام) كيف روى عن عائشة ذلك؟ ثمّ أكّد بما أكّد، مع أنّه ورد عنهم (عليهم السلام) أنّها كانت شغلها الكذب على الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و وضع الأحاديث و الأحكام (2).

و أيضا لا تأمّل في كون المنع مشتهرا بين الشيعة، و ورد الأمر بأخذه و ترك غير المشتهر بينهم.

مع أنّ ما دلّ على المنع في غاية الكثرة (3)، بل يبلغ التواتر، و مضمون كثير منها وجوب الكفّارة و أنّ القضاء عقوبة، و العقوبة ظاهرة في المؤاخذة على ترك الواجب و فعل الحرام، و استحباب الكفارة المذكورة في غاية البعد.

مع أنّ أخبار الجواز ظاهرة في عدم كراهة في ذلك أصلا، بل كان طريقة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من دون أن يقضي عقوبة، أو كان يكفر كذلك. إلى غير ذلك.

بالجملة، لا شبهة في تعيين الحمل على التقيّة من وجوه كثيرة، و عدم احتمال الكراهة، و هو أيضا من وجوه، فلا إشكال و لا غبار.

و أمّا أقسام الترك و أحكامها، فسيجيء في محلّه إن شاء اللّه تعالى.

قوله: (و خلافا لظاهر الأكثر).

أقول: ظاهر كلماتهم العموم في رمضان و غيره، حيث عدّوا ذلك من

____________

(1) تهذيب الأحكام: 4/ 210 الحديث 610، الاستبصار: 2/ 85 الحديث 266، وسائل الشيعة: 10/ 59 الحديث 12826 مع اختلاف يسير.

(2) الخصال: 1/ 190 الحديث 263، بحار الأنوار: 2/ 217 الحديث 11 مع اختلاف.

(3) لاحظ! وسائل الشيعة: 10/ 63 الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.

29

..........

____________

شرائط الصوم، بل الظاهر الإجماعات أيضا ذلك.

مع أنّه لم يرد الجواز إلّا في المستحب، فكيف يصير علّة للتخصيص برمضان؟

مع أنّ الصحيح الذي ذكره هو صحيحة حبيب الخثعمي أنّه قال للصادق (عليه السلام): أخبرني عن التطوّع و عن هذه الثلاثة الأيّام إذا أجنبت من أوّل الليل فأعلم أنّي أجنبت فأنام متعمّدا حتّى ينفجر الفجر أصوم أو لا أصوم؟ قال:

«صم» (1).

و حبيب الخثعمي هو الذي روى جواز ذلك في شهر رمضان أيضا (2).

نعم، روى ابن بكير عن الصادق (عليه السلام) في الرجل يجنب ثمّ ينام حتّى يصبح أ يصوم ذلك اليوم تطوّعا؟ فقال: «أ ليس بالخيار ما بينه و بين نصف النهار» (3).

و يظهر منها أنّ الجنابة يضرّ الصوم المستحب أيضا، كما هو ظاهر الفقهاء و الإجماعات، و أنّ منشأ الصحّة جواز الصوم من انتصاف النهار.

و لعلّه لا بأس به، سيّما مع المسامحة في أدلّة السنن، و ورود احتساب الصوم المستحب إذا نوى بعد الزوال أنّه إنّما له من الصوم ما بعد النيّة، و عدم كون موانع الصوم على نهج واحد بالنسبة إلى التبعيض و عدمه، و لذا يكون العزم على الإفطار غير مضرّ بالتبعيض في النافلة، فتأمّل! قوله: (لورود الموثّق).

و هو موثّقة أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) قال: «إن طهرت بليل من حيضها ثمّ

____________

(1) من لا يحضره الفقيه: 2/ 49 الحديث 212، وسائل الشيعة: 10/ 68 الحديث 12846.

(2) تهذيب الأحكام: 4/ 213 الحديث 620، وسائل الشيعة: 10/ 64 الحديث 12840.

(3) الكافي: 4/ 105 الحديث 3، وسائل الشيعة: 10/ 68 الحديث 12847.

30

..........

____________

توانت أن تغتسل في رمضان حتّى أصبحت، عليها قضاء ذلك اليوم» (1).

و الموثّق حجّة، سيّما بعد اعتضاده بمشاركة الحيض للجنابة في غالب الأحكام.

قال في «المنتهى»: لم أجد لأصحابنا نصّا صريحا في حكم الحيض في ذلك، يعني وجوب الغسل إذا انقطع قبل الفجر. ثمّ قال: و الأقرب ذلك، لأنّ حدث الحيض يمنع من الصوم فكان أقوى من الجنابة (2)، انتهى، و فيه تأمّل ظاهر.

نعم، ما يدلّ على وجوب غسل الاستحاضة يدلّ على وجوب غسل الحيض بطريق أولى، لأنّ المستحاضة بحكم الطاهر، فتأمّل! قوله: (و الصحيح). إلى آخره.

هو صحيحة علي بن مهزيار قال: كتبت إليه (عليه السلام) امرأة طهرت من حيضها أو من [دم] نفاسها في أوّل شهر رمضان ثمّ استحاضت فصلّت و صامت شهر رمضان كلّه من غير أن تعمل ما تعمل المستحاضة من الغسل لكلّ صلاتين، هل يجوز صومها و صلاتها أم لا؟ قال: [فكتب]: «تقضي صومها و لا تقضي صلاتها، لأنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يأمر فاطمة و المؤمنات من نسائه بذلك» (3).

و الحكم الغير المعمول به الذي اشتمل عليه هو عدم قضاء الصلاة، للإجماع على قضائها، لكن قاعدة الفقهاء أنّ الخبر الذي هو حجّة إذا تضمّن ما ليس بحجّة يرفعون اليد عن خصوص ذلك بالطرح أو التوجيه، و الباقي يكون حجّة، لأنّ

____________

(1) تهذيب الأحكام: 1/ 393 الحديث 1213، وسائل الشيعة: 10/ 69 الحديث 12849 مع اختلاف يسير.

(2) منتهى المطلب: 2/ 566 ط. ق.

(3) الكافي: 4/ 136 الحديث 6، من لا يحضره الفقيه: 2/ 94 الحديث 419، تهذيب الأحكام: 4/ 310 الحديث 937، وسائل الشيعة: 10/ 66 الحديث 12842 مع اختلاف يسير.

31

..........

____________

الأصل حجّية جميع أجزائه، إلّا ما أخرجه الدليل خاصّة.

مع أنّه لو كان هذا منشأ للوهن في نفس الخبر يصير جلّ أخبارنا خارجا عن الحجّية، إذ لا يكاد يوجد خبر سالم من ذلك، إذ العام المخصّص من دليل من الخارج، و كذا المطلق المقيّد، و الأمر المستحب، و غير ذلك، و كلّها ظاهرها ليس بمطلوب، و خلاف الظاهر ليس بحجّة، إلّا مع ظهور قرينة من دليل خارج على إرادة ذلك، فيوجّه ذلك القدر المخالف للظاهر، أو يرفع اليد عنه و يعمل بما بقي.

و أمّا توجيه الرواية، فهو أنّ هذه الرواية مكاتبة، و المعصوم (عليه السلام) كان يكتب تحت سؤالاتهم حكمها، فلعلّه (عليه السلام) كتب تحت سؤال الراوي تقضي صومها؟ هكذا:

«تقضي صومها ولاء» أي متتابعة، ردّا على من زعم أنّ قضاء رمضان لا تتابع فيه فرقا بينه و بين الأداء، كما زعمه من زعمه، و يظهر ذلك من غير واحد من أخبارنا (1)، فلاحظ! و يشهد على ذلك ما كتب المعصوم (عليه السلام) في جواب مكاتبة الصفّار عن هذه المسألة فإنّه كتب (عليه السلام) «تقضي عشرة أيّام ولاء» (2) فلاحظ حتّى يظهر لك.

ثمّ كتب (عليه السلام) في هذه المكاتبة التي نحن بصدد توجيهها تحت سؤاله تقضي صلاتها؟ هكذا: «تقضي صلاتها» فكتب مجموع جوابه متّصلة فصار موجبا للتوهّم.

و المدار في توجيه الأخبار المسلّم حجّيتها عند الخصم أيضا على أمثال هذه التوجيهات و أبعد منها، و لا يجعل (3) منشأ للطرح.

____________

(1) راجع! وسائل الشيعة: 10/ 340، الباب 26 من أبواب أحكام شهر رمضان.

(2) الكافي: 4/ 124 الحديث 5، من لا يحضره الفقيه: 2/ 98 الحديث 441، تهذيب الأحكام: 4/ 247 الحديث 732، وسائل الشيعة: 10/ 330 الحديث 13528 مع اختلاف يسير.

(3) في (ف) و (ز 1) و (ط): يصير.

32

..........

____________

و أمّا أمره (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فاطمة (عليها السلام)، فلإرشاد غيرها، كما ورد في أخبار اخر أيضا (1)، و حمله الأصحاب على ذلك (2).

فظهر من هذه المكاتبة أنّ الإخلال بالأغسال الثلاثة في الاستحاضة الكثيرة يوجب القضاء (3)، و تمام الكلام مرّ في مبحث الاستحاضة (4).

قوله: (للصحيحين). إلى آخره.

أقول: هما صحيحة ابن سنان أنّه كتب إلى الصادق (عليه السلام)- و كان يقضي شهر رمضان-: إنّي أصبحت بالغسل و أصابتني جنابة و لم أغتسل حتّى طلع الفجر، فأجابه: «لا تصم هذا اليوم و صم غدا» (5). و صحيحته الاخرى عنه (عليه السلام) قريبا من مضمون الأوّل (6).

و مراده (رحمه اللّه) من الخبر قوي سماعة- بعثمان بن عيسى- قال: سألته عن رجل أصابته جنابة في جوف الليل في رمضان فنام و قد علم بها و لم يستيقظ حتّى يدركه الفجر؟ فقال (عليه السلام): «عليه أن يتمّ صومه و يقضي يوما آخر»، قلت: إذا كان ذلك من الرجل و هو يقضي رمضان، قال: «فيأكل يومه ذلك و ليقض فإنّه لا يشبه رمضان شيء من الشهور» (7).

____________

(1) راجع! وسائل الشيعة: 2/ 347 الحديث 2328.

(2) لاحظ! منتقى الجمان: 1/ 224 و 225، وسائل الشيعة: 2/ 347 ذيل الحديث 2328، الحدائق الناضرة: 3/ 296 و 297.

(3) في (ك) زيادة: و إتمام الصلوات.

(4) راجع! الصفحة: 251- 255 (المجلّد الأوّل) من هذا الكتاب.

(5) الكافي: 4/ 105 الحديث 4، وسائل الشيعة: 10/ 67 الحديث 12844.

(6) من لا يحضره الفقيه: 2/ 75 الحديث 324، تهذيب الأحكام: 4/ 277 الحديث 837، وسائل الشيعة:

10/ 67 الحديث 12843.

(7) تهذيب الأحكام: 4/ 211 الحديث 611، الاستبصار: 2/ 86 الحديث 267، وسائل الشيعة: 10/ 67 الحديث 12845.

33

..........

____________

و لا يخفى أنّ قوله (عليه السلام): «فإنّه لا يشبه رمضان شيء من الشهور» تعليل لإتمام صوم يوم رمضان مع وجوب قضائه و بدله، و أنّ في قضائه لا يجب الإتمام و القضاء، بل يأكل يومه و يقضي يوما آخر بدله، لا أنّ الإصباح متطهّرا من الحدث الأكبر- مثل الجنابة- من خواصّ صوم رمضان، و لهذا اجري في قضائه أيضا، كما توهّم بعض (1). و ظاهر المصنّف أيضا أنّه توهّم كذلك.

قوله: (و الحسن). إلى آخره.

قد عرفت الكلام فيه مفصّلا، و هي صحيحة الخثعمي التي رواها الصدوق (رحمه اللّه) بطريق حسن (2) فتأمّل! قوله: (و على تقدير الوجوب). إلى آخره.

اختلف الأصحاب في وقت وجوب الغسل و نيّته، فالمحقّق على أنّ وقت وجوبه إذا بقي لطلوع الفجر من يوم يجب صومه بمقدار ما يغتسل الجنب (3). و وافقه العلّامة و غيره من المتأخّرين أيضا (4)، و رجّح المقدّس الأردبيلي (رحمه اللّه) جواز إيقاعه بنيّة الوجوب من أوّل الليل (5)، و إن قلنا بوجوبه لغيره. و وافقه غيره من المحقّقين منهم المصنّف لما ذكره.

____________

(1) لاحظ! مدارك الأحكام: 6/ 56.

(2) راجع! الصفحة: 29 من هذا الكتاب.

(3) شرائع الإسلام: 1/ 11.

(4) نهاية الإحكام: 1/ 21، قواعد الأحكام: 1/ 2، كشف اللثام: 1/ 131، للتوسّع لاحظ! جواهر الكلام: 1/ 126.

(5) مجمع الفائدة و البرهان: 5/ 18 و 46.

34

..........

____________

فالظاهر من الأخبار الوجوب من حين وقوع الجنابة إلى أن يتضيّق الوقت بمقدار فعل الغسل و ما يتوقّف عليه (1)، فالتخصيص بوقت دون وقت لا وجه له.

و أنكر هذا المعنى في «المدارك»، لأنّه بعد ما نقل عن المقدّس (رحمه اللّه) ما ذكرنا قال: و كأنّه أراد به الوجوب الشرطي، و إلّا فالوجوب بالمعنى المصطلح منتف على هذا التقدير قطعا (2)، انتهى.

و مراده من هذا التقدير القول بالوجوب للغير لا لنفسه، و نظره إلى أنّه لا معنى لوجوب شيء لغيره و لما يجب ذلك الغير.

و فيه، أنّه لا معنى للوجوب الشرطي لشيء و لما يجب مشروطه أو لم (3) يتحقّق، و على أيّ تقدير هو فرع وجود المشروط، و هو (4) (رحمه اللّه) سلم ذلك في الوجوب الشرطي، فلا فرق بينه و بين الوجوب الغيري.

على أنّه لو تمّ هذا لزم عدم وجوب الغسل للصوم الواجب إلّا بعد دخول وقت ذلك الصوم و مضي مقدار تحقّق الغسل و مقدّماته، فيلزم أن لا يكون الغسل من الجنابة- مثلا- واجبا، لأجل الدخول في الصوم و للإصباح فيه متطهّرا، و هو خلاف إجماع جميع الفقهاء سوى ظاهر الصدوق و من وافقه ممّن يقول بعدم وجوب غسل للصوم أصلا (5).

و بالجملة، وجوبه لأجل الدخول فيه متطهّرا يقتضي وجوبه قبل وجوب الصوم قطعا. فيلزم فساد دعوى القطع الذي ادّعاه، و يوجب القطع بفساده،

____________

(1) وسائل الشيعة: 10/ 60 الباب 14، 161 الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.

(2) مدارك الأحكام: 1/ 17.

(3) في (د 2): لما.

(4) في (ف) و (ز 1) و (ط): و المصنّف.

(5) المقنع: 189، زبدة البيان: 239.

35

..........

____________

و القطع بوجوب الواجب للغير في الوقت الذي لم يجب ذلك الغير فيه، فلا مقتضي لما ذكره الفاضلان و من وافقهما (1) أصلا، لما عرفت من أنّ مقتضى الأخبار هو وجوب الغسل له و الإصباح متطهّرا.

فإن قلت: عند الضيق يحصل الظن القوي بإدراك المشروط بالغسل.

قلت: لا شكّ في أنّه في أوّل الليل أيضا يحصل الظن القوي، بل ربّما كان الظن في أوّل الليل أقوى من الظن في آخره بسبب عروض العوارض، مع أنّه ربّما كان الظن الحاصل لبعض الناس في الضيق أضعف بمراتب من الحاصل لبعض في أوّل الليل.

مع أنّك عرفت أنّ مقتضى الأخبار الوجوب من حين صدور الجنابة مثلا إلى الطلوع مقدما عليه بمقدار فعله. فالمقتضي موجود و المانع مفقود، إذ ظن البقاء يكفي لقصد الوجوب، و إلّا لما جاز لنا قصد وجوب الصوم و الحجّ و أمثالهما، ممّا لا نعلم البقاء إلى آخر الحياة، فتأمّل! فإن قلت: إذا صحّ ما ذكرت، فلم ما قلت بوجوب الوضوء مثلا للصلاة بمجرّد صدور الحدث و عنده إلى أن يتضيّق وقت الصلاة؟ كما اختاره بعض المحقّقين (2)، فيكون ما ذكرت جمعا بين ما دلّ على الوجوب عند صدور الحدث و الوجوب للغير.

قلت: لأنّه ورد هناك: «إذا دخل الوقت وجب الطهور و الصلاة» (3)، و غير ذلك ممّا مر، فتذكّر فتدبّر.

____________

(1) شرائع الإسلام: 1/ 11، نهاية الإحكام: 1/ 21، قواعد الأحكام: 1/ 2، كشف اللثام: 1/ 131.

(2) منهم الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان: 1/ 67 و 68.

(3) من لا يحضره الفقيه: 1/ 22 الحديث 67، تهذيب الأحكام: 2/ 140 الحديث 546، وسائل الشيعة:

1/ 372 الحديث 981.

36

قوله: (و قد يجب الغسل بنذر و شبهه).

____________

أقول: لا نزاع في الاستحباب النفسي لمثل غسل الجنابة، بل شدّة تأكّده، بل إنما النزاع في الوجوب النفسي.

و أمّا الأغسال المستحبّة، فهي كثيرة، كما ستعرف، فكلّ ذلك يصير واجبا بالنذر و شبهه، لكونه راجحا شرعا، بل الظاهر صحّة النذر في الواجبات أيضا (1).

و أمّا نذر غسل سوى ما ذكر، فغير ظاهر انعقاده، لعدم ظهور الرجحان الشرعي، فتأمّل! قوله: (و لا يجب لغير ذلك بلا خلاف).

أقول: مراده أنّ الغسل بالحدث الأكبر لا يجب لغير ذلك، أي الامور التي ذكرها من الصلاة و الطواف و غيرهما ممّا ذكره.

لكن عرفت وجوبه لمسّ الدينار و الدرهم الذي عليه اسم اللّه تعالى، و لدخول الضرائح المقدّسة.

و لعلّ المصنّف أدخل الثاني في المساجد، و الأوّل في مسّ كتابة القرآن، و كذا مسّ خطّ القرآن و تعليقه، لما عرفت من أنّ السيّد قال بحرمتهما على الجنب و الحائض (2)، و لذا ادّعى عدم الخلاف في عدم الوجوب لغير ما ذكره.

و أمّا وجوبه لمثل الإحرام، فليس للحدث الأكبر، فتأمّل جدّا! قوله: (و لا لنفسه مطلقا).

قد عرفت في مبحث الوضوء أنّ الغسل أيضا ليس واجبا لنفسه و إن كان

____________

(1) في (ف) و (ز 1) و (ط): زيادة: كما سيجيء.

(2) نقل عنه في المعتبر: 1/ 234، مدارك الأحكام: 1/ 287 و 343.

37

..........

____________

غسل الجنابة، بل عرفت فساد هذا القول، و أنّه لا معنى لوجود واجبات لا تحصى ليس على ترك واحد عقاب أصلا، كما يقول به القائل بالوجوب لنفسه، فلاحظ و تأمّل! و قوله: (للنصّ).

الظاهر أنّ مراده منه قوله (عليه السلام): «إذا دخل الوقت وجب الطهور و الصلاة» (1)، لأنّه الذي يقتضي عدم وجوب الغسل مطلقا لنفسه، و إلّا فقد ورد نصوص في غسل الجنابة و غيره بالخصوص، مثل ما ورد في الجنب التي حاضت في المغتسل قال: «قد جاءها ما يفسد الصلاة فلا تغتسل» (2). إذ هو في غاية الوضوح في كون الغسل من الجنابة وجوبه لأجل الصلاة.

و توجيهه بأنّ المراد قد جاءها ما يمنع من رفع حدثها تكلّف بارد، مع أنّه ورد في الأخبار في الجنب التي حاضت: إن شاءت اغتسلت، و إن شاءت لم تغتسل (3)، و هذا ينادي بجواز ارتفاع حدث الجنابة، كما قال به الشيخ (رحمه اللّه) (4).

و بالجملة، ظهر لك استحالة تحقّق الواجب لنفسه الذي لا يكون على تركه عقاب أصلا، فضلا عن تحقّق واجبات لا تحصى، كذلك فلا وجه للتطويل في الكلام.

____________

(1) مرّ آنفا.

(2) الكافي: 3/ 83 الحديث 1، تهذيب الأحكام: 1/ 370 الحديث 1128، مستطرفات السرائر: 104 الحديث 44، وسائل الشيعة: 2/ 203 الحديث 1928.

(3) تهذيب الأحكام: 1/ 396 الحديث 1229، الاستبصار: 1/ 147 الحديث 506، وسائل الشيعة:

2/ 264 الحديث 2113 مع اختلاف.

(4) تهذيب الأحكام: 1/ 396 ذيل الحديث 1228.

38

قوله: (و ربّما يقال). إلى آخره.

____________

اعلم! أنّ المشهور المعروف من الفقهاء أنّ مسّ الميّت من الناس حدث أكبر- كالجنابة و الحيض و الاستحاضة و غيرها- يمنع عن كلّ ما اشترط فيه الطهارة، مثل الصلاة و غيرها على حسب ما سنذكر. و ظاهر المصنّف أيضا ذلك، لكن توقّف في ذلك بعض متأخّري المتأخّرين، مثل صاحب «المدارك» و «الذخيرة» (1) و غيرهما.

و قال في «المدارك» مثل ما ذكره المصنّف من أنّ الثابت فيه أصل الوجوب. إلى آخره، و قريب منه ما ذكره في «الذخيرة» و غيره.

أقول: كما ورد في الأخبار وجوب الوضوء من حدث البول و الغائط و الريح و النوم (2) و الاستحاضة القليلة (3) و الغسل من حدث الجنابة و الحيض و غيرهما (4)، كذلك ورد وجوب الغسل لمسّ الميّت (5).

فكما جعله المصنّف و موافقوه الوجوب في جميع ما ذكر في الوضوء و الغسل للغير مثل الصلاة و غيرها، كذلك يكون وجوب هذا الغسل أيضا للغير، لاتّحاد المقتضي و سوق العبارة في الأخبار.

أمّا المقتضي فهو اشتراط الصلاة و مثلها بالطهارة، بل بطهارة لقوله (عليه السلام): «لا صلاة إلّا بطهور» (6)، و قوله (عليه السلام): «إنّ الفرض في الصلاة الوقت و الطهور»

____________

(1) مدارك الأحكام: 1/ 16، ذخيرة المعاد: 5.

(2) لاحظ! وسائل الشيعة: 1/ 248 الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء.

(3) راجع! وسائل الشيعة: 2/ 371 الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

(4) وسائل الشيعة: 2/ 173 الحديث 1854.

(5) لاحظ! وسائل الشيعة: 3/ 289 الباب 1 من أبواب غسل المس.

(6) من لا يحضره الفقيه: 1/ 35 الحديث 129، تهذيب الأحكام: 2/ 140 الحديث 545، وسائل الشيعة:

1/ 365 الحديث 960، 368 الحديث 971، 372 الحديث 981.

39

..........

____________

الحديث (1).

و قوله (عليه السلام): «لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة: الطهور، و الوقت» (2) الحديث.

و قوله (عليه السلام): «الصلاة [ثلاثة أثلاث]: ثلث طهور، و ثلث ركوع، و ثلث سجود» (3).

و قوله (عليه السلام): «مفتاح الصلاة الطهور» (4). إلى غير ذلك ممّا دلّ على توقّف الصلاة على الطهور.

و ليس المراد من الطهور معناه اللغوي بالضرورة و القرينة، فيرجع إلى المصطلح عليه عند المتشرّعة باتّفاق كلّ الفقهاء، و المصطلح عليه عند المتشرّعة يشمل الوضوء و غسل الجنابة و الحيض و الاستحاضة و النفاس و غسل مسّ الميت من دون تفاوت أصلا، مضافا إلى كون هذا الغسل أيضا طهارة و طهورا، كما ستعرف.

و جميع ما يكون طهارة واجبة يكون وجوبها للغير، سواء كان طهارة عن الحدث أو الخبث. أمّا عن الخبث، فللإجماع، كما عرفت في صدر الكتاب في مبحث الإجماع، و أمّا الحدث، فبالإجماع أيضا في الكلّ، إذ لا معنى من الوجوب للغير إلّا أنّه يجب للغير، لا أنّه لا يجب إلّا للغير، و المعروف من الفقهاء كون هذا الغسل أيضا من الحدث و لأجل الغير.

____________

(1) تهذيب الأحكام: 2/ 139 الحديث 543، وسائل الشيعة: 1/ 365 الحديث 962.

(2) من لا يحضره الفقيه: 1/ 225 الحديث 991، الخصال: 284 الحديث 35، تهذيب الأحكام: 2/ 152 الحديث 597، وسائل الشيعة: 1/ 371 الحديث 980.

(3) الكافي: 3/ 273 الحديث 8، من لا يحضره الفقيه: 1/ 22 الحديث 66، تهذيب الأحكام: 2/ 140 الحديث 544، وسائل الشيعة: 1/ 366 الحديث 967.

(4) عوالي اللآلي: 1/ 416 الحديث 91.

40

..........

____________

مع أنّا أثبتنا وجوب الطهارات للغير خاصّة في مبحث الوضوء (1) من قوله (عليه السلام): «إذا دخل الوقت وجوب الطهور و الصلاة»، و غير ذلك (2)، لأنّ المفرد المحلّى باللام في أمثال المقام يفيد العموم بلا كلام، سيّما عند صاحب «المدارك» و موافقيه (3).

و أمّا سوق العبارة في الأخبار، ففي الكلّ: أنّه إذا أحدث كذا وجب كذا، فإذا كان جميع ما هو بهذا السوق، يفهم منه الوجوب للغير، مع كونها من الكثرة بمكان.

فكيف يبقى التأمّل في خصوص هذا الغسل من بين جميع الوضوءات و الأغسال و الغسلات التي لا تحصى؟ مع أنّ الأخبار و كلام الفقهاء على نهج واحد.

و على تقدير ورود كون الوجوب للغير في بعض من الواجبات المذكورة، فمعلوم أنّه لم يرد ذلك في الكلّ و لا في الأكثر، حتّى يتأمّلوا في المقام من هذه الجهة، فيكون الحال فيه كسائر الطهارات من الأحداث و الأخباث، كغسل الثياب و الجسد و الظروف و غيرها، ممّا لم يرد فيه بالخصوص أنّه يجب للغير، و مسلّم عند صاحب «المدارك» و موافقيه أنّه يجب للغير، كما مرّ في مبحث الإجماع.

مع أنّ الذي ورد وجوبه للغير مثل قوله تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا (4) و غيره لا يرضون به، لإنكارهم الوجوب للغير و ادّعائهم الوجوب للنفس، مضافا إلى أنّه ربّما لا يكون السند صحيحا عندهم، أو الدلالة واضحة،

____________

(1) راجع! الصفحة: 60- 69 (المجلّد الثالث) من هذا الكتاب.

(2) وسائل الشيعة: 1/ 372 الحديث 981.

(3) مدارك الأحكام: 1/ 71، تمهيد القواعد: 22 (القاعدة 55)، معالم الدين في الاصول: 104.

(4) المائدة (5): 6.

41

..........

____________

بحيث يقاوم ما دلّ على الوجوب لنفسه عندهم، سيّما و أن يغلب عليه.

مع أنّه على تقدير تحقّق الكل نعلم الوجوب للغير من دون توقّف على ملاحظة ما دلّ عليه. مع أنّ العلم بالوجوب للغير من اليقينيّات. و ما دلّ على ذلك إنّما هو من الظنيّات، و الظن كيف يفيد اليقين؟

فظهر أنّ فهم الوجوب للغير ليس إلّا من اتّفاق الفقهاء، لا أنّه ممّا دلّ عليه من الظنيات إن كان، و إلّا ففي كثير منها منتف رأسا، مثل: «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» (1)، و كثير منها غير مسلّم الحجيّة عندهم، لضعف السند أو الدلالة، و ربّما لا يقاوم بحيث يغلب، و على تقدير الغلبة لا يحتاج إليه و لا يلاحظ أصلا، و اتّفاق الفقهاء فيها و في غسل المسّ على نهج واحد، فلاحظ فتاواهم، و اللّه يعلم.

و مرّ ما يزيد التوضيح لو لوحظ و تأمّل فيه، بل مرّ أنّه لا معنى لكون مثل هذه الطهارات و الوضوءات و الأغسال واجبة لأنفسها، و أنّ هذا فاسد قطعا محال التحقّق جزما فلاحظ و تأمّل! إذ الظاهر أنّه لم يقل أحد بوجوبه فورا، و لا كون منتهى وقت وجوبه معيّنا.

فلو لم يكن واجبا لغيره أصلا، لزم كون آخر وقت وجوبه ظن الموت، و بعد حصول الظن لا يتمكّن المكلّف من الغسل عادة، فلا يتحقّق العقاب في الترك أصلا عادة، لمكان الرخصة من الشرع، و مع ذلك يلزم تحقّق واجبات لا تحصى، ليس على ترك واحد منها عقاب أصلا.

مع أنّه لم يرد في أحكام المحتضرين و آداب الاحتضار ما يشير إلى ذلك بوجه، إلى غير ذلك ممّا مرّ سابقا في كون الوضوء واجبا لغيره، فعدم وجوبه للغير

____________

(1) الكافي: 3/ 57 الحديث 3، تهذيب الأحكام: 1/ 264 الحديث 770، وسائل الشيعة: 3/ 405 الحديث 3988.

42

..........

____________

يصير منشأ لزيادة وضوح المفسدة.

و أمّا كون هذا الغسل طهارة، فلما ظهر من الأخبار، مثل ما ورد: أنّ الراوي سأل المعصوم (عليه السلام) هل اغتسل أمير المؤمنين (عليه السلام) حين غسل رسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟

فقال (عليه السلام): «إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) طاهر مطهّر، لكن أمير المؤمنين (عليه السلام) فعل و جرى السنّة» (1).

و أيضا ورد في الصحيح: (أيّ وضوء أطهر من الغسل؟) (2)، إذ يظهر منه أنّ الغسل من حيث هو هو أطهر من الوضوء، أو لا ينقص من الوضوء في الطهوريّة، إلّا أن يقال: المراد من الغسل فيه هو الغسل من الجنابة، لكن المناقشين بنوا على أنّ المراد كلّ غسل يكون.

و أيضا ورد في مرسلة ابن أبي عمير: «كلّ غسل قبله وضوء إلّا الغسل من الجنابة» (3)، و السند أقوى من الصحيح، لأنّ مرسلة ابن أبي عمير مثل المسانيد الصحاح عند علماء الرجال، مع كونه ممّن أجمعت العصابة (4)، و كونه ممّن لا يروي إلّا عن الثقة، كما قال في «العدّة» (5)، مع أنّها منجبرة بالشهرة، و دلالتها على وجوب الوضوء حقّقت فيما سبق.

مع أنّ المطلوبيّة تكفي، إذ ورد عنهم (عليه السلام): «إيّاك أن تحدث وضوء [أبدا]

____________

(1) تهذيب الأحكام: 1/ 107 الحديث 281، الاستبصار: 1/ 99 الحديث 323، وسائل الشيعة: 3/ 291 الحديث 3677 مع اختلاف يسير.

(2) تهذيب الأحكام: 1/ 139 الحديث 390، الاستبصار: 1/ 126 الحديث 427، وسائل الشيعة:

2/ 244 الحديث 2055.

(3) تهذيب الأحكام: 1/ 139 الحديث 391، الاستبصار: 1/ 126 الحديث 428، وسائل الشيعة:

2/ 248 الحديث 2072.

(4) رجال الكشّي: 2/ 830 الرقم 1050.

(5) عدّة الاصول: 1/ 154.

43

..........

____________

حتّى تستيقن أنّك [قد] أحدثت» (1)، و طلب الوضوء قبل غسل المسّ دليل على حدثيّته، كما أنّ طلب الوضوء بعد الأحداث دليل على حدثيّتها.

لا يقال: طلب الوضوء قبل غسل الجمعة و أمثاله عند الفقهاء مسلّم، و ليس عن حدث، فلعلّ حال غسل المسّ حال غسل الجمعة.

لأنّا نقول: غسل الجمعة و أمثاله لا يجب الوضوء قبلها عند الفقهاء، بل يقولون: إنّها لا ترفع الحدث، فمن كان محدثا و يريد الصلاة لا بدّ له من أن يرفع حدثه و يصلّي، إن كان حدثه أصغر يتوضّأ و يصلّي.

إمّا قبل تلك الأغسال أو بعدها، و إن كان أكبر يغتسل غسلا يرفعه إمّا قبل تلك الأغسال أو بعدها، إن لم يتحقّق منه التداخل.

فليس المطلوب خصوص الوضوء، و لا خصوص كونه قبل هذه الأغسال، بل لا رابطة بين هذه الأغسال و بين رفع الحدث لأجل الصلاة، بل لا بدّ عندهم من رافع للحدث المانع عن الصلاة، من غير ربط أصلا عندهم بينه و بين هذه الأغسال، مثل أن يقول أحد: من تكلّم و يكون محدثا و يريد أن يصلّي لا بدّ أن يرفع حدثه فيصلّي، فذكر التكلم هنا لغو مستدرك.

و المطلوب في هذه المرسلة ليس إلّا خصوص الوضوء و أنّه يكون لأجل الغسل بل و قبله، و أنّ هذا ليس في غسل الجنابة أصلا. فظهر أنّ غير غسل الجنابة مرتبط بالوضوء.

و ممّا ذكر ظهر فساد الاعتراض بأنّه يمكن أن يكون الوضوء الذي تحقّق قبل المسّ يكفي من دون حاجة إلى إحداث وضوء، فتدبّر! فظهر أنّ المسّ حدث، و مسلّم عندهم أنّ وجوب الوضوء دليل المحدثية،

____________

(1) الكافي: 3/ 33 الحديث 1، تهذيب الأحكام: 1/ 102 الحديث 268، وسائل الشيعة: 1/ 247 الحديث 637.

44

..........

____________

و ظهر ذلك من الأخبار أيضا (1)، كما قلنا.

و ممّا ذكر ظهر ما في كلام «المدارك» من التأمّل، لأنّه (رحمه اللّه) قال: و قد استدلّ عليه- أي على كون مسّ الميّت ناقضا للوضوء و الغسل- بعموم قوله (عليه السلام): «كلّ غسل قبله وضوء إلّا غسل الجنابة» (2).

ثمّ اعترض عليه بأنّه مع عدم صحّة سنده غير صريح في الوجوب، و معارض بما هو أصحّ منه (3)، و سيجيء تتمّة الكلام انتهى.

إذ عرفت أنّ السند أقوى من الصحاح بمراتب، و عدم الصراحة في الوجوب غير مضرّ، إذ الظهور يكفي، بل عرفت أنّ المطلوبية تكفي، بل عرفت أنّ جواز الوضوء و الرخصة أيضا يكفي، و عرفت أنّ ما هو معارض و أصحّ سندا عند الخصم دلالته على كونه طهورا و طهارة أظهر بمراتب شتّى.

و ممّا يشير إلى كون هذا الغسل طهارة دعوى الشيخ الإجماع على أنّ من اغتسل فقد تطهر، ادّعاه في مبحث الوضوء لغسل الجنابة (4)، على ما هو ببالي، فلاحظ و تأمّل! و أيضا روى في كتاب «العلل» عن الباقر (عليه السلام) في باب علّة غسل الميّت و الغسل من مسّه: «لأنّه جنب، و لتلاقيه الملائكة و هو طاهر، و كذلك الغاسل لتلاقيه المؤمنين» (5).

____________

(1) لاحظ! وسائل الشيعة: 3/ 289 الباب 1 من أبواب غسل المسّ.

(2) الكافي: 3/ 45 الحديث 13، تهذيب الأحكام: 1/ 139 الحديث 391، الاستبصار: 1/ 126 الحديث 428، وسائل الشيعة: 2/ 248 الحديث 2072.

(3) مدارك الأحكام: 1/ 16.

(4) الخلاف: 1/ 131 المسألة 74.

(5) علل الشرائع: 1/ 299 الباب 238 الحديث 2، وسائل الشيعة: 2/ 488 الحديث 2713.

45

..........

____________

و في حديث آخر: «إذا خرج الروح منه بقي أكثر آفته، و لذلك يتطهر منه و يطهر» (1).

و في «الفقه الرضوي» في باب غسل الميّت بعد ذكر غسل المس: «و إن نسيت الغسل فذكرته بعد ما صلّيت فاغتسل و أعد الصلاة» (2).

و أيضا في «الفقه الرضوي»: «الوضوء في كلّ غسل ما خلا الجنابة- إلى أن قال- فإن اغتسلت لغير جنابة فابدأ بالوضوء ثمّ اغتسل و لا يجزي الغسل عن الوضوء، فإن اغتسلت فنسيت الوضوء فتوضّأ و أعد الصلاة» (3)، انتهى.

و أيضا الفقهاء ذكروا أنّ الطهارة بحسب الشرع اسم للوضوء و الغسل و التيمم، أو القدر المشترك بينها، ثمّ قسّموا الغسل إلى الجنابة و غيرها، و منها هذا الغسل، بل قيّد بعضهم تعريف الطهارة بقوله: على وجه له تأثير في استباحة الصلاة (4).

قوله: (كغسل الجمعة و الإحرام عند من أوجبهما).

فيه، أنّ كلّا منهما طهارة بلا تأمّل، سواء قلنا بوجوبهما أو استحبابهما، بملاحظة علّة مشروعيّتهما.

و ربّما ورد: أنّ المغتسل في طهر من الجمعة إلى الجمعة الآتية (5)، و أنّه لجبر

____________

(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 2/ 96، علل الشرائع: 1/ 300 الحديث 3، وسائل الشيعة: 3/ 292 الحديث 3682.

(2) الفقه المنسوب للإمام الرضا 7: 175، مستدرك الوسائل: 2/ 495 الحديث 2549 مع اختلاف يسير.

(3) الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 82، مستدرك الوسائل: 1/ 476 الحديث 1201.

(4) منهم الشهيد في البيان: 35.

(5) عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 2/ 96، علل الشرائع: 1/ 285 الحديث 4، وسائل الشيعة: 3/ 316 الحديث 3745 نقل بالمعنى.

46

..........

____________

نقص وضوء الفريضة (1) و غير ذلك، إلّا أنّهما مستحبان عند الفقهاء إلّا النادر، و المستحب لا يمكن أن يصير واجبا لغيره من جهة استحبابه مطلقا.

و أمّا القائل بالوجوب، فلا شكّ في قوله بوجوبه للإحرام، و أنّه لا يجوز الإحرام بغير غسل.

و أمّا القائل بوجوبه للجمعة فقد مرّ عدم ظهوره، بل ظهور عدمه، و على فرض ظهوره لم يظهر قوله بالوجوب لنفسه، بل ربّما يظهر منه الوجوب لغيره، مثل جبر نقص الوضوء، أو أنّه عليه إعادة الصلاة لو لم يغتسل قبلها، كما مرّ في مبحثه.

مع أنّهما على تقدير وجوبهما له حدّ معيّن، بل على تقدير استحبابهما، و كون الطهارة مطلوبة في وقت معيّن أمر مأنوس بالشرع، وارد فيه كثيرا غاية الكثرة، بخلاف ما لم يكن طهارة، بل يكون المطلوب بل الواجب إمساس الجسد بالماء من دون حدّ و وقت معيّن، بل يتّسع إلى ظن الوفاة، سيّما ما عرفت من المفاسد.

و بالجملة، ظهر كون هذا الغسل طهارة، فيشمله قوله (عليه السلام): «لا صلاة إلّا بطهور» (2) و غيره ممّا مرّ.

و قوله (عليه السلام): «إذا دخل الوقت وجب الطهور» (3)، لما مرّ في مبحث الوضوء في كونه واجبا للغير، و غير ذلك ممّا دلّ على اشتراط الصلاة و ما ماثلها بالطهارة، و اعتبارها قبل دخول الوقت أو بعده، أو غير ذلك، فتأمّل جدّا [1]!

____________

[1] في (ز 3) و (د 1، 2) زيادة: أمّا الأوّل: فلأنّه قال (عليه السلام): «لا صلاة إلّا بطهور» من الطهورات، و لم يرجّح

____________

(1) وسائل الشيعة: 3/ 313 الحديث 3734، 315 الحديث 3741 و 3743.

(2) المحاسن: 1/ 157 الحديث 218، من لا يحضره الفقيه: 1/ 22 الحديث 67، وسائل الشيعة: 1/ 368 الحديث 971.

(3) من لا يحضره الفقيه: 1/ 22 الحديث 67، تهذيب الأحكام: 2/ 140 الحديث 546، وسائل الشيعة:

1/ 372 الحديث 981.

47

..........

____________

و الاحتياط أيضا يقتضي ذلك، و ممّا يؤيّد ما ذكرنا ما رواه الصدوق و الشيخ عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «من ذكر اسم اللّه على وضوئه فكأنّما اغتسل» (1).

ثمّ اعلم! أنّ وجوب الغسل بمسّ الميّت إنّما هو عند الأكثر، و المنقول عن السيّد القول بالاستحباب (2)، و لعلّه لعدم كون الأخبار الدالّة على الوجوب مفيدة لليقين عنده.

و قوله بالاستحباب، للتسامح في أدلّة السنن، و الخروج عن الشبهة، و الاحتياط، و هو ضعيف، لأنّ الأخبار في غاية الكثرة و وضوح الدلالة، كما ستعرف بعضها.

و اعلم! أنّ وجوب الغسل بالمسّ إنّما هو إذا مسّه قبل غسله و بعد برده،

____________

طهورا على طهور، و لم يعيّن طهورا من بين الطهورات، فنسبة اشتراط الصلاة و توقّفها إلى أفراد الطهور على سواء و تخصيصه بطهور من دون طهور مخصّص شرعي تحكّم.

و أمّا مثل «مفتاح الصلاة الطهور»، و غيره ممّا ورد في الطهور، مفردا محلّى باللام، فأظهر دلالة، كما ستعرف.

و أمّا الثاني، و هو قوله: «إذا دخل الوقت» فلأنّ اشتراط الوجوب على دخول الوقت معلّق على طبيعة الطهور، فيدور مع الطبيعة.

و لا نزاع لأحد في أنّ مثل ما نحن فيه من المفرد المحلّى باللام يفيد العموم، و بناء استدلالات الفقهاء سيّما المناقشين على ذلك، فيظهر كون الطهارات الواجبة بأجمعها واجبة لغيرها غير واجبة لأنفسها، و مناقشة في الدلالة على ذلك ظهر فساده مشروحا في مبحث كون الوضوء واجبا لغيره، و ترجيح بعض الطهور على بعض تحكّم، كما ذكره المصنّف في كونه نصّا على كون الطهارات الواجبة ليست واجبة لأنفسها، بل واجبة لغيرها.

و أمّا غير ذلك، فقد مرّت الإشارة إلى بعضها في مبحث الوضوء، و بعضها في المقام. فتذكّر.

____________

(1) من لا يحضره الفقيه: 1/ 31 الحديث 101، تهذيب الأحكام: 1/ 358 الحديث 1073، الاستبصار:

1/ 67 الحديث 203، وسائل الشيعة: 1/ 423 الحديث 1106.

(2) نقل عنه العلّامة في مختلف الشيعة: 1/ 313.

48

..........

____________

لصحيحة ابن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) أنّه قال له: الرجل يغمض الميّت أ عليه غسل؟ قال: «إذا مسّه بحرارة فلا، و إذا مسّه بعد ما يبرد فليغتسل»، قلت: و الذي يغسله يغتسل؟ قال: «نعم» (1)، الحديث.

و صحيحة عاصم بن حميد أنّه سأله عن الميّت إذا مسّه الإنسان فيه غسل؟

فقال: «إذا مسست جسده حين يبرد فاغتسل» (2).

و صحيحة إسماعيل بن جابر أنّه دخل عليه حين مات ابنه إسماعيل، فجعل يقبله، فقلت: جعلت فداك، أ ليس لا ينبغي أن يمسّ الميّت، و من مسّه فعليه الغسل؟ فقال: «أمّا بحرارته فلا بأس، إنّما ذاك إذا برد» (3). إلى غير ذلك من الأخبار.

و قال في «المنتهى»: إنّه مذهب علماء الأمصار (4)، فما ورد في الموثّق من الأمر بالغسل بمسّ الميّت بعد غسله (5) لو صحّ، لكان محمولا على الاستحباب، و سيجيء الكلام في الموثّق مشروحا.

و في «المدارك»: و يندرج في من غسل من تقدّم غسله على موته، و من غسل غسلا صحيحا و لو مع فقد الخليطين، و يخرج منه من لم يغسل و قد برد، و المتيمم و لو عن بعض الغسلات، لأنّ التيمم خلاف الغسل، و إن كان بدلا عنه، إذ

____________

(1) الكافي: 3/ 160 الحديث 2، تهذيب الأحكام: 1/ 428 الحديث 1364، وسائل الشيعة: 3/ 289 الحديث 3671.

(2) تهذيب الأحكام: 1/ 429 الحديث 1365، الاستبصار: 1/ 100 الحديث 324، وسائل الشيعة:

3/ 290 الحديث 3673.

(3) تهذيب الأحكام: 1/ 429 الحديث 1366، وسائل الشيعة: 3/ 290 الحديث 3672.

(4) منتهى المطلب: 2/ 456.

(5) تهذيب الأحكام: 1/ 430 الحديث 1373، الاستبصار: 1/ 100 الحديث 328، وسائل الشيعة:

3/ 295 الحديث 3693.

49

..........

____________

البدليّة لا تقتضي المساواة من جميع الوجوه (1)، انتهى.

و لا يخفى أنّه (رحمه اللّه) ربّما يتمسّك بقاعدة البدليّة و اقتضائها المساواة، إلّا ما أخرجه الدليل، على أنّه ورد أنّه بمنزلة الطهارة المائية (2)، عموم المنزلة لا تأمّل فيه و كونه مسلّما.

و يؤيّده أيضا ما ورد من «أنّ اللّه تعالى جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا» (3) فالأظهر عدم الوجوب، و إن كان الوجوب أحوط.

ثمّ نقل عن المحقّق عدم وجوب الغسل بمسّ الشهيد (4)، و قال: و هو كذلك، لأنّ ظاهر الروايات أنّ الغسل إنّما يجب بمسّ الميّت الذي يجب تغسيله. و هو غير بعيد، لأصالة البراءة و عدم ثبوت خلافها حينئذ، و إن كان الغسل هنا أحوط أيضا.

ثمّ قال: و في وجوب الغسل بمس عضو كمل غسله وجهان، أقربهما الوجوب، لإطلاق الأمر بالغسل بمسّ الميّت بعد برده، خرج ما خرج بالإجماع.

و قوله (عليه السلام): «مس الميّت عند موته و بعد غسله ليس به بأس» (5).

و قيل: لا يجب لصدق كمال الغسل، و لأنّه لو كان منفصلا لما وجب، و ضعف الوجهين ظاهر (6)، انتهى.

و فيه، أنّ شمول ما دلّ على وجوب الغسل لما نحن فيه محلّ تأمّل، لعدم كونه

____________

(1) مدارك الأحكام: 2/ 278.

(2) تهذيب الأحكام: 1/ 200 الحديث 581، الاستبصار: 1/ 163 الحديث 566، وسائل الشيعة:

3/ 379 الحديث 3918.

(3) من لا يحضره الفقيه: 1/ 60 الحديث 223، وسائل الشيعة: 3/ 385 الحديث 3934.

(4) لاحظ! المعتبر: 1/ 348.

(5) وسائل الشيعة: 3/ 295 الحديث 3691.

(6) مدارك الأحكام: 2/ 278 و 279.

50

..........

____________

من الأفراد المتبادرة، سيّما أن يكون قد تمّ غسل جميع أعضائه إلّا مقدار رأس إبرة و أمثاله ممّا لا يتمّ الغسل بغير غسله مع نهاية قلّته.

مضافا إلى أنّه ورد في غسل الجنابة: «ما يجري عليه الماء فقد طهر» (1).

و ورد: أنّ غسل الميّت مثل غسل الجنب (2)، بل ورد: أنّه غسل الجنابة (3)، فتأمّل! نعم، الأحوط ما ذكر.

ثمّ اعلم! أنّ الأصحاب أفتوا بوجوب الغسل بمسّ قطعة من الميّت فيها عظم دون ما لا عظم فيه.

و أمّا المبانة من الحيّ فاختار الشيخ (رحمه اللّه) في كتب فتاويه وجوب الغسل بمسّها أيضا (4)، و ادّعى في «الخلاف» عليه الإجماع (5).

و استدلّ في «المعتبر» (6) برواية أيّوب بن نوح، عن بعض أصحابه، عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «إذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة، فإذا مسّه إنسان فكلّ ما [كان] فيه عظم فقد وجب على من يمسّه الغسل، فإن لم يكن فيه عظم فلا غسل عليه» (7).

____________

(1) الكافي: 3/ 43 الحديث 1، تهذيب الأحكام: 1/ 132 الحديث 365، الاستبصار: 1/ 123 الحديث 420، وسائل الشيعة: 2/ 229 الحديث 2013.

(2) من لا يحضره الفقيه: 1/ 122 الحديث 586، تهذيب الأحكام: 1/ 447 الحديث 1447، الاستبصار:

1/ 208 الحديث 732، وسائل الشيعة: 2/ 486 الحديث 2708.

(3) الكافي: 3/ 161 الحديث 1، علل الشرائع: 300 الحديث 5، وسائل الشيعة: 2/ 487 الحديث 2709.

(4) المبسوط: 1/ 182، النهاية: 40.

(5) الخلاف: 1/ 701 المسألة 490.

(6) المعتبر: 1/ 352.

(7) الكافي: 3/ 212 الحديث 4، تهذيب الأحكام: 1/ 429 الحديث 1369، الاستبصار: 1/ 100 الحديث 325، وسائل الشيعة: 3/ 294 الحديث 3689.

51

..........

____________

ثمّ توقّف في العمل بها و بالإجماع الذي نقله الشيخ، و بنى على أنّ الأصل عدم الوجوب، و اختار الاستحباب تفصّيا من اطراح كلام الشيخ و الرواية.

و لا يخفى ما فيه، لأنّ الرواية المنجبرة حجّة جزما، بل و أقوى، بل هو طعن في «المعتبر» على من اقتصر على العمل بالصحاح.

و الإجماع المنقول بخبر الواحد حجّة، كما حقّق، و بناء عمله على ذلك أيضا، ففي المبانة من الميّت بطريق أولى.

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

58- مفتاح [الأغسال الواجبة]

الحدث الأكبر الموجب للغسل هو: الجنابة، و الحيض، و النفاس، و الاستحاضة المثقبة للكرسف، و الموت بالضرورة من الدين، و مسّ الميّت نجسا للصحاح المستفيضة (1). و قول السيّد (رحمه اللّه) باستحبابه (2) شاذّ.

و يتحقّق الجنابة بالإنزال من ذكر أو انثى في يقظة أو نوم، و إيلاج الحشفة، فاعلا كان أو مفعولا، في قبل إجماعا أو دبر على المشهور، خلافا للشيخ في دبر المرأة (3)، لظاهر الصحيح (4)، و صريح المرفوع (5).

و عورض بادّعاء السيّد الإجماع على الوجوب (6)، و دلالة بعض العمومات عليه، كالصحيح: «إذا أدخله [فقد] وجب الغسل» (7)، و كالصحيح:

____________

(1) وسائل الشيعة: 3/ 289 الباب 1 من أبواب غسل المس.

(2) نقل عنه في المعتبر: 1/ 351، مدارك الأحكام: 2/ 277.

(3) الاستبصار: 1/ 112 ذيل الحديث 373.

(4) الاستبصار: 1/ 111 الحديث 370، وسائل الشيعة: 2/ 199 الحديث 1920.

(5) الاستبصار: 1/ 112 الحديث 371، وسائل الشيعة: 2/ 200 الحديث 1922.

(6) نقل عنه في مختلف الشيعة: 1/ 328.

(7) تهذيب الأحكام: 1/ 118 الحديث 310، وسائل الشيعة: 2/ 182 الحديث 1875.

54

«أ توجبون عليه الجلد و الرجم و لا توجبون عليه صاعا من ماء» (1)، و بالمرسل (2)، و هو نصّ في وجوبه على الرجل خاصّة. و الروايات الاخر ناصّة في نفي وجوبه على المرأة بلا معارض (3).

و كذا الخلاف في دبر الغلام و لا نصّ فيه.

و الحيض و النفاس إنّما يوجبان الغسل بعد الطهر منهما، و الاستحاضة المثقبة للكرسف موجبة لثلاثة أغسال في اليوم و الليلة، غسل للغداة، و غسل للظهرين تجمع بينهما، و غسل للعشاءين كذلك، سواء سال الدم من الكرسف، أو لم يسل على الأصحّ، كما في «المعتبر» و «المنتهى» (4) وفاقا للقديمين (5)، للصحاح المستفيضة (6). و قيل: إن لم يسل فغسل واحد للغداة خاصّة (7)، للصحيحين (8)، و لا دلالة لهما.

نعم يدلّ عليه خبر ضعيف (9) لا يصلح لمعارضة الصحاح و إن اشتهر عليه العمل به، و في الصحيح: «لم تفعله امرأة احتسابا إلّا عوفيت من ذلك» (10).

____________

(1) تهذيب الأحكام: 1/ 119 الحديث 314، وسائل الشيعة: 2/ 184 الحديث 1879 مع اختلاف يسير.

(2) وسائل الشيعة: 2/ 200 الحديث 1921.

(3) لاحظ! وسائل الشيعة: 2/ 199 و 200، الباب 11 و 12 من أبواب الجنابة.

(4) المعتبر: 1/ 245، منتهى المطلب: 2/ 412.

(5) نقل عنهما في مختلف الشيعة: 1/ 372.

(6) وسائل الشيعة: 2/ 371 الباب 1 من أبواب الاستحاضة.

(7) من لا يحضره الفقيه: 1/ 50 ذيل الحديث 195، الهداية: 99.

(8) وسائل الشيعة: 2/ 373 الحديث 2394 (بسندين).

(9) وسائل الشيعة: 2/ 374 الحديث 2395.

(10) الكافي: 3/ 90 الحديث 5، وسائل الشيعة: 2/ 372 الحديث 2393.