مصابيح الظلام - ج5

- الوحيد البهبهاني المزيد...
544 /
5

[تتمة فن العبادات و السياسات]

[تتمة كتاب مفاتيح الصلاة]

[تتمة الباب الثاني في المقدمات]

[تتمة القول في النجاسات و إزالتها]

80- مفتاح [نجاسة الخمر و المسكرات]

المشهور نجاسة الخمر و كلّ مسكر مائع بالأصالة، للآية (1)، و الصحاح (2) و الإجماع المدّعى من الشيخ و السيّد (3)، خلافا للصدوق و جماعة (4)، حملا للرجس في الآية على المأثم أو المستقذر مطلقا، و الاجتناب، لكونه معصية و إثما، كما في الميسر، و معارضة للصحاح بمثلها (5)، و طعنا في الإجماع، و تمسّكا بالأصل.

و ليس حمل أحد النصّين على التقيّة أولى من الآخر، لأنّ معظم العامّة على النجاسة، و ولوع امرائهم بشربها يقتضي الفتوى بالطهارة فتعارضا.

____________

(1) المائدة (5): 90.

(2) وسائل الشيعة: 3/ 468 الباب 38 من أبواب النجاسات، 25/ 368 الباب 30 من أبواب الأشربة المحرّمة.

(3) الناصريّات: 95 و 96 المسألة 16، المبسوط: 1/ 36، لاحظ! مختلف الشيعة: 1/ 470.

(4) من لا يحضره الفقيه: 1/ 43 ذيل الحديث 167، مجمع الفائدة و البرهان: 1/ 309 و 310، مدارك الأحكام: 2/ 291، ذخيرة المعاد: 154.

(5) انظر! وسائل الشيعة: 3/ 471 الحديث 4206- 4210.

6

نعم، حمل الأمر بالغسل منها على الاستحباب ممكن، إلّا أنّ العمل على المشهور، و هو أحوط، بل أظهر و أقوى.

و ألحقوا بها نجاسة الفقّاع (1) و إن لم يكن من المسكر، للخبر: «لا تشربه فإنّه خمر مجهول، فإذا أصاب ثوبك فاغسله» (2)، و في سنده جهالة، فإن ثبت إطلاق الخمر عليه حقيقة- كما ادّعاه بعضهم (3) و دلّ عليه الخبر: «هي الخمر بعينها» (4)- كان حكمه حكمها.

____________

(1) غنيه النزوع: 41، المعتبر: 1/ 425، نهاية الإحكام: 1/ 272، تذكرة الفقهاء: 1/ 65.

(2) وسائل الشيعة: 3/ 469 الحديث 4201.

(3) المعتبر: 1/ 425.

(4) وسائل الشيعة: 25/ 361 الحديث 32127.

7

قوله: (المشهور). إلى آخره.

____________

بل الظاهر أنّها إجماعيّة أيضا، كما قال الشيخ: الخمر نجسة بلا خلاف (1)، و السيّد: لا خلاف بين المسلمين في نجاسة الخمر إلّا ما يحكى عن شاذّ لا اعتبار بقولهم (2). و قال ابن زهرة: الخمر نجسة بلا خلاف ممّن يعتدّ به (3). و عن ابن إدريس: إجماع المسلمين على ذلك (4).

مع أنّ هذا الإجماع احتجّ به جماعة منهم العلّامة في «المختلف» (5)، و عرفت أنّ خروج معلوم النسب غير مضرّ بإجماع الشيعة أصلا، و لم ينقل خلاف إلّا من الصدوق و ابن أبي عقيل (6).

حجّة المشهور- لو لم نقل الإجماع- وجوه:

الأوّل: الإجماع المستفيض الذي واحده حجّة فضلا عن المجموع، فضلا عمّا ذكرنا.

الثاني: قوله تعالى إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ (7) الآية، للوصف بالرجاسة، و الأمر بالاجتناب المطلق بمعونة تفسير أهل البيت (عليهم السلام) الذين هم أدرى بما في البيت.

____________

(1) المبسوط: 1/ 36.

(2) الناصريات: 95 و 96 المسألة 16.

(3) غنية النزوع: 41.

(4) السرائر: 1/ 178 و 179.

(5) مختلف الشيعة: 1/ 470.

(6) نقل عنهما العلّامة في مختلف الشيعة: 1/ 469.

(7) المائدة (5): 90.

8

..........

____________

إذ روى خيران الخادم أنّه كتب إلى الرجل (عليه السلام) يسأله عن الثوب يصيبه الخمر و لحم الخنزير أ يصلّي فيه أم لا؟ فإنّ أصحابنا قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: صلّ فيه لأنّ اللّه إنّما حرّم شربها، و قال بعضهم: لا تصلّ فيه. فكتب (عليه السلام): «لا تصلّ فيه فإنّه رجس حتّى تغسله» (1).

و هذه الرواية رواها في «الكافي» فتكون من اليقينيّات عنده، و رواها غيره أيضا معتمدا عليها، مع أنّه ليس في طريقها من ليس بثقة سوى سهل.

مع أنّه أيضا ثقة على الأصحّ، و على الأضعف و إن كان ضعيفا إلّا أنّ ضعفه سهل.

و قريب منها صحيحة علي بن مهزيار الآتية عن أبي الحسن (عليه السلام)، و يشير إلى ذلك الأخبار الاخر أيضا، و لعلّه لهذا احتجّ الفحول بهذه الآية للمشهور من دون تأمّل.

الثالث: الأخبار منها رواية خيران السابقة المنجبرة بالشهرة العظيمة و الإجماعات المنقولة، و الأخبار الاخر منها الصحيحة المذكورة.

و مرسلة يونس عن الصادق (عليه السلام): «إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ مسكر فاغسله إن عرفت موضعه، و إن لم تعرف موضعه فاغسل الثوب كلّه، و إن صلّيت فيه فأعد صلاتك» (2) و انجبارها، كما عرفت، مضافا إلى ما سيجيء في النبيذ و الفقاع.

و رواية زكريّا بن آدم عن أبي الحسن (عليه السلام): عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر

____________

(1) الكافي: 3/ 405 الحديث 5، تهذيب الأحكام: 2/ 358 الحديث 1485، الاستبصار: 1/ 189 الحديث 662، وسائل الشيعة: 3/ 469 الحديث 4200.

(2) الكافي: 3/ 405 الحديث 4، تهذيب الأحكام: 1/ 278 الحديث 818، الاستبصار: 1/ 189 الحديث 661، وسائل الشيعة: 3/ 469 الحديث 4199 مع اختلاف يسير.

9

..........

____________

قطرت في قدر فيه لحم كثير و مرق كثير؟ قال: «يهراق المرق، أو يطعمه أهل الذمّة أو الكلب، و اللحم اغسله و كله»، قلت: فخمر أو نبيذ قطر في عجين، أو دم، قال: «فسد»، قلت: أبيعه من اليهودي و النصراني و ابيّن لهم؟ قال: «نعم فإنّهم يستحلّون شربه»، قلت: فالفقاع بتلك المنزلة إذا قطر في شيء من ذلك؟

قال: «أكره أن آكله إذا قطر في شيء من طعامي» (1).

و في الموثّق عن عمّار عن الصادق (عليه السلام) في دنّ فيه خمر، هل يصلح أن يكون فيه الخلّ أو ماء كامخ أو الزيتون؟ قال: «إذا غسل فلا بأس». و عن الإبريق فيه خمر هل يصلح لأن يكون فيه ماء؟ قال: «إذا غسل فلا بأس».

و قال في قدح أو إناء فيشرب فيه الخمر قال: يغسله ثلاث مرّات (2) الحديث.

و في صحيحة الحلبي عن الصادق (عليه السلام): إنّ الدواء الذي عجن بالخمر بمنزلة شحم الخنزير (3).

و في بعض الروايات أنّه بمنزلة الميتة (4).

و في الموثّق بعمّار- عن الصادق (عليه السلام): الأمر بغسل الإناء الذي يشرب فيه النبيذ سبع مرّات (5).

و رواية أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) في النبيذ: «ما يبلّ الميل ينجس حبّا من

____________

(1) تهذيب الأحكام: 1/ 279 الحديث 820، وسائل الشيعة: 3/ 470 الحديث 4204 مع اختلاف يسير.

(2) الكافي: 6/ 427 الحديث 1، تهذيب الأحكام: 1/ 283 الحديث 830، وسائل الشيعة: 3/ 494 الحديث 4272.

(3) وسائل الشيعة: 25/ 346 الحديث 32090 نقل بالمعنى.

(4) تهذيب الأحكام: 9/ 114 الحديث 493، وسائل الشيعة: 25/ 350 الحديث 32101.

(5) تهذيب الأحكام: 9/ 116 الحديث 502، وسائل الشيعة: 25/ 368 الحديث 32143 نقل بالمعنى.

10

..........

____________

الماء» يقولها ثلاثا (1).

و من قال: بنجاسة النبيذ، قال بنجاسة الخمر، بل بطريق أولى.

و يدلّ على النجاسة أخبار، منها ما سيجيء في كتاب المياه، و كتاب المطاعم و المشارب، و غير ذلك.

حجّة القائل بالطهارة: ما رواه في «الفقيه» مرسلا قال: سئل أبو عبد اللّه و أبو جعفر (عليهما السلام): إنّا نشتري ثيابا يصيبها الخمر و ودك (2) الخنزير، يصلّى فيها قبل أن يغسلها؟ قال: «نعم لا بأس إنّما حرّم اللّه أكله و شربه، و لم يحرّم مسّه و الصلاة فيه» (3).

و رواه في كتاب «العلل» عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) (4)، و غير خفيّ أنّها حجّة الصدوق.

و غير خفيّ أنّها تضمّنت طهارة ودك الخنزير أيضا، و أنّه إنّما حرّم أكله لا الصلاة فيه. و من بديهيّات الدين نجاسته و حرمة الصلاة فيه، فالرواية مع ضعفها و مخالفتها للإجماعات و غيرها من الأخبار الصحاح و المعتبرة شاذّة يجب ترك العمل بها، و لذا نسب الأصحاب القول بالطهارة إلى شاذّ (5) لا يعتدّ بقوله في المقام، و منشأ عدم الاعتداد ظاهر غاية الظهور.

و أعجب من هذا أنّه (رحمه اللّه) منع من الصلاة في بيت يكون فيه خمر، للرواية

____________

(1) الكافي: 6/ 413 الحديث 1، تهذيب الأحكام: 9/ 112 الحديث 487، وسائل الشيعة: 3/ 470 الحديث 4202 نقل بالمعنى.

(2) الودك- بالتحريك-: دسم اللحم، و منه ودك الخنزير و نحوه يعني شحمه. مجمع البحرين: 5/ 297.

(3) من لا يحضره الفقيه: 1/ 160 الحديث 752، وسائل الشيعة: 3/ 472 الحديث 4209 مع اختلاف يسير.

(4) علل الشرائع: 357 الحديث 1.

(5) الناصريّات: 95 و 96 المسألة 16، غنية النزوع: 41، المعتبر: 1/ 422، تذكرة الفقهاء: 1/ 64 المسألة 20.

11

..........

____________

الدالّة على ذلك، مع تضمّن تلك الرواية أنّ علّة المنع تنفّر الملائكة عنها، و لذا ذكر فيها أيضا عدم جواز الصلاة في ثوب فيه خمر، و الصدوق (رحمه اللّه) عمل بصدرها و بالعلّة المذكورة (1).

و ورد أخبار اخر دالّة على الطهارة، أصحّها ما روي عن محمّد بن خالد البرقي- المختلف فيه- عن ابن أبي عمير، عن الحسن بن أبي سارة، عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «لا بأس بالصلاة في الثوب الذي أصابه الخمر لأنّ الثوب لا يسكر» (2).

لكن المذكور في «التهذيب» الحسين بن أبي سارة، و حكاه في «المنتهى» و «المختلف» أيضا كذلك (3)، و إن كان في «الاستبصار» الحسن، و الحسين غير مذكور في الرجال أصلا، مع أنّ الحسن من أصحاب الباقر و الصادق (عليهما السلام) خاصّة (4). و ابن أبي عمير من أصحاب الرضا (عليه السلام) (5) أدرك الكاظم (عليه السلام)، فكيف يروي عن الحسن بلا واسطة؟

مع أنّ ابن بكير الذي من أصحاب الصادق و الكاظم (عليهما السلام) يروي عن الحسن بواسطة صالح بن سيابة أنّه قال للصادق (عليه السلام): إنّا نخالط اليهود و النصارى و المجوس و ندخل عليهم و هم يأكلون و يشربون فيمرّ ساقيهم فيصيب ثيابي الخمر، فقال:

«لا بأس به إلّا أن تشتهي أن تغسل أثره» (6).

____________

(1) من لا يحضره الفقيه: 1/ 160 الحديث 752.

(2) تهذيب الأحكام: 1/ 280 الحديث 822، الاستبصار: 1/ 189 الحديث 664، وسائل الشيعة:

3/ 471 الحديث 4206.

(3) منتهى المطلب: 3/ 216، مختلف الشيعة: 1/ 471.

(4) رجال الطوسي: 112 الرقم 2، 167 الرقم 36.

(5) رجال الطوسي: 388 الرقم 26.

(6) تهذيب الأحكام: 1/ 280 الحديث 824، الاستبصار: 1/ 190 الحديث 666، وسائل الشيعة:

3/ 471 الحديث 4208 مع اختلاف يسير.

12

..........

____________

و فيها ما يومي إلى طهارة أهل الذمّة و تمكينهم من شرب الخمر جهارا، و عدم منعهم و المخالطة معهم في هذه الحالة، و عدم الضرر أصلا في هذه المخالطة، و أنّه لا حاجة إلى هجرانهم، و أنّه لا بأس أصلا من الصلاة في الخمر، حتّى أنّه لا كراهة أيضا. و يحصل ممّا ذكرنا و هن آخر.

و باقي الأخبار الدالّة على الطهارة ضعيفة، إلّا أنّه يظهر من الأخيار ورود الأخبار الدالّة على الطهارة و الأخبار الدالّة على النجاسة، عنهم (عليهم السلام)، و أنّه لذلك وقع الاختلاف في زمانهم (عليهم السلام) أيضا، إلّا أنّه لمّا سألوهم عن هذا الاختلاف و أنّ الحقّ ما ذا؟ أجابوا (عليهم السلام): بأنّ الحقّ مع ما دلّ على النجاسة.

و لذا وقع الإجماع على النجاسة، إلّا من شذّ من الأصحاب من جهة الغفلة الواضحة، كما عرفت، إذ في صحيحة علي بن مهزيار، روى زرارة عن الباقر و الصادق (عليهما السلام): في الخمر يصيب ثوب الرجل به، قالا: «لا بأس بالصلاة فيه، إنّما حرم شربها». و روى غير زرارة عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ مسكر فاغسله إن عرفت موضعه، فإن لم تعرف موضعه فاغسله كلّه، و إن صلّيت فيه فأعد صلاتك» فأعلمني ما آخذ به، فكتب: «خذ بقول الصادق (عليه السلام)» (1).

و فيها شهادة على صحّة مرسلة يونس في كونها حقّا و أصوب من رواية زرارة، و لا يمكن حملها على التقيّة، لتضمّنها نجاسة النبيذ المسكر.

و كذا الحال في غيرهما من الروايات الدالّة على نجاستهما.

منها: ما مرّ، و منها: موثّقة عمّار عن الصادق (عليه السلام): «لا تصلّ في ثوب أصابه

____________

(1) الكافي: 3/ 407 الحديث 14، تهذيب الأحكام: 1/ 281 الحديث 826، الاستبصار: 1/ 190 الحديث 669، وسائل الشيعة: 3/ 468 الحديث 4198 مع اختلاف يسير.

13

..........

____________

خمر أو مسكر» (1). و المراد من المسكر المائع بالأصالة، للاتّفاق ظاهرا على عدم نجاسة غيره، و للتبادر.

نعم، قال ابن أبي عقيل أيضا- على ما نقل عنه- أنّ من أصاب ثوبه أو جسده خمر أو مسكر لم يكن عليه غسلهما، لأنّ اللّه تعالى إنّما حرّمهما تعبّدا لا لأنّهما نجسان (2).

و ما ذكره هو يعينه ما ورد في الأخبار الدالّة على الطهارة، مثل مرسلة «الفقيه» و غيرها (3).

و قد عرفت ما فيها، و أنّ الرواة ذكروا لهم (عليهم السلام) أنّه روي عنكم: عدم البأس بالصلاة فيها، لأنّ اللّه تعالى إنّما حرّم شربها. و مع هذا أجابوا (عليهم السلام) بمنع الصلاة فيها، و أنّه لا عبرة بهذه العلّة، و أنّ اللّه تعالى أمر بالاجتناب عنه، لأنّه رجس، إلى غير ذلك ممّا عرفت.

فما قالوا (عليهم السلام) في حال هذه الأخبار المتعارضة يكفي بل و يغني عن آرائنا، بل و يمنع عنها، سيّما و أن تحمل الأخبار المانعة على الكراهة، كما فعله بعض المتأخرين (4)، إذ بالتأمّل ظهر ظهورا تامّا عدم القابليّة للحمل على الكراهة أصلا، سيّما بعد ملاحظة أنّهم (عليهم السلام) رجّحوا العمل بالأخبار المانعة و عيّنوا ذلك، معلّلين بالرجاسة و غيرها.

مع أنّ الشهرة بين الأصحاب، و الأوفقيّة للكتاب، و صحّة السند، و كثرة

____________

(1) تهذيب الأحكام: 1/ 278 الحديث 817، الاستبصار: 1/ 189 الحديث 660، وسائل الشيعة:

3/ 470 الحديث 4203.

(2) نقل عنه العلّامة في مختلف الشيعة: 1/ 469.

(3) من لا يحضره الفقيه: 1/ 160 الحديث 752، وسائل الشيعة: 3/ 472 الحديث 4209.

(4) انظر! مجمع الفائدة و البرهان: 1/ 312.

14

..........

____________

العدد، و غير ذلك من المرجّحات التي واحدها كاف للترجيح و التعيين، فضلا عن الجميع، يقتضي العمل بما دلّ على النجاسة، و البناء على النجاسة لا تأويلها بالحمل على الكراهة.

على أنّ الأخبار الدالّة على نجاسة النبيذ لا تقبل الحمل على التقيّة أصلا، بخلاف ما دلّ على الطهارة، فإنّه موافق لرأي العامّة، كما لا يخفى على المتأمّل فيها.

و كذلك الحال في الفقاع و العصير، فإنّ نجاستهما يستلزم نجاسة الخمر بطريق أولى، مع عدم قائل بالفصل.

روى في «الكافي» بسنده عن أبي جميلة قال: كنت مع يونس بن عبد الرحمن ببغداد أمشي معه في السوق، ففتح صاحب الفقاع فقاعه فقفز فأصاب ثوب يونس فاغتمّ لذلك حتّى زالت الشمس، فقلت: يا أبا محمّد، ألا تصلّي؟

فقال: حتّى أرجع إلى البيت فأغسل هذا الخمر من ثوبي، فقلت [له]: هذا رأيك أو شيء ترويه؟ فقال: أخبرني هشام بن الحكم أنّه سأل الصادق (عليه السلام) عن الفقاع، فقال: «لا تشربه فإنّه خمر مجهول، فإذا أصاب ثوبك فاغسله» (1).

و هذه الرواية مع انجبارها بالجوابر التي عرفت و كونها من اليقينيّات عند الكليني واضحة الدلالة على نجاسة الخمر و الفقاع أيضا.

و يدلّ على نجاسة النبيذ و غيرها من الأنبذة إطلاق لفظ «الخمر» عليها.

و قد عرفت أنّ الإطلاق و إن كان على سبيل المجاز، كما هو الأظهر و الأشهر، إلّا أنّ أقربيّة المجازات إلى الحقيقة يقتضي نجاستها، و كذا لو قلنا بأنّ العلاقة الخصال المشهورة للخمر، لاشتهارها في النجاسة بين الشيعة.

و ينادي بذلك تفريع الصادق (عليه السلام): وجوب غسل الثوب على كون الفقاع

____________

(1) الكافي: 6/ 423 الحديث 7، وسائل الشيعة: 3/ 469 الحديث 4201 مع اختلاف يسير.

15

..........

____________

خمرا مجهولا في رواية يونس السابقة.

و ممّا ذكر ظهر وجه ما اشتهر بين الفقهاء من نجاسة العصير العنبي إذا غلى بالنار أو غيرها، إذ ما يظهر من الأخبار التي رواها في «الكافي» في باب أصل تحريم الخمر و بدئه (1) و رواها الصدوق (رحمه اللّه) في «العلل» (2): أنّه داخل في حقيقة الخمر، فلاحظ و تأمّل! و الصدوق (رحمه اللّه) في «الفقيه» في باب حد شرب الخمر قال: قال: قال أبي في رسالته: اعلم! يا بنيّ! أنّ أصل الخمر من الكرم إذا أصابته النار أو غلى من غير أن تمسّه فيصير أعلاه أسفله فهو خمر، فلا يحلّ شربه حتّى يذهب ثلثاه.

ثمّ أتى بعبارات صريحة في أنّ مراده من الخمر هذا الخمر الحقيقي المعهود، قال: و للخمر خمسة أسامي: العصير من الكرم (3). إلى آخره.

فظاهر الصدوقين و الكليني كونه خمرا حقيقة (4)، و هو الظاهر من «صحيح البخاري» من علماء العامّة (5). و سنذكر من فقههم ما يصرّح بذلك.

و ممّا يشير إلى ذلك أنّه سئل الصادق (عليه السلام) عن ثمن العصير قبل أن يغلي؟

فقال: «لا بأس و إن غلى فلا يحلّ» (6).

و في آخر بعد ما سئل (عليه السلام) عنه فقال: «إذا بعته قبل أن يكون خمرا و هو حلال فلا بأس» (7).

____________

(1) الكافي: 6/ 393.

(2) علل الشرائع: 475 الحديث 1، وسائل الشيعة: 25/ 329 الحديث 32040.

(3) من لا يحضره الفقيه: 4/ 40 ذيل الحديث 131 مع اختلاف يسير.

(4) من لا يحضره الفقيه: 4/ 40، المقنع: 452، الكافي: 6/ 392 الحديث 3.

(5) صحيح البخاري: 4/ 11 و 12 الباب 2.

(6) الكافي: 5/ 232 الحديث 12، وسائل الشيعة: 17/ 230 الحديث 22403 مع اختلاف يسير.

(7) الكافي: 5/ 231 الحديث 3، تهذيب الأحكام: 7/ 136 الحديث 602، الاستبصار: 3/ 105 الحديث 369، وسائل الشيعة: 17/ 229 الحديث 22399.

16

..........

____________

و صرّح بعض المتأخّرين بمساواته للخمر في جميع الأحكام (1).

و يؤيّده أيضا أنّ حدّه حدّ شارب الخمر، و كونه خمرا حقيقيّا مع عدم معروفيّته بالإسكار. و بسطنا الكلام فيه في الرسالة (2)، مع أنّه على القول بأنّه خمر مجازي ظهر حاله أيضا.

ثمّ اعلم! أنّ الأصحاب حملوا الأخبار الدالّة على طهارة الخمر و المسكرات على التقيّة، لأنّ النبيذ و الفقاع و أمثالهما طاهرة عند العامة.

فما نقل عن «قرب الإسناد» عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن الصادق (عليه السلام) أنّه سأله عن الخمر و النبيذ المسكر يصيب ثوبي أغسله أو اصلّي فيه؟ قال: «صلّ فيه إلّا أن تقذره فتغسل منه موضع الأثر، إنّ اللّه تعالى [إنّما] حرّم شربها» (3)، و إن كان صحيحا، إلّا أنّه موافق لمذهب العامة، من جهة أنّ النبيذ المسكر كان عندهم طاهرا، على حسب ما يظهر من الأخبار، فلا يعارض ما دلّ على نجاسة الخمر و النبيذ، لموافقته لمذهب الخاصة و للإجماعات، و لمخالفته للعامة و غيرها.

مع أنّ الفقهاء أعرف بالتقيّة، و في غاية الاطّلاع بمذاهب العامة في جميع أبواب الفقه، و مع ذلك حملوا الأخبار الدالّة على الطهارة على التقيّة.

و المدار في الحمل على التقيّة و معرفة الشهرة و العدالة و غير ذلك على أقوالهم، فلا يرد عليهم أنّ أكثر العامة قالوا بنجاسة الخمر، إذا عرفت أنّ في الأخبار المعتبرة الدالّة على طهارة الخمر طهارة النبيذ المسكر أيضا، و الأخبار

____________

(1) ذخيرة المعاد: 155، لاحظ! الحدائق الناضرة: 5/ 118 و 119.

(2) انظر! الرسائل الفقهية (رسالة في حكم العصير التمري و الزبيبي): 94 و 95.

(3) قرب الإسناد: 163 الحديث 595، وسائل الشيعة: 3/ 472 الحديث 4210.

17

..........

____________

الدالّة على نجاسة الخمر نجاسة النبيذ المسكر، و نحوه أيضا (1).

و مع ذلك العبرة في التقيّة بزمان صدور الرواية، فلعلّ بعض العامة القائلين كان في ذلك الزمان كان مذهبه رائجا يلزم التقيّة منه، سيّما إذا كان السلاطين و الحكّام يكونون مولعين بشرب الخمر. و ورد منهم (عليهم السلام): أنّ الخبرين المتعارضين إذا وافقا العامة يجب ترك العمل بما يكون حكامهم إليه أميل (2).

قوله: (بل أظهر و أقوى).

لا يخفى أنّ نجاسة اليهود و النصارى و المجوس أظهر من نجاسة الخمر بمراتب، لكون الأوّل من شعار الشيعة، و خلافه من شعار العامة، و لم يظهر خلاف من أحد من فقهائنا أصلا.

بل الظاهر وفاق الكلّ، و خلافه وفاقي بين العامة، و لأنّ أهل الذمّة و نساءهم و أطفالهم يعرفون مذهب الشيعة فيه، بخلاف نجاسة الخمر، و لكون الأخبار في الأوّل أرجح منها في الثاني، من جهة الكثرة و التشتّت في تضاعيف مواضع الأحكام الفقهيّة، و مع وضوح دلالة القرآن فيه أزيد منه في الثاني، و غير ذلك من وجوه الأظهريّة، كما يظهر بالتأمّل فيما ذكرنا.

فكيف يقول في الخمر إنّ نجاستها أظهر و أقوى؟ و في الأوّل اختار الطهارة، و قال: هذه الأخبار تدلّ على أنّ الأمر بالاجتناب عنهم من جهة تنجّسهم بالخمر و لحم الخنزير، و قال: و في هذه الأخبار دلالة على أنّ المراد من نجاستهم الخبث الباطني.

و لا يخفى ما في كلامه من التدافع أيضا، مضافا إلى عدم فهم أحد من الفقهاء

____________

(1) لاحظ! وسائل الشيعة: 3/ 468 الباب 38 من أبواب النجاسات.

(2) الكافي: 1/ 67 و 68 الحديث 10، وسائل الشيعة: 27/ 106 الحديث 33334.

18

..........

____________

ما ذكره، مع نهاية كثرتهم و خبرتهم و قرب العهد منهم بالأخبار، و كونها واصلة منهم إليه إلى غير ذلك، مع عدم المأنوسيّة و المعهوديّة من أحد من الشيعة، فلا شكّ في فساده من هذه الجهة أيضا.

قوله: (و إن لم يكن من المسكر).

نقل ابن زهرة و العلّامة إجماع الأصحاب (1).

و قال الشيخ: ألحق أصحابنا الفقاع بالخمر في التنجيس (2)، و هذا انفراد الطائفة.

و مرّ ما دلّ على النجاسة (3)، و أمّا نجاسته و إن لم يكن مسكرا فهو المعروف من أصحابنا، لتعلّق الحكم على الاسم و كون حرمته و إطلاق الخمر عليه منوطا بالغليان.

____________

(1) غنية النزوع: 41، منتهى المطلب: 3/ 217.

(2) المبسوط: 1/ 36.

(3) راجع! الصفحة 8- 10 من هذا الكتاب.

19

81- مفتاح [أصالة طهارة الأشياء]

كلّ شيء غير ما ذكر فهو طاهر ما لم يلاق شيئا من النجاسات برطوبة للأصل السالم عن المعارض، و للموثّق: «كلّ شيء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر» (1)، خلافا للمشهور بين المتأخّرين في العصير العنبي إذا غلى و اشتدّ (2)، و مأخذه غير معلوم حتّى عند الشهيد (3)، و العماني صرّح بطهارته (4)، و وافقه الشهيد الثاني و ابناه (5).

و للشيخين في عرق الإبل الجلّالة (6)، للأمر بالغسل منه في الصحيحين (7)، و حمل على الاستحباب (8) و إن كان أحوط.

____________

(1) وسائل الشيعة: 3/ 467 الحديث 4195.

(2) انظر! مسالك الأفهام: 1/ 123، مدارك الأحكام: 2/ 292 و 293.

(3) ذكرى الشيعة: 1/ 115، البيان: 91.

(4) نقل عنه في مختلف الشيعة: 1/ 469.

(5) مسالك الأفهام: 1/ 123، مدارك الأحكام: 2/ 293، معالم الدين في الفقه: 2/ 513.

(6) المقنعة: 71، النهاية للشيخ الطوسي: 53، المبسوط: 1/ 38.

(7) وسائل الشيعة: 3/ 423 الحديث 4052 و 4053.

(8) المعتبر: 1/ 414 و 415، مختلف الشيعة: 1/ 462 و 463.

20

و لهما و للصدوق في عرق الجنب من الحرام (1)، للخبر (2)، و هو ضعيف، فيحمل على الكراهة.

و للإسكافي في المذي عقيب الشهوة (3)، للخبرين (4)، و يدفعهما مع ضعفهما الصحاح (5). و في لبن الجارية (6) للخبر (7) و هو ضعيف.

و للمقنعة و «النهاية» في الفأرة و الوزغة (8).

و للحلبي و «النهاية» في الثعلب و الأرنب (9).

و الكلّ للأخبار (10) و هي في الفأرة معتبرة، إلّا أنّها معارضة بمثلها (11)، و ليس تأويل المطهّر أولى من حمل الآخر على استحباب التجنّب و إن كان أحوط.

____________

(1) المقنعة: 71، النهاية للشيخ الطوسي: 53، المبسوط: 1/ 37 و 38، تنبيه: لم نعثر في كتب الصدوق على ما يدلّ على نجاسة عرق الجنب من الحرام.

نعم، هو أفتى بأنّه: إن كانت الجنابة من حرام فحرام الصلاة فيه، لاحظ! المقنع: 43 و 44، من لا يحضره الفقيه: 1/ 40 ذيل الحديث 153.

(2) وسائل الشيعة: 3/ 447 و 448 الحديث 4134- 4136.

(3) نقل عنه العلّامة في مختلف الشيعة: 1/ 463.

(4) وسائل الشيعة: 3/ 426 الحديث 4063 و 4064.

(5) انظر! وسائل الشيعة: 1/ 276 الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء.

(6) نقل عنه العلّامة في مختلف الشيعة: 1/ 460.

(7) من لا يحضره الفقيه: 1/ 40 الحديث 157، وسائل الشيعة: 3/ 398 الحديث 3970.

(8) المقنعة: 70، النهاية للشيخ الطوسي: 52.

(9) الكافي في الفقه: 131، النهاية للشيخ الطوسي: 52.

(10) وسائل الشيعة: 1/ 187 الحديث 477، 3/ 460 الحديث 4176، 462 الحديث 4180، 465 الحديث 4189 و 4190.

(11) وسائل الشيعة: 1/ 238 الباب 9 من أبواب الأسآر، 3/ 460 الحديث 4175، 24/ 197 الحديث 30333.

21

و للخلاف و الديلمي في المسوخ (1) لحرمة بيعها و لا مانع سوى النجاسة و هما ممنوعان، و كرهه المحقّق (2) دفعا لشبهة الاختلاف.

و للحلّي في الكلب و الخنزير المائيين (3) لإطلاق الاسم و هو ضعيف، لمخالفته التبادر.

و أمّا القول بنجاسة القيء (4) فشاذّ جدّا.

و يستحبّ التجنّب من الحديد للمعتبرة (5)، أمّا طهارته فإجماعي، و كذا طهارة الدم و الميتة من غير ذي النفس و البول و الغائط من مأكول اللحم إلّا ما مرّ و قد ورد بذلك جميعا المعتبرة (6).

____________

(1) الخلاف: 3/ 183 و 184، المراسم: 55.

(2) المعتبر: 1/ 99.

(3) السرائر: 2/ 220.

(4) انظر! مختلف الشيعة: 1/ 460، البيان: 91، مدارك الأحكام: 2/ 283.

(5) وسائل الشيعة: 3/ 530 الحديث 4374.

(6) وسائل الشيعة: 3/ 406 الباب 9، 435 الباب 23، 463 الباب 35 من أبواب النجاسات.

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

قوله: (كلّ شيء). إلى آخره.

____________

لا يخفى أنّ من الاصول المسلّمة عند الفقهاء أصالة طهارة كلّ شيء حتّى تعلم نجاسته، لأنّ النجاسة الشرعيّة لا معنى لها سوى وجوب الاجتناب في الصلاة، أو الأكل و الشرب، أو غيرهما، و الاجتناب عن ملاقيه و ملاقي ملاقيه، و هكذا ..

على ما هو المعروف عند المتشرّعة، و كلّ ذلك تكاليف شرعيّة، و الأصل عدمها حتّى يثبت.

و أيضا الأصل بقاء طهارة الأشياء الملاقية له على طهارتها الثابتة حتّى تعلم نجاستها.

و يعضدهما العمومات و المطلقات، مضافا إلى أنّ المسألة إجماعيّة بحسب الظاهر من الفقهاء.

و يدلّ عليهما الموثّقة أيضا: «كلّ شيء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر» (1).

و خالف في ذلك صاحب «الذخيرة» خاصّة (2)، متمسّكا بأنّ الطهارة الشرعيّة حكم شرعي موقوف على دليل شرعي، كسائر الأحكام الشرعيّة، و أجاب عن الموثّقة أنّها موثّقة (3).

و مع ذلك يمكن أن يكون المراد أن كل شيء ثبت طهارته شرعا فهو طاهر حتّى يثبت خلافه، يعني أنّ المراد الاستصحاب.

و فيه، أنّ الطهارة الشرعيّة في ألسنة الفقهاء و عند جميع المتشرّعة معنى

____________

(1) تهذيب الأحكام: 1/ 284 الحديث 832، وسائل الشيعة: 3/ 467 الحديث 4195.

(2) لم ترد في بعض النسخ: خاصّة.

(3) ذخيرة المعاد: 116 مع اختلاف يسير.

24

..........

____________

مقابل للنجاسة، و هي تكاليف شرعيّة بحسب الظاهر من الشرع و أحكام شرعيّة، أعم من أن يكون أحكاما واقعيّة أو ظاهريّة، كما هو الحال في سائر الأحكام الشرعيّة بلا شبهة.

فالطهارة عبارة عن عدم ثبوت وجوب الاجتناب شرعا، بل ثبوت عدم الاجتناب بحسب الأدلّة الشرعيّة و القواعد المسلّمة المرعيّة، و لا تأمّل لأحد من الفقهاء في أصل البراءة حتّى صاحب «الذخيرة» أيضا، بل لا تأمّل فيها أصلا للمعظم و المشهور، و منهم صاحب «الذخيرة» أيضا، لأنّ الاستصحاب في الموضوع الشرعي حجّة أيضا عنده، كما أنّه حجّة عند المعظم حتّى في نفس الحكم الشرعي أيضا.

و الموثّق حجّة عنده، كما أنّه حجّة عندهم، بل المنجبرة بالشهرة لا تأمّل فيه إلّا لبعض متأخّري المتأخّرين (1)، و إلّا فهو حجّة عند الكلّ.

و بالجملة، هذا الأصل لا غبار عليه أصلا. و ما ذكره من أنّ المراد من الموثّقة لعلّه استصحاب الطهارة الثابتة، ففيه، أنّه خلاف الظاهر، يتوقّف على تقدير في الكلام، و الأصل عدمه حتّى يظهر من قرينة و هي مفقودة، و الأصل و الظاهر عدمها.

و من هذا ظهر أنّه لم يخالف القوم في الاصطلاح في الطهارة الشرعية من أنّها عدم الاجتناب حتّى يثبت الاجتناب.

و لذا اعترف أيضا بأنّ ما في الصحاح من قولهم (عليهم السلام): «كلّ ماء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» (2) و غير ذلك طهارة شرعيّة، فتدبّر.

____________

(1) لاحظ! مدارك الأحكام: 1/ 75 و 82 و 132 و 133، 2/ 241.

(2) تهذيب الأحكام: 1/ 216 الحديث 619، وسائل الشيعة: 1/ 134 الحديث 326 مع اختلاف يسير.

25

..........

____________

ثمّ اعلم! أنّ مقتضى الأدلّة أنّ رفع اليد عن أصالة الطهارة و الحكم بالنجاسة يتوقّف على العلم، و ظنّ المجتهد في مقام إثبات نفس الحكم الشرعي يقوم مقام العلم و اليقين، للدليل المعروف.

فإذا ثبت نجاسة شيء من خبر الواحد الذي هو حجّة عنده، يحكم بنجاسته إذا خلا عن المعارض، و كذلك الحال في باقي الأدلّة الشرعيّة الظنّية.

و أمّا في مقام إثبات موضوع الحكم الشرعي، مثل أنّه هل لاقاه نجاسة شرعيّة ملاقاة منجّسة شرعا؟ فمقتضى الأدلّة أنّه أيضا مثل نفس الأحكام (1) يتوقّف على العلم و اليقين، إلّا أن يثبت من دليل شرعي ظنّي يثبت منه نجاسته به، و لم يثبت أصلا لعدمه مطلقا، فينحصر الثبوت في العلم و اليقين.

و ربّما توهّم متوهّم منهم ثبوتها من الظنّي قياسا على نفس الأحكام الفقهيّة، لانحصارها في الظنون، كما عرفت في صدر الكتاب، و هو اشتباه بين نفس الحكم و موضوعه، و خلط أحدهما بالآخر، و منهم من يثبت بشهادة العدلين أيضا، لأنّها مفيدة علم شرعي، و نازلة منزله.

و فيه، أنّه يتوقّف على عموم يقتضي ذلك، مع أنّ مقتضى الموثّقة: أنّ كلّ شيء نظيف حتّى يحصل العلم (2) بقذارته (3).

و مقتضى أخبار الاستصحاب أنّه: لا ينقض اليقين إلّا بيقين مثله (4). و العلم هو الاعتقاد الجازم الثابت، كما حقّق في محلّه، و غير خفي عدم حصوله من شهادة العدلين.

____________

(1) في (ك): الأحكام الشرعيّة.

(2) في (ز 3): اليقين.

(3) تهذيب الأحكام: 1/ 284 الحديث 832، وسائل الشيعة: 3/ 467 الحديث 4195.

(4) تهذيب الأحكام: 1/ 8 الحديث 11، وسائل الشيعة: 1/ 245 الحديث 631.

26

..........

____________

و قيل بكفاية العدل الواحد لأنّه خبر (1)، فيشمله كلّ ما دلّ على حجّية أخبار الآحاد. و فيه، أنّ الخاص مقدّم، كما حقّق و سلّم، و لو كان التعارض بين تلك العمومات و بين خصوص المقام من الاصول و الموثّقة من باب العموم من وجه، لجاز تخصيص كلّ من الطرفين بالآخر، فيبقى الأصل سالما، إذ مع الاحتمال لا تثبت التكاليف، فكيف التكاليف التي لا تحصى؟ فتأمّل جدّا! و بما ذكر ظهر حال شهادة العدلين أيضا، و لو سلّم العموم.

و ممّا ذكر ظهر حال ما قيل بأنّ النجاسة تثبت بإخبار ذي اليد أيضا (2).

و قيل: إذا لم يكن إقرارا في حقّ الغير، مثل ما إذا باشر الغير رطبا بثوبه أو جسده مثلا، فإنّه لو قبل منه أوجب التكليف على الغير من دون علم منه و لا إقرار به، بل ربّما يحصل ضرر عظيم عليه (3)، فتأمّل! قوله: (ما لم يلاق شيئا). إلى آخره.

التنجيس بملاقاة النجاسة برطوبة من بديهيّات الدين، من دون ملاحظة خصوصيّة النجاسة، و لا خصوصيّة الملاقي.

و من هذا ظهر ضعف ما ذكره سابقا من عدم تنجّس شيء بملاقاة الميتة برطوبة مع حكمه بنجاستها، و ظهور تنجّس المياه و الأدهان و أمثالهما من الأخبار.

و ظهر أيضا ضعف القول بطهارة لبن ضرع الميتة مع القول بكونه ممّا تحلّه الحياة، من جهة ظهورها من بعض الأخبار (4).

____________

(1) ذكرى الشيعة: 1/ 105 و 106، معالم الدين في الفقه: 1/ 381- 395.

(2) نقل عن الشارح الفاضل في ذخيرة المعاد: 139.

(3) لاحظ! ذخيرة المعاد: 139.

(4) راجع! وسائل الشيعة: 3/ 513 الباب 68 من أبواب النجاسات.

27

..........

____________

مع أنّ أخبار الآحاد حجّيتها على خلاف الأصل و الأدلّة الدالّة على منع العمل كذلك بغير العلم و اليقين، و القدر الثابت حجّيتها عند انسداد باب العلم و الظن الأقوى منها، كما لا يخفى. هذا، مضافا إلى ما مرّ سابقا.

قوله: (للمشهور بين). إلى آخره.

قد ظهر لك أنّه ليس من خواصّ المتأخّرين، و ظهر وجهه و دليلهم تمام.

قوله: (و اشتدّ).

لم يذكر هذا القيد سوى بعض منهم (1)، مع عدم ظهور مراده.

نعم، يظهر من «المعتبر» و «التذكرة» أنّ صورة الاشتداد لا تأمّل فيه (2).

قال بعض المتأخّرين: المراد من الاشتداد الثخانة المسبّبة عن مجرّد الغليان (3)، أي أوّل درجته، فهو نسب الاشتداد إلى العصير، و المصنّف نسبه إلى الغليان.

و اعترض على البعض بأنّ ما ذكره مخالف للعرف و اللغة (4) و لما وقع التصريح به في كلام الفاضلين، إذ في «المعتبر»- بعد ما حكى عن بعض الأصحاب اكتفاءه في التنجيس بمجرّد الغليان- قال: و الوجه الحكم بالتحريم بالغليان، و توقّف النجاسة على الاشتداد (5).

و في «التذكرة»: إنّ العصير إذا غلى حرم، و هل ينجس أيضا أو يقف على

____________

(1) منتهى المطلب: 3/ 219، مسالك الأفهام: 1/ 123، مدارك الأحكام: 2/ 292.

(2) المعتبر: 1/ 424، تذكرة الفقهاء: 1/ 65.

(3) جامع المقاصد: 1/ 162.

(4) معالم الدين في الفقه: 2/ 512.

(5) المعتبر: 1/ 424.

28

..........

____________

الشدّة؟ إشكال (1)، انتهى.

و الظاهر أنّ العلّامة (رحمه اللّه) في غيره (2) و غيره اكتفى بالغليان (3).

و في الظن أنّ كون الحرمة بمجرّد الغليان من حيث كونه وفاقيّا و (4) مدلول الصحاح (5) حكما كذلك، و النجاسة لمّا كانت خلافية عندهما إلّا في صورة الاشتداد و كون إطلاق لفظ «الخمر» عليه هل هو بمجرّد الغليان أم بعد الاشتداد؟ قالا ما قالا.

و رأيت كتاب فقه من العامّة ذكر فيه: أنّ الأشربة المحرّمة أربعة: الخمر، و هو عصير العنب إذا غلى و اشتدّ و قذف بالزبد. إلى أن قال: و عصير العنب إذا طبخ فذهب ثلثاه و بقي ثلثه حلال (6). انتهى.

و منه يظهر أنّ الخمر هو عصير العنب إذا غلى و اشتدّ، و في «القاموس»:

الباذق ما طبخ من عصير العنب أدنى طبخة فصار شديدا (7).

و قال بعض المحقّقين: أوّل من صنعه بنو اميّة، و هو معرّب «باده»، و هو اسم الخمر بالفارسيّة (8).

و مراد البعض أنّ الظاهر من الاشتداد المشترط بعد الغليان، و إن كان الحاصل بعده بمدّة، إلّا أنّ مراد المشترط ليس هذا الظاهر الذي لا يحتاج إلى

____________

(1) تذكرة الفقهاء: 1/ 65.

(2) تحرير الأحكام: 1/ 24، مختلف الشيعة: 1/ 469.

(3) ذكرى الشيعة: 1/ 115، لاحظ! مفتاح الكرامة: 2/ 29.

(4) في (ز 3): و بعد.

(5) لاحظ! وسائل الشيعة: 25/ 282 الباب 2 من أبواب الاشربة المحرمة.

(6) لم نعثر في مظانّه، لكن نقل ما هو بمعناه في المغني لابن قدامة: 9/ 136.

(7) القاموس المحيط: 3/ 218.

(8) النهاية لابن الأثير: 1/ 111، تاج العروس: 25/ 36.

29

..........

____________

تفسير، بل المراد هو المتأخّر المتعقّب عن أوّل الغليان بلا فصل، بسبب ملاحظة المستند، إذ يظهر من الأخبار و غيرها أنّ عصير العنب بمجرّد الغليان يصير خمرا (1)، كما هو الأظهر.

و يمكن أن يكون بعد ذهاب شيء من الأجزاء المائية- أيّ شيء كان- يصير خمرا، فلاحظها و تأمّل! قوله: (حتّى عند الشهيد). إلى آخره.

أقول: أوّل من تأمّل في دليل نجاسته هو (رحمه اللّه) (2)، لما لم يعثر على منشأ فتواهم مع أنّه صرّح بأنّ عدالتهم تمنع عن الاقتحام في الفتوى من غير دليل شرعي عندهم (3).

و يبعد كلّ البعد أن يكون الكلّ يفتون بمجرّد التوهّم، مع غاية بذل جهدهم و استفراغ وسعهم و مبالغتهم في عدم جواز تقليد المجتهد للمجتهد، و وصيّتهم في الاستفراغ و غير ذلك، و لذا جعل المشهور من حيث هو هو حجّة شرعيّة.

فالظاهر منه أنّه لم يظهر له دليلهم، و إن كان هو أيضا قائلا بنجاسته، كما يظهر من كتبه، فلاحظ و تأمّل! قوله: (و العماني). إلى آخره.

أقول: على تقدير صحّة ذلك منه معلوم أنّه صرّح بطهارة الخمر التي لا

____________

(1) تهذيب الأحكام: 9/ 122 الحديث 526، وسائل الشيعة: 25/ 293 و 294 الحديث 3190، مستدرك الوسائل: 17/ 39 الحديث 20680.

(2) البيان: 91.

(3) ذكرى الشيعة: 1/ 51.

30

..........

____________

شبهة في كونها خمرا حقيقة (1)، فما ظنّك بالمقام؟

و أمّا الشهيد الثاني (رحمه اللّه)، فقال: إنّ نجاسته من المشاهير بغير أصل (2)، و المراد منه الدليل كما لا يخفى، إذ هو صرّح بأنّ الأصل يطلق على معان أربع، منها الدليل.

و ظاهر أنّ مراده بغير دليل معروف يعرفه، لا أنّ الفقهاء اتّفقوا هنا على الفتوى بغير دليل، حاشاه عن تجويز ذلك بالنسبة إلى مؤمن، فضلا عن كونه من الفقهاء، فضلا عن اتّفاق الفقهاء المشهورين.

و على فرض أن يكون- العياذ باللّه- أراد ذلك، فمن البديهيّات كونه خطأ، و كيف يصير مستندا؟ سيّما مع بداهة كون عدم الوجدان مغايرا لعدم الوجود.

و ممّا ذكر ظهر فساد ما ذكر في «الذخيرة» من أنّ القائل بالنجاسة قليل من الأصحاب من غير دليل، و نسبه إلى «الذكرى» (3)، مع كونه من القائلين بها صريحا في «الألفية» (4)، و ظاهر أنّه متأخّر عن «الذكرى».

و ظهر أنّه رجع عمّا قال في «الذكرى» (5)، فلم يبق له اعتداد.

و مقتضى عبارة «المختلف» اتّحاد حكم هذا العصير مع الخمر و المسكرات و الفقاع عند الفقهاء، حيث نسب إلى المشهور نجاسة الكلّ، و نقل الخلاف عن ابن أبي عقيل و الصدوق في الكلّ، و ردّه بما ردّه بعد اختيار المشهور، و لم يشر إلى خلاف آخر من أحد أصلا (6)، و «المختلف» آخر تصنيفاته على ما سمعت، و هو

____________

(1) نقل عنه العلّامة في مختلف الشيعة: 1/ 469.

(2) روض الجنان: 164، مسالك الأفهام: 1/ 123.

(3) ذخيرة المعاد: 154، لاحظ! ذكرى الشيعة: 1/ 115.

(4) الألفيّة و النفليّة: 48.

(5) ذكرى الشيعة: 1/ 115.

(6) مختلف الشيعة: 1/ 469.

31

..........

____________

أقرب عهد بالفقهاء و أعرف.

مع أنّ كتاب «من لا يحضره الفقيه» و «الكافي» واضحان في كونه خمرا حقيقة عند الصدوقين بعد الكليني و البخاري من العامّة و غيره (1).

و بالجملة، إطلاق لفظ «الخمر» على العصير الغالي ممّا لا شبهة فيه، كما أشرنا في مبحث المسكرات و نجاستها، و كون ظاهره الحقيقة بملاحظة القرينة التي أشرنا لا شبهة فيه.

و على فرض المجازية فهم مسلّمون أنّ أقرب المجازات إلى الحقيقة أولى، بل و متعيّن، و بهذا استدلّوا لنجاسة المسكر و الفقاع.

أمّا الفقاع، فلما ورد من أنّه خمر مجهول، و غير ذلك (2).

و أمّا المسكر، فلما ورد: أنّ ما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر، لأنّ الخمر لم تحرم لاسمها، بل حرمت لعاقبتها (3).

و الاستدلالان مشهوران معروفان منهم، و لذا لم يقولوا بأنّ نجاسة المسكر و الفقاع لا أصل لها، و لا دليل عليها، و مع ذلك قالوا بأنّ نجاسة العصير ممّا لا دليل عليها، و لا أصل لها مطلقا (4)، مع ما عرفت من اتّحاد الحال، بل كون العصير أقوى، لظهور كثرة استعمال لفظ «الخمر» فيه، بل و ظهور كون الغالي خمرا حقيقيا، بل هو الخمر، فلاحظ الأخبار و غيرها ممّا ذكر.

____________

(1) من لا يحضره الفقيه: 4/ 40، الكافي: 6/ 419، صحيح البخاري: 4/ 11- 13 الباب 2- 5، سنن أبي داود: 3/ 324- 329 الحديث 3669- 3687.

(2) الكافي: 3/ 407 الحديث 15، تهذيب الأحكام: 1/ 282 الحديث 828، وسائل الشيعة: 3/ 469 الحديث 4201.

(3) الكافي: 6/ 412 الحديث 1، وسائل الشيعة: 25/ 343 الحديث 32078.

(4) لاحظ! ذكرى الشيعة: 1/ 115، ذخيرة المعاد: 154 و 155.

32

..........

____________

و هل تختصّ الحرمة و النجاسة بعصير العنب، أم تشملان عصير الزبيب و التمر؟

الأقوى عندي الثاني، كما ستعرف دليله في كتاب المشارب إن شاء اللّه تعالى.

قوله: (و للشيخين). إلى آخره.

قال في «المقنعة»: إنّه يغسل الثوب منه، كما يغسل من سائر النجاسات (1)، و في «النهاية» نحوه (2).

و في «المختلف»: إنّ ابن البرّاج وافقهما (3).

و عن ابن زهرة: أنّ أصحابنا ألحقوا بالنجاسات عرق الإبل الجلّالة (4).

و عن سلّار أيضا كذلك، إلّا أنّه قال بعد ذلك: و هو عندي ندب (5).

و العلّامة حكم بطهارته و نسبه إلى المشهور (6).

و الظاهر أنّه المشهور بين المتأخّرين (7)، و إلّا فقد عرفت أنّ ابن زهرة و سلّار نسبا إلى الأصحاب القول بالنجاسة، لكن كون الشيخ في «النهاية» قائلا بها، يشعر برجوعه عنه.

مستند القائلين بالنجاسة صحيحة هشام بن سالم، عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال:

«لا تأكلوا الحوم الجلّالات، و إن أصابك من عرقها فاغسله» (8).

____________

(1) المقنعة: 71.

(2) النهاية للشيخ الطوسي: 53.

(3) مختلف الشيعة: 1/ 461.

(4) غنية النزوع: 45.

(5) المراسم: 56.

(6) مختلف الشيعة: 1/ 461.

(7) شرائع الإسلام: 1/ 53، البيان: 91، كفاية الأحكام: 12.

(8) الكافي: 6/ 250 الحديث 1، تهذيب الأحكام: 1/ 263 الحديث 768، الاستبصار: 4/ 76 الحديث 281، وسائل الشيعة: 24/ 164 الحديث 30245 مع اختلاف يسير.

33

..........

____________

و حسنة حفص [بن] البختري عنه (عليه السلام): «لا تشرب ألبان الإبل الجلّالة، و إن أصابك [شيء] من عرقها فاغسله» (1).

و يتوجّه على الأوّل أنّ مقتضاها نجاسة عرق كلّ جلّالة، و لم يقل أحد به، و حملها على خصوص الإبل، فيه ما فيه. فتعيّن الحمل على الاستحباب للمسامحة، و لئلّا يصير من الشواذّ التي لم يلتفت بها أحد.

فانحصر المستند في الحسنة، فلا يكون حجّة عند من لم يعمل بها. و أمّا عند من عمل بها، ففي المقام يحصل له التأمّل، بملاحظة الصحيحة الدالّة على اتّحاد حكم عرق كلّ جلّال، و من ملاحظة تضاعيف الأحكام الثابتة عن الأئمة (عليه السلام)، إذ يظهر منها أنّ العرق تابع اللّحم، إذا كان طاهرا فالعرق طاهر، و إن كان نجسا فالعرق الخارج منه نجس.

و ورد عنهم (عليهم السلام) أنّه: «إذا ورد عليكم حديث فاعرضوه على سائر أحكامنا، فإن وجدتموه مخالفا فاطرحوه» (2)، فلو حملت على الاستحباب لوافقت الصحيحة، و لم يخالف ما صدر منهم (عليهم السلام) من الأحكام، لأنّ الثابت أنّ العرق تابع اللحم في الطهارة و النجاسة، مضافا إلى المسامحة في أدلّة السنن.

و يؤيّده الحمل على ما ورد من المنع عن ركوب الإبل الجلّالة حتّى يزول جللها (3)، و لم يقل أحد بحرمته، و أنّه لم يرد في سائر الجلّالات في عامة الأخبار ما

____________

(1) الكافي: 6/ 251 الحديث 2، تهذيب الأحكام: 1/ 263 الحديث 767، وسائل الشيعة: 3/ 423 الحديث 4053.

(2) انظر! وسائل الشيعة: 27/ 106 الباب 9 من أبواب صفات القاضي.

(3) الكافي: 6/ 253 الحديث 11، تهذيب الأحكام: 9/ 46 الحديث 190، الاستبصار: 4/ 77 الحديث 283، وسائل الشيعة: 24/ 167 الحديث 30254.

34

..........

____________

يشير إلى نجاسة العرق، و انحصر ذلك في الصحيح، و مع ذلك لم يقل أحد بنجاسته.

و يؤيّده أيضا عدم إيجاب الغسل من عرقها في الأخبار الاخر الدالّة على حرمة لحمها حتّى تستبرئ بأربعين يوما (1)، فتأمّل! و لعلّه لما ذكر- مضافا إلى الاصول- رجع الشيخ (2) و اقتصر المفيد في «المقنعة» (3)، و لعلّه أيضا رجع، و لذلك أيضا قال بالطهارة سلّار، و ابن إدريس، و عامة المتأخّرين (4)، و الاحتياط واضح.

قوله: (و الصدوق في عرق الجنب). إلى آخره.

بل قال الصدوق (رحمه اللّه) في أماليه: من دين الإماميّة، الإقرار بأنّه إذا عرق الجنب في ثوبه و كانت الجنابة من حلال فحلال الصلاة في الثوب، و إن كانت من حرام فحرام الصلاة في الثوب (5).

و هذا بعينه مضمون «الفقه الرضوي» (6)، و موافق لرواية الكفرتوثي (7) و سنذكرها.

و ادّعى الشيخ أيضا في «الخلاف» الإجماع على نجاسته (8)، و كذا ابن زهرة- بحسب الظاهر- لأنّه قال: أصحابنا ألحقوا بالنجاسات عرق الجنب من الحرام (9).

____________

(1) لاحظ! وسائل الشيعة: 24/ 166 الباب 28 من أبواب الأطعمة المحرّمة.

(2) المبسوط: 1/ 38.

(3) المقنعة: 71.

(4) المراسم: 56، السرائر: 1/ 181، شرائع الإسلام: 1/ 53، كفاية الأحكام: 12، المهذّب البارع: 1/ 228.

(5) أمالي الصدوق: 516.

(6) الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 84.

(7) وسائل الشيعة: 3/ 447 الحديث 4134.

(8) الخلاف: 1/ 483 المسألة 227.

(9) غنية النزوع: 45.

35

..........

____________

و أمّا سلّار فنسب إلى أصحابنا وجوب إزالة هذا العرق (1) لكن اختار هو الاستحباب كالمسألة السابقة.

فيظهر منه في المسألتين أنّه ما كان يحصل له العلم من مجرّد اتّفاق أصحابنا و لذا خالفهم، و المفيد في «المقنعة» صرّح بوجوب غسل الثوب و الجسد منه (2)، و كذلك الشيخ في «الخلاف» و «النهاية» (3) و غيرهما، بل عرفت أنّه ادّعى الإجماع.

و ابن الجنيد أيضا صرّح بوجوب غسل الثوب منه (4)، و في «المختلف» نسب إلى ابن البرّاج أيضا القول بالنجاسة (5).

نعم، ابن ادريس و عامّة المتأخّرين قالوا بالطهارة (6).

مستند القائلين بالنجاسة: الإجماعات المنقولة على حسب ما عرفت، بل الشيخ في «الخلاف» احتجّ على ذلك بالإجماع و طريقة الاحتياط و الأخبار (7)، من دون تعرض لذكرها.

و لعلّ مراده من الاحتياط أنّ شغل الذمّة اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة، و لا تحصل في العبادات إلّا بالاجتناب، لكونها توقيفيّة.

و أمّا الأخبار فعبارة «الفقه الرضوي» (8) المنجبرة بها و بالشهرة العظيمة لو

____________

(1) المراسم: 56.

(2) المقنعة: 71.

(3) الخلاف: 1/ 483 المسألة 227، النهاية للشيخ الطوسي: 53.

(4) نقل عنه السبزواري في ذخيرة المعاد: 155.

(5) مختلف الشيعة: 1/ 461.

(6) السرائر: 1/ 181، شرائع الإسلام: 1/ 53، كفاية الأحكام: 12، المهذّب البارع: 1/ 226.

(7) الخلاف: 1/ 483 المسألة 227.

(8) الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 84.

36

..........

____________

لم نقل بالإجماع، و رواية محمّد بن همام بسنده إلى إدريس بن زياد الكفرتوثي: أنّه كان يقول بالوقف، فدخل «سرّ من رأى» في عهد أبي الحسن (عليه السلام) و أراد أن يسأله عن الثوب الذي يعرق فيه الجنب أ يصلّي فيه؟ فبينا هو قائم في طاق باب لانتظاره (عليه السلام)، حرّكه أبو الحسن (عليه السلام) بمقرعة و قال: «إن كان من حلال فصلّ فيه، و إن كان من حرام فلا تصلّ فيه» (1).

و هذه الرواية من الروايات المعلومة المذكورة في كتب اصول الدين و إثبات إمامة الأئمّة (عليهم السلام)، و بها أثبتوا إمامة أبي الحسن (عليه السلام)، ذكروها في الكتب المذكورة على غاية الاعتماد و نهاية الاعتداد، بل على سبيل حصول العلم. فلاحظ الكتب مثل: «إرشاد المفيد» و «كشف الغمّة» و غيرهما (2)، مع انجبارها بالإجماعات المنقولة، و «الفقه الرضوي» (3)، و الشهرة العظيمة بين المتقدّمين.

و يؤيّده ما رواه في «الكافي» بسنده إلى الرضا (عليه السلام)- في حديث طويل- فيه أنّه قال: أهل المدينة يقولون: فيه شفاء العين- يعني ماء الحمّام الذي اغتسل فيه- فقال (عليه السلام): «كذبوا يغتسل فيه الجنب من حرام، و الزاني، و الناصب، و ولد الزنا (4)» (5).

و عن أبي الحسن (عليه السلام): «لا تغتسل من غسالته فإنّه يغتسل فيه من الزنا» (6).

____________

(1) ذكرى الشيعة: 1/ 120، وسائل الشيعة: 3/ 447 الحديث 4134 مع اختلاف يسير.

(2) لم نعثر على هذه الرواية في «إرشاد المفيد» و «كشف الغمّة»، لكن نقل في بحار الأنوار: 77/ 118 الحديث 6 عن ذكرى الشيعة: 1/ 120، لاحظ! مستدرك الوسائل: 2/ 571 الحديث 2755.

(3) مرّ آنفا.

(4) لم ترد في المصدر «و ولد الزنا».

(5) الكافي: 6/ 503 الحديث 38، وسائل الشيعة: 1/ 219 الحديث 557.

(6) الكافي: 6/ 498 الحديث 10، وسائل الشيعة: 1/ 219 الحديث 558.

37

..........

____________

و صحيحة أبي بصير (1)، و غير ذلك ممّا ورد فيه الأمر بغسل الثوب الذي أجنب فيه الرجل (2)، و الشيخ حمله على الكراهة، أو إذا كانت الجنابة من حرام (3)، فلاحظ و تأمّل فيه.

و يؤيّد الجميع ما رواه ابن شهر آشوب في مناقبه، عن علي بن مهزيار، قال:

وردت العسكر. إلى أن قال: اريد أن أسأله- يعني الإمام (عليه السلام)- عن الجنب إذا عرق، فقال: «إن كانت جنابته من حرام لا يجوز الصلاة فيه، و إن كانت من حلال فلا بأس» (4).

و يؤيّده أيضا ما رواه في «البحار» عن علي بن يقطين بن موسى الأهوازي مثله (5).

و مستند القائلين بالطهارة: الأصل و العمومات، مثل ما في حسنة أبي اسامة أنّه سأل الصادق (عليه السلام): عن الجنب يعرق في ثوبه، أو يغتسل فيعانق امرأته و يضاجعها و هي حائض أو جنب فيصيب جسده من عرقها؟ قال: «كلّ هذا ليس بشيء» (6). و عدم الاستفصال يشعر بالعموم.

و رواية أبي بصير أنّه سأل الصادق (عليه السلام) عن القميص يعرق فيه الرجل و هو جنب حتّى يبتلّ القميص؟ فقال (عليه السلام): «لا بأس، و إن أحبّ أن يرشه بالماء فلا

____________

(1) تهذيب الأحكام: 1/ 421 الحديث 1331، الاستبصار: 1/ 188 الحديث 656، وسائل الشيعة:

3/ 447 الحديث 4132.

(2) لاحظ! وسائل الشيعة: 3/ 444 الباب 27 من أبواب النجاسات.

(3) الاستبصار: 1/ 188 ذيل الحديث 656.

(4) مناقب ابن شهر آشوب: 4/ 445، لاحظ! بحار الأنوار: 77/ 117 الحديث 5.

(5) بحار الأنوار: 77/ 118 الحديث 6.

(6) الكافي: 3/ 52 الحديث 1، تهذيب الأحكام: 1/ 268 الحديث 786، الاستبصار: 1/ 184 الحديث 644، وسائل الشيعة: 3/ 444 الحديث 4123.

38

..........

____________

بأس» (1).

و رواية حمزة بن حمران عنه (عليه السلام): «لا يجنب الثوب الرجل و لا يجنب الرجل الثوب» (2)، و التقريب فيهما كما تقدّم، إلى غير ذلك من الروايات.

و فيه، أنّ الأصل يعدل عنه بالدليل، و الإجماع المنقول بخبر الواحد دليل، سيّما مثل ما نقله الصدوق (رحمه اللّه) من كونه من دين الإماميّة الذي يجب الإقرار به (3)، فضلا عن الإجماعات المنقولة المنجبرة بالشهرة العظيمة و غيرها.

و الخبر الواحد المنجبر أيضا دليل، كما حقّق، و مسلّم عند الفقهاء فضلا عن الأخبار المتعدّدة، سيّما ما ثبت منه الإمامة.

و أمّا الأخبار، فالمتبادر منها الجنابة من حلال، بل لا بدّ من حمل أفعال المسلمين على الصحّة، و لذا ساوى بين الجنابة و الحيض، فترك الاستفصال في مثل المقام لا يفيد العموم، سيّما و أن يعارض الأدلّة السابقة.

فروع:

الأوّل: قال في «المنتهى»: لا فرق- يعني في الحكم بنجاسة العرق المذكور على القول بها- بين أن يكون الجنب رجلا أو امرأة،

و لا بين أن يكون الجنابة من زنا أو لواط، أو وطء بهيمة أو ميتة و إن كانت زوجة [أو وطأ محرّما]، سواء كان

____________

(1) تهذيب الأحكام: 1/ 269 الحديث 791، الاستبصار: 1/ 185 الحديث 647، وسائل الشيعة:

3/ 446 الحديث 4130.

(2) الكافي: 3/ 52 الحديث 4، من لا يحضره الفقيه: 1/ 39 الحديث 152، تهذيب الأحكام: 1/ 268 الحديث 788، الاستبصار: 1/ 185 الحديث 646، وسائل الشيعة: 3/ 445 الحديث 4127.

(3) أمالي الصدوق: 516.

39

..........

____________

في الجماع إنزال أولا، و الاستمناء باليد.

أمّا لو وطئ في الحيض أو الصوم، فالأقرب طهارة عرق الجنب، و في المظاهرة إشكال.

[الثاني:] و لو وطئ الصغير أجنبيّة و ألحقنا به حكم الجنابة بالوطء، ففي نجاسة عرقه إشكال، ينشأ من عدم التحريم في حقّه (1)، انتهى.

قلت: مقتضى الأدلّة نجاسة عرق جنابة الحرام مطلقا، إذا كانت حراما.

و قيّد بعض الفقهاء: بالحاصل حين الفعل الحرام لا بعده (2)، و لم نعرف وجه هذا القيد.

الثاني: قال ابن الجنيد- بعد أن حكم بوجوب غسل الثوب من عرق الجنب من حرام-: و كذلك عندي الاحتياط إن كان جنبا من حلم،

ثمّ عرق في ثوبه (3).

و لم أعرف وجهه، و لعلّه من جهة أنّ إنزاله من فعل الشيطان و ملاعبته به، كما ورد في الأخبار (4)، فاحتمل عنده دخوله في الحرام، لأنّه حرام على الشيطان أن يفعل، و إن كان هو غير مكلّف لا يصدق على فعله الحلال، لأنّه صفة الفعل الاختياري، فلهذا جعل الغسل أحوط، لكنّه ليس بدليل الاحتياط أيضا، لعدم تبادره من الأدلّة.

الثالث: قال في «المعتبر»: الحائض و النفساء و المستحاضة و الجنب من حلال إذا خلا الثوب من عين النجاسة،

فلا بأس بعرقهم إجماعا (5).

____________

(1) منتهى المطلب: 3/ 235.

(2) جامع المقاصد: 1/ 165.

(3) نقل عنه في مفتاح الكرامة: 1/ 151.

(4) كشف الغمّة: 2/ 423، بحار الأنوار: 50/ 290 الحديث 64.

(5) المعتبر: 1/ 415.

40

..........

____________

و يدلّ على الحكم المذكور في الحيض و الجنابة من الحلال الأخبار أيضا ذكر بعضها (1).

و ورد في بعض الأخبار الأمر بغسل ثوبها الذي عرقت فيه (2)، و هو مع عدم صحّة السند لا يقاوم ما دلّ على الطهارة من جهة الدلالة. و كون المظنّة عدم انفكاك ثوبها من التنجّس بالدم أو العرق المتنجّس أو غيرهما، فالحمل على الاستحباب متعيّن، و يمكن الحمل على صورة العلم بالتنجّس.

قوله: (و للإسكافي في المذي عقيب الشهوة).

أقول: المذي و الوذي طاهران عند علمائنا كالودي، و مرّ تعريف الكلّ في نواقض الوضوء (3).

و قال ابن الجنيد: ما كان من المذي ناقضا للطهارة- أي كونها عقيب الشهوة- غسل منه الثوب و الجسد، و لو غسل من جميعه كان أحوط (4).

و مرّ الكلام في مبحث نواقض الوضوء، بحيث ظهر منه حال النجاسة أيضا، و أنّ الأظهر الطهارة كعدم النقض.

و الخبران اللذان استدلّ بهما روايتا الحسين بن أبي العلاء أنّه سأل الصادق (عليه السلام) عن المذي يصيب الثوب، قال: «إن عرفت مكانه فاغسله، فإن خفي [عليك] مكانه فاغسل الثوب كلّه» (5). و هما لا يدلّان على كونه عقيب الشهوة،

____________

(1) انظر! وسائل الشيعة: 3/ 449 الباب 28 من أبواب النجاسات.

(2) تهذيب الأحكام: 1/ 270 الحديث 794. و 271 الحديث 798، الاستبصار: 1/ 186 الحديث 650 و 187 الحديث 654، وسائل الشيعة: 3/ 450 الحديث 4143 و 4145.

(3) راجع! الصفحة: 132- 136 (المجلّد الثالث) من هذا الكتاب.

(4) نقل عنه العلّامة في مختلف الشيعة: 1/ 463.

(5) تهذيب الأحكام: 1/ 253 الحديث 731، الاستبصار: 1/ 174 الحديث 606، وسائل الشيعة:

3/ 426 الحديث 4063.

41

..........

____________

بل الثانية منهما صريحة في الغسل و عدم نقض الوضوء.

مع أنّ الراوي بعينه سأل الصادق (عليه السلام) عن المذي يصيب الثوب، قال: «لا بأس»، فلما رددنا عليه، قال: «ينضحه بالماء» (1).

و احتجّ في «المختلف» لابن الجنيد بالخبرين، و بأنّه يخرج من أحد السبيلين فيكون نجسا (2)، و في الأوّلين ما عرفت.

و في الأخيرين كلّ المذي يخرج منه كالودي و غيره، مع عدم نجاسة الكلّ عنده سوى ما هو عقيب الشهوة، فالظاهر أنّ شيئا من ذلك ليس دليله، و لعلّه قاس النجاسة بالنقض، فتأمّل! و من جملة ما وافق ابن الجنيد سائر الفقهاء في طهارته مع الخروج عن أحد السبيلين رطوبة فرج المرأة و رطوبة الدبر إذا خلتا من استصحاب نجاسة، للأصل و الإجماع.

نعم، يحكى عن بعض العامّة نجاستهما (3)، و لعلّ نظره إلى الخروج من مجرى البول و الغائط و فيه ما فيه.

و في الصحيح عن إبراهيم بن أبي محمود عن الرضا (عليه السلام) [عن المرأة وليها] قميصها أو إزارها يصيبه من بلل الفرج و هي جنب، أ تصلّى فيه؟ قال: «إذا اغتسلت صلّت فيهما» (4).

____________

(1) تهذيب الأحكام: 1/ 253 الحديث 733، الاستبصار: 1/ 175 الحديث 608، وسائل الشيعة:

3/ 426 الحديث 4062 مع اختلاف يسير.

(2) مختلف الشيعة: 1/ 464.

(3) حكاه المحقّق في المعتبر: 1/ 419.

(4) تهذيب الأحكام: 1/ 368 الحديث 1122، وسائل الشيعة: 3/ 498 الحديث 4279.

42

قوله: (و في لبن الجارية للخبر). إلى آخره.

____________

المشهور بل المجمع عليه طهارته، للأصل و استصحاب طهارة الملاقيات، و نفي الحرج و العسر، و كون التكليف بقدر الوسع بنصوص القرآن (1) و الأخبار (2) و العقل.

و التجنّب عنه يوجب الحرج على المرأة و زوجها و غيرهما، سيّما في حرّ الهواء و أوقات العرق خصوصا في بلاد صدور الروايات و بلاد الرواة، لشدّة الحرّ و كثرة العرق، و سيّما بالنسبة إلى كثير العرق في نفسه، سيّما تحت اللحاف، و عند محاضنة الزوج و حركة الملاعبة، و غير ذلك من الحركات العادية، و غيره من موجبات العرق، كالطبخ و الخبز و غيرهما، إذا كانت كثيرة اللبن، أو مسترخية ثلم الحلمة.

مع أنّ الثدي بأدنى حركة أو مصادم يخرج منه اللبن، و غسل الثدي مضرّ باللبن و الطفل و موجب نقصه، بل و انعدامه، كما لا يخفى.

هذا كلّه، مضافا إلى أنّه عام البلوى، فلو كان نجسا لاقتضى العادة شيوعها و اشتهارها، مثل البول و الغائط و المني، بل أشهر و أشيع، لنهاية عسر الاحتراز، و شدّة صعوبة التجنّب، كما لا يخفى.

مع أنّ المسلمين و المسلمات في الأعصار و الأمصار ما كانوا يحترزون. و اتّفق الفقهاء من المتقدّمين و المتأخّرين على الطهارة، فلو كان نجسا، لكان الفقهاء و المحدّثون يفتون بالاجتناب، و المقلّدون يحترزون، و كلّما ازداد الزمان ازداد الاشتهار و الانتشار، إلى أن يصل إلى الفقهاء المتقدّمين الباذلين للجهد، المستفرغين للوسع، يقتضي ذلك اتّفاقهم على النجاسة، و لا أقلّ من الاشتهار عندهم، و لا أقلّ

____________

(1) البقرة (2): 185، الأنعام (6): 152، الحجّ (22): 78.

(2) وسائل الشيعة: 1/ 24 الحديث 27، 28 الحديث 37، 11/ 19 الباب 3 من أبواب وجوب الحجّ.

43

..........

____________

من أن يقول بها كثيرهم أو جماعة منهم كثيرة بمقتضى العادة في مثله.

مع أنّ الأمر بالعكس، و لم يقل بها أحد إلّا شاذّ (1) لا يعبأون بقوله و خروجه منهم، كما اتّفق ذلك في حرمة القول بالقياس و أمثاله.

سيّما و مستنده ضعيف، متضمّن لما لا يقول به أحد، حتّى هذا الشاذّ، لأنّ رواية النوفلي، عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام): أنّ عليّا (عليه السلام) قال: «لبن الجارية و بولها يغسل منه الثوب قبل أن تطعم، لأنّ لبنها يخرج من مثانة امّها، و لبن الغلام لا يغسل منه الثوب و لا من بوله قبل أن يطعم، لأنّ لبنه يخرج من العضدين» (2).

و مرّ أنّه لم يقل بطهارة بول من لم يأكل اللحم من غير البالغ، كما مرّ (3)، مضافا إلى ما فيها من العلّة الضعيفة المخالفة للواقع بحسب الظاهر، كما لا يخفى.

قوله: (للأخبار). إلى آخره.

هي صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) [قال: سألته] عن الفارة الرطبة [قد وقعت في الماء] تمشي على الثياب أ يصلّى فيها؟ قال: «اغسل ما رأيت من أثرها و ما لم تره فانضحه بالماء» (4).

و صحيحة محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن بعض أصحابه عن الصادق (عليه السلام) سأله هل يجوز أن يمسّ الثعلب و الأرنب أو شيئا من السباع حيّا

____________

(1) لاحظ! مختلف الشيعة: 1/ 460.

(2) من لا يحضره الفقيه: 1/ 40 الحديث 157، تهذيب الأحكام: 1/ 250 الحديث 718، الاستبصار:

1/ 173 الحديث 601، وسائل الشيعة: 3/ 398 الحديث 3970 مع اختلاف يسير.

(3) راجع! الصفحة: 418 و 419 (المجلّد الرابع) من هذا الكتاب.

(4) الكافي: 3/ 60 الحديث 3، تهذيب الأحكام: 1/ 261 الحديث 761، وسائل الشيعة: 3/ 460 الحديث 4176.

44

..........

____________

أو ميتا؟ قال: «لا يضرّه، و لكن يغسل يده» (1).

و موثّقة عمّار عن الصادق (عليه السلام) عن الكلب و الفارة إذا أكلا من الخبز و شبهه، قال: «يطرح منه و يؤكل [الباقي]» (2).

و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) مثله (3).

و صحيحة معاوية بن عمّار عن الصادق (عليه السلام) عن الفارة و الوزغة تقع في البئر، قال: «ينزح منها ثلاث دلاء» (4).

لكن يعارضها صحيحة سعيد الأعرج عن الصادق (عليه السلام) عن الفارة تقع في السمن و الزيت ثمّ تخرج منه حيّا، فقال: «لا بأس بأكله» (5).

و صحيحة الفضل بن عبد الملك أنّه سأل الصادق (عليه السلام) عن سؤر الحيوانات و لم يدع شيئا إلّا سأل عن سؤره، كلّ ذلك يقول: لا بأس، حتّى انتهى إلى الكلب، فقال: رجس (6) .. الحديث.

و صحيحة ابن مسلم تضمّنت نفي البأس عن السباع (7).

و كذا رواية أبي الصباح عن الصادق (عليه السلام) (8).

____________

(1) الكافي: 3/ 60 الحديث 4، تهذيب الأحكام: 1/ 262 الحديث 763، وسائل الشيعة: 3/ 462 الحديث 4180.

(2) تهذيب الأحكام: 1/ 284 الحديث 832، وسائل الشيعة: 3/ 465 الحديث 4190.

(3) تهذيب الأحكام: 1/ 229 الحديث 663، وسائل الشيعة: 3/ 465 الحديث 4189.

(4) تهذيب الأحكام: 1/ 238 الحديث 688، الاستبصار: 1/ 39 الحديث 106، وسائل الشيعة: 1/ 187 الحديث 477.

(5) تهذيب الأحكام: 9/ 86 الحديث 362، وسائل الشيعة: 24/ 197 الحديث 30333.

(6) تهذيب الأحكام: 1/ 225 الحديث 646، وسائل الشيعة: 1/ 266 الحديث 574.

(7) تهذيب الأحكام: 1/ 225 الحديث 644، الاستبصار: 1/ 18 الحديث 39، وسائل الشيعة: 1/ 227 الحديث 581.

(8) تهذيب الأحكام: 1/ 227 الحديث 653، وسائل الشيعة: 1/ 228 الحديث 582.

45

..........

____________

و صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام): عن العظاية و الحيّة و الوزغ [يقع] في الماء فلا يموت أ يتوضّأ منه للصلاة؟ قال: «لا بأس [به]» و [سألته] عن فارة وقعت في حبّ دهن فاخرجت منه قبل أن تموت أ يبيعه من مسلم؟ قال:

«نعم و يدهن منه» (1) و غير ذلك.

مع أنّ هذه الأخبار صريحة في الطهارة بخلاف السابقة، و مع ذلك هذه موافقة للأصول و العمومات و المشهور لو لم نقل بالإجماع.

مع أنّ الشيخ (رحمه اللّه)- في الكتاب المذكور (2) في باب المياه منه- نفى البأس عمّا وقع فيه الفارة من الماء في الآنية إذا خرجت، و في غير الكتاب لم يقل بالنجاسة.

بل الظاهر رجوعه مطلقا، و المفيد (رحمه اللّه) أيضا اقتصر في الكتاب المذكور (3).

و بالجملة، لا تأمّل في الطهارة، و يحتمل الكراهة جمعا بين الأخبار، و على أيّ حال يكون للاجتناب أولويّة و احتياط ما، و إن كانت طاهرة بظاهر الأدلّة علينا البتّة.

قوله: (و للخلاف و الديلمي).

أقول: و كذا ابن حمزة (4)، و يحكى عن بعض الأصحاب أنّ لعابها نجسة (5)، و كلام سلّار صريح في نجاسة اللعاب محتمل لنجاسة العين (6)، و ظاهر ابن الجنيد نجاستها و نجاسة لعابها (7).

____________

(1) تهذيب الأحكام: 1/ 419 الحديث 1326، وسائل الشيعة: 3/ 460 الحديث 4175.

(2) النهاية للشيخ الطوسي: 6.

(3) المقنعة: 65.

(4) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 78.

(5) المهذّب البارع: 1/ 228.

(6) المراسم: 55.

(7) نقل عنه العلّامة في مختلف الشيعة: 1/ 229.

46

..........

____________

و المشهور الطهارة مطلقا، للأصل، و لصحيحة الفضل بن عبد الملك السابقة (1) و لما في الأخبار من طهارة العاج، و روى في «الكافي» بسنده إلى الكاظم (عليه السلام) أنّه كان يتمشّط بالعاج، فقيل له: بالعراق من يزعم أنّه لا يحلّ التمشّط بالعاج، فقال: «و لم؟ فقد كان لأبي منها مشط أو مشطان»، ثمّ قال: «تمشّطوا بالعاج» (2).

و في رواية: أنّه كان يتمشّط بعاج و اشتريته له (3).

و في رواية اخرى معتبرة عن الصادق (عليه السلام) عن عظام الفيل مداهنها و أمشاطها، قال: «لا بأس به» (4). إلى غير ذلك من الأخبار المعتبرة المنجبرة بالشهرة العظيمة.

حجّة القائل بالنجاسة حرمة البيع، و ليس إلّا للنجاسة، و حرمته ممّا رواه مسمع عن الصادق (عليه السلام): «إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نهى عن القرد أن يشترى أو يباع» (5).

و الرواية ضعيفة غير منجبرة، مع اختصاصها بالقرد، و ظاهر من الخارج أنّ بيعها و شراءها لأن يلعب بها، و ليس فيها منفعة حكميّة و فائدة يعتدّ بها.

سلّمنا، لكن من أين ظهر أنّ وجهه النجاسة؟ و لعلّه لمانع آخر.

قوله: (و أمّا القول). إلى آخره

عزا في «المبسوط» ذلك إلى بعض أصحابنا (6)، و المشهور الطهارة، بحيث لا

____________

(1) وسائل الشيعة: 1/ 226 الحديث 574.

(2) الكافي: 6/ 488 الحديث 3، وسائل الشيعة: 2/ 122 الحديث 1678 مع اختلاف يسير.

(3) الكافي: 6/ 489 الحديث 4، وسائل الشيعة: 2/ 123 الحديث 1679.

(4) الكافي: 6/ 489 الحديث 11، وسائل الشيعة: 2/ 123 الحديث 1680.

(5) الكافي: 5/ 227 الحديث 7، وسائل الشيعة: 17/ 171 الحديث 22276 مع اختلاف يسير.

(6) المبسوط: 1/ 38.

47

..........

____________

يكاد يظهر مخالف للأصل المذكور.

و رواية عمّار أنّه سأله (عليه السلام) عن القيء يصيب الثوب فلا يغسل، قال:

«لا بأس» (1).

و عنه أنّه سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يتقيّأ في ثوبه أ يجوز أن يصلّي فيه و لا يغسله؟ قال: «لا بأس» (2).

و لعلّ حجّة القول بالنجاسة رواية أبي هلال عن الصادق (عليه السلام): أ ينقض الرعاف و القيء و نتف الإبط الوضوء؟ فقال: «و ما تصنع بهذا، هذا قول مغيرة بن سعيد لعنه اللّه، يجزيك من الرعاف و القيء أن تغسله و لا تعيد الوضوء» (3).

و الجواب، الطعن في السند، و وجود المعارض الأقوى بسبب الشهرة العظيمة، و الموافقة للأصول و العمومات و قوّة الدلالة، فليحمل على الاستحباب جمعا و مسامحة.

ثمّ اعلم! أنّه بقي بعض ما لم يتعرّض له المصنّف في المقام و المباحث السابقة في النجاسات، مثل ولد الزنا، فإنّ ابن إدريس (رحمه اللّه) حكم بأنّه نجس، لأنّه كافر (4).

و ربّما يظهر من المرتضى (رحمه اللّه) أيضا، لنقل «المختلف» عنه أنّه أيضا حكم بكفره (5).

____________

(1) تهذيب الأحكام: 1/ 423 الحديث 1340، من لا يحضره الفقيه: 1/ 7 الحديث 8، وسائل الشيعة:

3/ 489 الحديث 4257.

(2) الكافي: 3/ 406 الحديث 13، تهذيب الأحكام: 2/ 358 الحديث 1484، وسائل الشيعة: 3/ 488 الحديث 4256.

(3) تهذيب الأحكام: 1/ 349 الحديث 1026، وسائل الشيعة: 1/ 266 الحديث 694 مع اختلاف يسير.

(4) السرائر: 1/ 357.

(5) الانتصار: 273، مختلف الشيعة: 1/ 231.

48

..........

____________

قيل: و كلام الصدوق أيضا يشعر بذلك (1).

قلت: و كذلك الكليني (رحمه اللّه) (2)، لإيراده الرواية الآتية من دون إشارة إلى توجيه، بل في «المختلف» نسبه إلى جماعة (3).

و في «المعتبر»- بعد ما طلب بدليل الكفر- قال: و لو ادّعي الإجماع كما ادّعاه بعض الأصحاب، كانت المطالبة باقية (4).

أقول: يمكن أن يكون مستند الحكمين رواية الكليني، بسنده عن الوشّاء، عمّن ذكره، عن الصادق (عليه السلام): «أنّه كره سؤر ولد الزنا، و اليهودي، و النصراني، و المشرك، و كلّ من خالف الإسلام، و كان أشدّ ذلك عنده سؤر الناصب» (5).

و السياق يقتضي كونه من قبيل البواقي، بل في رواية ابن أبي يعفور عن الصادق (عليه السلام) إنّه قال: «لا تغتسل من البئر التي تجتمع فيها غسالة الحمّام فإنّ فيها غسالة ولد الزنا، و هو لا يطهر إلى سبعة آباء، و [فيها] غسالة الناصب و هو شرّهما، إنّ اللّه لم يخلق خلقا شرّا من الكلب، و [إنّ] الناصب أهون على اللّه من الكلب» (6)، الحديث.

و في رواية حمزة عن أبي الحسن (عليه السلام) أنّه قال: «لا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمّام، فإنّه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب، و ولد الزنا و الناصب لنا» (7).

____________

(1) قاله العلّامة في مختلف الشيعة: 1/ 231، لاحظ! من لا يحضره الفقيه: 1/ 8.

(2) الكافي: 3/ 11 الحديث 6.

(3) مختلف الشيعة: 1/ 231.

(4) المعتبر: 1/ 98.

(5) الكافي: 3/ 11 الحديث 6، وسائل الشيعة: 1/ 229 الحديث 587.

(6) الكافي: 3/ 14 الحديث 1، وسائل الشيعة: 1/ 219 الحديث 559.

(7) تهذيب الأحكام: 1/ 373 الحديث 1143، وسائل الشيعة: 1/ 218 الحديث 556.

49

..........

____________

و لعلّ رواية الكليني إيّاها و موافقة غيره له و دعوى الإجماع الذي اشير إليه يجبرها، لكن للمناقشة سندا و دلالة بعد مجال، و الاحتياط واضح.

و مثل دود الحش و صراصره و غيرهما ممّا يكون من النجس، فإنّ المحقّق تردّد فيها لذلك، و لما دلّ على طهارة ما مات فيه حيوان لا نفس له من غير الفصل، و لأنّ المعلوم هو تولّدها في النجاسة لا من النجاسة، فلا يحكم بنجاستها، و إن لاقت النجاسة إذا خلت من عينها (1)، انتهى.

و لا يخفى أنّ أصالة الطهارة لا يصادمها (2) ما ذكره، سيّما مع معاضدتها لما ذكرناه، لأنّ تولّد الحيوان من نجس العين لا دليل على نجاسته سوى توهّم الاستصحاب.

و فيه، أنّ الاستصحاب شرطه بقاء موضوع الحكم على حاله، و إن وقع بالنسبة إليه تغيّر ما، فإذا انعدم ماهيّته و انقلبت بغيره- كأن يصير الكلب ملحا، و العذرة دودا، و الميتة ترابا أو دودا، و دم الإنسان دم البق، و أمثاله إلى غير ذلك، مثل استحالة النجاسات في الحياض إلى الماء المطلق، و غيرها ممّا لا يحصى، و كذلك الخمر خلّا، إلى غير ذلك- يتغيّر الحكم البتّة، و يكون الأصل الطهارة.

و لذا جعلوا من المطهّرات الاستحالة و الانقلاب كليّا، لأنّ الأحكام الشرعيّة تابعة للأسامي و الحقائق، إذ الملح لا يصدق عليه أنّه كلب بوجه من الوجوه.

و قس على ذلك حال البواقي، و مثل الجنين فإنّه إذا تمّ خلقته و ذكّيت امه بذكاة شرعيّة، يكون حلالا طاهرا، إنّ ذكاته ذكاة امّه، و إلّا يكون نجسا، إذا حلّ

____________

(1) المعتبر: 1/ 102.

(2) في (ف) و (ز 1) و (ط): يقاومها.

50

..........

____________

فيه الحياة ثمّ مات لأنّه ميتة، و كذا إذا لم تذكّ امّه.

و أمّا إذا لم يحل فيه الحياة بعد، سواء ذكّيت امّه أم لا، فالظاهر أنّه نجس عند الفقهاء، داخل في حكم الميتة، و أمّا إذا كان دما أو علقة فقد مضى حكمه (1).

هذا كلّه إذا كان ممّا له نفس سائلة، و أمّا إذا كان ممّا ليس له نفس سائلة فقد مرّ (2)، و ظهر منه أنّه طاهر.

و مثل ما نسب إلى الجعفي (رحمه اللّه) من قوله بحلّية بعض الفقاع و لازمه القول بالطهارة أيضا (3)، و هو شاذّ لا عبرة به، لعموم ما دلّ على الحرمة، إلّا أن يكون مراده قبل الغليان، و لما ورد في بعض الأخبار من حلّيته (4).

فالظاهر أنّه ليس بفقاع حقيقة، بل مجازا مشارفة.

و مثل موضع عضّ كلب الصيد، فإنّ الشيخ (رحمه اللّه) حكم بطهارته (5)، لعموم فَكُلُوا مِمّٰا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ (6) و غيره.

و فيه: منع تبادر العموم المذكور، و على تقدير التسليم ما دلّ على نجاسته أيضا عام أقوى، و لذا يكون فم هذا الكلب نجس العين، و لو باشر الماء أو غيره ممّا دلّ العمومات على طهارته يصير متنجّسا جزما عنده لازم الاجتناب.

و مثل ما قال الصدوق (رحمه اللّه): من رشّ ما أصابه كلب الصيد برطوبة، و غسل ما أصابه غيره (7).

____________

(1) راجع! الصفحة: 441 و 442 (المجلّد الرابع) من هذا الكتاب.

(2) راجع! الصفحة: 439 و 440 (المجلّد الرابع) من هذا الكتاب.

(3) نسبه الشهيد في ذكرى الشيعة: 1/ 115.

(4) وسائل الشيعة: 25/ 381 و 382 الحديث 32180- 32182.

(5) الخلاف: 6/ 12 المسألة 8.

(6) المائدة (5): 4.

(7) من لا يحضره الفقيه: 1/ 43 ذيل الحديث 167 نقل بالمعنى.

51

..........

____________

و فيه، أنّ ما دلّ على نجاسة الكلب و وجوب غسل ملاقيه برطوبة عام يشمل كلّ كلب.

نعم، في بعض الأخبار علل ذلك بأمر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بقتله (1)، لكن لو تمّ لزم انحصار النجاسة في كلب الهراش، و فيه ما فيه. و لم نعرف مأخذ الصدوق (رحمه اللّه).

و تمام الكلام سيجيء في مبحث إزالة النجاسات، و سيجيء بعض ما له دخل بالمقام في مبحث الإزالة و مبحث المياه.

و المسك طاهر إجماعا، و لما روي أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يتطيّب به (2)، و لا يضرّ كون أصله الدم، لمكان الاستحالة.

و كذلك القيح، إلّا أن يكون فيه دم.

قوله: (و يستحب التجنّب). إلى آخره.

في موثّقة عمّار عن الصادق (عليه السلام) في الرجل إذا قصّ أظفاره بالحديد، أو أخذ من شعره، أو حلق قفاه [قال:] «فإنّ عليه أن يمسحه بالماء قبل أن يصلّي»، سئل فإن صلّى و لم يمسح [من ذلك] بالماء؟ قال: «يمسح بالماء و يعيد الصلاة، لأنّ الحديد نجس» و قال: « [إنّ] الحديد لباس أهل النار» (3).

و في موثقته أيضا عنه (عليه السلام) سأله عن الرجل يقرض من شعره بأسنانه أ يمسحه بالماء قبل أن يصلّي؟ قال: «لا بأس، إنّما ذلك في الحديد» (4)، إلى غير ذلك

____________

(1) وسائل الشيعة: 3/ 414 الحديث 40125.

(2) الكافي: 6/ 515 الحديث 2، وسائل الشيعة: 2/ 149 الحديث 1770، 3/ 500 الحديث 4285.

(3) تهذيب الأحكام: 1/ 425 الحديث 1353، الاستبصار: 1/ 96 الحديث 311، وسائل الشيعة:

3/ 530 الحديث 4374.

(4) الكافي: 3/ 38 الحديث 17، تهذيب الأحكام: 1/ 345 الحديث 1011، الاستبصار: 1/ 96 الحديث 310، وسائل الشيعة: 3/ 530 الحديث 4373.

52

..........

____________

و طهارته ممّا لم يتأمّل فيه أحد من الفقهاء، بل طريقة المسلمين في الأعصار و الأمصار تنادي بالإجماع الواقعي على طهارته.

و كذا عموم البلوى به و عسر التجنّب عنه، و كونه حرجا في الدين بحسب الظاهر، مع أنّه لو كان نجسا لاقتضى العادة اشتهاره كلّ الاشتهار.

مع أنّه سأل اسماعيل بن جابر، عن الصادق (عليه السلام): عن الرجل يأخذ من أظفاره، و شاربه أ يمسحه [بالماء]؟ فقال: «لا، هو طهور» (1).

____________

(1) من لا يحضره الفقيه: 1/ 38 الحديث 141، وسائل الشيعة: 1/ 289 الحديث 759.

53

82- مفتاح [موارد وجوب إزالة النجاسة]

يجب إزالة النجاسة عن الثوب و البدن للصلاة و الطواف الواجبين، مع الإمكان و عدم العفو من الشارع.

و عن الأواني للاستعمال برطوبة في الأكل و الشرب، و عن المأكول للأكل، لعدم جواز العبادتين في النجسين إلّا ما استثني، و لا أكل النجس، كما يأتي كلّ في بابه.

و عن المساجد بلا خلاف للنصوص، منها المشهور: «جنّبوا مساجدكم النجاسة» (1)، و عن المصاحف المشرفة و جلودها و أكياسها و لفائفها، و الضرائح المقدّسة و كسوتها و ما يلقى عليها لحرمتها.

و يستحبّ للمندوب من العبادتين، و إن كان شرطا في صحّتهما.

____________

(1) وسائل الشيعة: 5/ 229 الحديث 6410.

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}