مصابيح الظلام - ج7

- الوحيد البهبهاني المزيد...
512 /
5

[تتمة فن العبادات و السياسات]

[تتمة كتاب مفاتيح الصلاة]

[تتمة الباب الثّالث في أفعال الصلاة و أذكارها المتقدّمة عليها و المقارنة لها و المتأخّرة عنها]

[تتمة القول في الأذان و الإقامة]

136- مفتاح [عدم جواز الأذان قبل الوقت]

لا يؤذّن إلا بعد دخول الوقت إجماعا، و أمّا جواز تقديمه على الصبح للتأهّب للصلاة و اغتسال الجنب و امتناع الصائم من الأكل و الجماع و نحو ذلك، فذاك شيء آخر، لأنّه ليس من أذان الصلاة في شيء، و لهذا يعاد تارة أخرى، كما في الصحاح (1).

____________

(1) لاحظ! وسائل الشيعة: 5/ 388 الباب 8 من أبواب الاذان و الإقامة.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

قوله: (و أمّا جواز تقديمه). إلى آخره.

____________

لا شبهة في عدم جواز التقديم في غير هذه الصورة، لكونه للإعلام بدخول الوقت، مضافا إلى الإجماع، بل الضرورة.

و أمّا التقديم في هذه الصورة، فالمشهور جوازه مع استحباب إعادته.

بل ربّما يظهر من علّة الجواز رجحانه أيضا، مثل صحيحة ابن سنان عن الصادق (عليه السلام): سألته عن النداء قبل طلوع الفجر، فقال: «لا بأس، و أمّا السنة فمع الفجر، و إن ذلك لينفع الجيران، يعني قبل الفجر» (1).

و صحيحة الأخرى عنه (عليه السلام) أنّه قال له: إنّ لنا مؤذّنا يؤذّن بليل، فقال: «أمّا إنّ ذلك لينفع الجيران لقيامهم إلى الصلاة، و أمّا السنّة فإنّه ينادى مع طلوع الفجر» (2).

و في «الفقيه»: «كان لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) مؤذّنان: أحدهما بلال و الآخر ابن أمّ مكتوم كان أعمى، و كان يؤذّن قبل الصبح و بلال يؤذّن بعد الصبح، فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ): إنّ ابن أمّ مكتوم يؤذّن بليل فكلوا و اشربوا حتّى تسمعوا أذان بلال» (3)، انتهى.

و العامّة أيضا رووا ذلك لكن بالعكس (4)، لبغضهم بلالا، من جهة عدم بيعته للأوّل.

و عن ابن الجنيد (5)، و ابن إدريس، و أبي الصلاح، و الجعفي عدم الجواز (6)،

____________

(1) تهذيب الأحكام: 2/ 53 الحديث 178، وسائل الشيعة: 5/ 391 الحديث 6884 مع اختلاف يسير.

(2) تهذيب الأحكام: 2/ 53 الحديث 177، وسائل الشيعة: 5/ 390 الحديث 6883.

(3) من لا يحضره الفقيه: 1/ 193 ذيل الحديث 905.

(4) صحيح البخاري: 1/ 210 الحديث 623، صحيح مسلم: 2/ 630 الحديث 37.

(5) نقل عنه في ذكرى الشيعة: 3/ 237، مدارك الأحكام: 3/ 277.

(6) السرائر: 1/ 211، الكافي في الفقه: 121، نقل عن الجعفي في ذكرى الشيعة: 3/ 237.

8

..........

____________

و نسب ذلك إلى السيّد أيضا (1).

و بناؤهم على ما ذكرنا من كون الأذان الفريضة موضوعا للإعلام بدخول وقتها، مع عدم حجّية أخبار الآحاد، و أنّ ما ذكر أخبار آحاد عندهم، و إن ادّعى ابن أبي عقيل تواتره (2).

هذا، مضافا إلى ما روي من أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) أمر بلال أن يعيد الأذان الذي أذّن قبل الفجر (3).

و فيه أنّه لا يضرّ المشهور، بل ينفعهم، لقولهم باستحباب الإعادة.

و أمّا عدم حجّية أخبار الآحاد، فالجواب عنه في الأصول.

و أمّا الاستدلال عليهم بالأصل و بأنّ فائدة الأذان غير منحصرة في الإعلام فليس بشيء، إذ لا شكّ في الانحصار إلّا فيما ثبت، و لذا لا نرضى بتقديم أذان غير الفجر ممّا ذكرنا من الدليل، مع أنّ العبادة التوقيفيّة، كما تكون ماهيّتها توقيفيّة، كذا تكون رجحانها أو شرعيّتها بلا تأمّل! و الظاهر أنّ جواز التقديم إنّما هو مقارب الفجر، و إن لم يكن فيه حدّ معيّن و مشخص، و يظهر ذلك من علّة التقديم، فتأمّل! و لا فرق عندنا بين شهر رمضان و غيره، و لا بين وحدة المؤذّن و تعدّده، لما عرفت من الدليل.

____________

(1) نسب اليه في مدارك الأحكام: 3/ 277، لاحظ! الناصريّات: 182 المسألة 68.

(2) نقل عنه العلّامة في مختلف الشيعة: 2/ 133.

(3) مستدرك الوسائل: 4/ 26 الحديث 4091.

9

137- مفتاح [ما لو تركهما و دخل في الصلاة]

لو تركهما حتّى دخل في الصلاة، فإن تعمّد، فليمض، و إن نسي فليرجع ما لم يركع استحبابا، وفاقا للأكثر (1)، للصحيح (2)، و قيل بالعكس (3)، و قيل بالاستئناف مطلقا (4)، و ليسا بشيء.

و يتأكّد الاستحباب قبل القراءة، للصحيح و غيره (5)، و يضعف بعد الركوع قبل الفراغ، للصحيح الآخر (6).

____________

(1) مختلف الشيعة: 2/ 127، المعتبر: 2/ 129، جامع المقاصد: 2/ 198، لا حظ! مدارك الأحكام:

3/ 237.

(2) وسائل الشيعة: 5/ 434 الحديث 7015.

(3) النهاية للشيخ الطوسي: 65، السرائر: 1/ 209.

(4) المبسوط: 1/ 95، المهذب: 1/ 89.

(5) وسائل الشيعة: 5/ 434 و 435، الحديث 7016 و 7017.

(6) وسائل الشيعة: 5/ 433 الحديث 7012.

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

قوله: (وفاقا للأكثر). إلى آخره.

____________

منهم الشيخ و المرتضى (1)، و الصحيح هو صحيحة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا افتتحت الصلاة فنسيت أن تؤذّن و تقيم ثمّ ذكرت قبل أن تركع فانصرف و أذّن و أقم و استفتح الصلاة، و إن كنت قد ركعت فأتمّ على صلاتك» (2).

و الأمر محمول على الاستحباب، لما عرفت من عدم وجوبهما، و ما ستعرف، فيدلّ على عدم استحباب الإعادة إن تعمّد الترك، لعدم دليل عليها، مع أنّ إبطال العمل حرام، مع أنّ المستحبّ ما يجوز تركه لا إلى بدل، فتأمّل! و عن «النهاية» عكس ذلك (3)، للمعتبرة الكثيرة الدالّة على أنّ من نسي الأذان و الإقامة حتّى دخل في الصلاة فليمض، كما في صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام) (4)، أو «ليس عليه شيء» كما في صحيحة داود بن سرحان عن الصادق (عليه السلام) (5)، أو «يمضي و لا يعيد»، كما في رواية زرارة عنه (عليه السلام) (6)، أو «لا يعيد» كما في رواية أخرى عنه صلّى الله عليه و آله و سلم (7).

____________

(1) نقل عنهما في مدارك الأحكام: 3/ 273.

(2) تهذيب الأحكام: 2/ 278 الحديث 1103، الاستبصار: 1/ 304 الحديث 1127، وسائل الشيعة:

5/ 434 الحديث 7015 مع اختلاف يسير.

(3) النهاية للشيخ الطوسي: 65.

(4) تهذيب الأحكام: 2/ 285 الحديث 1139، الاستبصار: 1/ 304 الحديث 1130، وسائل الشيعة:

5/ 434 الحديث 7013 نقل بالمضمون.

(5) تهذيب الأحكام: 2/ 285 الحديث 1140، وسائل الشيعة: 5/ 434 الحديث 7014.

(6) تهذيب الأحكام: 2/ 279 الحديث 1106، الاستبصار: 1/ 302 الحديث 1121، وسائل الشيعة:

5/ 436 الحديث 7019.

(7) تهذيب الأحكام: 2/ 279 الحديث 1108، وسائل الشيعة: 5/ 433 الحديث 7010.

12

..........

____________

و الجواب أنّ الظاهر منها عدم وجوب الإعادة، فلا ينافي استحبابها، مع أنّ استحباب الإعادة في صورة العمد لا منشأ له، بل الظاهر [من] صحيحة الحلبي عدم استحبابها حينئذ (1).

هذا، مضافا إلى حرمة إبطال العمل، الظاهر من أخبار كثيرة، و يؤيّده أيضا قوله تعالى وَ لٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ (2).

و عن ابن إدريس موافقته ل«النهاية»، (3)، و عن القديمين موافقتهما للمشهور في نسيان الأذان و الإقامة في الصبح و المغرب و الإقامة في سائر الصلوات (4)، لكن ابن الجنيد خالف المشهور، في نسيان الإقامة وحدها، حيث قال: يرجع ما لم يقرأ عامة السورة (5).

و ابن أبي عقيل أوجب الإعادة في الأذان، و إن كان وحده، و في الإقامة كذلك، و أوجب الإعادة كذلك مطلقا إن كان الترك عمدا أو استخفافا (6).

و ظاهر أنّ منشأ فتواهما قولهما بوجوبهما بالنحو المذكور، مع مراعاة ما ورد في الأخبار في صورة النسيان. و أمّا العمد فهو كما ذكره ابن أبي عقيل.

و ما في «المدارك» من قوله: و لو قلنا بوجوبه لم يتوجّه الاستئناف أيضا، و إن أثم بالإخلال به، لخروجه عن حقيقة الصلاة (7)، فيه ما فيه.

____________

(1) وسائل الشيعة: 5/ 434 الحديث 7015.

(2) محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) (47): 33.

(3) السرائر: 1/ 209، لاحظ! النهاية للشيخ الطوسي: 65.

(4) نقل عنهما في مختلف الشيعة: 2/ 127 و 128.

(5) نقل عنه في ذكرى الشيعة: 3/ 233.

(6) نقل عنه في مختلف الشيعة: 2/ 120 و 127، لاحظ! الحدائق الناضرة: 7/ 367.

(7) مدارك الأحكام: 3/ 273.

13

..........

____________

أمّا على القول بأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه فظاهر، و أمّا على القول الآخر، فلأنّ الواجب لا يخرج عن وجوبه بمجرّد الإخلال به.

نعم، لو عصى و تركه مطلقا و أتى بالضد يكون الضدّ صحيحا، و صحّة الضدّ لا يخرج وجوب ضدّه عن الوجوب، إذ لا تأمّل في بقائه على وجوبه- مثل أداء الدين الواجب المضيّق، و إزالة النجاسة الممكنة عن المسجد، و أمثال ذلك لو قلنا بأنّ إبطال ضدّه حينئذ حرام لصحّته- لأنّ مثل هذا التكليف و إن كان لا يطاق، إلّا أنّ المكلّف أورده على نفسه، و لذا كلّ من قال: بأنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن الضدّ، لم يقل بخروج الواجب المضيّق عن وجوبه بالبديهة.

مع أنّ القائل بوجوب الأذان و الإقامة كلامه مطلق، لا أنّه مقيّد بصورة عدم ترك المكلّف عمدا مع دخوله في الصلاة.

هذا، و عن «المبسوط» أنّه وافق المشهور، و لكن لم يفرّق (1) بين النسيان و العمد (2)، و لم نعرف مأخذه.

و اعلم! أنّه ورد في صحيحة علي بن يقطين، عن الكاظم (عليه السلام) استحباب الإعادة في صورة نسيان الإقامة ما لم يفرغ عن الصلاة دون ما إذا فرغ (3)، و حمل على ما قبل الركوع في الركعة الأولى (4)، و فيه ما فيه.

و حملها الشيخ على الاستحباب أيضا (5)، لكن في «المعتبر» قال: فيه تهجّم

____________

(1) في (ز 3): من غير فرق.

(2) المبسوط: 1/ 95.

(3) تهذيب الأحكام: 2/ 279 الحديث 1110، الاستبصار: 1/ 303 الحديث 1125، وسائل الشيعة:

5/ 433 الحديث 7012.

(4) مختلف الشيعة: 2/ 128.

(5) تهذيب الأحكام: 2/ 279 ذيل الحديث 1110، الاستبصار: 1/ 303 ذيل الحديث 1125.

14

..........

____________

على إبطال العمل بالخبر النادر (1).

و في صحيحة صفوان، عن الحسين بن أبي العلاء، عن الصادق (عليه السلام): عن الرجل يستفتح المكتوبة ثمّ يذكر أنّه لم يقم، قال: «إن ذكر قبل أن يقرأ فليسلّم على النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) ثمّ يقيم فيصلّي، فإن ذكر بعد ما قرأ بعض السورة فليتمّ على صلاته» (2).

و في صحيحة ابن مسلم عن الصادق (عليه السلام) مثل ذلك في نسيان الأذان و الإقامة معا (3).

و نحوها صحيحة زيد الشحّام عنه (عليه السلام) (4)، و حملت على عدم تأكّد الرجوع بعد الدخول في القراءة (5).

و الأحوط مراعاتها، لأنّ إبطال العمل حرمته وفاقيّة ثابتة من الأخبار (6) و الآيات (7) التي تكون متواترة بحسب الظاهر، مع كثرة هذه الصحاح، بل الأحوط عدم الإعادة بعنوان إبطال العمل مطلقا لما ذكروا، لكثرة المعتبرة السابقة، و قول الشيخ و ابن إدريس (8) بمضمونها.

____________

(1) المعتبر: 2/ 130.

(2) تهذيب الأحكام: 2/ 278 الحديث 1105، الاستبصار: 1/ 304 الحديث 1129، وسائل الشيعة:

5/ 435 الحديث 7017 مع اختلاف يسير.

(3) تهذيب الأحكام: 2/ 278 الحديث 1102، الاستبصار: 1/ 303 الحديث 1126، وسائل الشيعة:

5/ 434 الحديث 7016.

(4) من لا يحضره الفقيه: 1/ 187 الحديث 893، وسائل الشيعة: 5/ 436 الحديث 7021.

(5) مدارك الأحكام: 3/ 275.

(6) وسائل الشيعة: 7/ 238 الحديث 9212، 241 الحديث 9222، 242 الحديث 9226، 251 الحديث 9251، 273 الحديث 9320، 8/ 228 الحديث 10496.

(7) محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) (47): 33.

(8) النهاية للشيخ الطوسي: 65، السرائر: 1/ 209.

15

..........

____________

و صحيحة جعفر بن بشير عن نعمان الرازي أنّه سمع الصادق (عليه السلام) و قد سأله أبو عبيدة عن رجل نسي أن يؤذّن و يقيم حتّى دخل في الصلاة؟ قال: «إن كان دخل المسجد و من نيّته أن يؤذّن و يقيم فليمض في صلاته و لا ينصرف» (1).

و لا يخفى أنّ النسيان فرع إرادتهما غالبا، فتأمّل جدّا! إلّا أن يقال: هذا الاحتياط معارض لما مرّ من أنّ الاحتياط عدم ترك الإقامة، مع ما ورد في فضل الأذان و الإقامة (2)، بل وجود القائل بوجوبهما في الجملة، سيّما الإقامة (3) فتأمّل جدّا! و ممّا ذكر ظهر عدم جواز العمل بما روي في الضعيف عن زكريّا بن آدم أنّه قال للرضا (عليه السلام): جعلت فداك، كنت في صلاتي فذكرت في الركعة الثانية- و أنا في القراءة- أنّي لم اقم [فكيف أصنع]؟ قال: «اسكت موضع قراءتك و قل: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، ثمّ امض في قراءتك و صلاتك و قد تمّت صلاتك» (4).

مضافا إلى أنّ «قد قامت الصلاة» ليست بقراءة و لا ذكر و لا دعاء.

مع أنّ الثابت من الصحيح المعمول به أنّ بعد الدخول في الركوع مأمور بإتمام الصلاة (5) من دون تدارك، و من الصحاح الاخر أنّ بعد دخوله في القراءة يكون الأمر كذلك، و من المعتبر أيضا ما عرفت و وجّهت بأنّ المراد: اسكت بلسانك،

____________

(1) تهذيب الأحكام: 2/ 279 الحديث 1107، الاستبصار: 1/ 303 الحديث 1122، وسائل الشيعة:

5/ 436 الحديث 7020 مع اختلاف يسير.

(2) لاحظ! وسائل الشيعة: 5/ 367 الباب 1 من أبواب الاذان و الإقامة.

(3) المقنعة: 97، المبسوط: 1/ 95، الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 91.

(4) تهذيب الأحكام: 2/ 278 الحديث 1104، الاستبصار: 1/ 304 الحديث 1128، وسائل الشيعة:

5/ 435 الحديث 7018.

(5) لا حظ! وسائل الشيعة: 6/ 88 الباب 28 من أبواب القراءة في الصلاة.

16

..........

____________

و قل يعني في نفسك، بل هو أقرب إلى لفظ «اسكت»، كما هو المناسب لحال الصلاة.

ثمّ اعلم، أنّ ما ذكر إنّما هو في حال الانفراد لا الجماعة، لكون ذلك هو الظاهر المتبادر من الأخبار و الأقوال، بل صرّح في «المبسوط» بذلك (1).

و يظهر من «المختلف» إمضاؤه له (2)، مع أنّه لا يتأتّى ما ذكر في صورة الجماعة غالبا لو لم نقل كلّها، بل و كلّيا أيضا، كما لا يخفى على المتدبّر.

فما في «المدارك» من [أنّ] إطلاق النص و كلام الأصحاب يقتضي عدم الفرق في المصلّي بين الجامع و المنفرد (3)، فيه ما فيه.

و اعلم أيضا! إنّ ما ذكر إنّما هو في حال تركهما معا أمّا لو ترك الإقامة فقط، فلم يظهر من المشهور قول و لا دليل.

نعم، ظهر من القديمين، و المحقّق و الشهيد في «الدروس»، الإعادة لها أيضا على ما عرفت (4)، لكن لم نجد دليلا سوى صحيحة ابن يقطين، و الحسين بن أبي العلاء (5) السابقتين، و قد عرفت شذوذهما، سيّما الأولى لادّعاء العلّامة الإجماع على عدم الإعادة بعد الدخول في الركوع (6).

مع أنّ صحيحة الحسين أو حسنته، لم يظهر منها الإعادة، إلّا أن يقال: قوله أخيرا: «فليتمّ على صلاته» ظاهر في كون المراد من قوله: فيصلّي، أنّه يعيد

____________

(1) المبسوط: 1/ 95.

(2) مختلف الشيعة: 2/ 127.

(3) مدارك الأحكام: 3/ 276.

(4) نقل عن القديمين في مختلف الشيعة: 2/ 127، المعتبر: 2/ 130، الدروس الشرعيّة: 1/ 165.

(5) وسائل الشيعة: 5/ 433 الحديث 7012، 435 الحديث 7017، راجع الصفحة: 13 و 14 من هذا الكتاب.

(6) مختلف الشيعة: 2/ 128.

17

..........

____________

الصلاة.

و كيف كان، كيف يمكن التهجّم على إبطال العمل الحرام بهذين الخبرين الشاذّين؟!! و أمّا الرواية الضعيفة، و إن كانت في نسيان الإقامة خاصة، إلّا أنّك عرفت الحال فيها، و أشكل من ذلك نسيان الأذان فقط، لعدم ورود خبر شاذّ فيه، فضلا عن غيره.

مع أنّ فخر المحقّقين ادّعى الإجماع على عدم الإعادة حينئذ (1)، و إن كان المنقول عن ابن أبي عقيل (2) و المحقّق الإعادة في نسيانه أيضا (3).

و عن الشهيد الثاني جواز الإعادة، لاستدراك الأذان وحده دون الإقامة وحدها (4).

____________

(1) إيضاح الفوائد: 1/ 97.

(2) نقل عنه العلّامة في مختلف الشيعة: 2/ 127.

(3) المعتبر: 2/ 129، شرائع الإسلام: 1/ 75.

(4) مسالك الأفهام: 1/ 185.

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

138- مفتاح [ما يشترط في المؤذّن]

يشترط في المؤذّن الذي يتّخذ لبلد أو مسجد و يعتدّ بأذانه في الصلاة أن يكون عاقلا مسلما إجماعا، بل مؤمنا، للموثق (1).

و يستحبّ أن يكون عدلا، لظواهر الأخبار (2) و لتقليد ذوي الأعذار.

و قيل باشتراط العدالة (3).

صيّتا ليعمّ النفع و يتمّ الغرض، حسن الصوت ليقبل القلوب، قائما على مرتفع تأكيدا للغرض، و للخبر (4)، بصيرا بالأوقات ليأمن الغلط.

و يصحّ من الصبي المميّز بالنصّ (5) و الإجماع، و كذا المرأة إذا أذّنت لنفسها أو نسائها، أمّا في اعتداد الأجنبي بأذانها فإشكال.

____________

(1) وسائل الشيعة: 5/ 431 الحديث 7008.

(2) وسائل الشيعة: 5/ 378- 380 الباب 3 من أبواب الأذان و الاقامة.

(3) لا حظ! جامع المقاصد: 2/ 176.

(4) وسائل الشيعة: 5/ 411 الحديث 6957.

(5) وسائل الشيعة: 5/ 440 الباب 32 من أبواب الأذان و الإقامة.

20

و يكره أخذ الأجرة على الأذان، وفاقا للسيّد (1)، للظواهر (2)، و الأكثر على تحريمه (3)، و يدفعه ضعف السند، و ينعقد لو أخذ و إن قيل بالتحريم، لأنّه عبادة و شعار، فإن فات أحدهما لم يفت الآخر.

____________

(1) نقل عنه في المعتبر: 2/ 134، ذكرى الشيعة: 3/ 223.

(2) أنظر! وسائل الشيعة: 5/ 447 الباب 38 من أبواب الأذان و الإقامة.

(3) الخلاف: 1/ 290 المسألة 36، السرائر: 1/ 215، مختلف الشيعة: 2/ 134.

21

قوله: (بل مؤمنا). إلى آخره.

____________

في «الذخيرة»: الأقرب اشتراط الإيمان، كما اختاره جماعة منهم الشهيدان (1)، لموثّقة عمّار عن الصادق (عليه السلام): عن الأذان هل يجوز أن يكون من غير عارف؟ قال: «لا يستقيم الأذان، و لا يجوز أن يؤذّن إلّا رجل مسلم عارف، فإن علم الأذان و أذّن به و لم يكن عارفا لم يجز أذانه و لا إقامته و لا يعتد به» (2).

و يؤيّده في الجملة صحيحة ابن أبي عمير، عن أبي أيّوب، عن معاذ بن كثير، عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا دخل الرجل المسجد و هو لا يأتمّ بصاحبه و قد بقي على الإمام آية أو آيتان فخشي إن هو أذّن و أقام أن يركع فليقل: قد قامت الصلاة» (3) (4) انتهى، و قد مرّ في بيان الإقامة (5).

و المراد من العارف: المؤمن، كما يظهر من الأخبار (6)، و طريقة الأخيار.

و ادّعى إجماع العلماء على عدم الاعتبار بأذان الكافر. و استدلّ بالموثّقة (7)، و ما روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) (8)، و عن علي (عليه السلام) «الإمام ضامن و المؤذّن مؤتمن» (9)، و ما

____________

(1) الدروس الشرعيّة: 1/ 164، روض الجنان: 243، مدارك الأحكام: 3/ 269.

(2) الكافي: 3/ 304 الحديث 13، وسائل الشيعة: 5/ 431 الحديث 7008 مع اختلاف.

(3) تهذيب الأحكام: 2/ 281 الحديث 1116، وسائل الشيعة: 5/ 443 الحديث 7040.

(4) ذخيرة المعاد: 254 مع اختلاف يسير.

(5) راجع! الصفحة: 506 (المجلّد السادس) من هذا الكتاب.

(6) وسائل الشيعة: 9/ 209 الحديث 11856، 214 الحديث 11865، 221 الحديث 11880.

(7) الكافي: 3/ 304 الحديث 13، تهذيب الأحكام: 2/ 277 الحديث 1101، وسائل الشيعة: 5/ 431 الحديث 7008.

(8) سنن ابي داود: 1/ 143 الحديث 517، كنز العمّال: 8/ 340 الحديث 23166.

(9) تهذيب الأحكام: 2/ 282 الحديث 1121، وسائل الشيعة: 5/ 378 الحديث 6842.

22

..........

____________

نقل عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ): «اللهمّ اغفر للمؤذّنين» (1).

أقول: هذه الأخبار دالّة على اشتراط الإيمان أيضا، كما لا يخفى.

ثمّ احتمل أن يصير بمجرّد تلفّظه بالشهادتين مسلما، كما اختاره في «التذكرة» (2)، لأنّ الشهادة صريح في الإسلام.

و عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ): «أمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا: لا إله إلّا اللّه» الحديث (3).

ثمّ اختار العدم، كما اختاره جماعة منهم الشهيدان (4)، لأنّ الشهادتين في الأذان لم يوضع للإخبار عن الاعتقاد، و لذا يجوز لمن ذهل عن معناه، إذ لم يعرفه- إلى أن قال- و على التقديرين لا يعتدّ بأذانه، لوقوع أوّله حال الكفر (5)، انتهى، و هو جيّد.

و لعلّ نظر من اكتفى بالإسلام إلى مثل صحيحة ذريح عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال له الصادق (عليه السلام): «صلّ الجمعة بأذان هؤلاء فإنّهم أشدّ شيء مواظبة على الوقت» (6).

و صحيحة حمّاد عن [محمّد بن] خالد القسري عنه (عليه السلام) أنّه قال له: أخاف أن نصلّي يوم الجمعة قبل أن تزول الشمس، فقال: «إنّما ذاك على المؤذّنين» (7).

____________

(1) مستدرك الوسائل: 4/ 22 الحديث 4080، سنن أبي داود: 1/ 143 الحديث 517.

(2) لم نعثر عليه في مظانّه، لكن نقل عنه في روض الجنان: 242.

(3) عوالي اللآلي: 2/ 224 الحديث 37، مستدرك الوسائل: 18/ 209 الحديث 22519.

(4) ذكرى الشيعة: 3/ 217، روض الجنان: 242.

(5) ذخيرة المعاد: 254.

(6) من لا يحضره الفقيه: 1/ 189 الحديث 899، تهذيب الأحكام: 2/ 284 الحديث 1136، وسائل الشيعة: 5/ 378 الحديث 6841.

(7) تهذيب الأحكام: 2/ 284 الحديث 1137، وسائل الشيعة: 5/ 379 الحديث 6843.

23

..........

____________

و فيهما نظر، لأنّ الأوّل يدلّ على حصول العلم بالوقت من ملاحظة طريقتهم، إذ كانوا لا يؤذّنون إلّا بعد الوقت البتّة من جهة الدائرة الهنديّة، كما كان عادتهم في ذلك الزمان.

و الثاني أيضا مبني على ذلك، إلّا أنّه لمّا كان خالد حاكم الخليفة على المدينة قال (عليه السلام) له كذلك، فتأمّل جدّا! قوله: (لظواهر الأخبار).

مثل ما روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ): «يؤذّن لكم خياركم» (1)، و عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) و عن علي (عليه السلام): «المؤذّن مؤتمن» (2)، و عن الصادق (عليه السلام) في المؤذّنين: «إنّهم الأمناء» (3).

و في رواية بلال الطويلة: «المؤذّنون أمناء المؤمنين على صلاتهم و صومهم و لحومهم و دمائهم» (4). إلى آخر ما قال فيها، فلاحظ.

و الأكثر عدم اشتراط العدالة، لصحّة أذان الفاسق لنفسه جزما، فيجوز تعويل الغير عليه، لما مرّ في مبحث جواز التعويل، من كون المعتبر كون أذانه صحيحا شرعيّا و كفاية ذلك (5).

مع أنّه لم يظهر من ظواهر تلك الأخبار اشتراط العدالة، بل ظهر من الأولى أنّ الأخيار يؤذّنون، و هو أعمّ من العدالة، و من الثانية و الثالثة كون المؤذّن، بل المؤذّنين أمناء، و ظاهرهما جواز التعويل شرعا على أذان المؤذّنين، خرج غير

____________

(1) عوالي اللآلي: 1/ 180 الحديث 233، مستدرك الوسائل: 4/ 36 الحديث 4122.

(2) سنن أبي داود: 1/ 143 الحديث 517، تهذيب الأحكام: 2/ 282 الحديث 1121، وسائل الشيعة:

5/ 378 الحديث 6842.

(3) من لا يحضره الفقيه: 1/ 189 الحديث 898، وسائل الشيعة: 5/ 379 الحديث 6846.

(4) من لا يحضره الفقيه: 1/ 189 الحديث 905، وسائل الشيعة: 5/ 380 الحديث 6847.

(5) راجع! الصفحة: 485 و 486 (المجلّد السادس) من هذا الكتاب.

24

..........

____________

المؤمن بما مرّ و بقي الباقي، فيصيران ظاهرين في عدم اشتراط العدالة.

نعم، ربّما يظهر منها، و من كونهم محلّ تقليد أولي الأعذار، بل مطلقا أولويّة العادل، للوثوق بأفعاله شرعا، و عدم الوثوق و الاعتماد على الفاسق لفسقه، إلّا أن يكون هناك قرينة على كونه محلّ الاعتماد في مراعاته دخول الوقت البتة، كما هو الحال في غالب المؤذّنين من المؤمنين، و من لا وثوق عليه في مراعاته، من جهة فسقه و عدم مبالاته، أو عدم معرفة الوقت، غير ظاهر دخوله في الظواهر المذكورة، لو لم نقل بظهور الخروج.

بل الظاهر الخروج، و لذا كان الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) يأمر بعدم الاعتداد (1) بأذان ابن أمّ مكتوم من جهة كونه أعمى لا يشخّص وقت الصبح كما هو، كما قاله بعض الأصحاب (2)، و ظهر من الصدوق (3).

قوله: (و قيل: باشتراط العدالة).

القائل ابن الجنيد، لفقد الأمانة في الفاسق (4).

و الجواب عنه ظهر ممّا ذكر، مع أنّ الأحوط ما ذكره في صورة حصول الشكّ من أذانه مع الرجحان، لا حصول العلم من الخارج بكون أذانه في الوقت، و العلم بأنّ عادته كذلك، بحيث يحصل الوثوق في كلّ أذان، أو أذان منه، و اللّه يعلم.

قوله: (صيّتا) .. إلى آخره.

أي رفيع الصوت، ليكون النفع أعم، و الغرض المقصود من الأذان أكمل.

____________

(1) في (د 2): الاعتماد.

(2) المبسوط: 1/ 97، تذكرة الفقهاء: 3/ 67 المسألة 176، كشف اللثام: 3/ 366، الحدائق الناضرة: 7/ 338.

(3) من لا يحضره الفقيه: 1/ 194 ذيل الحديث 905.

(4) نقل عنه العلّامة في مختلف الشيعة: 2/ 136.

25

..........

____________

و مع ذلك يحصل المستحبّ الظاهر من الأخبار، منها ما مرّ في شرح قول المصنّف: «و رفع الصوت للرجل» (1).

قوله: (حسن الصوت).

ذكر ذلك جماعة من الأصحاب (2).

قوله: (قائما على مرتفع).

أمّا القيام فقد مرّ، و أمّا كونه على مرتفع، فلما مرّ في شرح قول المصنّف:

«و رفع الصوت» من أنّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) قال: «يا بلال، اعل فوق الجدار» (3)، مع أنّه أبلغ في رفع الصوت، و يحصل ما هو أعم و أكمل و أتمّ.

و الظاهر عدم استحباب الصعود على المنارة لعدم النص، و لرواية علي بن جعفر أنّه سأل أخاه موسى (عليه السلام): عن الأذان في المنارة أ سنّة هو؟ فقال: «إنّما [كان] يؤذّن للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) في الأرض و لم يكن يومئذ منارة» (4).

فما في «المختلف» من أنّ الوجه استحبابه في المنارة، للأمر بوضعها مع حائط غير مرتفعة، فلولا استحباب الأذان فيها، لكان وضعها عبثا (5)، فيه ما فيه، لعدم معلوميّة الأمر بوضع المنارة.

و ما استدلّ به عليه من أنّ عليّا (عليه السلام) مرّ على منارة طويلة فأمر بهدمها ثمّ

____________

(1) راجع! الصفحة: 526 و 527 (المجلّد السادس) من هذا الكتاب.

(2) منتهى المطلب: 4/ 400، روض الجنان: 243، ذخيرة المعاد: 255.

(3) الكافي: 3/ 307 الحديث: 31، تهذيب الأحكام: 2/ 58 الحديث 206، وسائل الشيعة: 5/ 411 الحديث 6957.

(4) تهذيب الأحكام: 2/ 284 الحديث 1134، وسائل الشيعة: 5/ 410 الحديث 6956.

(5) مختلف الشيعة: 2/ 123.

26

..........

____________

قال: «لا ترتفع المنارة إلّا مع سطح المسجد» (1) (2).

ففيه منع الدلالة، و مع التسليم لا نسلّم كون الفائدة هو الأذان فيها.

و لو كان يستدلّ عليه بأنّ الأذان في المنارة أبلغ في إبلاغ الصوت، و تحصيل الأعميّة و الأتميّة، لكونها أرفع من جميع الرفيعات في البلدان، لكان له وجه، بل ربّما كان هذا مراده ممّا ذكره، كما يظهر من استدلاله عليه ثانيا بأمر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) بلالا أن يرتفع الحائط ممّا ذكره في «المنتهى» (3).

إلّا أنّه ربّما كان فيه مخالفة طريقة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم )، كما تؤمي إليه رواية علي بن جعفر المذكورة (4)، و متابعة سنّة الثاني، كما قيل: إنّ أوّل من رفع المنارة في المسجد هو الثاني (5)، و لذا أمر أمير المؤمنين (عليه السلام) بهدمها (6)، و مع ذلك يصير المؤذّن مشرفا على بيوت كثيرة من الناس.

قوله: (بصيرا بالأوقات).

أقول: إنّه شرط في اعتماده على أذانه، و اعتماد غيره عليه، إلّا أن يكون مراد المصنّف منه كمال المعرفة، فتأمّل! قوله: (و يصحّ من الصبي). إلى آخره.

لا شكّ في عدم صحّته من غير المميّز، و وجهه ظاهر، مضافا إلى عدم دليل

____________

(1) تهذيب الأحكام: 3/ 256 الحديث 710، وسائل الشيعة: 5/ 230 الحديث 6413.

(2) مختلف الشيعة: 2/ 123.

(3) منتهى المطلب: 4/ 402.

(4) مرّ آنفا.

(5) لا حظ! الحدائق الناضرة: 7/ 271.

(6) مرّت الإشارة إلى مصادرها آنفا.

27

..........

____________

على الصحّة، مع كونه عبادة توقيفيّة.

و أمّا المميّز، فيصحّ أن يترتّب عليه آثاره من الاجتزاء به في الصلاة، و قيام الشعار به في البلد، للإجماع الذي نقله الفاضلان و الشهيد (1)، و لرواية ابن سنان عن الصادق (عليه السلام) قال: «لا بأس أن يؤذّن الغلام الذي لم يحتلم» (2).

و مثلها رواية إسحاق بن عمّار عنه (عليه السلام): أنّ عليّا (عليه السلام) كان يقول ذلك (3).

و الظاهر منهما و من الإجماع [أنّ] المميّز الذي يعرف عرفا كونه مميّزا.

و عن الشهيد الثاني: هو من يعرف الأضرّ من الضار، و الأنفع من النافع، إذا لم يحصل بينهما التباس بحيث يخفى على غالب الناس ذلك (4)، و فيه ما فيه.

قوله: (و كذا المرأة).

مرّ الكلام في ذلك (5).

قوله: (و يكره أخذ الأجرة).

اختلف الأصحاب فيه، فجمع قالوا بالحرمة، منهم الشيخ في «الخلاف» (6)، و جمع بالكراهة منهم المرتضى (7).

____________

(1) المعتبر: 2/ 125، منتهى المطلب: 4/ 395، ذكرى الشيعة: 3/ 217.

(2) تهذيب الأحكام: 2/ 280 الحديث 1112، وسائل الشيعة: 5/ 440 الحديث 7031.

(3) من لا يحضره الفقيه: 1/ 188 الحديث 896، تهذيب الأحكام: 2/ 53 الحديث 181، الاستبصار:

1/ 423 الحديث 1632، وسائل الشيعة: 5/ 440 الحديث 7032.

(4) روض الجنان: 243.

(5) راجع! الصفحة: 527 و 528 (المجلّد السادس) من هذا الكتاب.

(6) الخلاف: 1/ 290 المسألة 36.

(7) نقل عنه في المعتبر: 2/ 134، مدارك الأحكام: 3/ 276.

28

..........

____________

حجّة المحرّم رواية السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن علي (عليهم السلام) قال: «آخر ما فارقت عليه حبيب قلبي أن قال: يا علي! إذا صلّيت فصلّ صلاة أضعف من خلفك، و لا تتّخذ مؤذّنا يأخذ على أذانه أجرا» (1).

و الرواية ضعيفة من دون جابر، فلا يثبت منها أزيد من الكراهة. و المتبادر من الأجر ما هو أعمّ من الأجرة التي تكون في الإجارة و غيرها، بل كلّ ما يطلبه المؤذّن على أذانه أجرا و إن كان من بيت المال.

نعم، لو لم يطلبه، و لم يشترط، فلا بأس بأن يعطى- و إن كان غير الارتزاق- من بيت المال.

قال في «المدارك»- بعد ذكر الأقوال و الرواية المذكورة-: هذا كلّه في الأجرة. و أمّا الارتزاق من بيت المال، فلا ريب في جوازه إذا اقتضت المصلحة، لأنّه معدّ للمصالح، و الأذان من أهمّها (2).

و أمّا ما ذكره المصنّف من قوله: و ينعقد .. إلى آخره، قد مرّ الكلام فيه (3).

فروع:

الأوّل لا يؤذّن و لا يقيم لغير الفرائض اليوميّة، فليسا مشروعين للنوافل،

و لا للفرائض غير اليوميّة. و هذا إجماعي، مضافا إلى أنّ العبادات توقيفيّة.

بل في «المعتبر» أنّه لا يؤذّن لغير الخمس، و أنّه مذهب علماء الإسلام (4).

____________

(1) من لا يحضره الفقيه: 1/ 184 الحديث 870، تهذيب الأحكام: 2/ 283 الحديث 1129، وسائل الشيعة: 5/ 447 الحديث 7050 مع اختلاف يسير.

(2) مدارك الأحكام: 3/ 277.

(3) راجع! الصفحة: 480 (المجلّد السادس) من هذا الكتاب.

(4) المعتبر: 2/ 135.

29

الثاني: في «الشرائع» أنّه يقول المؤذّن للفرائض الاخر: الصلاة ثلاثا (1).

____________

و يدلّ عليه رواية إسماعيل الجعفي عن الصادق (عليه السلام) قال له: أ رأيت صلاة العيدين هل فيهما أذان و إقامة؟ قال: «ليس فيهما أذان و [لا] إقامة، و لكن ينادى: الصلاة ثلاث مرّات» (2)، و هي مختصّة بالعيدين، بل ظاهرها جماعة العيدين يقال مكان الإقامة.

الثالث: روى الكشّي في ترجمة يونس بن يعقوب أنّه صلّى على معاوية بن عمّار بأذان و إقامة (3)،

و هذا شاذ غريب.

الرابع: في «الغوالي»: روي أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) كان يؤذّن له و يقيم هو لنفسه (4).

ثمّ قال: و روى بعض أصحابنا عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «المأمون أولى بالأذان، و الإمام أولى بالإقامة، فلا يقيم أحد منهم إلّا بإذنه» (5).

قال: و فيه دلالة على أنّه لو أقام أحد بغير إذن الإمام لم يعتد به (6)، انتهى.

و قيل: إنّ الرواية محمولة على التقيّة (7).

الخامس: المشهور أنّ الأذان و الإقامة يتأكّدان في الصلاة الجهريّة، و لم يعرف دليله،

و لعلّه ما يظهر من «علل الفضل» عن الرضا (عليه السلام) من أنّ الأمر بالجهر فيها لوقوعها في أوقات مظلمة، ليعلم المارّ أنّ هناك جماعة تصلّي، فإن أراد أن

____________

(1) شرائع الإسلام: 1/ 74.

(2) من لا يحضره الفقيه: 1/ 322 الحديث 1473، تهذيب الأحكام: 3/ 290 الحديث 873، وسائل الشيعة: 7/ 428 الحديث 9762.

(3) رجال الكشّي: 2/ 686 الرقم 727.

(4) عوالي اللآلي: 1/ 330 الحديث 80 مع اختلاف يسير.

(5) عوالي اللآلي: 1/ 330 الحديث 81.

(6) عوالي اللآلي: 1/ 331 الهامش 1.

(7) لم نعثر عليه.

30

..........

____________

يصلّي صلّى معهم (1)، فظهر أنّها أحوج إلى التنبيه على جماعتها.

و في «علل الفضل» عنه (عليه السلام) أيضا: إنّما جعل بعد الشهادتين الدعاء إلى الصلاة لأنّ الأذان إنّما وضع لموضع الصلاة، و إنّما هو نداء إلى الصلاة في وسط الأذان، و دعاء إلى الفلاح، و إلى خير العمل (2).

و لعلّ ما ذكرنا هو مراد المحقّق في «المعتبر» (3).

السادس: إذا أحدث في أثناء الإقامة أعادها،

لما مرّ من الأخبار في استحباب الطهارة فيها (4).

و أمّا الأذان، فلا مانع أصلا من إتمامه بغير طهارة، و من التطهير في أثنائه، و البناء على ما مضى من الطهارة، مع بقاء الموالاة المعتبرة الظاهرة من الأخبار و الأدلّة.

و يحتمل استحباب الاستئناف أيضا، لأنّ الفرد المتبادر ممّا ورد في استحباب الطهارة فيه (5) هو الذي يكون من أوّله إلى آخره على الطهارة على سبيل الاتّصال.

و ممّا ذكر ظهر حال النوم، أو الإغماء في خلالهما، و في «الشرائع» استحباب الاستئناف و جوّز البناء (6).

و في «المدارك»: أنّه يجوز البناء مع عدم الإخلال بالموالاة، لأنّ الموالاة شرط فيهما، لكونهما عبادة متلقّاة من الشرع، و لم ينقل الفصل بين فصولهما (7).

____________

(1) نقل عنه في عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 2/ 116 الحديث 1 نقل بالمعنى.

(2) نقل عنه في عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 2/ 113 الحديث 1 مع اختلاف.

(3) المعتبر: 2/ 135.

(4) راجع! الصفحة: 517- 521 (المجلّد السادس) من هذا الكتاب.

(5) لاحظ! وسائل الشيعة: 5/ 391 الباب 9 من أبواب الأذان و الإقامة.

(6) شرائع الإسلام: 1/ 76.

(7) مدارك الأحكام: 3/ 292.

31

..........

____________

و فيه أنّه يضرّ الفصل بالنوم و الإغماء اللّذين لا ينافيان الموالاة أيضا.

و لو طال النوم أو الإغماء، فعن الشيخ و أتباعه أنّه يجوز لغير ذلك المؤذّن البناء، لأنّه يجوز الصلاة بإمامين، ففي الأذان أولى (1)، و فيه ما فيه.

السابع: قد عرفت كيفيّة الأذان و الإقامة و هيئتهما،

و أنّه ليس فيهما «أشهد أنّ عليّا وليّ اللّه»، و لا «محمّد و آله خير البريّة» و غير ذلك، فمن ذكر شيئا من ذلك، بقصد كونه جزء الأذان، فلا شكّ في حرمته، لكونه بدعة.

و أمّا من ذكر لا بقصد المذكور، بل بقصد التيمّن و التبرّك، كما أنّ المؤذّنين يقولون بعد «اللّه أكبر»، أو بعد «أشهد أن لا إله إلّا اللّه»، جلّ جلاله، و عمّ نواله، و عظم شأنه، و أمثال ذلك تجليلا له تعالى، و كما يقولون: (صلّى اللّه عليه و آله) بعد «محمّد رسول اللّه»، لما ورد من قوله (عليه السلام): «من ذكرني فليصلّ عليّ» (2). و غير ذلك ممّا مرّ في شرح قول المصنّف: و الصلاة على النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) (3)، إذ لا شكّ في أنّ شيئا من ذلك ليس جزء من الأذان.

فإن قلت: الصلاة على النبي و آله (عليهم السلام) ورد في الاخبار (4)، بل احتمل وجوبهما، لما مرّ، بخلاف غيره.

قلت: ورد في الأخبار مطلوبيتهما عند ذكر اسمه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم )، لا أنّهما جزء الأذان، فلو قال أحد: بأنّه جزء الأذان، فلا شكّ في حرمته، و كونه بدعة، و إن قال بأنّه لذكر اسمه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) فهو مطلوب.

و ورد في «الاحتجاج» خبر متضمّن لمطلوبيّة ذكر «عليّ وليّ اللّه»، في كلّ

____________

(1) المبسوط: 1/ 96، مدارك الأحكام: 3/ 293.

(2) لاحظ! وسائل الشيعة: 5/ 451 الباب 42 من أبواب الأذان و الإقامة.

(3) راجع! الصفحة: 528 و 529 (المجلّد السادس) من هذا الكتاب.

(4) راجع! وسائل الشيعة: 7/ 201 الباب 42 من أبواب الذكر.

32

..........

____________

وقت يذكر محمّد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) (1)، مضافا إلى العمومات الظاهرة في ذلك.

مع أنّ الشيخ صرّح في «النهاية» بورود أخبار تتضمّن ذكر مثل «أشهد أنّ عليّا وليّ اللّه» في الأذان (2).

و الصدوق أيضا صرّح به، إلّا أنّه قال ما قال (3)، و مرّ في بحث كيفيّة الأذان، فأيّ مانع من الحمل على الاستحباب؟ موافقا لما في «الاحتجاج»، و ظهر من العمومات، لا أنّه جزء الأذان، و إن ذكر فيه.

ألا ترى إلى ما ورد من زيادة الفصول، و حملوه على الاستحباب و المطلوبيّة في مقام الإشعار و تنبيه الغير (4) على ما مرّ، مضافا إلى التسامح في أدلّة السنن.

و غاية طعن الشيخ على الأخبار المتضمّنة لما نحن فيه أنّها شاذّة (5)، و الشذوذ لا ينافي البناء على الاستحباب، و لذا دائما شغل الشيخ بحمل الشواذّ على الاستحباب.

منها صحيحة ابن يقطين الدالّة على استحباب إعادة الصلاة مطلقا، عند نسيان الأذان و الإقامة (6)، و رواية زكريّا بن آدم السابقة (7)، مع تضمّنها ما لم يقل به أحد، بل و حرام، من قوله: «قد قامت الصلاة» في أثناء الصلاة، و غير ذلك من الحزازات التي فيها و عرفتها.

____________

(1) الاحتجاج: 1/ 69.

(2) النهاية للشيخ الطوسي: 69.

(3) من لا يحضره الفقيه: 1/ 188 ذيل الحديث 897.

(4) تهذيب الأحكام: 2/ 63 ذيل الحديث 225، الاستبصار: 1/ 309 ذيل الحديث 1148.

(5) النهاية للشيخ الطوسي: 69، المبسوط: 1/ 99.

(6) تهذيب الأحكام: 2/ 279 الحديث 1110، الاستبصار: 1/ 303 الحديث 1125، وسائل الشيعة:

5/ 433 الحديث 7012.

(7) تهذيب الأحكام: 2/ 278 الحديث 1104، وسائل الشيعة: 5/ 435 الحديث 7018.

33

..........

____________

و بالجملة، كم من حديث شاذّ، أو طعن عليه بالشذوذ، أو غيره، و مع ذلك عمل به في مقام السنن و الآداب، بل ربّما يكون حديث مطعون عليه عند بعض الفقهاء و المحدثين غير مطعون عليه عند آخرين، فضلا عن الآخر، سيّما في المقام المذكور.

و الصدوق و إن طعن عليها بالوضع من المفوّضة (1). لكن لم يجعل كلّ طعن منه حجّة، بحيث يرفع اليد من جهته عن الحديث، و إن كان في مقام المذكور.

و من هذا ترى الشيخ لم يطعن عليها بذلك أصلا، على أنّا نقول: الذكر من جهة التيمّن و التبرّك، لا مانع منه أصلا، و لا يتوقّف على صدور حديث، لأنّ التكلّم في خلالهما جائز، كما عرفت، فإذا كان الكلام اللغو الباطل غير مضرّ، فما ظنّك ممّا يفيد التبرّك و التيمّن؟

لا يقال: ربّما يتوهّم الجاهل كونه جزء الأذان، إذا سمع الأذان كذلك، فيفسّر فيقول على سبيل الجزئيّة.

لأنّا نقول: ذكر «(صلّى اللّه عليه و آله)» في الأذان و الإقامة، و الالتزام به أيضا، ربّما يصير منشأ لتوهّم الجاهل الجزئيّة، بل كثير من المستحبّات و الآداب في الصلاة، و غيرها من العبادات يتوهّم الجاهل كونها جزء.

و كان المتعارف من زمان الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) إلى الآن يرتكب في الأعصار و الأمصار من دون مبالاة من توهّم الجاهل، فإنّ التقصير إنّما هو من الجاهل، حيث لم يتعلّم فتخرب عباداته، و يترتّب على جهله مفاسد لا تحصى، منها استحلاله كثير من المحرّمات من جهة عدم فرقه بين الحرام من شيء و المباح منه.

و ربّما يعكس الأمر .. إلى غير ذلك من الأحكام.

____________

(1) من لا يحضره الفقيه: 1/ 188 ذيل الحديث 897.

34

..........

____________

هذا، مع أنّه يمكن تعبيره بنحو يرتفع توهّم المتوهّم، بأن يذكره مرّة، أو ثلاث مرّات، أو يجعل من تتمّته (صلّى اللّه عليه و آله)، و غير ذلك.

الثامن: من صلّى خلف من لا يقتدى به، أذّن لنفسه و أقام،

و لا يعتدّ بأذانه و إقامته، كما أنّه لا يعتدّ بقراءته و يقرأ في نفسه، فتكون صلاته خلفه بحسب الصورة لا واقعا.

و الدليل على ما ذكرنا رواية محمّد بن عذافر: «أذّن خلف من قرأت خلفه» (1) و مرّ أيضا عدم الاعتداد بأذان المخالف (2).

فإن خاف عدم اللحوق به اقتصر على ما في رواية معاذ بن كثير عن الصادق (عليه السلام) من أنّه يقول: «قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلّا اللّه» (3).

التاسع: إذا أحدث في أثناء الصلاة تطهّر و أعادها،

و يستحب إعادة الأذان و الإقامة أيضا، بل يستحب إعادتهما كلّما يعيد الصلاة، لموثّقة عمّار عن الصادق (عليه السلام) إنّه قال: «أعد الأذان و الإقامة كلّما تعيد الصلاة» (4).

فما في «الشرائع»- موافقا لما ذكره الشيخ- من عدم إعادة الإقامة إلّا أن يتكلّم (5)، لما مرّ في صحيحة ابن مسلم من قول الصادق (عليه السلام): «لا تتكلّم إذا أقمت

____________

(1) من لا يحضره الفقيه: 1/ 251 الحديث 1130، تهذيب الأحكام: 3/ 56 الحديث 192، وسائل الشيعة: 5/ 443 الحديث 7041.

(2) راجع! الصفحة: 21- 23 من هذا الكتاب.

(3) الكافي: 3/ 306 الحديث 22، تهذيب الأحكام: 2/ 281 الحديث 1116، وسائل الشيعة: 5/ 443 الحديث 7040.

(4) تهذيب الأحكام: 3/ 367، الحديث 367، وسائل الشيعة: 8/ 270 الحديث 10628 مع اختلاف.

(5) شرائع الإسلام: 1/ 77.

35

..........

____________

[الصلاة] فإنّك إذا تكلّمت أعدت الإقامة» (1) محلّ نظر، لأنّ إثبات الإعادة بعد التكلّم، لا ينافي استحبابها مع إعادة الصلاة.

العاشر: إذا وقع التشاحّ في الأذان، قدّم الأكمل في الشرائط المعتبرة في المؤذّن،

لتحقّق الرجحان الموجب للتقديم، و قبح تقديم المرجوح على الراجح عقلا فيقبح شرعا، لتطابقهما عند الشيعة و المعتزلة، و مع التساوي يقرع، لما روي من أنّ القرعة لكلّ أمر مشكل (2).

و ما روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) إنّه قال: «لو يعلم الناس ما في الأذان و الصف الأوّل [ثمّ] لم يجدوا إلّا أن يستهموا عليه [لفعلوا]» (3).

و في «المدارك»: يتحقّق التشاحّ في صورة الارتزاق من بيت المال، حيث لا يحتاج إلى التعدّد، و إلّا أذّن الجميع، إن سوّغنا ذلك (4).

و نظره (رحمه اللّه) فيما ذكره إلى ما ذكره المحقّق، من أنّه إذا كان جماعة جاز أن يؤذّنوا جميعا، و الأفضل إذا كان الوقت متّسعا أن يؤذّن واحد بعد واحد (5)، انتهى.

و قال في شرحه: المراد من سعة الوقت هنا ليس اتّساع وقت الإجزاء، بل عدم اجتماع الأمر المطلوب في الجماعة من الإمام و من يعتاد حضوره من المأمومين.

ثمّ نقل عن الشيخ أنّه لا ينبغي الزيادة على اثنتين (6)، يعني في صورة أذان

____________

(1) تهذيب الأحكام: 2/ 55 الحديث 191، وسائل الشيعة: 5/ 394 الحديث 6895.

(2) من لا يحضره الفقيه: 3/ 52 الحديث 174، تهذيب الأحكام: 6/ 240 الحديث 593، وسائل الشيعة:

27/ 259 الحديث 33720 نقل بالمضمون.

(3) المبسوط: 1/ 98، مستدرك الوسائل: 4/ 20 الحديث 4069.

(4) مدارك الأحكام: 3/ 297.

(5) شرائع الإسلام: 1/ 77 مع اختلاف.

(6) الخلاف: 1/ 290 المسألة 35.

36

..........

____________

الواحد بعد آخر.

و استدلّ عليه بإجماع الفرقة على ما ورد من أنّ الأذان الثالث بدعة (1)، و نقل هذا الإجماع عن ولد الشيخ، في شرحه على نهاية والده (2).

و نقل عن مبسوطه تجويز كون المؤذّن اثنين في موضع أذان واحد، لأنّه أذان واحد، و أمّا إذا أذّن واحد بعد الآخر، فليس بمسنون و لا مستحبّ (3).

ثمّ قال (رحمه اللّه): و المعتمد كراهة الاجتماع في الأذان مطلقا، لعدم ورود الشرع به، و كذا أذان الواحد بعد الواحد في المحلّ الواحد (4)، انتهى.

و غير خفيّ أنّ تعليله يقتضي التشريع و الحرمة لا الكراهة.

فظهر ممّا ذكر [أنّ] التشاحّ غير منحصر في صورة الارتزاق، و كون التراسل أيضا تشريعا، بل بطريق أولى، و التراسل: هو أن يبني كلّ واحد على فصل آخر، و اللّه يعلم.

الحادي عشر: إذا نقص المؤذّن من أذانه، جاز لغيره أن يأتي بما تركه و يعتدّ به و يصلّي به،

لصحيحة ابن سنان، عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا أذّن مؤذّن فنقص الأذان و أنت تريد أن تصلّي بأذانه فأتمّ ما نقص هو من أذانه» (5).

و ظاهر أنّ كلّ ما نقص يجوز إتمامه و الاعتداد به، و إن كان نقصه عمدا، كما يفعله المخالف في «حيّ على خير العمل» و «اللّه أكبر» الأخير، فيصير دليلا على جواز التعويل على أذان العامّة و صحّة أذانهم، و هذا أقوى دليل لمن لم يشترط

____________

(1) تهذيب الأحكام: 3/ 19 الحديث 67، وسائل الشيعة: 7/ 400 الحديث 9687.

(2) نقل عنه في ذكرى الشيعة: 3/ 221.

(3) المبسوط: 1/ 98.

(4) مدارك الأحكام: 3/ 298 مع اختلاف يسير.

(5) تهذيب الأحكام: 2/ 280 الحديث 1112، وسائل الشيعة: 5/ 437 الحديث 7022.

37

..........

____________

الإيمان.

و يدلّ عليه أيضا ما مرّ في بحث التعويل على أذان الغير من قول الباقر (عليه السلام) «يكفيكم أذان جاركم» (1). إذ الغالب كان منهم، لكن أنّ الأقوى اشتراط الإيمان، و الرواية الأخيرة لا بدّ من حملها على الأذان الصحيح الذي لم يسقط منه، و هذا لا يتأتّى من المخالف.

و أمّا الصحيحة، فيحتمل أن تكون شاذّة على حسب ما مرّ، و يحتمل الحمل على صورة النسيان خاصّة بملاحظة ما مرّ (2)، و ما ورد في كثير من الأخبار من بطلان عبادة المخالف و عدم الاعتداد بها رأسا (3) و اللّه يعلم.

____________

(1) تهذيب الأحكام: 2/ 285 الحديث 1141، وسائل الشيعة: 5/ 437 الحديث 7024 مع اختلاف يسير.

(2) راجع! الصفحة: 477 (المجلّد السادس) من هذا الكتاب.

(3) بحار الأنوار: 65/ 83 الباب 16.

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

القول في القيام

قال اللّه تعالى وَ قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ (1).

139- مفتاح [وجوب القيام في الفرائض]

يجب القيام في الفرائض مع الاختيار، بالكتاب (2) و السنّة (3) و الإجماع، و هو في تكبيرة الإحرام و ما يتّصل منه بالركوع ركن، يبطل بتركه الصلاة و إن كان سهوا، بلا خلاف، للنص (4).

و حدّه الانتصاب عرفا، و يتحقّق بنصب فقار الظهر كما في الموثّق (5)، فلا يخلّ به الإطراق، و يخلّ الميل إلى أحد الجانبين، كذا قيل (6).

____________

(1) البقرة: (2): 238.

(2) البقرة (2): 238، آل عمران (3): 191.

(3) وسائل الشيعة: 5/ 481 الباب 1 من أبواب القيام.

(4) وسائل الشيعة: 5/ 481 الباب 1 من أبواب القيام.

(5) لم نعثر عليه.

(6) مدارك الأحكام: 3/ 328، لاحظ! الحدائق الناضرة: 8/ 65.

40

و يشترط فيه الاستقرار لأنّه معتبر في المفهوم، و في الخبر: «يكفّ عن القراءة حال مشيه» (1).

و الأكثر على وجوب الاستقلال مع الاختيار (2)، بمعنى عدم الاعتماد على شيء، بحيث لو رفع السناد لسقط، للتأسّي و للصحيح (3)، خلافا للحلبي فاستحبّه، و كره الاستناد (4)، للمعتبر (5)، و لا يخلو من قوّة، و إن كان الأوّل أحوط.

____________

(1) وسائل الشيعة: 6/ 98 الحديث 7446 مع اختلاف يسير.

(2) شرايع الإسلام: 1/ 80، تذكرة الفقهاء: 3/ 90 المسألة 190، الدروس الشرعية: 1/ 168.

(3) وسائل الشيعة: 5/ 500 الحديث 7165.

(4) الكافي في الفقه: 125.

(5) وسائل الشيعة: 5/ 499 الحديث 7164.

41

قوله: (يجب القيام). إلى آخره.

____________

أجمع علماء الإسلام على وجوبه في الصلاة، نقل الإجماع الفاضلان و الشهيد (1)، و ابن زهرة نقل إجماع الفرقة (2)، بل نقل الفاضلان الإجماع أيضا على ركنيّته فيها (3).

و استدلّوا على الوجوب و الركنيّة بقوله تعالى قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ (4) أي:

داعين، كما ذكره الطبرسي عن الصادقين (عليهما السلام) (5)، إذ ظاهرها وجوبه، و لا وجوب إلّا في الصلاة بالضرورة.

و بقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) لرافع بن خديجة: صلّ قائما و إن لم تستطع فقاعدا (6).

و بأنّ المعهود من فعل الشارع هو القيام فيها، فيجب اتّباعه في العبادات التوقيفيّة، سيّما بعد قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ): «صلّوا كما رأيتموني اصلّي» (7).

و بحسنة أبي حمزة- بإبراهيم بن هاشم- عن الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى:

الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّٰهَ قِيٰاماً وَ قُعُوداً وَ عَلىٰ جُنُوبِهِمْ (8). قال: «الصحيح يصلّي قائما، و قعودا، المريض يصلّي جالسا، و على جنوبهم الذي يكون أضعف من.

.

____________

(1) المعتبر: 2/ 158، تذكرة الفقهاء: 3/ 89 المسألة 189، ذكرى الشيعة: 3/ 266.

(2) غنية النزوع: 77.

(3) المعتبر: 2/ 158، منتهى المطلب: 5/ 8، تذكرة الفقهاء: 3/ 89 المسألة 189.

(4) البقرة (2): 238.

(5) مجمع البيان: 1/ 263 (الجزء 2).

(6) مسند أحمد بن حنبل: 5/ 587 الحديث 19318، صحيح البخاري: 1/ 348 الحديث 1117، لاحظ! تذكرة الفقهاء: 3/ 89.

(7) عوالي اللآلي: 1/ 198 الحديث 8، صحيح البخاري: 1/ 212 الحديث 631.

(8) آل عمران (3): 191.

42

..........

____________

المريض الذي يصلّي جالسا» (1).

و صحيحة جميل عن الصادق (عليه السلام): ما حدّ المريض الذي يصلّي قاعدا؟

فقال: «إنّ الرجل ليوعك و يحرج، و لكنّه أعلم بنفسه إذا قوي فليقم» (2).

و المناقشة في الدلالة فاسدة، بعد ملاحظة الإجماع و كثرة الأدلّة، و تعاضد بعضها ببعض.

بل الظاهر من كلّ واحد الوجوب، فإنّ قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ أمر ورد بعد قوله تعالى حٰافِظُوا عَلَى الصَّلَوٰاتِ وَ الصَّلٰاةِ الْوُسْطىٰ (3).

و ظاهر أنّ المراد منها الفرائض، لانصراف الإطلاق إليها، و لما ورد في تفسيرها بالعبادة التوقيفية (4)، يتوقّف على مبيّن، و لا قول لتعين الفعل، كما ستعرف مكررا.

و «صلّوا» أمر ظاهر في الوجوب، خرج ما خرج بالدليل، و بقي الباقي.

و كون المراد منه الطلب مجازا مرجوح، لغلبة تخصيص العمومات، حتّى قيل: ما من عامّ إلّا و قد خصّ، مع أنّ بناء المكالمات العرفيّة على ذلك غالبا، و ورد في الأخبار تخصيص العام (5)، و لم يعهد ورود ذلك.

مع أنّ المقام لا يناسب تجويز الترك و الرخصة في المخالفة، لعدم انحصارها في

____________

(1) الكافي: 3/ 411 الحديث 11، تهذيب الأحكام: 2/ 169 الحديث 672، وسائل الشيعة: 5/ 481 الحديث 7113.

(2) الكافي: 3/ 410 الحديث 3، تهذيب الأحكام: 2/ 169 الحديث 673، وسائل الشيعة: 5/ 495 الحديث 7153 مع اختلاف يسير.

(3) البقرة (2): 238.

(4) تفسير الفخر الرازي: 6/ 158.

(5) الكافي: 1/ 63 الحديث 1، الأصول الأصيلة: 85.

43

..........

____________

المستحب، إذ لعلّ المخاطبين يتركون واجبا، أو يغيّرون، أو يبدّلون، و لم يجز واحد منها.

و البناء على كون المخاطبين بأجمعهم عارفين جميع الأحكام ما صدر عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) من صلاته، بحيث لم يكن من واحد منهم اشتباه أصلا في شيء من أحكامه، فيه ما فيه.

مضافا إلى أصالة العدم، و استلزام ذلك عدم الحاجة إلى الأمر المذكور، بل كون ذلك الخطاب تحصيلا للحاصل، لا أنّه تعليم للجاهل، بل كونه مخلّا، لكون الأمر حقيقة في الوجوب و جواز النسخ.

مع أنّه (عليه السلام) كما يرى أنّ الناس يتبعونه في فعله، سيّما في ماهيّة العبادة، فلذا كان غالبا يقتصر على الواجبات، و إذا صدر منه مستحبّ كان يعرّفهم و يعلّمهم.

و ربّما لا يعرّفهم بناء على عدم الضرر في ارتكاب المستحبّ، و الالتزام به غالبا، و إن كان بقصد الوجوب، كما يظهر من الأخبار (1).

و ربّما كانت المصلحة في ذلك، بخلاف ترك الواجب و التغرر فيه، فتأمّل جدّا! و أمّا الصحيحتان، فلا يتطرّق إليها يد المناقشة أصلا، سيّما بعد ملاحظة ما سيجيء في مبحث سقوط القيام عن مثل المريض، بل الأخبار متواترة في أنّ المكلّف لا يصلّي قاعدا ما دام يستطيع القيام (2)، ذكرت في صلاة السفينة، و يوم المطر و الثلج و الوحل، و صلاة المريض و الخائف، و غير ذلك.

و مقتضى جميع ما ذكر الركنيّة أيضا، لما حقّقنا في «الفوائد» أنّ جزئيّة

____________

(1) عوالي اللآلي: 1/ 198 الحديث 8.

(2) وسائل الشيعة: 5/ 481 الباب 1 من ابواب القيام.

44

..........

____________

الواجب يقتضي الركنيّة حتّى يثبت خلافه (1)، لعدم الإتيان بالمطلوب، و إن كان الترك نسيانا أو جهلا، و إن لم يكن مؤاخذة فيهما، لأنّ عدم المؤاخذة غير الصحّة، فبعد الاطّلاع على الإخلال، يجب الاستدراك ما لم يفت الوقت.

و يدلّ على الوجوب و الركنيّة أيضا، صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام) قال: «ثمّ استقبل القبلة». إلى أن قال: «فقم منتصبا فإنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) قال: من لم يقم صلبه فلا صلاة له» (2).

لا يقال: روى زرارة أيضا في الصحيح عن الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة: الطهور، و الوقت، و القبلة، و الركوع، و السجود» (3)، و هذا يدلّ على عدم الركنيّة.

لأنّا نقول: الحصر فيه إضافي، لوجوب الإعادة عن النيّة و تكبيرة الافتتاح و غيرهما ممّا مرّ و سيجيء، مع أنّ التكبيرة من جهة كونها ابتداء الصلاة و الدخول فيها لا يتيسر عادة و غالبا إلّا بها، فلذا لا تنسى غالبا و عادة، كما سيجيء في النص، فلعلّه لهذا لم تذكر فيها، و معلوم أنّ حال القيام فيها حالها.

و أمّا القيام حال الحمد و السورة و نحوهما، فليس بركن قطعا، لأنّ نسيانها غير مضرّ جزما، كما ستعرف، فتركها نسيانا ترك قيامها أيضا قطعا، كما هو الظاهر من الأدلّة و الفتاوى.

و أمّا حال النيّة، فغير معلوم لزومه، لكونها شرطا على الأقوى و الأصحّ، و لا دليل على اعتباره فيها، لما عرفت في بحث الوضوء، و ستعرف من أنّ المعتبر

____________

(1) الفوائد الحائرية: 351.

(2) من لا يحضره الفقيه: 1/ 180 الحديث 856، وسائل الشيعة: 4/ 313 الحديث 5243.

(3) من لا يحضره الفقيه: 1/ 181 الحديث 857، تهذيب الأحكام: 2/ 152 الحديث 597، وسائل الشيعة: 4/ 312 الحديث 5241.

45

..........

____________

فيها ليس إلّا قصد الامتثال و التعيين، و أقصى ما يمكن اعتباره فيها أو يتوهّم قصد الوجه و مثله ممّا عرفت.

و أمّا ما يتّصل بالركوع منه، فلعلّه داخل في الإعادة للركوع، لأنّ المتبادر من الركوع ما هو المعتبر شرعا، و ما ظهر كونه في الصلاة من فعل الشارع و قوله، و غير خفيّ أنّه الانحناء عن القيام.

و أمّا عدم الإعادة عن نسيان ذكر الركوع و الطمأنينة له و نحوهما، فمن الإجماع أو النص أو كليهما، كما ستعرف.

لا يقال: في معتبرة زرارة عن الباقر (عليه السلام) أنّه قال له: الرجل يصلّي و هو قاعد فيقرأ السورة فإذا أراد أن يختمها قام فركع بآخرها، قال: «صلاته صلاة القائم» (1).

لأنّا نقول: الظاهر منها حكم صلاة التطوع، كما ورد في غيرها أيضا (2) و ظهر منه.

قوله: (و حدّه الانتصاب). إلى آخره.

لا شبهة في رجوعه إلى العرف، بأنّ ما يعدّ فيه قياما يكفي، و هو المعتبر في الواجب، و يتحقّق بما ذكره من نصب فقار الظهر، لعدم تحقّق القيام الحقيقي من المختار إلّا به عرفا.

و أمّا ما ذكره من الموثّق فلم أعرفه، لكن مرّ في صحيحة زرارة أنّ «من لم يقم صلبه فلا صلاة له» (3).

____________

(1) الكافي: 3/ 411 الحديث 8، تهذيب الأحكام: 2/ 170 الحديث 675، وسائل الشيعة: 5/ 498 الحديث 7160.

(2) لاحظ! وسائل الشيعة: 5/ 498 الباب 9 من أبواب القيام.

(3) وسائل الشيعة: 4/ 313 الحديث 5243.

46

..........

____________

و ورد هذا المضمون في رواية ضعيفة عن الصادق (عليه السلام) أيضا في مقام أمره بإقامة الصلب بعد رفع الرأس من الركوع، حيث علّل ذلك بأنّه لا صلاة لمن لا يقيم صلبه (1).

و في صحيحة حمّاد، عن حريز، عن رجل، عن الباقر (عليه السلام) قال: قلت له:

فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ (2)، قال: «النحر الاعتدال في القيام أن يقيم صلبه و نحره» (3).

و في صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام): «إذا أردت أن تركع فقل و أنت منتصب:

اللّه أكبر، ثمّ اركع» (4) إلى غير ذلك.

قوله: (فلا يخلّ به الإطراق).

لا يخلّ به إذا كان بحيث لا يخرج به عن القيام الحقيقي المتبادر، مع ما مرّ في مرسلة حريز التي كالصحيحة، من الأمر بإقامة النحر، إذ مراعاته لا يخلو عن احتياط، فتأمّل جدّا! و أمّا الإخلال بالميل إلى أحد بالجانبين، فإنّما هو إذا أخرجه عن كونه منتصبا عرفا و لغة.

و الظاهر أنّ القائل قائل بأنّ مطلق الميل المذكور مناف للانتصاب الحقيقي، يعني المتبادر من الإطلاق، و إن جاز إطلاق الانتصاب على بعضه بمعونة القرينة،

____________

(1) الكافي: 3/ 320 الحديث 6، تهذيب الأحكام: 2/ 78 الحديث 290، وسائل الشيعة: 6/ 321 الحديث 8082 نقل بالمضمون.

(2) الكوثر (108): 2.

(3) الكافي: 3/ 336 الحديث 9، تهذيب الأحكام: 2/ 84 الحديث 309، وسائل الشيعة: 5/ 489 الحديث 7137.

(4) الكافي: 3/ 319 الحديث 1، تهذيب الأحكام: 2/ 77 الحديث 289، وسائل الشيعة: 6/ 295 الحديث 8008.

47

..........

____________

و كونه من غاية القلّة كأنّه منعدم، لا أنّه منعدم واقعا، و هو غير بعيد.

بل الظاهر أنّه إذا كان ميلا إلى أحدهما عرفا حقيقة، فهو مناف للانتصاب جزما، فصدق الميل و الانتصاب ممّا لا يجتمعان، كما أنّ الانحناء أيضا كذلك.

و بالجملة، حال الميل حال الانحناء، فكما لا يجوز، لا يجوز الميل أيضا، فلا وجه لتأمّل المصنّف حيث نسبه إلى القيل.

قوله: (و يشترط). إلى آخره.

هذا هو المتبادر ممّا ذكر من الأدلّة الدالّة على وجوب القيام، و مقتضى المتابعة لفعل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم )، و الأمر الوارد بها و هو إجماعي، بل ضروري في الجملة ظاهر من الأخبار- مثل ما مرّ في الأذان و الإقامة (1)- و ممّا ورد في الصلاة في المحمل و على الدابّة و في السفينة و في المطر و الوحل و الثلج، و غير ذلك (2)، و ما سيجيء في مبطلات الصلاة، و فعل الكثير فيها و غيرها.

و منها ما أشار إليه المصنف بقوله: و في الخبر (3)، لكن هذا الخبر ورد في موضع خاص، و إلّا فالمشي اختيارا مناف للصلاة، كما عرفت.

فلا وجه لتعرّض المصنّف لذكره في المقام أصلا، سيّما مع عدم التعرّض للتوجيه و بيان مقامه.

قوله: (و الأكثر). إلى آخره.

و الدليل عليه (4) ما ذكرناه دليلا للاستقراء، من المتبادر و المتابعة و الأمر بها.

____________

(1) راجع! الصفحة:

(2) وسائل الشيعة: 4/ 325 الباب 14 من أبواب القبلة.

(3) الكافي: 6/ 316 الحديث 24، وسائل الشيعة: 6/ 98 الحديث 7446.

(4) في (ز 3) زيادة: جميع.

48

..........

____________

و يدلّ عليه صحيحة ابن سنان عن الصادق (عليه السلام) قال: «لا تستند بخمرك و أنت تصلّي و لا تستند إلى جدار إلا أن تكون مريضا» (1).

الخمر بالخاء المعجمة و الميم المفتوحتين: ما واراك من شجر و نحوه.

و أيضا شغل الذمّة اليقيني يقتضي (2) البراءة اليقينية، و هي موقوفة على الاستقلال.

قوله: (للمعتبرة).

أقول: هي صحيحة علي بن جعفر سأل أخاه موسى (عليه السلام) عن الرجل هل يصلح له أن يستند إلى حائط المسجد و هو يصلّي، أو يضع يده على الحائط و هو قائم من غير مرض و لا علّة؟ قال: «لا بأس»، و عن الرجل يكون في الفريضة فيقوم في الركعتين الأوّلتين هل يصلح له أن يتناول جانب المسجد فينهض يستعين به على القيام من غير ضعف و لا علّة؟ قال: «لا بأس» (3).

و موثّقة ابن بكير عن الصادق (عليه السلام): عن الرجل يصلّي متوكّئا على عصا أو [على] حائط، فقال: «لا بأس بالتوكّؤ على عصا و الاتّكاء على الحائط» (4).

و رواية سعيد بن يسار عنه (عليه السلام): عن التكئة في الصلاة [على الحائط] يمينا و شمالا، فقال: «لا بأس» (5).

____________

(1) تهذيب الأحكام: 3/ 176 الحديث 394، وسائل الشيعة: 5/ 500 الحديث 7165 مع اختلاف يسير.

(2) في (ز 3): يستدعي.

(3) من لا يحضره الفقيه: 1/ 237 الحديث 1045، تهذيب الأحكام: 2/ 326 الحديث 1339، وسائل الشيعة: 5/ 499 الحديث 7164 مع اختلاف يسير.

(4) تهذيب الأحكام: 2/ 327 الحديث 1341، وسائل الشيعة: 5/ 500 الحديث 7167.

(5) تهذيب الأحكام: 2/ 327 الحديث 1340، وسائل الشيعة: 5/ 500 الحديث 7166.

49

..........

____________

أقول: لا يخفى شذوذ هذه الأخبار، بل الظاهر من كلام الفاضلين، سيّما «المنتهى» و «المختلف» الإجماع في المسألة (1)، بل في «المختلف» صرّح بهذا الإجماع (2).

قال الفاضل المحقّق الشيخ محمّد: ظاهر «المختلف» دعوى الإجماع فيما أظنّ، لكن لا يحضرني الآن (3)، انتهى.

أقول: و كذا الظاهر من كتب الشيخ و الشهيد و غيرهم (4)، ممّن اطّلعت عليه، إذ في مقام التعرّض لذكر المخالف، ما أشاروا إلى مخالفة من أحد، و لا تأمّل من أحد، بل غاية ما صدر من بعضهم ذكر صحيحة علي بن جعفر (5)، و رفع توهّم الإشكال من جهتها خاصّة.

نعم، في «الذكرى» و «المسالك» نسبا إلى الحلبي القول بالكراهة (6)، فلعلّه توهّم من كلام الحلبي، إذ ربّما كانت الكراهة في كلامهم بالمعنى اللغوي، مريدين منها الحرمة، كما عرفت بعضا من ذلك.

و كيف كان، لا شبهة في شذوذها، و ورد منهم الأمر بترك العمل بالشاذّ، و الأخذ بالمشتهر بين الأصحاب.

و كذا الحال في موافقة الكتاب و مخالفته، بل ورد في الأخبار المتواترة، الأمر

____________

(1) المعتبر: 2/ 158، منتهى المطلب: 5/ 10 و 11، مختلف الشيعة: 2/ 194.

(2) مختلف الشيعة: 2/ 194.

(3) استقصاء الاعتبار في شرح الاستبصار (مخطوط).

(4) النهاية للشيخ الطوسي: 69، المبسوط: 1/ 100، الخلاف: 1/ 420 المسألة 167، الرسائل العشر:

180، ذكرى الشيعة: 3/ 267، مدارك الأحكام: 3/ 325.

(5) روض الجنان: 250.

(6) ذكرى الشيعة: 3/ 267، مسالك الأفهام: 1/ 201، لاحظ! الكافي في الفقه: 125.

50

..........

____________

بأخذ موافقته و ترك مخالفته (1).

و قد ظهر لك أنّ ظاهره وجوب القيام حيث قال قُومُوا بعد ما قال:

حٰافِظُوا عَلَى الصَّلَوٰاتِ (2) و لم يؤمّر بالقيام إلى الدعاء في موضع أصلا، مضافا إلى أنّ القنوت لغة هو الإطاعة و الدعاء (3)، بل جعله من جملة معانيه القيام في الصلاة، مضافا إلى تفسير أهل البيت (عليهم السلام) (4) و قد عرفته، و عرفت أيضا تفسير قوله تعالى الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّٰهَ قِيٰاماً وَ قُعُوداً وَ عَلىٰ جُنُوبِهِمْ (5) عن أهل البيت (عليهم السلام) (6).

و أيضا ورد الأمر بأخذ ما وافق السنّة و ترك ما خالفها، و عرفت قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ): «صلّوا كما رأيتموني اصلّي» (7).

و ورود أخبار كثيرة في وجوب القيام، منها ما مرّ، و منها ما سيجيء في بحث العاجز عنه للصلاة.

و لا شبهة في كون الظاهر و المتبادر منها القيام على الاستقلال، لا معتمدا على شيء متوكئا عليه، بل المتبادر من القيام المطلق الخالي عن القرينة هو ذلك، بل لا يطلق على المتوكئ. و المعتمد المذكور لفظ القيام المطلق، بل ربّما يصحّ سلبه عن المتوكئ المستند المذكور، أي الذي لو رفع سناده و ما عليه اعتماده، لسقط جزما

____________

(1) لاحظ! وسائل الشيعة: 27/ 106 الباب 9 من أبواب صفات القاضي.

(2) البقرة (2): 238.

(3) مجمع البحرين: 2/ 215.

(4) لا حظ! مجمع البيان: 1/ 261 (الجزء 2)

(5) آل عمران (3): 191.

(6) راجع! الصفحة: 41 و 42 من هذا الكتاب.

(7) عوالي اللآلي: 1/ 198 الحديث 8.

51

..........

____________

أو ظاهرا، و لم يكن قائما حينئذ أصلا.

مع أنّ الصحيحة يمكن حملها على غير الفريضة، بقرينة قوله أخيرا: و عن الرجل يكون في الفريضة. إلى آخره (1)، إذ يظهر منه أنّ الفرض الأوّل كان في غير الفريضة، و غير معلوم ضرر مجرّد الاستعانة في النهوض فقط، مع عدم توكؤ، و اعتماد في حال القيام، سيّما الاعتماد المذكور.

و بالجملة، غير الصحيحة لا تعارض الصحيحة، فكيف الصحاح المتواترة، و الآيتين من القرآن، و غير ذلك ممّا مرّ (2)؟

و الصحيح لا يعارض ما ذكر البتّة، و إن لم يكن شاذّا، فما ظنّك بالشاذّ مع عدم ظهور معارضة منه، بل ظهور العدم؟

مع أنّه على تقدير ظهور المعارضة، و فرض تحقّق المقاومة، لا شكّ في كون ما ذكرناه هو أقرب جمع، بل متعيّن بحسب الدلالة، و الوجوه الخارجة.

بل لو قطعنا النظر عنها، فلا شكّ في أنّه أقرب بحسب الدلالة البتّة، لو لم نقل بظهور التطوع منه، بل في مقام التعارض يتعيّن ذلك الظهور بلا شبهة.

مع أنّه معلوم أنّ القيام مأخوذ فيه الاستناد إلى الرجل و الاعتماد عليه.

ألا ترى إلى راكب الخيل- مثلا- لو كان فقار ظهره جميعا منتصبا، و تكون رجلاه موضوعتين على شيء، لكن يكون اعتماده على السرج و استناده إليه لا يقال عرفا إنّه قائم قطعا، و إن كان جميع صفات القائم موجودة فيه، سوى الاعتماد على الرجلين، و إن كان له اعتماد ما أيضا على رجليه، إلّا أنّ الاعتماد الحقيقي على مثل السرج، ممّا لو رفع أو جرّ من تحته لوقع جزما.

____________

(1) من لا يحضره الفقيه: 1/ 237 الحديث 1045، وسائل الشيعة 5/ 499 الحديث 7164.

(2) راجع! الصفحة: 41 و 42 من هذا الكتاب.

52

..........

____________

أمّا لو قام هذا الراكب، بأن جعل اعتماده الحقيقي على رجليه فقط، يقال له:

قام فوق الخيل، و قام و رجلاه في كذا و السرج تحته، إلى غير ذلك، و مثل هذا الراكب من تعلّق بشيء، بأن كان جميع فقار ظهره منتصبا، و رجلاه على شيء من دون اعتماد أصلا أو اعتماد ضعيف غير حقيقي.

فظهر أنّ القيام لا يتحقّق حقيقة تبادرا، من غير الاعتماد الحقيقي على الرجل و أسافل الأعضاء.

و بالجملة، فرق واضح بين نفس القيام و هيئة القائم، و الراوي قال: يستند إلى حائط المسجد و هو قائم، فإمّا أن يكون مراده من القيام هيئة القيام لا الحقيقي منه، فيكون اعتماده الحقيقي على الحائط، و لم يرض بذلك أحد، و لم ينسب إلى أحد، أو يكون مراده من القيام معناه الحقيقي، لا مجرّد هيئته و شكله.

فيكون مراده من الاستناد غير محلّ النزاع، و لذا قال في «الدروس»:

و يجب الاستقلال بحيث لا يستند إلى ما يعتمد عليه، و رواية علي بن جعفر، عن أخيه (عليه السلام) لا تنافيه (1)، انتهى.

بل ظاهر أنّ هذا الاستناد لا يقتضي الاعتماد عليه، أو أنّه أعمّ منه، إلّا أنّه خال عن الاعتماد التام، و هو الذي إذا رفع السناد وقع.

و الباقون من المحققين قالوا: الرواية محمولة على الاستناد الذي لا يسقط معه لو زال المستند إليه، جمعا بينها و بين المعارض (2).

و غير خفي أنّه أقرب وجه جمع بعد الإغماض عمّا ذكرنا من احتمال النافلة و ما ذكرناه من أنّ القيام الواقعي غير صورة القيام و غير ذلك، و إلّا قد عرفت عدم

____________

(1) الدروس الشرعيّة: 1/ 168.

(2) جامع المقاصد: 2/ 203، مسالك الأفهام: 1/ 201، روض الجنان: 250.

53

..........

____________

المعارضة أصلا من جهتين: احتمال النافلة لو لم نقل بظهوره، و ظهور عدم اجتماع الاستناد الذي لو رفع المستند إليه لوقع مع القيام الحقيقي المتبادر منه.

و أيضا قول الراوي: (من غير مرض و لا علّة)، قيد لقوله: (أو يضع يده على الحائط و هو قائم)، لما هو الحقّ و المحقّق من أنّ القيد يرجع إلى خصوص الجملة الأخيرة، و طريقة الأئمّة (عليهم السلام)، منها كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله تعالى:

وَ أُمَّهٰاتُ نِسٰائِكُمْ (1) الآية (2)، فيظهر أنّه ليس بقيد للأولى.

فربّما يظهر أنّ استناده إلى حائط المسجد ليس من غير مرض و لا علّة، فمن هذه الجهة أيضا لم يكن معارضة، و سيجيء ما يعضد ذلك.

سلّمنا، لكن إبقاؤها على إطلاقها لا أقلّ منه، و معلوم أنّه عند التعارض يتعيّن رفعه، بحمل المطلق على المقيّد، سيّما مع ما في المطلق من الإشعار بالحمل على المقيّد، كما عرفت، و خصوصا مع اعتضاد ذلك الإشعار، بتقييد الراوي سؤاله الأخير أيضا، بقوله: من غير ضعف و لا علّة.

و هذا يشعر أيضا بأنّ القيد في المقام، لا يرجع إلى غير الأخير، فتدبّر.

على أنّا نقول: قوله: «و هو قائم» قيد ل«وضع اليد على الحائط»، كما عرفت، فلم يظهر كون الاستناد حال القيام، فلا يضرّ المقام، إذ تقيد الباقي (3) بكونه حال القيام، ربّما يومئ بأنّ الاستناد لم يكن حال القيام، على أنّ الإطلاق لا أقلّ منه، و حمله على المقيّد متعيّن على ما عرفت.

بل في «المختلف» بعد ما ادّعى الإجماع على وجوب الاستقلال، أجاب عن

____________

(1) النساء (3): 23.

(2) التبيان: 3/ 157، البرهان في تفسير القرآن: 1/ 357 الحديث 12.

(3) في (ك): الثاني.

54

..........

____________

رواية علي بن جعفر، بأنّ الاستناد غير مستلزم الاعتماد، و كذا الاستعانة في القيام، فإنّما يجوّزها إلى أن يستقل بالقيام (1)، فتدبّر! إذا عرفت ما ذكرنا ظهر لك أنّ ما اتّفق عليه غير واحد بعد «المدارك» (2)، من بعد الحمل المشهور و قرب الحمل على الكراهة، و كون مذهب الحلبي (3) أقوى (4)، فيه ما فيه، إذ فيه مضافا إلى جميع ما ذكر أنّ قوله (عليه السلام): «لا بأس» يقتضي نفي جميع أفراد البأس، و الكراهة بأس بلا شبهة.

فظاهر الصحيح نفي الكراهة أيضا (5)، و هو لا يقول به، فتخريب مجموع المتعارضين كيف يكون أقرب من تأويل أحدهما؟ سيّما أن يخرب ما هو الحجّة بما ليس بحجّة، بمقتضى الأخبار و القواعد و الفتاوى، و رفع اليد عن جميع ظواهر الأخبار.

و ممّا ذكر ظهر حال الموثّقة (6) و الضعيفة (7) أيضا، مع عدم كونهما حجّة عندهم أصلا، فضلا أن يعارضا الحجج الواضحة، و خصوصا أن يغلبا عليها.

مع أنّ الموثّقة في سندها أحمد الموثّق، و أبوه الموثّق أيضا، و أحمد كان شديد التعصّب في الفطحيّة (8)، مع احتمال حملها على النافلة، أو الاتّكاء الضعيف، أو صورة العجز، و الصحّة في الجملة، حملا للمطلق على المقيّد، لأنّ الظاهر منهما و إن

____________

(1) مختلف الشيعة: 2/ 194.

(2) مدارك الأحكام: 3/ 328، ذخيرة المعاد: 261، كفاية الأحكام: 18، الحدائق الناضرة: 8/ 62.

(3) الكافي في الفقه: 125.

(4) في (ز 3): أقرب.

(5) وسائل الشيعة: 5/ 499 الحديث 7164.

(6) وسائل الشيعة: 5/ 500 الحديث 7167.

(7) وسائل الشيعة: 5/ 500 الحديث 7166.

(8) منهج المقال: 45 مع اختلاف يسير.