مصابيح الظلام - ج10

- الوحيد البهبهاني المزيد...
644 /
5

[تتمة فن العبادات و السياسات]

كتاب مفاتيح الزكاة

قال اللّه تبارك و تعالى في عدّة مواضع أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ آتُوا الزَّكٰاةَ* (1) و قال عزّ و جلّ وَ لٰا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمٰا آتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مٰا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ (2).

و في الصحيح: «إنّ اللّه تبارك و تعالى قرن الزكاة بالصلاة، فقال:

وَ أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ آتُوا الزَّكٰاةَ*، فمن أقام الصلاة و لم يؤت الزكاة، فكأنّه لم يقم الصلاة» (3).

و فيه: «ما فرض اللّه على هذه الامّة شيئا أشدّ عليهم من الزكاة، و فيها تهلك عامّتهم» (4).

و فيه: «إنّ اللّه عزّ و جلّ فرض للفقراء من أموال الأغنياء ما يكتفون به، و لو علم أنّ الذي فرض لهم لا يكفيهم لزادهم، و إنّما يؤتى الفقراء فيما اتوا من

____________

(1) البقرة (2): 43 و 83 و 110، النور (24): 56، المجادلة (58): 13، المزمّل (73): 20.

(2) آل عمران (3): 180.

(3) وسائل الشيعة: 9/ 22 الحديث 11421.

(4) وسائل الشيعة: 9/ 28 الحديث 11437.

6

منع، من منعهم حقوقهم لا من الفريضة» (1).

و فيه: «إذا منعت الزكاة منعت الأرض بركتها» (2).

و فيه: «ما من مؤمن يمنع درهما من حقّ إلّا أنفق اثنين في غير حقّه، و ما من رجل يمنع حقّا من ماله إلّا طوّقه اللّه عزّ و جلّ به حيّة من نار يوم القيامة» (3).

و فيه: «ما من ذي مال ذهب أو فضّة يمنع زكاة ماله إلّا حبسه اللّه يوم القيامة بقاع قرقر، و سلّط اللّه عليه شجاعا أقرع يريده و هو يحيد عنه، فإذا رأى أنّه لا يتخلّص منه أمكنه من يده فقضمها (4) كما يقضم الفحل، ثم يصير طوقا في عنقه، و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ سَيُطَوَّقُونَ مٰا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ (5)، و ما من ذي مال إبل أو بقر أو غنم يمنع زكاة ماله إلّا حبسه اللّه يوم القيامة بقاع قرقر تطأه كلّ ذات ظلف بظلفها، و تنهشه كلّ ذات ناب بنابها، و ما من ذي مال نخل أو كرم أو زرع يمنع زكاته إلّا طوّقه اللّه عزّ و جلّ ريعة (6) أرضه إلى سبع أرضين إلى يوم القيامة» (7).

و النصوص في فضلها (8) و عقاب تاركها (9) أكثر من أن تحصى.

____________

(1) وسائل الشيعة: 9/ 10 الحديث 11389.

(2) وسائل الشيعة: 9/ 26 الحديث 11431.

(3) وسائل الشيعة: 9/ 43 الحديث 11479.

(4) قضم كسمع: أكل بأطراف أسنانه أو أكل يابسا، لاحظ! مجمع البحرين: 6/ 140.

(5) آل عمران (3): 180.

(6) الريع بالكسر: المرتفع من الأرض، الواحد ريعة و الجمع رياع، لاحظ! مجمع البحرين: 4/ 341.

(7) وسائل الشيعة: 9/ 20 و 21 الحديث 11420.

(8) وسائل الشيعة: 9/ 16- 20 الباب 2 من أبواب ما تجب فيه الزكاة.

(9) وسائل الشيعة: 9/ 20- 31 الباب 3 من أبواب ما تجب فيه الزكاة.

7

و هي قسمان: زكاة مال، و زكاة فطرة. و زكاة المال واجبة و مستحبّة.

و الخمس عوض عن الواجبة منها لبني هاشم، يثبت في الغنائم بالأصالة و الكلّ من ضروريّات مذهبنا.

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، و صلّى اللّه على محمّد و آله الطاهرين، (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

ربّ وفّقني للإتمام على أحسن النظام بأبين الكلام، على ما هو الرشد و الصواب، خاليا عن شائبة الشبهة و الارتياب، موجبا للوصول إلى أعلى درجات القرب إليك، و مزيدا للثواب بعد النجاة عمّا يستحقّ من البعد عنك و العقاب، فإنّا لا نجد الخير إلّا منك يا وهّاب، و لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين يا ربّ الأرباب! و يا مالك الرقاب! منك بدء الخلق و إليك المآب.

قوله: (و النصوص). إلى آخره.

____________

هو كما قال، و لم يتعرّض لذكر إجماع المسلمين و الضرورة، مع أنّ وجوبها من ضروري الدين.

قال في «التذكرة»: أجمع المسلمون كافّة على وجوبها في جميع الأعصار، و هي أحد أركان الإسلام الخمسة.

قال: فمن أنكر وجوبها ممّن ولد على الفطرة، و نشأ بين المسلمين فهو المرتدّ، يقتل من غير أن يستتاب.

و إن لم يكن عن فطرة، بل أسلم عقيب كفر استتيب- مع علم وجوبها-

10

..........

____________

ثلاثا، فإن تاب و إلّا فهو مرتدّ وجب قتله.

و إن كان ممّن يخفى وجوبها عليه، لأنّه نشأ بالبادية، أو كان قريب العهد بالإسلام عرّف وجوبها و لم يحكم بكفره (1)، انتهى.

أقول: الاستتابة ثلاث مرّات، و القتل في الرابعة هو المشهور، و قيل:

الاستتابة أربع مرّات، ثمّ القتل إن لم يتب (2)، و هو أحوط، لما حقّق في محلّه.

____________

(1) تذكرة الفقهاء: 5/ 7 و 8.

(2) لم نعثر عليه في مظانّه.

11

الباب الاوّل في زكاة المال

قال اللّه سبحانه خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا (1).

القول فيما فيه الزكاة و شرائطها

215- مفتاح [من يجب عليه الزكاة و ما يجب فيه]

إنّما تجب زكاة المال على مالكه البالغ العاقل الحرّ المتمكّن من التصرّف في الذهب و الفضّة المسكوكين، و الإبل و البقر و الغنم السائمة الغير العاملة، و الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، المملوكة بالزراعة، أو المنتقلة إليه قبل انعقاد

____________

(1) التوبة (9): 103.

12

الحبّ و بدوّ الصلاح، بشرط بلوغ كلّ من التسعة النصاب المعتبر فيه، و حؤول (1) الحول على النصاب في الخمسة الاول، كلّ ذلك بالإجماع و النصوص المستفيضة (2).

و اشتراط الديلمي الانوثة في الأنعام (3) شاذّ، و اشتراط الأكثر وضع المؤن كلّها في الغلّات لا دليل عليه يعتدّ به، إلّا حصّة مقاسمة السلطان خاصّة، و نقل في «الخلاف» على خلافه الإجماع، إلّا من عطاء (4)، و لا دليل عليه أيضا يصحّ الاعتماد عليه.

نعم؛ يشهد له وجوب العشر فيما المئونة فيه أقلّ، و نصفه فيما هي فيه أكثر، فهو أحوط و أولى.

____________

(1) حال عليه الحول حولا و حؤولا، لاحظ! القاموس المحيط: 3/ 374.

(2) لاحظ! وسائل الشيعة: 9/ 53 الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة.

(3) المراسم: 129.

(4) الخلاف: 2/ 67 المسألة 78.

13

قوله: (إنّما تجب زكاة المال). إلى آخره.

____________

تحقيق المقام امور.

الأوّل: لا شكّ في اشتراط الملكيّة و هو بديهي، و يشترط تمام الملكيّة أيضا، كما سيظهر لك في مبحث التمكّن من التصرّف.

الثاني: لا خلاف في اشتراط الكمال في وجوبها في النقدين، فلا يجب على الصبي و المجنون.

نقل الإجماع على ذلك جماعة، منهم الفاضلان و الشهيدان و غيرهم (1).

و يدلّ عليه جميع ما دلّ على عدم كونهما مكلّفين، كما مرّ في كتاب الصلاة (2).

منها: قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ): «رفع القلم عن الصبي حتّى يبلغ، و عن المجنون حتّى يفيق» (3).

و يدلّ عليه أيضا صحيحة ابن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن مال اليتيم؟ فقال: «ليس فيه زكاة» (4).

و صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام) مثله (5).

و صحيحة زرارة [و محمّد بن مسلم] عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) أنّهما قالا:

«مال اليتيم ليس عليه في العين و الصامت شيء» (6).

____________

(1) المعتبر: 2/ 486، نهاية الإحكام: 2/ 298، البيان: 276، الروضة البهيّة: 2/ 11 و 12، مدارك الأحكام: 5/ 15، ذخيرة المعاد: 420.

(2) راجع! الصفحة: 86 (المجلّد الأوّل) من هذا الكتاب.

(3) عوالي اللآلي: 3/ 528 الحديث 3.

(4) تهذيب الأحكام: 4/ 26 الحديث 61، وسائل الشيعة: 9/ 85 الحديث 11581.

(5) تهذيب الأحكام: 4/ 26 الحديث 62، وسائل الشيعة: 9/ 85 الحديث 11582.

(6) تهذيب الأحكام: 4/ 29 الحديث 72، وسائل الشيعة: 9/ 83 الحديث 11576.

14

..........

____________

و حسنتهما بإبراهيم بن هاشم عن عنهما (عليهما السلام) مثله (1)، إلّا أنّه لفظ «الدين» موضع «العين».

و صحيحة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) في مال اليتيم زكاة؟ فقال: «إذا كان موضوعا فليس عليه زكاة، فإذا عملت به فأنت له ضامن و الربح لليتيم» (2).

و صحيحة محمّد بن القاسم بن الفضيل أنّه كتب إلى الرضا (عليه السلام) يسأله عن الوصي يزكّي زكاة الفطرة عن اليتامى إذا كان لهم مال؟ فكتب (عليه السلام): «لا زكاة في مال يتيم» (3).

رواها الكليني بإسناد آخر صحيح، و فيها «لا زكاة على مال يتيم» (4).

و حسنة أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) قال: «ليس على مال اليتيم زكاة، و إن بلغ [اليتيم] فليس عليه لما مضى زكاة و لا عليه لما يستقبل حتّى يدرك، فإذا أدرك فإنّما عليه زكاة واحدة ثمّ كان عليه مثل ما على غيره من الناس» (5).

و موثقة عمر بن أبي شعبة عن الصادق (عليه السلام) قال: سئل عن مال اليتيم؟ فقال:

«لا زكاة عليه إلّا أن يعمل به» (6).

و في رواية مروان بن مسلم، عن أبي الحسن (عليه السلام)، عن أبيه (عليه السلام) قال: «كان أبي يخالف الناس في مال اليتيم ليس عليه زكاة» (7) إلى غير ذلك من الأخبار

____________

(1) الكافي: 3/ 541 الحديث 5، وسائل الشيعة: 9/ 83 الحديث 11576.

(2) الكافي: 3/ 540 الحديث 1، وسائل الشيعة: 9/ 83 الحديث 11575.

(3) من لا يحضره الفقيه: 2/ 115 الحديث 495، وسائل الشيعة: 9/ 84 الحديث 11578 مع اختلاف يسير.

(4) لاحظ! الكافي: 3/ 541 الحديث 8.

(5) الكافي: 3/ 541 الحديث 4، وسائل الشيعة: 9/ 84 الحديث 11577 مع اختلاف يسير.

(6) تهذيب الأحكام: 4/ 27 الحديث 64، وسائل الشيعة: 9/ 86 الحديث 11584.

(7) تهذيب الأحكام: 4/ 27 الحديث 63، وسائل الشيعة: 9/ 86 الحديث 11583.

15

..........

____________

الصحيحة و المعتبرة (1).

و يدلّ على حكم المجنون صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج أنّه قال للصادق (عليه السلام): امرأة من أهلنا مختلطة. عليها زكاة؟ قال: «إن كان عمل به فعليها الزكاة، و إن لم يعمل به فلا» (2).

و قويّة موسى بن بكر قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن امرأة مصابة و لها مال في يد أخيها، فهل عليه زكاة؟ فقال: «إن كان أخوها يتّجر به فعليه زكاة» (3).

فما نقل عن ابن حمزة من إيجابه الزكاة في مال الصبي (4)، إن كان مراده بعنوان الإطلاق، ففي غاية الظهور من الفساد.

بل الظاهر؛ أنّه منزّه من ذلك، و أنّ مراده الإيجاب في الجملة، كما هو الظاهر من تلك العبارة.

الثالث: المجنون المطبق حكمه واضح، و أمّا الأدواري فمقتضى جعل الفقهاء الشرائط، و استمرارها طول الحول شرطا في وجوب الزكاة؛ كونه مثل المطبق.

و اعترف في «الذخيرة» على الجعل المذكور، و مع ذلك قال: في الأدواري خلاف.

قال في «التذكرة»: لو كان المجنون يعتوره أدوارا اشترط الكمال طول الحول، فلو جنّ في أثنائه سقط، و استأنف من حين عوده (5).

____________

(1) لاحظ! وسائل الشيعة: 9/ 83- 89 الباب 1 و 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة.

(2) تهذيب الأحكام: 4/ 30 الحديث 75، وسائل الشيعة: 9/ 90 الحديث 11595.

(3) الكافي: 3/ 542 الحديث 3، تهذيب الأحكام: 4/ 30 الحديث 76، وسائل الشيعة: 9/ 90 الحديث 11596.

(4) نقل عنه في مختلف الشيعة: 3/ 152، لاحظ! الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 121.

(5) تذكرة الفقهاء: 5/ 16.

16

..........

____________

و نحوه قال في «النهاية» معلّلا بسقوط التكليف به (1)، و في التعليل ضعف.

و استقرب بعض المتأخّرين تعلّق الوجوب به حال الإفاقة، إذ لا مانع من توجّه الخطاب إليه في تلك الحال (2)، و هو حسن، لعموم الأدلّة، إلّا أن يصدق عليه المجنون عرفا حين الإفاقة، كما إذا كان زمان الإفاقة قليلا نادرا بالنسبة إلى زمان الجنون.

و تأمّل أيضا! في اشتراط التكليف طول الحول بالنسبة إلى الصبي الذي بلغ وقت الوجوب، مع اعترافه بأنّ الاشتراط المزبور، و هو الظاهر من الفقهاء على نحو تأمّله في المجنون (3) انتهى.

أقول: مجرّد ندرته بالنسبة إلى زمان الجنون لا يجعله مجنونا مطبقا حقيقيّا عرفا و حين الإفاقة لا يمنع من توجّه الخطاب إليه، و عموم الأدلّة بحاله، و خروجه منها من جهة دخوله فيما دلّ على سقوط الزكاة من المجنون محل نظر، إذ لو جعل تلك الأدلّة خاصّة بالمطبق. فظاهر أنّ المطبق حقيقة فيمن أطبق جنونه، و إن كان يطلق عرفا على الأدواري المذكور لفظ المطبق، إذ ظاهر الإطلاق أعمّ من الحقيقة، و صحّة السلب إمارة المجاز، كعدم التبادر من مجرّد اللفظ الخالي عن القرينة، بل مطلق الأدواري يطلق عليه لفظ المجنون عرفا بلا تأمّل! و بالجملة؛ ثبوت كون الأدواري الذي ذكره من الأفراد الحقيقية المطبق عرفا محل نظر، لو لم نقل بظهور خلافه كما عرفت.

و جعل ما في الأدلّة شاملا لخصوص ما ذكره من الأدواري دون غيره أيضا

____________

(1) نهاية الإحكام: 2/ 300.

(2) مدارك الأحكام: 5/ 16.

(3) ذخيرة المعاد: 421.

17

..........

____________

ظاهر الفساد، لعدم وجود المقتضي، لو لم نقل بوجود المانع، و الدلالة فرع الثبوت، و إدخاله من جهة ما ذكره الفقهاء، من اشتراط الاستمرار طول الحول يقتضي إدخال الكلّ.

و كذلك الحال؛ لو كان من مجرّد الإطلاق العرفي، كما عرفت، و من غير الجهتين المذكورتين لا نجد دليلا و سببا أصلا، سيّما بحيث يقتضي ما ذكره.

و بالجملة، لو ثبت إجماع على اشتراط استمرار جميع الشرائط طول الحول، فالأمر كما ذكره في «التذكرة» و «النهاية» (1)، فيكون التعليل المذكور إشارة إلى اشتراط استمرار التكليف طول الحول لا ما فهمه في «الذخيرة»، و استضعفه (2)، لبداهة الخروج من التكليف حال الجنون، و كون التكليف و الوجوب بعد تماميّة الحول لا في أثنائه.

فظهر أنّ مراده منافاته ذلك لاستمرار حالة التكليف طول الحول المسلّم عندهم، و إن لم يثبت الإجماع المذكور، فالأمر كما ذكره بعض المتأخّرين (3).

و يمكن إثبات اشتراط التكليف طول الحول بدعوى التبادر، ممّا دلّ على الحول، فإنّ جميعه مع نهاية كثرته بلفظ الرجل الذي عليه الزكاة الصريح في البالغ.

نعم، نادر منه لا تصريح فيه، إلّا أنّ الظاهر؛ أنّ من وجبت عليه هو الذي حال الحول في ماله من دون ظهور تفاوت، و أنّه يمكنه التصرّف كيف شاء فتأمّل جدّا! و بالجملة؛ يمكن دعوى التبادر ممّا ذكر، و من ملاحظة سياق الأخبار، في

____________

(1) مرّ آنفا.

(2) ذخيرة المعاد: 421.

(3) مدارك الأحكام: 5/ 16.

18

..........

____________

أنّ الحول المعتبر فيها معتبر بالنسبة إلى المكلّفين، و في زمان تكليفهم، بحيث لو لم يكن معتبرا لجاز تكليفهم بها من الحين، إلّا أنّه وسع عليهم، و أخّر عنهم إلى أن يحول الحول.

هذا كلّه؛ مع ما سنذكر من أنّه إذا انقضى مجموع الحول حال الصبا، لا جرم يكون التكليف بالزكاة ساقطا. إلى آخره فلاحظ! مع أنّه يمكن أن يقال: لم يثبت من الإجماع و الأخبار حول معتبر سوى ما ذكر، فلاحظ الأخبار و تأمّل فيها، هل الأمر على ما ذكر أم لا؟

و يمكن الاستدلال أيضا بحسنة أبي بصير السابقة (1)، و هي كصحيحته، و موثّقته أيضا كصحيحته، حيث قال (عليه السلام): «ليس على مال اليتيم زكاة» (2).

و في نسخة «التهذيب»: «و ليس عليه صلاة، و ليس على جميع غلّاته من نخل أو زرع أو غلّة زكاة، و إن بلغ اليتيم» (3). إلى آخر ما ذكرناه عن مجموع «التهذيب» و «الكافي»، ما هو مشترك بينهما موضع الدلالة (4).

قوله (عليه السلام): «فليس عليه لما مضى زكاة» إذا لو كان بلوغه عند حول الحول لا يكون زكاة بمقتضى القول المذكور، لأنّه يصدق على ما حال عليه الحول أنّه ممّا مضى، إلّا أنّه يقال: لا يظهر منها حكم النقدين أصلا.

و يمكن أن يقال: قوله (عليه السلام) أوّلا: «ليس على مال اليتيم زكاة» عام يشمله البتّة.

و لا ينافي ما ذكره في نسخة «التهذيب»، لأنّه تخصيص بعد تعميم.

____________

(1) وسائل الشيعة: 9/ 84 الحديث 11577.

(2) المعتبر: 2/ 488، وسائل الشيعة: 9/ 85 الحديث 11580.

(3) تهذيب الأحكام: 4/ 29 الحديث 73، وسائل الشيعة: 9/ 86 الحديث 11585.

(4) راجع! الصفحة: 14 من هذا الكتاب.

19

..........

____________

و قوله (عليه السلام) بعد ذلك: «حتّى يدرك» لعلّ المراد منه إدراك وقت تعلّق الخطاب، فيكون في قوله: «و لا عليه» أيضا شهادة فتأمّل! على أنّه: إذا انقضى مجموع الحول حال الصبا، فلا جرم يكون التكليف بالزكاة ساقطا، لأنّ وجوبها عند حول الحول، و بمجرّده يجب، و هو حينئذ صبي، فيشمله ما دلّ على عدم تكليفه بها، فلا بدّ عن بقاء شيء من الحول، و لو كان قليلا غاية القلّة قبل تحقّق بلوغه، و خروجه عن الصبا حتّى يجوز تكليفه بها.

فإذا كان هذا القدر شرطا، لكان الكلّ كذلك، لعدم قائل بالفصل، و لأنّ الظاهر من الأدلّة أنّ اعتبار الحول على نهج واحد و نسق متّحد، لأنّ حول الحول في ملك من وجب عليه الزكاة شرط، و إن لم يكن مكلّفا.

و مع ذلك: لا يكفى هذا الشرط للوجوب، بل كونه مكلّفا في جزء من أجزاء ذلك الحول، يكون داخلا في ذلك الحول، و متّصلا بوقت الخطاب شرط آخر، لا يغني أحدهما عن الآخر.

و من المعلوم؛ أنّ الشرط الأوّل خلاف ظاهر الأخبار و الإجماع و الفتاوى.

و الشرط الثاني ليس منه عين و لا أثر في الأخبار و الإجماع، لو لم نقل بكونه خلاف الضرورة من الدين، و المعروف من المسلمين، و المستأنس منهم و من جميع الملّيين.

مع أنّ بيانه لازم من الشرع، و أمر مهمّ لو كان الأمر على ما توهّم، مع أنّ جميع ما ورد في عدم وجوب الزكاة على الصبي مطلق، و كذا جميع ما ورد في اعتبار الحول، و كذا الحال في عبارات الفقهاء.

على أنّه سيجيء أنّ التمكّن من التصرّف شرط طول الحول، و الصبي غير متمكّن منه شرعا، كما حقّق في محلّه، و سيظهر لك الحال هناك له و للمقام، و ممّا ذكر ظهر الحال في المجنون أيضا.

20

..........

____________

على أنّا نقول: العمومات الدالّة على وجوب الزكاة مخصّصة و مقيّدة بحول الحول، فيما يعتبر فيه الحول، و ظهر لك حال حول الحول فتأمّل! و أيضا؛ لو كان مجرّد التملّك في السنة كافيا في وجوب الزكاة، لوجب على الصبي و المجنون حين كما لهما زكوات السنوات السابقة، إلّا أن يشترط الشرط الزائد الأجنبي عن الأدلّة، فهو مطالب بدليله، و حيث لا يوجد يلزمه ما ذكرنا، و إن جعل الدليل رواية أبي بصير السابقة (1)، فمع أنّه لا يعمل بمثلها، قد عرفت كونها دليل الفقهاء، فتأمّل! و بالجملة؛ ما نحن فيه من الفروض النادرة غاية الندرة، فشمول العمومات له محلّ تأمّل، سيّما بعد ملاحظة جميع ما ذكرناه.

الرابع: الساهي و النائم و الغافل و المغمى عليه يجب عليهم الزكاة مثل غيرهم، و ليسوا مثل الصبي و المجنون، لعموم الأدلّة الدالّة على الوجوب.

و عن العلّامة في «النهاية» أنّه الحق المغمى عليه بذي الأدوار (2).

و عن «التذكرة» أنّه قال: و يجب الزكاة على الساهي و المغفل دون المغمى عليه، لأنّه تكليف و ليس من أهله (3).

و أورد عليه إن أراد أنّ المغمى عليه ليس أهلا للتكليف في حال الإغماء فمسلّم، لكن النائم و الساهي أيضا كذلك.

و إن أراد أنّ الإغماء موجب لانقطاع الحول و اعتبار استينافه عند العود إلى الصحّة طولب بدليله.

____________

(1) وسائل الشيعة: 9/ 84 الحديث 11577.

(2) نهاية الإحكام: 2/ 300.

(3) تذكرة الفقهاء: 5/ 16.

21

..........

____________

و بالجملة؛ الفرق غير ظاهر، و لا مبنيّ على دليل صحيح.

و لعلّ بنى على ما مرّ من عدم القضاء على المغمى عليه، كما هو المشهور الثابت من الصحاح و غيرها (1)، بخلاف النائم و الساهي و نحوهما، فإنّ القضاء واجب عليهم إجماعا، بل ضرورة من الدين و المذهب.

و فيه؛ أنّ الإغماء مثل النوم، في عدم كونه شرطا، لكون صاحبه من جملة المكلّفين الذين يصدق عليهم عند فوت الصلاة عنهم أنّها فاتت، و ليس مثل الصبا و الجنون، و عدم دخول وقت الفريضة ممّا لم يتحقّق في شأنه الفوت، لأنّه فرع المطلوبيّة منهم.

و قد حقّق في أوّل الكتاب أنّه فرق بين شرائط التكليف، و موانع صدوره، و أنّ الأوّل لو انتفى انتفى التكليف رأسا كالصلاة قبل دخول وقتها.

فلا يتحقّق فوت بالنسبة إليه حين يؤمر بالقضاء، و التدارك بعد الفوت، من جهة عموم «من فاتته فريضة فليقضها» (2) و نحوه، و سقوط القضاء على المغمى عليه ليس من جهة عدم تحقّق الفوت بالنسبة إليه، بل من جهة الصحاح و غيرها.

و لو لا تلك لحكمنا بوجوب القضاء عليه أيضا من جهة العمومات، فهو عفو عنه، لا أنّه مثل الصبي و المجنون ليس من جملة المكلّفين، و يكون خارجا عن مصداق من شملته العمومات الدالّة على وجوب الزكاة، و قياسه على القضاء قياس مع الفارق.

و الظاهر؛ أنّ الفقهاء أيضا قالوا بما ذكرنا، لعدم استثنائهم المغمى عليه، كما لم يستثنوا النائم و السكران و نحوهما.

____________

(1) وسائل الشيعة: 8/ 258 الباب 3 من أبواب قضاء الصلوات.

(2) لاحظ! عوالي اللآلي: 2/ 54 الحديث 143.

22

..........

____________

فإن قلت: لمّا ثبت اشتراط المكلّفية طول الحول على حسب ما ظهر منه في ذوي الأدوار، ثبت كون المغمى عليه أيضا مثله، و ليس المماثلة إلّا في عدم المكلّفية، فتمّ ما ذكره.

و أمّا النوم و الغفلة؛ فلمّا استحال خلوّ الآدمي عنهما عادة، علم يقينا عدم اعتبار عدمهما طول الحول، و إلّا لم تكن الزكاة واجبة على آدمي أصلا.

و قد علم أنّ وجوبها عليه من ضروريّات الدين، ثابتا من القرآن و الأخبار المتواترة أيضا، مع قطع النظر عن الضرورة، مع أنّ الكلام متفرّع عليه.

قلت: لم يثبت اشتراط المكلّفيّة بالمعنى الذي ذكره في «التذكرة» (1) من دليل أصلا، و لم يعتبره أحد من الفقهاء، و لذا استثنوا خصوص الصبي و المجنون، و لم يشر أحد إلى استثناء غيرهما مطلقا، بل كلامهم في غاية الظهور في العموم و الشمول، لكلّ من ليس بصبي و لا مجنون، بل ربّما كان صريحا فيه.

مع أنّه لو تمّ ما ذكرت، لزم سقوط التكليف بها عن الساهي أيضا، لعدم استحالة عدمه، و كذا الحال في السكران و نحوه.

مع أنّ عدم السقوط عن النائم و الغافل شاهد على عدم اشتراط المكلّفيّة بالمعنى المذكور، لعدم الإشارة إلى حكاية الاستثناء و الإشارة إلى العموم، فضلا عن الاستثناء في كلام أحد، و لا في خبر، بل عرفت الحال في اشتراط المكلّفيّة بالمعنى الأوّل، و ما فيه من الغموض و الدقّة و الإشكال في الثبوت من الأدلّة، إلى أن أنكره من أنكره من المحقّقين من المتأخّرين (2)، فما ظنّك في الاشتراط بالمعنى الثاني؟ سيّما بعد ملاحظة ما أشرنا إليه.

____________

(1) تذكرة الفقهاء: 5/ 16.

(2) مدارك الأحكام: 5/ 16، ذخيرة المعاد: 421.

23

قوله: (الحر).

____________

أقول: المملوك لا يجب عليه، سواء قلنا أنّه يملك أو لا، أمّا على الثاني فظاهر، لأنّها فيما يملكه المكلّف بالبديهة.

لكن على هذا؛ هل يجب على المولى زكاته أم لا؟ ظاهر الأخبار الآتية العدم.

و لعلّ الوجه أنّ المولى قال لعبده: إنّه لك انتفع به، و لا يناسب المروء أخذه منه، فصار غير متمكّن من التصرّف فيه بحسب المروء، و الوفاء بالعهد و عدم خلف الوعد به.

و يشير إلى هذا ما سيجيء من صحيحة ابن سنان من قوله (عليه السلام): «لا، إنّه لم يصل إلى السيّد و ليس هو للمملوك» (1) فلاحظ! فظهر منه عدم تماميّة ملك المولى له، و سيجيء التحقيق في ذلك.

و ممّا ذكر؛ ظهر فساد القول بوجوبها على السيّد.

و أمّا على الأوّل؛ فللإجماع المنقول، و صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن الصادق (عليه السلام): عن مال المملوك عليه زكاة؟ فقال: «لا، و لو كان له ألف ألف درهم، و لو احتاج لم يكن له من الزكاة شيء»، رواها الصدوق و الشيخ (2).

و رواها في «الكافي» في الحسن بإبراهيم عنه (عليه السلام) قال: «ليس في مال المملوك شيء و لو كان له ألف ألف» (3). إلى آخره.

و في الصحيح عن ابن سنان المذكور قال: قلت للصادق (عليه السلام): مملوك في يده مال، أ عليه زكاة؟ قال: «لا». قلت: فعلى سيّده؟ فقال: «لا، إنّه لم يصل إلى

____________

(1) الكافي: 3/ 542 الحديث 5، علل الشرائع: 372 الحديث 1، وسائل الشيعة: 9/ 92 الحديث 11600.

(2) من لا يحضره الفقيه: 2/ 19 الحديث 1636، وسائل الشيعة: 9/ 91 الحديث 11599 مع اختلاف يسير.

(3) الكافي: 3/ 542 الحديث 1، وسائل الشيعة: 9/ 91 الحديث 11597.

24

..........

____________

السيّد و ليس هو للملوك» (1).

و روى «الكافي» في الصحيح إلى أبي البختري عن الصادق (عليه السلام) قال: «ليس في مال المكاتب زكاة» (2).

و رواها الصدوق أيضا في كتابه (3).

و في «الكافي» في الصحيح عن محمّد بن أبي حمزة عن الكاظم (عليه السلام) (4) مثله (5).

و السند منجبر بالشهرة بين الأصحاب، و الوجود في الكتابين و غير ذلك.

منه ما رواه الجمهور عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ): «لا زكاة في مال المكاتب» (6)، فإذا كان المكاتب كذلك فغيره بطريق أولى.

و الإجماع نقله في «التذكرة» حيث قال: الحريّة شرط في الزكاة، فلا يجب على العبد بإجماع العلماء، و لا نعلم فيه خلافا إلّا عن عطاء و أبي ثور.

ثمّ نقل الخلاف في تملّكه لو ملّكه مولاه، و ذكر عدم وجوب الزكاة على التقديرين، إلّا أنّه احتمل في «النهاية» الوجوب عليه (7) على القول بأنّه يملك (8).

و في «المنتهى» صرّح بذلك (9)، و كذا المحقّق في «المعتبر» (10)، و لذا قال في

____________

(1) من لا يحضره الفقيه: 2/ 19 الحديث 63، وسائل الشيعة: 9/ 92 الحديث 11600.

(2) الكافي: 3/ 542 الحديث 4، وسائل الشيعة: 9/ 92 الحديث 11601.

(3) من لا يحضره الفقيه: 2/ 19 الحديث 64.

(4) في المصدر: عن الصادق (عليه السلام).

(5) الكافي: 3/ 542 الحديث 5.

(6) السنن الكبرى للبيهقي: 4/ 109.

(7) نهاية الإحكام: 2/ 301.

(8) تذكرة الفقهاء: 5/ 16.

(9) منتهى المطلب: 1/ 472 ط. ق.

(10) المعتبر: 2/ 489.

25

..........

____________

«المختلف» على القول بأنّه يملك قولان للأصحاب نقلهما الشيخ (1).

و يتوجّه على ذلك أنّه على هذا لا وجه للتعرّض لذكر مال المملوك في كلام الفقهاء في المقام، إذ على القول بعدم مالكيّة المملوك، يكون من البديهيّات عدم وجوبها عليه.

إذ لا معنى لوجوب زكاة مال على شخص آخر، سيّما و أنّه لا يملك أصلا، و من المحالات أن يعطي زكاة، لأنّ كل ما يضع يده فهو من ملك غيره، و كلّما يأخذ الفقير عنه كيف يصير مالكا له؟

و أيّ فرق بينه و بين الحيوانات و الجمادات في ذلك، على أنّه لو قالوا في المقام أنّ الفقير الذي لا يملك شيئا ليس عليه زكاة، فكلامهم في غاية الحزازة، مع أنّه قائل للمالكيّة، فما ظنّك بما لم يكن قائلا للمالكيّة أصلا، على أنّهم ذكروا من شرائط الوجوب مالكيّة النصاب البتّة، و إنّ من لا يملك ليس عليه زكاة أصلا، و هذا الشرط أغناهم عن ذكر المالكيّة بالبديهة، و الفقهاء حقّقوا الأمر في أنّ المملوك يملك أم لا؟ و هو يغني عمّا ذكر، سيّما و كلّهم يذكر عدم الزكاة عليه.

و القول بأنّ من ذكر ذلك يكون قائلا بعدم المالكيّة البتّة، و يكون هذا القول منحصرا فيهم يوجب زيادة الحزازة المذكورة، إذ من لا يملك مالا غير منحصر في المملوك، و اشتراط الملكيّة و اعتبارها، و كون الزكاة متفرّعا عليها من البديهيّات.

فكيف يقول: المملوك لا يجب عليه الزكاة و يسكت؟ و لا يشر إلى المنشأ؟

سيّما مع اشتراطهم على حدّة مالكيّة النصاب، و خصوصا إذا كان كلّهم يتّفقون على هذا.

فظهر من هذا: أنّ المملوكيّة من حيث هي هي مانعة عن التكليف بوجوب

____________

(1) مختلف الشيعة: 3/ 156.

26

..........

____________

الزكاة، سيّما بملاحظة العلّة المنصوصة و هي قوله (عليه السلام): «و لو احتاج لم يكن له من الزكاة شيء» (1).

و غير خفي؛ أنّه في مقام النكتة، لعدم الزكاة في ماله، و كذا ملاحظة قوله (عليه السلام):

«و لو كان له ألف ألف» (2)، إذ غير خفي عدم مناسبة ذلك كسابقه، لعدم قابليّة المملوك للمالكيّة، لو لم نقل بأنّهما يناسبان خلافه، و غير خفي مناسبتهما لخلافه.

و بالجملة؛ ما ذكره و أمثاله ممّا ظهر من الأخبار ينادي بما ذكرناه، مضافا إلى ما يظهر من الفقهاء، سيّما ما ذكروه في المكاتب ممّا ستعرف.

فاعلم! أنّه ذكروا أنّ المكاتب المشروط لا يجب عليه الزكاة، و كذا المطلق الذي لم يؤدّ شيئا من مال الكتابة.

و في «المدارك» أنّ ما ذكر هو المعروف من مذهب الأصحاب (3).

و في «الذخيرة» أيضا كذلك (4)، و أنّ في «التذكرة» أسنده إلى علمائنا، مؤذنا بدعوى الاتّفاق عليه (5).

و قال: احتجّوا على عدم الوجوب بما رواه الجمهور (6)، و برواية أبي البختري (7)، يعني اللتين ذكرناهما، و بأنّه ممنوع من التصرّف فيه إلّا بالاكتساب، و لا يكون ملكه تامّا.

____________

(1) وسائل الشيعة: 9/ 91 الحديث 11599.

(2) مرّ آنفا.

(3) مدارك الأحكام: 5/ 25.

(4) ذخيرة المعاد: 423.

(5) تذكرة الفقهاء: 5/ 17.

(6) السنن الكبرى للبيهقي: 4/ 109.

(7) الكافي: 3/ 542 الحديث 4، وسائل الشيعة: 9/ 92 الحديث 11601.

27

..........

____________

و استضعف هذه الحجج، و قال: الأجود الاستدلال بعموم الأخبار الدالّة على عدم وجوب الزكاة على المملوك.

ثمّ نقل ما ذكروه في المكاتب المطلق الذي أدّى شيئا من مال الكتابة، فيتحرّر منه بهذا القدر، بأنّه يجب عليه الزكاة في نصيبه إن بلغ نصابا، و استدلّ عليه بعموم ما دلّ على وجوب الزكاة الشامل له من غير معارض (1)، انتهى.

و عرفت اعتبار الروايات و انجبار ضعفها سيّما بفتاوى الأصحاب، حيث اعترف بأنّ المعروف من الأصحاب كذا موافقا للمدارك، بل الأمر كذلك، و هو قائل بحجيّة الرواية المنجبرة بالشهرة، فضلا عن كونه مذهب الأصحاب.

و أمّا استضعافه الحجّة الأخيرة، فلم يظهر وجهه، و لم يشر إليه أصلا، مع أنّه سيجيء أنّ التمكّن من التصرّف من جملة شرائط وجوب الزكاة، مع أنّ الفقهاء صرّحوا بأنّ العبد محجور، على القول بأنّه يملك، و أنّ المملوكيّة من أسباب الحجر شرعا. و سيجيء تمام الكلام عند ذكر اشتراط التمكّن من التصرّف.

و قال الصدوق في كتابه «العلل»: باب العلّة التي من أجلها لا يجب على مال المملوك، ثمّ روى صحيحة ابن سنان السابقة المتضمّنة لقوله (عليه السلام): «إنّه لم يصل».

إلى آخره (2).

و الدلالة واضحة على القول بأنّ المملوك يملك، لأنّ قوله (عليه السلام): «و ليس هو للمملوك» ليس كلاما مستأنفا و علّة، لعدم الزكاة على المملوك، إذ لو كان كذلك، لذكر عقيب قوله (عليه السلام): «لا» بل هو تتمّة على عدم الزكاة على السيّد.

فالمعنى: أنّ المال لم يصل إلى السيّد، و الحال أنّه ليس للملوك، يعني أنّه

____________

(1) ذخيرة المعاد: 423.

(2) علل الشرائع: 372 الحديث 1، وسائل الشيعة: 9/ 92 الحديث 11600.

28

..........

____________

وصل إلى السيّد، لأنّ يد مملوكه يده، إلّا أنّه ليس مثل سائر أمواله التي وصلته، بل مال غيره وصل إليه.

و أمّا على القول بعدم مالكيّته، فظاهر أيضا، لما عرفت، و لأنّ المملوك حينئذ ليس يده يد مالكيّة، فما في يده يكون من مولاه قطعا، فكيف يقول: «لم يصل إليه»؟

فظهر أنّ المراد أنّه لم يصل إليه، و هو فارغ عن كونه لمملوكه، فاللام لام الانتفاع و الاختصاص كالجلّ للفرس، و حاله حال المال المعدّ للضيافة، فهل للمضيف بعد ما هيّأه لأكل ضيافته (1)، و شروعهم في الأكل يمنعهم عن الأكل و يأكله هو، أو يطعم عياله أو غيرهما؟ فكذلك إذا قال للمملوك: مالي المعهود المخصوص مالك؟ فلا شكّ في أنّه يفرح به، و يطمئنّ بأنّه يتمتّع منه، و عينه؟ مادّة إليه.

ففي الرواية تنبيه للمولى على عدم أخذه من المملوك، فعلى هذا القول- على تقدير كون قوله (عليه السلام): «ليس للمملوك»، علّة لعدم الزكاة على المملوك- يكون المراد في قوله: «و لم يصل إلى السيّد»، أنّه لم ينتفع منه، و متعارف أنّه يعبّر عنه، فتدبّر! و في «الفقيه»، عن الحسن بن محبوب، عن إسحاق بن عمّار قال: قلت للصادق (عليه السلام): ما تقول في رجل يهب لعبده ألف درهم فيقول: حلّلني من ضربي إيّاك، و من كلّ ما كان منّي إليك و ممّا أخفتك [و أرهبتك] فيحلّله و يجعله في حلّ رغبة فيما أعطاه، ثمّ إنّ المولى بعد ما أصاب الدراهم التي أعطاه في موضع وضعها العبد فأخذها أ حلال؟ فقال: «لا يحلّ له، لأنّه افتدى نفسه من العبد مخافة

____________

(1) كذا في النسخ، و لعلّ الصواب: ضيوفه.

29

..........

____________

[العقوبة و] القصاص يوم القيامة».

فقلت: فعلى العبد أن يزكّيها إذا حال عليها الحول؟ قال: لا، إلّا أن يعمل له بها، و لا يعطي العبد من الزكاة شيئا (1).

أقول: و سيجيء حكم زكاة التجارة في ماله و مال الطفل و المجنون، و الرواية المذكورة رواها في «التهذيب» أيضا في الصحيح أو كالصحيح.

و أمّا ما ذكره من أنّه: إذا تحرّر منه شيء يجب الزكاة في نصيبه، من دون تفصيل بين أن يكون ذلك قليلا أو كثيرا، أو أنّ قليله هل هو في غاية القلّة أم لا؟

مع أنّ رأيه (رحمه اللّه) أنّه في صورة غاية القلّة لا يخرجه عن المملوكيّة المطلقة عرفا، كما عرفته مكرّرا، فإذا أدّى عشر درهم؛ واحد فيتحرّر بهذا القدر، فلا شبهة في صدق المملوك عليه عرفا، بحيث لا عبرة عندهم لهذا القدر الذي هو من غاية قلّته بمنزلة العدم، فيصير داخلا في المطلقات الواردة في الروايات، سيّما رواية أبي البختري و نحوها.

مع أنّ المكاتب غير منحصر في المشروط، و المطلق الذي لم يؤدّ شيئا، بل المطلق الذي أدّى بعضا ليس فردا نادرا من المكاتب، إلّا أن يقال: ماله الذي في مقابل حريّته، و بقدرها لا يصدق مال المكاتب، بل يصدق عليه مال الحر، و لا بدّ من التأمّل التامّ في ذلك.

و الأولى أن يقال: إنّ المطلق يحمل على الأفراد الشائعة، و المكاتب الذي يتحرّر بعضه و بعض الآخر مملوك، و لا بدّ من سعيه في تحريره أيضا، لا يكون له عادة مال يبلغ نصابا، و ذلك ظاهر.

____________

(1) من لا يحضره الفقيه: 3/ 146 الحديث 644، وسائل الشيعة: 18/ 256 الحديث 23621، تنبيه:

و المتن موافق للتهذيب، لاحظ! تهذيب الأحكام: 8/ 225 الحديث 808.

30

قوله: (المتمكّن من التصرّف).

____________

أقول: التمكّن منه شرط مقطوع به في كلام الأصحاب، بل في «التذكرة» أنّه قول علماؤنا أجمع (1).

و استدلّ عليه بصحيحة عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) قال: «لا صدقة على الدين و لا على المال الغائب عنك» (2).

و صحيحة ابراهيم بن أبي محمود عن الرضا (عليه السلام) عن الرجل يكون له الوديعة و الدين فلا يصل إليهما ثمّ يأخذهما، متى يجب عليه الزكاة؟ قال: «إذا أخذهما ثمّ يحول عليه الحول يزكّي» (3).

و موثّقة زرارة عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال في رجل ماله عنه غائب لا يقدر على أخذه، قال: «فلا زكاة عليه حتّى يخرج، فإذا خرج زكّاه لعام واحد، و إن كان يدعه متعمّدا و هو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكلّ ما مرّ به من السنين» (4).

و اعترض عليه في «المدارك»: بأنّ هذه الروايات إنّما تدلّ على سقوط الزكاة في المال الغائب الذي لا يقدر صاحبه على أخذه، لا على اعتبار التمكّن من التصرّف، فلا يتمّ الاستدلال على سقوط الزكاة في المبيع المشتمل على خيار البائع و نحو ذلك.

نعم؛ يمكن الاستدلال عليه بأنّه لو وجب الزكاة في النصاب مع عدم التمكّن من التصرّف فيه عقلا و شرعا، لزم وجوب الإخراج من غيره، و هو معلوم البطلان، فإنّ الزكاة إنّما تجب في العين، إلّا أنّ ذلك إنّما يقتضي التمكّن من التصرّف

____________

(1) تذكرة الفقهاء: 5/ 18.

(2) تهذيب الأحكام: 4/ 31 الحديث 78، وسائل الشيعة: 9/ 95 الحديث 11608.

(3) تهذيب الأحكام: 4/ 34 الحديث 88، وسائل الشيعة: 9/ 95 الحديث 11610.

(4) تهذيب الأحكام: 4/ 31 الحديث 77، وسائل الشيعة: 9/ 95 الحديث 11609.

31

..........

____________

وقت الوجوب، لا توقّف جريانه في الحول، و المسألة محلّ إشكال، و للنظر فيه مجال (1)، انتهى.

أقول: الإجماع الذي ذكره كاف في الدلالة قطعا، أمّا عنده؛ فلعلمه بدخول المعصوم (عليه السلام)، و كون الحكم المذكور منه على سبيل اليقين.

و أمّا عندنا، فلما ثبت في محلّه من حجيّة الإجماع المنقول، و أنّه ليس خبرا مرسلا، كما توهّم صاحب «المدارك»، لأنّ الناقل يدّعي حصول اليقين له، لا الظن من أخبار العدول، و هذا لا شبهة فيه، مع أنّ ناقل الإجماع ليس إلّا الفقيه، و ليس شغل غيره، كما لا يخفى.

مع أنّه من البديهيّات أنّ جلّ أخبارنا ليس من الحسيّات، لو لم نقل كلّها، سيّما بالنسبة إلينا، و أظهرنا وجهه مكرّرا، مع غاية ظهوره.

و أمّا الأخبار المذكورة فغير مختصّ دلالتها فيما ذكره، لأنّ صحيحة إبراهيم ليس فيها ذكر الغائبيّة، بل قوله: «ثمّ يأخذهما»، في غاية الظهور في عدم كون المانع هو الغيبة خاصّة، بل ظاهرها كون المانع غيرها، و هو أنّه لم يكن متمكّنا من الأخذ ثمّ تمكّن منه.

مع أنّ الظاهر أنّ الوديعة مثل الدين في عدم كون الوصول إليها، و ظاهر أنّ الدين عدم الوصول إليه ليس من جهة غيبة الرجل عنه، بل من جهة غيبته عن الرجل، بأن لم ينقل من المديون إليه.

مع أنّ الأنسب في الوديعة عدم كون مانع الوصول هو الغيبة، إلّا أن يكون مراد صاحب «المدارك» من الغائب؛ أعمّ من المعنى المعهود منه، و هو عدم قدرة صاحبه على أخذه، و إن كان الذي عنده حاضرا عنده، و غرضه منع الدلالة على

____________

(1) مدارك الأحكام: 5/ 33.

32

..........

____________

اعتبار التمكّن مطلقا، حتّى يجري في مثل البيع المشتمل على خيار البائع.

لكن على هذا نقول: مداره (رحمه اللّه) كغيره في «المدارك»، و غيره على الاستدلال بالأخبار التي هي أخصّ من المدّعى، بل لا يكاد يوجد موضع تكون الأخبار وافية بتمام ما اعتبر في مطلوب الفقهاء، و غيرهم من المتشرّعة، و الموجود كذلك قليل غاية القلّة، كما لا يخفى على من له أدنى فطانة.

و المدار في التعميم على عدم القول بالفصل غالبا، و ربّما يعمّم بانضمام أدلّة اخر، و كثيرا ما لا يشير في «المدارك» كغيره إلى المعمّم أصلا.

فعلى هذا نقول: لم يعتبر أحد خصوص القدرة على الأخذ، و لم يجعل أحد بخصوصه شرطا، فإذا ثبت اشتراطها، ثبت اشتراط التمكّن من التصرّف، لعدم قائل بالفصل، كما أنّه إذا ثبت وجوب غسل الثوب من أبوال ما لا يؤكل لحمه، ثبت وجوب غسل كلّ شيء يصلّى فيه، أو يؤكل أو يشرب فيه، إلى غير ذلك ممّا لا يحصى ممّا ذكره في «المدارك» كغيره.

و مع ذلك نقول: إذا كان المال للمالك بملكيّة تامّة شرعيّة يتصرّف فيه كيف شاء شرعا، و بمجرّد عروض عارض من الخارج يمنعه من التصرّف المذكور، من جهة عدم وصوله إليه، و إن كان يمكنه بعض التصرّفات شرعا، بل و غير واحد من التصرّفات كذلك، فبمجرّد عروض المانع الخارجي عن بعض تصرّفاته في أثناء الحول يسقط عنه الزكاة، حتّى يتمكّن من جميع التصرّفات في مجموع الحول، فسقوط الزكاة من جهة عدم تماميّة ملكه المانع عن جميع التصرّفات شرعا بطريق أولى، و ستعرف مشروحا عدم تماميّة الملك شرعا المعتبر في المقام.

و اعلم! أنّ الأخبار غير منحصرة فيما ذكره، و اكتفاء العلّامة به اتّكالا على ما ذكره هو و غيره في موضعه، مثل المال المفقود و غير ذلك، و العادة أنّهم يذكرون.

33

..........

____________

مثل ما رواه الكليني في الصحيح عن سدير الممدوح أنّه قال للباقر (عليه السلام): ما تقول في رجل كان له مال [فانطلق به] فدفنه في موضع فلمّا حال عليه الحول ذهب ليخرجه من الموضع فاحتفر الموضع الذي ظنّ أنّ المال فيه مدفون فلم يصبه، فمكث بعد ذلك ثلاث سنين، ثمّ إنّه احتفر الموضع من جوانبه كلّه فوقع على المال بعينه، كيف يزكّيه؟ قال: «يزكّيه لسنة واحدة، لأنّه كان غائبا عنه و إن كان احتبسه» (1).

و في «الكافي» أيضا في كالصحيح، عن رفاعة، عن الصادق (عليه السلام): عن الرجل يغيب عنه ماله خمس سنين ثمّ يأتيه فلا يرد رأس المال، كم يزكّيه؟ قال:

«سنة واحدة» (2).

و في «التهذيب» في الموثّق كالصحيح عن زرارة، عن الصادق (عليه السلام): في رجل ماله عنه غائب لا يقدر على أخذه، قال: «فلا زكاة عليه حتّى يخرج، فإذا خرج زكّاه لعام واحد، و إن كان يدعه متعمّدا و هو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكلّ ما مرّ به من السنين» (3).

و في «الكافي» بسنده عن عمر بن يزيد عن الصادق (عليه السلام) قال: «ليس في الدين زكاة إلّا أن يكون صاحب الدين هو الذي يؤخّره، فإن كان لا يقدر على أخذه فليس عليه زكاة حتّى يقبضه» (4).

و في الموثّق كالصحيح إلى ميسرة عن عبد العزيز عنه (عليه السلام) مثله (5).

____________

(1) الكافي: 3/ 519 الحديث 1، وسائل الشيعة: 9/ 93 الحديث 11603.

(2) الكافي: 3/ 519 الحديث 2، وسائل الشيعة: 9/ 94 الحديث 11606.

(3) تهذيب الأحكام: 4/ 31 الحديث 77، وسائل الشيعة: 9/ 95 الحديث 11609.

(4) الكافي: 3/ 519 الحديث 3، وسائل الشيعة: 9/ 97 الحديث 11616.

(5) تهذيب الأحكام: 4/ 32 الحديث 82، وسائل الشيعة: 9/ 96 الحديث 11614.

34

..........

____________

و في الصحيح عن صفوان، عن إسحاق بن عمّار أنّه سأل الكاظم (عليه السلام) الدين عليه زكاة؟ قال: «لا، حتّى يقبضه»، قلت: فإذا قبضه أ يزكّيه؟ قال: «لا، حتّى يحول عليه الحول في يده» (1).

و في السند المذكور أيضا عنه (عليه السلام): عن الرجل يكون له الولد فيغيب بعض ولده فلا يدري أين هو و مات الرجل، كيف يصنع بميراث الغائب [من أبيه]؟

قال: «يعزل حتّى يجيء»، فقلت: فعلى ماله زكاة؟ قال: «لا، حتّى يجيء»، قلت:

فإذا [هو] جاء أ يزكّيه؟ قال: «لا، حتّى يحول عليه الحول» (2).

و في كالصحيح عنه (عليه السلام) مثله، و في آخره: «حتّى يحول الحول و هو عنده» (3).

و في الصحيح، عن صفوان عنه، عن الكاظم (عليه السلام): عن رجل خلّف عند أهله نفقة [ألفين] لسنين، عليها زكاة؟ فقال: «إن كان شاهدا فعليه زكاة، و إن كان غائبا فليس عليه زكاة» (4).

و في كصحيحة أبي بصير عنه (عليه السلام) مثله (5).

و في صحيحة ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن الصادق (عليه السلام): عن رجل وضع لعياله ألف درهم نفقة فحال عليها الحول، قال: «إن كان مقيما زكّاه، و إن كان غائبا لم يزكّه» (6). إلى غير ذلك من الأخبار، و سنذكر بعضها عند ذكر اشتراط حول الحول.

____________

(1) تهذيب الأحكام: 4/ 34 الحديث 87، وسائل الشيعة: 9/ 96 الحديث 11612.

(2) الكافي: 3/ 524 الحديث 1، وسائل الشيعة: 9/ 93 الحديث 11604.

(3) الكافي: 3/ 527 الحديث 5، وسائل الشيعة: 9/ 94 الحديث 11605.

(4) تهذيب الأحكام: 4/ 99 الحديث 279، وسائل الشيعة: 9/ 172 الحديث 11767.

(5) من لا يحضره الفقيه: 2/ 15 الحديث 43، وسائل الشيعة: 9/ 173 الحديث 11769.

(6) الكافي: 3/ 544 الحديث 2؛ وسائل الشيعة: 9/ 173 الحديث 11768.

35

..........

____________

على أنّا نقول: مراد العلّامة و جماعة من الأصحاب أنّ الملكيّة إذا تمّت يشترط التمكّن من التصرّف أيضا بعد تماميّة الملك.

و صرّحوا بأنّ تماميّة الملك شرط آخر بعد اشتراط الملكيّة، ثمّ بعدهما التمكّن من التصرّف (1).

فعلى هذا لا يتوجّه عليه و لا على غيره، ما أورده من سقوط الزكاة في المبيع المشتمل على خيار، لأنّ الملكيّة حينئذ ناقصة، لا أنّ بعد تماميّتها سقوط الزكاة فيه، من جهة عدم التمكّن من التصرّف.

مع أنّه (رحمه اللّه) عند ذكرهم اشتراط تماميّة الملك، اعترض عليهم بأنّهم إن أرادوا عدم تزلزل الملك- كما ذكره بعض المحقّقين- لم يتفرّع عليه جريان المبيع المشتمل على خيار في الحول من حين العقد، و لا جريان الموهوب فيه بعد القبض، فإنّ الهبة قد يلحقها مقتضيّات كثيرة توجب فسخها بعد القبض من قبل الواهب.

و إن أرادوا كون المالك متمكّنا من التصرّف في النصاب- كما أومأ عليه في «المعتبر» (2)- لم يستقم أيضا، لعدم ملائمته للتفريع، و لتصريح المصنّف بعد ذلك، باشتراط التمكّن من التصرّف.

و إن أرادوا به حصول تمام السبب المقتضي للملك- كما ذكره بعضهم- لم يكن فيه زيادة على اعتبار الملك (3) انتهى.

و اعترض في «الذخيرة» أيضا بعين هذا الاعتراض (4).

و لا يخفى فسادهما، لأنّ التمكّن من التصرّف ربّما ينتفي من جهة عدم تماميّة

____________

(1) نهاية الإحكام: 2/ 302 و 303، مدارك الأحكام: 5/ 25 و 26 و 32، ذخيرة المعاد: 420.

(2) المعتبر: 2/ 490.

(3) مدارك الأحكام: 5/ 26.

(4) ذخيرة المعاد: 423.

36

..........

____________

الملك، و ربّما ينتفي مع تماميّته، و الثاني مثل المال المفقود و المغصوب و الغائب الذي لا يقدر على الأخذ و التصرّف، مثل ما ورد في الأحاديث المذكورة، إذ لا شكّ في أنّ الملكيّة تامّة غير متوقّفة على مكمّل لها، و العوارض الخارجة صارت مانعة من التمكّن، و الأوّل مثل الغنيمة قبل القسمة، فإنّها حينئذ ليست بلا مالك جزما، و مالكها ليس سواهم البتة إن تلفت فمنهم، و إن أثمرت فلهم.

و لكن الملكيّة ناقصة كما صرّح به في «النهاية» و «التذكرة» (1).

و قال: و لا يجري [الغنيمة] في الحول إلّا بعد القسمة، سواء كانت جنسا واحدا، أو أجناسا مختلفة، لأنّ الغانمين و إن ملكوها باختيار التملّك، إلّا أنّ ملكهم في غاية الضعف، و لذا يسقط بمجرّد الإعراض، و للإمام أن يقسّمها بينهم قسمة تحكّم، فيخصّ بعضهم ببعض الأنواع، و بعض الأعيان، و لا يجوز هذا في سائر الأموال المشتركة (2)، انتهى.

أقول: و مثلها المبيع في زمان خيار البائع و غيره ممّا ستعرف، و أشرنا إليه في حاشيتنا على «الذخيرة» (3).

و من ذلك النصاب المملوك الذي نذر أن يتصدّق به، و النذر في أثناء حول ذلك النصاب، إذ خرج به عن تماميّة الملك، لأنّه يجب عليه الوفاء بنذره، و هو أن يتصدّق به بعد نذره، و لا صدقة إلّا في ملك، و لم يصير بمجرّد هذا النذر صدقة خارجة عن ملكه، كما اعترف به في «المدارك» (4).

ثمّ نقول: التزلزل على أقسام:

____________

(1) نهاية الإحكام: 2/ 306 و 307، تذكرة الفقهاء: 5/ 32 المسألة 22.

(2) ذخيرة المعاد: 423.

(3) مخطوط.

(4) مدارك الأحكام: 5/ 31.

37

..........

____________

قسم: فرع تماميّة الملك، مثل أن يكون خيار الفسخ لخصوص المشتري، فإنّ ملكيّته تامّة إن شاء أن يفسخ، و فسخه فرع تماميّة ملكه، و لا نقص أصلا في تملّكه و سلطانه عليه.

و قسم آخر: فرع نقص الملك، مثل أن يكون الخيار من طرف البائع، فإنّ ملكيّة المشتري حينئذ ناقصة، و لذا يتسلّط البائع على فسخ ملكه قهرا عليه، و إن كان منافع هذا المبيع للمشتري، لانتقاله إليه، بمجرّد العقد، كما هو المشهور.

لكن؛ لا يمكن المشتري أن يبدّله ببيع، أو غيره من النواقل، و من ذلك لا يمكنه إعطاء بعضه للغير بعنوان الزكاة أو غيرها بالبديهة، كما أنّه لا يمكنه ردّ فسخ البائع فإنّ علاقة البائع بعد باقية لم ينقطع.

و أمّا الهبة بعد القبض و نحوها؛ فالمالك يتمكّن من جميع التصرّفات حتّى الإتلاف فملكه تامّ، و إن كان لو اتّفق بقاؤه على حاله، للواهب الرجوع إلى عينه حينئذ، و أمّا قبل القبض فكالموصي به قبل القبول. و صرّح المحقّق الشيخ علي بأنّ القبول إن كان ناقلا فهو شرط نفس الملكيّة، و إن كان كاشفا فشرط تماميّة الملك (1).

فالقبض شرط نفس الملك على القول بأنّه شرط الصحّة، و شرط تماميّته على القول بكونه شرط في اللزوم، إذ ليس معناه أنّ بمجرّد الهبة ينتقل الموهوب إلى المتّهب، إذ الهبة من العقود الجائزة قطعا، و ليس القبض من ملزماتها جزما، إذ بعد القبض يجوز عند الكلّ رجوع الواهب، إلّا المواضع الخاصّة التي ذكروها و عيّنوها.

و لم يجعل أحد ممّن له فهم مجرّد القبض من الملزمات بلا شكّ و لا شبهة، و لا

____________

(1) لم نعثر عليه في مظانّه.

38

..........

____________

يخفى على من له أدنى درية.

و صرّح المحقّقون؛ بأنّ مرادهم من كون القبض شرطا في اللزوم في الهبة، ليس المعنى المعروف، لما عرفت من وجهه، بل قالوا: معناه أنّ العقد يوجب ملكيّة مراعاة بتحقّق (1) القبض، فإن تحقّق يثمر من حين العقد (2).

و صرّحوا أيضا؛ بأنّ الإجماع واقع على أنّه ما لم يتحقّق القبض لا يتحقّق الثمر عند الكلّ، فجعلوا لمحلّ النزاع ثمرات خاصّة، و لم يجعل أحد كون الثمرة أنّ بمجرّد العقد تتحقّق الملكيّة التامّة.

غاية الأمر؛ أنّه يجوز أن يفسخ، و أنّه إلى حين الفسخ كان ملكا تامّا للمتهب، و أنّ القبض رفع جواز الفسخ، فتكون الهبة حينئذ من العقود اللازمة، إذ لا شكّ في كونه فاسدا.

و أثبتنا مرادهم في حاشيتنا على «الوافي» (3) و «المفاتيح» في كتاب الهبة (4)، و كذا على «الكفاية» (5)، فليلاحظ! و بالجملة؛ الملكيّة الناقصة في غاية الظهور و الكثرة و الوفور، و منها الأرض المفتوحة عنوة، و منها الوقف على البطون أو المسلمين، إلى غير ذلك.

فإن قلت: الملكيّة الناقصة ليست ملكيّة حقيقة.

قلت: هم صرّحوا بأنّها ملكيّة إلّا أنّها ناقصة، و صرّحوا بآثار الناقصة و ثمراتها، فلاحظ! ما ذكرناه في الحواشي المذكورة، إن لم يمكنك الفهم من كلماتهم.

و من هذا صرّحوا في المقام باشتراط تماميّة الملك بعد اشتراط الملكيّة،

____________

(1) بعض النسخ: مراعاة بتمام تحقق.

(2) المبسوط: 3/ 303، المهذب: 2/ 95، الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 378، مختلف الشيعة: 6/ 270.

(3) مخطوط.

(4) مخطوط.

(5) مخطوط.

39

..........

____________

و فرّعوا على ذلك جريان الموهوب في الحول بعد القبض، و أمثال ذلك.

و هم ربّما يجمعون بين الشرطين و يفرّعون عليهما، فربّما يكون شيء فرع نفس الملكيّة، مثل المبيع بالخيار يجعلون ابتداء الحول فيه بمجرّد العقد على المشهور لا على رأي الشيخ، و ربّما يفرّعون على التماميّة، مثل ما أشرنا من الغنيمة قبل القسمة و نحوها.

و يظهر منهم أيضا: أنّ خيار الحيوان الذي هو لخصوص المشتري بأصل الشرع في غاية الظهور، و عدم منافاته للملكيّة، بل و كونه فرع الملكيّة كما أشرنا، بخلاف مثل خيار البائع، إذ فيه خفاء و إشكال، و إن كان الأقوى عند المشهور انتقال الملك بمجرّد العقد.

فاندفع ما أورد على المحقّق من بنائه على انتقال الملك في الثاني دون الأوّل، مع وقوع الخلاف فيهما جميعا (1)، و المحقّق الشيخ علي (رحمه اللّه)، صرّح بأنّ العقد في الثاني يوجب الملكيّة لإتمام الملكيّة، بل تمامها بانقضاء مدّة الخيار (2).

و لعلّه الظاهر من غيره أيضا، كما هو ظاهر، كما عرفت، و ربّما يبنون على الآراء، فلاحظ و تأمّل! و ممّا ينادي إلى ما ذكرناه أنّه في بعض كتبهم يجعلون التمكّن من التّصرف أعمّ من القسمين الذين ذكرتهما، فلا يذكرون حينئذ اشتراط تماميّة الملك، بل يكتفون بذكر اشتراط الملكيّة، كما فعله في «اللمعة» (3) و المحقّق في «المعتبر» و «المختصر» (4) و غيره.

____________

(1) مدارك الأحكام: 5/ 26.

(2) رسائل المحقق الكركي: 2/ 174.

(3) اللمعة الدمشقيّة: 41، للتوسّع لاحظ! الروضة البهية: 2/ 13.

(4) المعتبر: 2/ 490، المختصر النافع: 53.

40

..........

____________

و ربّما يجعلون القسمين داخلين في تماميّة الملك، كما فعله في «القواعد» (1).

و ربّما يجعلون القسم الذي عدم التمكّن فيه، من جهة عدم تماميّة الملك قسما على حدة، و يفرّعونه على اشتراط تماميّة الملك.

و القسم الآخر يفرّعونه على اشتراط التمكّن من التصرّف، و يشترطون الشرطين جميعا تنبيها و تحقيقا و إظهارا، لكون كلّ واحد منهما معتبرا بنفسه شرعا على حدّه، كما فعلوه في معظم كتبهم، و عدم تماميّة الملك ربّما يصير منشأ لعدم التمكّن من التصرّف مطلقا، كما في الغنيمة قبل القسمة و نحوها.

و ربّما يصير منشأ لعدم التمكّن من التبديل و نحوه خاصّة، و هو أيضا موجب لعدم الزكاة كما عرفت، و مسلّم عند صاحب «المدارك» و «الذخيرة» (2).

و تماميّة الملك ربّما يجتمع مع خيار غير المالك على الفسخ، كما في الهبة بعد القبض، و عرفت أنّه لا ينافي التماميّة، و ربّما لا يجتمع، و هو ظاهر، و كلّ منهما يجتمع مع عدم التمكّن من التصرّف المسقط للزكاة، و مع التمكّن الموجب لها.

فإن قلت: تماميّة الملك من أين ثبتت كونها شرطا في مجموع الحول؟ و إن ثبتت كونها شرطا وقت وجوب الزكاة، بناء على ما ذكره صاحب المدارك، و اعترف به من كون الزكاة متعلّقة بالعين، و أنّه هو حق أيضا، لأنّه الظاهر من الأخبار و الفتاوى كما سيجيء.

حتّى أنّ الانتقال إلى العوض، و جواز إعطاء القيمة يتوقّف على دليل من الشرع، و أنّه على القدر، و النحو الذي ثبت من دليل كما سيجيء. فلو لم يكن شرطا فيه، لزم وجوب إعطاء الزكاة من غير ذلك المال، و عدم جواز الإعطاء من

____________

(1) قواعد الأحكام: 51.

(2) مدارك الأحكام: 5/ 29، ذخيرة المعاد: 424.

41

..........

____________

نفسه، و أنّه باطل قطعا كما قال في «المدارك» (1)، لكنّه استشكل في اشتراطها طول الحول، فمن أيّ دليل يثبت و يرتفع إشكاله.

قلت: قد عرفت الإجماع الذي ذكره في «التذكرة» (2)، و ما ذكرنا سابقا في المقام، و ما ظهر سابقا من أنّ الشرائط المذكورة كلّها شرط طول الحول، سيّما شرط الملكيّة كما سيجيء، و يظهر لك من الإجماع و الأخبار، لأنّ المتبادر منه الملكيّة التامّة.

مع أنّا نقول: عرفت انحصار زكاة غير الغلّات الأربعة فيما يتعلّق بالعين ليس إلّا كما اعترف به، و سيجيء إنّ حول الحول شرط في جميعه قطعا، و مقتضى الأخبار و الأدلّة الدالّة على ذلك، أنّه متى حال الحول تعلّق الوجوب من دون توقّف على شرط آخر حينئذ.

مثل قولهم (عليهم السلام) في الصحاح: «إذا حال عليها الحول فليزكّها» (3).

و قولهم (عليهم السلام): «إذا حال عليه الحول ففيه الزكاة» (4).

و قولهم (عليهم السلام): «إذا حال عليه الحول وجب عليه» (5).

و قولهم (عليهم السلام): «نعم» في جواب سؤال زرارة أتى على الدراهم مع الدرهم حول، أ عليه زكاة (6)؟

و قولهم (عليهم السلام): «حين رأى الهلال الثاني عشر وجبت عليه الزكاة» (7)،

____________

(1) مدارك الأحكام: 5/ 33.

(2) تذكرة الفقهاء: 5/ 18.

(3) الكافي: 3/ 525 الحديث 2، وسائل الشيعة: 9/ 305 الحديث 12803 مع اختلاف يسير.

(4) تهذيب الأحكام: 4/ 12 الحديث 33، وسائل الشيعة: 9/ 170 الحديث 11761.

(5) تهذيب الأحكام: 4/ 41 الحديث 103، وسائل الشيعة: 9/ 121 الحديث 11661.

(6) الكافي: 3/ 525 الحديث 4، وسائل الشيعة: 9/ 152 الحديث 11721.

(7) تهذيب الأحكام: 4/ 35 الحديث 92، وسائل الشيعة: 10/ 134 الحديث 13039.

42

..........

____________

و أمثال ما ذكره من العبارات و أصرح منها.

مع عدم استفصال و لا تفصيل مطلقا، فيلزم من ذلك عدم وجوب الزكاة فيما نقص ملكيّته في الحول، أو عدم اشتراط حول الحول فيه.

و أيضا؛ الظاهر من الأخبار أنّ المال قابل لتعلّق الزكاة به صالح له، إلّا أنّه لا يجب فيه حتّى يحول عليه.

على أنّا نقول: إذا تمّ الحول و هو ناقص الملكيّة، فلا شكّ في عدم وجوب الزكاة، إذ لا معنى لوجوب الإعطاء من غير ذلك المال، فلا جرم يشترط أن يكون قدرا من الحول، و إن كان قليلا تامّ الملكيّة.

فيلزم من هذا تحقّق شرط آخر زائد على ما ذكره الفقهاء، و ما ظهر من الأخبار، و هو تماميّة الملك في قليل من الحول الذي كان مجرّد الملكيّة، أي أعمّ من الناقصة شرطا فيه بأجمعه، أي من أوّله إلى آخره، فإنّ مجموع الأخبار في حول الحول في ملك المكلّف على نسق واحد و سياق متّحد، من دون إشارة إلى الملكيّتين، و أنّ إحداهما شرط في مجموع الحول، و الاخرى في آخره متّصلا بوقت الوجوب.

فإن حملنا الكلّ على ما هو التامّ، كما أفتى به الأعلام و فهموه، مع غاية استقامة سلائقهم و فهمهم، و نهاية خبرتهم و مهارتهم، ثبت ما أفتى به في «التذكرة» و غيره، و غيره في غيره (1)، و لم يبق وجه للإشكال.

و إن حملنا الكلّ على ما هو أعم من التامّ، لزم ما ألزمناه عليه من المفاسد الواضحة، و منها؛ أنّهم كيف قالوا بمجرّد حول الحول وجب الزكاة؟ و أمثاله من العبارات الواضحة في الأخبار المتكاثرة، بل المتواترة. مع أنّ الزكاة لا تتعلّق إلّا

____________

(1) تذكرة الفقهاء: 5/ 18، منتهى المطلب: 1/ 475 ط. ق، المعتبر: 2/ 504 و 492.

43

..........

____________

بالعين، كما عرفت و مسلّم، و إن بنى على أنّ ما دلّ على الوجوب بمجرّد حول الحول وارد في الملكيّة التامّة من دون اعتبار الشرطيّة.

ففيه: أنّ هذه الأخبار أيضا صريحة في الشرطيّة، حيث قالوا (عليهم السلام): لا زكاة حتّى يحول الحول (1)، و لا يجب حتّى يدخل الثاني عشر، فإذا حال فزكّه، و إذا دخل الثاني عشر وجب (2)، و غير ما ذكر من العبارات الواضحة الصريحة، فثبت اشتراط التامّة.

هذا كلّه؛ مضافا إلى الاعتراضات الاخر التي عرفت، و منها أنّهم (عليهم السلام) كيف لم يتعرّض واحد منهم للتفصيل المذكور؟ و كذا لم يتعرّض أحد من الفقهاء له؟

مع أنّا نقول: توهّم وجوب الزكاة على من تمّ ملكه آخر الحول متّصلا بوقت الوجوب، بشرط حول الحول في ملكيّته الناقصة من أيّ عموم و أيّ دليل، بعد ما لم يكن منه عين و لا أثر في الأخبار، و لا الإجماع و لا غيرهما؟ مع أنّ بيانه واجب و مهمّ، بل و أهم ثمّ أهم، لو كان الأمر على ما توهّم، فاتّضح بما ذكرناه من أنّ التمكّن من التصرّف بقسميه شرط في وجوب الزكاة.

و ممّا ذكر في المقام؛ اتّضح أيضا ما ذكرته من اشتراط التكليف طول الحول، فلو كان صبيّا أو مجنونا في بعض الحول سقط التكليف، و لا بدّ من استيناف الحول من حين البلوغ و رفع الجنون، فإن جنّ أيضا بطل الحول، و لا بدّ من استينافه بعد رفعه حتّى يتمّ الحول و هو غير مجنون، حتّى يجب عليه الزكاة بنحو ما استدللنا في المقام و قرّرنا.

بل نقول: إذا كان الغاصب- مثلا- منع من تصرّفه عدوانا في أثناء الحول،

____________

(1) الكافي: 3/ 525 الحديث 2، وسائل الشيعة: 9/ 169 الحديث 11757 مع اختلاف يسير.

(2) وسائل الشيعة: 9/ 163 الحديث 11749.

44

..........

____________

سقط عنه وجوب الزكاة حتّى يتمكّن من التصرّف، و يحول عليه الحول و هو متمكّن عنه.

و كذا إذا فقد ماله و ضاع بسبب الدفن و نحوه، مع أنّ صاحبه متمكّن من بعض التصرّفات مثل البيع و غيره، إذا رضى المشتري به، و هو عند الغاصب- مثلا- و غير ذلك. و مع ذلك سقط الحول فسقط به الزكاة، حتّى يعود التمكّن التام، و يحول عليه الحول، فما ظنّك بحجر الشارع الصبي و المجنون، و منعهما من التصرّف مطلقا، و عدم تمكّنهما من جميع أقسام التصرّف أصلا و رأسا، مع عدم عقلهما و كمالهما، و المغصوب منه- مثلا- عاقل كامل.

فإذا كان عدم التمكّن الجزئي من الغاصب، مع كمال المكلّف يصير سببا لعدم الزكاة عليه، فكيف عدم التمكّن الكلّ من جهة الشرع و العقل مع عدم العقل، لا يصير سببا لعدم الزكاة؟ و موجبا لاستيناف الحول عند زوالهما.

ثمّ اعلم! أنّ عدم التمكّن من التصرّف إذا كان من جهة عدم تماميّة الملك، لم يتوجّه إليه شيء من الإشكالات المتوجّهة إلى عدم التمكّن من التصرّف، إذا كان من عروض العوارض الخارجة، مثل أنّ الغاصب- مثلا- ربّما كان غصبه ساعة، و كذا ما ضاع منه و ضلّ في دفنه، بأنّه وجده بعد ساعة، كما أنّ الغاصب رفع اليد بعد ساعة، و قس على الساعة ما هو أقلّ منها، أو أزيد بقليل.

و كذا قس على الغصب و الضياع ما هو مثلهما، مثل أن يكون قفل صندوقه عصى عليه في انفتاحه، أو أمينه له شغل حتّى يفرغ عنه و يسلّم أمانته إلى غير ذلك.

و يمكن رفع الإشكال بالرجوع إلى العرف، بالنسبة إلى ألفاظ الأحاديث الواردة في اعتبار هذا التمكّن من التصرّف، و قد ذكرنا تلك الأحاديث.

لكن الظاهر؛ أنّه ربّما لا يرتفع الإشكال من ملاحظة العرف أيضا، و أشكل

45

..........

____________

ممّا ذكر ما لو كان التمكّن متوقّفا على يمينه، و يريد أن لا يحلف، لما ورد من مدح عدم الحلف و حسنه (1).

و مثله ما لو لم يعجبه الدعوى، لما وجد من حسن عدم الدعوى، كما صدر عنهم (عليهم السلام) (2).

قال في «الذخيرة»: إنّما تسقط الزكاة في المغصوب إذا لم يمكنه تخليصه و لو ببعضه، و يجب فيما زاد عن الفداء.

و استدلّ عليه بموثّقة ابن بكير، عمّن رواه، عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال في رجل ماله عنه غائب لا يقدر على أخذه: «فلا زكاة عليه حتّى يخرج، فإذا خرج زكّاه لعام واحد، و إن كان يدعه متعمّدا و هو يقدر على أخذه، فعليه الزكاة لكلّ ما مرّ به من السنين» (3) (4)، انتهى.

أقول: فيما ذكره تأمّل، لكونه خلاف ظاهر الأخبار و الفتاوى.

أمّا الفتاوى؛ فإنّ الفقهاء ذكروا أنّ المال المغصوب لا زكاة فيه على المالك و غيره.

و أمّا الأخبار؛ فلأنّ الظاهر منها عدم الزكاة في مثله حتّى يقع في يده.

و الظاهر من الموثّقة هو القدرة على الأخذ و المال بحاله، لا أن يرفع اليد عن بعضه و يضيّعه على نفسه، إلّا أنّه يكون أولى من تضييع الكلّ عليه عقلا و شرعا، حالا و عاقبة.

و اعلم! أيضا أنّ يد الوكيل عند الفقهاء يد الموكّل فيجب الزكاة فيه، إذا كان

____________

(1) لاحظ! وسائل الشيعة: 23/ 197 الباب 1 من كتاب الأيمان.

(2) وسائل الشيعة: 27/ 291 الباب 24 من أبواب كيفية الحكم.

(3) تهذيب الأحكام: 4/ 31 الحديث 77، وسائل الشيعة: 9/ 95 الحديث 11609 مع اختلاف يسير.

(4) ذخيرة المعاد: 424.

46

..........

____________

في يده، و ربّما لم يكن في يدهما، و مع ذلك متمكّن من التصرّف فيه ففيه الزكاة، كما أنّه ربّما كان عندهما، و لم يتمكّن من التصرّف فيه، فلا زكاة عليه، و اللّه يعلم، فتأمّل جدّا! قوله: (المسكوكين).

أي بسكّة المعاملة بالفعل، أو ما كان يتعامل به في سالف الزمان، و إن لم يتعامل الآن، هذا قول علمائنا أجمع، كما ادّعاه في «المدارك» و «الذخيرة» (1) و نسبا المخالفة فيه إلى خصوص العامّة، فأوجبوا الزكاة في غير المنقوش إذا كان نقارا.

و يدلّ عليه صحيح علي بن يقطين عن الكاظم (عليه السلام) أنّه قال له: يجتمع عندي الشيء الكثير قيمته فيبقى نحوا من سنة أ نزكّيه؟ فقال: «لا، كلّ ما لم يحل عندك عليه حول فليس عليك فيه زكاة، و كلّ ما لم يكن ركازا فليس عليك فيه شيء»، قال: قلت: و ما الركاز؟ قال: «الصامت المنقوش، ثمّ قال: إذا أردت [ذلك] فأسبكه، فإنّه ليس في سبائك الذهب و نقار الفضّة زكاة» (2).

و في الموثّق كالصحيح، عن جميل عن الصادق و الكاظم (عليهما السلام) أنّهما قالا:

«ليس على التبر زكاة إنّما هي على الدراهم و الدنانير» (3). إلى غير ذلك من الأخبار الدالّة على عدم الزكاة في النقار و السبائك و التبر.

و ممّا ذكر ظهر: أنّ المراد من السكّة؛ سكّة المعاملة، و دليل ذلك أيضا.

و لو جرت المعاملة بالسبائك من غير نقش المعاملة فليس فيه زكاة.

____________

(1) مدارك الأحكام: 5/ 115، ذخيرة المعاد: 439.

(2) تهذيب الأحكام: 4/ 8 الحديث 19، وسائل الشيعة: 9/ 154 الحديث 11725.

(3) الاستبصار: 2/ 7 الحديث 16، وسائل الشيعة: 9/ 156 الحديث 11728.

47

..........

____________

و في «المدارك»: إنّ الأصحاب قطعوا بذلك و استحسنه (1).

و في «الذخيرة» أيضا نسبه إلى الأصحاب، و قال: و يدلّ عليه عموم الأدلّة (2).

أقول: غير خفيّ أنّ هذا الشرط شرط طول الحول، فيمكن للمناقش أن يناقش صاحب «المدارك» و صاحب «الذخيرة» قريبا من مناقشاتهما في التكليف، و التمكّن من التصرّف طول الحول، فتأمّل جدّا! ثمّ اعلم! أنّ المشهور عند الأصحاب عدم وجوب الزكاة إلّا في التسعة التي ذكرها المصنّف، و الأخبار في ذلك متواترة (3)، و سيجيء الخلاف عن بعض، و سنذكر الأخبار و ما عارضها هناك، إثباتا لمذهب المشهور، و النصاب أيضا شرط في النقدين، و في غيرهما من التسعة، و سنذكره، و كذلك الحول فيهما و في غيرهما من التسعة سوى الغلات.

قوله: (و الإبل و البقر و الغنم السائمة).

أقول: وجوب الزكاة في الحيوانات الثلاث بشرط السوم إجماعي، لو لم نقل بديهي.

و نقل في «المعتبر»: إنّ اشتراط السوم فيه قول العلماء كافّة إلّا مالكا (4)، و في «التذكرة» أنّه قول علمائنا أجمع (5)، و في «التحرير» أيضا (6)، و في «المدارك» أيضا

____________

(1) مدارك الأحكام: 5/ 116.

(2) ذخيرة المعاد: 439.

(3) لاحظ! وسائل الشيعة: 9/ 53 الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة.

(4) المعتبر: 2/ 505 و 506.

(5) تذكرة الفقهاء: 5/ 46.

(6) تحرير الأحكام: 60.

48

..........

____________

ادّعى الإجماع (1).

و في «الذخيرة» قال: لا أعرف خلافا بين الأصحاب فيه (2).

و يدلّ عليه من الأخبار صحيحة الفضلاء عن الباقر (عليه السلام) و الصادق (عليه السلام) قالا:

«ليس على العوامل من الإبل و البقر شيء، إنّما الصدقات على السائمة الراعيّة، و كلّ ما لم يحل عليه الحول عند ربّه فلا شيء فيه [عليه]، فإذا حال عليه الحول وجب عليه» (3).

و في حسنة الفضلاء- التي سنذكر في نصاب الإبل- «و ليس في العوامل شيء و إنّما ذلك على السائمة الراعيّة» (4).

و يدلّ عليه حسنة زرارة و غيرها- ممّا سنذكر أو لم نذكر- و إذا كان سومها طول الحول فلا كلام.

و أمّا إذا لم يكن كذلك فاختلف الأصحاب فيه، فعن الشيخ أنّه قال: باعتبار الأغلب (5)، و عن ابن ادريس و المحقّق استمراره طول الحول، و أنّه تزول بالعلف اليسير (6).

و عن «التحرير» و «التذكرة» اعتبار الاسم عرفا، فإن بقي عليها اسم السوم وجبت و إلّا سقطت (7).

____________

(1) مدارك الأحكام: 5/ 67.

(2) ذخيرة المعاد: 432.

(3) تهذيب الأحكام: 4/ 41 الحديث 103، الاستبصار: 2/ 23 الحديث 65، وسائل الشيعة: 9/ 120 الحديث 11657، 121 الحديث 11661.

(4) الكافي: 3/ 531 الحديث 1، وسائل الشيعة: 9/ 118 الحديث 11653 مع اختلاف يسير.

(5) المبسوط: 1/ 198، الخلاف: 2/ 53 المسألة 62.

(6) السرائر: 1/ 435، المعتبر: 2/ 507.

(7) تحرير الأحكام: 60، تذكرة الفقهاء: 5/ 48.

49

..........

____________

و عن «نهايته» سقوطها بعلف اليوم و عدم اعتبار اللحظة (1).

و في «الدروس» قال: و لا عبرة باللحظة، و في اليوم في السنة، بل في المشهور تردّد أقربه بقاء السوم للعرف، انتهى (2).

و استدلّ في «المعتبر» لقول الشيخ بأنّ اسم السوم لا يزول بالعلف اليسير، و بأنّه لو اعتبر السوم في جميع الحول لما وجب إلّا في الأقل، و بأنّ الأغلب معتبر في سقي الغلّات، فكذا السوم (3).

و استدلّ على ما اختاره بأنّ السوم شرط الوجوب فكان كالنصاب، ثمّ قال: و قولهم العلف اليسير لا يقطع الحول ممنوع، فإنّه لا يقال للمعلوفة: سائمة في حال علفها (4).

و أورد على الأدلّة من الطرفين؛ بأنّ عدم زوال اسم السوم بالعلف اليسير لا يقتضي اعتبار الأغلب، فإنّ غيره قد لا يكون يسيرا.

و أمّا قوله: لو اعتبر. إلى آخره، ففيه منع الملازمة و بطلان اللازم، و قوله:

و بأنّ الأغلب، قياس محض.

و أمّا قوله: إنّ السوم شرط. إلى آخره، فبأنّ النصاب قد وقع التنصيص على اعتبار ملكه طول الحول، فيقطع بخروجه عن الملك في أثنائه بخلاف السوم، لعدم التصريح باعتبار دوامه، فرجع في صدق اسم الوصف إلى العرف.

و ما ذكر من عدم صدق السائمة عليها حال علفها، ففيه أنّ الظاهر عدم الخروج عن كونها سائمة عرفا بذلك، كما لا يخرج الكلام عن العربيّة باشتماله على ما

____________

(1) نهاية الإحكام: 2/ 317.

(2) الدروس الشرعيّة: 1/ 233.

(3) المعتبر: 2/ 506.

(4) المعتبر: 2/ 507.

50

..........

____________

هو أعجمي.

و بالجملة؛ المعتبر هو التسمية عرفا، و ما يتبادر عندهم، و لا ينافي ذلك الثلج و نحوه من الموانع العادية المتعارفة، و لا ندرة العلف بحيث لا يخرج بها عن التسمية المذكورة، و ينافيه العلف المخرج عنها، و إن كان من مال غير المالك، كما صرّح به الشهيد و غيره للعموم (1).

و استقرب في «التذكرة» وجوب الزكاة لو علفها الغير من ماله لعدم المئونة (2)، و هو خلاف ما يظهر من النصوص و الفتاوى.

قوله: (الغير العاملة). إلى آخره.

الظاهر، عدم الخلاف في هذا الشرط أيضا، و يدلّ عليه أخبار كثيرة مثل ما في صحيحة الفضلاء عن الباقر و الصادق من قولهما (عليهما السلام): «ليس على العوامل من الإبل و البقر شيء» (3).

و ما في حسنة الفضلاء الواردة في زكاة البقر: «و لا على العوامل شيء إنّما الصدقة على السائمة الراعية» (4). و نحوه في حسنة الفضلاء الواردة في زكاة الإبل (5).

و في قويّة زرارة بالقاسم بن عروة «و كلّ شيء من هذه الأصناف من الدواجن و العوامل فليس فيها شيء» (6).

____________

(1) الدروس الشرعيّة: 1/ 233، نهاية الإحكام: 2/ 317، مدارك الأحكام: 5/ 70.

(2) تذكرة الفقهاء: 5/ 48.

(3) تهذيب الأحكام: 4/ 41 الحديث 103، وسائل الشيعة: 9/ 120 الحديث 11657.

(4) الكافي: 3/ 534 الحديث 1، وسائل الشيعة: 9/ 119 الحديث 11654.

(5) تهذيب الأحكام: 4/ 22 الحديث 55، وسائل الشيعة: 9/ 118 الحديث 11653.

(6) تهذيب الأحكام: 4/ 41 الحديث 104، وسائل الشيعة: 9/ 120 الحديث 11658.

51

..........

____________

و في الحسن كالصحيح بابراهيم- عن ابن أبي عمير قال: «كان علي (عليه السلام) لا يأخذ من صغار الإبل شيئا حتّى يحول عليه الحول، و لا يأخذ من جمال العمل صدقة، و كأنّه لم يجب أن يأخذ من الذكورة شيء، لأنّه ظهر يحمل عليها» (1).

فأمّا ما في الموثّق عن إسحاق بن عمّار عن الكاظم (عليه السلام) عن الإبل العوامل أ عليها زكاة؟ فقال: «نعم، عليها زكاة» (2).

و في الموثّق عنه قال: سألته عن الإبل تكون للجمّال أو تكون في بعض الأمصار، أ تجري عليها الزكاة كما تجري على السائمة في البريّة؟ فقال: «نعم» (3).

و نحوه عنه في الضعيف عن الصادق (عليه السلام) (4)، فالشيخ- بعد الطعن عليهما بالاضطراب، بأنّه مروي تارة مرسلا، و تارة عن الصادق (عليه السلام)، و تارة عن الكاظم (عليه السلام)- حملها على الاستحباب (5).

و ربّما حمل على أنّ زكاتها الاعارة، و حمل العاجز و الضعيف، و نحو ذلك.

و بالجملة؛ لا شبهة في عدم معارضتها، للصحاح المتّفق عليها، فضلا عن المقاومة و الغلبة و الخلاف- الذي مرّ في اعتبار استمرار السوم و عدمه- جار و واقع هنا، كما صرّح به في «البيان» (6)، و ظهر من «المختلف» (7)، و عن «المبسوط» تصريحه باعتبار الأغلب هنا أيضا (8)، و ظهر ممّا ذكرنا هناك حال المقام أيضا.

____________

(1) الكافي: 3/ 531 الحديث 7، وسائل الشيعة: 9/ 119 الحديث 11656.

(2) تهذيب الأحكام: 4/ 42 الحديث 106، وسائل الشيعة: 9/ 121 الحديث 11660.

(3) تهذيب الأحكام: 4/ 41 الحديث 105، وسائل الشيعة: 9/ 120 الحديث 11659.

(4) تهذيب الأحكام: 4/ 42 الحديث 107، وسائل الشيعة: 9/ 120 الحديث 11659.

(5) تهذيب الأحكام: 4/ 42 ذيل الحديث 107، الاستبصار: 2/ 24 ذيل الحديث 69.

(6) البيان: 284 و 285.

(7) مختلف الشيعة: 3/ 166 و 167.

(8) المبسوط: 1/ 198.

52

قوله: (و الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب المملوكة).

____________

هذا أيضا إجماعي بل ضروري، و الأخبار به متواترة (1).

قوله: (المملوكة بالزراعة). إلى آخره.

أقول: من الضروريّات أنّ الغلات الأربعة المذكورة إذا ملكها المكلّف لا يجب عليه زكاتها، إلّا إذا ملكها قبل تعلّق الخطاب بالوجوب، بأن يكون تعلّق به في ملكه.

و سيجيء وقت تعلّق الخطاب، و يعبّر عن الملكيّة المذكورة بالزراعة، و يقال: من شرط وجوبها أن يملك بالزراعة، كما فعله الفاضلان (2).

و قال في «المسالك»: معنى الزراعة في اصطلاحهم- أي اصطلاح الفقهاء- انعقاد الحبّ و الثمرة في الملك، و احمرارها و اصفرارها إذا توقّف الوجوب عليه (3)، انتهى.

و لا يخفى أيضا أنّه زراعة، يقال حينئذ: زرع فلان، و زراعته ربّما تكون تامّة، و ربّما تكون ناقصة، و ربّما يكون الحبّ من الزارع، و ربّما يكون من غيره، كما يملكه بالمزارعة، بأن تكون الأرض خاصّة منه و نحوها، و ربّما يملك بالشراء و نحوه، و الذي ملكه بذلك و هو الزرع.

و أمّا الحنطة؛ فقد ملك من هذا الزرع، فصدق عليها أنّه ملكها بالزرع على حسب ما عرفت.

و بالجملة؛ لا بدّ أن يكون الملكيّة و الاستحقاق من عين الزرع، فما استحقّه

____________

(1) لاحظ! وسائل الشيعة: 9/ 175 الباب 1 من أبواب زكاة الغلات الأربع.

(2) نهاية الإحكام: 2/ 318، شرائع الإسلام: 2/ 153.

(3) مسالك الأفهام: 1/ 392.

53

..........

____________

لا من عين ذلك الزرع، بل من ذمّة مستأجر- مثلا- فلا يكون فيه الزكاة.

فعلى ما ذكرنا ظهر وجه اشتراط كونها مملوكة بالزراعة بالمعنى الذي ذكر، و عبّر المصنّف بما عبّر، من جهة أنّه ربّما يخفى على غير المطّلع.

و الدليل على الشرط المذكور هو الإجماع و عموم الأخبار، إذ مقتضاه أنّ كلّ حنطة- مثلا- ملكه مالك يكون عليه فيها الزكاة، و ظهر من الإجماع و الأخبار أيضا أنّه لا يكون عليها زكاة اخر سوى ما ذكر.

أمّا الإجماع؛ فظاهر، بل ربّما كان ضرورة من الدين.

و أمّا الأخبار؛ فلما ورد من أنّه «لا ثنى في صدقة» (1)، و ما ورد أنّه «لا يزكّى المال من وجهين في عام واحد» (2) و غير ذلك.

و يظهر ذلك أيضا ممّا ورد في الأخبار أنّ «ما أنبتت الأرض من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب ففيه العشر» (3).

و كذا ما ورد من أنّ ما سقته السماء ففيه العشر (4)، و ما سقي بالدلاء و غيرها من العلاج، ففيه نصف العشر (5)، إذ يظهر منها انحصار الزكاة فيما ذكر، و سيظهر لك.

و أيضا يظهر ذلك ممّا سنذكر في شرح قول المصنّف: (و وقت الوجوب في الغلّتين)، و كذا شرح انعقاد الحبّ و بدوّ الصلاح.

قوله: (بشرط بلوغ كلّ من التسعة النصاب المعتبر فيه).

لا شكّ في اشتراط ما ذكر و هو إجماعي، بل ضروري، و الأخبار صريحة في

____________

(1) كنز العمال: 6/ 333 الحديث 15902 مع اختلاف يسير.

(2) تهذيب الأحكام: 4/ 33 الحديث 85، وسائل الشيعة: 9/ 100 الحديث 11625.

(3) وسائل الشيعة: 9/ 182 الباب 4 من أبواب زكاة الغلّات.

(4) وسائل الشيعة: 9/ 182 الباب 4 من أبواب زكاة الغلّات.

(5) وسائل الشيعة: 9/ 182 الباب 4 من أبواب زكاة الغلّات.

54

..........

____________

ذلك (1).

و سيجيء في محلّ ذكر النصب في كلّ من الأجناس التسعة، فلاحظ! قوله: (و حؤول الحول).

هذا الشرط أيضا لا شكّ فيه إجماعي، بل ضروري، و يدلّ عليه الأخبار المتواترة مثل: صحيحة الفضلاء، زرارة و ابن مسلم، و أبي بصير، و بريد العجلي، و الفضيل عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) قالا: «ليس على العوامل من الإبل و البقر شيء، إنّما الصدقات على السائمة الراعية، و كلّ ما لم يحلّ عليه الحول عند ربّه فلا شيء [عليه] فيه، فإذا حال عليه الحول وجب عليه» (2).

و حسنة الفضلاء الخمسة عنهما (عليهما السلام) مثل ذلك (3).

و قويّة زرارة عنهما (عليهما السلام) قالا: «ليس في الإبل شيء حتّى تبلغ خمسا». إلى أن قالا: «و ما كان من هذه الأصناف الثلاثة: الإبل و البقر و الغنم فليس فيها شيء حتّى يحول الحول من يوم تنتج» (4).

و كصحيحة ابن أبي عمير قال: «كان علي (عليه السلام) لا يأخذ من صغار الإبل شيئا حتّى يحول عليه الحول» (5).

و قوية زرارة عن الباقر (عليه السلام) قال: «ليس في صغار الإبل و البقر و الغنم شيء إلّا ما حال عليه الحول عند الرجل، و ليس في أولادها شيء حتّى يحول عليه

____________

(1) وسائل الشيعة: 9/ 107 الباب 1 من أبواب زكاة الأنعام، 150 الباب 5 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، 175 الباب 1 من أبواب زكاة الغلّات.

(2) تهذيب الأحكام: 4/ 41 الحديث 103، وسائل الشيعة: 9/ 121 الحديث 11661.

(3) الكافي: 3/ 534 الحديث 1، وسائل الشيعة: 9/ 121 الحديث 11661.

(4) الاستبصار: 2/ 20 الحديث 58، وسائل الشيعة: 9/ 109 الحديث 11641، 123 الحديث 11667.

(5) الكافي: 3/ 531 الحديث 7، وسائل الشيعة: 9/ 123 الحديث 11665.