مستند الشيعة في أحكام الشريعة - ج14

- الشيخ أحمد بن محمد مهدي النراقي المزيد...
446 /
5

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

و به نستعين

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

كتاب مطلق الكسب و الاقتناء

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

مقدّمة: اعلم أنّ الكسب جنس تحته أنواع كثيرة، و لكلّ نوع منه متعلّق، هو ما يكتسب به، فهذه أمور ثلاثة، و الأولان من فعل المكلّف، و الثالث ليس كذلك، بل هو الأعيان و المنافع الخارجيّة.

و لكلّ من الأولين آداب، بمعنى: أن لمطلق الكسب- من غير تخصيص بنوع منه- أمورا يرجح فيها ارتكابه أو تركه مع المنع من النقيض أو بدونه.

و لكلّ نوع منه أيضا آداب مختصّة به.

و لكلّ من الثلاثة- باعتبار الأحكام الشرعيّة- أقسام:

فينقسم مطلق الكسب من حيث هو- أي مع قطع النظر عن أنواعه و متعلّقاته- إلى خمسة أقسام: الواجب، و المندوب، و الحرام، و المكروه، و المباح. بمعنى: أنّه قد يكون واجبا، و قد يكون مندوبا، و هكذا.

و الثاني ينقسم إلى أربعة أقسام، هي غير الواجب، إذ ليس من أنواع التكسّب ما يكون واجبا من حيث هو إلّا على الوجوب الكفائي في بعض الأنواع.

و الثالث ينقسم إلى أقسام ثلاثة: الحرام، و المكروه، و المباح.

بمعنى: أنّه يحرم جعله متعلّقا للكسب، أو يكره، أو يباح.

و لم يرد استحباب جعل شيء من الأعيان أو المنافع متعلّقا له، أو وجوبه.

10

و هذا أيضا على قسمين، لأنّه إمّا يكون في مطلق الكسب، بمعنى:

أنّه يحرم أو يكره أو يباح جعله متعلّقا و موردا لمطلق الكسب من غير اختصاص بنوع.

أو يكون في نوع خاص، أو أنواع خاصّة منه، كالأراضي الموات، فإنّها لا يجوز بيعها و إجارتها و نحوهما، و يجوز تحجيرها و إحياؤها، و كالوقف العام يجوز إجارتها و الزراعة فيها، و لا يجوز بيعها و هبتها.

ثمَّ الأول و إن انقسم باعتبار أقسام الثانيين إلى أقسامهما و الثاني باعتبار الثالث إلى أقسامه، إلّا أنّ المتعارف تقسيم كلّ منها إلى أقسامه الحاصلة له مع قطع النظر عن الآخر.

و قد وقع في هذا المقام خلط و تخليط و اختلاف كثير في كثير من كتب الأصحاب من وجوه عديدة:

فترى منهم من يعنون كتاب الكسب و يذكر فيه بعض آدابه و أقسام أنواعه، ثمَّ يذكر فيه ما يتعلّق بعقد البيع و أحكامه، و يعنون للصلح و الإجارة و غيرها من المعاوضات كتابا على حدة، مع أنّ نسبتها إلى مطلق الكسب كنسبة البيع إليه، فلا وجه للتفرقة، على أنّ البيع كغيره من المعاوضات أعمّ من وجه من مطلق الكسب، فجعله من أفراده غير جيّد.

و منهم من ذكر آدابا لمطلق الكسب، و ترى بعضها مخصوصا ببعض أنواعه، مع أنّه قد يذكر في باب هذا النوع بعض ما يختصّ به من الآداب، بل قد يذكر فيه بعض ما هو آداب للمطلق.

و أيضا ترى منهم من خلط بين كثير من أقسام أنواع الكسب و أقسام ما يكتسب به، مع أنّه عنون لكلّ منهما عنوانا على حدة.

و أيضا ترى منهم من يذكر بعض أقسام ما يكتسب به في عنوان

11

مطلق الكسب، و بعضها في عنوان نوع خاصّ منه، مع اشتراكهما في الاختصاص أو العموم.

و قد ترى منهم من خلط بين أقسام الكسب و بين آدابه، فجعل بعض ما يحرم ارتكابه أو يكره في مطلق الكسب أو نوع منه من أنواع الكسب المحرّم أو المكروه أو بالعكس، إلى غير ذلك من الوجوه الظاهرة للمتتبّع.

و الأولى أن يعنون لمطلق الكسب كتابا، و لكلّ من عقود المعاوضات كتابا على حدة، و يذكر ما يرد على المطلق من الآداب و الأقسام في كتابه، و ما يرد على نوع خاصّ منه في كتابه الخاصّ، و نحن معنونون كذلك، إلّا أنّا نذكر آداب مطلق الكسب و البيع في عنوان واحد اتباعا للأكثر و حفظا عن التشتّت، و نذكرها مع ما يجري مجراها في مقاصد

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

المقصد الأول في الحثّ على الكسب و الترغيب إليه

و يقسّم مطلقه إلى الأقسام الخمسة.

قال اللّه سبحانه فَامْشُوا فِي مَنٰاكِبِهٰا وَ كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ (1).

و قال فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللّٰهِ (2).

و في الخبر: «اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبدا، و اعمل لآخرتك كأنّك تموت غدا» (3).

و في آخر: «إنّ اللّه تبارك و تعالى ليحبّ الاغتراب في طلب الرزق» (4).

و في ثالث: «لا تكسلوا في طلب معايشكم، فإنّ آباءنا كانوا يركضون

____________

(1) الملك: 15.

(2) الجمعة: 10.

(3) الفقيه 3: 94- 356، الوسائل 17: 76 أبواب مقدمات التجارة ب 28 ح 2.

(4) الفقيه 3: 95- 358، الوسائل 17: 77 أبواب مقدمات التجارة ب 29 ح 1.

14

فيها و يطلبونها» (1).

و في رابع: «إنّ اللّه يحبّ المحترف الأمين» (2).

و في خامس: «إنّي أجدني أمقت الرجل يتعذّر عليه المكاسب، فيستلقي على قفاه و يقول: اللّهم ارزقني، و يدع أن ينتشر في الأرض و يلتمس من فضل اللّه، و الذرة [3] تخرج من جحرها تلتمس رزقها» (4).

و في سادس: في من أقبل على العبادة و ترك التجارة: «أما علم أنّ تارك الطلب لا يستجاب له» (5).

و في سابع: «لأبغض الرجل أن يكون كسلانا في أمر دنياه، و من كسل عن أمر دنياه كان من أمر آخرته أكسل» (6)، إلى غير ذلك من الأخبار المتواترة معنى (7).

و هو قد يجب إن اضطرّ إليه في إبقاء مهجته و مهجة عياله و من يجري مجراها، قال النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله): «ملعون من ألقى كلّه على الناس» (8).

و في مرسلة الفقيه: «ملعون ملعون من ضيّع من يعول» (9).

____________

[3] الذرّ: صغار النمل، و الواحدة ذرّة، القاموس المحيط 2: 35.

____________

(1) الفقيه 3: 95- 363، الوسائل 17: 60 أبواب مقدمات التجارة ب 18 ح 8.

(2) الخصال 2: 621- 10، الوسائل 17: 11 أبواب مقدمات التجارة ب 1 ح 6.

(4) الفقيه 3: 95- 366، الوسائل 17: 30 أبواب مقدمات التجارة ب 6 ح 4.

(5) الكافي 5: 84- 5، التهذيب 6: 323- 885، الوسائل 17: 27 أبواب مقدمات التجارة ب 5 ح 7.

(6) الكافي 5: 85- 4، الوسائل 17: 58 أبواب مقدمات التجارة ب 18 ح 1، بتفاوت يسير.

(7) الوسائل 17: 58 أبواب مقدمات التجارة ب 18.

(8) الكافي 5: 72- 7، التهذيب 6: 327- 902، الوسائل 17: 31 أبواب مقدمات التجارة ب 6 ح 10.

(9) الكافي 4: 12- 9، الفقيه 3: 103- 417، الوسائل 17: 68 أبواب مقدمات التجارة ب 23 ح 7.

15

و عن الصادق (عليه السلام): «كفى بالمرء إثما أن يضيّع من يعول» (1).

و كذلك إذا توقّفت عليه الواجبات المطلقة، كالحجّ بعد فقد الاستطاعة مع التقصير، و الماء للطهارة، و الساتر للعورة، و نحوها.

و يستحبّ للتوسعة في المعاش بلا خلاف ظاهر، و في الأخبار دلالة عليه:

ففي رواية أبي حمزة: «من طلب الرزق في الدنيا استعفافا عن الناس و سعة على أهله و تعطّفا على جاره لقي اللّه عزّ و جلّ يوم القيامة و وجهه مثل القمر ليلة البدر» (2).

و مثل التوسعة تحصيل ما يتوقّف عليه من العبادات المستحبّة، كالبرّ، و الصدقة، و الحجّ المستحبّ، و العتق، و بناء المساجد و المدارس، و أمثالها، و في الأخبار المستفيضة تصريح به:

ففي الصحيح: «إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أعتق ألف مملوك من كدّ يده» (3).

و في الحسن: قال رجل لأبي عبد اللّه (عليه السلام): و اللّه إنّا لنطلب الدنيا و نحبّ أن نؤتى بها، فقال: «تحبّ أن تصنع بها ما ذا؟» قال: أعود بها على نفسي و عيالي، و أصل بها، و أتصدّق، و أحجّ و أعتمر، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام):

____________

(1) الكافي 4: 12- 8، الفقيه 3: 103- 416، الوسائل 17: 68 أبواب مقدمات التجارة ب 23 ح 8.

(2) الكافي 5: 78- 5، التهذيب 6: 324- 890، الوسائل 17: 21 أبواب مقدمات التجارة ب 4 ح 5، بتفاوت يسير.

(3) أمالي الصدوق: 232- 14، الوسائل 1: 88 أبواب مقدمة العبادات ب 20 ح 12.

16

«ليس هذا طلب الدنيا، هذا طلب الآخرة» (1).

و يكره لمجرّد إكثار المال و جمعه و زينة الدنيا و سائر ما يكون مكروها، كما يحرم إذا كان سببا لترك واجب، و يباح فيما سوى ذلك.

____________

(1) الكافي 5: 72- 10، التهذيب 6: 327- 903، الوسائل 17: 34 أبواب مقدمات التجارة ب 7 ح 3.

17

المقصد الثاني في آداب مطلق الكسب و البيع

و فيه فصول:

الفصل الأول في المستحبّات

و هي أمور:

منها: التفقّه أولا و لو تقليدا فيما يتولّاه بنفسه، بالإجماع و الأخبار (1)، ليعرف كيفيّة الاكتساب، و يميّز بين العقود الصحيحة و الفاسدة، و يسلم من الربا الموبق، و لا يرتكب المآثم من حيث لا يعلم، و هذا إنّما هو قبل الدخول في الواقعة و الاحتياج إليه في خصوص المعاملة، و إلّا فيكون التفقّه واجبا من باب المقدّمة.

____________

(1) الوسائل 17: 381 أبواب آداب التجارة ب 1.

18

و الحاصل: أنّ المستحبّ هو معرفة الأحكام المفصّلة لجميع أفراد ما يمكن أن يتّفق له في هذا النوع، لئلّا يدخل في الحرام من حيث لا يعلم.

و منها: الإجمال في الطلب، بأن لا يصرف أكثر أوقاته فيه.

ففي صحيحة الثمالي: «فاتّقوا اللّه عزّ و جلّ و أجملوا في الطلب» (1).

و في مرسلة ابن فضّال: «فليكن طلب المعيشة فوق كسب المضيّع و دون طلب الحريص الراضي بدنياه المطمئنّ إليها» (2).

و منها: قصد النفقة و السعة و دفع الضرورة أو ما يتقرّب به إلى اللّه، دون زينة الدنيا و التفاخر و التكاثر و الملاهي.

و منها: الثقة باللّه و التوكّل عليه، و عدم الاعتماد على عمله و فطانته.

روى عبد اللّه بن سليمان: «إنّ اللّه عزّ و جلّ وسّع في أرزاق الحمقى ليعتبر العقلاء، و يعلموا أنّ الدنيا ليس ينال ما فيها بعمل و لا حيلة» (3).

و في مرفوعة ابن جمهور: «لن يزداد امرؤ نقيرا بحذقه و لم ينقص امرؤ نقيرا بحمقه» (4).

و منها: إقالة النادم مؤمنا كان أو غيره، لرواية الجعفري (5)، و لما فيه

____________

(1) الكافي 5: 80- 1، التهذيب 6: 321- 880، المقنعة: 90، الوسائل 17: 44 أبواب مقدمات التجارة ب 12 ح 1.

(2) الكافي 5: 81- 8، التهذيب 6: 322- 882، الوسائل 17: 48 أبواب مقدمات التجارة ب 13 ح 3.

(3) الكافي 5: 82- 10، التهذيب 6: 323- 884، الوسائل 17: 48 أبواب مقدمات التجارة ب 13 ح 1.

(4) الكافي 5: 81- 9، التهذيب 6: 323- 883، الوسائل 17: 49 أبواب مقدمات التجارة ب 13 ح 4.

(5) الكافي 5: 151- 4، التهذيب 7: 5- 15، الوسائل 17: 385 أبواب آداب التجارة ب 3 ح 1.

19

من جبر قلب المسلم، سيّما في البيع، لخصوص رواية أبي حمزة «أيّما عبد أقال مسلما في بيع أقاله اللّه عثرته يوم القيامة» (1).

و التقييد بالنادم- مع إطلاق بعض الأخبار- لأنّ استحبابها إنّما هو بعد الاستقالة، و لا استقالة لغير النادم، فإثبات استحبابها مطلقا لا وجه له.

و منها: التسوية بين كلّ الناس في البيع و الشراء، فيكون الساكت عنده بمنزلة المماكس [2]، و غير البصير بمنزلة البصير، و المستحيي بمنزلة المداقّ.

لرواية ميسر: «إن ولّيت أخاك فحسن، و إلّا فبع بيع البصير المداقّ» (3)، و دلالتها إنّما هي على كون إضافة البيع إلى المفعول.

و رواية ابن جذاعة: في رجل عنده بيع فسعّره سعرا معلوما فمن سكت عنه ممّن يشتري منه فباعه بذلك السعر و من ماكسه فأبى أن يبتاع منه زاده، قال: «لو كان يزيد الرجلين و الثلاثة لم يكن بذلك بأس، و أمّا أن يفعله بمن أبى عليه و كايسه و يمنعه ممّن لم يفعل ذلك فلا يعجبني» (4).

و استحباب التسوية إنّما هو لأجل ما ذكر.

و أمّا لو كان التفاوت من جهة أخرى- كالفضل و الإيمان و الورع و القرابة- فلعلّه لا مانع منه كما ذكره جماعة (5)، و لكن يكره للآخذ قبوله،

____________

[2] المماكسة في البيع: انتقاص الثمن و استحطاطه- مجمع البحرين 4: 108.

____________

(1) الكافي 5: 153- 16، الفقيه 3: 122- 526، التهذيب 7: 8- 26، الوسائل 17: 386 أبواب آداب التجارة ب 3 ح 2، بتفاوت يسير.

(3) الكافي 5: 153- 19، التهذيب 7: 7- 24، الاستبصار 3: 70- 234، الوسائل 17: 397 أبواب آداب التجارة ب 10 ح 2.

(4) الكافي 5: 152- 10، التهذيب 7: 8- 25، الوسائل 17: 398 أبواب آداب التجارة ب 11 ح 1، بتفاوت يسير.

(5) منهم الشهيد الثاني في الروضة 3: 286، و صاحبي مفتاح الكرامة 4: 133 و الرياض 1: 519.

20

و لقد كان السلف يوكّلون في الشراء ممّن لا يعرف هربا من ذلك.

و منها: ذكر اللّه سبحانه في السوق، و الدعاء بالمأثور عند دخول السوق، و الجلوس في مكانه، و عند الشراء و بعده، و عند شراء الدابّة أو الرأس (1).

و منها: أن يأخذ ناقصا و يعطي راجحا بحيث لا يؤدّي إلى الجهالة، للأمر بإيفاء الكيل و الوزن، مع ما ورد من أنّه لا يكون الوفاء حتى يميل الميزان (2).

و في رواية السكوني: «مرّ أمير المؤمنين (عليه السلام) على جارية قد اشترت لحما من قصّاب و هي تقول: زدني، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): زدها، فإنّه أعظم للبركة» (3)، و كانت الجارية أمة للغير، فلا ينافي ذلك استحباب الأخذ ناقصا.

و في صحيحة ابن عمّار: «من أخذ الميزان بيده فنوى أن يأخذ لنفسه وافيا لم يأخذ إلّا راجحا، و من أعطى فنوى أن يعطي سواء لم يعط إلّا ناقصا» (4).

قيل: إنّ هذه الزيادة و النقصان غير ما يجب من باب المقدّمة (5). و لا يخفى أنّ وجوبها من باب المقدّمة ممنوع، إذ ليس الواجب المساواة

____________

(1) انظر الوسائل 17: 401- 409 أبواب آداب التجارة ب 18.

(2) الوسائل 17: 392 أبواب آداب التجارة ب 7.

(3) الكافي 5: 152- 8، الفقيه 3: 122- 524، التهذيب 7: 7- 20، الوسائل 17: 392 أبواب آداب التجارة ب 7 ح 1.

(4) الكافي 5: 159- 2، الفقيه 3: 123- 534، التهذيب 7: 11- 46، الوسائل 17: 393 أبواب آداب التجارة ب 7 ح 5.

(5) انظر الرياض 1: 519.

21

الحقيقيّة، بل العرفيّة، المتحقّقة بالتساوي في النظر بتفاوت قليل يسامح فيه عرفا، سيّما مع حصول التراضي، و مع ما تشعر به أخبار كثيرة من نفي البأس عن القليل من الزيادة و النقصان.

و مع التشاحّ في درك الفضيلة، قيل: يقدّم من بيده المكيال و الميزان (1).

و هو لا يقطع التشاحّ إذا وقع في المباشرة.

و قيل: البائع، لأنّ الوزن عليه (2).

و هو لا ينفي استحباب الأخذ ناقصا.

و قيل بالقرعة (3).

و منها: تقديم الاستخارة- أي طلب الخيرة من اللّه سبحانه- و الوضوء و التكبير في طلب الرزق، و كونه سهل البيع، سهل الشراء، سهل القضاء، سهل الاقتضاء، للأخبار و فتاوى الأصحاب.

و أمّا ما ورد من الأمر بمماكسة المشتري و إن أعطى الجزيل (4) فمحمول على الجواز، أو على ما رواه السكوني: «أنزل اللّه تعالى على بعض أنبيائه (عليهم السلام): للكريم فكارم، و للسمح فسامح، و عند الشكس فالتو» [5].

____________

[5] الفقيه 3: 121- 522، الوسائل 17: 388 أبواب آداب التجارة ب 4 ح 3، و الشكس: الاختلاف و التنازع- مجمع البحرين 4: 78.

____________

(1) انظر الروضة 3: 291، المفاتيح 3: 20.

(2) انظر مفتاح الكرامة 4: 133.

(3) انظر مفتاح الكرامة 4: 133.

(4) الفقيه 3: 122- 530، الوسائل 17: 455 أبواب آداب التجارة ب 45 ح 2.

22

الفصل الثاني فيما يكره ارتكابه

و هي أيضا أمور:

منها: عيب ما يشتري و حمد ما يبيع و إن كان صادقا.

لإطلاق مرفوعة ابن عيسى: «أربع من كنّ فيه طاب مكسبه: إذا اشترى لم يعب، و إذا باع لم يحمد، و لم يدلّس، و فيما بين ذلك لا يحلف» (1).

و رواية السكوني: «من باع و اشترى فليحفظ خمس خصال و إلّا فلا يبيعنّ و لا يشترينّ: الربا، و الحلف، و كتمان العيب، و الحمد إذا باع، و الذمّ إذا اشترى» (2)، و هي و إن تضمّنت للأمر و النهي إلّا أنّ الإجماع على عدم الحرمة عند الصدق يعيّن حملها على مطلق الطلب أو التخصيص بالكذب.

و منها: الحلف بالبيع و الشراء- بل مطلقا- و إن صدق فيه

، لما مرّ، و لأنّه يذهب بالبركة، كما نطقت به المستفيضة (3).

و روى الصدوق عن رسول اللّه (صلّى اللّٰه عليه و آله) أنّه قال: «ويل لتجّار أمّتي من لا و اللّه بلى و اللّه» (4).

____________

(1) الكافي 5: 153- 18، الوسائل 17: 384 أبواب آداب التجارة ب 2 ح 3.

(2) الكافي 5: 150- 2، الفقيه 3: 120- 515، التهذيب 7: 6- 18، المقنعة:

91، الوسائل 17: 383 أبواب آداب التجارة ب 2 ح 2. و هو في الخصال 1:

285- 38.

(3) الوسائل 17: 419 أبواب آداب التجارة ب 25.

(4) الفقيه 3: 97- 371، الوسائل 17: 420 أبواب آداب التجارة ب 25 ح 5.

23

و في الأمالي عن الصادق (عليه السلام): «إنّ اللّه تبارك و تعالى ليبغض المنفق سلعته بالأيمان» (1)، إلى غير ذلك.

و منها: البيع في الظلمة و موضع يستر فيه العيب

، لأنّه مظنّة ستر العيب، و لصحيحة هشام: «إنّ البيع في الظلال غشّ، و الغشّ حرام» (2)، و حملها على الكراهة لعدم كونه غشّا حقيقة و لا تدليسا، فعلى المشتري أن يخرج المتاع إلى حيث يتمكّن من ملاحظته، و لعدم القائل به من الأصحاب.

و منها: تزيين متاعه بأن يظهر جيّده و يكتم رديّه

، بل ينبغي إظهار الكلّ، لما مرّ، و لما روي: «أنّ النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) قال لفاعل ذلك: ما أراك إلّا قد جمعت خيانة و غشّا للمسلمين» (3)، و التقريب ما مرّ.

و منها: الربح على المؤمن

، قالوا: إلّا إذا كان شراؤه للتجارة أو يشتري بأكثر من مائة درهم.

لرواية سليمان بن صالح و أبي شبل: «ربح المؤمن على المؤمن ربا، إلّا أن يشتري بأكثر من مائة درهم، فاربح عليه قوت يومك، أو يشتريه للتجارة فاربحوا عليهم و ارفقوا بهم» (4).

و لا يخفى أن فاعل قوله «يشتري» و: «يشتريه» يمكن أن يكون

____________

(1) الأمالي: 390- 6، الوسائل 17: 420 أبواب آداب التجارة ب 25 ح 6.

(2) الكافي 5: 160- 6، الفقيه 3: 172- 770، التهذيب 7: 13- 54، الوسائل 17: 466 أبواب آداب التجارة ب 58 ح 1.

(3) الكافي 5: 161- 7، التهذيب 7: 13- 55، الوسائل 17: 282 أبواب ما يكتسب به ب 86 ح 8.

(4) الكافي 5: 154- 22، التهذيب 7: 7- 23، الاستبصار 3: 69- 232، الوسائل 17: 396 أبواب آداب التجارة ب 10 ح 1.

24

المؤمن الأول و أن يكون الثاني، و الأكثر حملوه على الثاني، و لاحتمال الأمرين يشكل استثناء كلّ منهما، و إن كان الظاهر ما فهمه الأكثر.

نعم، لا إشكال إذا كانا معا كذلك.

و في المحاسن: «ربح المؤمن على المؤمن ربا» (1).

و في عقاب الأعمال: «ربح المؤمن ربا» (2).

و إنّما حملوها على الكراهة قيل (3): للتصريح بالجواز في رواية عمر السابري- بعد قوله: إنّ الناس يزعمون أنّ الربح على المضطرّ حرام هو من الربا-: فقال: «هل رأيت أحدا اشترى غنيّا أو فقيرا إلّا من ضرورة؟! يا عمر قد أحلّ اللّه البيع و حرّم الربا، و اربح و لا ترب» (4) و رواية ميسر (5) المتقدّمة، و لسائر عمومات المرابحة (6).

و لا يخفى أنّ دليل المنع أخصّ، لاختصاصه بالمؤمن، و لمكان الاستثناء، فكما يمكن الجمع بالحمل على الكراهة يمكن بالتخصيص أيضا.

و لا يخفى أنّ دليل المنع أخصّ، لاختصاصه بالمؤمن، و لمكان الاستثناء، فكما يمكن الجمع بالحمل على الكراهة يمكن بالتخصيص

____________

(1) المحاسن: 101- 73، الوسائل 17: 397 أبواب آداب التجارة ب 10 ح 3.

(2) عقاب الأعمال: 239- 1، الوسائل 17: 398 أبواب آداب التجارة ب 10 ح 5.

(3) انظر الرياض 1: 520.

(4) الفقيه 3: 176- 793، التهذيب 7: 18- 78، الاستبصار 3: 72- 238، الوسائل 17: 447 أبواب آداب التجارة ب 40 ح 1.

(5) الكافي 5: 153- 19، التهذيب 7: 7- 24، الاستبصار 3: 70- 234، الوسائل 17: 397 أبواب آداب التجارة ب 10 ح 2.

(6) الوسائل 17: 447 أبواب آداب التجارة ب 40.

25

أيضا.

فالأولى أن يستند في الجواز إلى الإجماع، و برواية سالم- بعد سؤاله عن الخبر الذي روي أنّ ربح المؤمن ربا-: «ذاك إذا ظهر الحقّ و قام قائمنا أهل البيت، فأمّا اليوم فلا بأس أن يبيع من الأخ المؤمن و يربح عليه» (1)، بل يمكن نفي الكراهة اليوم- كما قيل (2)- بذلك.

و قد تضعّف الكراهة أيضا بعمل المسلمين و المؤمنين في الأعصار و الأمصار من دون التزام ذلك، بل و لا مراعاته أصلا.

و يكره الربح على من يعده بالإحسان في البيع، لقول الصادق (عليه السلام):

«إذا قال الرجل للرجل: هلمّ أحسن بيعك، حرم عليه الربح» (3)، و الحمل على الكراهة للإجماع.

و الاستدلال بأنّ أقلّ الإحسان إليه التولية، ضعيف.

و منها: السوم ما بين الطلوعين

، لمرفوعة ابن أسباط: «نهى رسول اللّه (صلّى اللّٰه عليه و آله) عن السوم ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس» (4)، و المستفيضة المصرّحة: بأنّ الجلوس للتعقيب بعد صلاة الصبح أبلغ في طلب الرزق من الضرب في الأرض و ركوب البحر (5). و لا ينافي ذلك استحباب التبكير،

____________

(1) التهذيب 7: 178- 785، الاستبصار 3: 70- 233، الوسائل 17: 397 أبواب آداب التجارة ب 10 ح 4.

(2) انظر الحدائق 18: 27.

(3) الكافي 5: 152- 9، التهذيب 7: 7- 21، الفقيه 3: 173- 774، الوسائل 17: 395 أبواب آداب التجارة ب 9 ح 1.

(4) الكافي 5: 152- 12، الفقيه 3: 122- 529، التهذيب 7: 8- 28، الوسائل 17: 399 أبواب آداب التجارة ب 12 ح 2.

(5) الوسائل 6: 429 أبواب التعقيب و ما يناسبه ب 1.

26

لأنّه محمول على أول النهار.

و منها: الاشتغال بالكسب في الليل كلّه

، لرواية البصري الشعيري:

«من بات ساهرا في كسب و لم يعط العين حظّها من النوم فكسبه ذلك حرام» (1).

و منها: الاستهانة بقليل الرزق

، لرواية إسحاق بن عمّار: «من استقلّ قليل الرزق حرم الكثير» (2).

و منها: ركوب البحر للتجارة

، لما رواه محمّد: إنّ أبا جعفر و أبا عبد اللّه كرها ركوب البحر للتجارة (3).

و مرفوعة عليّ: «ما أجمل في طلب الرزق من ركب البحر للتجارة» (4)، و غيرهما من المستفيضة.

و منها: دخول السوق أولا و الخروج آخرا

، بل يبادر إلى قضاء حاجته و يخرج منه سريعا، لأنّه مأوى الشياطين كما أنّ المسجد مأوى الملائكة، فيكون على العكس.

ففي المرسل: «شرّ بقاع الأرض الأسواق، و هي ميدان إبليس، يغدو برايته و يضع كرسيّه و يبثّ ذريته، فبين مطفّف في قفيز، أو طائش في ميزان، أو سارق في ذرع، أو كاذب في سلعة، فيقول: عليكم برجل مات

____________

(1) الكافي 5: 127- 6، التهذيب 6: 367- 1059، الوسائل 17: 164 أبواب ما يكتسب به ب 34 ح 2.

(2) الكافي 5: 311- 30، التهذيب 7: 227- 993، الوسائل 17: 460 أبواب آداب التجارة ب 50 ح 3.

(3) الكافي 5: 256- 1، التهذيب 6: 388- 1158، الوسائل 17: 240 أبواب ما يكتسب به ب 67 ح 1.

(4) الكافي 5: 256- 2، الوسائل 17: 241 أبواب ما يكتسب به ب 67 ح 6.

27

أبوه و أبوكم حيّ، فلا يزال مع ذلك أول داخل و آخر خارج» [1].

و نحوه المروي في المجالس بزيادة: «أبغض أهل الأسواق أولهم دخولا إليها و آخرهم خروجا منها» (2).

و لا فرق في ذلك بين التاجر و غيره، و لا بين أهل السوق عادة و غيرهم.

و منها: معاملة السفلة

، و هم الذين لا يسرّهم الإحسان و لا تسوؤهم الإساءة، أو من يضرب بالطنبور، أو من لا يبالي بما قال و لا ما قيل فيه.

و في الفقيه نسب التفاسير الثلاثة إلى الأخبار (3)، و لكن في رواية السيّاري (4) ما يدلّ على اختصاصه بالأخير.

و في كلام جماعة: الأدنين (5)، بدل السفلة، و فسّر- مع ما مرّ- بالذين يحاسبون على الشيء الدون.

و ذوي العاهات، أي النقص في أبدانهم، و الآفة فيها من البرص، و الجذام، و العمى، و العرج، و نحوها.

و الأكراد، و هم معروفون.

كلّ ذلك للأخبار (6)، إلّا أنّ المنهيّ عنه في الأخير المخالطة دون المعاملة.

____________

[1] الفقيه 3: 124- 539، الوسائل 17: 468 أبواب آداب التجارة ب 60 ح 1، و فيه بتفاوت. و القفيز: مكيال يتواضع الناس عليه، و هو عند أهل العراق ثمانية مكاكيك- مجمع البحرين 4: 31.

____________

(2) أمالي الطوسي: 144، الوسائل 17: 469 أبواب آداب التجارة ب 60 ح 2.

(3) الفقيه 3: 100 ذيل الحديث 392.

(4) مستطرفات السرائر: 49- 10، المستدرك 13: 269 أبواب آداب التجارة ب 19 ح 2.

(5) منهم المحقق في الشرائع 2: 20، و الشهيد الثاني في الروضة 3: 293.

(6) الوسائل 17: 415 و 416 و 417 أبواب آداب التجارة ب 22 و 23 و 24.

28

و كذا تكره معاملة المحارف، و هو المحروم الممنوع، و هو خلاف المبارك.

و خصوص الاستقراض، بل مطلق طلب الحاجة ممّن لم يكن فكان، أي من أصاب ماله حديثا.

و مشاركة الذمّي، و إيضاعه، و إيداعه.

و الاستعانة بالمجوس و لو على أخذ قوائم شاتك و أنت تريد ذبحها، كما في المرسل (1).

و منها: الشكوى على إنفاق رأس المال و عدم الربح

، ففي رواية جابر: «يأتي على الناس زمان يشكون فيه ربّهم» قلت: و كيف يشكون ربّهم؟ قال: «يقول الرجل: و اللّه ما ربحت شيئا منذ كذا و كذا، و لا آكل و لا أشرب إلّا من رأس مالي، ويحك هل أصل مالك و ذروته إلّا من ربّك؟!» (2).

و منها: التعرّض للكيل و الوزن إذا لم يحسنه

، للمرسل: قلت: رجل من نيّته الوفاء، و هو إذا كال لم يحسن الكيل، قال: «فما يقول الذين حوله؟» قلت، يقولون: لا يوفي، قال: «هذا لا ينبغي أن يكيل» (3).

و في الروضة: قيل: يحرم، للنهي عنه في الأخبار المقتضي للتحريم، و حمل على الكراهة (4). انتهى.

____________

(1) الفقيه 3: 100- 391، أمالي الطوسي: 456، الوسائل 17: 417 أبواب آداب التجارة ب 24 ح 1 و 7.

(2) الكافي 5: 312- 37، التهذيب 7: 226- 990، الوسائل 17: 462 أبواب آداب التجارة ب 53 ح 1.

(3) الكافي 5: 159- 4، الفقيه 3: 123- 533، التهذيب 7: 12- 47، الوسائل 17: 394 أبواب آداب التجارة ب 8 ح 1.

(4) الروضة 3: 294.

29

و لم نقف على هذا النهي.

و أمّا المرسل، فمع اختصاصه بالكيل غير ظاهر في النهي، بل مشعر بالكراهة. إلّا أنّه يمكن أن يقال: إنّ الوفاء واجب يجب امتثاله، و حصل الاشتغال به، فلا بدّ من تحصيل البراءة اليقينيّة أو الظنّية المعتبرة، و هي غير حاصلة بالنسبة إلى هذا الشخص، فالقاعدة تقتضي تحريمه عليه.

و لكن تحصيل البراءة بالتراضي أو الزيادة- بحيث يحصل العلم بالوفاء- ممكن.

و منها: الاستحطاط من الثمن بعد العقد

، لأنّه صار ملكا للبائع، فيندرج تحت قوله تعالى وَ لٰا تَبْخَسُوا النّٰاسَ أَشْيٰاءَهُمْ (1).

و لرواية الكرخي الصحيحة عمّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه، و فيها- بعد السؤال عن الاستحطاط-: قال: «لا، إنّ رسول اللّه (صلّى اللّٰه عليه و آله) نهى عن الاستحطاط بعد الصفقة» (2).

و صحيحة الشحّام: «الوضيعة بعد الصفقة حرام» (3).

و ظاهر هذه و إن كان الحرمة، إلّا أنّهم حملوها على الكراهة، لرواية أبي العطارد الصحيحة عن صفوان- الذي أجمعوا على تصحيح ما يصح عنه-: أشتري الطعام فأوضع في أوله و أربح في آخره، و أسأل صاحبي أن يحطّ عنّي في كلّ كرّ كذا و كذا، فقال: «هذا لا خير فيه، و لكن يحطّ عنك

____________

(1) الأعراف: 85.

(2) الكافي 5: 286- 1، الفقيه 3: 145- 641، التهذيب 7: 233- 1017، الاستبصار 3: 73- 243، الوسائل 17: 452 أبواب آداب التجارة ب 44 ح 1، بتفاوت يسير.

(3) الكافي 5: 286- 2، الفقيه 3: 147- 646، التهذيب 7: 80- 346، الوسائل 17: 453 أبواب آداب التجارة ب 44 ح 6، و في الجميع بتفاوت.

30

جملة»، قلت: فإن حطّ عنّي أكثر مما وضعت؟ قال: «لا بأس» (1).

و رواية معلّى: الرجل يشتري المتاع ثمَّ يستوضع، قال: «لا بأس»، و أمرني فكلّمت له رجلا في ذلك (2).

و رواية يونس بن يعقوب: الرجل يشتري من الرجل البيع فيستوهبه بعد الشراء من غير ان يحمله على الكره، قال: «لا بأس به» (3). و قريبة منها روايته الأخرى (4).

و روايتي أبي الأكراد، و فيهما: فأشارط النقّاش على شرط، و إذا بلغ الحساب فيما بيني و بينه استوضعه على الشرط، قال: «فبطيبة نفس منه؟» قلت: نعم، قال: «نعم، لا بأس» (5).

و هذه الأخبار و إن كان أكثرها ضعيفة سندا، و لكن ذلك غير ضائر عندنا، سيّما مع الاعتضاد بالشهرة العظيمة.

و قد تحمل أخبار الجواز على الاستيهاب، و فيه ما فيه.

ثمَّ المستفاد من الصحيحة: كراهة قبول حطّ البائع بدون الاستحطاط

____________

(1) الكافي 5: 179- 6، التهذيب 7: 38- 159، الوسائل 17: 453 أبواب آداب التجارة ب 44 ح 5.

(2) التهذيب 7: 233- 1018، الاستبصار 3: 73- 244، الوسائل 17: 453 أبواب آداب التجارة ب 44 ح 3.

(3) الفقيه 3: 146- 645، الوسائل 17: 454 أبواب آداب التجارة ب 44 ح 7 و فيهما: يوسف بن يعقوب.

(4) التهذيب 7: 233- 1019، الاستبصار 3: 74- 245، الوسائل 12: 334 أبواب آداب التجارة ب 44 ح 4.

(5) الاولى في: التهذيب 7: 234- 1020، الوسائل 17: 452 أبواب آداب التجارة ب 44 ح 2، بتفاوت.

الثانية في: الكافي 5: 274- 2، التهذيب 7: 211- 928، الوسائل 19:

132 كتاب الإجارة ب 23 ح 3.

31

أيضا، و لا بعد فيه.

و منها: دخول المؤمن في سوم أخيه بيعا أو شراء

، بأن يطلب ابتياع الذي يريد أن يشتريه ليقدّمه البائع، أو يبذل للمشتري متاعا غير ما اتّفق عليه هو و البائع، و الحاصل: أن يستميل أحد المتساومين إلى نفسه، لنهي النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) في خبر المناهي، قال: «لا يسوم الرجل على سوم أخيه» (1).

و ذهب الشيخ و الحلّي و المحقّق الثاني إلى الحرمة (2)، لما ذكر، و لأنّ فيه كسر قلب المؤمن و ترك لحقّه.

و يضعّف الأول: بأنّه خبر في مقام الإنشاء، و كونه للتحريم غير ثابت.

و الثانيان: بمنع حرمة مطلق كسر القلب و عموم وجوب الحقوق حتى مثل ذلك.

قال في المسالك: و إنّما يحرم أو يكره بعد تراضيهما أو قربه، فلو ظهر منه ما يدلّ على عدم الرضا و طلب الزيادة أو جهل حاله لم يحرم و لم يكره اتّفاقا (3)، و علّل ذلك بالأصل، و عدم الدخول في السوم عادة.

و هو مشكل، لصدق دخول السوم بمجرّد طلب البيع بعد ما شرع أخوه في المساومة، سواء زاد في الثمن أو لم يزد، و الأولى التعميم- كما قيل- إلّا أن يثبت الإجماع.

و لو كان السوم بين اثنين- سواء دخل أحدهما على النهي أم ابتدءا فيه

____________

(1) الفقيه 4: 3- 1، الوسائل 17: 458 أبواب آداب التجارة ب 49 ح 3.

(2) الشيخ في النهاية: 374، الحلي في السرائر 2: 235، المحقق الثاني في جامع المقاصد 4: 51.

(3) المسالك 1: 176.

32

معا قبل محلّ النهي- لم يجعل نفسه بدلا عن أحدهما، لصدق دخول السوم.

و لا كراهة فيما يكون في الدلالة، لأنّها عرفا موضوعة لطلب الزيادة ما دام الدلّال يطلبها، فإذا حصل الاتّفاق تعلّقت الكراهة.

و لا كراهة في طلب المشتري أو البائع من بعض الطالبين الترك، اقتصارا فيما خالف الأصل على المتبادر أو المتيقّن من النصّ، إلّا أن يستلزم لجبر الوجه، فيكره، لعدم الرضا في نفس الأمر.

و لا كراهة أيضا في ترك الملتمس منه قطعا، بل ربّما استحبّ، لأنّ فيه قضاء حاجة لأخيه.

قيل: و يحتمل الكراهة لو قلنا بكراهة طلبه، لإعانته على المكروه (1).

و فيه: منع كراهة كلّ إعانة على المكروه، مع أنّ المكروه إنّما هو طلب الترك، و قد حصل من الطالب من دون إعانة من الملتمس.

و هل يختصّ الدخول في المبايعة، أو يعمّ سائر المعاوضات أيضا و لو كانت جائزة؟

صرّح في التنقيح بالثاني (2)، و الظاهر هو الأول، إذ لم يثبت صدق السوم في غير البيع.

نعم، لا بأس بالتعميم من جهة كسر القلب.

و الأولى بالكراهة ممّا ذكر ما إذا تحقق البيع و لكلّ من المتبايعين خيار المجلس، فيعرض آخر للمشتري سلعة خيرا من الأولى أو بأقلّ منها ليفسخ، أو للبائع أكثر من الثمن الذي باعه به.

____________

(1) الروضة 3: 296.

(2) التنقيح 2: 38.

33

و قيل بالحرمة (1)، و الأولى ما ذكرنا.

ثمَّ على القول بالحرمة في ذلك و في دخول السوم لا يبطل البيع لو دخل، لتعلّق النهي بالخارج.

و منها: توكّل الحاضر للبادي في بيع المال

، و المراد بالبادي: الغريب الجالب للبلد، بدويّا كان أو قرويّا، للنصوص:

منها: رواية عروة بن عبد اللّه: «لا يتلقّى أحدكم تجارة خارجا من المصر، و لا بيع حاضر لباد، و المسلمون يرزق اللّه عز و جلّ بعضهم من بعض» (2)، و في بعض النسخ: «ذروا المسلمين»، و نقله في المنتهى أيضا كذلك (3).

و نحوه المرويّ عن مجالس الشيخ، عن جابر، عن رسول اللّه (صلّى اللّٰه عليه و آله)، إلّا أنّ فيها: «دعوا» بدل: «ذروا» (4).

و رواية يونس بن يعقوب: قال: تفسير قول النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله): «لا يبيعنّ حاضر لباد»: أنّ الفاكهة و جميع أصناف الغلّات إذا حملت من القرى إلى السوق فلا يجوز أن يبيع أهل السوق لهم من الناس، ينبغي أن يبيعوه حاملوه من القرى و السواد، فأمّا من يحمل من مدينة إلى مدينة فإنّه يجوز و يجري مجرى التجارة (5).

و في طرق العامّة عن ابن عباس: قال: نهى النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) أن يتلقّى الركبان و أن يبيع حاضر لباد، قال: قلت لابن عبّاس: ما قوله: «حاضر

____________

(1) كما في نهاية الشيخ: 374، و فقه القرآن للراوندي 2: 45.

(2) الكافي 5: 168- 1، الفقيه 3: 174- 778، التهذيب 7: 158- 697، الوسائل 17: 444 أبواب آداب التجارة ب 37 ح 1.

(3) المنتهى 2: 1005.

(4) أمالي الطوسي: 409، الوسائل 17: 445 أبواب آداب التجارة ب 37 ح 3.

(5) الكافي 5: 177- 15، الوسائل 17: 445 أبواب آداب التجارة ب 37 ح 2.

34

لباد»؟ قال: لا يكون له سمسارا (1).

و ظاهر الأخيرتين و إن كان الحرمة- كما في الخلاف و مهذّب القاضي و المنتهى و شرح القواعد مطلقا، و المبسوط و السرائر و الوسيلة (2)، مقيّدا في الأول بما لا يضطرّ إليه، و في الثاني بما إذا حكم عليه الحاضر فباع بدون رأيه، و في الثالث بما إذا باع الحاضر في البدو لا في الحضر- و لكنّهما غير ناهضتين لإثباتها.

أمّا الأول، فلعدم ثبوت كون التفسير المذكور من الإمام، بل ظاهره أنه من يونس.

و أمّا الثاني، فلكونه عامّيا غير حجّة.

و أمّا روايتا عروة و المجالس، فهما قاصرتان من حيث الدلالة لإثبات الحرمة، لعدم ورودهما بصيغة النهي المقتضية للحرمة، و إنّما هو إخبار في مقام الإنشاء، و لا يفيد عندنا أزيد من الطلب، مع ما في الأخيرة من عدم الحجّيّة أيضا، فلا يمكن التمسّك في إثبات الحرمة بقوله: «دعوا» فيها أيضا.

و أمّا قوله: «ذروا» في الأولى فهو- لاختصاصه ببعض النسخ- غير ثابت، و على هذا فالقول بالكراهة- كما هو مذهب الأكثر- أقوى.

و يؤكّده أيضا عموم الأخبار المرخّصة للسمسار في الوكالة لبيع أموال الناس (3).

____________

(1) صحيح مسلم 3: 1157- 19.

(2) الخلاف 3: 172، نقله عن القاضي في المختلف: 247، المنتهى 2: 1005، جامع المقاصد 4: 52، المبسوط 2: 160، السرائر 2: 236، الوسيلة: 260.

(3) الوسائل 18: 74 أبواب أحكام العقود ب 20.

35

و قد يؤيّد أيضا بصحيحة أبي بصير: قلت له: الرجل يأتيه النبط بأحمالهم فيبيعها لهم بالأجر، فيقولون له: أقرضنا دنانير، فإنّا نجد من يبيع لنا غيرك و لكنّا نخصّك بأحمالنا من أجل أنّك تقرضنا، قال: «لا بأس، إنّما يأخذ دنانير مثل دنانيره» (1) الحديث.

و هو حسن في نفي الحرمة فيما إذا التمس البدوي من الحاضر و يعرضه عليه، و لذا نفاها كثير من المحرّمين في هذه الصورة، بل ظاهر أكثر القائلين بالكراهة انتفاؤها حينئذ أيضا، و هو كذلك، لعمومات استحباب قضاء حوائج الناس (2). و تعارضها مع ما ذكر غير ضائر، إذ لو رجّحنا الأول بالأشهريّة و الأكثريّة و موافقة السنّة و الكتاب فهو، و إلّا فيرجع إلى الجواز الأصلي. لا للصحيحة، لعدم منافاة نفي البأس للكراهة. و لا لأنّه لو لا ذلك لم تجز السمسرة بحال، و قد قال في الدروس: لا خلاف في جواز السمسرة في الأمتعة المجلوبة من بلد إلى بلد (3)، كما في شرح القواعد (4)، لأنّ الكلام في المجلوبة من القرى و البادية دون البلد، فإنّ بيع الحضري فيها جائز مطلقا كما هو ظاهر الأكثر، للأصل، و اختصاص روايات المنع (5) بغيرها، و أكثرها و إن اختصّت بالبدوي، و لكن ذكر القرى في رواية يونس (6) كاف للتعدّي إلى القروي أيضا بملاحظة التسامح في أدلّة

____________

(1) التهذيب 6: 203- 461، و ج 7: 157- 695، الوسائل 18: 356 أبواب الدين و القرض ب 19 ح 10.

(2) الوسائل 16: 357 و 363 و 365 أبواب فعل المعروف ب 25 و 26 و 27.

(3) الدروس 3: 182.

(4) جامع المقاصد 4: 52.

(5) الوسائل 17: 444 أبواب آداب التجارة ب 37.

(6) المتقدمة في ص: 33.

36

السنن، مضافا إلى تصريح جماعة من الفقهاء (1)، و نظرا إلى التعليل، بل لا يبعد التعدي لأجله إلى البلدي أيضا كما قاله المحقّق الثاني (2).

و لا يضرّ اختصاص الرواية بالفاكهة و الغلّات، لعدم القول بالفصل في ذلك، و إن خصّ بعض المتأخّرين النهي بها لذلك (3)، و هو ضعيف، نظرا إلى إطلاق سائر الروايات بل عمومها، و التفاتا إلى عموم التعليل، و حملا للمفسّر على الغالب، مع أنّه لا حجّيّة في ذلك التفسير كما مرّ.

هذا، ثمَّ إنّهم شرطوا في تحريمه أو كراهته شروطا:

الأول: ما مرّ من أن يعرض الحضري ذلك على البدوي، و قد عرفت وجهه.

الثاني: علم الحاضر بالنهي، و ذلك إنّما يتمّ على القول بمعذوريّة الجاهل بتفاصيل الأحكام بعد العلم بالإجمال، و هو مشكل، و تخصيصه من بينها يحتاج إلى مخصّص.

الثالث: أن تظهر من ذلك المتاع سعة في البلد، و إن لم تظهر- لكبر البلد، أو لعموم وجوده- فلا تحريم و لا كراهة، لأنّ المقتضي للنهي تفويت الربح على الناس، كما يدلّ عليه التعليل، و لم يوجد هنا.

و فيه: أنّه لا يشترط حصول الربح لأكثر أهل البلد، بل يكفي حصوله و لو لواحد، و هو قد يتحقّق مع ما ذكر.

الرابع: أن يكون المتاع ممّا تعمّ الحاجة به، و لا دليل على ذلك، إلّا

____________

(1) كالفاضل في المنتهى 2: 1005، المحقّق الثاني في جامع المقاصد 4: 52، الشهيد الثاني في الروضة 3: 297.

(2) جامع المقاصد 4: 52.

(3) انظر الحدائق 18: 53.

37

أن يكون مستنبطا من تخصيص رواية يونس (1) بالنوعين.

الخامس: أن يكون الغريب جاهلا بسعر البلد، فلو كان عالما لا بأس به. و لا بأس به، لاستفادته من العلّة.

هذا حكم البيع.

و أمّا الشراء للبادي، فقيل: لا بأس به (2)، للأصل، و اختصاص النصوص بالبيع.

و ضعّف بعموم التعليل (3)، و لا بعد فيه.

و منه يظهر إمكان التعدّي إلى سائر العقود أيضا كما في التنقيح (4).

ثمَّ لو قلنا بالحرمة هل يبطل به البيع، أم لا؟

المصرّح به في كلام الأكثر: الثاني، لتعلّق النهي بالخارج.

و هو غير جيّد، لأنّ النهي في الروايات متعلّق بنفس البيع.

____________

(1) المتقدمة في ص: 33.

(2) كما في المنتهى 2: 1005.

(3) انظر الرياض 1: 521.

(4) التنقيح 2: 39.

38

الفصل الثالث فيما يحرم ارتكابه

و هو أيضا أمور:

منها: تلقّي الركبان القاصدين بلد البيع و الخروج إليهم للبيع عليهم و الشراء منهم مطلقا

، لا مع إخباره بكساد ما معه كذبا كما في النهاية الأثيرية (1)، لإطلاق النصوص:

منها: رواية عروة المتقدّمة (2)، و رواية منهال الصحيحة عن السرّاد- و هو ممّن أجمعوا على تصحيح ما يصحّ عنه-: «لا تلقّ، و لا تشتر ما تلقّى، و لا تأكل منه» (3).

و مرسلته أيضا: عن تلقّي الغنم، فقال: «لا تلقّ، و لا تشتر ما يتلقّى، و لا تأكل من لحم ما يتلقّى» (4).

و روايته الأخرى الصحيحة عن ابن أبي عمير- و هو أيضا ممّن أجمعوا على تصحيح ما يصحّ عنه- «لا تلقّ، فإنّ رسول اللّه (صلّى اللّٰه عليه و آله) نهى عن التلقّي»، قلت: و ما حدّ التلقّي؟ قال: «ما دون غدوة أو روحة»، قلت:

و كم الغدوة و الروحة؟ قال «أربعة فراسخ»، قال ابن أبي عمير: و ما فوق

____________

(1) النهاية 4: 266.

(2) في ص: 33.

(3) الكافي 5: 168- 2، التهذيب 7: 158- 696، الوسائل 17: 443 أبواب آداب التجارة ب 36 ح 2.

(4) الفقيه 3: 174- 779، الوسائل 17: 443 أبواب آداب التجارة ب 36 ح 3.

39

ذلك فليس بتلقّ (1).

و في رواية أخرى عنه الصحيحة عن السرّاد أيضا: قال: قلت له: ما حدّ التلقّي؟ قال: «روحة» (2).

و روى في السرائر عن النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) أنّه قال: «لا يبيع بعضكم على بعض، و لا تكفّوا المبلغ حتى يهبط بها الأسواق» [1].

و فيه أيضا: و روي عنه أنّه نهى عن تلقّي الجلب، فإن تلقّى متلقّ فاشتراه فصاحب السلعة بالخيار إذا ورد السوق (4).

و في الرواية العاميّة المرويّة في المنتهى و غيره: «لا تلقّوا الركبان»، و فيه أيضا: «لا تلقّوا الجلب، فمن تلقّاه فاشترى منه فإذا أتى السوق فهو بالخيار» [2].

و ظاهر هذه الأخبار التحريم، كما ذهب إليه الشيخ في المبسوط و الخلاف و الإسكافي و القاضي و الحلّي و الحلبي و الفاضل في المنتهى و المحقّق الثاني و ظاهر الدروس (6) و غيره (7)، و اختاره بعض مشايخنا (8)،

____________

[1] السرائر 2: 237 و فيه: السلع، بدل: المبلغ.

[2] المنتهى 2: 1005، و هو في صحيح مسلم 3: 1157- 19، و الجلب بفتحتين:

ما تجلبه من بلد الى بلد، فعل بمعنى مفعول، مجمع البحرين 2: 24.

____________

(1) الكافي 5: 169- 4، التهذيب 7: 158- 699، الوسائل 17: 442 أبواب آداب التجارة ب 36 ح 1.

(2) الكافي 5: 168- 3، التهذيب 7: 158- 698، الوسائل 17: 443 أبواب آداب التجارة ب 36 ح 4.

(4) السرائر 2: 237.

(6) المبسوط 2: 160، الخلاف 3: 172، حكاه عن الإسكافي و القاضي في المختلف: 346، الحلي في السرائر 2: 237، الحلبي في الكافي: 360، المنتهى 2: 1005، المحقق الثاني في جامع المقاصد 4: 37، الدروس: 179.

(7) كالفيض الكاشاني في المفاتيح 2: 17 و صاحب الحدائق 18: 55.

(8) كصاحب الرياض 1: 521.

40

و في الخلاف الإجماع عليه.

خلافا لأكثر المتأخّرين، فذهبوا إلى الكراهة (1)، للأصل، و ضعف الأخبار.

و ضعفهما ظاهر ممّا مرّ، فالقول بالتحريم أقوى.

و حدّ التلقّي عند الأصحاب- بلا خلاف كما في الخلاف و المنتهى و التذكرة (2)-: أربعة فراسخ فما دونه، فلا نهي فيما زاد عنها، و يدلّ عليه رواية منهال الأخيرة.

و عن ابن حمزة: أنّ حدّه ما دون أربعة فراسخ (3)، و تساعده روايته الثالثة.

و رجّح الأولى بالموافقة لفتوى الأصحاب.

و يمكن الجمع بينهما بإخراج الحدّ عن المحدود، فينتهي النهي في الحدّ، و به يمكن الجمع بين الفتاوى أيضا، مع أنّ الأمر في ذلك هيّن جدّا، و الثمرة فيه منتفية غالبا.

ثمَّ إنّهم ذكروا للتلقّي المنهيّ عنه شروطا:

الأول: القصد إلى الخروج للتلقّي

، فلو اتّفق و صادفته الركب في خروجه لغرض آخر لم يكن به بأس، و هو كذلك، للأصل، و اختصاص النصّ بحكم التبادر- بل تصريح أهل اللغة- بصورة القصد إلى الخروج.

و ربّما يقال: إنّ العلّة المستفادة تشمل عدم القصد أيضا.

و فيه: أنّ اختصاص العلّة بالنهي عن بيع الحاضر للبادي ممكن، بل

____________

(1) كما في الشرائع 2: 20، و التذكرة 1: 585، و الروضة 3: 297.

(2) الخلاف 3: 172، المنتهى 2: 1006، التذكرة 1: 586.

(3) الوسيلة: 260.

41

هو الظاهر، لأنّه الذي يفوّت ربح الناس بعضهم عن بعض، و أمّا التلقّي ففيه أيضا يرزق المتلقّي، فلا يناسبه التعليل.

الثاني: الخروج بقصد المعاملة

، فلو خرج إليهم لا لذلك و اتّفق ذلك فلا بأس، لأنّ التلقّي- و هو الاستقبال- ليس بمنهيّ عنه إجماعا مع عدم القصد إلى البيع و الشراء، و بعد حصوله لا دليل على النهي عن نفس المبايعة، لعدم كونها تلقّيا، و حصولها بعد التلقّي لا يجعلها من أفراده، كما أنّ التلقّي الواقع مباحا لا يصير لحصول المبايعة بعده منهيّا عنه.

الثالث: تحقّق الخروج من البلد

، أي حدوده عرفا و لو بالمسمّى، فلو تلقّى الركب في أول وصوله إليه لم يثبت الحكم، لقوله: «خارجا عن المصر» في رواية عروة (1).

و فيه: أنّ إطلاق غيرها كاف في ثبوت الحكم فيما يصدق عليه التلقّي، و توقّف صدقه على الخروج ممنوع.

و في رواية السرائر الأولى دلالة على تحقّقه قبل إهباط السلع.

الرابع: جهل الركب بسعر البلد فيما يبيعه و يشتريه.

و استدلّ عليه تارة بالتعليل المذكور، و قد ظهر ضعفه، و اخرى بالعلّة المستفادة من الحكم من أنّه خداع و إضرار، و ثالثة بعدم تبادر غير ذلك من الأخبار، و ضعفهما ظاهر، فالتعميم بالنسبة إليه- كما في شرح القواعد (2) و غيره- أقوى.

و هل يختصّ الحكم بشراء متاع الركب، أو يعمّ البيع عليهم أيضا؟

____________

(1) الكافي 5: 168- 1، الفقيه 3: 174- 778، التهذيب 7: 158- 697، الوسائل 17: 443 أبواب آداب التجارة ب 36 ح 5.

(2) انظر جامع المقاصد 4: 38.

42

فيه وجهان، و الأقرب: الثاني، لصدق التجارة المنهيّ عنها في رواية عروة، و لإطلاق النهي عن التلقّي مطلقا، خرج ما لم يكن فيه معاملة أصلا بالإجماع، فيبقى الباقي.

و منه تعلم قوّة إلحاق غير البيع و الشراء من عقود المعاملات بهما.

نعم، يشترط بحكم الإجماع أن يكون ما وقعت عليه المعاملة ممّا كان مقصود الركب معاملته، فلو كان معهم شيء لم يكن في نظرهم بيعه فتلقّاهم متلقّ و اشتراه كان جائزا، و كذا الشراء، و منه بيع المأكول و المشروب منهم غير ما يحتاجون إليه في المصر، و أمّا فيه فالحكم بالجواز مشكل.

و لا يشترط في حرمة التلقّي كون الركب قاصدين لبلد المتلقّي، فلو كانوا قاصدين لبلد آخر و تلقّاه متلقّ من موضع آخر و لو مرّ الركب به لم يجز.

نعم، لو لم يقصدوا بلدا معيّنا للمعاملة، بل كان معهم سلع يريدون بيعها كلّما اتّفق، و عرضوها على أهل كل بلد مرّوا به، جاز لهم بيعها و إن لم يدخلوا البلد بل نزلوا خارجه، للإجماع.

نعم، لا يجوز لأحد من أهل تلك المنازل السبق إليهم قبل نزولهم.

ثمَّ لو خرج و باع عليهم أو اشترى منهم فهل ينعقد البيع، أو يقع فاسدا؟

الأول- و هو الأقوى- للأكثر، لتعلّق النهي بالخارج.

و قد يستدلّ على الصحّة أيضا بإثبات الخيار في بعض الروايات المتقدّمة، حيث إنّ الخيار لا يكون إلّا في البيع الصحيح.

و فيه نظر، لأنّه إنّما يكون لو كان المعنى خيار الفسخ، و هو غير

43

معلوم، و لم تثبت حقيقة شرعيّة في الخيار، فيمكن أن يكون المراد بالخيار أنّ الأمر بيده، فإن شاء أخذ منه و إن شاء باع عليه.

و الثاني: للإسكافي (1)، و هو ضعيف.

نعم، يحرم أكل ما تلقّى و شراؤه، للخبرين الثانيين (2)، و قد يجعل ذلك دليلا على الفساد.

و فيه: أنّه يجوز أن يكون من باب التعبّد لا لأجل الفساد.

و منها: النجش

، و هو حرام وفاقا للأكثر، بل في المنتهى و عن المحقّق الثاني الإجماع عليه (3)، و في المهذّب: و لا أعلم في تحريمه خلافا بين الأصحاب (4).

لرواية عبد اللّه بن سنان المرويّة في الكافي: «الواشمة و المتوشّمة و الناجش و المنجوش ملعونون على لسان محمّد (صلّى اللّٰه عليه و آله)» [5].

و المرويّ في معاني الأخبار للصدوق عن النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله): «لا تناجشوا» (6)، و رواه في التذكرة أيضا (7).

و هو باتّفاق اللغويين و الفقهاء- و إن اختلفت عباراتهم-: الزيادة في

____________

[5] الكافي 5: 559- 13 الوسائل 17: 458 أبواب آداب التجارة ب 49 ح 2.

و الوشم: أن يغرز الجلد بإبرة، ثمَّ يحشى بكحل أو نيل، فيزرق أثره أو يخضر.

و قد وشمت تشم وشما فهي واشمة. و المستوشمة و الموتشمة: التي يفعل بها ذلك- نهاية ابن الأثير 5: 189.

____________

(1) حكاه عنه في المختلف: 346.

(2) و هما صحيحة منهال و مرسلته، المتقدمتان في ص: 38.

(3) المنتهى 2: 1004، المحقق الثاني في جامع المقاصد 4: 39.

(4) المهذب البارع 2: 366.

(6) معاني الأخبار: 284، الوسائل 17: 459 أبواب آداب التجارة ب 49 ح 4.

(7) التذكرة 1: 584.

44

ثمن المبيع مظهرا إرادة شرائه من غير إرادته، بل أراد به محض ترغيب الغير بالثمن الغالي.

نعم، زاد بعضهم كونه بمواطاة البائع (1).

و على التقديرين يكون خداعا و غشّا أيضا، و الأخبار في تحريمهما مستفيضة، فالقول بالكراهة- كما نقله في الدروس عن قوم (2)- لا وجه له.

و منه يظهر التعدّي في التحريم إلى ترك الزيادة في ثمن السلعة ليشتري بالثمن القليل، بل إلى سائر المعاوضات أيضا.

ثمَّ مع وقوع البيع معه، فهل يصحّ و لا خيار، كما عن المبسوط (3)؟.

أو يصحّ و له الخيار مطلقا، كما عن القاضي؟.

أو مع الغبن، كالفاضلين و الثانيين (4)؟.

أو يبطل البيع إن كان من البائع، كالإسكافي (5)؟.

الأقوى هو: الثالث.

و منها: الاحتكار

، و هو حبس الشيء انتظارا لغلائه إجماعا.

نعم، يظهر من النهاية الأثيريّة أنّه الاشتراء و الحبس (6)، و في بعض الأخبار أيضا تصريح به كما يأتي.

____________

(1) انظر المختصر النافع: 120، جامع المقاصد 4: 39.

(2) الدروس 3: 178.

(3) المبسوط 2: 159.

(4) المحقق في الشرائع 2: 21، و النافع: 120، العلّامة في المنتهى 2: 1004، و التذكرة 1: 584، و المختلف: 346، المحقق الثاني في جامع المقاصد 4: 39، الشهيد الثاني في المسالك 1: 177.

(5) حكاه عنه في المختلف: 346.

(6) النهاية 1: 417.

45

و أما من خصّه بالطعام فالظاهر أنّه أراد الممنوع منه شرعا.

و هو حرام، وفاقا للصدوق في المقنع و الشيخ في الاستبصار و القاضي و الحلّي و الحلبي في أحد قوليه و المنتهى و التحرير و التنقيح و الدروس و المسالك و الروضة (1).

و خلافا للشيخين في المقنعة و الفقيه و المبسوط و الديلمي و الحلبي في قوله الآخر و الشرائع و النافع و المختلف و الإرشاد و اللمعة، فقالوا بالكراهة (2).

لنا: المستفيضة، منها: رواية حذيفة بن منصور، و فيها: «ثمَّ قال- يعني رسول اللّه (صلّى اللّٰه عليه و آله)-: يا فلان، إنّ المسلمين ذكروا أنّ الطعام قد نفد إلّا شيئا عندك، فأخرجه و بعه كيف شئت و لا تحبسه» (3).

و صحيحة الحلبي: «الحكرة: أن يشتري طعاما ليس في المصر غيره فيحتكره، فإن كان في المصر طعام أو يباع غيره فلا بأس بأن يلتمس بسلعته الفضل»، قال: و سألته عن الزيت، فقال: «إن كان عند غيرك فلا بأس بإمساكه» (4)، دلّت بالمفهوم على ثبوت البأس- الذي هو العذاب- عند عدم الشرط.

و صحيحة الحنّاط: قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): «ما عملك؟»

____________

(1) المقنع: 125، الاستبصار 3: 115، نقله عن القاضي في المختلف: 346، الحلبي في الكافي: 360، المنتهى 2: 1006، التحرير 1: 160، التنقيح 2:

42، الدروس 3: 180، المسالك 1: 177، الروضة 3: 298.

(2) المقنعة: 616، الفقيه 3: 168، المبسوط 2: 195، الديلمي في المراسم:

182، الحلبي في الكافي: 283، الشرائع 2: 21، النافع 1: 120، المختلف:

345، اللمعة (الروضة 3): 298.

(3) الكافي 5: 164- 2، التهذيب 7: 159- 705، الاستبصار 3: 114- 407، الوسائل 17: 429، أبواب آداب التجارة ب 29 ح 1.

(4) الكافي 5: 164- 3، الفقيه 3: 168- 746، الاستبصار 3: 115- 409، الوسائل 17: 427- 428 أبواب آداب التجارة ب 28 ح 1 و 2.

46

قلت: حنّاط، و ربّما قدمت على نفاق، و ربّما قدمت على كساد فحبست، قال «فما يقول من قبلك فيه؟» قلت: يقولون: محتكر، قال: «يبيعه أحد غيرك؟» قلت: ما أبيع أنا من ألف جزء جزءا، قال: «لا بأس، إنّما كان ذلك رجل من قريش يقال له حكيم بن حزام، و كان إذا دخل الطعام المدينة اشتراه كلّه، فمرّ عليه النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) فقال: يا حكيم بن حزام، إيّاك أن تحتكر» (1).

و رواية القدّاح: «الجالب مرزوق و المحتكر ملعون» (2).

و رواية السكوني: «الحكرة في الخصب أربعون يوما، و في البلاء و الشدة ثلاثة أيّام، فما زاد على الأربعين يوما في الخصب فصاحبه ملعون، و ما زاد في العسرة على ثلاثة أيّام فصاحبه ملعون» (3) و رواية أخرى: «نهى أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الحكرة في الأمصار» (4).

و ثالثة: «لا يحتكر الطعام إلّا خاطئ» (5).

و المرويّ في نهج البلاغة في عهد كتبه أمير المؤمنين (عليه السلام) للأشتر:

«فامنع من الاحتكار، فإن رسول اللّه (صلّى اللّٰه عليه و آله) منع منه، و ليكن البيع بيعا سمحا بموازين عدل و أسعار لا يجحف بالفريقين من البائع و المبتاع، فمن قارف حكرة بعد نهيك إيّاه فنكّل و عاقب» (6).

____________

(1) الكافي 5: 165- 4، الفقيه 3: 169- 747، التهذيب 7: 160- 707، الاستبصار 3: 115- 410، الوسائل 17: 428 أبواب آداب التجارة ب 28 ح 3.

(2) الكافي 5: 165- 6، الفقيه 3: 169- 751، التهذيب 7: 159- 702، الاستبصار 3: 114- 404، الوسائل 17: 424 أبواب آداب التجارة ب 27 ح 3.

(3) الكافي 5: 165- 7، الفقيه 3: 169- 753، التهذيب 7: 159- 703، الاستبصار 3: 114- 405، الوسائل 17: 423 أبواب آداب التجارة ب 27 ح 1.

(4) الفقيه 3: 169- 752، الوسائل 17: 426 أبواب آداب التجارة ب 27 ح 9.

(5) الفقيه 3: 169- 749، الوسائل 12: 314 أبواب آداب التجارة ب 27 ح 8.

(6) نهج البلاغة (محمد عبده) 3: 110، الوسائل 17: 427 أبواب آداب التجارة ب 27 ح 13.

47

و في الخصال: «و لأن يلقى اللّه العبد سارقا أحبّ إلى اللّه من أن يلقاه و قد احتكر طعاما» (1).

و في مجالس الشيخ بسند معتبر: «أيّما رجل اشترى طعاما فكبسه أربعين صباحا يريد به غلاء المسلمين، ثمَّ باعه فتصدّق بثمنه، لم يكن كفّارة لما منع» (2).

و في قرب الإسناد: إنّ عليّا (عليه السلام) كان ينهى عن الحكرة في الأمصار، و قال: «ليس الحكرة إلّا في الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و السمن» (3).

و في كتاب ورّام: عن النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) عن جبرئيل قال: «اطّلعت في النار فرأيت واديا في جهنّم يغلي فقلت: يا مالك، لمن هذا؟ فقال: لثلاثة:

المحتكرين و المدمنين الخمر و القوّادين» (4).

و في طرق العامّة: «من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من اللّه و برئ اللّه منه» (5).

و أيضا: «من احتكر على المسلمين لم يمت حتى يضربه اللّه بالجذام و الإفلاس» (6).

و يؤيّده أيضا الإجماع على إجبار المحتكر على البيع كما يأتي.

و بعض تلك الروايات و إن كان قاصرا سندا أو دلالة، إلّا أنّ فيها ما لا يقصر بشيء منهما، فالإيراد بالقصور ضعيف.

____________

(1) الخصال 1: 288، الوسائل 17: 137 أبواب ما يكتسب به ب 21 ح 4.

(2) أمالي الطوسي: 687، الوسائل 17: 425 أبواب آداب التجارة ب 27 ح 6.

(3) قرب الاسناد: 135، الوسائل 17: 426 أبواب آداب التجارة ب 27 ح 7.

(4) الوسائل 17: 426 أبواب آداب التجارة ب 27 ح 11.

(5) الجامع الصغير 2: 556- 8332.

(6) سنن ابن ماجه 2: 729- 2155.

48

حجّة القول بالكراهة: الأصل، و عموم السلطنة على المال، و خصوص صحيحة الحلبي: عن الرجل يحتكر الطعام و يتربّص به، هل يجوز ذلك؟

فقال: «إن كان الطعام كثيرا يسع الناس فلا بأس، و إن كان قليلا لا يسع الناس فإنّه يكره أن يحتكره و يترك الناس ليس لهم طعام» (1).

و فيه: أنّ ثبوت الحقيقة الشرعيّة في الكراهة ممنوع، و هي في اللغة أعمّ من التحريم، و العدول إليها مع السؤال عن الجواز لا يصلح قرينة لتعيين عدم الحرمة، و الأصل و العمومات مندفعة بما ذكرنا من الأدلّة.

فروع:

[الأول]

أ: لا خلاف في أنّه لا يكون الاحتكار الممنوع منه إلّا في الأطعمة، كما أنّه لا خلاف- على ما قيل [1]- في كونه في الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب.

و إنّما الخلاف فيما عداها من الأطعمة، فأطلق المفيد فقال: إنّ الحكرة في احتباس الأطعمة (3).

و خصّها الحلبي بالأربعة المتقدّمة (4).

و زاد عليها الشيخ في النهاية و الحلّي و القاضي و المحقّق و العلّامة في المنتهى و المختلف و التحرير و ابن فهد في مهذّبه: السمن (5).

____________

[1] انظر مجمع الفائدة 8: 26 و فيه: و لعلّه لا خلاف في وجوده فيها.

____________

(1) الكافي 5: 165- 5، التهذيب 7: 160- 708، الاستبصار 3: 115- 411، الوسائل 17: 424 أبواب آداب التجارة ب 27 ح 2.

(3) المقنعة: 616.

(4) الكافي في الفقه: 360.

(5) النهاية: 374، الحلي في السرائر 2: 238، نقله عن القاضي في المختلف:

346، المحقق في الشرائع 2: 21، و النافع: 120، المنتهى 2: 1007، المختلف: 346، التحرير 1: 160، ابن فهد في المهذب البارع 2: 370.

49

و زاد الصدوق في المقنع على الخمسة: الزيت (1).

و في الدروس و اللمعة على الستّة: الملح (2).

و جعله ابن حمزة و المبسوط و القواعد و الإرشاد بدلا عن الزيت (3).

و الأقوى قول الصدوق، لموثّقة غياث بن إبراهيم المرويّة في الفقيه:

«ليس الحكرة إلّا في الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و السمن و الزيت» (4)، و بها تقيّد إطلاقات الاحتكار أو الاحتكار في الطعام.

و يدلّ على الثبوت في الستّة أيضا المرويّ في الخصال: «الحكرة في ستّة أشياء: في الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و السمن و الزيت» (5).

و في خصوص الزيت أيضا صحيحة الحلبي المتقدّمة (6).

[الثاني]

ب: يستفاد من رواية السكوني الاولى: أنّ الحكرة الممنوعة في زمان الرخص و السعة ما زاد على الأربعين يوما، سواء احتاج الناس إلى القوت أم لا، و في زمان الغلاء و الشدّة ما زاد على ثلاثة أيّام، و به أفتى الشيخ و القاضي (7).

و من صحيحة الحلبي الأولى: أنّها إذا لم يكن في المصر طعام، أو لم يوجد بائع غيره. و المراد بالأول: أن لا يكون طعام للناس لا يحتاجون الى الشراء، و بمضمونها عمل جماعة، منهم: المحقّق في الشرائع و النافع (8).

____________

(1) نقله عنه في المختلف: 346.

(2) الدروس 3: 180، اللمعة (الروضة 3): 299.

(3) ابن حمزة في الوسيلة: 260، المبسوط 2: 195، القواعد 1: 122، الإرشاد 1: 356.

(4) الفقيه 3: 168- 744، الوسائل 17: 425 أبواب آداب التجارة ب 27 ح 4.

(5) الخصال: 329- 23، الوسائل 17: 426 أبواب آداب التجارة ب 27 ح 10.

(6) في ص 45.

(7) الشيخ في النهاية: 374، نقله عن القاضي في المختلف: 346.

(8) الشرائع 2: 21، النافع: 120.

50

و من صحيحته الأخيرة: أنّها تكون مع قلّة الطعام و عدم سعته للناس، بأن يحتاجون كلّا أو بعضا إلى طعامه، و بها صريح فتوى جماعة من المتأخّرين (1)، و الظاهر اتّحاده مع الثاني.

و الرواية الاولى و إن كانت أخصّ مطلقا من الثانيتين، إلّا أنّ ضعفها- باعتبار مخالفتها للشهرة العظيمة- يمنع من تخصيصهما بها، فالأقوى اشتراط المنع بحاجة الناس كلّا أو بعضا إلى ما احتكره، و إن كان قول الشيخ أحوط.

[الثالث]

ج: صرّح جماعة بعدم الفرق بين أن يكون ما احتكره من غلّته أو اشتراه (2).

و اشترط الفاضل الاشتراء (3)، و هو الأصحّ، لمفهوم الحصر في صحيحة الحلبي (4).

و احتمال ورودها مورد الغالب منفي بالأصل، لكونه تجوّزا، و كذا تخصيص الحصر فيها بالنسبة إلى فقد الطعام و البائع، و بها تقيّد إطلاقات الاحتكار و عموم العلّة لو ثبت.

[الرابع]

د: يشترط فيها أن يكون الحبس لزيادة الثمن، فلو أمسكه لنفقته أو الزرع فلا مانع منه، لعدم صدق الاحتكار عليه، لأنّه- كما عرفت- هو الحبس انتظارا للغلاء.

____________

(1) منهم العلّامة في التحرير: 160، و الشهيد في الدروس 3: 180، و الشهيد الثاني في الروضة 3: 299.

(2) كما في المسالك 1: 177، و الرياض 1: 522.

(3) المنتهى 2: 1007.

(4) الكافي 5: 165- 5، التهذيب 7: 160- 708، الاستبصار 3: 115- 411، الوسائل 17: 424 أبواب آداب التجارة ب 27 ح 2.

51

و تدلّ عليه أيضا الأخبار المستفيضة الواردة في إحراز قوت السنة (1)، و أنّه راجح مندوب إليه.

نعم، يستحبّ مواساة الناس في الأقوات، و بيعها و شرائها كلّ يوم مع الناس إذا كان زمان غلاء و قحط، كما تدلّ عليه صحيحة حمّاد بن عثمان (2) و روايتا معتب (3).

[الخامس]

ه: يجبر المحتكر على البيع إجماعا حتى من القائل بالكراهة، كما في المهذّب و التنقيح (4) و كلام جماعة (5). و هو- كما مرّ- من الشواهد القويّة على الحرمة، لاستبعاد جواز الحبس و وجوب الجبر على تركه.

ثمَّ الدليل على الإجبار- بعد الإجماع- وجوب النهي عن المنكر على القول بالحرمة.

و أمّا الاستدلال برواية حذيفة المتقدّمة (6) و رواية ضمرة: «أنّه- يعني رسول اللّه (صلّى اللّٰه عليه و آله)- مرّ بالمحتكرين فأمر بحكرتهم أن يخرج إلى بطون الأسواق، و حيث ينظر الناس إليها، فقيل لرسول اللّه (صلّى اللّٰه عليه و آله): لو قوّمت عليهم، فغضب (صلّى اللّٰه عليه و آله) حتى عرف الغضب في وجهه و قال: أنا أقوّم

____________

(1) الوسائل 17: 434 أبواب آداب التجارة ب 31.

(2) الكافي 5: 166- 1، التهذيب 7: 160- 709، الوسائل 17: 436 أبواب آداب التجارة ب 32 ح 1.

(3) الاولى في: الكافي 5: 166- 2، التهذيب 7: 161- 710، الوسائل 17: 436 أبواب آداب التجارة ب 31 ح 2.

الثانية في: الكافي 5: 166- 3، التهذيب 7: 161- 711، الوسائل 17:

437 أبواب آداب التجارة ب 31 ح 3.

(4) المهذّب البارع 2: 370، التنقيح 2: 42.

(5) منهم صاحبي الحدائق 18: 64 و الرياض 1: 522.

(6) الكافي 5: 164- 2، التهذيب 7: 159- 705، الاستبصار 3: 114- 407، الوسائل 17: 429 أبواب آداب التجارة ب 29 ح 1.

52

عليهم؟! إنّما السعر إلى اللّه عزّ و جلّ، يرفعه إذا شاء و يخفضه إذا شاء» (1).

فضعيف، لأنّ أمره (صلّى اللّٰه عليه و آله) بالبيع لا يدلّ على وجوب الأمر على غيره، بل و لا على وجوبه عليه أيضا.

و إذ قد عرفت أنّ وجوبه من باب النهي عن المنكر لا يكون مختصّا بالإمام، بل يجب على الكلّ.

و هل يسعّر السعر عليه، أم لا؟

ذهب المفيد و الديلمي إلى الأول (2)، فيسعّر عليه بما يراه الحاكم من المصلحة، و المشهور الثاني، لروايتي حذيفة و ضمرة.

و قال ابن حمزة و الفاضل و الشهيد في اللمعة (3) و جمع آخر (4) بالتسعير مع إجحاف المالك، و عدمه بدونه.

و قيل بالأمر بالنزول مع الإجحاف حتى يرتفع و تركه أن يبيع كيف شاء مع عدمه (5)، و هو الأقوى.

أمّا الأمر بترك الإجحاف معه فلوجوب كون البيع بأسعار لا يجحف، لما نقلناه من نهج البلاغة (6)، و به تخصّص الروايتان، فيجب الأمر به من باب الأمر بالمعروف، و لأنّه لولاه لانتفت فائدة الإجبار على البيع.

و أمّا تركه يبيع كيف شاء مع عدمه فللأصل و الروايتين.

____________

(1) الفقيه 3: 168- 745، التهذيب 7: 161- 713، الاستبصار 3: 114- 408، الوسائل 17: 430 أبواب آداب التجارة ب 30 ح 1.

(2) المفيد في المقنعة: 616، الديلمي في المراسم: 182.

(3) ابن حمزة في الوسيلة: 260، الفاضل في المختلف: 346، اللمعة (الروضة 3): 299.

(4) منهم الشهيد في الدروس 3: 180، الفاضل المقداد في التنقيح 2: 43، الكركي في جامع المقاصد 4: 42.

(5) الروضة 3: 299.

(6) راجع ص: 46.

53

المقصد الثالث في بيان المكاسب المكروهة و المحرّمة

و فيه فصلان

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}