مستند الشيعة في أحكام الشريعة - ج16

- الشيخ أحمد بن محمد مهدي النراقي المزيد...
347 /
5

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

و عليه توكّلي

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

كتاب النكاح

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

و هو في اللغة: عقد التزويج خاصّة على الأصحّ، لتبادره عرفا، و أصالة عدم النقل، و كون العقد مستحدثا ممنوع، بل لكلّ دين و ملّة عقد.

و قيل: حقيقة في الوطء خاصّة (1).

بل هو الأشهر كما قيل (2).

بل عليه الإجماع عن المختلف (3).

لظهور ذلك من جماعة من أهل اللغة، و منهم: الجوهري (4).

و يردّ بمعارضته مع تصريح جمع آخر بخلافه، منهم: الراغب (5) و الزجّاج (6).

و قيل: حقيقة بينهما، لاستعماله فيهما (7).

و يردّ بأعميّته لو سلّم.

و قيل: مجاز كذلك، لأخذهما من الضمّ و الاختلاط و الغلبة (8).

____________

(1) المختلف: 523.

(2) انظر كشف اللثام 2: 6، الرياض 2: 68.

(3) المختلف: 523.

(4) الصحاح 1: 413.

(5) مفردات الراغب: 505.

(6) معاني القرآن 1: 295.

(7) انظر المصباح المنير للفيّومي: 624.

(8) انظر المصباح المنير: 624.

10

و يردّ بعدم ثبوت المأخذ.

نعم، لو ثبت لتمّ مطلوبه بضميمة أصالة عدم النقل، و لا يلزم منه حقيقية الوطء لوجود أحد المعاني فيه، لأنّها موقوفة على إرادته من حاقّ اللفظ و فهم الخصوصيّة من الخارج، و ليس الكلام فيه.

و ممّا ذكر- بضميمة أصالة عدم النقل- يظهر أنّه حقيقة في العقد أيضا خاصّة في الشرع، و تؤيّده غلبة استعماله فيه كذلك، لكونها مظنّة التبادر و اشتهاره، بل دعوى الإجماع عليه، كما عن الشيخ و الحلّي و الإيضاح (1).

و فيه أيضا قولان آخران: العكس، و الاشتراك، و دليلهما ضعيف.

و ها هنا فصول:

____________

(1) الشيخ في عدّة الأصول 1: 170، الحلّي في السرائر 2: 524، الإيضاح 3: 2.

11

الأول في المقدّمات

اعلم أنّ النكاح سنّة سنيّة من سنن المرسلين، و هو من عدوّ اللّه حصن حصين، و هو مستحبّ لمن اشتاقت نفسه إليه من الرجال و النساء، بالكتاب (1)، و السنّة (2)، و الإجماع.

و القول بوجوبه- كما حكي عن بعضهم (3)- شاذّ، بل للإجماع مخالف، و به تخرج العمومات الظاهرة في الوجوب عن ظواهرها، مضافا إلى شمولها لغير السابق المنتفي في حقّه الوجوب قطعا، فيعارض التجوّز بإرادة الندب التخصيص، و أولويّة الثاني- كما اشتهر- غير معلومة.

و في استحبابه- لمن لم يشتق- قولان.

أشهرهما و أصحّهما ذلك، و إن لم يقدر على أهبه النكاح إذا قدر على إيقاعه و لم يكن مزاحما لواجب، لوجوه عديدة عمدتها: عموم أكثر النصوص.

خلافا للمبسوط (4) و ابن حمزة (5)، فقالا باستحباب تركه له، إمّا مطلقا

____________

(1) النساء: 3، النور: 32.

(2) الوسائل 20: 13 و 43 أبواب مقدمات النكاح و آدابه ب 1 و 11.

(3) حكاه في المغني و الشرح الكبير 7: 334 عن أبي بكر بن عبد العزيز، و نسبه الشيخ في الخلاف 4: 246 إلى داود.

(4) المبسوط 4: 160.

(5) الوسيلة: 289.

12

كالأول، أو مع عدم القدرة على أهبه النكاح كالثاني، لوجوه غير تامّة.

لو تعارض مع الفراغة لسائر العبادات فهل هو أفضل، أم هي؟

فيه خلاف، و الأشهر الأقوى: الأول، لأنّه أيضا في نفسه عبادة، و ما يتبعه من أداء حقوق الزوجة- و هو المزاحم للتفرّغ- عبادات أخر شاقّة، و يزيد ذلك من سائر العبادات بمزيد التأكيدات و الترغيبات سيّما بما يدلّ على أفضليّته من غيره:

كرواية ابن ميمون: «ما استفاد امرؤ فائدة بعد الإسلام أفضل من زوجة مسلمة» الحديث (1).

و ابن مهران: «ما من شيء أحبّ إلى اللّه من بيت يعمر في الإسلام بالنكاح» (2).

و في رواية: «شرار موتاكم العزّاب» [1].

و لا يعارضها ما ورد في فضيلة بعض العبادات، كالصلاة و الجهاد و نحوهما، لأنّ الكلام في أفضليّته عن نفس التفرّغ لا عن جميع سائر العبادات.

و يتأكّد رجحانه مع خوف الوقوع في المحرّم بتركه، بل صرّح جماعة بوجوبه حينئذ (4)، و الدليل لا يساعده.

____________

[1] الكافي 5: 329- 3، الفقيه 3: 242- 1148، التهذيب 7: 239- 1045، الوسائل 20: 19 أبواب مقدمات النكاح ب 2 ح 3، و في الجميع: «أرذال» بدل:

«شرار»، و في الفقيه: «أراذل»، و التعبير بالشرار موجود في المقنعة: 497.

____________

(1) الكافي 5: 327- 1، الفقيه 3: 246- 1168، التهذيب 7: 240- 1047، المقنعة: 497، الوسائل 20: 40 أبواب مقدمات النكاح ب 9 ح 10.

(2) الكافي 5: 328- 1، الوسائل 20: 16 أبواب مقدمات النكاح ب 1 ح 10.

(4) كالعلّامة في القواعد 2: 2، فخر المحققين في الإيضاح 3: 3، الشهيد الثاني في الروضة 5: 85.

13

و الظاهر نقص الرجحان بما إذا صعبت معه المعيشة، روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «إذا أتى على أمّتي مائة و ثمانون سنة- أي من هجرتي- فقد حلّت لهم العزوبة و العزلة و الترهّب على رؤوس الجبال».

و في حديث آخر: «يأتي على الناس زمان لا تنال المعيشة فيه إلّا بالمعصية، فإذا كان ذلك الزّمان حلّت العزوبة» (1).

و له و للدخول بالزوجة آداب مستحبّة:

أمّا آداب النكاح:

فمنها: اختيار البكر من النساء

، الولود، العفيفة، الكريمة الأصل، بكونها من أهل بيت الإيمان أو الصلاح، أو غير الناشئة هي أو آباؤها أو أمّهاتها من زنى أو حيض و شبهة، أو البعيدة هي و أبواها عن الألسن.

كلّ ذلك للروايات (2) و الاعتبارات.

و منها: أن يقصد بالنكاح اتّباع السنّة

و الولد الصالح و المعونة على الطاعة و المحافظة عن المعصية كلّا أو بعضا- دون التلذّذ أو نحوه من الأمور الدنيوية- ليكون فعله موردا للثواب و إطاعة للّه سبحانه.

و لو قصد الأمرين من الدينيّة و الدنيويّة فمع استقلال أحدهما في

____________

(1) التحصين لابن فهد الحلّي: 4، مستدرك الوسائل 11: 387 أبواب جهاد النفس ب 51 ح 19، بتفاوت.

(2) الوسائل 20: 27 أبواب مقدمات النكاح ب 6.

14

المطلوبية فالحكم له، و مع استقلال كلّ منهما فالظاهر كونه مؤدّيا للسنّة مستحقّا للثواب، و مع عدم استقلال شيء منهما فلا يكون مثابا، لأنّ المركّب من الدينيّة و الدنيويّة ليس دينيّا.

و منها: أنّ بعد قصد السنّة بالنكاح يتبعها في تعيين الزوجة

أيضا، فيرجّح بالمرجّحات الواردة في السنّة من العفيفة الكريمة، لا بالمرجّحات الدنيويّة من الحسن و الجمال و الثروة و المال.

ففي حسنة هشام: «إذا تزوّج الرجل المرأة لجمالها أو مالها وكّل إلى ذلك، و إذا تزوّجها لدينها رزقه اللّه الجمال و المال» (1).

و في رواية العجلي: «من تزوّج امرأة لا يتزوّجها إلّا لجمالها لم ير فيها ما يحبّ، و من تزوّجها لمالها لا يتزوّجها إلّا له وكّله اللّه إليه، فعليكم بذات الدين» (2).

و مقتضى الروايتين: كراهة قصد المال و الجمال خاصّة، كأن يرجّح ذات المال أو الجمال الغير العفيفة على العفيفة مثلا، فلو قصدهما مع ما يترجح بالسنّة لم يكن مكروها، كأن يرجّح ذات المال أو الجمال العفيفة على العفيفة الكريهة إذا لم يكن المال أو الجمال مستقلّا في التعيين، إذ ليس قصد المركّب من العفّة و المال مثلا قصد المال فلا تشمله الحسنة و نحوها، مع أنّها لو شملته يجب التخصيص بمفهوم رواية العجلي.

____________

(1) الكافي 5: 333- 3، الفقيه 3: 248- 1180، التهذيب 7: 403- 1609، الوسائل 20: 49 أبواب مقدمات النكاح ب 14 ح 1.

(2) التهذيب 7: 399- 1592، الوسائل 20: 50 أبواب مقدمات النكاح ب 14 ح 4.

15

و لذا عبّر جماعة منهم الروضة بقوله: و لا يقتصر على الجمال أو الثروة من دون مراعاة الأصل و العفّة (1).

و منها: أن يصلّي قبل تعيين المرأة ركعتين

و يحمد اللّه تعالى.

ثمَّ يدعو بالمأثور في رواية أبي بصير: «إذا همّ بذلك فليصلّ ركعتين و يحمد اللّه تعالى و يقول: اللّهمّ إنّي أريد أن أتزوّج فقدّر لي من النساء أعفّهنّ فرجا، و أحفظهنّ لي في نفسها و في مالي، و أوسعهنّ رزقا، و أعظمهنّ بركة، و قدّر لي منها ولدا طيّبا تجعله خلفا صالحا في حياتي و بعد موتي» (2).

و منها: إيقاع العقد معلنا في حضور شاهدين.

لمكاتبة المهلب: «التزويج الدائم لا يكون إلّا بوليّ و شاهدين» (3).

و صحيحة زرارة: عن الرجل يتزوج المرأة بغير شهود، فقال:

«لا بأس بتزويج البتّة فيما بينه و بين اللّه، إنّما جعل الشهود في تزويج البتّة من أجل الولد، لو لا ذلك لم يكن به بأس» (4).

و رواية محمّد: «إنّما جعلت البيّنة في النكاح من أجل المواريث» (5).

____________

(1) الروضة 5: 87.

(2) الكافي 5: 501- 3، الفقيه 3: 249- 1187، التهذيب 7: 407- 1627، الوسائل 20: 113 أبواب مقدمات النكاح ب 53 ح 1.

(3) التهذيب 7: 255- 1101، الاستبصار 3: 146- 529، الوسائل 21: 34 أبواب المتعة ب 11 ح 11.

(4) الكافي 5: 387- 1، التهذيب 7: 249- 1077، الوسائل 20: 98 أبواب مقدمات النكاح ب 43 ح 3.

(5) التهذيب 7: 248- 1076 و 409- 1635، الوسائل 20: 99 أبواب مقدمات النكاح ب 43 ح 6.

16

و صحيحة محمّد: «إنّما جعلت البيّنات للنسب و المواريث» [1].

و لأنّه أنفى للتهمة و أبعد عن الخصومة.

و هل استحبابه مخصوص بالدائم؟ كما في الروضة و شرح القواعد (2)، و غيرهما (3)، للأصل، و اختصاص الروايتين الأوليين بل الأخيرتين أيضا، إذ لا ميراث لغير الدائم بالدائم، بل نفي مفهوم الأوليين عن غيره.

أو مطلق؟ كما يقتضيه إطلاق النافع و القواعد و اللمعة (4)، و غيرها (5)- و إن أمكن حمله على الشائع الغالب- لإمكان التهمة و الخصومة في غير الدائم أيضا، بل لعموم الروايتين الأخيرتين، إذ الميراث لا يختصّ بإرث الزوجة، بل يرث ولد المتمتّعة أيضا، و بهما يندفع الأصل، و أمّا المفهومان فلا اعتبار بهما، لكونهما وصفين، فالتعميم أولى.

و لا يشترط الإشهاد في صحّة العقد إجماعا في غير الدائم، و على الأصحّ الأشهر فيه أيضا، بل بالإجماع أيضا، كما عن الانتصار و الناصريات و الخلاف و الغنية و السرائر و التذكرة و التنقيح و المسالك (6).

____________

[1] رواها في الكافي 5: 387- 2، و الوسائل 20: 97 أبواب مقدمات النكاح ب 43 ح 1، بإسناده عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و لا توجد روايتها عن محمد بن مسلم.

____________

(2) الروضة 5: 88، جامع المقاصد 12: 13، كشف اللثام 2: 7.

(3) كما في النهاية: 450، السرائر 2: 550، 603، 620، التحرير 2: 4.

(4) النافع: 171، القواعد 2: 2، اللمعة (الروضة البهية 5): 88.

(5) كما في الشرائع 2: 267 و الإرشاد 2: 4.

(6) حكاه عنهم في كشف اللثام 2: 7، الانتصار: 118، الناصريات (الجوامع الفقهية): 210، الخلاف 4: 261، 262، الغنية (الجوامع الفقهية): 610، السرائر 2: 550، 603، 620، التذكرة 2: 571، التنقيح 3: 12، المسالك 1: 432.

17

للأصل، و عموم بعض الروايات، و خصوص الصحيحة المتقدّمة.

و رواية محمّد بن الفضيل: قال: قال أبو الحسن موسى (عليه السلام) لأبي يوسف القاضي: «إنّ اللّه تبارك و تعالى أمر في كتابه بالطلاق و وكّده فيه بشاهدين و لم يرض بهما إلّا بعدلين، و أمر في كتابه بالتزويج فأهمله بلا شهود فأثبتّم شاهدين فيما أهمل و أبطلتم الشاهدين فيما أكّد» (1)، فإنّ النكاح الدائم هو الذي أثبتوهما فيه.

خلافا للمحكيّ عن العماني (2).

للمكاتبة المتقدّمة المردودة بالقصور دلالة على الوجوب، لمكان الجملة الخبريّة، و الضعف لأجل الشذوذ، و المعارضة مع ما ذكر، المرجوحة بالنسبة إليه، لموافقة العامّة (3)، كما صرّح به جمع الخاصّة (4)، و دلّت عليها الرواية الأخيرة.

و منها: أن يخطب الزوج أو وليّه أو وكيله أمام العقد

، للتأسّي، و استفاضة الأخبار في خطبة الأطهار أمام الأنكحة، و ليس بواجب إجماعا، و تصرّح به رواية عبيد بن زرارة (5).

و يتحقّق بالحمد و الصلاة و الاستغفار، بل الحمد خاصّة أيضا، كما صرّح به في رواية القدّاح: «إنّ عليّ بن الحسين (عليهما السلام) كان يتزوّج و هو

____________

(1) الكافي 5: 387- 4، الوسائل 20: 98 أبواب مقدمات النكاح ب 43 ح 5.

(2) حكاه عنه في المختلف: 535.

(3) انظر بداية المجتهد 2: 17، المغني 7: 339، مغني المحتاج 3: 144.

(4) كالشيخ في الخلاف 4: 261، الشهيد الثاني في المسالك 1: 431، صاحب الحدائق 23: 33.

(5) الكافي 5: 368- 1، التهذيب 7: 249- 1078 و 408- 1629، الوسائل 20 96 أبواب مقدمات النكاح ب 41 ح 1.

18

يتعرّق عرقا يأكل فما يزيد على أن يقول: الحمد للّه و صلّى اللّه على محمّد و آله، و يستغفر اللّه، و قد زوّجناك على شرط اللّه، ثمَّ قال عليّ بن الحسين (عليهما السلام): إذا حمد اللّه فقد خطب» [1].

و مقتضاها: حصولها بمطلق الحمد و لو بغير العربيّة.

و أكملها الخطب المرويّة عنهم (عليهم السلام) و هي كثيرة (2).

و هذه الخطبة غير الخطبة- بالكسر- و هي: التماس قبول المرأة التزويج قبل إرادة العقد، و يستحبّ فيها أيضا الخطبة- بضمّ الخاء- كما فعله الأئمّة و أبو طالب و غيره، فتكون قبل النكاح خطبتان.

و منها: إيقاعه ليلا.

كما في صحيحة الوشّاء: «إنّ من السنّة التزويج في الليل» (3)، و في رواية ميسر: «تزوّج بالليل» (4).

و التزويج هو النكاح.

و منها: أن يجتنب إيقاعه و القمر في برج العقرب.

لخبر حمران: «من تزوّج و القمر في العقرب لم ير الحسنى» (5).

____________

[1] الكافي 5: 368- 2، التهذيب 7: 408- 1630، الوسائل 20: 96 أبواب مقدمات النكاح ب 41 ح 2، و العرق، بالفتح فالسكون: العظم الذي أخذ عنه اللحم- مجمع البحرين 5: 213.

____________

(2) انظر الوسائل 20: 97 أبواب مقدمات النكاح ب 42.

(3) الكافي 5: 366- 1، التهذيب 7: 418- 1675، الوسائل 20: 91 أبواب مقدمات النكاح ب 37 ح 3.

(4) الكافي 5: 366- 3، الوسائل 20: 91 أبواب مقدمات النكاح ب 37 ح 1.

(5) الفقيه 3: 250- 1188، التهذيب 7: 407- 1628 و 461- 1844، المقنعة:

514، الوسائل 20: 114 أبواب مقدمات النكاح ب 54 ح 1.

19

و كذا في محاق الشهر، و هو زمان كون القمر تحت شعاع الشمس.

لمرسلة الفقيه: و روي أنّه يكره التزويج في محاق الشهر (1).

و كذا في ساعة حارّة من أنصاف النهار.

لرواية ضريس، و فيها: «ما أراهما يتّفقان» (2).

و أمّا آداب الدخول بالزوجة:

فمنها: أنّ يتوضّأ الزوج قبل وصول الزوجة إليه

و يصلّي ركعتين، و يأمر من مع الزوجة أن يأمروها بصلاة ركعتين بعد أن تتوضّأ قبل وصولها إليه، ثمَّ الزوج يمجّد اللّه و يصلّي على محمّد و آله، ثمَّ يدعو اللّه بالدعاء المأثور، و يأمر من معها أن يؤمّنوا على دعائه.

كما ورد كلّ ذلك في صحيحة أبي بصير (3)، فهي الحجة عليه.

و أمّا ما في الروضة و القواعد (4) و غيرهما (5)- من دعاء الزوجة أيضا بهذا الدعاء- فلا يستفاد من هذا الحديث و لا من غيره، و كذا ما في طائفة من الكتب من كون ذلك عند إرادة الدخول بالزوجة إن أريد به الوقاع، و أمّا إن أريد به الوصول و اللقاء- كما هو ظاهر القواعد، حيث عبّر بقوله: عند الدخول- فهو كذلك.

____________

(1) الفقيه 3: 250- 1189، الوسائل 20: 115 أبواب مقدمات النكاح ب 54 ح 2.

(2) الكافي 5: 366- 1، الوسائل 20: 93 أبواب مقدمات النكاح ب 38 ح 1.

(3) الكافي 5: 500- 1، التهذيب 7: 409- 1636، الوسائل 20: 115 أبواب مقدمات النكاح ب 55 ح 1.

(4) الروضة 5: 92، القواعد 2: 2.

(5) كالنافع: 171، الكفاية: 152، الرياض 2: 71.

20

أمّا في صلاة الزوج: فللتصريح به في الصحيح.

و أمّا في صلاة الزوجة: فبقرينة قوله: مرهم أن يأمروها فيه، إذ لو كانت واصلة إليه لم يحتج إلى أمر أهلها بأمرها.

و منها: أن يكون الزفاف ليلا.

لقول الصادق (عليه السلام): «زفّوا عرائسكم ليلا» (1).

و منها: أن يضع يده على ناصيتها

مستقبل القبلة، و يدعو بالمأثور.

و منها: أن يسمّي اللّه تعالى عند الجماع

أبدا، و أن يدعو بالمأثور، و يسأل اللّه تعالى أن يرزقه ولدا ذكرا سويّا صالحا.

و منها: أن يؤلم عند التزويج يوما أو يومين

، و الأفضل أن يكون في الضحى، كما صرّح به الشيخ في النهاية (2)، و يكره ما زاد على اليومين.

كلّ ذلك للروايات (3).

و أمّا ما في بعض الروايات الواردة في كتاب المطاعم: إنّ أبا الحسن أو لم على بعض ولده ثلاثة أيّام (4)، فليس صريحا في كونه في التزويج، بل الظاهر كونه في الولادة أو الختان، مع أنّ الفعل لا يعارض القول.

و يستحبّ أن يكون بعد التزويج، لأنّ النبيّ أولم بعده كما في الروايات.

و الظاهر من الأخبار أنّها مستحبّة للتزويج، و أمّا استحبابها عند الزفاف

____________

(1) الكافي 5: 366- 2، الفقيه 3: 254- 1203، التهذيب 7: 418- 1675، الوسائل 20: 91 أبواب مقدمات النكاح ب 37 ح 2.

(2) النهاية: 481.

(3) الوسائل 20: 94 أبواب مقدمات النكاح ب 40.

(4) الكافي 6: 281- 1، الوسائل 24: 307 أبواب آداب المائدة ب 31 ح 2.

21

كما في كثير من العبارات (1)- فلا تساعده الأخبار.

و لا تجب الإجابة إلى الدعوة إلى وليمة العرس عند علمائنا أجمع- كما في شرح القواعد (2)- بل تستحبّ.

و منها: أن يجتنب المجامعة مطلقا بعد الظهر.

لمرسلة الفقيه: «يا علي، لا تجامع زوجتك بعد الظهر، فإنّه إن قضي بينكما ولد في ذلك الوقت يكون أحول، و الشيطان يفرح بالحول» (3).

و في النافع و القواعد و اللمعة (4) و غيرها (5): عند الزوال.

و استند بعضهم له بذلك الحديث، و هو أعمّ، بل غير دالّ، لأنّ بعد الظهر عرفا مغاير لعند الزوال، و لم أعثر على مستند آخر إلّا أن يثبت الحكم بفتاواهم تسامحا في أدلّة السنن.

و حينئذ، فيستثنى منه عند زوال يوم الخميس، كما ذكره جماعة (6).

لتلك المرسلة أيضا، فقال: «و إن جامعتها يوم الخميس عند زوال الشمس عند كبد السماء فقضي بينكما ولد، فإنّ الشيطان لا يقربه حتى يشيب، و يكون قيّما، و يرزقه اللّه عزّ و جلّ السلامة في الدين و الدنيا».

و عند الغروب حتى يغيب الشفق، و بعد الفجر حتى تطلع الشمس،

____________

(1) كما في الشرائع 2: 267 و القواعد 2: 2 و الكفاية: 153.

(2) جامع المقاصد 12: 19.

(3) الفقيه 3: 359- 1712، الوسائل 20: 251 أبواب مقدمات النكاح ب 149 ح 1.

(4) النافع: 171، القواعد 2: 2، اللمعة (الروضة البهيّة 5): 93.

(5) كالشرائع 2: 268.

(6) منهم الشهيد الثاني في الروضة 5: 93، الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 8، صاحب الرياض 2: 71.

22

و ليلة الخسوف، و يوم الكسوف، و في اليوم أو الليل اللذين تكون فيهما الريح السوداء أو الحمراء أو الصفراء أو الزلزلة.

كلّ ذلك لصحيحة سالم (1).

و مقتضى التخصيص و الأصل اختصاص الكراهة في الخسوف بالليل و في الكسوف بالنهار، فلا يكره في يوم الخسوف و ليلة الكسوف، كما إذا انكسفت الشمس ابتداء الغروب و غربت منكسفة.

و لا تختص الكراهة بما إذا وقعا، فلو علم أحد بوقوع أحدهما في ليلة أو يوم بحساب النجوم يكره قبل الوقوع أيضا.

و في أول ليلة من كلّ شهر- إلّا شهر رمضان- و وسطه و آخره.

لدلالة الروايات على كلّ ذلك (2).

و عاريا.

لمرسلة الفقيه: أجامع و أنا عريان؟ فقال: «لا، و لا تستقبل القبلة و لا تستدبرها» (3).

و مقتضى الأصل: اختصاص الكراهة بكون الزوج عريانا، فلا كراهة في الزوجة.

و تؤيّده رواية إسحاق بن عمّار: في الرجل ينظر إلى امرأته و هي عريانة، قال: «لا بأس بذلك، و هل اللّذة إلّا ذاك» (4).

____________

(1) الكافي 5: 498- 1، المحاسن: 311- 26، طب الأئمة: 131، الوسائل 20:

125 أبواب مقدمات النكاح ب 62 ح 1.

(2) الوسائل 20: 128 أبواب مقدمات النكاح ب 64.

(3) التهذيب 7: 412- 1646، الوسائل 20: 119 أبواب مقدمات النكاح ب 58 ح 2.

(4) الكافي 5: 497- 6، التهذيب 7: 413- 1652، الوسائل 20: 120 أبواب مقدمات النكاح ب 59 ح 1.

23

و عقيب الاحتلام قبل الغسل.

لمرسلة الفقيه: «يكره أن يغشى الرجل المرأة و قد احتلم حتى يغتسل من احتلامه الذي رأى» (1).

و مقتضاها: اختصاص ارتفاع الكراهة بالغسل خاصّة، كما عن الحلّي و في المفاتيح (2).

فالاجتزاء بالوضوء أيضا مطلقا- كما في النافع و القواعد و شرحه و اللمعة (3)، و عن النهاية و المهذّب و الوسيلة (4)- أو مع تعذّر الغسل- كما عن ابن سعيد (5)- خلاف مفهومها و لا يتّضح دليله، و فتوى الفقهاء إنّما تنفع في إثبات الاستحباب أو الكراهة دون رفعهما.

و لا تكره معاودة الجماع بغير غسل، للأصل.

و أمّا ما في الرسالة الذهبيّة لمولانا الرضا (عليه السلام): «الجماع بعد الجماع من غير فصل بينهما بغسل يورث الولد الجنون» (6).

فليس صريحا فيه، لاحتمال فتح الغين، فغايته استحباب غسل الفرج، كما نفى عنه الخلاف في المبسوط مع ضمّ وضوء الصلاة (7).

و تدلّ على الوضوء رواية التميمي: في الجارية يأتيها ثمَّ يريد إتيان

____________

(1) الفقيه 3: 256- 1212، الوسائل 20: 139 أبواب مقدمات النكاح ب 70 ح 1.

(2) الحلي في السرائر 2: 606، المفاتيح 2: 286.

(3) النافع: 171، القواعد 2: 2، جامع المقاصد 12: 24، اللمعة (الروضة البهيّة 5): 94.

(4) النهاية: 482، المهذّب 2: 222، الوسيلة: 314.

(5) الجامع للشرائع: 453.

(6) الرسالة الذهبية: 28، البحار 59: 321.

(7) المبسوط 4: 243.

24

أخرى توضّأ (1).

فيكره قبل غسل الفرج و الوضوء، لما ذكر.

و الحكم بالكراهة قبل الغسل للإلحاق بالاحتلام و احتمال الضمّ لا وجه له و إن احتملت المقام المسامحة، إذ لم يثبت هذا القدر من التسامح.

و المجامعة و في البيت صبيّ مستيقظ يراهما و يسمع كلامهما و نفسهما.

لرواية الحسين بن زيد (2).

بل يتعدّى إلى غير سامع الكلام و النفس إذا رأى أيضا.

للمرويّ في طبّ الأئمة: «إيّاك و الجماع حيث يراك صبيّ يحسن أن يصف حالك» (3).

و في بعض الكتب عن الصادق (عليه السلام): «نهى أن توطأ المرأة و الصبيّ في المهد ينظر إليهما» (4).

بل يمكن التعدّي إلى مطلق الصبيّ و إن لم يكن يرى، كما هو مقتضى إطلاق كلام النهاية (5) و غيره (6).

____________

(1) التهذيب 7: 459- 1837، الوسائل 21: 200 أبواب نكاح العبيد و الإماء ب 84 ح 2.

(2) الكافي 5: 500- 2، الوسائل 20: 133 أبواب مقدمات النكاح ب 67 ح 8.

(3) طب الأئمّة «ع»: 133، الوسائل 20: 134 أبواب مقدمات النكاح ب 67 ح 8.

(4) دعائم الإسلام 2: 213- 784، 781، مستدرك الوسائل 14: 227 أبواب مقدمات النكاح ب 50 ح 1، بتفاوت يسير.

(5) النهاية: 482.

(6) المراسم: 151.

25

لرواية راشد: «لا يجامع الرجل امرأته و لا جاريته و في البيت صبيّ» (1).

و مقتضى إطلاق بعض تلك الأخبار و تصريح بعضها: عدم اختصاص الحكم بالصبيّ المميّز، بل يتعدّى إلى غيره و لو كان رضيعا أيضا، كما عليه المحقّق (2) و جماعة (3)، بل هو مقتضى إطلاق أكثر الأصحاب.

فالتقييد بالمميّز- كما عن بعضهم (4)- لا وجه له، و التوصيف بقوله:

«يحسن أن يصف حالك» في الثانية لا يوجب تقييد المطلق و طرح الصريح، لأنّه وصف لا يعتبر مفهومه، و كذا التوصيف بسماع الكلام و النفس في الأولى، إن جعلناه مشعرا بالتمييز كما في الروضة (5).

ثمَّ تلك الروايات و إن اختصّت بالصبي، إلّا أنّه يتعدّى إلى غيره بالفحوى و عدم الفصل، و لعلّ التخصيص لندرة المجامعة في حضور غير الصبي.

و مقتضى صريح الأخيرة و إطلاق الثانية بل الثالثة: عموم الكراهة لجماع الحرّة و الأمة، كما صرّح به بعضهم (6)، و يقتضيه إطلاق كلام

____________

(1) الكافي 5: 499- 1، المحاسن: 317- 42، الوسائل 20: 132 أبواب مقدمات النكاح ب 67 ح 1.

(2) المختصر النافع: 171.

(3) كالعلّامة في التحرير 2: 4، الشهيد في اللمعة (الروضة البهية 5): 94، الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 8.

(4) كالشهيد الثاني في المسالك 1: 435.

(5) الروضة 5: 95.

(6) انظر التنقيح الرائع 3: 20.

26

جماعة، منهم: النافع و القواعد و اللمعة (1).

و عن المشهور: الاختصاص بالحرّة (2).

لصحيحة ابن أبي يعفور: عن الرجل ينكح الجارية من جواريه و معه في البيت من يرى ذلك و يسمعه، قال: «لا بأس» (3).

و فيه: أنّ نفي البأس لا ينفي الكراهة.

ثمَّ إنّ منهم من قيّد الكراهة بما إذا لم ير العورة، قال: و إلّا فيحرم (4).

و فيه نظر، لأنّ حرمة النظر إلى العورة أو كشفها لا يحرم الجماع.

و النظر إلى فرج المرأة عند المجامعة.

لموثّقة سماعة (5).

و مرسلة الفقيه في وصايا النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «لا ينظرنّ أحد إلى فرج امرأته و ليغضّ بصره عند الجماع، لأنّ النظر إلى الفرج يورث العمى في الولد» (6).

بل مطلقا كما قال جماعة (7)- و إن جعلوا المقيّد أشد كراهة- لظهور المرسلة في الإطلاق.

و لا يقيّده قوله: «عند الجماع»، لأنّ الأصل رجوع القيد إلى الأخير.

____________

(1) النافع 1: 171، القواعد 2: 2، اللمعة (الروضة البهيّة 5): 94.

(2) كما في المقنعة: 515، المراسم: 151، المفاتيح 2: 287، الحدائق 23: 137.

(3) التهذيب 8: 208- 735، الوسائل 21: 194 أبواب نكاح العبيد و الإماء ب 75 ح 1.

(4) الرياض 2: 72.

(5) التهذيب 7: 414- 1656، الوسائل 20: 121 أبواب مقدمات النكاح ب 59 ح 3.

(6) الفقيه 3: 359- 1712، الوسائل 20: 121 أبواب مقدمات النكاح ب 59 ح 5.

(7) كالشهيد الثاني في الروضة: 95 و صاحب الرياض 2: 72.

27

و لا التعليل، لاحتمال كونه لغضّ البصر، حيث إنّ فتحه معرض النظر، أو المراد بالغضّ: غضّه عن النظر إلى الفرج، و حينئذ يتّضح وجه الأشدّية، لأنّها مقتضى ذكر الخاصّ بعد العامّ.

و لا يحرم ذلك على الأشهر، بل بالإجماع كما عن الخلاف (1)، خلافا لابن حمزة (2)، و هي- مع عدم صراحتها- معارضة بنفي البأس عنه في الموثّقة و في رواية أبي حمزة (3).

و الجماع مستقبل القبلة و مستدبرها.

لما مرّ.

و للمرسلة: «نهى رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) عن الجماع مستقبل القبلة و مستدبرها» (4).

و الإجماع على عدم الحرمة أوجب صرف النهي إلى الكراهة.

و التكلّم عند الجماع.

لقوله: «اتّقوا الكلام عند ملتقى الختانين» (5).

و تشتد الكراهة مع تكثيره الكلام.

للمرسلة الواردة في الوصيّة لعليّ (عليه السلام): «لا تتكلّم عند الجماع

____________

(1) الخلاف 4: 249.

(2) الوسيلة: 314.

(3) الكافي 5: 497- 5، التهذيب 7: 413- 1651، الوسائل 20: 120 أبواب مقدمات النكاح ب 59 ح 2، في النسخ: ابن حمزة، و ما أثبتناه من المصادر.

(4) الفقيه 1: 180- 851، الوسائل 4: 319 أبواب القبلة ب 12 ح 3.

(5) الكافي 5: 498- 7، التهذيب 7: 413- 1653، الوسائل 20: 123 أبواب مقدمات النكاح ب 60 ح 1.

28

كثيرا» (1).

و جعلها دليلا على أشدّية الكراهة في الرجل مطلقا أو مع الكثرة غير جيّد، لعدم دلالتها عليها.

و استثنى جماعة [1] من الكلام: ذكر اللّه سبحانه، و الروايتان مطلقتان.

و لعلّه لقوله (عليه السلام): «ذكر اللّه حسن على كلّ حال» (3).

أو لما ورد من استحباب التسمية عند الجماع.

و للمرتضويّ: «إذا جامع أحدكم فليقل: اللّهم جنّبني الشيطان» إلى آخر الدعاء (4).

و لكن الأول عامّ ينبغي تخصيصه بما مرّ، و الثاني ظاهر في إرادة الجماع كما يستفاد من روايات أخر (5).

إلّا أن يقال: إنّ الأول أعمّ من وجه ممّا مرّ، فيرجع في محلّ التعارض إلى أصالة عدم الكراهة.

____________

[1] منهم ابن حمزة في الوسيلة: 314، الحلي في السرائر 2: 606، المحقق في النافع: 171، الشهيد في اللمعة (الروضة البهيّة 5): 96.

____________

(1) الفقيه 3: 359- 1712، الوسائل 20: 123 أبواب مقدمات النكاح ب 60 ح 3.

(3) الكافي 2: 497- 6، الوسائل 1: 310 أبواب أحكام الخلوة ب 7 ح 2.

(4) الكافي 5: 503- 3، الوسائل 20: 136 أبواب مقدمات النكاح ب 68 ح 3.

(5) الوسائل 20: 135 أبواب مقدمات النكاح ب 68.

29

الفصل الثاني في بعض الأحكام و اللواحق لهذا الباب

و فيه مسائل

المسألة الأولى: الأصل و إن كان جواز نظر كلّ أحد إلى كلّ شيء

، إلّا أنّه خرج منه نظر الرجل إلى عورة غير الأهل، رجلا كان أو امرأة، حرّة أو أمة، محرما أو غير محرم.

بالإجماع، بل الضرورة الدينيّة، و الكتاب.

قال الله سبحانه قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ (1).

قال الصادق (عليه السلام) كما في مرسلة الفقيه: «كلّ ما كان في كتاب اللّه من ذكر حفظ الفرج فهو من الزنى، إلّا في هذا الموضع، فإنّه الحفظ من أن ينظر إليه» (2).

و هو عامّ شامل لجميع الفروج و الناظرين.

و في مرسلة أخرى له طويلة مشتملة على جملة من مناهي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «و نهى أن ينظر الرجل إلى عورة أخيه المسلم، و نهى أن تنظر المرأة إلى عورة المرأة» إلى أن قال: «و من نظر إلى عورة أخيه المسلم

____________

(1) النور: 30.

(2) الفقيه 1: 63- 235، الوسائل 1: 300 أبواب أحكام الخلوة ب 1 ح 3.

30

أو عورة غير أهله متعمّدا أدخله اللّه النار مع المنافقين» الحديث (1).

و في رواية جابر: «لعن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) رجلا ينظر إلى فرج امرأة لا تحلّ له» (2).

و في مرسلة محمّد بن جعفر: «ليس للوالد أن ينظر إلى عورة الولد، و ليس للولد أن ينظر إلى عورة الوالد» (3).

و في المرويّ في عقاب الأعمال: «من اطلع في بيت جاره فنظر إلى عورة رجل أو شعر امرأة أو شيء من جسدها كان حقّا على اللّه أن يدخله النار مع المنافقين» (4).

و يستفاد من الأخيرة: حرمة النظر إلى شعور النساء و جزء من أجسادهنّ مطلقا أيضا.

و يدلّ على ذلك أيضا- مضافا إلى الإجماع- المرويّ في العلل:

«حرّم النظر إلى شعور النساء المحجوبات بالأزواج و إلى غيرهن، لما فيه من تهيّج الرجل و [ما] يدعو إليه التهييج من الفساد و الدخول فيما لا يحلّ، و كذلك ما أشبه الشعور» الحديث [1].

أي أشبهها في تهييج الشهوة، و لا شكّ أنّ العورة بل جميع أجسادهنّ

____________

[1] العلل: 564- 1، الوسائل 20: 193 أبواب مقدمات النكاح ب 104 ح 12، و ما بين المعقوفين أضفناه من المصادر.

____________

(1) الفقيه 4: 5- 1، الوسائل 1: 299 أبواب أحكام الخلوة ب 1 ح 2.

(2) الكافي 5: 559- 14، الوسائل 20: 191 أبواب مقدمات النكاح ب 104 ح 3.

(3) الكافي 6: 503- 36، الوسائل 2: 56 أبواب آداب الحمام ب 21 ح 1.

(4) عقاب الأعمال: 282، الوسائل 20: 194 أبواب مقدمات النكاح ب 104 ح 16.

31

كذلك.

و صحيحة الحسن بن السريّ: «لا بأس بأن ينظر الرجل إلى المرأة إذا أراد أن يتزوّجها ينظر إلى خلفها و وجهها» (1).

دلّت بمفهوم الشرط على حرمة النظر إليها إذا لم يرد تزوّجها، و النظر يتحقّق برؤية جزء من جسدها، فيكون حراما.

و احتمال أن يكون قوله: «ينظر إلى خلفها و وجهها» بيانا للنظر، فيكون النظر المحرّم إلى الخلف و الوجه لا يضرّ، للتعدّي إلى الباقي بالإجماع المركّب.

و يدلّ على حرمة النظر إلى غير الوجه و الكفين من النساء اللاتي لا يراد تزوّجها مفهوم الشرط في حسنة هشام و حمّاد و حفص: «لا بأس بأن ينظر إلى وجهها و معاصمها إذا أراد أن يتزوّجها» (2).

و المعصم: موضع السوار من اليد.

دلّت بالمفهوم على حرمة النظر بدون إرادة التزويج إلى الوجه و المعصم، فيحرم غيرهما أيضا بالطريق الأولى و الإجماع المركّب.

و إنّما قلنا: إنّها تحرم النظر إلى غير الوجه و الكفين، لأنّ المفهوم حرمة النظر إلى مجموع الوجه و المعصم، و حرمة ذلك يستلزم حرمة غير الوجه و الكفّين منفردة بما مرّ، و لكن لا يستلزم حرمة النظر إلى الوجه أو الكفّين منفردا، لانتفاء الإجماع المركّب.

و لا يتوهّم أنّ المعصم جزء من الكفّ، لأنّه موضع السوار و هو غير

____________

(1) الكافي 5: 365- 3، الوسائل 20: 88 أبواب مقدمات النكاح ب 36 ح 3.

(2) الكافي 5: 365- 2، الوسائل 20: 88 أبواب مقدمات النكاح ب 36 ح 2.

32

الكفّ، و لذا أفرد كلّا منهما بالذكر عن الآخر في صحيحة عليّ بن جعفر المرويّة في قرب الإسناد: عن الرجل ما يصلح أن ينظر من المرأة التي لا تحلّ له؟ قال: «الوجه و الكفّان و موضع السوار» (1).

و لذا قال بعضهم- بعد ذكر هذا الخبر دليلا على جواز النظر إلى وجوه الأجنبيات و أكفهنّ-: إنّه لا يقدح فيه زيادة موضع السوار مع عدم جواز النظر إليه، لكونه من باب العام المخصّص (2).

و الاستدلال على حرمة النظر إلى جزء من جسدهنّ مطلقا بقوله سبحانه قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ و في غير المحارم بقوله تعالى وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ الآية (3).

ليس بجيّد، لإجمال الأول من جهة موضع النظر، فلعلّه العورة، و حمله على العموم لا وجه له.

و القول- بأنّ الأمر بغضّ البصر مطلق لا يحتاج إلى تقدير، خرج منه ما خرج- باطل، لإيجابه خروج الأكثر.

و لاحتمال إرادة نفس الزينة من الثاني، فيكون المراد النهي عن إبداء مواضع الزينة حال كونها مزيّنة، حيث إنّه مهيّج للشهوة.

هذا حكم الرجل الناظر.

و منه يظهر حكم المرأة الناظرة، إذ لا فارق بينهما عند الأصحاب ظاهرا، فيحرم نظرها إلى العورة مطلقا، و إلى كل ما يحرم من المرأة نظر

____________

(1) قرب الإسناد: 227- 890.

(2) انظر الرياض 2: 74.

(3) النور: 31.

33

الرجل إليه.

للإجماع المركّب على الظاهر، مضافا في العورة إلى الآية، و حديث المناهي (1).

و في سائر الأجزاء إلى رواية البرقي: استأذن ابن أم مكتوم على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و عنده عائشة و حفصة، فقال لهما: «قوما فادخلا البيت» فقالتا:

إنّه أعمى، فقال: «إن لم يركما فإنّكما تريانه» (2).

و المرويّ في عقاب الأعمال: «اشتدّ غضب اللّه على امرأة ملأت عينها من غير زوجها أو غير ذي محرم معها» (3).

و إن كان في دلالة الأولى على الوجوب نظر، إذ القيام و الدخول في البيت ليس واجبا قطعا، و جعلها مجازا عن عدم الرؤية ليس بأولى من حملها على الاستحباب ترغيبا على غاية المباعدة.

بل في دلالة الثانية، لأنّ ملأ العين تجوّز يحتمل معناه المجازي وجوها كثيرة.

نعم، روي أنّ أمّ سلمة قالت: كنت أنا و ميمونة عند النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فأقبل ابن أمّ مكتوم فقال: «احتجبا عنه» فقلنا: إنّه أعمى، فقال: «أ فعمياوان أنتما؟!» (4).

و هو يدلّ على الوجوب، و ضعفه بالعمل مجبور.

____________

(1) المتقدم في ص: 29.

(2) الكافي 5: 534- 2، الوسائل 20: 232 أبواب مقدمات النكاح ب 129 ح 1.

(3) عقاب الأعمال: 286، الوسائل 20: 232 أبواب مقدمات النكاح ب 129 ح 2.

(4) مكارم الأخلاق 1: 498، الوسائل 20: 232 أبواب مقدمات النكاح ب 129 ح 4.

34

و ممّا ذكر ظهرت حرمة نظر كلّ من الرجل و المرأة إلى جزء من أجزاء جسد الآخر، و لكن هذا إنّما هو من باب الأصل، و قد استثنيت منه مواضع تأتي.

هذا حكم الرجال و النساء.

و أمّا الصبيان، فالظاهر جواز النظر إلى غير عوراتهم مطلقا، سواء كانوا مميّزين أو غير مميّزين.

للأصل الخالي عن الصارف، لاختصاص الموانع بالرجل و النساء و المرأة، التي هي حقائق في البالغ.

و تدلّ عليه أيضا صحيحة البجلي: عن الجارية التي لم تدرك متى ينبغي لها أن تغطّي رأسها ممّن ليس بينها و بينه محرم- إلى أن قال-:

«لا تغطّي رأسها حتى تحرم عليها الصلاة» (1).

و أمّا بعض الأخبار المانعة عن تقبيل الصبيّة التي لها ستّ سنين أو وضعها على الحجر أو ضمّها، فلا يدلّ على منع النظر (2).

و أمّا العورات فلا يجوز النظر إليهم إن كانوا مميّزين، أي الحدّ الذي يعتاد فيه التميّز لأكثر الصبيان.

لإطلاق بعض الموانع.

و أمّا إن لم يكونوا مميّزين فالظاهر الجواز.

لإطباق الناس في الأعصار و الأمصار على عدم منع هؤلاء عن كشف

____________

(1) الكافي 5: 533- 2، العلل: 565- 2، الوسائل 20: 228 أبواب مقدمات النكاح ب 126 ح 2.

(2) انظر الوسائل 20: 228 أبواب مقدمات النكاح ب 127.

35

العورات و نظرهم إليها.

و أمّا نظرهم إلى الغير فلا شك في جوازه مطلقا مع عدم تمييزهم.

و أمّا مع التميّز فلا يجوز نظرهم إلى العورة، للأمر باستئذان الذين لم يبلغوا الحلم في الآية عند العورات الثلاث التي كانوا يضعون فيها الساتر للعورة (1).

و تؤيّده الروايتان:

إحداهما: «و الغلام لا يقبّل المرأة إذا جاز سبع سنين» (2).

و الأخرى: في الصبيّ يحجم المرأة، قال: «إن كان يحسن أن يصف، لا» (3).

و هل المراد بعدم الجواز هنا: حرمته و وجوب الاستئذان على الصبيّ نفسه؟

أو الوجوب علي الوليّ أمره و نهيه؟

أو وجوب تستّر المنظور إليه عنه؟

الظاهر هو: الأول، و لا بعد فيه، لأخصّية دليله عن أدلّة رفع القلم عن الصبيّ.

و أمّا غير العورة، فمقتضى الأصل الخالي عن المعارض جوازه، و بعض العمومات- إن كان- مخصّص بغير الصبي، لعمومات رفع القلم عنه.

____________

(1) النور: 58.

(2) الفقيه 3: 276- 1311، الوسائل 20: 230 أبواب مقدمات النكاح ب 127 ح 4.

(3) الكافي 5: 534- 1، الوسائل 20: 233 أبواب مقدمات النكاح ب 130 ح 2، بتفاوت يسير.

36

و تدلّ عليه رواية البزنطي: «يؤخذ الغلام بالصلاة و هو ابن سبع سنين، و لا تغطّي المرأة شعرها عنه حتى يحتلم» (1).

و لا تعارضها رواية الحجامة، لعدم دلالتها على الحرمة.

و لا قوله سبحانه أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلىٰ عَوْرٰاتِ النِّسٰاءِ (2)، حيث قيّد تعالى شأنه جواز الإبداء للطفل بقوله لَمْ يَظْهَرُوا أي لم يميّزوا.

لعدم صراحته في ذلك المعنى، لجواز أن يراد: لم يقووا على عوراتهنّ كما قيل (3)، مع أنّه على فرض الصراحة تكون دلالته على المنع بمفهوم الوصف الذي ليس بحجّة على الأظهر، إلّا أنّه صرّح في شرح القواعد بنفي الخلاف بين العلماء في أنّه كالبالغ (4)، فالأحوط: المنع أيضا.

المسألة الثانية: يستثنى ممّا مرّ من حرمة النظر مواضع:

منها: نظر الرجل إلى امرأة يريد نكاحها

، و لا خلاف في جواز النظر إلى وجهها و يديها إلى الزند، و استفاضت عليه حكاية الإجماع (5)، بل تحقّق، فهو الحجّة فيه مع ما مرّ من صحيحة ابن السريّ و حسنة هشام و حفص و حمّاد (6).

____________

(1) الفقيه 3: 276- 1308، الوسائل 20: 229 أبواب مقدمات النكاح ب 126 ح 3.

(2) النور: 31.

(3) انظر مجمع البيان 4: 137، جامع المقاصد 12: 36.

(4) جامع المقاصد 12: 38.

(5) كما في التذكرة 2: 573، المسالك 1: 435، المفاتيح 2: 374، الرياض 2: 72.

(6) المتقدمة جميعا في ص: 31.

37

و حسنة محمّد: عن الرجل يريد أن يتزوّج المرأة أ ينظر إليها؟ قال:

«نعم» (1).

و مرسلة الفضل: أ ينظر الرجل إلى المرأة يريد تزويجها فينظر إلى شعرها و محاسنها؟ قال: «لا بأس بذلك إذا لم يكن متلذّذا» (2)، و الوجه و الكفّان من المحاسن.

و موثّقة غياث: في رجل ينظر إلى محاسن امرأة يريد أن يتزوّجها، قال: «لا بأس» (3).

و يظهر من الأخيرتين جواز النظر إلى شعرها و محاسنها أيضا، فهو الأقوى وفاقا للمشايخ الثلاثة (4)، مضافا في الشعر إلى صحيحة ابن سنان:

الرجل يريد أن يتزوّج المرأة أ فينظر إلى شعرها؟ قال: «نعم» (5).

لا يقال: إنّ في لفظ المحاسن إجمالا، ففسّره بعضهم بالمواضع الحسنة من الجسد (6)، فيشمل جميع ما عدا العورتين.

و آخر بمواضع الزينة (7)، فيشمل الوجه و الاذن و الرقبة و اليدين و القدمين.

____________

(1) الكافي 5: 365- 1، الوسائل 20: 87 أبواب مقدمات النكاح ب 36 ح 1.

(2) الكافي 5: 365- 5، الوسائل 20: 88 أبواب مقدمات النكاح ب 36 ح 5.

(3) التهذيب 7: 435- 1735، الوسائل 20: 89 أبواب مقدمات النكاح ب 36 ح 8.

(4) الصدوق في الفقيه 3: 260- 1239، المفيد في المقنعة: 80، الطوسي في النهاية: 484.

(5) الفقيه 3: 260- 1239، التهذيب 7: 435- 1734، الوسائل 20: 89 أبواب مقدمات النكاح ب 36 ح 7.

(6) انظر جامع المقاصد 12: 28.

(7) انظر الروضة 5: 97.

38

و في السرائر بالوجه و الكفّين و القدمين [1].

و يظهر من التذكرة: أنّه الوجه و الكفّان (2)، فلا يثبت الزائد ممّا وقع عليه الإجماع و الشعر، و عدم الفصل بين الشعر و المحاسن غير ثابت.

لأنّا نقول: إنّه على ذلك تكون عمومات المنع مخصّصة بالمجمل، فلا تكون حجّة في موضع الإجمال، فيبقى ما عدا المجمع عليه- و هو العورة- تحت أصل جواز النظر.

و يشترط في الجواز: صلاحيّتها للنكاح (و تجويز إجابتها، لأنّه المتبادر من النصوص، و لتوقّف الإرادة المعلّق عليها الحكم عليه)، [2] فلا يجوز في ذات البعل أو المحرّمة مؤبّدا أو لنكاح أختها و نحوهما.

و قيل: في ذات العدّة البائنة أيضا (4).

و فيه نظر، لعدم تبادر غيره، و إمكان الإرادة في حقّها و إن لم يمكن بالفعل.

و لا يرد مثله في ذات البعل، لعدم تحقّق الإرادة فيها عرفا.

و في اشتراط الاستفادة بالنظر ما لا يعرفه قبله للجهل أو النسيان أو احتمال التغيّر، قول اختاره جماعة [3].

استنادا إلى أنّه المتبادر من النصوص، سيّما مع ملاحظة التعليل

____________

[1] السرائر 2: 609، و ليس فيه: و القدمين.

[2] ما بين القوسين ليس في «ق».

[3] منهم الشهيد الثاني في الروضة 5: 98، السبزواري في الكفاية: 153، الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 8، صاحب الرياض 2: 72.

____________

(2) التذكرة 2: 572.

(4) انظر الروضة 5: 98.

39

بالاستيام أو الأخذ بأغلى الثمن.

و أنّه المتيقّن الذي يجب الاقتصار عليه فيما خالف الأصل.

و يضعّف الأول: بمنع التبادر من اللفظ، و إنّما هو أمر يسبق إلى الذهن من استنباط العلّة أو الإشارة إليها، و مثله لا يقيّد إطلاق اللفظ.

و الثاني: بمنع تيقّن مقتضى الإطلاق أيضا.

و هل يشترط تعيّن الزوجة التي يريد نكاحها؟

أم لا، بل يجوز النظر إلى نسوة متعدّدة ليتزوّج من يختار منهن؟

الظاهر: الثاني، إذ يقصد نكاح كلّ واحدة لو أعجبته فهو مريد نكاحها لو أعجبته كما في الواحدة.

و هل يلحق بالرجل المرأة في جواز نظرها إليه للتزوّج لو لم نقل بالجواز في الوجه و الكفّين مطلقا؟

صريح جماعة: نعم [1]، لاتّحاد العلّة، بل الأولويّة، حيث إنّ الرجل يمكنه الطلاق لو لم يستحسنها، بخلاف الزوجة.

و قيل: لا (2)، لكون العلّة مستنبطة، و هو الأقوى لذلك.

و جعل العلّة قطعيّة باطل، لجواز كونها إيجاب الصداق و الإنفاق، كما تومئ إليه الأخبار.

و منها: نظره إلى وجه أمة يريد شراءها

و كفّيها و شعرها و سائر جسدها و مسّها مع إذن المولى، و كذا النظر إلى الوجه و الكفّين و لو بدون

____________

[1] منهم العلّامة في القواعد 2: 2، المحقّق الثاني في جامع المقاصد 12: 29، الشهيد الثاني في المسالك 1: 435.

____________

(2) الرياض 2: 72.

40

إذنه، اتّفاقا كما حكاه جماعة [1].

له، و لرواية أبي بصير: الرجل يعترض الأمة ليشتريها، قال: «لا بأس بأن ينظر إلى محاسنها و يمسّها ما لم ينظر إلى ما لا ينبغي النظر إليه» (2).

و الأظهر: جواز نظره إلى شعرها أيضا، كما قال به جماعة (3)، بل إلى محاسنها، كما قال به جمع آخر (4)، بل هو الأشهر، بل إلى ما عدا عورتها، كما قاله بعض الأصحاب (5).

كلّ ذلك للرواية المتقدّمة، بضميمة ما مرّ من عدم حجّية العامّ المخصّص بالمجمل في موضع الإجمال و بقاء الأصل فيه خاليا عن المزيل.

مع تأيّده و اعتضاده في الأول بأنّ جوازه في المرأة يقتضيه هنا بالطريق الأولى.

و فيه و في الثاني بنقل الإجماع في المسالك و المفاتيح (6).

و فيه و في الثالث إلى رواية الخثعمي: إنّي اعترضت جواري المدينة فأمذيت، فقال: «أمّا لمن يريد الشراء فلا بأس، و أمّا لمن لا يريد أن يشتري فإنّي أكرهه» (7).

و رواية الجعفري: «لا أحبّ للرجل أن يقلّب جارية إلّا جارية يريد

____________

[1] منهم الشهيد الثاني في المسالك 1: 435، الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 8.

____________

(2) الفقيه 4: 12- 9، التهذيب 7: 75- 321، الوسائل 18: 273 أبواب بيع الحيوان ب 20 ح 1.

(3) كما في المقنعة: 520 و النهاية: 484 و الشرائع 2: 269.

(4) كما في السرائر 2: 610 و القواعد 2: 2 و الكفاية: 153.

(5) كالعلّامة في التذكرة 2: 573 و الكاشاني في المفاتيح 2: 373.

(6) المسالك 1: 435، المفاتيح 2: 373.

(7) التهذيب 7: 236- 1029، الوسائل 18: 273 أبواب بيع الحيوان ب 20 ح 2.

41

شراءها» (1).

و المرويّ عن قرب الإسناد- بضميمة الإجماع المركّب-: «إنّ عليّا (عليه السلام) كان إذا أراد أن يشتري الجارية يكشف عن ساقيها فينظر إليها» (2).

و في الجميع إلى إذن المولى بشاهد الحال، و بظهور انصراف إطلاق أخبار المنع إلى ما عداهنّ أو إليهنّ في غير محلّ البحث.

و إنّما جعلناها مؤيّدة لا أدلّة- كما فعله بعضهم- لضعف الأول بمنع الأولويّة.

و الثاني بمنع الحجّية.

و الثالث بمنع الدلالة، لتحقق الإمذاء بالنظر إلى الوجه أيضا.

و الرابع بمنع الصراحة، لعدم صراحة التقليب في المطلوب.

و الخامس بالضعف الخالي عن الجابر.

[و السادس] (3) و السابع بالمنع.

و منها: النظر إلى وجوه أهل الذمّة و شعورهنّ و أيديهنّ

، على الحق الموافق للشيخين و القاضي و الفاضلين (4)، و أكثر المتأخّرين (5)، بل هو

____________

(1) التهذيب 7: 236- 1030، الوسائل 18: 274 أبواب بيع الحيوان ب 20 ح 3.

(2) قرب الإسناد: 103- 344 بتفاوت يسير، الوسائل 18: 274 أبواب بيع الحيوان ب 20 ح 4.

(3) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة المتن.

(4) المفيد في المقنعة: 521، الطوسي في النهاية: 484، حكاه عن القاضي في المختلف: 534، المحقق في الشرائع 2: 269، العلّامة في القواعد 2: 2.

(5) منهم المحقّق الثاني في جامع المقاصد 12: 31، الشهيد الثاني في الروضة 5:

98، السبزواري في الكفاية: 153، صاحب الرياض 2: 73.

42

المشهور، كما صرّح به جماعة (1).

لرواية السكوني: «لا حرمة لنساء أهل الذمّة أن ينظر إلى شعورهنّ و أيديهنّ» (2).

و يتعدّى إلى الوجه بعدم الفصل.

و رواية ابن صهيب: «لا بأس بالنظر إلى أهل تهامة و الأعراب و أهل البوادي من أهل الذمّة و العلوج، لأنّهنّ لا ينتهين إذا نهين» (3).

و المتبادر من النظر إلى شخص: النظر إلى وجهه مع أنّه أقلّ ما يحتمل هنا.

و لفحوى مرسلة الفقيه: «إنّما كره النظر إلى عورة المسلم، و أمّا النظر إلى عورة الذمّي و من ليس بمسلم هو مثل النظر إلى عورة الحمار» (4).

و مرسلة ابن أبي عمير: «النظر إلى عورة من ليس بمسلم مثل نظرك إلى عورة الحمار» (5).

و ضعفهما غير ضائر مع أنّه بما مرّ منجبر، مضافا إلى أنّ الثانية ممّا صح عمّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه.

خلافا للحلّي و المختلف (6)، لإطلاق قوله تعالى قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ

____________

(1) كما في المسالك 1: 436، الكفاية: 153، الحدائق 23: 58.

(2) الكافي 5: 524- 1، الوسائل 20: 205 أبواب مقدمات النكاح ب 112 ح 1.

(3) الكافي 5: 524- 1، الفقيه 3: 300- 1438، العلل: 565- 1، الوسائل 20:

206 أبواب مقدمات النكاح ب 113 ح 1.

(4) الفقيه 1: 63- 236، الوسائل 2: 36 أبواب آداب الحمام ب 6 ح 2.

(5) الكافي 6: 501- 27، الوسائل 2: 35 أبواب آداب الحمام ب 6 ح 1.

(6) الحلي في السرائر 2: 610، المختلف: 534.

43

يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ (1).

و يجاب عنه: بأنّه مجمل، و مع التسليم على الوجوب غير دالّ، و على التسليم غايته العموم الواجب تخصيصه بما مرّ، كغيره من العمومات.

و مقتضى المرسلتين: تجويز النظر إلى سائر جسدهنّ، بل عوراتهنّ و عورات رجال الكفّار، فتعارضان أدلّة المنع بالعموم المطلق أو من وجه، الموجب للرجوع إلى الأصل، مع اختصاص كثير منها (سيّما الآية) [1] بالمؤمن أو المسلم، إلّا أنّي لم أعثر على مصرّح بالتجويز فيه، فإن ثبت الإجماع و إلّا فالظاهر الجواز.

و منها: النظر إلى ما عدا العورة من المحارم اللاتي يحرم نكاحهنّ مؤبّدا

بنسب أو رضاع أو مصاهرة، و المراد بها: القبل و الدبر.

أمّا في وجوههنّ و أكفّهنّ و أقدامهنّ فبالإجماع.

و أمّا في ما عدا ذلك فعلى الحقّ المشهور، كما صرّح به جماعة [2]، بل قيل: إنّه مقطوع به في كلام الأصحاب، بل حكي عن بعضهم عليه الإجماع (4).

و قيل بالمنع، و هو ظاهر التنقيح. إلّا في الثدي حال الإرضاع (5).

و قال ثالث بالإباحة في المحاسن خاصّة (6)، و فسّرها بمواضع الزينة.

____________

[1] ما بين القوسين ليس في «ق».

[2] منهم صاحب الرياض 2: 73.

____________

(1) التوبة: 30.

(4) كما في المفاتيح 2: 373 و كشف اللثام 2: 9.

(5) التنقيح 3: 22.

(6) انظر الرياض 2: 73.

44

لرواية السكوني: «لا بأس أن ينظر الرجل إلى شعر امّه أو أخته أو بنته» (1).

و يتعدّى إلى سائر المحارم بالإجماع المركّب و الأصل السالم عمّا يصلح للمعارضة، إذ لم نعثر على مانع خاصّ أو عامّ يشمل مورد النزاع، سوى المرويّين في العلل و عقاب الأعمال المتقدّمين [1]، المعارض في الشعر مع رواية السكوني بالعموم المطلق، فيجب تخصيصهما بغير المحارم.

و من تخصيص النساء و المرأة- اللتين أضاف إليهما الشعر فيهما- يلزم تخصيصهما (في المشهور) [2] في ما أشبه الشعور، لأنّه مقتضى التشبيه بقوله: «كذلك» و في الضمير للجسد، لأنّهما لمن تقدّم، و هو مخصوص بغير المحرم.

و سوى حسنة هشام و صحيحة ابن السريّ المتقدّمتين أيضا (4)، و مرجع الضمير في أولاهما غير معلوم، فلعلّه غير المحارم [3]، [و الثانية] [4] فيحتمل أن يكون المراد بالنظر فيها: النظر إلى الخلف و الوجه، و يكون قوله: «ينظر» بيانا للنظر، و يصلح ذلك قرينة لإرادة المقيّد من النظر.

و على هذا فيكون النظر المحرّم في من لا يراد تزوّجها النظر إلى الخلف و الوجه، و حرمته في المحارم منتفية قطعا، و إن احتمل إرادة المطلق أيضا، و لكن لصلاحيّة جزئه الأخير لكونه قرينة للتقييد لا يحمل على

____________

[1] في ص: 30.

[2] ما بين القوسين ليس في «ق».

[3] في بعض النسخ زيادة: و العموم مخصوص بغير المحارم.

[4] ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة المتن.

____________

(1) الفقيه 3: 304- 1461، الوسائل 20: 193 أبواب مقدمات النكاح ب 104 ح 7.

(4) في ص: 31.

45

المطلق، لعدم جريان أصالة الحقيقة فيه و إن لم يحمل على المقيّد أيضا.

هذا، مضافا إلى احتمال آخر فيها، و هو كون قوله: «إذا أراد» إلى آخره شرطا لما تأخّر عنه، و هو قوله: «ينظر إلى خلفها و وجهها» و مفهومه حينئذ: أنّه إذا لم يرد لا ينظر، و هو عن إفادة الحرمة قاصر.

و تؤيّد المطلوب- بل تدلّ على جملة منه- الآية، و هي قوله تعالى:

وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ إلى آخر الآية.

و ما ورد في جواز تغسيل المحارم مجرّدات إلّا أنّه يلقي على عورتهنّ خرقة (1).

دليل المانع: كونهنّ عورة، خرج ما وقع الاتّفاق عليه، فبقي الباقي، و عموم المرويّين المتقدّمين.

قلنا: أيّ دليل على حرمة النظر على العورة بذلك المعنى على كلّ شخص حتّى المحارم؟! و العموم مخصوص بغير المحارم كما مرّ.

حجّة الثالث: الجمع بين الآية المتقدّمة و بين قوله تعالى قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ.

و الخبر المرويّ في تفسير القمّي في تفسير الزينة في الآية: «فهو الثياب و الكحل و الخاتم و خضاب الكفّ و السوار، و الزينة ثلاث: زينة للناس و زينة للمحرم و زينة للزوج، فأمّا زينة الناس فقد ذكرناه، و أمّا زينة المحرم فموضع القلادة فما فوقها و الدملج و ما دونه و الخلخال و ما أسفل منه، و أمّا زينة الزوج فالجسد كلّه» [1].

____________

[1] تفسير القمي 2: 101، مستدرك الوسائل 14: 274 أبواب مقدمات النكاح ب 85 ح 3. و الدّملج: شيء يشبه السوار تلبسه المرأة في عضدها- مجمع البحرين 2: 301.

____________

(1) الوسائل 2: 516 أبواب غسل الميت ب 20.

46

و يردّ الأول بمنع دلالة الآية الثانية على وجوب [غضّ] [1] النظر عن المحارم حتى يحتاج إلى الجمع.

و الثاني بأن الخبر لا يدلّ إلّا على أنّ موضع القلادة فما فوقها و الدملج و الخلخال و ما دونهما زينة المحارم، و أمّا أنّ ما عداها ليس زينة لهم فلا يدلّ عليه إلّا بمفهوم اللقب، الذي هو من أضعف المفاهيم.

نعم، يدلّ التفصيل القاطع للشركة بين الزوج و المحرم أنّ الجسد كلّه ليس زينة للمحرم و لا كلام فيه، لأنّ العورة من الجسد.

و منها: النظر إلى وجه سائر النساء الأجنبيّات و أكفّهنّ

، فإنّه يجوز و لو مكرّرا عند الشيخ في النهاية و التبيان و كتابي الحديث (2)، بل الكليني (3)، و جماعة من المتأخّرين [2].

للآية بضميمة الروايات، كالمرويّ في تفسير القمّي المتقدّم.

و رواية زرارة: في قول اللّه تعالى إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا قال: «الزينة الظاهرة: الكحل و الخاتم» (5).

و أبي بصير: عن قول اللّه عزّ و جلّ وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا قال: «الخاتم و المسكة و هي القلب» (6).

____________

[1] ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة المتن.

[2] منهم السبزواري في الكفاية: 153، الكاشاني في المفاتيح 2: 375.

____________

(2) النهاية: 484، التبيان 7: 428- 429.

(3) الكافي 5: 521.

(5) الكافي 5: 521- 3، الوسائل 20: 201 أبواب مقدمات النكاح ب 109 ح 3.

(6) الكافي 5: 521- 4، الوسائل 20: 201 أبواب مقدمات النكاح ب 109 ح 4.

47

و القلب بالضمّ: السوار.

و المرويّ في قرب الإسناد: سئل عمّا تظهر المرأة من زينتها، قال:

«الوجه و الكفّان» (1).

و لصحيحة علي المتقدّمة في صدر المسألة (2).

و رواية مروك: ما يحلّ للرجل أن يرى من المرأة إذا لم يكن محرما؟ قال: «الوجه و الكفّان و القدمان» (3).

و رواية جابر عن أبي جعفر (عليه السلام)، عن جابر الأنصاري: «قال: خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يريد فاطمة و أنا معه فلمّا انتهينا إلى الباب وضع يده عليه فدفعه ثمَّ قال: السلام عليكم، فقالت فاطمة: عليك السلام يا رسول اللّه، قال: أدخل؟ قالت: ادخل يا رسول اللّه، قال: أدخل و من معي؟ فقالت:

يا رسول اللّه ليس عليّ قناع، فقال: يا فاطمة خذي فضل ملحفتك فتقنّعي به رأسك، ففعلت، ثمَّ قال: السلام عليكم، قالت: و عليك السلام يا رسول اللّه، قال: أدخل؟ قالت: نعم يا رسول اللّه، قال: أنا و من معي؟ قالت:

و من معك، قال جابر: فدخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و دخلت و إذا وجه فاطمة (عليها السلام) أصفر كأنّه بطن جرادة» إلى أن قال: «قال جابر: فو اللّه لنظرت إلى الدم ينحدر من قصاصها حتى عاد وجهها أحمر» (4).

____________

(1) قرب الاسناد: 82- 270، الوسائل 20: 202 أبواب مقدمات النكاح ب 109 ح 5.

(2) في ص: 32.

(3) الكافي 5: 521- 2، الخصال: 302- 78، الوسائل 20: 201 أبواب مقدمات النكاح ب 109 ح 2.

(4) الكافي 5: 528- 5، الوسائل 20: 215 أبواب مقدمات النكاح ب 120 ح 3.

48

و رواية داود بن فرقد: عن المرأة تموت مع رجال ليس فيهم ذو محرم هل يغسّلونها و عليها ثيابها؟ فقال: «إذا يدخل ذلك عليهم و لكن يغسّلون كفّيها» (1).

و نحوها رواية أبي سعيد: في المرأة إذا ماتت مع قوم ليس لها فيهم محرم- إلى أن قال-: فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «بل يحلّ لهنّ أن يمسسن منه ما كان يحلّ لهنّ أن ينظرن منه إليه و هو حيّ» الحديث (2).

دلّت على حلّية النظر على بعض أعضائه، و لا أقلّ من الوجه و الكفّين إجماعا.

و رواية مفضّل: في المرأة تكون في السفر مع رجال ليس فيهم لها ذو محرم و لا فيهم امرأة، فتموت المرأة، ما يصنع بها؟ قال: «يغسّل منها ما أوجب اللّه عليه التيمّم و لا يمسّ و لا يكشف شيء من محاسنها التي أمر اللّه بسترها»، فقلت: كيف يصنع بها؟ قال: «يغسّل بطن كفّيها ثمَّ يغسّل وجهها ثمَّ يغسّل ظهر كفّيها» (3).

و لا يعارض تلك الأخبار ما نطق بانتفاء الغسل عنها، لأنّ ما أمر به ليس غسلا و إنّما هو غسل بعض المواضع.

و اشتمال بعض تلك على ما لا يجوز النظر إليه إجماعا- كالقدمين

____________

(1) الكافي 3: 157- 5، الفقيه 1: 93- 428، التهذيب 1: 442- 1428، الاستبصار 1: 202- 713، الوسائل 2: 523 أبواب غسل الميت ب 22 ح 2.

(2) التهذيب 1: 342- 1001، الاستبصار 1: 204- 721، الوسائل 2: 525 أبواب غسل الميت ب 22 ح 10.

(3) الكافي 3: 159- 13، الفقيه 1: 95- 438، التهذيب 1: 342- 1002، الوسائل 2: 522 أبواب غسل الميت ب 22 ح 1.

49

و موضع السوار- غير قادح، إذ خروج بعض خبر بدليل لا يوهن في غيره، كما أنّ ضعف بعض تلك الأخبار سندا لا يخرجها عن الحجيّة عندنا، سيّما مع انجبارها باشتهار الجواز و لو في الجملة، أي مرّة.

و تؤيّد المطلوب الأخبار المتضمّنة لرؤية سلمان يدي سيّدة النساء دامية عند إدارة الرحى (1).

و نحو ذلك فحاوي أخبار كثيرة واردة في أبواب النظر إلى النسوة، المتضمّنة لحكمه منعا و جوازا و سؤالا و جوابا، من جهة كون محطّ الحكم فيها بطرفيه هو الشعر و الرأس و الذراعان، و بالجملة ما عدا الوجه و الكفّين مع أنّها أولى ببيان الحكم، لشدّة الابتلاء به، فالسكوت عن حكمها مطلقا كاشف عن وضوح حكمها من الجواز، و إلّا لكان حكم المنع فيها أخفى.

و تؤيّده أيضا الأخبار الواردة في باب ما يجوز أن تلبسه المحرمة من كتاب الحجّ (2)، المصرّحة بكشف الوجه، المستلزم لرؤية غير المحارم لها، و في بعضها كشف الإمام بنفسه عن وجه امرأة ستره بمروحة، بل قد يجعل ذلك دليلا، و لكن فيه جواز كون المرأة محرما له (عليه السلام)، إذ لا عموم فيها و لا إطلاق.

فالاستدلال به ضعيف، كالاستدلال بصحيحة ابن سويد: إنّي مبتلى بالنظر إلى المرأة الجميلة فيعجبني النظر إليها، فقال: «يا علي، لا بأس إذا عرف اللّه من نيّتك الصدق» (3).

____________

(1) بحار الأنوار 43: 28- 33.

(2) الوسائل 11: 493 أبواب تروك الإحرام ب 48.

(3) الكافي 5: 542- 6، الوسائل 20: 308 أبواب النكاح المحرم ب 1 ح 3.

50

فإنّ الظاهر من الابتلاء: الاضطرار إليه و عدم إمكان التحرّز، و قد يحمل على الاتّفاقي أيضا.

ثمَّ بما ذكرنا من الأدلّة تخصّص أصالة الحرمة المتقدّمة، لأنّ دليلها في غير العورة عام بالنسبة إليها، إذ ليس إلّا روايتي العلل و عقاب الأعمال (1)، و عمومهما ظاهر، و صحيحة ابن السريّ (2)، و النظر فيها أيضا يحتمل الإطلاق و إن احتمل إرادة النظر إلى الخلف و الوجه بقرينة ما بعده، و لكنّه ليس قرينة صارفة لا يتعيّن معها الحمل على الحقيقة. هذا، مع احتمال آخر فيها قد مرّ يسقط به الاحتجاج على الحرمة.

مع أنّ في دلالة الروايتين أيضا نظرا، لإمكان منع كون الوجه و الكفّين ممّا أشبه الشعور، و ظهور الجسد في غيرها.

مضافا إلى أنّه لو قطع النظر عن جميع ذلك و قلنا بالتعارض يجب تقديم أدلّتنا، لموافقة ظاهر الكتاب.

و على هذا، فيبقى الأصل الأول- و هو الإباحة- خاليا عن المعارض بالمرّة، فيكون هو دليلا مستقلّا على المطلوب، فالمسألة بحمد اللّه واضحة.

خلافا لمن حرّمه مطلقا، و هو المحكيّ عن التذكرة و الإيضاح (3)، و مال إليه الفاضل الهندي (4).

لخوف الفتنة.

____________

(1) المتقدمتين في ص: 30.

(2) المتقدمة في ص: 31.

(3) التذكرة 2: 573، الإيضاح 3: 6.

(4) كشف اللثام 2: 9.

51

و إطلاق الأمر بالغضّ و النهي عن إبداء الزينة إلّا للمحارم.

و الأخبار المانعة المتقدّمة.

و الإطباق في الأعصار على المنع من خروجهنّ سافرات، أو إنّما يخرجن مستترات.

و صرف النبيّ وجه الفضل عن الخثعميّة (1).

و بعض وجوه اعتباريّة ضعيفة أخر.

و ردّ الأول بالمنع على سبيل الإطلاق، و لو سلّم فلا يوجب الحرمة.

و الثاني بإجمال الآية، و لو سلّمت دلالته فهو- كالثالث- مقيّد بقوله:

إِلّٰا مٰا ظَهَرَ.

و القول- بعدم تعيّن ما ظهر- مردود بما ظهر من الخبر الذي ضعفه- لو كان- قد انجبر، مع انّه على فرض عدم التعيّن يكون مجملا، فخصّ به الإطلاقان، و المخصّص بالمجمل ليس بحجّة.

و الرابع بما مرّ من عدم دلالة الأخبار و وجود المعارض الأقوى.

و الخامس بمخالفته الوجدان و العيان، لأنّ الناس في ذلك مختلفة في الأمكنة و الأزمان، مع احتمال استناده إلى الغيرة أو الاحتجاب عن الناظر بشهوة.

و السادس بعدم الدلالة لو لم يدلّ على الخلاف.

و لمن حرّم الزائد على النظر مرّة واحدة، أي في وقت واحد عرفا، و هو المحقّق و الفاضل في أكثر كتبه (2)، و جمع آخر (3).

____________

(1) كما في سنن النسائي 5: 118.

(2) المحقق في الشرائع 2: 269، الفاضل في القواعد 2: 3 و التحرير 2: 3.

(3) سنن أبي داود 2: 246- 2149، سنن الدارمي 2: 298، مسند أحمد 5:

357.

52

للنبويّ: «لا تتبع النظرة النظرة، فإنّ الأولى لك و الثانية عليك» [1].

و مرسلة الفقيه: «لك أول نظرة و الثانية عليك و لا لك» (2).

و الأخرى: «النظرة لك و الثانية عليك و الثالثة فيها الهلاك» (3).

و حسنة الكاهلي: «النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة، و كفى بها لصاحبها فتنة» (4).

و الجواب عنها- مضافا إلى عدم صراحتها في التحريم-: إنّ النظرة فيها مجملة، فلعل المراد من النظرة الأولى: الاتفاقية الواقعة على ما يحرم النظر إليه ممّا عدا الوجه و الكفين.

ثمَّ إنّ ما ذكر إنّما هو في الحرائر.

و أمّا الإماء، فالحكم فيهنّ أظهر.

لاختصاصهنّ ببعض الأخبار أيضا (5)، و لذا جوّز النظر إليهنّ بعض من لم يجوّزه في الحرائر، كالتذكرة (6).

و منها: نظر المملوك و لو كان فحلا إلى مالكته.

____________

[1] كالشهيدين في اللمعة و الروضة البهية 5: 99.

____________

(2) الفقيه 4: 11- 4، الوسائل 20: 194 أبواب مقدمات النكاح ب 104 ح 13.

(3) الفقيه 3: 304- 1460، الوسائل 20: 193 أبواب مقدمات النكاح ب 104 ح 8.

(4) الفقيه 4: 11- 3، الوسائل 20: 192 أبواب مقدمات النكاح ب 104 ح 6.

(5) الوسائل 20: 207 أبواب مقدمات النكاح ب 114.

(6) التذكرة 2: 574.

53

لقوله سبحانه أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُنَّ (1).

و قوله تعالى لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ إلى قوله:

لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَ لٰا عَلَيْهِمْ جُنٰاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّٰافُونَ عَلَيْكُمْ (2).

حكي عن المبسوط الميل إليه (3)، و يظهر من بعض المتأخّرين الميل إليه أيضا (4).

فإن كان الكلام فيه في نظره إلى الوجه و الكفّين فيظهر ممّا ذكر في غير المملوك وجه الجواز، بل هو أولى، لخصوص الروايات من الصحاح و غيرها، كروايات البصري و ابن عمّار و الهاشمي و مرسلة الكافي و رواية الفضيل، و أكثرها صحيحة.

إحداها: المملوك يرى شعر مولاته، قال: «لا بأس» (5).

و الأخرى: «لا بأس أن يرى المملوك الشعر و الساق» (6).

و الثالثة: المملوك يرى شعر مولاته و ساقها، قال: «لا بأس» (7).

و الرابعة في المملوك: «لا بأس أن ينظر إلى شعرها إذا كان مأمونا» (8).

____________

(1) النور: 31.

(2) النور: 58.

(3) المبسوط 4: 161.

(4) كما في جامع المقاصد 12: 37، كشف اللثام 2: 9.

(5) الكافي 5: 531- 1، الوسائل 20: 224 أبواب مقدمات النكاح ب 124 ح 4.

(6) الكافي 5: 531- 2، الوسائل 20: 224 أبواب مقدمات النكاح ب 124 ح 5.

(7) الكافي 5: 531- 3، الوسائل 20: 223 أبواب مقدمات النكاح ب 124 ح 3.

(8) الكافي 5: 531- ذ. ح 4، الوسائل 20: 223 أبواب مقدمات النكاح ب 124 ح 2.

54

و الخامسة: عن المرأة هل يحلّ لزوجها التعرّي و الغسل بين يدي خادمها؟ قال: «لا بأس ما أحلّت له من ذلك ما لم يتعدّه» (1).

هذا إذا جعل: «لزوجها» متعلّقا ب «التعرّي» أي تعرّي الزوجة لزوجها و غسلها بين يدي خادمها، و لو جعل متعلّقا بقوله: «يحل» أي تعرّي الزوج و غسله، و يكون المراد بالخادم: الأمة، يخرج عن المسألة.

السادسة: في قول اللّه عزّ و جلّ يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ إلى أن قال: «هم المملوكون من الرجال و النساء» إلى أن قال: «يدخل مملوككم و غلمانكم من بعد هذه الثلاث عورات بغير إذن إن شاءوا» (2).

و روى الشيخ في المبسوط و غيره: أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أتى فاطمة بعبد قد [وهبه لها] و على فاطمة ثوب إذا قنّعت رأسها لم يبلغ رجليها و إذا غطّت به رجليها لم يبلغ رأسها فلما رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ما تلقى، قال: إنّه ليس عليك بأس إنّما هو أبوك و غلامك» [1].

و هي و إن لم تتضمّن الوجه و الكف، إلّا أنّها تدلّ عليهما بالطريق الأولى و عدم الفصل.

و أمّا صحيحة ابني عمّار و يعقوب: «لا يحلّ للمرأة أن ينظر عبدها إلى شيء من جسدها إلّا إلى شعرها غير متعمّد لذلك» (4).

فلا تمنع من النظر إلى الوجه و الكفّين، لأنّ الظاهر أنّ المراد من

____________

[1] المبسوط 4: 161، التذكرة 2: 574، سنن البيهقي 7: 95، و بدل ما بين المعقوفين في النسخ: وهبها، و الصحيح ما أثبتناه من المصادر.

____________

(1) التهذيب 1: 372- 1139، الوسائل 2: 36 أبواب آداب الحمام ب 7 ح 1.

(2) الكافي 5: 530- 4، الوسائل 20: 217 أبواب مقدمات النكاح ب 121 ح 2.

(4) الكافي 5: 531- 4، الوسائل 20: 223 أبواب مقدمات النكاح ب 124 ح 1.