مستند الشيعة في أحكام الشريعة - ج17

- الشيخ أحمد بن محمد مهدي النراقي المزيد...
492 /
5

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه، و الصلاة على رسول اللّه، ثمَّ على أهل بيت رسول اللّه.

كتاب القضاء و الشهادات

و فيه مقصدان

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

المقصد الأول في القضاء

و هو: ولاية حكم خاص- أو حكم خاص- في واقعة مخصوصة و على شخص مخصوص، بإثبات ما يوجب عقوبة دنيويّة شرعا، أو حقّ من حقوق الناس بعد التنازع فيه، أو بنفي واحد منهما.

و في هذا المقصد مقدّمة و أربعة مطالب.

أمّا المقدّمة ففي بيان فضله، و شرفه، و عظم خطره، و وجوبه

. و فيها ستّ مسائل:

المسألة الأولى: القضاء منصب عال عظيم، و شرفه جسيم.

و لعلوّ مرتبته و سموّ شأنه جعل اللّه سبحانه تولية ذلك إلى الأنبياء و الأوصياء من بعدهم (صلوات اللّه عليهم)، ثمَّ إلى من يحذو حذوهم، و يقتدي بهم، و يسير بسيرهم، من العلماء الآخذين علومهم منهم، المأذونين من قبلهم بالحكم بين الناس بقضائهم.

8

و كفى بجلالة قدره تولية النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إيّاه بنفسه الشريفة الزكيّة لأمّته، ثمَّ تفويضه إلى سيّد الأوصياء بعده، ثمَّ إلى أوصيائه القائمين مقامه، و خصّصهم بذلك دون سائر الناس، و كذلك من قبله من الأنبياء و خلفائهم.

و لعظم شأنه جعل اللّه يده فوق رأسه، و أهبط إليه الملك يسدّده. قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) في خبر السكوني: «يد اللّه فوق رأس الحاكم ترفرف بالرحمة، فإذا حاف وكله اللّه تعالى إلى نفسه» (1).

و في خبر آخر: «إذا جلس القاضي أو اجلس في مجلسه هبط إليه ملكان يسدّدانه و يرشدانه و يوفّقانه، فإذا جار عرجا و تركاه» (2).

المسألة الثانية: خطر القضاء عظيم، و أجره جسيم

، فإنّ القاضي لفي شفا جرف هار، فإن جار في الحكم أو حكم بغير علم انهار به في نار جهنّم، و إن عدل و حكم بما أنزل اللّه عالما به متّبعا لسنّته فقد فاز فوزا عظيما، و نال نيلا جسيما.

و لذا قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «من جعل قاضيا ذبح بغير سكّين» (3).

و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في رواية إسحاق بن عمّار: «يا شريح، قد جلست مجلسا لا يجلسه إلّا نبيّ أو وصيّ نبيّ أو شقيّ» (4).

و قال أبو عبد اللّه (عليه السلام)- كما في مرفوعة البرقي-: «القضاة أربعة، ثلاثة في النار و واحد في الجنة: رجل قضى بجور و هو يعلم فهو في النار، و رجل

____________

(1) الكافي 7: 410- 1، الفقيه 3: 5- 13، التهذيب 6: 222- 528، الوسائل 27: 224 أبواب آداب القاضي ب 9 ح 1.

(2) كنز العمال 6: 99- 15015، غوالي اللئالي 3: 515- 1.

(3) المقنعة: 721، الوسائل 27: 19 أبواب صفات القاضي ب 3 ح 8.

(4) الكافي 7: 406- 2، الفقيه 3: 4- 8، المقنع: 2، التهذيب 6: 217- 509 الوسائل 27: 17 أبواب صفات القاضي ب 3 ح 2.

9

قضى بجور و هو لا يعلم أنّه قضى بجور فهو في النار، و رجل قضى بحقّ و هو لا يعلم فهو في النار، و رجل قضى بحقّ و هو يعلم فهو في الجنّة» (1).

و في مرسلة الفقيه: «من حكم في درهمين بغير ما أنزل اللّه عزّ و جلّ فقد كفر باللّه».

و في أخرى: «من حكم في درهمين فأخطأ كفر».

و في ثالثة: «إذا كان الحاكم يقول لمن عن يمينه و لمن عن يساره: ما ترى؟ ما تقول؟ فعلى ذلك لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين» (2).

و في صحيحة أبي بصير: «من حكم في درهمين بغير ما أنزل اللّه فهو كافر باللّه العظيم» (3).

و في رواية أنس بن مالك، عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «لسان القاضي بين جمرتين من نار حتى يقضي بين الناس، فإمّا في الجنّة، و إمّا إلى النار» (4).

و في رواية سعيد بن أبي الخضيب: أنّه قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) لابن أبي ليلى القاضي: «ما تقول إذا جيء بأرض من فضّة و سماء من فضّة، ثمَّ أخذ رسول اللّه بيدك فأوقفك بين يدي ربّك، فقال: يا ربّ إنّ هذا قضى بغير ما قضيت؟» (5) الحديث، إلى غير ذلك.

____________

(1) الكافي 7: 407- 1، الفقيه 3: 3- 6، المقنعة: 722، التهذيب 6: 218- 513، الوسائل 27: 22 أبواب صفات القاضي ب 4 ح 6.

(2) الفقيه 3: 3- 6، و ص 5 ح 14، و ص 7 ح 20.

(3) الكافي 7: 408- 2، التهذيب 6: 221- 523، الوسائل 27: 31 أبواب صفات القاضي ب 5 ح 2.

(4) التهذيب 6: 292- 808، الوسائل 27: 214 أبواب آداب القاضي ب 2 ح 3.

(5) الكافي 7: 408- 5، التهذيب 6: 220- 521، الوسائل 27: 19 أبواب صفات القاضي ب 3 ح 9، بتفاوت يسير فيها.

10

المسألة الثالثة: القضاء واجب على أهله، بحقّ النيابة للإمام في زمان الغيبة

في الجملة بإجماع الأمّة، بل الضرورة الدينيّة.

لتوقّف نظام نوع الإنسان عليه.

و لأنّ الظلم من طبائع هذه الأشخاص و اختلاف نفوسهم المجبولة على محبّة الترفّع و التغلّب و إرادة العلوّ و الفساد في الأرض وَ لَوْ لٰا دَفْعُ اللّٰهِ النّٰاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ (1) وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطٰاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ (2)، فلا بدّ من حاكم بينهم ينتصف من الظالم للمظلوم و يردعه عن ظلمه.

و لما يترتّب من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

و للأمر به في الكتاب و السنّة، قال اللّه سبحانه يٰا دٰاوُدُ إِنّٰا جَعَلْنٰاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّٰاسِ بِالْحَقِّ (3).

و قال تعالى شأنه إِنّٰا أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ الْكِتٰابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّٰاسِ بِمٰا أَرٰاكَ اللّٰهُ (4).

و في رواية معلّى بن خنيس: «و أمرت الأئمّة أن يحكموا بالعدل، و أمر الناس أن يتبعوهم» (5).

و في مرسلة ابن أبي عمير: «ما تقدّست امّة لم يؤخذ لضعيفها من

____________

(1) البقرة: 251.

(2) سورة ص: 24.

(3) سورة ص: 26.

(4) النساء: 105.

(5) الفقيه 3: 2- 2، التهذيب 6: 223- 533، الوسائل 27: 14 أبواب صفات القاضي ب 1 ح 6.

11

قويّها بحقّه غير متعتع» (1)، و غير ذلك من الأخبار.

المسألة الرابعة: إنّ القابل للحكومة و الأهل للقضاء

في البلد أو في مكان لم يتعسّر الوصول إليه إمّا واحد باعتقاد ذلك القابل و سائر أهل البلد بعد بذل جهدهم، أو متعدّد.

فعلى الأول: يكون القضاء واجبا عينيّا على ذلك القابل، و الوجه ظاهر.

و على الثاني: فإمّا يكون القابل متعدّدا باعتقاد الجميع، أو لا يكون كذلك.

فعلى الأول: يكون القضاء على كلّ من المتعدّدين واجبا كفائيّا، و وجهه أيضا ظاهر.

و على الثاني: فإمّا يكون الأهل- باعتقاد واحد ممّن له الأهليّة- متعدّدا، دون اعتقاد الرعيّة، بل هم لا يعتقدون الأهليّة إلّا لهذا الشخص.

أو يكون بالعكس، أي لا يعتقد ذلك الأهل أهليّة غير نفسه، و الرعيّة يعتقدون أهليّة غيره أيضا.

فعلى الأول: فإنّ علم ذلك الأهل أنّ عدم اعتقاد المعتقدين للغير ليس مستندا إلى تقصيرهم في الفحص، بل هو إمّا منبعث عن الفحص، أو هم قاصرون عن الفحص- أي غير متمكّنين من المعرفة، لعدم شياع و استفاضة مفيدين للعلم لكلّ أحد، و عدم دليل آخر لهم- فيكون القضاء

____________

(1) الكافي 5: 56- 2، التهذيب 6: 180- 371، الوسائل 16: 120 أبواب الأمر و النهي ب 1 ح 9، غير متعتع: أي من غير أن يصيبه أذى يقلقه أو يزعجه (مجمع البحرين 3: 309) و في التهذيب و نسخة من الوسائل: متضع، و في أخرى منها:

متصنّع.

12

عليه واجبا عينيّا، للانحصار فيه حقيقة، لأنّه لا يكفي في الأهل وجوده الواقعي، بل اللّازم وجوده بحسب علم المكلّف.

و إن علم أنّ عدم اعتقادهم في الغير ناشئ عن التقصير في الفحص مع تمكّنهم منه، لا يجب عليه عينا، بل يكون واجبا كفائيّا عليه.

و على الثاني: فإن لم يعلم انبعاث اعتقادهم عن تقصير أو قصور، لا يجب عليه أيضا عينا، بل يكون كفائيا، و إن علم ذلك يجب عليه عينا.

و منه يظهر الحكم في الصورتين الأخيرتين إذا اختلفت الرعيّة في اعتقاد الغير و عدمه، فتكون العينيّة و الكفائيّة لذلك الأهل بالنسبة إلى القضاء لكلّ بعض كما ذكر.

و إن كان هناك أهل للقضاء باعتقاد نفسه دون اعتقاد الرعيّة كلّا أو بعضا، فيعتقدون عدم أهليّته إمّا علما أو عدالة، أو لا يعتقدون أهليّته:

فإنّ علم ذلك الأهل أنّ اعتقادهم العدم أو عدم اعتقادهم منبعث عن الفحص و السعي، لا يجب عليه قضاؤهم أصلا، لأنّ حكمه ليس نافذا عليهم شرعا، فلا يترتّب عليه أثر، بل ربّما يحرم عليه لو علم عملهم بحكمه لعدم المبالاة في الدين، لكونه إعانة عليهم في تأثيمهم، بل هو ليس أهلا شرعا، إذ عرفت أنّه من كان كذلك باعتقاد المكلّف.

بل و كذلك الحكم إذا لم يعلم ذلك، أو علم انبعاثه عن التقصير أو القصور، لأنّهم ما داموا كذلك لا يجب عليهم قبول حكمه، بل لا يجوز لهم، فتأمّل.

المسألة الخامسة: وجوب القضاء على من له الأهليّة

- عينا أو كفاية على التفصيل المتقدّم- إنّما هو بعد الترافع إليه، فلا يجب بدونه، للأصل، و عدم الدليل. فليس عليه الفحص عن وجود التخالف و التنازع بين

13

الناس، و لا عليه المحاكمة لو علمه و لم يترافع إليه.

نعم، لو علم وجود النزاع و التشاجر، و علم ظلم أحدهما على الآخر عدوانا أو جهلا بالمسألة، يجب عليه رفع النزاع بأيّ نحو كان من باب النهي عن المنكر، و كذا لو علم ترتب منكر آخر على تنازعهم.

و إذا ترافعا إليه، أو طلبه المدّعي- مع اجتماع شرائط الوجوب كما تقدّم- يجب عليه عينا مع الانحصار، و كفاية مع التعدّد.

و لا يجب عينا عليه مع التعدّد باختيار المتداعيين أو المدعي إيّاه، للأصل، و عدم الدّليل.

نعم، لو لم يعلما أو أحدهما التعدّد، يجب عليه أحد الأمرين: إمّا القضاء، أو الإرشاد إلى التعدّد.

و لو لم يرضيا أو المدّعي منهما بالترافع إلى غيره:

فإن كان لادّعائه العلم بعدم أهليّة الغير، يجب عينا عليه إن لم يمكن ردعه عن اعتقاده، و إن جوّزه يجب عليه إمّا إثبات أهليّته له أو الحكم.

و إن كان لعدم علمه بالأهليّة، يجب عليه إمّا الحكم أو أمرهما بالفحص عن حاله مع إمكانه. بل يمكن أن يقال بعدم وجوب شيء عليه إذا علم استناد عدم علمهما إلى تقصير.

و لو لم يرضيا بالفحص أو بالترافع إلى الغير مع العلم بالأهليّة ففيه إشكال، سواء لم يعلم ذلك الغير بالتنازع بينهما و مطالبة الحقّ و لم يمكن له إعلامه، أو علم به الغير أيضا، أو أمكن إعلامه و لكن لم يترافع إليه المدّعي، و الأصل يقتضي عدم العينيّة، و لا إثم على أحد، لتقصير المتداعيين.

المسألة السادسة: على العينيّة أو الكفائيّة، هل هو على الفور،

أم

14

يجوز التراخي؟

الظاهر: عدم الفوريّة، للأصل، و الإجماع، و ما ورد من بعض قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام) من تأخير الحكم و الدخول في الصلاة أو إلى الغد.

نعم، الظاهر عدم جواز التأخير بقدر يوجب تضييع حقّ لو كان.

و الأولى أنّه لو أراد التأخير بدون عذر يستمهل من المدّعي.

ثمَّ الوجوب عينا أو كفاية إنّما هو مع احتمال نفوذ حكمه و عدم مظنّة الضرر فيه، و إلّا لم يجب، و الوجه ظاهر.

15

المطلب الأول في تعيين القاضي و ما يتعلّق به من الشرائط، و الآداب، و الأحكام

و فيه ثلاثة أبحاث:

البحث الأول في تعيين القاضي و شرائطه

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنّ القاضي يغاير المفتي و المجتهد و الفقيه بالاعتبار.

فيسمّى الشخص قاضيا و حاكما: باعتبار إلزامه و حكمه على الأفراد الشخصيّة بالأحكام الشخصيّة.

و مفتيا: باعتبار مجرّد الإخبار عن حكم اللّه و لو كليّا.

و مجتهدا: باعتبار مجرّد الاستدلال، و ردّ الفروع إلى الأصول، و استخراج الأحكام من مئاخذها، و استفراغ وسعه فيه.

و فقيها: باعتبار علمه الحاصل بالأحكام من ذلك الاستخراج و الاستفراغ.

فهذه الألفاظ الأربعة متّحدة مصداقا، متغايرة حيثيّة و مفهوما.

المسألة الثانية [لما كان وجوب الحكم و القضاء و وجوب قبول حكمه أمر مخالف للأصل فلا بد من دليل مخرج له من الأصل و مثبت لمنصب القضاء له]

لمّا كان وجوب الحكم و القضاء على شخص من الرعيّة، بل جوازه، و وجوب قبول حكمه و التزام إلزامه، أمرا مخالفا للأصل. أمّا وجوب الحكم و القبول فظاهر، و أمّا الجواز فللإجماع،

16

و المستفيضة، كرواية إسحاق بن عمّار المتقدّمة (1).

و صحيحة سليمان بن خالد: «اتّقوا الحكومة، فإنّ الحكومة إنّما هي للإمام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين، لنبيّ أو وصيّ نبيّ» (2).

و المرويّ في مصباح الشريعة المنجبر بعمل الكلّ: «الحكم لا يصح إلّا بإذن اللّه» (3)، إلى غير ذلك.

فلا بدّ- في كون شخص قاضيا و جواز القضاء له و وجوب القبول منه- من دليل مخرج له من الأصل، و مثبت لمنصب القضاء له، و لهذا اجتمعت كلمتهم قاطبة على أنّ من شرائطه إذن الإمام.

و مرادنا من الدليل المخرج: هو الدالّ على ذلك الإذن.

ثمَّ الدليل إمّا يختصّ بواحد معيّن شخصا، فيسمّى ذلك الشخص بالنائب الخاص، أو وصفا، فيسمّى بالنائب العام.

و لمّا لم يكن تحقّق الأول إلّا في زمان الحضور، فلا فائدة في التعرّض لبيان شرائطه، و إن تكلّم الأكثر في أحواله أيضا. بل المهمّ لنا التكلّم في الثاني، و تحقيق أنّه من هو؟ و ما شرائطه و آدابه؟

و لمّا عرفت أنّه لا يكون واحد من الرعيّة قاضيا إلّا بعد إقامة الدليل على ثبوت هذا المنصب و تحقّق الإذن له، فاللّازم أولا ذكر الأدلّة المرخّصة في القضاء لطائفة من الرعيّة، الآمرة بالتزام أحكامهم.

و إذ لا يمكن الإذن للموجودين في زمن الغيبة لشخص معيّن، بل

____________

(1) في ص: 8.

(2) الكافي 7: 406- 1، الفقيه 3: 4- 7، التهذيب 6: 217- 511، الوسائل 27:

17 أبواب صفات القاضي ب 3 ح 3.

(3) مصباح الشريعة: 352.

17

يكون التعيين بالوصف، فلا محالة يكون في أدلّة الإذن إطلاق أو عموم.

و تلك العمومات أيضا ليست باقية على حالها من العموم أو الإطلاق، بل لاشتراط بعض الشرائط خرج منها بعض أفرادها بالأدلّة المقيّدة أو المخصّصة لها، فلذا يلزم علينا الفحص ثانيا عن المقيّد و المخصّص، و تخصيص المنصب بمن لم يخرج عن تحت العموم.

و بذلك يظهر أنّه يشترط في القاضي دخوله تحت أدلّة الإذن أولا، و عدم خروجه بسبب المخصّصات ثانيا.

المسألة الثالثة [الروايات الواردة في إذن القاضي للحكم]

إذا عرفت أنّه لا بدّ في القاضي من ورود الإذن في شأنه، فنقول: إنّه قد ورد ذلك من سلاطين الأنام، و ولاة الأمر من جانب الملك العلّام، للعلماء بأحكام أهل البيت (عليهم السلام)، بالإجماع القطعي، بل الضرورة، و المعتبرة المستفيضة:

كمرفوعة البرقي المصرّحة بأنّ: «من قضى بحقّ و هو يعلم فهو في الجنّة» (1).

و كصحيحة أبي خديجة: «انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا، فاجعلوه بينكم، فإنّي قد جعلته قاضيا، فتحاكموا إليه» (2).

و الأخرى: «اجعلوا بينكم رجلا ممّن عرف حلالنا و حرامنا، فإنّي قد جعلته قاضيا» (3).

و وصف الروايتين بعدم الصحة- مع أنّه غير ضائر عندنا مع

____________

(1) المتقدمة في ص 8 و 9.

(2) الكافي 7: 412- 4، الفقيه 3: 2- 1 و فيهما قضائنا بدل قضايانا، التهذيب 6:

219- 516، الوسائل 27: 13 أبواب صفات القاضي ب 1 ح 5.

(3) التهذيب 6: 303- 846، الوسائل 27: 139 أبواب صفات القاضي ب 11 ح 6.

18

وجودهما في الأصول المعتبرة، و انجبارهما بالإجماع المحقّق و المحكيّ مستفيضا، و في المسالك: أنّهما و المقبولة الآتية مشتهران بين الأصحاب، متّفق على العمل بمضمونهما (1)- غير جيّد، لأنّ أولاهما رواها في الفقيه، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة، و طريق الفقيه إلى أحمد صحيح، كما صرّح به في الروضة (2)، و أحمد نفسه موثّق إماميّ (3).

و أمّا أبو خديجة- و هو سالم بن مكرم- و إن ضعّفه الشيخ في موضع (4) و لكن وثّقه في موضع آخر (5)، و وثّقه النجاشي (6)، و قال أبو الحسن عليّ بن الحسن: كان صالحا (7)، و عدّ في المختلف في باب الخمس روايته من الصحاح (8)، و قال الأسترابادي في رجاله الكبير في حقّه: فالتوثيق أقوى.

و مقبولة بن حنظلة: «انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا، و نظر في حلالنا و حرامنا، و عرف أحكامنا، فارضوا به حكما، فإنّي قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنّما بحكم اللّه استخف، و علينا ردّ، و الرادّ علينا الرادّ على اللّه تعالى، و هو على حدّ الشرك باللّه» (9).

____________

(1) المسالك 2: 352.

(2) روضة المتقين 14: 45.

(3) راجع رجال النجاشي: 98- 246، و رجال الكشي 2: 653.

(4) الفهرست: 79.

(5) نقله عن العلامة في الخلاصة: 227.

(6) راجع رجال النجاشي: 188- 501.

(7) رجال الكشي 2: 641.

(8) المختلف: 207.

(9) الكافي 7: 412- 5، التهذيب 6: 218- 514، الوسائل 27: 136 أبواب صفات القاضي ب 11 ح 1.

19

و تضعيف هذه الرواية (1)- مع انجبارها بما مرّ حتّى اشتهرت بالمقبولة- غير جيّد أيضا، إذ ليس في سندها من يتوقّف في شأنه، سوى داود بن الحصين، و وثّقه النجاشي (2)، فلو ثبت ما ذكره الشيخ (3) و ابن عقدة (4) من وقفه فالرواية موثّقة لا ضعيفة، و عمر بن حنظلة، و قد حكي عنه توثيقه (5).

هذا، مع أنّ في السند قبلهما صفوان بن يحيى، و هو ممّن نقل إجماع العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه.

و التوقيع الرفيع المرويّ في إكمال الدين للصدوق، و كتاب الغيبة للشيخ، و الاحتجاج للطبرسي: «و أمّا الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواه حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم، و أنا حجّة اللّه عليهم» (6).

و مرسلة الفقيه المرويّة في معاني الأخبار و غيره أيضا: «اللّهمّ ارحم

____________

(1) كما في المسالك 2: 352.

(2) رجال النجاشي: 159- 421.

(3) رجال الشيخ: 348.

(4) نقله عنه العلّامة في الخلاصة: 221.

(5) يعود ضمير «عنه» إلى المضعّف و هو صاحب المسالك و قد وثّقه في شرح الدراية، و إن كان مقتضى السياق عوده إلى النجاشي أو الشيخ أو ابن عقدة إلّا أنه لم يرد عنهم التوثيق و لم ينسبه إليهم أحد. قال الشهيد الثاني في شرح الدراية: 44:

«و عمر بن حنظلة لم ينص الأصحاب بجرح و لا تعديل لكن امره عندي سهل لأني قد حقّقت توثيقه من محلّ آخر». قال صاحب الرياض 2: 388- بعد نقل كلام المسالك في تضعيف الرواية- «و عمر بن حنظلة و هو ممن حكى عنه بأنه وثقه.» أي الشهيد الثاني، و المظنون أن المصنّف أخذ العبارة من الرياض كما هو الملاحظ كثيرا في الكتاب.

(6) إكمال الدين: 484، كتاب الغيبة للشيخ: 177، الاحتجاج: 470، الوسائل 27: 140 أبواب صفات القاضي ب 11 ح 9.

20

خلفائي، قيل: يا رسول اللّه، من خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون بعدي، و يروون حديثي و سنّتي» (1).

و المرويّ في الفقه الرضوي: «منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة الأنبياء في بني إسرائيل» (2).

و في كنز الكراجكي عن مولانا الصادق (عليه السلام): «الملوك حكّام على الناس، و العلماء حكّام على الملوك» (3).

و المرويّ في تحف العقول للشيخ الجليل محمّد بن الحسن بن عليّ بن شعبة، و فيه: «مجاري الأمور و الأحكام على أيدي العلماء باللّه، الامناء على حلاله و حرامه» (4).

و المرويّ في غوالي اللئالي: «الناس أربعة: رجل يعلم، و هو يعلم أنّه يعلم، فذاك مرشد حاكم فاتّبعوه» (5).

و تدلّ عليه أيضا الأخبار الآتي بعضها، الآمرة بالرجوع إلى الأعدل، أو الأعلم، أو الأفقه، عند الاختلاف.

و تدلّ عليه أيضا قاعدتان متّفقتان ذكرناهما في كتاب عوائد الأيّام (6).

و تؤيّده الأخبار المتواترة المتضمّنة ل: أنّ العلماء ورثة الأنبياء، و أنّهم

____________

(1) معاني الأخبار 1: 374- 1، الوسائل 27: 139 أبواب صفات القاضي ب 11 ح 7.

(2) فقه الرضا «ع»: 338.

(3) كنز الفوائد: 195، مستدرك الوسائل 17: 316 أبواب صفات القاضي ب 11 ح 17.

(4) تحف العقول: 238، مستدرك الوسائل 17: 315 أبواب صفات القاضي ب 11 ح 16.

(5) غوالي اللئالي 4: 79- 74.

(6) عوائد الأيّام: 187.

21

مثلهم، و أنّهم أمناء الإسلام، و أمناء الرسل، و المتكفّلون لرعيّتهم و لأيتامهم، و أمثال ذلك من الأوصاف (1).

و لا يعارض تلك الأخبار ما مرّ من الأخبار الحاصرة للحكومة في النبيّ و وصيّه، لأنّ الإذن الوارد في تلك الأخبار أيضا توصية لغة.

و مع فرض التعارض فتلك الأخبار كلّها أو أكثرها أخصّ مطلقا ممّا مرّ فيجب تخصيصه بها.

ثمَّ إنّه قد ظهر من تلك الأخبار ثبوت الإذن للعلماء العارفين بأحكام اللّه في القضاء، و كونهم منصوبين من قبل الإمام نوّابا له في هذا الزمان.

لا يقال:

إنّ المذكور في الأخبار هو العالم، و العارف و الفقيه، اللذان هما أيضا يتضمّنان العلم، و حصوله في هذه الأزمنة غالبا غير ممكن، لأنّ طرق الأحكام ظنّية غالبا.

لأنّا نقول:

إنّ الظنّ لا يعمل به ما لم ينته دليل وجوب العمل به أو جوازه إلى قطعيّ، فإنّ إثبات الظنّي بالظنّي- مع اطباق العلماء على بطلانه- دور أو تسلسل. و إذا انتهى إلى القطع و العلم يكون الحكم الحاصل منه معلوما، فإنّا لو علمنا أنّه يجب علينا العمل بالمظنون يكون المظنون حكمنا قطعا، فنكون عالمين بحكمنا قطعا.

و هذا هو المراد من قولهم: ظنّية الطريق لا تنافي قطعيّة الحكم.

و ليس فيه ابتناء على التصويب كما ظنّ، فالمجتهد إذا علم حجّية الخبر أو الظنّ الحاصل منه بدليل علميّ و دلّ خبر أو ظنّ منه أنّ حكم اللّه في الواقعة الفلانية كذا، يعلم قطعا أنّ حكمه في حقّه كذا، فيصدق عليه أنّه

____________

(1) الوسائل 27: 77 أبواب صفات القاضي ب 8.

22

عالم أو عارف بقضيّتهم و حلالهم و حرامهم.

لا يقال:

إنّ مرادهم (عليهم السلام) من أحكامهم و قضاياهم هي الواقعيّة، لأنّها أحكامهم، و أمّا الحكم الظاهري فهو حكم المضطرّ.

لأنا نقول:

إنّ الأحكام الظاهريّة للمضطرّين حال اضطرارهم أيضا من الأحكام الواقعيّة لهم، إذ ليس المراد بحكمهم إلّا ما حكموا به، و هل حكموا للمضطرّ بغير ذلك الحكم، أو ليس هذا حكمهم في حقّه؟! و هل ليس ما ظنّوا حلّيته مثلا بالدليل الشرعيّ حلالا من جانبهم له؟! و الحاصل: أنّ المظنون هو أنّ هذا مطابق لما حكموا به لغير المضطرّين، و أمّا أنّه حكمهم في حق المضطرّين فهو مقطوع به.

و على هذا، فيكون هذا الذي عرف الحكم بالدليل الشرعيّ و لو كان ظنّيا عالما بالحكم، فيكون قاضيا متولّيا لمنصب القضاء، و يكون من شأنه الحكم، و من شأن الرعيّة القبول منه، إلّا أن يكون فاقدا لأحد الشروط المعتبرة فيه الآتية.

ثمَّ إنه هل يختصّ هذا الإذن العامّ لذلك العالم بحال الغيبة، أو يشمل حال الحضور أيضا، إمّا مطلقا أو مع عدم التمكّن للإمام؟

فيه وجهان، و لا فائدة لنا في التعرّض لتحقيقه.

المسألة الرابعة: المصرّح به في كلام أكثر الأصحاب أنّه يشترط في هذا العالم المأذون فيه أن يكون مستقلّا بأهليّة الفتوى

- أي يكون علمه حاصلا بالاجتهاد- فلا ينفذ قضاء غيره و لو كان مطّلعا على فتوى المجتهدين الأحياء و مقلّدا لهم.

و نفى عنه الشكّ المحقّق الأردبيلي مع وجود المجتهد، و في الكفاية

23

أنّه لا أعرف فيه خلافا (1)، بل في المسالك و المعتمد لوالدي- (قدّس سرّه)-:

الإجماع عليه (2)، و يشعر به كلام بعض الأجلّة في شرح القواعد، حيث قال: و لا يكتفى عندنا بفتوى العلماء و تقليدهم فيها، بل لا بدّ من اجتهاده فيما يقتضي به، خلافا لبعض العامّة (3)، انتهى.

و حكى في التنقيح عن المبسوط أنّه نقل قولا بجواز قضاء المقلّد، قال في المبسوط في هذه المسألة ثلاثة مذاهب: الأول: جواز كونه عاميّا و يستفتي العلماء و يقضي بقولهم، إلى آخر ما قال. ثمَّ قال في التنقيح: و لم يصرّح- أي الشيخ- باختيار شيء من المذاهب (4).

و استدلّ للمشهور، بالإجماع المنقول، و الأصل، و اشتراط الإذن و لم يثبت لغيره، لظهور اختصاص الإجماع به، و تضمّن أخبار الإذن المتقدّمة للعلم و المعرفة المجازين في الظنّ.

مضافا إلى المتواترة الناهية عن العمل أو القول به أو بغير العلم، و المعتبرة للعلم في الفتوى، و لا يحصل لغير المجتهد سوى الظنّ غالبا، قيل:

بل و كذلك المجتهد، إلّا أنّ حجّية ظنّه مقطوع بها، فهو ظنّ مخصوص في حكم القطع، كسائر الظنون المخصوصة، و لا كذلك غيره.

أقول:

إن كان مرادهم نفي قضاء غير المجتهد الذي لم يقلّد حيّا أو ميّتا بتقليد حيّ يجوّز تقليد الميّت، بل يرجع إلى ظواهر الأخبار و كتب الفقهاء من غير قوّة الاجتهاد- كما هو ظاهر كلام بعض متأخّري

____________

(1) الكفاية: 262.

(2) المسالك 2: 351.

(3) كشف اللثام 2: 142.

(4) التنقيح 4: 234.

24

المتأخّرين، حيث قال: و غير المجتهد لا دليل على حجّية ظنّه، قاطعا و لا ظنيّا، و لو سلّم الأخير فغايته، إثبات الظنّ بمثله، و هو غير جائز بإطباق العلماء (1). انتهى- فهو كذلك، و لا ينبغي الريب فيه.

و إن كان مرادهم نفي قضاء غير المجتهد مطلقا، حتى العادل المقلّد للحيّ في جميع جزئيّات الواقعة، أو للميّت بتقليد الحيّ، فبعد ما علمت من عدم حجّية الإجماع المنقول، و أنّ الظنّ المنتهي إلى العلم علم، يعلم ضعف تلك الأدلّة، لأنّ المقلّد إذا علم فتوى مجتهد في جميع تفاصيل واقعة حادثة بين متنازعين من مقلّديه و جزئياتها، يعلم حكم اللّه في حقّهما، لأنّ حكمه و لو كان مظنونا، و لكنّه معلوم الاعتبار و الحجّية بالنسبة إليهما، فذلك المقلّد عالم عارف بحكم الشارع (2) في حقّهما، فيكون مأذونا بالأخبار المتقدّمة، عالما بالحكم خارجا من تحت الأصل.

إلّا أن يتحقّق الإجماع على خلافه، و هو غير متحقّق، كيف؟! و كلمات أكثر القدماء خالية عن ذكر المجتهد أو ما يرادفه.

و عبّر كثير منهم بالفقيه المحتمل صدقه- سيّما في الصدر الأول- على من أخذ برهة من المسائل و لو تقليدا، كما صرّح به والدي العلّامة- (قدّس سرّه)- في تجريد الأصول و أنيس المجتهدين، و لذا قوّى بعض علمائنا المعاصرين في أجوبة سؤالاته جواز المرافعة إلى العالم العادل المطّلع بجميع المسائل الدقيقة المتعلّقة بواقعة تقليدا، و نسب عدم الجواز إلى المشهور (3).

____________

(1) الرياض 2: 386.

(2) في «ق»، «س»: المتنازع.

(3) جامع الشتات: 676.

25

و قد يوجّه جواز تقليد القاضي أيضا بحسنة هشام: «لمّا ولّى أمير المؤمنين (عليه السلام) شريحا القضاء اشترط عليه أن لا ينفذ القضاء حتى يعرض عليه» (1).

و هو إنما يحسن لو لم تكن توليته إيّاه تقيّة كما هو الظاهر.

و بذلك و إن ظهر ضعف الأدلّة المذكورة لهم، إلّا أنّه يمكن أن يقال:

إنّ أكثر تلك الأخبار و إن كان مطلقا شاملا للمقلّد المذكور أيضا، إلّا أن قوله (عليه السلام) في المقبولة: «انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا» إلى آخره، و في التوقيع: «فارجعوا إلى رواه أحاديثنا» مقيّد بالمجتهد، إذ الظاهر المتبادر منه: الراوي للحديث، المستنبط المستخرج منه الأحكام على الطريق الذي ارتضاه الشارع و أمر به، لا مطلقا.

و يعلم من ذلك احتمال اختصاص مرسلة الفقيه المتقدّمة بالمجتهدين في الأحكام أيضا، بل و كذا الرضوي، لعدم معلوميّة صدق الفقيه على مطلق العالم و لو تقليدا.

و يدلّ على التخصيص أيضا المرويّ في مصباح الشريعة، المنجبر ضعفه بما ذكر: أنّه قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لقاض: «هل تعرف الناسخ من المنسوخ؟» قال: لا، قال: «فهل أشرفت على مراد اللّه عزّ و جلّ في أمثال القران؟» قال: لا، قال: «إذن هلكت و أهلكت. و المفتي محتاج إلى معرفة القرآن، و حقائق السنن، و بواطن الإشارات، و الآداب، و الإجماع، و الاختلاف، و الاطّلاع على أصول ما أجمعوا عليه و ما اختلفوا فيه، ثمَّ حسن الاختيار، ثمَّ العمل الصالح، ثمَّ الحكمة، ثمَّ التقوى، ثمَّ حينئذ إن

____________

(1) الكافي 7: 407- 3، التهذيب 6: 217- 510، الوسائل 27: 16 أبواب صفات القاضي ب 3 ح 1.

26

قدر» (1).

قال (عليه السلام): «لا تحلّ الفتيا لمن لا يستفتي من اللّه عزّ و جلّ بصفاء سرّه، و إخلاص عمله و علانيته، و برهان من ربّه في كلّ حال، لأنّ من أفتى فقد حكم، و الحكم لا يصحّ إلّا بإذن من اللّه» (2).

و بتلك الأخبار يجب تقييد إطلاق بعض آخر.

و علم من ذلك صحّة ما هو المشهور من عدم جواز تولّي القضاء لغير المجتهد.

و هل يجوز له التولّي من جانب المجتهد و بإذنه الخاص؟

ربّما يحكى عن بعض الفضلاء المعاصرين (3) جوازه، و لم أتحقّقه و لم أره في كتابه (4)، و لا أرى له وجها أصلا. و يمكن أن يكون ذلك لفتواه المتقدّمة بجواز المرافعة إلى المقلّد العادل العالم بمسائل الواقعة (5).

و توقيفه على الإذن لمعرفة العادل المطّلع.

و توهّم أنّ عموم الولاية فيما للإمام فيه الولاية ثابت للمجتهد، و منها:

الإذن الخاص في القضاء.

مدفوع بأنّ للإمام الإذن للأهل و القابل، فالجواز للمجتهد أيضا يكون مقصورا على من له الأهليّة، و هي لغير المجتهد غير ثابتة، و من ثبتت له لا يحتاج إلى النائب، لثبوت الإذن له عن المنوب عنه.

نعم، لا يبعد جواز حكم مقلّد عادل عالم بجميع أحكام الواقعة

____________

(1) مصباح الشريعة: 355، بتفاوت يسير.

(2) مصباح الشريعة: 351.

(3) أراد به المحقّق القمي.

(4) كتاب القضاء المطبوع في ضمن غنائم الأيّام و جامع الشتات.

(5) تقدمت في ص: 24.

27

الخاصّة فعلا، أو بعد السؤال في تلك الواقعة الخاصّة، بعد إذن المجتهد له في خصوص تلك الواقعة، بعد رجوع المدّعي أو المتخاصمين فيها إلى المجتهد، لأنّ التحاكم و الترافع و الرجوع في الواقعة إنّما وقع عند المجتهد- كما هو المأمور به في المقبولة و التوقيع- و المجتهد أمر بأن يفتش مقلّده عن حقيقة الواقعة و يحكم.

و التحذير الوارد في رواية مصباح الشريعة إنّما هو لقاض خاص، فلعلّه لم يكن مأذونا من أهل في خصوص الواقعة، كما هو الظاهر.

و كذا لا يشمله التحذير الوارد في رواية إسحاق بن عمّار و صحيحة سليمان بن خالد المتقدّمتين، لأنّ الظاهر ورودهما في حقّ من اتّخذ ذلك منصبا، لا من يحكم في خصوص واقعة، بل يمكن أن نقول: الحكم حقيقة من المجتهد، و الواسطة كالآلة.

و الحاصل: أنّ هنا أمورا أربعة مخالفة للأصل:

الأول: التحاكم و الترافع و الرجوع من المتخاصمين بنفسهما.

الثاني: جواز حكم هذا المقلّد بما يعلم.

الثالث: نفوذ حكمه و وجوب اتّباعه.

الرابع: جواز أمر المجتهد هذا المقلّد بالحكم و بترافع المترافعين إليه.

و الأول: لم يقع بالنسبة إلى المقلّد، لأنّهما بنفسهما لم يرجعا إليه، و إنّما ترافعا عند المجتهد كما هو المأمور به لهما.

و الثاني: لا نهي فيه، بل صرّح بجوازه- بل ترتّب الأجر عليه- في مرفوعة البرقي المتقدّمة و رواية الغوالي.

و الثالث: يثبت بثبوت وجوب اتّباع كلّ ما حكم به المجتهد بعد الترافع إليه، فإنّه قد حكم بقبول حكم هذا المقلّد، فهو حقيقة نفوذ لحكم

28

المجتهد و اتّباع له.

و تدلّ عليه أيضا رواية الغوالي، بل هي تدلّ على نفوذ الحكم و جواز المحاكمة عنده بدون إذن المجتهد أيضا، إلّا أنّها لضعفها الخالي عن الجابر المعلوم- مضافا إلى أعمّيتها من المقبولة و التوقيع- يمنع من العمل بمضمونها وحدها.

و الرابع: ظاهر بعد ثبوت جواز حكمه و عدم وجود نهي فيه.

و يمكن أن يكون بناء الأصحاب- في مسألة إحضار (1) الخصم، و قولهم كما يأتي في بعض الصور: يبعث الحاكم من يحكم بين الخصمين- على ذلك.

و يمكن أن يكون مرادهم: بعث مجتهد آخر، حيث إنّه لمّا ترافع الخصمان إليه يكون هو الأصل.

و يمكن ان يكون مرادهم: القاضي الخاصّ، المنصوب من الإمام، المأذون في الاستنابة، فتأمّل.

فرع:

قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ المحرّم لغير المجتهد هو الحكم بغير ما أنزل اللّه أو بما أنزل اللّه- أي بفتوى مجتهده- بدون إذن المجتهد مع إلزامه المترافعين بما حكم، لكونه إلزاما من غير لزوم، و لكونه إعانة على معصية المترافعين.

و أمّا قوله لهما- بدون إذن المجتهد بعد سماع حكايتهما، من غير قصدهما الترافع إليه، أو قصده جريان الحكم عليه (2)-: على فلان المدّعي البيّنة مثلا، أو على هذا المنكر اليمين- يعني: أنّ القاضي يحكم بذلك إذا ترافعتما إليه، من غير حكم لهما بذلك- فلا بأس به.

____________

(1) في «ق»، «س»: إجبار.

(2) يعني: أو من غير قصد المقلد جريان الحكم على المدعي أو المنكر.

29

بل و كذا لو قال: عليك البيّنة و عليك الحلف، من غير أن يقصد إلزامهما و إجراء حكمه، أو رفع تخاصمهما بذلك الحكم، أو سماع البيّنة، أو الإحلاف.

بل لو قيل له: أحلف أو استمع البيّنة، يقول: ليس هذا من شأني و لا بدّ من الرّجوع إلى الحاكم، بل لو سمع البيّنة أيضا لا يقصد الحكم بل الاطلاع بالحال.

فإنّه لا دليل على حرمة شيء من ذلك، و الأصل عدمها، فإنّ هذا ليس حكومة و جلوسا مجلس القضاء، و لا قضاء، و لا ترافعا إليه.

المسألة الخامسة: هل يشترط في المجتهد الذي ينفذ قضاؤه

أو قضاء مقلّده المأذون منه- لو قيل بجوازه- كونه مجتهدا مطلقا، أم يكفي المتجزّي؟

و هذا البحث ساقط على ما اخترناه من عدم إمكان التجزّي في الملكة، لأنّهم إن أرادوا التجزّي بذلك المعنى فهو غير ممكن، و إن أرادوا التجزّي الفعلي فبطلان اشتراط عدمه بديهيّ واضح، لعدم إمكان الاجتهاد الفعليّ المطلق، و عدم تحقّقه.

نعم، يتأتّى هذا الخلاف على القول بتجزّي الاجتهاد بمعنى الملكة، و قد وقع الخلاف فيه عليه. و صرّح بعضهم بكفاية التجزّي، و هو الظاهر من الفاضل في التحرير، حيث شرط في القاضي الاجتهاد، و ذكر شرائطه ثمَّ قال: و هل يتجزّى الاجتهاد أم لا؟ الأقرب: نعم، و احتجّ له برواية أبي خديجة (1) (2).

____________

(1) الكافي 7: 412- 4، الفقيه 3: 1- 1، الوسائل 27: 13 أبواب صفات القاضي ب 1 ح 5.

(2) التحرير 2: 180.

30

و الحمل- على إرادة جواز التجزّي في الاجتهاد دون كفايته في القضاء- بعيد، بل يمنعه احتجاجه، و قوله بعد ذكر الرواية: نعم، يشترط أن يكون عارفا بجميع ما وليه.

و هذا هو الظاهر من القواعد و الدروس أيضا، بل هو ظاهر النافع و الشرائع أيضا (1).

و حمل قوله في الأخير: و لا بدّ أن يكون عالما بجميع ما وليه، على الاجتهاد المطلق، كما في المسالك (2)، لا وجه له.

و نسب في الكفاية إلى المشهور (3) و والدي إلى الأشهر: اشتراط المطلق، و عدم كفاية التجزّي، و جزم الأول به مع تيسّر المطلق، و نفي البعد عن الاكتفاء بالمتجزّي مع فقده، و صرّح الثاني بالتفصيل، فجوّز مع فقد المطلق، و منع مع تيسّره.

و الحقّ هو: الأول، لأنّ المراد المتجزّي، من قدر على استنباط برهة من الأحكام، جامعا لجميع شرائط الاجتهاد فيها، من ردّها إلى مئاخذها المعلوم اعتبارها و حجّيتها عنده بالدليل القطعي، العالم بعدم توقّفها على غيرها، أو ظانّا له ظنّا ثبت عنده اعتباره، إذ لو لم يعلم اعتبار المأخذ و اكتفى فيه بالظنّ، أو ظنّ عدم التوقّف و لم تثبت عنده حجّية هذا الظنّ، لا يجوز عمله اتّفاقا، لامتناع إثبات الظنّ بالظنّ، فلا بدّ من كون ظنّه منتهيا إلى العلم الموجب لقطعه بالحكم كما مرّ، فيكون الحكم معلوما له، فتشمله صحيحتا أبي خديجة، و كذا يشمله التوقيع، و لا مخصّص لهما سوى بعض

____________

(1) القواعد 2: 201، الدروس 2: 66، النافع 2: 279، الشرائع 4: 67.

(2) المسالك 2: 351.

(3) الكفاية: 262.

31

ما استدلّ به للقول الآخر، كما يأتي مع جوابه.

و جعله من باب إثبات الظنّ بالظنّ من الغرائب، لأنّ المتجزّي لا يثبت حجّية ظنّه به، بل يجعل ظنّه علما بما دلّ على حجّية الظنّ الفلاني- كالظنّ الخبريّ مثلا- له، ثمَّ بعد ذلك و بعد إثبات حجّية الأخبار- التي منها هذا الخبر- له بالدليل العلمي يستدلّ بهاتين الصحيحتين على حصول الإذن له في القضاء.

و لو فرض عدم ثبوت حجيّة ظنّ له علما فلا يقول أحد بحجّية ظنّه له، و كذا لو ثبت ذلك و لكن لم تثبت عنده حجّية هاتين الصحيحتين.

احتجّ لاشتراط المطلق مطلقا بوجوه:

منها:

ما ذكره في الكفاية من أنّ معرفة الأحكام من الأحاديث يتوقّف في بعض الأحيان على العرض على القرآن، و على مذاهب العامّة و الخاصّة، و العلوم المعتبرة في الاجتهاد، فيقتضي الاجتهاد المطلق (1).

و فيه: أنّ كون هذا اجتهادا مطلقا ممنوع، مع أنّ المفروض إنّما هو إذا علم ما يتوقّف عليه الحكم جميعا، و علم عدم توقّفه على غير ذلك.

و منها:

المقبولة المتضمّنة للجمع المضاف، المفيد للعموم، و به تخصّص الصحيحتان أيضا، لكونها أخصّ مطلقا منهما.

و فيه: أنّ العلم حقيقة في المعرفة الفعليّة، و تحقّقها بالنسبة إلى جميع الأحكام غير ميسّر، و اشتراطها خلاف الإجماع. و الحمل على قوّة المعرفة مجاز، كما أنّ إرادة البعض من الجمع المضاف أيضا مجاز، و لا مرجّح لأحدهما، فلا يعلم المخصّص.

____________

(1) كفاية الأحكام: 261.

32

و منها:

ما قيل من أنّ الدليل على حجّية ظنّ المجتهد هو الإجماع، و الدليل العقليّ المركّب من بقاء التكليف، و انسداد باب العلم، و انتفاء التكليف بما لا يطاق، المنتج لوجوب العمل بالظنّ.

و شيء منهما لا يجري في المتجزّي، أمّا الإجماع فلاختصاصه بالمجتهد المطلق.

و أمّا الدليل العقلي، فلعدم صحّة دعواه انسداد باب العلم بالنسبة إليه، لاحتمال ظهور خلاف ظنّه، و كذا دعواه التكليف بما لا يطاق في حقّه، إذ في وسعه تحصيل المعرفة بكلّ المدارك (1).

أقول:

دعوى انحصار الدليل فيهما واهية، فإنّ لحجّية كلّ من الأدلة الظنّية- كالخبر و الاستصحاب و الكتاب و غيرها- أدلّة منتهية إلى القطع، بالواسطة أو بدونها، و لا ينحصر دليلها في أنّها تفيد الظنّ و الظنّ حجّة بالإجماع.

على أنّ الإجماع لو كان دليلا لم يثبت حجّية ظنّ المجتهد المطلق بما يفيد شيئا في هذا الباب، لأنّ القدر الثابت من الإجماع هو حجّية ظنّه في الجملة، و أمّا أنّه أي قدر و على أيّ حال فلا، بل لا يوجد لظنّه المجمع على اعتباره مصداق، فإنّ من ظنونه ما يحصل من القياس أو الشهرة أو الإجماع المنقول أو الخبر أو غيرهما، و في كلّ منها خلاف.

و عدم تخطئتهم للعامل بها إذا قال بحجّيتها لا يجعله إجماعيّا، كما في سائر المسائل الخلافيّة.

و أمّا ما ذكره في عدم جريان الدليل العقليّ في ظنّ المتجزّي لما مرّ،

____________

(1) انظر الرياض 2: 386.

33

ففيه: أنّ درك انسداد باب العلم في مسألة لا يتوقّف على القدرة على استنباط جميع الأحكام من مئاخذها لو سلّمنا توقّفه على الإحاطة الإجماليّة بجميع المدارك.

و كذا لا مدخليّة لتلك القدرة في درك حكم كلّ مسألة حتى يمنع إمكان تحصيلها عن التكليف بما لا يطاق.

نعم، يمكن أن يقال: إنّ المقدّمات الثلاث لا تنتج للمتجزّي وجوب العمل بالظنّ، لإمكان أن يكون حكمه تقليد المجتهد المطلق. و لكن مثل هذا وارد في المطلق أيضا، لإمكان أن يكون حكمه الاحتياط على أنّ الثابت منه- لو سلّم- حجّية الظنّ في الجملة، و هو لا يفيد له شيئا.

ثمَّ بما ذكرنا يظهر وجه التفصّي عن الإيراد بجواز قضاء المقلّد المأذون لو قيل بمثل ذلك. على أنّ الإجماع على حجّية ظنّ المقلّد الحاصل من فتوى مجتهده منعقد.

احتجّ من فصّل بين وجود المطلق و عدمه بما دلّ على تقديم الأعلم.

و فيه منع كلّ من الصغرى و الكبرى، كما يظهر وجهه ممّا يأتي في مسألة وجوب تقديم الأعلم.

ثمَّ لا يخفى أنّ مرادنا من المتجزّي الجائز قضاؤه ليس مطلق من يعلم قضيّة في واقعة و لو بإجماع أو ضرورة، بل من أخذ برهة جمّة من الأحكام من مأخذها، لما يدلّ على التخصيص برواة أحاديثنا، و بمن نظر في حلالنا و حرامنا، بل قوله في إحدى الصحيحتين: «حلالنا و حرامنا» دالّ على ذلك، و بذلك يخصّص إطلاق الصحيحة الأخرى.

المسألة السادسة: تشترط فيه أيضا- مضافا إلى ما ذكر- أمور:

منها: التكليف، بالبلوغ و العقل

، بالإجماع و الاعتبار فيهما، مضافا في

34

الأول إلى التصريح بالرجل في الصحيحتين، المخصّص لغيرهما ممّا ظاهره العموم، مع أنّ المتبادر من الجميع البالغ العاقل.

و منها: الإيمان

، للإجماع أيضا، و قوله (عليه السلام) «منكم» في إحدى الصحيحتين و في المقبولة، و ما ورد في بعض الأخبار من أخذ معالم الدين من الشيعة (1).

و قد يستدلّ أيضا له بوجوه مدخولة، و إن كانت للتأييد صالحة.

و منها: العدالة

، لما مرّ من الإجماع، و لآية النبإ، و للمرويّ في الخصال: «فاتّقوا الفاسق من العلماء» (2).

و المرويّين في مصباح الشريعة المتقدّمين في المسألة الرابعة (3).

و في تفسير الإمام (عليه السلام) في حديث طويل: «و كذلك عوام أمّتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر، و العصبيّة الشديدة، و التكالب على حطام الدنيا و حرامها، و إهلاك من يتعصّبون عليه و إن كان لإصلاح أمره مستحقّا، و بالترفرف بالبرّ و الإحسان على من تعصّبوا له و إن كان للإذلال و الإهانة مستحقّا، فمن قلّد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء، فهم مثل اليهود الذين ذمّهم اللّه تعالى بالتقليد لفسقة فقهائهم. فأمّا من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه، و ذلك لا يكون إلّا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم. فأمّا من ركب من القبائح و الفواحش مراكب فسقة فقهاء العامّة فلا تقبلوا منهم عنّا شيئا و لا كرامة» الحديث (4).

و المرويّ في التحرير عن عليّ (عليه السلام) أنه قال: «لا ينبغي أن يكون القاضي قاضيا حتى تكون فيه خمس خصال: عفيف، حليم، عالم بما كان

____________

(1) رجال الكشي 1: 7- 4، الوسائل 27: 150 أبواب صفات القاضي ب 11 ح 42.

(2) الخصال 1: 69- 103.

(3) في ص: 25.

(4) تفسير الحسن العسكري (عليه السلام): 299- 143، الوسائل 27: 131 أبواب صفات القاضي ب 10 ح 20.

35

قبله، يستشير ذوي الألباب، لا يخاف في اللّه لومة لائم» (1)، و الضعف فيها غير ضائر، لما مرّ غير مرّة.

و تؤيّده آية الركون (2)، و صحيحة سليمان المتقدّمة في المسألة الثانية (3)، و عدم حصول الأمن بدونها في بذل الجهد و عدم الكذب، و اشتراطها في الشهادة التي هي من فروع القضاء، سيّما مع وجود العلّة الموجبة لاشتراطها فيه بطريق أولى.

و منها: العلم الفعلي بجميع أحكام الواقعة

، و الوجه فيه ظاهر.

و منها: الذكورة

، بالإجماع كما في المسالك و نهج الحقّ و معتمد الشيعة (4) و غيرها (5).

و استشكل بعضهم في اشتراطه، و هو ضعيف، لاختصاص الصحيحتين بالرجل، فيخصّص بهما غيرهما ممّا يعمّ.

و تدلّ عليه مرسلة الفقيه: «يا معاشر الناس، لا تطيعوا النساء على حال، و لا تأمنوهنّ على مال» (6).

و روايات أبناء نباتة (7) و أبي المقدام (8) و كثير (9): «لا تملك المرأة من

____________

(1) التحرير 2: 180.

(2) هود: 113.

(3) في ص: 16.

(4) المسالك 2: 351، نهج الحق: 562.

(5) انظر المفاتيح 3: 246، و كشف اللثام 2: 322، و الرياض 2: 385.

(6) الفقيه 3: 361- 1713، الوسائل 20: 180 أبواب مقدمات النكاح ب 94 ح 7.

(7) الكافي 5: 510- 3، الوسائل 20: 169 أبواب مقدمات النكاح ب 87 ح 2.

(8) الكافي 5: 510- 3، نهج البلاغة (محمد عبده) 3: 63، الوسائل 20: 168 أبواب مقدمات النكاح ب 87 ح 1.

(9) الكافي 5: 510- 3، الوسائل 20: 168 أبواب مقدمات النكاح ب 87 ح 1.

36

الأمر ما يجاوز نفسها».

و رواية الحسين بن المختار: «اتّقوا شرار النساء، و كونوا من خيارهنّ على حذر، و إن أمرنكم فخالفوهنّ، كيلا يطمعن منكم في المنكر» (1)، و تقربها مرسلتا المطّلب بن زياد (2) و عمرو بن عثمان (3).

و رواية حمّاد بن عمرو الطويلة، و فيها: «يا عليّ، ليس على النساء جمعة و لا جماعة» إلى أن قال: «و لا تولّى القضاء» (4).

و رواية جابر عن الباقر (عليه السلام): «و لا تولى المرأة القضاء و لا تولّى الإمارة» (5).

و في خبر آخر: «لا يصلح قوم ولتهم امرأة» (6).

و منها: العلم بالكتابة قراءة و كتبة

، شرطه الشيخ و الحلّي (7)، و نسبه في المسالك و الروضة (8) و غيرهما (9) إلى الأكثر، و جعله في السرائر من مقتضيات المذهب، و قيل: إنّه مذهب عامّة المتأخّرين (10).

____________

(1) الكافي 5: 517- 5، الوسائل 20: 179 أبواب مقدمات النكاح ب 94 ح 2، و فيها: و إن أمرنكم بالمعروف ..

(2) الكافي 5: 517- 7، نهج البلاغة 1: 125، الوسائل 20: 179 أبواب مقدمات النكاح ب 94 ح 3.

(3) الكافي 5: 518- 12، الوسائل 20: 179 أبواب مقدمات النكاح ب 94 ح 5.

(4) الفقيه 4: 263- 823، الوسائل 27: 16 أبواب صفات القاضي ب 2 ح 1.

(5) الخصال 2: 585- 12، الوسائل 20: 220 أبواب مقدمات النكاح ب 123 ح 1.

(6) مسند أحمد 5: 43، سنن البيهقي 10: 118.

(7) الشيخ في المبسوط 8: 120، و الحلي في السرائر 2: 166.

(8) المسالك 2: 351، الروضة 3: 68.

(9) كالرياض 2: 386.

(10) كما في الرياض 2: 386.

37

و ظاهر النافع و القواعد الخلاف فيه (1)، بل نسبه في التنقيح إلى قوم (2).

و نقل في شرح المفاتيح عن الفاضل و جماعة احتمال العدم.

و صريح المحقّق الأردبيلي و الكفاية التردّد (3).

و نفى اشتراطه والدي العلّامة في معتمد الشيعة، و هو المعتمد، للأصل، و الإطلاق.

و دعوى اختصاص المرخّصات في القضاء بحكم التبادر بعارفي الكتابة ممنوعة.

و استدلّ المشترطون باعتبارات ضعيفة، عمدتها: توقّف الضبط عليها غالبا، و فيه المنع.

نعم، لا يبعد ادّعاء توقّف العلم بالأحكام في نحو هذه الأزمنة بالنسبة إلى قراءة الكتابة، فلو قيل باشتراطها فيه بالنسبة إلى غير المأذون بخصوصه من المجتهد- لو قلنا بجواز قضائه- لم يكن بعيدا.

و منها: البصر

، قال باشتراطه الشيخ و الإسكافي و ابن سعيد و القاضي و المحقّق و الفاضل في القواعد و ولده (4)، و نسبه في الروضة و الكفاية إلى الأكثر و إن نفاه الثاني (5).

____________

(1) المختصر النافع: 279، القواعد 2: 201.

(2) التنقيح 4: 236.

(3) الكفاية: 262.

(4) الشيخ في المبسوط 8: 101، و ابن سعيد في الجامع للشرائع: 522، و القاضي في المهذب 2: 598، و المحقّق في الشرائع 4: 68، و الفاضل في القواعد 2:

201، و ولده في الإيضاح 4: 298.

(5) الروضة 3: 67، الكفاية: 262.

38

و استشكل في التحرير (1). و نفاه في معتمد الشيعة، و هو الأصحّ، لما مرّ.

و منها: السمع و اللسان

، شرطهما جماعة (2)، و الحقّ: العدم، لما سبق.

و منها: الحرّية

، ذهب إلى الاشتراط الشيخ و القاضي و ابن سعيد و الكيدري و الفاضل و الشهيد (3)، و هو ظاهر ابن حمزة (4)، و نسبه في المسالك و الروضة إلى الأكثر (5).

و اختار المحقّق العدم (6)، و استقر به في الكفاية (7)، و هو الأظهر إذا أذن له المولى.

و منها: طهارة المولد و النطق و غلبة الذكر

، شرطها جماعة، بل في الروضة و معتمد الشيعة الإجماع على الأول، و نفى الخلاف في الثانيين (8)، و الأصل ينفي ما لم يثبت فيه إجماع.

المسألة السابعة: إذا فقد الجامع للشرائط

، أو تعسّر الوصول إليه، أو لم ينفذ قضاؤه مطلقا، أو على خصوص المدّعى عليه، أو لم يمكن إثبات الحقّ عنده، فهل يجوز الترافع إلى غيره؟

____________

(1) التحرير 2: 179.

(2) كالعلّامة و ولده كما في الإيضاح 4: 299.

(3) الشيخ في المبسوط 8: 101، و القاضي في المهذب 2: 599، و الفاضل في القواعد 2: 201، و الشهيد في الدروس 2: 65.

(4) الوسيلة: 209.

(5) المسالك 2: 351، الروضة 3: 67.

(6) الشرائع 4: 68.

(7) الكفاية: 262.

(8) الروضة 3: 62.

39

ظاهر الأكثر: العدم، و في الروضة الإجماع عليه (1).

و نقل الأردبيلي قولا منسوبا إلى ابن فهد بجوازه في الصورة الاولى، و قال: إنّه وجده في حاشية الدروس منقولا عن الشيخ حسين بن حسام.

و وجدت إنا أيضا في حاشية نسخة منه منسوبة إلى مسائل ابن طيّ نسبة هذا القول إلى ابن فهد، و إلى الشهيد في الحواشي، و اختاره نفسه.

و استقربه بعض المعاصرين (2)، و جوّزه الشهيد الثاني في المسالك (3)، و والدي في معتمد الشيعة لو توقّف حصول الحقّ عليه، و ظاهرهما الشمول للصور الأربع.

استدلّوا على الجواز بلزوم تعطيل الأحكام لولاه، و بنفي العسر و الحرج.

و في صورة توقّف وصول الحقّ مطلقا بمفهوم صحيحة أبي بصير:

«أيّما رجل كان بينه و بين أخ له مماراة في حقّ، فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه و بينه، فأبى إلّا أن يرافعه إلى هؤلاء، كان بمنزلة الذين قال اللّه عزّ و جلّ أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا .. (4)» (5).

و إطلاق نفي الضرر، سيّما مع إطلاق رواية البرقي المتقدّمة (6).

و استشكل فيه: بأنّه إعانة على الإثم، و هي محرّمة.

____________

(1) الروضة 3: 68.

(2) المحقّق القمي في رسالة القضاء (غنائم الأيام: 674).

(3) المسالك 2: 352.

(4) النساء: 60.

(5) الكافي 7: 411- 2، الفقيه 3: 3- 5، التهذيب 6: 220- 519، الوسائل 27:

11 أبواب صفات القاضي ب 1 ح 2.

(6) في ص: 8.

40

و ردّ بمعارضة أدلّة حرمة الإعانة مع أدلّة نفي الضرر، فتتساقطان، فيرجع إلى الأصل.

و قد يستدلّ للمنع أيضا بمنطوق الصحيحة المذكورة، و بالروايات الناهية عن الترافع إلى القضاة أو قضاة الجور و الظلم، كصحيحة ابن سنان:

«أيّما مؤمن قدّم مؤمنا في خصومة إلى قاض أو سلطان جائر فقضى عليه بغير حكم اللّه فقد شرّكه في الإثم» (1).

أقول:

لا يخفى ما في كتب الأصحاب في أصل المسألة و استدلالهم و جوابهم من الإجمال و المسامحة و القصور.

و بيان ذلك: أنّ الكلام إمّا في تكليف المترافعين و ما يجوز لهم أو لا يجوز.

أو تكليف من يترافعان أو أحدهما إليه من غير الأهل حينئذ.

أو تكليف سائر الناس- من الحكّام الذين يأتون بعدهم، أو أهل الاقتدار على إجراء الحكم و ردّه- في ردّ حكم غير الأهل و إجرائه حينئذ.

أو في حال الحقّ الذي حكم غير الأهل حينئذ لأحدهما إثباتا أو نفيا.

ثمَّ على التقادير الأربعة، إمّا يكون مفروض المسألة ما إذا لم يمكن الترافع إلى الأهل، لفقده، أو عسر الوصول إليه.

أو ما إذا لم يمكن التوصّل إلى الحقّ بالترافع إليه، إمّا لعدم نفوذ حكمه، أو لعدم إمكان إثبات الحقّ عنده.

و على التقادير، إمّا يكون نزاع المترافعين للجهل بحكم المسألة، كما إذا اجتمع جدّ و أخ في الميراث، و طلب كلّ منهما الكلّ زعما منه أنّه

____________

(1) الكافي 7: 411- 1، الفقيه 3: 3- 4، التهذيب 6: 218- 515، الوسائل 27:

11 أبواب صفات القاضي ب 1 ح 1.

41

كذلك.

أو يكون لاختلاف العلماء في المسألة، كما إذا تنازع الولد الأكبر مع غيره في الحبوة مجّانا أو غير مجّان، أو الزوجة مع الولد في الإرث من الأراضي و عدمه، أو الأب مع البنت البالغة في ولاية العقد و نحوها.

أو يكون لأجل عدم علم المدّعى عليه بالحقّ المدّعى، كما إذا ادّعى أحد حقّا على مورّث الآخر و أجاب هو بعدم العلم، أو عليه بعينه و قال:

لا أدري، أو شيئا في يده بأنه مسروق منّي، و نحو ذلك، أو يكون لإنكار المدّعى عليه الحقّ.

و على جميع تلك التقادير: إمّا يكون عدم أهليّة غير الأهل الذي يترافعان إليه حينئذ لكونه جاهلا، أي لعدم اجتهاده و لا تقليده في المسألة.

أو يكون لعدم كونه مجتهدا مع علمه بحكم المسألة تقليدا لمجتهد حيّ يتعسّر الوصول إليه، أو لكونه فاسقا، أو لفقد شرط آخر من شرائط القضاء كالبلوغ أو الذكورة أو البصر- على القول باشتراطه- و نحو ذلك.

و على التقادير: إمّا يكون ذلك الذي لا يتأهّل للقضاء جالسا مجلس الحكم تغلّبا و جورا.

أو لا، بل يكون هناك شخص لا يتولّى القضاء فيريدون أن يترافعوا إليه.

و هذه صور كثيرة تتجاوز عن المائة بل المائتين، و الأدلّة التي ذكروها للجواز على فرض تماميّتها لا تجري إلّا في أقلّ قليل من تلك الصور، فلا تفيد لحكم الكلّية.

و التحقيق:

أنّ ما يجوز الاستناد إليه في ذلك المقام ليس إلّا دليل نفي الضرر، و جواز التوصّل إلى الحقّ بكلّ ما أمكن لانتفاء الضرر أيضا. و هو

42

لا يجري في تلك الصور، إلّا في جواز ترافع من يعلم يقينا حقّه ثابتا، و لا يمكنه التوصّل إلّا بذلك، فيجوز له الترافع إلى غير الأهل لنفي الضرر الخالي عن المعارض بالمرّة.

إذ ليس سوى مثل صحيحة ابن سنان المتقدّمة (1). و هي مخصوصة بما إذا حكم بغير حكم اللّه، و المفروض أنّ المدّعي يعلم ثبوت حقّه.

و مثل المقبولة الناهية عن التحاكم إلى السلطان و القضاة، و أنّ ما يحكم به له سحت و لو كان حقّا، فإنّ فيها: عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان، أو إلى القضاة، أ يحلّ ذلك؟ قال: «من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، و ما يحكم له فإنّما يأخذ سحتا و إن كان حقّا ثابتا له، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، و قد أمر اللّه أن يكفر به، قال اللّه تعالى يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحٰاكَمُوا إِلَى الطّٰاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ» قلت: فكيف يصنعان؟ قال:

«ينظران من كان منكم» الحديث (2).

و هي- مع اختصاصها بمثل السلطان و المتولّين لمنصب القضاء بغير حقّ- ظاهرة في صورة إمكان الرجوع إلى الأهل و التوصّل به إلى الحقّ، فتبقى صورة العدم و الرجوع إلى غير السلطان و القضاة تحت إطلاق نفي الضرر بلا معارض، بل و كذلك الرجوع إلى السلطان و القضاة، كما يأتي.

و مثل الصحيحة و المقبولة الآمرة بالرجوع إلى الأهل. و اختصاصها أيضا بصورة الإمكان واضح.

فلا يكون لأدلّة نفي الضرر معارض، إلّا في صورة عدم علم المترافع

____________

(1) في ص: 40.

(2) الكافي 1: 67- 10، و ج 7: 412- 5، التهذيب 6: 218- 514 و 301- 845، الوسائل 27: 136 أبواب صفات القاضي ب 11 ح 1.

43

إليه بالحقّ للمدّعي، و حكم بالظنون التي لم يثبت اعتبارها في حقّه، كالبيّنة الغير المفيدة للعلم أو الإحلاف، أو ردّ الحلف، أو الاستصحاب، أو نحوها، فإنّه تعارضها حينئذ أدلّة حرمة المعاونة على الإثم، و لكنّهما يتساقطان، فيبقى أصل الجواز خاليا عن المعارض، و لكنّ الثابت منه ليس إلّا الجواز للمدّعي العالم بالحقّ.

و أمّا المترافع إليه، فلا يجوز له قبول المحاكمة أصلا، إلّا إذا علم هو أيضا ثبوت الحقّ له علما واقعيّا، لا بمثل البيّنة و الإحلاف، لأنّه ما لم يعلم واقعا ثبوت الحقّ له لا يعلم ضررا عليه، و لا منكرا من المدّعى عليه، حتى تجري في حقّه أدلّة نفي الضرر، أو وجوب النهي عن المنكر، فلا يجوز له الحكم بالظنون التي تجوز للأهل كالبيّنة و الاستصحاب و اليمين و نحوها.

نعم، لو علم ذلك يجوز له من باب النهي عن المنكر أيضا، كجواز ترافع المدّعي.

و يحلّ للمدّعي العالم بالحقّ أخذ ما أخذ بحكمه، و لكن لا يثبت حينئذ قضاء شرعيّا يجب على سائر الحكّام بعده إنفاذه، و لا على المقتدرين على الإجراء إجراءه، لأنّهم أيضا لو علموا بالحقّ كعلمه لكان واجبا على أنفسهم من باب النهي عن المنكر، و إن لم يعلموا فمن أين يعلمون حقّية حكمه، و جريان أدلّة نفي الضرر و النهي عن المنكر في حقّه حتى يجب عليهم إنفاذه؟! بل يكون مثل ما إذا كان مال من مورّث عند شخص و سمع ذلك الشخص وحده إقرار المورّث بأنّه مال زيد، فإنّه يجوز له إعطاؤه إيّاه، و لكن لو ادّعى الوارث عليه تسمع دعواه، و لا يجب على الحكّام قبول قوله.

44

و ظهر من ذلك أنّ الجائز من تلك الصور المتكثّرة هذه الصورة فقط، فإنّها جائزة حتى بالرجوع إلى السلاطين الجبابرة و قضاة الجور.

و المقبولة المتقدّمة و إن كانت من جهة التعليل المذكور فيها عامّة لصورة إمكان الأهل و عدمه، و لكن تعارضها أدلّة نفي الضرر بالعموم من وجه، فيرجع إلى أصل الجواز.

و يمكن إخراج صورة أخرى أيضا بأدلّة وجوب النهي عن المنكر، و هو: ما إذا كان مجتهد حيّ واحد تعذّر أو تعسّر الوصول إليه، أو مجتهدان أو أكثر كذلك، متّفقان في المسألة المتنازع فيها، و كانت المسألة ممّا يجب بناء الأمر على التقليد فيها، فيجوز للمقلّد العادل العالم برأي المجتهد الحيّ الحكم بمقتضى فتواه من باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

كما إذا تحقّق عشرة أرضعه بين صبيّ و صبيّة، ثمَّ تزوّج الصبيّ بالصبيّة بعد البلوغ، ثمَّ تنازعا، و كان المجتهد أو المجتهدون الأحياء المتعسّر الوصول إليهم متّفقين في نشر الحرمة بالعشر و عدمه. و كذلك إذا وقع نكاح البالغة الباكرة بإذن الوليّ (1) و تنازع الزوجان، و أمثال ذلك، فتأمّل.

فرع: لو ترافعا إلى غير الأهل

حيث يحرم، فحكم، فهل يجوز قبول حكمه، أم يجب الرّد إن أمكن؟ فيه تفصيل.

و هو: أنّه إذا حكم، فإن كان المحكوم به ممّا يباح برضى المحكوم عليه، فلا بأس له في العمل بمقتضى حكمه إن رضي، للأصل، إلّا أنّ العمل ليس حينئذ بالحكم.

____________

(1) يعني بإذن الولي من دون إذنها و رضاها.

45

و إن لم يكن كذلك، بل كان منوطا بالشرع- كالحلف و النكاح و الطلاق و أمثالها- فلا يجوز.

نعم، إذا حكم في مثله و علم المحكوم عليه مطابقته للواقع فيما هو من باب الفتوى، فيجب عليه العمل بمقتضاه، لأجل ذلك.

هذا بالنسبة إلى المحكوم عليه.

و أمّا المحكوم له، فإن كان المحكوم به من الثاني لم تجز متابعته أصلا.

و إن كان من الأول جاز عمله بمقتضاه إن رضي المحكوم عليه، و إلّا فلا، سواء كان حقّا أم لم يكن.

أمّا الثاني فظاهر. و أمّا الأول فللمقبولة، و قد ادّعى والدي العلّامة- طاب ثراه- في معتمد الشيعة الإجماع عليه.

و لا تنافيه موثّقة ابن فضّال- و فيها: ثمَّ كتب تحته: «هو أن يعلم الرجل أنّه ظالم فيحكم له القاضي، فهو غير معذور في أخذ ذلك الذي حكم له إذا كان قد علم أنّه ظالم» (1)، حيث دلّت بالمفهوم أنّه معذور إذا لم يعلم أنّه ظالم- لعموم القاضي فيها، فيجب حمله على أهله.

و لكنّ الحكم في المقبولة مختصّ بما إذا تحاكما إلى الطاغوت، و لدلالته على المبالغة يختصّ بغير الأهل الذي جعل الحكم منصبا له- كالسلاطين و القضاة و أمثالهم- فالتعدّي إلى من حكم نادرا و لم يجعل الحكم لنفسه منصبا غير معلوم، مع أنّ مقتضى الأصل حلّيّته لكونه حقّا له.

و التعدّي لاشتراك العلّة قياس باطل.

____________

(1) التهذيب 6: 219- 518، الوسائل 27: 15 أبواب صفات القاضي ب 1 ح 9.

46

و لا فرق في ذلك بين طواغيت المخالفين و الموافقين، للإطلاقات.

المسألة الثامنة: إذا كان مجتهدان متساويان، فالرعيّة بالخيار فيهما

في الترافع إليهما، لبطلان الترجيح بلا مرجّح.

و لو تفاوتا في العلم، فهل يتعيّن الأعلم، أم لا؟

قال في المسالك و المفاتيح: فيه قولان، مبنيّان على وجوب تقليد الأعلم و عدمه (1).

قال في التحرير: يكون الخيار للمدّعي مع التعدّد مطلقا.

ثمَّ قال: و لو تراضيا بالفقيهين و اختلف الفقيهان نفذ حكم الأعلم الأزهد (2).

و ذهب جماعة إلى الأول، بل هو الأشهر كما في المسالك (3)، و بعضهم نفي الخلاف عنه عندنا، و نقل المحقّق الأردبيلي أنّه قد ادّعي الإجماع عليه، و نقل منع الإجماع أيضا، و قال: و يشعر بعدم الإجماع كلام الفاضل في نهاية الأصول.

و في المسالك: إجماع الصحابة على جواز تقليد المفضول مع وجود الأفضل، و اختاره المحقّق (4)، و ظاهر الأردبيلي الميل إليه، كما أنّ ظاهر المسالك التردّد (5).

و الحقّ هو:

الجواز و خيار الرعيّة مطلقا، للأصل، و الإطلاقات، و يؤيّده إفتاء الصحابة مع اشتهارهم بالاختلاف في الأفضليّة، و عدم الإنكار

____________

(1) المسالك 2: 353، المفاتيح 3: 247.

(2) التحرير 2: 181.

(3) المسالك 2: 353.

(4) الشرائع 4: 69.

(5) المسالك 2: 353.

47

عليهم.

احتجّ القائلون بوجوب تقديم الأعلم بأنّ الظنّ بقوله أقوى، و الأقوى أحرى بالاتّباع.

لأنّ أقوال المفتي كالأدلّة للمقلّد، و يجب اتّباع أقواها.

و لأنّه أرجح، فاتّباعه أولى، بل متعيّن.

و لما بني عليه أصول مذهبنا من قبح تقديم المفضول على الأفضل.

و للأخبار، منها: المقبولة: قلت: فإن كان كلّ واحد منهما اختار رجلا و كلاهما اختلف في حديثنا؟ قال: «الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما، و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر» (1).

و رواية ابن الحصين: في رجلين اتّفقا على عدلين جعلاهما بينهما.

في حكم وقع بينهما فيه خلاف، فرضيا بالعدلين، و اختلف العدلان بينهما، عن قول أيّهما يمضي الحكم؟ فقال: «ينظر إلى أفقههما و أعلمهما بأحاديثنا و أورعهما فلينفذ حكمه، و لا يلتفت إلى الآخر» (2).

و رواية النميري: سئل عن رجل يكون بينه و بين أخ له منازعة في حقّ، فيتّفقان على رجلين يكونان بينهما، فحكما فاختلفا فيما حكما، قال: «و كيف يختلفان؟» قلت: حكم كلّ واحد منهما للذي اختاره الخصمان، فقال: «ينظر إلى أعدلهما و أفقههما في دين اللّه فيمضي

____________

(1) الكافي 1: 67- 10، الفقيه 3: 5- 18، التهذيب 6: 301- 845، الاحتجاج 2: 356، الوسائل 27: 106 أبواب صفات القاضي ب 9 ح 1.

(2) الفقيه 3: 5- 17، التهذيب 6: 301- 843، الوسائل 27: 113 أبواب صفات القاضي ب 9 ح 10.

48

حكمه» (1).

و الجواب عن الأول، أمّا أولا:

فبأنّه إنّما يتمّ على القول بأنّ متابعة المقلّد لقول مجتهده لأجل أنّه محصّل للظنّ بالواقع، و هو ممنوع، لجواز أن يكون هذا حكما آخر نائبا مناب الحكم الواقعي و إن لم يحصل الظنّ به، كالتقيّة و شهادة الشاهدين و اليمين.

و لو كان بناء القضاء على الظنون لزم عدم سماع دعوى كنّاس على مجتهد أنه آجره للكناسة، و دعوى شرّير متغلّب على مجتهد عادل في دراهم، و لزم أن يقضي بالشاهد الواحد إذا كان مفيدا للظنّ، سيّما إذا كان المدّعي معروفا بالصلاح و السداد، و المدّعى عليه بخلافه.

و حينئذ، فلا دليل على اعتبار الأقوى، بل لا معنى للأقوى و الأقرب و الأرجح.

و أمّا ثانيا:

فلمنع إطلاق كون الظنّ بقوله أقوى، إذ مع موافقة قول غير الأعلم لقول مجتهد آخر حيّ أو ميّت يزعمه الرعيّة أعلم- بل مع احتمالها- كيف يكون الظنّ من قول الأعلم أقوى؟! و أيضا قد يتمكّن غير الأعلم من الأسباب ما لا يتمكّن منها الأعلم، فيكون الظنّ الحاصل من قوله أقوى.

و أمّا ثالثا:

فلمنع وجوب تقديم الأقوى، غاية الأمر: الرجحان.

و من هذا يظهر جواب الثاني أيضا.

و عن الثالث:

بأنّه قياس للقضاء و الفتوى على الإمامة، فإنّ قبح تقديم المفضول في أصول مذهبنا في الأخير، و القياس باطل.

____________

(1) التهذيب 6: 301- 844، الوسائل 27: 123 أبواب صفات القاضي ب 9 ح 45.

49

مع أنّه مع الفارق، كما صرّح به المحقّق الأردبيلي، قال: لأنّ الإمامة كالنبوّة في الاتّباع المحض له و التفويض إليه بالكلّية، و يحكم بالعلم البديهي و يحتاج إلى علم إلهي في جميع الأمور، و منشأ الفتوى و الحكم النصّ المستفاد عن بعض القرائن، و قد يفرض وصول مفضول إلى الحقّ دون الفاضل، و لا محذور فيه، و لا يمكن ذلك في أصل الإمامة و النبوّة، فإنّ المدار هنا على العلم الحقّ، و لهذا جوّز إمامة المفضول للفاضل في الصلاة، و جوّز للإمام نصب القاضي من غير اشتراط تعذّر الوصول إليه.

و عن الرابع:

بأنّ الأخبار مختصّة بما إذا اختار كلّ من المترافعين مجتهدا، أو ترافعا إلى مجتهدين فاختلفا، فلا يمنع من جواز اختيارهما غير الأعلم، أو من إمضاء حكمه بعد ترافعهما إليه و حكمه، لو رجع أحدهما، مع أنّها تدلّ على اشتراط الأورعيّة أو الأعدليّة في تقديم الأعلم أيضا، فلا يثبت مطلقا.

و القول: بأنّ أصل العدالة الحاجزة عن المسامحة أو الكذب حاصل لهما، فلا اعتبار بزيادة العدالة.

اجتهاد في مقابلة النّص، و معارض بأنّ أصل العلم الموجب لفهم الأحكام حاصل لهما، فلا وجه لاعتبار الزيادة إلّا تقوية الظنّ لقوّة فهمه، و هي أيضا متحقّقة في اعتبار الأعدليّة من جهة تقوية الظنّ في بذل غاية جهده، و استفراغ وسعه، و إخباره برأيه، و عدم الميل في الأحكام و لو مع البواعث القويّة.

مع أنّ الوارد في المقبولة الاختلاف في الحديث، و لا شكّ أنّ مدخليّة الأعدليّة و الأصدقيّة في الترجيح حينئذ أكثر من الأعلميّة.

50

و ظهر ممّا ذكرنا: أنّ الحقّ اختصاص ترجيح الأعلم بمورد النصوص، و هو ما إذا اختلف المترافعان أولا في الاختيار كما في المقبولة، أو اتّفقا على رجلين فاختلفا كما في الروايتين- كما هو ظاهر الفاضل في التحرير (1)- و أنّ اللّازم ترجيحه حينئذ أيضا هو الأعلم و الأعدل معا، فلو فضل أحدهما في أحدهما و تساويا في الآخر أو رجح الآخر في الآخر فلا يجب الترجيح.

ثمَّ المراد بالأعلميّة و الأعدليّة: الزيادة الظاهرة الكثيرة، و لا اعتبار باليسير منها، لعدم اتّفاق التساوي الحقيقي غالبا.

و المراد بالأعلميّة: الأعلميّة في الأحاديث، و في دين اللّه- كما في الروايتين- فلا اعتبار بالأعلميّة في العلوم الأخر، كالطبيعي و الرياضي و الطبّ، بل الكلام، و لو باعتبار بعض مسائلها المعيّنة في الأحكام، لعدم إيجاب ذلك الأعلميّة في الأحاديث و في دين اللّه.

و الأعلميّة في الأحاديث تكون تارة: بأكثريّة الإحاطة بها، و الاطّلاع عليها.

و اخرى: بالأفهميّة لها، و أدقّية النظر، و أكثريّة الغور فيها.

و ثالثة: بزيادة المهارة في استخراج الفروع منها، و ردّ الجزئيّات إلى كلّياتها.

و رابعة: بزيادة المعرفة بصحيحها و سقيمها و أحوال رجالها، و فهم وجوه الخلل فيها.

و خامسة: بأكثريّة الاطّلاع على ما يتوقّف فهم الأخبار عليها من علم اللغة و قواعد العربيّة و النحو و الصرف و البديع و البيان و نحوها.

____________

(1) التحرير 2: 181.

51

و سادسة: باستقامة السليقة، و وقادة الذهن، و حسن الفهم فيها، كما أشار إليه في بعض الأخبار المتقدّمة بقوله: «و حسن الاختيار».

و سابعة: بأكثريّة الاطّلاع على أقوال الفقهاء التي هي كالقرائن في فهم الأخبار، و مواقع الإجماعات، و أقوال العامّة التي هي من المرجّحات عند التعارض، و في فهم القرآن الذي هو أيضا كذلك.

و الأعلم الذي يمكن الحكم الصريح بوجوب تقديمه هو: الأعلم بجميع تلك المراتب، أو في بعضها مع التساوي في البواقي. و إلّا فيشكل الحكم بالتقديم.

و من ذلك تظهر ندرة ما يحكم فيه بوجوب التقديم البتّة، و اللّه سبحانه العالم.

المسألة التاسعة: إذا كان هناك مجتهدان أو أكثر يتخيّر فيهما الرعيّة

، فالحكم لمن اختاره المدّعي، و هو المتّبع إجماعا، له، و لأنّه المطالب بالحقّ و لا حقّ لغيره أولا، فمن طلب منه المدّعي استنقاذ حقّه يجب عليه الفحص، فيجب اتّباعه، و لا وجوب لغيره، و هذا ممّا لا إشكال فيه.

و إنّما الإشكال إذا كان كلّ منهما مدّعيا من وجه، كما إذا اختلف رجلان في امرأة باكرة رشيدة زوّجت نفسها لأحدهما، و زوّجها أبوها للآخر، و لم تكن تحت يد أحدهما.

و كما إذا اختلف أكبر الذكور مع غيره فيما ليس في يد أحدهما ممّا اختلف الفقهاء في أحبائه أم لا.

و كما إذا ادّعى مدّعيان شيئا في يد ثالث معترف بأنّه من أحدهما، و نحو ذلك.

52

و إنّما قيّدنا في المثال الأول بقولنا: و لم تكن تحت يد أحدهما، و في المثال الثاني: بما ليس في يد أحدهما، و كذلك الثالث، لأنّه مع كونه في يد أحدهما يكون الآخر هو المدّعي، و يقدّم من قدّمه.

ثمَّ إنّا بيّنا المقدّم من الحاكمين في مثل ذلك في مسألة الاختلاف في الحبوة من كتاب الفرائض، و أنّه هو الأعلم و الأعدل مع اختلاف الحاكمين في الوصفين، تبعا للحكم بتقديمه في الروايات المتقدّمة.

و أنّه يقدّم من سبق إليه أحد المدّعيين فحكم (1)، لأنّه حاكم حكم بحكم لمطالب ذي حقّ فيجب اتّباعه و إمضاؤه، و يحرم الردّ عليه و نقض حكمه، و الرادّ عليه كالرادّ على اللّه، و المستخفّ بحكمه كالمستخفّ بحكم الإمام، كما في المقبولة.

و لو استبق كلّ منهما إلى حاكم، فإن سبق أحدهما بالحكم فيقدّم حكمه.

و إن أحضر كلّ من الحاكمين غريم من ترافع إليه، فإن أجاب أحد الخصمين دعوة حاكم خصمه فالحكم حكمه.

و إن أبى كلّ إلّا حكم حاكمه، فإن سبق أحد الحاكمين على الحكم بالغائب فهو المتّبع.

و إن لم يسبق- إمّا لعدم كون رأيهما الحكم على الغائب، أو لاشتباه السابق منهما و عدم إمكان التعيين، أو لاتّفاق التقارن في الحكم- فيشكل الأمر.

و الظاهر في غير الأخير الرجوع إلى القرعة، لأنّها لكلّ أمر مجهول.

____________

(1) في «س»: ليحكم.

53

و في الأخير عدم نفوذ شيء من الحكمين، لعدم ثبوت نفوذ مثل ذلك.

المسألة العاشرة: ثبوت الاجتهاد

- بالعلم الحاصل من الاستفاضة العلميّة، و القرائن المفيدة للعلم، و المخالطة الموجبة له لمن له رتبة فهمه- واضح.

و بالاستفاضة الظنّية- بل بمطلق الظنّ- محلّ الخلاف. و الأقوى عدم الثبوت، وفاقا للمعارج و الذّريعة و المعالم و الوافية و معتمد الشيعة و تجريد الأصول لوالدي (1)، بل الأكثر كما قيل: للأصل، و الظواهر الناهية عن اتّباع الظنّ.

و خلافا للفاضل في التهذيب، فقال بكفاية غلبة الظنّ، و حكي عن مبادئه و نهايته أيضا (2)، و عن شرح المبادي لفخر المحقّقين و المنية للعميدي و الذكرى و الروضة و الجعفريّة و المقاصد العليّة (3)، و بعض من عاصرناه.

لإطلاق آية السؤال (4).

و لعدم وسيلة للمقلّد إلى تحصيل العلم بالاجتهاد.

و للزوم العسر و الحرج لولاه.

و لأصالة عدم لزوم تحصيل العلم و عدم وجوب الرجوع إلى المعلوم اجتهاده.

و لعدم ثبوت اشتغال الذمّة بالرجوع إلى من ظنّ اجتهاده.

____________

(1) معارج الأصول: 201، الذريعة 2: 801، معالم الأصول: 239.

(2) مبادي الوصول: 247.

(3) الذكرى: 3، الروضة 3: 67.

(4) النحل: 43.

54

و يضعّف الأول: بمنع شمول إطلاق الآية لمن ظنّ اجتهاده، فإنّ كون من ظنّ أنّه من أهل الذكر من أهله غير ثابت.

و الثاني: بأنّ العامّي و إن لم يتمكّن بنفسه و اختباره (1) من تحصيل العلم، و لكنّه يتمكّن من تحصيله من الاستفاضة و الأخبار المحفوفة بالقرائن المفيدة للقطع، كيف؟! و إنّا نرى العوام و المقلّدين مع كثرتهم و عدم حصرهم جازمين قاطعين باجتهاد جمع من مجتهدي عصرنا من المشايخ بحيث لا يرتابون فيه أصلا، بل و كذا باجتهاد جمع من المجتهدين الماضين، و ذلك أقوى تضعيف لذلك الدليل.

و لو سلّمنا عدم إمكان تحصيله العلم، فهو أيضا غير ضائر بعد حجّية الظنّ المخصوص له، كشهادة العدلين.

و منه يعلم ضعف الثالث أيضا. مع أنّه إن فرض تعسّر تحصيل المجتهد المعلوم اجتهاده فنقول: إن حصّله يرجع إليه، و إلّا فعليه ما عليه لو لا المظنون اجتهاده أيضا.

و الرابع: بمعارضته مع أصول أخر أقوى ممّا ذكر و مزيله له.

و منه يعلم ضعف الخامس أيضا، فإنّ ذلك إنّما يفيد لو لم يعارضه أصل آخر و ثبت من أدلّة التقليد جواز الرجوع إلى القدر المشترك.

نعم، يستثنى من الظنّ المنهيّ عن اتّباعه هنا شهادة العدلين، بل من غير ملاحظة إفادة الظنّ أيضا لو لم يظنّ خلافها، وفاقا للمحكي عن المعالم و المقاصد العلّية و معتمد الشيعة و التجريد (2)، لأصالة قبول شهادة العدلين

____________

(1) في «ح»: و اختياره.

(2) معالم الأصول: 239.