مستند الشيعة في أحكام الشريعة - ج18

- الشيخ أحمد بن محمد مهدي النراقي المزيد...
435 /
5

[تتمة كتاب القضاء و الشهادات]

المقصد الثاني في الشهادات

و فيه مقدّمةٌ و فصول.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

المقدّمة

الشهادة مأخوذةٌ من شهد، و فسّره في المحيط و النهاية الأثيريّة و الصحاح و القاموس و المجمع بمعنى حضر (1)، و منه: الشاهد يرى ما لا يراه الغائب، و قوله سبحانه وَ لْيَشْهَدْ عَذٰابَهُمٰا طٰائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) و قوله تعالىٰ وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (3) و المشهد: المحضر و المجمع.

و نقل بعض المتأخّرين من فقهائنا أنّه في اللّغة يجيء بمعنى: علم أيضاً (4)، و ذكره في القاموس أيضاً في تفسير: أشهد أن لا إله إلّا اللّٰه، و في تفسير شَهِدَ اللّٰهُ (5) و منه الشهيد من أسمائه سبحانه، و منه قوله سبحانه نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّٰهِ (6).

و فسّر بمعنى عاين أيضاً، قال في المجمع: و شهدت علىٰ الشيء: أي اطّلعت عليه و عاينته فأنا شاهد، و شهدت العيد: أدركته، و شاهدته مثل عاينته (7). و في القاموس: شاهده: عاينه (8). و ذكروا: أنّ المشاهدة: المعاينة.

و فسّره في المجمع بمعنى أخبر أيضاً، قال: و شهد بكذا يتعدّىٰ بالباء؛

____________

(1) النهاية الأثيرية 2: 513، الصحاح 2: 494، القاموس المحيط 1: 316، المجمع 3: 80 81.

(2) النور: 2.

(3) الطلاق: 2.

(4) انظر التنقيح 4: 283، و الرياض 2: 423.

(5) القاموس 1: 317. و الآية: آل عمران: 18.

(6) المنافقون: 1.

(7) مجمع البحرين 3: 81.

(8) القاموس 1: 316.

8

لأنّه بمعنى أخبر (1). و منه قوله سبحانه وَ مٰا شَهِدْنٰا إِلّٰا بِمٰا عَلِمْنٰا (2).

و في الثاني: الشهادة في الأصل: الإخبار عمّا شاهده و عاينه (3). و يمكن أن يكون منه وَ شَهِدَ شٰاهِدٌ مِنْ أَهْلِهٰا (4).

و فسّر في المسالك الشهادة لغةً بأنّها الإخبار عن اليقين (5). و يمكن أن يكون منه قوله سبحانه قٰالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّٰهِ.

و أمّا تفسيرها بالخبر القاطع كما في الثلاثة الأخيرة (6) فهو ليس بياناً للمعنىٰ المصدري.

و يحصل من ذلك أنّ الشهادة المصدريّة تفسّر في اللغة بالحضور، و العلم، و المعاينة، و الإخبار عن اليقين، و الإخبار عمّا شاهده و عاينه.

و صرّح مولانا الرضا في صحيحة صفوان: إنّ الحضور شهادة، و فيها: سُئل عن رجلٍ طهرت امرأته من حيضها، فقال: فلانة طالق، و قومٌ يسمعون كلامه، و لم يقل لهم: اشهدوا، أ يقع الطلاق عليها؟ قال: «نعم، هذه شهادة» (7)، و به فسّر قوله تعالىٰ وَ لٰا يَأْبَ الشُّهَدٰاءُ إِذٰا مٰا دُعُوا (8) في بعض الأخبار (9).

____________

(1) مجمع البحرين 3: 82.

(2) يوسف: 81.

(3) النهاية لابن الأثير 2: 514 و فيه: و أصل الشهادة الإخبار بما شاهده و شهده.

(4) يوسف: 26.

(5) المسالك 2: 400.

(6) الصحاح 2: 494، القاموس المحيط 1: 316، مجمع البحرين 3: 82.

(7) الكافي 6: 72/ 4، التهذيب 8: 49/ 155، الوسائل 22: 50 أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه ب 21 ح 2.

(8) البقرة: 282.

(9) الوسائل 27: 309 أبواب الشهادات ب 1.

9

و يحتمل أن تكون جميع تلك المعاني حقائق لغويّة، و أن يكون بعضها مجازاً مأخوذاً من بعضٍ آخر. و أمّا تخصيص الحقيقة بواحدٍ منها فلا دليل عليه.

نعم، الظاهر أنّ المعنىٰ الأول من المعاني الحقيقيّة، و كذا الإخبار عمّا شاهده و عاينه.

هذا بحسب اللغة.

و أمّا شرعاً، فعرّف في المسالك الشهادة بأنّها إخبارٌ جازم عن حقٍّ لازم لغيره، واقعٌ من غير حاكم (1). أي من حيث إنّه حاكم لا مطلقاً.

و لا يخلو التعريف عن نقض طرداً و عكساً؛ لصدقه علىٰ الإخبار عن ثبوت حقّ الغير علىٰ نفسه للغير، و عدم صدقه علىٰ الشهادة بالجرح و التعديل، و رؤية الهلال، و الطلاق، و الموت، و غير ذلك.

و قد يختلف الأمر باعتبار الموارد في صدق الشهادة عليه و عدمه، كالإخبار عن مجيء الحاج، فإنّه ليس شهادة، فلو نوزع فيه لحقٍّ مترتّب عليه يقال: إنّه شهادة.

هذا، مع أنّ الظاهر من قوله:" شرعاً" إرادة الحقيقة الشرعيّة، و إثباتها هنا مشكل؛ لعدم دليل علىٰ الوضع التعييني.

و أما التعيّني، فحصوله يتوقّف علىٰ كثرة استعمال في المعنىٰ الشرعيّ خاصّة، بحيث يحصل التبادر فيه، و تحقّقه فيما نحن فيه غير معلوم، سيّما مع ملاحظة لفظ الشهود و الشهادة و ما يشتقّ منهما في غير هذا المعنىٰ في كلمات الحجج كثيراً، و لو سلّم فتحقّقها في معنىٰ خاصّ مضبوط يصلح

____________

(1) المسالك 2: 400.

10

لإناطة الحكم عليه غير معلوم لنا.

فاللازم حملها في كلام الشارع علىٰ الحقيقة اللغويّة؛ و لعدم تعيينها من بين معاني معلومة و احتمال تعدّدها يجب الأخذ بالمتيقّن، و هو الحضور، فيما لم يعلم تضمّنه لمعنىٰ الإخبار، نحو قوله سبحانه وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ (1) وَ لْيَشْهَدْ عَذٰابَهُمٰا (2) و نحو ذلك.

و الإخبار عمّا شاهده و عاينه، أو الإخبار عن اليقين بما شاهده و عاينه فيما تضمّنه، نحو قوله عزّ جاره شَهِدَ شٰاهِدٌ مِنْ أَهْلِهٰا (3)، و قولهم (عليهم السلام): «تقبل شهادة الأخ لأخيه، و تقبل شهادة الضيف، و تقبل شهادة المسلم» إلىٰ غير ذلك (4)؛ لأنّه المترتّب عليه الحكم يقيناً و غيره مشكوكٌ فيه، و لذا ذكر الفقهاء أنّ مستند الشاهد المشاهدة، أو السماع، أو هما معاً.

فإن قيل: فليحمل علىٰ الحقيقة العرفيّة.

قلنا: إن أُريد العرفيّة في زمان الشارع فتحقّقها غير معلوم، و إن أُريد في الزمان المتأخّر عنه فاللغويّة متقدمةٌ عليها؛ مع أنّ تحقّقها أيضاً غير واضح، و لو سلّم فالمتحقّق منها غير منضبط جدّاً.

____________

(1) الطلاق: 2.

(2) النور: 2.

(3) يوسف: 26.

(4) انظر الوسائل 27: أبواب الشهادات ب 26 و 29 و 38 و 41.

11

الفصل الأول في بيان شرائط الشاهد و صفاته المعتبرة في قبول شهادته

و هي أُمور:

الأول: البلوغ.

فلا تقبل شهادة غير البالغ، بلا خلافٍ فيه في الجملة- كما قيل (1) بل عن الغنية مطلقاً (2)، و لكن يجب تقييده أيضاً؛ لتصريحه بعد ذلك في الشجاج و الجراح مدّعياً إجماع الطائفة عليه.

و تفصيل الكلام فيه في مسائل:

المسألة الأُولىٰ: غير البالغ إمّا غير مميّز أو مميّز،

و الثاني إمّا لم يبلغ عشر سنين أو بلغ، و علىٰ التقديرين إمّا يشهد في غير الجراح و القتل أو يشهد فيهما.

و الأصل الأولي في الكلّ: عدم قبول شهادته، و عدم نفوذه، و عدم ترتّب الأثر عليه كما في سائر الشهادات.

و كذا الأصل الثانوي؛ لمفهوم الحصر في مرسلة يونس: «استخراج الحقوق بأربعة [وجوه]: بشهادة رجلين عدلين» الحديث (3).

و مفهوم الشرط في رواية السكوني: «إنّ شهادة الصبيان إذا أشهدوهم

____________

(1) انظر الرياض 2: 424.

(2) الغنية (الجوامع الفقهية): 624.

(3) الكافي 7: 416/ 3، التهذيب 6: 231/ 562، الوسائل 27: 241 أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوىٰ ب 7 ح 4؛ ما بين المعقوفين من المصادر.

12

و هم صغار جازت إذا كبروا ما لم ينسوها» (1)، و قريبةٌ منها الأُخرىٰ (2).

و صحيحة محمّد: في الصبي يشهد علىٰ الشهادة، فقال: «إن عقله حين يدرك أنّه حقٌّ جازت شهادته» (3).

و صحيحة جميل: تجوز شهادة الصبيان؟ قال: «نعم، في القتل يؤخذ بأول كلامه، و لا يؤخذ بالثاني منه» (4)، فإنّ الجواب المقيّد بعد السؤال عن المطلق بمنزلة التفصيل القاطع للشركة.

و رواية محمّد بن حمران: عن شهادة الصبي، فقال: «لا، إلّا في القتل يؤخذ بأول كلامه، و لا يؤخذ بالثاني» (5).

و يمكن أن يستدل له أيضاً بمفهوم مرسلة الفقيه: «و إن شهد رجلان عدلان علىٰ شهادة رجلٍ فقد ثبتت شهادة رجلٍ واحد» (6).

و بمثل رواية المثنّىٰ «تجوز شهادة النساء في الرجم إذا كان ثلاثة رجال و امرأتان» (7).

____________

(1) الكافي 7: 389/ 5، التهذيب 6: 251/ 648، الوسائل 27: 342 أبواب الشهادات ب 21 ح 2.

(2) الفقيه 3: 28/ 80، التهذيب 6: 250/ 643، الوسائل 27: 343 أبواب الشهادات ب 21 ح 4.

(3) الكافي 7: 389/ 4، التهذيب 6: 251/ 647، الوسائل 27: 342 أبواب الشهادات ب 21 ح 1.

(4) الكافي 7: 389/ 2، التهذيب 6: 251/ 645، الوسائل 27: 343 أبواب الشهادات ب 22 ح 1.

(5) الكافي 7: 389/ 3، التهذيب 6: 251/ 646، الوسائل 27: 343 أبواب الشهادات ب 22 ح 2.

(6) الفقيه 3: 41/ 135، الوسائل 27: 404 أبواب الشهادات ب 44 ح 5.

(7) الكافي 7: 391/ 9، التهذيب 6: 265/ 706، الإستبصار 3: 24/ 74، الوسائل 27: 354 أبواب الشهادات ب 24 ح 11؛ و في الجميع: عن مثنّى الحنّاط، عن زرارة.

13

و رواية الهمداني: امرأةٌ شهدت على وصيّة، فكتب (عليه السلام): «لا، إلّا أن يكون رجلٌ و امرأتان» (1).

بضميمة الإجماع المركّب في الثلاثة.

و بالتعليل الوارد في موثّقة محمّد، الواردة في ردّ شهادة السائل بكفّه، بقوله: «لأنّه لا يؤمن علىٰ الشهادة» (2).

و أمّا رواية إسماعيل بن جعفر: «إذا كان للغلام عشر سنين جاز أمره و جازت شهادته» (3).

و رواية طلحة بن زيد: «شهادة الصبيان جائزةٌ بينهم ما لم يتفرّقوا و يرجعوا إلىٰ أهلهم» (4).

فمع اختصاصهما ببعض الصور لا تصلحان لمعارضة ما مرّ؛ أمّا الأُولىٰ فلكونها مقطوعة غير مسندة إلىٰ إمام، و أمّا الثانية فلشذوذها المخرج لها عن الحجّية.

ثم إنّ بما ذكر تُخصَّص إطلاقات الكتاب و السنّة، الشاملة لغير البالغين أيضاً:

كقوله فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ

____________

(1) التهذيب 6: 268/ 719، الإستبصار 3: 28/ 90، الوسائل 27: 360 أبواب الشهادات ب 24 ح 34؛ و في الجميع هكذا: امرأةٌ شهدت علىٰ وصيّة رجلٍ لم يشهدها غيرها، و في الورثة من يصدّقها، و فيهم من يتّهمها، فكتب (عليه السلام) ..

(2) الكافي 7: 396/ 13، التهذيب 6: 243/ 608، الوسائل 23: 382 أبواب الشهادات ب 35 ح 2.

(3) الكافي 3: 388/ 1، التهذيب 6: 251/ 644، الوسائل 23: 344 أبواب الشهادات ب 22 ح 3.

(4) الفقيه 3: 27/ 79، الوسائل 27: 345 أبواب الشهادات ب 22 ح 6.

14

فِي الْبُيُوتِ (1).

و قوله عزّ شأنه ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدٰاءَ (2).

و قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي: «و تجوز شهادة الولد لوالده، و الوالد لولده، و الأخ لأخيه» (3).

و بمضمونها أخبارٌ كثيرة، كموثّقتي أبي بصير (4) و سماعة (5)، و رواية السكوني (6).

و قوله في صحيحة الحلبي أيضاً: «حدّ الرجم أن يشهد أربعةٌ أنّهم رأوه يدخل و يخرج» (7)، و بمضمونها أيضاً أخبارٌ متكثّرة (8).

مع أنّ في عموم الآيتين بل الأخبار الأخيرة، بعد التقييد المستفاد من روايتي المثنّىٰ و الهمداني نظراً، سيّما مع تقييد الآية بقوله مِنْكُمْ، فإنّ المراد من ضمير الجمع هو المراد من الضمير في نِسٰائِكُمْ و في أمسكوهن، و هو من الرجال قطعاً، و لو منع الظهور في الرجال يحصل لا أقلّ فيه الإجمال المسقط للاستدلال بالعامّ، و منه يسري الإجمال إلىٰ الآية الثانية أيضاً.

____________

(1) النساء: 15.

(2) النور: 4.

(3) الكافي 7: 393/ 3، الوسائل 27: 367 أبواب الشهادات ب 26 ح 1.

(4) الكافي 7: 393/ 1، التهذيب 6: 248/ 632، الوسائل 27: 368 أبواب الشهادات ب 26 ح 3.

(5) التهذيب 6: 247/ 629، الوسائل 27: 368 أبواب الشهادات ب 26 ح 4.

(6) التهذيب 6: 286/ 790، الوسائل 27: 368 أبواب الشهادات ب 26 ح 5.

(7) الكافي 7: 183/ 1، التهذيب 10: 2/ 4، الإستبصار 4: 217/ 815، الوسائل 28: 94 أبواب حد الزنا ب 12 ح 1.

(8) انظر الوسائل 28: 94 أبواب حد الزنا ب 12.

15

و قد تضعّف دلالة الإطلاقات باختصاصها بالبالغ من الرجال بحكم التبادر و غيره، و بمعارضتها بالنصوص الدالّة علىٰ اعتبار أُمور في الشاهد، مع القطع بعدم وجود شيءٍ منها في الصبي.

و في الأول: منع الاختصاص في الجميع و إن اختصّ بعض الموارد بذكر الرجل، أو تحقّق الأمر المخصوص بالمكلّفين، و أمّا في الجميع فممنوع، و إن أُريد التبادر من نفس الشاهد و ما بمعناه فإنّ المنع فيه أظهر.

و في الثاني: أنّ ما وجدناه من النصوص متضمّنٌ لاعتبار كونه مرضيّاً، كرواية السكوني، و فيها: «شهادة الأخ لأخيه تجوز إذا كان مرضيّاً» (1).

أو كونه عفيفاً صائناً، كموثّقة أبي بصير: «لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفاً صائناً» (2).

أو لكونه صالحاً، كصحيحة العلاء في شهادة المكاري و الجمّال و الملّاح: «تُقبَل شهادتهم إذا كانوا صلحاء» (3).

أو لكونه مسلماً غير معروفٍ بشهادة الزور و لا بالفسق، كصحيحة حريز: «إذا كانوا أربعةً من المسلمين ليس يُعرَفون بشهادة الزور أُجيزت شهادتهم جميعاً» إلىٰ أن قال: «و علىٰ الوالي أن يجيز شهادتهم، إلّا أن يكونوا معروفين بالفسق» (4).

____________

(1) التهذيب 6: 286/ 790، الوسائل 27: 368 أبواب الشهادات ب 26 ح 5.

(2) الفقيه 3: 27/ 77، التهذيب 6: 258/ 676، الإستبصار 3: 21/ 64، الوسائل 27: 372 أبواب الشهادات ب 29 ح 3.

(3) الكافي 7: 396/ 10، الفقيه 3: 28/ 82، التهذيب 6: 243/ 605، الوسائل 27: 381 أبواب الشهادات ب 34 ح 1.

(4) الكافي 7: 403/ 5، التهذيب 6: 277/ 759، الإستبصار 3: 14/ 36، الوسائل 27: 397 أبواب الشهادات ب 41 ح 18.

16

أو لولادته علىٰ الفطرة و المعروفيّة بالصلاح، كرواية ابن المغيرة: «كلّ من ولد علىٰ الفطرة و عرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته» (1).

أو للولادة علىٰ الفطرة فقط، كالمرويّ في مجالس الصدوق: «كلّ من ولد علىٰ فطرة الإسلام تقبل شهادته» (2).

أو لكونه ممّن عُلِمَ منه خير، كما في صحيحة محمّد في العبد يشهد بعد عتقه (3).

و لا شكّ أنّ شيئاً من هذه الأُمور ليس ما يقطع بعدم وجوده في الصبيان، بل يوجد كلّ منها فيهم كثيراً، و يصدق عليهم لغةً و شرعاً و عرفاً، و علىٰ هذا فتكون هذه النصوص أيضاً من العمومات المثبتة لقبول شهادتهم، الواجب تخصيصها بما ذكر.

فإن قيل: تتعارض هذه مع أدلّة عدم القبول بالعموم من وجه، و إذ لا مرجّح يجب الرجوع إلىٰ عمومات القبول، و يكون هو الأصل الثانوي.

قلنا أولًا: إنّ ذلك إنّما يتمّ لو خلت العمومات عن المعارض المخرج لها عن الحجّية في محل النزاع، و ليست كذلك؛ لأنّ مفهوم مرسلة يونس أعمّ من وجه من العمومات، لشموله لغير الشهادة أيضاً من اليمين و القرعة و غيرها، فالعمومات لا تكون حجّة في محلّ الاجتماع، و يجب الرجوع إلىٰ الأصل الأولي، الذي هو عدم القبول.

و ثانياً: أنّ بقاء العمومات علىٰ عمومها الموجب لثبوت الأصل

____________

(1) الفقيه 3: 28/ 83، التهذيب 6: 283/ 778، الإستبصار 3: 14/ 37، الوسائل 27: 393 أبواب الشهادات ب 41 ح 5.

(2) أمالي الصدوق: 91/ 3، الوسائل 27: 395 أبواب الشهادات ب 41 ح 13، بتفاوت.

(3) الفقيه 3: 41/ 139، الوسائل 27: 387 أبواب الشهادات ب 39 ح 1.

17

مخالفٌ للإجماع.

نعم، اعتُبرت العدالة في جملةٍ من الأخبار، كصحيحة البجلي: «لا بأس بشهادة المملوك إذا كان عدلًا» (1).

و رواية محمّد: في شهادة المملوك: «إذا كان عدلًا فهو جائز الشهادة» (2).

و في مكاتبة الصفّار: «إذا شهد معه آخر عدل فعلى المدّعى يمين» (3) إلىٰ غير ذلك.

و العدالة ممّا يظنّ أنّها تختصّ بالمدركين، فإن ثبت ذلك فموجبات اشتراط العدالة أيضاً تكون من أدلّة عدم القبول، و لكونها أخصّ من العمومات يجب تخصيصها بمفهومها، و يثبت الأصل الثانوي في عدم القبول.

و إن لم يثبت كما هو المحتمل، بل الظاهر فيعارض منطوق هذه أيضاً مع أدلّة عدم القبول بالعموم من وجه، و لا يفيد الرجوع إلىٰ العمومات كما مرّ، و يكون الأصل مع عدم القبول أيضاً؛ للرجوع إلىٰ الأصل الأول.

و علىٰ هذا، فاللّازم في شهادة الصبي العمل بالأصل، إلّا فيما أخرجه الدليل.

المسألة الثانية: لا تُقبَل شهادة الصبي الغير المميّز

إجماعاً محقّقاً

____________

(1) الكافي 7: 389/ 1، التهذيب 6: 248/ 634، الإستبصار 3: 15/ 42، الوسائل 27: 345 أبواب الشهادات ب 23 ح 1.

(2) الكافي 7: 389/ 2، التهذيب 6: 248/ 633، الإستبصار 3: 15/ 41، الوسائل 27: 345 أبواب الشهادات ب 23 ح 3.

(3) الكافي 7: 394/ 3، الفقيه 3: 43/ 147، التهذيب 6: 247/ 626، الوسائل 27: 371 أبواب الشهادات ب 28 ح 1.

18

و منقولًا مستفيضاً (1)؛ للإجماع، و الأصل المتقدّم، و ما مرّ من الأخبار المعتبرة للأوصاف المنتفية في غير المميّز قطعاً، و الخبر المتقدّم المعتبر لبلوغ عشر سنين (2).

المسألة الثالثة: الصبي المميّز و الغير البالغ عشراً لا تقبل شهادته في غير الجنايات

إجماعاً، كما عن الإيضاح و المهذّب و الصيمري (3)، بل محقّقاً؛ و يدلّ عليه الأصل المتقدّم، و روايتا محمّد بن حمران و جميل المتقدّمتان (4)، و رواية إسماعيل، بلا معارض لشيءٍ منها، سوىٰ العمومات المتقدّمة المخصّصة، و رواية طلحة (5) في بعض الصور الشاذّة.

و في الجنايات خلاف، فمعظم الأصحاب كما في المهذّب-: عدم القبول، و هو مذهب الشيخ في النهاية و الحلّي (6) و جمع آخر (7)؛ للأصل، و مفهوم رواية إسماعيل المتقدّمة، و بعض العمومات السابقة، و الشهرة المحكيّة.

و ظاهر المسالك: ادّعاء الإيضاح الإجماع علىٰ عدم قبول شهادة من له دون العشر مطلقاً (8). و ليس كذلك، بل صرّح في الإيضاح بالخلاف

____________

(1) كما في الإيضاح 4: 417، الدروس 2: 123، المسالك 2: 400، الرياض 2: 424.

(2) أي خبر إسماعيل بن جعفر المتقدّم في ص 11.

(3) حكاه عنهم في الرياض 2: 424، و هو في الإيضاح 4: 417، و في المهذّب البارع 4: 507.

(4) في ص 10.

(5) المتقدّمة في ص 11.

(6) النهاية: 331، الحلّي في السرائر 2: 136.

(7) كالمحقّق في الشرائع 3: 125، و ابن سعيد في الجامع: 540، و الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 369.

(8) المسالك 2: 400.

19

فيمن له دون العشر في الجراح و القصاص، و نسب الخلاف إلىٰ الإسكافي و الخلاف (1).

و كذا ما ذكره بعض مشايخنا المعاصرين من نسبة ظهور عدم الخلاف في المسألة من التنقيح (2)، فإنّه ليس كذلك، بل ظاهره ادّعاء عدم القول بقبول شهادة الصبي مطلقاً (3).

و عن الإسكافي و الخلاف: القبول (4)، و هو ظاهر السيّد في الانتصار و ابن زهرة في الغنية، حيث حكما بقبول شهادة الصبيان في الشجاج و الجراح بالإطلاق، مدّعيين عليه إجماع الطائفة (5)؛ لصحيحة جميل و رواية ابن حمران المتقدّمتين، الخاصّتين بالنسبة إلىٰ أدلّة المنع، المعتضدتين بنقل الإجماع من العدلين. و هو الحقّ؛ لما ذكر.

و حمل قبول الشهادة فيهما علىٰ ما إذا بلغت حدّ الاستفاضة أو إرادة حصول اللوث منها خلاف الظاهر و الحقيقة.

و قد يستدلّ أيضاً بما اشتهر عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (6)، و حكىٰ في الانتصار روايته عن الخاصّة و العامّة في حكم ستّة غلمان (7).

و فيه: أنّه قضيّة في واقعة؛ مع أنّ استعمال الغلام في البالغ شائع،

____________

(1) الإيضاح 4: 417.

(2) انظر الرياض 2: 424.

(3) التنقيح 4: 285.

(4) حكاه عن الإسكافي في الإيضاح 4: 417، الخلاف 2: 613.

(5) الانتصار: 250، الغنية (الجوامع الفقهية): 625.

(6) الكافي 7: 284/ 6، الفقيه 4: 86/ 277، التهذيب 10: 239/ 953، المقنعة: 750، الوسائل 29: 235 أبواب موجبات الضمان ب 2 ح 1.

(7) الانتصار: 251.

20

و ضرب الدية في الواقعة المذكورة علىٰ الغلامين و الثلاثة علىٰ إرادته شاهد. ثم بما ذكر يدفع الأصل و يخصّ العام.

و أمّا رواية إسماعيل فغير حجّة؛ لكونها موقوفة، و الشهرة ليست بحجّة، سيّما مع معارضتها بدعوىٰ الإجماع، و مظنّة الإجماع هنا باطلة، و لذا استبعده في المسالك (1)، و منعه في المهذّب، و علىٰ هذا فتردّد جماعة من متأخّري المتأخّرين في غير موقعه (2).

بقي هنا شيء، و هو أنّ المذكور في الروايتين: القتل، و في كلمات القائلين بالقبول: الشجاج و الجراح، فالأخذ بالقتل خروجٌ عن قول الأصحاب و بقولهم عن الرواية.

قلنا: لا نسلّم أنّ الأخذ بالرواية خروجٌ عن قول الأصحاب؛ لأنّ الظاهر منهم إرادة القتل أيضاً، أ لا ترى أنّ السيّد مع أنّه عنون المسألة بالشجاج و الجراح- استدلّ بقبول أمير المؤمنين (عليه السلام) شهادة الغلمان في الغرق، و كذا ابن زهرة؟! و أ لا ترى كلام المهذّب؟! حيث قال: إذا ميّز الصبي و له دون العشر لا تقبل شهادته في غير الجراح و القصاص إجماعاً. و هل تقبل في ذلك؟ معظم الأصحاب علىٰ المنع، و قال في الخلاف: تقبل، و به قال أبو علي (3). انتهىٰ.

و قال في المسالك: و لعلّه أي المقتصر علىٰ الجراح ما يشمل البالغة إلىٰ القتل (4). فذكر القصاص أيضاً.

____________

(1) المسالك 2: 400.

(2) كالفيض الكاشاني في المفاتيح 3: 276.

(3) المهذب البارع 4: 507.

(4) المسالك 2: 400.

21

و يمكن أن يكون تعبيرهم بالشجاج و الجراح أنّه هو العمل الصادر المشهود به و المحسوس غالباً، و أمّا زهوق الروح المتحقّق به القتل فهو مسبّبٌ به، لا يدركه الصبي غالباً.

و بالجملة: بعد ما ذكرنا تعلم وقوع الخلاف في القتل أيضاً، فلا مناص عن الأخذ بالرواية الدالّة عليه.

نعم، يشكل الأمر في الشجاج و الجراح اللذين لم يترتّب عليهما القتل. و الحقّ عدم القبول فيهما؛ اقتصاراً فيما يخالف الأصل على موضع النصّ، و عدم ثبوت الإجماع المركّب، و لا يفيد الاستدلال بإطلاق رواية طلحة المنجبر ضعفها لو كان في المقام بالإجماع المنقول، خرج غير الشجاج و الجراح بالدليل فيبقىٰ الباقي؛ لخروجهما أيضاً بروايتي ابن حمران و جميل غاية الأمر تعارضهما بالعموم من وجه و الرجوع إلىٰ الأصل.

المسألة الرابعة: الصبي البالغ عشراً إلىٰ أن يبلغ كالمميّز

الذي له دون العشر علىٰ الأقوىٰ، فلا تقبل شهادته في غير الجنايات، و تقبل فيها.

أمّا الأول: فهو الأشهر، بل عليه غير من شذّ و ندر، و يستفاد من جماعةٍ الإجماع عليه (1).

و يدلّ عليه الأصل، و الإجماع، و الأخبار المتقدّمة الخالية عن المعارض، سوىٰ روايتي إسماعيل و طلحة (2)، المعارضتين لها بالعموم من وجه، المرجوحتين بالشذوذ و غيره، مضافاً إلىٰ عدم حجّية أُوليهما كما مرّ، بل الثانية أيضاً؛ للشذوذ.

____________

(1) كما في الإيضاح 4: 417، الرياض 2: 424.

(2) المتقدمتين في ص: 11.

22

خلافاً لشاذّ نَقَله جماعةٌ من الأصحاب قائلًا أكثرهم بشذوذه (1)، بل عن عميد الرؤساء أنّه قال: إلىٰ الآن لم نظفر بهذا القول (2).

و أمّا الثاني: فهو في الجملة إجماعي، كما يظهر من الانتصار و المهذّب و الغنية و شرح الشرائع للصيمري و التنقيح و كلام التقي و المسالك و الروضة (3)، و غيرها (4).

و الخلاف إنّما هو فيما يقبل فيه منها، فمنهم من صرّح بقبوله في الجراح و القصاص، كالمفيد و الشيخ في النهاية و الحلّي (5) و جمعٍ آخر (6)، بل الأكثر كما في المسالك (7) و غيره (8).

و منهم من ذكر الجراح خاصّة، كالفاضلين و ابن زهرة و الخلاف و الشهيد (9)، و في الدروس خصّ الجراح بما لم يبلغ النفس (10).

فإن قلنا بإرادتهم من الجراح ما يشمل القتل أيضاً كما هو المستفاد

____________

(1) كما في المختصر: 286، الرياض 2: 424.

(2) حكاه عنه في الرياض 2: 426.

(3) الانتصار: 250، المهذب البارع 4: 508، الغنية (الجوامع الفقهية): 625، التنقيح 4: 285، نقله عن التقي في التنقيح 4: 286، المسالك 2: 400، الروضة 3: 125.

(4) كالخلاف 2: 613.

(5) المفيد في المقنعة: 727، النهاية: 331، الحلّي في السرائر 2: 136.

(6) كالسيّد في الانتصار: 250، و العلّامة في التحرير 2: 207.

(7) المسالك 2: 400.

(8) كالرياض 2: 424.

(9) المحقّق في الشرائع 4: 125، العلّامة في القواعد 2: 236، ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 625، الخلاف 2: 613، الشهيد في اللمعة (الروضة البهية 3): 125.

(10) الدروس 2: 123.

23

من سياق كلام السيّدين، حيث استندا بحديث الغلمان (1)، و هو ظاهر المهذّب، و احتمله في المسالك كما مرّ فيكون الاختلاف في مجرّد التعبير، كما يستفاد من كلام بعضهم، و جُعِلَ ذلك وجه نسبة المحقّق الاختلاف إلىٰ عبارات الأصحاب (2)، و لكنه لا يتمّ في كلام الدروس.

و إن قلنا بإرادتهم ما يقابل القتل فيكون الاختلاف في ما تقبل به الشهادة.

و نقل في شرح المفاتيح التعبير بالقتل خاصّة أيضاً، و نسبه إلىٰ المشهور بين الأصحاب، و إنّا لم نظفر به.

و كيف كان، فلا ينبغي الريب في قبول شهادته في القتل؛ للخبرين المتقدّمين (3)، المعتضدين بالخبرين الآخرين، و بفتوىٰ جمعٍ من عظماء الطائفة.

و القول بضعف الروايتين ضعيف؛ لأنّ رواية جميل صحيحةٌ علىٰ المختار- و إن كان فيها إبراهيم بن هاشم، و حسنته حجّةٌ كالصحيحة عند جماعة (4)؛ مع أنّ القبول في القتل مذهب الأكثر كما ذكره في المسالك و جمعٌ ممّن تأخّر عنه (5).

و من القائلين بقبوله الحلّي (6) الذي لا يعمل بالآحاد، إلّا بعد احتفافها بالقرائن القطعيّة.

و أمّا الجراح الغير البالغ حدّا القتل فالقول فيه و إن لم يكن مستفاداً من

____________

(1) انظر الانتصار: 251، و الغنية (الجوامع الفقهية): 625.

(2) الشرائع 4: 125.

(3) و هما رواية جميل و رواية محمّد بن حمران، المتقدمتين في ص 10.

(4) منهم صاحب الرياض 2: 425.

(5) انظر الرياض 2: 424.

(6) السرائر 2: 136.

24

النصوص، إلّا أنّ ظاهرهم الإجماع عليه، فالظاهر أنّه أيضاً كالقتل.

و خالف فيه فخر المحقّقين، فاختار عدم القبول فيه (1)، و نسبه المحقّق الأردبيلي إلىٰ غيره أيضاً.

لقوله سبحانه وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ (2).

و لحديث رفع القلم (3) الدالّ علىٰ أنّه لا عبرة بأقواله و عدم الوثوق به؛ لعلمه بعدم المؤاخذة، و عدم قبول إقراره علىٰ نفسه.

و اشتراط العدالة الغير المتحقّقة في الصبي.

و الكلّ ضعيف؛ لاختصاص الأول بغير الجنايات، مع كون الأمر في الآية للإرشاد، فلا يثبت الاختصاص.

و عدم دلالة رفع القلم علىٰ عدم العبرة، و عدم توقّف حصول الاطمئنان بعلمه بالمؤاخذة، و كون الأخير قياساً.

و منع عدم تحقّق العدالة في الصبي كما ذكره المحقّق الأردبيلي و منع «عموم اشتراطها لو لم يتحقّق فيه.

و هل يشترط في القبول عدم تفرّقهم إذا كانوا مجتمعين حذراً أن يُلَقَّنوا؟ كما نقله في المهذّب عن الخلاف و في التنقيح عن التقي و المحقّق في الشرائع و حكي [عن (4)] الفاضل في جملة من كتبه و عن الدروس و اللّمعتين (5).

____________

(1) الإيضاح 4: 417.

(2) البقرة: 282.

(3) الخصال: 93/ 40، الوسائل 8: 249 أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 2.

(4) ما بين المعقوفين ليس في «ح» و «ق»، أضفناه لاستقامة المعنىٰ.

(5) الخلاف 2: 613، التنقيح 4: 286، الشرائع 4: 125، الفاضل في التحرير 2:

207، القواعد 2: 236، الدروس 2: 123، اللمعة و الروضة البهية 3: 125.

25

الظاهر: نعم؛ لمفهوم رواية طلحة (1)، و هو و إن كان معارضاً لإطلاق الخبرين بالعموم من وجه، إلّا أنّه يوجب الرجوع إلىٰ الأصل المانع عن القبول.

و أمّا اشتراط كونهم مجتمعين علىٰ أمرٍ مباح إذا كانوا مجتمعين كما ذكره جماعةٌ أيضاً (2) فلا دليل له في القتل، و أمّا الجراح فلمّا كان دليله الإجماع المخصوص بما تحقّق فيه ذلك الشرط يكون الموافق للدليل فيه الاشتراط، إلّا أنّ ثبوت الإطلاق في القتل و عدم الفصل بينه و بين الجراح في ذلك يرجّح العدم.

و لو اختلف كلامهم في الشهادة يؤخذ بالأول دون الآخر كما صرّح به الأكثر، منهم: المفيد و السيّد و الشيخ و التقي و المحقّق (3)؛ لخبري جميل و محمّد بن حمران (4)، بلا معارضٍ لهما.

و هل يشترط في قبول شهادته تحقّق غير البلوغ من الشرائط الممكنة تحقّقها في غير البالغ، أم لا؟

صرّح في المهذّب بالاشتراط.

أقول: الوجه: الرجوع في كلّ شرطٍ إلىٰ دليله، فيلاحظ أنّه هل يشمل الصبي أم لا، و يفتى بمقتضاه.

و لا تلحق الصبيّة بالصبي كما صرّح به جماعة، كالحلّي في السرائر

____________

(1) المتقدّمة في ص 11.

(2) منهم المحقّق في الشرائع 4: 125، العلّامة في القواعد 2: 236، الشهيد في اللمعة (الروضة البهية 3): 125.

(3) المفيد في المقنعة: 727، السيد في الانتصار: 250، الشيخ في النهاية: 331، التقي في الكافي في الفقه: 436، المحقق في النافع: 286.

(4) المتقدمين في ص 10.

26

و الفاضل في التحرير و شيخنا الشهيد الثاني في الروضة (1) اقتصاراً فيما يخالف الأصل علىٰ موضع الدليل.

الثاني من الشرائط: كمال العقل.

فلا تقبل شهادة المجنون بلا خلاف كما صرّح به كثير (2)، بل إجماعاً محقّقاً و منقولًا (3)؛ و هو الحجّة فيه.

مضافاً إلىٰ ما يدلّ علىٰ اشتراط العدالة كتاباً و سنّة، و تحقّقها في غير العاقل غير معقول، و تعارضه مع بعض العمومات لا يفيد؛ إذ يرجع حينئذٍ إلىٰ الأصل، و إلى ما سيأتي في عدم قبول شهادة المغفّل و نحوه.

و قد يستدلّ (4) بقوله تعالىٰ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدٰاءِ (5)، و المجنون ليس منه.

مع أنّ في تفسير الإمام: عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله تعالىٰ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدٰاءِ قال: «ممّن ترضون دينه، و أمانته، و صلاحه، و عفّته، و تيقّظه فيما يشهد به، و تحصيله، و تمييزه، فما كلّ صالحٍ مميّزاً و لا محصّلًا، و لا كلّ محصّلٍ مميّزٍ صالح» (6).

و فيه: أنّه إنّما يفيد لو كانت في الآية دلالةٌ، علىٰ عدم قبول شهادة

____________

(1) السرائر 2: 136، التحرير 2: 207، الروضة 3: 125.

(2) منهم السبزواري في الكفاية: 279، الكاشاني في المفاتيح 3: 277.

(3) كما في الشرائع 4: 126، و كشف اللثام 2: 189، و الرياض 2: 425.

(4) كما في المسالك 2: 401، و الرياض 2: 425.

(5) البقرة: 282.

(6) تفسير الإمام العسكري (عليه السلام): 672/ 375، الوسائل 27: 399 أبواب الشهادات ب 41 ح 23.

27

غير من ترضون، و لا دلالة لها عليه؛ إذ قد عرفت أنّ قوله فَاسْتَشْهِدُوا مقدّماً عليه للإرشاد.

و قد يستدلّ (1) أيضاً بقوله في صحيحة محمّد المتقدّمة: «إن عَقَلَه حين يدرك أنّه حقّ» (2). و فيه تأمّل.

و مقتضى اشتراط العدالة في المجنون عدم القبول و لو وثق الحاكم بكونه معتاداً بالصدق و مطابقة الواقع في خبره كوثوقه بالعاقل.

و إن كان في بعض أفعاله كالمجانين دون بعض كالخائف بلا سبب، أو الضاحك بلا عجب، أو المتحرّك بلا داع فهو ليس مجنوناً، و لكنّه مريض.

و ذو الأدوار تقبل شهادته حال إفاقته مع الوثوق باستكمال فطنة، بلا خلافٍ فيه أيضاً يوجد؛ لزوال المانع، و عموم الأدلّة.

و صرّح المتأخّرون من غير خلافٍ بينهم يعلم كما صرّح به بعضهم (3) أنّ في حكم المجنون: المُغَفَّل كالمُعَطَّل و هو الذي لا يحفظ و لا يضبط، و يدخل فيه التزوير و الغلط. و هو البله كما صرّح به جماعة (4) و كذا من يكثر غلطه و نسيانه، و من لم يتنبّه لمزايا الأُمور و تفاصيلها، إلّا أن يظهر إلىٰ الحاكم عدم غفلته في خصوص ما يشهد به.

و تدلّ عليه العلّة المذكورة في موثّقة محمّد المتقدّمة (5).

____________

(1) كما في الرياض 2: 10.

(2) راجع ص 11.

(3) انظر الرياض 2: 425.

(4) منهم المحقّق في الشرائع 4: 126، الشهيد في الدروس 2: 124، الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 369.

(5) في ص 2235.

28

و قوله (عليه السلام) في مرسلة يونس: «فإذا كان ظاهره ظاهراً مأموناً جازت شهادته و لا يسأل عن باطنه» (1)، فإنّ المراد بالمأمون إمّا المأمون من جميع الحيثيّات، أو من جهة الشهادة، و علىٰ التقديرين لا يشمل مثل المُغَفَّل.

و لو قيل باحتمال كونه مأموناً من الكذب، قلنا: لا شكّ أنّه لا يتعيّن ذلك المعنىٰ، فلو احتمل يدخل الإجمال، و يبطل بالعمومات الاستدلال، و يبقى أصل عدم القبول.

و موثّقة سماعة: عمّا يردّ من الشهود، فقال: «المريب، و الخصم، و الشريك» (2)، و لا شكّ أنّ المغفّل و نحوه مريب أي مُوقِع في الريب أو شكيك، أي مورث للشكّ.

و رواية السكوني: «إنّ شهادة الأخ لأخيه تجوز إذا كان مرضيّاً و معه شاهدٌ آخر» (3).

و المرويّ في تفسير الإمام (عليه السلام) عند تفسير قوله تعالىٰ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدٰاءِ قال: «كان رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) يحكم بين الناس بالبيّنات و الايمان» إلىٰ أن قال: «فإن أقام بيّنةً يرضاها و يعرفها أنفذ الحكم» الحديث (4).

فإنّ المراد بالمرضيّ أو يرضاها إمّا المختار في الشهادة، أو من جميع

____________

(1) الكافي 7: 431/ 15، الفقيه 3: 9/ 29، التهذيب 6: 283/ 781، الإستبصار 3: 13/ 35، الوسائل 27: 392 أبواب الشهادات ب 41 ح 3 و فيه بتفاوتٍ يسير.

(2) التهذيب 6: 242/ 599، الإستبصار 3: 14/ 38، الوسائل 27: 378 أبواب الشهادات ب 32 ح 3.

(3) التهذيب 6: 286/ 790، الوسائل 27: 368 أبواب الشهادات ب 26 ح 5.

(4) تفسير الإمام العسكري (عليه السلام): 673/ 375 376، الوسائل 27: 239 أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوىٰ ب 6 ح 1.

29

الوجوه، أو ما فسّره الإمام في تفسيره في الخبر الأول، و علىٰ كلّ تقدير لا يشمل نحو المغفّل. و احتمال المعنىٰ الآخر لو كان أيضاً يوجب الإجمال المسقط للاستدلال بالعمومات.

الثالث: الإسلام.

فلا تقبل شهادة الكافر مطلقاً.

لا لصدق الفاسق و الظالم المنهيّ عن الركون إليه؛ لاحتمال المناقشة فيهما بمنع الصدق في الأول، و كونه ركوناً في الثاني.

و لا للإجماع؛ لأنّه لا يثبت إلّا في الجملة، فلا يفيد في المطلق.

بل للأصل المتقدّم، و الأخبار، كروايتي السكوني:

أُولاهما: «إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان لا يقبل شهادة فحّاش، و لا ذي مخزيةٍ في الدين» (1).

و الأُخرى: «لا تُقبَلُ شهادة ذي شحناء، أو ذي مخزيةٍ في الدين» (2).

و المرويّ في مجالس الصدوق: أخبِرني عمّن تقبل شهادته و من لم تقبل، فقال: «يا علقمة، كلّ من كان علىٰ فطرة الإسلام جازت شهادته» الحديث (3).

و الأخبار الدالّة علىٰ أنّ مقبول الشهادة إنّما هو من ولد علىٰ الفطرة (4).

بضميمة صحيحة ابن سنان: عن قول اللّٰه تعالىٰ فِطْرَتَ اللّٰهِ الَّتِي

____________

(1) الكافي 7: 396/ 7، التهذيب 6: 243/ 603، الوسائل 27: 377 أبواب الشهادات ب 32 ح 1.

(2) الفقيه 3: 27/ 73، الوسائل 27: 378 أبواب الشهادات ب 32 ح 5.

(3) الأمالي: 91/ 3، الوسائل 27: 395 أبواب الشهادات ب 41 ح 13.

(4) الوسائل 27: 391 أبواب الشهادات ب 41.

30

فَطَرَ النّٰاسَ عَلَيْهٰا (1) ما تلك الفطرة؟ قال: «هي الإسلام، فطرهم حين أخذ ميثاقهم علىٰ التوحيد، قال أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ (2) و فيهم المؤمن و الكافر» (3).

و مفهوم الشرط في رواية السكوني، و فيها: «و كذلك اليهود و النصارى إذا أسلموا جازت شهادتهم» (4).

و الأُخرى: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): اليهودي و النصراني إذا شهدوا ثم أسلموا جازت شهادتهم» (5).

و أخبار اشتراط العدالة و الصلاح (6) إن قلنا بعدم تحقّقهما في غير المسلم.

و لكن التحقيق: أنّ هذه الأخبار تعارض أخباراً أُخر مطلقة أو عامّة- مرّ شطرٌ منها، و منها ما يتضمّن قبول شهادة الضيف و الأجير و نحوها (7)، و منها ما يتضمّن قبول شهادة العدول (8) إن قلنا بتحقّق العدالة في غير المسلم بالعموم من وجه، الموجب للرجوع إلىٰ الأصل أيضاً، فهو الدليل علىٰ عدم القبول مطلقاً دون غيره.

مضافاً في عدم قبول شهادة الكافر علىٰ المسلم إلىٰ الإجماع المحقّق، و صحيحة الحذّاء: «تجوز شهادة المسلمين علىٰ جميع أهل

____________

(1) الروم: 30.

(2) الأعراف: 172.

(3) الكافي 2: 12/ 2.

(4) الفقيه 3: 28/ 80، التهذيب 6: 250/ 643، الوسائل 27: 389 أبواب الشهادات ب 39 ح 8.

(5) الكافي 7: 398/ 3، التهذيب 6: 253/ 658، الوسائل 27: 388 أبواب الشهادات ب 39 ح 5.

(6) الوسائل 27: 391 أبواب الشهادات ب 41.

(7) الوسائل 27: 371 أبواب الشهادات ب 29.

(8) الوسائل 27: 391 أبواب الشهادات ب 41.

31

الملل، و لا تجوز شهادة أهل الملل علىٰ المسلمين» (1).

و موثّقة سماعة: عن شهادة أهل الملّة، قال: «لا تجوز إلّا علىٰ أهل ملّتهم، فإن لم يوجد غيرهم جازت شهادتهم علىٰ الوصيّة؛ لأنّه لا يصلح ذهاب حقّ أحد» (2).

و صحيحة ضريس: عن شهادة أهل ملّةٍ هل تجوز علىٰ رجلٍ من غير أهل ملّتهم؟ فقال: «لا، إلّا أن لا يوجد في تلك الحال غيرهم، فإن لم يوجد غيرهم جازت شهادتهم في الوصيّة؛ لأنّه لا يصلح ذهاب حق امرئٍ مسلم، و لا تبطل وصيّته» (3).

و أمّا غير هذه الصورة فلا دليل عليه سوىٰ الأصل المذكور، حتى في الشهادة للمسلمين؛ لاختصاص الأخبار المخصوصة بالشهادة عليهم، و كذا الإجماع؛ لأنّ المذكور في عبارات الأصحاب هو ذلك، و لا يعلم أنّ مرادهم المطلق؛ لاحتمال الاختصاص، بل يظهر من بعض كلماتهم ذلك، قال في السرائر: لا يجوز قبول شهادة من خالف الإسلام علىٰ المسلمين إلىٰ أن قال-: و تجوز شهادة المسلمين عليهم و لهم (4). انتهىٰ.

فإنّ ذكر القسمين في الأخير و أحدهما في الأول ظاهرٌ في الاختصاص، فالمناط فيه هو الأصل أيضاً.

____________

(1) الكافي 7: 398، 1، التهذيب 6: 252، 651، الوسائل 27: 386 أبواب الشهادات ب 38 ح 1.

(2) الكافي 7: 398، 2، التهذيب 6: 252، 652، الوسائل 27: 386 أبواب الشهادات ب 38 ح 2 و فيه صدر الحديث.

(3) الكافي 7: 399، 7، التهذيب 6: 253، 654، الوسائل 19: 309 أبواب أحكام الوصايا ب 20 ح 1، بتفاوت.

(4) السرائر 2: 139.

32

و علىٰ هذا، فيجب ترك الأصل فيما كان علىٰ خلافه دليل، كما في شهادة الكافر على أهل ملّته، كما اختاره الإسكافي و الشيخ في النهاية و الخلاف (1)، و نسبه في الأخير إلىٰ بعض أصحابنا، و هو ظاهر الفاضل في المختلف بل صريحه (2)، و مال إليه في التنقيح و الكفاية (3).

و قد جعل بعض مشايخنا المعاصرين قول الخلاف و المختلف و التنقيح قولًا آخر غير ذلك، بل جعله رجوعاً من الشيخ عن ذلك (4)، حيث قال بعد اختياره ذلك القول-: و الوجه فيه إذا اختاروا الترافع إلينا، فأمّا إذا لم يختاروا فلا يلزمهم ذلك (5).

و الظاهر أنّه ليس قولًا آخر، بل هو بيانٌ لذلك القول، يعني: أنّ عدم القبول مع اختلاف الملّة إذا ترافعوا إلينا، فلا تقبل شهادة غير ملّتهم أو المسلم. و أمّا إذا لم يختاروا الترافع إلينا فلا يلزمهم إشهاد الموافق أو المسلم، و لا يشترط في إجراء أحكامهم عليه ذلك، بل يحكم بإجراء أحكامهم عليهم، كسائر الأحكام من الحلف و الطلاق و غيره.

و ليس هذا التفصيل مختصّاً بالخلاف، بل حكمه في النهاية أيضاً كذلك، و كذا كلّ من يجوّز شهادة بعضهم لبعضٍ من أهل ملّتهم، و لا يجوز مع الاختلاف.

و زاد في المختلف و التنقيح علىٰ قوله: إذا ترافعوا إلينا، قوله: و عدّلوا

____________

(1) حكاه عن الإسكافي في المختلف: 722، النهاية: 334، الخلاف 2: 614.

(2) المختلف: 722.

(3) التنقيح 4: 288، الكفاية: 279.

(4) الرياض 2: 427.

(5) الخلاف 2: 614.

33

الشهود عندهم (1).

و غرضه بيان اشتراط العدالة في دينهم في قبول الشهادة أي كونه عادلًا بحسب دينهم كما ذكره أصحابنا في الشهادة علىٰ الوصيّة أيضاً. و ليس قيداً زائداً في ذلك القول، كما توهّمه في التنقيح (2)، و حمله علىٰ أنّ المراد تعديل الشهود عليه أيضاً، كما يظهر من استدلاله له بموثّقة سماعة المتقدّمة، الخالية عن المعارض رأساً.

و استدلّ في التنقيح أيضاً: بأنّ بعد تعديل الشهود عندهم يكون قضاءً بالإقرار؛ لما تقدّم من أنّه إذا أقرّ الخصم بعدالة الشاهدين حكم عليه (3).

و فيه أولًا: أنّ المراد من تعديل الشهود عندهم: كونهم عدولًا في ملّتهم، لا عدولًا بإقرار الخصم.

و ثانياً: أنّ الحكم علىٰ المشهود عليه بإقراره بالعدالة لأجل تحقّق تمام السبب من الشاهد العادل، لا لأجل إقراره بالحقّ، و إلّا لزم الحكم لو أقرّ بعدالة الشاهد الواحد أيضاً، و تمام السبب هنا فرع قبوله شهادة الكافر لمثله.

و ثالثاً: أنّ حكم الحاكم بالشاهد العادل باعتراف الخصم إنّما هو إذا لم يعرف الحاكم فسقه، و المفروض هنا عنده أنّ الحاكم يعلم فسقه.

نعم، قيّد في الكفاية بقوله: و كونه مقبول الشهادة باعتقاد المدّعى عليه (4).

و يمكن أن يكون مراده أيضاً أن يكون كذلك بحسب دينه و ما يعتقده

____________

(1) المختلف: 722، التنقيح 4: 288.

(2) التنقيح 4: 288.

(3) التنقيح 4: 288.

(4) الكفاية: 279.

34

من الدين.

و زاد الإسكافي جواز شهادته علىٰ أهل سائر الملل غير المسلمين (1)، و ظاهر الخلاف أنّه أيضاً مذهب جماعة (2).

و لعلّ دليله: صحيحة الحلبي و محمّد: و هل تجوز شهادة أهل ملّةٍ علىٰ غير أهل ملّتهم؟ قال: «نعم، إذا لم يجد من أهل ملّتهم جازت شهادة غيرهم، إنّه لا يصلح ذهاب حقّ أحد» (3).

و جوابها: أنّها معارضةٌ مع صحيحة ضريس و موثّقة سماعة (4)، فيرجع إلىٰ الأصل؛ مع أنّهما أخصّ مطلقاً منها؛ لدلالتها علىٰ قبول الشهادة مع عدم الغير مطلقاً، و دلالتهما بمعونة قطع الشركة بالتفصيل علىٰ اختصاص ذلك بالوصيّة.

هذا، مع أنّه إن جعل مرجع ضمير: «ملّتهم» الثانية و ضمير: «غيرهم» أهل الذمّة يفسد المعنىٰ إن أُريدت ملّةٌ خاصّة؛ إذ يصير المعنىٰ: أنّه تجوز شهادة اليهودي- مثلًا علىٰ النصراني إن لم يوجد اليهودي.

و كذا إن ارجع ضمير «ملّتهم» إلىٰ ما ذكر، و ضمير: «غيرهم» إلىٰ غير أهل ملّتهم مع كونه خلاف الظاهر؛ إذ يصير المعنىٰ: أنّه إن لم يوجد اليهودي تجوز شهادة النصراني علىٰ النصراني.

و إن أُريد مطلق الذمّي يكون المعنىٰ: إن لم يوجد الذمّي تقبل شهادة غير الذمّي، أي الحربي أو المسلم.

و الأول خلاف الإجماع منطوقاً.

____________

(1) حكاه عنه في المختلف: 722.

(2) الخلاف 2: 614.

(3) الكافي 7: 4، 2، الفقيه 3: 29، 84 و فيه: عن عبيد اللّٰه بن علي الحلبي، التهذيب 9: 180، 724، الوسائل 19: 310 أبواب أحكام الوصايا ب 20 ح 3، بتفاوت.

(4) المتقدّمتين في ص 29.

35

و الثاني مفهوماً؛ إذ يدلّ علىٰ عدم قبول شهادة المسلم إن وجد اليهودي.

و إن جُعِلَ المرجعان: الغير، حتى يكون المعنىٰ: تجوز شهادة اليهودي- مثلا على النصراني إذا لم يوجد نصراني، يصير مخالفاً للإجماع؛ إذ لم يقل أحدٌ بذلك.

و ظهر ممّا ذكرنا أنّه لم تخرج من الأصل إلا صورة واحدة، و هي شهادة أهل كلّ ملّةٍ علىٰ أهل ملّته خاصّة.

و هل تقبل له؟

الظاهر: لا؛ للأصل، إلّا إذا كانت عليه أيضاً فتسمع؛ لأنّ قبول الشهادة عليه بالدليل، و عدم قبولها له بالأصل، و الدليل مقدّمٌ علىٰ الأصل. و منه يعلم قبول شهادة الكافر للمسلم و غيره علىٰ أهل ملّته أيضاً؛ لما ذكر.

فروع:

أ: لا يختصّ قبول شهادة الكافر علىٰ أهل ملّته بالذمّي، بل يعمّ جميع الكفّار، كما هو ظاهر كلام الإسكافي و القاضي و السرائر و المسالك (1) و غيرها (2)، حيث عبّر بعضهم بأهل الملّة، و بعضهم بالكافر، و بعضهم بمن خالف الإسلام.

نعم، عبّر بعضهم بأهل الذمّة، و صرّح أيضاً في الإيضاح بالإجماع علىٰ عدم قبول شهادة الحربي مطلقاً (3)، و لكنّه إجماعٌ منقول ليس بحجّة.

____________

(1) حكاه عن الإسكافي في المختلف: 722، القاضي في المهذّب 2: 557، و انظر السرائر 2: 139، المسالك 2: 401.

(2) كالنهاية: 334.

(3) الإيضاح 4: 418.

36

نعم، لو قلنا باختصاص أهل الملّة الواردة في الأخبار المتقدّمة (1) بغير الحربي يختصّ بالذمّي، و لكن فيه تأمّل.

ب: الكافر المنتحل إلىٰ الإسلام كالمنكر لضروريّ الدين و كالمجبّرة و المجسّمة علىٰ القول بكفرهم، لا تقبل شهادتهم؛ للأصل المذكور، و لكونهم ذوي مخزيةٍ في الدين. و لا تقبل لمثلهم أيضاً؛ لعدم صدق الملّة عرفاً علىٰ طريقتهم.

ج: قد خرج من الأصل المذكور أيضاً: شهادة الذمّي للمسلم و عليه في الوصيّة بشروطٍ خاصّة تذكر، بلا خلافٍ يظهر، بل بالإجماع المحقّق و المنقول، نقله ابن زهرة و فخر المحقّقين و الصيمري (2)؛ لذلك، و لقوله سبحانه أَوْ آخَرٰانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصٰابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمٰا مِنْ بَعْدِ الصَّلٰاةِ فَيُقْسِمٰانِ بِاللّٰهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ الآية (3)، علىٰ بعض تفاسيرها.

و قال في الخلاف مِنْكُمْ أي من أقاربكم، و مِنْ غَيْرِكُمْ من الأجانب إن وقع الموت في السفر و لم يكن معكم أحدٌ من عشيرتكم فاستشهدوا أجنبيين علىٰ الوصيّة (4).

و الأول: هو المدلول عليه بالأخبار.

و الثاني: مخالف للأصل و الظاهر، مع أنّه يثبت المطلوب بالإطلاق.

و للنصوص المستفيضة التي مرّ بعضها، و يأتي بعضٌ آخر.

____________

(1) راجع ص: 29 و 32.

(2) ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 625، فخر المحققين في الإيضاح 2: 635.

(3) المائدة: 106.

(4) الخلاف 2: 614، و فيه .. ذوا عدلٍ منكم» يعني من المسلمين «أو آخران من غيركم» يعني من أهل الذمّة.

37

لا يقال: ليست هذه الأخبار مخصوصة بالمسلم، بل هي عامّة، فتعارض ما يدلّ علىٰ عدم قبول شهادة الكافر علىٰ المسلم كصحيحة الحذّاء (1) بالعموم من وجه، فيرجع إلىٰ الأصل.

و لا يتوهّم خصوصيّة صحيحة ضريس لقوله: «لا يصلح ذهاب حقّ امرئٍ مسلم» (2)؛ لأنّ هذا المسلم إمّا الموصي أو الموصى له، و المشهود عليه هو الوارث، و لم يصرّح بكونه مسلماً. و منه يظهر عدم خصوصيّة رواية حمزة الآتية المتضمّنة لقوله: «إذا مات الرجل المسلم».

لأنّا نقول: بعد كون الموصي مسلماً يكون وارثه أيضاً كذلك؛ لعدم إرث الكافر من المسلم، فتكون رواية حمزة أخصّ مطلقاً.

و لو سلّم العموم من وجه لكان الترجيح أيضاً لأخبار القبول؛ للموافقة لعموم الكتاب، بل خصوصه بالتقريب المذكور؛ حيث إنّ الموصي فيه مسلمٌ قطعاً، كما هو مقتضىٰ الخطاب فيه.

و يشترط في قبولها أُمور:

منها: عدم وجود مسلم، و الظاهر كونه إجماعيّاً أيضاً؛ و تدلّ عليه صحيحة ضريس و موثّقة سماعة المتقدّمتين (3)، و صحيحة هشام: في قول اللّٰه تعالىٰ أَوْ آخَرٰانِ مِنْ غَيْرِكُمْ قال: «إذا كان الرجل في أرض غربة لا يوجد فيها مسلم جازت شهادة من ليس بمسلم علىٰ الوصيّة» (4).

و لرواية يحيىٰ بن محمّد: عن قول اللّٰه تعالىٰ يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ

____________

(1) المتقدّمة في ص 28.

(2) راجع ص 29.

(3) في ص 29.

(4) الكافي 7: 398، 6، التهذيب 6: 252، 653، الوسائل 27: 390 أبواب الشهادات ب 40 ح 3.

38

آمَنُوا الآية، قال: «اللذان منكم مسلمان، و اللذان من غيركم من أهل الكتاب، فإن لم تجدوا من أهل الكتاب فمن المجوس» إلىٰ أن قال: «و ذلك إذا مات الرجل في أرض غربة فلم يجد مسلمَين أشهدَ رجلين من أهل الكتاب يحبسان بعد العصر، فيقسمان باللّٰه» إلىٰ أن قال: «و ذلك إن ارتاب وليّ الميّت في شهادتهما» الحديث (1).

و رواية حمزة بن حمران: عن قول اللّٰه عزّ و جلّ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ قال: فقال: «اللذان منكم مسلمان، و اللذان من غيركم من أهل الكتاب» فقال: «إنّما ذلك إذا مات الرجل المسلم في أرض غربة، و طلب رجلين مسلمين ليشهدهما علىٰ وصيّته، فلم يجد مسلمين، فليشهد علىٰ وصيّته رجلين ذمّيّين من أهل الكتاب، مرضيّين عند أصحابهما» (2).

و صحيحة أحمد بن عمر، و فيها: «اللذان منكم مسلمان و اللذان من غيركم من أهل الكتاب، فإن لم يجد من أهل الكتاب فمن المجوس» إلىٰ أن قال: «و ذلك إذا مات الرجل بأرض غربة فلم يجد مسلمَين يشهدهما فرجلان من أهل الكتاب» (3).

و مرفوعة عليّ بن إبراهيم، و هي طويلة، و فيها: «فأطلق اللّٰه تعالىٰ شهادة أهل الكتاب علىٰ الوصيّة فقط إذا كان في سفرٍ و لم يجد المسلمَين» (4)، و بها يقيّد إطلاق الآية.

____________

(1) الكافي 7: 4، 6، الفقيه 4: 142، 487، التهذيب 9: 178، 715، الوسائل 19: 311 أبواب أحكام الوصايا ب 20 ح 6.

(2) الكافي 7: 399، 8، التهذيب 6: 253، 655، الوسائل 19: 312 أبواب أحكام الوصايا ب 20 ح 7.

(3) الفقيه 3: 29، 85، الوسائل 27: 390 أبواب الشهادات ب 40 ح 2.

(4) الكافي 7: 5، 7، تفسير القمي 1: 189، المحكم و المتشابه: 76، الوسائل 19: 314 أبواب أحكام الوصايا ب 21 ح 1.

39

و هل الشرط عدم وجود مسلم عدل مطلقاً و لو امرأة، أو عدم رجل مسلم كذلك، أو عدم رجلين مسلمين كذلك، أو عدم عدلين مسلمين؟

اختلفت في التعبير في هذا المقام كلمات الأصحاب، فبين مشترطٍ لعدم المسلم الشامل للواحد و المتعدّد الفاسق و العادل، كالنافع و المبسوط (1).

و أظهر منه كلام الشيخ في النهاية في باب الوصايا، قال: و لا تجوز شهادة من ليس علىٰ ظاهر الإسلام في الوصيّة، إلّا عند الضرورة و فقد المسلم، بأن يكون الموصي في موضعٍ لا يجد فيه أحداً من المسلمين ليشهده علىٰ وصيّته، فإنّه يجوز و الحال هذه أن يشهد نفسين من أهل الذمّة ممّن ظاهره الأمانة عند أهل ملّته، و لا تجوز شهادة غير أهل الذمّة علىٰ حال (2). انتهىٰ.

و هو الظاهر ممّا نقل في المختلف عن المقنعة و العماني و الديلمي و الحلّي و القاضي (3).

و لعدم المسلمَين كالإسكافي (4).

و الحلبي يشملُ العدلَ المسلم (5) كالشرائع، قال: إذا لم يوجد من عدول المسلمين من يشهد بها (6).

و لعدم عدول المسلمين، كما في القواعد و الإيضاح و المسالك (7).

و لعدم المسلمَين العدلَين، كبعض شرّاح المفاتيح.

____________

(1) النافع: 287، المبسوط 8: 187.

(2) النهاية: 612.

(3) المختلف: 722.

(4) حكاه عن الإسكافي في المختلف: 722.

(5) الكافي في الفقه: 436.

(6) الشرائع 4: 126.

(7) القواعد 2: 236، الإيضاح 4: 418، المسالك 2: 401.

40

و لا يخفىٰ أن مقتضىٰ إطلاق الروايتين الأُوليين (1) أنّ الشرط فقد المسلم مطلقاً و لو كان واحداً أُنثى، إلّا أنّ مقتضىٰ ما بعدهما من الأخبار المعبّرة بالمسلم الذي هو حقيقة في الذكر فتخرج الأُنثىٰ.

و المستفاد من الأربعة الأخيرة اشتراط فقد رجلين مسلمين، و لكونها أخصّ مطلقاً من الطائفة الأُولىٰ يجب تخصيصها بها، فتقبل مع وجود رجلٍ مسلمٍ و لو عدل.

و أمّا اشتراط فقد العدلين من المسلمين، فتقبل مع وجود المسلمين الفاسقين أيضاً، أم لا فلا تقبل مع وجودهما؟

ظاهر إطلاق أكثر الأخبار: عدم الاشتراط، و ليست في الآية دلالةٌ علىٰ الاشتراط، إلّا أنّ ظاهر قوله: «ليشهدهما» في رواية حمزة، و: «يشهدهما» في صحيحة أحمد بن عمر الاشتراط؛ لأنّ العدلَين هما اللذان يشهدان فتؤثّر شهادتهما.

و حمل الإشهاد علىٰ الإحضار و سماع الشهادة سواء قُبِلَت أم لا خلاف الظاهر المتبادر، و كذلك ظاهر التعليل في الروايتين الأُوليين؛ إذ لو لم تقبل شهادة الكافر مع وجود مسلمَين فاسقَين و المفروض عدم كفاية شهادة الفاسقين أيضاً يذهب الحقّ.

فإن قيل: فلتقبل حينئذٍ شهادة الفاسقَين دون الكافرَين.

قلنا: الظاهر أنّه خلاف الإجماع، و لكن المنقول عن التذكرة تقديم المسلمَين المجهولَين، بل الفاسقان المتحرّزان عن الكذب (2). و احتمله الأردبيلي (3).

____________

(1) أي موثقة سماعة و صحيحة ضريس المتقدّم نصّهما في ص 29.

(2) التذكرة 2: 522.

(3) زبدة البيان: 474.

41

و علىٰ هذا يمكن منع الإجماع، و لكنّه خلاف الأصل. و دفعه بالتعليل عليل؛ لما يأتي من إجماله.

و من ذلك يظهر أنّه يتّجه اشتراط فقد العدلَين من المسلمين، اللذَين يعرف الوارث أو الحاكم عدالتهما، أو يمكن إثباتها، و كذا العدلَين اللذَين يمكنهما تحمّل الشهادة و الأداء، فلا يكفي في عدم القبول وجود الأصمّين اللذَين لا يسمعان الشهادة، أو الأخرسَين الغير المتمكّنين من الأداء، و البعيدين اللذَين لا يمكنهما أداء الشهادة علىٰ الوارث.

و منه ظهر أيضاً أنّه لا يكفي في عدم القبول كون أحد المسلمَين العدلَين الموصى له، أو من لا تقبل شهادته في حقّه.

و هل يكفي المسلمان اللذان أحدهما عدل، علىٰ القول بقبول شاهدٍ واحدٍ مع اليمين في عدم قبول شهادة الذمّيين؟

مقتضىٰ قوله: «يشهدهما» (1): لا، و إن لم يجر التعليل هنا، بل يمكن إثبات الحكم بكلٍّ من الذمّيين و الشاهد و اليمين.

و لو كان هناك مسلمان عدلان و ذمّيّان كذلك، فسمع الجميع الشهادة، و مات المسلمان أو أحدهما قبل الأداء، أو فسق، أو جن، لم تقبل شهادة الذمّيين؛ للأصل، و عدم شمول الإطلاقات لمثل ذلك.

و لو كان حاكمٌ من المسلمين غير نافذ الحكم علىٰ الوارث تقبل شهادة الكافر؛ للتعليل، بل الإطلاق.

و لو كان نافذ الحكم متمكّناً منه، ففي قبول شهادة الكافر عند حاكمٍ آخر إشكال، و كذا في قبولها مع وجود أربع مسلمات، و الظاهر القبول و إن أمكن الإثبات بنوعٍ آخر.

____________

(1) في صحيحة أحمد بن عمر، المتقدّمة في ص 36.

42

و منها: أن يكون فقد المسلم حال تحمّل الشهادة و الاستشهاد؛ للأصل، و للأخبار المتقدّمة، فلا تقبل مع وجوده حينئذٍ و إن فُقِدَ حال الأداء.

و منها: الضرورة، فإنّه قيّد الشيخ في النهاية القبول بالضرورة، و كذلك صاحب المفاتيح (1) و بعض المعاصرين من مشايخنا (2).

و قيّد في شرح المفاتيح بالضرورة و فقد العدلَين المسلمَين.

فإن كان المراد بالضرورة: عدم إمكان إشهاد الغير ممّن تقبل شهادته، فهو كذلك، و لكن قيد فقد المسلم يغني عنه.

و إن كان لزوم الوصيّة كأن يوصي بحقٍّ لازم فلا دليل علىٰ اشتراطه.

و لا يتوهّم أنّ التعليل المتقدّم يثبته، فإنّ مقتضاه الاختصاص بالحقوق اللّازمة الأداء؛ لأنّ في التعليل إجمالًا لا يصلح بانفراده للاستناد- كما يأتي و إن ذكرناه مع غيره تأييداً؛ مع أنّ للموصي أيضاً حقّا في ماله، كما ورد في الأخبار: إنّ الإنسان أحقّ بماله ما دام حيّاً (3)، فيجري التعليل في غير الحقوق اللّازمة أيضاً.

و منها: أن يكون الكافران من أهل الكتاب أو شبهه؛ للإجماع، و لصحيحة أحمد، و روايتي يحيىٰ و حمزة (4)، الدالّة كلّها على الحصر، و بها تقيّد إطلاقات الآية (5) و الأخبار (6).

____________

(1) النهاية: 612، المفاتيح 3: 230.

(2) كصاحب الرياض 2: 64.

(3) انظر الوسائل 19: 296 أبواب أحكام الوصايا ب 17.

(4) المتقدمة جميعاً في ص 35 و 36.

(5) المائدة: 106.

(6) انظر الوسائل 27: 389 أبواب الشهادات ب 40.

43

و منها: أن يكونا اثنين فصاعداً؛ لصريح الآية، و الأخبار الثلاثة المذكورة (1)، و الظاهر أنّه أيضاً إجماعي.

و هل تقبل شهادة مسلمٍ عدل و ذمّي كذلك، أم يشترط الذمّيّان؟

الظاهر الأخير؛ اقتصاراً فيما خالف الأصل علىٰ مورد النصّ. و دعوىٰ الأولويّة ممنوعة؛ لعدم معلوميّة العلّة.

فإن قيل: العلّة بالنصّ معلومة، و هي عدم صلاحيّة ذهاب حقّ أحد.

قلنا: هذا علىٰ فرض ثبوت حقّ لأحد، و الكلام بعدُ فيه، و أيضاً للوارث حقّ، فلعلّ في القبول ذهاب.

و منها: أن يكونا ذكرين؛ للآية، و الأخبار، و الأصل، فلا تقبل شهادة أربع ذمّيّات.

و منها: أن يكونا عدلَين في مذهبهما، ذكره أكثر الأصحاب (2)، بل قيل: لا خلاف فيه أجده (3).

و استدلّ له بالآية، حيث فسّرت بأنّ معنىٰ أَوْ آخَرٰانِ أي اثنان ذوا عدلٍ من غيركم (4). و فيه نظر.

و يستدلّ (5) أيضاً برواية حمزة المتقدّمة، و هي دالّةٌ علىٰ اشتراط كونهما مرضيّين. و الظاهر أنّ المرضيّ أعمّ من العادل.

____________

(1) في ص 36.

(2) منهم المفيد في المقنعة: 727، و الحلبي في الكافي في الفقه: 436، و الشهيد الثاني في المسالك 2: 401، و الكاشاني في المفاتيح 3: 277، و السبزواري في الكفاية: 279.

(3) انظر الرياض 2: 64.

(4) كما في المسالك 2: 401.

(5) كما في كشف اللثام 2: 370.

44

و التحقيق: أنّه إن قلنا بتحقّق العدالة في غير المسلم- كما هو الظاهر فيثبت المطلوب بأخبار اشتراط العدالة في الشاهد (1)، و إلّا فالمراد ليس إلّا كونهما مرضيّين عند أصحابنا، فيثبت المطلوب بالرواية المذكورة.

و منها: أن يكون الموصي في السفر عرفاً أي في أرض غربة اعتبره جماعة، كصريح المحكيّ عن الإسكافي و الحلبي (2)، و ظاهر المبسوط و الغنية (3)، بل قيل: ربّما يفهم من الأخيرين كونه إجماعيّاً (4).

لمفهوم الشرط في الآية، و غير الأُوليين من الأخبار المتقدّمة، بل دلالة روايتي يحيىٰ و حمزة و صحيحة أحمد علىٰ الحصر.

خلافاً للمحكيّ عن أكثر المتأخّرين (5)، بل عامّتهم كما قيل (6)، بل الأكثر مطلقاً، و ظاهر كثير من القدماء، كالشيخين في المقنعة و النهاية و العماني و الديلمي و القاضي و الحلّي (7)، بل قيل: و ربّما ظهر من الشرائع و التحرير انعقاد الإجماع عليه، حيث قالا: و باشتراط الغربة رواية مطرحة (8).

لظاهر التعليل المتقدّم، أي مراعاة الحقّ عن الذهاب، الموجودة في

____________

(1) الوسائل 27: 391 أبواب الشهادات ب 41.

(2) حكاه عن الإسكافي في المختلف: 722، الحلبي في الكافي: 436.

(3) المبسوط 8: 187، الغنية (الجوامع الفقهية): 625.

(4) الرياض 2: 426.

(5) كالعلّامة في التحرير 2: 208، و الشهيد في الدروس 2: 124، و الشهيد الثاني في الروضة 3: 128.

(6) في الرياض 2: 426.

(7) المقنعة: 727، النهاية: 334، حكاه عن العماني في المختلف: 722، الديلمي في المراسم: 202، القاضي في المهذّب 2: 120، الحلّي في السرائر 2: 139.

(8) انظر الرياض 2: 426.

45

غير السفر أيضاً.

و إطلاق صحيحة ضريس و موثّقة سماعة، الخاليتين عن المخصّص و المقيّد، سوىٰ مفهومي الحصر و الشرط المتقدّمين، و هما ضعيفان؛ لورودهما مورد الغالب.

و يردّ الأول بما مرّ من الإجمال؛ لأنّه إن أُريد من الحقّ الحقّ المعلوم فهو ليس بمعلوم؛ إذ ليس محلّ النزاع ما إذا حصل العلم من قول الشاهدين؛ لأنّ اعتباره حينئذٍ لا يشترط بشيءٍ من العدد و العدالة و الذمّيّة و الوصيّة، بل هو في صورة عدمه، فمن أين يعلم الحقّ؟! و لو تمّ ذلك لجرى في كلّ دعوى لا شاهد عليها أصلًا أن يقال: يسمع قول المدّعى لئلّا يذهب حقّه.

و إن أُريد الحقّ المحتمل فيحتمل عدم تحقّق الوصيّة و ذهاب حقّ الوارث بالقبول أيضاً.

و الثاني بالتقييد بما استدلّ به الأولون، و ردّه بوروده مورد الغالب يَرِدُ علىٰ الإطلاق أيضاً، فلينصرف هو أيضاً إلىٰ الغالب، و يرجع إلىٰ الأصل.

مع أنّ الغلبة المدّعاة في زمان صدور نزول الآية بل صدور الأخبار ممنوعة؛ لجواز كون مسلمين كثيرين متوطّنين في مواضع يقلّ فيه المسلم.

مع أنّ هذا الحكم لا يختصّ بالمسلم حتى تُدّعىٰ الغلبة، بل تقبل شهادة الذمّيين في الوصيّة علىٰ مثله و غيره من أصناف الكفّار.

و منها: أن يحلف الذمّيان الشاهدان بالصورة المذكورة في الآية، اعتبره الفاضل في التذكرة (1)، و جعله في المسالك أولىٰ (2)؛ لدلالة الآية

____________

(1) التذكرة 2: 521.

(2) المسالك 2: 401.

46

عليه، و عدم منافاة عمومات النصوص له.

و أُورد عليه بأنّ الآية مخصوصةٌ بصورة الارتياب، فلا تدلّ علىٰ الإطلاق كما ذكروه.

و يمكن أن يقال: إنّه ما لم يحصل العلم فالارتياب متحقّق، و حصول العلم من شهادتهما إمّا غير متحقّق أو نادر.

و منها: أن تكون في الوصيّة إجماعاً؛ و وجهه ظاهر، فلا تقبل في غيرها و لو استشهد به حال حضور موت المستشهد.

فلو أقرّ حينئذٍ بدينٍ أو حقٍّ لازمٍ و أوصى بأدائه لا يثبت الحقّ بشهادة الكافرين، بل تثبت وصيّته بالأداء، و يجب علىٰ من اوصي إليه بأدائه الأداء بعد ثبوت الحقّ بشهادة المسلم.

و لو قال: لفلان عليّ حقّ كذا فأدّوه، يتوقّف وجوب الأداء علىٰ الوصيّ بعد ثبوت الحقّ.

و منها: أن تكون في الوصيّة بالمال خاصّة، فلا تثبت بشهادتهما الولاية علىٰ الصغير المعبّر عنها بالوصاية، اعتبره جماعة (3)؛ وقوفاً فيما خالف الأصل علىٰ مورده، قال المحقّق الأردبيلي: و تشعر به بعض الروايات.

أقول: لم أظفر على تلك الرواية المشعرة بذلك، و يمكن أن يكون نظره إلىٰ الروايات المتضمّنة للتعليل المتقدّم؛ حيث إنّ ذهاب الحقّ يكون في الوصيّة بالمال.

و فيه: أنّ الولاية أيضاً حقٌّ للوصي، بل تسليط الوصيّ علىٰ الصبيّ

____________

(3) كما في السرائر 2: 139، و التحرير 2: 208، و التنقيح 4: 287، و الرياض 2: 426.

47

أيضاً حقٌّ للموصي.

و بالجملة: الوصيّة في النصوص مطلقة، و للقسمين شاملة، و تفرقة بعض المتشرّعة بينهما بتسمية أحدهما وصيّة و الآخر وصاية لا يوجب حصول حقيقة شرعيّة لها.

الرابع: الإيمان بالمعنى الأخص.

أي كونه من الفرقة الناجية الاثني عشرية، و اشتراطه هو المعروف من مذهب الأصحاب، بل عن جماعة منهم: صاحب المهذّب و التنقيح و المسالك و الصيمري و الأردبيلي الإجماع عليه (1) و يدلّ عليه الأصل المتقدّم.

و لا تفيد عمومات قبول شهادة المسلم أو من ولد علىٰ الفطرة أو العادل (2) إن قلنا بتحقّق العدالة في المخالف أيضاً؛ لمعارضتها مع روايتي السكوني (3) المنجبرتين، المتضمّنتين لعدم قبول شهادة كلّ ذي مخزيةٍ في الدين، المعتضدتين بما في الأخبار من أنّهم شرٌّ من اليهود و النصارى و من الكلاب، و باشتراط كون الشاهد مرضيّاً كما مرّ في المغفّل بل هو بنفسه دليلٌ بالتقريب المتقدّم فيه.

و قد يقال أيضاً بعدم شمول الإطلاقات و العمومات لغير المؤمن بحكم التبادر و غيره (4).

____________

(1) التنقيح 4: 287، المسالك 2: 401، و حكاه عنهم في الرياض 2: 426.

(2) كما في الوسائل 27: 391 أبواب الشهادات ب 41.

(3) المتقدّمتين في ص 27.

(4) كما في الرياض 2: 426.

48

و فيه منعٌ ظاهر.

و بخروج غير المؤمن من نحو" رجالكم" و" ترضون" من الخطابات الشفاهيّة المختصّة بالموجودين في زمن الخطاب، و لم يكن المخالف موجوداً فيه.

و فيه ما فيه، فإن الموافق أيضاً كذلك، إلّا قليل من أرباب السرّ.

و قد تخصّص الإطلاقات أيضاً بقوله سبحانه مِمَّنْ تَرْضَوْنَ (1) بضميمة ما ورد في تفسير الإمام في تفسيره (2).

و قد عرفت ما فيه أيضاً.

و قد يستدلّ (3) لعدم قبول شهادة المخالفين بالأخبار المتكثّرة المصرّحة بكفرهم، فلا تشملهم عمومات قبول شهادة المسلم.

و بتعميمهم ما دلّ علىٰ ردّ شهادة الكافر؛ لأنّ بها يثبت إمّا كفرهم حقيقةً كما هو رأي كثير من قدماء الأصحاب فيخرجون عن عنوان المسلم، أو مشاركتهم للكفّار في الأحكام، التي منها عدم قبول الشهادة.

و فيه: منع ثبوت الكفر الحقيقي لهم، كما ثبت في موضعه.

و منع دلالة إطلاق الكافر عليهم علىٰ مشاركتهم لهم في جميع الأحكام؛ لما بيّن في الأُصول من أنّ الشركة المبهمة لا تفيد العموم.

و قد يستدلّ (4) أيضاً بآية النبإ (5)، و سائر ما يدلّ علىٰ ردّ شهادة الفاسق؛ و لا شكّ في فسقهم؛ لحكمهم بالباطل و بغير ما أنزل اللّٰه، وَ مَنْ

____________

(1) البقرة: 282.

(2) راجع ص 24 و 26.

(3) كما في الرياض 2: 426.

(4) كما في الشرائع 4: 126.

(5) الحجرات: 6.

49

لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ (1)، و قد ورد في أخبار العترة: أنّهم الفسّاق (2)، و أيّ فسقٍ أعظم من اعتقادهم الفاسد، الذي هو من أكبر الكبائر؟! و فيه ما ذكره شيخنا الشهيد الثاني من أنّ الفسق إنّما يتحقّق بفعل المعصية مع عدم اعتقاد كونه طاعة (3).

و رُدّ تارةً: بأنّ مع ذلك الاعتقاد و إن لم يكن فاسقاً حقيقةً و لكنّه يصدق عليه عرفاً (4).

و أُخرى: بأنّ معه و إن لم يكن فاسقاً عرفاً حيث إنّ المتبادر منه مدخليّة الاعتقاد في مفهومه و لكنّه فاسقٌ لغةً و شرعاً؛ لعدم مدخليّة الاعتقاد فيه عليهما (5).

و يرد علىٰ الأول: بأنّ ألفاظ الكتاب و السنّة تحمل علىٰ المعاني الحقيقيّة دون عرفيّة ذلك الزمان، و إن أراد عرف زمان الشارع فممنوع جدّاً.

و علىٰ الثاني: أنّ الفسق في اللغة و الشرع ليس موضوعاً للأعمال المخصوصة مطلقاً و لذا لا يقال بفسق شارب الخمر دواءً أو جبراً، و كذا مفطر الصيام و نحوه بل للخروج عن طاعة اللّٰه، و هو لا يتحقّق إلّا بالعلم بالنهي، فكيف مع اعتقاد الأمر؟! و لو لم يكن كذلك لزم فسق جميع المجتهدين و مقلّديهم، إلّا واحداً غير معيّن؛ لأنّ حكم اللّٰه الحقيقي ليس إلّا واحداً، و المخالفة في الفروع أيضاً تجاوزٌ عن الحدّ، و كون كلّ مجتهدٍ

____________

(1) المائدة: 47.

(2) انظر الوسائل 27: 373 أبواب الشهادات ب 30.

(3) المسالك 2: 401.

(4) انظر كفاية الأحكام: 279.

(5) انظر الرياض 2: 426.

50

مكلّفاً بما أدّى إليه نظره يجري في الأُصول أيضاً؛ لمشاركة الدليل.

فالمناط في ردّ شهادة المخالف هو الإجماع و الأصل.

و لا تعارضهما صحيحة ابن المغيرة: رجل طلّق امرأة و أشهد شاهدين ناصبيّين، قال: «كلّ من ولد علىٰ الفطرة و عرف بالصلاح من نفسه جازت شهادته» (1).

إذ لم يصرّح فيها بقبول شهادة الناصبي، بل عدل عنه إلىٰ ما عدل، و لا يعلم أنّ الناصبي مولودٌ علىٰ الفطرة؛ لأنّه كافرٌ بالإجماع بالكفر المقابل للإسلام، و ليس معروفاً بالصلاح؛ لأنّه ضدّ الفساد، و أيّ فسادٍ أكبر من عداوة من صرّح الكتاب العزيز بوجوب مودّته؟! و لو سلّم فغاية الجواب: العموم المعارض مع ما مرّ، اللّازم رفع اليد عنه و الرجوع إلىٰ الأصل.

ثم إنّ في حكم المخالف كلّ ما خالف الشيعة في العقائد الحقّة الثابتة بالضرورة من أئمّتهم الأطياب، ممّا يوجب الخزي في الدين، و اللّٰه الموفّق و المعين.

الخامس: العدالة.

و الكلام فيها إمّا في اشتراطها في الشاهد، أو بيان حقيقتها و ما تتحقّق به و ما تعرف به، أو فيما يسقطها من خصوص المعاصي، أو في كيفيّة البحث عنها في الشاهد، فهاهنا أربعة أبحاث

____________

(1) الفقيه 3: 28، 83، التهذيب 6: 283، 778، الإستبصار 3: 14، 37، الوسائل 27: 393 أبواب الشهادات ب 41 ح 5.

51

البحث الأول في بيان اشتراطها في الشاهد

و هو ممّا لا خلاف فيه بين الأصحاب كما في الكفاية (1) بل هو مجمعٌ عليه، و صرّح بالإجماع أيضاً جماعة، منهم: المحقّق الأردبيلي و الشهيد الثاني و صاحب المفاتيح و شارحه (2)، بل ادّعىٰ الأخيران و بعض مشايخنا المعاصرين الضرورة الدينيّة عليه (3)؛ و يدلّ علىٰ الإجماع تطابق كلمات القدماء و المتأخّرين علىٰ اعتبارها فيه من غير نقل خلاف.

و أمّا ما في كلام بعض القدماء من كفاية ظاهر الإسلام مع عدم ظهور الفسق (4) فليس مراده نفي اشتراط العدالة، و لا أنّه هو العدالة كما قد يتوهّم، بل مراده أنّ الأصل فيه العدالة، لا بمعنى أنّ العدالة أصلٌ بالنسبة إلىٰ الفسق، بل بمعنى أنّ القاعدة الثابتة من الشرع الحكم بثبوت العدالة فيه، نظير الذبائح في سوق المسلمين و الجلود في أيديهم، فإنّ التذكية فيها و إن كانت شرطاً ضرورة، و كانت علىٰ خلاف الأصل أيضاً، إلّا أنّ القاعدة الشرعيّة: الحكم فيما يؤخذ عن المسلم بالتذكية.

و يكشف عمّا ذكرنا من أنّ مرادهم ليس نفي اشتراط العدالة أنّ ممّن ينسب إليه كفاية ظاهر الإسلام: الإسكافي و المفيد و الشيخ في الخلاف، و صرّح كلٌّ منهم باشتراطها.

____________

(1) الكفاية: 279.

(2) الشهيد الثاني في المسالك 2: 401، المفاتيح 3: 278.

(3) كما في الرياض 2: 427.

(4) كما في الاستبصار 3: 14، و المبسوط 8: 104، و حكاه في المختلف: 704 705.

52

قال الأول: لو كانت بيّنة المدّعى من لا يعرف الحاكم عدالتها، فرّق بينهم، و يسمع من غير محضر المدّعى عليه، ثم سأله عنهما، فإن زكّاهما عليه أنفذ القاضي الشهادة عليه، و إن جرح المطلوب الشاهدين سأل القاضي في السرّ و العلانية، و قال لمدّعي الجرح: ثبّت جرحك، و أنفذ القاضي نفسين بالمسألة، فإن عدلت البيّنة و لم يثبت المدّعى عليه جرحه أنفذ الحاكم عليه، و إن رجع مَن وجّه الحاكم لا بجرحٍ و لا تعديل كانت الشهادة ساقطة (1). انتهىٰ.

و قال الثاني: إذا شهد عند الحاكم من لا يخبر حاله و لم تتقدّم معرفته، و كان الشاهد علىٰ ظاهر العدالة، كتب شهادته ثم ختم عليها، و لم ينفذ الحكم بها حتى يثبت أمره و يتعرّف أحواله، فإن عرف له ما يوجب جرحه أو التوقّف في شهادته لم يمض الحكم بها، و إن لم يعرف شيئاً ينافي عدالته و إيجاب الحكم لم يتوقّف (2). انتهى.

و قال الثالث: إذا شهد عند الحاكم شاهدان يعرف إسلامهما و لا يُعرَف منهما جرحٌ حكم بشهادتهما، و لا يقف علىٰ البحث، إلّا أن يجرح المحكوم عليه، فحينئذٍ يجب عليه البحث، و به قال أبو حنيفة في الأموال و النكاح و الطلاق و النسب، و إن كانت في قصاصٍ أو حدٍّ لا يحكم حتى يبحث عن عدالتهما، و منع الشافعي و أبو يوسف و محمّد من الحكم حتى يبحث عنهما.

دليلنا: إجماع الفرقة و أخبارهم، و أيضاً الأصل في المسلم العدالة، و الفسق طارٍ عليه، و أيضاً يعلم أنّه ما كان البحث في أيّام النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)،

____________

(1) حكاه عنه في المختلف: 705 و فيه: .. و إن رجع اللذان وجّه بهما الحاكم بجرحٍ و تعديل كانت الشهادة ساقطة.

(2) المقنعة: 730.

53

و لا أيام الصحابة، و لا التابعين، و إنّما هو شيء أحدثه شريك بن عبد اللّٰه القاضي، فلو كان شرطاً ما أجمع أهل الأعصار علىٰ تركه (1). انتهىٰ.

فإنّ كلام الأولَين صريحٌ في اشتراط العدالة، و يظهر من قول الثالث: و أيضاً الأصل في المسلم العدالة ذلك أيضاً، و إلّا لم يكن لذلك الاستدلال وجه.

و أمّا ما ذكرنا من أنّ مرادهم ليس أنّ العدالة هو ظاهر الإسلام مع عدم ظهور الفسق فيأتي بيانه، و إن كان يستفاد من ظاهر كلام بعضهم أنّه حَمَلَ كلامهم أنّ مجرد ذلك هو العدالة (2).

و ربّما يشعر بما ذكرنا من الأمرين أنّ جماعة من الفقهاء عنونوا عنوانين:

أحدهما: مسألة وجوب البحث عن العدالة و عدمها.

و الثاني: اعتبار العدالة في الشاهد و بيان معناها.

و ذكروا الأول في كتاب القضاء، و جعلوه من آداب القاضي، و نسبوا الخلاف فيه إلىٰ من يحكى عنه كفاية ظاهر الإسلام.

و ذكروا الثاني في كتاب الشهادات، و ادّعوا عليه الإجماع، و لم ينسبوا الخلاف فيه إلىٰ أحد.

و يدلّ علىٰ الأمرين أيضاً ما ذكره الشيخ في الاستبصار، حيث إنّه- بعد نقل رواية ابن أبي يعفور نقل مرسلة يونس المتضمّنة للأمر بالأخذ بظاهر الحال في خمسة أشياء، ثم ذكر أنّه لا منافاة بينهما؛ لأنّ المراد من الثانية: عدم وجوب الفحص و التفتيش، و من الاولىٰ: بيان ما تتحقّق به

____________

(1) الخلاف 2: 591.

(2) المسالك 2: 361.

54

العدالة و ما يقدح فيها واقعاً و إن لم يلزم التفتيش عنها (1).

نعم، ظاهر كلام الفاضل في المختلف يفيد أنّه فهم منهم عدم اشتراط العدالة، حيث إنّه بعد ما نقل عبارات الأصحاب ممّن يكتفي بظاهر الحال و من لا يكتفي به قال: و المعتمد اشتراط العدالة؛ لنا: إلىٰ آخر ما قال (2).

و ظاهر ما استدلّ به أيضاً إثبات اشتراط العدالة، و الظاهر أنّ مراده أيضاً ما ذكرنا، و أراد من اشتراط العدالة اشتراط العلم بها بنفسها، و عدم كفاية ظاهر الإسلام في الحكم.

و كيف كان، فيظهر للمتتبّع اتّفاق الأصحاب كلّاً علىٰ اشتراطها و تحقّق الإجماع عليه، فهو الأصل فيه، مع الكتاب، و السنّة.

أمّا الأول: فقوله سبحانه اثْنٰانِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ (3).

و قوله تعالىٰ شأنه يَحْكُمُ بِهِ ذَوٰا عَدْلٍ (4).

و قوله عزّ جاره وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ (5).

و يتمّ المطلوب بالإجماع المركّب.

و أمّا الثانية: فكثيرةٌ جدّاً، بل متواترة، منها: صحيحة ابن أبي يعفور، و فيها: بِمَ تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم و عليهم (6)؟ دلّت بالمفهوم علىٰ عدم القبول بدون معرفة العدالة.

____________

(1) الاستبصار 3: 13 14.

(2) المختلف: 705.

(3) المائدة: 106.

(4) المائدة: 95.

(5) الطلاق: 2.

(6) الفقيه 3: 24، 65، التهذيب 6: 241، 596، الإستبصار 3: 12، 33، الوسائل 27: 391 أبواب الشهادات ب 41 ح 1.