مستند الشيعة في أحكام الشريعة - ج19

- الشيخ أحمد بن محمد مهدي النراقي المزيد...
464 /
4

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ و به نستعين

5

كتاب الفرائض و المواريث

و فيه خمس مقدّمات، و ثلاثة مقاصد

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[المقدمات الخمسة]

المقدّمة الاولىٰ في بيان معناهما، و الأصل في ثبوتهما

أما المعنىٰ: فالفرائض جمع فريضة، من الفرض، و هو لغةً: التوقيت، و التقدير، و القطع، و البيان، و الوجوب، و الثبوت، و العطيّة الموسومة (1).

و في العرف العام لفقهائنا مرادفٌ للواجب. و في الخاص: ما يستحقّه الإنسان من السهام المقدّرة في كتاب اللّٰه بموت آخر بينهما نسب أو سبب.

و المواريث جمع ميراث، من الإرث، و هو في اللغة: الأصل، و البقية، و الأمر القديم، و الرماد (2).

و في الاصطلاح: حقّ منتقل من ميّت حقيقة أو حكماً إلىٰ حيّ كذلك ابتداءً.

فدخل في الحدّ الحقّ المالي و غيره كالحدّ. و دخل بقولنا «حكماً» في الموضعين: المرتدّ الفطري و إن لم يقتل، و المفقود، و الحمل، و الغريق،

____________

(1) لاحظ النهاية. لابن الأثير 3: 432، و القاموس 2: 352، و الصحاح 3: 1097 و قال: و يسمى العلم بقسمة المواريث فرائض، و المصباح المنير: 469، و المغرب 2: 92، و قال: قيل لانصباء المواريث: الفرائض لأنها مقدرة لأصحابها، ثم قيل للعلم بمسائل الميراث علم الفرائض، و لسان العرب 7: 202، مجمع البحرين 4: 220، و زاد بعضهم معاني أُخرى منها: ما أعطيت من غير قرض، و الحزّ في الشيء، و السنة، و التُّرس، و ما فرضته علىٰ نفسك فوهبته أو جُدت به لغير ثواب، و الهبة.

(2) كما في لسان العرب 2: 111.

8

و نحوه. و بالابتداء خرج الوقف المرتب و الوصايا.

و لو أُبدل الأخير بقولنا: «بنسب أو سبب» لأفاد ما يفيد.

و هو أعم من الفريضة، لشموله للحقوق المالية و غيرها و اختصاصها بالأُولىٰ، و لاعتبار التقدير فيها و عدم اعتباره فيه.

و قد يقال بتساويهما بإرادة ما يشمل غير المقدّر من الفرائض و لو بالتغليب. و هذا إنّما يفيد لو أُريد منها ما يشمل غير المالية أيضاً، و إطلاقها عليه غير متعارف.

و أما الأصل في ثبوتهما سوىٰ الضرورة الدينية و الإجماع القطعي الآيات المتكاثرة:

قال اللّٰه سبحانه لِلرِّجٰالِ نَصِيبٌ مِمّٰا تَرَكَ الْوٰالِدٰانِ وَ الْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّسٰاءِ نَصِيبٌ مِمّٰا تَرَكَ الْوٰالِدٰانِ وَ الْأَقْرَبُونَ (1).

و قال سبحانه يُوصِيكُمُ اللّٰهُ فِي أَوْلٰادِكُمْ (2) الآيتين.

و قال إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ (3) الآية.

و الأخبار المتضافرة التي يأتي ذكرها في طيّ بيان تفاصيل الأحكام.

و روى في المبسوط، عن ابن مسعود، عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «تعلّموا الفرائض، و علّموها الناس، فإنّي امرؤ مقبوض، و العلم سيقبض، و تظهر الفتن حتّى يختلف اثنان في الفريضة، فلا يجدان من يفصل بينهما» (4).

____________

(1) النساء: 7.

(2) النساء: 11.

(3) النساء: 176.

(4) المبسوط 4: 67.

9

قيل: و ذلك لابتناء مسائل الفرائض علىٰ أُصول غير عقلية و عدم اشتمال القرآن علىٰ جميعها (1).

و روى فيه أيضاً عنه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «تعلّموا الفرائض، فإنّها من دينكم، و إنّه نصف العلم، و إنه أوّل ما ينتزع من أُمتي» (2).

و مصداق ما ذكره بقوله: «و إنّه أوّل ما ينتزع» ما شاع و ذاع من قصة غصب فدك، و خيبر، و وضع حديث لا نورث.

و يمكن إرجاع الضمير إلىٰ العلم. و كونه أوّل ما ينتزع، لكونه الخلافة التي يوجب انتزاعها انتزاع العلم و التعليم.

و توجيه كون العلم بالفرائض نصف العلم باختصاصه بإحدى حالتي الإنسان من الحياة و الممات، أو بكونه أحد سببي الملك من الاضطراري و الأعمّ، أو أحد قسمي العلم مما يكون المقصود بالذات فيه التعليم و التعلم و العمل تابع و عكسه، أو باعتبار ثوابه، أو لإيجابه وضع الإمامة (3) في موضعها الموجب لتمامية العلم، أو لتوقّفه علىٰ مشقّة عظيمة.

تكلّف (4) لا تقبله الأذهان السليمة، و إن كان أخيرها أولاها.

و يمكن أن يراد بالفرائض ما يجب فعله، فيكون إشارة إلىٰ الحكمة العملية التي هي أحد قسمي العلم، و التخصيص بالفرائض لكونها أهم.

____________

(1) انظر الرياض 2: 334.

(2) المبسوط 4: 67، بتفاوت.

(3) في «ق»: الأمانة.

(4) قوله «تكلف» خبرٌ لقوله «و توجيه» المتقدم.

10

المقدّمة الثانية في موجبات الإرث و أسبابه

و هي اثنان بالاستقراء و الضرورة من الدين: النسب و السبب.

و المراد بالنسب عرفاً: اتّصال بين شخصين عرفاً بالولادة شرعاً.

فخرج بقولنا عرفاً من يتّصل بالآخر اتّصالًا بعيداً عرفاً (1)، كاتّصالهما بالولادة من آدم أو النبي أو غيرهما. و بقولنا بالولادة اتّصال أحدهما بالآخر بزوجيّة أو إخاء أو ولاء أو نحوها. و بقولنا شرعاً ولد الزنا، و دخل به من ألحقه الشارع و لو لم تعلم الولادة.

و بالسبب: اتّصال أحدهما بالآخر بزوجية أو ولاء مخصوص.

و لا يلزم خروج المطلّقة رجعية مع ارتفاع الزوجيّة و ثبوت التوارث؛ لأنّ الزوجيّة و إن كانت مرتفعة إلّا أنّها سبب لنوع اتّصال بينهما يمكن معه الرجوع، فالاتّصال الحاصل بينهما إنّما هو بسببها.

ثم للنسب عمود و حاشية؛ و عموده الآباء و إن صعدوا، و الأبناء و إن نزلوا، و البواقي حاشيته.

و الفقهاء جعلوه علىٰ طبقات و مراتب، باعتبار الاجتماع و الافتراق في الإرث، و التباين و التناسب في جهة النسبة.

و بيان ذلك: أنّهم لمّا تتّبعوا تفاصيل الأدلّة رأوا أنّ جميع الأنسباء لا يجتمعون في الإرث بل يمنع بعضهم بعضاً.

ثم رأوا أنّ بعض من يمنع بعضاً يجامع آخر أيضاً، و أنّ البعض الذي

____________

(1) في «ق»: عادةً.

11

يمنعه هذا البعض علىٰ قسمين (1): قسم لا يمنعه البعض الذي يجامع الأوّل و يمنع سائر من يمنعه، و قسم يمنعه أيضاً.

و أيضاً رأوا أنّهم إمّا متحدون في جهة النسبة، أو متباينون؛ و الأوّل إمّا لا يجامع بعضه من يمنعه البعض الآخر، أو يجامع.

فجعلوا كل نسيبين متباينين في جهة النسبة يجامعان في الإرث منضمّاً مع من يجامع أحدهما و يمنع سائر من يمنعانه و إن لم يجامع الآخر، أو متّحدين فيها غير مجتمع (2) أحدهما مع من يمنعه الآخر و إن لم يجتمعا في الإرث في طبقة واحدة.

و بتقرير آخر: الأنسباء إمّا متناسبون في جهة النسبة، أو متباينون؛ و الأوّلون إمّا يجامع بعضهم بعض من لا يجامع الآخر أو لا؛ و الآخرون إمّا يجتمعون في الإرث أولا.

فجعلوا كل نسيبين متناسبين لا يجتمع أحدهما مع من يمنعه الآخر، أو متباينين مجتمعين في الإرث في طبقة واحدة.

و لأجل ذلك حصل للنسب طبقات ثلاث.

الأُولىٰ: الأبوان من غير ارتفاع، و الأولاد و إن نزلوا.

الثانية: الإخوة و الأخوات لأب أو لُام أو لهما، و أولادهم و إن نزلوا، و الأجداد و الجدات لأب أو لُام أو لهما و إن علوا.

الثالثة: الأخوال و الخالات و الأعمام و العمات و إن علوا، و أولادهم

____________

(1) فالقسم الأول كأولاد الأولاد الذين يمنعهم الأولاد، فإنه لا يمنعهم الأبوين اللذين يجامعان الأولاد، و يمنعون سائر من يمنعه الأولاد، و القسم الثاني كالأجداد «منه (قدّس سرّه)».

(2) هذا القيد لتصحيح جعلهم الجد و الأب في طبقتين مع اتحادهما في جهة النسبة (منه (قدّس سرّه)).

12

و إن سفلوا.

ثمّ لمّا كان في كلّ طبقة أنسباء متفرقين باعتبار النسبة جعلوا كل طائفة متحدة فيها صنفاً واحداً، و باعتبار ذلك حصل له خمسة أصناف. تشتمل الاولىٰ علىٰ صنفين: أصل محصور و هو الأبوان، و فرع غير محصور و هو الأولاد. و كذلك الثانية، و صنفاها غير محصورين عروجاً و نزولًا، و هما الإخوة و الأجداد. و لا تشمل الثالثة إلّا علىٰ واحد غير محصور.

و لمّا كان أنسباء كل صنف متفاوتة باعتبار القرب و البعد إلىٰ الميت جعلوا كلّ طائفة متساوية قرباً و بعداً درجة واحدة، فحصل له درجات، و هي غير محصورة إلّا أنّ للصنف الأوّل من الأُولىٰ درجة واحدة.

و قد تجعل (1) الطبقات أكثر بجعل الأعمام و الأخوال و أولادهم طبقة ثالثة، و أعمام كل من الأبوين و أخواله و أولادهم رابعة، و أعمام كل من الجدين و أخواله و أولادهم خامسة، و هكذا فتتصاعد طبقات إلىٰ غير النهاية. و لا بأس به.

و هذه الطبقات مترتّبة في الإرث، فلا يرث أحد من اللاحقة مع وجود واحد من سابقتها خالٍ من الموانع و إن كان أُنثى. كما أنّ درجات كل طبقة كذلك أيضاً، فلا ترث الثانية مع وجود واحدٍ من الاولىٰ و هكذا. و لكن لا يمنع أحدٌ من صنفٍ و إن كان أقرب أحداً من صنف آخر في طبقته و إن كان أبعد.

و أمّا السبب فقسمان: زوجيّة و ولاء (2).

و للولاء ثلاث مراتب: ولاء العتق، و ولاء تضمّن الجريرة، و ولاء الإمامة.

و أوّل قسميه يجامع النسب، فيرث من له الزوجيّة مع كل من

____________

(1) جعلها صاحب المفاتيح أكثر (منه (رحمه اللّه)).

(2) الولاء بالفتح و المد و هو في اللغة القرب (منه (رحمه اللّه)).

13

الأنسباء، و إن كان في أوّل الدرجات من الطبقة الأُولىٰ. دون ثانيهما، فلا يرث أحدٌمنه و إن كان في أوّل المراتب مع واحدٍ منه و إن كان في آخر الطبقات.

و لا ممانعة بين قسمي السبب، فيجامع من له الولاء من له الزوجيّة، إلّا من كان له ولاء الإمامة ففيه خلاف يأتي.

و مراتب الولاء مرتّبة، فيقدّم العتق علىٰ ضمان الجريرة المقدّم علىٰ الإمامة.

فوائد:

الأُولىٰ:

كل وارث مناسب أو مسابب إمّا سمّى اللّٰه تعالىٰ له في كتابه سهماً معيناً أو لا، و الأوّل يسمّى ذا فرض، و الثاني قرابة. و الأوّل إمّا سمّى له في جميع حالاته، أو في حالة دون اخرىٰ. فالوارث ثلاثة:

الأوّل: ذو فرض لا غير إلّا علىٰ الردّ، و هو ثلاثة أصناف:

الأُم، قال اللّٰه تعالىٰ وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وٰاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّٰا تَرَكَ إِنْ كٰانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَوٰاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كٰانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ (1).

سمّى لها في جميع حالاتها سهماً معيناً.

و الزوجان، قال اللّٰه سبحانه وَ لَكُمْ نِصْفُ مٰا تَرَكَ أَزْوٰاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كٰانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ (2).

و قال وَ لَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّٰا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كٰانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ (3).

و كلالة الام، اتّحدت أم تعدّدت، قال عزّ شأنه وَ إِنْ كٰانَ رَجُلٌ

____________

(1) النساء: 11.

(2) النساء: 12.

(3) النساء: 12.

14

يُورَثُ كَلٰالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَ لَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وٰاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كٰانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذٰلِكَ فَهُمْ شُرَكٰاءُ فِي الثُّلُثِ (1).

الثاني: ذو فرض تارة و قرابة اخرىٰ، و هو أيضاً ثلاثة أصناف:

الأب، فيرث بالفرض إذا اجتمع مع الولد، قال تعالىٰ وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وٰاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّٰا تَرَكَ إِنْ كٰانَ لَهُ وَلَدٌ (2).

و بالقرابة إذا انفرد، قال فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَوٰاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ (3).

فرض للُام علىٰ تقديري وجود الولد و عدمه، و لم يجعل للأب علىٰ الأخير فرضاً فيرث حينئذٍ بالقرابة.

و البنت و البنات، فيرثن بالقرابة إذا دخل عليهن الذكر، قال عزّ من قائل يُوصِيكُمُ اللّٰهُ فِي أَوْلٰادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (4).

فلم يجعل لهن حينئذٍ فرضاً.

و بالفرض إذا انفردن، قال سبحانه فَإِنْ كُنَّ نِسٰاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثٰا مٰا تَرَكَ وَ إِنْ كٰانَتْ وٰاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ. (5)

و الأُخت من قبل الأبوين أو الأب، اتّحدث أم تعدّدت، فيرثن بالقرابة إذا دخل عليهن ذكر من الأب، قال سبحانه وَ إِنْ كٰانُوا إِخْوَةً رِجٰالًا وَ نِسٰاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (6).

و بالفرض إذا انفردن أو دخلت عليهن كلالة الأُم، قال عزّ شأنه إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ أُخْتٌ فَلَهٰا نِصْفُ مٰا تَرَكَ وَ هُوَ يَرِثُهٰا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهٰا وَلَدٌ فَإِنْ كٰانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثٰانِ (7).

____________

(1) النساء: 12.

(2) النساء: 11.

(3) النساء: 11.

(4) النساء: 11.

(5) النساء: 11.

(6) النساء: 176.

(7) النساء: 176.

15

الثالث: ذو قرابة لا غير، و هم الباقون.

ثم إنّ ما ذكرنا من التقسيم هو الموافق للدروس (1)، و هو أحسن ما ذكر في هذا المقام، و لكنّه يصحّ إذا لم يجعل الردّ داخلًا في القرابة، أو قطع النظر عنه، و هو بعيد، بل خلاف مدلول كلمات القوم.

و لذا قسّمه (2) بعضهم بأنّه إمّا ذو فرض أو قرابة، و الأوّل إمّا ذو فرض دائماً، أو في حالة دون أُخرى، أو ذو فرض و قرابة معاً كما في صورة الرد.

و هذا و إن كان أتم من الأوّل إلّا أنّه يخرج منه قسم رابع: و هو من يرث بالفرض في حالة، و بالقرابة في أُخرى، و بهما معاً في ثالثة، كالأب يرث بالفرض مع مجامعة الذكر من الولد، و بالقرابة إذا انفرد أو جامع الام، و بهما معاً مع مجامعة البنت أو البنات.

و بالجملة ما عثرت في عباراتهم في هذا المقام علىٰ كلام خالٍ عن القصور و الخلل، إما استقصاءً، أو تعبيراً، أو تمثيلًا، أو معنى. و أكثرها خللًا كلام المسالك (3)، كما لا يخفىٰ علىٰ المتدبر فيه.

و الأولى في التقسيم أن يقال: الوارث إمّا يرث بالفرض أو بالقرابة؛ و علىٰ الأوّل إمّا يكون كذلك دائماً، أو في حال دون حال؛ و علىٰ الأوّل إمّا لا يرث إلّا بالفرض، أو لا يرث إلّا به و بالقرابة معاً، أو يرث به في حال و بهما في أُخرى، و كذلك علىٰ الثاني فيما يرث به.

و هذه الأقسام و إن جرت فيمن يرث بالقرابة أيضاً، إلّا أنّ غير واحد من أقسامها يرجع إلىٰ أقسام ذي الفرض.

____________

(1) الدروس 2: 333، 334.

(2) أي الوارث (منه (قدّس سرّه)).

(3) المسالك 2: 309.

16

أو يقال: إنّ الوارث إما ذو فرض دائماً أو قرابة كذلك، أو ذو فرض في حالة و قرابة في أُخرى؛ فالأوّل إمّا ذو فرض محض دائماً، أو مع القرابة كذلك، أو محض في حال و معها في أُخرى؛ و الثاني أيضاً إمّا قرابة محضة دائماً أو مع الفرض كذلك، أو محضة في حال و معه في أُخرى.

و إن شئت أمثلة هذه الأقسام فارجع إلىٰ هذين الجدولين (1).

الثانية:

الوارث إن لم يكن ذا فرض فالمال له، اتّحد أم تعدّد، و إن كان ذا فرض أخذ فرضه كذلك، فإن فضل شيء يردّ عليه علىٰ التفصيل الآتي. و في الردّ علىٰ الزوجين خلاف يأتي.

و لو نقصت الفريضة عن ذوي الفروض دخل النقص علىٰ بعضهم علىٰ ما سيجيء.

و لا تعصيب عندنا في الأوّل، كما لا عول كذلك في الثاني، كما يأتي.

الثالثة:

إذا اجتمع لوارث موجبان نسبيان أو سببيان، أو نسبي و سببي أو أكثر يرث بالجميع إذا لم يكن هناك من هو أقرب منه فيهما أو في أحدهما، و لم يكن أحدهما مانعاً من الآخر، فإن كان هناك أقرب منه فيهما فلا يرث بشيء منهما، أو في أحدهما فلا يرث به وحده، أو كان أحدهما مانعاً فلا يرث بالممنوع.

ثم الموجبان إما يوجبان بالفرض، أو بالقرابة، أو بعض بالفرض و بعض بالقرابة، و في جميع الصور لكلٍّ حكمه. و لا يمنع ذو الموجبين من هو في طبقته من ذوي الموجب الواحد.

و لمّا كانت الصور المتصورة ثمانية و أربعين، الحاصلة بضرب ثمانية صور اجتماع الموجبين أو أكثر، في اثنين المانع أحدهما عن الآخر و غيره، ثمّ

____________

(1) الجدولان غير مثبتين في النسخ التي بأيدينا، و ذكر في هامش النسخة الحجرية أن هذين الجدولين غير مرقومين في نسخة الأصل.

17

ضرب الستّة عشر في الثلاثة كونهما موجبين بالفرض أو بالقرابة أو بعض بالفرض و بعض بالقرابة، و كان بعض هذه الصور ممكن الوقوع و بعضها ممتنع الوقوع، فرسمنا هذا الجدول لبيان ما يمكن وقوعه و مثالهُ و ما يمتنع:

ثمّ الصور و إن تصاعدت بضربها في الثلاثة: وجود من هو أقرب فيهما، أو في أحدهما، و عدم الأقرب مطلقاً، و لكن تركنا بيانها لوضوحها عند من أحاط بالصور الثمانية و الأربعين.

18

المقدّمة الثالثة في بيان موانع الإرث و لواحقها

و هي أُمور:

الأوّل: الكفر.

و المراد به كل ما يُخرج معتقده عن الإسلام، سواء كان حربياً أو ذميّاً أو مرتدّا أو منتحلًا للإسلام كالخوارج و الغلاة.

و فيه مسائل:

المسألة الأُولىٰ: الكافر بأنواعه لا يرث المسلم و لا من في حكمه و إن قرب

، كافراً كان المسلم في الأصل أو لا، خلّف وارثاً غيره أم لا.

للإجماع المحقّق و المحكي في المسالك و التنقيح و ظاهر الكفاية و المفاتيح (1).

و الروايات المستفيضة المعتضدة بعمل الأصحاب، كصحيحة أبي بصير و في آخرها: «و إن لم يسلم من قرابته أحد فإنّ ميراثه للإمام» (2).

و صحيحة أبي ولّاد (3): «المسلم يرث امرأته الذمّية و لا ترثه» (4).

____________

(1) المسالك 2: 311، التنقيح 4: 132، كفاية الأحكام: 289، المفاتيح 3: 311.

(2) الكافي 7: 144، 2، الفقيه 4: 244، 787، التهذيب 9: 369، 1316، الوسائل 26: 20 أبواب موانع الإرث ب 3 ح 1.

(3) و كون رواية أبي ولّاد صحيحة إنما هو علىٰ طريق الفقيه، حيث إنه روىٰ عن السّراد، و طريقه إليه صحيح (منه (قدّس سرّه)).

(4) الكافي 7: 143، 6، الفقيه 4: 244، 784، التهذيب 9: 366، 1306، الإستبصار 4: 190، 710، الوسائل 26: 11 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 1.

19

و موثّقة سماعة: عن المسلم هل يرث المشرك؟ فقال: «نعم، فأما المشرك فلا يرث المسلم» (1) و قريبة منها موثقته الأُخرىٰ (2).

و حسنة جميل و هشام: فيما روى الناس عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «لا يتوارث أهل ملتين» فقال: «نرثهم و لا يرثونا، إنّ الإسلام لم يزده إلّا عزّاً في حقه» (3).

و في الكافي: «لم يزده في حقه إلّا شدة» (4).

و حسنة محمد بن قيس قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «لا يرث اليهودي و النصراني المسلم، و يرث المسلم اليهودي و النصراني» (5).

و رواية الحسن بن صالح: «المسلم يحجب الكافر و يرثه، و الكافر لا يحجب المؤمن و لا يرثه» (6).

و رواية أبي العباس: «لا يتوارث أهل ملتين، يرث هذا هذا، و هذا هذا، إلّا أنّ المسلم يرث الكافر، و الكافر لا يرث المسلم» (7).

____________

(1) الفقيه 4: 244، 781، الوسائل 26: 13 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 5.

(2) الكافي 7: 143، 3، التهذيب 9: 366، 1304، الإستبصار 4: 190، 708، الوسائل 26: 13 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 5.

(3) التهذيب 9: 365، 1302، الإستبصار 4: 189، 706، الوسائل 26: 15 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 14.

(4) الكافي 7: 142، 1.

(5) الكافي 7: 143، 2، الفقيه 4: 244، 786، التهذيب 9: 366، 1303، الإستبصار 4: 190، 707، الوسائل 26: 13 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 7.

(6) الكافي 7: 143، 5، الفقيه 4: 244، 783، التهذيب 9: 366، 1307، الإستبصار 4: 190، 711، الوسائل 26: 11 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 2.

(7) التهذيب 9: 367، 1313، الإستبصار 4: 191، 717، الوسائل 26: 15 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 15.

20

و قول الباقر و الصادق (عليهما السلام) في روايتي ابني أعين (1) بعد سؤالهما عن النصراني يموت و له ابن مسلم، أ يرثه؟: «نعم، إنّ اللّٰه لم يزده بالإسلام إلّا عزّاً، فنحن نرثهم و لا يرثونا» (2).

و قريب منه قول الأوّل في رواية أُخرى (3) لأحدهما (4).

و روايته عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «لا يتوارث أهل ملّتين، نحن نرثهم و لا يرثونا، إنّ الإسلام لم يزده في ميراثه إلّا شدة» (5).

و قريب منه روايته الأُخرىٰ (6).

و رواية أبي خديجة (7): «لا يرث الكافر المسلم، و للمسلم أن يرث الكافر» (8).

____________

(1) عبد اللّٰه بن أعين و عبد الرحمن بن أعين، و الأول روىٰ عن الباقر و الثاني عن الصادق (عليهما السلام) (منه (قدّس سرّه)).

(2) الموجود في المصادر قول الباقر (عليه السلام) فقط في كلتي الروايتين: رواية عبد اللّٰه بن أعين في الكافي 7: 143، 4، و التهذيب 9: 366، 1305، رواية عبد الرحمن بن أعين في الفقيه 4: 243، 780، و الاستبصار 4: 190، 709، و رواهما في الوسائل 26: 12 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 4.

(3) و هو قول أبي جعفر (عليه السلام) لعبد الرحمن بن أعين، التهذيب 9: 370، 1321، الإستبصار 4: 192، 719، الوسائل 26: 16 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 19.

(4) أي أحد ابني أعين و هو عبد الرحمن (منه (قدّس سرّه)).

(5) الفقيه 4: 244، 782، الوسائل 26: 13 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 6. و فيهما «عزّاً» بدل «شدّة».

(6) التهذيب 9: 367، 1312، الإستبصار 4: 191، 716، الوسائل 26: 15 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 17.

(7) أبي خديجة هذا هو سالم بن مكرم، و لا يبعد توثيقه فتكون الرواية صحيحة، إذ ليس في رجاله من يتوقف في شأنه دونه (منه (قدّس سرّه)).

(8) الفقيه 4: 244، 785، التهذيب 9: 372، 1329، الوسائل 26: 12 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 3.

21

و الرضوي: «و اعلم أنّه لا يتوارثان أهل الملّتين، نحن نرثهم و لا يرثونا، و لو أنّ رجلًا مسلماً أو ذميّاً ترك ابناً مسلماً و ابناً ذميّاً لكان الميراث من الرجل المسلم و الذمي للابن المسلم» (1).

و فيه أيضاً: «و لو مات مسلم و ترك امرأة يهوديّة أو نصرانيّة لم يكن لها ميراث، و إن ماتت هي ورثها الزوج المسلم» (2) إلىٰ غير ذلك من الأخبار المتكثرة (3).

و عدم شمول الجميع لجميع أصناف الكفّار لا يضرّ؛ لعدم القول بالفصل. مع كون كثير منها عاما شاملًا للجميع. و ضعفها بعد الانجبار بالعمل و الاعتضاد بالإجماعين غير ضائر.

و يدلّ علىٰ المطلوب أيضاً الأخبار الآتية (4) الدالّة علىٰ أنّ من أسلم علىٰ ميراث قبل أن يقسّم فهو له، كما لا يخفىٰ.

و قد يستدلّ عليه أيضاً بوجوه ضعيفة أُخرى لا فائدة في ذكرها.

المسألة الثانية: المسلم يرث الكافر أصليّاً كان أم لا

. خلافاً لأكثر العامّة فنفوا التوارث من الجانبين، و نسبوه إلىٰ علي (عليه السلام) و زيد و عامة الصحابة (5)، و هو فِرية بلا مِرية.

لنا

: إجماع أصحابنا الكاشف عن قول الحجّة المحقّق، و المحكيّ في الاستبصار و الانتصار و التحرير و المسالك و التنقيح و ظاهر الكفاية (6).

____________

(1) فقه الرضا (عليه السلام): 290، مستدرك الوسائل 17: 141 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 1.

(2) فقه الرضا (عليه السلام): 290، مستدرك الوسائل 17: 141 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 1.

(3) الوسائل 26: 11 أبواب موانع الإرث ب 1.

(4) في ص 28.

(5) بداية المجتهد 2: 352، المغني و الشرح الكبير 7: 166.

(6) الاستبصار 3: 191، الانتصار: 302، التحرير 2: 171، المسالك 2: 311، التنقيح 4: 132، كفاية الأحكام: 289.

22

و ما عدا الاولىٰ من الروايات المتقدّمة. و لعموم آيات الإرث و رواياته، خرج إرث الكافر من المسلم بالإجماع فيبقىٰ الباقي.

و يؤكّده الاعتبار، كما قال في الفقيه قال: فإنّ اللّٰه عزّ و جلّ حرّم علىٰ الكفّار الميراث عقوبة لهم بكفرهم، كما حرّم علىٰ القاتل عقوبة لقتله، و أمّا المسلم فلأيّ جرم و عقوبة يُحْرَم الميراث (1)؟! و أشار إلىٰ ذلك الاعتبار في بعض ما تقدّم من الأخبار بمثل قوله (عليه السلام): «لم يزده الإسلام إلّا عزّاً».

احتجّوا

بما رووه عن أُسامة عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «لا يرث المسلم الكافر، و لا الكافر المسلم» (2).

و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «لا يتوارث أهل ملّتين» (3).

قلنا

: ثبوت الرواية عنه ممنوع، علىٰ أنّه يمكن حمل الأخيرة علىٰ نفي التوارث من الجانبين كما هو مقتضىٰ التفاعل، و هو لا ينافي ثبوته من طرف، و قد فسّر التوارث بهذا المعنىٰ في كثير من الروايات المتقدّمة، و بهذا يحمل ما ورد في روايات أصحابنا أيضاً من نفي التوارث بين أهل ملّتين علىٰ الإطلاق، كموثقتي ابن سدير (4) و جميل (5)، و رواية ابن حمران (6).

____________

(1) الفقيه 4: 243.

(2) صحيح مسلم 3: 1233، 1614.

(3) سنن البيهقي 6: 218.

(4) التهذيب 9: 366، 1308، الإستبصار 4: 190، 712، الوسائل 26: 16 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 20.

(5) التهذيب 9: 367، 1309، الإستبصار 4: 190، 713، الوسائل 26: 17 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 21.

(6) التهذيب 9: 367، 1310، الإستبصار 4: 190، 714، الوسائل 26: 17 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 21.

23

و يمكن حملها علىٰ التقية أيضاً، كما تحمل عليها موثّقة البصري قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «قضىٰ أمير المؤمنين في نصراني اختارت زوجته الإسلام و دار الهجرة، أنّها في دار الإسلام لا تخرج منها، و أنّ بضعها في يد زوجها النصراني، و أنّها لا ترثه و لا يرثها» (1).

و رواية عبد الملك بن عمير القبطي، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): أنّه قال للنصراني الذي أسلمت زوجته: «بضعها في يدك، و لا ميراث بينكما» (2).

و يؤكد هذا الحمل في الأخير كون بعض رجاله من العامّة، فإن منهم أُميّ الصيرفي أبو ربيعة المرادي، و هو منهم، و وثّقه ابن حجر في تقريبه، و منهم عبد الملك المذكور، و هو أيضاً منهم، ذكره فيه أيضاً و طعن في حفظه، و ظهر منه مفاسد كثيرة (3).

المسألة الثالثة [ميراث الكافر للمسلم و إن بعد دون الكافر و إن قرب]:

المعروف من مذهب الأصحاب أنّه لو مات كافر و له ورثة كافر و مسلم كان ميراثه للمسلم و إن بَعُد كمولى نعمة أو ضامن

____________

(1) التهذيب 9: 368، 1314، الإستبصار 4: 191، 718، الوسائل 26: 17 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 23.

(2) التهذيب 9: 367، 1311، الإستبصار 4: 191، 715، الوسائل 26: 17 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 22.

(3) فإنّه هو الذي روىٰ حديث ما طلعت الشمس و لا غربت علىٰ أحد بعد النبيين أفضل من أبي بكر، و كان مع عسكر الشام في حرب الحسين (عليه السلام)، و كلّما وصل إلىٰ واحد من عسكر الحسين (عليه السلام) و قد رمي من فرسه إلىٰ الأرض قطع رأسه من بدنه، و هو الذي روىٰ عن أُسيد بن صفوان راوي الزيارة المعروفة بزيارة الخضر لأمير المؤمنين أنّ أمير المؤمنين لمّا مات أبو بكر زاره بتلك الزيارة، و هو أيضاً قال عبد اللّٰه بن يقطر رضيع الحسين (عليه السلام) و رسوله إلىٰ ابن زياد بالكوفة فأمر به ابن زياد فرمي من فوق القصر مكشوفاً فوقع علىٰ الأرض و به رمق فذبحه عبد الملك، و روى عنه البخاري حديث كفر أبي طالب في آخر باب صفة أهل الجنة و النّار بواسطتين، و مع ذلك كلّه كان مشهوراً بسوء الولادة أيضاً (منه (قدّس سرّه)

).

24

جريرة دون الكافر و إن قرب كالولد. و ادّعىٰ عليه الإجماع في المفاتيح (1)، و نفى عنه الخلاف في السرائر و المسالك (2) و غيرهما (3).

و تدلّ عليه رواية الحسن بن صالح المتقدّمة (4).

و رواية مالك بن أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن نصراني مات و له ابن أخ مسلم و ابن أُخت مسلم، و للنصراني أولاد و زوجة نصارى قال، فقال: «أرىٰ أن يعطى ابن أخيه المسلم ثلثي ما ترك، و يعطى ابن اخته المسلم ثلث ما ترك إن لم يكن له ولد صغار، فإن كان له ولد صغار فإنّ علىٰ الوارثين أن ينفقا علىٰ الصغار ممّا ورثا من أبيهم حتّى يدركوا» قيل له: كيف ينفقان؟ قال، فقال: «يخرج وارث الثلثين ثلثي النفقة، و يخرج وارث الثلث ثلث النفقة، فإذا أدركوا قطعا النفقة عنهم» قيل له: فإن أسلم الأولاد و هم صغار؟ قال، فقال: «يدفع ما ترك أبوهم إلىٰ الإمام حتّى يدركوا، فإن بقوا علىٰ الإسلام دفع الإمام ميراثهم إليهم، و إن لم يبقوا علىٰ الإسلام دفع الإمام ميراثه إلىٰ ابن أخيه و ابن أُخته المسلمَين، يدفع إلىٰ ابن أخيه ثلثي ما ترك، و يدفع إلىٰ ابن أُخته ثلث ما ترك» (5).

و حكم في الدروس بكون الرواية صحيحة (6).

و مرفوعة ابن رباط، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لو أنّ رجلًا ذمّيا

____________

(1) المفاتيح 3: 312.

(2) السرائر 3: 266، المسالك 2: 311.

(3) الرياض 2: 335.

(4) في ص: 17.

(5) الكافي 7: 143، 1، الفقيه 4: 245، 788، التهذيب 9: 368، 1315، الوسائل 26: 18 أبواب موانع الإرث ب 2 ح 1.

(6) الدروس 2: 345.

25

أسلم و أبوه حي و لأبيه ولد غيره ثمّ مات الأب ورثه المسلم جميع ماله، و لم يرثه ولده و لا امرأته مع المسلم شيئاً» (1).

و ما تقدّم من قول الرضا (عليه السلام) في فقهه (2). و فيه أيضاً: «و كذلك من ترك ذا قرابة مسلمة و ذا قرابة من أهل ذمّة ممّن قرب نسبه أو بعد لكان المسلم أولىٰ بالميراث من الذمّي، و لو كان الذمّي ولداً و كان المسلم أخاً أو عمّاً أو ابن أخ أو ابن عم، أو أبعد من ذلك، لكان المسلم أولىٰ بالميراث من الذمّي، كان الميت مسلماً أو ذمّيا» (3).

و يدلّ عليه أيضاً ما سيأتي من أخبار من أسلم علىٰ الميراث قبل قسمته (4)، كما لا يخفىٰ.

و بما ذكرنا ظهر ضعف ما في المسالك من حصر المستند في خبر ابن صالح (5).

ثمّ بعد تحقّق الشهرة العظيمة الّتي كادت أن تكون إجماعاً لا يضرّ ضعف المستند، مع أنّ في روايات من أسلم علىٰ الميراث ما ليس بضعيف، هذا.

و أمّا ما رواه التميمي مرسلًا عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): في يهودي أو نصراني يموت و له أولاد مسلمون و أولاد غير مسلمين، فقال: «هم علىٰ

____________

(1) الكافي 7: 146، 1، التهذيب 9: 371، 1326، الإستبصار 4: 193، 723، الوسائل 26: 24 أبواب موانع الإرث ب 5 ح 1.

(2) راجع ص: 19.

(3) فقه الرضا (عليه السلام): 290، بتفاوت يسير، مستدرك الوسائل 17: 141 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 1.

(4) انظر ص 18.

(5) المسالك 2: 311.

26

مواريثهم» (1). فمع ما فيه من الإرسال لا دلالة له، إذ معنىٰ كونهم علىٰ مواريثهم أنّهم علىٰ ما استحقّوا من المواريث، و استحقاق غير المسلمين محل الكلام. و جوّز في التهذيبين حمله علىٰ التقية أيضاً (2).

المسألة الرابعة [ميراث المرتد للمسلم مطلقا و للإمام إن مات و لم يرثه سوى الكافر]:

إذا مات المرتد فإن كان له وارث مسلم كان الميراث له، كان معه كافر أو لا، قرب أم بعد. و يدلّ عليه بعد الإجماع، ما مرّ من اختصاص الوارث المسلم بإرث الكافر.

و إن لم يكن له وارث غير الكافر، فالمشهور أنّه يرثه الإمام و لا شيء للكافر، فطرياً كان المرتد أم ملّيّاً، بل نفي عنه الخلاف في الأوّل (3).

و صريح المقنع كظاهر الفقيه و الاستبصار: أنّ ميراثه للكافر إن ارتدّ عن ملّة (4)، و رواه ابن الجنيد في الأحمدي، عن ابن فضّال و ابن يحيى، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و قال: لنا في ذلك نظر (5).

للمشهور: تنزيله منزلة المسلم في كثير من الأحكام، كقضاء عبادته الفائتة من الردّة.

و كونه في حكمه حيث لا يقبل منه إلّا الإسلام أو القتل.

و موثّقة أبان علىٰ ما في الفقيه (6) عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): في الرجل

____________

(1) الكافي 7: 146، 2، التهذيب 9: 371، 1327، الإستبصار 4: 192، 722، الوسائل 26: 24 أبواب موانع الإرث ب 5 ح 2.

(2) التهذيب 9: 371، الإستبصار 4: 192.

(3) كما في الرياض 2: 339.

(4) المقنع 1: 179، الفقيه 4: 245، الاستبصار 4: 189.

(5) المختلف: 751.

(6) حيث روىٰ فيه أبان عن الصادق (عليه السلام) بلا واسطة، و أما علىٰ طريق الكافي و التهذيب فمرسل لتوسيط عمن ذكره (منه (قدّس سرّه)).

27

يموت مرتداً عن الإسلام و له أولاد و مال فقال: «ماله لولده المسلمين» (1).

حيث إنّ تقييد الولد بالمسلمين يدلّ بمفهوم القيد علىٰ عدم كون إرثه لأولاده الكافرين، فلا يكون لغيرهم من الورثة الكفار بالإجماع أو فحوى الخطاب، فانحصر الميراث للإمام.

و يضعّف الأوّل: بالمعارضة بالنجاسة، و الدعوة أو القتل، و عدم توريثه من المسلم، و غيرها. و بعدم ثبوت حجّية مثل هذا التنزيل.

و الثاني: بأنّ هذه الحيثيّة لا توجب كونه في حكمه.

و الثالث: بأنّ الكلام فيمن لم يكن له ولد مسلم، و المفهوم مفهوم وصف لا حجيّة فيه، سيّما مع احتمال كونه وارداً مورد الغالب كما قيل (2).

للمقنع: موثقة إبراهيم بن عبد الحميد علىٰ ما في الفقيه (3)، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): نصراني أسلم ثمّ رجع إلىٰ النصرانيّة ثمّ مات، قال: «ميراثه لولده النصارى» و مسلم تنصّر ثمّ مات، قال: «ميراثه لولده المسلمين» (4).

و صحيحة محمّد، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المرتد فقال: «يقسّم ما ترك علىٰ ولده» (5).

____________

(1) الفقيه 3: 92، 342، الوسائل 26: 28 أبواب موانع الإرث ب 6 ح 6.

(2) انظر رياض المسائل 2: 339.

(3) فإن في الفقيه روىٰ عن ابن أبي عمير و طريقه إليه صحيح عن إبراهيم، عن الصادق (عليه السلام)، و أما علىٰ ما في التهذيب حيث روىٰ فيه عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم، عن رجل فيكون الحديث مرسلًا (منه (قدّس سرّه)).

(4) الفقيه 4: 245، 789، التهذيب 9: 377، 1346، الإستبصار 4: 193، 724، الوسائل 26: 25 أبواب موانع الإرث ب 6 ح 1.

(5) الكافي 7: 153، 4، التهذيب 9: 373، 1333، الوسائل 26: 27 أبواب موانع الإرث ب 6 ح 5.

28

و موثقة الساباطي، قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: «كل مسلم بين مسلمين ارتدّ عن دين الإسلام» إلىٰ أن قال: «و يقسّم ماله علىٰ ورثته» (1).

و صحيحة الحنّاط عنه (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل ارتدّ عن دين الإسلام، لمن يكون ميراثه؟ قال: «يقسم ميراثه علىٰ ورثته علىٰ كتاب اللّٰه» (2).

و عموم آيات الإرث و رواياته، خرج ما خرج بالدليل، فيبقىٰ الباقي.

و أُجيب (3) عن الموثّقة: بالحمل علىٰ الصغير من الولد تارة.

و لا يخفىٰ ما فيه.

و علىٰ التقية أُخرى (4)، لموافقته لمذهب العامّة.

و فيه: أنّها غير ثابتة، مع أنه لا موجب للحمل.

و عن الصحاح: بكونها مبنيّة علىٰ الغالب، من كون ورثة المرتد عن الإسلام مسلمين (5).

و فيه: أنّه لو سلّم فإنّما هو في الفطري دون الملي.

و المسألة محلّ إشكال، حيث إنّ الحدس (6) يأبىٰ عن ذهاب فحول العلماء و معظم الفقهاء إلىٰ قول بلا مستند، مع دلالة الأخبار علىٰ خلافه.

____________

(1) الكافي 7: 257، 11، الفقيه 3: 89، 333، التهذيب 10: 136، 541، الإستبصار 4: 253، 957، الوسائل 28: 324 أبواب حد المرتد ب 1 ح 3.

(2) الكافي 7: 152، 2، الفقيه 4: 242، 771، التهذيب 9: 374، 1334، الوسائل 26: 27 أبواب موانع الإرث ب 6 ح 3.

(3) انظر الرياض 2: 339.

(4) كما في النهاية: 667.

(5) انظر الرياض 2: 339.

(6) في «س»: العقل.

29

و إنّ جواز الخروج عن مقتضىٰ الأخبار الصحيحة و الموثقة و العمومات الكثيرة بمجرد هذا الاستبعاد و عدم ثبوت الإجماع و فقد المخرج غير معلوم.

و قول المقنع لا يخلو عندي من قوّة. و اللّٰه العالم.

و لو رفعنا اليد من هذه الأخبار الخاصّة بمخالفة الشهرة العظيمة للقدماء و الشذوذ فلا يمكن رفعها عن عمومات الكتاب و السنّة، و مع ذلك مظنة انعقاد الإجماع علىٰ ما ذهبوا إليه متحقّقة. و اللّٰه العالم.

المسألة الخامسة [الإمام يرث المسلم إذا لم يكن له ورثة غير الكفار]:

إذ عرفت أنّ الكافر لا يرث المسلم، فلو مات و كان له ورثة كفّار لا غير لم يرثوه و ورثه الإمام. أمّا الأوّل فلما مرّ. أمّا الثاني فلأنّ الإمام وارث من لا وارث له كما يأتي. و تدلّ عليه خصوص صحيحة أبي بصير المتقدّمة (1).

و قد يستدلّ أيضاً بصحيحة سليمان بن خالد: في رجل مسلم قتل و له أب نصراني لمن تكون ديته؟ قال: «تؤخذ ديته فتجعل في بيت مال المسلمين، لأنّ جنايته علىٰ بيت مال المسلمين» (2).

و لا خلاف فيه أيضاً بين الأصحاب كما صرّح به غير واحد (3).

المسألة السادسة [إسلام الكافر على الميراث قبل القسمة و بعدها]:

لو أسلم الكافر علىٰ ميراث كافر أو مسلم قبل قسمته شارك أهله مع المساواة مرتبة و إسلاماً. و اختص به مع التقدّم فيهما أو في أحدهما. و لو أسلم بعدها فلا شيء له.

للإجماع، و المستفيضة من الصحاح و غيرها.

منها: صحيحة أبي بصير: عن رجل مسلم مات و له أُمّ نصرانيّة و له

____________

(1) في ص 16.

(2) الفقيه 4: 243، 775، التهذيب 9: 370، 1322، الوسائل 26: 22 أبواب موانع الإرث ب 3 ح 6.

(3) كالفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 278، و صاحب الرياض 2: 335.

30

زوجة و ولد مسلمون قال: فقال: «إن أسلمت أُمّه قبل أن يُقسَّم ميراثه اعطيت السدس» قلت: فإن لم يكن له امرأة و لا ولد و لا وارث له سهم في الكتاب من المسلمين و له أُمّ نصرانيّة و له قرابة نصارىٰ ممّن له سهم في الكتاب لو كانوا مسلمين، لمن يكون ميراثه؟ قال: «إن أسلمت امّه فإنّ جميع ميراثه لها، و إن لم تسلم امّه و أسلم بعض قرابته ممّن له سهم في الكتاب فإنّ ميراثه له، و إن لم يسلم من قرابته أحدٌ فإنّ ميراثه للإمام» (1).

و حسنة ابن مسكان: «من أسلم علىٰ ميراث قبل أن يقسّم فله ميراثه، و إن أسلم بعد ما قسّم فلا ميراث له» (2).

و في حسنة ابن مسلم: «من أسلم علىٰ ميراث قبل أن يقسّم الميراث فهو له، و من أسلم بعد ما قسّم فلا ميراث له» (3).

و موثقة البقباق: «من أسلم علىٰ ميراث قبل أن يقسّم فهو له» (4).

و موثقة ابن مسلم: في رجل يسلم علىٰ الميراث قال: «إن كان قسّم فلا حقّ له، و إن كان لم يقسّم فله الميراث» (5). إلىٰ غير ذلك.

و كذا لو كان الوارث واحداً سوىٰ الإمام أو أحد الزوجين فالمال له، و لا ينتقل إلىٰ من أسلم بعد الموت. و لا أعرف فيه أيضاً خلافاً، و في

____________

(1) الكافي 7: 144، 2، الفقيه 4: 244، 787، التهذيب 9: 369، 1316، الوسائل 26: 20 أبواب موانع الإرث ب 3 ح 1.

(2) الكافي 7: 144، 3، التهذيب 9: 369، 1317، الوسائل 26: 21 أبواب موانع الإرث ب 3 ح 2.

(3) الكافي 7: 144، 4، التهذيب 9: 369، 1318، الوسائل 26: 21 أبواب موانع الإرث ب 3 ح 3.

(4) التهذيب 9: 370، 1320، الوسائل 26: 22 أبواب موانع الإرث ب 3 ح 5.

(5) الفقيه 4: 237، 758، التهذيب 9: 336، 1211، الوسائل 26: 21 أبواب موانع الإرث ب 3 ح 4.

31

السرائر و التنقيح ادّعىٰ الإجماع عليه (1).

و وجهه أنّه قد استحقّ المال عند الموت و انتقل إليه و حصل في ملكه، فالانتقال منه يحتاج إلىٰ دليل. و أخبار من أسلم قبل القسمة لا توجب الانتقال، لأنّ القسمة إنّما تتصوّر إذا كان بين نفسين فصاعداً، و لا تتأتىٰ في الواحد علىٰ حال، فلا قبليّة مع الوحدة و لا بعديّة، إذ القبليّة من الأُمور الإضافيّة فهي لا تتحقق إلّا فيما أمكن له البعديّة و هي منتفية هنا، فهي ظاهرة في صورة إمكان القسمة.

و لو كان الواحد هو الإمام فالمسلم أولىٰ وفاقاً للأكثر؛ لصحيحة أبي بصير المتقدّمة الخاصّة الناصّة.

و تدلّ عليه أيضاً صحيحة أبي ولّاد، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل مسلم قتل مسلماً عمداً فلم يكن للمقتول أولياء من المسلمين إلّا أولياء من أهل ذمّته من قرابته فقال: «علىٰ الإمام أن يعرض علىٰ قرابته من أهل بيته الإسلام، فمن أسلم منهم فهو وليّه، يدفع القاتل إليه، فإن شاء قتل و إن شاء عفا و إن شاء أخذ الدّية، فإن لم يسلم أحد كان الإمام وليّ أمره» الحديث (2).

و قيل: الإمام أولىٰ؛ لأنّه واحد فلا قسمة. و نسب إلىٰ النهاية (3)، و لم أجده فيها، و إلى المبسوط (4)، و الحلي (5)، و ظاهر النافع أيضاً (6).

____________

(1) السرائر 3: 268، التنقيح 4: 133.

(2) الكافي 7: 359، 1، الفقيه 4: 79، 248، التهذيب 10: 178، 697، علل الشرائع: 581، 15، الوسائل 29: 124 أبواب القصاص في النفس ب 60 ح 1.

(3) كما في التنقيح 4: 133.

(4) المبسوط 4: 79.

(5) حكاه عنه في التنقيح 4: 133. و الموجود في السرائر 3: 268، إذا كان الوارث المسلم واحداً استحق بنفس الموت الميراث و لا يرد علىٰ من أسلم بعد الموت من الميراث شيء علىٰ حال لأن هاهنا لا تتقدر القسمة.

(6) المختصر النافع: 264.

32

و قيل: المسلم أولىٰ إن كان إسلامه قبل النقل إلىٰ بيت المال، و الإمام أولىٰ إن كان بعده. و هو مختار المبسوط و الوسيلة و الإيجاز و الإرشاد (1) و الإيضاح (2).

و الكل ضعيف، بعد ورود النصّ الصحيح المنجبر (3) بخلافه.

و لو كان أحد الزوجين فيبنى علىٰ الأقوىٰ علىٰ أنّ الزوجين إذا لم يكن وارث غيرهما هل يردّ الفاضل عليهما، أم لا يردّ علىٰ أحدهما أصلًا، أم يردّ علىٰ الزوج دون الزوجة؟

فعلى الأوّل لا يؤثّر الإسلام أصلًا، للوحدة المنافية للقسمة الموجبة لتوريث المسلم قبلها.

و علىٰ الثاني اعتبرت المقاسمة مع أحدهما و الإمام قبل الإسلام و بعده فيهما، لإمكانها.

و علىٰ الثالث اعتبرت فيمن يردّ عليه دون الآخر.

و الشيخ في النهاية كالقاضي شارك المسلم مع الزوج مع اختيار الردّ عليه (4).

و نصره في النكت محتجّاً بأنّ الردّ إنّما يستحقّه الزوج إذا لم يوجد وارث محقّق أو مقدر أي من يصلح أن يكون وارثاً و المقدر هنا موجود.

و بأن استحقاق الزوج الفاضل ليس أصليّاً، بل لفقد الوارث و كونه أقوى من الإمام، فيجري في الفاضل مجراه، و هو ممنوع إذا أسلم (5).

____________

(1) المبسوط 4: 79، الوسيلة: 394.

(2) الإيضاح 4: 175، الموجود فيه اختيار القول الأول، و لكن الذي نسبه إليه هو الصيمري في غاية المرام كما في مفتاح الكرامة 8: 29.

(3) كذا في جميع النسخ، و الصحيح لا يحتاج إلىٰ الانجبار.

(4) النهاية: 664. و القاضي في المهذب 2: 157.

(5) نكت النهاية 3: 235.

33

و يضعّف الأول أولًا: بمنع وجود المقدّر هنا، فإنّه عين المتنازع فيه.

و ثانياً: بأن استحقاق الزوج للتركة و انتقالها إليه إنّما هو بعد الموت كلّها فرضها و ردّها إذا لم يكن وارث و الوارث حقيقة في المحقق، و اعتبار المقدّر لا دليل عليه. مع أنّ في اعتباره إيقاف الفاضل إلىٰ موت الكافر أو إسلامه، لوجود التقدير و عدم دليل علىٰ زواله في حال، و بعد الانتقال إليه لا ينتقل منه إلّا بناقل، و هو غير متحقق، لتحقق الوحدة المذكورة.

و الثاني: بأنّ الفرق بين الاستحقاق الأصلي و غيره لا دخل له في الحكم، بعد ثبوته في الجملة عند عدم الوارث حين انتقال الإرث.

المسألة السابعة [ارتداد أحد الورثة بعد الموت أو قبل القسمة]:

لو ارتدّ أحد الورثة بعد الموت فسهمه في حكم مال المرتد، و هو لوارثه كما يأتي و لو كان الارتداد قبل القسمة؛ لحصول الانتقال إليه، فيكون في حكم ماله.

المسألة الثامنة [تبعية الطفل في الإسلام لأحد أبويه]:

إذ عرفت أنّ الكافر لا يرث المسلم و هو محجوب به، فإن كان الوارث بالغاً فالحكم بكفره أو إسلامه واضح.

و إن كان طفلًا فهو في الإسلام تابع لأحد أبويه، فلو كان الأبوان أو أحدهما مسلماً وقت العلوق يحكم بإسلام الطفل، و كذا لو أسلما أو أحدهما بعده قبل البلوغ. و لا أعرف في ذلك خلافاً بين الأصحاب، و قال في المسالك: و الحكم في ذلك موضع وفاق (1)، و نفى الخلاف في أصل التبعيّة في الكفاية و المفاتيح (2).

و كذا لا خلاف في التبعيّة في الكفر إذا كان أبواه معاً كافرين، و في التنقيح الإجماع عليها بالخصوص (3).

____________

(1) المسالك 2: 312.

(2) الكفاية: 289، المفاتيح 3: 312.

(3) التنقيح 4: 135.

34

و قيل (1): و لعلّ التبعيّة في الإسلام و الكفر للأبوين من الضروريّات، يمكن استنباطها من الأخبار المتواترة معنىٰ، المتشتتة في مواضع كثيرة كأبواب المواريث، و الحدود، و الجهاد، و الوصية.

و تدلّ علىٰ التبعيّة في الجملة رواية زيد بن علي: «إذا أسلم الأب جرّ الولد إلىٰ الإسلام، فمن أدرك من ولده دعي إلىٰ الإسلام، فإن أبى قتل» (2).

و موثقة أبان علىٰ ما في الفقيه: في الصبي إذا شبَّ فاختار النصرانيّة و أحد أبويه نصراني أو جميعاً مسلمين، قال: «لا يترك، و لكن يضرب علىٰ الإسلام» (3).

و رواية عبيد: في الصبيّ يختار الشرك و هو بين أبويه، قال: «لا يترك، و ذاك إذا كان أحد أبويه نصرانيّاً» (4).

وجه الاستدلال بالأخيرتين أنّه لا شكّ في أنّه لا يجبر غير المرتد علىٰ الإسلام من أهل الذمّة بل يترك، و حكم فيهما بجبر صبيّ اختار الكفر بعد البلوغ إذا أسلم أحد أبويه علىٰ الإسلام، فيكون مرتداً، و لا ارتداد إلّا بسبق الإسلام.

و لو ارتد الأبوان و هو طفل لم يرتدد، لسبق إسلامه فيستصحب، و إيجاب ارتدادهما لارتداده غير ثابت.

و في إلحاق إسلام أحد الأجداد أو الجدات بالأبوين وجهان، و الظاهر الإلحاق إن لم يكن الواسطة حيّاً، و أمّا إذا كان حيّاً ففيه إشكال. و قوّى

____________

(1) انظر الرياض 2: 337.

(2) التهذيب 8: 236، 852، الوسائل 23: 107 أبواب العتق ب 70 ح 1.

(3) الفقيه 3: 91، 341، الوسائل 28: 326 أبواب حد المرتد ب 2 ح 2.

(4) الكافي 7: 256، 4، التهذيب 10: 140، 553، الوسائل 28: 326 أبواب حد المرتد ب 2 ح 1.

35

الشيخ (1) كالشهيد في المسالك (2) الإلحاق، و ظاهر التحرير كالكفاية التردد (3).

و علىٰ هذا فلو مات مسلم أو كافر و له أولاد كفّار و أطفال أخ مسلم أو أُخت مسلمة، يرثه الأطفال دون الأولاد.

و لو مات مسلم و له أطفال أخ كافر و كانت أُمّهم أيضاً كافرة لم يرثوه.

و لو مات كافر و له ابن كافر و طفل ابن مسلم، ورثه الطفل دون الابن.

و لو مات مسلم و له ابن كافر يرثه طفل ابنه إن مات أبوه، و إلّا ففيه وجهان.

و لو مات الكافر و خلّف أباً و ابناً صغيراً كافرين، فأسلم الأب يرثان معاً.

و لو مات كافر و له جدّ كافر و ابن صغير فأسلم الجدّ قبل القسمة اختصّ الابن بالإرث.

المسألة التاسعة [حكم إنفاق الورثة على أولاد الكافر من تركته حتى يبلغوا]:

روىٰ مالك بن أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام) كما سبق أنّه لو خلّف نصراني أولاداً صغاراً و ابن أخ و ابن أُخت مسلمَين كان لابن الأخ ثلثا التركة، و لابن الأُخت ثلثها، و ينفقان علىٰ الصغار بنسبة حقهما، و إن أسلموا و هم صغار دفعت التركة إلىٰ الإمام، فإن بلغ الأولاد مسلمين فهم أحقّ بها، و إلّا فتعطى الوارثين (4).

و أفتى بمضمونها معظم القدماء و جمع من المتأخّرين، منهم الشيخان و الصدوق و القاضي و ابن زهرة و الحلبي و الكيدري و نجيب الدين

____________

(1) حكاه عنه في التحرير 2: 171.

(2) المسالك 2: 312.

(3) التحرير 2: 171، كفاية الأحكام: 289.

(4) راجع ص: 22.

36

و الدروس (1)، و نسبه جماعة إلىٰ أكثر المتقدمين أيضاً (2)، و في النكت و الدروس و المسالك نسبته إلىٰ الأكثر و المعظم مطلقاً (3).

و كثير منهم طردوا الحكم إلىٰ ذي القرابة المسلم مع الأولاد مطلقاً، كما طردوه إلىٰ الكافر كذلك، و قالوا: إنّ المسلمين ينفقون علىٰ الأولاد إلىٰ أن يبلغوا، فان أسلموا دفعت إليهم التركة، و إلّا استقرّ ملك المسلمين عليها.

و ردّها الحلّي و المحقق و العلّامة و التنقيح و المسالك (4) و سائر المتأخرين، و أقرّوا الإرث علىٰ المسلمين، و أنكروا وجوب الإنفاق، محتجّين بوقوع الإجماع علىٰ تبعيّة الولد لأبويه في الكفر، و اختصاص المسلم بالإرث إلّا أن يسلم الكافر قبل القسمة، و حرمانه لو لم يسلم قبلها، صغيراً كان أو كبيراً كما ثبت.

و أجاب في الدروس بأن الخروج عن الأُصول جائز إذا قام عليه دليل (5). قيل (6): إنّ قيام الدليل ممنوع، كيف؟! و هو يتوقّف علىٰ صحة الرواية، و هي ممنوعة، و إن قال بها في المختلف و التحرير و الدروس

____________

(1) المفيد في المقنعة: 701، الطوسي في النهاية: 665، الصدوق في المقنع: 176، القاضي في جواهر الفقه: 167، ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 608، الحلبي في الكافي في الفقه: 375، نجيب الدين في الجامع للشرائع: 502، الدروس 2: 345، 346.

(2) كما في تحرير الأحكام 2: 171، و التنقيح 4: 135.

(3) حكاه عن نكت الإرشاد في الرياض 2: 337، الدروس 2: 346، المسالك 2: 312.

(4) الحلي في السرائر 3: 269، المحقق في الشرائع 4: 13، العلّامة في تحرير الأحكام 2: 172، التنقيح 4: 135، المسالك 2: 312.

(5) الدروس 2: 346.

(6) انظر رياض المسائل 2: 337.

37

و الغاية و المهذب (1)، و تحقّق الشهرة الجابرة غير معلوم.

و فيه أوّلًا: عدم ضير ضعف السند بعد اعتبار الرواية.

و ثانياً: أنّه لو سلّم ينجبر بشهرة القدماء المحققة قطعاً، حتى قيل: إنّه لا يرى منهم مخالف عدا الحليّ (2)، أو بالشهرة المحكية مستفيضة، و هي كافية في الجبر، مع أنّها صحيحة عن السراد المجمع علىٰ تصحيح ما يصح عنه، و مثلها في قوّة الصحيحة، و مع ذلك وصفها كثير من الأصحاب بل أكثرهم كما عن التقي المجلسي (3) بالصحة، كما هي مقتضىٰ بعض نسخ الفقيه، حيث أسندها إلىٰ عبد الملك و مالك ابني أعين معاً، فالرواية معتبرة، و للخروج بها عن مقتضىٰ الاصول صالحة، و مثله ليس بعزيز، فعليه الفتوىٰ.

و أمّا القول بأنّها لا تخالف الأُصول، من حيث إنّ الولادة علىٰ الفطرة، فهم بحكم المسلمين إلّا أن يبلغوا و يعرفوا الكفر.

ففيه: أنّه خلاف الإجماع، لجواز استرقاقهم كما يسترقّ أبواهم، بل يخالف الرواية حيث حكم فيها بعدم استحقاقهم إلّا أن يسلموا و هم صغار.

ثمّ إنّ الرواية لما كانت مشهورة بالاعتبار تصدّى العاملين بها و الرادّين لها لتوجيهها بوجوه لا فائدة في ذكرها.

و هل يختصّ الحكم بالمورد كما عن ظاهر الأكثر، أم يطرد بالاطرادين المتقدمين، أو أحدهما كما عن بعضهم (4)؟ الحق هو الأوّل.

المسألة العاشرة [توارث المسلمين بعضهم بعضا و إن اختلفوا في المذاهب]:

المسلمون يتوارثون، بمعنى أنّ بعضهم يرث

____________

(1) المختلف: 740، تحرير الأحكام 2: 172، الدروس 2: 345.

(2) انظر رياض المسائل 2: 337.

(3) روضة المتقين 11: 387.

(4) انظر: المقنعة: 701، و النهاية: 665، و الكافي في الفقه: 375.

38

بعضاً و إن اختلفوا في المذاهب، ما لم يخرجوا به عن سمة الإسلام، و لم يدخلوا في عنوان الكافر، وفاقاً للمشهور.

و خلافاً للمفيد في أكثر نسخ المقنعة، فيرث المؤمن أهل البدع من المعتزلة و المرجئة (1) و الخوارج من الحشوية، و لا يرثوه (2).

و للحلبي، فيرث المسلم المجبّر و المشبّه و جاحد الإمامة، و لا عكس (3).

لنا

: عموم أدلّة التوارث، و عدم ما يصلح للتخصيص. و لم أعثر للمخالف علىٰ دليل، و يمكن أن يكون بناؤه علىٰ تكفيرهم، و هو صحيح إن ثبت المبنى، لعمومات منع الكافر عن إرث المسلم، و لكن الكلام في المبنىٰ.

و منه يظهر حكم المنكر لضروري الدين، فإنّه لو لزم من إنكاره إنكار صاحب الدين و رجع إليه بأن لم تحتمل الشبهة في حقّه يمنع من إرثه و إن أظهر الشهادتين، لأن إيجابهما للإسلام إنّما هو إذا لم يقارنه ما ينافيهما قولًا أو فعلًا و يدلّ علىٰ اعتقاد خلافهما.

و كذا الكفّار يتوارثون علىٰ اختلاف مللهم كما يأتي.

و خالف فيه الثاني أيضاً فيرث كفّار ملتنا غيرهم و لا عكس (4)،

____________

(1) المرجئة بالهمزة و المرجية بالياء مخففة: من الإرجاء، أرجأت الأمر أي آخرته، و هم فرقة من فرق الإسلام يزعمون أنّ أهل القبلة كلّهم مؤمنون و يعتقدون أن اللّٰه تعالىٰ أرجأ تعذيبهم عن المعاصي، أي أخّره عنهم الصحاح 1: 52، القاموس 1: 16؛ راجع كتاب المقالات و الفرق: 5 فرقة 14، و مجمع البحرين 1: 177.

(2) انظر المقنعة: 701.

(3) الكافي في الفقه: 375، قال: لا يرث الكافر المسلم .. و يرث المسلم الكافر و إن بعد، كابن خال مسلم لموروث مسلم، أو كافر له ولد كافر بيهودية أو نصرانية أو جبر أو تشبيه أو جحد نبوة أو إمامة ميراثه لابن خاله المسلم.

(4) الكافي في الفقه: 375.

39

و اختاره في التنقيح إن كان المراد كفر من أظهر كلمة الشهادة، محتجّاً بأنّ لهم خصوصية بذلك علىٰ غيرهم (1).

و فيه: أنّها لو سلّمت فإيجابها لمنع التوارث ممنوع، و قوله: «الإسلام يَعلو و لا يُعلىٰ عليه» (2) لا يفيد، لكون الصغرىٰ ممنوعة.

و أمّا ما في موثقة حنان من أنّه لا يتوارث أهل ملتين (3)، فمحمول علىٰ ملتي الإسلام و الكفر، كما يشعر به كثير من الأخبار المتقدّمة، و صرّح به غير واحد من الأصحاب (4). و لو سلّم عمومها فلا يفيد أيضاً، لجواز إرادة نفي التوارث من الجانبين، و لمّا لم يتعين الجانب الممنوع فيكون كلّ منهما باقياً علىٰ مقتضىٰ الأصل.

و قد يقال: بكون الكفر كلّه ملة واحدة فليس فيه ملّتان. و هو خلاف الظاهر، و ما ذكروا في بيانه ضعيف.

المسألة الحادية عشرة [توارث الكفار بعضهم بعضا ما لم يكن هناك وارث مسلم خاص]:

الكفار يتوارثون بعضهم من بعض إذا لم يكن هناك وارث مسلم خاص، بلا خلاف فيه ظاهر كما صرّح به غير واحد منّا (5).

لعموم أدلّة الإرث، و سلامتها عن المعارض في محلّ البحث، لاختصاصه بما إذا كان هناك وارث خاص مسلم.

و لمرسلة ابن أبي عمير: في يهودي أو نصراني يموت و له أولاد غير

____________

(1) التنقيح 4: 138.

(2) الفقيه 4: 243، 778، الوسائل 26: 14 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 11.

(3) التهذيب 9: 366، 1308، الإستبصار 4: 190، 712، الوسائل 26: 16 أبواب موانع الإرث ب 1 ح 20.

(4) كالطوسي في النهاية: 666، الشهيد الثاني في المسالك 2: 312.

(5) منهم السبزواري في الكفاية: 289.

40

مسلمين، فقال: «هم علىٰ ميراثهم» (1).

و لما مرّ من النصوص في ميراث المجوسي (2).

و المستفاد من المرسلة أنّ طريق توريثهم إنّما هو علىٰ ملّتهم، و أنّه تجري علىٰ أهل الذّمة أحكام مواريثهم علىٰ دينهم، و ليست كغيره من الأحكام بأن يكون مخيراً في الحكم أو الردّ علىٰ أهل ملتهم.

و يمكن أن يكون المراد بميراثهم ميراث الأولاد علىٰ طريقة الإسلام. أو أنّ لهم إرثهم علىٰ التخيير المذكور، فلا يمكن الاستدلال به لشيء من الطرفين، فيجري فيه علىٰ قاعدة سائر الأحكام من التخيير.

و في صحيحة أبي حمزة: «إنّ علياً (عليه السلام) كان يقضي في المواريث فيما أدرك الإسلام من مال مشرك تركه لم يكن قسّم قبل الإسلام أنّه كان يجعل للنساء و الرجال حظوظهم منه علىٰ كتاب اللّٰه و سنّة نبيّه» (3).

و قريبة منها صحيحة محمد بن قيس (4).

و قد يستدل بها علىٰ أصل الحكم من توارث الكفّار.

و فيه نظر، لكونها مجملة ذات احتمالات ثلاثة، فلا يمكن الاستدلال بها علىٰ شيء منها.

المسألة الثانية عشرة [كيفية تقسيم تركة المرتد]:

المرتد إمّا فطري أو ملّي، فالأوّل إن كان

____________

(1) التهذيب 9: 372، 1330، الوسائل 26: 25 أبواب موانع الإرث ب 5 ح 3.

(2) لم يتقدّم البحث عن ميراث المجوسي. انظر: الوسائل 26: 317 أبواب ميراث المجوس ب 1.

(3) الكافي 7: 144، 1، التهذيب 9: 370، 1324، الإستبصار 4: 192، 720، الوسائل 26: 23 أبواب موانع الإرث ب 4 ح 1.

(4) الكافي 7: 145، 2، التهذيب 9: 371، 1325، الإستبصار 4: 192، 721، الوسائل 26: 23 أبواب موانع الإرث ب 4 ح 2.

41

رجلًا تُقسّم تركته من حين ارتداده بين ورثته و إن كان حيّاً، بالإجماع.

لصحيحة محمد، عن الباقر (عليه السلام): «من رغب عن دين الإسلام و كفر بما أنزل اللّٰه علىٰ محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) بعد إسلامه فلا توبة، و وجب قتله، و بانت امرأته، و يقسّم ما ترك علىٰ ولده» (1).

و موثّقة الساباطي، قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: «كل مسلم بين مسلمين ارتدّ عن دين الإسلام و جحد محمداً (صلّى اللّه عليه و آله) نبوته و كذّبه فإنّ دمه مباح لكل من سمع ذلك منه، و امرأته بائنة منه يوم ارتدّ فلا تقربه، و يقسّم ماله علىٰ ورثته» الحديث (2)، و غيرهما (3).

و غيره لا تقسّم تركته ما دام حيّاً؛ للأصل، و عدم الدليل.

ثمّ لو مات المرتد فإن كان له وارث مسلم فالمال له، و لا شيء لوارثه الكافر إن كان، فطريّاً كان المرتد أو مليّاً؛ للإجماع، و لما مرّ.

و إن لم يكن له وارث مسلم فالمشهور سيّما بين المتأخّرين أنّ تركته للإمام، و في بعض العبارات نسبة خلافه إلىٰ الشذوذ (4).

لظاهر الاتّفاق. و لمرسلة أبان: في الرجل يموت مرتداً عن الإسلام و له أولاد و مال، قال: «ماله لولده المسلمين» (5).

____________

(1) الكافي 7: 153، 4، التهذيب 9: 373، 1333، الوسائل 26: 27 أبواب موانع الإرث ب 6 ح 5.

(2) الكافي 7: 257، 11، الفقيه 3: 89، 333، التهذيب 10: 136، 541، الإستبصار 4: 253، 957، الوسائل 28: 324 أبواب حدّ المرتد ب 1 ح 3.

(3) الوسائل 28: 323 أبواب حد المرتد ب 1.

(4) كما في المفاتيح 3: 312.

(5) الكافي 7: 152، 1، الفقيه 3: 92، 342، التهذيب 9: 374، 1335، الوسائل 26: 28 أبواب موانع الإرث ب 6 ح 6.

42

و الاتّفاق غير ثابت كما يأتي، و المرسلة غير دالّة، لظهورها بل صراحتها في وجود الأولاد المسلمين.

خلافاً للمحكي عن صريح المقنع و ظاهري الفقيه و الاستبصار في الملّي فميراثه لورثته الكفّار (1).

لعمومات الإرث مطلقاً، و عمومات ميراث ورثة المرتد و أنّه لورثته علىٰ كتاب اللّٰه (2)، و خصوص موثقة إبراهيم عن عبد الحميد: في نصراني أسلم ثمّ رجع إلىٰ النصرانيّة ثم مات قال: «ميراثه لولده النصارى» الحديث (3).

و ردّ تارة: بالحمل علىٰ التقية، و أُخرى: بالطرح للشذوذ، و ثالثة: بالضعف بالإرسال، و رابعة: بالمخالفة للقاعدة الثابتة من أنّ المرتد بحكم المسلم، و خامسة: بعدم المقاومة للمرسلة المتقدّمة.

و الأوّل مردود: بأنّه فرع وجود المعارض، و الثاني: بكفاية العمومات الكتابيّة و الخبريّة، و الثالث: بأنّها في الفقيه مسندة، مع أنّها عن ابن أبي عمير صحيحة، و الرابع: بأنّ القاعدة كليّة غير ثابتة، و الخامس: بأنّ المرسلة كما مرّ غير دالّة.

فإذاً قول الصدوق هو الأقرب، بل مقتضىٰ الإطلاقات ذلك في الفطري أيضاً، إلّا أنّ ظاهر الإجماع فيه يمنع عن القول به، بل ميراثه مع عدم المسلم للإمام.

____________

(1) المقنع: 179، الفقيه 4: 242، الاستبصار 4: 193.

(2) الوسائل 26: 25 أبواب موانع الإرث ب 6.

(3) الفقيه 4: 245، 789، التهذيب 9: 372، 1328، الاستبصار 4: 193، 724، التهذيب 9: 377، 1346، الوسائل 26: 25 أبواب موانع الإرث ب 6 ح 1.

43

و الثاني من الموانع: القتل.

و فيه مسائل:

المسألة الأُولىٰ: القاتل إذا كان متعمّداً بغير حقّ لا يرث

، قريباً كان أو بعيداً، بلا خلاف يعرف، و نقل الإجماع عليه متكرر (1)، و اقتضاء الحكمة له يرشد إليه، إذ لولاه لم يأمن مستعجل الإرث أن يقتل مورثه.

و الدليل الشرعي عليه الأخبار المستفيضة، كصحيحة هشام عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله): لا ميراث للقاتل» (2).

و رواية أبي بصير عنه (عليه السلام) قال: «لا يتوارث رجلان قتل أحدهما صاحبه» (3).

و رواية القاسم بن سليمان: عن رجل قتل امّه أ يرثها؟ قال: «سمعت أبي يقول: أيّما رجل ذي رحم قتل قريبه لم يرثه» (4).

و صحيحة الحذاء: في رجل قتل امّه قال: «لا يرثها» (5).

و صحيحة الحلبي: عن الرجل يقتل ابنه، أ يقتل به؟ قال: «لا، و لا يرث أحدهما الآخر إذا قتله» (6).

____________

(1) انظر الخلاف 4: 28 30، و الروضة البهية 8: 31، و الرياض 2: 340.

(2) الكافي 7: 141، 5، التهذيب 9: 378، 1352، الوسائل 26: 30 أبواب موانع الإرث ب 7 ح 1.

(3) الكافي 7: 140، 1، التهذيب 9: 377، 1348، الوسائل 26: 31 أبواب موانع الإرث ب 7 ح 5.

(4) الكافي 7: 140، 2، التهذيب 9: 377، 1349، الوسائل 26: 31 أبواب موانع الإرث ب 7 ح 6.

(5) الكافي 7: 140، 4، التهذيب 9: 378، 1351، الوسائل 26: 30 أبواب موانع الإرث ب 7 ح 2.

(6) التهذيب 10: 238، 948، الوسائل 26: 31 أبواب موانع الإرث ب 7 ح 7.

44

و حسنته: «إذا قتل الرجل أباه قُتل به، و إن قتله أبوه لم يُقتل به و لم يرثه» (1).

و صحيحتي عبد اللّٰه بن سنان و جميل، و روايتي جميل و محمّد بن قيس الآتية (2).

و لو تعدّد القاتل مُنعوا جميعاً لو كانوا ورثة، و الوارث إن اختلفوا؛ للإطلاقات.

و لو كان بحقّ كحدّ أو قصاص أو نحوهما يرث كذلك، سواء جاز للقاتل تركه أم لا.

و يدلّ عليه مضافاً إلىٰ عمومات الإرث رواية حفص بن غياث: عن طائفتين من المؤمنين إحداهما باغية و الأُخرى عادلة اقتتلوا، فقتل رجل من أهل العراق أباه أو ابنه أو أخاه أو حميمه و هو من أهل البغي و هو وارثه، أ يرثه؟ قال: «نعم، لأنّه قتله بحقّ» (3).

و ضعفها غير ضائر؛ لانجبارها بالعمل، و اعتضادها بنقل الإجماع. كاختصاصها بالباغي؛ لإيجاب التعليل التعدّي إلىٰ ما سواه.

و بها تقيّد إطلاقات القاتل المتقدمة. و دعوىٰ اختصاصها بحكم التبادر بالقاتل بغير حقّ دعوى موهونة جدّاً.

و إن كان خطأً ففي إرثه و منعه أقوال:

الأوّل للمفيد علىٰ نقل و الديلمي و المحقّق و ظاهر المسالك (4)،

____________

(1) الكافي 7: 141، 10، التهذيب 9: 378، 1355، الوسائل 26: 30 أبواب موانع الإرث ب 7 ح 4.

(2) في ص 44 و 45 و 50.

(3) الفقيه 4: 233، 748، التهذيب 9: 381، 1364، الوسائل 26: 41 أبواب موانع الإرث ب 13 ح 1.

(4) المفيد في المقنعة: 703، و الديلمي في المراسم: 218، و المحقق في الشرائع 4: 14، المسالك 2: 313.

45

و اختاره بعض الثالثة (1) و نسبه المحقّق في الشرائع و الفاضل في التحرير و غيرهما في غيرهما إلىٰ الأشهر (2)، و اختاره الشيخ في النهاية و إن عمل بالتفصيل لكونه أحوط (3).

و الثاني للعماني (4).

و الثالث و هو أنّه يرث مما عدا الدية للشيخ و المفيد علىٰ نقل و الإسكافي و السيد و القاضي و الكيدري و الحلبي و ابني حمزة و زهرة و الحلّي و المختلف (5)، و استجوده في القواعد و شرحه (6)، كما استحسنه في التحرير (7)، و قرّبه في الإرشاد، و نسبه في المسالك و النكت و الكفاية إلىٰ أكثر الأصحاب (8) و عن السيد و الشيخ و الحلبيين و الحلّي الإجماع عليه (9).

و ظاهر الدروس و التنقيح التردد مطلقاً (10)، كصريح الكفاية في

____________

(1) كالفيض الكاشاني في المفاتيح 3: 314.

(2) الشرائع 4: 14، التحرير 2: 172، و أُنظر المفاتيح 3: 314.

(3) النهاية: 672.

(4) حكاه عنه في المختلف 2: 742.

(5) الشيخ في النهاية: 672، و حكاه عن المفيد في التهذيب 9: 380، و نقله عن الإسكافي في المختلف 2: 742، و السيد في الانتصار: 307، و القاضي في المهذب 2: 162، و الحلبي في الكافي في الفقه: 375، و ابن حمزة في الوسيلة: 296، و ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 608، و الحلّي في السرائر 3: 274، المختلف 2: 743.

(6) القواعد 2: 163، و أُنظر الإيضاح 4: 179، و كشف اللثام 2: 280.

(7) التحرير 2: 172.

(8) المسالك 2: 313، كفاية الأحكام: 290.

(9) السيد في الانتصار: 308، الشيخ في الخلاف 4: 28 30، و أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 375 و ابن زهرة الحلبي في الغنية (الجوامع الفقهية): 608، الحلّي في السرائر 3: 274.

(10) الدروس 2: 347، التنقيح 4: 140.

46

الدية (1).

للأوّل: عمومات الإرث كتاباً و سنة، و رفع المؤاخذة عن الخطاء.

و صحيحة ابن سنان: «عن رجل قتل امّه، أ يرثها؟ قال: «إن كان خطأً يرثها، و إن كان عمداً لم يرثها» (2).

و صحيحة محمد بن قيس، قال: قضىٰ أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل قتل امّه قال: «إن كان خطأً فإنّ له ميراثه، و إن كان قتلها متعمّداً فلا يرثها» (3).

و حسنته عنه (عليه السلام) قال: «إذا قتل الرجل امّه خطأً ورثها، و إن قتلها عمداً لم يرثها» (4).

و يؤيّد المطلوب انتفاء الحكمة الموجبة لنفي الإرث.

قيل: هذه الروايات قاصرة عن الدلالة علىٰ إرثه من الدية المأخوذة منه أو من العصبة، لاختصاصها بحكم التبادر بإرث ما عداها من التركة، علىٰ أنّ ما يرث منه غير مذكور، و القرينة علىٰ إرادة ما يشمل الدية مفقودة، فلا دلالة لها علىٰ إرث القاتل من الدية (5).

قلنا، لو سلّمنا ذلك نقول: إنّ استدلالنا بهذه الأخبار علىٰ الإرث من الدية أيضاً ليس باعتبار دلالتها وحدها علىٰ ذلك، بل ثبت بها كون القاتل

____________

(1) كفاية الأحكام: 290.

(2) التهذيب 9: 379، 1358، الإستبصار 4: 193، 726، الوسائل 26: 34 أبواب موانع الإرث ب 9 ح 2.

(3) التهذيب 9: 379، 1357، الإستبصار 4: 193، 725، الوسائل 26: 33 أبواب موانع الإرث ب 9 ح 1. و لكن الرواية فيها إما موثقة بعلي بن الحسن بن فضال أو ضعيفة بابن أبي المفضل أو ابن بطة.

(4) الفقيه 4: 232، 742، الوسائل 26: 33 أبواب موانع الإرث ب 9 ح 1.

(5) الرياض 2: 340.

47

وارثاً مطلقاً، أو وارثاً لسائر الأموال، ثمّ بانضمام الأحاديث المستفيضة من الصحاح و غيرها الآتية في المسألة السابعة (1)، الدالة علىٰ أنّ الدية كسائر الأموال، أو يأخذها من يأخذ سائر الأموال، أو يأخذها الورثة علىٰ كتاب اللّٰه- أي ورثة سائر الأموال يتمّ المطلوب.

و الحاصل أنّه ليس المراد بالاستدلال بتلك الأخبار إثبات تمام المطلوب بها وحدها، بل يثبت بعضه بها، و بعضه بها و بغيرها، هذا.

علىٰ أنّ هذه الروايات توجب تخصيص القاتل في روايات نفي الإرث للقاتل مطلقاً بالعامد، فيبقىٰ الخاطئ تحت عمومات الإرث بلا مخصص.

للثاني: العمومات، و خصوص رواية الفضيل: «لا يرث الرجل الرجل إذا قتله و إن كان خطأً» (2).

و أُجيب: بأنّ العمومات مخصصة. و الرواية مع كونها ضعيفة فإنّها رويت بطرق ثلاثة، اثنان منها يشتمل علىٰ محمد بن سنان و الآخر مرسلة (3)

____________

(1) في ص 53 و 54.

(2) الكافي 7: 141، 7 و فيه: لا يرث الرجل أباه، التهذيب 9: 379، 1359، الاستبصار 4: 193، 727، و قد وردت فيهما بسندين مرسلين في أحدهما محمَّد بن سنان، الوسائل 26: 34 أبواب موانع الإرث ب 10 ح 3، و فيه مثل ما في الكافي.

(3) الرواية مروية بخمسة طرق: ثلاثة منها عن الفضيل بن يسار و جميعها مرسلة و في أحدها محمد بن سنان تقدمت الإشارة إليها، و طريقان عن العلاء بن الفضيل و فيهما محمد بن سنان كما في التهذيب و الوسائل أو ابن سنان كما في الكافي. لاحظ الكافي 7: 298، 5، التهذيب 10: 237، 946، الوسائل 26: 35 أبواب موانع الإرث ب 9 ح 4. فيمكن أن يكون مراده من الطريقين اللذين فيهما محمد بن سنان هو طريقي رواية العلاء بن الفضيل، و من الآخر المرسل هو طرق رواية الفضيل بن يسار الثلاثة.

48

موافقة لمذهب أبي حنيفة و أصحابه، كما صرّح به في الانتصار، و التهذيبين (1)، فحملها علىٰ التقية ممكن؛ و مع ذلك حكم الشيخ في النهاية بشذوذها (2).

و للثالث: الجمع بين الدليلين.

و قوله تعالىٰ وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلىٰ أَهْلِهِ (3) و لا يعقل تسليمه أو عاقلته إلىٰ نفسه.

و ما روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «ترث المرأة من مال زوجها و من ديته، و يرث الرجل من مالها و من ديتها ما لم يقتل أحدهما صاحبه، فإن قتل أحدهما صاحبه عمداً فلا يرثه من ماله و لا من ديته، و إن قتله خطأ ورّث من ماله و لا يرث من ديته» (4).

و الأخبار الآتية في أواخر المسألة السابعة (5)، الدالّة بإطلاقها علىٰ عدم إرث الزوج أو الزوجة القاتل من الدية شيئاً، سواء كان خطأً أو عمداً؛ و الاختصاص بالزوجين لا يضرّ، لعدم قائل بالفصل.

و ما روي في الصحيح: عن امرأة شربت دواءً و هي حامل و لم يعلم بذلك زوجها فألقت ولدها، قال: فقال: «إن كان له عظم و قد نبت عليه اللحم عليها دية تسلّمها إلىٰ أبيه، و إن كان حين طرحته علقة أو مضغة فإنّ عليها أربعين ديناراً، أو غرّة تؤدّيها إلىٰ أبيه» قلت: فهي لا ترث ولدها من ديته مع أبيه؟ قال: «لا لأنّها قتلته» (6).

____________

(1) الانتصار: 307، التهذيب 9: 380، الاستبصار 4: 194.

(2) النهاية: 672.

(3) النساء: 92.

(4) سنن البيهقي 6: 221.

(5) في ص 56.

(6) الكافي 7: 141، 6، الفقيه 4: 233، 746، التهذيب 9: 379، 1356، الإستبصار 4: 301، 1130، الوسائل 26: 31 أبواب موانع الإرث ب 8 ح 1.

49

و الإجماع المنقول عن السيد و الشيخ و الحلبيين (1).

و يردّ الأوّل: بأنّه لا جمع إلّا مع وجود الدليلين، و هو ممنوع.

و الثاني: بأنّ عدم تعقل التسليم إلىٰ القاتل محض استبعاد.

و الثالث: بأنّ الرواية ضعيفة غايته، فإنّها و إن كانت خاصة بالنسبة إلىٰ الأخبار الأُول حيث إنّها توجب ثبوت الإرث في الدية و غيرها، و هذه مخصصة بالغير، و لكنّها لضعفها غير صالحة للتخصيص.

و أمّا الأخبار الآتية، فبالنسبة إلىٰ دليلنا (2) عامّة أو مطلقة، فتخصّص أو تقيّد بقتل العمد.

و أمّا الصحيح فهو ظاهر بل صريح في العمد، حيث قال: «عليها دية» و لو كان خطأ لم يكن الدية عليها، و أيضاً «طرحته» مشعر بذلك، و علىٰ فرض العموم فالتخصيص لازم.

و أمّا الإجماع المنقول فلا حجّية فيه، سيّما في مثل هذا المقام الذي ادّعىٰ جمع كثير الشهرة علىٰ خلافه. بل يمكن أن يقال: نقل الشهرة معارض لنقل الإجماع فيتساقطان، و لو لم يعارضه لإمكان اجتماعهما فلا أقلّ من تضعيفهما. علىٰ أنّ كلام السيّد الذي رأيناه ليس بصريح في نقل الإجماع، بل ظاهره أنّ الإجماع إنّما هو علىٰ أصل توريث القاتل خطأ، لا علىٰ مجموع الحكم الذي ذكره من توريثه من أمواله و عدم توريثه من الدية، كما لا يخفىٰ علىٰ من لاحظ كلامه في الانتصار.

أقول

: كلّ ما ذكر للأقوال الثلاثة دليلًا و جواباً و رداً له وجه، إلّا

____________

(1) السيّد في الانتصار: 308، الشيخ في الخلاف 4: 28 30، أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 375 و ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 608.

(2) في «س»: أخبارنا.

50

ما قيل في ردّ الرواية النبويّة من أنّها لضعفها غير صالحة للتخصيص، فإنّها و إن كانت ضعيفة و لكنها مرويّة في كتب أصحابنا الفقهية، منجبرة بدعوىٰ الشهرة العديدة، و حكاية الإجماع المستفيضة، و مثل ذلك لا يقصر عن الصحاح في الحجّية.

و كذا ما ذكر في ردّ الأخبار الآتية من كونها أعمّ مطلقاً من جميع ما تقدّم، فإنّها ليست كذلك، بل النسبة بينها و بين أخبار القول الأوّل بالعموم من وجه فيتعارضان، و يصلح النبوي للجمع بما تضمنه، بل هو أخص مطلقاً من الجميع فتخصص به.

فالحقّ هو القول الثالث.

و هل يلحق شبه العمد بالعمد أو الخطأ؟

قال في القواعد بالأوّل (1)، و حكي عن أبي علي (2). و بالثاني في التحرير و المختلف (3)، و حكي عن الديلمي (4).

و الأوّل هو الأظهر، لعمومات منع القاتل. و دعوىٰ ظهورها في العامد المحض ممنوعة، و الاحتمال غير ضائر.

و الاستشكال في جواز تخصيص عمومات الإرث مع ذلك الاحتمال- كالأردبيلي لعدم جواز تخصيص القطعي بالظني غير جيد؛ لأنّ شمول عمومات الإرث للقاتل أيضاً ظنّي، بل المتبادر غيره.

و هل يختص المنع بالقتل بالمباشرة، أو يعمّ التسبيب أيضاً فعمدة يمنع و خطؤه لا يمنع؟

____________

(1) القواعد 2: 163.

(2) حكاه عنه في المختلف: 743.

(3) التحرير 2: 172، المختلف: 743.

(4) المراسم: 218.

51

الأوّل محكيّ عن الفضل بن شاذان و العماني (1)، لعدم صدق القاتل علىٰ المسبب. و الثاني للقواعد (2).

و لعل الأوّل أظهر، إذ يقال: إنّه صار سبباً للقتل، لا أنّه قتل، و لا أقلّ من الشك فيعمل بالعمومات.

المسألة الثانية:

لا فرق في ذلك بين مراتب النسب و السبب، لعموم الأدلّة.

المسألة الثالثة: لو لم يكن وارث سوىٰ القاتل كان الميراث للإمام (ع)

لأنّه وارث من لا وارث له. و ظاهر الشرائع أنّه لبيت مال المسلمين (3)، و به صرّح في صحيحتي الحنّاط في خصوص الدية (4)، و سيأتي تحقيقه و مصرفه حال الغيبة، كما يظهر.

المسألة الرابعة: لا يُمنع من كان تقرّبه بواسطة القاتل

بلا خلاف يعرف، فلو كان له ولد يرث لولا من يحجبه، و كذا ابن الأخ القاتل، لموثقة جميل: في رجل قتل أباه، قال: «لا يرثه، فإن كان للقاتل ابن ورث الجد المقتول» (5). و رواها في الفقيه بطريق حسن.

و روايته، قال: «لا يرث الرجل إذا قتل ولده أو والده، و لكن يكون الميراث لورثة القاتل» (6).

____________

(1) حكاه عن الفضل بن شاذان في الفقيه 4: 234، و حكاه عن العماني في المختلف: 742.

(2) القواعد 2: 163.

(3) الشرائع 4: 14.

(4) الآتية في ص 51.

(5) الفقيه 4: 232، 741، التهذيب 9: 380، 1361، الوسائل 26: 39 أبواب موانع الإرث ب 12 ح 1.

(6) الكافي 7: 140، 3، التهذيب 9: 378، 1350، الوسائل 26: 40 أبواب موانع الإرث ب 12 ح 2.

52

و لأنّ القرب الموجب متحقق و المانع منتف، و وجوده في الواسطة غير صالح للمانعية.

فإن قيل: نفس وجودها مانع، لأنّه موجب لأمرين انتقال الإرث إليها، و حجبها لمن يرث بواسطة، و انتفاء أحدهما لا يستلزم انتفاء الآخر.

قلنا: يستلزمه، لأنّ أحدهما معلول للآخر، فينتفي بانتفاء علته. و بتقرير آخر: لانسلّم أنّ المانع نفس وجودها بل توريثها، و يدلّ عليه توريث غير من يتقرب به من الوارث إجماعاً.

المسألة الخامسة: لو كان للقاتل أو معه وارثٌ كافر

مُنعا، و كان الميراث للإمام لولا وارث غيرهما، لوجود المانع في كلّ منهما.

المسألة السادسة: إذا لم يكن للمقتول وارث سوىٰ الإمام (عليه السلام)

فله المطالبة بالقود أو الدية مع التراضي، و ليس له العفو، وفاقاً للمشهور؛ و خلافاً للحلّي فأثبت له الثلاثة (1).

لنا: صحيحة أبي ولّاد، قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) في الرجل يقتل و ليس له ولي إلّا الإمام: «إنّه ليس للإمام أن يعفو، و له أن يقتل أو يأخذ الدية» (2).

و صحيحته الأُخرىٰ: قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل مسلم قتل رجلًا مسلماً عمداً إلىٰ أن قال-: قلت له: فإن عفا عنه الإمام؟ قال، فقال: «إنّما هو حقّ جميع المسلمين، و إنّما علىٰ الإمام أن يقتل أو يأخذ الدية، و ليس له أن يعفو» (3).

و هما بإطلاقهما يتناولان الخطإ أيضاً.

____________

(1) السرائر 3: 336.

(2) التهذيب 10: 178، 696، الوسائل 29: 125 أبواب القصاص في النفس ب 60 ح 2.

(3) الكافي 7: 359 ح 1، الفقيه 4: 79، 248، التهذيب 10: 178، 697، علل الشرائع: 581، 15، الوسائل 29: 124 أبواب القصاص في النفس ب 60 ح 1.

53

للمخالف: أولويّة الإمام (عليه السلام) بالعفو.

قلنا: لو كان حقّ الإمام دون جميع المسلمين، علىٰ أنّه اجتهاد في مقابلة النص.

المسألة السابعة [الأقوال في وارث الدية]:

اختلفوا في وارث الدية علىٰ أقوال:

الأوّل:

أنّه يرثها من يرث غيرها. و هو مختار الشيخ في المبسوط و موضع من الخلاف (1)، و حكي عن ابن حمزة (2) و الفاضل في جنايات القواعد (3)، و نسب أيضاً إلىٰ الحلّي في السرائر و الفاضل في المختلف (4) و أنكرها بعض مشايخنا، و أرجع قولهما إلىٰ أمر آخر (5).

و هو قريب، بل صرّح في السرائر في هذه المسألة بعدم توريث كلالة الأُم من الدية و نفى الخلاف فيه.

و الثاني:

أنّه يرثها من عدا المتقرب بالأُم. ذهب إليه المفيد (6) و الشيخ في النهاية و جنايات الخلاف (7)، و الحلّي في ميراث السرائر (8)، و القاضي و الحلبي و ابن زهرة و الكيدري (9)، و المحقق في جنايات الشرائع و النافع (10)،

____________

(1) المبسوط 4: 80، الخلاف 4: 114.

(2) حكاه عنه في الإيضاح 4: 180.

(3) القواعد 2: 163.

(4) نسبه إلىٰ الحلي في الدروس 2: 348، و انظر السرائر 3: 328، المختلف: 742.

(5) انظر رياض المسائل 2: 341.

(6) المقنعة: 702.

(7) النهاية: 673، و حكاه عن جنايات الخلاف في كشف اللثام 2: 280، و انظر الخلاف 2: 356.

(8) السرائر 3: 274، 336.

(9) القاضي في جواهر الفقه: 168، الحلبي في الكافي في الفقه: 376، ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 608.

(10) الشرائع 4: 288، المختصر النافع: 265.