رسائل آل طوق القطيفي - ج1

- الشيخ أحمد آل طوق القطيفي المزيد...
525 /
7

مقدمة التحقيق

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

مقدّمة التحقيق

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّٰه رب العالمين و الصلاة و السلام علىٰ أشرف خلقه أجمعين محمد و آله الطاهرين.

اللّهم لك الحمد حمداً يصعد أوّله و لا ينفد آخره، اللّهم لك الحمد حمداً تضع لك السماء كنفيها، و تسبح لك الأرض و من عليها، اللّهم و لك الحمد حمداً سرمداً أبداً لا انقطاع له و لا نفاد، و لك ينبغي و إليك ينتهي .. و لك الحمد و لك الشكر بجميع محامدك كلها علىٰ جميع نعمائك كلها حتى ينتهي الحمد إلىٰ ما تحبّ ربنا و ترضىٰ (1).

اللّهم و صلِّ علىٰ أمينك علىٰ وحيك، و نجيبك من خلقك، و صفيّك من عبادك، إمام الرحمة، و قائد الخير، و مفتاح البركة محمد (صلى الله عليه و آله) .. و علىٰ آله الذين جعلتهم ورثة الأنبياء، و ختمت بهم الأوصياء، و علّمتهم علم ما كان و ما بقي، و جعلت أفئدة من الناس تهوي إليهم و افعل بنا ما أنت أهله (2).

و بعد: فإن دارنا دار المصطفىٰ (صلى الله عليه و آله) لإحياء التراث لما أخذت علىٰ عاتقها مهمّة نشر

____________

(1) مصباح المتهجّد: 77 (حجري).

(2) انظر الصحيفة السجاديّة الكاملة: 39، 46.

10

علوم أهل بيت النبوّة و مختلف الملائكة، و وضعت نفسها في إسار ربقة هذا الطريق، و لمّا كانت مجموعة رسائل العلّامة الشيخ أحمد آل طوق إحدىٰ حبّات هذا العقد الشريف من علومهم (عليهم السلام)، فقد تقرر إحياؤها و إبرازها إلى النور بعد رقدة سبات طويلة. و هذه المجموعة هي كسابقتها الرسائل الأحمديّة إذ إنها عبارة عن كشكول تناول فيه المصنّف أغلب جوانب علوم أهل البيت (عليهم السلام)، فهي تتوزع بين مسائل علم الكلام و الأُصول و الفقه و النحو و التاريخ، أمّا الرسالة الموسومة ب(نزهة الألباب) فهي أشبه ما تكون بمجموع داخل مجموع، فقد تنوّع ما تناوله المصنّف فيها بين الأُصول الفروع المذكورة كافّة، بل زاد عليها بعض المسائل التي تناول فيها جملة من الأُمور الغيبيّة التي لم يسبق إليها أحد سوىٰ الشيخ سليمان صاحب (أزهار الرياض) كمسألة حلّيّة الزواج من الجن.

و هذا المجموع يشمل اثنتين و عشرين رسالة هي جزء من رسائله (رحمه الله) التي تبلغ أكثر من أربعين رسالة، و قد رتبناه علىٰ أربعة أجزاء كالآتي:

المجلد الأوّل: و قد اشتمل علىٰ الرسائل التالية:

الرسالة الأُولىٰ: ما يكفي المكلَّف من أدلّة الأُصول الخمسة بالدليل العقلي.

و هي رسالة موجزة في بيان أدلّة الأُصول الخمسة بالدليل العقلي، كتبت ببيان سهل يمكّن القارئ من فهم معانيها بسهولة و يسر، على الرغم من أنّها عالجت المواضيع المبحوثة باختصار و من أغلب جوانبها. و هي مرتّبة علىٰ مقدّمة، و خمسة فصول، و خاتمة. تناول في المقدّمة فائدتين: الاولىٰ في بيان معنىٰ التوحيد، و الثانية في بيان معنىٰ الإيمان. و اشتمل كلّ فصل علىٰ أصل من الأُصول الخمسة: التوحيد، العدل، النبوّة، الإمامة، المعاد. أما الخاتمة: فهي في بيان معنىٰ الشرك باللّٰه و الكفر به.

الرسالة الثانية: موجز في أدلّة الأُصول الخمسة.

و قد تناولت مواضيع الرسالة الاولىٰ نفسها، و كتبت بنفس الأُسلوب، غير أنّها

11

أكثر اختصاراً، حيث لم تشتمل علىٰ المقدّمة و الخاتمة، كما أنّها اختزلت المطالب ببيان سهل و مختصر يعطي إجمالًا لأدلّة الأُصول الخمسة.

الرسالة الثالثة: الرجعة.

تبحث هذه الرسالة في رجعة أهل البيت (عليهم السلام) في آخر الزمان من خلال استعراض الأدلّة علىٰ ذلك، و تناولها المصنّف من طريقين:

الأوّل: دليل الأخبار.

الثاني: دليل الاعتبار.

و في الأوّل استعراض لحشد كبير من الروايات التي يمكن الاستدلال بها علىٰ ذلك و مناقشة مضامينها، و قد أخذ كلّ ذلك مشفوعاً بالآيات القرآنيّة التي يمكن الاستدلال بها أيضاً علىٰ المطلب.

أما الثاني، فقد استعرض فيه الكثير من الوجوه الاعتبارية التي يمكن أن تكون أدلّة صالحة للاستدلال علىٰ رجعتهم (عليهم السلام) في دولة المهدي (عجل اللّٰه فرجه الشريف) و ذلك من خلال محاكمته لكثير من الأُمور بالنقض تارة، و الإبرام اخرىٰ، و استنتاجات مهمّة تارة ثالثة.

الرسالة الرابعة: في شرح صحيح زرارة المرويّ في الكافي

إن اللّٰه تبارك و تعالى جعل لآدم في ذرّيّته: من همّ بحسنة و لم يعملها كتبت له حسنة، و من همّ بحسنة و عملها كتبت له عشراً، و من همَّ بسيئة لم تكتب عليه، و من همَّ بها و عملها كتبت عليه سيّئة.

و هي جواب لسؤال ورد عليه من جناب الشيخ مبارك ابن الشيخ علي، و قد تناول في بداية الجواب استعراضاً لكثير من المفاهيم توضيحاً و مناقشة بالآيات القرآنية و الأخبار، ثمّ استعرض في آخر الجواب شرح المازندراني (ت 1081 هأو 1086 ه) لهذه الرواية، و ناقشه في كثير من الموارد من خلال استعراضه لعبارة المازندراني ثمّ مناقشتها.

12

الرسالة الخامسة: بحث في التيمّم.

و هي بحث استدلالي في بعض صور عدم وجدان الماء، كما لو لم يسع الوقت للطهارة المائية بأقلّ الواجب مع وجود الماء، فهل فرضه التيمّم حينئذٍ و يأتي بالعبادة أداءً، أو يستعمل الماء و يقضي؟

الرسالة السادسة: مختصر الرسالة الصلاتية للشيخ محمّد بن عبد علي آل عبد الجبّار.

عمل هذه الرسالة بإشارة من أُستاذه مؤلّف الرسالة الصلاتيّة، حيث طلب منه الاقتصار علىٰ الواجبات، فامتثل خير امتثال، غير متعرّض فيها لما يخالفه من الأقوال، كما لم يذكر فيها ما يذهب هو إليه من آراء مخالفة، مقتصراً فيها علىٰ عبارته ما أمكن، و معبّراً عن معناها بأخصر من لفظه في أحيان اخرىٰ.

الرسالة السابعة: تحديد أوّل النهار.

و هي بحث استدلالي في بيان أوّل النهار بالمعنى الحقيقي لغةً و شرعاً، فالأشهر الأظهر عند المصنّف أنّ أوّله طلوع قرص الشمس علىٰ الأُفق الحسّي كما عليه الأكثر، مستدلّاً علىٰ ذلك بضروبٍ من الدلالة بلغت خمساً و أربعين ضرباً. و قد ذكر في الثالث و الثلاثين منها بحثاً تفصيليّاً في القواعد و العلامات التي تُعرف بها ساعات الليل و النهار.

الرسالة الثامنة: الجهر و الإخفات بالقراءة في الصلاة.

و هي بحث استدلالي في موارد الجهر بقراءة الحمد و السورة و تحديد مواردهما، كما تطرق فيه إلىٰ حكم الأذكار في الصلاة من حيث الجهر و الإخفات أيضاً.

المجلد الثاني: و قد اشتمل علىٰ الرسائل التالية:

الرسالة التاسعة: روح النسيم في أحكام التسليم.

و هي بحث استدلالي في حكم التسليم الواقع في الصلاة. و يقع في ثلاثة مقامات

13

المقام الأوّل: في بيان وجوبه و ندبيّته. و استعرض فيه الأقوال بالوجوب و الندب مناقشاً لكلٍّ منها، و مرجّحاً لما يراه راجحاً منها.

المقام الثاني: في بيان الاختلاف حول التسليم، هل هو جزء أو خارج؟

المقام الثالث: في بيان الصيغة المُخرِجة من التسليم من الصلاة.

و في ختام الرسالة تنبيهات عدّة اشتملت علىٰ فوائد مهمّة.

الرسالة العاشرة: في بيان حدِّ الركعة التي مَنْ أدركها أدرك الوقت.

و هي بحث استدلالي استعرض فيه أربعة أقوال في تعيين حدِّ الركعة المشار إليها، مرجّحاً أنّ حدّها هو رفع الرأس و انفصال الجبهة من محلّ السجود بعد السجدة الثانية، و به يتحقّق كمال الركعة. مشفعا ذلك بالأدلّة، و مناقشاً الآراء نقضاً و إبراماً.

الرسالة الحادية عشرة: في أحكام العمرة.

و هي بحث استدلالي في موضوع العمرة، رتّبها علىٰ فصول و مسائل تناول فيها أحكام العمرة و مواقيتها و واجباتها بشيء من التفصيل، و ناقش فيها الروايات متناً و سنداً، و عارض آراء فقهاء الطائفة و رجّح بعضها علىٰ بعض؛ مستنداً في ذلك إلىٰ أدلة من القرآن الكريم، و الحديث الشريف، و دليل العقل.

الرسالة الثانية عشرة: مسألة في الرضاع.

و هي جواب لسؤال ورد عليه من جناب الشيخ محمّد ابن الشيخ علي ابن الشيخ محمد ابن الشيخ أحمد ابن الشيخ إبراهيم الدرازي يسأله فيه: هل يحلّ للأب الرضاعي نكاح مطلّقة ابنه الرضاعي؟ و اشتمل السؤال و الجواب عنه علىٰ بيان وجه الحرمة و مناقشة بعض الآراء في ذلك.

الرسالة الثالثة عشرة: في عدّة المطلّقة الحرّة.

بحث استدلالي في مسألة ما لو كانت المطلّقة الحرّة الحائل لا تحيض إلّا في أكثر من ثلاثة أشهر مرّة و طُلّقت و قد بقي من طهرها شهر مثلًا، فما عدّتها؟

14

الرسالة الرابعة عشرة: بحث في الحبوة.

و هي جواب لسؤال ورد عليه من بعض علماء البحرين، مفاده القول بتمشية الحبوة إلىٰ ولد الولد بالنسبة إلىٰ جدّه و ذلك بعد أن يكون علىٰ الشرائط المعتبرة في استحقاق الولد للصلب لها وجوباً أو استحباباً و مجّاناً أو محتسبة. و قد بيّن في السؤال الأدلّة المفروضة لقول القائل. فردّ عليه المصنّف بالجواب مناقشاً إياه في جميع ما فرضه في السؤال.

الرسالة الخامسة عشرة: صحّة العبادات مع قصد نيل الثواب أو الخلاص من العقاب.

و هي بحث استدلالي في اختلاف الأصحاب في صحّة العبادات بقصد نيل الثواب أو الخلاص من العقاب، بمعنى أنّها يسقط بها القضاء و ينال بها الثواب و الجزاء، و يقصد الامتثال بها فيسقط العقاب، أم لا؟ ذهب المصنّف الىٰ أنّ الأشهر في ظاهر الحال هو الصحّة.

الرسالة السادسة عشرة: بحث في الواجب الكفائي.

و هي بحث استدلالي في تعريف الواجب الكفائي و كثير من التفريعات المتعلّقة به. و في آخر الرسالة تنبيهات اشتملت علىٰ فوائد مهمّة.

الرسالة السابعة عشرة: أجوبة مسائل.

اشتملت هذه الرسالة علىٰ أجوبة لعدّة مسائل وردت عليه من السيّد حسين ابن السيّد أحمد البحراني:

الأُولىٰ: ما الوجه في جعل المسجد الأقصىٰ غاية الإسراء؟

الثانية: ما النكتة و السرّ في اختصاص مولانا عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بلفظ أمير المؤمنين دون من سواه من المعصومين (عليهم السلام)؟

الثالثة: ما معنىٰ ما في دعاء السجّاد (عليه السلام) في يوم عرفة

قَوْلُكَ حُكْمٌ، وَ قَضَاؤُكَ حَتْمٌ، وَ إرَادَتُكَ عَزْمٌ.

15

الرابعة: حكم البهيمة المذكّاة إذا وطئت.

الخامسة: في وجوب صلاة الآيات علىٰ مَنْ لم تقع الآية في بلده.

السادسة: حول رؤية المعصوم (عليه السلام) في المنام و كونهم لا يشبهون أحداً.

السابعة: في معنىٰ (ما) التعجبيّة الواردة في أدعيتهم (عليهم السلام).

المجلد الثالث: و قد اشتمل علىٰ الرسالة التالية:

الرسالة الثامنة عشرة: نزهة الألباب و نزل الأحباب.

و هي رسالة اشتملت على الكثير من فنون العلم و المعرفة؛ ففيها تجد المسألة الأُصولية، و الفقهية و الكلامية و النحوية و المنطقية و غيرها، فهي بحق كشكول ممتع.

المجلد الرابع: و قد اشتمل علىٰ الرسائل التالية:

الرسالة التاسعة عشرة: مواليد النبيّ (صلى الله عليه و آله) و آله (عليهم السلام).

اشتملت الرسالة علىٰ مقدّمة و أربعة عشر فصلًا، تكفّل كلّ فصل بتاريخ ولادة و وفاة أحد المعصومين (عليهم السلام)، عدا القائم عج فاقتصر فيه علىٰ ذكر ولادته (عليه السلام) لأنّه حيّ يرزق، (عجل اللّٰه تعالىٰ فرجه الشريف و سهّل مخرجه)، و جعلنا من أنصاره.

الرسالة العشرون: إعراب: صلّىٰ اللّٰه عليه و آله.

اشتملت هذه الرسالة و هي أوّل ما نطق يراعه في ميدان الكلام علىٰ حدّ تعبيره علىٰ عرض آراء النحاة حول عطف الضمير على الظاهر، و هل أن ذلك يسوغ بدون تكرار العاطف أم لا يجوز، و قد قابل آراء أُولئك النحاة و ناقشها و خلص إلىٰ نتيجة دعّمها بالأحاديث الشريفة، و مفادها جواز ذلك من غير تكرار العاطف.

الرسالة الحادية و العشرون: إعراب

و آله

من صيغة

صلّىٰ اللّٰه عليه و آله.

و هي كسابقتها، غير أنها أخصر قليلًا.

الرسالة الثانية و العشرون: حرمة أُم و أُخت و بنت الملاط به علىٰ اللائط.

و هي رسالة موجزة في بيان ثبوت الحرمة في النكاح علىٰ اللائط من أُم و أُخت و ابنة الملاط به، و قد عثرنا عليها بعد إتمامنا إخراج هذا الكتاب.

16

المصنّف في سطور

بعد أن ألقينا نظرة خاطفة علىٰ رسائل هذا المجموع كان لا بدّ من تسليط الضوء علىٰ بعض جوانب حياة كاتبها و إن كانت المصادر قد أهملت التعرض لذلك، غير أنه لا يترك الميسور بالمعسور.

هو العالم الفاضل الشيخ أحمد ابن الشيخ صالح بن سالم آل طوق القطيفيّ.

لم تسعفنا مصادر ترجمته بسنة ولادته و لا سنة وفاته سوىٰ أنه كان حيّاً عام (1245 ه/ 1829 م)، كما لم تتطرّق لشيء من تفاصيل حياته و جزئياتها.

قال عنه الشيخ محمد علي العصفوري في تاريخه: (الشيخ أحمد ابن الشيخ صالح آل طوق القطيفي .. تلمذ لجدي العلّامة الشيخ حسين).

تلمذ لجماعة من العلماء أبرزهم الشيخ أحمد بن محسن بن منصور آل عمران، و الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي، و له منه إجازة رواية.

له من المؤلّفات ما يقارب الأربعين مصنّفاً أو أكثر، منها غير ما ذكرناه في هذا المجموع: (نعمة المنّان في إثبات وجود صاحب الزمان)، (جامعة الشتات في أحكام المواريث و الأموات)، (نزهة الأحباب)، و هي غير (نزهة الألباب و نزل الأحباب) المذكورة ضمن هذا المجموع، (شرح الحديث الشريف

من عرف نفسه فقد عرف ربّه

)، مناسك الحج.

و ذكره الشيخ الآقا بزرگ الطهراني في طبقاته بقوله: (هو الشيخ أحمد بن صالح ابن سالم بن طوق القطيفي، عالم جليل من مصنّفي عصره).

و قال: (و رأيت بعض تملّكاته بخطه ذكر فيه نسبه كما مرّ، بينما لم يذكر مترجموه جدّه سالماً بل ذكروا أنه ابن صالح بن طوق. و تاريخ هذا التملك قبل (1245 ه)؛ لأنه (1) كان في هذا التاريخ ملكاً للشيخ محمد علي العريضي .. و ملك (خلاصة الأذكار)، و (تلخيص الشافي)، و (بصائر الدرجات)، و (الدروس) ..).

____________

(1) كذا في المصدر، دون إشارة إلىٰ مرجع الضمير.

17

و ذكر أن له (المسائل العويصة)، و هي مسائل بعث بها إلىٰ الشيخ أحمد الأحسائي مذكورة في موضعين من (جوامع الكلم): جاء في الموضع الأول: (أرسل إليّ الشيخ الأرشد الشيخ أحمد بن الشيخ صالح آل طوق القطيفي مسائل ..)، و في الموضع الثاني: (قد وردت إلىّ مسائل جليلة بمباحث جميلة من الشيخ أحمد ابن الشيخ صالح بن طوق تدلّ علىٰ كثرة خُبره، و دقّة فكره ..) (1).

والده؛: كان والده؛ عالماً فاضلًا مؤمناً صالحاً. و كان من المعاصرين للعلّامة الشيخ أحمد ابن زين الدين الأحسائي، و له إليه مسائل مذكورة في جوامع الكلم أيضاً، حيث جاء فيه: (قد بعث إليّ الأكرم المسدد الشيخ صالح بن طوق أصلح اللّٰه أحواله، و بلّغه آماله ..) (2) أولاده: له من الأولاد الشيخ ضيف اللّٰه، و هو من العلماء الأخيار. و هو صاحب شرح علىٰ رسالة والده في الأُصول الخمسة المطبوعة ضمن هذا المجموع، و كان قد جمع فتاوى السيد كاظم الرشتي في الطهارة و الصلاة بأمره. توفي في العراق.

منهج التحقيق

إن منهجنا في تحقيق هذا المجموع يتمركز حول محورين.

أ جمع و تحصيل النسخ الخطّيّة و كانت المرحلة الأُولىٰ هي البحث و التنقيب عن رسائل الشيخ آل طوق، فهي مبعثرة بين القطيف و مكتبة السيد المرعشي و مناطق اخرىٰ. و قد لاقينا بعض

____________

(1) انظر ترجمته في: أنوار البدرين: 281/ 24، طبقات أعلام الشيعة (الكرام البررة في القرن الثالث بعد العشرة): 92 93، أعيان الشيعة 2: 607 608، معجم المؤلفين 1: 251، مجلة الموسم: العدد (9 10) لسنة (1991/ 1411 ه)، و انظر جوامع الكلم: 1140، 155 (حجري).

(2) انظر جوامع الكلم 2: 237 239.

18

الصعوبة في العثور علىٰ هذا الجزء منها و استحصاله، سيّما الموجود منها خارج إيران. و قد بقيت رسائل أُخر دون أن نعثر عليها حالياً فاكتفينا بنشر هذا المقدار منها. أما المرحلة الثانية فكانت فرز هذه الرسائل، و تعيين عناوينها، و إثبات نسبتها لمصنفها. و أمّا المرحلة الثالثة، فكانت تعيين السقوطات و أماكن عدم الوضوح فيها و محاولة معالجة ذلك بتصويرها ثانية و إلّا فبالاستظهارات المناسبة للسياق. و قد اعتمدنا في تحقيقنا لمجموعة رسائل الشيخ أحمد آل طوق (رحمه الله) علىٰ عدّة رسائل و مجموع خطّي.

أما المجموع فهو من مكتبة آية اللّٰه المرعشي برقم (2358)، و يحتوي علىٰ (320) ورقة مختلفة السطور، 21 5. 15 سم. و يتميّز بتعدد نوع الخطّ و تفاوته بين الوضوح و عدمه.

و أمّا ما يحويه من رسائل، فهي: روح النسيم «ا پ 43 ر»، شرح حديث

من همّ بحسنة ..

«45 پ 57 پ»، الواجب الكفائي «58 پ 72 پ»، قصد الثواب و العقاب في العبادة «73 پ 90 پ» و هي إحدىٰ نسختي المخطوط و قد رمزنا لهذه النسخة ب«م»، إدراك ركعة في الوقت، و هي نسختان: الاولىٰ «92 پ 98 پ»، من نسْخ يوسف بن مسعود الجشّي، و قد رمزنا لها ب«ش»، و الثانية «166 پ 175 پ» من نسْخ زرع بن محمد علي بن حسين الخطّي، و قد رمزنا لها ب«ز»، تحديد أوّل النهار «99 پ 141 ر» و هي إحدىٰ نسختي المخطوط، و قد رمزنا لها ب«»، أجوبة مسائل الشيخ الدرازي «145 پ 146 پ»، تيمم من منعه الزحام عن الخروج «146 پ 149 ر»، إعراب

صلّىٰ اللّٰه عليه و آله

«150 پ 157 پ»، إعراب

آله

من

صلّىٰ اللّٰه عليه و آله

«158 پ 163 پ»، الرجعة «176 پ 208 پ»، أجوبة مسائل السيد حسين «210 پ 217 ر»، جواب مسألة عن الحبوة «218 پ 225 ب» عدة المطلقة التي لا تحيض إلّا في أكثر من ثلاثة أشهر مرّة «226 پ 235 ر»، وجوب الإخفات في غير الأُوليين «236 پ 248 ر»، أحكام العمرة «252 پ 320 پ».

19

و أما الرسائل المتفرّقة فهي:

1 رسالة ما يكفي المكلّف من أدلّة الأُصول الخمسة، و تقع في (41) صفحة، كل صفحة منها ب(18) سطراً، و هي من نسخ صالح بن طعّان بن ناصر المركوباني، تاريخ نسخها سنة (1259) ه، جيدة الخط.

2 رسالة موجز في أُصول الدين، و تقع في (7) صفحات، كل صفحة منها ب(20) سطراً، نسخت عام (1243) ه، مجهولة الناسخ، و جيدة الخط.

3 قصد الثواب و العقاب في العبادة، و هي النسخة الأُخرى لهذه الرسالة، مصوّرتها من القطيف، من نسخ ناصر بن علي بن ناصر، و قد رمزنا لها ب«ن» و تقع ب(21) ورقة كل صفحة منها ب(19) سطراً لكل صفحة. تاريخ تأليفها (1243) ه، و تاريخ نسخها السنة عينها. و هي نسخة جيّدة الخط.

4 رسالة تحديد أوّل النهار و هي نسختان كما أشرنا و النسخة الثانية مصوّرتها من القطيف، و قد رمزنا لها ب«ق»، و تقع في (46) ورقة، كل صفحة منها ب(19) سطراً. مزيدة ببعض التصحيحات و التعليقات في هوامشها.

5 مختصر الرسالة الصلاتيّة، مصدرها القطيف، و تقع في (101) ورقة، مختلفة السطور.

6 نزهة الألباب و نزل الأحباب (الجزء الأوّل) منها فقط، مصدرها القطيف، و تقع في (178) ورقة، كل صفحة منها ب(17) سطراً، و هي نسخة جيّدة الخط.

7 رسالة مواليد المعصومين الأربعة عشر، و تقع في (71) صفحة مختلفة السطور، مزيدة بتصحيحات و تعليقات في هوامشها.

8 رسالة في حرمة أُم و أُخت و بنت الملاط به علىٰ اللائط، و هي فصل منقول من رسالة (نزهة الألباب نزل الأحباب)، و الظاهر أنها من الجزء الثاني من هذه الرسالة، و هو الجزء المفقود حالياً. و تقع في (4) صفحات، كل صفحات منها ب(19) سطراً.

20

ب عملنا في المخطوطات: لقد تحدّد عملنا أوّلًا في جمع هذه الرسائل كما أشرنا، ثمّ تأليفها و تبويبها وفق ما ستخرج به إلى النور.

أمّا ثانياً، فهي مرحلة مباشرة تحقيق هذه المخطوطات، و قد مرّت بالمراحل التالية.

1 الصف و الإخراج الكامبيوتري.

2 مقابلة المطبوع على المخطوط ثم المطبوع علىٰ المطبوع.

3 تخريج الآيات و الروايات و الآراء العلمية.

4 تقويم النص، و قد اتبعنا فيه المنهج التالي:

أوّلًا: بعض مخطوطات المجموع لها نسختان؛ فكانت الخطوة الاولىٰ تعيين النسخة المعتمدة، و إثبات ما في المتن وفقها و الإشارة إلىٰ اختلافات النسخة الثانية في الهامش بعبارة: في «..»: (كذا). و في حال كون ما في النسخة المعتمدة سقطاً أو غير مقروء يثبت ما في النسخة الثانية في المتن مع الإشارة إليه في الهامش علىٰ أنه من هذه النسخة. هذا في موارد غير الاختلاف فيهما.

ثانياً: في موارد الاختلاف كان لا بدّ من تعيين الراجح من المرجوح لإثباته في المتن لأنه الأوفق، و هي مهمة فيها نوع من الصعوبة؛ إذ إن انتقاء ما يناسب ذوق المصنف (رحمه الله) باعتبار أن أحدهما قطعاً ليس مراده إلّا في النادر ليس أمراً سهلًا، بل هو يعتمد علىٰ متابعة دقيقة لُاسلوبه و استخداماته اللغوية و العلميّة. و قد تكون المهمّة أصعب فيما إذ لم يكن في البين مرجّح لأحد الاختلافين علىٰ الآخر.

ثالثاً: هنالك بعض السقوطات اقتضىٰ السياق استظهارها و وضعها داخل معقوفتين، لكن لم نُشر إليها في الهامش، بل اكتفينا بالإشارة إليها في المقدّمة.

رابعاً: الإضافات التي ازيدت على المتن من مصادر التحقيق و أغلبها لتصحيح ألفاظ الحديث الشريف بين خطّين مائلين، و لم يشر لها في الهامش أيضاً. في حين أن التغييرات التي أُجريت على المتن وفق المصدر بقيت بين معقوفتين، و قد

21

أُشير إليها في الهامش.

خامساً: الكلمات غير الواضحة أو غير المقروءة، و كنّا نستظهر بعضها و وضعها داخل معقوفين] [و نشير إليه في الهامش، أو نتركها دون استظهار، و نستعيض عنها بمعقوفتين فارغتين مع الإشارة إليها في الهامش أيضاً.

سادساً: بعض الموارد التي يمكن قراءتها لكن فيها لبس أو عدم وضوح في معناها كنا نتركها كما هي مع الإشارة إليها في الهامش بعبارة: (كذا في المخطوط).

سابعاً: تخريج المفردات اللغويّة الميّتة أو النادرة الاستخدام؛ تسهيلًا للقارئ، و حلّاً لغموض النصّ و إبهامه.

ثامناً: حل الرموز الواردة في الكتاب سواء تلك التي أُشير بها إلىٰ أسماء المؤلّفين أو أسماء المؤلَّفات، و قد اعتمدنا في ذلك علىٰ كتاب معجم الرموز و الإشارات تأليف الشيخ محمد رضا المامقاني.

وضع فهارس عامّة للكتاب تيسيراً على القارئ المتتبّع، و تشمل:

1 فهرس الآيات الكريمة.

2 فهرس الأحاديث و الروايات الشريفة.

3 فهرس الأعلام.

4 فهرس الأديان و الفرق و المذاهب و الطوائف.

5 فهرس الأماكن.

6 مصادر التحقيق.

و المتابعة النهائيّة.

و أخيراً نسأله تعالىٰ أن يأخذ بأيدينا لخدمة هذا الدين الحنيف و المذهب العظيم عبر إحياء تراث علمائه الأعلام.

دار المصطفىٰ (صلى الله عليه و آله) لإحياء التراث

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

الرسالة الأُولىٰ ما يكفي المكلَّف من أدلّة الأُصول الخمسة بالدليل العقلي

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

مقدّمة الكتاب

الحمد للّٰه رَبِّ العالمين، و صلّى اللّٰه بأفضل صلواته و بارك بأفضل بركاته و سلم بأزكى تسليماته علىٰ خير من اصطفىٰ لرسالاته محمدٍ: و آله القائمين مقامه الأعلى.

و بعد: فيقول أقلّ الورىٰ عملًا و أكثرهم زللًا أحمد بن صالح بن سالم: هذه رسالة موجزة في بيان ما يكفي المكلّف من أدلّة الأُصول الخمسة بالدليل العقلي، و إلّا فهي أكثر من أن تُحصىٰ إلّا للّٰه و خاصّته [الآخذين (1)] عنه علومهم، و رتّبتها علىٰ: مقدّمة، و خمسة فصول، و خاتمة.

____________

(1) في المخطوط: (الماخذين).

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

[المقدمة]

[و هي] مشتملة علىٰ فائدتين:

الاولىٰ: في معنى التوحيد

اعلم أن معنى التوحيد أن تعتقد وحدانيّة اللّٰه تعالىٰ في ذاته، بأنه ليس كمثله شيء، و في صفاته الذاتية التي وَصَف بها نفسه علىٰ لسان رسله بأنها عين ذاته العليّة، بمعنى أن ليس ذاته شيئاً و علمه مثلًا أو سمعه أو بصره شيئاً آخر مستقلا بمعنًى، حتّى إنه تعلم ذاته أو تسمع أو تبصر بعلم أو بصر أو سمع هو غيرها، فالذات شيء و العلم شيء آخر. فهو تعالىٰ و تقدّس ذات لها علم متّصف به مثلًا كما في المخلوق، بل عين ذاته عين علمه، و حقيقة علمه هو ذاته، فهو يعلم و يبصر و يسمع بذاته المقدّسة عن وصف الجاهلين؛ إذ لو لم يكن الأمر كذلك للزم أن تكون ذاته المقدّسة في نفسها خالية من العلم مثلًا، و إنما العلم صفة مغايرة لها، فيلزم تعطيل الذات و خلوّها في حقيقتها عن صفات الكمال، و إنما كملت بشيء آخر.

و للزمه أيضاً تركّب الواحد بكلّ اعتبار و وحدة حقيقته من ذات و صفة هي العلم مثلًا، و التركيب يفتقر إلىٰ مركّب، و يستلزم المِثل. و تعالى القيّوم الغنيّ بذاته عمّن سواه أن يفتقر إلىٰ خلقه المفتقر إليه بذاته، أو يشبهه خلقه؛ إذ ما سواه خلقه.

و إنما وصف نفسه بصفاتٍ، و سمّىٰ نفسه بأسماء و عرّفنا إيّاها لندعوه بها، و دلّنا

36

على أنها صفات كمال، و هو منبع كلّ كمالٍ و خير و أولى به، فإنه واهبه، و معطي الخير أولىٰ بالخير و الفضل، فوصفناه بها كما عَلّمنا.

و في أفعاله بأن تعلم [أن] كلّ كمالٍ و جمالٍ و خيرٍ فمنه بدأ، و هو مفيضه و واهبه لمن يشاء، فلا خالق و لا رازق و لا محيي و لا مميت إلّا هو سبحانه و تعالى، و لا يُعبَدُ إلّا هو، و لا يحلّ عبادة غيره بوجه، و لا طاعة غيره أيضاً.

نعم، له عباد طاعتُهم طاعتُه و معصيتُهم معصيتُه و أمرهم عين أمره و قدرتهم بقدرته، فمن لجأ إليهم أو استغاث بهم أو أطاعهم فقد عبد اللّٰه؛ لأنهم خلفاؤه و نوّابه، و أنه هو واهب القدرة علىٰ كلّ خير و معجزة و كرامة لأوليائه و صفوته و رسله. فكلّ ما في الخلق من جمالٍ و كمالٍ و خيرٍ فهو واهبه تعالىٰ، فإن ما سواه خلقه، فليس لرسولٍ أو وليّ أو ملكٍ قدرة و لا كمال إلّا و هو واهبه له. فدعوة الرسل و الأولياء و الاستغاثة بهم إذا كانت لاعتقاد أنهم نوّاب اللّٰه و خلفاؤه و أبوابه [التي (1)] لا يؤتىٰ إلّا منها، و لأنهم ألبسهم اللّٰه حلّة عزّه و قدرته، و أقدرهم علىٰ كلّ ما يريدون بإرادته، و أن كلّ ما يصدر عنهم من المعاجز و غيرها فهو بقدرة اللّٰه تعالىٰ، كان هو التوحيد الخالص الحقّ.

فلا تغترّ بقول الجاهلين الذين يظنون أنهم ينالون ما عند اللّٰه بلا واسطة خلفائه الذين اختارهم و جعلهم ملاذاً و مفزعاً لخلقه، و دلّ الخلق عليهم و هداهم إليهم بما ألبسهم من لباس عزّته و قدرته، و جعلهم يقدرون بقدرته علىٰ كلّ شيء، و ظهرت منهم المعجزات بإذنه و قدرته.

كيف ظنّك بمن قدرته قدرة اللّٰه و يده يد اللّٰه، كما أن أمرَه أمرُ اللّٰه و نهيَهُ نهيُهُ؟

الفائدة الثانية: في معنى الإيمان

اعلم أن معنى الإيمان هو أن تعلم بالدليل وحدانيّة اللّٰه تعالىٰ كما تقدّم و يأتي

____________

(1) في المخطوط: (الذي).

37

إن شاء اللّٰه المتفضّل و عدله، و وجوب بعثة الرسل، و تعرف الرسول الذي أنت مكلّف باتّباعه و العمل بشريعته، و تعرف مَن خلفاؤه و إمام زمانك منهم، و تعرف وجوب عصمة الرسل و الأئمّة (عليهم السلام)، و أن بعثة الرسل و نصب الإمام و اختياره من اللّٰه لا من الخلق، و أن كلّ ما جاء به الرسل من عند اللّٰه، و أخبروا به من أُمور الدنيا و الآخرة حقّ، و أن البعث بعد الموت حقّ، و الجنّة و النار حقّ.

و بالجملة، العلم بالأُصول الخمسة بالدليل و لو علىٰ سبيل الإجمال، و هو رُتَب و درَجٌ متفاضلة علىٰ قدر العلم و العمل.

و اعلم أن الفرق بين الإسلام و الإيمان كالفرق بين الروح و الجسد، فالأيمان روح و الإسلام جَسَد، و كالفرق بين القلب و الجسد و بين الكعبة و المسجد، فكلّ مؤمن مسلم، و لا عكس، كما أن مَن دخل الكعبة و القلب دخل المسجد و الجسد، و ليس كلّ مَن دخل المسجد أو الجسد دخل الكعبة أو القلب.

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

الفصل الأول في التوحيد

اعلم أن مَن له أوّل درجة من العقل إذا فكّر فيما علمه بالضرورة الفطريّة أو الحسيّة في أنه كان بعد أن لم يكن و وُجِدَ بعد العدم، و كذلك أبوه و جدّه، و أنه لم يخلق نفسه، و إلّا لم يرضَ لنفسه بالعدم في حال؛ لأن العدم خسيس دنيء، و الوجود شريف رفيع، و لا خلقه مَن هو مثله؛ إذ لا مرجّح لأحد المثلين المتساويين على الآخر حتّى يكون أحدهما خالقاً و الآخر مخلوقاً؛ لأن الخالق أشرف من المخلوق، و شرف المخلوق إنما يكون من الخالق، لأن الصنعة تعلو و تزكو علىٰ قدر علوّ صانعها و شرفه، علم بذلك أن له صانعاً لا يشبهه بوجهٍ أصلًا.

و أيضاً إذا فكّر و نظر إلىٰ تعاقب الضدّين على الشيء الواحد كالطلوع و الغروب على الكوكب، و تنقّل مثل الشمس و القمر في البروج، و كونهما قد يُخسَفان في بعض الأحيان، و كون القمر تارة بدراً كاملًا و أُخرى هلالًا، أو مختفياً لا يُرىٰ، و كون بعض الكواكب أنور من بعض، و كون النباتات كلّها تارة بذراً و تارة حشيشاً مثلًا، و تارة ثمرة مُرّة و تارة ثمرة حلوة كالرطب، و تارة ييبس و يعود هشيماً و حطباً، علم بذلك أنها لم توجِد نفسها و لم تُدبّر حالها، و إلّا لما اختارت الحالة الذميمة الوضيعة على الحالة الشريفة الرفيعة، و لا خَلَقها مَن هو مثلها لما مرّ.

40

فلو فكّر في تصوّر الإنسان و تنقّله من الماء المهين إلى أن يكون إنساناً [يحاول (1)] بعقله علم ما في باطن السماوات و تخوم الأرضين، مع عجزه في كلّ أحواله عن جلب رزقه و ما يصلحه و يزينه، و عن دفع المهلكات عن نفسه، لعلم أن له صانعاً لا يشبهه شيء و لا يعجزه شيء، غنيّ عمّن سواه بذاته، حكيم عليم.

و بالجملة، فطر العقول مقرّة بالضرورة أن كلّ أثر و صنع و خلقٍ لا بدّ له من مؤثّر و صانع و خالق لا يشبهه.

في كونه تعالىٰ غير مصنوع

فإذا علمت أن لهذا الخلق خالقاً موجوداً لوجود الصنع و استمراره و دوامه، عرفت أن لهذا الخلق صانعاً غير مصنوع؛ إذ كلّ مصنوع يفتقر إلىٰ صانع؛ فإمّا أن يكون في الوجود صانع غير مصنوع، أو لا يوجد مصنوع، و قد وجد مصنوع، و متىٰ وجد مصنوع لزم وجود صانع غير مصنوع.

في كونه تعالىٰ واحداً

فاعلم أن صانع هذا الخلق واحد حقيقيّ، بمعنى أنه لا يشبهه شيء لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (2)؛ إذ لو كان له شبهٌ لم يتميّز الخالق من المخلوق، و من المحال أن يكون أحد المتماثلين خالقاً و الآخر مخلوقاً؛ إذ لا يُعرف الخالق. مع أن حقيقة الخالقيّة و معناها مباينة لمعنى المخلوقيّة و حقيقتها، لأن الخالقيّة فعل و إفاضة، و المخلوقيّة انفعال و قبول استفاضة، فمحال أن يكونا مثلين.

و أيضاً لو كان له تعالىٰ شبه لاحتاج كلّ منهما إلىٰ ما يميّزه من الآخر؛ إذ من المحال أن يكون اثنان لا يتميّز أحدهما [من (3)] الآخر، و لمّا كانا اثنين متشابهين و المميّز لكلّ منهما عن شبهه حاكماً علىٰ كلّ منهما بأنه هو، و أنه غير الآخر، و مبيّناً

____________

(1) في المخطوط: (يحاوله).

(2) الشورى: 11.

(3) في المخطوط: (عن).

41

لكلّ منهما و مظهراً له عن الآخر، و ما يحكم عليه شيء أو يظهره و يبيّنه غيره ليس بصانع غير مصنوع، و لا غنيّ بذاته، و لا واحد من كلّ وجه، بل له جهة يشبهه بها غيرُه، و جهة يمتاز بها عن المثل، فيكون مركّباً لا واحداً، و بمعنى أنه ليس له جزء يغاير جزءاً، فليس ذو الأجزاء بواحدٍ.

و أيضاً يفتقر كلّ من الأجزاء إلىٰ ما يميّزه عن الآخر. و هكذا، فيكون مميّزات لا تحصى، فلا يُعرف الخالق من غيره.

و أيضاً يفتقر حينئذٍ إلىٰ ما يلائم و يركّب كلّاً من الجزأين مع الآخر، و الفقير محكوم عليه، فليس هو صانعاً غير مصنوع، و لا واحداً حقيقيّا.

و لا تتوهّم أن وحدة الواجب تعالىٰ عدديّة، بمعنى أنه واحد، أي واحد بالعدد، فإن جميع الأعداد ملك له، فلا يكون هو أحدها.

و أيضاً لو كان وحدته بمعنى العدد لكان له شبهٌ؛ إذ الواحد بالعدد كثير فيه استخدام (1)، فتفطّن. و قد عرفت بالدليل أنه منزّه عن الشبه، فإذا عرفت هذا علمت أنه تعالىٰ ليس له شريك؛ إذ المشاركة تقتضي المشابهة و المماثلة.

و أيضاً لو كان له شريك؛ فإمّا أن يكون كلّ منهما قادراً على العلم و الإحاطة بحقيقة الآخر و علىٰ قهره و منعه عمّا يريد، [أو (2)] لا. فعلى كلا الوجهين يكون كلّ منهما مقهوراً عاجزاً عن دفع النقص و الغلبة له و العجز عن نفسه، فليس بواجب الوجود و لا قاهرٍ غير مقهور. و إن كان أحدهما قادراً علىٰ ذلك دون الآخر فهو واجب الوجود بلا شريك و لا مثل، دون الآخر، لعجزه.

و أيضاً لو كان له شريك لكان له مثل، و قد عرفت استحالته.

و أيضاً المشاركة تقتضي مشتركاً فيه و إلّا فلا شريك. و المشترك فيه؛ إمّا أن يكون حقيقة الذات [أو (3)] صفاتها الذاتيّة، و هذا يرجع إلى المشابهة المنفيّة بالدليل، أو إلىٰ

____________

(1) كذا في المخطوط.

(2) في المخطوط: (أم).

(3) في المخطوط: (و).

42

كون ما فرض اثنين واحداً من كلّ وجه، و هو بخلاف المفروض.

و إمّا في الخلق، و هذا يقتضي أيضاً المشابهة في الذات؛ لأن كلّاً منهما حينئذٍ خالق، فتتماثل حقيقتهما، و هو محال. و في الصفة كما هو ظاهر؛ لأن كلّاً منهما متّصف بالخالقيّة، و تقتضي أن يمتاز خلق كلّ منهما عن الآخر و رسله و آياته، فإن العاجز عن تمييز خلقه لا يكون واجب الوجود و لا واحداً في كلّ وجه، بل يكون مركّباً من جهة عجز و جهة قدرة، و قد عرفت أنه محال، بل فيه جزء عدميّ حينئذٍ، و محال أن يكون في الواجب تعالىٰ عدم؛ لأنه نقص و تركيب و تشبيه، و الكلّ محال.

و أيضاً نظرنا في هذا الخلق فوجدناه مرتبطاً بعضه علىٰ بعض، فهو كالشيء الواحد الذي له أجزاء، فعلمنا أنه صنع واحد، و لم نجد صنعاً آخر و لا خلقاً يباين هذا، فعلمنا أنه سبحانه ليس له شريك و لا شبه.

و أيضاً لمّا علمنا أن النواة تكون شجرة و تُنتَج من الشجرة، و النطفة تكون إنساناً و الإنسان يُنتج (1) النطفة، و النبات يكون تراباً، و بالعكس، علمنا (2) أنها مدبّرة لعليم حكيم قاهر حيّ واحد، و أن ليس لطبائع الأشياء في تدبيرها و تكوينها مدخل، بل هي مدبّرة علىٰ وجه لا أتقن و لا أضبط منه، و أنه ليس له مثل في ذاته و لا صفاته و لا أفعاله، و لا شريك، فهو الواحد وحده.

في كونه تعالىٰ حيّاً

إذا عرفت هذا عرفت أن الصانع لما سواه لا بدّ أن يكون حيّاً، لأنه خالق الحياة و محيي الموتى، كما هو مشاهد في الحيوان و النبات و غيرهما، و لا يمكن أن تصدر الحياة عن الميّت؛ لأنه عدم و الحياة وجود، و لا يصدر الوجود من العدم، و لأن الحياة و الوجود ضد الموت و العدم، و لا يمكن صدور الضدّ من الضدّ؛ إذ لا يصدر الظلمة من محض النور و لا العكس. فثبت أيضاً أنه ليس للّٰه تعالىٰ ضدّ، لأنه لو كان له ضدّ

____________

(1) في المخطوط بعدها: (من).

(2) في المخطوط: (و علمنا).

43

لكان من خلقه؛ لما ثبت من نفي الشريك و الشبه عنه تعالىٰ، و محال أن يضادّ المخلوق خالقه، و إلّا لما كان خالقه.

و أيضاً المضادّة ممانعة و مغالبة و مقاومة، و محال أن يكون لواجب الوجود تعالىٰ ممانع أو مغالب أو مقاوم؛ لأن ذلك يقتضي عجزه و عدم عموم قدرته، و هذا ينافي وحدته الحقيقية، لأنه يقتضي أن يكون فيه جهة قدرة و جهة عجز، و كلّ متجزّئ مركّب مخلوق، و أنه تعالىٰ عالم بكلّ شيء، لأن ما سواه خلقه، و من المحال أن يخلق ما لا يعلم؛ إذ كلّ صانع يعلم صنعته قبل أن يصنعها، و إلّا لما صنعها؛ إذ محال أن يصنع ما لا يعلمه، فهو عالم بصنعه قبل أن يصنعه و حال صنعه و بعد صنعه.

و أنه تعالىٰ قادر علىٰ ما يريد؛ إذ من المحال أن يخلق ما لا يقدر عليه، فمن عجز عن صنعة لم تصدر عنه بالضرورة، فكلّ ما سواه في قبضته و تحت قهره.

و أنه تعالىٰ غنيّ عمّا سواه، و كلّ ما سواه مفتقر إليه. أمّا الأوّل فلأنه لو افتقر إلىٰ غيره لكان ناقصاً، و كان الغير أكمل و أغنى منه و لو في جهة، و كان له تعالىٰ شبه، لأن المفتقر إلىٰ غيره كثير، و كان مفتقراً إلىٰ خلقه، و محال أن يفتقر الخالق إلى المخلوق، لأن ما سواه خلقه، و كان مركّباً من جهة فقر و جهة غنى، و كلّ مركّب مفتقر إلىٰ من يركّبه، فكلّ مركّب مخلوق.

و أمّا أن كلّ ما سواه مفتقر إليه فلأنّ كلّ ما سواه خلقه و كلّ مخلوق مفتقر إلىٰ خالقه؛ إذ لو استغنى المخلوق عن الخالق لأشبهه في الغنىٰ و اللّٰه لا يشبهه شيء، و الخلق محال أن يشبه الخالق، و إلّا لما كان فعلًا له و خلقاً، و لا كان الخالق خالقاً و فاعلًا. و عرفت أنه تعالىٰ حكيم لا يفعل بعباده إلّا الأصلح لهم، لأنه تعالىٰ عالم بالأصلح و قادر عليه و غنيّ عن الظلم.

و لأنا لو فكّرنا في أنفسنا و في جميع المخلوقات لوجدنا تدبير الصنع و الخلق من ابتدائه إلى انتهائه متّسقاً، منتظماً، محكماً، متقناً، مرتبطاً بعضه ببعض. و بيان بعض حكم خلق الإنسان أو غيره يطلب من كلام أهل العصمة (عليهم السلام)، فإن هذه الرسالة لا تسعة.

44

إذا عرفت أنه تعالىٰ واحد لا شريك له و لا شبه، و أنه تعالىٰ غنيّ بذاته عمّن سواه، عالم بكلّ شيء قادر علىٰ كلّ مقدور حكيم، عرفت أنه تعالىٰ خلق الخلق باختياره، فليس هو تعالىٰ بمضطرّ إلىٰ فعله و خلقه و لا مجبور، و لا أن فعله بالطبع، بل طبق حكمته، لأنه موصوف بكلّ كمالٍ، لأنه مفيض كلّ خير و واهبه، فهو أولىٰ به؛ لأن من لا يعرف الكتابة لا يقدر أن يعلّمها غيره.

و نحن علمنا من أنفسنا أنا نفعل أفعالنا باختيارٍ منّا، و نعلم أن ليس صدور أفعالنا منّا، كفعل القدوم في يد النجار يجبره على القطع و النجر، و لا كفعل النار في إحراقها، و الماء في ترطيبه ما يلاقيه، فإن ذلك فعل بالقسر و الطبع. و نعلم أن الفعل الاختياري أفضل و أشرف من القسري و الطبيعي، فوجب أن نعلم أن فعل العالِم بكلّ شيء القادر علىٰ كلّ شيء ليس كقطع المنشار، و لا كإحراق النار، فإن كلّاً منهما يفعل فعله بغير علم به و لا شعور، و لا إرادة له و لا مشيئة، فإنه نقص يجب أن ينزّه عنه البارئ تعالىٰ.

و أيضاً ذلك يقتضي أن يكون في خلقه من يجبره علىٰ فعله أو يركّب فيه طبيعةً تقتضي الفعل؛ إذ ليس في الوجود إلّا اللّٰه و خلقه؛ إذ لا يمكن أن يكون شيء ليس بخالق و لا مخلوق، لأنه إذا كان واجب الوجود لا بدّ أن يكون خالقاً، و إلّا كان مخلوقاً.

و أيضاً فعل القدوم و النار لا يوصف بأنه كرمٌ و جُودٌ، و فعل اللّٰه لا بدّ و أن يكون كرماً و جُوداً، و إلّا لم يكن جواداً فيتّصف بالنقص، تعالىٰ.

و أيضاً خلق الاختيار للإنسان فلا بدّ أن يوصف به، و إلّا لم يكن خالقه؛ إذ لا يجود الشيء إلّا بما يقدر عليه.

45

الفصل الثاني في العدل

اعلم أنك إذا عرفت هذا كلّه عرفت أنه يجب تنزيهه تعالىٰ عن كلّ نقصٍ، فإن الواحد بالمعنى الذي عرفت، العليم بكلّ شيء، القادر علىٰ كلّ شيء، الحكيم الذي لا يشبهه شيء، لا يمكن أن يلحقه نقص بوجهٍ أصلًا، خصوصاً الظلم، فإن الناقص عاجز عن تكميل نفسه، و إلّا لما رضي لنفسه بالنقص.

و أيضاً الظلم لا يفعله إلّا مَن إذا أراد شيئاً عجز عنه إلّا بطريق الظلم؛ إذ من البيّن أن القادر علىٰ تحصيل مطلوبه بغير الظلم لا يرتكبه؛ لدناءته و خسّته فلا يرضاه لنفسه مع قدرته علىٰ غيره، فالعليم الحكيم القادر لا يفعل الظلم.

و أيضاً الظلم و النقص [يقتضيان (1)] أن المتّصف [بهما (2)] مركّب من جهة شرّ و من جهة خير، و يقتضي أن يكون له مثل لوجود الناقص الظالم، و من أقبح الظلم و أشدّه أن يجبر عبده علىٰ فعل شيء ثمّ يعذّبه علىٰ فعله؛ لأن ذلك ينافي حكمته و علمه و قدرته و عدله. فلو أن أحداً قطع بسكّين شيئاً ثمّ كسرها لأجل أنها قطعته بغير شعورها و رضاها، بل بفعله هو بها، عدّه العقلاء جاهلًا أحمقَ عاجزاً ظالماً؛ فثبت أنه تعالىٰ لا يجبر العبد علىٰ فعل المعصية و لا يخلقها فيه ثمّ يعذّبه عليها؛ لأنه

____________

(1) في المخطوط: (يقتضي).

(2) في المخطوط: (به).

46

ظلم و جهل، تعالى اللّٰه عن ذلك علوّاً كبيراً.

و لكنّه تعالىٰ لمّا كان جواداً حكيماً غنيّاً بذاته، منّ علىٰ خلقه بأن أوجدهم من العدم و أخرجهم إلى الوجود من غير حاجةٍ منه لهم، و لكن ليعرفوه و يوحّدوه و يعبدوه لينالوا منه، و ليتفضّل عليهم بالبقاء الدائم و الوجود الذي لا يفنىٰ، و الخير الذي لا ينقطع، و هذا لا يمكن إدراكه إلّا بمعرفته تعالىٰ و عبادته، لأنه لا يمكن أن يكون في الدنيا، لأنها ذائبة مضمحلّةٌ أبداً، و مرجعها إلى الفناء و الانقطاع، كما هو مشاهد من حالها.

فخلقَ سبحانه و تعالى بني آدم مختارين، بمعنى أن لهم القدرة على الفعل و الترك و الطاعة و المعصية، كما يشاهده الإنسان في غيره و يحسّ به و يدركه من نفسه. و لو لم يكونوا كذلك لما تحقّقت منهم الطاعة و المعصية، و تميّزت كلّ منهما عن الأُخرىٰ؛ فإنك تعلم بالضرورة أن السكّين و المنشار إذا قطع بهما شيء لا يصحّ نسبة الطاعة لهما و لا المعصية، فإنهما مجبوران على القطع.

و كذلك لو وقف إنسان علىٰ آخر بسيف و هو جبّار متسلّط و ألزمه بأكل شيء أو يقتله، فإن المضطرّ المجبور لا تصحّ نسبة الطاعة إليه، و كذا لو ألقيت شيئاً في النار فأحرقته [فإنها] لم تعدّ طائعة، و لو لم تحرقه لم ينسب لها أحد من العقلاء المعصية؛ لأن إحراقها بالطبع لا بالشعور و القصد، و الطاعة و المعصية إنما تتحقّق ممّن له شعور و قصد إلىٰ ما يفعله من غير جبر و لا إلجاء إذا كان قادراً علىٰ فعله و تركه و اختار هو أحد الأمرين بنفسه و إرادته.

47

الفصل الثالث في النبوّة

الغرض من بعثة الأنبياء

اعلم [أنه] لمّا خلق اللّٰه تعالى البشر كذلك، و قد أخرجهم من بطون أُمّهاتهم لا يعلمون شيئاً و لا يدرون ماذا يريد منهم خالقهم، و لا ما يقرّبهم لرضاه أو يبعدهم منه، و لم يخلقهم لهذه الدنيا، لأنها فانية منقطعة، و لا يناسب جناب القدّوس و الرحمة، الحكيم القادر العليم أن يخلق خلقه ليبقوا مدّة يسيرة ثمّ يفنوا، خصوصاً (1) هذه الدار، أعني: دار النكد و البليّات و المحن و الآفات.

فإذن إنما خلقهم للبقاء الدائم و الراحة الأبديّة و ليدوم جوده (2) و فضله و نعمه عليهم. و هذا لا يمكن كونه في الدنيا لفنائها و انقطاعها.

فثبت أن للّٰه داراً غير هذه، هي التي لا تزول و لا تفنىٰ، و لكنّها لا تدرك و لا يوصل إليها إلّا بالعلم باللّٰه و صفاته و أفعاله، و بأعمال مخصوصة، و الناس لا يعلمونها، فوجب بمقتضىٰ عدله و حكمته و رحمته أن يبعث لهم رسلًا مبشّرين و مُنذِرين يهدونهم لما يقرّبهم من رضوان اللّٰه، يعرّفونهم ما يوجب سخط اللّٰه و البعد من رحمته.

____________

(1) في المخطوط بعدها: (و).

(2) في المخطوط: (وجوده).

48

و هذه هداية النجدين، أي الطريقين؛ إذ لو لم يفعل بهم ذلك لكانوا يعملون ما يبعّدهم من رحمته تعالىٰ و هم لا يشعرون، بل لا يتحقّق منهم طاعة و لا معصية قبل التكليف و البيان؛ إذ لا يصف عاقل مَن فعل فعلًا لم يؤمر بفعله و يبيّن له بأنه مطيع، و لا مَن تركه بأنه عاصٍ؛ لأن الطاعة و المعصية إنما هي بفعل المأمور به أو عدم فعله.

فإذن لا بدّ من بعثة رسول هادٍ و معلّم لما يريد اللّٰه من عباده، ممّا يقرّبهم إلىٰ مرضاته و ينالون به السعادة الأبديّة التي خُلِقوا ليمنّ اللّٰه عليهم بها، و ما يبعّدهم عن ذلك و يوجب لهم الشقاوة الأبديّة، و ناراً لا ينقطع عذابها أُعدّت للعاصين.

و أيضاً لمّا خلق اللّٰه البشر محتاجاً إلىٰ معاون له في تحصيل معاشه الذي به يتمكّن من عبادة ربّه من حين يولد إلىٰ حين يموت، لأنه لا يعيش إلّا بالأغذية و الأدوية و الأشربة و الملبس و المسكن و المنكح و غير ذلك، و تحصيل ذلك لا يتمكّن منه واحد وحده، فالناس مضطرّون إلىٰ معاملة بعضهم بعضاً و مشاركة بعضهم بعضاً في تحصيل ذلك، و لجهلهم لا يعرف كلّ واحد ما يخصّه و ما لا يملكه، فافتقروا إلىٰ مَن يرشدهم لهداية اللّٰه إلىٰ ما يحتاجون من ذلك، و يحكم لهم و عليهم.

و أيضاً فما خلق اللّٰه بحكمته في الأرض من المعادن و النبات و الحيوان ممّا فيه ضرر بالعقل أو بالبدن، و قد [.. (1)] ما هو متمّ و مزكّ لهما و الناس لا يعرفونه، فلا بدّ من مرشد هادٍ إلىٰ ذلك، يحلّل و يحرّم، حاكم مطاع.

و أيضاً النفوس طُبعت علىٰ حبّ الرئاسة و القهر و الغلبة، و علىٰ حبّ الاختصاص و الانفراد بالمال و كلّ ما تهواه و تشتهيه، فكلّ واحدٍ يجهد في تحصيل ما يمكنه [الحصول] عليه من الدنيا، و هذا يقتضي التشاجر و التحارب و التخاصم. فافتقروا إلىٰ مَن يحكم لهم و عليهم و يقهرهم و يردّ الظالم عن المظلوم، و يأخذ للمجنيّ عليه بحقّه بهداية اللّٰه.

____________

(1) كلمة غير مقروءة.

49

و بيان حاجة الناس إلى الرسل لا تُحصىٰ وجوهها، فلو لم يبعث اللّٰه الرسل لخربت الدنيا في ساعة، بل لم تعمّر و لا ساعة، فلمّا كان الأمر كذلك وجب في حكمة اللّٰه تعالى أن يبعث الرسل حكّاماً علىٰ اممهم يُعلّمون الناس كلّ خير و رشاد من أُمور الدنيا و الآخرة، و يحذرونهم [من (1)] كلّ فساد و مهلك من أُمور الدنيا و الآخرة.

اشتراط العصمة في النبيّ

و يجب أن يكون الرسول أكمل أُمّته و أشرفهم عقلًا و حسباً و نسباً، و في كلّ صفةٍ في كلّ حالاته، فلا يجوز أن يكون في أُمّته مَن هو أشرف منه في صفة من الصفات، أو حالة من الحالات؛ لأن اللّٰه سبحانه و تعالى عليم حكيم قادر عدل، كما عرفت. و تحكيم الناقص و لو بوجه و اختياره للرسالة و لخلافة اللّٰه العامّة العظمىٰ لا يكون إلّا لجهل بالأشرف و عدم علم به، أو لعدم القدرة على اختيار الأشرف و إرساله، أو لجهل المرسِل و المختار له بوضع الأشياء في غير مواضعها فليس بحكيم، و اللّٰه تعالىٰ منزّه عن ذلك.

و أيضاً من المعلوم أن الأشرف أولىٰ من غيره، فاختيار غيره للرسالة ظلم، و اللّٰه سبحانه و تعالى عدل لا يجور.

و أيضاً اللّٰه تعالىٰ قادر على أن يجعل رسله كذلك، فإرساله ناقصاً و لو بوجه ينافي قدرته و حكمته و علمه و عدله.

صفات النبيّ

و يجب أن يكون الرسول كامل العقل من حين الولادة، لا يجري عليه ما يجري علىٰ سائر الأطفال من أُمور الجهل و نقص العقل، و إلّا لاحتاج إلىٰ معلّم بشري،

____________

(1) في المخطوط: (عن).

50

فيكون حاكماً عليه و يكون أشرف منه، مع أنه هو الحاكم على الكلّ و أشرفهم مطلقاً؛ لأن حكومته عليهم و شرفه بذاته التي اصطفاها اللّٰه كذلك.

و لا بدّ أن يكون له قدرة علىٰ تلقّي الوحي و مشاهدة الملائكة، و علىٰ إيصال معانيه إلىٰ رعيته في جميع ما يحتاجون إليه؛ إذ لا يطيق كلّ البشر مشاهدة الملائكة و لا سماع الوحي؛ إذ لو شاهدوهم لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم. و كذا إذا تمّ الأجل ظهر ملك الموت، فتزهق النفس شوقاً في السعيد و جزعاً في الشقي، فيموت.

فوجب أن يكون الرسول له قوّة علىٰ ذلك، و وجب أن يكون معصوماً من حين يولد إلى أن يموت و ينتقل إلىٰ دار الجزاء من جميع الذنوب صغائرها و كبائرها، و عن جميع الرذائل و مذامّ الأخلاق و الصفات القبيحة، و عن كلّ ما ينافي المروءة و ينافي كونه أشرف رعيته و لو بوجهٍ؛ إذ لو لم يكن كذلك لساوى أُمّته في ذواتهم و فطرهم و طبائعهم و أخلاقهم، فلا يستحقّ هو دونهم لأن يختاره العليم القادر الحكيم العدل للرسالة، و يجعله حاكماً علىٰ غيره، لأن ذلك ينافي اتّصاف الرسل بما ذكر.

و أيضاً لو لم تجده الرعية كذلك سقطت هيبته من قلوبهم، فلم يقبلوا منه الأمر و النهي و لم يثقوا بخبره عن اللّٰه تعالىٰ.

و أيضاً هو لا يصدّق حتّى تظهر منه المعاجز، و لا تظهر المعاجز إلّا ممّن صفا و خلص من كلّ كدر في جميع حالاته، و مَن لم يكن كذلك من حين الولادة فهو كدر مظلم القلب، و الرسالة نور لا يشرق إلّا في قلب صافٍ كمال الصفاء. انظر إلىٰ نور السراج فإنك إذا وضعته في جسم كدر غليظ لم يظهر نوره، بل يكتمه و يحجبه كالحجر و الصفر و الحديد و أشباهها؛ [إذ] لو جعلتها مجوّفةً و أشعلت في باطنها سراجاً لم يظهر نوره و عدّك العقلاء أحمق، بخلاف الجسم الصافي من الكدر و الظلمة كالبلّور فإنه يستنير بالسراج و يضيء لما حوله.

51

و أيضاً لو لم يكن كذلك لاحتمل عليه الكذب، و تعالى اللّٰه أن يوجب على الخلق طاعة مَن يمكن منه الكذب عليه، و [من] يحكم [بأن من (1)] أطاعه أطاع اللّٰه. و كلّ من أمكن منه الكذب أمكن منه جميع المعاصي.

و أيضاً المعاصي ظلم و رذائل، و تعالى اللّٰه عن أن يصطفي لرسالته مَن يصدر عنه نوع من الظلم في حين من الأحيان؛ لمنافاة ذلك لكمال عدله و حكمته و علمه و قدرته.

و أيضاً فالرسول مستودع سرّ اللّٰه تعالىٰ و أمينه علىٰ وحيه و خليفته في خلقه و نائبه و وليّه علىٰ شرائعه و علىٰ هداية الخلق إليه، و لهذا كانت طاعة الرسول طاعة اللّٰه تعالىٰ حقيقة، و معصيته معصية اللّٰه حقيقة، و الأخذ منه و طلب الهداية منه أخذ من اللّٰه و طلب من اللّٰه حقيقة، فإنه باب اللّٰه الذي فتحه برحمته لعباده، و سبيله الذي لا يصل إليه غيره إلّا منه، لضعفهم عن أن ينالوا ما عند اللّٰه بأنفسهم من غير واسطة، كما ينال الرسول ما عنده بواسطة نفسه، و إلّا لكانوا مثله فلم يحتاجوا إليه، فيكون إرساله عبثاً، تعالى اللّٰه عن ذلك علوّاً كبيراً.

فإذا عرفت أنه باب اللّٰه الذي اختاره برحمته و فتحه لعباده لعلمه بأنه لا أكمل منه فيهم، و أنه هو أهل ذلك، فلا ينالون ما عنده إلّا بواسطته، و أن أمرَه أمرُ اللّٰه، و نهيه نهيه، و طاعته طاعة اللّٰه، و معصيته معصيته، و محبّته محبّته، و بغضه بغضه، و أنه أمين اللّٰه و خليفته و مستودع سرّه و مهبط وحيه، فاعرف من ذلك أن الاستغاثة [به] و طلب كشف الضرّ و تفريج الكرب [منه] طلب من اللّٰه تعالىٰ و استغاثة باللّٰه، و أن دعوته دعوة اللّٰه؛ لأن طلب حاجة من حاجات الدنيا ليس بأعظم من الهداية إلىٰ سبل رضوان اللّٰه، و قد ائتمنه اللّٰه علىٰ ذلك، فكيف بحوائج الدنيا الخسيسة الدنية؟

و لا فرق في ذلك بين كونه حيّاً أو بعد وفاته، فإن الذي ألبسه ثوب عزّه و قدرته، و أظهر المعاجز علىٰ يده قبل كمال إبلاغ الرسالة لا يجوز عليه أن يسلبه ذلك العزّ

____________

(1) في المخطوط: (بمن).

52

و الشرف بعد أن يبلّغ رسالاته و يكابد المحن و الأذىٰ في تبليغها و هداية الخلق؛ لأن ذلك ظلم، بل يستحقّ المزيد من اللّٰه تعالىٰ و يضاعِف [له] الكرامة. و ليس بمستنكرٍ من قدرة اللّٰه تعالى الذي ألبسه ثوب قدرته، و أقدره علىٰ ذلك و على الإتيان بالمعاجز العظام في حياته الدنيويّة أن يقدره علىٰ مثلها و هو عنده حيّ يرزق، فإن اللّٰه ربّ الدنيا و الآخرة، و قد أقدر نبيّه علىٰ تناول ثمار الجنّة و هو في الدنيا (1)، فلا عجب أن يقدره علىٰ إصلاح أمر من أُمور الدنيا بعد موته، فإن الموت يقرّبه إلىٰ كرامة اللّٰه لا يبعده، و ليس هو بإعدام له، بل هو حيّ عند اللّٰه يرزق.

و قد كان يطّلع علىٰ ما أطلعه اللّٰه عليه من المغيّبات من أُمور الدنيا و الآخرة، و جعله مجاب الدعوة؛ لأنه لا ينطق عن الهوىٰ بحال أبداً، و إنما ينطق بأمر اللّٰه، و يمسك بأمر اللّٰه، و لا يشاء إلّا ما يشاء اللّٰه، فهو يدور في جميع حركاته و سكناته علىٰ طبق حكمة اللّٰه و إرادته، و لذا تارة يُشجّ رأسُه و يجوع فيصبر، و تارة يهب الأُلوف و تهابه الأُلوف، لأنه أشجع أهل زمانه و أكرمهم، لأن الشجاعة و الكرم من المكارم، و هو أشرفهم في كلّ مكرمة فهو أشجعهم و أكرمهم.

و لا يدلّ صبره على الجراح في الحرب و على الجوع علىٰ عجزه عن كشف ذلك عن نفسه و مَن يحبّ؛ إذ لو استلزم ذلك للزم نسبة العجز إلىٰ قدرة اللّٰه؛ لأن اللّٰه تعالىٰ يعلم بما ينزل على أوليائه من أعدائه. و لا يقتضي عدم كشفه و دفعه أحياناً عدم قدرته، بل لأن ذلك علىٰ قدر حكمته و مقتضاها، و العباد لا يفعلون إلّا ما يؤمرون به منه، فهو دليل علىٰ كمال شرفهم. و لو كان صبرهم يقتضي عجزهم لاقتضى أنهم ليسوا مجابي الدعوة علىٰ كلّ حال، و البرهان دلّ على أنهم مجابو الدعوة علىٰ كلّ حال، فصبرهم على الشدائد مع أنهم مجابو الدعوة دليل على أنهم لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون.

و بالجملة أنه لمّا ثبت أن اللّٰه تعالىٰ عليمٌ حكيمٌ قادرٌ، ثبت أنه لا يختار لرسالته

____________

(1) انظر بحار الأنوار 43: 4 6/ 2 6.

53

و لا يحمّلها إلّا مَن جعله كذلك، و أنه نائبه و خليفته و نوره، و الحكيم بحكمة اللّٰه، العالم بتعليم اللّٰه، القادر بقدرة اللّٰه، لا يخفىٰ عليه شيء من أُمور رعيّته و ممّا استخلفه اللّٰه فيه، و إلّا لم يكن مستخلفاً فيه، و لا يعجز عن إصلاحهم في الدنيا و بعد الموت، و لا يهمّ بالمعصية في حال أبداً؛ لما يَعلم من شدّة خبثها و سوء عاقبتها، و أنها تباعد من اللّٰه.

و أيضاً إذا كان لا تصدر عنه معصية في حال، فإن اللّٰه لا يأمر إلّا بالعدل و الإحسان. و أيضاً هو خليفة اللّٰه في جميع حالاته، و لا يمكن أن يكون العاصي حال عصيانه خليفة اللّٰه، و لا يمكن أن تصدر المعصية من خليفة اللّٰه في حال من أحواله. و أدلّة عصمة الرسل ممّا لا تحصى.

هذا، و هم في أنفسهم قادرون علىٰ عمل الطاعة و تركها، و علىٰ عمل المعصية و تركها، فإنهم بشر، و كلّ بشر قادر علىٰ ذلك تتحقّق منه الطاعة و المعصية، فإن الذي لا يقدر علىٰ ترك ما يؤمر به لا يعدّ مطيعاً لو صدر منه، كالحجر المُلقى من أعلىٰ، فإنه لا يقدر على الامتناع عن النزول، فلا يعدّ مطيعاً، و الذي لا يقدر علىٰ الامتناع عمّا ينهى عنه لا يعدّ عاصياً كما هو ظاهر، فلا تظنّ أن المعصوم مسلوب القدرة علىٰ ترك الطاعة و علىٰ فعل المعصية؛ إذ لو كان كذلك لما كان له فخر و شرف يعلو به علىٰ سائر البشر، فإن القدوم لا يوصف بالعصمة و لا يستحقّ جزاءً إذا قطع به النجّار، و لا يعدّ له شرفاً.

و أيضاً سائر البشر يجد من نفسه القدرة علىٰ ذلك، فكيف يكون رؤساء البشر لا يقدرون علىٰ ذلك، و إلّا لكانوا أنقص من سائر البشر من تلك الجهة، و هم سادات البشر من كلّ جهة، فافهم ذلك.

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

55

الفصل الرابع في الإمامة

إذا عرفت شدّة حاجة الخلق إلى الرسل المتّصفين بالعصمة بجميع محاسن الأخلاق، و المنزّهين عن النقائص البشريّة و جميع مذامّ الأخلاق و الصفات، و أنهم يجب أن يكونوا بشراً من بني آدم، لأن سائر البشر لا يستطيع معاينة الملائكة و لا سماع الوحي منهم، و لأن المعلّم إذا كان من نوع المتعلّم، و الحاكم من نوع الرعية، كان أمكن لهم في التعلّم منه و فهم مقاصده و قبول أمره و نهيه و أكمل [للحجّة] (1) عليهم؛ حيث لا يستوحشون منه و لا يرهبونه و لا تنفر طبائعهم منه و من خطابه و رؤيته، لأنه من جنس خطابهم و هو من نوعهم، فهم إن قبلوا منه كان قبولهم عن محض الاختيار الذي يدور عليه استحقاق الثواب و العقاب، و إن أبوا كان محض اختيارهم أيضاً و خالص رضاهم في الأمرين، فتكمل الحجّة للّٰه.

و إذا كان بشراً جرت عليه أحكام البشريّة العامّة من مثل الصحّة و السقم و الحياة و الموت، و استحقّ بأعماله الثواب الذي لا يمكن أن يكون في الدنيا لفنائها و كونها دار الكسب و العمل دون الجزاء، فلا بدّ أن يموت، فإذا مات وجب في حكمة اللّٰه و مقتضى جوده و قدرته و رحمته أن يقيم لعباده مَن يسدّ مسدّه في كلّ شيء، لأنه لا

____________

(1) في المخطوط: (الحجّة).

56

يجوز خلوّ زمانٍ من خليفة للّٰه يقوم بحججه، و يرشد الناس إلىٰ ما يريده اللّٰه منهم ممّا يوجب السعادة الأبديّة، و يحذّرهم عمّا يوجب الشقاوة الأبديّة، و هو الحاكم الذي يقوم به عمارة الدنيا و تحصيل الآخرة. و لولاه لخربت الدنيا في أقلّ من ساعة، بل لم تقم أصلًا كما عرفت؛ إذ هو باب اللّٰه الذي لا يؤتىٰ إلّا منه، فلو عدم لانسدّ باب الجود و الهداية؛ لعدم تمكّن الخلق من قبولها و معرفتها بدونه كما بيّنا لك.

فإذن يجب بمقتضىٰ جُود اللّٰه و رحمته و عدله و حكمته أن يكون شخص معصوم في كلّ زمانٍ؛ إذ ليس أهل زمانٍ أولىٰ بوجوده في زمانهم من غيرهم، لأنه المرجع الذي يحكم لهم بالحقّ في أمر الدين و الدنيا، و يُبطل الباطل و يُصَحّح الصحيح، فلولاه لم يرتفع التشاجر و الخلاف، و لم يُعرف الحقّ من الباطل؛ فإن كلّ واحد يقول: الحقّ معي و يلزم غيري موافقتي، و الميزان الذي توزن به الأفعال و الأقوال هو المعصوم الذي لا ينطق إلّا عن اللّٰه و بأمره.

و لمّا وصلت النوبة إلىٰ نبيّنا محمد: (صلى الله عليه و آله) و اقتضت حكمة اللّٰه أن يكون خاتم الرسل و أنه لا نبيّ بعده، وجب في الحكمة أن يختار اللّٰه له خليفة بعلمه كما اختاره هو من خلقه و جعله محلّ رسالته، و لا بدّ أن يكون خليفته صفوة الخلق بعد الرسول: (صلى الله عليه و آله) و أشرفهم من كلّ وجهٍ، كما أن الرسول: (صلى الله عليه و آله) كذلك.

و لمّا لم يجز في الحكمة أن يكون الرسول علىٰ قدر ما يختارونه البشر و يرضونه، بل اللّٰه أعلم حيث يجعل رسالته، كذلك لا يجوز و لا يمكن أن يكون خليفته باختيارهم؛ لأن خليفة الرسول يجب أن يسدّ مسدّه من كلّ وجهٍ، و لا يمكن أن يسدّ مسدّه في كلّ وجهٍ إلّا إذا كان معصوماً مثله، مؤيّداً من اللّٰه، مُسدّداً بإلهام اللّٰه، عالماً بجميع ما يحتاج له الخلق، و لا يجوز عليه الكذب بوجه، و لا مذامّ الأخلاق، لأنه خليفة اللّٰه و نائبه و بابه و سبيله الذي لا يؤتىٰ إلّا منه. و محال أن يعرف البشر مَن هو كذلك حتّى يقيموه إماماً، و إلّا لأمكنهم أن يعرفوا مَن هو أهل للرسالة فيختاروه رسولًا.