رسائل آل طوق القطيفي - ج2

- الشيخ أحمد آل طوق القطيفي المزيد...
520 /
7

الرسالة التاسعة روح النسيم في أحكام التسليم

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

[مقدمة المؤلف]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّٰه، و لا حول و لا قوّة إلّا باللّٰه العليّ العظيم، و صلّى اللّٰه علىٰ محمّد و آله الطيّبين، و الحمد للّٰه ربِّ العالمين.

أمّا بعد: فيقول أقلّ الوَرَىٰ قدراً و أخملهم ذِكْراً أحمد بن صالح بن سالم بن طوق:: اعلم هدانا اللّٰه و إيّاك أن مسألة التسليم الواقع في آخر الصلاة قد اضطرب فيه فتوى العصابة اضطراباً كثيراً، فأحببت أن أبحثَهُ بحسب تيسير اللّٰه.

و البحث فيه في ثلاثة مواطن:

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

الأوّل: في وجوبه و ندبيّته

القائلون بالاستحباب

فاختلفوا هل هو واجب أو مندوب؟ و نُسب الثاني في (البحار) (1) و غيره (2) إلى الشيخين (3): و ابن البرّاج (4): و ابن إدريس (5): و جماعة، و في (الذكرى) (6) إلى أكثر القدماء. و فيه نظر يظهر إن شاء اللّٰه ممّا سيتلىٰ عليك إن شاء اللّٰه تعالىٰ.

و مال إليه في (المدارك) (7) و نسبه لأكثر المتأخّرين، و قال به العلّامة: في (القواعد) (8) و (التحرير) (9) و (الإرشاد) (10) و (المختلف) (11)، و مال إليه المحقّق الكركي (12):.

القائلون بالوجوب

و الذي يظهر لي أن المشهور بين الفرقة من المتقدّمين و المتأخّرين هو الوجوب.

فقد قال به السيّد المرتضىٰ (13): و الصدوق (14): و الشيخ: في (المبسوط) (15) و الجعفي

____________

(1) بحار الأنوار 82: 296.

(2) جامع المقاصد 2: 323، مدارك الأحكام 3: 429، كشف اللثام: 127.

(3) المقنعة (ضمن سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد) 14: 139، النهاية: 89.

(4) المهذّب 1: 99.

(5) السرائر 1: 241.

(6) الذكرى: 208 (حجريّ).

(7) مدارك الأحكام 3: 429 430.

(8) قواعد الأحكام 1: 279.

(9) تحرير الأحكام 1: 41 (حجريّ).

(10) إرشاد الأذهان 1: 256.

(11) مختلف الشيعة 2: 191/ المسألة: 109.

(12) جامع المقاصد 2: 326.

(13) الناصريّات: 212/ المسألة: 82.

(14) الفقيه 1: 210/ ذيل الحديث 944، المقنع: 96، الأمالي (الصدوق): 512.

(15) المبسوط 1: 115 116.

12

في (الفاخر) (1) و ابن أبي عقيل (2): و سلّار (3):.

و نسبه الشهيد (4): إلى الحلبيّين كأبي الصلاح (5): و ابن زهرة (6):، [و ابني سعيد (7)].

و هو المنقولُ عن الراوندي (8):، و المحقّق: في (الشرائع) (9) و (النافع) (10) و (المعتبر) (11)، و العلّامة: في (المنتهىٰ) (12) و (التبصرة) (13)، و الشهيد الأوّل: في جميع كتبه (14)، و ابن فهد: في (المهذّب) (15) و (الموجز) (16) و غيرهما، و السيوري: في (التنقيح) (17).

و ظاهر (كنز العرفان) (18)، و بعض شرّاح (الألفية)، و فخر المحقّقين: في (الإيضاح) (19)، و ابن طاوس: في (فلاح السائل) (20)، و ابن عمّه السيّد أحمد: في (البشرىٰ) كما نقله عنه في (الحبل المتين) (21) و غيره (22)، و الآقا باقر (23): و هو إمام عصره، و قد أدركته صغيراً.

____________

(1) عنه في الذكرى: 206 (حجريّ).

(2) عنه في المعتبر 2: 233.

(3) المراسم العلوية (ضمن سلسلة الينابيع الفقهيّة) 3: 371.

(4) غاية المراد: 150.

(5) الكافي في الفقه: 119 120.

(6) الغنية (ضمن سلسلة الينابيع الفقهيّة) 4: 548.

(7) في المخطوط: (أبي سعيد) انظر غاية المراد: 151.

(8) عنه في الذكرى: 206 (حجريّ).

(9) شرائع الإسلام 1: 79.

(10) المختصر النافع: 84.

(11) المعتبر 2: 233.

(12) منتهى المطلب 1: 295.

(13) تبصرة المتعلّمين: 28.

(14) منها: البيان: 176، الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة (المتن) 1: 277، الدروس 1: 183.

(15) المهذّب البارع 1: 387.

(16) الموجز (ضمن الرسائل العشرة): 83.

(17) التنقيح الرائع 1: 211.

(18) كنز العرفان 1: 132.

(19) إيضاح الفوائد 1: 115.

(20) فلاح السائل: 120.

(21) الحبل المتين (ضمن رسائل الشيخ بهاء الدين): 254 (حجريّ).

(22) كشف اللثام 4: 129.

(23) عنه في الجواهر 10: 278. و هو الآقا محمّد باقر بن محمّد أكمل المعروف بالآقا البهبهاني أو الوحيد البهبهاني. ولد سنة (1116) هأو (1117) ه، و توفّي سنة (1205) ه، من مؤلّفاته: (شرح المفاتيح)، حاشية على (شرح الإرشاد)، حاشية (المدارك)، (الفوائد الجديدة) .. و غيرها كثير. أعيان الشيعة 9: 182.

13

و مال إليه القاساني: في (المفاتيح) (1)، و السيّد الأعظم السيّد مهدي: في (الإصلاح) علىٰ ما في مختصره للشيرواني:، و الشيخ بهاء الدين: في (المختصر العباسي) علىٰ ما في تعريبه و (الحبل المتين) (2) و (الاثنا عشريّة). قال في (الاثنا عشرية): (التاسع-: يعني من الواجبات التسليم، و صيغته

السلام عليكم و رحمة اللّٰه و بركاته.

و الأصحّ وجوبه كما نطقت به الروايات المعتبرة المتكثّرة) (3)، انتهىٰ.

و اختارهُ أيضاً الفاضل المحقّق الشيخ محمّد بن الحسن الأصفهاني: الملقّب ببهاء الدين المعروف بين المعاصرين بالفاضل الهندي في شرحه لشرح (اللمعة) المسمّى ب(المناهج السويّة في شرح الروضة البهيّة) (4)، و ابن سعيد: في (الجامع) (5)، و صاحب (المعالم):، و الحرّ العاملي (6):، و جماعة من مشايخنا المعاصرين كالشيخ حسين آل عصفور (7):، و الشيخ مبارك ابن الشيخ

____________

(1) مفاتيح الشرائع 1: 152.

(2) الحبل المتين (ضمن رسائل الشيخ بهاء الدين): 255 (حجريّ).

(3) الاثنا عشريّة: 29.

(4) المناهج السويّة في شرح الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة، لمؤلّفه المولى بهاء الدين محمّد بن تاج الدين الحسن بن محمّد الأصفهاني المعروف بالفاضل الهندي (1062 1126 ه) صاحب كتاب (كشف اللثام عن قواعد الأحكام). توجد منه عدة نسخ خطيّة في مكتبات متفرّقة، يبتدأ بكتاب الطهارة شرحاً مزجيّاً بما يقرب من ثلاثين ألف بيت، ثمّ شرحاً منفصلًا فيما يقرب من عشرين ألف بيت لكتاب الصلاة، و يختمه بكتاب الحجّ. انظر: الذريعة 22: 345، أعيان الشيعة 9: 138. و المصدر غير متوفّر لدينا.

(5) الجامع للشرائع: 74.

(6) وسائل الشيعة 6: 415 419، أبواب التسليم، ب 1.

(7) سداد العباد: 186، و هو العلّامة الفاضل خاتمة الحفّاظ و المحدّثين الفقيه النبيه الشيخ حسين ابن العالم الأمجد الشيخ محمد ابن الشيخ أحمد آل عصفور الدرازي البحراني، كان مضرب المثل في قوّة الحافظة، ملازماً للتدريس و التصنيف، مواظباً علىٰ تعزية الحسين (عليه السلام) في بيته في كلّ وقت، توفّي (رحمه اللّٰه تعالىٰ) سنة 1216 ه، من مؤلّفاته: الأنوار اللوامع في شرح مفاتيح الشرائع، السداد، الحقائق الفاخرة في تتميم الحدائق الناضرة .. و غيرها كثير. أنوار البدرين: 180 184.

14

علي (1):، و شيخنا الشيخ محمّد بن سيف (2):، و جماعة، و هو المختار لنا.

ضروب من الدلالة على القول بالوجوب

أحدها: ما استفاض نقله بين الخاصّة (3) و العامّة (4) من مواظبة النبيّ (صلى الله عليه و آله) و خلفائه (عليهم السلام) عليه، و الأصلُ في فعل المعصوم الذي عُلِمَ قصدُهُ القُربَةَ به الوجوبُ حتّى يدلّ الدليل على استحبابه، كما حقّق في الأُصول، و خصوصاً في الصلاة، بل ظاهر عبارة فاضل (الفوائد الحائريّة) (5): أنه في الصلاة لا خلاف فيه.

قال في (الذكرى): (تواتر النقل عن النبيّ (صلى الله عليه و آله): و أهل بيته (عليهم السلام) بقول

السلام عليكم

من غير بيان ندبيّته، فهو امتثال للأمر بالواجب، حتّى إن قول سلف الأُمّة

السلام عليكم

عقيب الصلاة داخلٌ في ضروريّات الدين، و إنما الشأن في الندبيّة أو الوجوب) (6)، انتهىٰ.

الثاني: أنك إذا تدبّرت الأخبار وجدتها طافحة علىٰ فعل أهل البيت له، بل و ملازمتهم له و مواظبتهم عليه، و لم نجد خبراً و لا نقلًا يشعر بتركهم له أو خروجهم من الصلاة بغيره أصلًا، فالأصلُ إذن وجوبُه.

الثالث: وقوعه في الصلاة البيانيّة، كما استفاض به النقل من خبر حمّاد: مع

____________

(1) هو العالم العامل الفقيه المحدّث الشيخ مبارك ابن الشيخ علي آل حميدان الأحسائي القطيفي الجارودي مولداً و منزلًا. كان (رحمه اللّٰه تعالىٰ) من العلماء الفضلاء الأتقياء النبلاء محدّثاً مجتهداً ورعاً، ينقل عنه تلميذه العلّامة الشيخ سليمان آل عبد الجبار بعض فتاويه كتحريم الجمع بين الشريفتين كما هو قول صاحب الحدائق. له رسالة عملية في الصلاة مختصرة. توفّي (رحمه اللّٰه تعالىٰ) سنة (1224) ه. أنوار البدرين: 269 272.

(2) العالم العامل الأمجد الشيخ محمّد ابن الحاجّ أحمد بن سيف النعيمي القطيفي، كان من مشاهير علماء القطيف و أرباب الفتاوىٰ، له إجازة من شيخه يحيىٰ بن عمران. أنوار البدرين:

288.

(3) الذكرى: 208 (حجريّ).

(4) صحيح مسلم 4: 123 127، سنن الترمذي 2: 89/ 295.

(5) الفوائد الحائريّة: 315 316/ الفائدة الثانية و الثلاثون.

(6) الذكرى: 208 (حجريّ).

15

م الصادق (عليه السلام) (1):، و قد خرج (عليه السلام) بالسلام فيها، فالأصلُ وجوبهُ.

الرابع: أنه لا يحصل يقين الخروج من العهدة و يقين امتثال الأمر بإقامة الصلاة إلّا به، فالمُسَلّم خارج من الصلاة و سالم من الوقوع في خطر إثم إبطال الفرض بيقين، بخلاف غيره.

الخامس: ما يظهر من عبارة الشيخ الجليل ابن أبي عقيل: أن التسليمَ المُخْرِجَ و هو

السلام عليكم

هو مذهبُ آل الرسول (صلى الله عليه و آله):، كما نقله عنه جماعة.

قال في (الذكرى): (قال ابن أبي عقيل:: فإذا فرغ من التشهّد و أراد أن يسلّم علىٰ مذهب آل الرسول (صلى الله عليه و آله)، فإن كان إماماً أو منفرداً سلّم تسليمةً واحدةً مستقبل القبلة يقول

السلام عليكم

) (2). و ساق باقي عبارته في كيفيّة تسليم المأموم.

و ظاهره أنه إجماع أهل البيت (عليهم السلام):، و أن النقل به متواتر أو مستفيض؛ و لذلك نقله عنهم و نسبه إليهم علىٰ سبيل القطع و الجزم، فإذا ثبت أن مذهبَ آل الرسول (صلى الله عليه و آله): فِعْلُهُ و الخروجُ بهِ ثبت أن الأصلَ وجوبُهُ حتّى تثبتَ نَدبيّتُه، و لا دليلَ عليها يُعتمدُ عليه.

السادس: ما قاله في (الذكرى): (إنه قد ثبت بلا خلافٍ وجوبُ الخروجِ من الصلاةِ كما ثبت الدخولُ فيها، فإن لم يقف الخروج منها على السلام دون غيره جاز أن يخرج بغيره من الأفعال المنافية للصلاة كما يقول أبو حنيفة:، و أصحابُنا لا يجوّزون ذلك، فثبتَ وجوبُ التسليم. و كلامُ السيّد مصرّحٌ بركنيّتِهِ (3)، و أن المعتبرَ،

السلام عليكم

و لعلّه يريد بالركن مرادف الواجب) (4)، انتهىٰ، و هو قويّ متين وثيق.

قلت: لعلّ السيّدَ أطلق الركنيّة عليه مجازاً من أجل أنه لو تركه عمداً [أو] سهواً و فَعَلَ ما تبطلُ الصلاةُ بفعلِهِ قبلَ فعلِهِ بطلت صلاتُهُ.

____________

(1) الكافي 3: 311 312/ 8، تهذيب الأحكام 2: 81 82/ 301، وسائل الشيعة 5: 461، أبواب أفعال الصلاة، ب 1، ح 2.

(2) الذكرى: 205 (حجريّ).

(3) الناصريّات: 209/ المسألة: 82.

(4) الذكرى: 205 (حجريّ).

16

السابع: عملُ الأُمّة قديماً و حديثاً في سائر الأعصار على الخروج من الصلاة بالسلام، حتّى لو خرج أحدٌ بغيره أنكرَ عليه العالِمُ و الجاهِلُ، فَتَرْكُه و الخروجُ بغيره يحتاجُ إلىٰ دليلٍ قاطعٍ، و القولُ بالاستحباب يستلزمُ صحّةَ الخروجِ بغيرهِ.

الثامن: اتّفاقُ الأُمّة علىٰ تعيينه للخروج، عدا ما يُنْسَبُ إلى أبي حنيفة: من جواز الخروج بكلّ منافٍ (1). و القولُ بالاستحبابِ مُستلزمٌ لقولِهِ كما يظهر بالتأمّل.

التاسع: الإجماعُ علىٰ فساد الصلاةِ لو أزادَ المصلّي ركعةً قبلَ التسليم عامداً عالِماً، فلو كان مستحبّاً لَمَا بطلت الصلاةُ لوقوع الزيادة بعد كمالها. و عليك بملاحظة كلامهم في الخلل و في صلاة المسافر، يظهرُ لكَ الإجماعُ علىٰ ذلك.

و قال فاضل (المناهج): (الرابع: مواظبة النبيّ: و نوّابه (صلوات اللّٰه عليه) و عليهم- و الصحابة و التابعين عليه، مع قوله (صلى الله عليه و آله)

صلّوا كما رأيتموني أُصلّي

(2)

.

الخامس: طريقة الاحتياط، فإنه إذا سلّم خرج من الصلاة و من العهدة بيقينٍ، بخلاف ما إذا لم يسلّم.

السادس: أنه لو لم يجب لَمَا بطلت صلاةُ المسافر بالإتمام، و التالي باطلٌ)، انتهىٰ. و هو يشعر بأنهُ إجماعٌ في المسافر إذا أتمّ.

العاشر: قال فاضل (المناهج):: (الثالثُ من وجوهِ الاحتجاجِ يعني علىٰ وجوب التسليم أن كلّ مَنْ قالَ بكونِ التكبير جزءاً من الصلاةِ قالَ بوجوبِ التسليمِ و كَوْنِه جزءاً منها، لكنّ المقدّمَ حقّ؛ لأن النيّةَ لا بدّ مِنْ أن تقارنَ التكبيرَ أو تتقدّم عليه بلا فصل، و لا شيء ممّا ليس جزءاً منها كذلك، و لأنه لو لم يكن جزءاً منها لَمَا اشترط فيه الطهارة، لكن يشترط)، انتهىٰ.

و لعلّهم أرادوا أن كُلّ مَا دلّ علىٰ وجوب التكبير و جزئيّته دلّ علىٰ وجوب التسليم و جزئيّته، فأسنَدوا (قال) لضمير الدليل، حيث عبّروا ب(مَنْ) عنه مبالغةً في

____________

(1) المجموع شرح المهذّب 3: 462.

(2) عوالي اللآلي 1: 197 198/ 8، مسند أحمد بن حنبل 5: 53.

17

وضوح الدلالة، و ليس التعبير ب(مَنْ) عن غير العقلاءِ بعزيزٍ في العربية (1).

و ما ألطف ما نُقِلَ عن الزمخشري: من قوله في جملة الاستدلال علىٰ هذا، حيث قال: (و يدلّ عليه قول العلماء: مَنْ لِمَا يَعْقِلُ).

و بهذا استدلّ في (الذكرى) قال فيها في سياق الاستدلال لوجوب التسليم: (و أيضاً فكلّ مَنْ قال: التكبيرُ من الصلاة، ذهب إلى أن التسليمَ واجبٌ و أنه منها) (2). و هما أخذاه من استدلال المرتضىٰ: به.

قال في (المختلف): (احتجّ المرتضىٰ (3): ..)، و ذكر حديث: [

تحريمها

(4)

التكبير

(5)

] و مداومته (صلى الله عليه و آله) عليه، مع قوله

صلّوا كما رأيتموني أُصلّي.

ثمّ قال: (و لأن كلّ مَنْ قال بكون التكبير من الصلاة قال: إن التسليمَ واجبٌ، و إنه من الصلاة) (6). ثمّ أخذ في بيان أن التكبير من الصلاة، و فهم منه أنه ادّعى الإجماعَ، و مَنَعَهُ.

الحادي عشر: ما شاع بين الموجبين الاستدلال به من قولهم: شيءٌ من التسليم في غير الردّ واجبٌ، و لا شيءَ من التسليم في غير ردّ السلام بواجبٍ في غير الصلاة إجماعاً (7).

أمّا المقدّمة الأُولىٰ؛ فلقوله تعالىٰ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً (8)، و أما الثانية فواضحة.

و لا ينافي هذا ما جاء في تأويل الآية مِنْ أن المراد

التسليم لوصيّه من بعده

(9)

أو

التسليم عليه

(10)

، فإن القرآن المجيد ذو بطون و ظاهر و باطن و تأويل و تفسير، و الكلّ حجّة بلا تنافٍ، و استدلالنا هنا بظاهر لفظ الآية، و لا يتبادر منه إلّا التحيّة المعهودة و هي: السلام عليكم.

____________

(1) شرح ابن عقيل 1: 147 148.

(2) الذكرى: 205 (حجريّ).

(3) الناصريّات: 211/ المسألة: 82.

(4) في المخطوط: (مفتاحها)، و ما أثبتناه من المصدر.

(5) عوالي اللآلي 1: 416/ 91.

(6) مختلف الشيعة 2: 192 193/ المسألة: 109.

(7) مختلف الشيعة 2: 194/ المسألة: 109.

(8) الأحزاب: 56.

(9) الاحتجاج 1: 597.

(10) الوسيط 3: 481.

18

الثاني عشر: ما اشتهرت روايته بين الأُمّة من قوله (صلى الله عليه و آله)

صلّوا كما رأيتموني أُصلّي

(1)

، و قد كان يسلّم، بل مواظباً عليه كما استفاض (2)، فالتسليم واجب.

الثالث عشر: ما روته العامّة (3) و الخاصّة (4) أن النبيّ (صلى الله عليه و آله): قال

مفتاح الصلاة الطهور، و تحريمها التكبير، و تحليلها التسليم.

رواه في (الذكرى) بلفظ: (رُويَ)، و استدلّ به قال (رحمه الله): (دلّ على أن غير التسليم ليس بمُحلّلٍ) (5).

و في (تفسير العسكري (عليه السلام):)

قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): مفتاح الصلاة الطهور، و تحريمها التكبير، و تحليلها التسليم

(6)

.

و في (البحار) نقلًا من (الهداية): و عن الصادق (عليه السلام): أنه قال

تحريم الصلاة التكبير، و تحليلها التسليم

(7)

.

و في (الكافي) بسنده عن القدّاح: عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أنه قال

قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله):: مفتاح الصلاة الوضوء، و تحريمها التكبير، و تحليلها التسليم

(8)

.

و في (البحار) نقلًا من مناقب ابن شهرآشوب: عن أبي حازم: قال: سُئِلَ عليّ بن الحسين (عليه السلام):: ما افتتاح الصلاة؟ قال

التكبير.

قال: ما تحريمها؟ قال

التكبير.

قال: ما تحليلها؟ قال

التسليم

(9)

.

هكذا في النسخة التي بين يدي، و لا يبعد أن فيه تحريفاً من الناسخ، و أن صوابه

____________

(1) عوالي اللآلي 1: 197 198/ 8، مسند أحمد بن حنبل 5: 53.

(2) الذكرى: 208 (حجريّ).

(3) مسند أحمد بن حنبل 1: 123، سنن الدارمي 1: 175.

(4) عوالي اللآلي 1: 416/ 91.

(5) الذكرى: 205 (حجريّ).

(6) التفسير المنسوب للإمام العسكري (عليه السلام): 521.

(7) بحار الأنوار 82: 310/ 17، الهداية (الصدوق): 133.

(8) الكافي 3: 69/ 2، و فيه: «افتتاح» بدل: «مفتاح».

(9) بحار الأنوار 82: 303/ 6، مناقب آل أبي طالب 4: 143، بتفاوت.

19

ما افتتاح الصلاة؟ قال: (الطهور). و يمكن أن يكون ما هنا صواباً، و أراد بافتتاحها أوّلها.

و في (المناهج): إن الصدوق (1): و الشيخ (2): و المرتضىٰ (3): رووا عن أمير المؤمنين (صلوات اللّٰه عليه): مرسلًا أنه قال

مفتاح الصلاة الطهور، و تحريمها التكبير، و تحليلها التسليم.

قال في (المنتهىٰ): (لا يقال: هذا خبر مرسل في طرقكم فلا يُعملُ به؛ لأنا نقول: لانسلّم أنه مرسل، فإن الأُمّة تَلَقّته بالقبول و نقله الخاصّ و العامّ، و مثل هذا الحديث البالغ في الشهرة قد تُحذَف رواتُه اعتماداً علىٰ شهرته. على أن الشيخ محمّد بن يعقوب الكليني: رواه مسنداً) و ذكر خبر القدّاح: بسنده، ثمّ قال: (و لو سُلّمَ فهؤلاء الثلاثة هم العمدة في ضبط الأحاديث، و لو لا علمهم بصحّته لما أرسلوه و حكموا بأنه من قوله (عليه السلام)) (4)، انتهىٰ.

و الظاهر أن أميرَ المؤمنين: راوٍ لَهُ عن الرسول (صلى الله عليه و آله):، فصواب العبارة أنه قال

قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله)

إلىٰ آخره.

قال في (الذكرى): (و مَنْ نصر الأخير استدلّ بما رواه أمير المؤمنين (عليه السلام): عن النبيّ (صلى الله عليه و آله): أنه قال ..) (5). و ذكر الخبر. و لكن هكذا في نسخة (المناهج) التي نقلتُ منها، و ليس معنا غيرها، وظاهرُها أنها بخطّ مصنّفها، و لا يعصم من السهو إلّا المعصوم، و اللّٰه العالم بحقيقة الحال.

و وجه الاستدلال بهذا الخبر المستفيض من وجهين:

أحدهما: أنه جعل التسليم في آخر الصلاة بمثابة التكبير في أوّلها، و التكبيرُ واجبٌ داخلٌ لا نعلم فيه خلافاً لا فتوًى و لا نصّاً، فالتسليم مثله، فكما أن تحريمها

____________

(1) الفقيه 1: 23/ 68، و فيه: «افتتاح الصلاة الوضوء» بدل: «مفتاح الصلاة الطهور».

(2) الخلاف 1: 377/ المسألة: 134.

(3) الناصريّات: 211/ المسألة: 82.

(4) منتهى المطلب 1: 295.

(5) الذكرى: 207 (حجريّ).

20

طرفها الأوّل، فتحليلها طرفُها الآخرُ.

الثاني: حمل التسليم على التحليل، و هو يقتضي حصر التحليل فيه؛ لعدم جواز أن يُحمل الأخصّ على الأعمّ إلّا بطريق المجاز و المبالغة، فلو كان مندوباً لجاز الخروج بغيره ضرورة جواز ترك المندوب.

و قال فاضل (المناهج):: (الروايتان الأُوليان تدلّان على انحصار تحليلها فيه من وجهين:

الأوّل: أن المصدر المضاف إلى المعرفة يُفيدُ العمومَ، فيفيد أن كلّ تحليل للصلاة فهو التسليم، أي حاصلٌ به، و في حمله عليه مبالغة في الانحصار، كما لا يخفىٰ.

و الثاني: تقديم التحليل، فإنه لا يخلو؛ إمّا أن يكونَ المرادُ بهذا الكلام الإخبارَ عن التحليل بكونه تسليماً، علىٰ ما تقتضيه الأُصول من وجوب تقديم المبتدأ فيما إذا كانا معرفتين، فيكون التسليم خبراً، و الخبر؛ إمّا مساوٍ للمُخْبَرِ عنه، أو أعمّ.

أو يكون المرادُ الإخبار عن التسليم بأنه تحليلٌ للصلاة، فيكون المسند قد قُدّم، و هو يفيد الحصر، مع أن حمل المفرد على المفرد يقتضي تساويهما في الصدق.

أو يكون المراد تفسير التحليل، فيفيد أن ماهيّة التحليل هي التسليم، و هو أفيدُ للحصر)، انتهىٰ.

و قال فخر المحقّقين:: (و هو الصحيح عندي يعني: وجوب التسليم لقول النبيّ (صلى الله عليه و آله):

مفتاح الصلاة الطهور، و تحريمها التكبير، و تحليلها التسليم.

و ذلك يقتضي الحصر، و لأنه (صلى الله عليه و آله) كان يخرج من الصلاة بهِ لا بغيره) (1)، فجزم بنسبة الخبر له (صلى الله عليه و آله)، و أنه لا يخرج إلّا بالتسليم.

الرابع عشر: صحيح عليّ بن جعفر: قال: (رأيت إخوتي موسى: و إسحاق: و محمّداً: أبناء جعفر (عليه السلام): يسلّمون في الصلاة على اليمين و الشمال

السلام عليكم و رحمة اللّٰه

،

____________

(1) إيضاح الفوائد: 115 116.

21

و

السلام عليكم و رحمة اللّٰه

) (1). وجه الدلالة: أن الأصلَ في فعل المعصوم المقصود به القربة الوجوبُ، خصوصاً في الصلاة.

الخامس عشر: ورود الأمر به في أخبار كثيرة، و الأمر للوجوب.

منها: صحيح الحلبي: عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أنه قال

إذا لم تدرِ أربعاً صلّيت [أم]

(2)

خمساً، أَمْ نقصت أَمْ زدت، فتشهّد و سلم

(3)

الخبر.

و منها: صحيح سليمان بن خالد:: سألتُ أبا عبد اللّٰه (عليه السلام): عن رجل نسي أن يجلس في الركعتين الأُوليين، فقال

إنْ ذكر قبل أن يركع فليجلس، و إن لم يذكر حتّى يركع فليتمَّ الصلاة، حتّى إذا فرغ فليسلِّم

(4)

الخبر.

و صحيح ابن أبي يعفور: قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام): عن رجل صلّى الركعتين من المكتوبة، [فلا (5)] يجلس فيها حتّى يركع، فقال

يتمّ صلاته، ثمّ يسلّم

(6)

الخبر.

و صحيح محمّد بن مسلم: قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام): عن رجل صلّىٰ ركعتين و لا يدري ركعتين هي أو أربع قال

يسلّم، ثمّ يقوم فيصلّي ركعتين

(7)

الخبر.

و صحيح عبد اللّٰه الحلبي: عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): في الرجل خلف الإمام فيطيل الإمام التشهّد، فقال

يسلّم مَن خلفه، و يمضي في حاجته إن أحبَّ

(8)

.

____________

(1) تهذيب الأحكام 2: 317/ 1297، وسائل الشيعة 6: 419، أبواب التسليم، ب 2، ح 2.

(2) في المخطوط: (أو)، و ما أثبتناه من المصدر.

(3) تهذيب الأحكام 2: 196/ 772، الإستبصار 1: 380/ 1441، وسائل الشيعة 8: 224 225، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ب 14، ح 4.

(4) تهذيب الأحكام 2: 158/ 618، الإستبصار 1: 362/ 1374، وسائل الشيعة 6: 402، أبواب التشهّد، ب 7، ح 3.

(5) من المصدر، و في المخطوط: (فلم).

(6) تهذيب الأحكام 2: 158/ 620، الإستبصار 1: 363/ 1375، وسائل الشيعة 6: 402، أبواب التشهّد، ب 7، ح 4.

(7) تهذيب الأحكام 2: 185/ 737، الإستبصار 1: 372/ 1414، وسائل الشيعة 8: 221، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ب 11، ح 6.

(8) تهذيب الأحكام 2: 317/ 1299.

22

و حسنة ابن أبي عمير: عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): في رجل صلّىٰ فلم يدرِ اثنتين صلّى أم ثلاثاً أم أربعاً؟ قال

يقوم فيصلّي ركعتين من قيام و يسلّم، ثمّ يصلّي ركعتين من جلوس و يسلّم

(1)

الخبر.

و حسنة زرارة: عن أبي جعفر (عليه السلام): في حديث طويل قال فيه

و إن كنت قد صلّيت العشاء الآخرة و نسيت المغرب، فقم فصلِّ المغرب، و إن كنت ذكرتها و قد صلّيت من العشاء الآخرة ركعتين أو ثلاثاً فانوها المغرب ثمّ سلّم

(2)

الخبر.

و حَسَن زرارة: عن أحدهما (عليهما السلام)، قلت له: رجل لا يدري أ واحدة صلّى أم اثنتين؟ قال

يعيد

، قلت: رجل لا يدري اثنتين صلّى أم ثلاثاً؟ قال

إن دخله الشكّ بعد دخوله في الثالثة مضى في الثالثة، ثمّ صلّى الأُخرىٰ و لا شيء عليه، و يسلّم

(3)

.

و موثّقة أبي بصير: عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): قال

إذا لم تدرِ أربعاً صلّيت أم ركعتين، فقم و اركع ركعتين، ثمّ سلّم و اسجد سجدتين و أنت جالس، ثم تسلّم بعدهما

(4)

.

و موثّقة عمّار بن موسى:: سألتُ أبا عبد اللّٰه (عليه السلام): عن رجل صلّىٰ [ثلاث] (5) ركعات و هو يظن أنها أربع قال

يبني علىٰ صلاته متى ما ذكر، و يصلّي ركعة و يتشهّد و يسلّم

(6)

الخبر.

و منها: ما في (المعتبر) نقلًا من جامع البزنطي: عن عبد الكريم: عن أبي بصير: قال

____________

(1) الكافي 3: 353/ 6، التهذيب 2: 187/ 742، وسائل الشيعة 8: 223، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ب 13، ح 4.

(2) الكافي 3: 291 292/ 1، تهذيب الأحكام 3: 158 159/ 340، وسائل الشيعة 4: 290 291، أبواب المواقيت، ب 63، ح 1.

(3) الكافي 3: 350/ 3، تهذيب الأحكام 2: 192/ 759، وسائل الشيعة 8: 189، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ب 1، ح 6، و أيضاً 8: 214، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ب 9، ح 1.

(4) تهذيب الأحكام 2: 185/ 738، وسائل الشيعة 8: 221، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ب 11، ح 8.

(5) من المصدر.

(6) تهذيب الأحكام 2: 353 354/ 1466، وسائل الشيعة 8: 203، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ب 3، ح 14.

23

قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام):

إذا كنت وحدك فسلّم تسليمةً واحدةً عن يمينك

(1)

.

و ما في (البحار) نقلًا من (المعتبر)، و (المنتهىٰ)، و (التذكرة)، نقلًا من جامع البزنطي عن عبد اللّٰه بن أبي يعفور:: سألت أبا عبد اللّٰه: عن تسليم الإمام و هو مستقبل القبلة قال

يقول: السلام عليكم

(2)

.

و فيه نقلًا من (دعائم الإسلام) عن جعفر بن محمَّد (عليهما السلام): قال

فإذا قضيت التشهّد فسلّم عن يمينك و عن شمالك، تقول: السلام عليكم و رحمة اللّٰه، السلام عليكم و رحمة اللّٰه

(3)

.

و بالجملة، فالأخبار الآمرة بالتسليم آخر الصلاة أكثر من أن أُحصيها، و مدلولُ الأمر الوجوبُ، فيحتاج القائلُ بالاستحباب إلىٰ دليلٍ يقاومُها، و لا دليل.

السادس عشر: ما رواه الصدوق: في (العلل) بسنده عن المفضّل بن عمر:: سألتُ أبا عبد اللّٰه (عليه السلام): عن العلّة التي من أجلها وجب التسليم في الصلاة قال

لأنه تحليل للصلاة

الخبر.

إلى أن قال: قلت: فَلِمَ صار تحليل الصلاة التسليم؟ قال

لأنه تحيّة المَلَكَينِ، و في إقامة الصلاة بحدودها و ركوعها و سجودها و تسليمها سلامة للعبد من النار

(4)

الخبر.

و فيه من الدلالة ما لا يخفىٰ، بل ظاهره أن المعروف بين أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) هو الوجوب، حيث وقع السؤال عن علّة وجوب التسليم.

السابع عشر: ما رواه الصدوق: في (معاني الأخبار) بسنده عن عبد اللّٰه بن الفضل الهاشميّ: قال: سألتُ أبا عبد اللّٰه (عليه السلام): عن معنى التسليم في الصلاة، فقال

التسليم علامة الأمن، و تحليل للصلاة

، قلت: و كيف ذلك جعلت فداك؟ قال

كان الناس فيما مضى إذا سلّم عليهم واردٌ أمِنُوا شرَّهُ، و كانوا إذا ردّوا عليه أمِنَ شرَّهم، و إن لم يسلّم لم يأمنوه، و إن لم

____________

(1) المعتبر 2: 237.

(2) بحار الأنوار 82: 302/ 4، المعتبر 2: 236، منتهى المطلب 1: 296 297، تذكرة الفقهاء 3: 246.

(3) بحار الأنوار 82: 308/ 14، دعائم الإسلام 1: 215.

(4) علل الشرائع 2: 57 58/ 1.

24

يردّوا على المُسَلِّم لم يأمنهم، و ذلك خُلُقٌ في العرب، فجعل التسليم [علامة

(1)

] للخروج من الصلاة، و تحليلًا للكلام، و أمناً مِنْ أنْ يدخل في الصلاة ما يفسدها

(2)

.

وجه الدلالة فيه من ثلاثة أوجه:

أحدها: نصّه أنه تحليل الصلاة، و قد مضى وجه دلالته.

الثاني: أنه دلّ على أنه إذا وقع قبله شيء من مفسدات الصلاة بطلت، و بعده لا تبطل.

الثالث: ما قرّره فاضل (المناهج): بعد أن أورد هذه الرواية، و رواية علل الصدوق: المتقدّمة (3)، و ما رواه الفضل بن شاذان: من (العلل)، حيث قال

فإنْ قال: فلِمَ جعل التسليم تحليلَ الصلاة و لم يجعل بدله تكبيراً أو تسبيحاً أو ضرباً آخر؟ قيل: لأنه لمّا كان في الدخول في الصلاة تحريمُ الكلام للمخلوقين و التوجّه إلى الخالق، كان تحليلها كلام المخلوقين و الانتقال عنها، و ابتداء المخلوقين بالكلام إنما هو بالتسليم

(4)

.

قال (رحمه الله): (وجه دلالة الروايات مع تصريح رواية المفضّل بالوجوب، أنها دلّت صريحاً على أن التسليم علّة لانحلال الصلاة و الخروج منها و حليّة ما ينافيها، و المعلولُ عدمٌ عند عدم علّتهِ، الّا أن يتيقّن أنه يخلف بدلها علّة أُخرى، لكن لا يتيقّن هنا، فتعيّن ألّا يتحقّق الخروج من الصلاة إلّا به)، انتهىٰ.

و هو حسن، لكن دلالة خبر علل الفضل على العلّية فيه تأمّل.

الثامن عشر: صحيح زرارة: و محمّد بن مسلم:، قالا: قلنا لأبي جعفر (عليه السلام):: رجل صلّىٰ في السفر أربعاً أ يُعيدُ؟ قال

إن كان قُرئتْ عليه آية التقصير و فسّرت له فصلّى أربعاً أعادَ، و إن لم يكن قُرِئتْ عليه و لم يعلمها فلا إعادة عليه

(5)

.

____________

(1) من المصدر، و في المخطوط: (علّة).

(2) معاني الأخبار: 175 176، وسائل الشيعة 6: 418، أبواب التسليم، ب 1، ح 13.

(3) علل الشرائع 2: 57/ 1، وسائل الشيعة 6: 417 418، أبواب التسليم، ب 1، ح 11.

(4) علل الشرائع 1: 305/ 9، وسائل الشيعة 6: 417، أبواب التسليم، ب 1، ح 10.

(5) تهذيب الأحكام 3: 226/ 571، وسائل الشيعة 8: 506، أبواب صلاة المسافر، ب 17، ح 4.

25

و هذا الخبر هو عمدة العصابة في صحّة صلاة المسافر تماماً إذا كان جاهلًا بحكم التقصير، و لو كان التسليم مندوباً لَمَا بطلت صلاة العالِم بالتقصير لو أتمّ؛ لوقوع الزيادة خارج الصلاة.

التاسع عشر: موثّق أبي بصير: قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام): يقول في رجل صلّى الصبح، فلمّا جلس في الركعتين قبل أن يتشهّد رعف قال

فليخرج فليغسل أنفه، ثمّ ليرجع فليتمّ صلاته، فإنّ آخر الصلاة التسليم

(1)

.

العشرون: ظاهرُ النصّ (2) و الفتوىٰ (3) بلا معارض عدمُ مشروعيّة صلاة الاحتياط قبل التسليم، و لو كان مندوباً لشرع قبله، و لا دليل علىٰ مشروعيّته قبله.

الحادي و العشرون: الظاهرُ أيضاً من النصّ (4) و الفتوىٰ (5) عدمُ مشروعيّة سجدتي السهو قبل التسليم، و أن فعلهما قبله إنما هو مذهب العامّة (6)، و لو كان مستحبّاً لَشَرعتا قبله بلا نكير، و ليس كذلك.

الثاني و العشرون: يلزم القولَ بالاستحباب؛ إمّا موافقةُ أبي حنيفة: في القول بجواز الخروج من الصلاة بكلّ مُنَافٍ (7)، أو القولُ بتعيّن الخروج بآخِرِ واجبٍ منها، و لا قائل بشيء منهما، و لا دليل عليه، بل الإجماع قائم علىٰ نفيهما و علىٰ وجوب الخروج منها كما قام علىٰ وجوب الدخول فيها، فتعيّن القول بوجوب التسليم و انحصار المُخْرِجِ فيه.

____________

(1) تهذيب الأحكام 2: 320/ 1307، الإستبصار 1: 345/ 1302، وسائل الشيعة 6: 416، أبواب التسليم، ب 1، ح 4.

(2) الكافي 3: 352/ 4، تهذيب الأحكام 2: 186/ 739.

(3) المقنعة (ضمن سلسلة مؤلّفات الشيخ المفيد) 14: 146، النهاية: 90 91.

(4) الفقيه 1: 225/ 994، تهذيب الأحكام 2: 195/ 768، الإستبصار 1: 380/ 1438، وسائل الشيعة 8: 208، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ب 5، ح 3.

(5) رسائل الشريف المرتضىٰ 3: 37، المبسوط 1: 125.

(6) المغني 2: 22 23، عمدة القارئ 7: 301.

(7) المجموع شرح المهذّب 3: 462.

26

الثالث و العشرون: استقرّ المذهب بلا خلاف يُعْلمُ و دلّت الأخبار علىٰ عدم مشروعيّة قضاء السجدة المنسيّة و التشهّد المنسيّ قبل التسليم (1)، و يلزمه وجوبُه؛ إذ لو كان مندوباً لشرع ذلك قبله.

الرابع و العشرون: موثّقة عمّار بن موسى:: سألتُ أبا عبد اللّٰه (عليه السلام): عن التسليم ما هو؟ فقال

إذنٌ

(2)

.

قال الشيخ بهاء الدين:: (فإن حكمه (عليه السلام) بأن التسليمَ إذْنٌ يعطي بظاهره عدم جواز الخروج من الصلاة بدون الإذْنِ) (3).

قلت: و يعطي أيضاً بظاهره أنه بوقوعه تتحقّق الرخصة في العمل المنافي، و به يتحقّق انقطاع القدوة من المأموم، و أنه به أُذِنَ للمأموم في مفارقة الإمام.

و قد أطال البهائي (رحمه الله): في الاستدلال للقول بالوجوب، و لننقل ملخّصاً من عبارته لحسنه و كلّ بحثه هنا حسن قال (رحمه الله): (و الذي يظهر لي أن القولَ بالوجوب أقربُ. لنا: ما تضمّنه الحديث الثالث يعني: صحيح زرارة: و ابن مسلم (4): من إعادة المسافر إذا صلّى أربعاً، و معلوم أن ذلك للزيادة في الصلاة، و لو كان التسليم مستحبّاً لانقطعت بإتمام التشهّد فلم يحصل الزيادة فيها، و الحملُ علىٰ ما إذا نوى الأربع ابتداءً فالفسادُ سابقٌ لا لاحقٌ بعيدٌ مخالفٌ لإطلاق الحديث، فإن منعوا انقطاع الصلاة ركوناً إلى أن التسليم من أجزائها المستحبّة نقضوا ما هو عمدتهم في الاستدلال على استحبابه، أعني: ما تضمّنه الحديث العاشر من صحّة صلاة من أحدث قبل التسليم، فكفونا مؤنة الكلام فيه) (5).

ثمّ أخذ يستدلّ بالأخبار الآمرة بالتسليم و بأخبار صلاة الخوف، فإن وقوع

____________

(1) الكافي 3: 357/ 8، تهذيب الأحكام 2: 344/ 1429، وسائل الشيعة 6: 406، أبواب التشهّد، ب 9، ح 3.

(2) تهذيب الأحكام 2: 317/ 1296، وسائل الشيعة 6: 416، أبواب التسليم، ب 1، ح 7.

(3) الحبل المتين (ضمن رسائل الشيخ بهاء الدين): 255 (حجريّ).

(4) تهذيب الأحكام 3: 226/ 571، وسائل الشيعة 8: 506، أبواب صلاة المسافر، ب 17، ح 4.

(5) الحبل المتين (ضمن رسائل الشيخ بهاء الدين): 255 (حجريّ).

27

التسليم فيها مع ضيق الحال و الاضطرار- [راجع] إلىٰ مراعاة التخفيف بترك بعض الواجبات التي يسوغ تركها للضرورة كالسورة، فضلًا عن المندوبات.

قال (رحمه الله): (و لنا أيضاً ما تضمّنه الحديث [السادس (1)] و السابع و الثامن و التاسع، فإن الخبر فيها بمعنى الأمر، و دلالة الثامن أبلغ، فإن أمرَهُم بالتسليم في ذلك الوقت يعني: وقت الحرب و مناجزة العدو المناسب للتخفيف ظاهرٌ في المراد).

إلى أن قال: (و في الحديث الخامس و العشرين يعني موثّقة أبي بصير: السابقة (2) دلالة على الجزئيّة، فإن قالوا بها لزم نقض الحديث العاشر، كما قلناه في الثالث). يعني بالعاشر الخبر الدالّ علىٰ صحّة صلاة من أحدث قبل التسليم (3)، فإن الجزئيّة تنافي الصحّة حينئذٍ.

ثمّ قال (رحمه الله): (و لنا أيضاً ما رواه الشيخ: و ابن بابويه: و المرتضىٰ: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): أنه قال

قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله):: مفتاح الصلاة الطهور، و تحريمها التكبير، و تحليلها التسليم

(4)

، و قد وقع التسليم خبراً عن التحليل، و الخبر؛ إمّا مساوٍ للمبتدإ، أو أعمّ منه، فلو حصل التحليل بغير التسليم للزم الإخبار بالأخصّ عن الأعمّ، على أن المصدر المضاف يفيد العموم، فيستفاد من الخبر أن كلّ محلّلٍ تسليمٌ.

و أُورِدَ عليه أنه خبر مرسل فلا يجوز التعويل عليه في إثبات الأحكام الشرعيّة.

و ذبّ عنه العلّامة: في (المنتهىٰ) (5) بأن الأُمّة تلقّته بالقبول و نقله الخاصّ و العامّ، و ما هو بهذه المثابة من الشهرة قد تحذف رواته اعتماداً علىٰ شهرته، و هؤلاء

____________

(1) من المصدر، و في المخطوط: (الثالث).

(2) تهذيب الأحكام 2: 320/ 1307، الإستبصار 1: 345/ 1302، وسائل الشيعة 6: 416، أبواب التسليم، ب 1، ح 4.

(3) تهذيب الأحكام 2: 320/ 1306، الإستبصار 1: 345/ 1301، وسائل الشيعة 6: 424، أبواب التسليم، ب 3، ح 2.

(4) الخلاف 1: 377/ المسألة: 134، الفقيه 1: 23/ 68، الناصريّات: 211/ المسألة: 82.

(5) منتهى المطلب 1: 295.

28

المشايخ الثلاثة هم العمدة في ضبط الأحاديث، و لو لا علمهم بصحّته لما أرسلوه و حكموا بأنه من قوله (صلى الله عليه و آله). هذا ملخّص كلامه.

و قد يؤيّد أيضاً بأن مذهب السيّد في العمل بأخبار الآحاد معروف، فلو لم يكن اشتهار هذا الحديث في زمنه بالغاً حدّا يخرجه عن تلك المرتبة لم يحسن تعويله عليه، فتأمّل.

و لنا أيضاً مواظبة النبيّ (صلى الله عليه و آله): على الخروج به من الصلاة، بحيث لم ينقل إلينا خروجه بغيره أصلًا، و قد قال (صلى الله عليه و آله)

صلّوا كما رأيتموني أُصلّي

(1)

، و مواظبة أئمّتنا (سلام اللّٰه عليهم) عليه، فقد قال الصادق (عليه السلام): بعد الإتيان به

يا حمّاد:، هكذا صلِّ

(2)

، خرج ما عداه ممّا علم استحبابه بدليل خاصّ، فبقي الباقي.

و كذا مواظبة السلف من الصحابة و التابعين و غيرهم، حتّى ادّعىٰ بعض علمائنا: (إن قول سلف الأُمّة

السلام عليكم

عقيب الصلاة داخل في ضروريّات الدين) (3).

و لنا أيضاً أحاديث متكثّرة سوىٰ ما مرّ متضمّنة للأمر بالسلام، و بعضها لا يخلو من اعتبار، كما رواه أبو بكر الحضرمي: قال: قلت له: أُصلّي بقوم، فقال

سلّم واحدة و لا تلتفت، قل: السلام عليك أيّها النبيّ و رحمة اللّٰه و بركاته، السلام عليكم

(4)

) (5). ثمّ ذكر جملة من الأخبار الآمرة بالتسليم، مثل خبر الحسين بن أبي العلاء (6):، و خبر ابن أبي يعفور (7):، و خبر عبد الرحمن بن سيّابة: و أبي العباس (8):.

____________

(1) عوالي اللآلي 1: 197 198/ 8، مسند أحمد بن حنبل 5: 53.

(2) الكافي 3: 311 312/ 8، الأمالي (الصدوق): 337 338/ 13، تهذيب الأحكام 2: 81 82/ 301، وسائل الشيعة 5: 461، أبواب أفعال الصلاة، ب 1، ح 2.

(3) الذكرى: 208 (حجريّ).

(4) تهذيب الأحكام 3: 48/ 168.

(5) الحبل المتين (ضمن رسائل الشيخ بهاء الدين): 255 256 (حجريّ).

(6) تهذيب الأحكام 2: 159/ 623، وسائل الشيعة 6: 403، أبواب التشهّد، ب 7، ح 5.

(7) تهذيب الأحكام 2: 156/ 609، الإستبصار 1: 360/ 1366، وسائل الشيعة 6: 370، أبواب السجود، ب 16، ح 1.

(8) الكافي 3: 353/ 7، وسائل الشيعة 8: 211، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ب 7، ح 1.

29

ثمّ قال (رحمه الله): (و الروايات في هذا الباب كثيرة جدّاً، و قد يستدلّ أيضاً بأن شيئاً من التسليم واجبٌ، و لا شيءَ من التسليم في غير الصلاة بواجبٍ، فشيءٌ منه واجب في الصلاة.

أمّا الصغرىٰ فلقوله تعالىٰ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً (1)، و أمّا الكبرى فبالإجماع.

و هذا الدليل ممّا أورده العلّامة (2): و غيره، و هو مشهور على ألسنة القائلين بوجوب التسليم) (3)، انتهىٰ كلامه، زِيدَ عُلاه و إعظامه.

و استدلّ في (الذكرى) بجملة من الأخبار المذكورة، و بما روي عن ابن مسعود: قال: (ما نسيت من الأشياء فلم أنسَ تسليم رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): في الصلاة عن يمينه و شماله

السلام عليكم و رحمة اللّٰه

). و بما روت عائشة أن النبيّ (صلى الله عليه و آله): كانت له في الصلاة تسليمة واحدة تلقاء وجهه.

و ممّا استدل به أيضاً بعد هذا ما قال: (و يستدلّ على أصحابنا بأنه قد ثبت بلا خلاف وجوب الخروج من الصلاة كما ثبت وجوب الدخول فيها، فإن لم يقف الخروج منها على السلام دون غيره جاز أن يخرج بغيره من الأفعال المنافية للصلاة كما يقول أبو حنيفة:، و أصحابنا لا يجيزون ذلك، فثبت وجوب التسليم) (4).

و هذا قد مضى نقله، و إنما أعدناهُ لربط ما بعده به، و هذا في غاية القوّة، رفع اللّٰه درجاته.

و استدلّ أيضاً بعدّة وجوه: كملازمة أهل بيت النبوّة (صلوات اللّٰه عليهم) عليه و كذا الصحابة، و جملة السلف، و بجملة من الأخبار.

____________

(1) الأحزاب: 56.

(2) منتهى المطلب 1: 295.

(3) الحبل المتين (ضمن رسائل الشيخ بهاء الدين): 256 (حجريّ).

(4) الذكرى: 205 (حجريّ).

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

القول بالاستحباب و ردّه

و أجاب القائلون بالاستحباب عن الاستدلال ب: (أن شيئاً من التسليم واجب) (1) إلىٰ آخره. بأن ظاهر الآية (2) أن المراد منه التسليم على النبيّ (صلى الله عليه و آله):، و هو ليس بواجبٍ عيناً لا في الصلاة، و لا في غيرها بالإجماع. كذا قال فاضل (المناهج):.

و الجوابُ ما مرّ إن كان المستند في هذا للرواية، و إن كان لمجرّد دعوى الظاهريّة منعنا أنه ظاهرها، و لو سلّم فالجواب عنه ما أفاده فاضل (المناهج):، حيث قال (رحمه اللّٰه تعالىٰ)، بعد أن ذكر هذا الجواب-: (و لا يخفىٰ ما فيه، فإنه لا يضرّ المستدلّ، فإنه يقول: لمّا كان ظاهر الأمر الوجوب لزم الحمل عليه ما لم يدلّ علىٰ إرادة غيره منه دليلٌ، فلا بدّ مِنْ ألّا يحمل على السلام على النبيّ (صلى الله عليه و آله):؛ لئلّا يلزم وجوبُه الذي اعترفتم بالإجماع علىٰ نفيه).

و هو جليل جميل، لكنّه قال (رحمه الله) بعد هذا: (بل الجواب أنا لا نسلّم أن المراد التلفّظ بلفظ السلام، بل الاستسلام له، و الانقياد إليه، و إطاعته فيما يأمر و ينهىٰ. و قد روىٰ أبو بصير: عن الصادق (صلوات اللّٰه عليه)-:

إنّ المراد به التسليم للنبيّ (صلى الله عليه و آله): في الأُمور

(3)

، أو لا نسلّم أنه لا شيء منه بواجب في غير الصلاة، و لِمَ لا يجوز أن يكون قد كان واجباً في حياته (صلى الله عليه و آله)، و إن كان مرّة واحدة؟!) انتهىٰ.

أقول: سياق الآية و عطفه علىٰ صَلُّوا عَلَيْهِ (4) المرادُ به التلفّظ بالنصّ (5)

____________

(1) الحبل المتين: 256.

(2) الأحزاب: 56.

(3) بحار الأنوار 2: 200/ 64، بتفاوت.

(4) الأحزاب: 56.

(5) ثواب الأعمال: 187/ 1.

32

و الإجماع يقتضي إرادة التلفّظ بلفظه كالمعطوف عليه بلا شكّ و لا غبار عليه، و ما ورد من تفسيرها (1) بالتسليم له و الانقياد أمراً و نهياً لا ينافي الظاهر من الآية.

فالقرآن الكريم له بطون إلىٰ سبعين بطناً، و تأويل و تنزيل، و ظاهر و باطن، و له تخوم، و لتخومه تخوم، و كلّ بطن يختصّ التكليف به برتبة من رتب الوجود لا يجوز تكليف ما دونها به، فإنه لا يجوز أن يكلّف مَنْ في الدرجة الأُولىٰ مِنْ دُرَج الإيمان بتكاليف مَنْ هو في الدرجة الثانية، و هكذا صعوداً، فإنه يستلزم ألّا يتحقّق وصف الإيمان إلّا في أهل العصمة، بل في خصوص أهل بيت محمَّد (صلى الله عليه و آله):.

و لو كان ما ذكره ينافي الاستدلال بظاهر الأمر لم يتمّ أن هذا معناها، و لا أمكن الاستدلال بها علىٰ وجوب الانقياد و التسليم لأمره و نهيه؛ لأنه قد ورد في معناها غير هذا.

ففي (القمّي): (قوله وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً يعني: سلّموا له و بالولاية و بما جاء به) (2).

و في (الاحتجاج) عن أمير المؤمنين (عليه السلام):: [

و

(3)

] لهذه الآية ظاهر و باطن، فالظاهر قوله

صَلُّوا عَلَيْهِ

، و الباطن قوله

وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً

أي سلّموا لمن وصّاه و استخلفه عليكم، فضّله و عهد به إليه تسليماً

(4)

، و غير ذلك ممّا ورد في معناها.

على أنه قد ورد تفسيرها بالتلفّظ بالتسليم عليه، ففي (ثواب الأعمال) عن الكاظم (عليه السلام): في حديث طويل في هذه الآية أنه قال

و أمّا قوله عزَّ و جلَّ

وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً (5)

يعني: التسليم فيما ورد عنه.

قيل: فكيف نصلّي علىٰ محمّد: و آله؟ قال

تقولون: صلوات اللّٰه و صلوات ملائكته و أنبيائه و رسله و جميع خلقه علىٰ محمّد و آل محمّد،

____________

(1) مجمع البيان 8: 479.

(2) تفسير القمّي 2: 196.

(3) من المصدر، و في المخطوط: (إنّ).

(4) الاحتجاج 1: 597.

(5) الأحزاب: 56.

33

و السلام عليه و عليهم و رحمة اللّٰه و بركاته

(1)

الخبر.

و الأخبار بإرادة التلفّظ بالتسليم عليه كثيرة، مثل ما تكرّر في الأخبار من قول الصحابة: (عرفنا التسليم عليك، فكيف الصلاة عليك؟) (2). ممّا دلّ على أنهم إنما فهموا منها التسليم عليه باللفظ.

هذا، و الحقّ أن ظاهر سياق الآية إنما يدلّ على التسليم عليه؛ لأنه مقتضى العطف، لكن لقائلٍ أن يقول: إن التسليم في الصلاة داخل في ظاهر السياق، بدليل النصّ (3) و الفتوىٰ (4)، بأن المصلّي يقصد بسلامه محمّداً: و آله صلّى اللّٰه عليه و عليهم و لا ينافيه جواز قصد غيرهم معهم كالملائكة أو الأنبياء أو الجماعة أو الملكين. و بهذهِ الملاحظة يتمّ هذا الاستدلال.

و أمّا احتمال وجوبه في حياته و لو مرّة فكما ترى؛ لعدم الدليل عليه، و لأنه ربّما أفضى إلى النسخ بعد موته، و اللّٰه العالم.

و أورد الشيخ بهاء الدين: علىٰ هذا الدليل ما صورته قال بعد أن ذكره: (فإن قلت: حدّ الأوسط في هذا القياس إن كان لفظ (واجباً) ليكون ضرباً ثالثاً من الشكل الثاني، لم يستقم؛ لأن النتيجة فيه موجبة، و هذا لا يكون في شيء من ضروب الشكل الثاني.

و إن كان (شيء من التسليم) ليكون ضرباً خامساً من الشكل الثالث، فكذلك أيضاً؛ لأن نتيجة هذا الضرب سالبة جزئيّة، على أن الباقي من هذا القياس بعد إسقاط الحدّ الأوسط ليس هو الأوسط، بل هو عنه بمراحل.

و بالجملة، فهو قياس مختلّ؛ إذ ليس علىٰ وتيرة شيء من الإشكال الأربعة).

____________

(1) ما ورد في ثواب الأعمال عن الكاظم (عليه السلام) يختلف عمّا في المتن. نعم، ورد بهذا النصّ عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في معاني الأخبار. راجع: ثواب الأعمال: 187 188/ 1، معاني الأخبار: 367 368/ 1.

(2) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 236.

(3) وسائل الشيعة 6: 421، أبواب التسليم، ب 2، ح 8، 9.

(4) المبسوط 1: 116.

34

و أجاب عنه بما لفظه: (قلت: خروجه عن وتيرة الأشكال الأربعة لا يوجب خلله إلّا إذا لم يستلزم النتيجة، و الاستلزام هنا ظاهر، فإنه إذا ثبت وجوب التسليم و ثبت عدم وجوبه في حال من الأحوال في غير الصلاة، لزم وجوبه فيها البتّة.

و كم قياس ليس على النمط المألوف في الأشكال الأربعة بتغييرٍ ما في الحدّ الأوسط أو ما شابه ذلك و هو منتج، نحو قولنا: زيد مقتول بالسيف، و السيف آلة حديديّة، فإنه ينتج بأنه مقتول بآلة حديديّة.

بل ربّما لا يوجد الحدّ الأوسط أصلًا و يلزم عنه قول ثالث، نحو قولنا: كلّ ممكن حادث، و كلّ واجب قديم، فإنه يلزم منه لا شيء من الممكن بواجب) (1).

قلت: و قال هو (رحمه الله) في حواشي (الحبل): (لا يخفى أن هذا الكلام يعني: الاعتراض بأن هذا خارج عن أُسلوب الأشكال الأربعة إنما يتّجه إذا تألّف الدليل علىٰ هيئة القياس الاقتراني، و أمّا لو أُلّف علىٰ هيئة القياس الاستثنائي لم يتّجه هذا الكلام. كأن يقال: التسليم إمّا واجب في الصلاة أو في غيرها، لكنّه في غير الصلاة غير واجب، فهو واجب في الصلاة) (2)، انتهىٰ.

و أقول: هو في غنًى عن هذه التكلّفات، فإن الدلالة غير منحصرة في القياس الاقتراني و لا الاستثنائي، فالملزوم يدلّ على اللازم، و بالعكس أيضاً بالنظر الدقيق؛ لأنا لا نقول بجواز أعميّة اللازم كما هو الشائع في ألسنة أقلّاء أهل النظر، و إن كان كلامهم حقّا بوجه، و ليس هنا محلّ بيانه. و العلّة تدلّ على المعلول، و بالعكس في وجه صحيح، و لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا (3)، و كلّ إناء بالذي فيه ينضح.

فيكفيه في الاستدلال أن يقول: ثبت وجوب التسليم بمقتضى الأمر، و لا قائل بوجوب التسليم عيناً في غير الصلاة، فثبت وجوبه في الصلاة، و إلّا لزم؛ إمّا خرق

____________

(1) الحبل المتين (ضمن رسائل الشيخ بهاء الدين): 256 (حجريّ).

(2) الحبل المتين (ضمن رسائل الشيخ بهاء الدين): 256 (حجريّ).

(3) البقرة: 286.

35

الإجماع و مخالفته، أو مخالفة أمر الكتاب بلا دليل.

و قد أجاب العلّامة: في (المختلف) عن هذا الدليل بمنع كون الأمر في الآية للوجوب، و علىٰ فرض تسليمه نمنع اقتضاءه التكرار، فيكفي المرّة، و علىٰ فرض تسليم اقتضائه التكرار نمنع اقتضاءه وجوب ما يدّعونه من تسليم الصلاة؛ لأن المأمور به هو التسليم على النبيّ (صلى الله عليه و آله):، و هو غير تسليم الصلاة، فما تدلّ عليه الآية لا يقولون به، و ما يقولون به لا تدلّ عليه الآية (1). هذا حاصل كلامه.

قال البهائي:: (و ناقشه بعضهم: بأن كون الأمر للوجوب ممّا ثبت في الأُصول. و قد شيّد طاب ثراه أركانه في كتبه الأُصوليّة، و بأنه متى ثبت وجوب التسليم في الصلاة مرّة ثبت التكرار؛ إذ لا قائل بالفصل. و بأن الأمر في الآية مطلق، و عطف المطلق على المقيّد لا يوجب تقييده) (2)، انتهىٰ.

قلت: الذي يظهر من سياق الآية و الأخبار الواردة في تفاسيرها أن المراد منها هو التسليم على النبيّ (صلى الله عليه و آله): و له في جميع ما جاء به عن اللّٰه أمراً و نهياً، فثبت به وجوب التسليم عليه، و لا شيء من التسليم عليه بواجب في غير الصلاة، فيجب أن يُعنىٰ و آله ب

السلام عليكم

للإجماع علىٰ عدم وجوب

السلام عليك أيّها النبيّ.

و بهذا يتمّ الغرض من الاستدلال. على أن فيما ذكرناه من الأدلّة القاطعة المتنوّعة كفاية لمرتاد الحقّ.

و أجابوا عن الخبر القائل

تحريمها التكبير، و تحليلها التسليم

(3)

: أوّلًا: بأنه مرسل، و الشهرة لا تجبره، و روايةُ الثلاثة الذين هم العمدة لها بالنسبة إليه (صلى الله عليه و آله) علىٰ طريقة الجزم غايتهُ أن يكون مرويّاً لهم بطريق صحيح، و ربّما ظنّوا رواته عدولًا و لم يطّلعوا علىٰ جرح مَنْ هو مجروح منهم، فلا يلزم كذبهم، و لا

____________

(1) مختلف الشيعة 2: 195/ المسألة: 109.

(2) الحبل المتين (ضمن رسائل الشيخ بهاء الدين): 257 (حجريّ).

(3) الكافي 3: 69/ 2، الفقيه 1: 23/ 68، وسائل الشيعة 6: 417، أبواب التسليم، ب 1، ح 8.

36

الاعتماد علىٰ مراسيلهم.

و ثانياً: بأنه معارض بما سيأتي من الروايات.

و ثالثاً: بأنه خبر واحد لا يوجب علماً و لا عملًا.

و رابعاً: أنه دليل الخطاب، و هو متروك.

و خامساً: بأن دلالته على المدّعىٰ مبنيّة علىٰ إفادةِ المصدرِ المضافِ إلى المعرفة العمومَ، و هي ممنوعة؛ إذ ربّما أُريد الجنس أو العهد الذهني أو الخارجي.

و سادساً: بأنه ربّما يحمل الأعمّ من وجه على الأخصّ من وجه، كما يقال: زيد قائم.

و سابعاً: بأنه لا خفاء بأن المعنى ليس علىٰ ظاهر ما يفهم منه، فإن التسليم ليس عين التحليل، فلا بدّ من إضمار، و لا دليل علىٰ تعيين المضمر، فكما يجوز إضمار ما يدلّ على الوجوب، كأن يقال: حاصل به، أو نحوه، يجوز إضمار ما يدلّ على الاستحباب، كأن يقال: تحليلها يستحبّ أن يكون به.

و الجواب عن الأوّل: أوّلًا: بأن إرساله منجبر بعمل المشهور به، و هذه طريقة أصحابنا تنزيلهم الخبر الذي يعمل به المشهور منزلة الصحيح، بل هو عندهم أقوى من الصحيح الذي لم يحفّ بالقرائن القويّة، كما لا يخفىٰ علىٰ مَنْ تتبّع كتبهم و عرف طريقتهم، فدعوى عدم انجباره بالشهرة مكابرة في مقابلة الدليل بلا دليل.

و ثانياً: بأن قطع المشايخ الثلاثة بنسبته للنبيّ (صلى الله عليه و آله): يفيد اليقين بيقينهم بصدوره منه، و ذلك فرع ثبوته عندهم بالاستفاضة.

و ثالثاً: بأن إطباق الأُمّة علىٰ روايته تخرجه من حدّ الإرسال و تلحقه بالمستفيضات.

و رابعاً: بأن مضمونه، بل و لفظه مرويّ بطرق عديدة من طرق أصحابنا في الكتب المعتبرة كما مرّ، و بذلك يعلم أنه من المسانيد لا من المراسيل.

و أيضاً، تسليم أنه وصل إلىٰ رؤساء الفرقة بطريق صحيح يخرجه من حدّ الإرسال. و احتمال ظنّهم عدالة رواته مع احتمال جرحهم و لم يطّلعوا عليه يهدم

37

أساس الاستدلال؛ لاستلزامه عدم تيقّن صحّة خبرٍ، و يسدّ باب العلم بأحوال الرواة، و يبطل تقسيم الخبر إلىٰ صحيح و غيره.

و كيف يجري هذا الاحتمال في شأن هؤلاء الثلاثة و هم رؤساء الفرقة، و الذين هم أئمّة الجرح و التعديل، و إليهم شُدّت الرحال في معرفة أحوال الرجال، و عليهم معوّل الطائفة في هذا الباب؟!.

و عن الثاني: بمنع مقاومة شيء من الأخبار التي استدلّ بها القائل بالاستحباب، و كيف تعارضه مع تأييده بما سمعت من الأدلّة القاطعة من الأخبار الكثيرة و غيرها؟! فلا مقاومة، فلا معارضة.

و عن الثالث: بأنه ليس بخبر واحد، بل هو مرويّ بطرق كما عرفت.

و أجاب فاضل المناهج: عن الرابع بأنك قد عرفت دلالته على المدّعىٰ من غير طريق دليل الخطاب، و قد مرّ بيانه من كلامه، رفع اللّٰه مقامه.

و عن الخامس: بأن هذا الجواب مع ظهور عدم وروده علىٰ ما قرّرنا به الدلالة مندفعٌ عن التقرير المشهور أيضاً:

أمّا أوّلًا، فبأن العموم هو المتبادر، فلا بدّ في فهم غيره من قرينة.

و أمّا ثانياً، فلأن من الظاهر أن العهد هنا غير مراد؛ أمّا الخارجي فلأنه لا عهد خارجاً، و أمّا الذهني فلأنه مجاز لا بدّ من قرينة علىٰ إرادته، و ليست.

فالذي يمكن أن يقال: إرادة الجنس، و هو لا يضرّنا، فإن حصر جنس التحليل في التسليم كافٍ لنا. و كذا تفسيره به، و مساواته له، أو أعمّيّته منه.

و عن السادس: بأنه فيما إذا كان المحكوم عليه و المحكوم به كلاهما معرفتين- ممنوعٌ، إلّا مجازاً و توسّعاً، فإن الحمل لا معنىٰ له إلّا الاتّحاد في الصدق و الوجود، و التعريف لا بدّ من أن يكون له فائدة، و لا فائدة له إلّا الإشارة؛ إمّا إلى الجنس، أو فرد معهود منه، أو الاستغراق.

و علىٰ كلّ لا يصحّ أن يكون بينهما عموم من وجه، كما لا يخفىٰ.

38

و يمكن جعل هذين الجوابين جواباً واحداً بأن يقال: إن الاستدلال به مبنيّ؛ إمّا علىٰ إرادة العموم، أو على أنه لا يمكن أن يكون بين الموضوع و المحمول عموم من وجه، فإنه بانتفاء الأوّل يبطل الوجه الأوّل، و بالثاني الثاني.

أقول: يريد بالجوابين المشار لهما الخامس و السادس، و حينئذٍ فالجواب عنه إثبات الدعويين، و قد ثبتتا بما مرّ.

ثمّ نقول: قوله: (لا معنىٰ للحمل إلّا الاتّحاد في الصدق و الوجود) فيه غموضٌ، فإنه بظاهره مخالف لما أجمع عليه أهل العربية و المعاني و البيان و اللسان و الميزان من صحّة حمل الأعمّ على الأخصّ.

فنقول: لا منافاة بينهما، بل كلاهما حقّ، فإن أهل اللسان و البيان و الميزان إنما يعنون عموم المحمول بحسب مفهوم اللفظ بحسب وضعه، و هذا الفاضل عنى المحمول الخاصّ على الموضوع الخاصّ، جزئيّاً كان كلّ منهما أو كلّيّاً.

إذ من البيّن فيما إذا قلت: زيد قائم، أو حيوان، أنك لم تحمل علىٰ زيد إلّا قيامه و حيوانيّته، لظهور استحالة حمل قائميّة عمرو أو حيوانيّته علىٰ زيد، بل إنما تحمل على الشيء قسطه الذي يخصّه ممّا يصدق عليه مفهوم المحمول.

و قد أشار إلىٰ هذا المعنى ابن سينا: في (الإشارات) (1)، و شرّاح كلامه (2)، لكن كلامهم فيما إذا دخلت أداة الحصر على الجملة الحمليّة، فإنهم حكموا بأنها تفيد حينئذٍ مساواة المحمول للموضوع، و لم يتعرّضوا لذكر غيرها.

و كذلك أشار إلىٰ ما أشار له فاضل (المناهج): [و م] السيّد الداماد: في حواشي (الأُفق المبين)، و نسب مثله للجرجاني:، و لسنا بصدد البحث عن هذه المسألة و بيانها، بل بيان عبارة هذا الفاضل.

فإنك إذا تأمّلت بالنظر إلىٰ رتب الوجود وجدت المحمول و الموضوع بحسب كلّ رتبة متساويين في الصدق و الوجود، فإذا قلت: زيد حيوان، لم يحمل عليه إلّا

____________

(1) شرح الإشارات 1: 138. (المتن).

(2) شرح الإشارات 1: 138.

39

ما يخصّه في تلك الحال من مطلق الحيوانيّة، و حين حملك عليه الحيوانيّة ليس هو إلّا حيواناً، لأنك لا تحمل عليه الحيوانيّة إلّا حال كونه مُلاحظاً في رتبته الحيوانيّة حتّى يمكن أن يحمل عليه قسطه الذي يخصّه من الحيوانيّة العامّة، و حينئذٍ يتساوى المحمول و الموضوع، فتأمّله فإنه يدقّ و يجلّ.

و أجاب الفاضل المذكور عن السابع ب(أنك خبير باندفاعه، فإن هذه العبارة شائعة بين أهل اللسان فيما يراد به المبالغة في التلازم بين الشيئين، حتّى كاد لا يفتقر إلىٰ إضمار شيء، و لا يكاد يفهم منه إلّا إنه حاصل به، أو ملازم له، و نحو ذلك ممّا يؤدّي مؤدّاه، إلّا إذا كانت قرينة صارفة عن إرادة هذا المعنىٰ.

و أيضاً الإضمار لا يصحّ من البليغ إلّا إذا كانت هناك قرينة تدلّ على المضمر، فإذا لم تكن قرينة حاليّة أو مقاليّة عليه كما هنا تعيّن تقدير أعمّ العوام، و هو هنا الحصول و نحوه، على أنه يمكن أن يقال: إن ما قبله قرينة علىٰ إرادة هذا المعنىٰ.

و بالجملة، فإن اعتُمِدَ علىٰ هذا الخبر كانت دلالته علىٰ وجوب التسليم أوضح من أن تتطرّق إليه شبهة)، انتهىٰ.

و نحن نقول: لا ينبغي الشكّ في حجيّة هذا الخبر و وضوح دلالته، فإنه إذا لم يعتمد علىٰ مثله ممّا أطبقت الأُمّة علىٰ روايته و لا أقلّ من أن يكون ممّا امِرْنا بالأخذ به ممّا اشتهر لم يحصل الوثوق بخبرٍ حتّى يعتمد عليه في إثبات حكم، و من البيّن أنه إذا لم يعتمد علىٰ مثله فَلَأنْ لَايُعْتَمد علىٰ ما استدلّ به القائلون بالاستحباب من الأخبار أوْلىٰ.

و أجاب القائل بالاستحباب أيضاً عمّا استدلّ به المرتضىٰ (1):، و الشهيد: في (الذكرى) (2)، و فاضل (المناهج): مِنْ أن كلّ مَنْ قال بوجوب التكبير و جزئيّته قال بوجوب التسليم و جزئيّته بمنع الإجماع، فإن كلّ مَنْ منع من وجوب التسليم

____________

(1) الناصريّات: 211 212/ المسألة: 82.

(2) الذكرى: 205 (حجريّ).

40

قائل بوجوب التكبير و كونه جزءاً من الصلاة، كما ذكره في (المختلف) (1) و (المناهج) و غيرهما.

و الجواب: أن المرتضىٰ إن أراد بهذا دعوى الإجماع فهو إجماع منقول، و هو حجّة و لا اعتراض عليه و لا ينافي عدم ظهوره لغيره، و إن أراد شيئاً آخر لم يرد عليه منع الإجماع، و قد تقدّم أنه يمكن أن يريد أن كلّ دليل دلّ علىٰ وجوب التكبير دلّ علىٰ وجوب التسليم، فإن المُدْخِلَ كالمُخْرِجِ في صفة الجزئيّة و الوجوب أو الندب، و الإجماع من النصّ (2) و الفتوىٰ (3) قائم علىٰ وجوب التكبير، فيدلّ علىٰ وجوب التسليم و إن كان هذا التوجيه بعيد من ظاهر العبارة، على أن الدلالة لم تنحصر في هذا الدليل.

و أجابوا عن الاستدلال بمواظبة النبيّ (صلى الله عليه و آله): و نوّابه و الصحابة عليه، بأن المواظبة علىٰ فعل لا تدلّ علىٰ وجوبه، فإن النبيّ: و خلفاءَهُ صلّى اللّٰه عليه و عليهم و كثيراً من الصحابة كانوا يواظبون على المندوبات كمواظبتهم على الواجبات.

و أمّا قوله (صلى الله عليه و آله)

صلّوا كما رأيتموني أُصلّي

(4)

فنحن نقول بموجبه، و لا يدلّ علىٰ وجوب التسليم إلّا بعد أن يتبيّن أنه جزء من الصلاة، و هو أوّل المسألة.

و قال فاضل (المناهج):: (و هو مندفع بأن العبادات و هيئاتها لا شبهة في أنها لا تصحّ إلّا على الوجه الذي تُيُقّنَ إجزاؤهُ من جهة الشرع، فإذا واظب النبيّ (صلى الله عليه و آله): علىٰ هيئة العبادة بحيث لم يرد و لم ينقل أنه فعلها علىٰ هيئة أُخرى تعيّن فعلُها علىٰ تلك الهيئة إلى أن يتحقّق برهان قاطع علىٰ جواز غيرها من إجماع أو نصّ، و إذا واظب علىٰ شيء في عبادة و لم يفعله أبداً علىٰ وجه يشعر بانفصاله عنها لزم القول بجزئيّته لها إلى أن يقوم دليل علىٰ خلافها.

و من الظاهر أنه (صلى الله عليه و آله) و كذا الأئمّة (صلوات اللّٰه عليهم) و الصحابة كلّهم كانوا

____________

(1) المختلف 2: 193/ المسألة: 109.

(2) انظر وسائل الشيعة 6: 9 16، أبواب تكبيرة الإحرام و الافتتاح، ب 1 ب 3.

(3) الناصريّات: 211/ المسألة: 82.

(4) عوالي اللآلي 1: 197 198/ 8، مسند أحمد بن حنبل 5: 53.

41

يواظبون على التسليم عقيب التشهّد الأخير من غير فصل بينه و بين ما قبله من أفعال الصلاة، و لم يُرَ أحدٌ منهم و لم ينقل عنه خروجه من الصلاة قبل التسليم، كما لم ينقل خروجه عنها بدونه. فتعيّن القول بجزئيّة التسليم للصلاة و وجوبه فيها إلى أن يقوم دليلٌ علىٰ خلافه)، انتهىٰ.

و أقول: قد ثبت بالدليل المتضاعف أن ما عُلِمَ قَصْدُ المعصومِ القربةَ به من الأفعال الأصلُ فيه الوجوبُ ما لم يدلّ دليل على استحبابه، خصوصاً الصلاة، فقد نقل فيها الإجماع، و ليس هنا محلّ بيانه.

فلا شكّ في أن مواظبته (صلى الله عليه و آله) علىٰ فعل شيء في الصلاة أو كيفيّةٍ في شيء دليلُ الوجوب، و مِنْ أوضح الأدلّة علىٰ وجوب اتّباعه في كلّ ما يواظب علىٰ فعله فيها حتّى يقوم دليل علىٰ ندبيّته أنه لولاه للزم أن يدلّ علىٰ ندبيّته، و إلّا لزم الإغراء بالقبيح و الإيقاع في خطر عدم الامتثال.

و أجابوا عن الاستدلال بأن المصلّي إذا سلّم خرج من العهدة بيقين بالمعارضة بالأصل.

و الجواب: أن هذا الأصل مضمحل بالأدلّة القاطعة، و قد عرفت جملة منها، فلا يجوز العمل به مع منعها منه هنا، و بأنه مُعَارَضٌ بأصالة بقاء شغل الذمّة بالعبادة.

و قال فاضل (المناهج): مجيباً عن هذا بأنك خبير بأن الأصل هنا مضمحل إن لم نقل إن الأصلَ في كلّ ما واظب عليه في العبادات وجوبه، على أنه مُعَارَضٌ بأصالة البقاء في العهدة.

و أجابوا عن بطلان صلاة المسافر بالإتمام مع العلم بوجوب القصر بعدم تسليم أن البطلان بمجرّد الزيادة، بل إنما تبطل إذا نوى الإتمام من أوّل الصلاة، باعتبار أنه نوىٰ خلاف المشروع، أمّا إذا نوى القصر ثمّ زاد سهواً أو بنيّة الزيادة بعد التشهّد الأوّل فلا تبطل عند القائلين بالاستحباب، و إن أطلقوا فلا بدّ مِنْ أن يحمل عليه كلامهم. و هذا الجواب ذكره في (المناهج) و لم يجب عنه.

و جوابه: أن إطلاق الفريقين بطلان صلاة المسافر يُؤذِنُ باتّفاقهم عليه، و هو يؤذن

42

بالإجماع، و يؤيّده إطلاق الفقهاء في سائر الأعصار أن زيادة الركن مبطلة عمداً و سهواً و عدم معذوريّة الجاهل فيه إلّا ما خرج بدليل، بل لا يكاد يتحقّق فيه خلاف، و لو كان إطلاق القائلين بالاستحباب مقيّداً بما ذكر أولًا لصرّحوا به و نصّوا عليه دفعاً للغرر و الاشتباه، و إنما هذا إلزام لهم بما لا يقولون به، و هو ينافي قولهم بالاستحباب و يناقضه.

و أيضاً، فلنا منع بطلان الصلاة بنيّة وصلها بصلاة بعد كمالها، صحيحة كانت أو فاسدة، مشروعة أو غير مشروعة.

و أيضاً، فلنا منع وجوب ملاحظة القصر و التمام، و لو أوجبناهُ منعنا تأثيره في الصحّة، و البطلان سلّمناه، لكنّه بسبب آخر للبطلان غير الزيادة.

و أجابوا عن خبر أبي بصير: الناصّ على أن

آخر الصلاة التسليم

(1)

بأن كون التسليم آخر الصلاة إنما يفيد جزئيّته لها، و أما وجوبه فلا، فإنه كثيراً ما يكون جزء العبادة الواجبة مندوباً.

قال فاضل (المناهج):: (و لا يخفى اندفاعه، فإن الخبر متضمّن للأمر بإتمام الصلاة، و هو دالّ علىٰ عدم تمامها قبل التسليم، ثمّ إطلاق الجزئيّة للعبادة الواجبة يعطي الوجوب ما لم يدلّ [دليل] قاطع)، انتهىٰ.

قلت: و لنا أن نمنع جزئيّة المستحبّ الواقع بعد كمال جميع واجباتها، و إنما يكون المندوب جزءاً منها إذا وقع في خلال واجباتها.

و أجابوا عن الأخبار الآمرة بالتسليم بالحمل على الاستحباب.

و الجواب: أن حملها عليه إخراجٌ للأمر عن مدلوله الشرعي، مع كثرتها و تنوّعها، و هذا غير مقبول إلّا بدليل قاطع يقاومها، و لا دليل كذلك.

____________

(1) تهذيب الأحكام 2: 320/ 1307، الإستبصار 1: 345 346/ 1302، وسائل الشيعة 6: 416، أبواب التسليم، ب 1، ح 4.

43

أدلَّة القول بالاستحباب

و لنذكر الآن أدلّة القائلين بالاستحباب، فنقول: قال فاضل (المناهج):: (قد حصل ممّا حقّقنا أنه إن لم يكن للقائلين بالاستحباب دليلٌ يقوىٰ علىٰ معارضة ما ذكرناه من أدلّة الموجبين تعيّن القولُ بالوجوب، فلنذكر أدلّتهم ليعلم الحال، استدلّوا أوّلًا: بالأصل، و قد عرفت اضمحلاله).

أقول: قد مرّ الكلام في هذا الأصل، و أنه مرتفع بما تُلي عليك من الأدلّة، و معارضٌ بأصالة استصحاب شغل الذمّة اليقيني، على أن الأصل لو بقي لم يكن مقتضاه الندبيّة، و إنما يقتضي في الحقيقة عدم التكليف بالتسليم أصلًا.

ثمّ قال (رحمه الله): (و ثانياً: بقوله (صلى الله عليه و آله)

إنما صلاتنا هذه تكبير، و قراءة، و سجود

(1)

، و لم يذكر التسليم، و

إنما

من أدوات الحصر، فيدلّ على انحصار أجزائها فيما ذكر.

و هو مردود بأنه لو بقي علىٰ ظاهره لم يصحّ، فإنه أغفل كثيراً من الواجبات كالتشهّد، و الأذكار، و الطمأنينات، و رفع الرأس، و إن أمكن إدراج الرفع و الطمأنينة في الركوع و السجود فلا شبهة في أنه لا يمكن في التشهّد، و كذا القيام، فلا بدّ من أن يحمل علىٰ حصر معظم الأجزاء و أشرفها، كقوله تعالىٰ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذٰا ذُكِرَ اللّٰهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ (2) الآية، و قوله (صلى الله عليه و آله)

الحجّ عرفة

(3)

، فلا دلالة له على المقصود).

قلت: و يمكن إرادة جميع الأذكار من لفظ التكبير، فإنه كثيراً ما يطلق في الأخبار

____________

(1) عوالي اللآلي: 3: 94/ 104.

(2) الأنفال: 2.

(3) عوالي اللآلي 2: 93/ 247، سنن ابن ماجة 2: 1003/ 3015.

44

لفظ التسبيح و التنزيه و التكبير، بل و لفظ الاستغفار أيضاً علىٰ مطلق ذكر اللّٰه، كما لا يخفىٰ على المتتبّع المتدبّر، فيدخل فيه ذكر الركوع و السجود و التشهّد و التسليم، فإنه دعاء و عبادة، و كذا الركوع في لفظ السجود تغليباً، فإنه شائعٌ في اللغة.

ثمّ قال (رحمه الله): (و ثالثاً: بأنه لو كان واجباً و جزءاً من الصلاة لكان تبطل الصلاة بتخلّل الحدث بينه و بين ما قبله، و التالي باطل؛ لصحيحة زرارة: عن الباقر (عليه السلام):: سألته عن رجل يصلّي ثمّ يجلس فيُحدِث قبل أن يسلّم قال (عليه السلام)

تمّت صلاته

(1)

). قلت: و مثله خبر [م الحسن (2)] بن الجهم:: سألت أبا الحسن (عليه السلام): عن رجل صلّى الظهر أو العصر فأحدث حين جلس في الرابعة، فقال

إن كان قال: أشهد أن لا إلٰه إلّا اللّٰهُ و أن محمّداً رسولُ اللّٰه، فلا يعيد، و إن كان لم يتشهّد قبل أن يحدث فليعد

(3)

، و شبههما من الأخبار المتضمّنة لصحّة الصلاة مع الخروج بغير السلام من سائر المنافيات.

(و رابعاً: بما رواه الحلبي: عن الصادق (عليه السلام):

إذا التفتَّ في صلاة مكتوبة من غير فراغ فأعد الصلاة إذا كان الالتفات فاحشاً، و إن كنت قد تشهّدت فلا تعد

(4)

.

و خامساً: برواية غالب بن عثمان: عن الصادق (عليه السلام):: سألته عن الرجل يصلّي المكتوبة فيقضي صلاته و يتشهّد، ثمّ ينام قبل أن يسلّم قال (عليه السلام)

تمّت صلاته

(5)

.

و سادساً: بصحيحة زرارة: عن الباقر: (صلوات اللّٰه عليه)-: سألته عن رجل صلّىٰ

____________

(1) تهذيب الأحكام 2: 320/ 1306، الإستبصار 1: 345/ 1301، وسائل الشيعة 6: 424، أبواب التسليم، ب 3، ح 2.

(2) من المصدر، و في المخطوط: (الحسين)، و قد ورد بلفظ (الحسين بن الجهم) في رجال الطوسي: 373، و خلاصة الأقوال: 113.

(3) تهذيب الأحكام 2: 354 355/ 1467، الإستبصار 1: 401/ 1531، وسائل الشيعة 7: 234 235، أبواب قواطع الصلاة، ب 1، ح 6.

(4) الكافي 3: 365/ 1، تهذيب الأحكام 2: 323/ 1322، الإستبصار 1: 405/ 1547، وسائل الشيعة 6: 424، أبواب التسليم، ب 3، ح 4.

(5) تهذيب الأحكام 2: 319/ 1304، وسائل الشيعة 6: 425، أبواب التسليم، ب 3، ح 6.

45

خمساً، فقال (عليه السلام)

إنْ كان جلس في الرابعة قدر التشهّد فقد تمّت صلاته

(1)

.

و نحوها روايات.

و سابعاً: بصحيح محمّد بن مسلم: عن الصادق (عليه السلام): قال

إذا استويت جالساً، فقل: أشهد أن لا إلٰه إلّا اللّٰه وحده لا شريك له، و أشهد أن محمّداً عبدُه و رسوله، ثمّ تنصرف

(2)

.

و ثامناً: بصحيح علي بن جعفر: عن أخيه موسى: (صلوات اللّٰه عليه)-: سألته عن الرجل يكون خلف الإمام فيطوّل الإمام التشهّد فيأخذ الرجل البول، أو يتخوّف علىٰ شيء يفوت، أو يعرض له وجع، كيف يصنع؟ قال

يتشهّد هو و ينصرف، و يدع الإمام

(3)

.

و تاسعاً: بموثّقة يونس:: قلت لأبي الحسن: (صلوات اللّٰه عليه)-: صلّيت بقومٍ صلاةً فقعدت للتشهّد، ثمّ قمت و نسيت أن أُسلّم عليهم، فقالوا: ما سلّمت علينا، فقال (عليه السلام)

أ لم تسلِّم و أنت جالس؟.

قلت: بلىٰ قال

لا بأس عليك، و لو نسيت حين قالوا ذلك استقبلتهم بوجهك فقلت: السلام عليكم

(4)

.

و عاشراً: بصحيحة زرارة: و الفضيل: و محمّد بن مسلم: عن الباقر: (صلوات اللّٰه عليه) أنه قال

إذا فرغ رجل من الشهادتين فقد مضت صلاته، فإن كان مستعجلًا في أمرٍ يخاف أن يفوته فسلَّم و انصرف أجزأه

(5)

.

و حادي عشر: بصحيحة معاوية بن عمّار: قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام):

إذا فرغت من

____________

(1) تهذيب الأحكام 2: 194/ 766، الإستبصار 1: 377/ 1431، وسائل الشيعة 8: 232، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ب 19، ح 4.

(2) تهذيب الأحكام 2: 101/ 379، الإستبصار 1: 342/ 1289، وسائل الشيعة 6: 397، أبواب التشهّد، ب 4، ح 4.

(3) الفقيه 1: 361/ 1191، تهذيب الأحكام 2: 349/ 1446، وسائل الشيعة 8: 413، أبواب صلاة الجماعة، ب 64، ح 2.

(4) تهذيب الأحكام 2: 348/ 1442، وسائل الشيعة 6: 425، أبواب التسليم، ب 3، ح 5.

(5) تهذيب الأحكام 2: 317/ 1298، وسائل الشيعة 6: 416، أبواب التسليم، ب 1، ح 5.

46

طوافك فأتِ مقام إبراهيم (عليه السلام):، فصلِّ ركعتين و اجعلهما قياماً

(1)

، و اقرأ في الأُولىٰ منهما: سورة التوحيد قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ

(2)

، و في الثانية: قُلْ يَا أيّهَا الكَافِرُونَ

(3)

، ثمّ تشهّد و احمد اللّٰه و اثنِ عليه، و صلِّ على النبيّ (صلى الله عليه و آله):، و اسأله أن يتقبّل منك

(4)

، فإن الإعراض عن ذكر التسليم في هذا المقام قرينة علىٰ عدم وجوبه. و إذ لا يجب في ركعتي الطواف لا يجب في غيرهما؛ لعدم القول بالفصل.

و ثاني عشر: برواية الحلبي: عن الصادق (عليه السلام): قال

إذا نسي أن يسلِّم خلف الإمام أجزأه تسليمُ الإمام

(5)

.

هذا غاية ما استخرجه فاضل (المناهج): من الاستدلال لهم، و قد أحاط بما لم يُحط به غيره.

ردّ أدلَّة القول بالاستحباب

و الجواب عنه إجمالًا إمّا بالحمل على التقيّة، فإن غاية ما ذكر كلّه صحّة الخروج من الصلاة بغير التسليم، و هذا لم يقل به أحد من الأُمّة غير أبي حنيفة (6):، و قد نصّ الشهيد: في (الذكرى) علىٰ: (أنه لم يقل به أحدٌ من الأصحاب) (7)، فسبيله سبيل ما جاء في بعض الأخبار من أن آخر الصلاة السجود، مثل خبر زرارة: عن الصادق: (سلام اللّٰه عليه) في الرجل يحدث بعد ما يرفع رأسه من السجود الأخير، فقال (عليه السلام)

تمّت صلاته، و إنما التشهّد سنّة في الصلاة، فيتوضّأ و يجلس مكانه، أو مكاناً نظيفاً فيتشهّد

(8)

، و بمعناه عدّة أخبار.

____________

(1) في المصدر: «و اجعله إماماً» بدل: «و اجعلهما قياماً».

(2) الإخلاص: 1.

(3) الكافرون: 1.

(4) الكافي 4: 423/ 1، وسائل الشيعة 13: 423، أبواب الطواف، ب 71، ح 3.

(5) تهذيب الأحكام 2: 160/ 627، وسائل الشيعة 6: 424، أبواب التسليم، ب 3، ح 3.

(6) المجموع شرح المهذب 3: 462.

(7) الذكرى: 207 (حجريّ).

(8) تهذيب الأحكام 2: 318/ 1300، الإستبصار 1: 342/ 1290، وسائل الشيعة 6: 411، أبواب التشهّد، ب 13، ح 2.

47

و إمّا بالطرح؛ لعدم مقاومتها لما ذكرناه من الأدلّة القاطعة، و لاستلزامها ما لم يقل به أحدٌ من الأصحاب من صحّة الخروج بغير التسليم، و مشروعيّة صلاة الاحتياط و سجدتي السهو قبله، و لتشابه ظاهرها، و لقبولها التأويل، كلّها أو جلّها.

و أمّا تفصيلًا: فبما أجاب به فاضل (المناهج): شكر اللّٰه سعيه، و لننقل عبارته بلفظها، و عسى أن نزيد عليها من البيان ما نرجو من اللّٰه أن يفيضه علينا من خزائن رحمته و نوره.

قال (رحمه الله): (و نحن نقول في الجواب عن هذه الأحاديث: إنها و مثلها لا بدّ من أن تحمل على التقيّة إن لم يكن لها نحوٌ آخر من التأويل؛ لأنه كما يحصل الجمع بين الأدلّة بحمل ما دلّ على الوجوب ظاهراً على الاستحباب، كذلك يحصل الجمع بحمل ما دلّ علىٰ عدم الوجوب على التقيّة، و هذا هو المتعيّن؛ لأنه أحوط للدين.

على أنا نقول بعد تسليم العمل بمضامين هذه الأخبار في الرواية الأُولىٰ:

أوّلًا: أن ظاهرها أن صدور الحدث عنه بعد الصلاة، كما لا يخفىٰ، فلا بدّ من أن يُراد بالتسليم المندوب منه؛ لأنه الذي تتمّ الصلاة قبله.

و ثانياً: أنه يحتمل أن يكون: (يحدّث) بالتشديد من التحديث، و يؤيّده لفظ (يجلس) كما هو ظاهر عند مَنْ له معرفة بأطوار المحاورات، فيحمل على أنه تكلّم ناسياً بما لا يخرجه عن حدّ المصلّي، و لا شبهة في أنه لا يخلّ بالصلاة.

و المراد بتمام صلاته ليس أنه تمّ قبل السلام، بل السؤال حينئذٍ قرينة على أن المراد به أنه لا تختلّ صلاته بهذا السبب، بل في قول السائل: (قبل أن يسلّم) دلالة على أنه سلّم بعده، و حينئذٍ فلا شكّ في أنه تمّت صلاته).

أقول: يريد بالرواية صحيحة زرارة: عن الباقر (عليه السلام) (1):، و لعلّه أراد بالتسليم المندوب هو الصيغة المؤخّرة من الصيغتين بناءً على القول بالتخيير، و الواجب ما

____________

(1) تهذيب الأحكام 2: 194/ 766، الإستبصار 1: 377/ 1431، وسائل الشيعة 8: 232، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ب 19، ح 4.

48

تبدأ به منهما. أو يريد به التسليم الثاني للإمام أو المأموم بناءً على القول به.

و يحتمل أن يراد بالتسليم المسبوق بالحدث هو التعقيب مجازاً لاشتماله عليه، و القرينة ما في السؤال من فرض الحدث في جلوس معطوف علىٰ: (يصلّي) ب(ثمّ) الدالّة علىٰ تعقّبه و تراخيه عن الصلاة.

ثمّ قال (رحمه اللّٰه تعالىٰ)-: (و في رواية الحلبي (1)::

أوّلًا: أنها إن حملت علىٰ ما حملتم عليه من المعنىٰ، فكما لها دلالة علىٰ عدم جزئيّة السلام، فكذلك لها دلالة من جهة أُخرى علىٰ جزئيّته، فإن هذا الحكم متعلّق بالالتفات في الصلاة، فدلّ على أنه ما لم يسلّم فهو داخل في الصلاة، إلّا أن يعطف الشرطيّة الثانية علىٰ مجموع الشرطيّة الأُولىٰ.

و ثانياً: أنه يمكن أن يُقرأ

فلا تعد

بفتح التاء فسكون العين فضمّ الدال، من (عداه يعدوه) إذا تجاوزه، أو بفتح التاء و العين و الدال المشدّدة، من التعدّي، أي و إن كنت قد تشهّدت فلا تَعَدّ إلى التسليم فإنه لا ينفعك، بل عليك الاستئناف.

و ثالثاً: أنه يمكن أن يكون

إن

في قوله

و إن كنت

وصليّة، أي تجب الإعادة و إن تمّ التشهّد، و إنما نفى التسليم.

و قوله

فلا تعد

يحتمل حينئذٍ تلكما الوجهين مع الوجه الذي قرأه المستدلّ، و أن يكون بفتح التاء و ضمّ العين، من العود، أي فلا تَعُد هذا الفعل المبطل للصلاة، أو لا تَعدُ إليه، أو لا تَعد، أو لا تتعدّ عن حدود اللّٰه، أو عمّا قلناه لك، أو إلىٰ ما بقي من أجزاء الصلاة بعد الالتفات فإنه لا ينفعك، و علىٰ جميع هذه التقادير تكون (الفاء) في

فلا تعد

للتفريع لا للمُجَازَاة).

قلت: و يحتمل احتمالًا ظاهراً قويّاً أنه أراد بقبليّة الفراغ كون الالتفات قبل التسليم؛ إذ لا يتحقّق الفراغ منها قبله، لما عرفت من عدم القائل بصحّة الخروج

____________

(1) الكافي 3: 365/ 10، تهذيب الأحكام 2: 323/ 1322، الإستبصار 1: 405/ 1547، وسائل الشيعة 6: 424، أبواب التسليم، ب 3، ح 4.

49

بغيره، فلا يتحقّق الحكم عند الأصحاب بالفراغ منها قبله و إن لزم القائلين بالاستحباب ذلك، لكن الظاهر أنه لا يقول به أحدٌ منهم.

و يحتمل أيضاً دخول التسليم في لفظ التشهّد مَجازاً، فإن الأصحاب بل و الأخبار يطلقون التشهّد عليه مع جميع مندوباته و متعلّقاته، كما لا يخفىٰ على المستوضح، فلا يكون في الخبر دلالة على المدّعىٰ لما فيه من هذه الاحتمالات.

ثمّ قال (رحمه الله): (و في صحيحة زرارة (1): أن من الظاهر أن مَنْ جلس بقدر التشهّد الكامل كان قد جلس بقدر أدنىٰ ما يجب في التشهّد مع التسليم، فليكن هو المراد، و لم يصرّح به لظهور ذلك. ثمّ كما أن التشهّد الذي يأتي به عقيب الخامسة يكون مجزئاً كذلك التسليم، و كما أن هذا الفصل لا يضرّه فكذا لا يضرّه أيضاً، أو كما أن الجلوس بقدر التشهّد مجزيٌ عن الإتيان به كذا الجلوس بقدر التسليم يجزئُ عنه.

و في صحيحة محمّد بن مسلم (2):: أنه لا دلالة لها أصلًا علىٰ عدم وجوب التسليم، فإن الانصراف أعمّ من الانصراف للتسليم، و منه بدونه، و لمّا لم يكن المقصود هنا الإتيان بالتشهّد لم يصرّح بالتسليم.

و الحاصل أن الانصراف لا معنىٰ له إلّا الخروج عن الصلاة، و أمّا دلالته على الخروج من غير أن يكون له سبب من التسليم و نحوه فلا، بل ربّما أُطلِقَ الانصرافُ على التسليم في كثير من الأخبار، كما لا يخفىٰ علىٰ مَنْ تتبّعها، و كذا الكلام في صحيحة عليّ بن جعفر (3):).

قلت: و يمكن حمل التشهّد فيها علىٰ ما يعمّ التسليم، كما تقدّم في غيرها.

____________

(1) تهذيب الأحكام 2: 194/ 766، الإستبصار 1: 377/ 1431، وسائل الشيعة 8: 232، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ب 19، ح 4.

(2) تهذيب الأحكام 2: 101/ 379، الإستبصار 1: 342/ 1289، وسائل الشيعة 6: 397، أبواب التشهّد، ب 4، ح 4.

(3) الفقيه 1: 361/ 1191، تهذيب الأحكام 2: 349/ 1446، وسائل الشيعة 8: 413، أبواب صلاة الجماعة، ب 64، ح 2.

50

و من الأخبار التي أُطلِقَ فيها الانصراف على التسليم خبر أبي بصير: عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): في الرجل إذا سها في القنوت

قنت بعد ما ينصرف و هو جالس

(1)

.

و مثلها كثير، كما يظهر بمراجعة أبواب السهو و الشكّ و التعقيبات، فراجع. و قد ترك خبر غالب بن عثمان (2).

و الجواب عنها بحمل التسليم فيها علىٰ ما يقع في التعقيب بعد السلام المُخْرِج من الصلاة، و التشهّد علىٰ ما يعمّ التسليم الواجب.

و القرينة قول السائل: (سألته عن الرجل يصلّي المكتوبة، فيقضي صلاته و يتشهّد، ثمّ ينام)، فإنه فرض النوم بعد قضاء الصلاة، و لا معنىٰ له إلّا فراغها بالكلّيّة، و عطف التشهّد عليه من باب عطف الجزء على الكلّ مبالغة في بيان استكمال الصلاة، و لذا عطفه بالواو.

و في عطفه النوم علىٰ قضاء الصلاة و التشهّد ب(ثمّ) قرينة أيضاً علىٰ ذلك، و مبالغة في بيان وقوع النوم بعد كمال الصلاة، و هذا بحمد اللّٰه جليّ.

ثمّ قال (رحمه الله): (و في موثّقة يونس بن يعقوب (3): أنه لا دلالة لها على المدّعى أيضاً، فإنه إنما قيل فيها

و لو نسيت حين قالوا ذلك

، و لا يفهم منه إلّا إنه نسي حينئذٍ أنه هل سلّم أم لا؟ و هو شكّ في الفعل بعد انقضائه، و من المعلوم عدم اعتباره و تماميّة الفعل).

قلت: و ما أظهر احتمال أن يراد بالتسليم فيها التسليم المندوب حال التفرّق، فإنه قال: (قعدت للتشهّد، ثمّ قمت و نسيت أن أُسلّم عليهم، فقالوا: ما سلّمت علينا) أي تسليم التفرّق، حيث عطف القيام على التشهّد ب(ثمّ) الدالّة على التراخي.

و يحمل التشهّد علىٰ ما يعمّ التسليم، فإنه متعارف و مجاز شائع، و لذا خاطبوه

____________

(1) تهذيب الأحكام 2: 160 161/ 631، وسائل الشيعة 6: 287، أبواب القنوت، ب 16، ح 2.

(2) تهذيب الأحكام 2: 319/ 1304، وسائل الشيعة 6: 425، أبواب التسليم، ب 3، ح 6.

(3) تهذيب الأحكام 2: 348/ 1442، وسائل الشيعة 6: 425، أبواب التسليم، ب 3، ح 5.

51

و عاتبوه بما هو خارج عن الصلاة، بل بما تعمّده مبطل لها، و لو كان المقصود تسليم الصلاة لَتَحرّجوا من ذلك، كما لا يخفىٰ من طريقة المسلمين.

و أيضاً الجواب فيه قرينة علىٰ ذلك، بل دلالة، حيث سأله قال

أ لم تسلّم و أنت جالس؟.

قلت: بلىٰ. فإن ظاهره إنما عنىٰ به تسليم الصلاة، فأجابه بأن تسليم الصلاة يكفي عن تسليم التفرّق، حيث إنه واقع حال مفارقته لهم و مفارقتهم له في الصلاة و مُؤذن بذلك، فلا دلالة للخبر على المدّعىٰ بوجه.

ثمّ قال (رحمه الله): (و في صحيحة الفضيل: و زرارة: و محمّد بن مسلم (1): إنا و إن أوجبنا التسليم و جعلناه جزءاً من الصلاة لكن جزئيّته ليست كجزئيّة سائر الأجزاء، فإنه في الأصل إنما وضع للخروج منها، فمضيّ الصلاة حين الفراغ من الشهادتين إشارة إلىٰ هذا المعنىٰ).

قلت: بل هو جزءٌ كالتحريمة حقيقة؛ لأنه جعل في مقابلتها، و الخبر ظاهر في وجوبه، فإنه رتّب فيه الانصراف و الإجزاء عليه. و معنى قوله (عليه السلام)

إذا فرغ من الشهادتين فقد مضت صلاته

أنه لم يبقَ من واجبات صلاته إلّا التسليم المُخْرِج، و أدخل الصلاة علىٰ محمّد و آله في لفظ الشهادتين؛ للإجماع و النصّ (2) بوجوبها، و أن ما بينهما من المأثور مستحبّ، و لذا قال بعد قوله

مضت صلاته

-

فإنْ كان مستعجلًا في أمر يخاف فوته فسلَّم و انصرف أجزأه

(3)

، فعقّب التسليم للشهادتين، فهي قد دلّهم فيها (4) على أن ما يقال بعد التشهّد و الصلاة علىٰ محمّد: و آله و قبل التسليم مستحبّ.

و أيضاً، إن سُلّم دلالتها على استحباب التسليم قلنا: دلّ ظاهرها أيضاً على استحباب الصلاة علىٰ محمّد: و آله (صلى الله عليه و آله)، و هذا لا يقول به أحد من الفرقة.

____________

(1) تهذيب الأحكام 2: 317/ 1298، وسائل الشيعة 6: 416، أبواب التسليم، ب 1، ح 5.

(2) وسائل الشيعة 6: 407 408، أبواب التشهّد، ب 10.

(3) تهذيب الأحكام 2: 317/ 1298، وسائل الشيعة 6: 416، أبواب التسليم، ب 1، ح 5.

(4) في المخطوط بعدها: (عليه).

52

ثمّ قال (رحمه اللّٰه تعالىٰ)-: (و في صحيحة معاوية بن عمّار (1): أن ظاهرها أن التشهّد و ما يليه بعد إتمام الصلاة، فالظاهر أنه يستحبّ بعدها هذه الأُمور، فلا دلالة لها على المطلوب).

قلت: و يحتمل دخول التسليم في لفظ التشهّد كما دخلت الصلاة علىٰ محمّد: و آله فيه، و إلّا لدلّت على استحباب الصلاة علىٰ محمَّد (صلى الله عليه و آله)، و آله لإهمال ذكره فيها، و لا قائل به.

ثمّ قال (رحمه الله): (و فيما يليها من الرواية يعني: رواية الحلبي (2) أن دلالتها على الوجوب أظهر من دلالتها علىٰ عدمه، كما لا يخفىٰ. هذا كلّه، مع أنه لا يتمّ الاستدلال بالروايات الأربع الأُوَل إلّا إذا ثبت أنه إذا كان جزءاً من الصلاة كان كسائر الأجزاء، حتّى تبطل الصلاة بصدور شيء من مبطلاتها قبله سهواً أو نسياناً، و هو ممنوع).

قلت: أمّا كونه جزءاً واجباً كسائر الأجزاء الواجبة فلا شكّ فيه، حتّى إنه قد ادّعى المرتضىٰ ركنيّته كما سمعت؛ و ذلك لِمَا رأى فيه من خواصّ الركنيّة، حيث إنه تبطل الصلاة بتركه عمداً و نسياناً، لكنّه إنما لحقه هذا الوصف بسبب ما يتخلّل حال تركه بينه و بين غيره من أجزائها الواجبة، و لذا لو كان المُتَخَلّل وقع نسياناً، و هو ممّا لا تبطل به الصلاة سهواً، لم تبطل.

و كذا لو كرّر سهواً أو واقع في غير محلّه سهواً لم تبطل، و بذلك فارق حكم سائر أركانها. و كلّ جزء واجب لا تبطل الصلاة بتخلّل شيء من مبطلاتها قبله سهواً أو نسياناً ما لم يكن الصادر ممّا يبطلها عمداً و سهواً، فلا فرق في هذا بين التسليم و غيره من أجزائها الواجبة.

و الجواب عن الروايات الأربع قد عرفته، فلسنا و إيّاه بمحتاجين إلىٰ هذا التكلّف بلا دليل، و لا إلىٰ هذا الفرق بلا فارق.

ثمّ قال (رحمه الله): (و بالجملة، فقد صار من الواضح البيّن أن هذه الدلائل لا تصلح

____________

(1) الكافي 4: 423/ 1. وسائل الشيعة 13: 423. أبواب الطواف، ب 71، ح 3.

(2) تهذيب الأحكام 2: 160/ 627، وسائل الشيعة 6: 424، أبواب التسليم، ب 3، ح 3.

53

لمعارضة ما دلّ على الوجوب، فتعيّن القول به)، انتهىٰ كلامه، أعلى اللّٰه مقامه.

و أنا أقول: قد وَضُح الصبح لذي عينين، فاترك الجدال، فلا شكّ في الوجوب و الجزئيّة.

و قال ابن زهرة: في (الغنية): (يجب التسليم علىٰ خلاف بين أصحابنا في ذلك، و يدلّ علىٰ ما اخترناه أنه لا خلاف في وجوب الخروج من الصلاة، و إذا ثبت ذلك و لم يَجُز بلا خلافٍ بين أصحابنا الخروج منها بغير السلام، من الأفعال المنافية لها كالحدث و غيره، علىٰ ما يقول أبو حنيفة:، ثبت وجوب السلام) (1)، انتهىٰ.

و قال السيوري: في (التنقيح): (الوجوب قول المرتضىٰ (2): و التقي (3): و ابن أبي عقيل (4): و سلّار (5): و ابن زهرة (6): و المصنّف (7) و العلّامة: في بعض كتبه (8). و هو الحقّ؛ لقوله (صلى الله عليه و آله) في حديث عليّ (عليه السلام):

تحليلها التسليم

(9)

.

وجه الاستدلال أنه لم يَجُز الخروج من الصلاة إلّا بالتسليم، فيكون واجباً لوجوب الخروج من الصلاة إجماعاً، و إن جاز الخروج بدونه يلزم أن يكون المبتدأ و هو

تحليلها

أعمّ من خبره و هو

التسليم

، و هو باطل؛ إذ لا يقال: الحيوان إنسان. و لمواظبة النبيّ (صلى الله عليه و آله): و الأئمّة: و الصحابة و التابعين علىٰ فعله) (10)، انتهىٰ.

و بالجملة، فنقلُ الإجماع علىٰ وجوب الخروج من الصلاة بالتسليم مستفيضٌ، و هو من أوضح الأدلّة علىٰ وجوبه، و اللّٰه العالم بحقيقة أحكامه.

____________

(1) الغنية (ضمن سلسلة الينابيع الفقهيّة) 4: 548.

(2) الناصريّات: 209/ المسألة: 82.

(3) الكافي في الفقه: 119 120.

(4) عنه في المعتبر 2: 233.

(5) المراسم العلوية (ضمن سلسلة الينابيع الفقهيّة) 3: 371.

(6) الغنية (ضمن سلسلة الينابيع الفقهيّة) 4: 548.

(7) المختصر النافع: 84.

(8) منتهى المطلب 1: 295.

(9) الكافي 3: 69/ 2، الفقيه 1: 23/ 68، الخلاف 1: 377/ المسألة: 134.

(10) التنقيح الرائع 1: 211 212.

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

55

الموطن الثاني من مواطن الخلاف

أنهم اختلفوا: هل التسليم جزء، أو خارج؟

فالمشهور شهرةً بلغت الحدّ الذي أمرنا أهل البيت، (سلام اللّٰه عليهم)، بالأخذ بها و ترك غيرها، و أنه شاذّ نادرٌ، بل ربّما كانت إجماعاً مشهوريّاً الجزئيّةُ، و هو الحقّ.

قال فاضل (المناهج):: (اعلم أنه نقل أكثرُ الأصحابِ علىٰ جزئيّة السلام للصلاة علىٰ تقدير الوجوب الإجماع، و ربّما ظهر من كلام بعضهم و منهم المصنّف في (القواعد) (1) الخلافُ. و ذكر علم الهدىٰ أنه (لم يجد به من الأصحاب نصّاً) (2) ثمّ قوّى الجزئيّة.

و الروايات أيضاً مختلفة، فمنها ما يدلّ على الجزئيّة، و منها ما هو بخلافه، و الأظهر الجزئيّة؛ لِمَا قد عرفت، و إن من قال باستحباب التسليم لم يمنع من أن يكون جزءاً مندوباً لها، بل ظاهره ذلك، فإنه قال: إن الخروج من الصلاة بأحد ثلاثة أشياء: التسليم، و نيّة الخروج، و فعل المنافي، فإذا حلّل صلاته بالتسليم كان هو المُخْرِج له عنها، فيكون جزءاً منها)، انتهىٰ.

و أقول: فَهْمُ جزئيّته من جملة من الأخبار غيرُ عزيز، خصوصاً مثل

تحريمها التكبير، و تحليلها التسليم

(3)

، فإن المقابلة تقتضي الجزئيّة.

و مثل ما جاء في كيفيّة صلاة الخوف، مثل صحيحة زرارة: و فضيل: و محمّد بن

____________

(1) تمهيد القواعد: 323.

(2) الناصريّات: 209/ المسألة: 82.

(3) الكافي 3: 69/ 2، الفقيه 1: 23/ 68، وسائل الشيعة 6: 11، أبواب تكبيرة الإحرام، ب 1، ح 10.

56

مسلم: عن أبي جعفر (عليه السلام):

إذا كان صلاة المغرب في الخوف فرّقهم فرقتين، و صلّى بفرقة ركعتين ثمّ جلس بهم، ثمّ أشار إليهم بيده، فقام كلّ إنسان فيصلّي ركعة، ثمّ سلّموا و قاموا مقام أصحابهم، و جاءت الطائفة الأُخرىٰ فكبّروا و دخلوا في الصلاة، و قام الإمام و صلّى بهم ركعة ليس فيها قراءة، فتمّت للإمام ثلاث ركعات، و للأوّلين ركعتان في جماعة، و للآخرين واحدة

(1)

، فصار للأوَّلين التكبير و افتتاح الصلاة، و للآخرين التسليم

(2)

، حيث جعل لكلّ فرقة جزءاً من الصلاة، فدلّ بظاهره أن التسليم جزء كالتكبير. و أمثال هذا غير عزيز.

و مثل صريح موثّقة أبي بصير:، حيث نصّ فيها على أن

آخر الصلاة التسليم

(3)

، و هي نصّ في المسألة.

و أمّا ما يوهم الخروج، مثل صحيحة سليمان بن خالد: عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام):: سألته عن رجل نسي أن يجلس في الركعتين الأُوليين، فقال

إن ذكر قبل أن يركع فليجلس، و إن لم يذكر حتّى يركع فليتمّ الصلاة، حتّى إذا فرغ فليسلِّم و ليسجد سجدتي السهو

(4)

.

و صحيحة ابن أبي يعفور:: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام): عن رجل صلّى الركعتين من المكتوبة فلا يجلس فيهما حتّى يركع، فقال

يتمّ صلاته، ثمّ يسلِّم، و يسجد سجدتي السهو و هو جالس قبل أن يتكلّم

(5)

.

و الجواب: أنهما من أدلّة القائلين بالاستحباب و قد عرفت ما فيها، فنحن نطالب القائل بالوجوب و الخروج عن الجزئيّة بدليل يدلّ على الخروج و الوجوب لم نعلمه،

____________

(1) في المصدر: «وحداناً» بدل: «واحدة».

(2) تهذيب الأحكام 3: 301/ 917، 918، الإستبصار 1: 456 457/ 1767، 1768، وسائل الشيعة 8: 436، أبواب صلاة الخوف، ب 2، ح 2.

(3) تهذيب الأحكام 2: 320/ 1307، الإستبصار 1: 345 346/ 1302، وسائل الشيعة 6: 416، أبواب التسليم، ب 1، ح 4.

(4) تهذيب الأحكام 2: 158/ 618، الإستبصار 1: 361 362/ 1374، وسائل الشيعة 6: 402، أبواب التشهّد، ب 7، ح 3.

(5) تهذيب الأحكام 2: 158/ 620، الإستبصار 1: 363/ 1375، وسائل الشيعة 6: 402، أبواب التشهّد، ب 7، ح 4.