رسائل آل طوق القطيفي - ج3

- الشيخ أحمد آل طوق القطيفي المزيد...
529 /
7

الرسالة الثامنة عشرة نزهة الألباب و نُزُل الأحباب

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

المقدمة

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

و به نستعين، و لا حول و لا قوّة إلّا باللّٰه العليّ العظيم، و صلّى اللّٰه علىٰ محمّد: و آله الطيّبين، و الحمد للّٰه ربّ العالمين.

أما بعد: فهذه فوائد متفرّقة من فنون شتّىٰ، كتبتها في أوقات متعدّدة، علىٰ تشتّت بال، و شدّة بلبال، فأحببت أن أنظمها في عقد، لعلّ اللّٰه ببركة محمّد: و آله صلّى اللّٰه عليه و عليهم أن يقبلها و ينفع بها طالبها.

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

[1] مسألة في حقيقة النفس الإنسانيّة

اعلم أن النفوس البشرية خلقت مفطورةً علىٰ كمال الاختيار؛ و لذا كان لها بأصل فطرتها القدرة على الاختراع و الابتداع، و الصدق و الكذب، و الفعل و الانفعال، و التصوير و إحداث الصور المتخيّلة و المتوهّمة، و ذلك ما سألتْهُ بلسان إنّيتها (1) و افتقارها من بارئها، فقد أعطىٰ كلّ شيء خلقه ثمّ هدىٰ (2)؛ لأنّ أفعاله عزّ و جلّ مبنيّة بحكمته علىٰ كمال الاختيار إيجاداً و تكليفاً وَ آتٰاكُمْ مِنْ كُلِّ مٰا سَأَلْتُمُوهُ (3) في كلّ مقام.

فالنفس لها ذلك في عالم الغيب و الشهادة، كما يشاهد من فعل النائم و البَرْهَمِ و الساحر و العيّان و أهل الصنائع العجيبة، و حمرة الخجل و صفرة الوجل، و ما يحدث من أبصار بعض الحيوانات، إلىٰ غير ذلك.

و [لمّا] كانت النفس الأمّارة وجه الإنيّة التي هي الماهيّة، و مادّة آلتها هي المطاعم التي للشيطان فيها نصيب و لامسها (4). و المعصية من جنس الأمّارة و إلفاً لها،

____________

(1) الإنّيّة: الوجود، شرح المواقف 1: 55.

(2) إشارة إلىٰ قوله تعالىٰ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدىٰ. طه: 50.

(3) إبراهيم: 34.

(4) كذا في المخطوط.

12

فأوّل ما يعرف المكلّف نفسه يقول: أنا، و يميل إلى الفعل و الأمر دون الانفعال و الائتمار، فشأنها تصوير ما لا أصل له في الوجود و ابتداعه، فلم تزل الأمّارة تشتدّ فعليّتها إلىٰ زمن البلوغ أو قريب منه، فيظهر أثر شعاع العقل، و لكنّه مقهور بالأمّارة؛ لقوّتها حينئذٍ و ضعفه. و هي لا تميل إلّا إلى المعصية؛ لأنّها فعل، و لأنّها مناسبة لها و مشاكلة.

و أوامر الشرع حينئذٍ فعل و قهر لها، و استعباد و حبس لها عن مقتضىٰ ذاتها، و مادّة آلتها بل مادّتها، فمن أجل ذلك تجد أكثر النفوس حتّى الأطفال مائلة لفعل المعصية و البدعة و الشبهة؛ لما بينهما من المناسبة و المشاكلة. ممتنعةً عن قبول الأوامر الشرعيّة؛ لما بينهما من المباينة، و لضعف العقل و انقهاره حينئذٍ، و لما فيها عليها من لزوم ذلّ العبوديّة بعد رسوخ حبّ القاهريّة و الاستقلال و الأمر و النهي.

فالطاعة صعود، و المعصية هبوط. و الطاعة انفعال و قبول لأنها من اللّٰه، و المعصية فعل لأنّها من الشيطان. فالخمر و الميسر رجس من عمل الشيطان (1). مٰا أَصٰابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّٰهِ وَ مٰا أَصٰابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ (2).

فما منها [من] (3)] الهبوط و الفعل أخفّ و أشهى لها و عليها من أضدادها، [فبهذا] (4) ظهر سرّ تسارع النفوس أكثرها إلىٰ قبول المعصية و الباطل و الميل إليه، و نفرة أكثر النفوس من قبول أوامر الشرع و مناهيه، و اللّٰه العالم.

____________

(1) إشارة إلىٰ ما في سورة المائدة: 90.

(2) النساء: 79.

(3) في المخطوط: (و).

(4) في المخطوط: (فبهلا).

13

[2] كشف حال و بيان إجمال ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتٰابَ ..

قوله تعالىٰ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتٰابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنٰا مِنْ عِبٰادِنٰا فَمِنْهُمْ ظٰالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سٰابِقٌ بِالْخَيْرٰاتِ (1).

الذي يقتضيه النظر في الروايات (2) الواردة في تفسيرها عن أهل العصمة (عليهم السلام) أن المراد بالعباد فيها هم آل محمَّد (صلى الله عليه و آله): خاصّة، لكن بالمعنى الأعمّ، و هم أهل الإيمان من ذرّيّة عليّ: و فاطمة: (سلام اللّٰه عليهم)ا و أَضافهم لنفسه تعالىٰ إظهاراً لشرف أبَوَيْهِم، و أن الضمائر الثلاثة في الأقسام الثلاثة [راجعة (3)] للعباد المذكورين لا للمصطفَين خاصّة، فقد نطقت الأخبار أنّها ليست عامّة بل خاصّة بهم. فالسابق: الإمام، و المقتصد: العارف بحقّ الإمام منهم، و الظالم لنفسه: الجالس في بيته لا يعرف حقّ الإمام. و أن من قام بالسيف و دعا الناس إلى الضلال خارج من مدلول الآية الكريمة.

____________

(1) فاطر: 32.

(2) تفسير القمي 2: 210، الكافي 1: 214 215/ باب أنّ من اصطفاه اللّٰه من عباده و أورثهم كتابه هم الأئمة (عليهم السلام)، مجمع البيان 8: 526، البرهان في تفسير القرآن 4: 546، كنز الدقائق 8: 348 355.

(3) في المخطوط: (راجع).

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

[3] جمع و تنبيه مٰا أَدْرِي مٰا يُفْعَلُ بِي وَ لٰا بِكُمْ

قوله تعالىٰ وَ مٰا أَدْرِي مٰا يُفْعَلُ بِي وَ لٰا بِكُمْ (1)، لا ينافي ما تضاعف علىٰ ثبوته البرهان عقلًا و نقلًا (2) من علمه (صلى الله عليه و آله) بجميع كلّيّات العالَم و جزئيّاته ممّا كان أو يكون؛ [فإنّه (3)] في الآية الكريمة نفى الدراية و العلم عن نفسه من تلقاء نفسه استقلالًا و بالذات، فأشار بذلك أن ليس لنفسه عند نفسه اعتبار، بل إنه مستغرق في عبوديّة اللّٰه و التلقّي منه علىٰ كلّ حال. فعلمه و درايته أعلىٰ مراتب اليقين، لا يشوبه ظنّ و لا و هم و لا تخمين، و لا ينطق عن الهوىٰ (4) بحال، و ليس بينه و بين عالم السرّ و أخفى (5) واسطة سوىٰ نفسه المقدّسة عن جميع نقائص الخلق طرّاً.

و بهذا يعلم أنه عالم بجميع الخلق بدئهِ و معاده، و هو الواسطة لكلّ عالم في علمه، و مفيدُهُ العلمَ عن اللّٰه تعالىٰ، فلا إشكال، و اللّٰه العالم.

____________

(1) الأحقاف: 9.

(2) الكافي 1: 260 261/ 1.

(3) في المخطوط: (بأنه).

(4) إشارة إلىٰ قوله تعالىٰ وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ. النجم: 3.

(5) إشارة إلىٰ قوله تعالىٰ «فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفىٰ». طه: 7.

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

[4] إنارة و هم و إفادة فهم: وحدانيّة العدد

اعلم أن وحدانيّة العدد التي هي روح واحديته ملك للّٰه وحده لا شريك له، كما قال سيّد العابدين:

لَكَ يَا إلٰهِي وَحْدَانِيّةُ العَدَدِ

(1)

.

فكلّ ما دخل تحت العدد فهو ملك للّٰه عزّ اسمه وحده، و ظاهرها الواحد المعبّر عنه في عالم الأَحرف بالألف القائم، فإنّه كالروح و المادّة لما سواه منها، و كلّها في الحقيقة صور له و جزئيّات، و هو لها كالمادّة، فلا يوجد في شيء منها صرفاً و لا تفقد حقيقته. و كذلك الواحد العدديّ.

و من هنا توهّم أن الواحد ليس من العدد بل هو أوّل الأعداد و مادّتها و هي مظاهرة و مراتبه، لكنّه متجرّد عمّا فيها من معنى التعدّد. فالوحدانيّة التي لجميعها أعني: روحها للّٰه ملك، و روح جميع الوحدات أعني: الوحدانية الحقيقية هي واحدة الأمر.

فجميع الوحدانيّات و الواحديّات منها برزت، و إليها تعود في باب كلّ جود، فوحدة الكثرات و منتهى الوحدات و أوّل المخترعات للّٰه وحده خالصة له في ذاتها و صفاتها، و أفعالها و أطوارها و أوطارها، سرّها و علانيتها، لا تلتفت إلىٰ سواه، حتّى نفسها، منقادة مستغرقة في عبوديّته بحقيقتها و كلّيّتها و شراسيفها، لم تلبسها المدلهمّات أثوابها، خالصة للّٰه في إقبالها و إدبارها. فهي أبداً في الإقبال على اللّٰه

____________

(1) الصحيفة السجّاديّة الكاملة: 135.

18

و إليه، لم تخرج و لن تخرج عن حقيقة عبوديّتها له، فهي بجميع شؤونها ملك للّٰه وحده، لم يسبقها إليه سابق، و لا يلحقها لاحق، ليس بينها و بين اللّٰه سبب و حجاب سواها، فهي سبب الأسباب لربّ الأرباب.

فمعنىٰ قول زين العابدين (عليه السلام):

لَكَ يَا إلٰهِي وَحْدَانِيّةُ العَدَدِ

أن وحدانيّة العدد التي هي أصل الكثرات، و عنصر المعدودات و الوحدات، و بها قوامها بل هي أرقاها ملك لك و خلق، وحدك لا شريك لك. و وقع بذكرها الاهتمام من الإمام لأنّ بها القوام، و هي رابطة عقد النظام في كلّ مقام. و فيه إشارة إلى إبطال قول بعض الملحدين في أسمائه: (إن أُصول الأعداد الحقيقية هي الصانع)، تعالى اللّٰه عمّا يقول المشبّهون علوّاً كبيراً. فبطل ما توهّم بعضهم من أن وحدانيّة العدد صفة للّٰه تعالىٰ و تقدّست أسماؤه.

و هذا يردّه العقل و النقل؛ لما يستلزمه من التشبيه و التركيب تعالى اللّٰه عنهما. و ممّا يصرّح بإبطاله قول أمير المؤمنين: (عليه سلام اللّٰه) في وقعة الجمل للأعرابي كما رواه في (معاني الأخبار) (1) و غيره (2)، حيث قال: أ تقول أن اللّٰه واحد؟ فقال (سلام اللّٰه عليه)-

يا أعرابي، إنّ القول في أنّ اللّٰه تعالىٰ واحد على أربعة أقسام، فوجهان منها لا يجوزان على اللّٰه عزّ و جلّ، و وجهان يثبتان فيه:

فأمّا اللذان لا يجوزان عليه، فقول القائل: واحد، يقصد به باب الأعداد. فهذا ما لا يجوز؛ لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد، أ لا ترى أنّه كفر من قال: ثالث ثلاثة؟ و قول القائل: هو واحد من الناس، يريد النوع من الجنس. فهذا ما لا يجوز؛ لأنه تشبيه، و جلّ ربّنا عن ذلك و تعالى.

و أمّا الوجهان اللذان يثبتان فيه، فقول القائل: هو واحد ليس له في الأشياء شبه. كذلك ربّنا.

و قول القائل: إنّه عزّ و جلّ أحديّ المعنىٰ، يعني به أنّه لا ينقسم في وجود و لا عقل و لا و هم، كذلك ربّنا عزّ و جلّ.

فافهم و لا تتوهّم، و اللّٰه العالم.

____________

(1) معاني الأخبار: 5 6/ 2.

(2) التوحيد: 83/ 3.

19

[5] فوائد نحويّة و ثمار محويّة

أ هل يشترط في الكلام النحوي إفادة المخاطب؟

اشترط بعضهم في الكلام النحويّ إفادة المخاطب شيئاً يجهله. و الحقّ عدمه، بل شرطه أن الكلام مفيد في نفسه. و يرد علىٰ ذلك المشترط أنه أخذ حال المخاطب في تعريف الكلام.

و اشترط بعضهم فيه قصد المتكلّم. و يرد عليه أيضاً أنه أخذ حال المتكلّم في تعريف الكلام، و هما خارجان عن حقيقته، و فسادهما ظاهر.

و يلزم الأوّل أن يكون (قام زيد) كلاماً و غير كلام في حالة واحدة و مقام واحد إذا تكلّم به من يخاطب من علمه و من لا يعلمه دفعةً واحدةً. و يلزم الثاني خروج مثل هذا مع إفادته إذا تكلّم به الساهي و الغالط و شبههما، و اللّٰه العالم.

[ب] فائدة: هل دلالة الكلام وضعيّة أم عقليّة؟

اختلف النحويّون: هل دلالة الكلام وضعيّة، أم عقليّة؟ و الذي عليه المحقّقون أن دلالته المطابقيّة و التضمّنيّة وضعيّة، و الالتزاميّة عقليّة، و هو الحقّ.

و ممّا يؤيّد ذلك أنه ليس دلالته علىٰ معناه إلّا دلالة أجزائه علىٰ معانيها؛ إذ لا ريب في بقاء معانيها الوضعيّة بعد التركيب، و إنّما زاد بالتركيب نسبة بعضها لبعض علىٰ جهة تخصيص أحدهما بالآخر، و لم يضع الواضع المفردات إلّا لتستعمل

20

مركّبة، فقد وضعها للتركيب، و اللّٰه العالم.

[ج] فائدة: هل في الممنوع من الصرف تنوين مقدّر؟

صرّح جماعة من النحويّين في باب الإضافة بأنّ ما لا ينصرف فيه تنوين مقدّر (1). و الظاهر أنّهم أرادوا أنه إذا أُريد إضافته نُويَ تنوينه ثمّ حُذِفَ. و خالف في ذلك أبو حيّان:، و تبعه الدمامينيّ:.

و وجه قوله بما حاصله أنه لا يمكن أن يكون هذا التنوين تنوين التمكين؛ للمنافاة الظاهرة بينهما؛ إذ هو يدلّ على أمكنيّة الاسم بحيث لا يشبه الحرف فيبنىٰ، و لا الفعل فيمنع [من] الصرف. و لا تنوين تنكير؛ لأنه وضع في بعض المبنيّات للفرق بين معرفتها و نكرتها، فلا يدخل في الممنوع من الصرف؛ لأنه معرب. و لا شيئاً من بقيّة أقسام التنوين، و العلّة واضحة. انتهىٰ.

قلت: لهم أن يختاروا أنه للتمكين؛ حيث إنّهم إذا أرادوا إضافته سلبوا عنه ما يوجب منعه تقديراً، فيدخله تنوين التمكين تقديراً. لكن حصول التخفيف المعلّل به حذفُ التنوين للإضافة بشيء فرضيّ متوهّم بعيدٌ عن التحقيق، و يأباه الذوق السليم، و اللّٰه العالم.

[د] فائدة: في اسمي الفعل و الصوت

الظاهر أن معنىٰ قول النحاة: اسم الفعل مركّب و اسم الصوت مفرد أن اسم الفعل يدلّ وضعاً على الحدث و الزمان، بخلاف اسم الصوت. و لكنّي لم أقفْ علىٰ مَنْ صرّح بذلك، و اللّٰه العالم.

____________

(1) حاشة الصبّان علىٰ شرح الأشموني 3: 237.

21

[6] دفع إشكال و بيان حال قُلْ إِنْ كٰانَ لِلرَّحْمٰنِ وَلَدٌ

قوله تعالىٰ قُلْ إِنْ كٰانَ لِلرَّحْمٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعٰابِدِينَ (1). يخطر بالبال و اللّٰه العالم بحقيقة الحال أنه لعلّ المراد أنه إنْ فُرِضَ للرحمن ولد لزم أن يكون هو أوّل العابدين له، لا يسبقه إلىٰ عبادته سابق؛ لأنه أوّل صادر منه، فلا أخصّ بالوالد من ولده و لا أقرب له منه، فأوّل ما يتحنّن بالهداية علىٰ ولده؛ لذا وجب شكر الولد لوالديه. و قد قرنه اللّٰه تعالىٰ بشكره.

فإن فرض أن للرحمن ولداً فهو أوّل العابدين له، و أنا أوّل العابدين لم يسبقني إلىٰ عبادته سابق، و لست له بولد؛ فليس له ولد.

و بعبارة اخرىٰ: إن فرض للرحمن ولد فهو أنا؛ لأَنّي أوّل العابدين له، و لا يسبق الولد إلىٰ عبادة والده أحد، و أنا لست له بولد، بل عبد مخلوق؛ فليس له ولد.

و بعبارة اخرىٰ: إن فرض للرحمن ولد، فأوّل العابدين للرحمن عالم به؛ إذ لا أقرب إليه من أوّل العابدين له، و لا أعلم به منه، و أنا أوّل العابدين له، و لست أعلم أن له ولداً، بل أعلم أنه ليس له ولد؛ فليس له ولد.

و يمكن علىٰ بعد من الظاهر أن تكون إن نافية على الوجوه الثلاثة، و التقدير: ما كان للرحمن ولد، فلو كان له ولد لكان الأوّل، و أنا أوّل العابدين،

____________

(1) الزخرف: 81.

22

و لست له بولد، أو فهو أنا؛ لأني أوّلهم، أو فأنا عالم به. و التقدير ما مرّ في الوجه الأوّل، و هو ظاهر.

و لعلّه عبّر بلفظ الرحمن لأنه الاسم المختصّ في مقام الأفعال و الصفات، و الوالديّة و المولديّة أمر إضافيّ يقتضي الرحمة، فهو أولىٰ برحمة الهداية للشكر، فالولد بجهة الرحمة أظهر من جهة الأُلوهيّة، و اللّٰه العالم.

23

[7] كشف حال و بيان إجمال و مبارزة مع أبطال: عبارة النظّام

قال النظّام: في (شرح شافية ابن الحاجب) في باب الإمالة: (و إنّما أثّرت الكسرة قبل الألف مع الفاصلة قبل الألف و لم تؤثّر بعدها مع الفاصلة؛ لأنّ الانحدار بعد الصعود أهون من العكس) (1)، انتهىٰ.

و أقول: الكسرة أخفض من الفتحة، و الألف كفتحتين، و الياء ككسرتين، و حقيقة الإمالة الأنحاء بالألف نحو الياء، فالانتقال من الحرف الفاصل بين الكسرة و الألف الممالة نحو الياء انحدار بعده صعود، و هو سهل، فأثّرت سببيّة الكسرة المتقدّمة مع الفاصلة. و الانتقال من الألف الممالة إلى الفاصل بين الكسرة و بينها صعود بعد انحدار، و هو عسر، فلم تؤثّر الكسرة بعد الفاصلة حينئذٍ لمعاوقة ذلك الثقل لسببيّتها، و اللّٰه العالم.

و كتب عليها شيخنا الشيخ أحمد بن منصور:: (اللسان كما ينخفض بالياء و الكسرة يرتفع بمقابليها، ففي النطق بأحدهما قبل أحد المتقابلين لو لم يمل صعود بعد انحدار، و بأحد المتقابلين قبله عكسه. و الصعود بعد الانحدار أثقل من عكسه، فلا جرم أن قصد التخلّص من الأوّل بالإمالة و إن ضعف بالفصل السبب. فاشتراط ملاصقة الكسرة للألف في إمالتها بتلك الكسرة واجب، فقوله (لأنّ الانحدار بعد

____________

(1) شرح شافية ابن الحجب: 234.

24

الصعود أهون) تعبير بالملزوم)، انتهىٰ.

و وجّهها الشيخ عبد الباقي ابن العلّامة الشيخ أحمد العسكريّ: (رحمه الله) بما حاصله: الضمّة أعلى الحركات لأنّها أثقلها، ثمّ الكسرة لأنّها دونها في الثقل، ثمّ الفتحة لأنّها أخفّها؛ فلذا اغتفر الفصل حال سبق الكسرة؛ لأنّ الناطق حينئذٍ منحدر من الكسرة إلى الفتحة. و المنحدر يمكنه أن يتخطّى الفاصل لسهولة الانحدار، بخلاف تأخّر الكسرة، فإنّه حينئذٍ صاعد، و الصاعد لا يقدر علىٰ تخطّي الفاصل. انتهىٰ.

و فيه أن لفظ الإمالة ينبئ عن أن المُمَال هو الصاعد العالي، فلا يقال في الرفع: أماله. و الممال هو الفتحة أو الألف، فيقتضي أن تكون هي العالية الصاعدة، و الممال إليه، أعني الكسرة أو الألف. فالإماله انحدار كما يشعر به لفظها، فالانتقال من غير الممال إليه يشبه الانحدار، و هو أسهل، و تخطّي الفاصلة معه أيسر، و عكسه يشبه الصعود، فهو أعسر، و تخطّي الفاصلة فيه أشقّ، و اللّٰه العالم.

على أنه لا يخفىٰ ما في كلام الشيخين من التكلّف و الخروج عن الظاهر، و اللّٰه العالم.

25

[8] زبرجدة خضراء: برهان العصمة

ثبت بالبرهان المتضاعف عقلًا و نقلًا، [أن اللّٰه هو (1)] الحكيم القادر الحقيقيّ الحقّيّ، فلا بدّ أن يصان فعله عن المرجوح مع قدرته البالغة التامّة العامّة على الراجح، و علمه به كذلك، فيجب ألّا يكون خليفته إلّا أحكم رعيّته من حين الولادة، و في جميع أطوار وجوده؛ فيجب أن يكون خليفته معصوماً كذلك؛ لأنّ حكمته الموهوبة من اللّٰه تأبىٰ له أن يفعل المرجوح مع قدرته على الراجح، فضلًا عن المعصية و إن كان قادراً علىٰ فعلها، و إلّا لانتفت حكمته، فيلزم نفي حكمة من اختاره و استخلفه.

و بهذا تبيّن أن النبيّ و الإمام لا يكون إلّا معصوماً عن القبائح في جميع أطوار وجوده، بل عمّا لا يليق بخلافة اللّٰه و خليفته، و ظهر لك بهذا معنى العصمة، و اللّٰه العالم.

____________

(1) في المخطوط: (هو أنّه).

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

[9] فيروزجة بهيّة سَنُقْرِئُكَ فَلٰا تَنْسىٰ

يخطر بالبال و اللّٰه العالم بحقيقة الحال في وجه الاستثناء في قوله عزّ اسمه خطاباً لحبيبه المصطفى المصفّى (صلى الله عليه و آله) سَنُقْرِئُكَ فَلٰا تَنْسىٰ. إِلّٰا مٰا شٰاءَ اللّٰهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَ مٰا يَخْفىٰ (1) وجهان:

أحدهما: أن تنسى بمعنى تترك، أي نُوحي إليك فلا تترك شيئاً ممّا اوحي إليك تبليغه إيجاداً أو تكليفاً إلّا و أنت مبلّغه أمراً و نهياً، فعلًا و تركاً؛ فلا تترك شيئاً، و لا تتخلّف عن مشيئة اللّٰه بحال إلّا ما شاء اللّٰه أن ينسخه، فيوحي إليك بتركه، فتتركه بعد الوحي إليك بفعله.

و الكلام خبر في معنى النهي، فعلى هذا يكون معنى الاستثناء إثبات كمال القدرة و الحكمة و العلم للّٰه، و أن حبيبه (صلى الله عليه و آله) حكيم لا يفعل إلّا ما أُمر به، تدور مشيئته علىٰ مشيئة اللّٰه، مقدّس عن دعوى الاستقلال بوجه.

الثاني: أن يكون النسيان ضد الذكران، أي أنّك علمك كلّه من اللّٰه بلا واسطة له إلّا ذاتك، فلا يمكن عليك السهو و النسيان عن شيء؛ لأنّ من كان علمه كذلك لا يغيب عنه معلومه بحال. فهو برهان علىٰ عصمته عن السهو و الغلط و النسيان، و من عصمهُ اللّٰه عن ذلك فهو معصوم عن العمد بطرق أولىٰ.

فمعنى الاستثناء علىٰ هذا إثبات كمال القدرة و الحكمة و الاختيار للّٰه تعالىٰ

____________

(1) الأعلى: 6 7.

28

واحداً عليه و علىٰ من تحته، بإثبات البداء للّٰه في كلّ شيء. فهذا يثبت علوّ درجة المصطفىٰ (صلى الله عليه و آله): علىٰ كلّ مخلوق، علماً و حكمةً و عبوديّةً للّٰه في كلّ مقام.

أمّا قوله عزّ و جلّ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَ مٰا يَخْفىٰ فجملة تعليليّة، فعلى الأوّل تعليل للاستثناء أي أنه تعالىٰ هو العالم بالسرّ و أخفى فما يكن وجه الحكمة في نسخه و تركه ينسخه، و ما يكن في إمضائه يمضِه، و للّٰه المشيئة في البداء.

و على الثاني تعليل لنفي النسيان عنه (صلى الله عليه و آله)؛ لأنه تعالى المفيض عليه بلا واسطة إلّا نفسه، و هو تعالىٰ عالم السرّ و أخفى، فلا يعزب عن نائبه الأعظم شيء من الخلق؛ لأنه بابهم طرّاً إلى اللّٰه، و شفيعهم، و اللّٰه العالم.

29

[10] كشف حال و إبطال مقال: الوجود العام

اعتبر بعض المنطقيّين وجوداً عامّاً يشترك فيه الممكن و الواجب، فقال: (مفهوم الموجود يعم الواجب و الممكن).

و [قلت (1)]: هذا الاعتبار إن طابق الواقع و ما في نفس الأمر و إلّا فهو كذب باطل، لا يبنىٰ عليه حكم.

فإن كان ذلك المعتبر عدماً محضاً، بطل الحكم بكلّيّته؛ إذ لا يحكم على العدم البحت بكلّيّة و لا بجزئيّة و لا بحكم؛ لعدم إمكان تعقّله بالكلّيّة. و علىٰ فرضه و إن كان فرضا مستحيلًا يلزم صدق العدم على الواجب بوجه، و فساده ظاهر.

و إن كان موجوداً في الجملة؛ فإما أن يكون واجباً، [أو (2)] لا، فعلى الثاني يلزم صدق الإمكان على الواجب بوجه، و فساده لا يخفىٰ. و على الأوّل يلزم تعدّد الواجب، و تركيبه من جنس و فصل، و فساده ضروري.

و قد قام البرهان المتضاعف على أن الاشتراك بين الواجب و الممكن إنّما هو في حروف لفظ (موجود)؛ لضيق ساحة العبارة؛ لحصر الحروف في ثمانية و عشرين حرفاً، و لا يعمهما مفهومه؛ لأنه

خلوّ من خلقه و خلقُه خلوّ منه

(3)

لا بمزايلة، هذا بحسب الظاهر.

____________

(1) في المخطوط: (قلته).

(2) في المخطوط: (أم).

(3) الكافي 1: 82/ 3، و 83/ 5.

30

و للعارفين مقام تنتفي فيه عن الواجب جلّ قدسه حتّى العبارة، ينبّهك عليه حدوث الأحرف و العبارة و المعبر، فافهم.

نعم الوجود العامّ المعبّر عنه (1) بالوجود المطلق ممكن حادث مخلوق، و اللّٰه العالم.

و المفهوم المصدريّ الاشتقاقيّ عام لجميع الممكنات لا يعدوها، و اللّٰه العاصم.

____________

(1) في المخطوط بعدها: (عند).

31

[11] دفع و هم و بيان فهم معنى الأيام السعيدة من الشهر

ورد في الأخبار (1) الحكم علىٰ بعض أيام الشهر بالسعد و بعضها بالنحس؛ عامّاً في بعضها و خاصّاً في آخر، [فهل (2)] المراد بالشهر: العربي، أو الفارسي؟ و الشهور الفارسيّة هي التي أوّلها الحمل و آخرها الحوت، و هي البروج المعروفة.

المعروف بين العامّ و الخاص و العالم و الجاهل أن المراد به الشهر العربيّ. و صرّح محسن الكاشاني: في (تقويم الحسنين) بأن المراد به: الشهر الفارسي.

و لم يستدلّ بما تطمئنّ به النفس، و لم أرَ من قال بذلك، و لا من وافقه عليه، بل العمل في سائر الأزمان و الأصقاع على أنه الشهر العربيّ.

و ممّا يدلّ عليه أن الشارع خاطب بذلك خاصّة الناس و من يعرف الشهور الفارسية و مدخلها و مخرجها من العربية، و عامّتهم و من لا يعرف ذلك، و محال أن يخاطب الحكيم به من يستحيل منه معرفته، فلم يخاطب أحداً إلّا بما يفهم بحسب عقله. و أين العوامّ من معرفة الشهور الفارسيّة الّتي لا يعرفها إلّا علماء الرصد و التقويم أو من قلّدهم؟ ما ذاك إلّا تكليف ما لا يطاق، فمتىٰ قال الشارع: يكره الجماع في ليلة النصف مثلًا، علم كلّ من سمعه أن المراد نصف الشهر العربي بلا ارتياب، و اللّٰه الهادي.

____________

(1) الدروع الواقية: 259 266.

(2) في المخطوط: (فهو).

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

[12] كشف حال و بيان إعضال: نوم النبي (صلى الله عليه و آله): عن الصلاة (1)

اعلم أن اللّٰه سبحانه و تعالى لما كان هو الواحد الأحد من كلّ وجه، و بكلّ اعتبار، و هو أرحم الراحمين، و جميعُ أفعاله جرت علىٰ كمال الاختيار، إيجاداً و تكليفاً؛ لأنه المختار، و لذلك خلق الخلق علىٰ فطر مختلفة كلّا بحسب وسعه من القبول، أَعْطىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدىٰ (2) فاقتضى (3) عدله و حكمته و رحمته أن يجعل له خليفة و باباً لا يؤتىٰ إلّا منه، و هو وجهه و دليله و حجابه الأعظم.

و قد استفاض أن اللّٰه خلق محمَّداً (صلى الله عليه و آله): و أهل بيته المعصومين من نور عظمته قبل أن يخلق شيئاً من خلقه، فمكثوا ألف دهر، ثمّ خلق الأشياء و أشهدهم خلقها، و أجرى عليها طاعتهم، و فوض أمر الأشياء إليهم في الحكم و التصرّف و الإرشاد و الأمر و النهي في الخلق؛ لأنهم الولاة؛ فلهم الولاية المطلقة العامّة في كلّ شيء. فلا جود من اللّٰه إلّا و هم بابه و سبيله و مصدره، فهم علّموا الملائكة و جميع الخلق توحيد اللّٰه و عبادته (4) و جميع ما يصلحهم في جميع النشئات و التطورات، وجود اللّٰه متصل الفيض لا ينقطع بحال.

____________

(1) انظر الفقيه 1: 233 234/ 1031.

(2) طه: 50.

(3) جواب قوله: (لما كان ..) أي فقد اقتضى ..

(4) الاختصاص (ضمن سلسلة مؤلّفات الشيخ المفيد) 12: 91، بحار الأنوار 25: 1/ 2.

34

فمن توهّم أن محمّداً: الذي هو نائب اللّٰه في كلّ شيء، و نوره الّذي أشرقت من نوره الأكوان، و نبعت منه عيون الرحمة و الجود ينام كما ننام، و يذهب النوم بحسّه و عقله، حتّى إنه نام عن صلاة الصبح، حتّى طلعت الشمس، فقضاها بعدُ، لحديثٍ شاذ نادر (1) جرىٰ [علىٰ (2)] سبيل التقيّة الّتي عصم اللّٰه بها دماء أهل الإيمان عن التلف، فقد جهل مقامه الأقدس المطهّر عن جميع النقائص و الحظوظ البشريّة و يلزمه من المفاسد في التوحيد و جميع أُصول الإيمان ما لا يحصىٰ، [و يحطّ] (3) مقامه عن الخلافة العامة، و يفسد باب الجود، و تنقطع السعادة بين الحقّ و الخلق، و لا يكون أفضل الكلّ في الكلّ من كلّ وجه، كذلك في تلك الحال.

و يلزم أن يكون للّٰه خليفة و حجة علىٰ جميع الموجودات غيره؛ لعدم إمكان خلوّ الإمكان بحال عمّن هو كذلك، و ذلك يستلزم التركيب في الواحد الحقّيّ، فيجر إلىٰ مفاسدَ لا تحصى. فعليك بتأمّل هذا الإجمال ينكشف لك الحال.

و من قال: إنه فعل ذلك تعليماً فقد حكم على المبعوث في كلّ مقام لتكميل النواقص بتعليم النقائص باختياره. و من توهّم أنه في تلك الحال، مشغول بالفناء في البقاء الّذي هو أعلىٰ من الصلاة فقد نصر ضُلّال الصوفية الأشقياء المحجوبين عن اللقاء، و نصر القول بالتناسخ من حيث لا يدري، بل مال إلىٰ وحدة الوجود، نعوذ باللّٰه من ذلك.

و إياك أن تنسب هذا لأحد من علماء الفرقة، فتظلمهم؛ فيخاصموك عند اللّٰه و رسوله بعد أن يخاصمك الرسول (صلى الله عليه و آله): عن اللّٰه و عن نفسه، و اللّٰه الهادي و العاصم.

فهذا الوهم ترده جميع قوانين الشريعة المقدّسة و براهين المعقول، و اللّٰه اعلم.

____________

(1) الفقيه 1: 233/ 1031.

(2) في المخطوط: (من).

(3) في المخطوط: (فعليه).

35

[13] جواب سؤال و دفع إشكال نسبة المعصية لآدم (عليه السلام) و البدن

قد سألني في أيام الشبيبة بعض أهل المناصب عن مسألتين:

أحدهما: نسبة المعصية لآدم (عليه السلام):. ظاهر القرآن أن آدم (عليه السلام): عصى اللّٰه تعالىٰ، و أُصول المذهب على أن جميع الأنبياء معصومون من آن الولادة، و عليه إجماع الفرقة.

و الجواب أن الكتاب العزيز قد اشتمل على المجازات اللغويّة كما اشتمل على الحقائق اللغويّة، فنسبة المعصية إلىٰ آدم: و (سلام اللّٰه عليه) و على المعصومين من ذرّيّته من قبيل المجاز اللغوي، و العاصي في الحقيقة إنّما هم فراعنة ذرّيّته في كلّ زمان كفلان و فلان، لكنه لمّا كانوا حينئذٍ في صلبه قبل التميّز نسبت له المعصية مجازاً، فوجب إنزال آدم (عليه السلام): من الجنّة لوجوب إنزال فراعنة ذرّيّته من الجنة، ليميز اللّٰه الخبيث من الطيب، فيجعل الخبيث بعضه علىٰ بعض، فيركمه في جهنم جميعاً.

فلعل بكاء آدم (عليه السلام): لما لحقهُ بالعرض من المحنة بالخروج من الجنّة، بسببهم و لكونهم من صلبه، و لما يُنسب إليه ظاهراً من معصيتهم، فقيل: عصىٰ آدم (عليه السلام):، و إنّما العاصي بعض من خرج من ظهره، فهو كالذهب المغشوش بالنحاس، يلقىٰ في النار ليصفىٰ من الخلط، فتلحقه المحنة بسبب ما مازجه من الخلط.

و يمكن أن يراد بآدم (عليه السلام): في القرآن الجنس المتحقّق بتحقّق فرد منه، فيراد بكلّ

36

فرد من فراعنة البشر آدم [الّذي نسبت (1)] المعصية إليه، بل يمكن أن كونهم يخرجون من ظهره هي المعصية المنسوبة إليه، فإن إطلاق المعصية علىٰ ذواتهم صحيح و إن كان مجازاً لغويّاً. و سمّي تخليصه منهم و تميّزهم منه و من أطائب ذرّيّته توبةً و اجتباء؛ إذ بدونه لا يكمل الاجتباء و الرّجوع إلىٰ ما منه بدأ، و اللّٰه العالم.

نسبة المعصية للبدن

المسألة الثانية: كيف يثاب البدن و يعاقب، و هو مستخدم للنفس مقهور لها، لا يستطيع مخالفتها، لأنه آلة لها كالمنشار في يد النجّار؟

و الجواب و من اللّٰه استمداد الصّواب أن المكلّف هو الإنسان، و هذا اللفظ لا يصدق على النفس وحدها و لا على البدن وحده، و إنّما يراد به شيء (2) مركّب هو مجموع النّفس و البدن، كالسّكنجبين إنّما يطلق عَلىٰ شيء مركّب من أجزاء ثلاثة، لا يصحّ إطلاقه علىٰ شيء من أجزائه على الانفراد.

فالنفس إنّما تعصي و تطيع بالبدن، و البدن إنّما يعصي و يطيع بالنفس، فكلّ منهما لا يتحقّق منه أحدهما على الانفراد، فكلّ منهما إنّما صدر من كلّ منهما دفعة على الاجتماع، و لكلّ منهما [قسط (3)] من الاختيار فكلّ منهما إنّما صدر منهما باختيارهما معاً، و ليس البدن بمثابة المنشار في يد النجّار من كلّ وجه، بل لغلبة النفس و كونها منبع الاختيار؛ ربما نسب لها الفعل. بل خواصّ الحكماء ينفون القسر و الطبع بوجه و إن أثبتوه بوجه. فجميع الحركات عندهم اختيارية بوجه، حتّى إن الأصنام المنحوتة إنّما عبدت بنوع من اختيارها.

فلذا ظاهر القرآن (4) إنها تعذّب في النار مع عابديها؛ فظهر استحقاق البدن للثواب و العقاب كالنفس، و اللّٰه الهادي، و هو العالم.

____________

(1) في المخطوط: (التي نسبة).

(2) في المخطوط: (بشيء).

(3) في المخطوط: (قصط).

(4) إشارة إلىٰ ما جاء في قوله عزّ و جلّ إِنَّكُمْ وَ مٰا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهٰا وٰارِدُونَ الأنبياء: 98.

37

[14 كشف غمة و دفع ملمة مٰا أَدْرِي مٰا يُفْعَلُ بِي

لعل نفي الدراية في قوله عزّ اسمه وَ مٰا أَدْرِي مٰا يُفْعَلُ بِي وَ لٰا بِكُمْ (1) نفي درايته (صلى الله عليه و آله) من تلقاء نفسه [المقدّسة (2)] استقلالًا لا بإفاضة العليم القادر، أي أني لا علم لي و لا دراية بشيء ما أصلًا، حتّى أحوال نفسي و أصحابي من قبل نفسي، بل كلّ علم لي و كلّ كمال فهو لي من اللّٰه بلا واسطة سوىٰ نفسي.

فإذن هو (صلى الله عليه و آله) أعلم الخلق بجميع الخلق و صفاته، و لذا كان أولىٰ بهم من أنفسهم؛ لأنه الواسطة لكل الخلق في كلّ كمال و وجود، فنفى بذلك الربوبيّة عن نفسه، و أثبت أنه أعلم الخلق و أكملهم، حيث أشار إلى أنه ينبوع كلّ جود و وجود.

و بوجه آخر حاصله أن نفي الدراية في الآية الكريمة إشارة إلى إثبات البداء للّٰه في كلّ شيء، فإنه عنوان كمال القدرة للّٰه تعالىٰ و سرّه.

و بوجه آخر هو أنه نفى الدراية بجهة مفهوم البشريّة المحضة العامّ؛ فهو إثبات لأن درايته إنّما هي من لدن حكيم عليم في مقام قٰابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنىٰ (3) و إن كان هو يشمل جميع مراتب الوجود، إلّا إنه في كلّ رتبة بما يناسبها. و في مقام البشرية المحضة لا يكون إلّا بالوحي الجزئي التدريجيّ الآتي علىٰ لسان ملك. فهو إثبات لكمال جامعيّته لكلّ كمال.

____________

(1) الأحقاف: 9.

(2) في المخطوط: (المقدّس).

(3) النجم: 9.

38

فلا منافاة بين الآية الكريمة و بين ما ثبت بالبرهان المتضاعف عقلًا و نقلًا (1) من أنه (صلى الله عليه و آله) عالم بجميع ما كان و ما يكون من جميع العالم؛ لأنه باب الكلّ و سبيله إلى اللّٰه، و اللّٰه العالم.

____________

(1) الكافي 1: 251 252/ 8.

39

[15] نكته لطيفة تعدد المعاذيّة في سورة الناس

يمكن أن تكون النكتة في تعدّد لفظ المعاذيّة بصفات مختلفة المفهوم، و في الإتيان بالظاهر دون الضمير [ثلاث (1)] مرّات في سورة (الناس) هو التنبيه على افتقار الإنسان إلىٰ تدبير اللّٰه و عنايته و إمداده وحده لا شريك له، و عدم غناه عن بارئه بحال في كلّ نشأة و درجة من منازل وجوده.

فالإنسان أوّل أمره بعد الولادة لا يعرف سوىٰ من يقوم بتربيته من أُمّ أو أب أو ما يقوم مقامهما، و يتوهّم أن مربية قادر علىٰ دفع جميع المكروهات عنه، و علىٰ جلب جميع الملائمات و المحبوبات له. و لذا لا تراه يفزع و يلجأ في جميع حوائجه و مهمّاته إلّا لمربّيه؛ لأنّه لا يرىٰ قادراً سواه.

ثمّ إذا ترقّى إلى إدراك أقوى و أعلى من الأوّل يرى أن الملك الذي مُربّاه تحت قهره هو القادر علىٰ جميع ذلك دون من سواه، فهو لا يفزع في مهماته إلّا له؛ لأنه لا يرىٰ لغيره قدرةً علىٰ شيء، و لا يعرف ملكاً هو أقدر من ملك أرضه.

ثمّ إذا بزغ فيه نور العقل و استعدّ [للتكليف (2)] الشرعي، و نظر في آيات اللّٰه عرف أن لا قادر علىٰ شيء من ذلك إلّا اللّٰه تعالىٰ وحده، و عرف أن اللّٰه عزّ اسمه هو

____________

(1) في المخطوط: (أربع)، و يدلُّ علىٰ ما أثبتناه ما سيأتي من كلامه في موضعين.

(2) في المخطوط: (التكليف).

40

المربّي له و أنه الملك و أنه الإله المعبود وحده فلا مُدبّر له في جميع حالاته و لا قاهر و مألوه سواه. فإن قبل الهداية الأوّليّة العامّة انقطع إلى اللّٰه في جميع أحواله، و إن أباها و استحبّ العمىٰ على الهدىٰ كان شيطاناً موسوساً مضلا عن الهدىٰ، و كان تعويله و انقطاعه إلىٰ هواه الذي اتّخذه إلهه.

فانقسم الناس بهذا إلى [ثلاثة (1)] أقسام، كلّ قسم منها مباين لغيره بوجه و إن كان يجمعها في الظاهر بحسب البنية نوع الإنسان:

فالإنسان أوّل بروزه في الدنيا مربّى بحت، لا يجد لنفسه اعتباراً و لا [تدبيراً] (2) و لا اختياراً [فلذلك] دلّ عليه بلفظ الربّ المربّي و المدبّر.

ثمّ إذا كان صبيّا و ظهر فيه سلطان الوهم، كان مملوكاً مقهوراً لما فيه من شره النفس، لخلوّها حينئذٍ من الارتياض بالنواميس الشرعيّة، فناسب أن يدلّ عليه بلفظ الملك.

ثمّ إذا عرف اللّٰه و عبده و انقاد له كان اللّٰه إلهه و مولاه في كلّ أحواله.

فلمّا تباينت حقائق الأقسام الثلاثة ناسب التعبير بالظاهر دون الضمير المتّحد المعنىٰ بمرجعه. و الخانس عن هذه الأنواع الثلاثة هو من جملة ما أمر اللّٰه بالاستعاذة به منه في كلّ الحالات. و هذا التقسيم يدلّ علىٰ كلّيّات مراتب النفس من الهيولاني إلى العقل بالفعل، و علىٰ ترتّب كلّ درجة علىٰ سابقتها، و علىٰ تباين حقائق النفوس بتباين الملكات، و اللّٰه العالم.

____________

(1) في المخطوط: (أربعة).

(2) في المخطوط: (تبدير).

41

[16] جواب سؤال و بيان حال انقسام العلم إلىٰ تصوّر و تصديق

إن قيل: إنّهم قالوا: (العلم بشيء هو حصول صورته في النفس) (1)، فلذا قيل: إنه يرادف التصوّر بالمعنى العامّ، فهو من مقولة الكيف عند محقّقي أهل النظر (2)، أو الانفعال كما هو عند جماعة (3). فحقيقته واحدة بالنوع، فكيف ينقسم إلىٰ تصوّر، و إلى تصديق، و هما نوعان مختلفا الحقيقة؛ لاختلاف الجواب عن السؤال عنهما ب(ما هو) مع أن وجداننا يحكم بعدم الفرق بين صورة ما يسمّىٰ تصوّراً و ما يسمّىٰ تصديقاً عند النفس العالمة أو آلتها، فكلاهما حصول صورة في المدركة (4)، فما وجه التقسيم؟

قلت: اعلم أن لفظ العلم عندهم يطلق بالاشتراك علىٰ معنيين:

أحدهما: العلم الإشراقيّ، و هو إضافة، و حالة الشراقيّة بها تنكشف حقيقة العلوم عند العالم بدون حصول صورة منه في المدرك، أو في آلته كعلم المجرّد بنفسه،

____________

(1) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: 225.

(2) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة 1: 325.

(3) جوامع الكلم 1: 151.

(4) المدركة: من القوى الخمس الباطنة للنفس، و هي قسمان: مدركة الصور، و تسمّىٰ حسّا مشتركاً؛ لأنها تدرك خيالات المحسوسات الظاهرة بالتأدية. و مدركة المعاني، و تسمّى وهماً و متوهّمة. الإشارات و التنبيهات 2: 332.

42

و بغيره، و كعلمنا بأنفسنا. و هذا لا ينقسم إلىٰ تصوّر و تصديق؛ لأنّهما حصول صورة، و لا صورة هنا.

الثاني: العلم بما غاب، و هو المتجدّد المتوقّف حصوله علىٰ حضور حقيقة المعلوم أو مثاله أو صورته بين يدي المدرِك، و منه ما يتوقّف حصوله علىٰ حضور المدرَك بين يدي آلة المدرك حتّى الحسّيّة. و جميع المنطقيّات لا يتجاوز هذا القسم كما صرّح به العلّامة الشيرازي، و هذا القسم ينقسم أيضاً إلىٰ ثلاثة أقسام متباينة الحقائق بوجه و إن آلت إلىٰ شيء واحد بوجه:

أحدها: الصورة الذهنيّة المنطبعة في النفس، و متعلّقُهُ ذو الصورة الذي هو حقيقة المعلوم بحسب نفس جوهر الماهيّة.

الثاني: الانكشاف المصدريّ، و متعلّقه المنكشف من حيث هو منكشف.

و هذان النوعان لا يمكن انقسامهما أيضاً إلىٰ تصوّر و تصديق؛ لاتّحاد معناهما بالنسبة لكلّ منهما و تساويهما فيهما.

الثالث: الحالة الإدراكيّة للنفس العاقلة، و متعلقها الصورة الذهنيّة الانطباعيّة. فالصورة المنطبعة في النفس علم بالنسبة إلىٰ سنخ جوهر حقيقة المعلوم، و معلوم بالنسبة إلى العلم المتعلّق بها و هو الحالة الإدراكيّة. و هذا هو المنقسم إلىٰ تصوّر و إلى تصديق كما صرّح به في (القبسات) (1)، و ذلك أن النفس إذا تصوّرت و أدركت مفهومين و نسبة بينهما حصل لها حالة إدراكيّة للمتصوّرات الثلاثة؛ فإن بقين معها على الحالة الاولىٰ من بحت التصوّر فهو تصوّر، و إن عرض لها ما يجعلها محتملة للتصديق و التكذيب في إيقاع تلك النسبة أو وقوعها أو انتزاعها بحيث تكون ملحوظة من تلك الحيثيّة فهي تصديق.

قال العلّامة الشيرازيّ:: (الأثر الذي هو حصول صورة الشيء في العقل سواء اقترن به حكم أم لا يسمىٰ تصوّراً؛ إذ الحكم باعتبار حصوله في العقل من

____________

(1) القبسات: 387.

43

التصوّرات أيضاً. و خصوصيّة كونه حكماً و هو ما يلحق الإدراك لحوقاً يجعله محتملًا للتصديق و التكذيب يسمّىٰ تصديقاً. فالتصوّر: هو حصول صورة الشيء في العقل مع قطع النظر عن الحكم.

لست أقول: مع التجرّد عن الحكم؛ لأنّ ذلك ينافي كونه شرطاً أو شطراً) (1)، انتهىٰ.

و هذا التفصيل يدفع إشكالات كثيرة، و لم أرَ من تعرّض له و لا لهذا السؤال، و اللّٰه العالم.

____________

(1) رسالة التصوّر و التصديق، ضمن (رسالتان في التصوّر و التصديق): 58 59، بتفاوت.

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

[17] تأويل آية و كشف رواية: م موسى: و الخضر (عليهما السلام):

روي أن الخضر (عليه السلام): حمل علماً لم يُطق موسى (عليه السلام): حمله، و حمل موسى (عليه السلام): علماً لم يطق الخضر (عليه السلام): حمله (1). و يحتمل أن معناه أن كلّا كُلّف بتكليف لا يحتمله [الآخر و لا يناسبه (2)].

فموسىٰ (عليه السلام): كُلّف بالعمل بحكم التنزيل؛ لأنه المناسب لرعيّته، و لم يطق الخضر (عليه السلام): التكليف بحمل أثقال الرسالة التي شأنها العمل بالتنزيل و الظاهر، فهو بحسبها رعيّة لموسىٰ (عليه السلام): و مكلّف بالعمل بشريعته حتّى تنسخ.

و الخضر (عليه السلام): كلّف بإظهار العمل بالتأويل و الباطن في جزئيّات مخصوصة، و لم يكلّف موسى (عليه السلام): بالعمل بها بنفسه، بل بواسطة العبد الصالح؛ مراعاة لمصلحة العموم، و للنظام الجمليّ، فلم يطق موسى (عليه السلام): العمل بها بنفسه لأجل ذلك.

و هذا لا ينافي كون موسى (عليه السلام): أفضل و أعلم من الخضر (عليه السلام): مطلقاً، و الخضر (عليه السلام): من رعيّته مطلقاً، فالرسول: يُلقي الوحي للملك في مقام و يتلقّاه منه في مقام، و هو أفضل و أعلم من الملك في كلّ مقام. فعمل الخضر (عليه السلام): بإلقاء موسى (عليه السلام): له في مقام، و تلقّاه في مقام. و من جملة إسرارها دفع دعوى الربوبيّة فيه، و الحكمة الإلٰهية اقتضت حصر إظهار ذلك العمل في تلك المواد الخاصّة في ذلك الطريق.

____________

(1) تفسير العيّاشي 2: 356/ 41، تفسير القمّيّ 2: 37.

(2) في المخطوط: (و لا يناسب الآخر).

46

أمّا قوله تعالىٰ وَ مٰا أَنْسٰانِيهُ إِلَّا الشَّيْطٰانُ (1) فيمكن حمل النسيان على الترك، أي ما حملني علىٰ ترك اصطياد الحوت بعد ما حيّ إلّا طلب ظهور علم تضمحلّ به حجّة الشيطان، فكأنّ الشيطان حمله علىٰ ترك الحوت فنسبه إليه؛ لأنه لا سبب لذلك في الحقيقة سواه، و اللّٰه العالم.

____________

(1) الكهف: 63.

47

[18] كنز مذخور و بيان مشهور اللّٰهمّ صلّ علىٰ محمّد و آل محمّد و سلم

مسألة: هل يعود من صلاة المصلّي علىٰ محمّد و آله و سلامِه عليهم و دعائِه لهم نفع عليهم صلى اللّٰه عليهم و سلم أم يختصّ نفعه بالمصلّي و المسلّم و الداعي؟

الجواب و من اللّٰه الهداية بهم إلى الصواب أن هذه المسألة من الخلافيّات، فالأكثر بل قيل: إنه المشهور (1) على أنه يختصّ النفع بالداعي و المصلّي و المسلّم و لا يعود من دعائه و صلاته و سلامه علىٰ محمّد: صلى اللّٰه عليه و آله نفع.

و يدلّ عليه من الاعتبار أنه لو عاد من صلاة المصلّي عليهم نفع عليهم بسببها، فحصل لهم من القرب و الكمال ما لم يكن، كما هو شأن دعاء بعضنا لبعض، و دعاء أهل البيت: لنا، لزم أن يكون المصلّي منّا عليهم واسطة لهم، و شفيعاً إلى اللّٰه في إيصال فيضه وجوده لهم، فينقلب المتبوع تابعاً، و الفرع أصلًا، و المفضول بحقيقته من كلّ وجه فاضلًا من وجه.

و يؤدّي إلى أن محمَّداً (صلى الله عليه و آله): ليس هو الواسطة الكلّيّة و الشفيع المطلق من كلّ وجه، و إلى أنه (صلى الله عليه و آله) ليس غنيّاً عن جميع رعيّته من كلّ وجه في كلّ شيء، و ليس هو أكملهم و أفضلهم في كلّ شيء من كلّ وجه، فليس جميع من دونه مفتقراً إليه من كلّ وجه في كلّ كمال.

____________

(1) الأنوار النعمانية 1: 137.

48

و الكلّ باطل بالبرهان المتضاعف المحكم عقلًا و نقلًا، بل بديهي البطلان عند أهل العيان.

و من الأخبار ما رواه في (الكافي) عن صفوان بن يحيىٰ: عن الرضا: (عليه سلام اللّٰه) أنه قال

أ ليس تقول: صلّى اللّٰه علىٰ محمّد: و آل محمّد:؟

قلت: بلىٰ. قال

ارحم محمّداً: و آل محمّد؟.

قال (1)

بلىٰ، و قد صلّىٰ عليه و رحمه، و إنّما صلاتنا عليه رحمة لنا و قُربة

(2)

.

و ما في الجامعة الكبيرة

و جعل صلاتنا عليكم و ما خصّنا به من ولايتكم طيباً لخلقنا، و طهارةً لأنفسنا، و تزكيةً لنا، و كفّارةً لذنوبنا

(3)

.

و مثل عموم ما دلّ علىٰ حاجة كلّ رعيّة لإمامهم في كلّ شيء و غناه عنهم في كلّ شيء (4)، فهو شفيعهم إلى اللّٰه في كلّ جود و وجود، و محمَّد (صلى الله عليه و آله): شفيع الكلّ في الكلّ.

و قيل: إنه كما يحصل بذلك نفع للمصلّي و المسلّم عليهم و الداعي لهم، يحصل به نفع لهم أيضاً، و يستمدّون به من جود اللّٰه تعالى الذي لا يتناهىٰ، و لا ينقطع أبداً. و اختاره السيّد نعمة اللّٰه الجزائري: في (شرح السجّاديّة)، و في كشكوله (5) أيضاً، و عزا القول الأوّل في الشرح إلىٰ طائفة، و في (الكشكول) (6) نسبه إلى الشهيد:. و نقل عبارته ثمّ ردها بوجوه، منها: أن الأخبار دالّة علىٰ خلافه.

و منها: أن ما قاله غير معهود من غيره من الأصحاب، و إنّما قال بعض أهل الحديث: (إنه من أقوال العامّة) فكأنّه أراد بالطائفة في عبارة الشرح هو مع القائل به من العامّة.

و يدلّ عليه من الأخبار كلّ ما دلّ على الأمر بالصلاة و السلام عليهم و الدعاء لهم

____________

(1) في المخطوط بعده: (قلت)، و ما أثبتناه موافقٌ للمصدر و لعلّ فيه سقطاً كما أُشير له في الهامش: 1 من المصدر.

(2) الكافي 2: 653 654/ 4.

(3) تهذيب الأحكام 6: 98.

(4) بحار الأنوار 23: 50/ 100.

(5) الأنوار النعمانية 1: 137 138.

(6) الأنوار النعمانية 1: 137 140.

49

بطلب الوسيلة و الدرجة الرفيعة، و قرب المنزل من اللّٰه، و تقبل الشفاعة، و غير ذلك ممّا في كتب الدعوات (1).

و مثل ما دلّ على الأمر بإهداء ثواب أعمال العاملين لهم. و مثل ما رواه ابن طاوس: في (جمال الأسبوع) (2) من استحباب ركعات في كلّ يوم من الأسبوع تهدي ثوابها لواحد من أهل البيت (عليهم السلام):، الىٰ غير ذلك. و هو كثير، مثل

من سنّ سنّة حسنة فله أجرها، و أجر من عمل بها إلىٰ يوم القيامة

(3)

.

و مثل قوله (صلى الله عليه و آله)

أعينونا بورع و اجتهاد

(4)

.

و مثل ما دلّ على أن أعمال العباد تعرض عليهم كلّ يوم، فيسرّهم صالحها و يسوؤهم قبيحها (5). إلىٰ غير ذلك، فإنّه كلّه بظاهره يدلّ علىٰ وصول نفع لهم بذلك كما لا يخفىٰ.

و من الاعتبار أن الدعاء لهم بذلك إمّا أن يكون مجاباً فيستلزم أن يحصل لهم به نفع، أو غير مجاب فلا أثر له حتّى للدّاعي، و لا كلام لنا فيه.

و أيضاً صلاتنا و سلامنا عليهم و دعاؤنا لهم بعلوّ الدرجات و أفضل الكمالات طاعة و حسنة، و كلّ حسنة فمن اللّٰه، و هم معلّموها و سبيلها، فهم باب اللّٰه الذي لا يؤتىٰ إلّا منه، و منهم بدْء كلّ كمال و جمال، و إليهم معاده، فبسبيل معرفتهم عرف اللّٰه، و بعبادتهم عبد اللّٰه، فكأنّ جميع الصالحات أعمالهم.

و أيضاً كما أن جميع الوجودات من فاضل صفات وجودهم، و كلّ حسنة من فاضل حسناتهم، فقد ورد أن اللّٰه حمّلهم ذنوب شيعتهم فغفرها لهم (6)؛ لأنّهم ذواتهم من فاضل ذواتهم، و حسناتهم من فاضل أعمالهم.

____________

(1) انظر: وسائل الشيعة 7: 92 103، أبواب الدعاء، ب 36، 37.

(2) جمال الأُسبوع: 29.

(3) الكافي 5: 9 10/ 1، وسائل الشيعة 15: 24 25، أبواب جهاد العدو، ب 5، ح 1.

(4) نهج البلاغة: 573/ الكتاب: 45، و فيه: «أعينوني».

(5) بصائر الدرجات: 424.

(6) تفسير القمّيّ 2: 321، بحار الأنوار 17: 89/ 19.

50

فإذن لهم قسط من ثواب العاملين؛ لأنّهم عللهم، و أعمالهم علل حسنات العاملين، فهم عناصر [الأبرار (1)]، الذات للذات و الصفة للصفة، فلهم القسط الأكمل من ثواب العاملين، بل ثوابُ المحسنين فاضلُ ثوابهم علىٰ حسنة المحسنين. ففي الحقيقة جميع الحسنات حسناتهم؛ لأنّها منهم بدأت و إليهم تعود بقدر رتبتها.

و أيضاً دعاؤنا لهم يلزمه الدعاء على أعدائهم بذهاب دولتهم و تطهير الأرض منهم، فيؤدّي إلىٰ طلب إظهار دولتهم، فهو دعاء لنا و لهم؛ لما فيه من سعادتنا بإظهار كلمة الحقّ و محو الباطل. فلا بعد أن يزيدهم اللّٰه من فضله علىٰ حبّنا لهم، و علمنا و عملنا اللذين بهدايتهم و نورهم، فكلّ ما في الوجود من كمال و جمال و جلال فهو لمعة من أنوارهم، و أثرٌ من آثارهم، بل الكلّ حكايتهم ذاتاً و صفة، فهم المعنىٰ و المسمّىٰ، و ما سواهم الاسم و العبارة. فظهر أنه لا منافاة بين هذا و بين ما ذكر من الاعتبار في القول الأوّل؛ لأنّا نسلّم أنه لا يصل لهم نفع بشفاعة الداعي و وساطته لهم، بل علىٰ ما قرّرناه، فلا منافاة.

و أمّا الجامعة فنقول بمقتضاها، و ليس فيها ما ينافي ما قرّرناه في القول الثاني. ثمّ نقول: إن صلاة المصلّي عليهم، و دعاء الداعي لهم، من حيث هو عمله و حسنته يختصّ نفعه به؛ لأنه [عمله لا عملهم (2)]، و لأنّ كلّ ما يدعو به لهم من الكمالات و عوالي الدرجات فهو قد حصل لهم، فطلبه لهم تحصيل حاصل.

و لو لم يكن حاصلًا لهم على أعلىٰ درجة لزم ما مرّ في القول الأوّل من لزوم وجود واسطة لهم في حصول كمال و شفيع لهم، فينقلب الرائس من كلّ وجه و الأفضل من كلّ وجه مفضولًا و مرؤوساً بحال، إلىٰ غير ذلك من المفاسد المستحيلة، و من حيث إنّهم السبيل إليه بدءاً و عوداً، و الهداةُ إليه و الأدلّاء عليه، و هو من فاضل حسناتهم كما عرفت، فلهم به النصيب الأوفىٰ.

فظهر وجه الحصر في حديث (الكافي) بأن يراد اختصاص نفعه بنا من حيث هو

____________

(1) في المخطوط: (الابر).

(2) في المخطوط: (علمه لا علمهم).

51

عملنا، و نفيه عنهم علىٰ وجه شفاعة المصلّي عليهم، و كونه السبب و الواسطة لهم في تحصيل مضمونه لهم، فلا منافاة فيه للقول الثاني و لا منافاة بين القولين، فكلاهما صحيح، بل لا اختلاف في الحقيقة بينهما، و اللّٰه العالم.

تنبيه هل هذا التقرير مختصّ بمحمّد: و آله صلّى اللّٰه عليه و عليهم أم يجري في سائر المعصومين؟

الظاهر أن هذا يجري بالنسبة إلىٰ كلّ إمام و رعيّته البتّة، و لا يجري بالنسبة إلىٰ دعاء الأفضل من المعصومين لمن دونه؛ لصحّة توسّط الأفضل لمن دونه و شفاعته له. أمّا العكس و دعاء هذه الأُمّة لمن دون محمّد: و آله (صلوات اللّٰه و سلامه عليهم أجمعين) من المعصومين فيحتمل الوجهين أيضاً، و لا منافاة في توسّط مثل الكليم بيننا و بين نبيّنا، بل يدلّ علىٰ وقوعه مثل: حديث المعراج (1) الدالّ علىٰ شفاعة موسى (عليه السلام): لنا عند نبيّنا (صلى الله عليه و آله)، و اللّٰه العالم.

____________

(1) بحار الأنوار 18: 235.

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

[19] بيان إجمال و كشف مقال: اللّٰه المنّان بالإحسان

لا ريب أن المنّان من أسمائه تعالىٰ، فلا ريب أنه صفة كمال، و قد جاء في الدعاء

إنْ أعْطَيْتَ لَمْ تُشِبْ عَطَاءَكَ بِمَنّ

(1)

.

و أيضاً، لا ريب أن المنّ من الممكن صفة ذمّ، فهنا سؤالان.

الأوّل: ما الجمع بين نفي المنّ عن عطائه و بين وصفه بالمنّان؟

الثاني: ما الوجه في كون المنّان صفة مدح في الواجب، و صفة ذمّ في الممكن؟

و الجواب عن الأوّل: أن المنّان الموصوف به الواجب عزّ اسمه معناه الجواد المظهر جوده الدالّ عليه خلقه بلا شوب نكد و لا كدر، و لا نفع يصل إليه من المنعم عليهم، و لا مكافأة لهم علىٰ إحسان منهم، بل تفضّل بحت بلا شوب أداء و لا إنقاص. و المنفيّ عن عطائه هو العطاء المشوب ببعض ذلك، كما هو معنى المنّ بالنسبة إلى الممكن، فإذا كان للمنّ معنيان متباينان (2) صحّ الإثبات و النفي إذا لم يتواردا علىٰ موضوع واحد.

و الجواب عن الثاني: أن حقيقة المنّة و أجلى أفرادها تذكير المنعَم عليه بما انْعِمَ به عليه؛ ليدوم علمه بالمُنْعِم و النعمة، فيرىٰ له وجوب الشكر، و يرى له الطول و العلوّ عليه، و القاهريّة له، و يرى نفسه في ذلّ المقهوريّة و الافتقار له.

____________

(1) الصحيفة السجاديّة الكاملة: 191.

(2) في المخطوط: (متبائنات).

54

فتذكير اللّٰه للعبد نعمه عليه ظاهرةً و باطنةً، و إظهار أنوارها في أُفق قلبه، يؤدّي [بالعبد (1)] إلىٰ دوام معرفته ببارئه، و شدة فاقته إليه على الدوام، و معرفته بنفسه و ربّه و كمالاته اللائقة به، و إلى أن جميع المحامد لا يستحقّها أحد سواه، و أن جميع النعم منه خالصة لا يشوبه نقص، بل محض رحمته، و ذلك يُعِدّ العبدَ إلىٰ قبول الفيض بعد الفيض، و إلى المزيد من فضل اللّٰه الذي لا ينقطع، و لشروق أنوار المحبّة و المعرفة في أُفق قلبه، و لفعليّة العبوديّة.

فظهر أن تذكير اللّٰه للعبد بنِعَمه عليه إظهار لأشعّة نور رحمة وجوده في مشكاة قلبه، فهي أيضاً نعمة اخرىٰ بها يحصل للعبد بَرد اليقين، و فتق ريق النفس، و فعليّة العقل و طمأنينة العبوديّة. بل تصوّر النعمة، و قول: (الحمد للّٰه) نعمة يجب شكرها؛ لما يلزمها من مزيد التفضيل و انشراح الصدر و أُنس القرب، فالمنّة من اللّٰه جود محض، و كمال بحت.

و أمّا المنّة من العبد فلا بدّ أن تشتمل نوع نقص كأن يرىٰ نفسه منعماً، و إنّما هي نعمة من اللّٰه عليه، و علىٰ من أنعم عليه، أو يرىٰ في نفسه كبراً و استصغاراً لمن أنعم عليه، و رفعة له، و ضعة للمنعَم عليه، أو ينسب المنعَم عليه لعدم المروءة.

و بالجملة، ينظر نفسه و يرى لها فضلًا و علوّاً، و ينسىٰ من أنعم عليه، و أن إنعامَهُ و ما أنعم به نعمةٌ من اللّٰه عليه، و لا بدّ من استلزام ذلك نوع استنقاص و إهانة و ذلّ لمن يمنّ عليه و يذكّره فقره لمن هو مثله.

و أيضاً إذا منّ عبد علىٰ عبد بما أولاه و ذكّره به؛ فإن كان لا يستشعر حينئذٍ أن ما أولاه نعمة من اللّٰه عليه، و أن صرْف ما استخلفه فيه مولاه فيما يحبّ نعمة من مولاه أيضاً فهو جاهل محض أو أحمق أو جاحد لنعمة اللّٰه، و هذا كلّه قبيح بالضرورة.

و إن كان مع تصوّر النعمة بذلك من اللّٰه عليه و أنّها نعمة يجب شكرها، فالمنّ منه حينئذٍ محال؛ إذ لا يرىٰ نفسه منعِماً بحال، بل منعَماً عليه علىٰ كلّ حال، فإنّ المانّ

____________

(1) في المخطوط: (العبد).

55

المتطوّلَ بعطائه الذي يرىٰ نفسه منعِماً كافرٌ بنعمة اللّٰه، كاذب في دعواه، جاهل بمقام نفسه، غير عارف بربّه.

و بهذا ظهر حسن المنّ من الواجب، و قبحه من الممكن، و أن المنّان صفة كمال، و المنّ المنفي عن عطائه هو ما استلزم النقص و إهانة المنعَم عليه و تكدير النعمة.

و بهذا ظهر أن مَن نعمته نعمةُ اللّٰه، و إفضالُه مِنَ اللّٰه، كمحمّدٍ: و آله (صلوات اللّٰه و سلامه عليهم أجمعين) لا يكون تذكيره بفضله و إحسانه نقصاً في شأنه؛ لأنه يد اللّٰه المبسوطة بالرحمة و لسانه المعبّر عنه، و [وجهه (1)] الذي لا يؤتىٰ إلّا منه، لا ينطق عن الهوىٰ بوجه، فجميع أقواله و أفعاله رحمة من اللّٰه لخلقه، فمنّه منّ اللّٰه، فهو نعمة من اللّٰه خالصة لا يشوبها نقص بوجه، و اللّٰه العالم.

____________

(1) في المخطوط: (وجه).

56

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}