تبصرة الفقهاء - ج1

- الشيخ محمد تقي الرازي المزيد...
521 /
5

تقديم

بقلم العلّامة الفقيه الشيخ هادي النجفي من آل العلّامة التقي مؤلّف الكتاب

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه الذي فضّل مداد العلماء على دماء الشهداء، و الصلاة و السلام على مبلّغ رسالات اللّه محمّد المصطفى، و على آله الأمجاد الأطهار.

أما بعد، فإنّ سماحة العلّامة الثاني، و المحقّق الكبير، و الأصولي المدقّق، و الفقيه النبيه، آية اللّه العظمى الشيخ محمّد تقي الرازي النجفي الأصفهاني (قدّس سرّه) المتوفى عام 1248 صاحب كتاب «هداية المسترشدين في شرح أصول معالم الدين» معروف في أندية العلم و عند أهله و هو غنيّ عن التعريف و التبجيل (1).

أذكر لك بعنوان النموذج كلام العلّامة السيّد عبد الحسين شرف الدين (قدّس سرّه) المتوفى عام 1377 في كتابه «بغية الراغبين» في شأنه قال: الشيخ محمّد تقي، فقد كان آية من آيات اللّه المحكمة، و حجّة من حججه البالغة، يمثل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في هديهم، و يصدع بأمرهم و نهيهم، بحر علم من بحار علومهم المحيطة، و علما راسخا جعله اللّه من أوتاد البسيطة، و له في خدمة الدين و المؤمنين سيرة شكرها اللّه له و رسوله ... و حين رجع إلى اصفهان شمر

____________

(1) كتبت ترجمته في كتابي «قبيلۀ عالمان دين» (39- 11) و في المقدمة التي كتبتها على كتابه «رسالۀ صلاتيه» (43- 24) و كلاهما باللغة الفارسية فراجعهما إن شئت.

6

لنشر العلم عن ساقه و حسر لتربية طالبي العلم عن ساعده، فكانت حوزته منهم تقارب ثلاث مائة من الفضلاء و الأجلّاء و له في تخريج المجتهدين غاية تتراجع عنها سوابق الهمم، و له في التأليف عزيمة قلّ نظيرها ... و حسبك من آثاره الخالدة «هداية المسترشدين في شرح معالم الدين» و غيرها من الكتب الممتعة في الفقه و الأصول ...» (1).

و له كتاب في الفقه الاستدلالي المسمى ب«تبصرة الفقهاء» لم يطبع حتّى الآن و هو هذا الكتاب الذي بين يدي القارئ الكريم و يرى النور لأول مرّة.

و نسرد هنا بعض ما قاله الأعلام حول الكتاب:

الأقوال حول الكتاب

1- قال في الروضات: «و له أيضا كتاب في الفقه الاستدلالي كبير جدّا كان يشتغل به ايام تشرّفنا بخدمته المقدسة الّا انّه بقى في المسودات و لم يدوّن منه مجلد بعد» (2).

2- قال صاحب الروضات في كتابه الآخر الموسوم ب«علماء الأسرة» في ذكر أساتيده و ترجمة شيخنا المؤلّف: «له أيضا في الفقه كثير لم يدوّن ...» (3).

3- و قد نقل تلميذه آية اللّه المجدّد الشيرازي في تقريرات بحثه الشريف عن فقه أستاذه شيخنا المؤلّف و قال: «و قد ذهب بعض من المحققين من متأخري المتأخّرين في فقهه- على ما حكي عنه- إلى كون الاجازة كاشفة، و التزم باللازم الأوّل، و هو جواز تصرّف الأصيل، و ظهر ما فيه ممّا بيّنّا» (4).

ثم جاء في هامش الأصل: «و هو الشيخ محمّد تقي- (قدّس سرّه)- على ما حكي عنه» (5).

____________

(1) بغية الراغبين في سلسلة آل شرف الدين 1/ 155.

(2) روضات الجنات 2/ 124.

(3) علماء الأسرة: 180.

(4) تقريرات آية اللّه المجدد الشيرازي 2/ 282.

(5) تقريرات آية اللّه المجدد الشيرازي 2/ 282.

7

4- و نقل حفيد المؤلّف، العلّامة آية اللّه الشيخ محمّد تقي آقا النجفي الأصفهاني المتوفى عام 1332 في كتاب الطهارة من فقه الإمامية أربع مرّات عن جده قال: «قال جدي العلّامة (رحمه اللّه) و كأنّه مبنيّ على نجاسة البئر أو على استكراه منه، فيوجب الضرر على الناس أو كان في وقوعه إفسادا للماء بوجه آخر كإفساده بالتغيير مع كون الماء ملكا للغير أو كونه في تصرّفهم أو وقفا يوجب ذلك الإضرار بالموقوف عليهم فلو خلي عن جميع ما ذكر فالظاهر وجوب النزول أخذا بإطلاق الوجدان» (1).

ثم اختاره و قال: «هذا هو الأقوى» (2).

5- و قال حفيده أيضا في كتاب الطهارة: «قد وقع الخلاف بين الأصحاب في أنّ الانتقال إلى التيمّم في هذا الباب هل يختصّ بمن لم يتعمّد في الجنابة على الحال المذكور أو يعمّ من تعمّده على أقوال: أحدها: عدم الفرق بينهما، و الظاهر أنّه المعروف بين الأصحاب كما نصّ عليه بعضهم، و إليه ذهب جدّي العلّامة (رحمه اللّه) ...» (3).

6- و هكذا نقل: «نفي الخلاف من أصحابنا» عن جدّه العلّامة في مسألة أنّ خوف العطش من أسباب العجز عن استعمال الماء في الطهارة فينتقل إلى التيمم (4).

7- و قال: «إنّه ذكر جدّي العلّامة طاب ثراه بأنّ الجاهل بالحكم كالعامد إلّا مع الجهل الذي يكون عذرا كالجاهل المطلق الغافل عن المسألة أو المعتقد للإباحة بحيث لا يحتمل الخلاف ليجب عليه السؤال» (5).

8- و استدرك ابن حفيده الآخر العلّامة آية اللّه أبي المجد الشيخ محمّد الرضا النجفي الأصفهاني طاب ثراه على كلام صاحب الروضات بأن «له كتاب في الفقه الاستدلالي» قال: «خرج منه كتاب الطهارة، و هو في الفقه كالهداية في الأصول، و له شرح كتاب الوافي

____________

(1) فقه الإمامية، كتاب الطهارة، المطبوع عام 1299 ه. ق على الحجر: 416.

(2) فقه الإمامية، كتاب الطهارة، المطبوع عام 1299 ه. ق على الحجر: 416.

(3) فقه الإمامية، كتاب الطهارة: 426.

(4) فقه الإمامية، كتاب الطهارة: 429.

(5) فقه الإمامية، كتاب الطهارة: 448.

8

على ما نقل لي والدي طاب ثراه ...» (1).

9- و قال ابن حفيده العلّامة الشيخ محمّد باقر ألفت ابن آية اللّه آقا النجفي الأصفهاني المذكور ما ترجمته بالعربية: «و أيضا صنف كتابا في علم الفقه و لكن ما رأيته» (2).

10- و ذكر هذا الكتاب صاحب الذريعة (3). و قال في الكرام البررة في ترجمة المؤلّف:

«كتاب الطهارة، قال في التكملة: رأيته و هو في غاية التحقيق يبلغ قدر طهارة المعالم، و له شرح طهارة الوافي للفيض من تقرير أستاذه السيّد مهدي [بحر العلوم] ...» (4).

11- و قال العلّامة الشيخ محمّد على المعلّم ما ترجمته بالعربية: «... و له كتاب كبير في الفقه الاستدلالي لم يخرج من المسودّة» (5).

12- و ذكر الكتاب العلّامة المؤرّخ السيّد مصلح الدّين المهدوي (رحمه اللّه) في كتابه في ترجمة المؤلف و آله الأمجاد المسمى ب«بيان سبل الهداية في ذكر أعقاب صاحب الهداية» (6).

13- و قال والدنا العلّامة آية اللّه الشيخ مهدي مجد الإسلام النّجفي (قدّس سرّه) في مقدمته على هداية المسترشدين: «وجدنا نسخة كتاب فقه صاحب الهداية في قريب من خمسمائة صفحة (7) سمّي ب«تبصرة الفقهاء» و فيه جلّ مسائل الطهارة و بحث مواقيت الصلاة و بعض الزكاة و قسم من البيع. و هذا الكتاب «تبصرة الفقهاء» في الفقه، كالهداية في الأصول ...» (8).

14- و قال العلّامة المحقّق السيّد أحمد الحسيني الإشكوري مدّ ظلّه في ترجمة المؤلّف المطبوعة في أوّل الهداية: «اشتغل الشيخ في أيام الدراسة و الطلب بالفقه و الأصول

____________

(1) أغلاط الروضات: 10، طبع عام 1368 ق في طهران.

(2) خاندان من: 8 من المخطوطة.

(3) الذريعة 16/ 283 الرقم 1228.

(4) الكرام البررة 1/ 217.

(5) مكارم الآثار 4/ 1331.

(6) بيان سبل الهداية في ذكر أعقاب صاحب الهداية أو تاريخ علمي و اجتماعي اصفهان در دو قرن اخير 1/ 168.

(7) أي من المخطوطة.

(8) مقدمة هداية المسترشدين 1/ 30.

9

معا، ثم درّس فيهما طيلة حياته ممارسا لهما معا و فاحصا عن أدلّتهما سوية، و لذا نراه في كتابه تبصرة الفقهاء مستوعبا لجوانب المسائل الفقهية كما هو الحال في كتابه الهداية المسترشدين. لم يوفّق الشيخ إلى إكمال الشوط لكلّ أبواب الفقه في كتابه تبصرة الفقهاء، بل كتب منه نبذا من كتاب الطهارة و الصلاة و الزكاة و البيع، و بهذه النبذ دلّنا على قوّة عارضته في الاجتهاد الفقهي، و تسلّطه على الأقوال و الآراء، و قدرته الفائقة على نقدها و تمحيصها، ثم لباقته الممتازة في عرض الأدلة من الكتاب الكريم و السنّة المأثورة عن أهل البيت (عليهم السلام) و استخراج الحكم الأوفق بها.

نرى شيخنا الفقيه عند ما يتعرّض لموضوع ما، يبدأ بما ذكره اللغويون مع الجرح و التعديل لما ذكروه و تطبيقه بالذوق العرفي، ثم يستعرض أهم الآراء لكبار الفقهاء و يتناولها بالفحص و النقد العلمي، ثم يأتي بالأدلة الفقهيّة من الآيات و الأحاديث، و يسندها بما يؤدّي إليه نظره، و يستخرج بالتالي فتواه غير مشوبة بالضعف على الأغلب، و بهذه الطريقة المتأنية يدلّنا على تمكّنه من الاجتهاد و يعرّفنا الطريقة الصحيحة للاستنباط» (1).

15- و قد ذكرت الكتاب في ترجمة المؤلف في كتابي المطبوع «قبيلۀ عالمان دين» (2) فراجعه إن شئت.

و الآن أقول: قد كتب مؤلفنا الفقيه الكبير كتاب الطهارة من الكتب الفقهية ثلاث مرات:

أحدها: في ضمن كتابه هذا تبصرة الفقهاء، و سيأتي منّا ذكر نسخه.

ثانيها: كتاب الطهارة، ألّفها مستقلا، و قد طبعت الصفحة الأولى منها بخطّه الشريف في كتابي «قبيلۀ عالمان دين» (3).

ثالثها: شرح كتاب الطهارة من الوافي الشريف من تقرير بحث أستاذه آية اللّه السيّد مهدي بحر العلوم النجفي (قدّس سرّه) و قد عرّفه العلّامة الطهراني (قدّس سرّه) في ثلاثة مواضع من الذريعة في

____________

(1) ترجمة المؤلف في هداية المسترشدين 1/ 44.

(2) قبيلۀ عالمان دين: 22.

(3) قبيلۀ عالمان دين: 28.

10

4/ 374 بعنوان التقريرات و 13/ 366 بعنوان شرح طهارة الوافي و 14/ 165 بعنوان شرح الوافي.

تنبيه

و قد كتب العلّامة الفقيه المتتبّع السيّد جواد العاملي المتوفى عام 1226 صاحب مفتاح الكرامة نفس هذه التقريرات من السيّد بحر العلوم (قدّس سرّهما)، و قد عرّفها العلّامة السيّد حسن الصدر في التكملة و قال: «له كتاب شرح طهارة الوافي تقرير درس السيّد بحر العلوم لم يتم» (1).

و قد عرّفها صاحب الذريعة في ثلاثة مواضع من الذريعة 4/ 374 و 13/ 366 و 14/ 165.

و أما تبصرة الفقهاء

هذا المؤلّف الجليل يشمل على أكثر أبحاث كتاب الطهارة و بحث أوقات الصلاة و قسم من الزكاة و بعض أبحاث كتاب البيع. و بحث طهارته يستوعب قريبا من نصف الكتاب يمكن أن يستظهر من صاحب الروضات انّ المؤلّف دوّنه حين تدريسه حيث يقول: «كان يشتغل به أيام تشرّفنا بخدمته المقدسة» (2).

و لكنه مع الأسف لم يدوّن و لمّا يطبع إلى الحين.

و أحسن مقال في حق الكتاب كلام جدنا العلّامة أبي المجد الشيخ محمّد الرضا النجفي الأصفهاني حيث قال: «و هو في الفقه كالهداية في الأصول» (3).

____________

(1) تكملة أمل الآمل: 127.

(2) روضات الجنات 2/ 124.

(3) أغلاط الروضات: 10.

11

و بعبارة اخرى: يدلّ الكتاب بأحسن وجه على قوة استنباط مؤلّفه و قدرة اجتهاده و كيفية وروده و خروجه في المسائل الفقهية و آرائه المتكاملة و تسلّطه على الأقوال و قدرته على نقدها و تمكّنه من الجمع بين الروايات المتعارضة بالذوق الفقهي السليم، و بالجملة استخراج الأحكام الالهية من مداركها.

نسخ الكتاب

بالرغم من عدم تدوين الكتاب على يد مؤلّفه الفقيه، بعد الفحص التام وجدنا عدة نسخ من هذا الكتاب الشريف، و أكثرها بأيدينا في عمليّة التحقيق و الطبع.

منها: نسخة مكتبة ابن عمّتنا العلّامة المحقّق، سادن تراث الإماميّة، آية اللّه السيّد محمّد على الروضاتي مدّ ظلّه العالي- و هو من أعلام بيت المؤلّف- باصفهان أرسل إلينا نسخة كتاب تبصرة الفقهاء، و كانت بأيدينا أكثر من عامين، أشكره و أدعوا له بالصحة و العافية و طول العمر، فإنّه من ذخائر العصر.

و منها: نسخة مكتبة آية اللّه السيّد عبد الحسين سيّد العراقين (1350- 1294) باصفهان في أكثر من مأئة صفحة و هي قطعة من الكتاب في ضمن مجموعة، دلّنا على وجودها العلّامة الروضاتي، و تمكنت من أخذ صورتها بإجازة حجة الإسلام و المسلمين السيّد ابراهيم مير عمادي سيد العراقين دامت بركاته نجل مؤسس المكتبة، أشكره و أدعوا للابن بطول العمر و العافية و للأب بالمغفرة و الرحمة.

و منها: نسخة مكتبة آية اللّه المرعشي بقم المقدسة بالرقم 4883 و المفهرس في فهرسها 13/ 64 باسم العناوين. و لكن الصحيح أنّه نفس هذا الكتاب و لذا جاء في عطفه عنوان «التبصرة» و هي بخط ملا مصطفى التفرشي و عليها تملّك السيّد ريحان اللّه الموسوي. أشكر نجل آية اللّه المرعشي سماحة حجة الإسلام و المسلمين الدكتور السيّد محمود المرعشي- دامت بركاته- حيث أرسل إلينا صورة من هذه النسخة الشريفة لوجه اللّه تعالى، سلام اللّه على الوالد و ما ولد.

12

و منها: نسخة مكتبة كلية الالهيات (الشهيد المطهري) في جامعة الفردوسى بمدينة المشهد الرضوي المقدس على ساكنها آلاف التحية و الثناء، و قد عرّفت في فهرس مخطوطها 2/ 222 في ضمن مجموعة بالرقم 1062 [22355] و يجب عليّ أن أشكر إدارة هذه المكتبة العامرة سيّما من مديرها الأستاذ الدكتور محمّد على الرضائي- دامت بركاته- حيث أرسل إليّ صورة هذه النسخة الشريفة خالصا مخلصا للّه تعالى و أكرمني بوجه الطلق و خلقه الحسن (1).

و منها: نسخة مكتبة آية اللّه الشيخ زين العابدين الگلپايگاني (1289- 1218) بمدينة گلپايگان بخطه، و هو من تلاميذ المؤلّف في مجموعة أوّلها: قطعة من تبصرة الفقهاء، و ثانيها: المجلد الثاني من كتاب هداية المسترشدين إلى آخر الكتاب و قد عرّفت في فهرس مخطوطات مكتبته (2).

و مع الأسف بالرغم من كثرة تتبّعي لهذه النسخة و إرسال بعض الأفاضل على إثرها لم أجدها، و اللّه هو العالم بمحلّها و عاقبتها.

و منها: نسخة مكتبة آية اللّه الشيخ رضا الأستادي- دامت بركاته- و قد عرفت في فهرسها (3) بعنوان كتاب الطهارة، و لكنه في الحقيقة قطعة من تبصرة الفقهاء و أبحاث طهارتها بحسب ما نقل من اوّلها، لا كتاب الطهارة التي صنفها المؤلف مستقلا. و قد انتقل هذه النسخة إلى مكتبة آية اللّه المرعشي العامة. و لكنها لم تفهرس إلى الآن و لذا لم نتمكن من تصويرها و الاستفادة منها.

____________

(1) من الجدير بالذكر أنّه دلّنا على نسختي مكتبة آية اللّه المرعشي و مكتبة كلية الالهيات بجامعة فردوسي المشهد، المحقّق الخبير الأستاذ رحيم قاسمي حيّاه اللّه و بيّاه.

(2) فهرست نسخههاى خطي كتابخانههاي گلپايگان: 94 الرقم 116 بقلم السيّد جعفر الحسيني الاشكوري.

(3) يكصد و شصت نسخه از يك كتابخانۀ شخصى: 27 بقلم الشيخ رضا الأستادي.

13

شكر و تقدير

و في الختام لا بدّ لي أن أشكر المحقّق الجليل الأستاذ السيّد صادق الحسيني الإشكوري- دامت بركاته- حيث حقّق هذا السفر الذي يرى النور لأوّل مرّة بتحقيقه و تصحيحه، و أدعو له بالتوفيق و التسديد.

صحّح متن الكتاب على أربعة من النسخ التي ذكرتها، و أنت ترى بداية هذه النسخ و نهايتها قبل شروع الكتاب. و جاء بمتن مصحّح و تحقيق دقيق مع تخريج الآيات و الروايات و كثير من الأقوال الواردة فيه.

و أثبت حفظه اللّه تعالى مع هذا التحقيق المنيف أنّ له باعا طويلا في إحياء التراث الفقهي في مكتبة أهل البيت (عليهم السلام) (1).

*** إلى هنا تمت هذه المقدمة بقلم العبد هادي ابن الشيخ مهدي ابن الشيخ مجد الدين ابن الشيخ محمّد الرضا ابن الشيخ محمّد حسين ابن الشيخ محمّد باقر ابن الشيخ محمّد تقي الرازي النجفي الاصفهاني مؤلّف الكتاب- (قدّس اللّه أسرارهم)- في مساء يوم الثلاثاء غرّة ذي القعدة الحرام عام 1425 يوم ولادة سيدتنا و مولاتنا فاطمة المعصومة (عليها السلام) بنت الإمام

____________

(1) ساعدني في تصحيح و مقابلة هذا السفر المبارك سماحة الأفاضل: السيد علي المعلم و السيد محمود نريماني و الشيخ عباس ملايي، دامت نشاطاتهم العالية. على أن للسيد نريماني جهدا متواصلا في تخريج أقوال الفقهاء، فجزاه اللّه خير جزاء المحسنين.

و بما أن بدء عملنا كانت مع نسخة (ألف)، و هي نسخة كثيرة الأغلاط و فيها سقط كثير، و آخر ما وصل إلى أيدينا كانت نسخة (د)، و هي أحسن النسخ و أمتنها، فتعبنا كثيرا لتطبيق النصوص و الهوامش، و إضافة ما ميّز بها نسخة (د)، إلا أن الوقت قليل، و الوعد لازم الوفاء .. فصار كما بين يدي القارئ الكريم، و للّه الحمد على كل حال. (المحقق).

14

موسى بن جعفر (عليهما السلام) بمدينة أصبهان، صانها اللّه تعالى عن الحدثان.

و الحمد للّه أولا و آخرا و ظاهرا و باطنا، و صلّى اللّه على سيدنا محمّد و آله الطيّبين الطاهرين المعصومين.

15

ترجمة المؤلف

مستل من موسوعة «المفصل في تراجم الأعلام» للعلامة المحقق السيد أحمد الحسيني الشيخ محمد تقي بن محمد رحيم بيك (استاجلو) ابن محمد قاسم الرازي الأيوان كيفي النجفي الأصبهاني (1)

كان والده يعرف ب«محمد رحيم بيك استاجلو»، و قد سماه بعض أرباب التراجم «عبد الرحيم»، و لكن الموجود بخط صاحب الترجمة «محمد رحيم»، و هو الأشهر الأصح.

عشيرته و أسرته:

ينتهي نسب الأسرة إلى عشيرة تعرف ب«استاجلو» التي كان لها صلة وثيقة بالسلاطين الصفوية منذ بداية حكومتها في ايران، و تصدى بعض رجالها وظائف حكومية هامة في أيام الصفويين و القاجاريين كما جاء في تواريخ تلك العصور.

____________

(1) الأيوان كيفي نسبة إلى قرية «إيوان كي» أو «إيوان كيف» من قرى ورامين في شرقي طهران، تبعد عن طهران 71 كم، اشتهرت بذلك لبناية فيها أثرية قديمة يقال إنها من أبنية سلاطين ايران الكيانية.

و «استاجلو» عشيرة كبيرة اتصلت بالأعمال الحكومية منذ سلطنة الشاه اسماعيل الصفوي. و نسبة النجفي لاعتزاز الأسرة بمنشإ صاحب الترجمة العلمي النجف الأشرف، و لم تزل تعرف بهذه النسبة.

و هي تعرف ب«المسجد شاهي» أيضا نسبة إلى مسجد شاه بأصبهان، حيث كان علماؤها يقيمون صلاة الجماعة فيه.

16

أشغل والد الشيخ صاحب الترجمة الحاج محمد رحيم بيك بعض الوظائف الحكومية في «إيوان كيف»، إلا أنه في سنواته الأخيرة ترك الوظيفة و هاجر إلى العتبات المقدسة بالعراق و أقام بالنجف الأشرف منصرفا إلى العبادة حتى وافاه الأجل في سنة 1217.

جده الأمي الأعلى ميرزا مهدي قلي خان بيكدلي، كان من سكنة كرمانشاه و أرسله السلطان نادر شاه أفشار إلى النجف لتولي شئون تعمير الصحن العلوي الشريف و تذهيب القبة و الأيوان و المنارتين، فتصدى ذلك و سجل اسمه على القاشي لبعض الكتائب قرب باب الطوسي، و كان إنجاز هذه المهمة على يده في سنوات 1156- 1160.

بزغ نجم هذه الأسرة العلمي في أصبهان منذ نحو سنة 1225، حيث هاجر الشيخ فيما يقرب من هذا التاريخ من يزد إليها، و اشتهر بالمقام العلمي الرفيع و الزهد و التقوى و التف حوله الخاصة و العامة و انتهت إليه الزعامة العلمية و الإمامة.

اشتهر من الأسرة علماء مشاهير و فضلاء ذوو الأقدار و المكانة، كانوا و لم يزالوا موضع احترام العلماء و حفاوة سائر الطبقات المؤمنة في أصبهان و غيرها، نذكر أسماء بعضهم كنماذج بارزة لا للحصر:

- أخو صاحب الترجمة، الشيخ محمد حسين الأصبهاني (ت 1261)، العالم الكبير مؤلف الكتاب السائر في الأوساط العلمية «الفصول الغروية».

- ابنه الشيخ محمد باقر المسجد شاهي الأصبهاني (ت 1301)، من أعاظم علماء أصبهان الفقهاء صاحب شرح هداية المسترشدين.

- الشيخ محمد حسين النجفي الأصبهاني (ت 1308)، من وجوه تلامذة الامام المجدد ميرزا محمد حسن الشيرازي و مؤلف التفسير القيم «مجد البيان».

- الشيخ أبو المجد الحاج آقا رضا المسجد شاهي الأصبهاني (ت 1362)، العالم الكبير و الأديب الشاعر المشهور، مفخرة القرن الرابع عشر في العلم و الفضل و الأدب.-

17

الشيخ محمد تقي آقا نجفي الأصبهاني (ت 1332)، حفيد الشيخ و صاحب المؤلفات الكثيرة المطبوعة الذائعة و المتقدم على علماء عصره بأصبهان.

- الحاج آقا نور اللّه النجفي الأصبهاني (ت 1346)، من تلامذة المجدد الشيرازي و المشارك في النهضة المعروفة بايران.

- الأستاذ محمد باقر النجفي الأصبهاني المعروف بألفت (ت 1384)، العلامة الأديب الفاضل المشهور.

- الشيخ محمد علي النجفي الأصبهاني (ت 1318).

- الشيخ مهدي بن محمد علي النجفي الأصبهاني (ت 1393)، صاحب المؤلفات الكثيرة المتجاوزة على العشرين.

- الشيخ جمال الدين النجفي الأصبهاني (ت 1354)، من أعلام علماء أصبهان و ذي المكانة المحترمة في مختلف الأوساط.

- الشيخ محمد اسماعيل النجفي الأصبهاني (ت 1370)، صاحب المؤلفات الكثيرة التي لا زالت مخطوطة.

- الشيخ مجد الدين الملقب بمجد العلماء النجفي الأصبهاني (ت 1403)، العالم الجليل الوجيه عند العامة.

يتصل بيت النجفي مصاهرة ببيوتات علمية كبيرة معروفة في الأوساط العراقية و الايرانية، بواسطة: بنت الشيخ جعفر الكبير النجفي صاحب كشف الغطاء المسماة «نسمة خاتون» أو «حبابة»، و هي زوجة الشيخ صاحب الترجمة، لعله تزوجها عند سفر الشيخ جعفر إلى أصبهان، و توفيت سنة 1295 و دفنت بجوار قبر زوجها في مقبرة «تختفولاد» (1).

____________

(1) ينقل بعض أفاضل الأسرة: أن الشيخ جعفر كاشف الغطاء سأل الشيخ صاحب الترجمة في مجلس الدرس: هل له زوجة؟ فأجاب خجلا بالنفي. فأمر التلامذة بالانتظار و ذهب مع تلميذه إلى البيت و قال له: عندي بنتان إحداهما بارعة في الكمال و الأخرى في الجمال فاختر أيتهما شئت. فاختار

18

و العلوية بنت السيد صدر الدين العاملي، زوجة الشيخ محمد باقر النجفي.

و العلوية «ربابة سلطان بيكم» بنت السيد محمد علي المعروف بآقا مجتهد حفيد السيد محمد باقر حجة الإسلام الشفتي، زوجة الشيخ محمد حسين الأصبهاني و أم أبي المجد.

قال الشيخ آقا بزرك الطهراني:

(آل صاحب الحاشية) بيت علم جليل في أصفهان، يعدّ من أشرفها و أعرقها في الفضل، فقد نبغ فيه جمع من فطاحل العلماء و رجال الدين الأفاضل، كما قضوا دورا مهما في خدمة الشريعة، و نالوا الرئاسة العامة لا في أصبهان فحسب بل في ايران مطلقا .. ففيهم علماء و فضلاء و أجلاء ..».

مولده و شيء عن نشأته:

لم يتعرض أصحاب التراجم لتأريخ ولادة الشيخ و محلها على التحديد، إلا أن السيد المهدوي يحتمل أن تكون الولادة نحو سنة 1185- 1187 في قرية «إيوان كيف»، حيث كانت مسكن والده قبل هجرته إلى العتبات المقدسة. و السيد الخوانساري صاحب الروضات يصرح أنه انتقل في عنفوان الشباب إلى عتبات الأئمة الأطياب، و هذا يؤيد كونه ولد في القرية المذكورة.

كان الشيخ أول من انصرف من أسرته عن الوظائف الحكومية على دأبهم و اتجه إلى طلب العلم متمحضا فيه تاركا العناوين الدنيوية.

كانت دراسته في الحوزات العلمية بالنجف الأشرف و كربلاء و الكاظمية، فبقي أكثر من اثنتي عشرة سنة في كربلاء قبل وفاة المولى محمد باقر الوحيد البهبهاني (ت 1205)، و يذكر المترجمون له من أساتذته الذين درس لديهم في المراحل العالية

____________

المتسمة بالكمال، و عاد الأستاذ إلى مجلس الدرس و انتهى المجلس بعقد الزواج بين التلميذ و بنت الأستاذ.

يبدو من هذه القصة أن الزواج كان في النجف الأشرف و ليس في أصبهان.

19

و استفاد من علمهم جماعة لم نعرف تفصيل ما تتلمذ لديهم (1)، و هم:

1- السيد محمد مهدي بحر العلوم الطباطبائي النجفي، استفاد منه علما و عملا.

2- الشيخ جعفر صاحب «كشف الغطاء» النجفي، و له منه إجازة الحديث و الاجتهاد، و صاهره على بنته كما سبق ذكره.

3- المولى محمد باقر الوحيد البهبهاني، و هو أول أساتذته.

4- السيد علي الطباطبائي الحائري، صاحب «رياض المسائل».

5- السيد محسن الأعرجي الكاظمي، صاحب «المحصول في علم الأصول».

6- الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي (2).

يبدو من بعض القرائن في أحوال الشيخ أنه كان ذا جدّ و سعي كبير في تحصيل العلم و اكتساب الفضائل أيام الدراسة و التحصيل، فانه- كما يظهر من قائمة أسماء أساتذته و شيوخه- كان يختار أحسن رجال العلم و أشهر المدرسين المتقدمين في التدريس، و لو أدى ذلك إلى التنقل في الحوزات العلمية و عدم الاخلاد إلى الاستقرار و الطمأنينة في حوزة ما. بهذا و بما نرى من مؤلفاته العلمية المتناهية في الدقة و الاحاطة و الموقع الدراسي و العلمي الذي حصله زمن الإفادة، نستشف مدى جهده أيام الطلب و ذكائه في تلقي العلوم و تقدمه على كثير من أترابه و معاصريه.

اضطر إلى الهجرة من العتبات المقدسة إلى إيران على أثر صدمة الوهابيين و ابتلائه بمرض القلب، و لو كان باقيا بها لكان له شأن عظيم أكثر مما حصل له في أصبهان، و لكن اللّه تعالى يقدر الأمور و ليس مما قدر من مفر.

____________

(1) نقل المرحوم الحبيبآبادي في مكارم الآثار عن شخص مجهول أن الشيخ صاحب الترجمة أخذ في العرفان و تهذيب النفس من درويش حسن المعروف ب«درويش كافي» النجفآبادي الأصبهاني.

و أنكر بعض أخذ الشيخ منه في السير و السلوك، و الانكار في محله.

(2) علق السيد المهدوي هنا ما ملخصه: يظهر أن حضور الشيخ لدى الأحسائي لم يكن للاستفادة العلمية بل للوقوف على آرائه و أقواله التي كانت سببا لإقبال جمع عليه و تكفير آخرين له.

20

الهجرة الى ايران:

هاجر الشيخ من العراق إلى إيران بعد سنة 1216 التي كان فيها واقعة حملة الوهابيين على كربلاء و المجزرة الدامية التي أجروا فيها و هتكوا الحرم الحسيني و ظهرت منهم فضائع و جرائم لا يسع المقام شرحها، و يقال في سبب هجرته كثرة ديونه و ابتلائه بمرض القلب و اضطراب الوضع في كربلاء و النجف بسبب الحملة الوهابية عليهما.

ربما كانت الهجرة بعيد وفاة والد الشيخ في سنة 1217، حيث التقى في هذا التأريخ بالميرزا أبى القاسم الجيلاني القمي صاحب «قوانين الأصول» في قم.

قصد أول دخوله إيران زيارة الامام الرضا (عليه السلام)، بعد أن بقي في قم أياما، فنزل بالمشهد في بيت الحاج ميرزا داود الخراساني الأصبهاني الذي كان من أجلاء فضلاء المدينة (ت 1220)، و أقام في ضيافته لمدة أربعة عشر شهرا بكل تجلة و احترام، و كان الميرزا يدرس لديه في هذه المدة علم الفقه و الأصول، و يذكرون أنه أدى كل ديون شيخه البالغة في ذلك الوقت ألف تومان.

ثم انتقل من المشهد الرضوي إلى يزد، و اشتغل فيها بتدريس الفقه و الأصول العاليين، و اجتمع عليه طلاب العلوم الدينية للاستفادة من علمه و فضله.

بعد بقاء مدة في يزد- لا نعلم مقدارها بالتحديد و يقال إنها كانت نحو سنة واحدة- انتقل الشيخ إلى أصبهان مهد العلم يومذاك و مجمع كبار العلماء و الفحول، و كان ذلك نحو سنة 1225 احتمالا، فاحتفى به العلماء و الطلاب و بقية الطبقات المؤمنة، و بقي بها إلى حين وفاته معززا مكرما.

كان الشيخ- كما علمنا مما سبق- موضع حفاوة العلماء و الطلاب أينما حلّ و حيثما ارتحل، يهتم بالتدريس و إفادة الطلاب مما رزقه اللّه تعالى من العلم و الدراية، حريصا على وقته أن يضيع فيما لا طائل تحته، و على علمه أن لا يؤدي زكاته بتعليم الآخرين، و بهذا كان منبعا فياضا أينما أقام و مأسوفا عليه حيث انتقل.

21

الاقامة بأصبهان:

أول ما ورد الشيخ المترجم له مدينة «أصبهان»، سكن في محلة «أحمدآباد»، و هي من المحلات القديمة بهذه المدينة.

كوّن بعد استقراره حوزة تدريسية في مسجد المحلة «مسجد ايلچي»، و شاع ذكره و عرف مقامه العلمي في أوساط الأفاضل و الطلاب، فاجتمعوا عليه للاستفادة من درسه و تحقيقاته العلمية المعمقة، و خاصة في أصول الفقه الذي اشتهر بأنه صاحب آراء خاصة فيه.

كان يقيم صلاة الجماعة أيضا بهذا المسجد، و أمّ بصلاته كثير من المؤمنين عند ما عرفوا مكانته الرفيعة في الزهد و التقوى و الإعراض عن زخارف الدنيا و التوجه التام إلى اللّه تعالى، فكانت الصفوف مزدحمة بالمؤمنين المؤتمين بصلاته جماعة.

كثرة الطلاب في مجالس التدريس و ازدياد عدد المصلين في الجماعة بعد مرور مدة على ورود الشيخ، سببا الشعور بالضيق و ضرورة الانتقال إلى مكان أوسع، فانتقل إلى محلة مسجد شاه و الصلاة و التدريس في «مسجد شاه»، و هو من أبنية الشاه عباس الصفوي الكبير.

المؤهلات العلمية في الشيخ و شدة ممارسته لعلمي الفقه و الأصول و حسن الالقاء في محاضراته، كانت أسبابا لنجاحه في التدريس لأعلى المراحل العلمية المسمى ب«الخارج»، حتى نقلوا أن مجلس درسه كان يحضره ثلاثمائة إلى أربعمائة طالب، و لازدحامهم طلب الميرزا محمد حسن المجدد الشيرازي و بعض رفاقه من متقدمي شباب الطلبة الذين كانوا يحضرون في مجالس الدرس آنذاك، طلبوا وقتا خاصا بهم يستفيدون به أكثر لحل مشاكلهم العلمية، فأجابهم الأستاذ على ذلك و عيّن لهم ساعة يحضرون لديه و يطرحون ما أشكل عليهم ثم يجدون الحل على أحسن ما يكون، و كان السيد المجدد يتباهى بذلك و يأسف على قصر مدته و مفاجأتهم بوفاة الأستاذ.

22

الأصولي الفقيه:

لقد ذكرنا أن شيخنا صاحب الترجمة كان بأصبهان من المدرسين البارعين في الفقه و أصوله، توافد على مجلس درسه الأفاضل من الطلاب و المشتغلين بالعلوم و المعارف الدينية. امتدت شهرته في هذين الفنين في الحوزات العلمية بعد وفاته إلى هذا اليوم بما خلّف من الكتب و الرسائل، و أهمها كتاب «هداية المسترشدين» في الأصول و كتاب «تبصرة الفقهاء» في الفقه.

الأصول- كما يعرفه المشتغلون في الحوزات العلمية- من المقدمات التي لا بدّ للفقهاء من النظر فيها توطئة للاجتهاد و قدرة استنباط الأحكام الشرعية و التصدي للفتوى، و ليس هذا الفن مقصودا بالذات كما يعلمه المشتغلون بالدراسات العالية، إلا أن توفر آلات الاجتهاد يمهّد للشخص طريق الاستنباط، فكلما كانت هذه الآلات أوفر يكون سبيل الوصول إلى الهدف الغائي أيسر و أسهل. و من هنا نجد كثيرا من أعلامنا المجتهدين يتوغلون في البحث حول القواعد الأصولية، و به يكون استنباطهم للمسائل الفقهية أوفق و أركز دعامة.

اشتغل الشيخ في أيام الدراسة و الطلب بالفقه و الأصول معا، ثم درّس فيهما طيلة حياته ممارسا لهما معا و فاحصا عن أدلتهما سوية:

أما كتابه الهداية فهو شرح موسّع على كتاب «معالم الأصول» للشيخ حسن بن زين الدين العاملي (ت 1011)، يشتمل على تحقيقات أصولية ممتازة مع التعرض لمختلف الآراء و الأدلة مع المناقشات الطويلة لما ينقل عن أعلام العلماء و الأصوليين، و خاصة في مباحث الألفاظ التي لقيت منه عناية أكثر من المباحث العقلية، و يهتم فيه بشكل ملحوظ بآراء العالم الأصولي الشهير ميرزا أبو القاسم الجيلاني القمي المدرجة في كتابه القيم «قوانين الأصول» و يتصدى لها بمناقشات فيها الشيء الكثير من الدقة و التحقيق.

نظرة خاطفة على كل تعليقة من هذه الحاشية، تبين مدى إحاطة المؤلف على جمع

23

مختلف الآراء و تمحيصها تمحيصا دقيقا و دراستها من مختلف جوانبها، فهو لا يقنع بنقل قول ما كيفما كان، و لكنه يقلبه ظهرا لبطن و يحسب له حساب الخبير المتمرس المحقق. و يكفي لمعرفة مدى فحص الشيخ في الآراء اللغوية و الأصولية و الاستنتاج الصحيح من مجموعها، النظر بدقة في التعليقة الأولى على قول صاحب المعالم «الفقه في اللغة الفهم».

و أما كتابه الفقهي التبصرة فنرى شيخنا الفقيه عند ما يتعرض لموضوع ما فيه، يبدأ بما ذكره اللغويون مع الجرح و التعديل لما ذكروه و تطبيقه بالذوق العرفي المهم جدا في استخراج الحق الواقع من الأدلة اللفظية، ثم يستعرض أهم الآراء لكبار الفقهاء و يتناولها بالفحص و النقد العلمي، ثم يأتي بالأدلة الفقهية من الآيات و الأحاديث و يسندها بما يؤدي إليه نظره، و يستخرج بالتالي فتواه غير مشوبة بالضعف على الأغلب. و بهذه الطريقة المتأنية المستوعبة يدلنا على تمكنه من الاجتهاد و يعرّفنا الطريقة الصحيحة اللاحبة للاستنباط.

بعض تلامذته البارزين:

لقد ذكرنا سابقا شيئا عن رفيع مقام الشيخ التدريسي و ازدحام الطلاب على محاضراته العلمية، حتى ذكر بعض مترجميه أن محضر درسه كان يحتوي على ثلاثمائة أو أربعمائة طالب، و كان في عصره المدرس الأول في حوزة أصبهان للدروس العالية، و العدد المذكور لا يعني الحصر به بل كان التلامذة يتجددون حيثما تنتهي دورتهم الدراسية، فيكون العدد عاليا جدا و العطاء العلمي وفيرا لا يمكن حصره في هذه الفئة خاصة.

و فيما يلي نسرد أسماء جملة من المشاهير من تلامذة الشيخ من دون تعرض لتراجمهم، و ذلك تبعا لطريقتنا في الأخذ بجانب الاختصار و عدم التطويل في الكلام:

- ملا أحمد بن عبد اللّه الخوانساري، صاحب «مصابيح الأصول».

- ميرزا محمد باقر الخوانساري الأصبهاني، صاحب «روضات الجنات».

24

- الشيخ محمد تقي الكلبايكاني، له إجازة الحديث من أستاذه.

- الشيخ محمد تقي الهروي الأصبهاني، المعروف ب«مستجاب الدعوة».

- السيد محمد حسن الخواجوئي الأصبهاني.

- مير سيد حسن المدرس الأصبهاني.

- ميرزا محمد حسن المجدد الشيرازي.

- السيد ميرزا حسن الرضوي المشهدي.

- الشيخ محمد حسين الأصبهاني، أخوه صاحب «الفصول الغروية».

- الحاج ملا حسين علي التويسركاني الأصبهاني.

- ميرزا داود الشهيد الأصبهاني الخراساني.

- المولى زين العابدين مخفي الكلبايكاني، صاحب «مصباح الطالبين». له إجازة من أستاذه.

- السيد محمد صادق الموسوي الخوانساري.

- ملا عبد الجواد التوني الأصبهاني.

- ملا علي قاربوزآبادي الزنجاني، صاحب «جوامع الأصول».

- الشيخ فتح اللّه الشاردي القزويني، صاحب «مناهج الطريقة» و غيره.

- مير محمد بن محمد حسين الشهرستاني الحائري، و له منه إجازة.

- الحاج آقا مهدي المهدوي الكرمانشاهي، صاحب «شرح الشرائع».

- الشيخ مهدي الكجوري الشيرازي، صاحب المؤلفات العديدة.

- المولى هادي الأسرار السبزواري مؤلف شرح المنظومة المعروف في الفلسفة.

- السيد محمد الشهشهاني الأصبهاني، صاحب «أنوار الرياض» و غيره.

- ميرزا هداية اللّه ابر سجي الشاهرودي.

- الشيخ محمد الطهراني النجفي (1).

____________

(1) الشيخ محمد بن محمد علي الخراساني الطهراني، ابن أخت صاحب الترجمة و من المدرسين المجيدين،

25

قالوا فيه:

لقد طفحت كتب التراجم بعبارات تنم عن عظيم مكانة الشيخ بين معاصريه و جليل منزلته عند من ترجمه بعد عصره، فقد بجلوا بمقامه العلمي و مجدوا زهده و تقواه بشتى التعابير و مختلف الألفاظ، و فيما يلي نورد بعض ما قالوه اكتفاء باليسير عن الكثير:

قال السيد الخوانساري في «روضات الجنات»:

«فأصبح أفضل أهل عصره في الفقه و الأصول، بل أبصر أهل وقته في المعقول و المنقول، و صار كأنه المجسّم في الأفكار الدقيقة، و المنظم من الأنظار العميقة، أستادا للكل في الكل، و في أصول الفقه على الخصوص، و جنّات الفضل الدائمة الأكل في مراتب المعقول و المنصوص، فجعل أفئدة طلاب العصر تصرف إليه، و أخبية أصحاب الفضل تضرب لديه، بحيث لم ير في الدنيا مدرس أغص بأهله من مدرسه الشريف، و لا مجلس أفيد لنهله من مجلسه المنيف ..».

و قال الشيخ القمي في «الفوائد الرضوية» ما تعريبه مختصرا:

«الشيخ العالم الفاضل المحقق المدقق، قدوة المحققين و ترجمان الأصوليين، صاحب تعليقة كبيرة على المعالم .. اختص بالشيخ جعفر الكبير صاحب كشف الغطاء حتى زوجه بابنته ..».

و قال المدرس الخياباني في «ريحانة الأدب» ما تعريبه:

«من أكابر فحول علماء الامامية أواسط القرن الثالث عشر الهجري، فقيه أصولي محقق مدقق عابد زاهد، عميق الفكر دقيق النظر .. جلالته العلمية و العملية مشهورة، بل تقدم على معاصريه في المعقول و المنقول بشهادة بعض المترجمين له، خصوصا في أصول الفقه الذي كان فيه بغاية التبحر .. انتهت إليه المرجعية بأصبهان، و كان يحضر في حلقة درسه قريبا من ثلاثمائة طالب ..».

____________

رتب الجزء الثالث من كتاب «هداية المسترشدين» و أخرجه من المسودة إلى المبيضة، صاهر خاله على ابنته الصغرى و لكن لم تدم حياتهما الزوجية طويلا فافترقا.

26

و قال الشيخ آقا بزرك الطهراني في «الكرام البررة» ص 215:

«أحد رؤساء الطائفة و محققي الامامية المؤسسين في هذا القرن (القرن الثالث عشر) .. فاز بدرجة عالية من العلم و العمل، معقولا و منقولا فقها و أصولا .. و قد حظي هذا الكتاب (حاشية المعالم) بالقبول، و لاقى استحسان الأكابر و الفحول من المحققين و الأعلام .. و الحق أنه يكفي للاستدلال على مدى إحاطة المترجم و تبحره و تحقيقه في علم الأصول، ففيه تحقيقات عالية خلت منها جملة من الأسفار الجليلة، و لم تزل آراؤه و نظرياته محط أنظار الأفاضل و محور أبحاثهم إلى الآن ..».

آثاره العلمية:

بالرغم من اشتغال الشيخ بالتدريس و تربية الطلاب و القيام بالشئون الاجتماعية و قضاء حوائج الناس، دبّجت يراعته آثارا علمية اشتهر بعضها في الحوزات و عند العلماء و بقي بعضها الآخر غير معروف لدى الجهابذة، و فيما يلي نذكر هاتيك الآثار مع الإجمال في وصفها:

- أجوبة المسائل. جوابات على استفتاءات بعضها مختصر و في بعضها تفصيل.

- تبصرة الفقهاء. استدلالي نجز منه كتاب الطهارة و أوقات الصلاة و كتاب الزكاة و بعض البيع.

- تقرير أبحاث بحر العلوم. كتاب الطهارة شرحا على كتاب «الوافي»، كتبه حين دراسته على السيد محمد مهدي بحر العلوم النجفي.

- حجية المظنة. طبع مع حاشية معالم الأصول.

- دوران الأمر بين الأقل و الأكثر، رسالة في ردّ أستاذه السيد محسن الأعرجي.

- عدم مفطرية التتن. فارسي رد على بعض معاصري الشيخ.

- الرسالة العملية، فارسية في أحكام الصلاة. طبعت في أصبهان سنة 1383 ش بعنوان «رسالۀ صلاتيه» بتحقيق الشيخ مهدي الباقري السياني.

- فساد الشرط ضمن العقد. في شرط الضمان، لو ظهر المبيع مستحقا للغير.

27

- شرح الأسماء الحسنى.

- كتاب الطهارة. و هو غير شرحه على الوافي المذكور سابقا، توجد نسخته في مكتبة السيد المرعشي العامة بقم.

- الفقه الاستدلالي. الظاهر أنه نفس كتابه الاستدلالي في الطهارة و ليس كتابا غيره، و قد صرح بعض أنه لم يخرج من المسودة و ذكر أنه كتاب كبير جدا.

- فوائد الأمة في رد شياطين الكفرة. هو للشيخ محمد تقي المعروف بآقا نجفي الأصبهاني، و نسبوه إلى صاحب الترجمة اشتباها.

- مسألة الظنون. ذكرها كذلك تلميذه السيد الخوانساري و قال إنه مستخرج من كتاب الهداية، و لعلها هي رسالته «حجية المظنة».

- هداية المسترشدين في شرح معالم الدين. و هو شرح أو حاشية موسعة على قسم أصول الفقه من كتاب «معالم الدين» للشيخ حسن بن زين الدين العاملي، و قد اشتهر في الحوزات العلمية الشيعية و تلقاه العلماء بعين الإكبار. طبع مكررا، و أحسن طبعاته الطبعة الأخيرة في ثلاثة أجزاء في قم سنة 1420- 1421 بتحقيق مؤسسة النشر الاسلامي لجماعة المدرسين.

وفاته:

توفي شيخنا صاحب الترجمة وقت الزوال من يوم الجمعة منتصف شهر شوال سنة 1248 بأصبهان، و صلى عليه الشيخ محمد إبراهيم الكرباسي أو السيد محمد باقر حجة الإسلام الشفتي، و اقتدى في الصلاة عليه جماعة كبيرة من العلماء و بقية الناس.

دفن في المقبرة المعروفة ب«تختفولاد» و أقبر في «بقعة مادر شاهزاده» التي عرفت بعد ذلك عند بعض المؤرخين «بقعة الشيخ محمد تقي».

أبّنه جماعة من الأدباء ورثاه جملة من الشعراء و أرخوا وفاته بالعربية و الفارسية، منها قصيدة تلميذه ميرزا محمد باقر الخوانساري التي يقول فيها:

يا للذي أضحى تقيا نهتدي * * * بهداه كالبدر المنير الأوقد

28

أسفا لفقد إمامنا الحبر الذي * * * حتى الزمان لمثله لم نفقد

لهفي عليه و ليس يعقوب الأسى * * * في مثل يوسف هجره بمفنّد

لهفي على من لا يفي لثنائه * * * رقش الآجام على مجال الفدفد

العلم أمسى بعده مترحلا * * * و الشرع لم ير بعده بمؤيّد

مهما أخال زحام حلقة درسه * * * ينشق قلبي من شديد تجلدي

وا حسرتا أهل المدارس إذ جنت * * * أيدي الحوادث في إمام المسجد

وا كربتاه لمسلمي هذي الحمى * * * من ثلمة الإسلام في المتجدد

من ثلمة لا يسددن و بددت * * * شمل الفضائل و العلى و السؤدد

نقصت طلاع الأرض من أطرافها * * * في موت مولانا التقي محمد

لا يوم للشيطان كاليوم الذي * * * ينعى بمثلك من فقيه أوحدي

لما مضيت مضت صبابة من هوى * * * مجدا و أنت من السليل الأمجد

علامة العلماء من في جنبه * * * أركانهم بمكان طفل الأبجد

مولاي أي قطب الأنام و طودهم * * * و مشيّد الشرع المنير الأحمدي

لا سقي ربع ملت عنه و حبذا * * * رمس أحلك طاهرا من مشهد

جسد لك العفر المعطّر ضمه * * * أو لحّدوا جدثا لكنز العسجد

من ذا يحلّ المعضلات بفكرة * * * تفري و من لأولي الحوائج من غد

و من الذي يحيى الليالي بعدكا * * * بتفقه و تضرع و تهجد

أين الذي ما زال سلسل خلقه * * * لذوي عطاش الخلق أروى مورد

طابت ثراه كما أتى تاريخه * * * طارت كراك إلى النعيم السرمدي

29

مصادر الترجمة:

روضات الجنات 2/ 123، مستدرك وسائل الشيعة 3/ 400، أعيان الشيعة 9/ 198، الفوائد الرضوية ص 434، قصص العلماء ص 117، مرآة الأحوال 1/ 138، مكارم الآثار ص 1327، ريحانة الأدب 3/ 403، الكرام البررة 1/ 215، نجوم السماء 1/ 477، تذكرة القبور ص 72، الروضة البهية ص 262، لباب الألقاب ص 50، هدية الرازي ص 38، الذريعة في مختلف الأجزاء، الأعلام للزركلي 6/ 62، معجم المؤلفين 9/ 131، هدية العارفين 2/ 362، تاريخ علمي و اجتماعي اصفهان 1/ 125، قبيله عالمان دين ص 11 (و منهما أكثر هذه الترجمة).

30

الصفحة الأولى من نسخة مكتبة آية اللّه السيد محمد علي الروضاتي مدّ ظله «نسخة ألف»

31

الصفحة الأخيرة من نسخة مكتبة آية اللّه السيد محمد علي الروضاتي مدّ ظله «نسخة ألف»

32

الصفحة الأولى من نسخة مكتبة آية اللّه العظمى السيد شهاب الدين المرعشي النجفي (قدّس سرّه) «نسخة ب»

33

الصفحة الأخيرة من نسخة مكتبة آية اللّه العظمى السيد شهاب الدين المرعشى النجفي (قدّس سرّه) «نسخة ب»

34

الصفحة الأولى من نسخة مكتبة آية اللّه السيد عبد الحسين سيد العراقين (قدّس سرّه) «نسخة ج»

35

الصفحة الأخيرة من نسخة مكتبة آية اللّه السيد عبد الحسين سيد العراقين (قدّس سرّه) «نسخة ج»

36

الصفحة الأولى من كلّيّة الإلهيات بجامعة الفردوسي في المشهد المقدّس الرضوي «نسخة د»

37

الصفحة الأخيرة من كلّيّة الإلهيات بجامعة الفردوسي في المشهد المقدّس الرضوي «نسخة د»

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

تبصرة الفقهاء

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

كتاب الطّهارة

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

بسم اللّه الرحمن الرحيم و به نستعين كتاب الطهارة

[تبصرة] [في معنى الطهارة اللغوي و المصطلح]

و هي في اللغة: النزاهة و النظافة (1)، و عند المتشرّعة يطلق على معان عديدة (2):

منها: الصفة المقابلة لصفة النجاسة، و منه قولهم: الأصل في الأشياء الطهارة.

و منها: الحالة الحادثة المقابلة لحالة الحدث أو المبيحة (3) للدخول في الصلاة، و إن اجتمع

____________

(1) انظر: العين 4/ 18- 19 (طهر)، لسان العرب 4/ 504، القاموس المحيط 2/ 79، مجمع البحرين 3/ 381، و من الكتب الفقهية: المعتبر: 7 و السرائر 1/ 56 و غيرهما، و كثير من المصادر العامية صرّح بالمعنى اللغوي هذا، مثل الروض المربع للبهوتي 1/ 7، و المغني المحتاج للشربيني 1/ 16.

و قد أعرب عن هذا المعنى اللغوي حتى المحدثين من الفقهاء مثل صاحب وسائل الشيعة فيه 3/ 291 باب 1 ذيل ح 3678 في معنى «و إن تطهّرت أجزأك» فقال: يحتمل أن يراد الطهارة اللغوية بمعنى النظافة و النزاهة.

و أشار في البحار 77/ 5 باب 1 (طهورية الماء) من كتاب الطهارة إلى أن المعنى اللغوي العرفي للطهارة هو النزاهة و النظافة.

(2) قال في مفتاح الكرامة 1/ 3: صرح جماهير الأصحاب بأنها- أي الطهارة- حقيقة شرعية، و في غاية المراد و المدارك: أن الأصحاب اختلفوا في المعنى المنقول فيه هل أخذ إليه إزالة الخبث أم لا ..

ثم ذكر المعاني المختلفة التي ذكرها الفقهاء و ناقش في أكثرها، فراجع.

(3) في (ج): «المنجيّة».

44

معه، و منه قولهم: يندب الكون على الطهارة، و يشترط الصلاة بالطهارة.

و منها: المعنى الجامع بين المعنيين كما في قولهم: يشترط الصلاة بالطهارة، إذا أريد به الأعم من الطهارتين، و ربما يعبّر عنه بالحالة التي يصح معها الدخول في الصلاة من غير عفو.

و منها: إزالة الخبث، و منه قوله تعالى وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ (1) في وجه (2)، و يدور على ألسنتهم أنها إحدى مستعملات الطهارة (3)، بل حكوا عن البعض كونها حقيقة فيه.

و فيه: أن لفظة الطهارة من الألفاظ اللازمة سواء كان (4) مصدرا للمجرد أو المزيد، و من البيّن [أنّ] (5) إزالة الخبث من المعاني المصدرية المتعدّية فكيف يمكن جعلها أحد معانيها و لم نجدهم يوما استعملوها متعدّيا. و استعمال التطهير فيها لا يدل على استعمال الطهارة إلّا أن يراد استعمال تلك المادّة (6) فيها في الجملة.

نعم، يمكن أن يقال بكونها مستعملة في الفعل المزيل للخبث على نحو ما يقولونه في المزيل للحدث، و لعله مراد القائل به.

و منها: استعمال طهور مشروط بالنيّة مطلقا أو على وجه له تأثير في استباحة الصلاة.

و منها: المعنى الأعم من ذلك و من إزالة الخبث، و لعل المراد به الفعل (7) المزيل للحدث و الخبث. ذكره بعض الأجلّة، و يمكن إرادته من قولهم: كتاب الطهارة.

____________

(1) سورة المدثر (74): 4.

(2) و الوجه المشهور أنه كانت ثيابه طاهرة و إنّما أمره بالتشمير كما في الكافي 6/ 456 باب تشمير الثياب ح 4 و غيره.

(3) صرّح بهذا الوجه- أي إزالة الثياب من الخبث و النجاسات- المجلسي في البحار 16/ 212 باب 9 في مكارم أخلاقه، و نقل في 64/ 277 باب 14 ذلك عن الطبرسي و الزجاج. و انظر الوجهين في مجمع البحرين 3/ 378.

(4) في (د): «كانت».

(5) الزيادة منّا.

(6) في (د): «الحالة»، بدلا من: «المادّة».

(7) لم ترد في (د): «الفعل».

45

و الدائر (1) على ألسنتهم أنّها حقيقة في المعنى الخامس في الجملة لكن اختلفوا فيه فمنهم من جعله مشتركا لفظيا كما هو ظاهر الشرائع (2)، و الأكثر على كونه مشتركا معنويّا، لكن منهم: من عمّمها لجميع أقسام الوضوء و أخويه حتى المجامعة للحدث كوضوء الحائض و الجنب، و هو ظاهر اللمعة (3).

و منهم: من خصّصها (4) بما يكون له مدخل في استباحة الصلاة. و لا يخلو عن قرب و إن كان القول بدخول الأغسال الغير الرافعة و الوضوء التجديدي لا يخلو عن وجه، بل هو أقرب (5).

و كيف كان، فالتأمّل في الاستعمالات و النظر في موارد الإطلاقات يعطي كونها حقيقة في الأول و الثاني و الخامس من المذكورات، و إن كان خلاف ما هو المذكور في أكثر المصنّفات (6).

و الظاهر أن الخلاف المذكور (7) في لفظ الطهارة، و أما مشتقّاته كالطاهر و المطهّر فالظاهر عدم الخلاف في كونها حقيقة في المعنى الأول بل الثاني أيضا.

فيستدل بذلك على كون المبدأ حقيقة فيه أيضا؛ إذ الظاهر أن المعنى الثابت للمشتقات ثابت لمبدإ الاشتقاق؛ لكونه الغالب و لأنه الطريق في معرفة معاني المصادر غالبا عند نقلة (8)

____________

(1) في (د): «المدار».

(2) الشرائع 1/ 4 قال: الطهارة اسم للوضوء أو الغسل أو التيمم على وجه له تأثير في استباحة الصلاة.

(3) انظر: شرح اللمعة الدمشقية (الروضة البهية) 1/ 10- 11 كتاب الطهارة، و عبارة اللمعة هكذا:

و الطهور هو الماء و التراب .. فالماء مطهّر من الحدث و الخبث.

(4) في (د): «خصّها».

(5) انظر تفصيل ذلك و بعض المناقشات في مفتاح الكرامة 1/ 4.

(6) و قال في البحار 77/ 4 كتاب الطهارة باب 1 (طهورية الماء): و المراد بقوله لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ الطهارة من النجاسات الحكمية أعني الجنابة و الحدث الأصغر أو منها و من العينية أيضا كالمني .. إلى أن قال في ص 5: فإن الطهارة إن كان لها شرعا حقيقة فهي رافع الحدث أو المبيح للصلاة.

(7) لم ترد في (ب): «المذكور ... عدم الخلاف».

(8) في (الف): «نقله» بالهاء، و هو غلط.

46

اللغة (1) على الظاهر كما يعطيه (2) النظر في كلامهم، و لأنّ أوضاع المشتقّات باعتبار هيآتها نوعيّة، و هي تابعة لوضع المادّة المعروضة (3) لتلك الهيأة الموضعة (4) بالوضع الشخصي فإذا ثبت معنى للمادّة في ضمنها يثبت (5) وضعها شخصا لذلك، فيكون حقيقة فيه مطلقا. إلّا أن يعلم اختصاص المادّة المعروضة (6) لتلك الهيأة بذلك كما في المشتقّات الّتي لم يستعمل مبادئ اشتقاقها، فتأمل.

و تفصيل الكلام في ذلك يستدعي بسطا في المقام مع أنه لا يترتّب عليه ثمرة مهمّة في الأحكام، فتركه و التعرّض لما هو أهم أنسب بالمرام.

هذا، و ينتظم مباحث الكتاب في أبواب:

____________

(1) لم ترد في (ج) و (د): «عند نقلة اللغة».

(2) في (د): «يقتضيه».

(3) في (د): «المفروضة».

(4) في (د): «الموضوعة».

(5) في (د): «ثبت».

(6) في (د): «اختصاص المعروضة».

47

الباب الأول في المياه

[المقام الأول في الماء المطلق]

و الكلام فيها، و في أقسامها، و ما يعرضها من الطواري التي يخرجها عن الطهارة أو الطهوريّة أو غيرهما (1)، و ما يعود بها إلى حالتها الأولى.

و لنفصّل ذلك في مباحث:

البحث الأول في بيان أنّه بجميع أقسامه على الطهارة (2) و الطهوريّة و بيان ما يخرجه عن الطهارة على كل حال

مقدّمة [في الماء المطلق و المضاف]

الماء إما مطلق أو مضاف، و الأوّل حقيقة (3) معروفة بين الحقائق غنيّة عن التعريف، غير أنّ الظاهر أنّ مدار التسمية ليس على حصول تلك الحقيقة لا وجودا و لا عدما؛ إذ قد لا يصدق مع حصول تلك الحقيقة كما في الجمد و الثلج (4) على ما هو المعروف من المذهب، و إن

____________

(1) في (د): «غيرها».

(2) في (د): «أو»، بدلا من: «و».

(3) في (د): «حقيقته».

(4) في (الف): «كما في المجمل و التاج». أي كتاب المجمل و كتاب التاج. و ما أدرجناه من بقية النسخ الثلاثة، و هو الظاهر بقرينة العبارات التالية، و إن كان لذكر كتب اللغة أيضا وجه. لاحظ: تاج العروس 12/ 447 (طهر) من الطبعة المحققة.

48

ذهب العلّامة في المنتهى (1) إلى صدق الماء عليه حقيقة؛ نظرا إلى أن الجمود لا يخرجه عن حقيقته، بل تأكّدها (2) لما فيه من غلبة البرودة التي هي من آثار طبيعة المائيّة، فقوّة آثار الطبيعة إن لم يوجب تقويتها فلا (3) يصير سببا لضعفها أو رفعها، و لذا قال بعدم انفعاله بمجرّد الملاقاة إذا كان كثيرا، لكنه لم يقل بنجاسة جميعه مع القلّة؛ إذ سراية النجاسة فرع الميعان دون القلّة.

و الظاهر أنه لا يقول بجواز التطهير به عن الحدث أو الخبث لكونه فرع الجريان، و لا يحصل به.

و كيف كان، فالنظر في الإطلاقات العرفية يدفع ما ذكره، و غاية (4) ما ذكره (5) في التقريب بقاء الحقيقة العقلية (6)، و هو لا يقتضي بقاء الحقيقة الاسمية التي هي المناط في الأحكام المذكورة للماء؛ مضافا إلى إخراجه عن الميعان الذي هو أحد آثار الطبيعة أيضا.

و قد يصدق مع ضمّ غير تلك الحقيقة إليها فيصدق على المركّب منها و من غيرها كما في المخلوط بغير السالب للاسم، مع أن قضية الأصل حينئذ عدم صحة الإطلاق إلّا على نحو المجاز و التسامح العرفي الذي ليس مناطا للحكم (7).

و حينئذ إما أن يقال بكون الاستعمالات المذكورة من قبيل التسامحات العرفية إلّا أنه قام الإجماع على اعتبارها على خلاف الأصل في خصوص المقام أو يقال بكون وضعه على النحو الأعم وضعا أوّليا أو ثانويا من جهة الغلبة.

و النظر في الاستعمالات يدفع الأول؛ إذ الظاهر عدم التأمل في كون إطلاقه على المختلط

____________

(1) منتهى المطلب 1/ 4 من الطبعة الحجرية.

(2) في (د): «يأكّدها».

(3) في (د): «لا»، بدلا من: «فلا».

(4) في (د): «بيانه»، بدلا من: «غاية».

(5) في (د): «ذكر».

(6) في (د): «الفعليّة»، بدلا من: «العقليّة».

(7) في (د): «للحكم الشرعي».

49

بغيره من الحقيقة لعدم خلوّه غالبا عن الخليط. و القول بكون الاستعمال الغالب من المجاز ظاهر الفساد.

و الفرق بين الخليط الغالب و غيره كما يظهر من جماعة من العامّة حيث ذهبوا إليه على تفصيل مذكور في كلامهم بيّن الوهم؛ إذ صريح حكم العرف قاض بعدم الفرق؛ و تسمية الجميع باسم الماء إلى أن يصل إلى حدّ الإضافة، و حينئذ فالمدار فيه على التسمية العرفيّة.

و لذا عرّف على (1) المشهور (2) بأنه: ما يستحق إطلاق الماء عليه من غير قيد و إن استحق إطلاق المقيّد عليه أيضا كماء النهر أو البحر أو ماء السدر أو الكافور و نحوها.

و قولنا «من غير قيد» لإخراج المضاف، و هو بناء على كون المضاف حقيقة فيه كما يأتي ظاهره (3). و بناء على التجوّز فقد يتخيّل الاستغناء عن القيد؛ لعدم استحقاقه إذن (4) للمقيد أيضا إلّا أن يقال بصدق استحقاق المعنى المجازي للمجاز مع القرينة.

و فيه: أن إطلاق لفظ الماء في الحد يغني عن ذلك، فالتزام التوضيح في القيد إذن أوضح.

و اعتبر العلامة (رحمه اللّه) في جملة من كتبه (5) مع ذلك عدم صحة سلب الماء عنه. و الظاهر أنه للتوضيح.

و جعله في كشف اللثام (6) لإخراج إطلاق الماء على المضاف حملا فيقال لماء الورد أو اللحم مثلا (7): إنه ماء.

و فيه: أن الاستحقاق منتف فيه أيضا، و لذا يصح السلب عنه و إلّا لاستحق الحمل

____________

(1) في (ج): «في».

(2) في (د): «عرّف المشهور».

(3) في (د): «حقيقة فيه ظاهر».

(4) في (د): «أولا»، بدلا من: «إذن».

(5) كالنهاية و القواعد و التحرير كما في مفتاح الكرامة. و قال عند توضيح عبارته (و يمتنع سلبه عنه):

لإخراج الدمع و العرق. انظر: مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة 1/ 59 المقصد الثاني في المياه.

(6) كشف اللثام 1/ 30 من الطبعة الحجرية.

(7) لم ترد في (د): «مثلا:».

50

و سلبه معا، و هما متناقضان. و مجرد استحقاق المعنى المجازي للفظ المجاز مع القرينة- لو قيل به- لا يقتضي استحقاق الحمل بها (1) هنا مع إطلاق المحمول. مضافا إلى أن حمل الشيء على الشيء ليس إطلاق للفظه عليه.

و عن بعض الأفاضل: إن ذلك لخروج المضاف لعدم خروجه مما مر؛ إذا استحقاقه لاسم الماء مقيدا قاض باستحقاقه له مطلقا؛ إذ صدق المقيّد عليه قاض بصدق المطلق، لكن لا يمتنع سلبه عنه عرفا فخرج به.

و لا يخفى ما فيه؛ إذ لو صح ما ذكره لقضي بعدم صحة سلب المطلق عنه أيضا، و الحال أن صدق اللفظ على المعنى ليس كصدق الكلّي على الفرد لوضوح المباينة، و إنما المراد صحة إطلاقه عليه مطلقا، و هو تبع (2) الوضع، فقد يوضع المقيّد لشيء لم يوضع له المطلق، فلا يستحق إطلاق المطلق عليه، و هو واضح.

و قد يورد على الحد باشتماله على الدور من جهة أخذ الماء فيه.

و يدفعه: أن المأخوذ في الحد اسم الماء، و هو غير المحدود؛ على أن المعرّف خصوص الماء المطلق، و المأخوذ في التعريف مطلق الماء.

ثم إنه بعد البناء في صدق الماء على الرجوع إلى العرف و إجراء أحكامه على مسمّاه يجري (3) في الخليط الممازج (4) معه مع عدم سلبه (5) الإطلاق أحكام الماء من الطهارة و الطهوريّة و إن كان من الأعيان النجسة كالبول و الدم و الخمر إذا لم يغيّر (6) أحد أوصافه الثلاثة.

و حينئذ فيثبت لها أيضا حكم الحليّة، و هذا من خصائص الماء لاختصاص حكم

____________

(1) لم ترد في (ب) و (ج) و (د): «بها».

(2) في (د): «يتبع».

(3) في (د): «و يجري».

(4) في (د): «المخارج».

(5) في (د): «سلب».

(6) في (د): «لم تغيّر».

51

الاستهلاك به، بل الظاهر جريان أحكام المتنجّس عليه مع تغييره (1) النجاسة و بقاء اسمه، فلا يجري على المخالطة معه مع (2) الخمر (3) إذا (4) حكم الخمر في وجه قوي (5).

و قد عرف بما (6) ذكر حدّ المضاف فهو ماء لا يستحق إطلاق الماء عليه من غير قيد، أو ما يستحق إطلاق الماء عليه (7) مقيّدا لا مطلقا كماء الورد و ماء الرمّان و نحوهما.

و إطلاق الماء عليه مع القيد (8) إما مجاز و القيد قرينة عليه، فاستحقاقه لإطلاق الماء عليه حينئذ مبني على ما مرّ، أو أنه حقيقة فيه حال التقييد و القيد خارج عن (9) الموضوع، فيكون للفظ الماء وضعان: وضع في حال الإفراد و آخر مع التقييد، أو أن المجموع المركب موضوع لذلك.

و يضعّف الأول بأن (10) النظر في استعمالاته العرفية يأبى عن التجوز؛ إذ (11) لا يلاحظ في شيء منها المناسبة مع المطلق، بل يطلق عليه ابتداء من دون تبعيّة (12)، و هو من شواهد الوضع.

مضافا إلى شيوع استعماله فيه بحيث يستبعد معه البقاء على التجوز.

و اشتهار الاستعمال مع ضمّ القرينة اللفظيّة و إن لم يستلزم الوضع إلّا أنه مع هذه الشهرة

____________

(1) في (ج): «مع تغيّره بالنجاسة».

(2) في (ب): «من».

(3) في (ج): «في المخالط معه من الخمر»، و في (د): «في المخالط منه من الخمر».

(4) في (د): «إذن».

(5) في (د): «وجودي».

(6) في (د): «عرفت».

(7) لم ترد في (د): «من غير قيد أو ما يستحق اطلاق الماء عليه».

(8) في (د): «و التقييد».

(9) في (د): «من».

(10) في (د): «أن».

(11) في (د): «أو».

(12) في (د): «قيد»، بدلا من: «تبعيّة».

52

مما يتبعّد (1) خلوّه عنه.

و الوجه الثالث أيضا في غاية البعد، بل مقطوع الفساد؛ لوضوح استعمال المضاف إليه فيما وضع له.

بقي الوجه الثاني، و لا يخلو عن قرب و إن عزّ (2) مثله في الأوضاع، و قد ذكر نحوه في لفظ (3) الإيمان، و يحتمله لفظ الصلاة بالنسبة إلى صلاة الميّت.

و بناء عليه فالتزام الوضع الخاص فيه بالنسبة إلى كلّ إضافة بعيد أيضا.

فالظاهر إذا كون الوضع فيه عاما و الموضوع له (4) و الموضوع أيضا خاصا بملاحظة كلّ قيد (5) على نحو الأوضاع الكليّة.

و هل الوضع فيه إذا لغوي أو عرفي؟ و جهان.

____________

(1) في (ج) و (د): «يستبعد».

(2) في (د): «عبّر».

(3) في (الف): «اللفظ».

(4) في (د): «الموضوع»، بدلا من: «الموضوع له».

(5) في (د): «كلّ قيد قيد»، بتكرار لفظة «قيد».

53

تبصرة [في أن الماء طاهر مطهّر]

الماء كلّه مع عدم طروّ النجاسة عليه طاهر في نفسه مطهّر لغيره من الأحداث و الأخباث، سواء كان قليلا أو كثيرا، جاريا أو واقفا، نابعا من الأرض أو نازلا من السماء أو ذائبا من الثلج أو منقلبا من الهواء أو غير ذلك، بالإجماع من المسلمين بل هو في الجملة من ضروريات (1) الدين.

و عن سعيد (2) بن المسيّب في ماء البحر أنه قال: إذا لجئت (3) إليه فتوضأ (4).

و عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص (5) و ابن عمر (6) أنهما قالا: التيمّم أحبّ إلينا منه (7).

و الخلاف المذكور مع عدم (8) كونه في أصل الطهوريّة قد انعقد الإجماع من العامة و الخاصة على خلافه.

و يدل على الحكم المذكور بعد الإجماع- محصّلا و منقولا حدّ الاستفاضة- الكتاب و النصوص المستفيضة بل المتواترة.

____________

(1) في (الف): الضروريات.

(2) في (الف): سعد، و ما أدرجناه من مفتاح الكرامة 1/ 59، و التذكرة 1/ 11 و غيرهما.

(3) في (د): «ألجئت».

(4) المصنف لابن أبي شيبة 1/ 131.

(5) في (الف) و (د): «عبد اللّه بن عمرو بن عمر بن العاص»، و ما في المتن من المفتاح و التذكرة و غيرهما.

(6) لم ترد في (ج) و (د): «و ابن عمر».

(7) لاحظ: المصنف لابن أبي شيبة 1/ 131، سنن الترمذي 1/ 102، المجموع 1/ 91، تفسير القرطبي 13/ 53، مفتاح الكرامة 1/ 59.

(8) لم ترد في (ب): «مع عدم ... الحكم المذكور».

54

أما الأول: فيدل منه على الحكم المذكور في الجملة عدة آيات:

منها: قوله تعالى: وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً (1) و قد وقع البحث في دلالة الآية (2) الشريفة على مطهريّة الماء لما وقع من الكلام في معنى الطهور، و جمهور الأمّة على دلالتها عليها، و قد خالف فيه شرذمة من الجمهور يعني (3) أبا حنيفة و بعض أتباعه. و محصّل القول في ذلك أن جملة ما ذكر في معاني الطهور أمور خمسة:

أحدها: أن يكون مصدرا. حكاه جماعة من الأجلاء (4) من أهل اللغة و غيرهم، كالمطرزي في المغرب (5) و الراغب في المفردات و الزمخشري في كشّافه و أساسه (6) (7) و الفيروزآبادي (8) و الطبرسي و الطريحي (9) و صاحب الطراز، و حكاه الطبرسي و نجم الأئمة و الزمخشري و غيرهم عن سيبويه (10).

و حكى الأولين عنه أنه جاءت خمس مصادر على «فعول» بالفتح: قبول و وضوء و طهور و ولوع و وقود، و حكي مجيئه مصدرا عن الخليل و الأصمعي و الأزهري و غيرهم.

و هو حينئذ مصدر ل«تطهّر» فيكون بمعنى «التطهير» (11) كما نصّ عليه في المغرب و النهاية (12)، و هو ظاهر المفردات و الكشاف و مجمع البيان و الطراز.

____________

(1) سورة الفرقان (35): 48.

(2) في (الف): «آية».

(3) في (د): «أعني».

(4) في (د): «أجلاء».

(5) نقله عنه في مختار الصحاح مادة (طهر).

(6) في (د): «أسبابه».

(7) أساس البلاغة 2/ 86.

(8) القاموس المحيط 2/ 79.

(9) في مجمع البحرين 378/ 3.

(10) و حكاه أيضا في تاج العروس 12/ 447 (طهر) عن سيبويه.

(11) في (د): «التطهّر».

(12) النهاية 3/ 147.