تبصرة الفقهاء - ج2

- الشيخ محمد تقي الرازي المزيد...
591 /
5

[تتمة كتاب الطهارة]

[تتمة باب الثاني في الوضوء]

البحث الثالث في شرائط الوضوء

تبصرة [في اعتبار البدء من الأعلى في الغسلات الثلاث]

يعتبر البدأة من الأعلى في الغسلات الثّلاث على المعروف من المذهب، فلا يجزي النكس و لا الغسل دفعة و لا عرضا.

و المعروف جواز الوجهين في المسحات.

و عن السيّد (1) و الحلّي (2) الخلاف في الموضعين، فجوّز الوجهين في الغسل و أوجبا الإقبال في المسح.

و فصّل ابن سعيد بين غسل الوجه و اليدين (فجوّز الأمرين في الوجه دون اليدين.

و عن جماعة من المتأخّرين القول به في الوجه و الميل إليه في اليدين) (3).

و ظاهر الصدوق (4) عدم الجواز في شيء من الغسلات و المسحات. و كذا يعطي عدم جواز النكس مطلقا.

و فصّل الحلي (5) بين مسح الرأس و الرجلين، فجوّز الوجهين في الأوّل دون الأخير.

____________

(1) الانتصار: 105.

(2) السرائر 1/ 99.

(3) ما بين الهلالين لم ترد إلّا في (د).

(4) الهداية: 79.

(5) السرائر 1/ 100.

6

و يلوح ذلك من الشيخ في التهذيب (1).

و قوّاه في المختلف (2) في مسح الرجلين، ثمّ استوجه البناء على الندب.

و ظاهر إطلاق الشيخ في الاستبصار التفصيل بعكس المذكور حيث خصّ الرواية الدالّة على جواز الوجهين بمسح الرجلين. و الأقوى هو المشهور في الموضعين.

و يدلّ على اعتبار البدأة بالأعلى في الوجه قويّة أبي جرير الرقاشي: «اغسله من أعلى وجهك إلى أسفله بالماء مسحا، و كذلك فامسح الماء على ذراعيك و رأسك و قدميك» (3).

و جهالة أبي جرير و (4) اشتراكه لا يمنع العمل به بعد كون الراوي عنه الحسن بن محبوب الّذي هو من أصحاب الإجماع، مع اعتضاده بالشهرة العظيمة.

و عدم وجوب الخصوصيّة المذكورة فيه بالخصوص لا يقتضي عدم تعين البدأة بالأعلى أيضا لقيام الدليل عليه دون ذلك، و كأنّه بيان لأقل الواجب.

و اتّحاد الصيغة الدالّة عليهما لا يمنع منه بناء على ما تقرّر من ظهور الطلب في الوجوب مع قطع النظر عن خصوصيّة الصيغة كما يشهد به ملاحظة الخطابات العرفيّة.

و اشتمالها على مساواة اليدين و الرجلين في الاكتفاء فيها بمجرد المسح محمول على المبالغة في تقليل صرف الماء كما ورد من الاكتفاء به في الغسل بنحو الدّهن؛ فإنّه محمول على إرادة أقلّ مسمّى الغسل.

و حينئذ فلا منافاة فيها بمجرّد نصّ الكتاب، و ما أجمعت عليه الأصحاب.

و ممّا يدلّ على ذلك أيضا عدّة من المعتبرة المستفيضة الحاكية للوضوء البياني كصحيحة زرارة: «ثمّ غرف ملأها ماء فوضعها على جبينه ثمّ قال: بسم اللّه و سدله على أطراف

____________

(1) انظر تهذيب الأحكام 1/ 58 و 61.

(2) مختلف الشيعة 1/ 293.

(3) بحار الأنوار 77/ 258، ح 4؛ وسائل الشيعة 1/ 28، باب كيفية الوضوء و جملة من أحكامه ح 22.

(4) في (د): «أو».

7

لحيته» (1).

و في صحيحته الأخرى: «فأخذ كفّا من ماء فأسدلها على وجهه من أعلى الوجه» (2) ..

الخبر.

و لا يبعد اتحاد المحكي في الخبرين.

و في روايته الأخرى فيما رواها العياشي مرسلا: «فغرف منها غرفة فصبّها على جبهته فغسل وجهه بها» (3).

مضافا إلى انّه المنساق من عدّة أخرى من الأخبار الواردة في بيان الوضوء كالمشتمل على لفظ الصبّ على الوجه و نحوه.

و القول بأنّ من الجائز أن يكون ابتداءه (عليه السلام) بالأعلى من جهة كونه إحدى جزئيات الغسل مدفوع بأنّ الظاهر من أدلّة وجوب التأسّي معين ما فعله سيّما في مقام البيان، و القول بانتفاء الإجمال في الآية و سائر الإطلاقات ليحتاج إلى البيان يضعّفه أنّ قضيّة وجوب التأسّي تعيين الوجه المذكور، فيقيّد به الإطلاقات، و يكون ذلك شاهدا على انّه المقصود منها.

و يدلّ على اعتباره في اليدين القويّة و مرسلة علي بن ابراهيم في حديث ذكر فيه ابتداء النبوّة و فيها: «فعلّمه جبرئيل (عليه السلام) الوضوء على الوجه و اليدين من المرافق و مسح الرأس و الرجلين إلى الكعبين» (4).

و رواية الهيثم، عن الصادق (عليه السلام) بعد ما سأله عن قوله تعالى فَاغْسِلُوا .. (5)، انتهى:

و توهّم دلالتها على كون الغسل من قبل الأصابع إلى المرافق، فقال (عليه السلام): «ليس هكذا تنزيلها

____________

(1) الكافي 3/ 25، باب صفة الوضوء، ح 4.

(2) الإستبصار 1/ 58، باب النهى عن استعمال الماء الجديد لمسح الرأس و الرجلين، ح (171) 1 و فيه: فأسدلها.

(3) الكافي 3/ 26، باب صفة الوضوء، ح 5.

(4) وسائل الشيعة 1/ 399، باب كيفية الوضوء و جملة من أحكامه، ح 24؛ مستدرك الوسائل 1/ 287، باب أبواب الوضوء، ح 1.

(5) المائدة: 6.

8

إنّما هي فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ من الْمَرٰافِقِ» (1) ثمّ أمرّ يده من مرفقه إلى أصابعه.

و مرسلة العياشي، و فيها بعد الحكم بالاكتفاء بآية المائدة، و قول السائل بعد ذكر الآية فكيف الغسل؟ قال: «هكذا يأخذ الماء بيده اليمنى فيصبّه في اليسرى، ثمّ يصبّه إلى المرفق ثمّ يمسح إلى الكف» (2).

مضافا إلى جملة من الأخبار البيانيّة:

منها: الصحيح: «ثمّ غمس يده اليسرى فغرف بها ملاءها ثمّ وضعه على مرفقه و أمّر بكفّه على ساعده حتّى جرى الماء على أطراف أصابعه» (3).

و ذكر نحوه في اليسرى أيضا.

و في صحيحة الآخرين (4): فغسل بها ذراعه من المرفق إلى الكفّ لا يردّها (5)، ثمّ قال:

«و اصنع باليسرى مثل ما تصنع باليمنى».

و نحوه ما في موثقة الآخرين (6) إلى غير ذلك.

و قد عرفت بما ذكرنا ضعف ما يستند إليه المجوز من إطلاق الآية و جملة من الأخبار من المناقشة في دلالة جملة من الروايات المذكورة على وجوب البدأة بالأعلى، و ضعف إسناد بعضها.

و منه أيضا يتّضح الوجه في التفصيل؛ إذ دلالة الأخبار على لزوم البدأة بالمرافق أوضح منها في الوجه.

و يدلّ على كلّ من الوجهين في مسح الرأس و الرجلين بعد الإطلاقات خصوص

____________

(1) الكافي 3/ 28، باب حد الوجه الذي يغسل و الذراعين و كيف يغسل ح 5.

(2) بحار الأنوار 77/ 283، ح 32 و فيه: ثم يفيضه على المرفق.

(3) الكافي 3/ 25، باب صفة الوضوء، ح 4.

(4) في (د): «الأخوين».

(5) الكافي 3/ 26، باب صفة الوضوء، ح 5.

(6) في (د): «الأخوين».

9

صحيحة حمّاد: «لا بأس بمسح الوضوء مقبلا و مدبرا» (1).

و في خصوص الرجلين صحيحته الأخرى: «لا بأس بمسح القدمين مقبلا و مدبرا» (2).

و الصحيح: عن يونس، أخبرني من رأى أبا الحسن (عليه السلام) بمنى يمسح ظهر قدميه من أعلى القدم إلى الكعب، و من الكعب إلى أعلى القدم، و يقول: «الأمر في مسح الرجلين موسّع من شاء مسح مقبلا و من شاء مدبرا، فإنّه من الأمر الموسّع إن شاء اللّه» (3).

و الاحتجاج للمنع مطلقا بأنّه مع الإقبال مجز إجماعا بخلاف الإدبار، فلا بدّ من العمل بالمتيقّن.

و للمنع في الرأس خاصّة برواية يونس المتقدّمة حيث خصّ التوسّع بمسح الرجلين.

و في الرجلين خاصّة بظاهر الآية و جملة من الأخبار البيانيّة بيّن الضعف، مضافا إلى عدم مقاومتها للنصّ الصحيح المعتضد بالشهرة بين الأصحاب.

و ينبغي التنبيه لأمور:

أحدها: كما يجوز النكس في تمام العضو في المسح يجوز النكس في البعض دون البعض كما هو قضية الإطلاقات.

ثانيها: الظاهر على ما اخترناه من لزوم الغسل من الأعلى إلى الأسفل عدم جواز الغسل (4) عرضا، و إلّا كان ذلك أقرب إلى مراعاة غسل الأعلى فالأعلى في بعض الفروض؛ إذ هو خلاف ظواهر الأخبار الواردة في الوضوءات البيانيّة خلافه، و قد يتأمّل فيه من جهة قضاء الإطلاقات بالجواز و (5) حصول الترتيب في العضو مع عدم صراحة الأخبار في المنع منه (6).

____________

(1) تهذيب الأحكام 1/ 58، باب صفة الوضوء، ح 10.

(2) تهذيب الأحكام 1/ 83، باب صفة الوضوء، ح 66.

(3) الكافي 3/ 31، باب مسح الرأس و القدمين، ح 7.

(4) لم ترد في (ب): «الغسل عرضا ... على الخفّين و النصوص». في الصفحات الآتية.

(5) في (ألف): «الجواز» و لم توجد فيها واو العطف.

(6) في (د): «عنه».

10

و الظاهر في المسح جوازه؛ أخذا بالإطلاقات، و الحكم بالتوسعة فيه في القويّ.

و لا ينافيه ورود جواز الوجهين خاصّة؛ إذ لا دلالة فيه على المنع من غيرهما إلّا أنّ الوقوف عليه هو الأحوط.

ثالثها: إنّ الغسل من الأعلى يتصور على وجوه:

منها: أن يكون غسل كلّ جزء من الأعلى قبل الأسفل ممّا يجاوز أو غيره حقيقة أو عرفا.

منها: أن يكون غسل كلّ جزء من الأعلى قبل ما يحاذيه من الأسفل.

منها: أن يكون البدأة بالأعلى من دون ملاحظة ذلك في سائر الأجزاء.

منها: أن يكون البدأة بالأعلى مع صدق الغسل من الأعلى إلى الأسفل عرفا من دون اعتبار تقدّم غسل كلّ جزء على لا حقه.

و هذا هو الظاهر من الأخبار، و فيما دلّ على المنع عن ردّ الماء دلالة صريحة على عدم جواز النكس في البعض، فالواجب إنّما هو الغسل من الأعلى إلى الأسفل و إن اتّفق غسل شيء من الأسفل قبل أعلاه.

و يدلّ عليه رواية سهل بن اليسع، و قد سأل الرضا (عليه السلام) عن الرجل يبقى من وجهه إذا توضّأ موضع لم يصبه الماء: «إنّه يجزيه أن يبلّه من بعض جسده» (1).

و نحوه مرسلة الصدوق عن الكاظم (عليه السلام).

و عن الشهيد الثاني (2): إنّ المعتبر في الغسل الأعلى فالأعلى، لكن لا حقيقة لتعسّره أو تعذّره، بل عرفا فلا يضرّ المخالفة اليسيرة.

و قال أيضا: و في الاكتفاء بكون كلّ جزء من العضو لا يغسل قبل ما فوقه على خطه و إن غسل قبل ما فوقه على غير جهته وجه وجيه.

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 1/ 59، باب المياه و طهرها و نجاستها ح 133.

(2) نقل هذا الكلام في الحدائق الناضرة 2/ 237 عن السيد السند في شرح الرسالة، و لم أجده منقولا عن الشهيد الثاني، فافحص.

11

و لا يذهب عليك أنّ شيئا من أخبار الباب لا يساعد على (1) شيء من الوجهين المذكورين، و كأنّ الوجه فيه مراعاة الاحتياط بتحصيل اليقين بالفراغ بعد تيقّن الغسل (2).

و لا يخفى ضعفه.

و في المدارك (3): إنّ اقصى ما يستفاد من الأخبار و كلام الأصحاب وجوب البدأة بالأعلى بمعنى صبّ الماء على الوجه و اتباعه بغسل الباقي.

و لا يخلو ذلك عن إجمال، فإن عني به الاكتفاء بمجرّد البداءة بالأعلى و إن غسل الباقي أو بعضه على العكس فهو بيّن الضعف.

و فيه أيضا ما تخيّله بعض القاصرين من عدم جواز غسل الوجه من الأسفل قبل غسل الأعلى و إن لم يكن في سمته (4)، فهو من الخرافات الباردة و الأوهام الفاسدة.

قلت: و هو كما ذكره إلّا أنّ من الغريب ذهاب جدّه إليه كما مرّ.

و يظهر من العلّامة القول به أيضا حيث فصّل في المختلف (5) فيما إذا نسي غسل موضع من الأعضاء فأوجب غسل ذلك الموضع و ما بعده من ذلك العضو على القول بعدم جواز النكس، و الاكتفاء بغسله خاصّة من ذلك العضو على القول بجوازه؛ إذ لو لا بيانه على وجوب مراعاة الأعلى فالأعلى مطلق لما صحّ إطلاقه المذكور، بل ظاهر فهمه ذلك من كلام جميع القائلين بعدم جواز النكس.

و ظاهر بعض متأخري المتأخرين البناء عليه؛ استظهارا لها من الأخبار المشتملة على الوضوءات البيانية، فادّعى بعد ذكر عدّة منها صراحتها في الترتيب في نفس العضو على الوجه المذكور في كلام الشهيد الثاني، قال: و لزوم الحرج في ذلك كما أورده الشهيد على

____________

(1) زيادة: «على» من (د).

(2) في (د): «الشغل».

(3) مدارك الأحكام 1/ 201 و فيه: «صب الماء على أعلى الوجه ثم اتباعه».

(4) في (ألف): «سمه».

(5) مختلف الشيعة 1/ 308.

12

العلّامة غير واضح، و ليس في الأخبار ما يفيد جواز غسل بعض الأجزاء السافلة قبل العالية سواء كانت في سمتها أو لا، غاية بعضها الإطلاق، فيقيّد بما يفيد الترتيب كما هو مقتضى القاعدة.

و لا يذهب عليك- بعد ما عرفت- و هن ذلك كلّه، بل دعوى دلالة الأخبار عليه و انتفاء الحرج فيه من الغرائب كما لا يخفى.

13

تبصرة [في اعتبار المباشرة في الأفعال]

اتفقت كلمة الأصحاب على اعتبار المباشرة في أفعال الوضوء. و يعزى إلى الإسكافي في عبارة يوهم عدم اعتباره ذلك حيث عدّ من المندوب أن لا يشرك الإنسان في وضوئه غيره بأن (1) يوضّيه أو يعينه.

فإن ثبت خلافه في ذلك فهو شاذّ ضعيف.

و يدلّ على اعتبار المباشرة بعد الإجماع- محصلا و منقولا في الانتصار و غيره- أنّه ظاهر الأوامر الواردة المتوجّه إلى المكلّف، و قيام فعل الغير مقام فعله خلاف الأصل، بل مخالف لقضيّة كونه عبادة؛ إذ حصول العبوديّة بشيء إنّما يكون بمباشرة العبد إيّاه، مضافا إلى ظواهر جملة من الأخبار كقول الرضا (عليه السلام) و قد دخل على المأمون و هو يتوضّأ للصلاة و الغلام يصبّ على يده الماء: «لا تشرك يا أمير المؤمنين بعبادة ربّك أحدا»، فصرف المأمون الغلام و تولّى تمام الوضوء بنفسه.

و قد ورد في عدّة أخبار مرجوحيّة أن يشرك أحدا في وضوئه.

و في بعضها الاستدلال بالآية الشريفة إلّا أنّ الاحتجاج بها كذلك (2) لذلك لا يخلو من خفاء كما سيأتي القول فيه في المكروهات.

ثمّ إنّ الواجب هو مباشرة نفس الأفعال، و أمّا مقدّماتها كإحضار الماء و الصبّ على العضو إذا اعتبر الغسل بإمرار اليد عليه فلا مانع منه.

نعم، يكره ذلك في المقدمات القريبة كما يأتي القول فيه إن شاء اللّه.

____________

(1) في (ألف): «أن».

(2) لم ترد في (د): «كذلك».

14

هذا كلّه مع الاختيار، أمّا مع عدم التمكّن من المباشرة فلا بدّ من تولية الغير كما سيأتي القول فيه عند بيان الوضوء الاضطراري.

هذا، و لا يعتبر المباشرة باليد في شيء من الغسلات، بل المقصود حصول مسمّى الغسل كيف ما اتّفق. و ربما خالف فيه شذوذ من الأصحاب، و قد مرّت الاشارة إليه.

و أمّا في المسحات فيعتبر مباشرة الماسح للممسوح، فلا يجزي المسح بالحائل، و لا عليه بلا خلاف فيه.

و منه المسح على الخفّين، و النصوص (1) بالمنع عنه بالخصوص مستفيضة، بل الظاهر أنّه من ضروريات المذهب.

نعم، لو لم يتمكّن من نزعه جاز المسح عليه، و ربّما تأمّل فيه بعض الأصحاب. و هو ضعيف كما يأتي الكلام فيه إن شاء اللّه.

ثمّ إنّ المذكور في كلام جماعة من الأصحاب لزوم المسح على بشرة الرجلين، و قد يفيد ذلك عدم الاكتفاء بالمسح على الشعر المختصّ بها لو نبت عليها شعر حاجب و إن جاز ذلك بالنسبة إلى مسح الرأس.

و قد نصّ الشهيد الثاني بذلك مبدأ للفرق بينهما، و ذكر أنّ قضية المسح بالرأس و الرجلين هو المسح على بشرتهما؛ إذ لا يعد الشعر منهما.

و قد دلّ الرواية في الرأس على جواز المسح على الشعر، مضافا إلى قيام الضرورة عليه بخلاف الرجلين.

قلت: و القول بعدم الاكتفاء أيضا لا يخلو من إشكال، و لا (2) بعد في صدق المسح على اسم الرجل بالمسح على الشعر المختصّ بها، كيف و قد أطبقوا على وجوب غسل الشعر في اليدين معلّلين باندراجه في المتعارف.

مضافا إلى استصحاب بقاء الشغل، و قد يجعل ذلك وجها في تخصيصهم المسح فيهما

____________

(1) إلى هنا سقط في (ب).

(2) في (د): «إذ لا» بدل «و لا».

15

بالبشرة، فلا يستفاد من كلماتهم المنع من المسح على الشعر.

و كيف كان، فمع البناء على عدم الاكتفاء بمسح ظاهر الشعر لا يكتفي أيضا بتخليله بحيث تصل الرطوبة إلى البشرة؛ لعدم حصول المباشرة المعتبرة.

16

تبصرة [في مراعاة الترتيب]

لا خلاف بين علمائنا في وجوب مراعاة الترتيب في أفعال الوضوء سوى بين القدمين و اشتراطه في صحّته.

و يدلّ عليه بعد الإجماع محصّلا و منقولا عدّة من الأخبار المعتبرة القوليّة و الفعليّة، فلو خالف الترتيب عمدا أو سهوا أو جهلا وجب عليه الرجوع بما يحصل معه الترتيب إلّا أن يجيء هناك مفسد كفوات الموالاة أو عزوب النيّة كما إذا قدّم اليمين على غسل الوجه، فعزبت عنه النيّة حين غسله، فإنّه لا يكتفي إذن بغسله بناء على اعتبار الإخطار، فيكفي إذن تغسيله ما حقّه التأخير خاصّة كما نصّ عليه الفاضلان و جماعة.

و ربّما يقال بلزوم اعادة الأمرين لوقوعه كذلك في غير محلّه، و لظاهر غير واحد من الأخبار كالموثق: «إن نسيت فغسلت ذراعك قبل وجهك (1) ثمّ اغسل ذراعك» (2).

و هو ضعيف جدّا؛ إذ لا مقتضي لإعادة ما حقّه التقديم.

و في البحار (3) بعد ذكر هذا الاحتمال: و لا يخفى وهنه. و الرواية المذكورة و ما بمعناها ليست صريحة في ذلك، مضافا إلى الموثق: «إذا بدأت بيسارك قبل يمينك و مسحت رأسك و رجليك ثمّ استيقنت أنّك بدأت بها غسلت يسارك ثمّ مسحت رأسك و رجليك» (4).

و هي أصرح دلالة ممّا يخالفها.

____________

(1) زيادة في (د): «فأعد غسل وجهك».

(2) الكافي 3/ 35، باب الشك في الوضوء و من نسيه أو قدم أو أخر، ح 6.

(3) بحار الأنوار 77/ 263.

(4) وسائل الشيعة 1/ 454، باب وجوب الإعادة على ما يحصل معه الترتيب، ح 14.

17

و عن ظاهر التحرير (1) لزوم إعادة الوضوء من رأس و إن لم يخف (2).

و هو إن حمل على ظاهره غريب.

و قد يعلّل بفوات الموالاة بمعنى المتابعة. و يردّ أنّها ليست شرطا في الصحة عندهم كما سيجيء.

و ربّما يحمل على صورة قصده الوضوء كذلك؛ إذ لا يبعد البناء فيه على الفساد مطلقا؛ لعدم مشروعيّة المقصود.

و قد يقال بلزوم إعادة كلّ من المقدم و المؤخر مع تعمّد المخالفة؛ لعدم استدامة النيّة. و هو قوي.

و من الغريب تفصيله في التذكرة (3) بين العمد و السهو، فحكم بالصحّة في الأوّل مع عدم الجفاف، فيعود إلى ما يحصل به الترتيب، و حكم بالفساد في الأخير مع أنّ حكمه بعكس ذلك أولى، و إن كان إطلاق الفساد فاسدا فيه أيضا كما عرفت.

و لو غسل الأعضاء فقد صحّ غسل وجهه إن لم يجعل في نواه خصوص تلك الأفعال المتقاربة، و إلّا فسد مع العمد.

و كذا مع السهو وجه قويّ.

و أطلق في التذكرة صحّة غسل الوجه. و لا يبعد حمله على ما قلناها.

هذا، و أمّا القدمان ففي اعتبار الترتيب بينهما خلاف بين الأصحاب، فالأكثر على عدم اعتباره مطلقا. و حكاية الشهرة عليه مستفيضة في كلماتهم، و (4) لا يخلو من وجه قوّة.

و ذهب بعضهم إلى اعتبار الترتيب بينهما، و عزي إلى الصدوقين و الإسكافي و الديلمي و جماعة من المتأخرين. و فصّل بعضهم: فمنع من تقدّم اليسار على اليمين خاصّة و جوّز

____________

(1) كما في (د)، و في (ألف) و (ب): «المبسوط»، بدلا من «ظاهر التحرير».

(2) تحرير الأحكام 1/ 74.

(3) تذكرة الفقهاء 1/ 188.

(4) زيادة الواو من (د).

18

الوجهين الآخرين.

حجّة الأوّل: إطلاق الكتاب و معظم الأخبار المبيّنة للوضوء سيّما الحاكية للبناء الفعليّة مع التصريح فيها بمراعاة الترتيب بين سائر الأعضاء سوى القدمين، فإن ذلك كالصريح في عدم اعتبار الترتيب بينهما. كيف لو وجب ذلك لاعتبره الإمام في البيان، و لزم حكاية الراوي لها كذلك، فإطباق الروايات الحاكية إليها كذلك على عدمه صريح في عدمه.

مضافا إلى اعتضاده بالأصل و الشهرة.

و يدلّ على الثاني خصوص الصحيح: «امسح على القدمين و ابدء بالشقّ الأيمن» (1).

و إطلاق الخبر: «إذا توضأ أحدكم للصلاة فليبدأ باليمين قبل الشمال جسده».

(2) و في رواية أخرى أنّه (عليه السلام) كان إذا توضّأ بدأ بميامنه (3)، أيضا.

مضافا إلى اعتضادها بالاحتياط في تحصيل اليقين بالفراغ سيّما مع القول بكون العبادات اسامي للصحيحة.

و فيه: أنّ شيئا من الأخبار المذكورة ليس صريحا في الوجوب، فليحمل على الندب (4)، مضافا إلى ما في الأخيرين من الإطلاق و الضعف في الإسناد، و لا معوّل على الاحتياط بعد قضاء الأدلّة بالجواز.

و قد يقال: إنّ ما استدلّ به على عدم الترتيب مطلقة و الصحيحة المذكورة مقيّدة، فلا بدّ من حملها عليها.

قلت: مساق تلك الأخبار يأبى عن الحمل المذكور، بل هي بمنزلة النصوص على عدم اعتبار الترتيب سيّما مع اعتضادها بفهم الأكثر، و إعراضهم عن العمل بظاهر الصحيحة، فالبناء على وجوب الترتيب بينهما بمجرّد ذلك مشكل جدا إلّا أنّ الاحتياط في أمثال هذه

____________

(1) الكافي 3/ 29، باب مسح الرأس و القدمين ح 2.

(2) وسائل الشيعة 1/ 450، باب وجوب الترتيب في الوضوء و جواز مسح الرجلين معا ح 4.

(3) الأمالي للطوسي: 387.

(4) زيادة في (د): «لظاهر تلك الأخبار».

19

المقامات ممّا لا ينبغي تركه.

حجّة الثالث: مكاتبة الحميري المرويّة في الاحتجاج عن القائم (عليه السلام)، و قد سأله عن البدأة باليمنى في المسح على الرجلين أو أنّه يمسحهما جميعا؟: «فإن بدأ بأحدهما قبل الاخرى فلا يبدأ إلّا باليمين» (1).

و فيه ضعف الإسناد مع انتفاء الجائز، فلا ينهض حجّة على أنّه يمكن حملها على الاستحباب جمعا.

و أنت خبير بأنّ ما دلّ عليه من جواز المعيّة في المسح مجبور بفتوى الأصحاب، فينهض دليلا عليه.

و حينئذ يتعارض الصحيحة المتقدّمة الآمرة بتقديم الأيمن، فيتعيّن حملها على الندب، و ما دلّ عليه من عدم جواز تقديم اليسار غير منجبر، فلا يقوم حجّة على المنع فيه. و حينئذ فلا دليل على عدم جوازه بعد حمل الصحيحة على الندب (2).

____________

(1) بحار الأنوار 77/ 263، باب وجوب الوضوء و كيفيته و أحكام، ح 11.

(2) زيادة في (د): «فتأمّل».

20

تبصرة [في اشتراط الموالاة]

لا خلاف بين الأصحاب في اشتراط الوضوء بالموالاة، و اختلفوا في تفسيرها مع إطباقهم على اعتبار عدم تأخير الفعل اللاحق بحيث يجفّ ما أتى به من السابق، فقيل: إنّ ذلك هو الموالاة المعتبرة بمعنى أن يكون تلبّسه باللاحق مع بقاء الرطوبة في السابق عليه، و حكي الشهرة في كلام جماعة.

و ذهب الشيخ (1) و جماعة منهم العلّامة في جملة من كتبه أنّها المتابعة بين الأفعال بحيث يشتغل بكلّ فعل منها عقيب فراغه من الآخر مع اعتبار عدم جفاف العضو السابق أيضا.

و المعتبر في الصحّة إنّما هو الثاني دون الأوّل فلا يترتّب على مخالفته سوى العصيان على ما حكى بعض الأجلاء الشهرة عليه بين هؤلاء.

و ممّن نصّ عليه العلّامة في النهاية (2) و غيرها.

و عن ظاهر المبسوط (3) فساد العمل بفوته مع الاختيار كما هو قضية الاعتبار.

و في البيان (4) مع (5) تفسيره الموالاة لمراعاة الجفاف: نعم، لو أفرط في التأخير عن المعتاد فالأقرب التحريم، أمّا البطلان فلا إلّا مع الجفاف، قال: و مع العذر لا تحريم.

و ذكر نحوه أيضا في الدروس (6).

____________

(1) الخلاف 1/ 96.

(2) نهاية الإحكام 1/ 46.

(3) المبسوط 1/ 22.

(4) البيان: 10.

(5) في (د): «بعد».

(6) الدروس 1/ 93.

21

و ظاهر ذلك موافقة أولئك في اعتبار الموالاة بالمعنى الثاني أيضا لكن لا على نحو ما ذكروه. و ظاهر الصدوقين الاكتفاء بأحد الأمرين من مراعاة الجفاف و المتابعة العرفية.

و اختاره بعض محقّقي المتأخرين، و عزي إلى جملة من متأخري المتأخرين الميل إليه.

و عن بعض الأفاضل اعتبار الموالاة بالمعنيين. و هو كما نصّ عليه بعض المحقّقين راجع إلى القول الثاني.

و الأظهر هو الأول للصحيح: ربّما توضّأت فنفذ الماء فدعوت الجارية فأبطأت عليّ فيجف وضوئي، فقال: «اعد» (1).

و الموثق: «إذا توضّأت بعض وضوئك فعرضت لك حاجة حتّى ينشف وضوؤك فأعد وضوءك فإنّ الوضوء لا يبعّض» (2)؛ إذ ظاهر إطلاقهما إناطة الإعادة على الجفاف لعدم ظهور الفرض المذكور فيهما في حصول التفريق عرفا؛ إذ مجرّد الإبطاء و طروّ الحاجة أعمّ منه، و فرض الجفاف لا يقتضيه؛ لاختلافه باختلاف الأحوال و كثرة استعمال الماء و قلّته، و سرعة إيصال الماء إلى أجزاء العضو و بطوئه.

و يعضده فهم الجمهور، مضافا إلى التعليل المذكور في الأخير؛ إذ ظاهره عدم الاكتفاء بالأفعال الباقية بعد جفاف السابقة.

و كأنّ الوجه في عدّه تبعيضا تنزيل الجفاف منزلة انعدام الغسل.

و حمله عن النهي عن التفريق بإرادته من لفظ التبعيض مع بعده في المقام موهون بأنّ ما يدلّ عليه الرواية إذن استناد الفساد إلى انتفاء التتابع دون طروّ الجفاف، و هم لا يقولون به كما عرفت.

و يؤيّد ما قلناه أنّه قضية الأصل، فإنّ ظواهر الإطلاقات جواز الإتيان بالغسلات كيفما اتفقت خرج عنه صورة الجفاف بالنصّ و الإجماع، فيبقى الباقي مندرجا في الإطلاق.

و هذا كما ترى إنّما يقوم حجّة على من يقول باعتبار التتابع بالخصوص دون من تخيّر بينه

____________

(1) الكافي 3/ 35، باب الشك في الوضوء و من نسيه أو قدم أو أخر، ح 8.

(2) الكافي 3/ 35، باب الشك في الوضوء و من نسيه أو قدم أو أخر، ح 7.

22

و بين الجفاف، بل قضيّة الأصل فيه بالعكس إلّا أنّ ظاهر النص مع اعتضاده بفهم الأكثر كما عرفت يعطي خلافه.

و ما قد يقال من أن حصول التتابع و الوضوءات البيانيّة قاض بوجوبه من جهة التأسي مدفوع بأنّ قضية ذلك فساد العمل بدونه؛ لكونه إذن من الكيفيّات المعتبرة فيه، و هو خلاف المعروف بين القائلين به كما مرّ إلّا أن يقال بثبوت الوجوب بذلك خاصّة؛ نظرا إلى قيام الدليل على صحّة الوضوء مع بقاء الرطوبة كما في الصحيحة المذكورة.

و فيه أيضا تأمّل.

و ثانيا بأنّ التفريق بين الغسلات من الأمور الحاصلة بسبب طروّ العوارض، فليست المتابعة في مثله عند البيان إلّا من مقتضيات العادات كأخذ الماء بالكفّ و ايصاله إلى تمام العضو بإمرار اليد، فإن اختياره غالبا من جهة السهولة أو (1) قلّة صرف الماء.

و بذلك يظهر ضعف الاستناد إلى تلك الأخبار في وجوب شيء من تلك الخصوصيّات كما توهّمه البعض.

و بما ذكرنا عرف ضعف ما قد يستند إليه القائل (2) بالاكتفاء بأحد الأمرين لاستناده إلى الإطلاقات بعد ادعائه أنّ غاية ما يدلّ عليه الخبران هو الفساد مع انتفاء الأمرين.

و قد عرفت ما يكشف عن فساده.

و استدلّ أيضا لاعتبار التتابع بالمستفيضة الدالّة على وجوب المتابعة بين أفعال الوضوء كالصحيح: «تابع بين الوضوء كما قال اللّه ..» (3) الخبر.

و صحيحة أخرى: «اتبع وضوئك بعضه بعضا» (4).

و يدفعه أنّ المتابعة فيها مجملة، و يحتمل أن يراد بها الترتيب دون المعاقبة العرفيّة في

____________

(1) في (د): «و».

(2) زيادة في (ب): «باعتبار التتابع من الاحتياط و الرجوع إلى الأخبار البائنة و كذا ما استند إليه القائل».

(3) الكافي 3/ 34، باب الشك في الوضوء و من نسيه أو قدم أو أخر، ح 5.

(4) الكافي 3/ 34، باب الشك في الوضوء و من نسيه أو قدم أو أخر، ح 4.

23

الصحيحين المذكورين ما يشير إلى إرادته، فمع الغضّ عن ظهورها فيه في المقام لا أقلّ من حصول الاحتمال الّذي يبطل به الاستدلال.

[تنبيهات]

و لا بدّ من التنبيه على أمور:

أحدها: هل المدار على بقاء الرطوبة في جميع أعضاء السابقة أو تمام عضو منها أو يكتفى ببقائها في شيء منها؟

وجوه بل أقوال؛ أقواها الأخير.

و هو ظاهر المشهور لظاهر الأخبار، و الأوّل يحكى عن الإسكافي، و الثاني عن السيّد و الحلي.

و مستندهما غير واضح. و كأنّه لاستظهارهما من الأخبار أو مراعاة الاحتياط مع الشكّ في مدلولها.

و فيه ما لا يخفى.

ثانيها: المدار في الموالاة على عدم جفاف جميع الوضوء قبل كماله

كما هو ظاهر الروايتين المذكورتين، فلو جفّ تمام العضو السابق قبل إكمال اللّاحق لم يضرّ مع بقاء الرطوبة في شيء من القدر المغسول من ذلك العضو.

ثالثها (1): المحكي عن كثير من الأصحاب تقييد الجفاف بكونه في الهواء المعتدل،

و ظاهر ذلك يوهم انتفاء الفساد بالجفاف أنّ المستند إلى الجزء الخارج عن المعتاد و إن أمكنه بقاء الرطوبة و حصوله مع بقاء الرطوبة في الهواء البارد الرطب.

و هو خروج عن مقتضى الأدلّة في الصورتين؛ إذ الظاهر منها إناطة الفساد بطروّ الجفاف فيدور (2) مداره وجودا و عدما، فلا وجه للصحّة مع حصوله و لا للفساد مع عدمه.

و تقدير بقاء الرطوبة و زوالها في الصورتين لا دليل على اعتباره، مضافا على اختلاف

____________

(1) زيادة «ثالثها» من (د).

(2) في (ألف): «يدور».

24

الأحوال و الفصول و الأمصار في ذلك.

و ليس هناك غالب لينصرف إليه الإطلاق، و الرجوع إلى المعتدل لا دليل عليه.

و ظاهر الشهيد في الذكرى (1) التفصيل بين الصورتين، فحكم بفساد التقدير مع بقاء الرطوبة دون ما إذا حصل الجفاف في الحرّ الشديد، فحكم فيه بالصحّة أيضا.

و كأنّ الوجه فيه انصراف ما دلّ على الفساد مع الجفاف إلى الغالب المعتاد، و لا يقضي ذلك الفساد مع حصوله بالعارض، و لا مع انتفائه كذلك. و قضية الأصل فيهما الصحّة.

و فيه ما عرفت.

ثمّ إنّه يستثنى من الأول صورة الاضطرار كما سيجيء القول فيه، و من الثاني ما إذا حصل الفصل الطويل بين أبعاضه بحيث لا يصدق معه اسم الوضوء في عرف المتشرّعة؛ إذ لا أقلّ من الشكّ في شمول الأدلّة لمثله. و لا يبعد حمل كلام الأصحاب عليه، فيكون مقصودهم من البعد (2) اخراج مثل ذلك لو جفّ الرطوبة في العضو السابق؛ لفرط الحرارة أو قلّة الماء مع عدم المندوحة به، فالأظهر الصحّة؛ أخذا بالإطلاقات مع عدم قيام دليل على عموم الاشتراط بحيث يشمل ذلك.

و لا فرق بين كون الجفاف لفرط الحرّ في الهواء أو (3) في العضو غير ذلك، و لو كان من جهة اضطرار إلى التأخير كبطء نبع الماء فيه وجهان؛ كان أوجههما المنع، و الأحوط الجمع بينه و بين التيمّم.

و لو كان المانع من خارج كظالم يمنعه من التتابع، فالأظهر الفساد، [و] هل يجب التأخير إلى آخر الوقت لو أمكن مراعاة الشرط؟ فيه وجهان.

و لو تمكّن من إبقاء الرطوبة بصبّ الماء الجديد على العضو السابق احتمل قويّا وجوبه.

____________

(1) الذكرى: 91.

(2) في (د): «العبد».

(3) زيادة «أو» من (د).

25

تبصرة [في اشتراط طهورية ماء الوضوء]

يشترط أن يكون ماء الوضوء طهورا، بلا خلاف فيه بين الأصحاب، فلا يصحّ الوضوء بالماء النجس إجماعا.

و يدلّ عليه بعد ذلك النصوص المستفيضة الناهية عن الوضوء بجملة من المياه النجسة، و في بعضها تعقيب الحكم بالمنع من الوضوء للحكم بالنجاسة.

و في الخبر: «فإن اللّه تعالى فرض الوضوء على عباده بالماء الطاهر و كذلك الغسل من الجنابة» (1).

و هل الطهارة و النجاسة صفتان واقعيتان للأشياء أو أنّهما منوطان بعلم المكلّف بالنجاسة و جهله؟- فيكون الطاهر الواقعي ما حكم الشرع بطهارته و النجس كذلك ما حكم بنجاسته- وجهان، ظاهر جمهور الأصحاب و صريح جماعة منهم هو الأوّل.

و الثاني مختار جماعة من المتأخرين.

و يتفرع على الأوّل لزوم إعادة الصلاة و قضائها لو تبيّن نجاسة الماء كما هو المشهور بين الأصحاب، و على الثاني فلا قضاء و لا إعادة على القاعدة.

و لذا ذهب غير واحد من المتأخرين إلى سقوطهما.

و عن ظاهر الإسكافي و الشيخ و صريح القاضي سقوط القضاء دون الاعادة. و كأنّه من جهة بعض الروايات.

و الأقوى هو الأوّل؛ إذ الظاهر بعد الرجوع إلى عرف المتشرعة المأخوذ من بيان الشرع

____________

(1) وسائل الشيعة 1/ 483، باب اشتراط طهارة الماء في الوضوء و الغسل .. ح 1.

26

أنّ الطهارة و النجاسة صفتان واقعيتان للأشياء لا يناط حصولهما بالعلم و الجهل بحيث يكون مجهول النجاسة (1) طاهرا واقعيا، و لذا يصحّ تعلّق كلّ من العلم و الجهل بكلّ منهما، و قد ورد ذلك أيضا في الأخبار.

و يدلّ على ما قلناه من الأخبار كالمستفيضة القريبة من التواتر الواردة في الكر و صحيحة ابن بزيع (2) في البئر و صحيحة معاوية بن عمّار (3) فيها، و فيها: «فإن أنتن غسل الثوب و أعاد الصلاة» (4)، و عدة من الأخبار الواردة الدالّة على نجاسة القليل كالمستفيضة الدالّة على نجاسة الماء بإدخال الجنب يده القذرة في الماء (5).

و صحيحة علي بن جعفر الدالّة على عدم صلاحية الوضوء من إناء قطر فيه قطرة من دم الرعاف.

إلى غير ذلك ممّا يقف عليه المتتبّع.

كيف، و لو كان قبل العلم بنجاسته طاهرا واقعيا لزم عدم الحكم بنجاسة ملاقيه حينئذ، و إن تيقّن نجاسته بعد ذلك لملاقاته الطاهر حال الجهل فلا تنجس به، و بعد لا ملاقاة يوجب التنجيس.

و قد يستدلّ له أيضا بجملة من الأخبار الناهية عن الوضوء بجملة من المياه النجسة كقوله (عليه السلام): «إذا تغيّر الماء و تغيّر الطعم فلا توضّأ و لا تشرب» (6).

و قوله (عليه السلام) في الكلب أنّه «رجس نجس لا يتوضأ بفضله» (7).

و أورد عليه أنّ ذلك لا يتمّ في الجاهل؛ لامتناع توجّه الخطاب إليه، فلا يفيد ما هو

____________

(1) في (د): «المجهول نجاسته» بدل «مجهول النجاسة».

(2) تهذيب الأحكام 1/ 232، باب تطهير المياه من النجاسات ح 7.

(3) الإستبصار 1/ 31، باب البئر يقع فيها ما يغير أحد أوصاف الماء .. ح 2.

(4) تهذيب الأحكام 1/ 232، باب تطهير المياه من النجاسات، ح 1.

(5) انظر وسائل الشيعة 2/ 266 باب جواز ادخال الجنب يده في الماء قبل الغسل المستحبة.

(6) الكافي 3/ 4، باب ماء الذي تكون فيه قلة و الماء الذي في الجيف، ح 3.

(7) الإستبصار 1/ 19، باب حكم الماء إذا ولغ فيه الكلب ح (40) 2.

27

المقصود من ثبوت الفساد بالنسبة إليه.

و يدفعه أولا: أنّه ليس المقصود من تلك النواهي مجرّد الحرمة، بل المقصود منها بمقتضى المقام فساد الوضوء فلا تختلف فيه الحال بالنسبة إلى العالم و الجاهل.

و ثانيا: أنّه إذا كان الحكم الواقعي فيه المنع من الوضوء فلا يقع فيه البراءة الواقعيّة، فيكون فاسدا، فيجب قضاؤه بعد كشف الحال.

و دعوى معذورية الجاهل- كما حقّق في محلّه- ممّا لا دخل له في ذلك؛ إذ قضية ذلك رفع الإثم و العقاب، لا صحّة الفعل و سقوط القضاء.

نعم، إذا كان الفساد من جهة منع الشارع و تحريمه كما في المغصوب صحّ الفعل مع الجهل؛ لارتفاع جهة المنع. و هو الفارق بين المقامين.

كيف و لو كان الجهل مصحّحا للفعل لزم بقوله (1) بصحة الوضوء إذا كان جاهلا بحكم النجاسة.

و الظاهر أنّه لا تأمّل لأحد في فساده و لزوم الإعادة.

و توهّم العموم في معذورية الجاهل فاسد كما حقّق في محلّه.

و ما قد يقال من أنّ ظاهر ما ورد من أنّ «كلّ شيء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر فإذا علمت فقد قذر» (2)، «فإنّ الماء كلّه طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» (3) قاض بحصول الطهارة الواقعيّة و إن حصل هناك ملاقاة للنجاسة بحسب الواقع واضح الفساد؛ إذ من البيّن أنّ الروايتين مسوقتان لإثبات الأحكام الظاهريّة، و بيان الطريق الشرعي إلى الواقع.

فالمقصود منهما بيان أصالة الطهارة حتّى يتبيّن المخرج، لا بيان ما هو ظاهر في الواقع، و مساق الروايتين صريحة في ذلك، مضافا إلى فهم الأصحاب.

و يومي إليه تعلّق العلم بالقذارة، و لو كان العلم مأخوذا في معناها لما صحّ تعلّق العلم بها

____________

(1) في (د): «القول».

(2) تهذيب الأحكام 1/ 285، باب تطهير الثياب و غيرها من النجاسات ح 119.

(3) الكافي 3/ 1، باب طهور الماء ح 2 و 3.

28

إلّا على نحو من المجاز، فحينئذ لا يزيد ذلك على جعل اليقين طريقا في معرفة سائر الأشياء، فكما أنّه بعد كشف الخلاف في اليقينيّات لا يكون المأتيّ به عين الواقع فكذا في المقام، و هو ظاهر.

29

تبصرة [في اشتراط جواز التصرف في الماء]

من الشرائط جواز تصرّفه في الماء بكونه مملوكا له أو مأذونا فيه من مالكه أو مباحا بلا خلاف فيه بين الأصحاب، فلا يصحّ الوضوء بالمغصوب؛ لعدم إمكان التقرّب بالمحرّم و يأتي على قول من يجوّز اجتماع الأمر و النهي من جهتين صحّة الوضوء به، لاختلاف الجهة إلّا أنّ ظاهرهم الإطباق على المنع في المقام.

و كأنّه لقيام الإجماع عليه.

و لو انحصر في المغصوب فعلى قولهم أيضا يجب الحكم بالفساد؛ لسقوط التكليف معه بالوضوء، فيتعيّن عليه التيمّم.

ثمّ إنّ فساد الوضوء بالمغصوب مع العلم بالغصب و الحكم ظاهر، و كذا مع الجهل بالفساد مطلقا أو بالحرمة مع استشعاره للمسألة و تردّده في الحكم.

و أمّا مع الجهل و الغفلة المطلقة من الحكم فالظاهر عدم التأمّل في الصحة لجواز التصرّف إذن؛ نظرا إلى قبح تكليف الغافل. و لتحقيق الكلام فيه مقام آخر.

و لو كان جاهلا بموضوع الغصب فلا تأمّل في الصحّة لانتفاء الحرمة معه، فلا مانع.

كما أنّه لا تأمّل في الفساد مع عدم كونه مغصوبا في الواقع إذا اعتقد مغصوبيّته، و كذا مع جهله بجواز تصرفه فيه، و إن كان ممّا يجوز له.

و قد يستشكل في الصحّة مع الجهل بالغصب؛ إذ قضيّة حرمة الغصب (1) واقعا إيجاب الوضوء بغيره في الواقع، فإذا تبيّن كونه مغصوبا ظهر كون المأتي به غير (2) المأمور به، فيكشف

____________

(1) لم ترد في (ب): «إذ قضيّة حرمة الغصب».

(2) في (ألف): «بغير».

30

عن عدم حصول البراءة كما هو الشأن في انكشاف النجاسة.

و يدفعه أنّ انكشاف المغصوبيّة و إن دلّ على منع التصرّف فيه واقعا و عدم موافقة الظاهر فيه للواقع، أمّا بالنسبة إلى الوضوء فالظاهر الصحّة الواقعيّة؛ إذ قضية الإطلاقات صحّة الوضوء بأيّ ماء كان خروج عنه ما كلّفنا بعدم التصرّف فيه في الظاهر، سواء كان هناك منع واقعي أو لا؛ لما عرفت من كون المانع منه التكليف بعدم التصرف المانع من إمكان التقرّب.

و الفرق بينه و بين النجس ظاهر؛ إذ ليس الفساد فيه من جهة الحرمة، بل بسبب اشتراط الطهارة في الصحّة، فالكشف عن انتفاء الشرط كاشف عن عدم المشروط.

و قد مرّ الإشارة إليه.

و لو كان جهله لموضوع (1) الغصب ناشئا عن الجهل بحكمه كما إذا توهّم سلطان الوالد على مال الولد جرى فيه حكم الجهل بالحكم.

و لو نسي كونه مغصوبا فالأقوى الصحة؛ لارتفاع المنع وفاقا لجماعة من المحققين منهم الشهيدان و المحقّق الكركي. و اختار الفاضل فساد الوضوء معه. و كأنّه لتسبّب النسيان عن التسامح في أمر الشرع.

و هو كما ترى.

نعم، لو بنى على استعمال المغصوب من غير تحرّز فاتّفق النسيان حال الفعل احتمل القول بالفساد إجراء عليه حكم العمد؛ نظرا إلى إجراء حكم العمد عليه في العرف كما في إجراء حكم العبادة مع الاستدامة الحكميّة و إن غفل العامل من عمله.

و قد يحمل عليه كلام الفاضل، و لو نسي الحكم فهو بمنزلة الجاهل به، فيجري التفصيل المذكور.

و ظاهرهم فيه البناء على الفساد.

و يمكن حمله على ما قلناه بمنزلة إذن المالك شهادة الحال برضاه.

____________

(1) في (ألف): «الموضوع» بدل: «جهله لموضوع».

31

و يعتبر حصول العلم العادي برضاء المالك، فلا عبرة بمجرّد الظن إلّا أن يكون من أحد الظنون المعتبرة، و الظاهر جواز الوضوء بالمياه الجارية و القنوات الطاهرة و العيون الواقفة و الأراضي المتّسعة لا لما توهّم من شهادة الحال من المالك بالإذن؛ لعدم حصول القطع به أولا؛ و باحتمال كونه للصغير أو المجنون أو كونه وقفا على الجهة المخصوصة و المنافية لذلك ثانيا؛ بل من جهة إذن الشارع الذي هو مالك الأصل لقيام السيرة القاطعة بين المسلمين من قديم الدهر إلى الآن عليه.

و حيث إنّ الأصل فيه المنع فيجب فيه إذن الشرع يبنى على المنع كما إذا صرّح المالك بالمنع أو كان التصرّف فيه بحيث يوجب إضرار المالك أو كان المتصرّف غاصبا لذلك الماء.

و أمّا إذا كان عدوّا فالأظهر عدم المنع إلّا مع العلم بالكراهة، و في إلحاق الشيء بالعين إشكال، و قضية الأصل فيه المنع.

32

تبصرة [في اشتراط إباحة المكان]

من شرائطه اباحة المكان بمعنى الفضاء الّذي يقع فيه الغسلات و المسحات؛ إذ مع عدم جواز التصرّف فيه لا يصحّ التقرّب بشيء من الأعمال الواقعة فيه على نحو ما مرّ.

و هو أيضا مبنيّ على ما هو التحقيق من عدم جواز اجتماع الأمر و النهي كما أطبق عليه الأصحاب.

و يأتي على القول الآخر صحّة الوضوء لكن مع عدم انحصار المكان الذي يتمكّن فيه من الوضوء في المغصوب، و إلّا لم يصحّ أيضا لانتقال الحكم معه إلى التيمّم.

و ممّا ذكرنا يظهر ضعف ما ذهب إليه المحقّق من قطعه بعدم اشتراط اباحته (1) مع قطعه بعدم جواز اجتماعهما، و يجري في صورة الجهل بالحكم و الموضوع أو نسيانهما ما مرّ.

و حكم الأراضي المتّسعة ما ذكرناه.

و أمّا إباحة الموقف و غيره ممّا لا يقع فيه أفعال الوضوء فالظاهر عدم اعتبارها إن لم يستلزم أفعال الوضوء تصرّفا فيه، و إلّا فيقوى فيه الفساد كما إذا كان في يده خاتم مغصوب و نحو ذلك.

و كذا الكلام في مصبّ الماء، فإنّ سبب الوضوء سقوط الغسالة عنه كان بحكم غصب المكان إلّا أن يكون بانيا حال الفعل على منعه عن الإعذار إليه، فعدل عنه بعد حصول الغسل؛ لانتفاء العصيان حين الفعل.

و أمّا الآنية ففي أقسام إباحتها وجوه ثالثها التفصيل بين الانحصار فيه و عدمه؛ إذ في

____________

(1) لم ترد في (ب): «اشتراطه مع قطعه بعدم إباحة»، في (ألف): «اشتراطه إباحة».

33

الأوّل يتعيّن عليه التيمّم؛ لعدم جواز التصرف معه (1) بالوضوء بخلاف الثاني، فليس الحرام إلّا في مقدمته، و هو لا يمنع من التقرّب بأصل الفعل (2) إذا جمع مع ركوب الدابّة المغصوبة في الذهاب إلى المشاعر من غير مدخليّة للعقب في نفس الأفعال.

و هذا متّجه مع عدم البناء من أوّل الأمر على أخذ الماء من المغصوب في أفعاله، و معه فقد يتأمّل في الصحّة من جهة عدم صحّة التقرب بما يتوقّف على المحرم حيث إنّ ما نواه خصوص ما بنى على إتيانه.

ثمّ إنّ مناط الحكم بالفساد في المسائل المذكورة هو لزوم اجتماع الأمر و النهي، فلا فرق بين النهي المسبّب عن الغصب أو غيره من جهات المنع كالنذر و نحوه، و منه الوضوء من آنية الذهب و الفضّة، و الوجه فيه ما ذكرناه.

____________

(1) زيادة في (د): «فلا يكلّف معه».

(2) زيادة في (د): «كما».

34

تبصرة [في طهارة أعضاء الوضوء]

و من الشرائط طهارة أعضاء الوضوء قبل إجراء الماء، فلا يكتفي بغسل واحد للأمرين على المشهور بين الأصحاب كما حكاه بعض المتأخرين.

و ذهب الشيخ في المبسوط (1) إلى عدم اشتراط طهارة المحلّ في الغسل، بل و لا زواله به، فاكتفى بغسل واحد لهما لو زالت النجاسة به.

و حكم بصحّة الغسل و نجاسة المحلّ مع عدم الإزالة.

و قضيّة ذلك حكمه بجواز الوضوء بالأول؛ لورود ما قد يستفاد منه الاشتراط هناك بخلاف المقام.

و قد يعلّل الاشتراط بأنّه يجب الغسل لكلّ من الحدث و الخبث، فلا يتداخلان، و أنّه يشترط في ارتفاع الحدث طهارة الماء مع نجاسة المحلّ ينجس الماء، فلا يصلح للرفع.

و ضعف الأوّل واضح، و ليس إزالة النجاسة ممّا يقصد تعبد فيها بل يسقط التكليف بها بأيّ وجه (2) حصلت. على أنّ ذلك لا يدلّ على اشتراط الترتيب بوجه كما هو المطلوب.

و يضعف الثاني بأنّ غاية ما يسلّم من اشتراط طهارة (3) الماء هو طهارته قبل الاستعمال كما هو الحال في رفع الأخباث، فلا مانع من النجاسة الحاصلة بالاستعمال.

نعم، قضية ذلك عدم الاكتفاء بإجراء ذلك الماء فيما بعد ذلك المحلّ؛ لتنجّسه قبل الوصول إليه.

____________

(1) المبسوط 1/ 22.

(2) في (ألف): «بأوجه» بدلا من «بأي وجه».

(3) في (ب): «الطهارة» بدل «طهارة الماء هو طهارته».

35

و أمّا بالنسبة إلى محلّ النجاسة فلا دليل على عدم الاكتفاء به، و لو لم يزل به تلك النجاسة إذا لم تكن مانعة من وصول الماء إلى ما تحتها، فلو رمس العضو في غير المنفعل لم يدلّ ذلك على فساد غسله بوجه، و إن بقي في المحلّ شيء من عين النجاسة بل الحكم بالصحّة هنا أولى؛ نظرا إلى عدم انفعال الماء.

قلت: أمّا مع بقاء عين النجاسة فلا ينبغي التأمل في الفساد؛ لخروجه عن ظواهر الإطلاقات، و لا أقلّ من الشكّ في شمولها لمثله. و من الظاهر توقّف الشغل اليقيني على اليقين بالفراغ. و أمّا مع زواله به ففيه إشكال؛ لما عرفت من الإطلاقات.

و من التأمل في اندراج ذلك فيها (1) عن قضية الوضوءات البيانيّة؛ إذ المفروض فيها طهارة المحلّ هذا، فتأمّل.

و الظاهر أنّ محلّ الكلام هو اعتبار طهارة المحل قبل إجراء الماء عليه لا قبل الشروع في الوضوء أو في غسل العضو، فلا يمنع نجاسة المحلّ المتأخّر عن صحّة غسل المقدم عليه، فالواجب إذن تطهير المحلّ النجس قبل الشروع في غسله. و كذا لا مانع من نجاسة العضو بعد غسله و إن كان قبل إتمام الوضوء أو إكمال ذلك العضو.

____________

(1) زيادة في (ب) و (د): «مضافا إلى خروج ذلك».

36

تبصرة [في اشتراط الإسلام و الإيمان]

و من شرائط الوضوء كغيره من العبادات الإسلام و الايمان.

و الوجه في الأوّل واضح؛ و يدلّ على الثاني- بعد الإجماع و ظواهر بعض الآيات- النصوص المستفيضة بل المتواترة.

و لو استبصر فهل يجب عليه إعادة وضوئه لو كان متطهّرا حال ضلالته؟ وجهان مبنيّان على انّه هل يحكم بصحّة عباداته الواقعة حال الضلالة عدا ما استثني بناء على كشف الإستبصار عنها أو أنّه حكم من الشرع بسقوط قضائها، و نفصّل فيه في ترتّب الثواب عليها مع فسادها أقواهما الأخير؛ إذ ليس المستفاد من الأخبار سوى ترتّب الثواب على أعماله المتقدّمة و هو أعمّ من الصحّة.

كيف و أكثر أعمالهم فاسدة من جهات أخر مع قطع النظر عن فوات شرط الموالاة.

و حينئذ يتعيّن وجوب الإعادة في المقام، مضافا إلى أنّ غاية الأمر مع القول بالكشف هو (1) الاجتزاء بالنسبة إلى الأفعال الماضية، و أمّا بالنسبة إلى غيرها فلا إلّا أن يقال بارتفاع حدثه بذلك، فلا موجب لعوده.

و استفادة ذلك من الأخبار مشكل جدا.

و يجري الوجهان فيما لو استبصر في أثناء الوضوء بالنسبة إلى ما أتى به من الأفعال، و البناء على الفساد هنا أظهر بما مرّ.

و قد يؤيّد البناء على الصحّة عدم ذكر إعادة غسل الجنابة في شيء من الأخبار، مع أنّه

____________

(1) في (ألف): «من» بدل «هو».

37

قلّ ما يخلو أحد منها، فلو لا الاكتفاء (1) في فعله لوجب الإشارة إلى لزوم إعادته.

و يوهنه عدم ورود ذلك في الكافر أيضا، فكأنّ ترك ذكره مبني على ما هو المعلوم من القواعد الشرعيّة.

و من الشرائط في الوضوء على حذو غيره المعرفة بأفعاله و شروطه على وجه يمكن له أداء المشروع؛ إذ لا يمكن قصده بدونه.

و هل يجب عليه تعيين أفعاله بالخصوص؟ وجهان.

امّا وجوب معرفة الواجب منها من المندوب فلا، و لو كان هناك من يعلّمه الأفعال شيئا بعد شيء فالأظهر الاكتفاء به إذا قصد الوضوء الشرعي إجمالا من الأوّل.

و أمّا معرفة فروعاته و الأحكام الطارئة من مسائل الشكوك و غيره فالظاهر عدم توقّف الصحّة عليها و إنّما يجب استعلامها بعد (2) وقوعها. و هل يشترط إذن في صحّة الفعل؟ وجهان أقواهما العدم.

و قد يعدّ أيضا من شرائطه كغيره عدم مزاحمته لواجب مضيّق مقدم عليه، و هو مبنيّ على اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه.

و يفرع الغسل على ذلك النهي، و الوجه خلافه كما حرّر مستقصى في مقامه.

نعم، لو كان هناك واجب لوجب المنع عن استعمال الماء كوجوب دفعه إلى المضطر أو حفظه من جهة الخوف من التلف فسد الوضوء لتعيّن التيمّم حينئذ، و كذا لو منع شرعا من استعمال الماء لسائر الجهات كالمرض و الخوف و نحوهما.

____________

(1) في (ب): «الاستثناء».

(2) في (ألف): «قبل».

38

البحث الرابع في مندوبات الوضوء و مكروهاته

تبصرة [في بعض مندوباته]

يستحب في الوضوء أمور:

منها: وضع الإناء عن اليمين

على ما نصّ عليه كثير من الأصحاب.

و أسنده في الحدائق (1) إلى الأصحاب، و عزي إلى جماعة منهم تقييده بما إذا كانت الآنية واسعة الرأس، و لو كانت ضيقة و وضعه على اليمين ليكون أمكن في صبّه في اليمين، و لم نقف في شيء من الأخبار على ما يدلّ عليه.

و احتجّ على الأوّل في نهاية الإحكام (2) بأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يجب التيامن في تنقّله و ترجّله و طهوره و شأنه كله.

و دلالته على ذلك كلّه لا يخلو عن خفاء؛ إذ غاية ما يدلّ عليه رجحان البدأة باليمين لا الوضع في جانبه، و ربّما يحتجّ عليه بالأمكنيّة (3) من الاستعمال كما احتجّوا به في الصورة الأخرى.

و هو كما ترى لا يصلح شاهد لإثبات الحكم.

و كيف كان، فمع البناء على التسامح في أدلّة السنن يكتفى فيه بذكر الأصحاب.

____________

(1) الحدائق الناضرة 2/ 147.

(2) نهاية الإحكام 1/ 53.

(3) في (ألف): «بالأمكنة».

39

نعم، في بعض الصحاح (1) وضع الإناء بين يدي الامام (عليه السلام)، فقد يتوهّم منه المنافاة لذلك إلّا أنّ الأظهر عدمه؛ لصدقه مع وضعه ممّا يحاذي يمينه (عليه السلام).

و الظاهر أنّ مقصودهم من وضعها على اليمين ما يعمّ ذلك، و لو كان الماء في غير الآنية كالحوض ففي استحباب الجلوس بحيث يقع شيء من الماء في جهة يمينه (2) وجهان، و قضيّة التعليل المذكور ذلك.

و منها: التسمية عند البدأة في الوضوء؛

لما دلّ بعمومه على استحبابه عند الشروع في كلّ فعل، و للمستفيضة الواردة في الوضوء، ففي القوي: «إذا توضّأ أحدكم و لم يسمّ كان للشيطان فيه شرك» (3).

ثمّ إنّ الوارد في غير واحد من الأخبار استحبابه عند وضع اليد في الماء، و في بعضها قبل مس الماء، و في بعضها بعد غسل اليد قبل الاستنجاء، و في بعضها: «من توضّأ و ذكر اسم اللّه طهر جميع جسده، و من لم يسمّ لم يطهر إلّا ما أصابه الماء» (4).

و في القويّ: «إذا سمّيت في الوضوء طهر جسدك كلّه» (5).

و الظاهر استحبابه قبل الشروع (6) في أفعاله الواجبة، فيجوز إيقاعه عند كلّ من المذكورات، و إطلاق الخبرين الأخيرين ربّما يعطي استحبابه في الأثناء أيضا إلّا أنّ قضية غيره اختصاصه بغيره، فليحمل على المقيّد أو يقال بحصول جهتين للاستحباب، فإن بدأ بها كفى منها، و إلّا بقي استحبابه في الأثناء.

و منه يتقوّى القول باستحبابها في الأثناء مع تعمّد تركها في الأوّل.

____________

(1) انظر: تهذيب الأحكام 1/ 365، باب الأغسال و كيفية الغسل من الجنابة ح 37.

(2) في (د): «وجهه بيمينه» بدل «جهة يمينه».

(3) المحاسن 2/ 430.

(4) علل الشرائع 1/ 289، باب العلّة التي من أجلها يجب أن يسمّى اللّه تعالى عند الوضوء، ح 1.

(5) الكافي 3/ 16، باب القول عند دخول الخلاء و عند الخروج و الاستنجاء و من نسيه و التسمية عند الوضوء، ح 2.

(6) في (ألف): «الشروع و» بزيادة واو العطف.

40

و جعله في النهاية احتمالا مع قطعه بالاستحباب مع النسيان كما في الأكل، فإن كان المستند فيه الإطلاق المذكور عمّ الحكم و إلّا ففي ثبوته مع النسيان أيضا إشكال.

و لو قدّمها على الاستنجاء فالظاهر الاكتفاء بها للوضوء كما هو ظاهر رواية عبد الرحمن إلّا أنّ الظاهر من الإطلاقات في الوضوء جواز الإتيان بها ثانيا أيضا.

هذا مع عدم الفصل بين الفعلين كما هو قضيّة الرواية المذكورة و إلّا فلا شبهة في استحبابه ثانيا أيضا.

41

البحث الخامس في الوضوء الاضطراري

تبصرة [في وضوء مقطوع اليد]

من قطعت يده ممّا دون المرفق وجب عليه غسل الباقي بلا خلاف؛ لعدم سقوط الميسور بالمعسور، و لعدم سقوط (1) الوضوء قطعا و لا يعلم البراءة إلّا مع غسل الباقي، و للإجماع عليه كما هو معلوم من فتاواهم، و منقول في شرح التهذيب و غيره.

و قد يستدلّ عليه أيضا باستصحاب وجوب غسله قبل القطع.

و قد يناقش فيه بأنّ وجوب غسله أوّلا في ضمن الكلّ، فمع سقوطه لا وجه لاستصحاب حكم البعض.

و فيه تأمّل لا يخفى.

و في الحدائق (2): الظاهر أنّه لا خلاف في وجوب غسل الباقي، و لعله الحجّة. ثمّ تأمّل في استفادة الحكم من غير الإجماع، فعلى أصله ينبغي تأمّله في ثبوت الحكم.

و هو كما ترى.

و لو قطعت من فوق المرفق سقط غسله إجماعا كما في النهاية (3) و غيرها؛ لفوات متعلّقه.

____________

(1) لم ترد في (ب): «و لعدم» و هنا سقطت لفظة «سقوط» من (ألف).

(2) الحدائق الناضرة 2/ 244.

(3) نهاية الإحكام 1/ 38.

42

و عن جماعة منهم الفاضل في المنتهى (1) (2) و الشهيد في الذكرى (3) استحباب غسل الباقي من عضوه؛ للصحيح الآتي (4).

و يضعّف بإجمال الرواية كما ستعرف.

و ربّما يؤيّد ذلك بعض (5) الإطلاقات، و هو أيضا ضعيف.

و عن الشيخ (6) استحباب مسحه.

و في التذكرة (7) أنّه يستحب مسح موضع القطع بالماء. و لم نعرف مستندهما.

و لو قطعت من المرفق فلا ينتقل الحكم إلى العضد بلا خلاف فيه سوى ما حكي من الإسكافي من وجوب غسل العضد. و المحكي من عبارته ليس صريحا في ذلك.

و استظهر في المختلف (8) حمله على الندب، و استصوبه.

و قد يحتجّ للوجوب ببعض الإطلاقات، و هي مستفيضة جدّا. و حملها على الندب مستند الأصحاب.

و لا يخلو أيضا من تأمّل؛ لعدم تعيّن حملها عليه كما ستعرف.

و قد يكتفى فيه بمجرّد الفتوى، و الخروج عن ظاهر الخلاف.

و هل يجب غسل محلّ القطع من المرفق؟ وجهان، بل قولان.

و ربّما يبنى ذلك على أنّ وجوب غسل المرفق أصليّ أو تبعيّ من باب المقدّمة، فعلى الأوّل يتعيّن الوجوب لبقاء محلّه بخلاف الثاني؛ لسقوط وجوب المقدمة بعد فوات ذيها.

____________

(1) منتهى المطلب 1/ 59.

(2) زيادة في (د): «و النهاية».

(3) الذكرى: 85.

(4) زيادة «و يضعف» من (د).

(5) في (د): «ببعض».

(6) المبسوط 1/ 21.

(7) تذكرة الفقهاء 1/ 17.

(8) مختلف الشيعة 1/ 287.

43

و الأقوى وجوب غسل ذيها (1) لظاهر الصحيح: عن رجل قطعت يده من المرفق قال:

«يغسل ما بقي من عضده» (2).

بحمله على غسل ما بقي من محلّ الفرض بين عضده؛ ليكون الموصول عهديّا، و قوله «من عضده» بيانا له.

و كأنّ حمله عليه أوفق بالقواعد مضافا إلى توقّف اليقين بالفراغ عليه.

____________

(1) في (د): «غسله» بدل «غسل ذيها».

(2) الكافي 3/ 29، باب حد الوجه الذي يغسل و الذراعين و كيف يغسل، ح 9.

44

تبصرة [في وضوء التقيّة]

من الوضوء الاضطراري وضوء التقيّة، و هو في الجملة ممّا لا خلاف فيه. و الكلام فيه من (1) مقامين:

[المقام] الأوّل في جواز إتيان الفعل على غير النحو المشروع من جهة التقيّة

و الظاهر أنّه ممّا لا خلاف فيه، بل و في وجوبه إذا كان هناك خوف على نفسه أو عرضه أو نفس مؤمنة أو عرضها و كذا لو خيف من إيذائهم له أو لهم كقلع العين أو قطع اليد أو الضرب الشديد أو الحبس و نحوها.

و في وجوبه للضرب الخفيف أو الحبس اليسير وجهان بالنسبة إليه.

و ربّما يستفاد من بعض الأخبار المنع بالنسبة إلى ذلك و ما أشبهه كقوله (عليه السلام): «التقية في كلّ شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحلّه اللّه» (2). و لا صراحة فيها على خلاف ما قلناه.

و لو خاف على ماله أو مال مؤمن غيره فالظاهر وجوب التقيّة. و في الحقير منه أيضا وجهان أقواهما ذلك بالنسبة إلى الغير.

و قد يتخيّل جواز الترك إذا خاف على ماله ففيه مطلقا؛ لجواز صرفه مجانا إلّا أنّ الأظهر من أدلّة التقيّة ذلك.

نعم، ربّما يتقوّى الاحتمال المذكور فيما إذا لم يكن ذلك مضرّا بحاله.

____________

(1) في (د): «في».

(2) الكافي 2/ 219، باب التقية، ح 18.

45

و في البناء عليه إشكال، و إن جاز له صرف ذلك في رفع التقيّة عنه قطعا.

و يثبت الحكم مع اليقين بالضرر و ظنّه، بل بمجرّد (1) الخوف من حصوله من غير فرق بين حصوله حالا أو غيره و لو بعد زمان طويل، و لا بين كون المتّقى منه من الخاصة أو العامّة أو من سائر الفرق، و إن كان هناك فرق في مسألة الصحّة كما سيجيء.

و لا بين الخوف (2) بنفسه أو بالإبلاغ إلى غيره، و لا بين القطع باطلاعه عليه أو الظن به أو مجرّد الخوف من اطلاعه.

و لا يجوز التقيّة لجلب المنفعة مع الأمن من المضرّة، و لو قيل بجوازه من جهة تحصيل الوجاهة عندهم بذلك يستعين بها على استخلاص المؤمنين و قضاء حوائجهم كان حسنا، بل لا يبعد القول بوجوبه في بعض فروضه.

و قد يستفاد ذلك من بعض الإطلاقات.

و لو كان في تركه الحضور في جماعة غير العدول منّا مطلقا لوجاهته بين الناس و تعريض نفسه لهم احتمل إجراء التقيّة، و يجري نحوه في المواظبة.

ثالثها: الفصل بين ما نصّ على جواز التقيّة فيه بالخصوص و ما جاز فيه من جهة العموم على الطاعات و الاشتغال بنوافل العبادات إلّا أنّه أشير الإشارة إليه.

و هل يشترط فيه عدم المندوحة أو لا؟ قولان، اختار الأوّل منهما في المدارك (3) لانتفاء الضرورة الباعثة عليها، فيرتفع الحكم. مضافا إلى مخالفته للأصل، فيقتصر فيه على موضع اليقين؛ أخذا بالبراءة اليقينيّة.

و ذهب جماعة من المحقّقين منهم الشهيدان (4) و المحقّق الكركي (5) إلى الأوّل؛ أخذا بظواهر

____________

(1) في (د): «و مجرّد» بدل «بمجرّد».

(2) زيادة في (د): «فيه».

(3) مدارك الأحكام 1/ 223.

(4) البيان: 10، روض الجنان: 37.

(5) جامع المقاصد 1/ 222.

46

الأخبار بل صريحها المشتملة على الحثّ الأكيد في الحضور معهم في جماعاتهم و الاجتماع إليهم في صلواتهم مع استلزام ذلك لترك بعض الواجبات قطعا.

كيف و لو وجب مراعاة التخليص لأشير إليه في الروايات، و ورد الأمر بها بحسب الأوقات، مع أنّ الأخبار على عكس ذلك، فالظاهر جواز التقيّة مع وجود المندوحة أيضا و إن لم يستدع التراخي في الوقت.

نعم، لو أمكنه الستر و هو في مكانه بحيث يأتي بالواجب من دون شعورهم كأن يمسح رجله حين غسله بحيث لا يشعر به قوي القول بوجوبه. و يحتمل ضعيفا إجراء عمل التقيّة فيه مجرى الصحيح. و هو بعيد جدا.

هذا بالنسبة إلى التقيّة من العامّة، و أمّا غيره من الفرق فيشترط عدم المندوحة في جواز الفعل قطعا إلّا مع إمكان الإتيان بالصورة المختصّة إن جوزناها مع اختيار أمكن التخلّص بوجهين لزم مراعاة الأخفّ، فلو دار [..] (1).

المقام الثاني في أجزاء الفعل المعمول على جهة التقيّة و عدمه

و قضية الأصل فيه فساد العمل، لوقوعه على غير النحو المشروع.

و مجرّد الأمر به من جهة الخوف لا يقضي بصحّة الفعل؛ إذ الأمر إنّما يقتضي الإجزاء بالنسبة إلى ذلك الأمر، و قيام أمر التقيّة مقام الأمر الأوّل غير معلوم، فيقتصر في الصحّة على مورد الدليل.

و هو بالنسبة إلى التقيّة من أهل الخلاف ممّا لا شبهة فيه من غير فرق بين فرقهم.

و الظاهر عدم الفرق بين الناصب منهم و غيره و إن حكم بكفر الأوّل.

و أمّا سائر الملل المخالفة للإسلام فالظاهر عدم صحّة التقيّة منهم و إن وجبت، و كذا في

____________

(1) الكلام مبتور هنا في النسخ المخطوطة.

47

التقيّة من سائر (1) فرق الشيعة كالإسماعيليّة و الفطحيّة و أضرابهم.

و في التقيّة عن الزيديّة مع متابعتهم في الفقه للعامّة وجهان أقواهما ذلك، بل هو المعيّن.

و لو اتّقى من غير العامّة من جهة خوف الوصول إليهم فالظاهر الصحّة، و لو كان من (2) الاثني عشريّة.

ثمّ إنّ الظاهر صحّة الفعل في جميع الأفعال (3) البدنيّة من الوضوء و الصلاة و الحج و غيرها، فلا يجب قضاؤها بعد ارتفاع التقيّة. و في المتعلّقة بالمال وجهان أظهرهما العدم.

نعم، مع عدم حصول التفريط فيه ينبغي الضمان من جهة أخرى مع وجوب التقيّة.

و لو كانت للتقيّة (4) لا في التقيّة من جهة نفس الفعل، بل في ملاحظة بعض الشرائط كطهارة الماء ففي الصحّة إشكال كما إذا توضّأ بسؤر اليهودي.

و قضية الأصل كما عرفت الفساد.

و لو تعلّقت التقيّة بإزالة الأخباث ففي الحاجة بإزالة الأحداث وجه كان أوجههما العدم جريا على الأصل.

و لو ارتفعت التقيّة بعد الفعل قبل خروج الوقت ففي وجوب الإعادة وجوه ثالثها التفصيل المذكور في المسألة السابقة؛ إجراء لما نصّ عليه بالخصوص حكم الواقع.

و إليه ذهب المحقّق الكركي، قال: و لا أعلم خلافا بين الأصحاب في عدم وجوب الإعادة في الصورة الأولى.

و الأقوى عدم وجوب الإعادة مطلقا؛ أخذا بظاهر الروايات.

و حكم المحقّق الكركي بثبوت القضاء أيضا في الصورة الثانية بناء على ثبوت دليل على القضاء لكونه بأمر جديد. و قضية ذلك فساد العمل، بل ذلك صريح كلامه.

____________

(1) لم ترد في (ب): «من سائر ... في التقيّة».

(2) لفظة: «من» وردت في (د) فقط.

(3) في (ب) و (د): «الأعمال» بدل: «الأفعال».

(4) في (ب) و (د): «التقيّة».

48

و هو كما ترى.

و لو زالت في أثناء الفعل ففي لزوم العفو إلى ما أدّاه على وجه التقيّة و عدمه وجهان أظهرهما الأخير.

49

تبصرة [في عدم التمكن من إيصال الماء إلى تمام العضو]

إذا لم يتمكّن من إيصال الماء (إلى تمام العضو فإمّا أن يكون ذلك لقصور في الماء أو لوجود مانع من إيصال الماء إلى الجميع لا يمكن دفعه سواء كان خارجيّا أو في العضو كخاتم لا يمكن إخراجه و لا تحريكه أو جرح أو قرح أو كسر في العضو يتضرّر بإيصال الماء إليه مجبّرة بالجبائر و نحوها، فهاهنا مسائل:

أحدها: أن يكون ذلك لقصور الماء)

(1). و لا شبهة إذن في الانتقال إلى التيمّم أو الوضوء اسم لمجموع الأفعال، و عدم التمكّن من بعضه بمنزلة عدم التمكّن من الجميع؛ لارتباط بعضها بالبعض.

و الظاهر أنّه ممّا لا خلاف فيه.

و جريان قاعدة عدم سقوط الميسور بالمعسور في مثله مع عدم ثبوته كليّا غير ظاهر؛ لعدم التمكّن من شيء منه، لعدم اعتبار الهيئة الاجتماعيّة في الصحّة.

ثانيها: أن يكون لمنع المانع الخارجي،

و الظاهر انتقال الحكم حينئذ إلى التيمّم لما عرفت.

و لو منعه عن التيمّم أيضا كلّا أو بعضا فالظاهر أنّه كفاقد الطهورين.

ثالثها: أن يكون لوجود حاجب في العضو لا يمكن إزالته من غير أن يكون هناك قرح أو جرح و نحوهما.

و الظاهر (2) سقوط غسل ما تحته.

و هل يكفي إذن بغسل ما عداه أو لا بدّ من المسح عليه إلحاقا له بالجبيرة أو يجب غسل

____________

(1) ما بين الهلالين لم ترد إلّا في (د).

(2) زيادة في (د): «فيه».

50

ظاهره تنزيلا له منزلة العضو؟ وجوه.

و لو كان عدم التمكّن من رفعه لمنع الظالم احتمل جريان الحكم المذكور و إلحاقه بالصورة الثانية أيضا.

و لو كان ذلك في معظم العضو أو جميعه ففي جريان الحكم المذكور إشكال.

و الأحوط المسح على ظاهره و غسله أيضا، و الإتيان بالتيمّم.

و لو كان ذلك في موضع المسح كما إذا لم يتمكّن من نزع الخفّين (مسح عليه، و عزا ذلك إلى ظاهر الأصحاب.

و يدلّ عليه قويّة أبي الورد، و قد ذكر المسح على الخفّين) (1). فقلت: فهل فيهما رخصة؟

فقال: «لا إلّا من عدوّ تتّقيه أو ثلج تخاف على رجليك» (2).

مضافا إلى إطلاق غير واحد من أخبار الجبائر الشاملة لموضع المسح كما سنشير إليها، فالتأمّل في ذلك من جماعة من المتأخرين- استضعافا للرواية السابقة، فينتقل الحكم إلى التيمّم لتعذر الوضوء بتعذر بعضه كما مرّ- ليس على ما ينبغي.

رابعها: أن يكون على العضو المغسول جبيرة يمنع من جرى الماء تحته،

فإن أمكن نزعه و جرى الماء على العضو مع إمكان تضرّره بالتطهير إن كان (نجسا وجب نزعه و إلّا مسح عليه إن كان طاهرا أو لا يكتفي بغسل ما حوله على المعروف بين الأصحاب) (3). بل كاد أن يكون إجماعا، بل الظاهر انعقاد الإجماع عليه كما حكاه غير واحد منهم إلّا ما يوهمه عبارة الفقيه من جواز الأمرين.

و لا حاجة فيه؛ لحكمه صريحا بالأوّل و إسناده الثاني إلى الرواية.

____________

(1) ما بين الهلالين لم ترد إلّا في (د).

(2) الإستبصار 1/ 76، باب جواز التقية في المسح على الخفّين ح 1.

(3) ما بين الهلالين ممّا لم نجده إلّا في (د)، و يا ليتها كانت هذه النسخة في أيدينا بدو الأمر، لا بعد ما أكملنا العمل فوجدناها، و هي أصح النسخ و أتقنها.

51

نعم، مال إليه جماعة من المتأخرين منهم صاحب المدارك (1) قال: لو لا الإجماع على وجوب مسح الجبيرة لأمكن القول بالاستحباب، و الاكتفاء بغسل ما حولها.

و الوجه فيه إطلاق الصحيح حيث قال (عليه السلام) بعد حكمه بغسل ما ليس عليه الجبائر:

«و تدع ما سوى ذلك ممّا لا تستطيع غسله و لا نزع الجبائر و لا يعيب بجراحته» (2).

و روى في الفقيه مرسلا.

و كذا في الفقيه عن الصادق (عليه السلام): «في الجبائر إنّه يغسل ما حولها» (3).

و يحتمل ذلك أن يكون اشارة إلى هذه الصحيحة.

و أنت خبير بأنّ ذلك لا يقاوم النصوص المستفيضة الحاكية بمسح الجبائر و نحوها؛ إذ غاية ما نقضه الصحيحة سقوط غسلها، و لا دلالة فيها على انتفاء المسح إلّا من جهة عدم الذكر، فلا يقاوم ما دلّ بصريحه عليه.

مضافا إلى اعتضاده بعمل الأصحاب، بل و إجماعهم، فاحتمال الاكتفاء بغسل ما حولها مع قطع النظر عن الإجماع ضعيف أيضا كاحتمال حمل مسح الجبائر على الغسل الخفيف كما ذكره في النهاية؛ إذ لا داعي إليه سوى (4) إعطاء الجبيرة حكم محلها، و هو ممّا لا يقوم حجّة ليصحّ الخروج به عن ظواهر النصوص مع مخالفته لفهم الأصحاب.

ثمّ إنّه لا فرق في الحكم بين الجبيرة و غيرها كالخرقة الّتي يتعصّب بها الجرح أو الخيوط، و كذا الدواء الموضوع عليه، و قد ورد غير واحد منها في النصوص.

و هل يجب تحفيفها متى أمكن ليقلّ الفصل بين اليد و الممسوح؟ وجهان أحوطهما ذلك.

و ظاهر الإطلاقات حيث لم يصرّح فيها به عدمه.

و يجب استيعابها لقيامها مقام غسل محلّها الّذي يجب استيعابه، و توقّف اليقين بالفراغ

____________

(1) مدارك الأحكام 1/ 238.

(2) الكافي 3/ 32، باب الجبائر و القروح و الجراحات، ح 1 و فيه: «و لا ينزع الجبائر و لا يعبث بجراحته».

(3) من لا يحضره الفقيه 1/ 47، باب حد الوضوء و ترتيبه و ثوابه، ح 94.

(4) زيادة: «سوى» من (ب).

52

عليه.

و ظاهر الرواية «فليمسح على جبائره» و نحوه ظاهر الصحيح و غيره، و بذلك يظهر ضعف ما استشكله الشهيد في وجوب الاستيعاب من صدق المسح عليها بالمسح على جزء منها.

و لا يخفى أنّه خروج عن ظاهر الخبر، مضافا إلى مخالفته لظاهر فهم المعظم على ما نصّ عليه جماعة من الأصحاب.

و لا فرق في الجبيرة بين الوضوء و الغسل على ما نصّ عليه جماعة من الأصحاب.

و قد دلّ على ثبوتها فيه أيضا صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج. و عزاه في المنهى (1) إلى عامّة العلماء موميا إلى الإجماع عليه.

نعم، ورد في روايات (2) عدّة أمر المجدور أو صاحب القروح بالتيمّم بدل غسل الجنابة.

و عن المبسوط (3): من كان في بعض جسده أو بعض أعضاء طهارته ما لا ضرر عليه الباقي عليه جراح أو عليه ضرر في إيصال الماء إليه جاز له التيمّم، و لا يجب عليه غسل الأعضاء الصحيحة، و إن غسلها و تيمّم كان أحوط سواء كان أكثرها صحيحا أو عليلا. و إذا حصل على بعض أعضاء طهارته نجاسة و لم يقدر على غسلها لألم فيه (4) صلّى، و لا إعادة عليه.

مع حكمه في باب الوضوء بوجوب المسح على الجبائر مع عدم إمكان نزعها، و كذا حكم هناك بغسل ما عليه الغسل من أعضائه و المسح على حائل فيما يتعذّر عليه، و ظاهر كلماته لا يخلو عن التدافع.

و يمكن الجمع بينهما بذهابه إلى التخيير بين الأمرين (5) كما يومى إليه قوله: «جاز له

____________

(1) منتهى المطلب 1/ 153.

(2) من لا يحضره الفقيه 1/ 107، باب التيمم ح 217، الكافي 3/ 68، باب الكسير و المجدور و من به الجراحات و تصيبهم الجنابة ح 2.

(3) المبسوط 1/ 35.

(4) زيادة في (د): «و».

(5) في (ألف): «الأمر».

53

التيمّم»، و كأنّه أخذه من الجمع بين ما دلّ على لزوم التيمّم عليه و ما دلّ على مسح الجبيرة للصحيح: في الرجل يكون به القراح و الجراح يجنب؟ قال: «لا بأس بأن لا يغتسل و يتيمّم» (1).

بجعله شاهدا على الجمع؛ لظهوره في عدم التعيين.

و قد يخصّ كلامه الأوّل بصورة ظهور العضو و (2) حصول المانع من إيصال الماء، فيكون حكمه بالتخيير في تلك الصورة خاصّة.

و كيف كان، فهو مخالف لظاهر الأصحاب، مع عدم ظهور تامّ في الصحيح المذكور فيه، فالأظهر حمل أخبار التيمّم على ما إذا تضرّر باستعمال الماء.

و يؤيّده ورودها أجمع في الغسل أو على صورة تكاثر القروح و الجروح بحيث يشمل كثيرا من العضو إن قلنا بتعيّن التيمّم فيه أو التخيير.

و قد يؤيّده ذكر القروح و الجروح في بعضها بلفظ الجمع المعروف (3). و يحتمل حمل عبارة الشيخ عليه.

[تنبيهات]

و ينبغي التنبيه لأمور:

منها: أنّه لو كانت الخرق و نحوها على غير الجرح و القرح و الكسر لسائر أوجاع العضو ففي ثبوت الحكم فيه إشكال،

أظهرها ذلك مع عدم التمكّن من رفعها. و الأقوى الانتقال إلى التيمّم و ثبوت حكم الجبيرة على خلاف، فيقتصر فيه على مورد الدليل. و الأحوط الجمع.

و منها: أنّه لو استوعبت الجبيرة أحد الأعضاء المغسولة أو جميعها أو معظم العضو ففي ثبوت حكم الجبيرة أو الانتقال إلى التيمّم أو التخيير وجوه،

و الأحوط فيه الجمع.

____________

(1) تهذيب الأحكام 1/ 185، باب التيمم و أحكامه، ح 5.

(2) زيادة «و» من (د).

(3) في (د): «المعرف».

54

و لو استغرقت الأعضاء الممسوحة فالظاهر أنّه لا إشكال في انتقال الحكم على ما فوق الجبيرة كما يؤذن به ما دلّ على الاجتزاء بالمسح على الخفّين من جهة برد و نحوه.

و منها: أنّه لو استوعبت الجبيرة محلّ الحاجة و غيرها ممّا لا يمكن بقاؤها على العضو بدونه

فإن أمكن إجراء الماء إلى ما تحته من دون إضرار لزم، و إلّا كفى المسح عليها. كذا أطلق العلّامة، و هو كذلك؛ نظرا إلى الإطلاقات إلّا أنّه مع خروجه معا حسا عن محلّ الحاجة لا يخلو عن إشكال.

و منها: أنّه لو تضرّر بإيصال الماء إلى ما تجاوز الجرح أو الكسر و نحوها قوي جريان حكمها إليه،

فيمسح عليه مع شمول الجبيرة و ما قام مقامه إيّاه و إلّا جرى فيه حكم المكشوفة في وجه قويّ إلّا أنّه مع بعد السراية يحتمل الانتقال إلى التيمّم، فالأحوط فيه الجمع.

و منها: أنّه لو أمكن تخفيف الخرق الموضوعة عليه فهل يجب ذلك أو لا؟

وجهان، ظاهر الإطلاقات هو الأوّل، و الأحوط الثاني بل هو المتعيّن إذا كان زائدا على القدر المحتاج بحيث يعدّ لغوا.

و منها: أنّه لو كان ظاهر الجبيرة نجسا وجب وضع خرقة طاهرة عليها ثمّ المسح عليها. كذا قالوه.

و استشكل فيه بعضهم نظرا إلى خروجه عن مدلول الأخبار و مخالفته لظاهر الاعتبار؛ إذ الجبيرة لشدة انهباطها بالعضو نزلت منزلة الجزء منه كالشعر و الظفر، بخلاف الخرقة الجديدة الموضوعة عليه.

و يدفعه أنّه لا يمكن المسح على النجس قطعا، فبعد البناء على عدم الاكتفاء بغسل ما حولها لابديّة من باب المقدّمة.

إلّا أن يقال بخروجه عمّا دلّ على لزوم المسح على الحائل؛ لعدم إمكانه في المقام، فيكتفى بغسل ما حوله؛ نظرا إلى إطلاق صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج.

إلّا أنّ قضية اليقين بالفراغ الحكم بما قالوه.

و لو أمكن تطهير ظاهرها قدّم ذلك عليه، و كذا لو أمكن رفع الخرقة الطاهرة مع طهارة