تبصرة الفقهاء - ج3

- الشيخ محمد تقي الرازي المزيد...
434 /
7

كتاب الزكاة

[الباب الأول]

تبصرة [في شرائط وجوب الزكاة]

يشترط وجوب الزكاة بكمال المالك بالبلوغ و العقل، فلا يجب في مال الطفل و المجنون مطلقا على المعروف بين الأصحاب.

و احتجّ عليه في المدارك (1) تبعا لما في المعتبر (2) و غيره من كتب الأصحاب بما دل على رفع القلم عنهما، و بأنّ أوامر الزكاة لا يتناولهما، و تكليف (3) الولي بذلك منع (4) بالأصل.

و يضعف الأوّل أنّ قضية رفع القلم عنهما عدم تعلّق التكليف بالإخراج بهما، و هو ممّا لا كلام فيه، إنّما الكلام في تعلّقها بأموالهما يستحق الفقراء بعضا منها، و ليس في رفع القلم عنهما دلالة على عدمه (5) لظهوره في رفع التكليف دون غيره.

و قد ذهب جماعة من الأصحاب إلى شمول الاستحباب و الكراهة للأطفال المميّزين، و من ثمّ ذهبوا إلى مشروعيّة العبادات الصادرة منهم (6).

و مع الغضّ عن ذلك فليس ثبوت الزكاة في ماله و استحقاق الفقراء شيئا منه حكما واردا على الصبيّ كما أنّه ليس استحقاق المشترى لماله إذا باعه الولي من ثبوت العلم على الطفل.

و يشهد بما قلناه أنّهم ذهبوا إلى استحباب الزكاة في مال الطفل من دون منافاة فيه لرفع القلم المعلوم.

____________

(1) مدارك الأحكام 5/ 15.

(2) المعتبر 2/ 486.

(3) في (د): «لتكليف».

(4) في (د): «منفي».

(5) في (ب): «عدم الظهور» بدل «عدمه لظهور».

(6) في (د): «عنهم».

8

و الثاني: بأنّه ليس جميع ما دلّ على ثبوت الزكاة من قبيل الأوامر، و ما بمعناها لئلا يتناول الصبيّ و المجنون بل جملة منه شاملة لأموالهما كقوله (عليه السلام) (1): «فإذا بلغت عشرين دينارا ففيه نصف دينار، و فيما سقت السماء العشر، و في خمس من الإبل شاة».

إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة المسوقة سوق تلك الأخبار.

مضافا إلى روايات كثيرة أخرى مشتملة على وضع الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) الزكاة على الأجناس (2) التسعة (3)؛ فانّها تعم ما إذا كانت مملوكة للبالغ العاقل أو غيره.

و المناقشة في إطلاق تلك الروايات لورودها لبيان (4) حكم آخر لكونها في مقام بيان النصاب في الأخبار الأوّلة و بيان ما يجب فيه الزكاة في الأخيرة ليس على ما ينبغي إذا قضى ما يلزم من ذلك أن لا تكون الإطلاقات المذكورة بتلك المكانة من الظهور، لأنّها تكون خارجة عن الإطلاق إلى حد الإجمال.

و ما قد يقال من ورودها بيانا لأوامر الزكاة، فتكون الحال فيها حال تلك الأوامر، فلا تعمّ أموال غير مكلفين؛ غير واضح.

على أنّ عدم شمول الأوامر لأموال (5) غير المكلفين غير ظاهر أيضا؛ إذ لا بعد في إرادة وجوب إيتاء الزكاة من المال الذي يكون متسلّطا عليه، و يكون أمره في الأخذ و الإعطاء إليه سواء كان ذلك على سبيل الملكيّة أو الولاية، و انصراف الإطلاق إلى خصوص الأوّل غير معلوم، فالرجوع إلى الأصل المذكور ممّا لا وجه له في المقام، و إنّما المرجع فيه هو الأدلّة خاصة.

و يدلّ على عدم وجوب الزكاة في مال الطفل: المعتبرة المستفيضة المشتملة على

____________

(1) وسائل الشيعة 9/ 140، باب تقدير النصب في الذهب و ما يجب في كل واحد منها، ح 9.

(2) في (ألف): «الأخبار».

(3) انظر: الكافي 3/ 509، باب ما وضع رسول اللّه صلى اللّه عليه و على اهل بيته الزكاة عليه ح 1 و 2.

(4) في (ألف): «لسان».

(5) في (ب): «لأوامر».

9

الصحاح، منها: الصحيح: «ليس في مال اليتيم زكاة» (1).

و في صحيحة أخرى، عن أحدهما (عليهما السلام) (2): سألته عن مال اليتيم؟ فقال: «ليس فيه زكاة» (3).

و في الصحيح، عن يونس بن يعقوب: أرسلت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّ لي إخوة صغارا فمتى يجب عليهم الزكاة؟ قال: «إذا وجبت عليهم الصلاة وجبت الزكاة» (4).

و في الخبر: «كان أبي يخالف الناس في مال اليتيم ليس عليه زكاة» (5).

و في مكاتبة (6) محمد بن القاسم (7): يربح (8) زكاة الفطرة عن اليتامى إذا كان لهم مال فكتب:

«لا زكاة على اليتيم» (9).

إلى غير ذلك من الأخبار.

و على عدم وجوبه في مال المجنون بالصحيح: امرأة في أهلنا مختلطة أ عليها زكاة؟ قال:

«إن كان عمل به فعليها الزكاة، و إن لم يعمل به فلا».

و في الخبر (10): عن امرأة مصابة و لها مال في يد أخيها، هل عليها زكاة؟ قال: «إن كان

____________

(1) الكافي 3/ 541، باب زكاة مال اليتيم ح 6.

(2) تهذيب الأحكام 4/ 26؛ وسائل الشيعة 9/ 85 باب وجوبها على البالغ العاقل و عدم وجوبها في مال الطفل، ح 7.

(3) تهذيب الأحكام 4/ 26، وسائل الشيعة 9/ 85، باب وجوبها على البالغ العاقل و عدم وجوبها في مال الطفل، ح 7.

(4) الكافي 3/ 541 ح 7؛ الإستبصار 2/ 29، ح 84؛ تهذيب الأحكام 4/ 27، ح 66؛ وسائل الشيعة 9/ 85، باب وجوبها على البالغ العاقل و عدم وجوبها في مال الطفل، ح 5.

(5) تهذيب الأحكام 4/ 27، باب زكاة أموال الأطفال و المجانين، ح 4.

(6) تهذيب الأحكام 4/ 30؛ تذكرة الفقهاء 5/ 367.

(7) في (د) زيادة: «عن الوصي يزكي».

(8) في (ب): «عن الوصيّ» بدل: «يربح».

(9) الكافي 3/ 542، ح 2؛ وسائل الشيعة 9/ 90، باب عدم وجوب الزكاة في مال المجنون، و استحبابها إذا اتجر به وليه و إلّا لم تستحب، ح 1.

(10) الكافي 3/ 542، ح 3؛ تهذيب الأحكام 4/ 31، ح 8؛ وسائل الشيعة 9/ 90، باب عدم وجوب الزكاة

10

أخوها يتّجر به فعليه زكاة».

و قضية إطلاق منطوق الأولى و مفهوم الثانية عدم ثبوت الزكاة في أموال المجانين مطلقا إلّا في صورة الاتّجار به، إلّا أنّه يمكن المناقشة بدعوى ظهورهما في النقدين. و فيه تأمّل.

ثمّ إنّ الحكم المذكور بالنسبة إلى النقدين ممّا لا خلاف فيه بين الأصحاب.

و قد حكى إجماعهم عليه جماعة من الأصحاب منهم الشيخ في الخلاف (1) و الفاضلان في المعتبر (2) و المنتهى (3) و الشهيد الثاني في الروضة (4) و سبطه في المدارك (5).

و يدلّ عليه بعد ذلك الروايات المستفيضة، و قد أشرنا إلى جملة منها.

و قد يعزى إلى ظاهر الطوسي وجوب الزكاة فيهما في مال الطفل حيث أطلق إيجاب الزكاة في ماله، و ليس كذلك لنصّه بعد الإطلاق المذكور بعدم وجوب الزكاة في مال الطفل و المجنون من الذهب و الفضّة.

و اختلفوا في وجوب الزكاة في غلات الأطفال و مواشيهم، فعن الشيخين و القاضي (6) و الحلبي (7) و الطوسي (8) القول بالوجوب.

و عزاه السيد في الناصريات (9) إلى أكثر أصحابنا.

و حكاه العامّة عن أمير المؤمنين و مولانا الحسن (عليهما السلام).

و عن القديمين و السيد و الديلمي و الحلّي القول بالعدم.

____________

في مال المجنون و استحبابها إذا اتّجر به وليه و إلّا لم تستحب، ح 2.

(1) الخلاف 2/ 41.

(2) المعتبر 2/ 487.

(3) منتهى المطلب 1/ 532.

(4) في (ب): «الروض».

(5) المدارك 5/ 15.

(6) المهذب 1/ 168.

(7) غنية النزوع: 119.

(8) الاقتصاد: 278.

(9) الناصريات: 281 المسألة 122.

11

و اختاره الفاضلان و الشهيدان و عامّة المتأخرين بلا خلاف يظهر بينهم.

و في غيرة أنه المشهور بين المتأخرين.

و في المنتقى: و يعزى إلى أكثر القدماء المصير إلى نفي وجوب الزكاة في غلات الطفل.

و الأظهر لما عرفت من إطلاق الروايات سيّما ما دلّ على ارتباط وجوب الزكاة بوجوب الصلاة الدالّ على اتحاد المناط فيهما، و خصوص موثقة أبي بصير: «ليس في مال اليتيم زكاة» و «ليس عليه صلاة» و «ليس على جميع غلاته من نخل أو زرع أو غلة زكاة، فإن بلغ فليس عليه لما مضى زكاة» و «ليس عليه لما يستقبل حتى يدرك، و إذا (1) أدرك كانت عليه زكاة واحدة، و كان عليه مثل ما على غيره من الناس».

مضافا إلى تأيده بالأصل، و الاستصحاب، و الشهرة المتأخرة.

حجة الجماعة: صحيحة الفاضلين، عن الصادقين (عليه السلام) (2) أنّهما قالا: «اليتيم ليس عليه في العين و الصامت شيء و أمّا الغلات فانّ عليها الصدقة واجبة».

مضافا إلى موافقته للاحتياط كما ذكره في النافع، بل ربّما يحتج بالاحتياط كما قد يستفاد من المعتبر (3)؛ نظرا إلى دوران الأمر فيه بين الوجوب و الاستحباب؛ لضعف البناء على عدم الثبوت مطلقا.

و لا يخفى ضعفه؛ إذ بعد تسليم موافقته للاحتياط لا دليل على وجوب البناء عليه.

و الرواية كما ترى غير صريحة في الوجوب المصطلح، فلتحمل على مطلق الثبوت المراد بها الندب في المقام؛ جمعا بينها و بين ما دلّ على عدم الوجوب ممّا تقدّمت الإشارة إليه.

مضافا إلى موافقتها للعامة حيث إنّ القول به مذهب فقهاء الجمهور كما حكاه في المنتهى (4)، و عزاه في المعتبر (5) إلى أئمتهم الثلاثة.

____________

(1) في (د): «إذ».

(2) الاستبصار 2/ 31، باب وجوب الزكاة في غلات اليتيم، ح 2 (90)؛ تهذيب الأحكام 4/ 29، ح 72.

(3) المعتبر 2/ 487.

(4) منتهى المطلب 1/ 472.

(5) المعتبر 2/ 487.

12

على أنّ الرواية إنّما تفيد ثبوتها في الغلات دون المواشي، فلا توافق تمام المدّعى، بل تفيد عدم الوجوب في المواشي إن لم نجعل قوله «و الصامت» عطف تفسير لقوله «في العين» كما هو ظاهر العطف، و الظاهر من رجحان التأسيس على التأكيد.

نعم، روي ذلك في بعض الطرق «ليس على مال اليتيم في الدين و المال الصامت شيء» (6).

و حينئذ ربّما يفيد ثبوته في المواشي لمفهوم الوصف. و رواه في المعتبر هكذا: «ليس في مال اليتيم العين شيء» (7).

و قد اعترف جماعة منهم الفاضلان في المعتبر (8) و المنتهى (9) و السيد في المدارك (10) بعدم الوقوف على مستند لهم في ذلك.

و قد يحتج لهم بالإطلاقات الدالّة على ثبوت الزكاة في المواشي ممّا أشرنا إليها؛ لعدم اختصاصها بمال البالغ، و مفهوم الوصف المتقدم.

و يضعفه ما عرفت ممّا دلّ على عدم ثبوت الزكاة في مال الطفل مطلقا سيّما الموثقة المتقدمة، و كون التعارض بينهما من قبيل العموم من وجه لا ينافي الاحتجاج بها؛ لوضوح قوّة تلك العمومات و أظهر منها في الإطلاق، و موافقتها للمشهور.

و على فرض تكافئهما فالمرجع حينئذ إلى الأصل، و هو كاف في المقام.

و ما ذكر من مفهوم الوصف فمع ضعفه في الدلالة بل عدم حجيته كما هو الأظهر موهون باضطراب متن الرواية في المقام.

على أن قوله «و أمّا الغلات فإن عليها الخ» قد يفيد بمفهوم المخالفة عدم وجوبها في

____________

(6) الكافي 3/ 541، باب زكاة مال اليتيم ح 5.

(7) المعتبر 2/ 487.

(8) المعتبر 2/ 487.

(9) منتهى المطلب 1/ 472.

(10) مدارك الأحكام 5/ 20.

13

غيرها.

و اختلفوا أيضا في غلات المجنون و مواشيه، فعن الشيخين (1) و القاضي (2) و الحلبي (3) إلحاقه بالطفل. و اعترف جماعة بعدم العثور على مستنده سوى حمله على الطفل؛ لاشتراكهما في عدم التكليف. و هو كما ترى قياس لا نقول به.

مضافا إلى ما عرفت من عدم قيام دليل بيّن على ثبوت الزكاة في مواشي الطفل أيضا.

و أنت خبير بأنّه يمكن الاحتجاج لهم بالإطلاقات المتقدّمة مع استظهار اختصاص ما دلّ على سقوط الزكاة عن المجنون بالنقدين حسبما مرّت الإشارة إليه، فيبقى الباقي تحت الإطلاقات من غير ظهور ما يقيّدها.

و يدفعه أنّ ظاهر إطلاق الروايتين المذكورتين يعمّ الجميع. و دعوى انصرافهما على النقدين غير مسموعة.

نعم، لا يخلو ظاهره عن إشعار بذلك، و كونه صارفا للعبارة عن ظاهر إطلاقها غير ظاهر، سيّما مع اعتضاده بالأصل، و الشهرة بين الأصحاب، و موافقته لما ورد في الطفل؛ لاشتراكهما في انتفاء التكليف.

مضافا إلى ما دلّ على كون التكليف بالزكاة ملازما للتكليف بالصلاة.

كما هو ظاهر صحيحة يونس بن يعقوب المتقدّمة.

و يومي إليه الموثقة المذكورة و صحيحة الفضلاء عن الصادقين (4) (عليهم السلام) قال (5): «فرض اللّه عزّ و جلّ الزكاة مع الصلاة في الأموال».

فيفيد ذلك كون المناط في ارتفاعه عن الصبي هو انتفاء التكليف الحاصل في المجنون

____________

(1) المقنعة: 39؛ النهاية: 174؛ الخلاف 1/ 316؛ المبسوط 1/ 190.

(2) رياض المسائل 1/ 262، نقله بعنوان «قيل».

(3) غنية النزوع: 118.

(4) الكافي 3/ 509؛ باب ما وضع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و على أهل بيته الزكاة عليه، ح 1؛ الإستبصار 2/ 3، باب ما تجب فيه الزكاة، ح 5.

(5) في (د): «قالوا».

14

أيضا.

[تتميم]

هذا، و لنتمّم (1) الكلام في المرام برسم أمور:

أحدها: أنّه نصّ جماعة باستحباب الزكاة في غلات الطفل و المجنون و مواشيهما، و ربّما يعزى ذلك إلى جميع القائلين بعدم وجوب الزكاة في أموالهما عدا من نشير إلى مخالفته.

و فصّل في الشرائع (2) بين الطفل و المجنون، فحكم باستحباب الزكاة في غلات الأوّل و مواشيه دون الثاني. و هو المختار عند جماعة من المتأخرين إلّا في استحبابه في مواشي الطفل، فاستشكل فيه في المدارك (3).

و ظاهره نفي ذلك، و هو الظاهر من المحقق الأردبيلي (4) (قدّس سرّه).

و استظهره في الذخيرة (5)، و هو الأظهر.

أمّا استحبابها في غلات الطفل فللصحيحة المتقدّمة المحمولة على الندب بملاحظة ما مرّ.

و قد يناقش بأنّ ظاهر الرواية الوجوب، و عدم مكافئتها لما دلّ على عدم الوجوب إنّما يقضي بترجيح الرواية الأخرى عليها.

و حملها على الندب من باب الحمل التبرّعي لا يصحّح الاستناد في ذلك إليه من دون ورود دليل آخر يكون شاهدا على حملها عليه.

و يمكن دفعها بما مرّ من عدم صراحة لفظ الوجوب في الوجوب (6) المصطلح بخصوصه بل عدم دلالته عليه.

____________

(1) في (ألف): «لنتم».

(2) شرايع الإسلام 1/ 105.

(3) مدارك الأحكام 5/ 22.

(4) مجمع الفائدة 4/ 12.

(5) ذخيرة المعاد 3/ 421.

(6) لم ترد في (ب): «في الوجوب».

15

نعم، في لفظة «على» ظهور في ذلك، و هو لا يكافئ ما دلّ على عدم الوجوب، فيكون ذلك قرينة على إرادة الندب منه سيّما بعد اعتضاده بالشهرة المعلومة بل الاتفاق عليه فيما يظهر؛ إذ لم نعثر على مخالف في مطلق رجحان الإخراج و يلوح حكاية الإجماع عليه من مجمع البرهان (1) فلا مجال للمناقشة في الاستحباب بعد دفع الوجوب بما ذكرنا.

و ربّما يلوح من السرائر (2) منع الاستحباب. و قد عزا في البيان (3) إلى ظاهره منعه لاستحباب الزكاة في مال الطفل مطلقا.

و ضعفه ظاهر ممّا قررناه.

و أمّا عدم استحباب في مواشي الطفل و غلات المجنون و مواشيه فلعدم العثور فيه على مستند كما اعترف به جماعة من المتأخّرين.

و لا مناط في المقام ليمكن تسرية الحكم من غلات الطفل إلى مواشيه و منه إلى المجنون، كيف و لو كان كذلك لجرى في تعديه أيضا.

و مجرّد اتّحاد حكم الطفل و المجنون غالبا لا ينهض حجّة شرعيّة حتّى يمكن لذلك انسحاب الحكم من الطفل إليه.

و دعوى عدم الخلاف في اتحاد حكمهما في المقام وجوبا و استحبابا غير ظاهر أيضا.

نعم، حكى في الإيضاح (4) عن الطوسي دعوى الإجماع على عدم الفصل بين القول بوجوبه في غلات الطفل و وجوبه في مواشيه. و لا دلالة فيه على عدم الفصل في الاستحباب فلا يصحّ هدم القواعد الثابتة المقرّرة بمجرد الوجوه المذكورة.

و التسامح في أدلّة السنن غير جار في المقام؛ لدوران الأمر بين المندوب و الحرام؛ لكونه إتلافا لمال المولى عليه من غير مصلحة مالية.

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان 4/ 40.

(2) السرائر 1/ 441.

(3) البيان: 165.

(4) إيضاح الفوائد 1/ 167.

16

نعم، لو قيل باستحباب إخراجهما للزكاة بعد كمالهما و بقاء العين لم يكن بعيدا.

ثانيها: أنه نصّ جماعة من الأصحاب بأنّه لو اتّجر الولي بمال الطفل لأجله استحب له إخراج الزكاة عنه و إن اتّجر به لنفسه و كان مليا كان له الربح و استحبّ له إخراج الزكاة من نفسه، و إلّا كان الربح لليتيم و لا زكاة.

و توضيح المقام: ان المتّجر بمال الطفل إمّا أن يكون وليا و من بمنزلته أو لا، و على التقديرين إمّا أن يكون مليا أو لا، و على التقادير إمّا أن يكون (1) الاتّجار للطفل أو لا، و على صور عدم الولاية إمّا أن يتعقّبه الإجازة من الولي للمتّجر أو للطفل أو لا.

ثمّ إنّه إمّا أن يكون في ضمان مال الطفل أو وقوع المعاملة (2) مصلحة له أو دفع مفسدة عنه أو لا. و لنفصّل الكلام في ذلك برسم مسائل:

الأولى: أن يكون الاتّجار من الولي للطفل، و يكون الربح حينئذ للطفل. و يستحب للولي إخراج الزكاة عنه مع حصول الشرائط الآتية في زكاة التجارة، على المعروف من المذهب.

و عزاه في المعتبر (3) إلى علمائنا أجمع.

و في المنتهى (4): أنّ عليه فتوى علمائنا.

و عن الغنية (5) و نهاية (6) الإحكام حكاية الإجماع عليه.

و يدلّ عليه بعد ذلك المعتبرة المستفيضة:

منها: الصحيح (7): هل على مال اليتيم زكاة؟ قال: «لا إلّا أن يتّجر به أو تعمل به».

____________

(1) لم ترد في (ب): «الاتّجار ... أن يكون».

(2) في (د) زيادة: «له».

(3) المعتبر 2/ 487.

(4) منتهى المطلب 1/ 472.

(5) غنية النزوع: 128.

(6) نهاية الإحكام 2/ 299.

(7) الكافي 3/ 541 باب زكاة مال اليتيم، ح 3؛ وسائل الشيعة 9/ 87، باب أنّ من اتجر بما الطفل ح

17

و في صحيحة الآخرين (1): «ليس على مال اليتيم زكاة إلّا أن يتّجر به، فإن اتّجر به ففيه الزكاة، و الربح لليتيم، و على التاجر ضمان المال».

و قضية ذيل الرواية كون المفروض فيها وقوع الاتّجار عن غير الولي أو عنه لا على الوجه المشروع، و إلّا فلا وجه للضمان.

و كيف كان، فهي حينئذ تدل (2) على المدّعى بالأولى.

و في الخبر: «ليس في مال اليتيم زكاة إلّا أن يتّجر به، فإن اتّجر به فالربح لليتيم، و إن وضع فعلى الذي يتّجر به».

و هذه الرواية كالرواية السابقة دلالتها (3) على المدّعى بالأولوية المذكورة.

و في صحيحة يونس بن يعقوب: أرسلت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام): و قد مرّت الاشارة إليه، إلى أن قال: قلت: فما لم يجب عليهم الصلاة؟ قال: «إذا اتّجر به فزكاة».

و في الصحيح (4) إلى عمر بن أبي شعبة، عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل عن مال اليتيم؟ فقال:

«لا زكاة عليه إلّا أن يعمل به».

و بهذه الروايات المستفيضة المؤيّدة بعمل الطائفة تقيّد الإطلاقات الكثيرة الدالّة على نفي الزكاة عن مال اليتيم كما هو قضية الأصل في حمل المطلق على المقيّد.

و قد يستشكل في المقام بأنّ ثبوت الزكاة هنا فرع ثبوتها في مال التجارة؛ إذ لا يزيد حكم مال الطفل على غيره، و الأخبار هناك مختلفة. و حيث إنّ ثبوت الزكاة فيه مذهب العامّة و ظاهر الأخبار الواردة هناك هو الوجوب أيضا على طبق ما ذهبوا إليه فيحتمل حينئذ قويّا

____________

11587.

(1) من لا يحضره الفقيه 2/ 16، ح 1599.

(2) في (د): «تدل حينئذ».

(3) في (د): «فدلالتها».

(4) تهذيب الأحكام 4/ 27 باب زكاة اموال الاطفال و المجانين، ح 5؛ وسائل الشيعة 9/ 86، باب وجوبها على البالغ العاقل، ح 10.

18

حمل تلك الأخبار على التقية، و كذا في (1) المقام حيث إنّه العمدة في وجه اختلاف الأخبار. و مع حملها على التقيّة لا يبقى فيها حجة على ما ذكروه، فلا يتجه القول باستحباب زكاة التجارة، و معه فلا يتم الكلام المذكور في المقام.

على أنّه قد يجري الكلام المذكور في المقام أيضا؛ لما عرفت من الإطلاقات النافية للزكاة في مال الأيتام الظاهرة في نفيها على سبيل الوجوب و الاستحباب.

و أنت خبير بأنّ الإشكال المذكور و إن كان متّجها إلّا أن شهرة القول باستحباب زكاة التجارة بين علمائنا قديما و حديثا شاهد على حمل تلك الروايات على الاستحباب.

مضافا إلى عدم صراحتها في الوجوب، فيمكن جعل الأخبار النافية للوجوب قرينة على إرادة الندب منها كما سيجيء الإشارة إليها إن شاء اللّه.

و الأخبار الواردة في المقام مؤيّدة لذلك، و لا معارض لها سوى الإطلاقات.

و يؤيّده اشتهار الحكم به في المقام، و ما عرفت من الإجماعات المحكية.

و ليست الروايات في المقام صريحة في الوجوب ليبعد حملها على الندب، بل غاية الأمر ظهورها في الوجوب.

و حملها على الندب بعد ملاحظة ما دلّ على عدم الوجوب في غاية القرب، بل ذلك هو الشاهد على الحمل المذكور؛ لكون بعض أخبارهم (عليهم السلام) كاشفا عن بعض.

مضافا إلى ظهور بعضها في الاستحباب كصحيحة يونس بن يعقوب النافية لوجوب الزكاة في مال اليتيم المشتملة على ارتباط وجوب الزكاة بوجوب الصلاة؛ فإنّ قوله (عليه السلام) بعد نفيه الوجوب بأبلغ وجه «إذا اتّجر به فزكاة» في كمال الظهور في إرادة الندب كما لا يخفى.

و ظاهر عبارة المقنع (2) و المقنعة (3) القول بوجوب الزكاة حينئذ إلّا أنّ الشيخ في التهذيب (4)

____________

(1) لم ترد في (ب): «و كذا في ... التقيّة».

(2) المقنع: 162، باب زكاة مال اليتيم.

(3) المقنعة: 238.

(4) تهذيب الأحكام 4/ 26، باب زكاة أموال الأطفال و المجانين، ح 5.

19

حمل عبارة شيخه على إرادة الاستحباب؛ إذ لا يزيد حكم مال الطفل على أموال البالغين، و زكاة التجارة غير واجبة عليهم فكيف يجب في أموال الأطفال.

على أنّ «لفظ الوجوب» في كلام الأوائل غير صريح في الوجوب المصطلح، فكثيرا ما يراد به الندب.

و لا يبعد الحمل المذكور في عبارة المقنع أيضا، و إن لم يعتبر هناك بلفظ الوجوب؛ نظرا إلى نصّه أوّلا بأنّه لا يجب الزكاة فيما عدا الأمور التسعة، فيكون ذلك قرينة على إرادة الندب في المقام.

و منه يظهر بعد ما يعزى إلى الصدوق من القول بوجوب زكاة التجارة كما سيجيء الإشارة إليه إن شاء اللّه.

هذا، و يلوح من الحلي في كتاب الزكاة من السرائر (1) إنكاره لاستحباب الزكاة في المقام.

و به صرّح في باب التصرّف في أموال اليتامى (2) معلّلا بأنّه لا دلالة عليه من كتاب و لا سنّة مقطوع بها و لا إجماع، و أنّه لا يجوز التصرّف إلّا فيما فيه مصلحة لهم، و لا مصلحة لهم في ذلك.

و قد نفى البعد في المدارك (3) من المصير إليه؛ نظرا إلى أنّ ما استدلّ به على الاستحباب غير نقيّ الإسناد، بل و لا واضح الدلالة.

مضافا إلى الاحتياط حيث إنّه لا مجال لاحتمال الوجوب، فيدور الأمر فيه بين الحرمة و الاستحباب.

و أنت خبير بما فيه؛ إذ ما ذكره من الطعن في أسانيد الأخبار الدالّة عليه غير ظاهرة؛ لاعتبار أسانيد جملة من تلك الأخبار سيّما مع اعتضادها بعمل الأصحاب، و ما ذكر من الإجماعات، و ما ذكره من المناقشة في الدلالة بعد ما عرفت فيه. و الاحتياط ليس دليلا

____________

(1) السرائر 1/ 441.

(2) السرائر 2/ 211.

(3) مدارك الأحكام 5/ 18.

20

شرعيّا بعد قيام الحجة على الاستحباب و إن كانت مراعاتها أولى؛ لما عرفت، و للخروج عن الخلاف.

و ممّا قرّرنا ظهر ضعف ما ذكره الحلي في المقام.

نعم، هو جيّد على أصله من إنكار العمل بأخبار الآحاد.

ثمّ لا يخفى أن ظاهر إطلاق الأخبار و كلام الأصحاب يعمّ ما إذا كان الاتّجار للطفل مجّانا أو بعوض خارجي أو من الربح و إن اتّفق استيعابه له.

نعم، لو بنى الاتّجار على استيعاب الأجرة للربح أو زيادتها عليه كما لو جعل تمام الربح للعامل فيما إذا كان هناك مصلحة قاضية بذلك أو كان في عدم تحريك مال الطفل مفسدة عليه، فربّما أشكل الحكم المذكور؛ لاحتمال خروج ذلك من موضوع الاتّجار للطفل حيث إنّه لم يقصد به حصول ربح (1).

و قد يقال بصدق الاتّجار بماله حينئذ، و قد جعل ذلك مناطا للحكم في عدّة من الأخبار، إلّا انّه لا يبعد انصرافه إلى غير الفرض المذكور.

و كيف كان، فشمول الاستحباب للصورة المفروضة محلّ خفا، و الأصول الشرعيّة قاضية بعدمه.

الثانية: أن يكون الاتّجار للطفل من غير الولي- مليا كان أو غيره- و حينئذ فإن لحقه إجازة الولي صحّت (2) المعاملة و كان الربح للطفل. و لا يبعد إلحاقه حينئذ بالمسألة المتقدّمة، فيتّجه اندراجه تحت روايات المسألة، بل ظاهر صحيحة الآخرين و التي بعدها ورودها في ذلك كما أشرنا إليه.

و إطلاق ما ذكر فيهما و في غيرهما من كون الربح لليتيم مبنيّ على وقوعه على وفق المصلحة، فيلحقه إجازة الولي.

و يحتمل أن يكون الاتّجار من الولي لأجل الطفل حسبما أشرنا إليه، و حينئذ فلا حاجة

____________

(1) في (د) زيادة: «له».

(2) في النسخ: «صحة» بالتاء المدوّرة».

21

إلى الإجازة إن اكتفينا بمجرّد وقوع المعاملة من الولي في نفاذها للصبيّ إذا وقعت بعين ماله و إن لم يقصده، و إلّا افتقر أيضا إلى الاجازة.

و فيه أيضا دلالة على ما بيّناه.

و ذهب الفاضلان (1) في ظاهر كلامهما، و المحقّق الأردبيلي في ظاهر كلامه، و السيوري إلى أنّه لا زكاة في المقام. و اختاره بعض أفاضل المتأخرين؛ للأصل، مع انصراف الأخبار بحكم التبادر (2) إلى ما إذا كانت المعاملة من الولي للطفل، فلا يندرج فيها ذلك.

و إن التعويل في إثبات الاستحباب على الإجماع؛ لقوة احتمال جعل الروايات في مقام الجمع على التقيّة، و لا إجماع في المقام، فلا يصحّ التصرّف فيه بإخراج الزكاة.

و فيه: أن انصراف الإطلاقات إلى ما ذكر محلّ خفاء.

مضافا إلى ما عرفت من كون الصحيحة المتقدّمة و غيرها منصرفة إلى غير الصورة المذكورة قطعا.

و الأظهر ورودها في خصوص المفروض في المقام.

و كون التعويل في المسألة على الإجماع دون الأخبار موهون بأنّه لا داعي إلى الإعراض عن الأخبار المذكورة مع وضوح إسناد غير واحد منها.

و اندفاع المناقشة في دلالتها كما مرّ سوى حكاية موافقتها للعامة القاضية بقوّة حملها على التقية في مقام الجمع.

و حيث اعتضد احتمال حملها على الندب بالإجماع المذكور و الشهرة العظيمة من الفرقة ترجّح الوجه المذكور. و معه لا وجه للاقتصار على مورد الإجماع، و الإعراض (3) عن الاحتجاج بتلك الأخبار.

و حينئذ فالقول بثبوت الاستحباب في المقام هو الأظهر كما حكي القول به عن

____________

(1) لاحظ: كشف الرموز 1/ 232.

(2) لم ترد في (ب): «بحكم التبادر ... على الإجماع».

(3) في (ألف): «الاعراض».

22

الشهيدين (1) و المحقق الكركي (2) أن يكون الاتّجار من الولي الملي لنفسه بعد ضمانه مال الطفل.

و حينئذ فالمعروف أنّ الربح له و الزكاة عليه، أو هو حينئذ كسائر أموال التجارة ممّا يستحب فيه الزكاة.

و قد خالف الحلّي (3) في المقام، فلم يصحّح الضمان في المقام و جعل الربح لليتيم كالمسألة الآتية، قال: و لا يجوز لمن اتّجر في أموالهم أن يأخذ الربح سواء كان في الحال متمكّنا من مقدار ما يضمن به مال الطفل أو لم يكن، و الربح في الحالين معا لليتيم.

و قد علّل ذلك أنّ الواجب على الولي (4) مراعاة غبطة الصبيّ و الأصلح بحاله، فلا وجه لمراعاة غبطة (5) نفسه.

و أنت خبير بما فيه؛ إذ قد يعتبر في تصرف الولي مراعاة الغبطة كما إذا كان أبا أو جدّا؛ بناء على الاكتفاء في تصرفاته بعدم الاشتمال على المفسدة حسبما يأتي الكلام فيه إن شاء اللّه.

و مع الغضّ عنه، فقد يكون غبطة الصبيّ في ضمان المال كما إذا كان الخطر في بقاء المال عظيما، و فائدة الاتّجار قليلة.

و أيضا فمن البيّن أنه لا يجب على الولي الاتّجار بمال الطفل. و حينئذ فلا ريب أن ضمانه للمال مع الملاءة احفظ لمال الصبيّ غالبا من بقائه حاله.

مضافا إلى النصوص المستفيضة الآتية المصرّحة بجواز الضمان مع الملاءة، فلا ريب إذن في صحّة ضمانه.

و يتفرع عليه كون الربح له، و ثبوت زكاة التجارة عليه، فما ذكره الحلي في غاية الضعف.

رابعها (6): أن يكون الاتّجار من الولي الغير الملّي نفسه بعد ضمانه لماله. و حينئذ فقد نصّ

____________

(1) الشهيد الأول في الدروس 1/ 229 و الشهيد الثاني في مسالك الإفهام 1/ 356.

(2) جامع المقاصد 3/ 5.

(3) السرائر 1/ 441.

(4) في (ألف): «الولي في».

(5) في (ألف): «لحيطة».

(6) في (د): «الرابعة».

23

جماعة بعدم صحّة ضمانه، و ضمانه للمال بمعنى تغريمه إيّاه مع تلفه كلّا أو بعضا و كون الربح للطفل، و لا زكاة فيه.

أمّا عدم صحّة ضمانه للمال فلأنّه يعتبر الملاءة في ضمانه مال الطفل كما دلّت عليه النّصوص المستفيضة:

منها: الصحيح (1): في رجل عنده مال اليتيم؟ فقال: «إن كان محتاجا ليس له مال فلا يمسّ ماله، و إن هو اتّجر به فالربح لليتيم، و هو ضامن».

و منها (2): القوي: عن مال اليتيم يعمل به؟ قال: فقال: «إذا كان عندك مال و ضمنته فلك الربح و أنت ضامن للمال، و إن كان لا مال (3) لك و عملت به فالربح للغلام و أنت ضامن للمال».

و منها (4): الخبر: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)، قلت: أخي أمرني أن أسألك عن مال يتيم في حجره يتّجر به؟ قال: «إن كان لأخيك مال يحيط بمال اليتيم إن تلف أو أصابه شيء غرمه، و إلّا فلا يتعرض لمال اليتيم».

و هذه الروايات كما ترى غير شاملة للأب؛ لفرض الحكم فيها في اليتيم، و ظاهر إطلاقها و إن عمّ الجد إلّا أنّها أظهر في غيره فاشتراط الملاءة في الأب بل الجد أيضا خال (5) عن الدليل، و لذا ذهب كثير من المتأخرين إلى عدم اشتراط الملاءة فيهما.

و عزاه في حواشي التهذيب إلى المتأخرين مؤذنا بإطباقهم عليه. و قد نصّ العلّامة في القواعد (6) و تحرير الأحكام (7) و غيرهما أن للأب اقتراض مال الطفل مع العسر و اليسر.

____________

(1) الكافي 5/ 131، باب التجارة في مال اليتيم، ح 3.

(2) وسائل الشيعة 9/ 89 باب ان من اتجر بمال الطفل، ح 7.

(3) في (ألف): «كان مال».

(4) الكافي 5/ 131، باب التجارة في مال اليتيم، ح 4.

(5) في (ألف): «قال».

(6) قواعد الأحكام 2/ 12.

(7) تحرير الأحكام 1/ 347.

24

و قد عزا عدم اعتبار الملاءة فيهما في الحدائق (1) إلى الأصحاب من غير خلاف يعرف بينهم.

و عزاه في الرياض (2) إلى كافّة المتأخرين.

و استشكل فيه في المدارك (3) بعد أن عزاه إلى المتأخرين.

و ظاهر المحقق الكركى (4) عدم اعتبار الملاءة في خصوص الأب دون الجد.

و الذي يقتضيه التأمل في المقام أن يقال: إنّه إن كان في بقاء مال الطفل في الخارج مفسدة عليه و كان ضمانه و لو من غير ملّي أقل فسادا من بقائه جاز ضمانه مع إعسار الولي إذا لم يتمكّن من تضمينه من موسر يوثق به أو يدفع وثيقة بازائه. و الظاهر خروج ذلك عن مورد الرواية؛ إذ لا شك في كونه حينئذ إحسانا للطفل و حفظا لماله عن التلف.

و إن كان في ضمانه ضرر على الطفل و تعريض ماله للتلف لم يجز، و لو مع يسار الولي و إن كان أبا؛ نظرا إلى قضاء الولاية بحفظ مال اليتيم عن التلف.

أمّا تعريضه لذلك و إن كان في تضمينه منفعة للطفل من غير أن يترتب مفسدة على عدمه فإن كان الولي مليّا فلا كلام، و إن لم يكن مليّا فإن كان أبا جاز ذلك؛ لكون التصرف المذكور على وفق المصلحة مع عدم اندراجه تحت ما دلّ على المنع.

و كذا الحال في الجدّ في وجه قويّ.

و إن لم يكن أبا و لا جدّا فظاهر الأخبار المذكورة المنع منه نظرا إلى انتفاء الملاءة و هو الظاهر من فتوى الأصحاب. و لا بأس به، و إن كان قضيّة الأصل جواز تصرف الولي حينئذ؛ لوجود المصلحة.

و إن لم يكن في ذلك مصلحة و لا يفسدة فإن كان الولي مليّا فظاهر إطلاق الأخبار

____________

(1) الحدائق الناضرة 12/ 25.

(2) رياض المسائل 5/ 36.

(3) مدارك الأحكام 5/ 19.

(4) جامع المقاصد 3/ 5.

25

المذكورة و كلام الأصحاب جواز الضمان من غير فرق بين أن يكون أبا أو جدّا أو غيرهما، و إن كان قضية الأصل عدم الجواز لإناطة تصرّف الولي بالمصلحة، و المفروض انتفاؤها (1).

و ربّما ينزل الأخبار و كلام الأصحاب على ما هو الغالب من كون ضمان المال من المليّ أحفظ لمال الطفل من إبقائه على حاله، فلو فرض تساويهما في الخارج لبعض الوجوه لم يجز؛ جمعا بين القاعدة و الأخبار المذكورة إلّا أن ذلك خروج عن ظاهر الإطلاق.

و إن لم يكن مليّا فإن لم يكن أبا أو جدّا فلا إشكال في المنع أخذا (2) بظاهر القاعدة و الأخبار المذكورة المعتضدة بفتوى الأصحاب، و إن كان أبا أو جدا فظاهر إطلاق جماعة في المقام أيضا ذلك إلّا أنّ قضيّة إطلاق آخرين هو الجواز.

و قد عرفت إسناده إلى الأصحاب، و كأنّه لعدم إناطة تصرّف الأب و الجدّ بالمصلحة، و إنّما المعتبر فيه انتفاء المفسدة بخلاف غيرهما من الأولياء.

و لا يخلو عن وجه؛ أخذا بإطلاق الولاية، و ظاهر قوله (صلّى اللّه عليه و آله) (3): «أنت و مالك لأبيك» القاضي بجواز تصرّفه في مال الولد كيف ما كان، خرج عنه ما ثبت خروجه، فبقي الباقي، فتدبّر.

ثمّ إنّ الولي في صورة اعتبار ملاءته في ضمانه لو كان معسرا و دفع رهنا بإزاء مال الطفل قوي القول بقيام ذلك مقام الملاءة و لو كان الرهن من مال غيره إذا بذله (4) و كذا الحال لو ضمن عنه ملي يوثق به.

و يحتمل المنع؛ أخذا بظاهر إطلاق الروايات، و هو بعيد جدّا مع اقتضاء المصلحة ذلك.

و كما أنّه يعتبر الملاءة في الولي الضامن كذا يعتبر في غيره إذا أراد الولي تضمينه منه.

و حينئذ إذا اجتمعت الملاءة و المصلحة فلا إشكال، و مع حصول الملاءة و الخلوّ عن

____________

(1) في (ب): «بقاؤها» بدل: «انتفاؤها».

(2) في (ألف): «أخذ».

(3) الكافي 5/ 395، باب الرجل يريد أن يزوج ابنته و يريد أبوه أن يزوجها رجلا آخر، ح 3.

(4) في (د) زيادة: «له».

26

المصلحة و المفسدة فوجهان؛ من قضاء ظاهر ما دلّ على جواز ضمان الولي مع الملاءة جوازه هنا أيضا، و من خروجه بإطلاق النصّ، و قضيّة الأصل اعتبار المصلحة.

نعم، لو كان الولي أبا أو جدا و اكتفينا في تصرفاتهما بانتفاء المفسدة فلا إشكال.

و مع حصول المصلحة و الخلو عن الملاءة وجهان أيضا؛ من أنّه لا يزيد على ضمان الولي بنفسه، و من قضاء الأصل بالجواز، فيقتصر فيما قضي بالمنع على مورده، و لا يخلو عن بعد.

و أمّا ضمانه بعد ضمانه فظاهر بعد البناء على عدم جوازه؛ لكونه تعدّيا في مال الطفل و خروجا عن مقتضى الأمانة من غير فرق بين ما إذا اعتقد عدم جواز التصرف المذكور أو جوازه؛ لأنّ الضمان من الأحكام الوضعيّة الّتي لا يفترق الحال فيها بين الوجهين، و إن انتفى عنه المعصية مع عدم تقصيره في استعلام المصلحة.

و الظاهر حينئذ ضمانه بمجرّد ضمانه و نقله إلى ذمّته، و إن لم يتصرف فيه خارجا بتجارة غيرها.

و قد يتأمّل فيما إذا كان ذلك مع اعتقاد الجواز؛ نظرا إلى عدم تصرفه في المال بحسب الخارج، و مجرّد بنائه على ضمانه لا يعدّ تصرّفا في المال عرفا، و لا يعدّ متعدّيا حينئذ مع اعتقاد الجواز، سيما إذا كان لمصلحة الطفل.

و أمّا كون الربح لليتيم فللنصّ عليه في الروايات المذكورة و غيرها، و لأنّ المعاملة إنّما وقعت من وليّه بماله، فيحكم بصحّتها، و يكون العوض تابعا لمعوّضه.

و أنت خبير بأنّ المقصود بالعقد الواقع إنّما هو الانتقال إلى الولي بنفسه دون الطفل بانصرافه إلى الطفل بمجرّد كون العوض من ماله مع عدم قصد الانتقال إليه غير متّجه.

و لذا اعتبر في المدارك (1) في انتقاله إلى الطفل التحاقه بالإجازة مع احتماله بطلان العقد من أصله، و لو قلنا بصحّة الفضولي مع الإجازة؛ لأنّه لم يقع للطفل من غير من له (2) النظر ابتداء،

____________

(1) مدارك الأحكام 5/ 20.

(2) في (د): «إليه».

27

و إنّما وقع ابتداء بقصد التصرف على وجه منتفى (1) عنه.

و لا فرق في ورود الإشكال المذكور بين ما إذا كان المتصرّف كذلك وليا أو غيره. و لذا أورد ذلك في المقامين.

قلت: أمّا الاحتمال المذكور فهو اجتهاد في مقابلة النص؛ فإنّ النصوص المذكورة صريحة في صحّة العقد، و ذلك دليل في الحقيقة على صحّة فضولي الغاصب بعد تعقّب الإجازة، فلا اختصاص للحكم بالمورد المذكور.

و عدم قصد الانتقال إلى المالك حين العقد غير مانع من صحّته؛ إذ ليس تعيين شخص البائع أو المشترى من أركان العقد، بل و لا من شرائطه، و لذا لا يلزم البائع إعلام المشتري بكونه وكيلا لا أصليّا، و لا إعلام المشترى إيّاه كونه وكيلا في الشراء.

و لتفصيل الكلام في ذلك محلّ آخر.

و ممّا قرّرنا ينقدح الوجه في عدم اعتبار لحوق الإجازة في المقام أيضا كما هو قضية إطلاق الأخبار؛ لوقوع العقد من أهله في محلّه، و اختصاص الوجه في صحته بانصرافه إلى مالك العوض، فتأمل.

هذا كلّه إذا وقع الشراء بعين مال الطفل كما هو المفروض في المقام؛ إذ لا يكون اتّجارا بمال الطفل حقيقة من دونه، و أمّا إذا وقع الشراء في الذمة و دفع (2) العوض من مال الطفل سواء كان مع نقله إلى ذمته أو لا فله الربح.

و ربّما يتوهم من إطلاق النصوص كون الربح حينئذ لليتيم أيضا، إلّا أنه يندفع ذلك بما عرفت من عدم كونه اتّجارا بمال الطفل حقيقة، و على فرض تسليم عدّه عرفا من ذلك فتنزيل الروايات على ما قلناه؛ جمعا بينها و بين القواعد المعلومة ممّا لا إشكال فيه.

فالاستشكال في المقام من جهة إطلاق النصوص- كما يستظهر من كلام جماعة من المتأخرين- ليس على ما ينبغي. و أمّا عدم استحباب الزكاة في المقام فبالنسبة إلى المتّجر نفسه

____________

(1) في (د): «منهىّ».

(2) في (ألف): «وقع».

28

فظاهر.

و أمّا بالنسبة إلى الطفل فقد علّله في المسالك (1) بعدم قصده عند الشراء، فيكون قصد الاكتساب للطفل طارئا عليه.

و سيأتي أنّ مقارنة القصد (2) المذكور شرط في زكاة التجارة.

و ضعّفه في المدارك (3) بأنّ الشرط هو قصد الاكتساب عند التملّك، و هو هنا حاصل بناء على أن الإجازة ناقلة لا كاشفة.

و فيه: أنّ البناء على كون الإجارة ناقلة موهون بما قرّر في محلّه، فلا يتم ما ذكره. فالأولى أن يقال: إنّ غاية ما دلّ عليه الدليل اعتبار قصد الاكتساب عند التملك في الجملة، و هو حاصل في المقام.

و يدفعه أن ثبوت الزكاة و لو على سبيل الندب على خلاف الأصل، سيّما بالنسبة إلى مال الغير، و القدر المفهوم من الأخبار المذكورة هو ثبوته فيما إذا كان الاتّجار للطفل لا ما إذا وقع له، فهو من جهة قصد التجارة له بالإجازة اللاحقة و الإجماعات المحكيّة على المسألة غير جارية في المقام؛ لوضوح الخلاف فيه.

و نصّ الجماعة بعدم ثبوت الزكاة فيه كما عرفت، و مع عدم قيام الدليل عليه يتعيّن النبإ على مقتضى الأصل، و بالقواعد من المنع من التصرف في مال الطفل بما يترتب عليه ضرر.

و بذلك يضعف ما ذهب إليه الشهيدان (4) و المحقّق الكركي (5) من ثبوت الزكاة في مال الطفل هنا أيضا.

الخامسة: أن يكون الاتّجار من غير الولي لنفسه سواء كان مليّا أو غيره. و حينئذ

____________

(1) مسالك الإفهام 1/ 357.

(2) في (ب): «الأصل».

(3) مدارك الأحكام 5/ 20.

(4) البيان: 165، مسالك الإفهام 1/ 358.

(5) جامع المقاصد 3/ 5.

29

فالمنصوص به في كلام جماعة هو ما تقدّم في الصورة المتقدّمة من عدم صحّة الضمان، و ضمانه لمال الطفل، و كون الربح لليتيم، و عدم استحباب الزكاة.

و الوجه في الأوّلين ظاهر بعد فرض انتفاء الولاية.

و أمّا كون الربح لليتيم فيتوقف على الإجازة؛ لوضوح عدم مضي معاملة غير الولي من دونها، و إطلاق ما ورد في الأخبار المتقدّمة من كون الربح لليتيم منزل على حصول الإجازة من الولي؛ نظرا إلى موافقة الواقع لمصلحة الصبيّ.

و الاستشكال في توقفه حينئذ على الإجازة لإطلاق النصوص- كما يظهر من جماعة- ليس في محلّه.

و كذا ما استشكله صاحب المدارك (1) في صحته بعد الإجازة؛ لما عرفت.

و أمّا أنّه لا زكاة فلما عرفت من عدم وقوع المعاملة بقصد الاتّجار للطفل.

و قد حكم الشيخ في النهاية (2) بثبوت (3) الزكاة في المقام أيضا. و تبعه الجماعة المذكورون حيث حكموا باستحباب إخراج الزكاة من مال الطفل في كلّ موضع يقع الشراء له.

و قد عرفت ما فيه.

هذا، و لو أجاز الولي ذلك للمتّجر إذا كان بحيث يصحّ له إجازته كان الربح و استحب له إخراج زكاته كسائر أموال التجارة.

تنبيهات

و ينبغي التنبيه على أمور:

أحدها (4): أنّ المراد بالملاءة كونه بحيث يقدر على أداء المال المضمون من ماله

لو تلف

____________

(1) مدارك الاحكام 5/ 22.

(2) النهاية: 174.

(3) في (ألف): «ثبوت».

(4) في (ألف): «السادسة»، و عليه فهي من التتميمات السابقة، إلّا أنه لا يبقى معنى لعبارة المصنف: «

30

بحسب حاله كما في المدارك (1) و الرياض (2).

و فسّره في المسالك (3) و مجمع البرهان بأن يكون له مال بقدر مال الطفل فاضلا من المستثنيات في الدين الّتي منها مقدار قوت يوم و ليلة له و لعياله الواجبي النفقة.

و في الذخيرة (4) أنه أنسب إلى الرواية و كلام بعض الأصحاب.

و الأوّل هو الأظهر؛ إذ من المعلوم أنّ اعتبار الملاءة إنّما هو من جهة اغترامه مال الطفل إن تلف. و هو الظاهر من الأخبار المتقدمة، فمجرّد ملكه مقدار مال الطفل فاضلا عن مستثنيات الدين لا يكتفي في بعض الصور كما إذا لم يكن له حرفة يتعيّش بها، و كان المصروف في معيشته من ذلك المال، فإنّ ملاحظة يوم و ليلة حال الضمان لا يثمر في أداء المال عند تلفه بعد ذلك، و لا يعدّ معه (5) مالكا لما يقدر على الأداء عرفا.

ثمّ إنّ ظاهر إطلاق الحدّين المذكورين الاكتفاء بمجرّد ملك المال المفروض، و إن كان له ديون أخر بإزائه يساويه أو يزيد عليه، و صدق الملاءة حينئذ مشكل.

و قد ينزل إطلاقهما على المال الخالص الذي لا يكون عليه دين بإزائه.

و الظاهر عدم الفرق بين غياب المال و حضوره، و كونه من جنس (6) ما يضمن به مال الطفل أو من غير جنسه، و لو كانت منفعة و كونه مشخصا في الخارج أو كليا في الذمّة، و إنّما يعتبر كونه مقدورا عليه بحسب العادة إذا أراده.

و لو كان رهنا بإزاء دين عليه ففي الاكتفاء به مع زيادة مقداره على المال المرهون بإزائه إشكال إلّا أن يكون ذلك الرهن متيسّرا له بحسب العادة.

____________

و ينبغي التنبيه على أمور».

(1) مدارك الأحكام 5/ 18.

(2) رياض المسائل 5/ 35.

(3) مسالك الإفهام 1/ 356.

(4) ذخيرة المعاد 3/ 422.

(5) في (ألف): «بعدّمه» بدل «يعدّ معه».

(6) في (د): «حيث».

31

و بالجملة، المدار على ملك ما يقدر معه على أداء مال الطفل على فرض تلفه كيفما كان حسبما اعتبر في التفسير المذكور، و لا عبرة بإمكان الاستدامة مهما أراد.

و أمّا بالوجاهة الباعثة على بذل الغير له ذلك مهما أسقطاه و لو لم يملكه حال الضمان لكن كان بحيث يحكم بحصوله مجارى العادات كثمر البستان و نتاج الغنم و نحوها قوي إلحاقه بالموجود.

و اعتبر في النهاية (1) تملكه في الحال ما يفي به، و لو كان ماله في عرضة الزوال كالمبعوث في سفر البحر أو سائر مواضع الخطر، فإن [كان] بحيث يبنى على بقائه في مجارى العادات بني عليه، و إلّا فإشكال.

و لو تلف هناك مال و دار أن يكون منه أو من غيره ففي إجراء حكم الملاءة مع توقّفه على بقائه وجهان.

و منها: أن العبرة باعتبار الملاءة إنّما هي حال الضمان، فلو انتفت بعد ذلك لم يجب عليه إقرار المال؛ أخذا بالأصل مع احتماله نظرا إلى أن المانع في الابتداء حاصل في الاستدامة أيضا.

و منها: لا فرق فيما ذكر بين مال اليتيم و غيره اتفاقا، و إن كان مورد الأخبار المتقدّمة خصوص اليتيم، و كان ورود السؤال عن خصوص اليتيم في الأخبار المذكورة من جهة كون السبب غالبا في انتقال المال إلى الطفل موت أبيه.

و الظاهر اختصاص الحكم بالمولود دون الحمل، فلا زكاة في مال الحمل لا استحبابا و لا وجوبا؛ بناء على القول به في غلاته و مواشيه، فلا يعذر من الجهل من الحول.

و قد نصّ عليه جماعة منهم الشهيد في غاية المراد لكنّه استقرب في البيان (2) إلحاقه المنفصل لو انفصل حيّا دون ما لو سقط ميّتا، (3) و هو بعيد؛ لعدم اندراجه في الأخبار، و خروجه عن ظاهر كلام الأصحاب.

____________

(1) النهاية: 174.

(2) البيان: 166.

(3) في (د): «ميتا».

32

فلا محيص عن الرجوع فيه إلى حكم الأصل القاضي فيه إلى حكم الأصل بالمنع.

و في الإيضاح (1) حكاية إجماع أصحابنا عليه. و هو شاهد آخر عليه.

و منها: أنّ الظاهر أنّ المجنون حاله فيما ذكر كحال الطفل لمساواته (2) في المعنى.

و قد نصّ على اتحادهما في الحكم في المقام جماعة من الأصحاب من غير ظهور خلاف فيه.

قال العلامة المجلسي (3): و الأصحاب لم يفرّقوا بين الطفل و المجنون في الأحكام المذكورة.

و قد دلّ على استحباب الزكاة في ماله مع الاتّجار به خصوص الصحيح و الخبر المتقدمين المعتضدين بعمل الأصحاب.

و لو جنّ أوّل بلوغه و كان في أثناء الحول، ففي استحباب الزكاة عند حلوله وجهان؛ أوجههما ذلك.

و كذا الحال فيمن يكون جنونه دوريّا.

و يقوي القول باجراء الحكم المذكور في المغمى عليه و السكران أيضا و إن تلحقهما (4) بالنائم و الغافل.

و منها: أنّه لو اتّجر للطفل أو المجنون فرضا عليه من غير أن يكون له مال أو يصرف ماله فيه، ففي استحباب إخراج الزكاة منه وجهان؛ أوجههما العدم؛ اقتصارا فيما خالف الأصل على مورد النصّ؛ إذ لا يعدّ ذلك اتّجار [ا] بمال الطفل أو المجنون.

و لو اشترى لأحدهما ذمّة و دفع ماله بازائه فلا يبعد (5) إجراء الحكم بعده عرفا من الاتجار له بماله، فتأمل.

____________

(1) إيضاح الفوائد 1/ 167.

(2) في (د) زيادة: «له».

(3) لم نجد ما ذكره العلامة المجلسي (قدّس سرّه)، فراجع لعلّك تجده إن شاء اللّه.

(4) في (د): «إن لم نلحقهما».

(5) لم ترد في (ب): «فلا يبعد ... و ذي الأدوار».

33

ثانيها (1): انّه لا فرق في المجنون بين المطبق و ذي الأدوار إذا كان دور جنونه حال تعلق الوجوب به؛

لوضوح صدق المجنون عليه حينئذ، فيندرج فيما دلّ على سقوطه عنه، و لخروجه بذلك عن التكليف.

فيدل على سقوطه ما دلّ على ملازمة وجوبه لوجوب الصلاة.

و ربّما يستظهر من إطلاق ما في المدارك (2) و الذخيرة (3) خلاف ذلك حيث استقرب في الأوّل تعلّق (4) الوجوب حال الإفاقة؛ إذ لا مانع من توجّه الخطاب به في تلك الحال.

و نفى عنه البعد في حواشي التهذيب.

و استحسنه الثاني لعموم الأدلّة، قال: إلّا أن يصدق عليه الجنون حال الإفاقة كما إذا كان زمان الإفاقة قليلا نادرا بالنسبة إلى زمان الجنون.

و ضعفه ظاهر بعدم (5) تعلّق الحق بمالهما في زمان الوجوب؛ إذ لا دليل إذن على ثبوته بعد ذلك.

مضافا إلى أنّه قد ينثلم إذن بعض شرائط الوجوب، فلا وجه لتعلّق الأمر به بعد ذلك.

و قد ينزل ما ذكراه على اعتبار الإفاقة حال تعلّق الوجوب، فالمقصود أنّه إن كان مفيقا حال الوجوب تعلّق به الزكاة (6)، و إن طراه الجنون أثناء الحول حسبما سنشير إليه إن شاء اللّه، لكن ظاهر إطلاقهما يعمّ ما ذكرناه.

و يومي إليه ما ذكراه في المغمى عليه كما سيجيء إن شاء اللّه.

و لو كان مفيقا حال الوجوب و جنّ عند وقت الأداء احتمل السقوط؛ لارتفاع التكليف منه، و اندراجه في إطلاق ما دلّ على سقوطه عن المجنون، إلّا أنّ الأظهر عدمه؛ استصحابا

____________

(1) في (د): «ثالثها»، و لا ثاني له؛ و على الذي في المتن فلا ثالث، فتدبّر. و في (ألف): «ثانيهما»!

(2) مدارك الأحكام 5/ 16.

(3) ذخيرة المعاد 3/ 421.

(4) في (ب): «تعليق».

(5) في (د): «بعد عدم».

(6) في (ألف): «بالزكاة».

34

للحكم الثابت في المال، فيكلّف الولي حينئذ بإخراجه.

و اندراج ذلك في الإطلاق المذكور غير ظاهر.

كيف، و المفروض كونه عاقلا حال الوجوب، غاية الأمر صدق المجنون عليه بعد ذلك، و هو غير مفيد بعد تعلق الوجوب بالمال بحكم الإطلاقات.

و دعوى كشف ذلك إذن عن عدمه غير ظاهرة مع إطلاق الأدلّة.

رابعها: قال في التذكرة (1) و القواعد (2): لو كان الجنون يعتوره اشترط الكمال طول الحول،

فلو فرض في أثنائه سقط و استأنف من حين عوده.

و استقرب في المدارك (3) عدم انثلام الحول بذلك، فيتعلق بالوجوب حال الإفاقة.

و استحسنه في الذخيرة (4) إلّا إذا صدق عليه الجنون لقلّة زمان الإفاقة كما مرّت الإشارة إليه.

و الوجه فيما ذكراه إطلاق الأدلّة و عدم قيام دليل على اعتبار الاستمرار و العقل (5) طول الحول.

و فيه: أن الظاهر من سقوط الزكاة عن المجنون الحكم بعدم تعلّق التكليف به عند حلول الحول كما أنّه المراد من الحكم بوجوبه على العاقل؛ لوضوح سقوطها عن العامل بتنجيز قبل الحول، و الحكم بسقوطه عنه عند الحلول قاض بما ذكروه من اعتبار العقل طول الحول؛ إذ لو جنّ في أثناء الحول كان محكوما بسقوط الزكاة عنه حال حلول، الحول فلا بدّ من ملاحظة الحول من حال زوال الجنون.

فإن قلت: إنّ المراد بسقوطه من المجنون إنّما هو مع بقاء الجنون دون ما إذا زال كما هو

____________

(1) تذكرة الفقهاء 1/ 201.

(2) قواعد الأحكام 1/ 330.

(3) مدارك الأحكام 5/ 16.

(4) ذخيرة المعاد 3/ 421.

(5) في (د): «الاستمرار العقل».

35

المفروض في المقام.

قلت: قضيّة إطلاق ما دلّ على سقوطه عن المجنون هو عدم وجوبه عليه عند حلول الحول سواء كان عاقلا حينئذ أو مجنونا.

و تقييد السقوط عنه بما إذا بقي الجنون خروج عن ظاهر الإطلاق من غير دليل.

مضافا إلى أنّ المناط ممّا دلّ على اعتبار الحول فيما يعتبر فيه ذلك مراعاته في تنجيز الخطاب بعد كونه متعلّقا لخطاب الزكاة في الجملة، و المجنون ليس من أهله.

و يومي إليه ما رواه الكليني (1) و الصدوق (2) في الصحيح من أنّه نزلت آية الزكاة في شهر رمضان، فأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مناديه فنادى في الناس: إنّ اللّه فرض عليكم الزكاة .. إلى أن قال: ثمّ لم يتعرض لشيء من أموالهم حتّى حال عليهم الحول .. الخبر.

فانّه لو لا ذلك لطالبهم بأداء الزكاة عند إيجابها؛ نظرا إلى مضيّ الحول السابق قبل تعلّق الأمر بها، فالمستفاد منه أنّ حولان الحول إنّما يعتبر بعد تعلّق الأمر بالزكاة، و لا يتعلّق في المقام إلّا بعد حصول الفعل.

و يرشد إليه أيضا أن المجنون محجور عليه في التصرف، فيدلّ على سقوط الزكاة عنه في المقام ما دلّ على اعتبار التمكّن في التصرف طول الحول في وجوب الزكاة. و تنزيل تمكّن الولي من التصرف فيه منزلة تمكّنه يحتاج إلى الدليل.

و ممّا ذكرنا يظهر الحال في الصبي أيضا، فمناقشة صاحب الذخيرة (3) في احتساب أوّل الحول بعد تحقّق البلوغ لعدم قيام دليل على اعتبار ذلك، و إطلاق ما دلّ على اعتبار الحول ليس على ما ينبغي.

مضافا إلى ظاهر موثقة أبي بصير المتقدمة، و قد روى في الصحيح (4) أنّه «ليس على مال

____________

(1) الكافي 3/ 497، باب فرض الزكاة و ما يجب في المال من الحقوق، ح 2.

(2) من لا يحضره الفقيه 2/ 14، باب الأصناف التي تجب عليها الزكاة، ح 1598.

(3) ذخيرة المعاد 3/ 421.

(4) الكافي 3/ 541، باب زكاة مال اليتيم، ح 4؛ وسائل الشيعة 9/ 84، باب وجوبها على البالغ العاقل، ح

36

اليتيم زكاة، و إن بلغ اليتيم فليس عليه لما مضى زكاة و لا عليه فيما بقي حتى يدرك، فإذا أدرك فإنّما عليه زكاة واحدة، ثمّ كان عليه مثل ما على غيره من الناس» و لا يبعد اتّحاد الخبرين، و إن اختلفا في الجملة و اشتمل الأوّل على زيادة.

و دلالته على المدّعى ظاهرة؛ فإنّ قوله (عليه السلام): «و ليس عليه لما مضى زكاة» ظاهر في عدم اعتبار الماضي أصلا، و لو بعضا من الحول.

و مع الغضّ عنه فدلالته على عدم اعتبار (1) الحول في مال الصغير (2) فيما إذا فرض بلوغه في أول حولان الحول في غاية الوضوح.

و هو أيضا كاف (3) في المقام؛ إذ لو لا اعتبار البلوغ في الحول لاكتفى بحصول البلوغ في حال الحولان.

و الفرق في ذلك بين البعض (4) و الكلّ كما قد يستفاد من كلام الفاضل المذكور تعسّف (5) غريب.

على أنّه لو فرض نقض ذلك عن الحول بمقدار آنات أو ساعات بل أيّام لاندرج في العبارة المذكورة قطعا، و الفرق في ذلك بين القليل و الكثير ممّا لا يتوهمه أحد في المقام.

و أيضا قوله (6) (عليه السلام): «و لا عليه فيما بقي أو لما يستقبل ...» إلى آخره، على اختلاف الروايتين في كمال الظهور فيما ذكرناه؛ فإنّ الظاهر كون المراد من قوله (7) (عليه السلام) «حتّى يدرك» إدراك وقت الوجوب أو الحول دون البلوغ؛ لفرض ذلك فيما بعد البلوغ كما هو الظاهر من

____________

3.

(1) في (ب) زيادة: «قيام» و في (د) زيادة: «تمام».

(2) في (د): «في حال الصغر».

(3) في (د): «كان».

(4) لم ترد في (ب): «بين البعض ... نقض ذلك».

(5) قد تقرأ في النسخ: «تصف».

(6) الكافي 3/ 541، باب زكاة مال اليتيم، ح 4.

(7) الحديث المتقدم.

37

عطف ذلك على قوله: «فليس عليه لما مضى زكاة»، فالظاهر منه حينئذ اعتبار الحول بعد البلوغ كما لو قيل: «إذا وصل إليك المال الغائب منك لم يكن فيه زكاة إلى أن يحول عليه الحول» فإنّ المستفاد منه عرفا اعتبار حلول الحول بعد الوصول إليه، فكذا الظاهر في المقام.

على أنّ عدم ثبوت الزكاة في بقية الحول أمر ظاهر بعد اعتبار الحول. و لم يرد ذلك في مقام بيان أصل اعتبار الحول حتى يصرف الكلام المذكور إليه، فحمله عليه في كمال البعد.

و قوله: «و كان عليه مثل ما على غيره من الناس» توضيح للحكم المذكور و بيان لحكمه في سائر السنين و الأعوام.

و قد يجعل قوله: «و ليس عليه ... لما يستقبل» أو ما في مقامه جملة مستأنفة، و يحمل الإدراك على البلوغ، فالمعنى أنّ اليتيم ليس عليه لما يأتي زكاة إلى أن يبلغ، فاذا بلغ كانت عليه زكاة واحدة، فإذن لا دلالة فيها على ما ذكرنا، بل ربّما يدل على خلافه.

و حينئذ يكون قوله: «و كان عليه مثل ما على غيره من الناس» بيانا لحكمه بالنسبة إلى ما بعد ذلك.

و هذا الوجه أنسب بما في الرواية الثانية من قوله: «ثمّ كان عليه مثل ..» إلى آخره، إلّا أنّ حملها على ذلك يقضي بالمعارضة بين ذيل الرواية و صدرها.

و مع ذلك فحمل (1) تلك الجملة على الاستيناف في كمال البعد، و الحكم المشتمل عليه ممّا لم نقف على قائل به، فلا وجه لحمل الرواية عليه.

و لا يذهب عليك أنّه بعد دلالة الرواية المذكورة على اعتبار الحول بعد البلوغ يظهر منه الحال في المجنون أيضا؛ إذ لا فرق بينهما في ذلك، فبملاحظة ما ذكرنا يتّضح الحال في المقام سيّما بعد إطباق الأصحاب عليه في ظاهر كلماتهم.

و قد صرّح به جماعة من غير خلاف يظهر فيه عدا ما أشرنا إليه، فتأمل.

خامسها: ألحق في التذكرة (2) و النهاية (3) الإغماء بالجنون،

فلو طرأ عليه حال تعلّق

____________

(1) في (د): «فيحمل».

(2) تذكرة الفقهاء 1/ 201.

(3) نهاية الإحكام 2/ 300.

38

الوجوب سقط (4) أو في أثناء الحول قضى باستينافه فيما يعتبر الحول فيه.

و استشكله جملة من المتأخرين منهم صاحبا المدارك (5) و الذخيرة (6) و مالا بل قالا بوجوب الزكاة عليه عند الإفاقة؛ نظرا إلى عدم اندراجه في المجنون و عدم قيام دليل آخر على سقوطها عنه، فغاية الأمر عدم كونه أهلا للتكليف حال الإغماء، لكنّ النائم كذلك أيضا فهو كالنوم في تحقق التكليف بالزكاة بعد زواله و عدم انقطاع الحول بعروضه؛ أخذا بالإطلاقات.

و قوّاه العلّامة المجلسي في حواشي التهذيب.

و فيه: مع أنّه البناء على كون ثبوت الزكاة في الأصل من الأحكام التكليفيّة و جعل حكمه الوضعي- أعني استحقاق الفقير سهما من المال- تابعا لحكمه التكليفي كما هو الظاهر من جماعة من الفقهاء- و منهم الفاضلان المذكوران حسبما مرّت الإشارة إليه- لا يتّجه الكلام المذكور؛ إذ لا يعقل تكليفه بالزكاة حال الإغماء فلا يتعلّق الحقّ بماله حينئذ أيضا.

و مع براءة المال حال وجوب الزكاة عن تعلّقها به لا وجه لوجوب الزكاة و تعلّقها به بعد ذلك؛ فإنّ مقتضى الأدلّة وجوب الزكاة في ذلك الوقت، و لا دليل على وجوبها بعد ذلك.

كيف و قد ينهدم النصاب حينئذ أو يتبدل المال بعد حلول وقت الوجوب قبل الإفاقة، فقضية الأصل إذن عدم وجوبها على من نام حال تعلّق الوجوب أو طراه الغفلة عنها إلّا أنّهما خرجا بالإجماع بخلاف المغمى عليه.

و بملاحظة ما قرّرنا في انهدام الحول بطروّ الجنون في الأثناء و إن عقل حال الوجوب يظهر قوة القول بانهدامه أيضا لطروّ الإغماء بناء على الفرض المذكور.

نعم، لو قلنا بعدم الملازمة بين الحكم الوضعي المتعلّق بالمال و التكليفي المتعلّق بالمال

____________

(4) في (ألف): «سقطا».

(5) مدارك الأحكام 5/ 23.

(6) ذخيرة المعاد 3/ 21.

39

أخذا بظاهر كثير من الاطلاقات (1)- حسبما مرّت الإشارة إليه- صحّ التعلّق بالإطلاق، فيتعلّق به التكليف بالأداء مع بقاء الحق فيه مهما أفاق إلّا أن يقال: إنّ قضيّة ارتباط وجوب الزكاة بوجوب الصلاة عدم وجوبها مطلقا مع انتفاء التكليف، فلا يثبت الحق في المال.

و قد يناقش فيه بالمنع من عدم وجوب الصلاة عليه بحسب الواقع، غاية الأمر سقوط ذلك عنه من جهة قيام العذر كما في النائم و الناسي و نحوهما.

و كذا الحال في المجتهد إذا لم يصل إلى وجوب شيء أو حرمته و أداء الدليل إلى خلافه، فلا شكّ إذن في كون الحكم في شأنه هو ما ساقه الدليل إليه إلّا أنّ ذلك لا يقضي بكون حكمه الواقعي الأوّلي هو ذلك، و إلّا لزم التصويب، فليس تكليفه إذن بمقتضى فهمه إلّا ظاهريّا ثانويا، و يسقط معه التكليف الأوّلي من جهة قيام العذر.

و بمثله نقول في سقوط التكليف عن المغمى عليه و النائم و الناسي و نحوهما، و هو إنّما يستمر حينئذ باستمرار العذر، فإذا انكشف الخلاف بني على ما يقتضيه الواقع، و لزم البناء على جميع لوازمه من الأحكام الوضعيّة أو التكليفيّة المترتّبة عليه إلّا أن يقوم دليل على خلافه، كما ثبت بالنسبة إلى أحكام المجتهد.

فحينئذ نقول: إنّ ثبوت الزكاة عليه بالنظر إلى حكمه الواقعي الأوّلي كاف في تعلّق الحق بماله و سقوط الحكم التكليفي عنه في الظاهر.

فما طراه من العذر لا يقضي بسقوط ذلك من ماله، بل إنّما يقضي بارتفاع التكليف عنه ظاهرا (2) ما دام العذر باقيا، فإذا ارتفع العذر لزم البناء على مقتضى ذلك الحكم (3).

و يظهر ممّا ذكرنا قاعدة كلية تجري في كثير من أبواب الفقه، فليتأمل في المقام؛ فإنّه حريّ (4) بالتأمل التام.

____________

(1) في (ألف): «الإطلاق».

(2) في (ألف): «ظاهر».

(3) في (ألف): «للحكم».

(4) في (ألف): «جرى».

40

و يجري ما ذكروه و ذكرناه في السكران.

و ذهب بعضهم في إلحاقه بالمغمى عليه في سقوط الزكاة عنه. و قد يفصّل بين السكر الحاصل بالمحرّم و غيره، فينزل الأول منزلة الشاعر؛ بناء (1) على أن سقوط الزكاة عنه نوع من الرخصة، و هي لا تناط بالمعصية.

و أيضا فيه تأمل.

سادسها: المأمور بإخراج الزكاة من مال الطفل و المجنون استحبابا أو وجوبا هو الولي

و إن قلنا بشرعية عبادات المميّز و جواز تعلّق الاستحباب به؛ لوضوح أنّ دفع الزكاة من التصرفات الماليّة، و هو محجور عليه.

و لو بلغ الطفل و أفاق المجنون عند حلول الحول ففي ثبوت الاستحباب لهما وجهان؛ أوجههما ذلك؛ نظرا إلى أن الولي إنّما يتولّى ذلك عن قبل الطفل و المجنون من جهة الحجر عليهما، فإذا زال الحجر تعلّق الحكم المذكور بهما؛ و إنّ ظاهر الأخبار ثبوت الزكاة في مالهما فيستحبّ الإخراج لهما بعد كمالهما.

و على القول بالوجوب فالأمر أظهر.

و لو بلغ أو عقل في أثناء الحول ففي ثبوت الاستحباب عند الحولان الوجهان.

و مع البناء على الثبوت و أدائه لها عند حلول الحول لا يجب عليه الأداء ثانيا عند حلوله بملاحظة حال كماله؛ إذ لا يزكي المال في عام مرتين.

و الظاهر كون زمان اختيار الطفل هو كحال صغره، فلو حال عليه الحول في أثنائه أو صادف ذلك وقت الوجوب في غير ما يعتبر فيه الحول لم يبعد ثبوت الاستحباب فيتولّاه الولي.

سابعها: لو ثبت الزكاة في مال الطفل أو المجنون و لم يدفعها الولي قوي استحباب الإخراج لهما بعد كمالهما و بقاء المال،

و لو قلنا بوجوب الإخراج وجب عليهما لما عرفت.

____________

(1) الشاعر: أي الذي له شعور، و ليس بسكران.

41

أمّا مع تلف المال فعلى القول بالوجوب يضمنه الولي إذا كان المال في يده و تهاون في الأداء، و إن يكن في يده و تهاون في أدائه ففي ضمانه وجهان.

و لا حرج عليهما بعد كمالهما.

و على القول بالاستحباب ففي ضمان الولي له استحبابا نظر.

و في الدروس (1): إنّ الولي يضمن لو أهمل مع القدرة في ماله وجوبا أو ندبا لا في مال الطفل، فتأمل فيه.

____________

(1) الدروس 1/ 229.

42

تبصرة [في اشتراط الحرية]

من شرائط وجوب الزكاة الحريّة، فلا يجب زكاة على المملوك. و هو المعروف من مذهب الأصحاب.

و في التذكرة (1): الحريّة شرط في الزكاة، فلا يجب على العبد بإجماع العلماء، و لا نعلم فيه خلافا إلّا عن عطا و أبي ثور. ثم خطّاهما في ذلك.

لكن نصّ في المعتبر (2) و المنتهى (3) بوجوب الزكاة عليه على تقدير ملكه، فلا يتجه عدّ الحرّية شرطا كما ذكر فيهما.

و قد نصّ في المختلف (4) على اختلاف علمائنا في وجوب الزكاة عليه؛ بناء على القول بملكه و أنّ فيه قولين للأصحاب.

و كيف كان، فالمتّجه عدم وجوب الزكاة عليه. أمّا على القول بعدم ملكه فظاهر، و أمّا على القول بملكه فللمعتبرة المستفيضة: منها الصحيح (5): «ليس في مال المملوك شيء، و لو كان له ألف ألف».

و في صحيحة أخرى: (6) عن مال المملوك أ عليه زكاة؟ فقال: «لا و لو كان ألف ألف درهم».

____________

(1) تذكرة الفقهاء 1/ 201.

(2) المعتبر 2/ 489.

(3) منتهى المطلب 1/ 472 و 473.

(4) مختلف الشيعة 3/ 156.

(5) الكافي 3/ 542 باب زكاة مال المملوك، ح 1.

(6) وسائل الشيعة 9/ 91، باب وجوب الزكاة على الحر و عدم وجوبها على المملوك، ح 3.

43

و في الموثّق (1): قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما تقول في رجل يهب لعبده ألف درهم أو أقل أو أكثر: إلى أن قال: قلت: فعلى العبد أن يزكّيها إذا حال الحول؟ قال: «لا إلّا أن يعمل له فيها».

و في الصحيح (2): قلت له- يعني الصادق (عليه السلام):- مملوك في يده مال، أ عليه زكاة؟ قال:

«لا». قلت: على سيّده؟ قال: «لا إلّا (3) أنّه لم يصل إلى السيّد و ليس هو المملوك (4)».

فقد اتضح بملاحظة الروايات المذكورة المعتضدة بفتوى الفرقة و الإجماع المنقول القول بوجوب الزكاة عليه بناء على القول بملكه لصراحة ما (5) عدا الصحيحة الأخيرة في خلافه.

مضافا إلى أنّه على القول بملكه محجور عن التصرف فيه من جهة الرقيّة كما نصّ (6) عليه، فلا يكون ملكه تامّا.

و قد منعه المحقّق في المعتبر (7) و قال: إنّه على تقدير تملّكه يكون ملكه تامّا؛ إذ (8) له التصرف فيه كيف شاء.

و تبعه المحقّق الأردبيلي (9) و قال: إنّ ذلك غير واضح لي مطلقا. مضافا إلى أن (10) أصل جواز التصرف للملاك فيما يملكونه.

نعم، لا يجوز لهم التصرف في أنفسهم بغير الإذن.

ثمّ إنّه بعد ما ذكر الصحيحين المتقدمين، و استدلّ بهما على حصول الملك للعبد؛ نظرا إلى

____________

(1) وسائل الشيعة 9/ 92، باب وجوب الزكاة على الحر و عدم وجوبها على المملوك، ح 6.

(2) الكافي 3/ 542، باب زكاة مال المملوك، ح 5.

(3) لم ترد في (ب) و (د): «إلّا»، و في المصدر: «لا لأنه».

(4) في النسخ: «المملوك».

(5) في (ألف): «لصراحتهما».

(6) في (د): «نصّوا».

(7) المعتبر 2/ 489.

(8) في (ب): «إن».

(9) مجمع الفائدة 4/ 18.

(10) في (ب): «إلى» بدون نقطة «أن».

44

إضافة المال فيهما إلى العبد الظاهرة (1) في الملكيّة قال: إنّ عدم الزكاة يحتمل كونه للحجر، فلو صرفه المولى فأزال حجره يمكن وجوب الزكاة كما قيل به.

و قيل: لا لعدم اللزوم له، و هذا الاحتمال كما ترى مناف لما ذكره أوّلا من منع الحجر عليه بناء على تملكه.

و قد حكى القول المذكور في الحدائق (2) و نفى البعد عنه؛ لما رواه في قرب الإسناد (3) عن عبد اللّه بن الحسن، عن علي بن جعفر، عن أخيه (عليه السلام) قال: «ليس على المملوك زكاة إلّا بإذن مواليه». و أيّده بالعمومات الدالّة على وجوب الزكاة على من ملك النصاب، فتخصص العمومات المتقدمة بهذه الرواية.

قال: و كيف كان، فلا ريب أنّه الأحوط.

قلت: لو كان مبنى المسألة عدم ملكيته للعبد أو عدم تماميّة ملكه لم يتّجه جعله عنوانا آخر (4)، و توقّف صحّة الحكم المذكور على إثبات أحد الأمرين المذكورين.

و كأنّ المناقشة فيهما مناقشة في إثبات الحكم المذكور، لكن ظاهر جعله عنوانا آخر- كما في كلام الأكثر- يومي إلى كون المناط فيه غير ما ذكر، و أنّ الحريّة بنفسها من الشرائط.

و كيف كان، فالظاهر ثبوت الحكم المذكور مع قطع النظر عن ثبوت الحكمين المذكورين، و إن كان إثبات كلّ منهما كافيا في إثباته على تأمّل في الأخير، سيّما مع إذن المولى له في التصرف كيف شاء، و ذلك لأنّ الأخبار المذكورة المعتضدة بعمل الطائفة مطلقة و دلالتها على المطلق واضحة مع وضوح أسانيدها، فهي كافية في إثبات المطلق و إن لم يثبت شيء ممّا ذكر.

نعم، يحتمل أن يكون السرّ في الحكم المذكور بحسب الواقع هو أحد الأمرين المذكورين، فلا يكون اشتراط الحرّية في الحقيقة شرطا آخر، لكن لا يقضي ذلك بتأمّل في ثبوت الحكم

____________

(1) في (ألف): «الظاهر».

(2) الحدائق الناضرة 12/ 28.

(3) قرب الإسناد: 228.

(4) في (ألف): «عنوان الآخر».

45

المذكور على فرض التأمّل في ثبوت الأمرين المذكورين أو التأمل في مانعية الثاني منهما؛ لوجوب الزكاة مطلقا أو في وجه؛ لوضوح كون الشرط المذكور بناء على ذلك أمرا مستقلا غير منوط بشيء من ذلك.

و الروايات المذكورة هي الحجة على إثباته.

فظهر أنّ المناقشة في ثبوت الحكم المذكور لأجل (1) المناقشة في أحد الأمرين المذكورين ليس على ما ينبغي، و كذا احتمال كون الحكم بالنفي من جهة الحجر عليه، فيناقش في ثبوته مع رفع الحجر بإذن الولي في التصرف فيه؛ اذ مجرد الاحتمال المذكور غير مفيد مع إطلاق النصّ، فغاية الأمر أن يكون هناك علّتان لسقوط الزكاة مع بقاء الحجر، و ينفرد انتفاء الحريّة مع ارتفاعه.

و الاستناد فيه إلى ظاهر الرواية المذكورة بعد حمل المطلقات عليه مدفوع:

أوّلا: بضعف إسنادها و إعراض الأصحاب عنها بشذوذ القول المذكور على فرض ثبوت القائل به.

و ثانيا: بعدم دلالتها على ذلك؛ إذ الظاهر منها الاكتفاء بالإذن في أداء الزكاة في وجوبها على المملوك، لا للإذن في تصرّفه في المال كيف شاء طول الحول كما هو المدّعى، فلا وجه للاستناد في ذلك إليها.

و ما دلّت عليه ممّا لا قائل به، مضافا إلى مخالفته للقواعد المقررة؛ إذ لو كان ملكه للنصاب على الوجه المذكور باعثا على وجوب الزكاة لم يحتج إلى الاذن؛ إذ لا حاجة إلى إذن المولى في أداء (2) الواجبات؛ فإنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، و إن لم يكن ذلك باعثا على الوجوب لم يجب بالإذن أيضا.

____________

(1) في (ألف): «و لأجل».

(2) في (ألف): «في أنّ».

46

[تنبيهات]

و هاهنا امور ينبغي الإشارة إليها:

أحدها: أنّه (1) لا فرق في المملوك بين القنّ و المتشبّث بالحريّة باستيلاد أو تدبير أو كتابة

مشروطة أو مطلقة إذا لم يؤد شيئا لثبوت الرقّيّة في الجميع الباعثة على ذلك بمقتضى إطلاق الأدلّة.

و يدل أيضا على ثبوت الحكم في المكاتب خصوص رواية أبي البختري (2): «ليس في مال المكاتب زكاة».

و ضعفها منجبر بعمل الأصحاب، و إطلاق سائر الروايات.

و ربّما يظهر من المدارك (3) تأمّل في ثبوت الحكم في المكاتب؛ إذ بعد ذكره أن ذلك هو المعروف من مذهب الأصحاب حكى عن المعتبر (4) الاحتجاج عليه بالرواية المذكورة، و بنقصان ملكه لحجره عن التصرف فيه إلّا بالاكتساب.

و ردّه بضعف الخبر و التأمل في صحّة الدليل الآخر قال: مع أن مقتضى ما نقلناه عن المعتبر (5) و المنتهى (6) من وجوب الزكاة على المملوك- إن قلنا بملكه- الوجوب على المكاتب، بل هو أولى.

و لا يخلو ذلك منه (رحمه اللّه) عن غرابة؛ إذ بعد حكمه باعتبار الحرية- نظرا إلى ما دلّ عليه من الرواية الصحيحة و غيرها- لا وجه للمناقشة في خصوص المكاتب مع بقائه على الرقّ.

و أغرب منه استناده إلى الأولويّة المذكورة، و هو لا يقول بثبوت الحكم في الأصل.

و قد يوجّه ما ذكره بدعوى عدم انصراف الإطلاق إلى المكاتب، فيبقى مندرجا تحت

____________

(1) في (ب): «بأنّه».

(2) الكافي 3/ 542، باب زكاة مال المملوك ح 4.

(3) مدارك الأحكام 5/ 25.

(4) المعتبر 2/ 489.

(5) نفس المصدر.

(6) منتهى المطلب 1/ 472.

47

الإطلاقات القاضية بوجوب الزكاة، فينحصر الوجه في إخراجه عن تلك الإطلاقات في الدليلين المذكورين المدخول فيهما.

و استناده إلى الأولويّة المذكورة ليس لإثبات الحكم من جهتها بل لإبداء القائل بالوجوب. و هو أيضا كما ترى.

و الأولى تنزيل كلامه على بيان المناقشة في الأصلين المذكورين لا في أصل الحكم للاكتفاء منه بما دلّ على سقوط الزكاة عن المملوك.

و كأنّه أراد به الإيراد على المحقق (1) حيث نصّ بوجوب الزكاة على المملوك على فرض ملكه، ثمّ نفاه عن المكاتب للوجهين المذكورين.

ثانيها: انّه نصّ جماعة من الأصحاب- من غير خلاف يعرف- بوجوب الزكاة على المبعّض إذا بلغ ما يملكه من جهة نصيب الحرّيّة مقدار أحد النصب المعتبرة.

و لا ريب فيه؛ لاندراجه تحت الإطلاقات الدالّة على وجوب الزكاة مطلقا و في كلّ من النصب المقدرة، من غير دليل على خروجه؛ إذ غاية ما استفيد من الأخبار المذكورة خروج من كان كلّه مملوكا دون المبعّض المفروض، فيبقى تحت الإطلاق.

و في الحدائق (2): إنّه لو لا الاتفاق على الحكم المذكور لأمكن المناقشة في دخوله تحت العمومات المذكورة؛ فإنّ تلك العمومات إنّما ينصرف باطلاقها إلى الأفراد الشائعة و من كان بعضه حرّا و بعضه رقّا من الفروض النادرة.

و أنت خبير بما فيه؛ إذ ندور وجود المبعّض في الخارج لا يقضي بخروجه عن الإطلاقات مع وضوح شمولها (3) لذلك، فلو ناقش في سقوط الزكاة من المبعّض إذا لم يبلغ نصيب الحريّة منه

____________

(1) المعتبر 2/ 489.

(2) الحدائق الناضرة 12/ 29.

(3) في (د) زيادة: «له بل للرّق كيف و ليس في تلك الإطلاقات تعليق وجوب الزكاة على الحرية حتى يتأمل في شمولها».

48

بقدر النصاب للتأمّل (1) في شمول المملوك المذكور في النصّ له كان أولى.

ثالثها: أنّه إذا قلنا بملك العبد و قلنا بعدم وجوب الزكاة عليه من جهة عجزه عن التصرف، أو لدلالة الأخبار عليه، فلا زكاة في ذلك على سيده أيضا؛

لانتفاء الملك بالنسبة إليه.

و أمّا إذا قلنا بعدم ملكه كان ماله مال سيده فيجب زكاته عليه مع تحقّق شرائط الوجوب بالنسبة إليه.

و قد قطع به جماعة من الأصحاب من غير خلاف يعرف منه.

و يمكن المناقشة فيه بأنّ الصحيحة الاولى صريحة في نفي الزكاة عن مال المملوك، و هو قاض بسقوط وجوبها عن السيد و المملوك، و كذا الصحيحة الثانية بناء على رجوع ضمير «عليه» إلى «الحال» كما هو ظاهر العبارة بل صريحها.

و هو الظاهر من الموثقة المذكورة أيضا، و إن وقع السؤال فيها عن وجوبها على العبد إلّا أن استثناءه (عليه السلام) ما إذا عمل له فيها المحمول على الندب قاض بعدم ثبوتها في المال مع عدمه.

و حينئذ فكما يؤخذ بظواهر تلك الإطلاقات في الحكم بعدم وجوب الزكاة على المملوك مطلقا فينبغي الأخذ بها كذلك بالنسبة إلى السيد أيضا، فالتفصيل فيه بين القول بملك العبد و عدمه خروج عن ظاهر تلك الأدلة من غير دليل إلّا أن يقوم إجماع في المقام، و هو غير معلوم.

و قد ينزّل هذه الأخبار- بناء على القول بعدم ملك العبد على المكاتب الذي لم (2) يتحرز منه شيء- بورودها في مال المملوك الذي يصح تملكه بناء على ذلك منحصر فيه.

يدفعه بعد ذلك عن ظاهر تلك الأخبار جدّا.

و حمل المال فيها على المال العرفي قريب كمال القرب، فلا داعي لحملها على المكاتب من جهة إضافة المال إليه.

____________

(1) في (ألف): «المتأمّل».

(2) لم ترد في (ب): «لم».

49

مضافا إلى اشتمال تلك المعتبرة على عدم إعطائه من الزكاة.

و قد صرّح في الصحيحين بعدم جواز ذلك مع حاجته مع أنّ المكاتب يجوز دفع الزكاة إليه في الجملة.

و ربّما يستدلّ له أيضا بخصوص الصحيحة الثالثة حيث حكم فيها بعدم وجوب الزكاة على المملوك في المال الّذي بيده لعدم ملكه له، و على السيد لعدم وصوله إليه. و كأنّه أراد بذلك إخراج السيد له عن تصرفه و جعله للعبد و إن لم يكن ملكا له بحسب الشرع.

و يمكن المناقشة فيه: بأنّ المفروض في السؤال كونه في يد المملوك، و لا (1) يفيد كونه مالا له بحسب العرف ليكون السؤال فيه عن مال العبد، فيحتمل أن يكون السؤال عن مال السيد ممّا يكون في العبد، فيكون الحكم بعدم وجوب الزكاة على السيد من جهة انتفاء تمكّنه من التصرف فيه لغياب و نحوه كما يقتضيه سائر الأدلّة، و من التعليل المذكور.

و على فرض كون السؤال عن مال العبد، فقضية التعليل المذكور اختصاص الحكم بما إذا لم يتمكّن منه سيده.

و قد يدفع ذلك بأن عدم وصول المال إلى سيّده لا يفيد عدم تمكنه عنه، فحمل السؤال على خصوص مال العبد ليكون المراد بالتعليل المذكور عدم تصرّف المولى (2) فيه و تركه للعبد أولى.

و كأنّ الوجه في التعبير عنه بذلك علم السائل بعدم تملك العبد على الحقيقة، فعبر عن مال العبد بالمال الّذي في يده و إن لم يكن ملكه.

مضافا إلى وقوع السؤال من وجوب الزكاة على العبد.

و لو فرض كونه من مال المولى لم يتجه السؤال عن ذلك، و لا إطلاقه (3) عدم وجوبها على السيد.

____________

(1) في (د): «و هو لا».

(2) في (ألف): «الولي».

(3) في (د) زيادة: «(عليه السلام)».

50

و قد ينزل استصباح أخذ السيد لما ملكه العبد منزلة عدم تمكّنه من التصرف فيه.

و كيف كان، فلا يخلو الصحيحة المذكورة عن الدلالة على ما قلناه، و لذا استظهر مولانا التقي المجلسي عدم وجوب الزكاة على السيد أيضا؛ أخذا بهذه الصحيحة.

و استشكل (1) أيضا بعض المتأخرين؛ نظرا إلى ذلك.

فظهر بملاحظة جميع ما ذكرناه قوّة احتمال سقوط الزكاة من السيد أيضا إذا جعل شيئا من ماله للعبد و رفع يده عنه و إن كان في الحقيقة ملكا له إلّا أنّ ظاهر الفتوى المعتضد بالعمومات على خلافه، فالمسألة محلّ تأمّل و إشكال، و طريق الاحتياط فيها ظاهر.

رابعها: ظاهر الموثقة المذكورة ثبوت زكاة التجارة على العبد.

و لم نجد من تنبّه عليه من الأصحاب إلّا أنّ ظاهر من قال بوجوب الزكاة عليه- بناء على القول بملكه- القول باستحباب زكاة التجارة بالنسبة إليه أيضا.

و لا بأس بالبناء عليه في المقام، لكن لا بدّ أن يكون الدفع بإذن السيد عموما أو خصوصا إمّا لكونه مال سيّده أو لحجره عن التصرف فيه.

و كأن إطلاق الموثقة محمول على الغالب من حصول الإذن العام كما يعطيه ظاهر جعل المال للعبد.

____________

(1) في (د): «و استشكله».

51

تبصرة [في اشتراط التملك]

التملك شرط في وجوب الزكاة إجماعا من الخاصّة و العامّة فلا زكاة عليه قبل حصول الملك.

و يتفرّع على ذلك امور:

منها: أنه لا زكاة على المتّهب قبل القبض، و لا يجري في الحول قبله بناء على اعتباره في التملك بها، فيجب زكاته على الواهب (1) مع استجماع سائر الشرائط.

و منها: عدم وجوب الزكاة في العين الموصى به قبل القبول إذا تأخر من الموت إن قلنا بكون القبول ناقلا من حينه. و إن قلنا بكونه كاشفا فلانتفاء التمكن من التصرف قبله و إن كان ملكا له بحسب الواقع.

و قد يقال بحصول التمكن من التصرف في المقام؛ لتمكّنه من القبول في كل حال.

و فيه بعد كاحتمال صدق التمكن من التصرف حينئذ إذا صرفه الوارث و أجاز له جميع انحاء التصرفات.

و منها: عدم وجوبها في المبيع على المشتري و على البائع في الثمن في الصرف إذا كان قبل حصول القبض، و كذا في المجلس في السلم بالنسبة إلى الثمن؛ لتوقف الانتقال عليه.

فيجب زكاته على المالك إذا تم الحول بين العقد و القبض إن قلنا بعدم وجوب الإقباض عليه.

و حينئذ فيبطل البيع بالنسبة إليه؛ نظرا إلى تعلّقها بالعين.

____________

(1) في (ب): «الوجوب»، و في (ألف): «الواجب».

52

و يحتمل الصحة إذا دفعها المالك من الخارج، و إن قلنا بوجوب الإقباض عليه قوي سقوطها عنه أيضا؛ لمنعه إذن من التصرف.

و منها: أنّه لا زكاة في الزكاة، و لا في الخمس، و سائر الحقوق العامة قبل إقباض المستحق، و إن مضى عليها أحوال و عينها المالك لعين (1)؛ لعدم دخولها في ملكه إلّا بالقبض نعم، يحتمل الوجوب في حقّ الإمام (عليه السلام) في حال الحضور إذا كان متمكنا من التصرف فيه، فحكمه كسائر الأموال الغير المقبوضة إذا تمكن منه (2) المالك. و في جريان الحكم فيه في حال الغيبة بعد إقباض المجتهد أو تمكّنه من القبض وجه.

و منها: أنه لا زكاة في الوقف العام و فوائده الحاصلة منه قبل دفعها إلى الموقوف عليهم؛ لعدم اندراجها إذن في الملك. و لو عيّن شيئا منها للمولى أو غيره فالظاهر عدم توقف وجوب الزكاة فيه على القبض سواء كان ممّا يعتبر فيه الحول أو غيره.

و أمّا الوقف الخاص فلا زكاة في عينه و إن كانت مملوكة؛ نظرا إلى عدم التمكن من التصرف فيها.

و أما فوائده الحاصلة منه فيجب فيها الزكاة مع بلوغ نصيب كلّ من الموقوف عليهم حدّ النصاب إن تعيّن نصيبه، و إن كان التعيين منوطا بنظر الولي (3) فلا زكاة فيها قبل تعيين الحقّ إلّا أن يتعيّن له مقدار النصاب، و تكون الزيادة موكولة إلى النظر، فيتوقف الحال في القدر الزائد على التعيين.

و لو توقف اندراجه في الموقوف عليهم على شرط اعتبر الحال فيه بعد الاندراج.

و هل يثبت الزكاة في النماء الحاصل قبله المحكوم ظاهرا بكونه للباقين إذا كانت الوقفيّة بحيث يثبت استحقاقه فيه الّذي يقتضيه الأصل في ذلك أنّه إن جعل الواقف ذلك كاشفا عن استحقاقه من أوّل الأمر لم يثبت الزكاة بالنسبة إلى حصة، أما عليه فلعدم قدرته على التصرف

____________

(1) في (ألف): «العين».

(2) في (ألف): «فيه».

(3) في (د): «المولى».

53

فيه قبل انكشاف الحال، و أمّا بالنسبة إلى الباقين فلانتفاء الملكية.

و إن جعله نافذا له من حينه تعلّق به الحق؛ لانتقال المال إلى غيره، فيجب عليه إخراج الزكاة منه.

و خروجه عن ملكه بعد ذلك لا ينافيه إلّا أن يشترط توقفهم عن التصرف قبل انكشاف الحال، فلا زكاة لعدم التمكن من التصرف.

و قضيّة ذلك سقوط الزكاة مع انكشاف عدم استحقاقه أيضا.

و لو توقف استحقاقه الموقوف عليهم على إخراج أمور كمصارف تعمير الوقف و نحوها على حسب نظر الناظر (1) ففي ثبوت الزكاة في تلك الحصة قبل انكشاف الحال فيه إشكال.

و لو عيّنه الناظر أوّلا لتلك المصلحة ثمّ رجع عنها، فالظاهر اعتباره من حين الرجوع.

و لا زكاة فيما عيّنه الواقف لمصارف تعمير الوقف و إن عاد ذلك إلى الموقوف عليهم، بل كان ملكا لهم؛ لانتفاء تمكّنهم من التصرف فيه، و كذا لو عيّن صرف الموقوف عليه ما يعود إليه من الفوائد في مصروف (2) معيّن.

ثمّ إنّه يعتبر ما ذكرناه في الجريان في الحول فيما يعتبر فيه ذلك.

و أمّا ما لا يعتبر فيه الحول، فيلحظ فيه ذلك بالنظر إلى حال الوجوب.

و منها: أنّه لا زكاة على البائع في الثمن و لا على المشتري في المثمن قبل انقضاء زمن الخيار الثابت بأصل العقد أو بالاشتراط عند الشيخ (3)؛ لذهابه إلى توقّف الامتثال على انقضاء الخيار.

و حينئذ فلا زكاة على غير صاحب الخيار فيما بذله من العوض؛ لعدم تمكّنه من التصرف فيه.

و أمّا العوض المبذول من صاحب الخيار فيجب زكاته عليه؛ لحصول الملك، و التمكّن من

____________

(1) في (د) زيادة: «فيه».

(2) في (د): «مصرف».

(3) الخلاف 2/ 38.

54

التصرف بالنسبة إليه كما سيجيء (1) الكلام إن شاء اللّه.

و منها: أنّه لا زكاة في اللقيط (2) قبل تملّك الملتقط له، و لا سلطان له على أخذ العين في مقدار الزكاة. و لو جاز للملتقط دفع العوض و إلّا يجب عليه ذلك، و الزكاة إنّما تتعلّق بالعين.

نعم، لو ضمنها احتمل تسلّطه على العين و لو ظهر المالك قبل وجوب الزكاة انتقض الحول و إن قلنا بالتسلّط له على العين، و إلّا فلا.

و منها: أنّه لو دفع المالك إليه نصابا و أباح له جميع تصرّفاته فيه لنفسه حتّى الناقلة للعين و المنفعة، لم تجب عليه زكاته؛ لعدم دخوله بذلك في ملكه، و سلطانه على التملك غير كاف في ذلك، فيجب زكاته حينئذ على المالك مع حصول (3) الشرائط.

و لو كان عليه في الرجوع عن الاباحة المذكورة غضاضة (4) لا يتحملها عادة ففي إلحاقها بعدم التمكّن من التصرّف وجه قوي.

و منها: أنه لا زكاة على الديّان في العين المعاملة لدينه الموجود عند المديون، و لو كان باذلاله مهما أراد. و كأن التأخير من قبله لعدم تملكه له قبل القبض، و كذا الحال في العين المقروضة بالنسبة إلى المقرض مع حلول الحول عليه عند المقترض؛ لخروجه بالقبض عن ملكه.

و سيجيء الكلام فيهما إن شاء اللّه.

هذا، و هل العبرة في المقام بالملكيّة الواقعيّة أو يعتبر العلم بها أيضا؟ وجهان؛ أظهرهما الأوّل إلّا أنّه يعتبر العلم بها غالبا لتوقّف التمكّن من التصرّف عليه كذلك.

فيظهر الثمرة فيما إذا لم يتوقف تمكّنه من التصرف عليه كما إذا حاز نصابا من دون نية التملك و عدمه، و اعتقد عدم دخوله في الملك بدونها، ثمّ علم بعد ذلك دخوله في الملك بمجرّد الحيازة،

____________

(1) في (د): «و سيجيء».

(2) في (د): «الملقط».

(3) في (د) زيادة: «سائر».

(4) في (د): «قضاضة»، و في (ألف): «عضانته».

55

فعلى ما اخترناه يجري في الحول بمجرّد دخوله في الملك.

نعم، لو كان اعتقاده ذلك عن حجّة شرعيّة كما إذا أداه اجتهاده إلى ذلك دخوله في الملك بمجرّد الحيازة أو كان ذلك عن تقليد مجتهد لم يجر في الحول إلى أن يرجع (1) من قلّده (2) عن ذلك، فيختلف الحكم بالنسبة إليه من حين البناء على الثاني.

و قد يقال بجريان ذلك فيما إذا وهب (3) غيره نصابا من دون إقباضه و اعتقد الانتقال إليه بمجرّد العقد، ثمّ علم بعد ذلك بعدم انتقاله عنه.

و ذلك لحصول الملك الواقعيّة و تمكّنه من التصرف بحسب الظاهر؛ نظرا إلى جواز العقد.

و فيه إشكال.

نعم، لو تفطن بالمسألة و قصر في السؤال، فالظاهر عدم الإشكال في وجوبها عليه.

و من ذلك أيضا ما لو كان النصاب ملكا له بحسب الواقع و اعتقد أنّه لغيره، و قد أجاز له ذلك الغير جميع أنحاء التصرفات.

و فيه أيضا إشكال.

و لو تردّد في تملّك العين الزكويّة فإن كان ذلك من جهة الشك في الموضوع فمقتضى الأصل عدم وجوب الاستعلام و البناء على جري الحكم الثابت قبل التردّد؛ استصحابا له إلى أن يعلم المزيل.

و قد يستشكل فيه فيما إذا قضى الاستصحاب بوجوب الزكاة عليه لمعارضته بأصالة عدم تعلق الوجوب به إلّا أن الظاهر ورود الاستصحاب (4) عليها فيتعيّن الأخذ به.

____________

(1) في (د) زيادة: «أو يرجع».

(2) في (ألف): «من بلده».

(3) في (ألف): «وجب».

(4) لفظة «الاستصحاب» جاء في (د) فقط.

56

و الأحوط استعلام الحال و الجري على مقتضاه (1) من وجوب الزكاة و عدمه و مقدار الواجب.

و قد يقال بوجوب الاستعلام بعد العلم بالوجوب و الشك في مقدار الواجب أو دفع أعلى المحتملات؛ تحصيلا لليقين بالفراغ بعد اليقين بالاشتغال.

نعم، لو انسد عليه طريق الاستعلام صحّ الرجوع إلى الأصل، فيأخذ بالأقلّ في وجه قويّ.

و قد يفصّل (2) بين الشك في مقدار ما ملكه من النصاب و العلم به، و الشك في تجدّد الزائد، فتصح الرجوع إلى الأصل في الثاني دون الأوّل.

و إن كان شكه من جهة الجهل بالحكم وجب الاستعلام، و لا يجوز له التصرف فيه من دون ظهور الحال، فلا زكاة فيه قبل علمه بالحكم؛ لانتفاء تمكّنه من التصرف و إن لم يكن مقصّرا في التأخير.

و إن أجاز له من يحتمل تملّكه في جميع التصرفات جرى فيه ما سبق، و إن استند إلى تقصيره تعلّق الوجوب به على فرض تملكه له؛ لحصول الملك و تمكنه من التصرف بالتمكن من الاستعلام.

ثمّ إنّه لو علم بتملكه مقدار النصاب و لم يتعيّن له العين لم يمنع ذلك من تعلّق الوجوب، كما لا يمنع إشاعة الحق من وجوبها فيه.

و لو اعتقد تملك النصاب من جهة و لو كان الواقع جهة أخرى لا يعلمها لم يمنع ذلك من وجوب الزكاة عليه، سواء انكشف له الحال بعد ذلك أو لا.

نعم، لو انكشف له فساد ما اعتقده في أثناء الحول و تراخى منه العلم بالجهة الواقعيّة انقطع الحول؛ لانتفاء تمكّنه إذن من التصرف.

و لو استند ذلك إلى تقصيره في معرفة الحكم لم يسقط به الوجوب.

____________

(1) في (ألف): «مقتضى».

(2) في (ألف): «نفصل».