جواهر الكلام في ثوبه الجديد - ج3

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
547 /
5

[تتمة كتاب الطهارة]

(الركن الثالث) من معتمد هذا الكتاب (في الطهارة الترابية)

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[الطهارة الترابية]:

و هي الحاصلة بمباشرة التراب، في مقابلة المائية الحاصلة بمباشرة الماء.

و كذا تسمّى اضطراريّة، كما أنّ الثانية تسمّى اختياريّة من حيث إنّها لا تشرع إلّا عند الاضطرار إليها بتعذّر الاولى عقلًا أو شرعاً (1).

و ليست [الطهارة الترابية] إلّا التيمّم، بخلاف المائية، فالغسل و الوضوء.

[تعريف التيمّم]:

و هو لغة: القصد (2).

و شرعاً: مباشرة الأرض على وجه خاصّ يعرف ممّا سيأتي (3).

____________

(1) على ما هو مستفاد من النصوص (1) و الفتاوى أيضاً إلّا في بعض المواضع للدليل كما سيأتي.

(2) كقوله تعالى: (وَ لٰا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) (2).

(3) و هو ثابت كتاباً و سنّة (3) و إجماعاً، بل لعلّه في الجملة من ضروريات الدين التي يدخل من أنكرها في سبيل الكافرين.

و قد ذكره اللّٰه تعالى شأنه في النساء تارة، و في المائدة اخرى، فقال عزّ من قائل في الثانية: (وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا)* (4) إلى آخرها، و كذا في الاولى (5) و إن اختلفا بالنظر إلى ما تقدّم ذلك.

و قد سبق لنا كلام طريف في هذه الآية الشريفة في أوّل الكتاب (6) عند البحث عن وجوب الغسل لنفسه أو لغيره، يندفع

____________

(1) انظر الوسائل 3: 341، 342، ب 1، 2 من التيمّم.

(2) البقرة: 267.

(3) انظر الوسائل 3: 357، ب 11 من التيمّم.

(4) المائدة: 6.

(5) النساء: 43.

(6) تقدّم في 1: 44- 45.

8

..........

____________

بملاحظته ما اورد على ظاهرها من الإشكالات، التي منها ما اشتهر من جمع اللّٰه عزّ و جلّ الامور الأربعة بشرطٍ رتّب عليه جزاءً واحداً- أعني الأمر بالتيمّم- مع أنّ سببيّة الأوّلين للترخّص للتيمّم، و الأخيرين لوجوب الطهارة، عاطفاً لها ب«أو» المقتضية لاستقلال كلّ واحد منهما بترتّب الجزاء، مع أنّه إن لم يجتمع أحد الأخيرين مع واحد من الأوّلين- مثلًا- لم يحصل وجوب التيمّم الذي هو الجزاء، من غير حاجة إلى:

1- جعل «أو» فيها بمعنى الواو.

2- و لا إلى ما ذكره البيضاوي من أنّ «وجه هذا التقسيم هو أنّ (1) المترخّص بالتيمّم إمّا محدث أو جنب، و الحال (2) المقتضية له غالباً (3) إمّا مرض أو سفر، و الجنب لمّا سبق ذكره اقتصر على بيان حاله، و الحدث لمّا لم يجر له ذكر ذكر من أسبابه ما يحدث بالذات و ما يحدث بالعرض، و استغني عن تفصيل أحواله بتفصيل حال الجنب و بيان العذر مجملًا، فكأنّه قال: و إن كنتم جنباً أو مرضى (4) أو على سفر أو محدثين جئتم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً» (5). مع أنّه لا يوافق ما ثبت عندنا من أنّ المراد بالملامسة الجماع.

3- و لا إلى ما في الكشّاف من أنّه «أراد سبحانه أن يرخّص للذين وجب عليهم التطهّر و هم عادمون الماء في التيمّم بالتراب، فخصّ أوّلًا من بينهم مرضاهم و سفرهم؛ لأنّهم المتقدّمون في استحقاق بيان الرخصة لهم؛ لكثرة السفر و المرضى و غلبتهما على سائر الأسباب الموجبة للرخصة، ثمّ عمّم كلّ من وجب عليه التطهّر و أعوزه الماء لخوف عدوّ أو سبع، أو عدم آلة الاستقاء، أو إزهاق (6) في مكان لا ماء فيه، أو غير ذلك ممّا (7) لا يكثر كثرة المرض أو السفر» (8).

مع ما فيه من الإجمال الذي لا تنحسم عنه مادة الإشكال، إلّا أن يحمل على إرادة جعل قيد عدم الوجدان للأخيرين خاصّة دون الأوّلين؛ للاستغناء عنه بالتعليق على المرض و السفر الغالب معهما عدم التمكّن من الماء استعمالًا أو وجوداً.

كما أنّه يستغنى عن تقييدهما بالحدث؛ لمكان العطف فيهما على ما سبقهما، فيكون المقصود حينئذٍ من الآية بيان المحدثين أصغر أو أكبر إذا كانوا مرضى أو مسافرين، و خصّهما لغلبتهما أو غيره، و بيانهما كذلك إذا لم يجدوا ماءً و إن لم يكن مرض أو سفر، فلا إشكال حينئذٍ من تلك الجهة، بل و لا من تكرير ذكر الجنابة، فلاحظ و تأمّل.

(و) كيف كان ف [- النظر و البحث في التيمّم يقع في أطراف أربعة].

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) في المصدر: «الحالة».

(3) في المصدر: «في غالب الأمر».

(4) في المصدر: «جنباً مرضى».

(5) تفسير البيضاوي 1: 216.

(6) في المصدر: «إرهاق».

(7) في المصدر: «و غير ذلك بما».

(8) الكشاف 1: 515.

9

[النظر و البحث في التيمّم يقع في أطراف أربعة]

[و] (النظر) و البحث في التيمّم يقع (في أطراف أربعة):

[الطرف الأول: في ما يصحّ معه التيمّم]

(الأوّل: في ما يصحّ معه التيمّم) (1)

(و هو ضروب) مرجعها إلى شيء واحد عند التحقيق، و هو العجز عن استعمال الماء عقلًا أو شرعاً (2).

[السبب الأول عدم الماء]

(الأوّل) من الأسباب التي ذكرها المصنّف: (عدم الماء) (3)، من غير فرق فيه (4) بين السفر و الحضر (5).

____________

(1) ضرورة عدم مشروعيّته [التيمّم] على الإطلاق.

(2) و إن ذكر المصنّف هنا من أسبابه ثلاثة: عدم الماء، و عدم الوصلة إليه، و الخوف من استعماله، بل في المنتهى:

أنّ أسبابه ثمانية: فقده، و الخوف من اللص و نحوه، و الاحتياج له للعطش، و المرض و الحرج و شبههما، و فقد الآلة التي يتوصّل بها إليه، و الضعف عن الحركة، و خوف الزحام يوم الجمعة و عرفة، و ضيق الوقت (1). و هي بأجمعها عدا الأخير تندرج فيما ذكره المصنّف، و أمّا هو فسيأتي الكلام فيه. كما أنّه في الوسيلة ذكر أنّ شرط التيمّم فقْد الماء أو حكمه ثمّ أدرج في الثاني اثني عشر شيئاً 2، و الكلّ ترجع إلى ما ذكرنا أيضاً. و كيف كان ف [- الأوّل من الأسباب ذلك].

(3) 1- كتاباً (3). 2- و سنّة (4). 3- و إجماعاً محصّلًا و منقولًا 5.

(4) عندنا.

(5) بل في الخلاف و المنتهى الإجماع عليه (6) بالخصوص، كما أنّه في الأخير الإجماع أيضاً على عدم الفرق بين السفر الطويل و القصير، لكن في بعض نسخ المدارك أنّه «أجمع علماؤنا كافّة إلّا من شذّ على وجوب التيمّم للصلاة مع فقد الماء، سواء في ذلك الحاضر و المسافر» (7). و لم أعثر على الشاذّ الذي استثناه إلّا ما أرسله بعضهم هنا عن علم الهدى في شرح الرسالة أنّه أوجب الإعادة على الحاضر (8). و هو- مع أنّه لم يعرف هذا النقل عنه هنا- ليس خلافاً فيما نحن فيه؛ إذ لا ينكر وجوب التيمّم و الصلاة عليه و إن أوجب الإعادة بعد ذلك. فلعلّ الصواب ما في أكثر النسخ: أجمع العلماء إلّا من شذّ، و يراد بالشاذ حينئذٍ ما عن بعض العامّة حيث أنكر وجوب التيمّم و الصلاة على الحاضر؛ مستدلّا بظاهر تعليق الأمر بالتيمّم في الآية الشريفة على السفر 9. و فيه- مع أنّ مثله يكون حجّة إن لم يخرج مخرج الغالب، و إلّا فهو ليس بحجّة إجماعاً كما في المنتهى 10، و أنّه لا يجري في الحاضر المريض أيضاً-: مبنيّ على عدم جعل المجيء من الغائط و ما بعده سبباً مستقلّاً في التيمّم، بل هو راجع إلى المرضى و المسافرين بجعل «أو» بمعنى الواو. و أمّا بناءً على التحقيق الذي قد سلف منّا في الآية فهي بإطلاقها حينئذٍ لنا لا علينا، ككثير من أخبارنا التي كادت تكون صريحة في عدم الفرق بينهما، و الأمر سهل. فظهر لك من ذلك كلّه أنّه لا فرق في مسوّغية عدم الماء للتيمّم بين الحاضر و المسافر، و لا بين السفر الطويل و القصير، و لا بين كونه طاعة أو معصية.

____________

(1) 1، 2، 5 المنتهى 3: 9- 41. الوسيلة: 69- 70. الغنية: 64.

(3) النساء: 43. المائدة: 6.

(4) انظر الوسائل 3: 341، 342، ب 1، 2 من التيمّم.

(6) الخلاف 1: 148- 149. المنتهى 3: 9، 11.

(7) 7، 9 المدارك 2: 177. بداية المجتهد 1: 67.

(8) 8، 10 المعتبر 1: 365. المنتهى 3: 12.

10

لكن إنّما يكون مسوّغاً للتيمّم بعد الطلب له فلم يوجد، فمتى تيمّم قبله مع حصول شرائط وجوبه من الرجاء وسعة الوقت و عدم الخوف و نحو ذلك لم يصحّ (1).

و هو [الوجوب الشرطي] مراد المصنّف و غيره بقوله: (و يجب عنده الطلب) (2).

____________

(1) لعدم تحقّق عدم الوجدان بدونه، و هو شرط التيمّم.

(2) بل في الخلاف و الغنية و المنتهى و جامع المقاصد و عن التذكرة و التنقيح و غيرها الإجماع عليه (1). لا الوجوب التعبّدي خاصّة، على أنّه قد لا يجب التيمّم، فلا يجب الطلب حينئذٍ شرعاً قطعاً و إن وجب شرطاً. بل في الخلاف و المنتهى و عن المعتبر الإجماع على ما يقتضي الشرطية (2)، مضافاً إلى ظاهر الأمر به، بل في الحسن كالصحيح عن أحدهما (عليهما السلام): «إذا لم يجد المسافر فليطلب ما دام في الوقت» (3) بناءً على إحدى النسختين و أحد الوجهين فيها. و في خبر السكوني: «يطلب الماء في السفر، إن كانت حزونة فغلوة ... إلى آخره» 4، إن حملت الجملة الخبرية فيه على الأمر. و مضافاً إلى وجوب تحصيل شرط الواجب المطلق، و عدم إحرازه القدرة عليه لا يسقطه، إنّما الذي يسقطه العجز، و لا يعلم به حتّى يطلب، فتأمّل فإنّه نافع في غير المقام أيضاً من مقدّمات الواجب المطلق، كطلب التراب للتيمّم أيضاً، و إن لم نجده بالتحديد المذكور للماء؛ لعدم الدليل و حرمة القياس، فيبقى على ما تقتضيه الضوابط. و كيف كان، فما يحكى عن الأردبيلي من الحكم باستحباب الطلب 5 مع عدم ثبوت ذلك عنه كما لا يخفى على من لاحظ كلامه ضعيف، و لعلّه لإطلاق طهوريّة التراب و بدليّته عن الماء. و قول الصادق (عليه السلام) في خبر داود الرقّي بعد أن سأله أكون في السفر و تحضر الصلاة و ليس معي ماء، و يقال: إنّ الماء قريب منّا فأطلب الماء و أنا في وقت يميناً و شمالًا؟-: «لا تطلب الماء و لكن تيمّم، فإنّي أخاف عليك التخلّف عن أصحابك، فتضلّ و يأكلك السبع» (6). و قوله (عليه السلام) في خبر يعقوب بن سالم عن الرجل لا يكون معه ماء و الماء عن يمين الطريق و يساره غلوتين أو نحو ذلك: «لا آمر أن يغرّر بنفسه فيعرض له لصّ أو سبع» 7. و قوله (عليه السلام) أيضاً في خبر عليّ بن سالم لداود الرقّي: «لا تطلب الماء يميناً و شمالًا و لا في بئر، إن وجدته على الطريق فتوضّأ منه، و إن لم تجده فامض» (8). و هي مع عدم موافقة ظاهرها لما ذكره من الاستحباب، و موافقتها للمحكيّ عن أبي حنيفة (9)، و وضوح قصورها عن معارضة ما تقدّم، سيّما بعد ظهور الثانية- و كذا الاولى- فيما لا يقول الخصم من حصول الماء قريباً منه، و سيّما بعد الطعن في سند الاولى بداود الرقّي بأنّه ضعيف جدّاً، كما في رجال النجاشي، بل فيه أيضاً: «قال أحمد بن عبد الواحد: قلّما رأيت له حديثاً سديداً» (10). و عن ابن الغضائري: أنّه «كان فاسد المذهب، ضعيف الرواية، لا يلتفت إليه» 11. و عن الكشّي: أنّه «يذكر الغلاة أنّه من أركانهم» 12. و في سند الثانية بمعلّى بن محمّد بأنّه مضطرب الحديث و المذهب، و بأنه يعرف حديثه و ينكر. و الثالثة بعليّ بن سالم باشتراكه بين المجهول و الضعيف، على أنّها مطلقة لا تعارض المقيّد، محمولة على الخوف و الخطر في الطلب، كما هو ظاهر الأوّلين أو صريحهما، فيكونا قرينة على الخبر الثالث، خصوصاً خبر الرقي؛ إذ لا ريب في سقوطه في هذا الحال.

____________

(1) الخلاف 1: 147. الغنية: 64. المنتهى 3: 43. جامع المقاصد 1: 465. التذكرة 2: 149. التنقيح 1: 137.

(2) 2، 5 الخلاف 1: 147. المنتهى 3: 43- 44. المعتبر 1: 392. مجمع الفائدة و البرهان 1: 217- 218.

(3) 3، 4 الوسائل 3: 341، ب 1 من التيمّم، ح 1، 2.

(6) 6، 7 الوسائل 3: 342، ب 2 من التيمّم، ح 1، 2.

(8) المصدر السابق: 343، ح 3.

(9) 9، 11 المبسوط؛ للسرخسي 1: 115. نقله في مجمع الرجال 2: 290.

(10) 10، 12 رجال النجاشي: 156، الرقم 410. رجال الكشي: 408، الرقم 766.

11

[و يسقط في حال الخوف و الخطر]، لكن مع عدم تمكّنه من الاستنابة بناءً على اعتبارها (1).

كما أنّه لا ريب في سقوطه مع تيقّن عدم الماء (2).

نعم لا يسقط بالظنّ (3)، مع عدم استناده إلى سبب شرعي كشهادة العدلين بل العدل الواحد، و إلّا فالمتّجه السقوط حينئذٍ (4).

و أولى منه ما لو كان ذلك بطريق النيابة و لو كان عن متعدّدين (5).

____________

(1) كما ستسمع. و إن أطلق غير واحد من الأصحاب سقوطه في مثل هذا الحال؛ لوجوب الطلب عليه حينئذٍ بنفسه أو وكيله، فتعذّر الأوّل لا يسقط الثاني، و عليه أو نحوه يحمل صحيحة الحلبي أيضاً، سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يمرّ بالركيّة و ليس معه دلو؟ قال: «ليس عليه أن يدخل الركيّة، إنّ ربّ الماء هو ربّ الأرض، فليتيمّم» (1).

(2) 1- للأصل.

2- و ظهور وجوب الطلب في رجائه.

(3) كما صرّح به في المنتهى و التحرير (2) و غيرهما؛ لإطلاق الأمر به، و هو جيّد.

(4) لعموم ما دلّ على اعتبارهما.

اللّهمّ إلّا أن يدّعى عدم تحقّق عدم الوجدان عرفاً بذلك، و لعلّه لذا أطلق في الموجز الحاوي عدم الاجتزاء بخبر غير النائب، كما عن نهاية الإحكام (3).

و فيه بحث؛ إذ هو بعد التسليم غير واجد شرعاً.

(5) و من هنا قال في الذكرى و جامع المقاصد: «و يجوز النيابة في الطلب لحصول الظنّ» (4)، مع نصّه في الأخير- كما عن المسالك- على اشتراط العدالة (5)، و قضيّة إطلاق الأوّل و تعليله جوازها و إن لم يكن عدلًا، كإطلاق الموجز الحاوي و عن نهاية الإحكام. و لعلّه:

1- لصيرورته أميناً حينئذٍ.

2- و لأنّ فعله فعل موكّله.

لكن نصّ في المنتهى على عدم الاجتزاء بالنيابة، من غير فرق بين العدل و غيره، قال: «لأنّ الخطاب بالطلب للمتيمّم، فلا يجوز أن يتولّاه غيره، كما لا يجوز أن يؤمّمه» (6).

و فيه: أنّ مجرّد تكليفه و خطابه به مع عدم ظهور إرادة المباشرة لا يعارض عموم الوكالة، و قياسه على التيمّم مع الفارق.

و كيف كان (ف) [- المراد بالطلب الذي قد ذكرنا وجوبه ذلك].

____________

(1) الوسائل 3: 343، ب 3 من التيمّم، ح 1.

(2) المنتهى 3: 48. التحرير 1: 140.

(3) الموجز الحاوي (الرسائل العشر): 54. نهاية الإحكام 1: 184.

(4) الذكرى 1: 183. جامع المقاصد 1: 466.

(5) المسالك 1: 109.

(6) المنتهى 3: 49.

12

[مقدار الطلب و كيفيته]:

[و] المراد بالطلب الذي قد ذكرنا وجوبه هو:

1- التفحّص عن الماء في رحله و عند رفقائه و نحوهما.

2- و أن (يضرب) في الأرض لو كان في فلوات (غلوة سهمين) أي رمية أبعد أو وسط ما يقدر عليه المعتدل بالقوّة، مع اعتدال السهم و القوس و سكون الهواء (1) (في كلّ جهة من الجهات الأربع إن كانت الأرض سهلة) (2).

3- (و غلوة سهم إن كانت) الأرض (حزْنة) بسكون الزاء المعجمة خلاف السهلة، و هي المشتملة على نحو الأشجار و العلوّ و الهبوط (3).

____________

(1) على ما صرّح به بعضهم (1)، بل في كشف اللثام: أنّه المعروف، لكنّه حكى فيه عن العين و الأساس: أنّ الفرسخ التامّ خمس و عشرون غلوة، و عن المغرب عن الأجناس عن ابن شجاع: أنّ الغلوة قدر ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة ذراع، و عن الارتشاف:

أنّها مائة باع، و الميل عشر غلاء (2). و المعتمد الأوّل.

5/ 80/ 139

(2) على المشهور نقلًا (3) و تحصيلًا، بل في الغنية الإجماع عليه (4)، و عن التذكرة نسبته إلى علمائنا (5)، كما أنّه قد ينطبق عليه إجماع إرشاد الجعفرية على ما قيل (6).

و لعلّ ذلك هو الحجّة، و إلّا فمستند الحكم من النصّ الآتي لا تعرّض فيه لذكر الجهات، بل قضيّة إطلاقه الاكتفاء بالواحدة.

لكن قد يقال بإرادة الجميع منه بجعل ما عرفت قرينة عليه، مع عدم المرجّح لبعضها و عدم معلومية تحقّق الشرط و براءة الذمّة بدونه. فما في الوسيلة من الاقتصار على اليمين و اليسار (7)- مع أنّه احتمل فيها إرادة الأربع- ضعيف، كالمحكيّ عن المفيد و الحلبي من زيادة الامام و ترك الخلف (8)، إلّا أنّه علّله في كشف اللثام بكونه مفروغاً عنه بالمسير، فلا خلاف (9).

و فيه: أنّ المفروغ منه إنّما هو الخطّ الذي سار فيه لا جوانبه.

و من هنا كان المتّجه، بل لعلّه مراد الجميع جعل مبدأ طلبه كمركز دائرة نصف قطرها ما يبتدأ به من الجهات، فإذا انتهى إلى الغلوة أو الغلوتين رسم محيط الدائرة بحركة، ثمّ يرسم دائرة صغرى، و هكذا إلى أن ينتهي إلى المركز حتى يستوعب ما احتمل وجود الماء فيه من ذلك، و هو المراد و إن لم تكن بتلك الكيفيّة المذكورة، فتأمّل.

(3) و أصل التحديد بالغلوة و الغلوتين في الحزنة و السهلة هو المشهور بين الأصحاب، بل في الغنية و عن إرشاد الجعفرية الإجماع عليه (10)، كما عن التذكرة نسبته إلى علمائنا 11، و في السرائر أنّه قد «تواتر به النقل» (12)، و هو الحجّة.

____________

(1) جامع المقاصد 1: 465.

(2) كشف اللثام 2: 435.

(3) المفاتيح 1: 59.

(4) الغنية: 64.

(5) 5، 11 التذكرة 2: 150.

(6) مفتاح الكرامة 1: 519.

(7) الوسيلة: 69.

(8) المقنعة: 61. الكافي: 136.

(9) كشف اللثام 2: 436.

(10) الغنية: 64. نقله عن إرشاد الجعفرية في مفتاح الكرامة 1: 519.

(12) السرائر 1: 135.

13

..........

____________

مضافاً إلى خبر السكوني عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن عليّ (عليهم السلام) قال: «يطلب الماء في السفر، إذا كانت حزونة فغلوة، و إن كانت سهلة فغلوتين، لا يطلب أكثر من ذلك» (1)، و ضعفها لا يمنع من العمل بها بعد اعتضادها بما عرفت. كما أنّ عدم ظفرنا و ظفر العلّامة في المنتهى (2) بغيرها لا يقدح في دعوى التواتر من ابن إدريس. و كذا إطلاق الشيخ في مبسوطه و عن نهايته إيجاب الرمية أو الرميتين (3) من غير تفصيل بين الحزنة و السهلة- مع إمكان تنزيله على ذلك- لا يقدح في دعوى الإجماع المتقدّم، كإطلاقه في الجمل و الخلاف (4) و ابن سعيد في الجامع 5 إيجاب الطلب للماء، و المرتضى في جمله إيجاب الطلب و الاجتهاد في تحصيله (6)، مع احتمال الجميع ما ذكرنا؛ إذ لا ريب في تحقّق ماهيّة الطلب و الاجتهاد بالقدر المذكور.

فما في الحسن كالصحيح عن أحدهما (عليهما السلام): «إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت، فإذا خشي أن يفوته الوقت فليتيمّم و ليصلِّ» 7 قاصر عن معارضة ما تقدّم من وجوه لا تخفى، سيّما بعد:

1- معارضتها: أ- بما دلّ على جواز التيمّم مع السعة (8). ب- و بما دلّ على النهي عن الطلب من الأخبار السابقة (9).

2- و ما حكاه في الوافي عن بعض النسخ «فليمسك» بدل «فليطلب» (10)، فيمكن حينئذٍ إرادته بذلك جمعاً بين النسختين و الأدلّة.

3- و ما في جامع المقاصد 11 و غيره من أنّ الظاهر منه تحديد زمان الطلب لا مقداره؛ لأنّ الطلب قبل الوقت لا يجزي؛ لعدم توجّه الخطاب، فلا يراد حينئذٍ استيعاب الوقت بالطلب.

4- كلّ ذا، مع أنّا لم نعرف عاملًا بها بالنسبة إلى ذلك سوى ما في المعتبر: «أنّ رواية زرارة تدلّ على أنّه يطلب دائماً ما دام في الوقت حتى يخشى الفوات، و هو حسن، و الرواية واضحة السند و المعنى» (12) انتهى، مع أنّه قال قبل ذلك بلا فصل بعد أن استضعف دليل المشهور: «الوجه أنّه يطلب من كلّ جهة يرجو فيها الإصابة، و لا يكلّف التباعد بما يشقّ» 13. و لا ريب في منافاته لذلك إذا لم يستوعب الوقت. و لذا اعتمد في المدارك ما استوجهه في المعتبر، و حمل خبر زرارة على الاستحباب (14). و فيه ما عرفت و إن كان لا بأس بحمله الخبر المذكور. و لعلّه أولى ممّا في الحدائق من الجمع بينها و بين خبر السكوني بحملها على رجاء الحصول أي ظنّه، و خبر السكوني على تجويز الحصول من دون ظنّ 15؛ إذ هو- مع أنّه لا شاهد عليه- مبنيّ على وجوب الطلب زائداً على النصاب مع ظنّ الماء، و فيه منع، بل إطلاق الأدلّة السابقة يقتضي سقوطه و إن ظنّ؛ لعدم الدليل على التعبّد به، مع أنّه هو بنفسه استظهر بعد ذلك عدم اعتبار الظنّ لإطلاق خبر السكوني.

____________

(1) 1، 7 الوسائل 3: 341، ب 1 من التيمّم، ح 2، 1.

(2) 2، 5 المنتهى 3: 47. الجامع للشرائع: 46.

(3) المبسوط 1: 31. النهاية: 48.

(4) الجمل و العقود (الرسائل العشر): 168. الخلاف 1: 147.

(6) جمل العلم و العمل (رسائل المرتضى) 3: 25.

(8) انظر الوسائل 3: 342، 366، ب 2، 14 من التيمّم.

(9) انظر الوسائل 3: 342، ب 2 من التيمّم.

(10) 10، 11 الوافي 6: 560. جامع المقاصد 1: 466.

(12) 12، 13 المعتبر 1: 393.

(14) 14، 15 المدارك 1: 181. الحدائق 4: 250- 251.

14

نعم، إنّما يجب الطلب زائداً مع العلم [بحصول الماء] (1)، [فلا يلحق الظنّ به في ذلك].

نعم، قد يتردّد في الظنّ الذي تطمئنّ به النفس، بل هو علم عرفي (2)، فيجب السعي حينئذٍ و إن زاد على المقدار (3).

____________

(1) لعدم تناول الرواية له.

فما في جامع المقاصد (1) و الروض (2) و غيرهما (3) من إلحاق الظنّ به في ذلك، حتى أنّه قطع به في الأوّل، لا يخلو من نظر، بل منع.

كالتعليل له بعدم حصول شرط التيمّم معه، و هو العلم بعدم التمكّن من الماء، و إلّا لوجب مع الاحتمال أيضاً، و هو باطل قطعاً، منافٍ لفائدة التحديد بالقدر المذكور.

(2) من حيث عدم احتمال شمول الخبر لمثله، و لعلّه مرادهم كما عساه يشعر به ما ذكروه من التمثيل له بالقرية و الخضرة و نحوهما.

(3) لا يقال: إنّه لا إشكال في عدم تحقّق الشرط- و هو إن لم تجدوا- في الفرض السابق؛ لتوقّف صدقه على التطلّب و الاختبار فلم يوجد.

لأنّا نقول: إنّه بعد أن قامت الأدلّة من الخبر و الإجماع على وجوب الطلب غلوة أو غلوتين كان المراد من الآية: فإن لم تجدوا فيهما، و لا ريب في صدق عدم الوجدان فيهما و إن ظنّ في غيرهما، بل و إن علم، لكنّه خرج بما خرج من إجماع أو غيره، و إلّا لو اريد صدق عدم الوجدان بالنظر إلى جميع الأمكنة لوجب الطلب حينئذٍ مع الاحتمال، و هو باطل قطعاً لما عرفت.

و كذا ما يقال: إنّ المراد صدق إطلاق عدم الوجدان من غير تقدير للغلوة و الغلوتين و لا غيرهما؛ إذ ليست بدون ذكر المتعلّق من المجملات، و لا ترجع إلى التعميم السابق أيضاً، و لا يصدق هذا الإطلاق إلّا باختبار مظانّ الماء و لو زاد على النصاب دون ما احتمل، و به يفترق عن التعميم السابق.

لأنّا نقول- بعد تسليم تحقّق مصداق للمطلق غير التعميم السابق، و تسليم توقّفه على اختبار المظانّ كلّها-: لا نسلّم أنّ شرط التيمّم هو مصداق هذا المطلق بعد قيام الأدلّة على الغلوة و الغلوتين، فهو من قبيل المقيّد بها و الكاشف للمراد بها.

نعم، قد يتمّ ذلك بالنسبة للمحالّ التي ليست من جهة الضرب في الأرض، كحدوث مجيء قافلة أو شخص أو نحو ذلك، فنوجب اختبار أمثالها، كما صرّح به في المنتهى (4) و الذكرى (5) مع احتمال وجود الماء فيها فضلًا عن الظنّ.

____________

(1) جامع المقاصد 1: 466.

(2) الروض 1: 322.

(3) كشف اللثام 2: 436.

(4) المنتهى 3: 49.

(5) الذكرى 1: 183.

15

و الحاصل: أنّ وجوب تطلّب الماء في الضرب في الأرض أقصاه النصاب المذكور، و أمّا في غيره كالقافلة فصدق إطلاق عدم الوجدان.

نعم قد يقال: إنّ التحديد بالنصاب المذكور مبنيّ على التسامح العرفي لا التحقيقي؛ بحيث لو ظنّ وجود الماء مثلًا بما يقرب من منتهاه جدّاً لم يجب الاختبار و الطلب (1).

[عدم كفاية الطلب قبل الوقت]:

ثمّ إنّه [هل يكفي طلب الماء قبل الوقت أو يجب تجديده بعد الوقت؟] (2)

____________

(1) و لعلّه لذا حكي عن العلّامة في نهاية الإحكام التصريح بوجوبه (1) [الطلب] حينئذٍ [أي حين الظنّ بوجود الماء بما يقرب من منتهى النصاب].

بل عن المنتهى ذلك أيضاً لو توهّم (2)، و لعلّه يريد الظنّ الضعيف، فتأمّل.

(2) صرّح جماعة من الأصحاب منهم المصنّف في المعتبر (3) و العلّامة في المنتهى (4) و الشهيد في الذكرى (5) بأنّه لو طلب الماء قبل الوقت فلم يجده لم يعتدّ به و وجب إعادته، إلّا أن يعلم استمرار العدم الأوّل.

و لعلّه:

1- لظاهر ما دلّ على وجوبه [الطلب] من الإجماعات السابقة و غيرها، و هو لا يتحقّق إلّا بعد الوقت؛ لعدم وجوبه قبله.

2- و لتوقّف صدق عدم الوجدان عليه سيّما بعد ظهور الآية (6) الدالّة على اشتراطه في إرادة عدم الوجدان عند إرادة التيمّم للصلاة و عند القيام إليها، و في زمان صحّة التيمّم.

3- و لخبر زرارة المتقدّم (7) آنفاً [الدالّ على الطلب ما دام في الوقت].

4- و لأنّه لو اكتفي به قبل الوقت لصحّ الاكتفاء به مرّة واحدة للأيام المتعدّدة و هو معلوم البطلان.

5- و لأنّ المنساق إلى الذهن من الأدلّة إرادة الطلب عند الحاجة إلى الماء. فلا وجه للتمسّك للاجتزاء به [الطلب قبل الوقت] بإطلاق خبر السكوني المتقدّم 8 [في طلب الماء]، سيّما بعد إمكان دعوى انصرافه إلى المتعارف من أفراد الطلب، و هو بعد دخول الوقت.

و كذا التمسّك باستصحاب عدم الوجدان الثابت قبل الوقت، و عدم الماء كذلك؛ إذ هو:

____________

(1) نهاية الإحكام 1: 184.

(2) المنتهى 3: 48.

(3) المعتبر 1: 393.

(4) المنتهى 3: 49.

(5) الذكرى 1: 182.

(6) المائدة: 6.

(7) 7، 8 تقدّم في ص 13.

16

..........

____________

1- بعد تسليم أنّ مثله يثبت مثله من الموضوعات العرفية، أي التي يرجع في صدقها إلى العرف.

2- و تسليم الاكتفاء باستصحاب عدم الماء في تحقّق شرط التيمّم الذي هو عدم الوجدان، و هو غير عدم الماء.

3- إنّه (1) لا يعارض ما ذكرنا من ظهور الأدلّة في شرطية الطلب أن يكون بعد الوقت.

اللّهمّ إلّا أن يمنع، و فيه ما عرفت.

لكن صرّح في الذكرى بعد ذلك بالاكتفاء بالطلب مرّة في الصلوات إذا ظنّ الفقد بالأوّل مع اتّحاد المكان (2). و هو قد يوهم المنافاة لما ذكرنا في الجملة من عدم الالتفات إلى الاستصحاب و غيره، سيّما إذا اريد بالصلوات في كلامه ذوات الأوقات المختلفة كالمغرب بالنسبة للظهرين؛ إذ هو بالنسبة إليها طلب قبل الوقت.

و كذا ما في جامع المقاصد حيث اكتفى بالطلب مرّة لصلاة إذا حضرت صلاة اخرى مع الظنّ بالفقد الأوّل أيضاً (3).

و أوضح منهما ما في التحرير حيث قال: «و لو دخل عليه وقت صلاة اخرى و قد طلب في الاولى ففي وجوب الطلب ثانياً إشكال، أقربه عدم الوجوب، و لو انتقل عن ذلك المكان وجب إعادة الطلب» (4) انتهى.

اللّهمّ إلّا أن يحمل ذلك منهم على الفرق بين الطلب في وقت صلاة و عدمه، فيجتزئ بالأوّل و لو في صلاة اخرى لم يدخل وقتها، و هو موقوف على دليل الفرق، و ليس بواضح.

أو يحمل الصلاة في كلامهم على نحو الظهرين و العشاءين ممّا اشتركا في وقت واحد، فإنّه يجتزئ به حينئذٍ؛ للاستصحاب و إطلاق خبر السكوني (5) و غيرهما، لا المغرب و الظهر مثلًا.

و فيه: أنّه مبنيّ أيضاً على عدم وجوب تجديد الطلب فيما لو فرّق بين الصلاتين مع نقضه لتيمّمه السابق بحدث مثلًا و تجويزه تجدّد ماء، و هو لا يخلو من تأمّل يظهر ممّا تقدّم، و لعلّه لذا قال في المنتهى: إنّه «لو طلب فلم يجده و صلّى متيمّماً ثمّ حضرت الصلاة الثانية ففي وجوب إعادة الطلب نظر، أقربه الوجوب» (6) إن أراد بالصلاة الثانية ذلك من حيث تعارف التفريق، و إلّا كان شاهداً على سابقه.

أو يحمل كلامهم على إرادة ما لو طلب في الوقت لصلاة فتيمّم و صلّى ثمّ حضر وقت صلاة اخرى و لمّا ينتقض تيمّمه و قلنا بجواز دخوله فيها بذلك التيمّم، فإنّه لا يحتاج إلى الطلب حينئذٍ؛ لاستصحاب صحّة تيمّمه؛ إذ أقصى ما دلّت الأدلّة على اشتراطه بالنسبة لابتداء التيمّم لا لاستمرار صحّته، و هو لا يخلو من نظر و تأمّل.

____________

(1) الظاهر أنّ كلمة «أنّه» زائدة.

(2) الذكرى 1: 183.

(3) جامع المقاصد 1: 467- 468.

(4) التحرير 1: 140.

(5) الوسائل 3: 341، ب 1 من التيمّم، ح 2.

(6) المنتهى 3: 48.

17

الأحوط إن لم يكن أولى تجديد الطلب عند كلّ صلاة احتمل احتمالًا معتدّاً به تجدّد الماء عندها، حتى في نحو الظهرين مع التفريق، بل و مع الجمع إذا كان كذلك، بل و الصلاة الواحدة إذا فرّق بينها و بين التيمّم؛ ليتحقق الاضطرار و عدم الوجدان. نعم هل يحتاج إلى تجديد تيمّم بعد الطلب أو يكتفى بالأوّل؟ وجهان، كلّ ذا إن لم ينتقل عن ذلك المكان، و إلّا وجب الطلب قطعاً، فتأمّل جيّداً.

[لو أخلّ بالطلب]:

(و لو أخلّ ب)- ما وجب عليه من الطلب الذي منه (الضرب) في الأرض و تيمّم و صلّى مع سعة الوقت بطلا قطعاً (1). و لا فرق في ذلك بين أن يصادف عدم الماء بعد الطلب و عدمه، كما أنّه لا فرق فيه بين العالم و الجاهل و الناسي و غيرهم (2)، و لا بين وقوع نيّة التقرّب به إن تصوّر ذلك و عدمه (3).

نعم لو أخلّ بالطلب (حتى ضاق الوقت أخطأ) (4) (و صحّ تيمّمه و صلاته على الأظهر) (5).

____________

(1) و إجماعاً منقولًا (1) إن لم يكن محصّلًا؛ لما عرفت سابقاً من الأدلّة الدالّة على اشتراط صحّة التيمّم به.

(2) قضاءً للشرطيّة السابقة.

(3) إذ ليس هو من الشرائط التي يكفي فيها مصادفة الواقع، و إنّما يحتاج المكلّف إلى إحرازها لإيقاع نيّة التقرّب حتّى يصحّ من الغافل و نحوه.

فما عساه يظهر من بعض فروع التحرير (2) من الحكم بالصحّة لو صادف عدم الماء ليس في محلّه، مع احتمال إرادته ما ليس نحن فيه، فلاحظ و تأمّل.

(4) لتقصيره في الطلب الواجب عليه.

(5) الأشهر بين الأصحاب، بل في المدارك: أنّه المشهور (3)، و عن الروض نسبته إلى فتوى الأصحاب (4)؛ لسقوطه عند الضيق: 1- للأصل. 2- و العمومات الدالّة على عدم سقوط الصلاة بحال (5). 3- مع عدم تناول ما دلّ على شرطيّته لمثله فيكون حينئذٍ كما لو لم يخلّ، و عصيانه لا يوجبه عليه؛ لصدق عدم الوجدان أيضاً، خصوصاً إن اريد به عدم التمكّن. 4- و لإطلاق بدليّة التراب. 5- و قول الصادق (عليه السلام) في صحيح زرارة أو حسنه السابق: «فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمّم و ليصلِّ» (6). 6- و فحوى ما تسمعه من صحّة التيمّم لغير المتمكّن من استعمال الماء مع وجوده عنده لضيق الوقت إن قلنا به. خلافاً للمحكيّ عن ظاهر الخلاف و المبسوط و النهاية (7)، حيث اطلق عدم الصحّة مع الإخلال، مع عدم ثبوت ذلك عن الثاني، و احتمال الجميع السعة، بل لعلّه ظاهر الأوّل كما لا يخفى على من لاحظه، و يرشد إليه دعواه الإجماع عليه فيه، كلّ ذا مع عدم وضوح دليل له سوى اقتضاء شرطيّة الطلب ذلك، و عدم صدق الفاقد، و هما ممنوعان.

____________

(1) المنتهى 3: 43.

(2) التحرير 1: 140.

(3) المدارك 2: 183.

(4) الروض 1: 343.

(5) انظر الوسائل 4: 7، 10، 23، 27، 31، 41، ب 1، 2، 6، 7، 8، 11 من أعداد الفرائض.

(6) تقدّم في ص 13.

(7) الخلاف 1: 164. المبسوط 1: 31. النهاية: 48.

18

و لا قضاء عليه بعد ذلك حتى لو وجد الماء فيما أخلّ بالطلب فيه (1). [و لكن لو نسي الماء و ترك الطلب لاعتقاد عدم الماء فتيمّم و صلّى ثمّ ذكر أنّ معه ماء اتّجه الإعادة] (2).

____________

(1) وفاقاً لصريح مجمع البرهان و المدارك (1)، و كذا ظاهر المصنّف هنا و إن فرض المسألة في خصوص من أخلّ بالضرب: 1- لاقتضاء الأمر الإجزاء. 2- و عدم صدق اسم الفوات عليه حتى يشمله الأمر الجديد بالقضاء.

3- و لاقتضاء ما سمعته من الأدلّة السابقة أنّه كالفاقد غير المفرّط بالطلب و إن أثِم بترك الطلب.

و خلافاً للذكرى و جامع المقاصد و المسالك، فأوجبوا الإعادة مع وجدان الماء في محلّ الطلب (2)، بل و للمصنّف فيما يأتي، و العلّامة في القواعد و إن اقتصر على ما لو وجد الماء في رحله أو عند أصحابه (3)، كما عن المبسوط و الخلاف و الإصباح و إن اقتصر فيها على الرحل (4)، لكن قد سمعت أنّ المحكيّ عن ظاهر الأوّلين عدم صحّة التيمّم فيما نحن فيه، فتأمّل. و للمنتهى فيما لو نسي الماء في رحله أو موضع يمكنه استعماله فيه و تيمّم و صلّى، قال فيه: «فإن كان قد اجتهد و لم يظفر به لخفائه أو لظنّه أنّه ليس معه ماء صحّت صلاته، و إن كان قد فرّط في الطلب أعاد، قاله علماؤنا» (5) انتهى. و قال في جملة فروع له أيضاً: «لو صلّى فبان الماء بقربه، إمّا في بئر أو في مصنع أو غيرهما، فإن كان خفيّاً و طلب و لم يظفر فلا إعادة، و إن لم يطلب أعاده» 6. و للمعتبر حيث قال: «و لو كان بقربه بئر لم يرها فمع الاجتهاد تيمّم و لا إعادة، و مع التفريط يعيد» (7) انتهى؛ لحمل الإعادة في كلام الجميع على إرادة القضاء، كما هو مقتضى فرض المسألة في تارك الطلب الذي لا يصحّ منه الفعل إلّا عند الضيق، و إن أمكن فرض ذلك بالفعل بظنّ الضيق ثمّ انكشف السعة، إلّا أنّه بعيد. و لعلّه لمكان هذه العبارات و نحوها نسب في الحدائق وجوب القضاء فيما نحن فيه إلى المشهور (8)، و في جامع المقاصد إلى أكثر الأصحاب 9.

و كيف كان، فلم نعرف لهم دليلًا على ذلك سوى ما ذكره غير واحد من خبر أبي بصير، قال: سألته عن رجل كان في سفر و كان معه ماء فنسيه و تيمّم و صلّى ثمّ ذكر أنّ معه ماء قبل أن يخرج الوقت، قال: «عليه أن يتوضّأ و يعيد الصلاة» (10)، و هو:

1- مع الغضّ عمّا في سنده. 2- و إضماره. 3- و كونه في الوقت. 4- خارج عمّا نحن فيه. و احتمال دفع ذلك كلّه بالانجبار بالشهرة و ظاهر إجماع المنتهى السابق، فيه: 1- مع عدم صلاحيّتها لدفع بعض ما عرفت. 2- أنّه لا شهرة محقّقة على ما نحن فيه. 3- بل ربّما يقال- خصوصاً في عبارتي المنتهى و المعتبر-: إرادة الإعادة في الوقت أو الأعمّ فيما لو نسي الماء و ترك الطلب لاعتقاد عدم الماء فتيمّم و صلّى ثمّ بان الخلاف، و هو غير ما نحن فيه. و لعلّ المتّجه فيها ذلك أيضاً.

(2) 1- للخبر السابق. 2- و لأنّه كنسيان الطهارة. 3- و للبراءة اليقينيّة. 4- و لعدم اقتضاء الأمر الإجزاء في مثله كما مرّ تحقيقه غير مرّة؛ إذ هو من باب تخيّل الأمر، لا الأمر. 5- و للتقصير في النسيان. 6- و لأنّه واجد للماء واقعاً.

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان 1: 238. المدارك 2: 184.

(2) الذكرى 1: 183. جامع المقاصد 1: 467. المسالك 1: 116.

(3) القواعد 1: 236.

(4) المبسوط 1: 31. الخلاف 1: 164. إصباح الشيعة: 48.

(5) 5، 6 المنتهى 3: 124، 125.

(7) المعتبر 1: 367.

(8) 8، 9 الحدائق 4: 256. جامع المقاصد 1: 467.

(10) الوسائل 3: 367، ب 14 من التيمّم، ح 5.

19

نعم لو طلب فلم يجد [عند نسيان الماء] قد يتّجه حينئذٍ عدم الإعادة (1).

و منه يعلم الحكم في نظائره من كلّ طالب و أخطأ في تحصيل الماء (2).

[حكم من أراق الماء]:

و من التأمّل فيما قدّمنا يظهر لك الحال في كلّ من نقل تكليفه من الاختياري إلى الاضطراري، كمن أراق الماء في الوقت فإنّه يتيمّم و يصلّي و إن عصى بذلك مع علم عدم الماء حينئذٍ أو ظنّه بل و احتماله (3).

____________

(1) للأمر الخصوصي بالتيمّم حينئذٍ في ظاهر الأدلّة.

(2) خلافاً للمحكيّ عن المرتضى (1)، فلا يعيد الناسي مطلقاً في الوقت و خارجه، طلب أو لم يطلب، مع اعتقاده عدم الماء.

و كأنّه:

1- لرفع القلم [حالة النسيان].

2- و عدم القدرة على زواله.

3- و صدق عدم الوجدان؛ لأنّ المراد به في اعتقاده لا واقعاً؛ و لذا لا يعيد مع الطلب و إن لم يصادف الواقع.

4- و عدم شمول دليل القضاء له.

و هو لا يخلو من وجه سيّما في القضاء، و إن كان الأوجه الأوّل [و هو القول بالتفصيل بين الطلب فلا يعيد و بين عدمه فيعيد].

و ربّما يظهر للمتأمّل في كلامهم شواهد على ما ذكرنا من إرادة هذه المسألة لا ما نحن فيه من المسألة السابقة، كما أنّه يظهر له كمال التشويش في كلام جملة من المتأخّرين كالمحقّق الثاني (2) و كاشف اللثام (3) و غيرهم، بل و خللًا في النقل أيضاً، فلاحظ و تدبّر.

(3) 1- لوجوب الحفظ عليه من باب المقدّمة.

2- و أولويّته من إيجاب الطلب.

3- و ظهور الأدلّة في الاهتمام بالنسبة إلى ذلك، كما يومئ إليه شراؤه بما يتمكن و نحوه.

فما عساه يظهر من المعتبر من جواز الإراقة (4) ضعيف جدّاً.

كصريح جامع المقاصد فيما لو ظنّ إدراك الماء (5)، بل لعلّ الإجماع على خلافه. كما عساه يشعر به نسبته إلى الأصحاب في الحدائق (6).

و احتمال التمسّك له- بعد الأصل، بأنّ أقصى ما يستفاد وجوب كلّي الصلاة في أوّل الوقت، و كيفيّة أدائها يتبع حاله وقت

____________

(1) نقله في المعتبر 1: 367.

(2) جامع المقاصد 1: 466- 467.

(3) كشف اللثام 2: 437- 438.

(4) المعتبر 1: 366.

(5) جامع المقاصد 1: 470.

(6) الحدائق 4: 256.

20

[بلا إعادة و لا قضاء عند التمكّن من الماء. نعم لا ريب أنّه أحوط].

____________

الأداء، واجد الماء أو فاقده، و ذلك لا يقتضي إيجاب حفظ الحالة الاولى التي قارنت مبدأ التكليف، و لذا كان له السفر بعد الوقت و نقل تكليفه من الإتمام و القصر، بل تخييره في أوقات الصلاة يقتضي عكسها- ضعيف جدّاً؛ إذ:

1- لا ريب في إيجاب الصلاة بماء عليه باعتبار وجدانه له و إن كان مخيّراً في إيقاعها كذلك في سائر أوقات السعة، لا أنّه مخيّر في كلّي الصلاة و القياس على السفر يدفعه: معلوميّة إباحته، فمنه و من التخيير في الإيقاع ينتقل إلى جواز ذلك، بخلاف ما نحن فيه [أي في الإراقة] و من هنا لم يقع الإشكال فيه من حيث ذلك [جواز السفر] و إن وقع فيه من حيث انتقال فرضه إلى القصر حينئذٍ؛ لعموم الأدلّة [أي أدلّة القصر]، و عدمه [عدم القصر] لاستصحاب ما كلّف به أوّلًا، فتأمّل جيّداً.

2- على أنّه لو سلّم عدم اقتضاء القواعد الحرمة فيما نحن فيه [أي في الإراقة]، فلا ينبغي الإشكال هنا بعد ظهور الإجماع المتقدّم و الأدلّة فيه [عدم جواز الإراقة]. نعم، هو لا ينافي الانتقال إلى التيمّم لشمول أدلّته.

و منه يعلم حينئذٍ أنّه لا وجه للإعادة [فيما لو أراق الماء و انتقل إلى التيمّم] بعد التمكّن من الماء، وفاقاً للمصنّف في المعتبر و الهندي في كشف اللثام (1) و غيرهما، بل قد يشعر عبارة الأوّل بعدم الخلاف فيه. و أولى منها القضاء؛ إذ هو بعد عصيانه يساوي غير العاصي في شمول أدلّة التيمّم، فكما لا إعادة هناك لاقتضاء الأمر الإجزاء، فكذلك هنا [العاصي].

فما في القواعد (2) و غيرها من الإعادة عند التمكّن ضعيف جدّاً، خصوصاً إن أراد الأعمّ من القضاء، و مجرّد وجوب ذلك سابقاً عليه لا يقتضيه.

نعم قد يحتمل القول بعدم مشروعية التيمّم [عند الإراقة] من حيث ظهور أدلّته في غيره، فيعاقب حينئذٍ على الصلاة و إن لم تقع منه لسوء اختياره، فإذا وجد الماء أعاد أو قضى، لا أنّه يشرع له التيمّم ثمّ يجب عليه الإعادة بعد التمكّن.

اللّهمّ إلّا أن يريد بوجوبه [التيمّم] من [باب] المقدّمة للفراغ اليقيني، لا من حيث شمول أدلّة التيمّم له، أي أنّه لم يتّضح 5/ 90/ 155

له من الأدلّة حكم هذا الموضوع [و هو إراقة الماء] أنّه من الفاقد- فيتيمّم- أو لا، فيفعلهما [الصلاة مع التيمّم و الإعادة] حينئذٍ معاً تحصيلًا للفراغ اليقيني، و لا ريب أنّه أحوط.

و إن كان قد ينظر فيه بعد التسليم بأنّ وجوب القضاء لا يحقّقه إلّا الأمر الجديد لا احتمال الشغل، فمن جاء بالصلاة متيمّماً لم يحصل له اليقين بالفوات، إلّا أنّه يمكن دفعه.

و كيف كان، فالأقوى ما سمعت. ثمّ إنّ الظاهر اختصاص الإعادة بالصلاة التي اريق الماء في وقتها، لا كلّ ما يمكن تأديته بذلك الماء و إن لم يدخل وقتها، بل لا يبعد اختصاص الظهر لو أراقه في وقتها المختصّ به دون العصر.

و إن احتمل بعضهم بناءً على دخوله بمجرّد انتهاء وقت الظهر (3)، لكن الأوّل هو مقتضى الأدلّة السابقة، فتأمّل جيّداً.

____________

(1) المعتبر 1: 366. كشف اللثام 2: 439.

(2) القواعد 1: 236.

(3) جامع المقاصد 1: 469.

21

هذا كلّه إذا أراقه بعد الوقت.

أمّا قبله فيصلّي بتيمّمه المتجدّد (1)، و لا يعيد قطعاً، كما أنّه لا إثم عليه كذلك أيضاً حتى لو علم عدم الماء فيه (2).

لكن قد يقوى في النفس وجوب حفظ ما تفوت الصلاة بفواته و إن كان قبل الوقت حينئذٍ كالطهورين مثلًا (3).

[حكم من خاف فوات الوقت باستعمال الماء]:

و [الظاهر] (4) وجوب التيمّم على واجد الماء الذي لا يتمكّن من استعماله مخافة فوات الوقت حتى-

____________

(1) إجماعاً كما في المنتهى (1).

(2) 1- للأصل.

2- و عدم وجوب مقدّمة الواجب الموسّع قبله، سيّما فيما لها بدل شرعي.

خلافاً للُاستاذ الأكبر في شرح المفاتيح، فأوجبه أيضاً مع احتمال عدم الماء فضلًا عن غيره.

معلّلًا له:

1- باستصحاب البقاء إلى وقت الصلاة الواجبة.

2- و كونها من الواجبات المطلقة اللازمة الصدور من المكلّف على أيّ تقدير، و أنّها أشدّ الفرائض (2).

و هما كما ترى، و كذا قياسه على مقدّمات الحجّ؛ للفرق الواضح بينه و بين ما نحن فيه ممّا يسع الوقت له و لمقدّماته، و من هنا لم يتحقّق الوجوب إلّا مع مضي مقدار الطهارة مع الصلاة.

نعم ربّما يقال: إنّه يظهر من الأدلّة زيادة الاهتمام بالصلاة و مقدّماتها و رفع موانعها، كما يشعر به النهي عن السفر إلى أرض لا ماء فيها و أنّه هلاك الدين.

لكن وصول ذلك إلى حدّ الوجوب ممنوع، و عليه فيجب الطهارة حينئذٍ لو مرّ بماء قبل الوقت مع احتمال عدمه فيه، بل و كذا طلبه قبله مع احتماله عدم التيسّر له فيه، و كذا حفظ وضوئه عن الحدث لو كان متوضئاً و نحو ذلك ممّا قد يقطع بعدمه، بل يشمله ما حكي من الإجماع على عدم وجوب الوضوء قبل دخول الوقت، كظاهر الأخبار المعلّقة له عليه (3).

(3) كما يشعر به حرمة النوم لمن علم فوات الفريضة به، إمّا لزيادة الاهتمام بأمر الصلاة، أو يدّعى ذلك في كلّ واجب موقّت، أو يفرّق بين ما يجعل وسيلة و احتيالًا لإسقاط الواجب من الصلاة و غيرها و عدمه.

و كيف كان فهو غير ما نحن فيه، فتأمّل جيّداً.

(4) [إذ] ربّما يظهر لك من التأمّل فيما ذكرنا سابقاً [ذلك].

____________

(1) المنتهى 3: 122.

(2) المصابيح 4: 252.

(3) الوسائل 1: 372، ب 4 من الوضوء، ح 1.

22

إدراك مقدار ركعة منه، و إن كان ذلك بتقصير و تفريط منه (1).

[و] الاحتياط بالتيمّم و الصلاة ثمّ الطهارة و القضاء- سيّما مع التقصير منه و التفريط- لا ينبغي تركه (2).

____________

(1) وفاقاً للمنتهى و التذكرة و المختلف و الروضة (1) و غيرها، بل في الرياض: أنّه الأشهر (2):

1- لعموم المنزلة.

2- و إنّه أحد الطهورين.

3- و اتّحاد ربّ الأرض و الماء، مع عدم سقوط الصلاة عنه.

4- و ظهور مساواته لما لو خاف فوات الوقت بالسعي إليه، أو بإتمام السعي إليه، كظهور أصل مشروعيّة التيمّم للمحافظة على الصلاة في وقتها، فهو أهمّ في نظر الشارع من المحافظة على الطهارة المائية كغيرها من الشرائط من تحصيل الساتر و نحوه، فإنّها كلّها تسقط عند الضيق، و لعلّه لذا لم يعدّ الضيق في مسوّغات التيمّم.

5- و لما يشعر به الأمر في الموثّق (3) و خبر السكوني (4) بالتيمّم عند خوف الزحام يوم الجمعة أو عرفة، كما سيأتي التعرّض له في الأحكام.

6- و لظهور الاتّفاق على مشروعيّته [التيمّم] لصلاة الجنازة مع خوف فواتها، و لا فرق بينها و بين ما نحن فيه إلّا بالوجوب و الندب، و هو لا يصلح فارقاً.

و تمام الكلام عند تعرّض المصنّف له في الأحكام أيضاً.

و خلافاً للمعتبر و جامع المقاصد و كشف اللثام و المدارك (5)؛ لثبوت اشتراطها بالطهارة المائية، مع عدم ثبوت مسوغيّة ضيق الوقت للتيمّم؛ لتعليقه على عدم الوجدان الذي لا يتحقّق صدقه بذلك، فحينئذٍ يتطهّر و يقضي، و لذا يصدق عليه اسم الواجد لغةً و عرفاً، و بذلك يفرّق بينه و بين من أخلّ بالطلب حتى ضاق [الوقت].

و فيه:

1- بعد تسليم عدم إرادة التمكّن منه، مع شهادة امور كثيرة عليه.

2- إنّه لا دلالة فيه على اختصاص المسوّغ به إلّا بالمفهوم الذي لا يظهر شموله لمثل ما نحن فيه، بل قد يظهر منه خلافه، و هو لا يعارض ما عرفته سابقاً.

لكن و مع ذلك كلّه ف [- الاحتياط بالتيمّم و الصلاة ثمّ الطهارة و القضاء لا ينبغي تركه].

(2) بل ربّما أوجبه بعضهم هنا مقدّمة للفراغ اليقيني، إلّا أنّه ممنوع؛ لما عرفت في نظائره من اقتضاء الأمر الإجزاء، و بدليّة التراب، و غيرهما.

____________

(1) المنتهى 3: 38. التذكرة 2: 162. المختلف 1: 415. الروضة 1: 151.

(2) الرياض 2: 290.

(3) الوسائل 3: 371، ب 15 من التيمّم، ح 2.

(4) المصدر السابق: ح 1.

(5) المعتبر 1: 366. جامع المقاصد 1: 467. كشف اللثام 2: 436. المدارك 2: 185.

23

ثمّ إنّ المعتبر في الضيق المسوّغ للتيمّم [هل هو] عدم التمكّن مع استعمال الماء من إدراك الصلاة و لو بإدراك ركعة من الوقت أو يكفي فيه خروج بعض الصلاة عن الوقت حتى التسليم بناءً على وجوبه فيها؟ وجهان، و ربّما يجري مثله في سائر الشرائط غير الطهارة، و إن أمكن الفرق بالبدليّة هنا شرعاً دون غيرها، فيتّجه الثاني فيما نحن فيه، و الأوّل في غيره، فتأمّل.

[عدم الفرق في وجوب التيمّم بين الماء و عدمه]:

(و) على كلّ حال، ف(- لا فرق) فيما ذكرنا من وجوب التيمّم (بين عدم الماء أصلًا، و وجود ماء لا يكفيه لطهارته) وضوءاً أو غسلًا (1).

____________

(1) 1- إذ هو بمنزلة العدم؛ لعدم مشروعيّة تبعيض الطهارة و لا تلفيقها من الماء و التراب، فيشمله حينئذٍ قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا)* (1) لتبادر إرادة ما يكفي، كقوله تعالى في كفّارة اليمين: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ)* 2 لعدم وجوب إطعام البعض. 2- مضافاً إلى: أ- الأمر في صريح الأخبار المستفيضة- و فيها الصحيح و غيره- بالتيمّم للجنب و إن كان عنده من الماء ما لا يكفيه، كخبري الحلبي (3) و الحسين بن أبي العلاء (4) و غيرهما 5. ب- و إلى اقتضاء قاعدة انتفاء الكلّ بانتفاء الجزء. و قوله (عليه السلام): «لا يسقط الميسور» (6) مع إجماله في نفسه لا يتمسّك به من دون جابر له، فكيف مع وجود ما يوهنه؟! و احتمال تعميم ما دلّ على تنزيل التراب منزلة الماء في الأبعاض أيضاً (7)، يدفعه: ظهور تلك الأدلّة، بل هو صريح بعضها في غيره.

كلّ ذا، مع أنّه لا خلاف أجده في شيء من ذلك، بل في كشف اللثام الاتّفاق على وجوب التيمّم كما في المنتهى (8)، و عن التذكرة نسبته إلى علمائنا مع التصريح في معقد ذلك فيها بعدم الفرق بين الحدث الأصغر و الجنب (9): 1- سوى ما في الروض: «ربّما حكي عن الشيخ في بعض أقواله التبعيض، و هو قول بعض العامّة» (10) انتهى. مع أنّا لم نجد ذلك فيما حضرني من كتبه كالمبسوط و الخلاف، بل الموجود فيهما خلافه (11)، بل في الأخير الإجماع على التيمّم للمجنب الذي كان عنده ماء لا يكفيه لغسله و كذا الوضوء. 2- و سوى ما نقل عن العلّامة في نهاية الإحكام أنّه احتمل في الجنب صرف الماء إلى بعض أعضائه، معلّلًا ذلك باحتمال وجود ما يكمله، و الموالاة فيه ليست بشرط 12. و الظاهر أنّه ليس خلافاً فيما نحن فيه من إيجاب التيمّم و عدم الاجتزاء بغسل البعض و التلفيق من الماء و التراب، بل هو واجب آخر خارج عن ذلك من حيث احتماله لوجود ما يكمله، مع أنّه أيضاً ممنوع؛ لعدم رجوعه إلى أصل يعوّل عليه، و لو علّله بإمكان رفع بعض الجنابة دون بعض- لمكان توزيعها على البدن، كما يشعر به قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «تحت كلّ شعرة جنابة» (13) و غيره مع وجوب تخفيف الحدث كالخبث- لكان أوجه، و إن كان كلّ من مقدّمتيه ممنوعاً أيضاً كما هو واضح. فظهر لك من ذلك كلّه [أنّه لا ينبغي الإشكال في ذلك].

____________

(1) 1، 2 المائدة: 6، 89.

(3) الوسائل 3: 386، ب 24 من التيمّم، ح 1.

(4) 4، 5 المصدر السابق: 387، ح 3، 2، 4.

(6) عوالي اللآلي 4: 58، ح 205.

(7) الوسائل 3: 279، ب 20 من التيمّم، ح 3.

(8) كشف اللثام 2: 447. المنتهى 3: 18.

(9) انظر التذكرة 2: 167، 169، 170.

(10) 10، 12 الروض 1: 322. نهاية الإحكام 1: 186.

(11) المبسوط 1: 35. الخلاف 1: 161، 162.

(13) المستدرك 1: 479، ب 29 من الجنابة، ح 3.

24

[و الظاهر] أنّه لا ينبغي الإشكال في الرجوع إلى التيمّم و عدم الالتفات إلى ذلك الماء، من غير فرق بين الأصغر و غيره، و لا بين سائر أنواع الحدث الأكبر إلّا في إيجاب الوضوء به لو كان يكفيه في حدث غير الجنابة كالحيض و المسّ (1). و لو كان الماء يكفي للغسل أو الوضوء في غير الجنابة احتمل تقديمُ الغسل و التيمّم بدل الوضوء (2) و التخيير، و الأوّل أحوط. ثمّ إنّه لا فرق فيما ذكرنا من عدم مشروعيّة التبعيض المذكور بين أن يكون منشؤه قلّة الماء أو غيره كمرض بعض أعضاء الطهارة مع صحّة الباقي مرضاً لا يدخله تحت الجبيرة و لواحقها. و كذا لو كان عليها نجاسة لا يستطيع غسلها لألم و نحوه (3)، بل ينتقل حينئذٍ إلى التيمّم (4).

____________

(1) لما قدّمناه في باب الحيض أنّه يوجب الطهارتين، فتعذّر إحداهما لا يسقط الاخرى، بخلاف الجنابة، و من هنا نصّ في خبر محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) على الأمر بالتيمّم و النهي عن الوضوء في المجنب في السفر و معه ماء قدر ما يتوضّأ (1)، كظاهر غيره أيضاً 2.

(2) لكونه أهمّ في نظر الشارع.

(3) كما صرّح بذلك جماعة من الأصحاب منهم الشيخ في مبسوطه و خلافه (3)، و المصنّف في المعتبر، و العلّامة في المنتهى (4)، و غيرهم.

(4) و كأنّه لعدم الالتفات منهم هنا إلى عدم سقوط الميسور بالمعسور، و قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» (5). إمّا لظهور الأدلّة في خصوص الطهارات في عدم اعتبار ذلك، كما يشعر به أمر الجنب الواجد لبعض الماء بالتيمّم و غيره. و إمّا لأنّهم عثروا على ما يصرف دلالتها عن شمول ذلك و إن كان ظاهرها الآن التناول، كما رواه في الصافي عن المجمع عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: (لٰا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيٰاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) (6)، ثمّ قال: «خطب رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) فقال: إنّ اللّٰه كتب عليكم الحجّ، فقال عكاشة بن محصن- و يروى سراقة بن مالك-: أ في كلّ عام يا رسول اللّٰه؟ فأعرض عنه حتى عاد مرّتين أو ثلاثاً، فقال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم): ويحك و ما يؤمنك أن أقول نعم؟! و اللّٰه لو قلت: نعم لوجبت، و لو وجبت ما استطعتم، و لو تركتم كفرتم، فاتركوني ما تركتم، فإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم و اختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، و إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» (7).

و هو ظاهر بل صريح في غير ما نحن فيه من الاتيان ببعض أجزاء المركّب لو تعذّر الباقي، مع منافاته لقاعدة انتفاء المركّب بانتفاء بعض أجزائه. لكن و مع ذلك فقد ذكر الشيخ في المبسوط و الخلاف فيما نحن فيه أنّ الأحوط غسل الأعضاء الصحيحة ثمّ التيمّم 8، ليكون مؤدّياً صلاته بيقين.

و هو لا يخلو من تأمّل إن أراد ذلك من حيث وجود المخالف فيه منّا. نعم له وجه إن أراد من حيث احتماله في نفسه، فتأمّل جيّداً، و اللّٰه العالم.

____________

(1) 1، 2 الوسائل 3: 387، ب 24 من التيمّم، ح 4، و ذيله.

(3) 3، 8 المبسوط 1: 35. الخلاف 1: 154.

(4) المعتبر 1: 369. المنتهى 3: 32، 34.

(5) عوالي اللآلي 4: 58، ح 206.

(6) المائدة: 101.

(7) تفسير الصافي 2: 91.

25

[السبب الثاني] [عدم الوصلة إلى الماء الموجود]:

السبب (الثاني: عدم الوصلة إليه) أي إلى الماء (1)، إمّا لتوقّفه على ثمن تعذّر عليه فيتيمّم (2)، أو لفقد الآلة التي يتوصّل بها إلى الماء كما إذا كان على شفير بئر أو نهر و لم يتمكّن من الوصول إلى الماء إلّا بمشقّة أو تغرير النفس فيباح له التيمّم (3)، أو للعجز عن الحركة المحتاج إليها في تحصيله لكبر أو مرض أو ضعف قوّة و لم يجد معاوناً و لو بأُجرة مقدورة، أو يكون موجوداً في محلّ يخاف من السعي إليه على نفس أو طرف أو مال محترم أو بُضع أو عِرض أو ذهاب عقل و لو بمجرّد الجبن (4).

____________

(1) بلا خلاف أجده، بل في ظاهر المعتبر: أنّ «عليه إجماع أهل العلم» (1).

(2) إجماعاً كما في التذكرة (2).

(3) 1- عند علمائنا أجمع كما في المنتهى (3). 2- و قال الصادق (عليه السلام)- لمّا سأله ابن أبي العلاء عن الرجل يمرّ بالركيّة و ليس معه دلو-: «ليس عليه أن ينزل الركيّة، إنّ ربّ الماء هو ربّ الأرض فليتيمّم» (4)، و نحوه قوله (عليه السلام) أيضاً في خبر الحلبي (5). 3- و قال (عليه السلام) أيضاً في صحيح ابن أبي يعفور و عنبسة: «إذا أتيت البئر و أنت جنب فلم تجد دلواً و لا شيئاً تغرف به فتيمّم بالصعيد الطيّب، فإنّ ربّ الماء ربّ الصعيد، و لا تقع في البئر و لا تفسد على القوم ماءهم» (6).

(4) 1- لقبح التكليف بما لا يطاق.

2- و نفي العسر و الحرج و الضرر في الدين.

3- مع عموم بدليّة التراب عن الماء، و صدق عدم الوجدان.

و ربّما يشير إلى بعض ما ذكرنا، مضافاً إلى الأخبار السابقة أيضاً:

1- خبر السكوني عن جعفر عن أبيه عن عليّ (عليه السلام): أنّه سئل عن رجل يكون في وسط الزحام يوم الجمعة أو يوم عرفة لا يستطيع الخروج من المسجد من كثرة الناس، قال: «يتيمّم و يصلّي معهم، و يعيد إذا انصرف» (7).

2- و داود الرقّي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أكون في السفر و تحضر الصلاة و ليس معي ماء، و يقال: إنّ الماء قريب منّا، أ فأطلب الماء و أنا في وقت يميناً و شمالًا؟ قال: «لا تطلب الماء و لكن تيمّم، فإنّي أخاف عليك التخلّف عن أصحابك فتضلّ و يأكلك السبع» (8).

3- و يعقوب بن سالم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل لا يكون معه ماء و الماء عن يمين الطريق و يساره غلوتين أو نحو ذلك؟ قال: «لا آمره أن يغرّر بنفسه فيعرض له لصّ أو سبع» (9)، إلى غير ذلك. (ف)- ظهر لك حينئذٍ ممّا قدّمنا [ذلك].

____________

(1) المعتبر 1: 363.

(2) التذكرة 2: 163.

(3) المنتهى 3: 36.

(4) الوسائل 3: 345، ب 3 من التيمّم، ح 4.

(5) المصدر السابق: 343، ح 1.

(6) المصدر السابق: 344، ح 2.

(7) المصدر السابق: ح 3.

(8) الوسائل 3: 342، ب 2 من التيمّم، ح 1.

(9) المصدر السابق: ح 2.

26

[من لم يتمكّن من شراء الماء]:

[و الظاهر] أنّ (من عُدِمَ الثمن) أو بعض ما سمعت (فهو كمن عُدِمَ الماء) في وجوب التيمّم (و كذا إن وجده بثمن يضرّ به في الحال) (1)، من غير فرق في ذلك بين الحالّ و المؤجّل، و منه ما لو كان محتاجاً له للنفقة، فإنّه لم يجب عليه الشراء (2).

و منه أيضاً الإجحاف بماله، أي استئصاله أو كاستئصاله (3).

____________

(1) كما هو فتوى فضلائنا على ما في المعتبر (1)، و الظاهر اتّفاق الأصحاب عليه، كما في شرح المفاتيح (2).

(2) قولًا واحداً كما في المنتهى (3).

(3) و اقتصر عليه- أي الإجحاف- في الغنية (4) و الوسيلة (5) و عن الكافي (6) من غير تعرّض للضرر، بل لعلّه بعض معقد إجماع الأوّل، كما أنّه لم يعرف فيه مخالفاً في المنتهى (7).

فإطلاق ابن سعيد في الجامع (8)- كما عن المرتضى (9)- إيجاب الشراء و إن كثر ثمنه منزّل على غير ما ذكرنا قطعاً، سيّما مع خوف التلف، كما يشعر به جواز التيمّم مع خوف العطش فالثمن أولى، فلا خلاف حينئذٍ و إن كان قد يظهر من المصنّف في النافع (10) و المعتبر 11 ذلك، حيث جعلهما قولين، بل مال إليه في الحدائق فأوجب الشراء مطلقاً إلّا إذا خاف على نفسه العطب (12)، تمسّكاً بإطلاق ما دلّ على شرائه بالثمن و إن كثر من الأخبار الآتية (13).

و هو:

1- مع مخالفته للإجماع في الجملة.

2- و عدم تبادر مثل ذلك من الأخبار التي ادّعاها.

3- منافٍ لنفي الضرر و العسر و الحرج في الدين، سيّما إذا استلزم ذلك سؤاله و ذلّه، و لسهولة الملّة و سماحتها.

4- مع عموم بدليّة التراب عن الماء.

5- و استقراء أمثال هذه الموارد في الواجبات الأصليّة، فضلًا عمّا كان وجوبه من باب المقدّمة و له بدل.

فبذلك كلّه يخرج عن تلك الإطلاقات لو سلّم تناولها، و احتمال العكس بعد تسليم قبول هذه العمومات التخصيص لا وجه

____________

(1) 1، 11 المعتبر 1: 370، 369.

(2) المصابيح 4: 257.

(3) المنتهى 3: 17.

(4) الغنية: 64.

(5) الوسيلة: 70.

(6) الكافي: 136.

(7) المنتهى 3: 16.

(8) الجامع للشرائع: 45.

(9) نقله في المعتبر 1: 369.

(10) المختصر النافع: 40.

(12) الحدائق 4: 266.

(13) تأتي في ص 29.

27

..........

____________

له، سيّما بعد رجحان هذه بعمل الأصحاب و غيره.

نعم قد يناقش في شمول تلك العمومات لمثل المقام:

1- بمنع كونه عسراً و حرجاً، و إلّا لم يقع نظيره في الشرع من الجهاد و بذل المال في الحجّ و غير ذلك.

2- و بأنّ المراد من حديث الضرار (1) النهي عن أن يضرّ أحد أحداً، لا ما نحن فيه.

و يدفعه:

1- منع عدم الشمول؛ لأنّ المراد بالحرج المشقّة التي لا تتحمّل عادةً و إن كانت دون الطاقة.

2- على أنّ استقراء موارد سقوط الطهارة المائية يشعر بإقامة الشارع التراب مقامها بأقلّ من ذلك، كما لا يخفى.

فلعلّ العسر و الحرج يختلف بالنسبة للتكاليف باعتبار المصالح المترتّبة عليها، فمنها: ما لا عسر و لا حرج في بذل النفوس له فضلًا عن الأموال، كالجهاد لما يترتّب عليه من المصالح العظيمة التي يهون بذل النفوس لها. و منها: ما لا يكون كذلك مثل ما نحن فيه، كما يعطيه فحاوى الأدلّة للأمر بتركه في كثير من مظانّ أقلّ الضرر.

نعم، قد يتأمّل لما ذكره و لباب المقدّمة في بعض أفراد الضرر الذي يتحمّل مثله عادةً، و إلّا فمطلق الشراء بالثمن الكثير الزائد على ثمن المثل ضرر، كما ينبئ عنه استدلال الأصحاب في أبواب المعاملات على أمثاله بنفي الضرر و نحوه.

و من هنا لم يعتبر المضرّة اليسيرة في المهذّب (2) و ظاهر مجمع البرهان (3) على ما حكي عنهما.

كما أنّه قد يتأمّل فيما ذكره المصنّف في المعتبر (4) دليلًا للحكم السابق غير ما قدّمناه، و تبعه غيره من أنّه إذا لم يجب السعي و تعريض المال للتلف مع خوف أخذ اللصّ ما يجحف به و ساغ التيمّم دفعاً للضرر، فهكذا هنا:

1- بالفرق بينه و بين ما نحن فيه؛ للنصّ فيه هناك و عدمه هنا، و لذا لم يعتبر في خوف اللصّ الضرر و الإجحاف.

2- و بما في أخذ اللص و نحوه من الطرق التي لم تعدّ أعواضاً ممّا لا يحتمل عادةً، بل قد يعدّ مثله إضاعة المال المنهي عنها.

3- و بما قيل (5) أيضاً: إنّ العوض فيه هنا الثواب، بخلافه في اللّص.

لكن في الذكرى: أنّه «خيال ضعيف؛ لأنّه إذا ترك المال لابتغاء الماء دخل في حيّز الثواب» (6).

و فيه:

إنّه فرق بين الثوابين، و لعلّ مراد المحقّق الذي أشرنا إليه سابقاً من أنّ هذا و شبهه ممّا امر بالتيمّم من جهته يشعر بقيام التراب مقام الماء بأقلّ من ذلك، فتأمّل جيّداً.

____________

(1) الوسائل 18: 32، ب 17 من الخيار، ح 3، 4، 5.

(2) المهذب 1: 48.

(3) مجمع الفائدة و البرهان 1: 217.

(4) المعتبر 1: 370.

(5) الروض 1: 321.

(6) الذكرى 1: 184.

28

و المراد بالحال (1) حال المكلّف (2)، فيشمل الحال و المتوقّع في زمان لا يتجدّد فيه ما يندفع به عادةً (3).

نعم، لو بَعُدَ زمان التوقّع إلى مرتبة لا يحترز عن مثله في العادات لم يعتبر (4).

هذا كلّه فيما إذا أضرّ.

[لو لم يضرّ ثمن الماء بحاله]:

(و) أمّا (إن لم يكن [الثمن] مضرّاً في الحال (1)) و لو من حيث الإجحاف (لزمه شراؤه) إذا كان بثمن المثل (5).

____________

(1) في المتن و غيره.

(2) كما هو صريح التذكرة (2) و الذكرى (3) و جامع المقاصد (4) و غيرها، و ظاهر إطلاق الضرر في الخلاف (5).

(3) [و ذلك]:

1- لاشتراكهما في الأدلّة السابقة.

2- و استقراء موارد ما رفع من التكليف للضرر.

3- و فحوى الأمر بالتيمّم عند خوف العطش فالثمن الذي هو بدل الماء أولى.

فما يحكى عن صريح المعتبر (6) بل قيل 7: إنّه ظاهر المتن، من إرادة الزمان الحال:

1- لعدم العلم بالبقاء إلى وقته.

2- و لإمكان حصول مال فيه على تقدير البقاء.

3- و لانتفاء الضرر.

ضعيف جدّاً كدليله.

(4) لعدم عدّ مثله من الضرر، فتأمّل.

(5) اتّفاقاً محصّلًا و منقولًا (8):

1- لصدق الوجدان.

2- و للمقدّمة.

____________

(1) في بعض نسخ الشرائع: «مضرّاً به في الحال» و في بعضها: «مضرّاً بالحال».

(2) التذكرة 2: 163.

(3) الذكرى 1: 184.

(4) 4، 7 جامع المقاصد 1: 475.

(5) الخلاف 1: 165.

(6) المعتبر 1: 370.

(8) المنتهى 3: 13.

29

بل (و) كذا (لو كان بأضعاف ثمنه المعتاد) (1).

____________

(1) إجماعاً كما في الخلاف (1)، و فتوى فقهائنا عن المهذّب البارع (2)، بل لعلّه مندرج أيضاً في معقد إجماع الغنية (3).

و على كلّ حال فهو الحجّة، مضافاً إلى:

1- صدق الوجدان معه.

2- و المقدّمة.

3- و الصحيح قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل احتاج إلى الوضوء للصلاة و هو لا يقدر على الماء فوجد قدر ما يتوضّأ به بمائة درهم أو بألف درهم و هو واجد لهما، يشتري و يتوضّأ أو يتيمّم؟ قال: «لا بل يشتري، قد أصابني مثل هذا فاشتريت 5/ 100/ 171

و توضّأت، و ما يشترى بذلك مال كثير» (4).

4- و خبر الحسين بن طلحة المروي عن تفسير العيّاشي قال: سألت عبداً صالحاً عن قول اللّٰه عزّ و جلّ: (أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً)* (5) ما حدّ ذلك؟ قال: «فإن لم تجدوا بشراء أو بغير شراء، قلت: إن وجد قدر وضوئه بمائة ألف أو بألف، و كم بلغ؟ قال: ذلك على قدر جدته» (6).

5- و ما عن فخر الإسلام في شرح الإرشاد: «أنّ الصادق (عليه السلام) اشترى وضوءه بمائة دينار» (7).

6- و ما عن دعائم الإسلام إلى أن قال: و قالوا (عليهم السلام): في المسافر يجد الماء بثمن غال: [عليه] «أن يشتريه إذا كان واجد الثمن فقد وجده، إلّا أن يكون في دفعه الثمن ما يخاف منه على نفسه التلف إن عدم و العطب، فلا يشتري و يتيمّم بالصعيد و يصلّي» (8). فما عن ابن الجنيد من عدم إيجاب الشراء إذا كان غالياً، و لكن أوجب الإعادة إذا وجد الماء (9)، ضعيف؛ و لعلّه:

1- لأنّه ضرر في نفسه، فيندرج تحت قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «لا ضرر»؛ إذ المراد به ما كان فيه ذلك في حدّ ذاته و بالنسبة إلى غالب الناس.

2- و لسقوط السعي عند الخوف على شيء من ماله، و هو مدفوع بما عرفت. كما أنّه قد عرفت الفرق بينه و بين الخوف بالنصّ و غيره، فلا ينبغي الإشكال في وجوب ذلك حينئذٍ.

كما أنّه لا إشكال عندهم، بل و لا خلاف، بل في الحدائق نسبته إلى ظاهر الأصحاب (10) في وجوب القبول عليه لو وهب له الماء؛ لابتناء ذلك على المسامحة عرفاً، فلا منّة و لا ضرر، لكنّه لا يخلو من تأمّل.

____________

(1) الخلاف 1: 165.

(2) المهذب البارع 1: 198.

(3) الغنية: 64.

(4) الوسائل 3: 389، ب 26 من التيمّم، ح 1، و فيه: «يسرّني» بدل «يشتري».

(5) المائدة: 6. النساء: 43.

(6) تفسير العياشي 1: 244، ح 146. الوسائل 3: 389، ب 26 من التيمّم، ح 2، و فيه: «ابن أبي طلحة».

(7) شرح الإرشاد: 31 (مخطوط).

(8) دعائم الإسلام 1: 121. المستدرك 2: 549، ب 20 من التيمّم، ح 1.

(9) نقله في المعتبر 1: 369.

(10) الحدائق 4: 273.

30

[لو وهب له الماء أو ثمنه]:

[و وجوب القبول عليه لو وهب له الماء لا يخلو من تأمّل]؛ لاختلافه [المنّة و الضرر] باختلاف الأشخاص رفعة و ضِعةً، و الأزمنة و الأمكنة. و عليه فلو تيمّم و الحال هذه [مع عدم المنّة] بطل ما دام الماء المبذول قائماً (1)، و كذا في نظائره.

و أمّا لو بذل له الثمن [فهل يجب عليه القبول؟] (2) فلعلّ الأولى إناطة الحكم بذلك [بحسب الأشخاص و الأزمنة و الأمكنة] لا الإطلاق (3)، بل و كذا الكلام في الاستيهاب و الاكتساب، فإنّ الناس مختلفة بذلك أشدّ اختلاف.

و [الظاهر] (4) عدم الفرق بين الهبة و البذل بمعنى الإباحة (5). و لو بذل له الماء أو الثمن إلى أجل يستطيع وفاءه فيه وجب عليه القبول (6). و بأدنى تأمّل تعرف جريان جميع ما تقدّم من الكلام في الماء و ثمنه في الآلة، و لذا قال المصنّف: (و كذا القول في الآلة) حتى الكلام بالنسبة إلى وجوب قبولها لو وهبت و عدمه كالثمن، فلا حاجة إلى الإعادة و التطويل.

____________

(1) كما صرّح به غير واحد.

(2) ففي المبسوط و المنتهى و المدارك و الحدائق (1) وجوب القبول أيضاً؛ للمقدّمة المقدورة عقلًا و شرعاً؛ إذ لا حرمة عليه في تحمّل المنّة. و استشكله في المعتبر بأنّه فيه منّة في العادة، و لا تجب المنّة (2)، و اختاره في جامع المقاصد قال: «لأنّ هبة المال ممّا يُمتنّ به في العادة، و يحصل به للنفس غضاضة و استهانة، و ذلك من أشدّ أنواع الضرر على نفوس الأحرار، و لا أثر لقلّته في ذلك؛ لعدم انضباط أحوال الناس، فربّما يعدّ القليل كثيراً، بل مناط الحكم كون الجنس ممّا يمنّ به عادةً، كما لا نفرّق بين قلّة الماء و كثرته في وجوب القبول اعتباراً بالجنس» 3 انتهى. و فيه التأمّل السابق.

(3) و لا اعتبار بالجنس الذي ذكره؛ إذ منشأ عدم تحمّل المنّة إنّما هو الحرج الذي لا يتحمّل، فيكون كالضرر المتقدّم في الثمن، فيدور الحكم مداره وجوداً و عدماً من غير مدخليّة للجنس.

(4) [كما هو] ظاهرهم هنا.

(5) و هو كذلك عند التأمّل.

(6) كما صرّح به جماعة، بل قد يشعر بنسبة الخلاف فيه إلى خصوص الشافعي في المعتبر و المنتهى (4) بعدمه بيننا، لكن عن ابن فهد أنّه حكى عن بعض مشايخه القول بالعدم (5)، و لعلّه لأنّ نفس شغل الذمّة مع احتمال عوارض عدم الوفاء ضرر، و هو ضعيف.

____________

(1) المبسوط 1: 31. المنتهى 3: 16. المدارك 2: 190. الحدائق 4: 273.

(2) 2، 3 المعتبر 1: 371. جامع المقاصد 1: 476.

(4) المعتبر 1: 370. المنتهى 3: 16.

(5) لم نعثر عليه في كتبه، و الذي نقل عن بعض مشايخه هو الفاضل المقداد في التنقيح (1: 132) كما في مفتاح الكرامة 1: 526.

31

[السبب الثالث] [الخوف في الوصول إلى الماء]:

السبب (الثالث: الخوف) على النفس أو المال إن وصل إلى الماء من اللصّ أو القتل أو الجرح، أو الأذيّة التي لا تحتمل عادةً (1).

(و) [الظاهر أنّه] (2) (لا فرق في جواز التيمّم بين أن يخاف لصّاً أو سَبُعاً، أو يخاف ضياع مال) (3).

____________

(1) من غير خلاف أجده، بل حكي الإجماع عليه على لسان جماعة مع اختلاف معقده، ففي الغنية عليه من العدو (1)، و في صريح المعتبر أو ظاهره عليه أو على أهله أو ماله من اللصّ أو السبع (2)، و في المنتهى: «على نفسه أو ماله من السبع أو العدوّ أو الحريف أو التخلّف عن الرفقة و ما أشبهه» ثمّ قال: «لا نعرف فيه خلافاً» (3)، و في كشف اللثام شارحاً لعبارة القواعد: «الخوف من تحصيله أو استعماله على النفس أو المال و لو لغيره مع الاحترام من لصّ أو سبع بالإجماع و النصوص، نحو (لٰا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) ... إلى آخره» (4)، و في المدارك في شرح عبارة المصنّف- إلى قوله: أو ضياع مال-: «هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب على ما نقله جماعة» (5)، إلى غير ذلك كما لا يخفى على المتتبّع.

(2) 1- من ذلك. 2- و وجوب الحفظ. 3- و نفي العسر و الحرج و إرادة اليسر. 4- و النهي عن قتل النفس و الإلقاء إلى التهلكة. 5- و روايتي يعقوب بن سالم (6) و داود الرقّي (7) المتقدّمتين كان [ذلك].

(3) لكن أشكل الحال على صاحب الحدائق بالنسبة للخوف على المال بعد اعترافه باتّفاق الأصحاب عليه، قال: لعدم الدليل؛ لظهور الروايتين في الخوف على النفس، و معارضة نفي الحرج و وجوب حفظ المال بما دلّ على وجوب الوضوء و الغسل، بل هي أوضح فلتحكم عليها، و لو سُلّم فبينها تعارض العموم من وجه، و تحكيم تلك ليس أولى من العكس (8).

و فيه:

1- بعد الإجماع بقسميه على خلافه، سيّما فيما يتضرّر بتلفه.

2- و منع ظهور خبر يعقوب في الخوف بالنفس؛ لوجود لفظ «اللصّ» الظاهر في الخوف منه على المال، كما يشهد له فهم الأصحاب من ذلك، و لا ينافيه لفظ «النفس» قبله.

3- و ظهور استقراء أخبار التيمّم في سقوط المائية بأقلّ من ذلك، بل و غيرها من الواجبات الأصليّة، فضلًا عنها.

4- مع أنّ أصل مشروعيّة التيمّم لليسر.

5- إنّ أدلّة العسر و الحرج غير قابلة للتخصيص؛ لظهورها أن ليس في الدين ما فيه حرج، فليست هي من قبيل الأصل كما بيّن في محلّه، و بعد التسليم فهي أرجح من وجوه عديدة لا تخفى.

____________

(1) الغنية: 64.

(2) المعتبر 1: 366.

(3) المنتهى 3: 21، و فيه: «حريقاً» بدل «الحريف».

(4) كشف اللثام 2: 439.

(5) المدارك 2: 190.

(6) الوسائل 3: 342، ب 2 من التيمّم، ح 2.

(7) المصدر السابق: ح 1.

(8) الحدائق 4: 274- 275.

32

[من دون فرق بين المال القليل و الكثير] (1).

بل [قد يقال] (2): إنّه لا فرق بين ماله و مال غيره، لكنّه لا يخلو من تأمّل فيما لا يجب حفظه عليه من أموال الغير و لم يكن في تسلّط اللصوص عليهم غضاضة عليه من عياله و رفقائه المستجيرين به اللائذين بحماه (3).

نعم، قد يتّجه ذلك في النفس، فلا يفرّق بين الخوف على نفسه و نفس غيره إن كانت محترمة مع الخوف عليها من السبع و شبهه.

كما أنّه لا فرق بين المال و العرض، بل هو أولى منه (4). و في إلحاق عرض غيره به مع عدم التعلّق به و لو من جهة الاستجارة و نحوها إشكال. و من الخوف الخوفُ من الحبس ظلماً، و كذا المطالبة بحقّ عاجز عن أدائه، إمّا لعدم تمكّنه من إثبات العجز، أو لتغلّب المطالب.

[و في خوف القتل قصاصاً مع رجاء العفو بالتأخير إمّا بالدية أو مجّاناً تأمّل] (5).

و الخوف عن جبن كالخوف عن غيره (6)، بل لعلّه أقوى (7).

____________

(1) نعم قد يناقش في كون بعض أفراد ذهاب المال هنا عسراً و حرجاً، لكن إطلاق الإجماع المحكيّ و غيره كافٍ في إثبات الحكم فيه. و منه مع شمول النصّ السابق صرّح غير واحد من الأصحاب- بل نسب إليهم في لسان جماعة مشعرين بدعوى الإجماع عليه إن لم يكن محصّلًا- بعدم الفرق بين المال القليل و الكثير، و هو الفارق بينه و بين بذل المال و إن كثر في الشراء، مضافاً إلى ما في اغتصاب المال من الغضاضة التي لا تتحمّل، بل قد يجود بعض الناس بنفسه دونها، بخلافه في البذل بالاختيار كما أشرنا إليه سابقاً.

(2) [كما] صرّح في جامع المقاصد (1) و غيره [بذلك].

(3) لعدم الدليل الذي يقطع باب المقدّمة.

(4) و إن لم ينصّ عليه في الخبر:

1- لظهور إرادة التمثيل منه.

2- و نفي الحرج.

3- و غيرهما.

(5) بل في جامع المقاصد: أنّ منه «لو خاف القتل قصاصاً مع رجاء العفو بالتأخير، إمّا بالدية أو مجّاناً؛ لأنّ حفظ النفس مطلوب» 2، و فيه تأمّل.

(6) كما صرّح به المصنّف و العلّامة في بعض كتبه و الشهيدان (3) و غيرهم.

(7) إذ قد يؤدّي إلى ذهاب العقل، فالتكليف معه مشقّة لا تتحمّل. خلافاً للتحرير (4) فلم يعتبره، و توقّف فيه في المنتهى 5، و هو ضعيف إلّا فيما لا يبلغ حدّ المشقّة في التكليف معه.

____________

(1) 1، 2 جامع المقاصد 1: 470.

(3) المعتبر 1: 366. التذكرة 2: 154. نهاية الإحكام 1: 188. الذكرى 1: 185. المسالك 1: 111.

(4) 4، 5 التحرير 1: 143. المنتهى 3: 22.

33

ثمّ إنّه لا فرق فيما ذكرنا من الخوف بين حصوله له في طريقه، أو ما تخلّف له من الأموال و نحوها بعد ذهابه إليه كما هو واضح.

(و كذا) أي الخوف من السبع و اللصّ (لو خشي) حصول (المرض الشديد) باستعماله أو بالمضي إليه أو بترك شربه (1).

____________

(1) 1- بلا خلاف أجده فيه، بل هو إجماع.

2- سيّما مع خوف التلف معه؛ لنفي العسر و الحرج و الضرر، و إرادة اليسر، وسعة الحنيفيّة و سماحتها، و أنّها أوسع ما بين السماء و الأرض.

3- و النهي عن قتل النفس، و الإلقاء إلى التهلكة.

4- و الأمر بالتيمّم عند خوف البرد على نفسه في صحيح البزنطي عن الرضا (عليه السلام) (1) و خبر داود بن سرحان (2).

5- و فحوى الأمر به من خوف الشين.

6- و كذا الأمر به في حال المرض عند خوف زيادته أو بطئه أو عسر علاجه أو التلف كتاباً و سنّة، عموماً و خصوصاً، مثل ما ورد في ذي القروح و الجروح و المجدور و المكسور و المبطون من الأخبار الكثيرة (3) و فيها الصحيح و غيره، و إجماعاً محصّلًا و منقولًا في الخلاف (4) على المجدور و المجروح و من أشبههما ممّن به مرض مخوف، و على ما لو خاف الزيادة في العلّة و إن لم يخف التلف.

و في المعتبر و التذكرة [الإجماع] على المريض الذي يخاف التلف (5).

بل في أوّلهما: أنّ مذهبنا التيمّم عند خوف الزيادة في العلّة و بطئها، و في الغنية عند حصول الخوف في استعماله لمرض أو شدّة برد (6).

و في المنتهى: «السبب الرابع: المرض و الجرح و ما أشبههما، و قد ذهب علماؤنا أجمع إلى أنّه إذا خاف على نفسه من استعمال الماء فله التيمّم» (7).

و في مجمع البرهان: «لا شكّ في وجوب التيمّم عند تعذّر استعماله الماء للمرض الذي يضرّ استعماله ضرراً بيّناً، حيث يقال عرفاً: إنّه ضرر؛ للآية و الأخبار و الإجماع و الحرج» (8) إلى غير ذلك.

____________

(1) الوسائل 3: 347- 348، ب 5 من التيمّم، ح 7.

(2) المصدر السابق: 348، ح 8.

(3) انظر الوسائل 3: 346، ب 5 من التيمّم.

(4) الخلاف 1: 151.

(5) المعتبر 1: 365. التذكرة 2: 159.

(6) الغنية: 64.

(7) المنتهى 3: 25.

(8) مجمع الفائدة و البرهان 1: 214- 215.

34

نعم قد يشكل الحال فيما لو خاف حدوث المرض اليسير [فهل يحكم بعدم اعتباره أو لا؟] (1)

[الأقوى الأوّل] (2).

____________

(1) فظاهر المتن و التحرير (1) و صريح المعتبر (2) و المبسوط (3) عدم اعتباره، بل في الأخير نفي الخلاف عنه.

و لعلّه لصدق الوجدان معه؛ لعدم عدّ مثله في الضرر عرفاً، فيبقى التكليف بالمائيّة بحاله، و حكي عن الخلاف و المنتهى (4)- بل ربّما استظهر منهما- الإجماع عليه، و الموجود فيهما المرض لا يخاف منه التلف و لا الزيادة فيه (5)، بل في الثاني:

«لا يخاف الضرر باستعمال الماء لا يجوز معه التيمّم»؛ لصدق الوجدان الذي لا يتضرّر معه، وفاقاً لمن عدا مالك أو بعض أصحابه و داود؛ لإطلاق (وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ) (6).

و هو كما ترى غير ما نحن فيه. و على كلّ حال فقد استشكله [عدم الاعتبار بالخوف عن حدوث المرض اليسير] في الذكرى (7) و جامع المقاصد (8):

1- بالحرج.

2- و بقول النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم): «لا ضرر و لا ضرار» (9).

3- و بأنّه أشدّ ضرراً من الشين الذي سوّغوا التيمّم له.

4- و بعدم الوثوق بيسير المرض عن أن يصير شديداً.

و ربّما استظهر من التعليل بالحرج و نحوه لفظيّة النزاع؛ إذ مبنى الأوّل عدم الحرج و المشقّة فيه بخلاف الثاني، فيكون الجميع متّفقين على مانعيّة ما فيه الحرج دون غيره.

و فيه: أنّ البحث في أنّ مطلق المرض- و لو يسيراً- حرج أو لا، و سهولته بالإضافة إلى الفرد الأخير من المرض لا ينافي دعوى عسره في نفسه؛ إذ لا ريب في اختلاف أنواع المرض شدّة و ضعفاً.

و كيف كان، فالأقوى الأوّل.

(2) لمنع الحرج فيه؛ إذ المراد به المشقّة التي لا تحتمل عادةً، و هو الذي يسقط عنده التكليف بالصوم و الصلاة من قيام أو من جلوس و غير ذلك، لا مجرّد المرض الذي لا يعتد به في العادة، فتأمّل.

و في موثّقة زرارة قال: سألت الصادق (عليه السلام) ما حدّ المرض الذي يفطر به الرجل و يدع الصلاة من قيام؟ فقال: «بل الإنسان على نفسه بصيرة، هو أعلم بما يطيقه» (10).

و المرض اليسير عند الخوف من سرايته إلى الشديد شديد.

____________

(1) التحرير 1: 143.

(2) المعتبر 1: 365.

(3) المبسوط 1: 34.

(4) حكاه في مفتاح الكرامة 1: 523.

(5) الخلاف 1: 153. المنتهى 3: 30- 31.

(6) النساء: 43. المائدة: 6.

(7) الذكرى 1: 186.

(8) جامع المقاصد 1: 472.

(9) الوسائل 18: 32، ب 17 من الخيار، ح 3، 4، 5.

(10) الوسائل 5: 495، ب 6 من القيام، ح 2.

35

و لا فرق فيما ذكرنا بين الصحيح الذي يخشى حدوث المرض اليسير باستعمال الماء أو طلبه و نحوهما و بين المريض كذلك، إلّا أن يحصل بانضمامه إلى ما فيه من المرض مشقّة عظيمة. و لا في المرض اليسير بين أن يكون من جنس ما فيه من المرض و عدمه، إلّا أن يحصل أيضاً بالانضمام إلى الأوّل مشقّةٌ عظيمة (1). و لعلّ مجرّد التألّم الذي لا يتحمّل عادةً لمرض أو شدّة برد و نحوهما مسوّغ للتيمّم و إن لم يخش التلف و لا الزيادة و لا غيرهما (2).

____________

(1) و لعلّه لذا [لأنّ مدار تجويز التيمّم هو الحرج] أطلقوا الأمر بالتيمّم حتى حكي الإجماع عليه عند الخوف من زيادة المرض (1) من غير تفصيل.

(2) وفاقاً للمحكيّ عن الأكثر، بل عن ظاهر الغنية الإجماع عليه 2: 1- للحرج. 2- و إطلاق: (وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ). 3- و ترك الاستفصال في أخبار الجروح و القروح و غير ذلك (3). 4- و فحوى التيمّم للشين.

5- و احتمال اندراجه فيمن يخاف على نفسه البرد، فيدلّ عليه حينئذٍ صحيح البزنطي عن الرضا (عليه السلام) (4) و خبر ابن سرحان (5).

و خلافاً للقواعد و الذكرى (6) و عن غيرهما، مع احتمال إرادة التألّم الذي يتحمّل عادةً، فلا خلاف حينئذٍ، مع أنّه لا مستند له سوى: 1- الأصل المخصّص بما مرّ. 2- و خروجه عن المنصوص، و هو ممنوع في مثل المريض، بل و غيره.

3- و أفضليّة أحمز الأعمال، و المراد أشقّها في نفسه لا المرض و نحوه. 4- و الصحيح عن الصادق (عليه السلام): أنّه سئل عن رجل كان في أرض باردة فتخوّف إن هو اغتسل أن يصيبه عنت من الغسل، كيف يصنع؟ قال: «يغتسل و إن أصابه ما أصابه، قال:

و ذكر (عليه السلام) أنّه كان وجعاً شديد الوجع فأصابته جنابة و هو في مكان بارد و كانت ليلة شديدة الريح باردة، فدعوت الغلمة، فقلت لهم:

احملوني فاغسلوني، فقالوا: إنّا نخاف عليك، فقلت: ليس بدّ، فحملوني و وضعوني على خشبات ثمّ صبّوا عليَّ الماء فغسلوني» (7).

5- و صحيح ابن مسلم أيضاً، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل تصيبه الجنابة في أرض باردة و لا يجد الماء، و عسى أن يكون الماء جامداً؟ فقال: «يغتسل على ما كان». حدّثه رجل أنّه فعل ذلك فمرض شهراً من البرد، فقال: «اغتسل على ما كان، فإنّه لا بدّ من الغسل». و ذكر أبو عبد اللّه (عليه السلام): «أنّه اضطرّ إليه و هو مريض، فأتوه به مسخناً فاغتسل، و قال: لا بدّ من الغسل» 8.

و هما [الصحيح عن الصادق (عليه السلام) و صحيح ابن مسلم] فيما يقوله الخصم مؤوّلان و لا حُجّة فيه؛ لعدم الانحصار في ذلك، و إلّا فظاهرهما حتى لو خاف على نفسه التلف.

و من هنا حملهما الشيخ على من أجنب نفسه مختاراً.

و هو مبنيّ على تكليف من كان كذلك بالغسل على كلّ حال (9)، كما هو خيرته في الخلاف مدّعياً عليه إجماع الفرقة (10)، و المفيد في مقنعته، و الصدوق في هدايته (11).

____________

(1) 1، 2 التذكرة 2: 159. الغنية: 64.

(3) انظر الوسائل 3: 346، ب 5 من التيمّم.

(4) المصدر السابق: 347- 348، ح 7.

(5) المصدر السابق: 348، ح 8.

(6) القواعد 1: 237. الذكرى 1: 186.

(7) 7، 8 الوسائل 3: 374، ب 17 من التيمّم، ح 3، 4.

(9) الاستبصار 1: 162، ذيل الحديث 560.

(10) الخلاف 1: 156- 157.

(11) المقنعة: 60. الهداية: 89.

36

[و قد يقال بوجوب الغسل على من أجنب متعمّداً و لو خاف التلف] (1)، لكن [الظاهر] (2) عدم الفرق بين متعمّد الجنابة و غيره (3).

[و يجوز الجماع مختاراً مع الخوف من استعمال الماء] (4).

____________

(1) 1- للأصل. 2- و إدخاله الضرر على نفسه. 3- و الصحيحين السابقين. 4- و إجماع الفرقة المحكيّ في الخلاف. 5- و مرفوعة عليّ بن أحمد عن الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن مجدور أصابته جنابة؟ قال: «إن كان أجنب هو فليغتسل، و إن كان احتلم فليتيمّم» (1). 6- و مرفوعة إبراهيم بن هاشم قال: قال: «إن أجنب نفسه فعليه أن يغتسل على ما كان، و إن كان احتلم تيمّم» 2.

(2) [و هو] المشهور بين الأصحاب نقلًا (3) و تحصيلًا.

(3) بل هو مندرج في إطلاق الإجماعات السابقة على التيمّم عند خوف التلف، و نحوه من ابن زهرة و المصنّف و العلّامة (4) و غيرهم، بل ظاهر المنتهى الإجماع عليه بالخصوص، حيث قال: «لو أجنب مختاراً و خشي البرد تيمّم عندنا» 5: 1- و هو الحجّة. 2- مضافاً إلى إطلاق (وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ). 3- و نفي العسر و الحرج و الضرر. 4- و إرادة اليسر و رفع الضرر المظنون. 5- و النهي عن الإلقاء في التهلكة و قتل النفس. 6- و ترك الاستفصال في أخبار الجروح و القروح و خوف البرد، مع ظهور بعضها في تعمّد الجنابة (6). 7- و استقراء موارد سقوط المائية بأقلّ من ذلك، بل غيرها من التكاليف كالصلاة و الحجّ و الصوم و غيرها. 8- و بأهمّية حفظ النفوس و الأبدان عند الشارع من حفظ الأديان. 9- و عموميّة بدليّة التراب و طهوريّته و اتّحاد ربّهما و كفايته عشر سنين. 10- مع أنّ المتّجه على مذهب الخصم حرمة الجنابة و الحال هذه، و في المعتبر الإجماع على الإباحة 7.

(4) 1- للأصل. 2- و العمومات، كالإذن في إتيان الحرث متى شاء. 3- و الحرج الشديد في بعض الأحوال لو منع من الجماع. 4- و يومئ إليه: أ- زيادة على ما في الصحيح السابق في أدلّة الخصم من إصابة الصادق (عليه السلام) ذلك؛ لما قيل (8) من أنّه منزّه عن الاحتلام كما دلّت عليه الأخبار 9. ب- ما في خبر السكوني: أنّ أبا ذر أتى النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم)، فقال: يا رسول اللّٰه هلكت، جامعت على غير ماء، قال: فأمر النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) بمحمل فاستترت به، و بماء فاغتسلت أنا و هي، ثمّ قال: «يا أبا ذر يكفيك الصعيد عشر سنين» (10). جو خبر إسحاق بن عمّار: عن الرجل مع أهله في السفر فلا يجد الماء يأتي أهله؟ فقال:

«ما احبّ أن يفعل ذلك إلّا أن يكون شبقاً، أو يخاف على نفسه، قال: يطلب بذلك اللذّة؟ قال: هو حلال، قال: فإنّه روي عن الصادق (عليه السلام) أنّ أبا ذر سأل عن هذا فقال: ائت أهلك تؤجر، فقال: يا رسول اللّٰه اؤجر؟ قال: [نعم] كما أنّك إذا أتيت الحرام ازرت فكذلك إذا أتيت الحلال اجرت، أ لا ترى أنّه إذا خاف على نفسه فأتى الحلال اجر؟!» (11). و إذا جاز الجماع لم يوجب العقوبة بمثل ذلك.

____________

(1) 1، 2 الوسائل 3: 373، ب 17 من التيمّم، ح 1، 2.

(3) 3، 5، 7 الحدائق 4: 277. المنتهى 3: 126. المعتبر 1: 397.

(4) الغنية: 64. المعتبر 1: 365. التذكرة 2: 159.

(6) انظر الوسائل 3: 346، ب 5 من التيمّم.

(8) 8، 9 الوسائل 3: 374، ذيل ح 4. الكافي 1: 388، ح 8.

(10) الوسائل 3: 369، ب 14 من التيمّم، ح 12.

(11) الوسائل 3: 390، ب 27 من التيمّم، ح 1، 2، و فيه: «فإنّه روي عن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم)».

37

نعم، قد يستشكل في جوازه بعد الوقت قبل فعل الصلاة و كان يتمكّن من الوضوء خاصّة (1).

مع إمكان القول بمنعه [منع التحريم] فيه [أيضاً] (2).

ثمّ المدار في ثبوت الضرر هنا و غيره ممّا كان كذلك على علمه أو ظنّه المستفاد من معرفة أو تجربة أو إخبار عارف و إن كان صبيّاً أو فاسقاً بل و ذميّاً مع عدم تهمة في الدين (3).

5/ 110/ 189

____________

(1) بل في المنتهى تحريمه (1) كما عن النهاية احتماله (2).

(2) بعد تسليم اقتضاء القاعدة التحريم أيضاً؛ تمسّكاً بإطلاق الأدلّة السابقة من الإجماع و غيره، بل في جملة من الأخبار- و قد تقدّم بعضها: عن الرجل يجنب و ليس معه إلّا قدر ما يكفيه للوضوء، فقال: «يتيمّم» (3).

كلّ ذا، مع ضعف أدلّة الخصم: أ- بانقطاع الأصل، و عدم اقتضاء تعمّده سقوط احترامه سيّما مع إباحته له.

ب- و منعِ الإجماع؛ لمصير الأكثر بعده إلى خلافه، بل هو في المبسوط كما عن غيره من كتبه: أنّه يتيمّم و يصلّي إذا خشي البرد، ثمّ يعيد بعد ذلك (4)، بل لا يبعد دعوى انعقاد الإجماع بعده على خلافه، كما لا يخفى على الخبير الممارس. جو مخالفة أخباره للكتاب و السنّة النبويّة و العقل، و موافقتها للمحكيّ عن أصحاب الرأي و أحمد في إحدى الروايتين (5)، فالمتّجه طرحها و الإعراض عنها؛ للأمر بذلك من أئمّتنا (عليهم السلام) في هذا الحال. د- مع عدم ظهور الصحيحين- سيّما الثاني- في تعمّد الجنابة، إلّا ما فيه من إصابة الصادق (عليه السلام) ذلك؛ لعدم وقوع الاحتلام منه، لكنّه معارض ببُعد وقوع الجنابة منه في تلك، فلعلّها جنابة سابقة على المرض، فيكون لا قائل بظاهرهما حينئذٍ. و احتمالهما المشقّة التي تتحمّل عادةً لا التلف و نحوه، بل في المعتبر: أنّه «يمكن العمل بهما على جهة الاستحباب» (6). لكنّه كما ترى لا ينطبق على ظاهر ما سمعته من الأدلّة؛ لاقتضائها التحريم. و كذا ما في كشف اللثام بعد ذكره أخبار الخصم بأسرها: «و الكلّ يحتمل وجوب تحمّل المشقّة اللاحقة بالاستعمال من البرد خاصّة، و استحبابه لا مع خوف المرض أو التلف» (7) مع عدم تصوّر الاستحباب في الطهارة؛ لوجوبها بمجرّد إمكانها، مضافاً إلى ما عرفت من مساواة المشقّة الشديدة الخوف. فالمتّجه حينئذٍ الطعن بالصحيحين بما عرفت، و بالمرفوعتين بعدم قابليتهما لإثبات مثل هذا الحكم سيّما مع المعارضة بما تقدّم.

(3) و لعلّ ما في المنتهى من عدم قبوله إذا كان كذلك (8) للتهمة و عدم الظنّ، فلا خلاف؛ لظهور كلامه أو صريحه في الاكتفاء بالظنّ كغيره من الأصحاب من غير خلاف أجده فيه:

1- لوجوب دفع الضرر المظنون.

2- و للتعليق على الخوف المتحقّق به في السنّة و معاقد الإجماعات.

____________

(1) المنتهى 3: 130.

(2) نهاية الإحكام 1: 219.

(3) الوسائل 3: 387، ب 24 من التيمم، ح 3.

(4) المبسوط 1: 30. النهاية: 46. التهذيب 1: 196، ذيل الحديث 568. الاستبصار 1: 162، ذيل الحديث 560.

(5) المغني (لابن قدامة) 1: 262.

(6) المعتبر 1: 398.

(7) كشف اللثام 2: 488.

(8) المنتهى 3: 34.

38

بل قد يقال بتحقّقه [خوف الضرر] مع الشكّ فضلًا عن الظنّ، بل مع الوهم القريب الذي لا يستبعده العقلاء، و لعلّه لا يخلو من قوّة (1).

و كذا الكلام في السابق من خوف اللصّ و السبع و نحوهما، فتأمّل جيّداً.

و كيف كان، فمتى تضرّر لم يجز استعمال الماء، فإن استعمل لم يجز (2).

و كذا كلّ ما كان كذلك من أسباب التيمّم ممّا يفيد تحريم العمل نفسه، لا ما كان منها ليس فيه تحريم للعمل نفسه، كالخوف من اللصّ و نحوه، فإنّه لو خالف و غرّر بنفسه فوجد الماء عاد فرض الماء و إن فعل حراماً في ذلك (3).

و كذا لو اشترى الماء بما فيه ضرر عليه (4)، أو تحمّل منّة في طلبه أو طلب ثمنه، أو ارتكب التكسّب بما فيه مهانة عليه، سيّما مع عدم حرمة بعض ذلك عليه و إن رخّص معها في التيمّم (5).

ثمّ بناءً على سواغ التيمّم له لو خالف و تطهّر ففي الإجزاء نظر (6). و لعلّ الأقوى عدم الحرمة، فيجزي حينئذٍ و إن كان لا وجوب للطهارة (7).

و هل ضيق الوقت عن استعمال الماء- الذي تقدّم أنّه مسوّغ للتيمّم- مفسد للوضوء أو الغسل مع المخالفة مع قطع النظر عن الضدّية (8)، أو أنّ الفساد فيهما مبنيّ على حرمة الضدّ؟ وجهان، أقواهما الثاني (9).

____________

(1) و إن كان ظاهر العلّامة و من تأخّر عنه التعليق على الظنّ.

(2) لانتقال فرضه، فلا أمر بالوضوء مثلًا، بل هو منهيّ عنه، فيفسد. و ما في بعض أخبار الجروح و القروح: أنّه «لا بأس عليه بأن يتيمّم» (1) ممّا يشعر بالرخصة لا الوجوب، لا يراد منه ظاهره قطعاً، كما يوضحه مضافاً إلى العقل الأخبار الاخر.

(3) لتحقّق صدق الوجدان حينئذٍ عليه.

(4) لعدم فساد المعاملة بذلك.

(5) و لا ينافيه أنّها طهارة اضطراريّة، و مع عدم ممنوعية حصول الماء عقلًا أو شرعاً كتحمّل المنّة و نحوها لا اضطرار؛ إذ مع إمكان إرادة غلبة اضطراريّتها قد يقال: إنّ ذلك- بعد إسقاط وجوب تحمّل المنّة أو الضرر المالي مثلًا، ممّا يتوقّف عليهما صدق اسم الوجدان للعسر و الحرج و نحوهما- لا ينافي صدق اسم الاضطرار و إن جاز له شرعاً تحمّله؛ من حيث عدم منافاة الإباحة الحرج و الألم الحالي مع أمن العاقبة.

(6) ينشأ من حرمة إيلامه نفسه و عدمها.

(7) لكن يكفي رجحانها في حدّ ذاتها إن قلنا بعدم منافاة الندب للحرج، و بعدم ظهور الأدلّة في عدم مشروعيّة الطهارة لمثله.

(8) لعدم الأمر بهما حينئذٍ و انتقال الفرض إلى التيمّم.

(9) لأنّ سقوط خصوص الأمر بهما لهذه الصلاة لا يقتضي سقوط غيره من الأوامر الدالّة على رجحانهما في حدّ ذاتهما، أو لغير هذه الصلاة ممّا كان في وقته مثلًا إلّا من جهة الضدّية، فالحكم حينئذٍ مبنيّ عليها.

____________

(1) الوسائل 3: 348، ب 5 من التيمّم، ح 11.

39

و لعلّ مثله واجد الماء الذي وجب عليه صرفه في غير الطهارة ممّا لا بدل له كإزالة النجاسة (1).

ثمّ إنّه لا فرق فيما ذكرنا من التيمّم عند خوف الضرر بين الضرر على مجموع بدنه أو بعضه (2). [كما في الرمد].

و ينبغي القطع بانتقاله مع تضرّره بوضع الماء على وجهه، بل و كذا لو لم يكن كذلك، بل كان الضرر بقربه إلى ظاهر أجفان عينيه (3).

نعم له [للوضوء] وجه لو كان الضرر بمباشرة باطن العين خاصّة و كان يتمكّن من غسل الظاهر بحيث يأمن من دخول الماء إلى الباطن.

بل ينبغي القطع حينئذٍ بعدم سقوط المائية كما هو واضح إلّا أنّ ذلك نادر جدّاً في الرمد (4).

____________

(1) اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّه بعد أمر الشارع بصرفه في غيرها كان بمنزلة من لا ماء عنده، فلا خطاب بالطهارة حينئذٍ.

و من هنا قال الوحيد الطباطبائي في منظومته بعد ذكره أسباب التيمّم مؤخّراً ما نحن فيه عنها:

فالفرض في هذا و نحوه البدل * * * و الأصل لا يجزي إذا الفرض انتقل

لكن يعود إن تكلّف السبب * * * و ارتفع العذر بما قد ارتكب

و ضابط البطلان تحريم العمل * * * لا النهي عمّا يقتضيه إذ حصل (1)

انتهى. لكن يحتاج إلى التأمّل التامّ في هذا الضابط بالنسبة إلى انطباقه على ما ذكرنا، فتأمّل.

(2) كما هو قضيّة ما سمعته من الأدلّة السابقة خصوصاً أخبار الجروح و القروح، نعم ربّما تخيّل المنافاة بينها و بين ما دلّ سابقاً على حكم الجبيرة و غسل ما حول الجرح أو القرح، أو وضع خرقة و المسح عليها (2)، و قد تقدّم البحث و وجه الجمع فيه سابقاً، لكن الكلام هنا في مثل الرمد.

(3) 1- لأصالة الانتقال إلى التيمّم بتعذّر بعض أعضاء طهارته.

2- و عدم شمول أدلّة الجبيرة و لواحقها له.

و ما في الحدائق من أنّ الأقرب إن كان لا يتضرّر بغسل ما عدا العين فالواجب الوضوء أو الغسل، أو غسل ما حول العين و لو بنحو الدهن (3)؛ لأصالة المائية مع عدم ثبوت المخرج، و إلحاقاً لها بحكم القروح و الجروح، بل لعلّ الجواب في بعض أخبارها متناول لذلك، و إن كان السؤال مشتملًا على خصوص الجرح و القرح؛ فإنّ العبرة بعمومه.

لا ريب في ضعفه إذا أراد ترك غسل الجفن و نحوه من الظاهر؛ لمنع الأصل عليه، و حرمة القياس.

(4) و لذا كان المعمول عليه في زماننا عند من عاصرناه من المشايخ و مقلّدتهم التيمّم عند حصول الرمد، فتأمّل جيّداً.

و كيف كان ف[- متى خشي المرض أو الشين باستعماله الماء جاز له التيمّم].

____________

(1) الدرّة النجفية: 43.

(2) انظر الوسائل 1: 463، ب 39 من الوضوء.

(3) الحدائق 4: 285.

40

[و] متى خشي المرض (أو الشين باستعماله الماء جاز له التيمّم) (1). [و لكن لا مطلقاً] فالأقوى الاقتصار على الشديد منه الذي يعسر تحمّله عادةً، من غير فرق فيه حينئذٍ بين خوف حصوله أو زيادته أو بطء برئه كالمرض، بل لعلّه داخل فيه حينئذٍ، و كذا التألّم منه خاصّة و إن أمِنَ العاقبة بناءً على ما تقدّم سابقاً في المرض.

و المراد بالشين (2) ما يعلو البشرة من الخشونة المشوّهة للخلقة من استعمال الماء في البرد. و قد يصل إلى تشقّق الجلد و خروج الدم، و يختلف شدةً و ضعفاً باختلاف البلدان و الأبدان.

و المدار في تحقّق الخوف على نحو ما تقدّم في المرض.

(و كذا) يتيمّم (لو كان معه ماء للشرب و خاف العطش) على نفسه (إن استعمله) في الحال أو المآل (3)، و على رفيقه المسلم المحترم الدم، سيّما إذا كان ممّن تجب نفقته عليه (4).

____________

(1) كما تقدّم الكلام في الأوّل مفصّلًا، و أمّا الثاني فلا أعرف فيه خلافاً بين الأصحاب، بل ظاهر المعتبر (1)- كنسبته في المنتهى إلى علمائنا (2)، و جامع المقاصد إلى إطباقهم (3)، و المدارك (4) و غيره إلى قطع الأصحاب- الإجماع عليه، و ظاهر إطلاق كثير منهم- كما عن بعضهم (5) التصريح به- عدم الفرق بين شديده و ضعيفه. و هو مشكل جدّاً، سيّما بعد تقييد المرض بالشديد على المختار؛ إذ لم نعثر له على دليل سوى: 1- عمومات العسر و الحرج. 2- و احتمال دخوله في المرض. 3- أو في إطلاق ما دلّ على التيمّم عند خوف البرد.

و من المعلوم: 1- عدم العسر في ضعيفه، بل لا يكاد ينفك عنه غالب الناس في أوقات البرد. 2- و عدم صدق اسم المرض عليه، بل قد يشكّ ذلك بالنسبة إلى شديده فضلًا عنه. 3- و ظهور أدلّة خوف البرد في غيره. و لعلّه لذا قيّده في موضع من المنتهى بالفاحش (6)، و اختاره جماعة ممّن تأخّر عنه منهم المحقّق الثاني في جامعه و الشهيد الثاني في روضته و الفاضل الهندي في كشفه (7)، و إليه يرجع ما عن جماعة اخرى من التقييد بما لا يتحمّل عادةً، بل في الكفاية: أنّه «نقل بعضهم الاتّفاق على أنّ الشين إذا لم يغيّر الخلقة و يشوّهها لم يجز التيمّم» (8).

(2) على ما صرّح به جماعة من الأصحاب.

(3) 1- إجماعاً محصّلًا و منقولًا (9) عن علمائنا، بل و عن كلّ من يحفظ عنه العلم مستفيضاً.

2- و سنّة (10) بالخصوص كذلك، فضلًا عن عمومها و عمومات الكتاب.

(4) بلا خلاف أجده فيه؛ لأهمّية حفظ النفس في نظر الشارع بدليل تقديمه على غيره من الواجبات كقطع الصلاة لإنقاذها و غيره ممّا لا بدل له، فضلًا عمّا له بدل مساوٍ له في الطهوريّة.

____________

(1) المعتبر 1: 365.

(2) المنتهى 3: 32.

(3) جامع المقاصد 1: 472.

(4) المدارك 2: 195.

(5) نهاية الإحكام 1: 195.

(6) المنتهى 3: 28.

(7) جامع المقاصد 1: 473. الروض 1: 317. كشف اللثام 2: 442- 443.

(8) كفاية الأحكام 1: 41.

(9) الغنية: 64.

(10) انظر الوسائل 3: 388، ب 25 من التيمّم.

41

بل و على رفيقه المضرّ به تلفه أو ضعفه و إن لم يكن محترماً كالحربي و غيره، و كذا الحيوان إذا كان كذلك و إن كان كلباً (1). [و لعلّه يقدّم أيضاً حال الرفيق المحترم النفس و لو ذمّياً أو معاهداً و إن لم يضرّ تلفه به].

نعم، قد يتّجه وجوب ذبحه مع عدم التضرّر و إمكان الانتفاع بلحمه و جلده، كما أنّه يتّجه عدم مزاحمة الحيوانات التي ليست بمحترمة و يجب قتلها كالكلب العقور و نحوه (2).

____________

(1) 1- لفحوى ما تقدّم سابقاً من الانتقال إلى التيمّم عند خوف الضرر عليه باستعماله أو طلبه. 2- إن لم نقل باندراج ذلك كلّه أو بعضه في قول الصادق (عليه السلام) في خبر ابن سنان أو صحيحه: «إن خاف عطشاً فلا يهرق منه قطرة و ليتيمّم بالصعيد، فإنّ الصعيد أحبّ إليَّ» (1). و موثّقة سماعة- بعد أن سأله عن الرجل يكون معه الماء في السفر فيخاف قلّته- قال: «يتيمّم بالصعيد و يستبقي الماء، فإنّ اللّٰه جعلهما طهوراً: الماء و الصعيد» 2. بل ربّما ظهر من إطلاق كثير من الأصحاب تقديم حال الرفيق المحترم النفس و لو ذمّياً أو معاهداً و إن لم يضرّ تلفه فيه، و لعلّه: 1- لاحترام النفس. 2- و أنّه من ذوي الأكباد الحارّة.

3- و سهولة أمر التيمّم. بل قضيّة إطلاق بعضهم الرفيق تناوله لغير محترم النفس كالحربي و المرتدّ و نحوهما (3)، لكنّه لا دليل عليه، بل هو على خلافه متحقّق، و لذا صرّح في الذكرى و غيرها بعدم مزاحمة كلّ من كان كذلك كالحربي و المرتدّ و الزاني المحصن 4 و غيرهم، بل قد يسري الإشكال في سابقه أيضاً؛ إذ أقصى اقتضاء محقونيّة دمه حرمة قتله لا إيجاب حفظه من المهلكات. اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ للرفقة حقّاً تبذل النفوس دونها، خصوصاً على أهل المروّات، بل قد يدّعى حصول المشقّة عليهم لو كلّفوا بذلك، فلعلّه لذا اطلق الرفيق. كما أنّه أطلق غير واحد من الأصحاب دابته المحترمة من غير تقييد بضرر تلفها، و استشكله جماعة من متأخّري المتأخّرين بعدم تسويغ مطلق ذهاب المال للتيمّم، بل هو مقيّد بالضرر، و لذا وجب صرف المال الكثير في شرائه. لكن قد يقال: 1- مع أنّه قد يندرج في إتلاف المال و ضياعه الذي لم يفرّق فيه بين القليل و الكثير.

2- أنّها نفوس محترمة و ذوات أكباد حارّة، مع حرمة إيذائها بمثل ذلك، بل هي واجبة النفقة عليه التي منها السقي.

3- بل في غير واحد من الأخبار المعتبرة: «أنّ للدابة على صاحبها حقوقاً، منها أن يبدأ بعلفها إذا نزل» (5)، فتحترم لذلك لا من جهة الماليّة: أ- و في الخبر عن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم): «ما من دابة إلّا و هي تسأل اللّٰه كلّ صباح: اللّهمّ ارزقني مليكاً صالحاً يشبعني من العلف، و يرويني من الماء، و لا يكلّفني فوق طاقتي» (6). ب- و في آخر عن أبي الحسن (عليه السلام): «من مروّة الرجل أن يكون دوابّه سماناً، قال: و سمعته يقول: ثلاث من المروّة- و عدّ منها-: فراهة الدابّة» (7) إلى غير ذلك من الأخبار المذكورة في كتاب المطاعم و المشارب و التجمّلات من كتاب الوافي، ممّا يفيد شدّة الرأفة بالدواب في أنفسها، و لعلّه لذا صرّح في المسالك (8) بعدم الفرق بين دابته و دابة غيره و إن كان له الرجوع حينئذٍ بالثمن، و يومئ إليه كلام الأصحاب في باب النفقات. و في المنتهى و عن النهاية: أنّ فيه إشكالًا (9).

(2) بل في الذكرى: و إن لم يجب قتلها كالحيّة و الهرّة الضارية 10.

____________

(1) 1، 2 المصدر السابق: ح 1، 3.

(3) 3، 4، 10 نهاية الإحكام 1: 189. الذكرى 1: 185.

(5) الوسائل 11: 478، 480، ب 9 من أحكام الدوابّ، ح 1، 6، 7.

(6) المصدر السابق: 480، ح 8.

(7) الوسائل 11: 472، ب 5 من أحكام الدوابّ، ح 1.

(8) المسالك 1: 112.

(9) المنتهى 3: 25. نهاية الإحكام 1: 190.

42

[تقديم كلّ واجب أرجح أو ليس له بدل]:

و حاصل البحث: أنّه متى عارض الطهارة المائيّة واجب آخر أرجح منها قُدِّم عليها كحفظ النفس و نحوه، بل لعلّ منه كلّ واجب لا بدل له كإزالة النجاسة عن البدن و الساتر الذي ليس له غيره (1). [و] إن خالف ففي الإجزاء ما سمعته سابقاً (2). [و القول بعدم الإجزاء لا يخلو من قوّة]. هذا إن لم يجوّز وجود المزيل تجويزاً عاديّاً في الوقت، و إلّا اتّجه القول بالإجزاء (3). و كذا لو تعارض خطاب الطهارة مع ارتكاب محرّم، كما لو كان عنده ماءان طاهر و نجس و كان محتاجاً إلى شرب الماء، فإنّه ينتقل إلى التيمّم و لا يشرب النجس (4)، و مثله لو خشي العطش بعد ذلك استبقى الطاهر و تيمّم (5). نعم، قد يتأمّل في وجوب مراعاة ذلك و تقديمه على الطهارة المضيّقة مع ارتفاع حرمة شرب النجس لو اضطرّ إليه فيما يأتي من الزمان، و قد لا يحتاجه، فتأمّل.

____________

(1) إذ هو: 1- و إن كان ظاهراً من تعارض الواجبين إلّا أنّ مشروعيّة البدل لأحدهما تشعر برجحان غير ذي البدل عليه في نظر الشارع، و أنّ الاهتمام بشأنه أكثر كما قيل. 2- أو يقال: إنّ في ذلك جمعاً في العمل بهما، فهو أولى من غيره.

3- كلّ ذا، مضافاً إلى الإجماع على تقديم الإزالة على الطهارة في حاشيةٍ للارشاد أظنّ أنّها لولد المحقّق الثاني، كما عن التذكرة الإجماع أيضاً على تقديمها على الوضوء صريحاً و الغسل ظاهراً (1)، و المعتبر نفي الخلاف بين أهل العلم فيه (2) أيضاً كذلك.

4- و قد يشهد له مع ذلك أيضاً ما في خبر أبي عبيدة: سأل الصادق (عليه السلام) عن المرأة ترى الطهر في السفر و ليس معها [من الماء] ما يكفيها لغسلها و قد حضرت الصلاة؟ قال: «إذا كان معها بقدر ما تغسل به فرجها فتغسله ثمّ تتيمّم و تصلّي» (3) الحديث؛ لتقديمه إزالة النجاسة فيه على الوضوء؛ لوجوبه عليها لولاها. و كيف كان ف [- إن خالف ففي الإجزاء ما سمعته سابقاً].

(2) و قد تنظّر فيه هنا في القواعد 4، و اختاره في الموجز الحاوي كما عن النهاية (5)، و لعلّه لعدم اقتضاء الأمر النهي عن الضدّ، أو عدم اقتضاء النهي المستفاد منه الفساد، و في جامع المقاصد و عن البيان و مجمع البرهان: أنّ الأقوى عدم الإجزاء (6)؛ و لعلّه: 1- لوجوب صرف الماء في إزالة النجاسة، فهو غير واجد للماء، فلا خطاب بالوضوء و لو ندباً.

2- و لأنّه مكلّف بالتيمّم حينئذٍ، و هو لا يخلو من قوّة.

(3) كما اعترف به بعضهم (7).

(4) لتقديم مراعاة الحرمة عليه.

(5) كما صرّح به المصنّف 8 و غيره، و استجوده في المدارك إن ثبت حرمة شرب الماء النجس مطلقاً 9، و ظاهره يعطي التأمّل في الحرمة أو إطلاقها. و هو في غير محلّه بعد الإجماع محصّلًا و منقولًا عليها إن لم تكن ضرورية. و الأخبار التي كادت تكون متواترة، الواردة في اجتناب أواني المشركين و إهراق السمن و الزيت و المرق الواقع فيها فأرة أو قذر (10).

____________

(1) 1، 4 التذكرة 2: 171. القواعد 1: 237.

(2) 2، 8 المعتبر 1: 371، 368.

(3) الوسائل 2: 313، ب 21 من الحيض، ح 1.

(5) الموجز الحاوي (الرسائل العشر): 54- 55. نهاية الإحكام 1: 197.

(6) جامع المقاصد 1: 478، و فيه: «الأصحّ». البيان: 84، و فيه: «لا يجزي». مجمع الفائدة و البرهان 1: 218، و فيه: «أثم و لا يصحّ طهارته».

(7) 7، 9 جامع المقاصد 1: 478. المدارك 2: 196.

(10) انظر الوسائل 24: 194، 196، 210، ب 43، 44، 54 من الأطعمة المحرّمة.

43

[الطرف الثاني: فيما يجوز التيمّم به]

(الطرف الثاني: فيما يجوز التيمّم به)

(و هو كلّ ما يقع عليه اسم الأرض) تراباً أو حجراً أو حصى أو رخاماً أو مدراً، دون ما لا يقع اسمها عليه و إن خرج منها كالنبات و نحوه فإنّه لا يجوز التيمّم به (1).

و أمّا الغبار و الوحل فقد يدّعى دخولهما في الأرض (2).

____________

(1) 1- للأصل. 2- و السنّة. 3- و الإجماع المحكيّ في كشف اللثام (1)، و قاله علماؤنا في موضع من المنتهى (2)، و في آخر زيادة: «أجمع» (3)، و عدم الجواز بغير الأرض اختياراً ممّا لا نزاع فيه عندنا في مجمع البرهان (4)، و في السرائر: أنّ الإجماع منعقد على أنّ التيمّم لا يكون إلّا بالأرض أو ما يطلق عليه اسمها (5).

خلافاً للمحكيّ عن أبي حنيفة فجوّزه بالكحل و نحوه (6)، و مالك فجوّزه بالثلج (7).

قلت: لكن ستسمع فيما يأتي أنّه حكي عن مصباح السيّد (8) و الإصباح (9) و المراسم (10) و البيان (11) و الموجز الحاوي (12) و ظاهر الكاتب (13) التيمّم بالثلج عند الاضطرار، كما هو ظاهر القواعد (14)، و في التحرير: على رأي (15).

اللّهمّ إلّا أن يريدوا بالتيمّم به مسح أعضاء الوضوء مجازاً، فلا خلاف حينئذٍ، أو أنّه لا يقدح خلافهم فيه، أو يراد بعدم الجواز في حال الاختيار أو غير ذلك.

(2) كما صرّحت به الأخبار في الثاني (16)، و مقطوع به في الأوّل بالنسبة إلى غبار الأرض، فدعوى الإجماع عن بعضهم على خروج الثاني عن الأرض (17) ليس في محلّه، كدعوى خروج الأوّل عنها، و عدم جواز التيمّم بهما اختياراً ممّن اكتفى في التيمّم بمسمّاها كالمصنّف لدليل خاصّ. و كيف كان، فما في المتن هو المشهور تحصيلًا و نقلًا في الكفاية و الحدائق (18) و عن غيرهما، بل عن ظاهر التذكرة (19) الإجماع عليه في الحجر الصلد كالرخام و إن لم يكن عليه غبار، كما عن الخلاف أيضاً ذلك في التراب (20) و ما كان من جنسه من الأحجار.

____________

(1) كشف اللثام 2: 449.

(2) المنتهى 3: 55.

(3) المنتهى 3: 63.

(4) مجمع الفائدة و البرهان 1: 220.

(5) السرائر 1: 138.

(6) المبسوط؛ للسرخسي 1: 109.

(7) المجموع 2: 213.

(8) نقله في المعتبر 1: 377.

(9) إصباح الشيعة: 51.

(10) المراسم: 53.

(11) البيان: 85.

(12) الموجز الحاوي (الرسائل العشر): 56.

(13) نقله في المعتبر 1: 377- 378.

(14) القواعد 1: 238.

(15) التحرير 1: 144.

(16) انظر الوسائل 3: 353، ب 9 من التيمّم.

(17) انظر مسالك الأفهام (للفاضل الجواد) 1: 80.

(18) كفاية الأحكام 1: 43. الحدائق 4: 293.

(19) التذكرة 2: 176.

(20) الخلاف 1: 134- 135.

44

..........

____________

لكنّ الإنصاف أنّه لا ظهور في عبارتهما يعتدّ به كما لا يخفى على من لاحظ و تأمّل. نعم في كنز العرفان و عن مجمع البيان نسبة التيمّم بما يشمل الحجر إلى أصحابنا (1)، كما عن الأردبيلي أنّ الحجر ينبغي أن يكون لا نزاع فيه (2).

قلت: و لعلّه كما ذكر؛ إذ جواز التيمّم به اختياراً خيرة المبسوط (3) و الخلاف (4) و المعتبر (5) و التذكرة و التحرير و المنتهى (6) و الإرشاد و المختلف (7) و الذكرى و الدروس و اللمعة (8) و الموجز الحاوي (9) و جامع المقاصد و الروض (10) و الروضة و المدارك (11) و غيرها، و هو المنقول عن ابن الجنيد (12) و الحسن بن عيسى (13) و مصباح السيّد 14 و جمل الشيخ (15) و مصباحه و مختصر المصباح (16) و المهذّب البارع (17) و التنقيح (18) و كشف الالتباس (19) و إرشاد الجعفرية 20 و شرحها الآخر و المقاصد العلية (21) و مجمع البرهان (22) و آيات الأردبيلي (23) و رسالة صاحب المعالم 24 و الذخيرة (25) و المفاتيح (26) و ظاهر الرسالة الفخرية (27) أو صريحها، و قوّاه في الكفاية بشرط وجود غبار عليه محافظة على العلوق (28).

و مرجع الجميع- كما يظهر من ملاحظة كتبهم الاستدلالية- إلى ما اختاره المصنّف من الاكتفاء في المتيمَّم به صدق اسم الأرض لا خصوص التراب منها.

خلافاً لظاهر الغنية (29) أو صريحها و المحكيّ عن السيّد في شرح الرسالة (30) و الكاتب (31) و التقي (32)، فلا يجوز بغير التراب و إن كان أرضاً، بل ظاهرهم عدم الفرق في ذلك بين التمكّن من التراب و عدمه، فيكون فاقد الطهورين حينئذٍ.

____________

(1) كنز العرفان 1: 26. مجمع البيان 3- 4: 52.

(2) مجمع الفائدة و البرهان 1: 220.

(3) المبسوط 1: 31.

(4) الخلاف 1: 134.

(5) المعتبر 1: 372.

(6) التذكرة 2: 173 التحرير 1: 144 المنتهى 3: 59.

(7) الإرشاد 1: 234. المختلف 1: 420.

(8) الذكرى 1: 177. الدروس 1: 130. اللمعة: 30.

(9) الموجز الحاوي (الرسائل العشر): 56.

(10) جامع المقاصد 1: 479. الروض 1: 326.

(11) الروضة 1: 154. المدارك 2: 199.

(12) 12، 14 نقله في المعتبر 1: 372.

(13) 13، 20، 24 نقله في مفتاح الكرامة 1: 528.

(15) الجمل و العقود (الرسائل العشر): 168.

(16) مصباح المتهجد: 13. مختصر المصباح: 14.

(17) المهذب البارع 1: 199.

(18) التنقيح 1: 133.

(19) كشف الالتباس 1: 361.

(21) المقاصد العلية: 78.

(22) مجمع الفائدة و البرهان 1: 220.

(23) زبدة البيان: 27.

(25) الذخيرة: 98.

(26) المفاتيح 1: 61.، إلا أنه جعله عند الاضطرار.

(27) الرسالة الفخرية: 42- 43.

(28) كفاية الأحكام 1: 43.

(29) الغنية: 51.

(30) حكاه في المعتبر 1: 372.

(31) حكاه في المختلف 1: 420.

(32) الكافي: 136.

45

..........

____________

لكن في المختلف (1) و الروض (2) و الروضة (3) الإجماع على بطلان ذلك؛ أي عدم جواز التيمّم بالحجر مطلقاً، فلعلّ ذلك يكون قرينة على إرادتهم الاختيار، فيوافق حينئذٍ ما في المقنعة (4) و الوسيلة (5) و السرائر (6) و الجامع (7) و عن المراسم (8) من اشتراط فقد التراب في التيمّم بالحجر.

بل في حاشية المدارك للُاستاذ الأعظم (9) ما يظهر منه دعوى اتّفاق الأصحاب على ذلك إلّا من شذّ منهم، بل في الجامع اشتراطه بفقد الغبار 10 أيضاً.

5/ 120/ 207

لكن قد يشكل الجميع بظهور أنّ منشأ الاختلاف في التيمّم بالحجر و نحوه الاختلاف في معنى الصعيد، فلا يجتزئ به مطلقاً بناءً على أنّ الصعيد هو التراب خاصّة كما في الصحاح (11) و المقنعة (12) و عن المجمل (13) و المفصّل (14) و المقاييس (15) و الديوان (16) و شمس العلوم و نظام الغريب و الزينة لأبي حاتم.

بل ربّما استظهر من القاموس و الكنز (17)، كما أنّه حكي عن الأصمعي 18، و كذا عن أبي عبيدة لكن بزيادة وصفه بالخالص الذي لا يخالطه سبخ و رمل (19)، و بني الأعرابي و عباس و الفارس (20)، بل عن المرتضى (رحمه الله) نقله عن أهل اللغة (21).

و يؤيّده:

1- قول الصادق (عليه السلام) في الطين: «إنّه الصعيد» (22).

2- و في آخر: أنّه «صعيد طيّب و ماء طهور» (23).

3- و ما في صحيحة زرارة: «ثمّ أهوى بيديه إلى الأرض فوضعهما على الصعيد» (24).

____________

(1) المختلف 1: 421.

(2) الروض 1: 326.

(3) الروضة 1: 154.

(4) المقنعة: 60.

(5) الوسيلة: 71.

(6) السرائر 1: 137.

(7) 7، 10 الجامع للشرائع: 47.

(8) المراسم: 53.

(9) حاشية المدارك 1: 105.

(11) الصحاح 2: 498.

(12) المقنعة: 59.

(13) المجمل: 410.

(14) نقله عن المفصّل و شمس العلوم و نظام الغريب و الزينة في كشف اللثام 2: 456.

(15) 15، 18 معجم مقاييس اللغة 3: 287.

(16) ديوان الأدب 1: 403.

(17) استظهره في الرياض 2: 296.

(19) الجمهرة 2: 654.

(20) نقله عن ابن الأعرابي في تهذيب اللغة 2: 8. تفسير ابن عباس: 71. المجمل: 410.

(21) نقله في المعتبر 1: 372- 373.

(22) الوسائل 3: 354، ب 9 من التيمّم، ح 5، و فيه: «عن أحدهما (عليهما السلام)».

(23) المصدر السابق: 354، 355، ح 6، 8.

(24) الوسائل 3: 360، ب 11 من التيمّم، ح 8.

46

..........

____________

4- و ظهور قوله تعالى: «مِنْهُ» (1) في إرادة المسح ببعض الصعيد الذي يَعْلُق باليد، سيّما بعد تفسيره بذلك في الصحيح عن الباقر (عليه السلام) قال فيه: «فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً» إلى آخره، فلمّا أن وضع الوضوء عمّن لم يجد الماء أثبت عوض الغسل مسحاً؛ لأنّه قال:

«بِوُجُوهِكُمْ» ثمّ وصل بها «وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ» أي من ذلك التيمّم؛ لأنّه علم أنّ ذلك أجمع لا يجري على الوجه؛ لأنّه يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكفّ و لا يعلق ببعضها» (2) الحديث؛ لظهور أنّ المراد بالتيمّم فيه المتيمّم به.

و كذا غيره ممّا يفيد المسح ببعض الأرض كالصحيح: «إذا لم يجد الرجل طهوراً فليمسح من الأرض» (3) و نحوه ممّا يفيد العلوق باليد من أخبار النفض (4) و نحوها ممّا لا يتحقّق في التيمّم بالحجر.

5- و الأخبار المشتملة على لفظ التراب:

أ- كقوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «جعلت لي الأرض مسجداً و ترابها طهوراً» (5) سيّما بعد وروده في بيان اليسر و التوسعة و الامتنان المناسب لتعميمه لغير التراب لو صحّ التطهّر به، و بُعد العدول من لفظ الأرض إليه.

ب- و قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة جميل: «إنّ اللّٰه عزّ و جلّ جعل التراب طهوراً، كما جعل الماء طهوراً» (6). و رفاعة و عبد اللّٰه بن المغيرة: «إذا كانت الأرض مبتلّة ليس فيها تراب و لا ماء فانظر إلى أجفّ موضع تجده فتيمّم ... إلى آخره» (7). إلى غير ذلك ممّا اشتمل على لفظ التراب.

مضافاً إلى:

1- ضعف ما يعارض ذلك كلّه ممّا اشتمل على لفظ «الأرض»؛ لانصرافه للفرد الشائع منها، على أنّه لم يسق في جملة منها لبيان ما يتيمّم به.

2- و إلى توقيفيّة العبادة، و عدم حصول اليقين بالبراءة إلّا بالتراب مع التمكّن منه، إلى غير ذلك.

و يجتزأ به- أي بالتيمّم- بالحجر مطلقاً بناءً على تفسير الصعيد بوجه الأرض، كما عن العين و المحيط و الأساس و المفردات للراغب و السامي و الخلاص و المغرب و المصباح المنير، و عن ثعلب و ابن الأعرابي و الخليل (8)، بل عن المغرب و تهذيب اللغة و المقاييس و مجمع البيان عن الزجّاج: أنّه «لا يعلم فيه اختلافاً بين أهل اللغة» (9).

____________

(1) المائدة: 6.

(2) الوسائل 3: 364، ب 13 من التيمّم، ح 1.

(3) الوسائل 3: 368، ب 14 من التيمّم، ح 7، و فيه: «و كان جنباً فليمسح».

(4) الوسائل 3: 359، 360، ب 11 من التيمّم، ح 3، 6، 7.

(5) المستدرك 2: 530، ب 5 من التيمّم، ح 8.

(6) الوسائل 3: 385، ب 23 من التيمّم، ح 1.

(7) الوسائل 3: 354، 356، ب 9 من التيمّم، ح 4، 10.

(8) العين 1: 290. المحيط 1: 322. الأساس: 254. المفردات: 484. السامي: 95. نقله عن الخلاص في كشف اللثام 2: 455. المغرب: 267. المصباح المنير: 339. نقله عن ثعلب في الصحاح 2: 498. نقله عن ابن الأعرابي و الخليل في الجامع لأحكام القرآن 5: 153.

(9) المغرب: 267. تهذيب اللغة 2: 8. معجم مقاييس اللغة 3: 287. مجمع البيان 3- 4: 52.

47

..........

____________

و حكاه في المعتبر عن فضلاء أهل اللغة، قال: ذكر ذلك الخليل و ثعلب عن ابن الأعرابي (1)، و في المنتهى و عن نهاية الإحكام عن أهل اللغة (2).

و في البحار: أنّ «الصعيد يتناول الحجر كما صرّح به أئمّة اللغة و التفسير» (3) انتهى.

و في الوسائل (4): «بل قد فسّر كثير من علماء اللغة الصعيد بوجه الأرض، و ادّعى بعضهم الإجماع على ذلك، و أنّه لا يختصّ بالتراب، و كذا جماعة من المفسّرين و الفقهاء» (5) انتهى. و به فسّره أكثر أصحابنا في الكتب الفقهية نصّاً و ظاهراً، و حكي عن أبي حنيفة و أصحابه (6).

و يؤيّده- مضافاً إلى ما سمعته سابقاً من جواز التيمّم بالحجر و نحوه اختياراً عند الأصحاب، الذي بملاحظته يعرف ما في نسبة الاستاذ سابقاً (7) في حاشية المدارك إليهم عدم جواز التيمّم به إلّا عند الاضطرار؛ لظهور ندرة القائل به بالنسبة إلى الأوّل مع عدم صراحة كلامه أيضاً في ذلك- قوله تعالى: (فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً) (8) أي أرضاً ملساً يزلق بها لاستئصال شجرها و نباتها على ما فسّرها بذلك غير واحد، مع ظهور ذلك منها أيضاً:

1- كقول النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم): «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة على صعيد واحد» (9) أي أرض واحدة؛ إذ إرادة التراب منها كما ترى.

2- و المروي عن معاني الأخبار عن الصادق (عليه السلام): «الصعيد الموضع المرتفع عن الأرض، و الطيب الموضع الذي ينحدر عنه الماء» (10) كالمحكي عن فقه الرضا (عليه السلام) أيضاً (11)، و فسّره به في الهداية (12)؛ إذ المراد إمّا مطلق الارتفاع المتحقّق بالحجر و نحوه من الأشياء التي على الأرض، أو خصوص المرتفع ارتفاعاً يعتدّ به كرءوس الأكم و الجبال.

و على كلّ حال فيصدق بدون التراب، مع أنّ الثاني ممّا يقطع بعدم اعتباره في الصعيد، مضافاً إلى إمكان الاستغناء عنه حينئذٍ بوصف الطيّب المتقدّم، فيتعيّن الأوّل، فيراد مطلق المرتفع، و بالطيّب الارتفاع الذي يتحقّق معه الانحدار. و قد يومئ إليه حينئذٍ ما في المقنعة من أنّه «إنّما سمّي التراب صعيداً لأنّه يصعد من الأرض» (13)، فلعلّ الظاهر من ذلك و من الخبرين ملاحظة المعنى الوصفي في الصعيد.

و منه ينقدح تأييد آخر للمشهور، كما أنّه قد يؤيّد أيضاً: 1- بما في المنتهى من جواز التيمّم بالأرض و إن لم

____________

(1) المعتبر 1: 373.

(2) المنتهى 3: 58. نهاية الإحكام 1: 198.

(3) البحار 81: 143.

(4) في الجواهر: «الوسيلة»، و الصحيح ما أثبتناه.

(5) الوسائل 2: 352، ب 7 من التيمّم، ذيل الحديث 7.

(6) الجامع لأحكام القرآن 5: 153.

(7) تقدّم في ص 46.

(8) الكهف: 40.

(9) المعتبر 1: 373.

(10) معاني الأخبار: 283.

(11) فقه الرضا (عليه السلام): 90. المستدرك 2: 528، ب 5 من التيمّم، ح 2.

(12) الهداية: 87.

(13) المقنعة: 59.

48

..........

____________

يكن عليها تراب ناسباً له إلى الأصحاب (1) مشعراً بدعوى الإجماع عليه، بل لم ينقل فيه خلافاً إلّا عن بعض الجمهور مستدلّاً عليه بآية الصعيد (2)، و هو شاهد على عدم اختصاصه بالتراب، فيتمّ حينئذٍ بعدم القول بالفصل. 2- و بما فيه أيضاً من التيمّم بالرمل على كراهية عند الأصحاب (3)، بل في المعتبر و عن التذكرة دعوى الإجماع (4) صريحاً على ذلك؛ لعدم اندراجه في اسم التراب عرفاً، كما صرّح به الاستاذ الأكبر في كشف الغطاء (5)، و يشعر به عطف التراب عليه في قول الشاعر:

عدد الرمل و الحصى و التراب (6)

و نحوه الكلام في أرض السبخ. 3- و بما عن التذكرة و غيرها من ظهور الاتّفاق على جواز التيمّم بالأرض النديّة (7).

4- و بما يظهر من تعليل الأصحاب المنع في المعدن و النبات و الرماد و غيرها بعدم صدق اسم الأرض من الإجماع على دوران الحكم مدارها. 5- و كذا ما يأتي من الأدلّة على جواز التيمّم بأرض النورة و الجصّ قبل الإحراق من الأخبار (8) و غيرها؛ لعدم كونهما من التراب أيضاً، بل في كشف اللثام: «أنّ أرض النورة ليست غير الحجر على ما نعرف» (9) انتهى. مع أنّه لم ينقل فيهما خلاف إلّا من الشيخ في النهاية فاشترط فقد التراب (10)، بل ذهب جماعة إلى جوازه فيهما بعد الإحراق؛ تمسّكاً بخبر السكوني 11، و بقاء اسم الأرضيّة. و عن آخرين المنع، لكن علّلوه بالخروج عن الأرضية به، و هو مشعر بدوران الحكم مدارها لا التراب، و إلّا فهما ليسا بتراب قطعاً. 6- و بما عن الراوندي بسنده عن عليّ (عليه السلام) قال: «يجوز التيمّم بالجصّ و النورة، و لا يجوز بالرماد؛ لأنّه لم يخرج عن الأرض، فقيل له: التيمّم بالصفا العالية على وجه الأرض؟ قال: نعم» (12)؛ إذ هو- مع اشتماله على الجصّ و النورة و الصفا ممّا لا يسمّى تراباً- مشتمل على التعليل الذي كاد يكون صريحاً في المدّعى، كخبر السكوني عن جعفر عن أبيه عن عليّ (عليهم السلام): 13، لكنّه لم يذكر فيه الصفا. و احتمال المناقشة في ذلك و نحوه- بأنّه لا دلالة في جواز التيمّم بالحجر و نحوه على كون الصعيد لما هو أعمّ من التراب؛ إذ لعلّه للدليل الخاص- مدفوع:

1- بملاحظة كلمات الأصحاب في الكتب الاستدلالية؛ لظهورها في كون المدار ذلك.

2- على أنّ ثمرة البحث في خصوص المقام إنّما هو جواز التيمّم بالحجر و نحوه اختياراً، فإذا ثبت لا يهمّنا عدم شمول لفظ الصعيد له.

3- و بما في الموثّق: عن رجل تمرّ به جنازة و هو على غير طهر، قال: «يضرب يديه على حائط لبن فيتيمّم» (14)؛ لعدم صدق التراب على اللبن و هو المسمّى بالمدر، بل في كشف اللثام: أنّه «لا نعرف فيه خلافاً و إن لم يذكره الأكثر» (15).

____________

(1) المنتهى 3: 57.

(2) النساء: 43. المائدة: 6.

(3) المنتهى 3: 59.

(4) المعتبر 1: 374. التذكرة 2: 176.

(5) كشف الغطاء 2: 336.

(6) انظر جامع الشواهد 1: 374.

(7) التذكرة 2: 181.

(8) 8، 11، 13 الوسائل 3: 352، ب 8 من التيمّم، ح 1.

(9) كشف اللثام 2: 452.

(10) النهاية: 49.

(12) المستدرك 2: 533، ب 6 من التيمّم، ح 2، و فيه: «الصفاة البالية».

(14) الوسائل 3: 111، ب 21 من صلاة الجنازة، ح 5.

(15) كشف اللثام 2: 449.

49

..........

____________

و عن مجمع البرهان: أنّه ينبغي أن يكون لا نزاع فيه (1)، و ظاهر الوسيلة أو صريحها مساواته للتراب، مع أنّه اعتبر في التيمّم بالحجر فقد التراب (2)، فلعلّ ذلك منه قرينة على عدم اختصاص الصعيد عنده بالتراب. كما أنّه قد يظهر ذلك أيضاً من المقنعة و السرائر (3) و غيرهما و إن قيّدوا الحجر بما عرفت، بل نصّ في الأوّل على أنّ الصعيد هو التراب، لكن ملاحظة كلماتهم تقضي بجوازه في نحو الأرض التي لم يكن عليها تراب و اللبن و غيرهما اختياراً. و يشهد له ما سمعته من المنتهى سابقاً (4) في الأرض التي ليست عليها تراب من ظهور عدم الخلاف بين الأصحاب فيه. و لا ينافيه تقييد الحجر بما عرفت؛ إذ لعلّه لدليل لم نعثر عليه، بل في كشف اللثام احتمال إرادتهم الاحتياط في الاجتناب عنه 5؛ لوقوع الخلاف في معنى الصعيد عند أهل اللغة، فينحصر الخلاف حينئذٍ في مثل السيّد و ابن زهرة و نادر، كاحتمال إرادة المخالف أيضاً خصوص المطبوخ من الحجر؛ لتخيّل خروجه عنها بذلك كالخزف، مع أنّ المحكيّ عن السيّد في المصباح (6) موافقة المشهور أيضاً.

4- و باستصحاب جواز التيمّم به قبل تماسك أجزائه، و خروجه عن صدق التراب بذلك إنّما يقدح لو ثبت شرطيّة التيمّم به إمّا مطلقاً أو في حال الاختيار. و لعلّ هذا هو الذي أومأ إليه العلّامة في جملة من كتبه في الاستدلال عليه بأنّه تراب اكتسب رطوبة لزجة و عملت حرارة الشمس فيه حتى تحجّر، فحقيقة التراب فيه باقية (7)، و إنّما حدثت زيادة وصف. فلا وجه للمناقشة فيه بعدم صدق التراب عليه أوّلًا، و عدم تبادره من إطلاقه ثانياً، سيّما بعد ملاحظة ما دلّ على العلوق، و بجريانه في مثل المعادن ممّا خرج عن اسم الأرض ثالثاً، فتأمّل جيّداً. و قد يؤيّد المشهور أيضاً:

1- بما دلّ على أنّ الطين صعيد؛ لكونه ليس بتراب قطعاً. و حمله على إرادة تركّبه من الصعيد و نحو ذلك خلاف الظاهر.

2- و بإطلاق لفظ الأرض مورداً للتيمّم في الأخبار الكثيرة (8) في باب التيمّم الشامل للتراب منها و غيره، سيّما بعد غلبة الرمل و الحصى و الحجر و السبخ في أرض المدينة و نحوها حتى النبوي المتقدّم (9) في مؤيّدات الخصم، فإنّه و إن اشتهر في كتب الفروع بلفظ التراب لكنّه في كتب الأخبار خالٍ عن ذلك. بل نقل في الوسائل أربع روايات من كتب متفرّقة أنّه جعلت له الأرض مسجداً و طهوراً (10) عدا ما في البحار (11) نقلًا عن العلل و الخصال بسند متّصل إلى جابر قال: قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم): «قال اللّٰه عزّ و جلّ: جعلت لك و لُامّتك الأرض مسجداً و ترابها طهوراً» (12). و هو- مع مخالفته لخبر الخصم متناً- محتمل التصرّف من الراوي بظنّ اتّحادهما كما هو الغالب، على أنّه ردّه في المعتبر بأنّه تمسّك بدلالة الخطاب (13)، و هي لا تعارض النصّ إجماعاً. قلت: بل

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان 1: 220.

(2) 2، 5 الوسيلة: 70، 71. كشف اللثام 2: 456.

(3) المقنعة: 59، 60. السرائر 1: 137.

(4) تقدّم في ص 48- 49.

(6) حكاه في المعتبر 1: 372- 373.

(7) المختلف 1: 421. التذكرة 2: 173. نهاية الإحكام 1: 198.

(8) انظر الوسائل 3: 349، ب 7 من التيمّم.

(9) تقدّم في ص 46.

(10) الوسائل 3: 350، 351، ب 7 من التيمّم، ح 1، 2، 3، 4.

(11) البحار 81: 147، ح 5.

(12) علل الشرائع: 128، ح 3. الخصال: 425، 426، ح 1. المستدرك 2: 529، ب 5 من التيمّم، ح 3.

(13) المعتبر 1: 373.

50

..........

____________

هو [عدم الجواز بغير التراب] مفهوم لقب و خارج مخرج الغالب، اللّهمّ إلّا أن يوجّه بأنّ المراد خروج الكلام عن البلاغة التي هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال لو كانت الطهوريّة وصفاً للأرض مع عدوله عنها بعد ذكره لها في المسجديّة إلى التراب، بل هو ضدّ مقتضى الحال، سيّما مع أنّه في مقام بيان الامتنان و زيادة اللطف به و بأُمّته من الكريم المنّان. لكن ذلك- مع أنّه مشترك الإلزام؛ لما سمعت من الإجماع على التيمّم بالحجر عند فَقْد التراب، و تأخّره عن التراب مرتبة لا يسوّغ ترك ذكر الامتنان به في مقام بيانه؛ إذ المراد طهوريّة الأرض و إن ترتّبت، و إلّا فطهوريّة التراب متأخّرة عن الماء أيضاً قد يقال: إنّ المراد منه الأرض، بقرينة غيره من الأخبار، و هو أرجح من احتمال العكس من وجوه لا تخفى. فظهر حينئذٍ ضعف تأييد مذهب الخصم به، بل و كذا أخبار التراب مع عدم سوق بعضها لبيان ذلك، و مع عدم الأمر بالتيمّم به حتى ينافي ما دلّ على الأرض، و مع دعوى شيوع فرد التراب منها، و كذا أخبار الطين (1)، بل بعضها ظاهر في التأييد للمختار [أي جواز التيمّم بكلّ ما يقع عليه اسم الأرض] كما عرفت، على أنّ إطلاق لفظ الصعيد على التراب لا ينافي أنّه الأرض بعد شيوع استعمال الكلّي في الفرد. و دعوى ظهور الخصوصيّة منه ممنوعة، بل يمكن الجمع بين كلام أهل اللغة- و إن بَعُد- بهذا الاعتبار أو قريب منه، فيحمل التراب في كلامهم على إرادة التنصيص على أكمل الأفراد و أشيعها.

بل لعلّ ذلك جارٍ في كلّ ما كان من هذا القبيل في كلام أهل اللغة، و هو أولى من العكس قطعاً. أو يقال: إنّ تعارض كلام أهل اللغة في ذلك منبئ عن استعمال الصعيد في التراب و غيره، كما أنّه كذلك في نفس الأمر. و أصالة عدم الاشتراك و المجاز تقضي بكونه حقيقة في القدر المشترك سيّما بعد استعماله فيه نفسه، مع أنّه لو أغضينا عن ذلك كلّه لكان المتّجه الأخذ بجميع كلماتهم، فينبغي الحكم حينئذٍ باشتراك لفظ «الصعيد» بين الخاصّ و العامّ. كما عساه يومئ إليه ما عن المصباح المنير، قال بعد تفسيره الصعيد بوجه الأرض تراباً أو غيره: «و يقال الصعيد في كلام العرب على وجوه، على التراب الذي على وجه الأرض، و على الطريق» (2) انتهى. بل و كذا ما في القاموس: «الصعيد التراب أو وجه الأرض» (3) إن حمل لفظ «أو» فيه على معنى الواو. و على كلّ حال يكون ما ذكرناه سابقاً من الأمارات معيّناً لإرادة العامّ منها، مع احتمال ترجيح التفسير بالعامّ عليه بأنّه يؤول إلى تعارض الإثبات و النفي، تنزيلًا لتعدّد أفراد المعنى مع استعماله في كلّ منها على وجه الحقيقة منزلة تعدّد المعاني، و الأوّل مقدّم على الثاني، كما أنّه يرجّح أيضاً بالكثرة. و أمّا ما ذكره الخصم من التأييد بما دلّ على العلوق آية و رواية، ففيه:

1- مع عدم استلزام ذلك للتراب، بل يكفي الغبار و الرمل و نحوهما على الحجر و سحيق الحجر، بل التراب اليسير.

2- و ابتنائه على:

أ- اشتراط العلوق، و ستعرف ما فيه إن شاء اللّٰه.

ب- و على كون «من» في الآية للتبعيض، مع احتمالها السببيّة و البدليّة و الابتدائية.

جو على أنّ المراد بالتيمّم في الرواية المفسّرة له المتيمّم به، و فيه بحث سيّما بعد القطع بعدم وجوب مسح الوجه

____________

(1) انظر الوسائل 3: 353، ب 9 من التيمّم.

(2) المصباح المنير: 340.

(3) القاموس المحيط 1: 307.

51

..........

____________

و اليدين بما يعلق من التراب، بل و لا استحبابه للإجماع المحكيّ- إن لم يكن محصّلًا- على استحباب نفض اليدين (1)، و منه النفض الذي لم يبق معه شيء من التراب.

3- إنّه لا مانع من رجوع الضمير لبعض أفراد الصعيد الذي هو التراب، سيّما بعد غلبته و شيوعه، فيكون المراد فيما فيه علوق من الصعيد، و ذلك لا يقضي بأنّ المراد بالصعيد التراب، سيّما على القول بعدم تخصيص ضمير العامّ العامّ.

4- على أنّه لو سلّم كون المراد بالصعيد في الآية التراب لا ينافي ثبوت ما ذكرناه من أدلّة خارجيّة، كما عرفت. فاتّضح لك حينئذٍ- بحمد اللّٰه- من جميع ما ذكرنا أنّ الأقوى الاجتزاء بوجه الأرض تراباً أو غيره اختياراً. كما أنّه اتّضح لك أنّه لا وجه للتفصيل المذكور بين الاختيار و الاضطرار. و ما يقال: إنّ دليله الإجماع حال الاضطرار و إن لم يكن داخلًا تحت الصعيد. ففيه:

1- مع عدم صلاحيّة ذلك دليلًا للمفصّل نفسه.

2- إنّه لا إجماع عند التحقيق؛ إذ الخصم إنّما جوّزه لشمول لفظ الصعيد له و قد ظهر له بطلانه، و اختصاصه بالتراب، فلم يتحقّق إجماع على الحجر من حيث إنّه حجر في حال الاضطرار، فتأمّل فإنّه دقيق.

3- على أنّ المحكيّ عن ابن الجنيد (2)- بل هو المتّجه بناءً على اختصاص الصعيد بالتراب- سقوط الصلاة لفواته، و لعلّه ظاهر الغنية (3) و غيرها (4).

و كذا ما يقال: إنّه لا ريب في حصول الظنّ بالتيمّم بمطلق الأرض في الجملة بعد ملاحظة ما دلّ على التيمّم بها. لكنّه لا شمول فيها لجميع الأحوال بحيث يقاوم ما دلّ على التراب حتى يتساوى معه في ذلك، فيتوقّف يقين البراءة على تقديم التراب عند وجوده. كما أنّه لا شمول فيما دلّ على التراب لمثل حال العجز عنه حتى تسقط الصلاة حينئذٍ بحيث يقاوم ما دلّ على الأرض بالنسبة إلى هذا الحال، مع توقّف يقين البراءة عليه أيضاً.

و بالجملة: فالمتّجه العمل بكلّ منهما لكن بالترتيب؛ تمسّكاً بالظنّ الحاصل للمجتهد في كلّ منهما. إذ- مع أنّ ذلك لا يرجع إلى محصّل يعتمد عليه عند التأمّل- قد عرفت قوّة الأمارات الدالّة على المختار، فلا شكّ حتى يتوقّف يقين البراءة لو سلّم جريان نحوه في مثل المقام ممّا يحصل الشكّ فيه بالنسبة إلى شرط العبادة، بل ينبغي القطع بعدم جريانه في مثل الحجر في حال الاضطرار كما ذكره الخصم؛ لأنّ مرجعه حينئذٍ إلى الشكّ في نفس الشغل و عدمه لا إلى البراءة منه حتى يجب التيمّم بالحجر. و احتمال تتميم ذلك باستصحاب الشغل و عدم سقوط الصلاة بحال و نحوها، مدفوع:

1- مع عدم جريان الأوّل في بعض الصور كما لو فقد التراب قبل الوقت مثلًا، بل هو بالعكس.

2- بعدم صلاحية ذلك و نحوه لإثبات حكم شرعي- و هو التيمّم بالحجر- كما هو واضح، فتأمّل.

____________

(1) المنتهى 3: 96.

(2) انظر المدارك 2: 200.

(3) الغنية: 51.

(4) الكافي: 136.

52

لكن مع ذلك كلّه فالاحتياط [بتقديم التراب على الحجر و نحوه] لا ينبغي أن يترك، و إلّا فلا إشكال في صحّة التيمّم بالحجر و نحوه ممّا يسمّى بالأرض اختياراً (1).

[التيمّم على الخزف]:

نعم قد يشكل الحال في مثل الخزف نظراً إلى خروجه عن مسمّاها بالإحراق (2).

و لعلّه [الجواز] الأقوى (3)، و لا فرق بين الخزف و سحيقه في جواز التيمّم به، و البحث البحث كالحجر و سحيقه أيضاً (4)، فالمتّجه حينئذٍ الجواز فيهما (5).

____________

(1) [و ذلك] بالنظر إلى الظنّ الاجتهادي.

(2) كما اختاره المصنّف في المعتبر بعد أن نسبه إلى ابن الجنيد، قال: «و لا يعارض بالسجود عليه؛ لأنّه قد يجوز السجود على ما ليس بأرض كالكاغذ» (1) انتهى.

5/ 130/ 223

و قد يورد عليه: 1- بمنع خروجه عن اسم الأرض و إن خرج عن اسم التراب، بل هو أولى من الحجر لقوّة استمساكه دونه، أو مساوٍ للمشوي منه، مع إطلاقهم التيمّم بالحجر الشامل له، عدا ما عن كشف الالتباس (2) من التوقّف فيه.

2- و بأنّ المتّجه عدم جواز السجود عليه لو سلّم خروجه عن مسمّى الأرض؛ لعدم جوازه إلّا عليها و نباتها غير المأكول و الملبوس، فجواز السجود عليه- كما اعترف به الخصم- شاهد للتيمّم به.

و لذلك كلّه كان خيرة التذكرة و الذكرى و جامع المقاصد و غيرها الجواز (3).

(3) 1- لما عرفت، و إن استشكله في المنتهى (4)، كما عن الدروس التوقّف فيه (5). 2- و لمفهوم التعليل في خبر السكوني (6) و مرويّ الراوندي (7) لعدم التيمّم بالرماد بأنّه لم يخرج من الأرض بخلاف الجصّ و النورة كما سمعته فيما مرّ.

3- و لاستصحاب عدم خروجه عن المسمّى، بل و أحكامه قبل الإحراق، و لا يعارضه استصحاب الشغل المتوقّف يقين البراءة منه على التيمّم بغيره؛ لوروده عليه القاضي بتقدّمه و تحكيمه، كما في نظائره من استصحاب طهارة الماء و غيره، و به حينئذٍ يحصل يقين البراءة؛ إذ المراد الأعمّ من الشرعي قطعاً. و من ذلك ظهر سقوط ما في الرياض (8) من الميل إلى العدم لا لما في المعتبر 9، بل:

1- للشكّ في الخروج و عدمه. 2- مع معارضة استصحاب الجواز بمثله في فساد العبادة، فتبقى الذمّة مشغولة بها للأوامر السليمة عمّا يصلح للمعارضة؛ إذ- بعد الغضّ عمّا فيه، و تسليم حصول الشكّ- قد عرفت الجواب عنه، فتأمّل جيّداً.

(4) و احتمال الفرق بصيرورته تراباً حينئذٍ ضعيف بل فاسد قطعاً؛ لعدم صدق التراب (و) إن صدق الأرض كما ذكرنا.

(5) لذلك.

____________

(1) 1، 9 المعتبر 1: 375.

(2) كشف الالتباس 1: 361.

(3) التذكرة 2: 177. الذكرى 1: 178. جامع المقاصد 1: 483.

(4) المنتهى 3: 61.

(5) الدروس 1: 130.

(6) الوسائل 3: 352، ب 8 من التيمّم، ح 1.

(7) المستدرك 2: 533، ب 6 من التيمّم، ح 2.

(8) الرياض 2: 303.

53

[ما لا يجوز التيمّم به]:

(نعم لا يجوز التيمّم ب)- الكحل و الزرنيخ و نحوهما من (المعادن) (1)؛ للخروج عن اسم الأرض قطعاً (2)، فغير الخارج عن ذلك منها- لو كان- يتّجه فيه حينئذٍ الجواز (3).

(و) كذا (لا) يجوز التيمّم (بالرماد) (4).

[و الأقوى أنّه متى صدق عليه الرماد يخرج عن اسم الأرض و إن كان منها] (5).

____________

(1) إجماعاً محكيّاً في الغنية، و صريح المنتهى و ظاهره، و عن الخلاف (1) إن لم يكن محصّلًا.

(2) فيدخل حينئذٍ فيما سمعته سابقاً من الأدلّة على عدم جواز التيمّم بغيرها. فما عن ابن أبي عقيل من جوازه بالأرض و بكلّ ما كان من جنسها كالكحل و الزرنيخ (2) ضعيف، و العرف أعدل شاهد عليه إن كان ذلك منه لعدم الخروج، و فاسد محجوج بما عرفت إن كان مراده الجواز بذلك و إن خرج عن مسمّى الأرض. و مفهوم التعليل في خبر السكوني و مروي الراوندي المتقدّمين لا جابر له في المقام، بل معرض عنه بالنسبة إلى ذلك بين الأصحاب؛ لما سمعت من الإجماعات السابقة.

لكن قد ظهر لك أنّ مبنى المنع في المعادن عند الأصحاب الخروج عن اسم الأرض، كما يظهر من استدلالهم عليه به، بل جعل بعضهم (3) الحكم فيها دائراً مداره.

(3) و احتمال مانعيّة نفس المعدنيّة و إن لم يخرج تمسّكاً بإطلاق معقد الإجماع المحكيّ في غاية الضعف، كالقول بلزوم الخروج عن الأرض للمعدنية؛ لما ستعرفه في تحقيق معنى المعدن في باب السجود إن شاء اللّٰه.

(4) 1- إجماعاً كما في المنتهى (4).

2- و لخبر السكوني عن جعفر عن أبيه عن عليّ (عليهم السلام): أنّه سئل عن التيمّم بالجصّ؟ فقال: «نعم، فقيل: بالنورة، فقال:

نعم، فقيل: بالرماد؟ فقال: لا، أنّه لا يخرج من الأرض إنّما يخرج من الشجر» (5).

3- كالمروي عن الراوندي بسنده عن عليّ (عليه السلام) أيضاً قال: «يجوز التيمّم بالجصّ و النورة، و لا يجوز بالرماد؛ لأنّه لم يخرج عن الأرض» (6). لكنّهما ظاهران أو صريحان في رماد غير الأرض دونه، بخلاف معقد إجماع المنتهى 7، بل ربّما يفهم من التعليل فيهما الجواز به، و لعلّه لذا أو دعوى عدم الخروج جوّزه به في الحاوي كما عن نهاية الإحكام (8).

(5) و في التذكرة (9) تعليق عدم الجواز على الخروج و قرّبه في الرياض (10)، و هو جيّد، لكن لا حكم فيه بالخروج و عدمه، و هو المثمر.

اللّهمّ إلّا أن يكون المراد أنّه يخرج تارةً و لا يخرج اخرى، إلّا أنّ الأقوى الخروج متى صدق عليه الرماد، كما هو الفرض، فتأمّل جيّداً.

____________

(1) الغنية: 51. المنتهى 3: 55، 64. الخلاف 1: 134- 135.

(2) نقله في المعتبر 1: 372.

(3) المدارك 1: 200.

(4) 4، 7 المنتهى 3: 64.

(5) الوسائل 3: 352، ب 8 من التيمّم، ح 1.

(6) المستدرك 2: 533، ب 6 من التيمّم، ح 2.

(8) الموجز الحاوي (الرسائل العشر): 56. نهاية الإحكام 1: 199.

(9) التذكرة 2: 177.

(10) الرياض 2: 300.

54

(و لا بالنبات المنسحق كالأُشنان و الدقيق) و نحوهما ممّا أشبه التراب بنعومته و نحوها، لكن لا يصدق عليها اسم الأرض و التراب (1).

[التيمّم بأرض النورة و الجصّ]:

(و يجوز التيمّم بأرض النورة و الجصّ) اختياراً (2).

____________

(1) 1- إجماعاً محصّلًا و منقولًا (1) مستفيضاً. 2- بل فيما تقدّم من الإجماع و غيره على عدم جوازه بغير الأرض كفاية. و خبر عبيد بن زرارة عن الصادق (عليه السلام) بعد أن سأله عن الدقيق يتوضّأ به؟ فقال: «لا بأس بأن يتوضّأ به و ينتفع به» (2) محمول على ما ذكره الشيخ في التهذيب (3) من إرادة التنظّف به و التطهّر من الدرن، كما قد يكشف عنه صحيح ابن الحجّاج: سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يطلي بالنورة فيجعل الدقيق بالزيت يلتّه (4) به يتمسّح به بعد النورة ليقطع ريحها؟ قال: «لا بأس» (5)، بل هو أولى من إرادة التيمّم من الوضوء حتى يعارض ما تقدّم، مع أنّه على تقديره في غاية القصور أيضاً عن مقاومته كما لا يخفى.

(2) على المشهور نقلًا (6) و تحصيلًا، و عن مجمع البرهان: أنّه ينبغي أن يكون لا نزاع فيه (7)، بل لم أجد فيه خلافاً إلّا ما في نهاية الشيخ فاشترط فقد التراب (8)، و ما عن السرائر (9) من المنع للمعدنية، مع أنّي لم أجد ذلك فيها، بل الموجود: «لا يجوز التيمّم بجميع المعادن، و تعدادها يطول، و قد أجاز قوم من أصحابنا التيمّم بالنورة، و الصحيح الأوّل» (10). و هو- مع عدم ذكره لأرض الجصّ- محتمل بل ظاهره النورة بعد الإحراق لا أرضها، و لذلك حكاه في الذكرى عنه في النورة (11)، فينحصر الخلاف حينئذٍ في الأوّل، و إن كان ربّما يقال: إنّه أو العدم لازم تفسير الصعيد بالتراب، سيّما بعد ما في كشف اللثام: «أنّ أرض النورة ليست غير الحجر على ما نعرف» (12)، و قد عرفت الكلام فيه، إلّا أنّه لم يحك عن أحد منهم هنا، بل في المقنعة (13) التصريح بالجواز فيهما بدون التقييد بفقد التراب، و هو ممّن فسّر الصعيد بذلك. و كيف كان، فلا إشكال في الحكم بناءً على المختار؛ لصدق اسم الأرض، و احتمال المعدنيّة- مع ضعفه في نفسه- قد عرفت عدم منعها مع الصدق، نعم هو لا يتّجه بناءً على التفسير بالتراب، كما لا يتّجه التفصيل بالاختيار و الاضطرار. و استدلّ عليه بعضهم (14)- مضافاً إلى صدق الأرض- بخبري السكوني و الراوندي المتقدّمين، و فيه: أنّهما في الجصّ و النورة لا أرضهما، و احتمال إرادتها منهما لا شاهد له. و الأولويّة إنّما تصحّ لو سلّم العمل بهما فيهما. نعم قد يشعر التعليل فيهما بالمطلوب، و الأمر سهل؛ إذ قد عرفت أنّا في غنية عنهما.

____________

(1) كشف اللثام 2: 450.

(2) الوسائل 3: 351، ب 7 من التيمّم، ح 7.

(3) التهذيب 1: 188، ذيل الحديث 541.

(4) اللت: إلزاق الشيء بالشيء و الخلط بين شيئين، و منه دقيق ملتوت بالزيت. مجمع البحرين 2: 218.

(5) الوسائل 2: 78، ب 38 من آداب الحمام، ح 1.

(6) كفاية الأحكام 1: 43.

(7) مجمع الفائدة و البرهان 1: 220.

(8) النهاية: 49.

(9) نقله في جامع المقاصد 1: 482.

(10) السرائر 1: 137.

(11) الذكرى 1: 178.

(12) كشف اللثام 2: 452.

(13) المقنعة: 59.

(14) الرياض 2: 300.