شرح خيارات اللمعة

- الشيخ علي كاشف الغطاء المزيد...
265 /
3

مقدّمة التحقيق

الحمد للّٰه كلّما وقب ليل و غسق و كلّما لاح نجم و خفق، و الصلاة و السلام على أشرف من برأه و خلق، محمّد الفاتح لما استُقبل و الخاتم لما سبق، و على أهل بيته المطهّرين من كلّ دنس و المعصومين من كلّ زلق، و اللعن على كلّ من بغى عليهم و بثق.

و بعدُ، من المباحث الّتي لها مكانة خاصّة في الفقه الإسلامي «مبحث الخيارات» من كتاب المتاجر، و لذلك ألّف جمع من الفقهاء المتأخّرين في هذا المبحث كتباً مستقلّة، عِلاوةً ممّا حقّقوا من أحكامها في المتاجر.

و من تلكمُ الكتب هذا السفر الثمين، و هو شرح استدلاليّ مبسوط على مبحث خيارات «اللمعة» للشهيد الأوّل (قدس سره) من أتقن و أشهر المتون الفقهيّة.

استسعدت مؤسّستنا بتقديم هذا الكتاب القيّم محقّقاً إلى معاهد الدراسات الإسلاميّة، شاكرة للفضلاء الّذين ساهموا في إنجاح هذا المشروع، و تخصّ بالذكر الفاضل النبيل سماحة الحجّة «الشيخ جعفر النجفي» بما اقترح علينا بإحياء هذا الأثر المنيف و تفضّل علينا بإعطاء نسخته المطبوعة بعد ما عُني به من مقابلتها ببعض المخطوطات، و كذلك الفاضل الجليل سماحة الحجّة «السيّد إسماعيل مير أشرفي الأراكي» بما تحمّله من أعباء تصحيحه و تحقيقه و تخريج مصادره، و سماحة المحقّق الفاضل «الشيخ أحمد المحسني السبزواري» لمراجعته النهائيّة و اعتنائه بإشباع الكتاب تدقيقاً، جزاهم اللّٰه عن الشريعة الغرّاء خير الجزاء.

و رأينا من المناسب أن نذكر نبذاً من حياة المؤلّف (قدس سره) مكتفين بما أورده السيّد الأمين (قدس سره) في أعيان الشيعة:

[موجز من حياة المؤلّف (قدس سره)]:

كان عالماً فاضلًا ورعاً زاهداً عابداً فقيهاً اصوليّاً مجتهداً محقّقاً مدقّقاً شاعراً أديباً، جليل القدر عظيم المنزلة، و له مشاركة جيّدة في العلوم العقليّة و الأدبيّة،

4

رأسَ بعد أخيه الشيخ موسى و تصدّر للتدريس و الإفتاء مع كثرة مراعاة الاحتياط، مهيباً وقوراً، كثير الصمت ذاكراً للّٰه تعالى في أغلب أوقاته مواظباً على عبادته في نوافله و واجباته، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، لا تأخذه في اللّٰه لومة لائم. و كان أبوه يصحبه في أسفاره و يفديه بنفسه إذا عبّر عنه، كما يدلّ على ذلك رسالته الّتي كتبها في أصفهان باستدعائه، و كان مصاحباً له في سفره ذلك.

قرأ على أبيه و تخرّج به و تفقّه عليه. و أقبل على الأخذ منه و التخرّج به خلق في النجف و كربلاء، و كان يقيم في السنة ثلاثة أشهر أو أربعة في كربلاء في داره الّتي كانت فيها باستدعاءٍ من طلبتها للحضور عليه، فيزدحم عليه طلبة العجم الّذين يقرءون على شريف العلماء المازندراني؛ و منهم السيّد إبراهيم القزويني (صاحب الضوابط) و ممّن تخرّج عليه من مشاهير الفقهاء و الاصوليّين الشيخ مشكور الحولاوي، و الشيخ مرتضى الأنصاري، و الآخوند زين العابدين الگلپايگاني، و الشيخ جعفر التستري، و الشيخ أحمد الدجيلي، و الشيخ حسين نصّار، و الشيخ طالب البلاغي، و الميرزا فتّاح المراغي (صاحب العناوين) و أغلبها تقرير دروسه، و صهره السيّد مهدي القزويني، و ابن اخته الشيخ راضي ابن الشيخ محمّد، و السيّد عليّ الطباطبائي، و السيّد حسين الترك، و الحاج ملّا عليّ ابن الميرزا خليل الطبيب، و الشيخ مهديّ ابن المترجم و غيرهم.

لم يعن كثيراً بالتأليف في الفقه، قيل له في ذلك، فقال: أباني جيّده و أبيت رديئه. لم يصنّف سوى شرحه على الروضتين، جملة من أبواب البيع إلى آخر الخيارات، و طُبعت الخيارات منه فقط في طهران.

و في عصره اشتهر صاحب الجواهر حتّى صار يُعدّ نظيراً له، و لكنّه لم يَفُقْه. و يقال: إنّه لمّا كان أمر التقليد مردّداً بينهما اجتمع جماعة لتعيين الأفضل منهما، فرجّحوه على صاحب الجواهر، فسأل صاحب الجواهر بعضهم قائلًا: ما فعلت سقيفة بني ساعدة؟ فأجابه: قدّموا علياً! فاستقلّ الشيخ محمّد حسين بالتدريس من ذلك اليوم حتّى انتهت إليه الرئاسة؛ و كأنّه إلى ذلك يشير الشيخ عبد الحسين آل محيي الدين في أبياته اللاميّة الهائيّة، و ذكرت في ترجمة الشيخ محمّد ابن الشيخ

5

عليّ ابن الشيخ جعفر. و ينقل عنه: أنّه كان يطوف ليلًا على الأرامل و اليتامى و يدفع لهم صرر الدراهم و لا يخبرهم بنفسه تأسّياً بأئمّته الأطهار. و كان أخوه الشيخ موسى بنى أساس المسجد الّذي بجنب مقبرتهم، ثمّ توفّي قبل إتمامه، فأتمّه هو و كان يقيم فيه الجماعة.

ورد إلى كربلاء لبعض الفتن الّتي وقعت في النجف مع أخيه الشيخ موسى، فأكبّ عليهما الفضلاء من أهل العلم، و كانت كربلاء يومئذٍ هي محطّ الطلبة، فيها ألف فاضل من علماء إيران يحضرون دروس شريف العلماء، فحضر بعضهم درس الشيخين فاستحسنوا فقههما، و كانا يدرّسان الفقه لا غير. ثمّ عاد المترجم بعد ستّة أشهر مع أخيه الشيخ موسى إلى النجف. و في تلك السنة توفّي شريف العلماء، فورد النجف ألف طالب من طلبة كربلاء و سكنوا النجف حبّاً بدرس المترجم و أخيه الشيخ موسى. ثمّ توفّي الشيخ موسى فاستقلّ الشيخ علي بالتدريس، و منها صارت النجف مرجعاً لأهل العلم من إيران و قبلها كربلاء و لم يكن في النجف طلبة من إيران (انتهى).

ثمّ ذكر من شعره قصيدة، و مدحاً في أمير المؤمنين (عليه السلام) و مرثيتين لسيّد الشهداء أبي عبد اللّٰه الحسين (صلوات اللّٰه عليه)، راجع أعيان الشيعة: ج 8 ص 178177.

و لا يفوتنا في الختام أن نشير إلى وصف النسخ الّتي اعتمدنا عليهما، و هي:

1 المطبوعة بطهران عام 1219 المتوفّرة في المكتبات.

2 مخطوطة محفوظة في مكتبة «آستان قدس رضوي» و هذه ناقصة تبتدئ من أوائل خيار الشرط و تنتهي إلى أواسط خيار الاشتراط.

3 مخطوطة محفوظة في مكتبة «مركز إحياء التراث الإسلامي» بقم، يبدو منها أنّها بخطّ المؤلّف (قدس سره) فقدت من أوّلها و خلالها و آخرها ممّا هو بخطّه أوراق، فاستُنسخت من نسخة اخرى و اكملت، فللّه الحمد و له المنّ.

مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[الفصل التاسع الخيار في الخيار]

قال المصنّف (رحمه الله):

«الفصل التاسع (1) في الخيار»

لا ريب أنّ ثبوت الخيار على خلاف القاعدة، لأنّ الأصل في البيع اللزوم.

و هذا الأصل إمّا بمعنى الظاهر، و ذلك لأنّ الظاهر من صيغة البيع بحسب دلالتها عرفاً و قصد المتعاقدين لها الدوام، فمعنى بعتك مثلًا ملّكتك على الدوام، فهي مقتضية بذاتها لثبوت مقتضاها على الدوام فلا ينتقض إلّا بدليل، و فيه تأمّل.

أو بمعنى الاستصحاب، لأنّ الأصل دوام ما كان سواء قلنا ببقاء الأكوان و احتياجها إلى المؤثّر أو قلنا بعدمه و عدم احتياجها استناداً إلى العرف و الشرع. فكلّ ما صدر من عبارة أو عقد أو إيقاع أو حكم يحكم ببقاء حكمه حتّى يثبت المزيل له، و الخيار مبنيّ على رفع البقاء على بعض الوجوه. فما يقال: من أنّ الخيار هو القدرة على الفسخ و لا ملازمة بينه و بين الفسخ الفعلي و المضادّ للاستصحاب إنّما هو الثاني لا الأوّل، لا وجه له، لأنّ انتفاء الأوّل بانتفاء الثاني حيث ينتفي شرعاً، فتأمّل.

أو بمعنى الغالب بمعنى أنّ الغالب في البيع اللزوم حيث يراد عموم الأزمان و الأفراد، و لا ينافي ذلك اقتضاء المصلحة بعروض الجواز عليه في بعض الأزمان كزمان عدم التفرّق أو في بعض المواطن كأسباب الخيار المشهورة أو فوات شرط معيّن أو وصف معيّن، أو عروض الشركة قبل القبض أو تبعيض الصفقة و نحو ذلك،

____________

(1) من فصول كتاب المتاجر من اللمعة الدمشقيّة.

8

أو عروض الفسخ بالإقالة أو الانفساخ بالتلف قبل القبض و التحالف عند التخالف في تعيين المبيع و الثمن في وجه، إلى غير ذلك.

أو بمعنى القاعدة المستفادة من الإجماع كما نقله غير واحد و من الكتاب و السنّة من قوله تعالى: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (1) و «المؤمنون عند شروطهم» (2) لأنّ الأمر للوجوب و الجمع المحلّى للعموم، و كذا الموصول و خطاب المشافهة إمّا عامّ بأصله كما ذهب إليه من يعوّل (3) على رأيه (4) أو باعتبار الخطاب التعليقي أو باعتبار الدليل الخارجي، و الوفاء بها عبارة عن العمل بمقتضاها.

و فيه: أنّ تعقيبه بقوله تعالى: «أُحِلَّتْ» يفيد أنّ المراد ما عقده اللّٰه تعالى في رقاب عباده من الأحكام.

و يجاب بأنّه ربّما كان كلاماً منقطعاً، و بأنّ العقود قد يراد بها الأعمّ و هذا قسم من الأحكام.

و فيه أيضاً: أنّ الوفاء بالمستحبّ العمل به مرّة و تركه اخرى، فمن ترك لا يعدّ غير واف.

و من هنا ترى بعض الأصحاب يستدلّون بالآية الشريفة في باب العقود الجائزة باعتبار أنّ المراد وجوب الوفاء بمقتضاها.

و يجاب بأنّ الصيغ بنفسها لا يقتضي الجواز و لا دلالة لها عليه و إنّما هو حكم مستفاد من الشرع، و ظاهر الآية الشريفة وجوب الوفاء بالعقد بنفسه و بما يقتضيه بحسب ذاته لا بما استفيد من حكمه شرعاً إلّا بتقدير و إضمار.

مع أنّ المفسّرين و الفقهاء أعرف بمواقع الألفاظ و قد فهموا منه ذلك.

على أنّه مع استفادة حكم العقد من الشرع جوازاً أو لزوماً لا حاجة إلى الاستدلال بالآية.

و على ما قرّرنا فالعقود الجائزة و اللازمة ذات الخيار على خلاف الأصل.

____________

(1) المائدة: 1.

(2) عوالي اللآلي 1، 3: 218، 293، 217.

(3) في نسخة: لا يعوّل.

(4) الوافية: 119.

9

و اورد هنا سؤال و هو أنّ البيع لا ينفكّ عن خيار المجلس فيكون الأصل في البيع ثبوت الخيار لا اللزوم.

قال صاحب الوافية: إنّ قولهم: «الأصل في البيع اللزوم» ليس له وجه، لأنّ خيار المجلس ممّا يعمّ أقسام البيع (1).

و في الكفاية: الأصل في العقود اللزوم و وجوب الوفاء بها، خرج البيع بالنصّ فيبقى الباقي على أصله (2) انتهى.

و اجيب بأنّ طروّ الجواز عليه في بعض الأحيان لا ينافي كون مشروعيّته على اللزوم، فالافتراق في الحقيقة رافع للمانع لا جزء من المقتضي و المقتضى، للزوم العقد بمقتضى ذاته.

أ لا ترى أنّه لو اشترط سقوطه و بقي العقد بمقتضى ذاته سليماً من المعارض قضي باللزوم.

على أنّه لو لم ينفكّ البيع عن خيار المجلس لربّما أمكن القول بذلك.

و من المعلوم انفكاكه في عدّة مواضع: كما إذا اشترط سقوطه، أو اشترى من ينعتق عليه، أو اشترى ليرث، أو أسلم عبد الذمّي و بيع عليه، أو قهر الحربي قريبه و باعه، أو اشترى العبد نفسه إن جوّزناه. و كما في ذي الحقوين، أو عقد الواحد عن اثنين عند بعض إلى غير ذلك.

قال المصنّف: «و هو أربعة عشر قسماً».

ذكر هذا العدد لا أرى له وجهاً، لأنّه إن بنى على التداخل لم يكن أربعة عشر، و إن بنى على اختلاف الصور زادت ضعف الأصل و أكثر، إذ من جملتها: خيار الشفعة إذا كان الشفيع وحيداً، و خيار الخيار إذا باع و كان فيه خيار لغيره، و خيار المرابحة بناءً على استقلاله، و خيار الواطئ إذا وطئ الجارية مولاها و باعها ناسياً أو عاصياً لاحتمال صيرورتها امّ ولد، و خيار مستحقّ قصاص النفس أو قصاص الطرف من العبد، و خيار مستحقّ الحدّ رجماً أو قتلًا أو مطلقاً، و خيار

____________

(1) الوافية: 198.

(2) الكفاية: 92 س 29.

10

الجلّال، و خيار الموطوء من الحيوان من المركوب، و خيار الكفر لضرر السؤر، و خيار المكاتب قبل تحرير بعضه لو أجزنا بيعه، و خيار خوف حدوث العيب، و خيار خوف التلف لكون العبد في الحرب أو في محلّ الطاعون، و خيار فساد العقيدة من أهل الإسلام، و خيار التنجيس إلى غير ذلك.

و كما يرجع كثير ممّا ذكر إلى العيب أو التدليس و نحو ذلك، يرجع، ما ذكر المصنّف أيضاً من خيار الشركة و التبعيض و نحوهما إليهما، فلا وجه للحصر.

إلّا أن يقال: إنّ ما ذكره أعمّ و أشمل ممّا ذكرنا، فيريد الحصر بالنسبة إلى ذلك، و بناء الأصحاب في هذا الباب على ذكر أقسام الخيار العامّ البلوى الكثيرة الدّوران المتعرّض لها في الروايات الّتي لا يرجع بعضها إلى بعض.

فمن هنا اقتصر بعضهم على خمسة (1) و آخرون على ثمانية (2) و المصنّف في الدروس على تسعة (3). و الأمر في ذلك سهل.

____________

(1) الشرائع 2: 21.

(2) الكفاية: 91، س 15، الحدائق 19: 3.

(3) الدروس 3: 265.

11

[الأوّل خيار المجلس]

قال المصنّف (رحمه الله):

«الأوّل: خيار المجلس».

هذه الإضافة من باب إضافة الحالّ إلى المحلّ و ليست من باب إضافة المسبّب إلى السبب كخيار الغبن و العيب. و جعلها من هذا القبيل كما في مجمع البرهان (1) بعيد إلّا أن يراد معنى آخر.

و إضافته إلى موضع الجلوس مع كونه غير معتبر في ثبوته:

إمّا لأغلبيّة هذا الفرد، و ندرة وقوع ما عداه فهو بحكم العدم فلا يكون داخلًا في العبارة بل مسكوتاً عنه يعلم من خارج، فاللفظ على حقيقته.

أو بدعوى الحقيقة العرفيّة الجديدة، و هو غير بعيد كما يشهد به التبادر و كثرة الاستعمال.

أو بدعوى المجازيّة تجوّزاً في إطلاق بعض أفراد الحقيقة على تمام معناها.

و على كلّ حال فهذا الخيار ثابت بالإجماع محصّلًا و منقولًا نقلًا مستفيضاً، و بالنصوص و هي في ذلك مستفيضة:

منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: المتبايعان بالخيار

____________

(1) مجمع الفائدة 8: 383.

12

ثلاثة أيّام في الحيوان و فيما سوى ذلك من بيع حتّى يفترقا (1).

و صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): المتبايعان بالخيار حتّى يفترقا و صاحب الحيوان ثلاثة (2).

و صحيحة الفضيل بن يسار: البيّعان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما (3).

و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): البيّعان بالخيار حتّى يفترقا و صاحب الحيوان بالخيار إلى ثلاثة أيّام (4).

و صحيحة الحلبيّ أو حسنته عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): قال أيّما رجل اشترى من رجل بيعاً فهو بالخيار حتّى يفترقا، فإذا افترقا وجب البيع (5). إلى غير ذلك من الروايات.

فما رواه غياث بن إبراهيم في الموثّق عن عليّ (عليه السلام): «إذا صفق الرجل على البيع فقد وجب و إن لم يفترقا» (6) شاذّ لا يصلح معارضاً لما سبق.

و قد حمله الشيخ على استباحة الملك قبل الافتراق و إن جاز الفسخ قبله. و جوّز حمل الافتراق المنفيّ على البعيد دون القليل الملزم (7).

و قد تحمل على أحد المقامات الّتي يسقط فيها هذا الخيار كاشتراط سقوطه، أو بيعه ممّن ينعتق عليه و نحو ذلك. أو معنى الصفقة الرضا بالبيع و الالتزام به.

و على كلّ حال فهي إمّا مؤوّلة، أو مطّرحة، أو محمولة على التقيّة، فإنّ

____________

(1) الوسائل 12: 349 ب 3 من أبواب الخيار، ح 3.

(2) الوسائل 12: 349 ب 3 من أبواب الخيار، ح 6.

(3) الوسائل 12: 343 ب 1 من أبواب الخيار ح 3.

(4) الوسائل 12: 345 ب 1 من أبواب الخيار، ح 1.

(5) الوسائل 12: 348 ب 2 من أبواب الخيار، ح 4. و فيه: فهما بالخيار.

(6) الوسائل 12: 347 ب 1 من أبواب الخيار، ح 7.

(7) التهذيب 7: 21 ذيل، ح 87، الاستبصار 3: 73 ذيل، ح 4.

13

هذا مذهب أبي حنيفة (1) و هو من جملة المطاعن الّتي طعن فيها في مخالفة قوله لقول النبيّ (صلى الله عليه و آله).

[و هو مختصّ بالبيع]

قال المصنّف: «و هو مختصّ بالبيع»

كما في الخلاف و الغنية و الشرائع و النافع و المختلف و التحرير و القواعد و الإرشاد و التنقيح و المسالك و الكفاية (2)، للأصل، و للإجماع المنقول.

و قد نسبه إلى علمائنا في التذكرة و تعليق الإرشاد و مجمع البرهان (3). و في المسالك: أنّه لا خلاف فيه بين علمائنا (4).

و في الخلاف: الإجماع على أنّه لا يدخل في الوكالة و العارية و القراض و الحوالة و الوديعة (5).

و منع في المختلف إجماع الخلاف، لأنّ ثبوت الخيار مطلقاً يستلزم ثبوته في المجلس (6).

و فيه: أنّ الممنوع خيار المجلس دون الخيار فيه، فإن أرادوا الثاني كان النزاع لفظيّاً.

و خالف في ذلك الشيخ في المبسوط و القاضي و الحلّي، فأثبتوه في نحو العارية و الوديعة و القراض و الوكالة و الجعالة (7).

و هو ضعيف، لأنّ جوازها أصليّ و الخيار فيها عامّ لا يقبل السقوط فلا تأثير

____________

(1) المجموع 9: 184.

(2) الخلاف 3: 13 ذيل المسألة 11، و المسألة، الغنية: 22، الشرائع 2: 23، المختصر النافع: 122، المختلف 5: 62، التحرير 1 ص 168 س 1، القواعد 2: 64، الإرشاد 1: 374، التنقيح 2: 43، المسالك 3: 211، الكفاية: 92 س 28.

(3) التذكرة 1: 16 5 س 13، تعليق الإرشاد (مخطوط): الورقة 33، مجمع الفائدة 8: 388.

(4) المسالك 3: 211.

(5) الخلاف 3: 13، المسألة 12.

(6) المختلف 5: 73.

(7) المبسوط 2: 82، المهذّب 1: 356، السرائر: 2: 246.

14

للمجلس، بخلاف الجواز العارضي في اجتماع الخيارين باختلاف الحيثيّتين، فإنّه يمكن أن يسقط أحدهما و يبقى الآخر.

و قد يقال: إنّه يمكن أن يكون ذلك من الحكم الشرعي التعبّدي و التداخل القهري و إن لم يكن له تأثير لحكمة لا نعلمها و قد تظهر ثمرته في مثل النذر و نحوه فلا يلزم العبث على الحكيم فيه غير أنّ الدليل منع منه و هو ضعيف.

و تأوّل كلامهم الشهيد في الدروس بقصد منع التصرّف في المجلس (1).

و هو مع أنّه غير معنى الخيار و خاصّ بأحد الطرفين لا دليل عليه. كيف و الإذن المسوّغ للتصرّف حاصل بالعقد.

بل قد يقال بعدم معقوليّة مثل ذلك في الوديعة، لامتناعه فيها مطلقاً.

اللّهمّ إلّا أن يراد بالتصرّف التصرّف فيما يتعلّق بالحفظ، و هو بعيد.

و على تقدير اختصاصه بالبيع كما هو الأصحّ يعمّ جميع أقسام البيع من السلم و النسية و المرئيّ و الموصوف و نحوها كما في التذكرة و تعليق الإرشاد (2) للإجماع المنقول (3) و عموم الدليل.

و المشكوك في كونه بيعاً يرجع فيه إلى الأصل.

و أخذ الأرش من الجانبين ليس بيعاً، فلا يجري فيه خيار المجلس و إن ثبت فيه الربا، لأنّ بناء الربا على كلّ ما استند إلى العقد و لو بالسبب، كما لا يجري فيما ملك بالشرط كأن يشترط عليه ملكيّة شيء بآخر في عقد البيع.

و يسقط هذا الخيار بالنظر إلى الأصل، فإنّه لا يجري بالنسبة إلى الشرط فيما لو أراد الفسخ فيه، لأنّه ليس بيعاً.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ الشروط كالشطور و هي لا تتبعّض في الخيار، و كما

____________

(1) الدروس 3: 268.

(2) التذكرة 1: 516 س 19، تعليق الإرشاد (مخطوط): الورقة 133.

(3) راجع مجمع الفائدة 8: 389.

15

يتبع في الفسخ يتبع في الالتزام و لا معنى للتفكيك، فلا يجري الخيار فيها على كلّ من الوجهين.

و يجري في القبالة و التولية و التشريك بناءً على أنّها من البيع.

أمّا المعاطاة فإن لم يكن بيعاً فلا كلام، و إن كانت منه كما هو الأقوى فلا يجري فيها خيار المجلس، لأنّها من العقود الجائزة.

نعم قد يقال بجريانه فيها بعد التصرّف الملزم لها.

و فيه: أنّ التصرّف مسقط للخيار فكيف يثبت الخيار به، مع أنّه بعد خروجها من دليل الخيار كيف تدخل فيه بعد ذلك.

اللّهمّ إلّا أن نقول بأنّ التصرّف المسقط للخيار هو المتعقّب له لا ما ثبت الخيار بسببه و هو بعيد سيّما على القول بإسقاطه الخيار لكشفه عن الرضا بالعقد.

و على تقديره فهل المدار في التفرّق على مجلس المعاطاة فيختصّ ما إذا وقع التصرّف فيه، أو مجلس التصرّف و إن افترقا عن الأوّل؟ وجهان.

أمّا مثل صيغة «ملّكت» عند الإطلاق إن بنينا على أنّ البيع أصل في نقل الأعيان كانت من البيع و جرى فيها خيار المجلس و لا يعارض ذلك أصل لزوم العقد، و إلّا فلا.

و حيث اعتبر فيه البيع لم يجز في باقي العقود من صلحٍ و غيره سواء قلنا بقيام الصلح مقام البيع أو لا، إذ الظاهر أنّ الشيخ لا يقول بأنّ ما كان من الصلح في مقام البيع قسم من البيع، بل يقول: هو صلح قائم مقام البيع (1) و فرق بين الأمرين.

و اعلم أنّ الشارح قال: «و يثبت للمتبايعين» (2) و ظاهر كلامه ثبوت هذا الخيار لكلّ من المتعاقدين مطلقاً كما يظهر من بعض كلماتهم، و ليس كذلك بل للمالكين و الوليّين و الملفّقين.

و أمّا الوكيلان و الملفّق من الوكيل و غيره فإن كانت الوكالة على العقد وحده، فلا خيار لهما بل للمالكين. و إن شملت وكالتهما الخيار كأن يوكّلا فيه بعد العقد في

____________

(1) راجع المبسوط 2: 288.

(2) الروضة البهيّة 3: 448.

16

المجلس أو قبل العقد بناءً على صحّة التوكيل فيما لا يملكه الموكّل حين العقد من التوابع كما هو الأقوى سواء حصل ذلك بمجرّد التوكيل في العقد لأنّه من التوابع أو مع النصّ عليه بالخصوص و تظهر الثمرة بالنسبة إلى الأوّل فيما إذا نصّ على العدم كان الخيار للوكيلين و الأصيلين فالوكيل على العقد فقط سبب مؤثر لا مختار.

و قد يقال بثبوت الخيار له حكماً شرعيّاً و إن لم يرض به المالك، لأنّ الموجود في أكثر الروايات «البيّعان» (1) و في بعضها «التاجران» (2).

و البيع إمّا نفس الإيجاب و القبول أو النقل و الانتقال، و على كلّ منهما فهو صادق عليه كما هو ظاهر.

بل يشكل ثبوت الخيار للمالك معه حينئذٍ بل و مع الوكيل المتصرّف، إذ ليس هو «بيع» بكلّ من المعنيين مع أنّ الظاهر من ضمير «ما لم يتفرّقا» العود إلى العاقد.

اللّهمّ إلّا أن نقول: إنّ الفرد الظاهر من «البيّع» إنّما هو مالك التصرّف أصالة أو ولاية أو وكالة كما تقضي به اللغة و العرف و الوكيل على نفس الصيغة من الأفراد النادرة، أو أنّ الظاهر منه خصوص المالك عاقداً كان أو لا و الوكيل و الوليّ إنّما يعلم من خارج من دليل الوكالة و الولاية، أو يختصّ به المالك العاقد بناءً على أنّه الغالب فقط و يعلم حكم المالك غير العاقد من خارج للقطع بإلغاء الخصوصيّة مع أنّ كونه عاقداً ليس من القيود المصرّح بها كما أنّه يعلم حكم العاقد غير المالك من خارج أيضاً.

و من هنا أشكل الحكم في أنّ المعتبر في التفرّق تفرّق الوكيلين أو المالكين أو الجميع أو كلّ بالنظر إلى خيار نفسه لا خيار الآخر.

و الظاهر أنّ المدار على تفرّق العاقدين أصيلين أو وليّين أو وكيلين أو مختلفين، فلو عقد الوكيل بحضرة الأصيل فلا اعتبار بالأصيل بل المدار على الوكيل.

____________

(1) الوسائل 12: 345، 346، 349 ب 1، 3 من أبواب الخيار، ح 1- 3، 6.

(2) الوسائل: 346 ب 1 من أبواب الخيار، ح 6.

17

و لا ينافي ذلك ما تقدّم من ثبوت الخيار للأصيل و الوكيل و دخول الأصيل تحت مدلول الرواية.

و مع ذلك لا يلزم التخالف بين الضمير و مرجعه فيها، لوجود القرينة الدالّة على مرجع الضمير في قوله: «ما لم يفترقا» إلى العاقدين و هي ذكر طروّ الافتراق المقتضي لسبق الاجتماع للعقد و هو بعيد، أو باعتبار الاحتمال الأخير و هو أنّ المراد بالبيّعين المالكين العاقدين لأنّه الغالب و العاقد غير المالك و المالك غير العاقد يعلم من خارج بالنظر إلى الخيار و مسقطه، و هو غير بعيد و يرشد إلى ذلك التعبير في بعض الروايات بالتاجرين (1).

[و يسقط بأمور]

[باشتراط سقوطه في العقد]

قال المصنّف: «و يسقط باشتراط سقوطه في العقد»

للأصل و الإجماع (2) و عموم الكتاب (3) و الصحيح الوارد في الشروط (4). و الخبر الصريح (5) و عليه يحمل الآخر «البيّعان بالخيار إلّا بيع الخيار» (6) أو على خيار الشرط فإنّه باقٍ و إن تفرّقا.

و يؤيّده الاعتبار فإنّ الأغراض تتعلّق بلزوم العقد تارةً و بجوازه اخرى.

و بذلك كلّه يتقيّد إطلاق الأخبار المستفيضة و إن كان بينها و بين أدلّة الشروط عموم من وجه، و تترجّح هي بقلّة الأفراد، مع التأمّل في شمولها لمحلّ الفرض لمكان تبادر غيره عدا صحيحة الحلبي (7) فإنّ العموم فيها لغويّ.

و ثبوت الخيار مقتضى العقد المطلق لا العقد المشروط فيه إسقاطه، فلا منافاة فيه لمقتضى العقد، و إلّا لاستلزم عدم صحّة شيء من الشروط في شيء من العقود.

و جواز هذا العقد من الآثار الشرعيّة الخارجة عن مقتضى ذات العقد، فليس

____________

(1) الوسائل 12: 347، ب 1 من أبواب الخيار، ح 6.

(2) الغنية: 217.

(3) المائدة: 1.

(4) الوسائل 15: 30، ب 20 من أبواب المهور، ح 4.

(5) الوسائل 16: 95، ب 11 من أبواب المكاتبة، ح 1.

(6) مسند أحمد: ج 2 ص 4.

(7) الوسائل 12: 346، ب 1 من أبواب الخيار، ح 4.

18

اشتراط سقوطه كاشتراط اللزوم في العقود الجائزة من الهبة و العارية و الوديعة و إن كان كلّ منهما إسقاط للتسلّط على الفسخ.

مع أنّه يمكن القول به كما سيأتي، إلّا أن يقوم إجماع على خلافه.

و لا يفترق الحال في صحّة هذا الشرط بين القول بأنّ الشروط مثبتة للغايات كالأسباب فيكون على وفق القاعدة و عدمه، لقيام الدليل عليه بالخصوص.

و الظاهر أنّ المدار فيها على المقارن، فلو تقدّم أو تأخّر لم يلزم، خلافاً لظاهر الخلاف و الجواهر في الأوّل (1) و هو شاذّ، لإطباقهم على خلافه، و لإطلاق النصّ المثبت للخيار، إلّا أن نقول: إنّه بحكم التبادر مختصّ بغير محلّ الفرض. و فيه: أنّ فيه ما عمومه لغويّ.

ثمّ إنّ النصوص المستفيضة الواردة في باب النكاح الدالّة على عدم اعتبار الشروط قبله (2) شاملة للمقام عموماً أو فحوىً. و تنزيله على ما وقع قبل تمام العقد أو على الشرط المضمر المدلول عليه بالقرينة ممكن. و الحقّ اعتباره كما تقدّم في باب المرابحة. و لا ينافي ذلك إطلاق الروايات بعدم اعتبار الشروط المتقدّمة في باب النكاح (3) لأنّ هذا من المقارن، و السابق دليل عليه.

و لعلّه أراد هذا بقوله في المختلف: أنّهما لو شرطاه قبل العقد و تبايعا على ذلك صحّ ما شرطاه (4).

و لظاهر المختلف في الثاني (5) لعدم الدخول تحت دليل الشرط. و لعلّه أراد بالمتأخّر في مقابلة الواقع في الأثناء أو باعتبار دلالته على الرضا يكون مسقطاً للخيار و مُلزماً للعقد.

ثمّ إنّ شرط سقوط خيار المجلس قد يكون لتمامه، و قد يكون للبعض لمبدئه أو لآخره أو لوسطه مع ضبط المدّة، كما إذا علما أنّهما يمكثان في المكان زماناً

____________

(1) الخلاف 3: 21 المسألة 28، جواهر الفقه: 54، المسألة 195.

(2) الوسائل 14: 468، ب 19 من أبواب المتعة ح 1 و 2.

(3) المصدر السابق.

(4) المختلف 5: 63.

(5) عطف على قوله: خلافاً لظاهر الخلاف.

19

معيّناً. فقد يكون جواز بعد لزوم في المجلس. و قد يكون لزوم بعد جواز. و قد يكون جواز بين لزومين.

و يحتمل القول بعدم جواز مثل ذلك، بل إمّا أن يسقط الكلّ باشتراط سقوط البعض. أو يقع اشتراط سقوط البعض لاغياً لا باعتبار أنّه إسقاط للحقّ كَما في نفقة الزوجة بالنسبة إلى المستقبل فإنه ضعيف باعتبار تقدّم سبب ثبوته و هو العقد بل باعتبار أنّه حقّ بسيط لا يقبل التبعيض، و ليس كخيار الحيوان مغياً بالثلاثة أيّام. و جعل الغاية فيه التفرّق و إن استلزم الزمان. إلّا أنّه فيه اتّفاقي كالتراخي في الخيار المتراخي، فتأمّل.

و على هذين الوجهين يبتنى اشتراط سقوط خيار المجلس في بعض المبيع دون بعض، فإنّ الظاهر انّه التزام بالجميع أو يقع باطلًا، كيف لا! و الالتزام متفرّع على الفسخ و الفسخ لا يتبعض، لأنّه إذا التزم بالبعض فلا يخلو إمّا أن يصحّ له أن يفسخ بالبعض الآخر أو لا، فإن صحّ جاز التبعيض و إلّا فإمّا التزام بالكلّ أو فسخ في الكلّ فلا التزام بالبعض.

و ما يقال: من أنّ الإيجاب إسقاط حقّ و لصاحب الحقّ أن يسقط حقّه كيف شاء و الناس مسلّطون على أموالهم، لا وجه له إذ لا بحث في أنّ له الإسقاط كيف شاء لأصل الإباحة.

و إنّما الكلام في ترتّب السقوط الشرعي على إسقاطه، و هو ممنوع كما عرفت.

[و باسقاطه بعده]

قال المصنّف: «و باسقاطه بعده»

منهما أو من أحدهما، للإجماع المنقول عن الغنية و التذكرة و ظاهر الخلاف (1). و هو الحجّة المقيّدة للأصل و لإطلاق ما مرَّ من المستفيضة المثبتة للخيار في المسألة. مضافاً إلى مفهوم بعض المعتبرة الواردة في خيار الحيوان، و فيه: فإن أحدث المشتري حدثاً قبل الثلاثة فذلك رضىً منه و لا شرط له (2).

____________

(1) الغنية: 217، التذكرة 1: 517 س 19، الخلاف 3: 21، المسألة 27.

(2) الوسائل 12: 35 ب 4 من أبواب الخيار، ح 1.

20

و لانحصار الحقّ فيهما فيسقط بإسقاطهما.

و لأنّ فسخ اللازم بالتقايل يقتضي لزوم الجائز بالتخاير.

و لأنّه سقط بالافتراق لدلالته على الرضا، و التخاير صريح في ذلك.

و يحصل التخاير بالإيجاب منهما و من أحدهما مع رضاء الآخر. و لو أمضاه أحدهما دون الآخر، فإن فسخ انفسخ البيع و إلّا اختصّ بالخيار.

و إنّما لم يتعرّض المصنّف لاشتراط الإسقاط بل اقتصر على شرط السقوط، لعدم حصول السقوط بمحض الاشتراط بل يتوقّف على الإسقاط، و مع عدمه يثبت خيار الاشتراط، فهو راجع إلى ما ذكر من الإسقاط.

و احتمال العطف على المضاف إليه، ينافيه إعادة حرف الجرّ، مع استلزامه ترك ذكر الإسقاط الّذي هو أولى بالذكر (1).

و على كلّ حال فشرط الإسقاط و السقوط قد يكون للبائع أو للمشتري أو لهما، أو للأجنبيّ مفرداً أو مع البائع أو المشتري أو معهما، في ذلك العقد أو في غيره، أو فيهما متّصل أو منفصل أو مختلف مع سبق الاتّصال و الانفصال، أو متّصل للبائع و منفصل للمشتري و ما عداه، أو متّصل للمشتري و منفصل فيما عداه، أو لهما كذلك، أو للأجنبيّ، أو للأجنبيّ مع أحدهما، أو معهما كذلك.

و الأقسام كثيرة و يجيء تحقيق الحال في خيار الشرط و شرط الخيار.

ثمّ إنّه لا ريب في سقوط الخيار بالمسقط اللفظي الصريح، لأنّ الخيار حقّ من الحقوق، فبإسقاطه يسقط.

و الظاهر أنّه من الإيقاعات لا من العقود، فلا يتوقّف على القبول بل هو كالإبراء.

و يسقط بالمسقط اللفظي الظاهر، و لا يشترط فيه ما يشترط في صيغ الإيقاعات من العربيّة و الإعراب و نحو ذلك.

و يتأدّى بالحقائق و المجازات و بكلّ لفظ يدلّ على ذلك، سواء كان بلفظ الإسقاط أو غيره كأوجبنا البيع أو اخترناه أو التزمنا به و نحو ذلك، لأنّه ليس

____________

(1) و لفظة «بعده» ظاهر في خلافه. (هامش الأصل).

21

كالعقود المبنيّ فيها على النقل و الانتقال.

و هذا مشكل، لمنافاته للأصل من عدم سقوط الحقّ إلّا بالمتيقّن، و ظاهرِ إجماع الأصحاب من اعتبار الصراحة و غيرها في الإيقاعات اللازمة كالطلاق و نحوه كما تعتبر في العقود.

اللّهمّ إلّا أن يكون المخرج لذلك بخصوصه الإجماع، أو باعتبار الاتّفاق على السقوط بالفعل صريحه و ظاهره في المقام و القول أولى منه، أو باعتبار التعليل بالرضا في الروايات الصحيحة.

هذا كلّه في المسقط القولي صريحه و ظاهره.

و أمّا المسقط الفعلي بقسميه فسيأتي البحث فيه (1).

و أمّا السقوط بمحض النيّة و القصد و إن كان في بعض الروايات (2) إشارة إليه مؤيّدةً بأنّ المدار على المدلول، و الدالّ إنّما يعتبر للدلالة، و حيث لا حاجة إلى الدلالة هنا للعلم بحال نفسه كان ذلك إسقاطاً، إلّا أنّ ظاهر الأصحاب و طريقة الشرع عدم اعتبار ذلك في مثله، كما لا يخفى على من تتبّع في نقل الحقوق و فكّها.

و لهذا انكر على الشيخ في إثباته النذر بمجرّد النيّة (3) و هو الموافق لمقتضى الأصل من ثبوت الحقّ. و التعليل بالرضا في الروايات (4) إمّا لبيان الحكمة أو علّة مقيّدة بالإجماع، فافهم.

[و بمفارقة أحدهما صاحبه]

قال المصنّف: «و بمفارقة أحدهما صاحبه» (5)

و لو بالأرواح فلو ماتا أو أحدهما حصل التفرّق، كما احتمله في القواعد

____________

(1) و يمكن إدخاله في كلام المصنّف فيكون التصرّف مذكوراً في كلامه، و لكنّه خلاف الظاهر كما فهم الشارح. (هامش الأصل).

(2) الوسائل 12: 347، ب 2 من أبواب الخيار.

(3) المسالك 11: 397.

(4) الوسائل 12: 346، ب 1 من أبواب الخيار، ح 3.

(5) القواعد 2: 65، التذكرة 1: 517 س 39.

22

و التذكرة و مال إليه في مجمع البرهان (1) و استقربه في تعليق الإرشاد (2) لأنّ مفارقة الدنيا أولى من مفارقة المجلس، و باعتبار أنّ ظاهر الروايات البيّعان بالخيار مع الحياة، لعود ضمير التفرّق إليهما فمع الممات يسقط الخيار تبعاً لمتعلّقه أو بخصوص الأبدان، فلا عبرة بالافتراق بالموت أو بالإدراك لعروض جنون أو نوم أو إغماء أو بالكلام أو بغير ذلك كما في جامع المقاصد و المسالك (3) و هو الظاهر من كلام الأصحاب باعتبار أنّ المتبادر من التفرّق التباعد في المكان، و هو ظاهر في الجسم لا في الروح، مع أنّ الروح لا يعلم مُفارقتها للمجلس فيستصحب الحكم. و يستفاد من بعض الروايات بقاؤها مع الميّت (4) فالأولويّة ممنوعة.

و ثبوت الخيار للوارث باستصحاب جواز العقد و بقوله (عليه السلام): «من ترك حقّاً فهو لوارثه» (5) المؤيّد بالشهرة المحصّلة و المنقولة و بإجماع الغنية (6) في خصوص المقام بلفظه و بلفظ «عندنا» في التذكرة (7) في مطلق الخيار و بلفظ «نفي الخلاف» في الرياض (8). مضافاً إلى عمومات الإرث (9) فدعوى التقييد بالحياة ممنوعة.

ثمّ إنّ الوارث إن كان حاضراً قام مقام الميّت في الخيار. و هل يقوم مقامه في اعتبار التفرّق؟ باعتبار أنّ مفارقة الميّت للمجلس كمفارقة المكره الممنوع من الاختيار و كما انتقل هناك إلى مجلس الزوال للزوم الضرر ببقاء الخيار دائماً ينتقل هاهنا إلى مجلس الوارث و الأصل و فرعه ممنوعان، و هو قياس لا نقول به أو يبقى الحكم معلّقاً على الميّت و الآخر أو الميّتين؟ أو يقال ببقاء الخيار دائماً من غير سقوط بالتفرّق كالعاقد الواحد على أحد الوجهين؟ أو بالنسبة إلى الميّت و أمّا الآخر فيدور مدار ذهابه من المجلس كأحد الوجوه في المكره؟ أو بثبوته فوراً؟ وجوه، أقواها الثاني عملًا بالاستصحاب.

____________

(1) مجمع الفائدة 8: 385.

(2) تعليق الإرشاد (مخطوط): الورقة 133.

(3) جامع المقاصد 4: 287، المسالك 3: 215.

(4) بحار الأنوار 6: 161.

(5) موسوعة أطراف الحديث النبوي 8: 185.

(6) الغنية: 221.

(7) التذكرة 1: 536 س 39.

(8) الرياض 8: 202.

(9) النساء: 7، 11، 176.

23

و التفرّق هنا يصدق بانتقال الحيّ و بنقل الميّت مع عدم المصاحبة، و معها يبقى إلى أن يتفرّقا.

و إن كان غائباً قام فيه الاحتمال الأوّل و إن بعد ما بينهما و لم يعلم أحدهما بمكان صاحبه، أو السقوط بناءً على هذا الاحتمال لانتفاء المتعلّق، و هو عدم تفرّق المتبايعين. و تجري فيه باقي الاحتمالات. و يزيد خامساً، و هو امتداده بامتداد مجلس الخبر، لتعذّر مجلس العقد، و دوام الخيار ضرر فينتقل إلى البدل كما في مجلس الزوال في المكره، و الأقوى فيه ما قوّيناه في سابقه، و مجلس الخبر لا دليل عليه، فالقول به تحكّم.

هذا كلّه مع اتّحاد الوارث، فلو تعدّد فكذلك، إلّا أنّ ثبوت الخيار لكلّ واحد في مجلسه إذا كان غائباً بعيد.

و لو اختلفا في الفسخ و الإجازة قدّم الفاسخ. و في انفساخ الجميع أو في حصّة خاصّة ثمّ يتخيّر الآخر لتبعيض الصفقة وجهان، أجودهما الأوّل، و سيجيء البحث في المقامين.

و في الدروس: فإن كانوا حضوراً أي الورّاث في مجلس العقد فلهم الخيار إلّا أن يفارقوا العاقد الآخر. و لا ينقطع الخيار بمفارقة بعضهم، لأنّه لم يحصل تمام الافتراق، لأنّهم ينوبون عن الميّت جميعهم (1) انتهى.

ثمّ انّه بناء على ثبوت الخيار للوكيل على نفس الصيغة و انتقال الخيار بالإرث فهل ينتقل بعد الموت إلى ورثة الوكيل أو إلى الموكّل؟ وجهان.

و فيما إذا عزل الوكيل أيضاً يجيء الوجهان في بقاء الخيار له أو انتقاله إلى الموكّل.

و حيث كان البناء على تفرّق الأبدان يجيء الإشكال فيما لو ذهب بعض

____________

(1) لم نعثر عليه في نسخ الدروس، و العبارة بعينها وردت في مفتاح الكرامة 4: 550، و لعلّ المؤلّف (قدس سره) راجعه و رأى في سطرٍ قبله «الشهيد في الدروس» و حسب أنّ العبارة من الدروس.

24

الميّت دون البعض، فقد يفصل بين الجزء الّذي يبقى الحياة معه و غيرها و بين ما يتحقّق صدق الاسم بدونه و ما لا يتحقّق.

و مثل ذلك يجري في نيّة الإقامة و الوطن ممّن قطع أو ظنّ بالقتل.

و الظاهر أنّ المجلس تابع للعقد، فإذا تناديا بالبيع من مكان بعيد فالمجلس ما بينهما، و إذا تباعدا فوق ذلك تفرّق المجلس، و إذا تقاربا لم يتفرّق كما في التذكرة و الدروس و كنز الفوائد (1) لعموم النصّ. و دعوى: عدم شموله لهذا الفرد، ممنوع.

و أسقطه بعض العامّة لمقارنة المسقط (2) و لا ريب في سقوطه.

ثمّ إنّ إسقاط التفرّق للخيار هل هو حكم تعبّدي للدليل و إن علم منه عدم الرضا بالسقوط، أو لدلالته على الرضا ظاهراً كما صرّحت به الصحيحة (3) فهو مسقط حتّى مع الشكّ ما لم يعلم عدم الرضا، أو لا يسقط حتّى يعلم منه الرضا فمع الشكّ لا يحكم بالسقوط؟ وجوه، أقواها الأوّل كما هو ظاهر الأصحاب (4) حملًا لما في الرواية على بيان الحكم لا العلّة، و أضعفها الأخير.

و لو كان البائع جماعة و المشتري واحد أو بالعكس أو كان الطرفان و أجزنا اشتراك العاقدين في العقد الواحد كأن يقول أحد الوكلاء: بعتك يا زيد، و يقول الآخر: و يا عمرو و هكذا، أو يقول أحدهم: بعتك الدرهم، و الآخر الدينار، فيقول المشتري: قبلت و مثله تعدّد الوارث بناءً على أنّ المدار على تفرّقه فهل يحصل التفرّق بالبعض أو بالكلّ أو كالتفرّق في باب الجماعة يناط بالصدق العرفي أو يعطى كلّ حكمه؟ وجوه، أضعفها الأخير، لعدم جواز التبعّض في الالتزام و الفسخ و مدرك الأوّلين صدق التفرّق و عدمه و لعلّ الأقوى الثاني، استصحاباً لبقاء الخيار، و هو الظاهر من النصّ.

____________

(1) التذكرة 1: 517 س 36، الدروس 3: 267، و لم نجده في كنز الفوائد.

(2) المجموع 9: 181.

(3) الوسائل 12: 346، ب 1 من أبواب الخيار ح 3.

(4) للإجماع على أنّهما لو افترقا مختارين مع عدم رضا هما باللزوم يسقط خيارها. (هامش الأصل).

25

و لو باع الوكلاء عن شخص دفعة بقي الخيار ببقاء واحد منهم، و المدار على مجلس التمليك أو مجلس العقد؟ احتمالان، أقواهما الأخير.

و يختلف الحكم في مسألة إجازة الفضولي إذا جُعلت ناقلة و قد اختلف مجلس التمليك عن مجلس العقد في أنّ بناء الصحّة على مجلس العقد بالعود إليه أو مجلس الإجازة أو البطلان مطلقاً؟ وجوه، أقواها الأخير.

و اعتبار المجلس هنا و في الصرف و السلم من مقولة واحدة على الأقوى، لاقتضاء الدليل ذلك.

و المدار في الكلّ على اسم عدم التفرّق، فالماشيان و الراكبان و الجالسان و النائمان سواء، و إذا ذهبا مجتمعين كان المجلس باقياً.

لكن يبقى الكلام في مسألة النذر و اليمين و العهد هل يجري فيه؟ الظاهر لا، إلّا مع القرينة الدالّة على التعميم، إذ هو من الحقيقة العرفيّة الخاصّة أو المجاز المشهور لا العرفيّة العامّة و لا الشرعيّة.

ثمّ إنّ سقوط خيار المجلس بالافتراق مجمع عليه بين الأصحاب إجماعاً محصّلًا و منقولًا، سواء تفارقا فيه أو فارقاه غير مصطحبين أو فارقه أحدهما دون الآخر عالمين أو جاهلين أو مختلفين، لعموم النصّ.

إنّما الكلام فيما به يحصل الافتراق، فهل المدار على الحِكَمي و هو عبارة عن كون الشيئين بحيث يتخلّلهما ثالث أو اللغوي و هو أوسع دائرة منه، أو العرفي و هو أوسع دائرة منهما بناءً على أنّه غير التحديد بالخطوة فما زاد أو التحديد بالخطوة فما زاد؟ و على الأخير فهل يراد بالخطوة المتعارفة أو يراعى في كلّ خطوة؟ وجوه، و لا ريب أنّه لا يراد الأوّلان، و إلّا لم يثبت خيار غالباً و لم يصحّ صرف و لا سلم خصوصاً من الماشيين، و قوله (عليه السلام): «و إن نزا حائطاً فانز معه» (1) ينفيه. و دعوى صدق الاتّحاد بينهما فقط أو بينهما و بين المعنى العرفي لأصالة عدم النقل، لا يخلو من وجه.

____________

(1) الوسائل 12: 459 ب 2 من أبواب الصرف، ح 8.

26

و الظاهر إرادة المعنى العرفي، لأنّ الافتراق لا تحديد له في الشرع فيكتفى فيه بالمسمّى عرفاً.

و ذكر الخطوة في كلام الأصحاب ليس لبيان التحديد الشرعي و إنّما هي مثال و العبرة بمسمّى الانتقال بحيث يزيد ما بينهما من البعد عمّا كان حال العقد و لو كان بأقل منها كما صرّح جماعة (1) أو للكشف عن العرف و هم أعرف بمداليل الألفاظ، بمعنى أنّ العرف لا يصدق بما دونها (2). و هو غير بعيد كما صرّح به أيضاً جماعة من الأصحاب (3) و ربّما ادّعي أنّ الإجماع منقول عليه (4).

و لا ينافي ذلك الصحيح المتضمّن لحصوله في الخطى (5) فإنّه لا يأبى حصوله بما دونها.

و توقّف في الخطوة بعض المتأخّرين، لعدم ظهور الصدق بها عرفاً، و المتبادر من الافتراق الافتراق المعتدّ به (6).

و يردّه عدم صحّة السلب في مقام التحقيق و إن جاز توسّعاً تنزيلًا للقليل منزلة المعدوم. أ لا ترى أنّه يقال: لا تفارقه و لو خطوة، تنبيهاً على الفرد الأخفى و إنّ الشكّ كاف في المطلوب، فإنّ الأصل عدم النقل.

و ينبّه عليه حديث الخطوة حيث إنّ «الخُطى» جمع خطوة و أقلّه ثلاث، و عدم صدق التفرّق بها عرفاً ظاهرٌ، فلا يترتّب عليها الحكم كما لا يترتّب على الواحدة و هم لا يقولون به. و الصحيح المنطوي على التعليل بالرضا. و الأصحاب قطعوا بالخطوة فلا يتخطى ما قالوه.

و المراد بالخطوة الخطوة المتعارفة، إذ هي الّتي ينصرف إليها الإطلاق.

____________

(1) التحرير 1: 165 س 29، المسالك 3: 196، جامع المقاصد 4: 284.

(2) أي ما دون الخطوة.

(3) الخلاف 3: 21 المسألة 26، المبسوط 2: 82، السرائر 2: 246.

(4) مفتاح الكرامة 4: 543 س 10.

(5) الوسائل 12: 347، ب 2 من أبواب الخيار، ح 2.

(6) الرياض 8: 180.

27

ثمّ اعلم أنّ المراد بالافتراق في الروايات و كلمات الأصحاب الافتراق الطارئ بعد العقد، و إلّا لخصّ الحكم خصوص المتماسّين، و هو باطل.

ثمّ إنّ المراد بالتفرّق تفرّق تمام البدن لا أبعاضه، فلو تبايعا مضطجعين أو مستلقيين و أقدامهما متلاصقة ثمّ قبض كلّ رجليه فحصلت فرجة عظيمة مع بقاء رأسيهما على حالهما فالخيار باقٍ.

و لو قرب أحدهما من صاحبه بمقدار بعد الآخر فقدر المساحة باقٍ، فهل يعدّ تفرّقاً؟ إشكال، و الأظهر ذلك.

و لو تفرّقا بعد الدخول في العقد ثمّ رجعا قبل إتمامه، حكم بعدم التفرّق على إشكال.

و لو كان وكيلًا في الايجاب و القبول و بعد إيقاع الايجاب تولّى المالك القبول حصل به و بالمالك.

و لو كانت بينهما فاصلة وقت العقد فخرج كلاهما عن الحدّين أو أحدهما عن الحدّ على وجه البعد لا الدنوّ لأنّ التداني تقارب بينهما لا تفارق حصل التفرّق.

و لو استطال مكان العقد لحصوله حال العدو فعاد أحدهما بعد التمام إلى بعض المسافة دون الآخر، حصل الافتراق.

و لو تكثّرت الخطىٰ على وجه الاستدارة، فلا افتراق. و التفرّق في جهة العلوّ و الهبوط كالتفرّق من الجهات الأربع.

و لو تعذّر الافتراق لوحدة العاقد عن اثنين هو أحدهما أو غيرهما وكالة أو ولاية أو بالتفريق أو لكونهما مجتمعين على حقو واحد، ففيه وجوه، بل أقوال:

فذهب الشيخ و القاضي و الفاضلان و الشهيدان و المحقّق الكركي و الصميري (1) إلى ثبوت الخيار، للإجماع على ثبوته في كل بيع كما في الغنية (2) و لأنّ المقتضى له

____________

(1) المبسوط 2: 78، المهذّب 1: 353، الشرائع 2: 22، القواعد 2: 65، الدروس 3: 265، المسالك 3: 197، جامع المقاصد 4: 285، غاية المرام 2: 34.

(2) الغنية: 220.

28

في المتعدّد و هو البيع قد وجد في الواحد فيلحق به تنقيحاً لمناط الحكم. و لا أثر للتعدّد في الخيار و إن ورد النصّ به، لوروده مورد الغالب، مع قصد التنصيص به على الاشتراك و التوطئة لذكر التفرّق. و لو أثّر فيه لأثّر في غيره ممّا ابتني عليه، فيسقط مع الاتّحاد أكثر الأحكام. و لأنّ الظاهر من تعليق الخيار بالبيّع في قوله (عليه السلام): «البيّعان بالخيار (1)» ثبوته لهما من حيث هما بيّعان.

و يرجع بعد إسقاط الاثنينيّة من الحيثيّة لكون التثنية في قوّة التكرار بالعطف إلى ثبوته للبائع من حيث هو كذلك و المشتري من حيث هو كذلك. و العاقد الواحد بائع و مشترٍ فثبت له الخيار بالاعتبارين.

و لا ينافي ذلك قوله: «ما لم يفترقا» إذ النفي حقيقة في السلب المطلق لا في عدم الملكة عمّا من شأنه ذلك. و لا فرق فيه بين المتعدّد و الواحد.

و قد يتمسّك بعموم النصّ أخذاً بحقيقة النفي و حملًا للتثنية على عموم المجاز كما ينبّه عليه سوق النصوص و الاقتران بخيار الحيوان في أكثرها، و العموم فيه معلوم بالخصوص (2).

و في الصحيح: ما الشرط في الحيوان؟ فقال: ثلاثة أيّام للمشتري. قلت: و ما الشرط في غير الحيوان؟ قال: البيّعان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما (3).

و هذا الحديث يفصح عن المطلوب فإنّه مع تضمّنه لما ذكر عمّ المتحد سؤالًا فيعمّه جواباً و تعليلًا ينشأ من التنبيه على علّة السقوط بالافتراق فيعمّه حكماً.

و حكى العلّامة في التذكرة و التحرير قولًا بلزوم البيع و مال إليه الأردبيلي و صاحب الكفاية و صاحب الحدائق (4) تمسّكاً بالأصل، و لزوم الضرر ببقاء الخيار

____________

(1) الوسائل 12: 345، 346، 349 ب 1، 3 من أبواب الخيار، ح 1 3، 6.

(2) ذكره السيّد بحر العلوم أيضاً بلفظ «قد يتمسّك» مصابيح الأحكام (مخطوط): الورقة 245.

(3) الوسائل 12: 346، ب 1 من أبواب الخيار، ح 3.

(4) التذكرة 1: 516 س 1، التحرير 1: 165 س 33، مجمع الفائدة 8: 389، الكفاية: 91 س 24، الحدائق 19: 13.

29

الغير المغيّا بغاية، و ظهور الأخبار في التعدّد. فإنّ تثنية البيّعين ظاهراً تقضي بالتعدّد الحقيقي و كذا تثنية ضمير «يفترقا» و مادّة التفرّق.

ثمّ الّذي في صحيحة ابن مسلم «حتّى يفترقا» (1) (عليه السلام) و ظهور «حتّى» في التعدّد الحقيقي لا يخفى.

و في صحيح الفضيل: ما لم يفترقا فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما (2) و فيها ظهور من عدّة وجوه.

و في صحيحة الحلبي: أيّما رجل اشترى من رجل بيعاً فهما بالخيار حتّى يفترقا فإذا افترقا وجب البيع (3).

و في صحيحة ابن مسلم: المتبايعان بالخيار ثلاثة أيّام، و فيما سوى ذلك من بيع حتّى يفترقا (4).

و أحاديث قيام الباقر (عليه السلام) عن مجلسه حين اشترى من غيره (5) لا يدلّ إلّا على التعدّد. و لا أقلّ من أنّ الإطلاقات في الأخبار تحمل على الأفراد الشائعة و هي المتبادرة عند الإطلاق.

و كيف كان فظاهر الأدلّة مقصور على التعدّد الحقيقي، و الإجماع لم يثبت، و إجماع الغنية (6) مع ضعفه في نفسه مساق للعموم لأفراد البيع كالسلم و النسيئة و نحوها (7) لا إلى نحو ما ذكر، فإنّه من الأفراد النادرة الّتي يخرج من العموم فضلًا عن الإطلاق، ككلام العلّامة في التذكرة حيث قال: و يثبت في جميع أقسام البيع كالسلم و النسيئة و المرئيّ و الموصوف و التولية و المرابحة (8) و نحوه كلام غيره.

و تنقيح المناط ممنوع، مع أنّه ربّما كانت الحكمة كثرة دوران المتعدّد دون

____________

(1) الوسائل 12: 345 ب 1 من أبواب الخيار، ح 1.

(2) الوسائل 12: 346 ب 1 من أبواب الخيار، ح 3.

(3) الوسائل 12: 348 ب 2 من أبواب الخيار، ح 4.

(4) الوسائل 12: 349 ب 3 من أبواب الخيار، ح 3.

(5) الوسائل 12: 347، 348 ب 2 من أبواب الخيار، ح 1- 4.

(6) الغنية: 220.

(7) كذا في الأصل أيضاً، و الظاهر: نحوهما.

(8) التذكرة 1: 515 السطر ما قبل الأخير.

30

غيره. فناسب الإرفاق بالخيار فيه، و تأثير الاتّحاد في سقوط هذا الخيار لا يقتضي تأثيره في سقوط باقي الأحكام، لوجود الدليل العامّ فيها دون هذا المقام.

و ظهور الحيثيّة لو سلّم لا يقوى على ظهور التعدّد. و النفي في «ما لم يفترقا» و إن كان حقيقة في السلب المطلق إلّا أنّ المتبادر من هذه العبارة بالنظر إلى صدر الخبر هو توجّه النفي إلى القيد خاصّة دون المقيّد. و هم قد صرّحوا في محاوراتهم في هذا المبحث بأنّ معناها أنّ المتبايعين بالخيار ما لم يفارق أحدهما الآخر، و يحصل البعد بينهما بما يزيد على وقت العقد.

فالمنفيّ إنّما هو الافتراق دون من ترتّب عليه الافتراق و هما البيّعان. و مبنى الكلام السابق إنّما يتمّ على رجوع النفي إلى القيد و المقيّد، و هو خلاف ظاهر الخبر.

و لا ريب أنّه لو دار الأمر بين التجوّز بصدر الخبر و هو «المتبايعان» أو عجزه و هو «ما لم يفترقا» مع أنّه ليس من المجاز بل من إرادة غير الظاهر من أفراد الحقيقة كان الأولى الثاني و لا أقلّ من الشكّ و الأصل العدم، فلا وجه لما في المسالك: من أنّ المفهوم من قوله «ما لم يفترقا» إرادة السلب لا عدم الملكة أي عدم الافتراق عمّا من شأنه الافتراق، أو محتمل فيثبت الخيار بمقتضى صدر الحديث و يحصل الشكّ في المسقط فيستصحب إلى أن يثبت المزيل (1) إلّا أن يدّعى التأييد بفهم المشهور و هم أعرف بمواقع الألفاظ.

و لهذا كلّه توقّف في جامع المقاصد و ظاهر التحرير و الإيضاح و التنقيح (2) و حواشي الشهيد.

ثمّ إنّه بناءً على ثبوت الخيار هل يسقط بانتقال العاقد عن مجلسه تنزيلًا له منزلة التفرّق أو لا؟ وجهان، بل قولان:

حكى أوّلهما الشيخ في المبسوط عن بعضهم (3) و قال به الصيمري (4) و احتمله

____________

(1) المسالك 3: 198.

(2) جامع المقاصد 4: 287، التحرير 1: 165 س 34، الإيضاح 1: 481، التنقيح الرائع 2: 44.

(3) المبسوط 2: 78.

(4) غاية المرام: 2: 35.

31

العلّامة في المختلف (1) و ولده في الإيضاح (2) نظراً إلى أنّ خيار المجلس يسقط بمفارقته من غير اصطحاب، و لا مصاحبة بين الشخص و نفسه.

و ضعّف باستحالة افتراقهما و المسقط هو الافتراق. و قد ينتصر له: بلزوم الضرر لو دام الخيار، و بلزوم مخالفة الفرع الّذي هو العاقد الواحد للأصل الّذي هو المتعاقدين و قد حمل عليه تنقيحاً لمناط الحكم و قد كان الخيار في الأصل يزول بشيءٍ معلوم فينبغي أن يكون في الفرع مثله و إلّا لخالفه و بإطلاق ما دلّ على جواز بيع الوكيل ماله من موكّله و مال موكّله من نفسه، و لو دام الخيار مع الاتّحاد وجب التفصيل في الأخبار الدالّة على ذلك بأن يفرّق فيها بين شراء الوكيل لنفسه فيلزم البيع بالاختيار و بين شرائه لغيره فيقف اللزوم على الافتراق، لأنّ الوكيل يتوخّى مصلحة الموكّل و لا مصلحة له في دوام الخيار في الأوّل كما انّها موجودة في الثاني. لكنّ هذا التفصيل لم يقل به أحد.

و ذهب إلى الثاني العلّامة في التذكرة و الشهيد الثاني في المسالك و العليّان في التعليقات الكركيّة و الميسيّة (3) و هو ظاهر الشيخ و القاضي و المحقّق (4) لفقد دليل التنزيل فيستصحب الخيار، و الضرر مندفع بالاشتراط و الفسخ، و المخالفة مقلوبة لأنّ زوال الخيار في الأصل بالتفرّق. فلو كان هاهنا بمفارقة المجلس تخالف الأصل و الفرع و تصرّف الوكيل منوط بالمصلحة مطلقاً فإن وجدت مع استمرار الخيار صحّ و إلّا بطل بهذا الاعتبار.

قوله: «فلو اكرها أو أحدهما عليه لم يسقط مع منعهما من التخاير» (5) صور المسألة أربعة (6)

____________

(1) المختلف 5: 64.

(2) الإيضاح 1: 481.

(3) التذكرة 1: 516 س 2، المسالك 3: 199، تعليق الإرشاد (مخطوط): الورقة 133 س 8، و لا يوجد لدينا التعليقات الميسيّة.

(4) المبسوط 2: 78، المهذّب 1: 353.

(5) الروضة البهيّة 3: 449.

(6) العبارة في المطبوعة هكذا: هذا كلّه مع عدم الإكراه، أمّا لو أُكرها أو أحدهما مع منعهما من التخاير ففي المسألة صور أربع.

32

الاولى: أن يكرها على التفرّق و على عدم الاختيار في الفسخ و إيجاب البيع.

الثانية: أن يكرها على التفرّق و لم يكرها على الاختيار مطلقاً لا فسخاً و لا إيجاباً.

الثالثة: أن يكرها على التفرّق و يكرها على الفسخ فقط.

الرابعة: أن يكرها على التفرّق و يكرها على الإيجاب فقط.

ففي الثانية يسقط الخيار، لتمكّنهما من الفسخ.

و في الثالثة لا يسقط، لعدم تمكّنه من الفسخ كالأُولى.

و في الرابعة يسقط، لتمكّنه من الفسخ، فتركه دليل الالتزام.

و الحاصل أنّ المدار على التمكّن من الفسخ و عدمه و يمكن ادخال الصورتين تحت كلام الشارح [حيث قال: و لو اكرها أو أحدهما عليه لم يسقط مع منعهما من التخاير (1)].

و على كلّ حال فدليل عدم سقوط الخيار في المقام الإجماع كما في الغنية و تعليق الشرائع (2). و لعلّه يخصّ الصورة الاولى فقط و استصحاب الخيار. و تبادر الاختيار. و لذا صحّ أن يقال: لم يفترقا و لكن فرّقا.

و يعضده التعليل بالرضا، و أنّ الخيار شرّع للإرفاق و لا رفق مع الإجبار.

فإن قلت: إنّ الافتراق في الروايات و في كلام الأصحاب إن اعتبر فيه العلم و القصد و الاختيار فافتراق النائم و الساهي و الناسي و المدهوش و السكران و المغمى عليه و المجنون و المجبور ليس بافتراق، فالتمكّن من الاختيار و عدمه سيّان، فبقاؤه من غير اختيار مع تمكّنه حتّى يرتفع و يكون المجلس حينئذٍ مجلس الارتفاع لا بأس به و إن دخل تحت الافتراق. و الحكم وضعيّ لا شرعيّ ينبغي أن يسقط الخيار بمجرّد حصوله بأيّ كيفيّة كان.

____________

(1) لم يرد في الأصل.

(2) كما في الغنية: 217، و حكاه السيّد بحر العلوم في المصابيح عنها و عن تعليق الشرائع، انظر مصابيح الأحكام (مخطوط): 245 س 22.

33

قلت: لنا أن نلتزم بالأوّل بدعوى أنّه المتبادر، و انّ من ذكر عدا المجبور قد ألحقه الإجماع بالمختار القاصد العالم، و يبقى المجبور على وفق القاعدة.

و عليه منع ظاهر، لعدم تحقّق الإجماع في ذلك، كيف! و في جامع المقاصد قد تأمّل في الحاق المدهوش بالمجنون (1). و لم ينصّ على حكم المسألة أحد من الأصحاب مع أنّه على هذا يكون غير المجبور أسوأ حالًا منه.

أو نلتزم بالثاني و نقول: إنّ المجبور فقط الممنوع من التخاير أخرجه الإجماع، و هو بعيد.

و الظاهر أنّ المنشأ الصدق العرفي في الفرق بين ما ذكر و بين المجبور، و أنّ النائم و الساهي و نحوهما ينسب إليهما فعل الافتراق عرفاً كالمختار القاصد، بخلاف المجبور، فإنّه لا يقال فيه: افترق، بل فرّق.

نعم يبقى الإشكال بالنسبة إلى المجبور في افتراقه الغير الممنوع من اختياره فمقتضى ذلك عدم السقوط فيه إلّا أن يكون الفارق الإجماع، و بناءً على أنّ المستند الإجماع يشكل، إلحاق الصورة الثالثة من الصور الأربع بالاولى، فتأمّل.

فإن قلت: بناءً على أنّ التفرّق المجبور عليه بحكم البقاء في المجلس ينبغي أن يكون البقاء في المجلس و عدم التفرّق المجبور عليه بحكم التفرّق، و تتصوّر فيه تلك الصور الأربع.

قلت: هو قياس مع الفارق، لوجود الدليل في الأوّل دون الثاني، مع أنّ الأصل الاستصحابي كما يثبت الأوّل ينفي الثاني، فتأمّل.

و الجبر على أحد الأمرين من البقاء في المجلس أو التفرّق في وجه خاصّ جبر على التفرّق على إشكال.

و لو اكره أحدهما على المفارقة فإن اكره الآخر على المقام يبقى الخياران، لكونهما مكرهين، و إلّا احتمل بقاؤهما، و انقطاعهما، و بقاء خيار المكره دون الباقي. و كذا لو حبس أحدهما ففارقه الآخر اختياراً.

____________

(1) جامع المقاصد 3: 289.

34

و مبنى الوجوه على أنّ شرط اللزوم تفرّقهما المستند إلى اختيارهما، أو اختيار أحدهما مطلقاً، أو في حقّ المختار خاصّة.

و مستند الأوّل و هو الأقوى أنّه المتبادر من النصّ، و المفهوم من التعليل بالرضا منهما في الصحيح، و يقتضيه الإجماع المنقول، و لأنّ الشكّ في المسقط يقتضي البقاء تمسّكاً بالأصل، و هو اختيار المبسوط و الغنية و التحرير و كنز الفوائد و الشارح هاهنا (1) و ظاهر الإرشاد و المسالك (2). و الثاني ظاهر الشرائع و الدروس و الإيضاح و محتمل القواعد (3). و الثالث محتملها الثاني، و هو ظاهر الخلاف و الجواهر و التذكرة في هذا الفرع (4) لكنّه ذكر في غيره ما ينافيه (5). و المتحصّل من كلامه بعد ردّ بعضه إلى بعض: سقوط الخيارين معاً، لحصول المفارقة باختيار أحدهما، و عدم توقّف الافتراق على تراضيهما، و مقتضى القاعدة السقوط بالتفرّق عدا ما استثني بالدليل، و الأصل لزوم العقد، و التعليل عليل. و ضعفه (6) معلوم ممّا سبق.

و لا يستفاد هذا من إطلاقات روايات مشي الباقر (عليه السلام) الخطى لإيجاب البيع (7) كما يتخيّل لأنّها منزّلة على الفرد الظاهر.

و قد يوجّه التفصيل بأنّ مفارقة المختار أمارة الالتزام بالعقد فيسقط خياره و إن بقي الآخر، كما لو تبعّض الاختيار فاختار أحدهما الإمضاء و سكت الآخر، فإنّ خيار الساكت باقٍ فقط. و ضعّف بمصاحبة المكره له شرعاً فينتفى الافتراق منهما كذلك، لأنّه لا يقبل التبعّض بخلاف الإيجاب.

و منه يعلم وجه عدم تأثير مفارقة المختار للمجلس ما دام الآخر مكرهاً، لأنّه

____________

(1) المبسوط 2:: 84، الغنية: 218، التحرير 1: 166 س 3، كنز الفوائد 1: 447، الروضة 3: 449.

(2) الإرشاد 1: 374، المسالك 3: 196.

(3) الشرائع 2: 21، الدروس 3: 266، الإيضاح 1: 483، القواعد 2: 65.

(4) الخلاف 3: 26 المسألة 35، جواهر الفقه: 55 المسألة 197، راجع التذكرة 1: 518 س 19.

(5) المصدر السابق س 23.

(6) الظاهر مرجع الضمير: كلام العلّامة (قدس سره).

(7) الوسائل 12: 347 348 ب 2 من أبواب الخيار ح 1- 3.

35

معه شرعاً، فلا يسقط الخياران و لا خيار المفارق فقط. خلافاً للعلّامة في التحرير (1). و وجّه الفرق بينه و بين الباقي في المجلس بمصاحبة المُكره له في الثاني دون الأوّل، فإنّه إنّما جبر بمفارقة المجلس و عدم الاختيار معها و قد أسقط حكمها الشارع فيكون كما لو كان في المجلس مختار فيهما.

و فيه نظر بل هو بمنزلة المجبور على البقاء الممنوع من الاختيار.

و في الإيضاح بنى المسألة على بقاء الأكوان و عدمه، و افتقار الباقي إلى المؤثّر و عدمه، و أنّ الافتراق ثبوتي أو عدميّ.

فعلى عدم بقاء الأكوان و احتياج الباقي يسقط، لأنّه فعل المفارقة.

و على القول بالبقاء و الاستغناء و ثبوت الافتراق لا يسقط خياره لأنّه لم يفعل شيئاً و إن قلنا بعدميّة الافتراق و العدم ليس بمعلّل فكذلك.

و إن قلنا: إنّه معلّل سقط أيضاً لأنّه علّته.

و أنت خبير بأنّ الأحكام الشرعيّة لا تبنى على التدقيقات الحكميّة.

و قد يتمشّى بعض وجوه هذه المسألة في الحيّ و الميّت. قوله: فإذا زال الإكراه.

فلهما الخيار في مجلس الزوال (2) إذا زال الإكراه فهل الخيار (3) على الفور أو على التراخي مطلقاً أو محدود بمجلس الزوال؟ وجوه.

فذهب العلّامة في أحد قوليه في التحرير و التذكرة إلى الأوّل (4) اقتصاراً فيما خالف أصل اللزوم على المتيقّن.

و ذهب الشيخ في المبسوط إلى الثالث (5) و إليه ذهب الشارح هنا (6) و مال إليه الميسي.

و فيه: أنّ المراد بالمجلس في هذا المقام مكان البيع لا مطلق المجلس

____________

(1) التحرير 1: 166 س 3.

(2) الروضة البهيّة 3: 449.

(3) العبارة في المطبوعة هكذا: و هل الخيار بعد زوال الإكراه من المتبايعين و رجوعه إليهما.

(4) التذكرة 1: 518 س 6، و أمّا التحرير فهذا نصَّه: و يثبت لهما الخيار في مجلس زوال الإكراه ما لم يفترقا. راجع ج 1 ص 166 س 2.

(5) المبسوط 2: 84.

(6) الروضة 3: 449.

36

فتحديده بهذا المجلس لا دليل عليه. فإمّا أن يجعل على الفور أو يجعل على التراخي غير محدّد بالمجلس المذكور، و الاستصحاب مقطوع لتغيّر الموضوع.

و قد يجاب عنه بأنّه لمّا لم يكن هذا الافتراق افتراقاً بحكم الشرع فالمجلس باقٍ إلى حين زوال الإكراه و هو مجلس العقد غير أنّه في صورة البُعد المفرط و عدم صدق الاجتماع هل المدار على مجلسهما بعد زوال الإكراه اختلف حالهما فيه في القيام و القعود و المشي و العدو و غير ذلك أم لا علم أحدهما بحال صاحبه أو لا، أو يبنى فيهما على مجلس المكره بعد زوال الإكراه، فإن فارقه و إن لم يعلم الآخر سقط خيارهما و إن لم يفارقه بقي الخياران قام الآخر من مجلسه أو لا، أو يبنى على مجلس العلم في غير المكره. و في المكره على مجلس زوال الإكراه، أو يبنى فيهما على مجلس العلم و صدق الاجتماع و يشترط مراقبة أحدهما لصاحبه؟ وجوه و احتمالات أو فقها بالقواعد الأوّل و أقربها إلى الاعتبار الأخير.

و ذهب بعض المحقّقين إلى الثاني، و استدلّ عليه بالأصل، و بأنّ خيار المجلس موضوع على التراخي و هذا منه أو بدل عنه (1). و الثاني لا يدلّ على مطلوبه.

و اقتصر في الدروس على حكاية قول الشيخ (2). و في المسالك على ذكرهما (3) وجهين (4). و ظاهرهما التوقّف.

و لو زال الإكراه عنه و هو سائر انقطع الخيار بمفارقة موضع التمكّن على أحد الوجهين كما لو فارق مجلس الزوال إلّا في طريق العود إن لم يؤدّ إلى البعد و لا يجب العود و إن قصرت المسافة و لا يتحرّى الأقصر. خلافاً لبعض العامّة في الأوّل (5) و لا عبرة به.

[و لو فسخ أحدهما و أجاز الآخر]

قال المصنّف: «و لو فسخ أحدهما و أجاز الآخر قدّم الفاسخ»

لأنّ الفسخ يمضي على الآخر بخلاف الالتزام فإنّه إنّما يجري على نفسه لأنّه

____________

(1) مفتاح الكرامة 4: 542.

(2) الدروس 3: 266.

(3) كذا في الأصل.

(4) المسالك 3: 196.

(5) نسبه العلّامة (قدس سره) إلى الجويني، راجع التذكرة 1: 518، س 19.

37

عبارة عن إسقاط حقّه من الخيار و لا ينافي ثبوت حقّ الثاني فيكون كما لو اختصّ الخيار بأحدهما، و لأنّ سلطان الفسخ بأصل العقد مع المجلس و الإسقاط جديد للشرط سواء كان شرط إسقاط أو شرط سقوط فإنّه و إن قارن السقوط العقد في الثاني إلّا أنّه متأخّر في الرتبة فإنّ الشرط متأخّر عن المشروط.

و على كلّ حالٍ فقد تقدّم ما ينافيه فلا يؤثّر، أو يكون التأثير للفسخ المتأخّر عنه، أو يكون حكماً تعبّديّاً مستنده الإجماع على الظاهر.

و تقرير السبب بأنّ الإسقاط أصل و الفسخ عارض، مقلوب على قائله.

و تنظّر صاحب الكفاية في تقديم الفاسخ (1) و هو في غير محلّه.

و لو كان الإسقاط و الفسخ من واحد كصدوره من وليّين عليه أو وكيلين مطلقين له دفعة واحدة، فأقوى الوجوه التساقط و يبقى على حاله.

و لو كان من المالك و الوكيل، قام فيه وجهان: الصحّة و يكون ذلك عزلًا للوكيل أو بحكمه، و البطلان. و لعلّ الأقوى الأوّل.

[و لو خيّره فسكت فخيارهما باقٍ]

قال المصنّف: «و لو خيّره فسكت فخيارهما باقٍ»

لو قال أحدهما لصاحبه: اختر، فلا يخلو فإمّا أن يقول: عنّي أو عنك أو عنّا أو يطلق، ثمّ إمّا أن يعيّن المختار إمّا الفسخ أو إسقاطه أو يطلق، ثمّ إمّا أن يسكت الآخر أو يجيب بأحد الأمرين من الفسخ أو الإمضاء أو يجيب بالعدم. فالصور ثمان و أربعون.

و الظاهر أنّه لو قال: اختر عنك، ليس من محلّ البحث في شيء. أمّا لو قال: عنّا أو عنّي، فالظاهر أنّ السكوت لا يفيد شيئاً في جميع الأقسام.

أمّا خيار المخيّر فباق إجماعاً و كذا خيار الآخر في صورة الإطلاق كما في المبسوط و الخلاف و الشرائع و المختلف و التحرير و القواعد و الإيضاح و الدروس و غاية المرام و تلخيص الخلاف و كنز الفوائد (2) و فتوى الشارح هنا و في

____________

(1) الكفاية: 93 س 2.

(2) المبسوط 2: 82 83، الخلاف 3: 21 المسألة 27، الشرائع 2: 21، المختلف 5: 62، التحرير 1: 165 س 31، القواعد 2: 65، الإيضاح 1: 481، الدروس 3: 266، غاية المرام 2: 34، تلخيص الخلاف 2: 12، كنز الفوائد 1: 445.

38

المسالك (1) للأصل، و إطلاق النصّ، و عدم دلالة التخيير على الالتزام.

و حكى الفاضلان في الشرائع و المختلف (2) قولًا بسقوط خيار القائل، لأنّه ملّك صاحبه ما ملكه من الخيار و الخيار حقّ من الحقوق يقبل التمليك بصلح و بغيره، و للخبر: المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر (3).

و التخيير لا يدلّ على التمليك. و الخبر عامّي و ظاهره سقوط الخيارين معاً، و هو خلاف الإجماع فيحمل على الامضاء.

و عزى المحقّق الكركي و الشهيد الثاني هذا القول إلى الشيخ (4) و هو غريب! لتصريحه بخلافه في المبسوط و الخلاف و حكاه عنه العلّامة و ولده (5) كذلك.

و على هذا القول فيما لو أجاب بالعدم فهل حكمه حكم السكوت و يكون التمليك قهريّاً و إن لم يرض به أو لا؟ وجهان، لعلّ الأقوى المساواة.

و قد يقال: إنّ معنى السكوت في كلامهم يعني بالنظر إلى الفسخ أو الإمضاء و إلّا فلا بدّ من القبول قولًا أو فعلًا و لا معنى للتمليك القهريّ، فلو سكت أو أجاب بالعدم لم يكن من المسألة.

و في التذكرة: يسقط خيار الآمر إن قصد تمليك الخيار (6) و إلّا فهو باقٍ و إن اختار صاحبه الإمضاء.

و الحقّ أنّ قول القائل: «اختر» يحتمل التمليك و التفويض و الاستكشاف. فإن قصد الأوّل سقط خياره.

و إن سكت الآخر أو الأخير لم يسقط و إن أمضى، و إن قصد التفويض سقط مع الإمضاء دون السكوت.

و الظاهر من التخيير التفويض، و لذا فرّقوا بين السكوت و الإمضاء.

و لا يتوجّه على المشهور انّكم تقولون فيما لو أذن أحد المتعاقدين للآخر في

____________

(1) الروضة 3: 449 490، المسالك 3: 197.

(2) الشرائع 2: 21، المختلف 5: 62.

(3) مسند أحمد 2: 73.

(4) جامع المقاصد 4: 285، المسالك 3: 197.

(5) المختلف 5: 62، الإيضاح 1: 480.

(6) التذكرة 1: 518 س 39.

39

التصرّف: سقط خيار الآذن و إن لم يتصرّف الآخر لأنّ ظاهر الإذن الالتزام بالعقد، و يلزمُكم مثلهُ في التفويض بأقسامه.

قلنا: فرق بين المقامين، لعدم وجود ذلك الظهور الّذي في الإذن في التفويض، فتأمّل.

هذا كلّه مع السكوت إذا لم يصرّح بالمتعلّق. و لو صرّح بالمتعلّق فإن قال: «اختر الإمضاء» فالحكم كما لو أطلق. و لو قال: «اختر الفسخ» فخيار الآمر باق و إن أمضى المخيّر. و ظاهر الدروس سقوطه (1) و هو بعيد.

أمّا مع الجواب، فإن كان بالإمضاء بطل الخياران سواء أطلق المخيّر أو قال: «اختر الإمضاء». أمّا لو قال: «اختر الفسخ» فلا، كما صرّح به الشيخ و ابن زهرة و العلّامة و الشهيد (2) و غيرهم. و في الغنية و ظاهر الخلاف الإجماع عليه (3).

و إن أجاب بالفسخ سواء أطلق المخيّر أو قال: «اختر الفسخ» انفسخ العقد.

أمّا لو قال: «اختر الإمضاء» فأجاب بالفسخ و قصد الفسخ بالحقّ المنتقل إليه لا الفسخ لحقّ نفسه، لم ينفسخ على إشكال.

و إن أجاب بالعدم فهو أولى بعدم التأثير من السكوت.

[تتميم:]

تتميم: ذكر جماعة من الأصحاب مسقطين آخرين لهذا الخيار غير ما ذكره المصنّف:

الأوّل: بيع من ينعتق على المشتري فإنّه لا خيار له فيه و لا للبائع، كما في التذكرة و القواعد و غاية المرام و كنز الفوائد و تعليق الإرشاد و المسالك (4) لدخوله في ملك المشتري بنفس العقد فينعتق بمجرّد الملك، و العتق لا يقع متزلزلًا، و الحرّ لا يعود رقّاً.

____________

(1) الدروس 3: 266.

(2) لم نجد التصريح ممّن ذكره، راجع الخلاف 3: 21 المسألة 27، الغنية 217، المختلف 5: 62، الدروس 3: 266.

(3) الغنية: 217، الخلاف 3: 21 المسألة 27.

(4) التذكرة 1: 516 س 5، القواعد 2: 65، غاية المرام 2: 43. تعليق الإرشاد (مخطوط) الورقة: 133، المسالك 3: 212.

40

و في الصحيح في من ينعتق من الرجال و النساء: إنّهم إذا ملكوا عتقوا، و إنّهنّ إذا ملكن عتقن (1).

و أكثر النصوص و كثير من العبارات نفي الملك، و حقيقة النفي و أقرب مجازاته ينفيان الخيار، لأنّ أقرب المجازات نفي الأحكام و الآثار، و أعظمها الخيار.

نعم يثبت على القول بانتقال المبيع بعده إذ لا مانع منه، و مدرك المسألة انّ بين دليلي العتق و الخيار عموماً من وجه، لأنّ ظاهر الروايات أنّ تقدّم الملك عقلي.

نعم لو قلنا بأنّه زماني لم يحصل التعارض إلّا بضميمة تلك القاعدة، و دليل العتق أقوى من وجوه:

أوّلًا: أنّ العتق عندهم مبنيّ على التغليب و يترجّح بأدنى مرجّح.

و ثانياً: أنّ أدلّته أنصّ على هذا المورد من أدلّة الخيار.

و ثالثاً: يظهر من الأردبيلي أنّه فهم من العلّامة في التذكرة عدم الخلاف فيه بين الأصحاب (2) و لا أقلّ من أنّه المشهور فيما بينهم، مع أنّه على تقدير تكافؤ الدليلين يرجع إلى الأصل و هو لزوم العقد فلا معنى للقول بالجمع بين الدليلين بناء على إنكار قاعدة عدم وقوع العتق متزلزلًا و عدم جواز عود الحرّ رقّاً، فإنّ الظاهر أنّها مجمع عليها فيما بينهم.

و احتمل في الدروس ثبوته للبائع على المشهور (3) لسبق تعلّق حقّه (4) فيقف العتق على التفرّق أو يثبت الخيار في القيمة دون العين جمعاً بين الحقّين و تنزيلًا لها منزلة التالف. و هو بعيد خصوصاً مع علم البائع و تقدّم حقّه ممنوع، فإنّ الخيار بعد الملك كالعتق و القيمة بدل العين فيمتنع استحقاقها دون المبدل، هكذا قيل (5).

و فيه: أنّ ذلك فيما لو تفرّع على استحقاق العين كما في التلف فحقّ، أمّا لو قضى به الدليل الخارجي فلا امتناع، نعم يتوجّه عليه ما تقدّم. و لعلّه يريد ذلك.

____________

(1) الوسائل 13: 29 ب 4 من أبواب بيع الحيوان ح 1.

(2) مجمع الفائدة 8: 390.

(3) الدروس 3: 266.

(4) كذا في الأصل أيضاً، و الظاهر زيادة: على المشهور.

(5) ذكره في مفتاح الكرامة: ج 4 ص 548 س 32 بلفظ: بل قد يقال.

41

و عُدّ من قبيل ما نحن فيه في سقوط هذا الخيار شراء العبد نفسه إن جوّزناه لكنّا لا نجيزه، و ما إذا قهر الحربي قريبه و باعه للمسلم فإنّه استنقاذ و بيع الكافر المصحف و المسلم، و ما إذا اشترى المملوك ليرث، و ما إذا كان المبيع جمداً في شدّة الحرّ فإنّه يذوب شيئاً فشيئاً، إلّا أن يقال: إنّ التلف لا يسقط الخيار، إلى غير ذلك.

ثانيهما: التصرّف من المشتري بالبيع، فإنّه مسقط لهذا الخيار، كما في الخلاف و الكافي و الجواهر و السرائر و التذكرة و التحرير و القواعد و الإيضاح و الدروس و التنقيح و تلخيص الخلاف و كنز الفوائد و المسالك (2) للتعليل بالرضاء المستفاد من الصحيحين الواردين في سقوط الخيار بالافتراق و خيار الحيوان بالتصرّف (3). و فيه: أنّ الظاهر من الأصحاب أنّه لبيان الحكمة لا العلّة، و سيأتي تمام الكلام في ذلك.

و لنقل الشيخ في الخلاف إجماع الفرقة على أنّ المشتري متى تصرّف في المبيع سقط خياره (4) و ورود الأخبار به عنهم (عليهم السلام) مشيراً بذلك إلى ما أورده في كتاب الحديث و لم يوجد فيه ما يدلّ على إبطال التصرّف لمطلق الخيار إلّا من جهة التعليل (5)، و وافقه القاضي على الثاني فادّعى ورود الأخبار به دون الأوّل (1) و كما يسقط خيار المشتري بتصرّفه في المبيع فكذا يسقط خيار البائع بتصرّفه بالثمن المعيّن، لاشتراك العلّة و هي الدلالة على الرضا بالبيع إن قلنا بتماميّتها فيه، و إلّا كان المستند الإجماع المنقول و هو خاصّ بالمشتري. و لو انعكس الأمر فتصرّف البائع بالمبيع أو المشتري بالثمن كان فسخاً من دون معونة القرينة بناءً على ثبوت التعليل المتقدّم حملًا لفعل المسلم على الصحّة، فيبطل به الخياران معاً.

____________

(2) الخلاف 3: 23 24 المسألة 31، الكافي في الفقه: 353، جواهر الفقه: 54 55 المسألة 196، السرائر 2: 247 248، التذكرة 1: 517 س 13، التحرير 1: 165 س 30، القواعد 2: 65، الإيضاح 1: 48، الدروس 3: 266، التنقيح 2: 50، تلخيص الخلاف: 13، كنز الفوائد 1: 453، المسالك 3: 197.

(3) الوسائل 12: 346، 350 ب 1، 4 من أبواب الخيار ح 3، 1.

(4) الخلاف 3: 23 المسألة 31.

(5) راجع التهذيب 7: 24، 75 ح 102، 320.

(1) جواهر الفقه: 55.

42

و أهمل جماعة حكم التصرّف في هذا الخيار و اقتصروا على سقوطه بالتفرّق و التخاير. و قصّره جمع منهم عليهما فقالوا: إنّما سقط بالتفرّق و التخاير، و منهم الشيخ في المبسوط و ابن زهرة و ابن سعيد و ابن إدريس في موضع من السرائر (1). و آخرون قصّروا الأمر على الافتراق موافقة للفظ النصّ (2)، و ظاهر المتأخّرين عدم الخلاف، و هو كذلك، و ينبّه عليه الإجماع المنقول و بُعد الاختلاف في التخاير مع تكثّر نقل الإجماع (3) فيه و تخصيصهم خيار الغبن بالبقاء مع التصرّف، و تعليلهم السقوط به في غيره بدلالته على الرضا و العلّة مشتركة فيشترك المعلول، فالقصر على البعض و الاقتصار قصور في العبارة و اتّكالًا على الظهور لا مخالفة في الحكم. و سيجيء تمام الكلام في التصرّف إن شاء اللّٰه.

____________

(1) المبسوط 2: 82، الغنية: 217، الجامع للشرائع: 247، السرائر 2: 246.

(2) المقنعة: 591، النهاية 2: 135، 136، المراسم: 172، المفاتيح 3: 68.

(3) راجع الغنية: 217 و الخلاف 3: 21، المسألة 27 فإنّ ظاهره الإجماع عليه كما نسبه إليه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة: ج 4 ص 543 س 31 و التذكرة 1: 517 س 19.

43

[الثاني: خيار الحيوان]

قال المصنّف:

«الثاني: خيار الحيوان»

و المراد بالحيوان كلّ ذي حياة صغيراً بالذات أو بالوصف كالجراد و دود القزّ و زنبور العسل و العَلق و نحوها على إشكال، أو كبيراً، إنسيّاً أو وحشيّاً، برّيّاً أو بحريّاً و إن خرج من الماء و اشترطنا إمكان البقاء لإمكان عوده إلى ما يعيش فيه. فلو تركه المشتري على الجُدد حتّى مات فلا ضمان على البائع إنساناً أو غير إنسان حيواناً تامّاً أو جزءاً مشاعاً على إشكال. أمّا الجزء المعيّن منه كالرأس على القول بجواز بيعه فلا خيار فيه على الأقوى مستقرّ الحياة أو غير مستقرّ. و في غير المستقرّ وجهان: بالنظر إلى صحّة البيع و عدمها و ثبوت الخيار و عدمه نظراً إلى أنّه لا فائدة فيه فأشبه بيع الميتة و الخيار لا يمكن للموت، و باعتبار حصول الفائدة فيه و لو بشعره و وبره و عظمه. فلو فرض أنّه لا فائدة فيه أصلًا لم يكن فساد البيع من جهة عدم استقرار الحياة، بل لهذا الوجه.

و دعوى عدم إمكان الخيار للموت، ممنوعة لإمكان اختيار المشتري الفسخ قبل الموت. و لو لم يفسخ كان تلفه من مال بائعه كما هو القاعدة في خيار الحيوان.

و الأقوى الثبوت لعموم الأدلّة الدالّة على ثبوت هذا الخيار في كلّ حيوان.

فلو باع غير مستقرّ الحياة مع العلم بأنّه لا يبقى ثلاثة أيّام أو باع حيّاً من السمكة و الجراد و لا يبقى كذلك، احتمل القول بانتفائه لانتفاء موضوعه، و

44

بالثبوت بمقدار الحياة لأنّ معنى خيار الحيوان خياره ما دام حيّاً فيكون كما إذا مات اتّفاقاً، و بالثبوت إلى الغاية، و خير الثلاثة أوسطها.

أمّا الميّت مذبوحاً أو منحوراً أو ميّتاً مذكّى كالسمك و الجراد، فلا خيار لمشتريه.

و الظاهر إنّه لا فرق بين كون الحيوان مبيعاً مستقلًّا أو منضمّاً إلى غيره.

و ما يقال: إنّ ثبوت هذا الخيار على خلاف الأصل فيقتصر فيه على المتيقّن و المركّب من الداخل و الخارج، لا وجه له.

و على تقدير ثبوت الخيار فليس الفسخ فيه فقط، و لو فسخ فيه فإمّا أن يقع باطلًا أو يكون فسخاً في الكلّ كما سبق، لا باعتبار الضرر بالتبعيض، فإنّ ذلك في الخيار الّذي مستنده الضرر لا يخلو من إشكال لتعليلهم فيه بأنّ الضرر لا يجبر بمثله، بل لأنّ الفسخ عائد إلى العقد، و العقد واحد فلا يتبعّض، و باب التبعيض للصفقة ليس فسخاً لبعض العقد، و إنّما هو انفساخ من الأصل أو شيء قضى به الدليل.

و قولهم: إنّ العقد بمنزلة عقود، يريدون بالنسبة إلى ذلك.

و قول جماعة من الأصحاب بمشروعيّة الإقالة بالنسبة إلى البعض، إن قام عليه إجماع فذلك، و إلّا منعناه.

و ما يتخيّل: من أنّ العقد كصيغة الأمر يقع الامتثال ببعض أفراد المأمور به دون البعض و إنّ العقد له تأثيرات متعدّدة فيرتفع بعضها و يبقى الباقي، لا وجه له، بل هو من قبيل الأسباب و هو سبب واحد، و الأسباب الشرعيّة كالأسباب العقليّة فلا يرتفع بعض آثارها و يبقى الباقي، إذ بارتفاعه ترفع العلّة.

[و هو ثابت للمشتري خاصّة]

قال المصنّف: «و هو ثابت للمشتري خاصّة»

ثبوت هذا الخيار في الجملة مجمع عليه بين الأصحاب إجماعاً محصّلًا أو منقولًا نقلًا مستفيضاً، و النصوص به مستفيضة (1).

[و البحث في هذه المسألة يقع في مقامات]

و البحث في هذه المسألة يقع في مقامات:

____________

(1) الوسائل 12: 348 ب 3 من أبواب الخيار.

45

[الأوّل في اختصاص هذا الخيار بالبيع]

[الأوّل في اختصاص هذا الخيار بالبيع] فنقول: لم نر من الأصحاب من نصّ على جريان خيار الحيوان في غير البيع و لا على عدمه، و الاقتصار على البيع كما في خيار المجلس عدا بعض من متأخّري المتأخّرين (1). إلّا أنّ ظاهر كلماتهم و فحاوي الأخبار يقضي بالاقتصار، و هو الموافق لمقتضى الأصل و القاعدة في الخيار.

و ما يتخيّل: من الجريان استناداً إلى عموم الحكمة في ثبوت الخيار في الحيوان دون غيره، فضعيف، لعدم النصّ على الحكمة نصّاً معتدّاً به، و لا قام عليه إجماع، مع أنّ الحكمة لم تصل إلى حدّ منصوص العلّة حتّى يحكم بجريانها على أنّه ربّما كانت الحكمة في خصوص البيع، لكثرة دورانه بخلاف ما عداه.

و دعوى: تنقيح المناط، ممّا لا يتفوّه به. فحينئذٍ فكلّما شكّ في شمول البيع له لا يحكم بجريان هذا الخيار فيه، و كذا كلّ خيار خاصّ بالبيع.

و قد تقدّم تفصيل ذلك في خيار المجلس.

[الثاني في معنى البائع و المشتري]

[الثاني في معنى البائع و المشتري] و فيه وجوه:

أوّلها: أنّ البائع من خلا مالُه المنقول منه من الباء، و المشتري بخلافه.

ثانيها: أنّ البائع المطلوب منه، و المشتري الطالب.

ثالثها: أنّ البائع المبتدي بالعقد، و المشتري بخلافه.

رابعها: البائع الموجب، و المشتري القابل.

خامسها: البائع مصدر الفعل، و المشتري مصدر الانفعال.

سادسها: البائع ناقل الجنس، و المشتري ناقل النقد.

سابعها: البائع المستدعي للمنقول إليه أوّلًا عادة، و المشتري بخلافه.

____________

(1) لم نظفر به.

46

ثامنها: أنّ البائع هو المنادى على ما في يده، و المشتري بخلافه.

تاسعها: أنّ المشتري صاحب المماكسة، و البائع بخلافه.

عاشرها: أنّ المشتري ناقل الثمن و هو ما من شأنه دخول الباء، و البائع بخلافه. إلى غير ذلك.

و لو حاولت الجمع منها بين صفتين ممّا ذكر كانت خمساً و أربعين صورة، و لو حاولت التثليث و التربيع و التخميس و هكذا تعدّدت الصور، و الكلّ لا وجه له.

و كلّها أو جلّها ينتقض بالسلم، و بصورة تقديم القبول على الإيجاب، و في العقد بصيغة الشراء من الجانبين بناءً على جوازه.

و في التمييز بالمعاطاة الفعليّة لو جعلناها بيعاً، و في عقد الأخرس إشكال.

و لعلّ الظاهر اختلافهما بالنظر إلى هذه الوجوه باختلاف المقامات.

و بذلك يرتفع الاشتباه، و على تقديره، فمع الشكّ في صدق اسم المشتري ينفى الخيار بالأصل، فتأمّل.

و مثل هذا البحث يجري بالنظر إلى لفظ الثمن و المثمن.

و تظهر الثمرة بالنسبة إلى ما يترتّب على كلّ واحد منهما من الأحكام.

و تعريفهم الثمن بدخول الباء، فيه: أنّه لا يجدي في مثل بعتك على عوض كذا أو الثمن كذا. و كذا جعل الثمن الفضّة و الذهب لا يجري فيما لو كان كلّ منهما من جنس الذهب و الفضّة بل ربّما يكون المبيع من جنسهما و الثمن من غيرهما. و الأولىٰ جعل المثمن هو الواقع في المرتبة الاولى بعد الإيجاب و القبول و الثمن بخلافه، أو ما قصد بالأصالة لا بالإبدال و الثمن بخلافه، أو ما من شأنه عدم دخول الباء و الثمن بخلافه.

[المقام الثالث في اختصاصه بالمشتري]

[المقام الثالث في اختصاصه بالمشتري] و قد اختلف فيه الأصحاب، فقيل باختصاصه به و عدم ثبوته للبائع مطلقاً سواء كان الثمن و المثمن حيوانين أو أحدهما حيواناً دون الآخر، و هو المنقول عن

47

الشيخين و الصدوقين و أبي عليّ و أبي يعلى و الطوسي و الآبي و الشاميّين الخمس و الحلّيين الستّ (1). و هو المشهور بين الأصحاب شهرة محصّلة و منقولة نقلًا مستفيضاً.

و استدلّ عليه بالأصل، و الإجماع كما في الغنية (2) و ظاهر الدروس (3) و عموم الكتاب (4) و عموم روايات خيار المجلس، و خصوص الصحاح (5):

منها: الصحيح الصريح عن رجل اشترى جارية لمن الخيار للمشتري أو للبائع أو لهما كليهما؟ فقال: الخيار لمن اشترى ثلاثة أيّام نظرة. رواه الحميري في قرب الإسناد (6).

و ما رواه الراوندي في فقهه قال: و عن فضيل قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): ما الشرط في الحيوان؟ قال: ثلاثة أيّام شرط ذلك في حال العقد أو لم يشترط، و يكون الخيار للمبتاع خاصّة (7). و لا يقدح في ذلك كون المرويّ في الكافي و التهذيب عن فضيل في الصحيح: «ما الشرط في الحيوان؟ فقال: ثلاثة أيّام للمشتري. قلت: و ما الشرط في غيره؟ فقال: البيّعان بالخيار ما لم يتفرّقا (8)» لأنّه من القدماء و أخذه من الاصول القديمة.

و في هذه الرواية دلالة على المطلوب من وجوه:

منها: الحصر المستفاد من التعريف، فإنّ التقدير «الخيار في الحيوان

____________

(1) المقنعة: 592، المبسوط 2: 78، المقنع: 365، المراسم: 173، الوسيلة: 248، كشف الرموز 1: 457، الكافي في الفقه: 353، المهذب 1: 353، الدروس 3: 272، الروضة 3: 45، جامع المقاصد 4: 291، السرائر 2: 243 244، الشرائع 2: 22، الجامع للشرائع: 247، 261، النزهة: 586، المختلف 5: 64، الإيضاح 1: 483، التنقيح 2: 45.

(2) الغنية: 219.

(3) الدروس 3: 272.

(4) المائدة: 1.

(5) راجع الوسائل 12: 345 و 348، ب 1 و 3 من أبواب الخيار.

(6) الوسائل 12: 350، ب 3 من أبواب الخيار ح 9.

(7) فقه القرآن 2: 51.

(8) الكافي 5: 170 ح 6، التهذيب 7: 20 ح 85.

48

للمشتري» و فرق بينه و بين قولنا: «المشتري للحيوان بالخيار» فإنّ الثاني إنّما يدلّ بمفهوم الوصف و الأوّل به و بالحصر.

و منها: ظهور اللام في الاختصاص.

و منها: المقابلة بثبوت الخيار في غير الحيوان للبائعين.

و منها: ظهور هذا الوصف في التقييد لتعقّبه السؤال و المعصوم في مقام تعريف خيار الحيوان، و كلّ قيد في مقام التعريف يعتبر يقيناً، لأنّه احترازيّ كما تقرّر في محلّه.

و كما أنّ المفهوم من «ثلاثة أيّام» أنّه ليس أقلّ منها و لا أكثر لأنّه في مقام البيان، فكذا ما نحن فيه.

و لا يقدح في الاستناد إلى الرواية ظهورها في كون خيار المجلس مختصّاً بغير خيار الحيوان فتكون متروكة الظاهر، لأنّ ذلك إنّما وقع تبعاً لسؤال السائل.

و تقرب من هذه الرواية في الدلالة صحيحة ابن رئاب: الشروط في الحيوانات ثلاثة أيّام للمشتري (1).

و في صحيحة الحلبي: في الحيوان كلّه شرط ثلاثة أيّام للمشتري و هو بالخيار فيها اشترط أو لم يشترط (2).

و موثّقة ابن فضّال: صاحب الحيوان المشتري بالخيار إلى ثلاثة أيّام (3).

و هذان الروايتان دالّتان بمفهوم الوصف، و يتلوهما الصحيحان «البيّعان بالخيار حتّى يفترقا، و صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيّام (4)» فإنّهما ظاهران بحسب السوق في حصر خيار الحيوان بأحدهما، فإن اريد به البائع كانتا مخالفتين للإجماع فتعيّن أن المراد به صاحبه بعد العقد، و هو المشتري.

____________

(1) الوسائل 12: 350 ب 4 من أبواب الخيار، ح 1.

(2) الوسائل 12: 349 ب 3 من أبواب الخيار، ح 1.

(3) الوسائل 12: 349 ب 3 من أبواب الخيار، ح 2.

(4) الوسائل 12: 345، ب 1 و 3 من أبواب الخيار، ح 1 و 6.

49

و يشهد له تقييده به في الموثّقة مضافاً إلى أنّه هو المتبادر لأنّه قد انتقل إليه عنه، و أيضاً فالحيوان في ضمان البائع مدّة الخيار كما دلّ عليه الصحيح و المرسل و غيرهما (1) و لو لا اختصاص المشتري به لكان من ضمانه.

و في مكاتبة الصفّار للعسكريّ المشتملة على أنّهُ مع إحداث المشتري حدثاً يجب الشراء (2) و ظاهرها الوجوب من الطرفين ما يقضي بذلك.

و أيضاً فالمدّة إنّما ضربت فيه لمكان الاختيار، و البائع خبير فلا خيار.

و ذهب السيّدان المرتضى و ابن طاوس إلى ثبوت الخيار لهما (3) و إطلاق الخلاف (4) قد يؤذن بموافقتهما، و كذا الكافي لو لا تصريحه بضمان البائع (5) و إليه مال الشهيد الثاني قال: و هو في غاية القوّة إن لم يثبت إجماع على خلافه (6) كذلك صاحب المفاتيح (7).

و توقّف الشهيد الأوّل في غاية المراد و حواشي القواعد و أبو العبّاس في المقتصر (8) للإجماع كما في الانتصار و الخلاف (9) و الصحيح «المتبايعان بالخيار ثلاثة أيّام في الحيوان و فيما سوى ذلك من بيع حتّى يفترقا» (10) و ما اشتمل من الروايات على لفظ «صاحب الحيوان» بناءً على أنّ المراد من انتقل عنه.

و إجماع الانتصار مردود بالشذوذ و الانحصار، لأنّ ابن طاوس غير داخل تحت معقده، لتأخّر عصره عنه، فانحصر القائل بمضمونه بمدّعيه.

و غرض الشيخ في الخلاف إثبات أصل الخيار ردّاً على العامّة، و إنّما احتجّ

____________

(1) الوسائل 12: 351، ب 5 من أبواب الخيار.

(2) الوسائل 12: 351 ب 4 من أبواب الخيار، ح 1.

(3) الانتصار: 433، المسألة 245، و حكاه الفاضل الآبي في كشف الرموز ج 1 ص 459 عن السيّد بن طاوس (رحمه الله).

(4) الخلاف 3: 12، المسألة 8.

(5) الكافي في الفقه: 353.

(6) المسالك 3: 200.

(7) المفاتيح 3: 68 69.

(8) غاية المراد: 97، حواشى القواعد: 64 س 3، المقتصر: 169.

(9) الانتصار: 433 المسألة 245، الخلاف 3: 12، المسألة 8.

(10) الوسائل 12: 349 ب 3 من أبواب الخيار، ح 3.

50

بالإجماع على ذلك دون العموم لتصريحه في النهاية و المبسوط باختصاصه بالمشتري (1) و يتّفق وقوع مثل ذلك منه كثيراً.

و الصحيح مع كونه متروك الظاهر، لأنّ ظاهره اختصاص خيار المجلس بغير الحيوان، لقوله (عليه السلام): «و فيما سواه .. إلخ» و لا يرد علينا مثله في خبر قرب الإسناد، لأنّ الظهور هنا نشأ من كلام المعصوم و في ذلك من كلام السائل و ركاكته بزيادة لفظة «من بيع» غير واضح السند، لأنّ فيه أبا أيّوب بن عيسى أو بن عثمان أو بن زياد و إن كان الظاهر أنّه الثقة، إلّا أنّ ذلك ممّا يوهنه. و لا صريح الدلالة (2) لاحتماله ثبوت الخيار للمشتري على البائع فيكون بينهما كما في المختلف (3) أو على أنّ الخيار للمجموع، من حيث المجموع فلا يدلّ على ثبوته في الأفراد كما في غيره أو على غير ذلك.

و روايتا «صاحب الحيوان» دالّة (4) على الخلاف كما سبق.

و على كلّ حال فدليل المرتضى لا يعارض الصحاح المشتملة على النصّ الصريح المعتضدة بجهات الترجيح كالمطابقة لظاهر الكتاب و الشهرة الظاهرة بين الأصحاب و أصل اللزوم و الإجماع المنقول بل المعلوم و موافقة الاعتبار و ظواهر الأخبار، فلا مجال للتوقّف، و لا لتقوية هذا القول، مع أنّ راوي حجّة الخصم محمّد ابن مسلم قد روى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): البيّعان بالخيار حتّى يفترقا و صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيّام (5). فالراوي و المرويّ عنه فيهما واحد.

و روى هذا الخبر زرارة بعينه في الصحيح (6) و اللفظ فيهما مسند إلى النبيّ (صلى الله عليه و آله)

____________

(1) النهاية 2: 140، المبسوط 2: 78.

(2) عطف على قوله: غير واضح السند.

(3) المختلف 5: 65.

(4) كذا، و المناسب: دالّتان.

(5) الوسائل 12: 345 ب 1 من أبواب الخيار، ح 1.

(6) الوسائل 12: 349 ب 3 من أبواب الخيار، ح 6.

51

فيشبه أن يكون هذان هما الأصل. و الأوّل مرويّ بظنّ الموافقة لهما في المعنى.

و ذهب الصيمري إلى ثبوته للمتبايعين إذا كان المبيع حيواناً بحيوان (1). و جعله المحقّق الثاني ثالث الأقوال و نفى عنه البعد و جعله كالعلّامة محملًا (2) لصحيحة محمّد بن مسلم السابقة في حجّة المرتضى (3)، و به يحصل الجمع بين الأدلّة.

و أنت خبير بأنّ الجمع فرع التكافؤ و قد علمت عدمه، مع أنّه لا شاهد عليه.

و ذهب الشهيد الثاني في المسالك و الأردبيلي في مجمع البرهان إلى ثبوته لذي الحيوان مطلقاً فيكون لهما إذا كان العوضان حيوانين و للمشتري خاصّة في بيع الحيوان بغيره، و للبائع كذلك في بيع غيره به (4) و قوّاه الشارح هنا (5). و احتمله العلّامة في التذكرة (6) نظراً إلى الحكمة المشتركة فإنّ اختصاص الحيوان بالخيار لاشتماله على امور باطنة لا يطّلع عليها إلّا بالتروّي و الاختبار مدّة فلو كان هذا الخيار غير محدود لأفضى إلى الضرر لأدائه إلى الفسخ بعد مدّة طويلة و لا محدوداً بيوم لأنّه لا يظهر فيه حاله غالباً و باليومين قد يشتبه العيب فحدّد بالثلاثة. و هذه الحكمة مشتركة في الجانبين، و تمسّكاً بالجمع بين الأخبار، و عملًا بإطلاق ثبوته لصاحب الحيوان في الصحيحين (7).

فأمّا الحكمة فإن اريد بها العلّة المستنبطة فلا يجوز العمل بها ما لم تكن معلومة علماً قطعيّاً من عقل أو إجماع فتكون منقّحة، و إن كانت منصوصة كفىٰ فيها الظنّ، لأنّ الدلالة حينئذٍ لفظيّة، و ليس في المقام شيء منهما قطعاً.

و إن اريد بها الحكمة في شرع الحكم و موافقته للاعتبار، ففيه: أنّ هذه لا يناط

____________

(1) غاية المرام: 2: 35 36.

(2) جامع المقاصد 4: 291، المختلف 5: 64 65.

(3) الانتصار: 433 المسألة 245.

(4) المسالك 3: 200، مجمع الفائدة 8: 395.

(5) الروضة 3: 450.

(6) التذكرة 1: 519 س 19.

(7) الوسائل 12: 345، 349 ب 1، 3 من أبواب الخيار، ح 1، 6.

52

بها حكم، لعدم انضباطها، و اطّراد الحكم بدونها، على أنّه ربّما كانت الحكمة ما ذكروه مع كثرة الوقوع و الصدور بخلاف الفرض المذكور، و الجمع فرع التكافؤ، مع أنّه لا شاهد عليه، و المتبادر من «صاحب الحيوان» في الصحيحين خصوص المشتري له لا البائع و لا المنتقل إليه ببيع شيء به و لا الناقل مطلقاً بائعاً له أو مشترياً غيره به، على أنّ تقييده به في الموثّق يفيد الاختصاص به حكماً، للجمع بين العامّ و الخاصّ بناءً على كون الصفة مخصّصة، أو موضوعاً بناءً على أنّ الصفة كاشفة، و أنّ المتبادر إنّما هو خصوص المشتري، و أمّا البائع مطلقاً فلا ينصرف إليه الإطلاق قطعاً.

و على تقديره، يلزم انّه متى كان أحد العوضين حيواناً يثبت الخيار للمتبايعين، و هذا لم يقل به أحد و لا احتمله محتمل.

و ما يقال: من أنّ المراد بصاحب الحيوان في الصحيحين من انتقل إليه الحيوان لا صاحبه الأصلي الناقل له، و التقييد بالمشتري في الموثّق و إطلاق اختصاص الخيار بالمشتري في الأخبار الاخر إنّما ورد مورد الغالب، فالصفة ليست مخصّصة و لا موضحة و إنّما وردت على ما هو الشائع، و حينئذٍ يكون صاحب الحيوان شاملًا لكلّ من انتقل إليه الحيوان ثمناً كان أو مثمناً و لا مخصّص له. فالخيار لهما حيث يباع الحيوان بالحيوان و عليه يحمل الصحيح الّذي هو دليل السيّد، و للبائع إن باع الدار بالحيوان مثلًا، و للمشتري إن باعه بالدراهم.

قلت: قد تقدّم لك أنّ المتبادر إنّما هو المشتري لأنّ الغالب في صاحب الحيوان المشتري فيكون وارداً على الغالب و ينصرف الإطلاق إليه، و لا يتناول من انتقل إليه مبيع غيره به، لأنّه نادر خصوصاً بيع الدراهم به.

و ما يقال: إنّ عموم «صاحب الحيوان» لغوي فيتناول النادر و غيره من جهة الإضافة و عدم سبق معهود له مع اعتضاده بالحكمة العامّة فلا مجال للحمل على الغالب.