غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - ج2

- الشيخ محمد حسن المامقاني المزيد...
180 /
168

[كتاب البيع]

[في تعريف البيع و حقيقته]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ و به نستعين

الحمد للّه و سلام على عباده الّذين اصطفى و بعد فيقول العبد الجاني الفاني أسير الآمال و الأماني محمّد حسن بن عبد اللّه المامقاني ان هذا هو الجزء الثاني من كتابنا المسمّى بغاية الآمال نسئل اللّه ان يوفّقنا لإتمامه على أحسن الأحوال و يجعله ذخرا لنا في يوم لا ينفع نسابة و لا مال انّه لطيف بعباده قادر على إنفاذ مراده

قوله (قدس سرّه) و هو في الأصل كما في المصباح مبادلة مال بمال

قال في المصباح باعه يبيعه بيعا و مبيعا فهو بايع و تبيع و اباعه بالألف لغة قاله ابن القطاع و البيع من الأضداد مثل الشرى و يطلق على كلّ واحد من المتعاقدين أنه بائع لكن إذا أطلق البائع فالمتبادر الى الذّهن باذل السلعة الى ان قال و الأصل في البيع مبادلة مال بمال لقولهم بيع رابح و بيع خاسر و ذلك حقيقة في وصف الأعيان لكنّه أطلق على العقد مجازا لانّه سبب التمليك و التملّك و قولهم صحّ البيع أو بطل و نحوه أي صيغة البيع لكن لما حذف المضاف و أقيم المضاف اليه مقامه و هو مذكر أسند الفعل اليه بلفظ التّذكير انتهى و لا يخفى عليك ان بذل السلعة و أخذ الثمن ليس الا معنى النقل بعوض و كذا المبادلة ليست إلا عبارة عنه و قوله ان الأصل هي المبادلة انما هو في مقابل ما تفرع عليه من إطلاقه على العقد مجازا و قد يراد به المعاملة الخاصة التي هي أمر معنويّ قائم بالطّرفين قال في (الجواهر) و هذا هو المناسب في قوله (تعالى) أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و قوله سبحانه رِجٰالٌ لٰا تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لٰا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ و قوله عزّ و جلّ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ و قولهم كتاب البيع و أقسام البيع و أحكام البيع و لوصف البيع بالصّحة و الفساد و اللزوم و الجواز و اقترانه بالمعاملات كالإجارة و الصّلح و نحوهما و يعرّف البيع بهذا المعنى بأنه معاملة موضوعة لتمليك عين بعوض و تملكها به انتهى و لكنّ الاستعمال في الموارد المذكورة لا يدل على حقيقة لكون الاستعمال فيها بدلالة المقام و قد علم مما ذكر النكتة في التّعبير بالمبادلة التي هي مفاعلة تقتضى القيام بالطرفين فان النقل بعوض لا يتحقق الا بباذل للعوض كما في المعاملة فإنها إنّما تطلق على مصاديقها باعتبار قيامها بهما و هو واضح

قوله (رحمه الله) و (الظاهر) اختصاص المعوض بالعين (إلخ)

هذا الاستظهار من لفظ البيع لا من تفسير المصباح حتّى (يقال) ان المال ان كان ظاهرا في العين فكيف نفى الاشكال عن جواز كون العوض منفعة غاية ما في الباب انّ لازم ما استظهره هو ان يكون المراد بالمال الأوّل في التفسير ايضا هو العين و محصل المقام انه لا بدّ من كون المبيع عينا بمعنى مقابل المنفعة و الحق لكنّ العوض كما يكون عينا (كذلك) يصحّ ان يكون منفعة و لا فرق بين كون كل من المبيع و عوضه كليّا و بين كونه شخصيّا بل يصدق المعنى العرفي للبيع مع عدم ملكية أحد العوضين كما في بيغ الخمر و الخنزير أو الشرى بشيء منهما غاية الأمر عدم صحّته شرعا (حينئذ) و هو غير مناف لصدقه عرفا خلافا للعلامة (رحمه الله) في كره حيث اعتبر مملوكية المبيع فإنه قال و هو انتقال عين مملوكة من شخص الى غيره بعوض مقدر على وجه التراضي فلا ينعقد على المنافع و لا على ما لا يصحّ تملكه و لا مع خلّوه عن العوض المعلوم و لا مع الإكراه انتهى و لا يخفى عليك انه ان أراد تعريف البيع الصّحيح فهو أخصّ ممّا ذكره و ان أراد تعريف الأعمّ فهو أعمّ ممّا ذكره فتدبّر

قوله (قدس سرّه) كالخبر الدال على جواز بيع خدمة العبد المدبّر

(الظاهر) انه (قدس سرّه) أراد بالخبر الجنس فإنّه قد تضمّن ذلك أخبار عديدة ذكرها في الوسائل في كتاب التدبير في باب جواز اجارة العبد المدبّر منها خبر السّكوني عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) عن أبيه (عليه السلام) عن على (عليه السلام) قال باع رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) خدمة المدبّر و لم يبع رقبته

قوله (قدس سرّه) و بيع سكنى الدّار التي لا يعلم صاحبها

في الوسائل مسند الى إسحاق بن عمّار عن العبد

169

الصّالح (عليه السلام) قال سئلته عن رجل في يده دار ليست له و لم تزل في يده و يد آبائه من قبله قد أعلمه من مضى من آبائه انّها ليست لهم و لا يدرنه؟؟؟

لمن هي فيبيعها و يأخذ ثمنها قال ما أحبّ ان يبيع ما ليس له قلت فإنه ليس يعرف صاحبها و لا يدرى لمن هي و لا أظنّه يجيء لها رب ابدا قال ما أحب ان يبيع ما ليس له قلت فيبيع سكناها أو مكانها في يده فيقول أبيعك سكناي فتكون في يدك كما هي في يدي قال نعم يبيعها على هذا

قوله (قدس سرّه) و كاخبار بيع الأرض الخراجيّة و شرائها

ففي رواية أبي برده المسئول فيها عن بيع ارض الخراج قال (عليه السلام) من يبيعها هي أرض المسلمين قلت يبيعها الذي هي في يده قال يصنع بخراج المسلمين ما ذا ثم قال لا بأس ان يشترى حقه فيها و يحول حق المسلمين عليه

قوله (رحمه الله) و اما عمل الحر فان قلنا انه قبل المعاوضة عليه من الأموال فلا إشكال (إلخ)

غرضه (قدس سرّه) بهذا الكلام هو البحث عن صيرورته عوضا لا مبيعا كما هو ظاهر فهو استدراك من نفى الاشكال عن كون العوض منفعة ثمّ انّ هذا الكلام مشعر بان عمل الحر بعد المعاوضة مال بل هو ظاهر في ذلك و المراد بكونه بعد المعاوضة كونه بعد وجود العمل بمقتضى المعاوضة و الا فمطلق كونه بعدها و ان لم يباشر العمل لا يوجب تغيرا في حال العمل حتّى يدخل بسبب ذلك في عنوان المال ثمّ انا نقول ان المراد بعمل الحرّ اثر عمله و الا فنفس العمل قبل الوجود معدوم و في حال الوجود مندرج يوجد منه شيء و يفنى ثم يوجد الأخر و هكذا فهو غير فارّ الذات كما انّه بعد الفراغ منه فإن بالمرة غير موجود أصلا فلا يقبل الاتصاف بعنوان المال في شيء من الأحوال لكن مع ذلك إطلاق الكلام (المصنف) (رحمه الله) لا (يخلو) من اشكال لأن أثر عمل الحر على قسمين محسوس كالحاصل من الصياغة و الخياطة و نحوهما و غير محسوس كالصّلوة و الصّوم الصادرين ممن استوجر لهما و القسم الأوّل مما لا بأس بصدق المال عليه و في صدقه على القسم الأخير اشكال ان لم نقل بأنّ الظّاهر عدم صدقه عليه ثمّ ان التقييد بالحرّ لإخراج العبد لانّ عمله مال لمالكه فيدخل فما ذكره بقوله و امّا العوض فلا إشكال في جواز كونها منفعة و الفرق كون عين الثاني مملوكا لمولاه فيتبعها اعماله الّتي هي منافعه و لكن هذا (أيضا) على إطلاقه لا (يخلو) عن إشكال لأن صدق المال على ما كان من اعماله غير محسوس الأثر مشكل بل يمكن دعوى الظّنّ على عدمه و لا مضايقة في كون اعماله مملوكة لمولاه بتبعيّة العين الا انّ مجرّد المملوكية لا يستلزم صدق المال الّذي عليه الكلام و هو ظاهر ثمّ ان بعض من تأخر التزم في المقام بان عمل الحرّ قبل وقوع المعاوضة عليه ليس مالا و استدل عليه بأنّه لا يحصل به الاستطاعة مع اعترافه بان عمل العبد قبل المعاوضة عليه مال و حكم مع ذلك بان عمل الحرّ يصحّ ان يقع عوضا للمبيع للعمومات الدالة على مشروعيّة البيع بناء على صحة إحراز القابليّة بها كما هو ظاهر الفقهاء و أنت خبير بما فيه لما يتجه عليه من ان مثل ما ذكره من عدم حصول الاستطاعة بعمل الحرّ قبل المعاوضة عليه يجري في عمل العبد قبل المعاوضة عليه فإنّه لا يحصل الاستطاعة بذلك لمولاه مع انّ ما ذكره من التمسّك بالعمومات بناء على إحراز قابلية المورد بها مما لا كرامة فيه فانا مضربون عن إحرازها للقابليّة و انّما الشّأن في تحقيق المبنى لان مجرّد البناء لا يفيد شيئا ثمّ انه (رحمه الله) اعترض على (المصنف) (رحمه الله) بان الاستشكال في ذلك من جهة اعتبار كون العوضين ما لا في معناه بحسب اللغة مما لا وجه له لأنا ندفع التمسّك بمثل قول المصباح اما بأنه ليس حجة في حقنا بعد إمكان العلم لنا بمعنى البيع و اما بان نحمله على بيان الصنف الغالب و أنت خبير بما فيه لان (المصنف) (قدس سرّه) لم يستند في الاستشكال الّا الى الاحتمال و بابه غير منسدّ و دعوى العلم بمعنى البيع تفصيلا على وجه مرتفع الاشتباه بحذافيره واضحة السّقوط فلا ينبغي الإصغاء إليها

قوله (رحمه الله) من حيث احتمال اعتبار كون العوضين في البيع مالا قبل المعاوضة كما يدل عليه ما تقدّم عن المصباح

وجه دلالته واضح لانّ مقتضى كلامه وقوع المبادلة على المالين و هذا لا يتحقق الا بتحقق المالية قبل المبادلة

قوله و امّا الحقوق الأخر كحقّ الشفعة و حقّ الخيار

وصف الحقوق بالاخر يعطي ان عمل الحرّ إذا استحقه غيره بما هو مقتض للاستحقاق كالاستيجار مثلا انّما هو من قبيل الحقوق و الا فلا معنى للوصف المذكور و ذكر حق الشّفعة و حقّ الخيار من باب المثال و لا خصوصيّة لهما ثمّ ان في صحّة جعل عوض المبيع شيئا من الحقوق خلافا بين المتأخّرين بعد اتفاقهم على ان المبيع لا بد ان يكون عينا فأثبته صاحب (الجواهر) (رحمه الله) تمسّكا بإطلاق الأدلة و الفتاوى و نفاه بعض الأساطين (قدس سرّه) في شرحه على (القواعد) كما حكى عنه و فصل (المصنف) (رحمه الله) بين اقسامه فجزم بالنفي فيما لا يقبل المعاوضة بالمال و فيما لا يقبل النّقل و استشكل فيما هو قابل للنّقل في مقابلة المال و ان كان ماله إلى النّفي أيضا و لو بحكم الأصل فافهم

قوله فان لم تقبل المعاوضة بالمال فلا اشكال و كذا لو لم تقبل النقل (انتهى)

يعنى انّه ان لم يقبلها فلا إشكال في عدم صحة جعله عوضا في البيع ضرورة ان البيع من قبيل المعاوضات فكيف يصير ما ليس بقابل للعوضية عوضا هذا و اعلم انه يمكن البحث في الحقوق عن أمور أحدها ثبوت الانتقال القهري بالإرث و هذا الحكم قد تسالم عليه فقهاؤنا في بعض إفرادها كحق الخيار كما تسالموا على عدم ثبوته في بعض أخر كولاية الحاكم أو الأب و الجد و الوصي مثلا و اختلفوا في ثالث كالشّفعة ففي كره عن السّيّد المرتضى (قدس سرّه) و من تبعه انّها تورث و لا تسقط بموت مستحقّها و لا يترك مطالبته ان قلنا انّها على التراخي أو كان بعده ان قلنا على الفور و عن الشّيخ (قدس سرّه) و جماعة انّها غير موروثة و إذا مات المستحقّ بطلت به ثانيها سقوطها بإسقاط المستحق و معلوم انّ هذا لا يتصوّر إلا بالنّسبة الى من عليه الحقّ فلا يعقل الإسقاط بالنّسبة إلى ثالث بان يوجب الانتقال اليه و هذا على ثلاثة أقسام الأوّل ما هو معلوم السّقوط بالإسقاط كالحقوق المالية من حق خيار أو شفعة و جملة من غيرها كحق القصاص أو الإهانة أو نحو ذلك فإنّها قابلة للإسقاط من دون ريب و لا اشكال و قد وقع النص بذلك من فقهائنا (رضي الله عنه) في موارد متفرّقة و الثاني ما هو معلوم العدم كحقّ الأبوة و حقّ الحضانة و حقّ ولاية الحاكم و أمثال ذلك و الضّابط ان كل ما ليس متمحضا لمن قام به منها بل روعي فيه حسن حال غيره كما في الأمثلة المذكورة لا يسقط بالإسقاط و ذلك لان الملحوظ في حق الأبوة ليس هو مجرد جانب الأب بل قد روعي فيه صلاح حال الولد ايضا و كذا الحال في حق الحضانة و مثلهما حق ولاية الحاكم فقد روعي فيه مثل حال الرعية و الثالث ما هو مشكوك الحال كإسقاط حق الرّجوع في جملة من العقود الجائزة من نحو الشركة و المضاربة و حق العزل في الوكالة و حق المطالبة في القرض و الوديعة و العارية و نحو ذلك فلم يعلم أنها قابلة للإسقاط بجعل (الشارع) حتى تعود لازمة بالعرض أم لا ثالثها نقلها الى غيره اختيارا بشيء من العقود التي جعلها (الشارع) سببا للنقل و هذا يتصوّر على وجهين لانّ المنقول اليه امّا ان يكون هو من عليه الحق أو يكون غيره و يظهر اثر النقل في الوجه الثاني لأنّ الأجنبيّ المنقول اليه يقوم مقام الأصيل الناقل و يجرى

170

عليه ما كان يجرى عليه و امّا في الوجه الأوّل فإنّه يؤل إلى الإسقاط لأنه لا يعقل ان يقوم ذلك الحقّ به لنفسه على نفسه فيطالب نفسه بآثاره فلا فرق بالنّسبة الى من عليه الحقّ بين ان يصالحه عن الحق أو يبرئه عنه و لا إشكال في جواز النقل بالنّسبة اليه و ان آل الأمر الى ما عرفت و انّما يسري الإشكال في بادى النّظر إلى انه هل ثبت في الشّرع جواز نقل الحق إلى الأجنبي أم لا فنقول يرتفع الاشكال بالرّجوع الى كلماتهم قال في عدو لو صالح الأجنبي المدعي لنفسه ليكون المطالبة له صحّ دينا كانت الدعوى أو عينا قال في (جامع المقاصد) إذا صالح الأجنبي المدعي على ما يستحقّه في ذمّة المدعى عليه لنفسه صحّ الصّلح و يكون المطالبة له لأن الحق ينتقل (حينئذ) اليه و لا فرق بين ان يكون الدّعوى عينا أو دينا و ينبغي ان (يقال) لا (يخلو) الحال من ان يكون المدعى عليه مقرا أو منكرا ثم المصالح اما ان يكون عالما بثبوت الحق في ذمّة المدعى عليه أو لا فان كان المدعى عليه مقرّا فلا بحث في صحة صلح الأجنبي لنفسه على كلّ حال ثمّ ان تمكن من انتزاع ما صالح عليه فلا بحث و الا فقد أطلق في (الدروس) ان له الفسخ لعدم سلامة العوض و في (التحرير) أطلق القول بصحّة الصّلح إذا كانت الدّعوى دينا و الغريم معترف و حكى عن الشّيخ (قدس سرّه) القول بثبوت الفسخ لو كانت عينا و الغريم معترف و لم يصرح بشيء و يحتمل عدم ثبوت الفسخ في واحد من الموضعين لان الصّلح عقد مستقل بنفسه و ليس مبنيا على المكايسة و المغابنة و لهذا يصحّ مع الجهالة و على ما لا يعد ما لا فيجب التمسّك بعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ الى ان يدل دليل على خلافه و لعل الشيخ (قدس سرّه) بنى الفسخ على القول بان الصّلح فرع البيع و ان لم يكن المصالح عالما بثبوت الحق في ذمّة المدعى عليه و هو منكر فقد مال في (التحرير) الى عدم جواز الصّلح و جوزه في (الدروس) و ظاهره انه إذا لم يتمكن من إثبات الحق عليه بفسخ و في كره صرّح بان جواز الدعوى من المصالح مشروط بعلم صدق المدعى المصالح فان لم يعلم لم يجز له دعوى شيء لم يعلم ثبوته و لقائل أن يقول اشتراط الدعوى بعلم الاستحقاق غير واضح فان الوارث يدعى بخط مورثه و الوكيل يدعى عن موكله و قد لا يعلمان الاستحقاق و كذا الموكل قد يدعى بخط وكيله و نحو ذلك فيدعى عليه ان ما لزيد عنده صار مستحقا له بالصّلح و يطلب منه اليمين مع الإنكار و عدم البينة و لا يضر عدم إمكان الردّ أو القضاء بالنكول كما في الوارث و القيم على الطّفل و كذا لقائل أن يقول لم لا يجوز الصّلح على استحقاق الدّعوى فقط فانّ ذلك حق و يجوز الصّلح على كل حق لكن يرد عليه (حينئذ) انه لو ثبت الحق امتنع أخذه لعدم جريان الصّلح عليه و يجاب بان الصّلح لو جرى على أصل الاستحقاق فان ثبت الحق أخذه و الا كان له استحقاق الدّعوى و طلب اليمين و بالجملة فيقوم مقام المدعى و لا بعد في ذلك و يغتفر في الصّلح ما لا يغتفر في غيره انتهى و الغرض من ذكر هذا الكلام بطوله هو ان نقل الحق إلى الأجنبي مسلم في الجملة و ان اختلف في خصوصياته و ما ذكره المحقق الثاني (رحمه الله) في ذيل الكلام أوضح في إفادة ما نحن بصدده من ثبوت جواز النقل الى غير من هو عليه و لو في الجملة فانّا لسنا بصدد إثبات الكلية بل قد عرفت من كلامه ان كلّ حقّ يجوز الصّلح عليه غاية ما في الباب انه يقيّد بكونه ماليا على ما هو مقتضى كلامه الثاني الّذي عرفت حكايته ثمّ ان النّقل قد يكون مجّانا و قد يكون بعوض و الجميع موجود في الشّرع و مقتضى كلام (المصنف) (رحمه الله) ان من الحقوق ما هو غير قابل للمعاوضة بالمال مع قبوله للنقل و منها ما لا يقبل النقل و الوجه في ذلك انه أفرد ما لا يقبل المعاوضة بالمال عما لا يقبل النقل و قابل بينهما و هو (كذلك) فقد قال العلّامة (قدس سرّه) في (القواعد) بجواز هبة احدى الضّرتين للأخرى حق مضاجعته زوجها مع انه منع من الاعتياض عليه قال و لو وهبت ليلتها من ضرّتها فللزّوج الامتناع فان قبل فليس للموهوبة الامتناع و لا لغيرها و ليس له المبيت عند غير الموهوبة أو الواهبة الى ان قال و لو

عاوضها من ليلتها بشيء لم يصح المعاوضة لأن المعوّض كون الرّجل عندها و هو لا يقابله عوض فتردّ ما أخذته و يقضى لأنّه لم يسلّم لها العوض انتهى و ذكر الحكم الأوّل في (التذكرة) في كتاب احياء الموات حيث قال الذين يسقون أراضيهم من الأودية المباحة لو تواضعوا على مهاياة و جعلوا للأولين أياما و للآخرين أياما جاز و كان ذلك رضى من الأوّلين بتقديم الآخرين و مسامحة غير لازمة و يشبه ذلك ما إذا وهبت الضّرة نوبتها من الضّرة و كل من رجع من الأوّلين كان له سقى أرضه انتهى بل (الظاهر) انه مما لا كلام فيه و ان تردد جماعة في الثاني قال في (الروضة) عند قول الشهيد (قدس سرّه) و لا يصح الاعتياض من القسم بشيء من المال لان المعوّض كون الرّجل عندها و هو لا يقابل بعوض لانه ليس بعين و لا منفعة كذا ذكره الشيخ (قدس سرّه) و تبعه عليه الجماعة و في (رحمة الله) نسب القول اليه ساكتا عليه مشعرا بتوقفه فيه أو تمريضه و له وجه لأنّ المعاوضة غير منحصرة فيما ذكر و لقد كان ينبغي جواز الصّلح عليه كما يجوز الصّلح على حق الشّفعة و التحجير و نحوهما من الحقوق انتهى و في كشف اللّثام في ذيل التّعليل الّذي تقدّم ذكره في عبارة عد من قوله لانّ المعوّض كون الرّجل عندها و هو لا يقابله عوض فانّ العوض انّما يقابل عينا أو منفعة و ليس هذا الا سكنى و مأوى و فيه تردّد لمنع الحصر و لان علىّ بن جعفر سئل أخاه (عليه السلام) عن رجل له امرأتان فقالت إحديهما ليلى و يومي لك يوما أو شهرا أو ما كان ا يجوز ذلك قال إذا طابت نفسها و اشترى ذلك منها فلا بأس و لذا اقتصر في (التحرير) على النّسبة إلى الشّيخ (قدس سرّه) كما نسب في (الشرائع) إلى القيل انتهى و بمعنى الخبر المذكور أخبار أخر ذكر بعضها في الوسائل في أبواب القسم و النّشوز و أشار الى بعضها و لكن لا يخفى عليك ان تردّد جماعة في ذلك لا يورث وصمة في كلام (المصنف) (رحمه الله) لان كلامه مسوق لبيان الأقسام لا تحقيق أحوالها و يكفي في صحة سوق مثل هذا الكلام مجرد احتمال بعض الأقسام لذلك من جهة وقوع الخلاف فيه أو غير ذلك تنبيه قد استفيد من كلام المحقق الثاني (قدس سرّه) ان كل حق مالي يجوز الصّلح عنه و ان مستنده ما أشار إليه في طي كلامه من التمسّك بقوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و مثله في أصل الحكم الشهيد الثاني (رحمه الله) بل مقتضى كلامه التعميم بالنّسبة الى ما ليس بحقّ مالي بدليل انه حكم في حق القسم بذلك مع كونه غير مالي و هو ظاهر و على هذا فيكون الأصل في كلّ حق مالي أو (مطلقا) هو جواز الصّلح عنه حتى يخرج شيء من افراده بالدّليل و على هذا استقر بناء بعض الأواخر تمسّكا بقوله (عليه السلام) الصّلح جائز بين المسلمين الا ما أحلّ حراما أو حرّم حلالا و عن الشيخ الفقيه المحقق موسى بن جعفر الغروي (قدس سرّهما) انه جعل صحّة الصّلح منوطة بقبول الاسقاط فكل ما كان من الحقوق قابلا له صحّ الصّلح عنه و كل ما لم يكن قابلا له لم يصحّ الصّلح عنه و الّذي يظهر لي عاجلا هو عدم صحة الجميع لانّ عموم الأمر بالوفاء بالعقود لا يتأتّى منه كون المورد صالحا لإيراد العقد عليه و مثله حديث الصّلح و ان جواز إسقاط الحق لا يستلزم ترخيص

171

(الشارع) في مقابلته بمال و هو أمر منوط برضاه و اذنه ا لا ترى ان العذرة مثلا مع ما و عليه من المقصودية عند أهل الزرع و البساتين لم يرخص (الشارع) في مقابلتها بالمال مضافا الى انا لو سلمنا الملازمة بين إسقاط الحق ممّن هو عليه و بين مصالحته عنه بمال لم نسلم الملازمة بين إسقاطه عنه و بين مصالحة الأجنبي عن الحق بمال فالحق ان الأصل عدم جواز الصّلح عن كلّ ما شك في جواز الصّلح عنه من الحقوق حتى يدل دليل على جوازه كما ان الأصل عدم جواز إسقاط كل حق شك في جواز إسقاطه حتّى يقوم دليل على الجواز

قوله لانّ البيع تمليك الغير

يعنى ان كلّ بيع تمليك الغير من الطّرفين أعني طرفي البائع و المشترى فهو من طرف البائع تمليك العين للمشتري و من طرف المشترى تمليك الثمن للبائع ففيما نحن فيه إذا فرض انّ الحقّ غير قابل للنّقل الى الغير لم يصح من المشترى ان يجعله ثمنا و ينقله إلى البائع في مقابل العين الّتي نقلها اليه

قوله (رحمه الله) و لا ينتقض ببيع الدين على من هو عليه

يعنى ان كلية التعليل الّذي هو ان البيع تمليك الغير لا تنتقض ببيع الدّين على من هو عليه و تقريب وجه النّقض هو ان بيع الدين على من هو ليس إلا عبارة عن إسقاطه عن ذمّة المديون و مع سقوطه لا يبقى شيء حتى يملكه و وجه الدّفع هو ان السّقوط هنا يتفرّع على التمليك و لا مانع من اجتماعهما بحيث يتفرّع السّقوط على التّمليك و من جهة عدم المانع من اجتماعهما صار أمر الإبراء ملتبسا فجعله الشهيد (رحمه الله) مرددا بين الاسقاط و التمليك

قوله و الحاصل انه يعقل ان يكون مالكا في ذمّته فيؤثر تمليكه السقوط و لا يعقل ان يتسلّط على نفسه

غرضه (رحمه الله) بيان حاصل وجه الفرق بين الحق و الدّين من حيث صحّة البيع الثاني و عدم صحة كون الأوّل ثمنا للمبيع و قد استفيد إثبات الفرق من التعرّض لعدم ورود النقض ببيع الدّين هذا و لكن لا يخفى عليك ان ما ذكره في هذه العبارة من انه لا يعقل ان يتسلّط على نفسه مبنىّ على ما أشرنا إليه من كون النّقل مغاير المعنى الاسقاط من حيث انه يعتبر في نقل الحقّ انتقاله من صاحبه الأول إلى غيره بحيث يترتب عليه عند المنتقل اليه تلك الآثار الّتي كانت تترتب عليه عند المنتقل منه و الا كان عبارة عن الإسقاط فينتفى الأثر الّذي كان يرتّب عليه صاحبه و لا يفيد جواز ترتيب أثره ممّن أسقط عنه و بهذا البيان يمكن دفع ما قد يتوهّم وروده من النّقض بأنّه إذا كان بيع الدّين ممّن هو عليه مفيدا للملكية له و ترتب السّقوط عليه فليكن نظيره ثابتا فيما لو باع من عليه الحق من المستحقّ عينا بحقّه فلم لا يفيد ذلك صيرورة الحقّ ملكا للبائع الّذي هو من عليه الحقّ حتّى يترتب عليه سقوطه و وجه الدّفع ان ذلك (حينئذ) لا يكون نقلا للحق في مقابل إسقاطه و انّما يكون إسقاطا ثمّ انه يبقى هنا مناقشة تتجه على كلام (المصنف) (رحمه الله) و هي ان قوله و لا يعقل ان يتسلّط على نفسه و ما ذكره من السر بعد ذلك انّما يتم على تقدير كون المنقول اليه هو خصوص من عليه الحق و قد عرفت انه كما يصحّ شرعا ان ينقل الحق الى من هو عليه (كذلك) يصحّ ان ينقل الى غيره ممّن هو أجنبي عنهما فكلامه قاصر عن افادة تمام المقصود بل موهم لخلافه بل نقول ان النقل مقابل الإسقاط إذا كان لا يتصوّر بالنّسبة الى من عليه الحقّ كان اللازم تحرير البحث و سبك التّعليل الى النقل بالأجنبي و يمكن الجواب بان مورد النقض لما كان بيع الدين على من هو عليه كان اللازم في تحرير الجواب هو النسج على منواله و إذ قد عرفت ذلك فاعلم أن لبعض مشايخنا في المقام كلاما ينبغي ذكره و هو انه اختار التفصيل بين ما كان من الحقوق لا يقبل الاسقاط كحقّ السّلام و حق ولاية الأب و الجدّ مثلا و بين ما يقبل النّقل كحقّ التحجير و بين ما يقبل الاسقاط كحقّ الخيار و الشفعة فمنع من صيرورة الأوّل عوضا للمبيع و أجازها في الأخيرين استنادا الى العمومات الدّالة على مشروعية البيع و فرّع على ذلك الاعتراض على (المصنف) (رحمه الله) بأنّ الاستشكال في جواز صيرورة كل من حق التحجير و حق الخيار و حق الشّفعة عوضا للمبيع من جهة عدم المالية في الأوّل و قد اعتبر في المصباح كون العوض مالا و عدم تعقل سلطته الإنسان على نفسه في الأخيرين مما لا وجه له امّا الأوّل فلعدم حجيّة قول صاحب المصباح في حقنا بعد علمنا بمعنى البيع أو لاحتمال ان مراده بيان الصّنف الغالب و امّا التأني فلان الحقّ (مطلقا) ان قبل النّقل كما اعترف به في حق التحجير (فحينئذ) يصحّ في حق الخيار و حق الشّفعة جعلهما عوضا للمبيع فيفيد البيع نقلهما و تمليكهما و يترتب على ذلك السّقوط كما في بيع الدّين على من هو عليه و ان لم يقبل النّقل فلم اعترف به في حق التحجير و استند في الاستشكال الى عدم الماليّة ثمّ ان هذا كلّه انما هو إذا كان البيع بحق الخيار أو الشّفعة مثلا على من عليه الحق و اما إذا كان البيع بهما على الأجنبي فلا يصحّ لعدم ثبوت ذلك من الشرع هذا كلامه و قد عرفت ممّا تقدم ما فيه فان (المصنف) (رحمه الله) استشكل في المسئلة من باب احتمال كون العوض لا بدّ من ان يكون مالا و لا يدفعه الا دعوى العلم و بابه الى التفصيل الرافع للإشكال منسدّ و احتمال ان مراد صاحب المصباح بيان الفرد الغالب لا يفيدنا العلم بذلك و قد عرفت اختلاف أحوال الحقوق عند فقهائنا فراجع و تدبّر ثمّ انى بعد ما حرّرت المقام عثرت على كلام لبعض المعاصرين سلمه اللّه (تعالى) أعجبني نقله قال و امّا الحق ففي جواز كونه ثمنا للبيع وجوه أو أقوال فقد (يقال) بجوازه (مطلقا) للإطلاقات القاضية بكونه كالصّلح الّذي لا إشكال في وقوعه على الحقوق (مطلقا) و قد (يقال) بعدمه (كذلك) للأصل و لاعتبار المالية فيه لغة و عرفا مع عدم صدقها على ذلك (كذلك) و لظهور كلمات الفقهاء في مقامات شتى في حصره بالمال و قد يفصل بأنّ الحقّ ان لم يقبل المعاوضة أو الانتقال فلا إشكال في عدم

جواز بيعه لان البيع تمليك الغير و الفرض تعذره أو لمعلومية كونه من النواقل لا من المسقطات بخلاف الصّلح و ان قبل الانتقال و صحّ الصّلح عليه بالمال ففيه اشكال لما مرّ في الثاني الا انّه قاصر عن تقييد الإطلاقات اللهم الا ان يمنع شمولها لذلك باعتبار عدم ثبوت تعارف نحو ذلك أو يمنع التمسّك بها في نحو ذلك و (حينئذ) فلا مخرج عن الأصل و امّا الأول فقد ينتقض ببيع الدين على من هو عليه المقتضى للإسقاط و لو باعتبار ان الإنسان لا يملك على نفسه ما يملكه غيره عليه و ذلك بعينه آت في نحو حق الخيار و الشّفعة و قد يفرق بينهما بأنه لا مانع عقلا من كون البيع المزبور تمليكا لما في ذمّته فيسقط عنه كما احتمل في الإبراء و (حينئذ) فيعقل ذلك و لا يعقل ان يتسلّط على نفسه لأن الحقّ سلطنة فعليه لا يعقل قيام طرفيها بشخص واحد بخلاف الملك فإنه نسبة بين المالك و المملوك و لا يحتاج الى من يملك عليه حتى يستحيل اتحاد المالك و المملوك عليه و قد يدفع أولا بنقل الخيار مثلا الى غير من عليه الحقّ فإن إنكار تعقله قد يشبه المكابرة كإنكار دخوله في محلّ البحث و ثانيا بان معنى كون الخيار مثلا قد انتقل اليه ان سلطنة فسخ العقد الّتي كانت لغيره قد صارت له فله فسخه كما كان لغيره و لا يتوقف على من عليه الحقّ كي يستحيل اتحاد ذي

172

الحقّ و من عليه الحقّ بل (الظّاهر) عدم سقوطه بالانتقال اليه فهو اولى من هذه الجهة من بيع الدين على من هو عليه لسقوطه عنه بعد الانتقال اليه قطعا بخلاف المقام فإنّه لا مقتضى لسقوطه نعم قد يكون الحق شرعا مختصّا بمن هو له على وجه لا يصحّ نقله عنه شرعا كحقّ الشّفعة على (الظاهر) فينحصر اثر بيعه مثلا بإسقاطه فإن صحّ كونه من المسقطات في الجملة صحّ نقله؟؟؟؟ و الا فلا فالوجه التمسّك بالأصول (مطلقا) انتهى

قوله (رحمه الله) الا انّ الفقهاء قد اختلفوا في تعريفه

يعنى معناه العرفي لا (يقال) ينبغي ان يكون هذا الخلاف بعد تسليم انّه حقيقة عرفا في المعاملة المعهودة القائمة بالطرفين و هو المعنى المركب من إيجاب أحدهما و قبول الأخر فإن ذلك مما لا مساغ لإنكاره فلا بدّ من ان يكون هذا الخلاف ناظرا الى معنى ثان بعد ذلك المعنى المسلّم و هذا هو الّذي فسّره في المصباح بأنّه في الأصل مبادلة مال بمال و لا ينافي ذلك ما سينقله (المصنف) (رحمه الله) عن الشهيد الثاني (قدس سرّه) من ان إطلاق البيع على العقد مجاز لان مراده بذلك انّما هي الألفاظ الّتي وقع بها الإيجاب و القبول و لعلّ هذا المعنى هو المراد بما عن الكافي من انه عقد يقتضي استحقاق التصرّف في المبيع و الثّمن و ما في النافع من قوله و امّا البيع فهو الإيجاب و القبول اللذان ينتقل بهما العين المملوكة من مالك الى غيره بعوض مقدر انتهى بناء على ان المراد بالعقد هو معنى الإيجاب و القبول لكونه أقرب الى المعنى الأصلي للعقد لا ألفاظها و انّ المراد بالإيجاب و القبول المعنيان اللذان إنشائهما المتعاقدان لكونهما أقرب الى معنييهما الأصليّين لأنّا نقول ان ذلك مما لم يصرح أحد من أهل اللغة بوضع اللّفظ له و تفسيره بالمبادلة لا يدل عليه و انّما يدل على ان معناه النقل بعوض إذ ليس معنى المبادلة إلا ذلك فالحاصل ان البيع حقيقة في معنى يعبر عنه في الفارسيّة بقولهم فروختن و في التّركية بقولهم صاتمق و لذا قال مترجم القاموس بعد تفسيره به (يقال) باعه يبيعه بيعا و مبيعا إذا بادل سلعته بثمن و حكى عن صاحب القاموس في البصائر ان البيع إعطاء المثمن و أخذ الثّمن ثمّ ان دعوى ان المراد بالعقد في كلام الشّهيد الثاني (قدس سرّه) انما هو ألفاظ الإيجاب و القبول و في عبارة الكافي هو المعنى تحكم بحت كدعوى ان المراد بالإيجاب و القبول في عبارة (مختصر النافع) هي المعاني خصوصا مع تعبير مصنّفه في (الشرائع) بأن العقد هو اللفظ (انتهى) هذا و قد جزم بعض من تأخر بأن لفظ البيع ليس حقيقة في المعنى المذكور أعني المعاملة القائمة بالطرفين و استند في ذلك الى وجوه أحدها انه لو كان معنى البيع ذلك لحصل بمجرد فول البائع بعت و لم يفتقر الى القبول ثانيها انّه كان معنى البيع ذلك لم يعقل تعلق النّذر و نحوه به لانّ النّذر و شبهه انما يتعلقان بما هو من فعل النّاذر و معلوم انه على هذا التقدير يصير البيع عبارة عما اجتمع من فعله و فعل غيره الّذي هو المشترى و المركب من المقدور و غير المقدور غير مقدور فلا يصحّ ان يتعلق به النّذر ثالثها ان أهل اللغة ذكروا ان البيع كالشّراء من الأضداد و لا يتم ذلك الا بان يكون أحد معنييه النقل و الأخر هو القبول و لو كان أحد معنييه المجموع من النقل و القبول و الأخر نفس القبول لم يكن من الأضداد لعدم التضاد بين المركب و جزئه رابعها ان المتبادر من لفظ البيع غير المعنى المذكور اعنى النقل و ما ترى من ارادة المعاملة المذكورة من مثل قوله (تعالى) أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و غيره فهو مجاز لو سلمنا ارادتها و الا قلنا ان نقول ان المراد من مثله ايضا هو النقل و (حينئذ) نقول لا ريب في استعماله في غيرها من المعاني أيضا بل قيل ان (المشهور) ان البيع حقيقة في العقد و (حينئذ) فاما ان يكون حقيقة شرعية في غير ما ادعينا التبادر بالنّسبة إليه كالعقد مثلا و هو باطل لانه لم يدعه أحد و اما ان يكون ممّا استقر عليه اصطلاح الفقهاء فذلك بالنّسبة إلى خصوص العقد ممّا هو غير النقل من المعاني ممّا لا مانع منه و لكنّه لا يثبت ما نحن بصدده من الوضع العرفي و امّا ان يكون مشتركا بين المعاني المستعمل فيها لكن العقد أظهرها و امّا ان يكون حقيقة في أحدها و مجازا في الباقي و قد تقرر في محلّه ان الاشتراك خلاف الأصل فيقدم عليه المجاز عند دوران الأمر بينهما فيتعيّن الحكم به و يثبت تعين النقل لكونه حقيقة بحكم التبادر و دعوى دلالة ذكر العقود التي من جملتها البيع في مقابل الإيقاعات على كونه حقيقة في الإيجاب و القبول ممنوعة لأن غاية ما هناك ان يدلّ ذلك على توقف العقد عندهم على الإيجاب و القبول على خلاف الإيقاع و اين هذا عن كون العقد عبارة عن نفس الإيجاب و القبول فالحاصل ان إطلاق البيع على العقد انما هو من مصطلحات الفقهاء و لا دخل لذلك بالوضع اللّغوي أو العرفي العام نظير ما استقر عليه

اصطلاحهم في الطهارة من كونها عبارة عندهم عن استعمال طهور مشروط بالنّية و لم يستعمل شيء من متصرّفاتها في الكتاب و السنة في ذلك فيستفاد من ملاحظة ذلك ان تعريفهم للطّهارة بما عرفت مبنى على مصطلحهم و الا لزم التجوز في عامة تصاريفها الموجودة في الكتاب و السنة و هو في غاية البعد هذا و بعض ما ذكره و ان كان مما يمكن المناقشة فيه الّا ان المدّعى حق

قوله (رحمه الله) و حيث ان في هذا التّعريف مسامحة واضحة عدل اخرون الى تعريفه بالإيجاب و القبول الدالين على الانتقال

وجه المسامحة ان الانتقال من أثار البيع بالضّرورة فجعله عبارة عن الأثر مسامحة واضحة و لذلك عدل اخرون الى تعريفه بما يصحّ ان يكون الانتقال أثرا له فعرّفوه بالإيجاب و القبول الدالين على الانتقال إذ لا ريب في ان المدلول من آثار الدّال ثمّ ان بعض من تأخر اقتفى اثر صاحب (الجواهر) (رحمه الله) في الاستناد في نفى كون البيع حقيقة في الانتقال الى ان البيع من قبيل الفعل و الانتقال من قبيل الانفعال فلا يصحّ تفسير أحدهما بالاخر و أنت خبير بما فيه لانه من الانفعال عند القائلين بأنه انتقال فلا يتجه إلزامهم بذلك و في (الجواهر) ان الانتقال اثر البيع و غايته المرتبة عليه فيمتنع تعريف أحدهما بالاخر و ان النقل هو الموافق لتصاريف البيع و ما يشتق منه من الأفعال و الصّفات بخلاف غيره إذ لا يراد ببعت مثلا معنى الانتقال كما هو ظاهر و كذا البائع فإنه ليس بمعنى المنتقل و قد يجاب عن الأول بان كون الانتقال اثر البيع أوّل الكلام و عين النّزاع فالمفسّرون له به يقولون ان البيع عين الانتقال و احتمال تسليمهم كون البيع هو العقد و تعريفهم له بالانتقال ممّا قد يقطع بعدمه و ان نقل عن الشهيد (قدس سرّه) نحو ذلك و عن الثاني بان الحال في البيع مثله في النّكاح فقد حكى الاتفاق على كونه حقيقة في العقد و اعترف به كثير منهم و مع ذلك يقع بالصّيغة المشتقة منه بمعنى غيره فليكن هنا (كذلك) لكن يمكن دفع هذا بان الاتفاق هناك يصير ملزما للقول بكونه حقيقة في العقد و لما لم يصحّ سريان المشتق منه في المشتق التزمنا بأنه مشتق ممّا ليس بذلك المعنى فالاتفاق هو المخرج عن مقتضى

173

الأصل الّذي هو توافق المشتق و المشتق منه في أصل المعنى الكلّي السّاري في ضمن المشتقات فيكون ما نحن فيه ممّا لا يصحّ قياسه على ذلك المقام لوقوع الاختلاف هنا في معنى البيع المشتق منه فلا مخرج عن حكم أصالة توافق المشتق و المشتق منه

قوله و حيث ان البيع من مقولة المعنى دون اللّفظ مجرّد أو بشرط قصد المعنى و الا لم يعقل إنشاؤه باللّفظ

و ارادة معنى أخر من الصّيغة المشتقة منه يوجب تغاير المشتق و المشتق منه و قاعدة لزوم توافق المشتق و المشتق منه تنقيه و قال بعض المعاصرين أيّده اللّه (تعالى) في مقام دفع هذا الإيراد على القول بكون البيع عبارة عن الإيجاب و القبول الدالين انه لا بأس بالتزام عدم إنشاء البيع بلفظ البيع بهذا المعنى و انّما المنشأ به غيره ممّا يناسبه على نحو إنشاء النكاح بناء على انه هو العقد كما حكى عليه الاتفاق و اعترف به كثير منهم و فيه ما تقدم من ان عدم صحة الإيجاب بمعنى العقد في النكاح مع الاتفاق على كون النّكاح حقيقة في العقد المخرج عن أصالة توافق المشتق و المشتق منه ممّا يدعو الى الحكم بالمغايرة هناك و المفروض عدم الاتفاق هنا على كون البيع بمعنى العقد الذي هو عبارة من الألفاظ الّتي هي الإيجاب و القبول و العجب منه سلمه اللّه كيف اتى بما ذكره و قد سبقه صاحب (الجواهر) (رحمه الله) بما ذكرناه على ما ستعرف ثمّ ان صاحب (الجواهر) (رحمه الله) أورد على القول المذكور بوجوه أخر أحدها انّ البيع من قبيل الفعل فلا يصحّ تفسيره بالعقد الّذي هو من قبيل اللّفظ الّذي هو من قبيل الكيف لانّ المقولات العشر متباينة و يدفعه انّ ذلك أول النزاع فإنّ القائل بالقول المذكور يلتزم بأنّ البيع من مقولة الكيف ثانيها انّ العقد سبب و البيع مسبب فيمتنع تعريف أحدهما بالاخر و يدفعه ان ذلك (أيضا) أوّل النزاع لأنّ القائل بالقول المذكور يلتزم بأنّ البيع عبارة عما هو السّبب للنقل و هو العقد و ليس عبارة عما تسبّب عنه و ثالثها انّ النقل هو الموافق لتصاريف البيع و ما يشتق منه من الأفعال و الصّفات بخلاف غيره إذ لا يراد ببعث مثلا العقد و الا لكان إيجابا و قبولا و هو معلوم البطلان و كذا البائع فإنه ليس بمعنى الموجب و القابل و المطرد في الجميع هو النّقل فيكون البيع موضوعا له اجراء له على الأصل من لزوم التوافق مع الإمكان فلا يقدح تخلفه في النكاح لثبوت وضعه للعقد و امتناع الموافقة في أنكحت و نحوه فوجب صرفه الى معنى أخر كتمليك الانتفاع و التّسليط على الوطي و غيرهما ممّا يناسب العقد بخلاف المقام الذي لم يثبت وضعه فيه للعقد بل قد عرفت ثبوت الخلاف فيه و انه موضوع للنقل انتهى و هذا الوجه وجيه لكنّه راجع الى ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) ثمّ ان منهم من قال ان أجود التعاريف ما حكى عن الحلبي (رحمه الله) في الكافي من انه عقد يقتضي استحقاق التصرّف في المبيع و الثمن و تسليمهما و فيه أولا انه مبنى على القول بكون البيع عبارة عن الإيجاب و القبول و قد عرفت ما فيه و ثانيا انه مشتمل على الدور لذكر المبيع فيه و ثالثا انه لا مدخل للتّسليم في مفهوم البيع و قد اعتبره فيه و رابعا انّه لا يشمل البيع الفاسد

قوله عدل جامع المقاصد الى تعريفه بنقل العين بالصّيغة المخصوصة

استدل على ما تضمّنه هذا التعريف من كون البيع عبارة عن النّقل بأنّ المتبادر منه عرفا ذلك و بأصالة عدم النقل يثبت شرعا و لغة مع ما في مجمع البحرين من ان المراد به في آية أحلّ اللّه البيع و نحوها إعطاء المثمن و أخذ الثمن و ما في المصباح من أنه مبادلة مال بمال و لهذا صار اليه المحقق الثاني (قدس سرّه) صريحا و تبعه غيره و استظهر من عبارة (الشرائع) و لمعة و نحوهما و ربما استدل عليه ايضا ببطلان القولين الأوّلين بما سبق فيتعين الثالث للاتفاق على انه أحد الثلاثة لكن قال بعض المعاصرين أيده اللّه تعالى انه مع ندور القول المزبور بل في مفتاح الكرامة انا ما وجدنا قائلا به صريحا غير الكركي (رحمه الله) و لا ظاهرا عدا (الشرائع) و اللمعة بل ظاهر (المسالك) من جهة اقتصارها على حكاية القول بأنّه عقد و القول بأنه انتقال انما هو حمل ظاهر المتن يعني (الشرائع) على الثاني أو الأوّل و انه لا ثالث لهما قد يمنع التبادر المزبور و اولى به دعوى الاتفاق على الحصر المزبور ايضا بل قد يدعى ان المتبادر منه هو المعاملة الخاصّة القائمة بين البائع و المشترى معا و هو المعنى الحاصل بالعقد و هو المراد بقولهم كتاب البيع و عقد البيع و أقسام البيع و نحو ذلك و (حينئذ) فتعريفه بالعقد اولى و أسد كما في مفتاح الكرامة و قد تحمل عبارة المصباح و المجمع على ذلك ان لم تكن ظاهرة فيه بل قد تحمل عليه الآيات و نحوها و لا بأس به إذ حملها على فعل البائع خاصّة أو على فعل المشتري خاصة بعيد جدا و ان كانا من معانيه اللغوية إذ هو من الأضداد عندهم كالشراء انتهى و لا يخفى ما في دعوى تبادر المعاملة الخاصّة و حمل عبارتي المصباح و المجمع على ذلك من المنع ثمّ ان ما ذكره من استظهار القول بالنقل من عبارتي (الشرائع) و اللمعة ممّا صرّح به صاحب (الجواهر) أيضا لأنه قال في ذيل قول المحقق (قدس سرّه) في عقد البيع و شروطه و إذا به العقد هو اللّفظ الدّال على نقل المال من مالك إلى أخر بعوض معلوم ما لفظه و ظاهره كاللمعة ان البيع نقل الملك بعوض معلوم انتهى و قد أجاد هو (رحمه الله) و من سبقه في هذا الاستظهار لان عقد البيع إذا كان هو اللّفظ الدّال على النقل فالبيع لا (محالة) يكون عبارة عن النّقل لكن أورد عليه بعض من تأخر بان الاستظهار المذكور مبنى على ان تكون اضافة عقد البيع لاميّة و هو ممنوع لاحتمال ان تكون بيانية فيكون التّعريف لنفس البيع و يصير (حينئذ) عبارة عن اللّفظ الّذي هو العقد مضافا الى انّه على تقدير كون الإضافة لاميّة لا دلالة في عبارة المحقق (رحمه الله) على كون البيع عبارة عن النقل لاحتمال انّه عبارة عن الانتقال و لا يخفى عليك سقوط الجميع ضرورة كون الإضافة البيانية خلاف (الظاهر) فلا يلتزم بها الا عند قيام قرينة و كون البيع عبارة عن الانتقال بعد فرض الإضافة لاميّة مما يأبى عنه مساق الكلام كما لا يخفى نعم هو من الاحتمالات الموهومة الّتي لا تصادم الظّهور أصلا و اعلم ان ما أشار إليه (المصنف) (رحمه الله) من اختلافهم في تعريف البيع بالنقل أو الانتقال أو عقد البيع انّما أراد به بيان أصول ما اختلف فيه و الا فالتعاريف باختلاف القيود كثيرة و ربما (يقال) ان المقصود من التفاسير الثلاثة انما هو افادة مجرّد الكشف في الجملة لا التمييز الحقيقي حتّى يتحقق الخلاف بحسب المعنى و يظهر اثر الفرق بين التمييز الحقيقي و الكشف في الجملة في أحكام الصرف و السّلم اللّذين هما من أقسام البيع فإنّهما على الأوّل لا يتحققان في المعاطاة على القول بكون البيع عبارة عن العقد لعدم كونها بيعا على هذا القول فلا يوجد له في ضمنها ما هو من أقسام البيع

قوله (قدس سرّه) و يرد عليه مع ان النّقل ليس مرادفا للبيع و لذا صرح في (التذكرة) بأن إيجاب البيع لا يقع بلفظ نقلت و جعله من الكنايات

قد يدفع هذا بأنه غير قادح لوروده في كلّ تعريف حتّى تعريف البيع بأنّه إنشاء تمليك عين بمال الّذي قال (المصنف) (قدس سرّه) بأنه أولى من غيره إذ ليس الجنس مرادفا للمحدود و ان توهم مرادفة مجموع الحد له كما هو واضح كوضوح عدم إرادتهم كون البيع مطلق العقد أو مطلق النقل أو الانتقال كما قد

174

يتوهم من بعض العبارات و انما مرادهم عقد أو نقل أو انتقال مخصوص مباين لسائر العقود حتى الصّلح الّذي قد يقوم مقامه عندهم هذا و هو في محلّه لكن لا يتجه الا على تقدير كون مراده عدم وقوع البيع بلفظ نقلت مجرّدا عما يجعله مساويا للبيع من القيود و ان كان مراده عدم وقوعه به حتى لو ضم اليه من القيود ما يجعله مساويا له قلنا ذلك لا يقدح في صحّة التّعريف إذ لا يشترط في التعريف أزيد من مساواته للمعرّف و يبتني صحّة إيقاع الصّيغة به و عدم صحّته على ان المعيار في الصراحة و الكناية هو كون اللّفظ بنفسه صريحا و عدمه أو كون اللّفظ صريحا (مطلقا) و لو كان صراحته باعتبار ضمّ قيود الى اللّفظ تجعله نصّا في معنى العقد الّذي يراد إيقاعه و سيتضح لك تفصيل المقال في محلّه

قوله (رحمه الله) لأنه ان أريد بالصّيغة خصوص بعت لزم الدور لان المقصود معرفة مادة بعت

لا يخفى انه على هذا التقدير لا يلزم الدّور لان المعرف انما هو معنى البيع و المأخوذ في التعريف اعنى بعت عبارة عن اللّفظ فالموقوف هو المعنى و الموقوف عليه هو اللّفظ الا ترى انه لو قيل البيع نقل العين بلفظ بعت لم يلزم دور لكن بعد العلم إجمالا بأن جملة من الألفاظ تفيد معنى النّقل و ان من جملتها لفظ بعت و هذا العلم الإجمالي حاصل لكل من له أهلية مراجعة الكتب الفقهيّة بل يمكن ان (يقال) لا حاجة في اندفاع الدّور الى هذا العلم الإجمالي لأن التّعريف على الوجه الّذي ذكرنا يفيد العلم بان لفظ بعت للنقل

قوله (رحمه الله) و ان أريد بها ما يشمل ملكت وجب الاقتصار على مجرّد التّمليك و النقل

يعنى انّه لو أراد ما يشمل ملكت كان اللازم عليه ان يقتصر في التعريف على مجرد التّمليك أو النقل و لا يقيّد بقوله بالصيغة المخصوصة

قوله فالأولى تعريفه بأنه إنشاء تمليك عين بمال

اعلم ان العلامة الطباطبائي (قدس سرّه) قال في المصابيح ان الأخصر و الأسد تعريفه بأنه إنشاء تمليك العين بعوض على وجه التراضي و لما راى (المصنف) (رحمه الله) انّ العوض أعم من المال لانه يشمل ما لا يصدق عليه المال مثل جملة من الحقوق كحق السّلام و حق الحضانة و حق ولاية الأب و الجدّ على الصّغير و تمليك العين في مقابل أمثالها لا يصير بيعا لاعتبار بعض أهل اللّغة كون العوض مالا مع سكوت الباقين و ان التقييد بقوله على وجه التراضي يخرج بيع المكره مع انه بيع بل منه ما هو بيع صحيح كما لو أكرهه الحاكم في موارد جواز إكراهه فلذلك أبدل العوض بالمال و أسقط قيد التراضي فعرّفه بما ترى و مع ذلك أورد عليه بوجهين أحدهما ان اعتبار الإنشاء في التعريف لا وجه له لأن شيئا من تصاريفه المشتقة منه مثل باع و بايع و غيرهما لم يؤخذ في مفهومه الإنشاء و الأصل توافق المشتق و المشتق منه بل نقول ان من المعلوم ضرورة عدم اعتبار الإنشاء في مفهوم لفظ البيع ان أريد بيان المعنى المصدري أقول الأولى تقرير الاعتراض على عكس ما ذكر بان (يقال) ان الإنشاء مأخوذ في مفهوم البيع و ما تصرّف منه ضرورة ان الاخبار عن البيع لا يصحّ ان يسمّى بيعا و كذا من أخبر عن البيع بقوله بعت أمس لا يصحّ ان يحكم عليه بأنه باع نظر الى حال تكلمه الذي هو حال الاخبار عن البيع و على هذا فمعنى البيع إنشاء البيع و معنى البائع منشئ البيع و هكذا لكن التّمليك الّذي ذكر في التعريف جنسا حاله حال البيع فلا يسمّى الاخبار عن التّمليك تمليكا فالإنشاء مأخوذ في مفهومه ايضا فيصير ذكره في اللّفظ مضافا الى لفظ التّمليك مستدركا و ثانيهما ان العوض غير مأخوذ في مفهوم البيع وضعا فيصحّ الاخبار بالبيع عمن قال بعت هذه الدار مثلا بدون ذكر العوض و الوجه في ذلك واضح فإنّه اسم لما هو أعمّ من الصّحيح و الفاسد و لذلك تريهم يذكرون مسئلة البيع بلا ثمن و يختلفون في حكمه فلو لم يكن بيعا لم يكن لذلك وجه

قوله (قدس سرّه) نظير تملّك ما هو مساو لما في ذمته و سقوطه بالتهاتر

توضيحه انه إذا كان في ذمّة عمرو من من طعام مثلا لزيد فاشترى من زيد منّا من طعام مساو لذلك الطعام في الجنس و الوصف من دون زيادة و نقيصة و لم يقبضه فإنّه يملكه بالشّراء و يخرج عن ملكه بدلا عن الدّين الّذي في ذمّته

قوله إذ ليس للبيع لغة و عرفا معنى غير المبادلة و النقل و التمليك و ما يساويها من الألفاظ

يستفاد منه انه (رحمه الله) فهم من عبارة المصباح معنى النّقل

قوله و لذا لا يجرى فيه ربا المعاوضة

قال في (الشرائع) و هو يعنى الرّبا يثبت في البيع مع وصفين الجنسيّة و الكيل أو الوزن و في الفرض مع اشتراط النّفع انتهى و أراد (المصنف) (قدس سرّه) بهذا الكلام انه لا يجرى فيه ربا المعاوضة و انما يجرى فيه الربا للمختصّ به و الّا فمجرّد عدم جريان ربا المعاوضة فيه لا يدلّ على عدم كونه معاوضة لإمكان ان يكون ربا المعاوضة من قبيل الخواص الغير الشاملة لجميع افراد ما هو خاصّة له و يكون عدم جريانه في القرض باعتبار ان العوضين ليسا حاضرين و لا مذكورين في اللفظ و قد جعل أصل وضعه على ثبوت ما يساويه في مقابله فلذلك لا يتحقق فيه ربا المعاوضة المنوط بمجرّد كون أحدهما مشتملا على الفضل و الوجه في عدم جريان ربا المعاوضة فيه و جريان القسم الأخر فيه هو انه يشترط في الأول مضافا الى لزوم كون العوضين من جنس واحد كونهما من قبيل المكيل أو الموزون و لا اشترط في الثاني كون مال القرض و ما يعوض عنه من قبيل المكيل أو الموزون و انما يعتبر فيه اشتراط النّفع

قوله و لا الغرر المنفي فيها

يعنى لا يجري في القرض الغرر المنفي في المعاوضة توضيح ذلك ان الغرر عبارة عن الخطر و لهذا يستدلون بقوله (عليه السلام) نهى النّبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) عن بيع الغرر على اشتراط العلم بالمبيع و العلم بالثّمن و كون المبيع مقدور التّسليم و لا بد من ان يكون مراده (رحمه الله) بعدم جريان الغرر عدم قدح جهالة المال المقرض و الا فوضع القرض على تمليك عين حاضرة و دخول العلم بالثمن مستلزم للتكرار في كلامه لانه ذكره بعد الغرر و (حينئذ) فيكون مقصوده (رحمه الله) هو انه لا يشترط العلم بالمال الّذي يقرضه فلو قبض قبضة من الدّراهم و أقرضها من دون وزن و لا عدّ صحّ أصل القرض غاية ما هناك انه يلزم المقترض ان يعرف القدر بعد ذلك ليمكن له أداؤه و ذلك لا دخل له بأصل صحّة القرض و كذا لو أقرض مقدارا من الطعام من دون كيل و لا وزن أو بوزن غير معلوم كصبخة مجهولة المقدار غاية الأمر أنه يعتبرها المقترض بعد ذلك ليمكن له الأداء أو يحفظه هو أو المقرض ليؤدّي العوض بها و مع انتفاء الأمرين يتصالحان و ذلك لا يراحم أصل صحّة القرض هذا و لكن يبقى الكلام في صحّة ما استفيد من عبارته و سقمه فنقول قد حكم جماعة بعدم صحّة قرض المال المجهول فعن الشيخ (قدس سرّه) في (المبسوط) انه قال لا يجوز إقراض ما لا يضبط بالصّفة و قال العّلامة (رحمه الله) في (التذكرة) في أخر مسئلة الرّكن الثاني من أركان القرض يجب في المال ان يكون معلوم

175

القدر ليمكن قضاؤه و قال في البحث الثالث من أبحاث القرض قد بيّنا انه لا يجوز إقراض المجهول لتعذر الرّد فلو أقرضه دراهم أو دنانير غير معلومة الوزن أو قبة من طعام غير معلومة الكيل و لا الوزن أو قدّرها بمكيال معين أو صبخة معينة غير معروفين عند الناس لم يصح فان تلفت العين تصالحا إذ فلمّا ثبت في ذمّة المقترض مال و لا يعلم أحدهما قدره و يتعذر إبراء الذمّة إلا بالصّلح فيكون الصّلح متعيّنا انتهى و مثلها عبارة (القواعد) الى قوله لم يصحّ مع زيادة التعليل بقوله لتعذر المثل و في (جامع المقاصد) في شرح العبارة بعد قوله لم يصحّ و ان قرض حفظهما لان شرط صحة القرض العلم بالقدر و انما يتحقق بكون المكيال عاما و كذا الوزن و المكيال و الصبخة في مسئلة الكتاب لا يخرج المقدر بهما عن الجهالة مع انّهما بمعرض التلف فلا يبقى الى العلم بالمقدار طريق و قال بعد قول العلّامة (قدس سرّه) لتعذر المثل قيل عليه هذا غير واضح لان المكيال و الصبخة مع حفظهما لا يتعذر ردّ المثل فكان عليه ان يعلّل بغير ذلك و جوابه إمكان إرادة كونه بمعرض التّلف فيكون شأنهما تعذر رد المثل باعتبار تلفهما انتهى و يستفاد من قوله لان شرط صحّة القرض العلم بالقدر ان ذلك من قبيل المسلم عندهم حتّى انه علّل به و كذا يستفاد من كلام المعترض على التعليل يتعذر رد المثل حيث انه بعد المناقشة في التعليل فرّع عليها وجوب تبديل التعليل لا بطلان أصل الحكم المعلّل به و قال في لك عند قول المحقق (قدس سرّه) فيجوز إقراض الذّهب و الفضّة وزنا و الحنطة و الشعير كيلا و وزنا بعد بيان ضابط المثلي ما نصّه و (حينئذ) فلو اقترض المقدر غير معتبر لم يفد الملك و لم يجر التّصرف فيه و ان اعتبره بعد ذلك و لو تصرف فيه قبل الاعتبار ضمنه و يتخلّص منه بالصّلح كما هو وارد في كل ما يجهل قدره انتهى

قوله (رحمه الله) فتأمل

(الظاهر) انه اشارة الى عدم صلاحية ما ذكره من وجوه التأييد له امّا الرّبا فلانّه يصحّ ان يكون القرض ايضا نوعا من المعاوضة لكن يختصّ هذا النّوع منها بنوع من الرّبا و يختص النّوع الأخر بالنوع الأخر فلا دلالة في اختصاصه بنوع من الرّبا غير ما في البيع على كونه خارجا عن عنوان المعاوضة و امّا الغرر فيجب التحرز عنه فان المستفاد من جماعة ان اعتبار التعيين في القرض من المسلمات و اما ذكر العوض فعدم لزومه انّما هو من جهة انتفاء التفاوت في مهيته و من جهة كون المماثلة مأخوذة في موضوعه فلا حاجة الى الذّكر و لا ينافي كونه معاوضة و اما العلم بالعوض فهو بحسب أصل مهيته و موضوعه حاصل فلا يجوز الانتقال الى غير مماثلة الا بمواضعة اخرى و رضى جديد من الطرفين

قوله (رحمه الله) حتى الإجارة و شبهها الّتي ليست هي في الأصل اسما لأحد طرفي العقد

وجه جعل هذا النّوع مدخول حتى المفيدة لكون الحكم السّابق هنا أضعف في مدخولة هو ان ما كان في الأصل اسما لأحد طرفي العقد لا يصير في الأصل إلا اسما للفظ غاية ما في الباب انه يستعمل اللفظ الموضوع للجزء بعد ذلك في الكلّ الّذي هو من جنسه و هذا بخلاف ما لو لم يكن (كذلك) فان استعماله في ألفاظ الإيجاب و القبول يكون ابتدائيّا و استعمال ما كان موضوعا للفظ فيما زاد على ذلك من الألفاظ أقرب من استعمال ما لم يكن موضوعا لما هو من قبيل الألفاظ أصلا و رأسا

قوله نعم تحقق القبول شرط للانتقال في الخارج لا في نظر الناقل إذ لا ينفك التّأثير عن الأثر فالبيع و ما يساويه من قبيل الإيجاب و الوجوب لا الكسر و الانكسار كما تخيّله بعض

و لا ريب في حصول الوجوب في نظر الأمر بمجرّد الأمر و ان لم يصر واجبا في نظر غيره فكذا لا ريب في حصول النقل في نظر الموجب بنفس إنشائه من دون توقف على شيء و ان لم يحصل في نظر (الشارع) من جهة ان حصوله في نظره متوقف على تحقق الإيجاب و القبول الا ان الإنصاف ان حصوله في نظر الناقل حقيقة متوقف عليه ايضا و لا عبرة بمجرّد الصّورة أو القصد اليه على فرض تمامية سببه اللهمّ الا ان يتوهم ان الإيجاب المجرّد سبب تام له بل و كذا حصول الوجوب في نظر الأمر انّما يسلم مع توهم وجوب طاعته على المأمور لا (مطلقا) الا ان ذلك خارج عن محلّ البحث و لذا جعل النّقل و الانتقال من قبيل الكسر و الانكسار و لا ريب فيه مع عدم توهم المزبور بل و معه ايضا لحصولهما معافى نظره و اما في الخارج فقد يمنع حصول شيء منهما و يلتزم بعدم حصول الإيجاب أيضا إلا انه في غير محلّه كما يساعد عليه الوجدان هذا ما ذكره بعض المعاصرين سلّمه اللّه في ذيل عبارة (المصنف) (قدس سرّه) بألفاظه و على هذا فوجه كون النّقل بمنزلة الإيجاب هو انّ الإيجاب في نظر الأمر يستلزم الوجوب في نظره و ان لم يكن في نظر غيره وجوب (فكذلك) البيع الّذي معناه النّقل يستلزم الانتقال و ان لم يكن انتقال عند (الشارع) لتوقفه على حصول القبول ايضا و (حينئذ) فقوله (رحمه الله) فالبيع و ما يساويه معنى (انتهى) تفريع على قوله تحقق القبول شرط للانتقال في الخارج لا في نظر النّاقل و قوله إذ لا ينفكّ التأثير عن الأثر تعليل للنفي في قوله لا في نظر النّاقل يعنى ان تحقق القبول ليس شرطا للانتقال في نظر النّاقل لانّه صدر منه النّقل بحسب نظره و هو تأثير و الانتقال في نظره اثر و لا ينفك التّأثير عن الأثر إذ ليس معنى التّأثير إلا أجداث الأثر فمع عدم حدوث الأثر لا يتحقق تأثير

قوله (قدس سرّه) فتأمّل

(الظاهر) انه اشاره إلى مجرد دقّة المطلب الّذي ذكره لا الى توهينه و الّا لم يصحّ بناء ضعف أخذ القيد المذكور في معنى البيع المصطلح عليه ضرورة ان البناء على المبنى الموهون مما ليس من مقاصد العقلاء فكيف بعلمائهم

قوله (قدس سرّه) و منه يظهر ضعف أخذ القيد المذكور في معنى البيع المصطلح فضلا عن ان يجعل أحد معانيها

وجه ظهور ضعفه ان مفهوم البيع و ما وضع له لفظه عبارة عما يستعمله فيه الموجب الّذي هو الناقل و هو لا يريد بلفظه سوى مجرّد النّقل من دون التفات الى القبول كما ان الواضع لم يضعه الا لذلك فلا يبقى مجال لأخذ قيد القبول في معناه

قوله و امّا البيع بمعنى العقد فقد صرّح الشهيد الثاني (قدس سرّه) بأنّ إطلاقه عليه مجاز لعلاقة السّببيّة و (الظاهر) ان المسبّب هو الأثر الحاصل في نظر (الشارع) لانّه المسبب عن العقد لا النقل الحاصل من فعل الموجب لما عرفت من انّه حاصل بنفس إنشاء الموجب من دون توقف على شيء

قال في لك اختلف عبارات الأصحاب في حقيقة البيع فجعله جماعة منهم (المصنف) (قدس سرّه) في فع و الشهيد (رحمه الله) نفس الإيجاب و القبول الناقلين لملك الأعيان و احتجوا عليه بأنّ ذلك هو المتبادر عرفا من معنى البيع فيكون حقيقة فيه و ذهب اخرون إلى أنّه أثر العقد و هو

176

انتقال العين (انتهى) و رده الشّهيد (رحمه الله) في بعض تحقيقاته إلى الأول نظرا الى ان الصّيغة المخصوصة سبب في الانتقال فأطلق اسم المسبّب على السّبب و عرّف المغيى بالغاية و فيه نظر لأنّ الإطلاق المذكور مجازي يجب الاحتراز عنه في التّعريفات الكاشفة للمهية الا مع قيام قرينة واضحة و هو منتف و امّا التّعريف بالغاية بهذا المعنى فغير جائز لأن حملها على المغيّا حمل المواطاة أعني حمل هو هو و الغاية ممّا لا يصحّ حملها عليه (كذلك) و انما يدخل الغاية في التّعريفات على معنى أخذ لفظ يمكن حمله على المعرف مشير إلى الغاية و غيرها من العلل الّتي لا يصحّ عليه حمل المواطاة و هو هنا منتف انتهى أقول يرد على الشّهيد (رحمه الله) مضافا الى ما أورده عليه ثاني الشّهيدين (قدس سرّه) ان اللازم أحد الأمرين من إطلاق اسم المسبّب على السّبب و تعريف المغيّا بالغاية لأنه إذا أطلق اسم المسبّب على السّبب صار اللفظ مجاز أريد به خلاف معناه الموضوع له و التعريف انّما هو لذلك المعنى المجازي فلا يكون التّعريف الّا له و (حينئذ) يكون التّعريف بما يساويه الا ان تكون النسخة مغلطة و يكون عطف تعريف المغيّا بأو دون الواو أو يتكلف بان الواو بمعنى أو و يرد على ثاني الشّهيدين (قدس سرّه) ان المجاز هنا انّما هو في المعروف دون التعريف فلا ينطبق عليه قوله يجب الاحتراز عنه في التعريفات الكاشفة للمهية (انتهى) و يرد على (المصنف) (قدس سرّه) ان ما ذكر و بقوله و (الظاهر) ان المسبّب هو الأثر الحاصل إلى أخر ما افاده بما حاصله ان المسبّب هو النقل بمعنى اسم المصدر توجيه بما لا يرضى به صاحبه لانّه قد وقع التصريح في كلام الشّهيد (رحمه الله) بأنّ الأثر هو الانتقال و كلام ثاني الشّهيدين ايضا مبنى على ذلك و (المصنف) (رحمه الله) استظهر أن الأثر الحاصل من العقد انّما هو النّقل الّذي هو اسم المصدر و يمكن دفعه بان قوله (رحمه الله) ذلك مسوق للإيراد و دفع ما وقع في كلام الشّهيدين من كون الأثر عبارة عن الانتقال لكن يأبى عنه قوله لا النقل الحاصل من فعل الموجب لانه كان اللازم على ما ذكر في الدّفع ان يقول بدله لا الانتقال لانه لم يوضع له لفظه و يمكن التّوجيه بان قوله لا النقل الحاصل من فعل الموجب إشارة إلى دفع التوهّم المحتمل في المقام لا الى دفع شيء مذكور في كلامهما و اكتفى في دفع ما ذكر في كلامهما بإثبات أن المسبّب انّما هو الأثر الّذي هو اسم المصدر فتأمّل ثمّ انه يظهر من عبارة المصباح التي ذكرناها في صدر المبحث وجه أخر و هو ان السّبب عبارة عن الإيجاب و القبول و المسبّب عبارة عن مدلوليهما لانه قال لكنه أطلق على العقد مجازا لانه سبب التمليك و التملّك و يمكن ان يتكلّف بإرجاعه الى ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) بان (يقال) انه أراد بالتّمليك و التّملك ذلك النقل المعبّر عنه باسم المصدر فضاق عليه المجال في التعبير فعبّر بما ترى هذا و اعلم انه قال بعض من تأخر ان هذا يعنى اعتبار علاقة السّببيّة و المسبّبية انما يتم على القول بكون البيع حقيقة في المعاملة القائمة بالطرفين الّتي هي معنى الإيجاب و القبول أو القول بكونه اسما للصّحيح دون الأعمّ امّا على الأوّل فسببية العقد له معلوم لانّه مدلول و المدلول مسبّب عن الدّال في مقام الافهام و امّا على الثاني فلانّ البيع إذا كان معناه النقل الصّحيح كان ذلك المعنى في الحقيقة مقيّدا بالقبول لان ذلك مما لا يتم الصحّة إلا به ضرورة انها عبارة عن ترتب الأثر و لا يعقل تحققه الا بانضمام القبول و سببية العقد لمثل هذا النقل واضحة و امّا على التحقيق من كون البيع موضوعا لمجرد النقل فلا يتم ما ذكر لان العقد ليس سببا له لحصوله قبل تماما بنفس الإيجاب و انّما هو سبب للأثر الحاصل و هو انتقال العين و من البين أن العلاقة من السّببيّة و غيرها انما يلاحظ بين المعنى المجازي المقصود و بين المعنى الحقيقي دون معنى مجازي أخر فإذا لم يكن العقد سببا للمعنى الحقيقي للفظ البيع و هو النقل فكيف يصحّ استعمال لفظه فيه و أنت خبير بضعف ما أنكره من المبنى لان ثبوت كون البيع موضوعا لمجرّد النّقل لا ينفى وضعه لمعنى أخر و هو النّقل الّذي هو اسم المصدر و قد أثبته (المصنف) (رحمه الله) مضافا الى النقل الّذي هو معنى الإيجاب حيث قال و الحاصل ان البيع الّذي يجعلونه من العقود يراد به النّقل بمعنى اسم المصدر بعد ما ذكر ان جميع ما

ورد في النّصوص و الفتاوى ناظر الى ذلك و الإنصاف ان المتبادر من لفظ البيع هو ما أثبته (رحمه الله) فتدبّر

قوله و ظاهره إرادة الإطلاق الحقيقي

(انتهى) قال بعض من تأخر بعد ما ذكر كلام الشّهيدين (قدس سرّهما) انهما ان أراد ان (الشارع) نقلها عن المعنى اللّغوي إلى معانيها الصحيحة فصارت حقائق شرعيّة فيها فهو في غاية البعد و مع ذلك يوجب عدم جواز التمسّك بإطلاق مثل قوله (تعالى) أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و غيره من إطلاقات العقود الواردة و الكتاب و السنة عند الشكّ في اعتبار شيء فيها مع ان سيرة علماء الإسلام قد استقرت على التمسّك بها و ان أراد أنها حقائق في الصّحيحة عند أهل العرف (فحينئذ) يستكشف بما هو صحيح عندهم عمّا هو صحيح في الواقع عند (الشارع) الا فيما نبه (الشارع) على خطائهم و كون الصّحيح عنده غير ما هو صحيح عندهم و لا يكون هذا الا فيما وجد دليل يدل عليه فيصحّ التمسّك بالإطلاقات الواردة في الكتاب و السنة في إثبات صحّة ما شك في اشتراط شيء فيه لورودها على طبق المتعارف ففيه أولا ان الطريقة الّتي استقر عليها بناء أهل العرف انما تعتبر في المفاهيم الكليّة دون تمييز المصاديق التي يبنى عليه التمسّك بالإطلاقات على هذا التقدير و ثانيا انه لو كان معنى البيع هو الصّحيح و لو في أنظارهم لحصل الانتقال بمجرّد الإيجاب و لم تكن حاجة الى القبول و هو واضح الفساد و أقول يمكن المناقشة فيما ذكره من الوجهين امّا الأوّل فلان أنظار أهل العرف و ان لم تكن معتبرة في تمييز المصاديق و الموارد في غير المقام الا انّه يمكن ان (يقال) ان هذا المقام لا يقاس بغيره من المقامات ضرورة ان البيع و نحوه من العقود انما هي من قبيل ما كان متقررا بين النّاس ثابتا عندهم و قد أمضاها (الشارع) غاية ما في الباب انه زاد على ما كان متقررا عندهم شروطا و معلوم انّ اللّازم (حينئذ) اتباع ما علم منه من الشرائط الثابتة و ترك ما لم يثبت فيؤخذ بما عندهم و وجه الاخذه علمنا بان (الشارع) قد أمضاه و امّا الثاني فلانّ الواقع في عبارة الشّهيدين (قدس سرّهما) انما هو لفظ العقد و العقود و ان الإقرار في كلام الشّهيد الثاني عبارة عن الاخبار عن إيقاع عقد البيع و على هذا فلا مساس لحصول الانتقال بمجرّد الإيجاب بذلك

قوله فتأمّل فإن للكلام محلّا أخر

(الظاهر) ان الأمر بالتّأمّل إشارة الى ان كلام الشّهيدين ناظر الى ما هو المتداول الآن فيما بين المتشرعين خصوصا كلام الشّهيد الثاني و ما هي حقيقة فيه في عرف هذا الزّمان

177

بقرينة ذكره في كتاب الايمان و دلالة قوله و من ثم حمل الإقرار به عليه و على هذا فلا يتوجّه الإشكال أصلا و لا يبقى حاصل الى حلّه بما عرفت رأسا و قوله (قدس سرّه) فان للكلام محلا أخر ينبئ عن ان في نظره مطلبا أخر مستقلا قد طوى ذكره لعدم كون المحمل أهلا له و ما ذكرناه صالح لان يكون هو المراد فتدبّر

[الكلام في بيع المعاطاة]

قوله نعم يظهر من غير واحد منهم كون بعض العقود كبيع لبن الشاة مدّة و غير ذلك كون التمليك المطلق أعمّ من البيع

وجدت هذه العبارة بخط (المصنف) (رحمه الله) على هذا الوجه و لا يخفى ما فيها من نبر النّظم و ان كان المقصود واضحا و من المعلوم ان مثل هذا مبنى على وقوع السّهو من قلمه الشريف و الا فهو (قدس سرّه) قد كان امام عصره في نيل المعاني و أداء العبارات و التفطن للدقائق و الإشارات

قوله و حقق ذلك في شرحه على عدد تعليقه على الإرشاد بما لا مزيد عليه

قد ذكر (المصنف) (رحمه الله) عبارته بعينها في ذيل العبارات الّتي يحكيها عن الأصحاب

قوله لكن بعض المعاصرين

هو صاحب الجواهر (رحمه الله)

قوله و لا يخفى صراحة هذا الكلام في عدم حصول الملك

و قال في (المبسوط) في أخر الفصل الثاني من كتاب البيوع بعد الحكم بأنّه يعتبر في البيع الإيجاب و القبول و تقديم الأوّل على الثاني ما نصّه فإذا ثبت هذا فكل ما يجرى بين الناس انما هو استباحات و تراض دون ان يكون ذلك بيعا منعقدا مثل ان يعطى للخباز درهما فيعطيه الخبر أو قطعة للبقلي فيناوله البقل و ما أشبه ذلك و لو ان كل واحد منهما يرجع فيما أعطاه كان له ذلك لانه ليس بعقد صحيح هو بيع انتهى

قوله مع ان ذكره في حيّز شروط العقد يدلّ على ما ذكرنا

يعنى انه لو لم يذكر التّعليل كان ذكره في حيّز شروط العقد و تفريعه على اعتبار الإيجاب و القبول ما الّا على ان المانع من كونها عقد انّما هو انتفاء الشّرط المذكور لا عدم قصد الملك من أصله و الا كان أولى بأن يذكر و يفرع عليه عدم كون المعاطاة بيعا

قوله و لا ينافي ذلك قوله و ليس هذا من العقود الفاسدة (إلخ)

يعنى انه لا ينافي ما ذكره من قصد الملك نفى كونه عقدا فاسد العدم الملازمة بين عدم كونه عقدا فاسدا و بين كون مقصود المتعاطيين هي الإباحة لأنّه قد يتحقق انتفاء العقد الفاسد في ضمن وجود العقد الصحيح و قد يتحقق في ضمن انتفائه أيضا و هو واضح

قوله (قدس سرّه) و عن بيع الحصاة على التأويل الأخر

و التّأويل الأوّل ما تقدم في كلامه قبل الكلام الذي حكاه (المصنف) (رحمه الله) حيث قال و للجهالة بالمبيع نهى النّبيّ عن بيع الحصاة على أحد التّأويلين و هو ان ينعقد البيع على ما يقع عليه الحصاة انتهى

قوله (رحمه الله) منها ظهور أدلته الثلاثة في ذلك

يعنى ظهور الأدلة الثلاثة المذكورة في كلامه و ان كان الأخير دليلا على نهى النّبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) عن بيع المنابذة و الملامسة و عن بيع الحصاة و وجه الظّهور اما في الدّليل الأوّل أعني الإجماع فلانّ التمسّك به مع كونه دليلا تعبّديّا ظاهر في انّه هو العلّة التامّة للحكم لا غيره فينتفى الغير الّذي هو عدم قصد التمليك بل نقول انه لو كان هو العلة كان اللازم الاستناد اليه قبل الإجماع لانتفاء القابليّة (حينئذ) رأسا و امّا في الثاني فلان محصله التمسّك بعدم الدليل على كونها بيعا لانه أفاد ان تحقّق العقد بالإيجاب و القبول معلوم لقيام الإجماع على تحققه بهما و لا دليل على تحققه بدونهما و لو كان المفروض هو صورة عدم قصد التّمليك كان الدّليل على عدم كونها بيعا موجودا و مع وجود الدّليل على العدم لا مجال للتمسّك بعدم الدّليل و ترك التّعرض للدّليل على العدم نعم لا بأس بالتمسّك بعدم الدّليل مع وجود الدّليل إذا ذكر و تمسّك بعدم الدّليل على وجه الإغماض عنه كما فعله بالنّسبة إلى الإجماع و فعله غيره بالنّسبة الى الأصل مع وجود الدّليل و امّا في الثالث فلان محصله هو ان انتفاء الإيجاب و القبول صار سببا لنهى الشّارع عن البيوع المذكورة و جعل هذا هو السّبب في النّهي يدل على كونه علة تامّة في انتفاء العقد و البيع فان (الشارع) بنهيه أخرجها عن عنوان البيع مع ان المقصود فيها هو التّمليك و جعل المعاطاة في مرتبتها مع ما عرفت من قصد التّمليك فيها و الاستدلال فيها على عدم البيعيّة بما استدل فيها يدل على قصد التّمليك في المعاطاة (أيضا) و ان كان استدلال سيّد (رحمه الله) بهذا الوجه على ما رامه لا (يخلو) عن نظر بل يمكن المناقشة في دلالة الاستدلال المذكور على ما رامه (المصنف) (قدس سرّه) فتأمّل

قوله (قدس سرّه) و منها احترازه عن المعاطاة و المعاملة بالاستدعاء بنحو واحد

و منها نفس تفريع خروجها عن عنوان البيع على انتفاء شرطه الّذي هو الإيجاب و القبول و الفرق بين هذا و ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) هو ان المناط فيه هو مقارنة الاحتراز عن المعاطاة بالاحتراز عن الاستدعاء و المناط فيما ذكرناه هو تفريع الاحتراز عنه على اعتبار الإيجاب و القبول و هذا هو ما أشار إليه في ذيل كلام ابن إدريس (قدس سرّه) بقوله مع ان ذكره في حيز شروط العقد يدلّ على ما ذكرنا

قوله (رحمه الله) و قال المحقق (قدس سرّه) في (الشرائع) و لا يكفى التقابض من غير لفظ و ان حصل من الأمارات ما دلّ على ارادة البيع انتهى

قال بعض من تأخر ان هذا الكلام محتمل لوجوه أحدها انه لا يكفي في حصول العقد التقابض نظرا الى ان المحقق (قدس سرّه) قال قبل هذا الكلام العقد هو اللفظ الدّال على نقل الملك من مالك إلى أخر بعوض معلوم و عطف عليه الكلام المذكور و على هذا لا يدلّ على نفى كونها بيعا بل يكون ساكنا عنه كما يكون ساكتا عن إثباته ثانيها انّه لا يكفي في حصول البيع التقابض و على هذا يعطى نفى كونها بيعا لكنه لا ينفى حصول الملك بها إذ لا ملازمه بين انتفاء البيع و انتفاء الملك و منشأ هذا الوجه هو انّ نقل الملك مفيد الجميع ما ذكره عبارة عن البيع فيكون المراد عدم كفاية التقابض في النقل المقيّد الّذي هو البيع ثالثها انه لا يكفي في حصول البيع التقابض فعلى هذا لا تفيد المعاطاة إلّا الإباحة و منشأ هذا الوجه إرجاع عدم الكفاية إلى مطلق النقل مجرّدا عن القيود رابعها انه لا يكفي في لزوم البيع التقابض فعلى هذا يكون المعاطاة بيعا و مفيدة للملك الا انها غير لازمة و منشأ هذا الوجه ان اللّزوم من أوصاف البيع فيكون عدم الكفاية راجعا الى ذلك الوصف بمعنى ان التقابض لا يكفي في اقتران صفة البيع به أقول الوجه الأخير في غاية الوهن إذ ليس في العبارة إشارة و لا إشعار بإفادته و يتلوه في الوهن ما قبله لانّ المذكور في العبارة انّما هو نقل المقيّد بالقيود المذكورة فجعل متعلق عدم الكفاية هو مطلق النّقل ممّا يأبى عنه اللّفظ كما لا يخفى على من له خبرة بأساليب الكلام فبقي الأولان و لا يخفى أن أظهرهما الثّاني لأن تعريف المبتدإ و الخبر اعنى العقد و اللّفظ مع توسيط ضمير الفصل بينهما صريح في الحصر الّذي هو عبارة عن قضيتين إحديهما

178

موجبة و الأخرى سالبة فذكر عدم كفاية التقابض في حصول العقد لا (يخلو) عن تكرار بخلاف ذكر عدم كفاية التقابض في حصول نقل الملك فإنّه ليس فيه شائبة التكرار

قوله و دلالته على قصد المتعاطيين للملك لا يخفى من وجوه

أحدها قوله فلا يكفي التعاطي فإن معناه بقرينة وقوعه بعد قوله الأشهر انه لا بد منها هو ان التّعاطي لا يكفي في تأثير اثر الصّيغة و معلوم ان الاستناد الى عدم كفاية التعاطي انّما يصحّ في المورد الّذي لو كان هناك صيغة لأثرت النّقل و ليس الا ما قصد به التّمليك ثانيها التّمثيل بقوله أعطني بهذا الدينار ثوبا فيعطيه ما يرضيه أو يقول خذ هذا الثوب بدينار فان المثالين صريحان في قصد التمليك خصوصا بملاحظة الباء الّتي هي للمقابلة ثالثها قوله لأصالة بقاء الملك لان التمسّك بها لا يتم الا مع الشّكّ في حصول الملك و لا يصحّ ذلك الا بعد فرض قصد التّمليك و الا فالعلم بعدم حصول الملك متحقق و لا مجرى لأصالة بقاء الملك رابعها قوله و قصور الأفعال عن الدّلالة على المقاصد لانّه لا ينطبق الا على قصد الملك لان قصد الإباحة هو القدر المتيقّن و هو أقل المراتب الّتي يليق ان يتعلق بها القصد و الأفعال ليست قاصرة عن إفادتها

قوله (رحمه الله) أدونها جعل مالك موافقا لأحمد في الانعقاد من جهة انّه قال ينعقد بما يقصده النّاس بيعا

يعنى ان أحمد قال بأنّه ينعقد البيع بالمعاطاة (مطلقا) سواء فيها الجليل و الحقير و قد استند العلامة (قدس سرّه) في الحكم بكون مالك موافقا له إلى انّه قال ينعقد بما يقصده الناس بيعا فدل ذلك على ان كلام احمد ايضا ناظر إلى صورة قصد البيع كما هو المتعارف فيكون كلام خصمائه ايضا ناظرا الى ذلك المورد صونا للنزاع عن كونه لفظيّا

قوله (رحمه الله) و دلالتها على قصد المتعاطيين للملك ممّا لا يخفى

لانّه قال و امّا المعاطاة في المبايعات فهي تفيد الملك فقد قيّد المعاطاة بكونها في المبايعات و معلوم ان المبايعة بدون قصد التمليك ممّا لا يتحقق أصلا

قوله و صرّح الشّيخ (قدس سرّه) في (المبسوط) بأن الجارية لا تملك بالهدية العارية عن الإيجاب و القبول و لا يحل وطيها

و هذه العبارة بتمامها قد خط عليها (المصنف) (قدس سرّه) في نسخته و لكن يبقى قوله فيما سيأتي و هو المناسب لما حكيناه عن الشّيخ في إهداء الجارية (انتهى) بغير محلّ يشار به اليه الا ان يتكلف بان إهداء الجارية داخل في إهداء الهدية الذي حكى عن الشيخ (قدس سرّه) انه لا يقول فيه بالملك من دون إيجاب و قبول

[الكلام في نقل الأقوال في المعاطاة و هي ستة]

[الأول اللزوم مطلقا]

قوله اللزوم (مطلقا) كما هو ظاهر المفيد (قدس سرّه) و يكفي في وجود القائل به قول العلّامة (قدس سرّه) في كره الأشهر عندنا انه لا بد من الصّيغة

هذا القول اختاره الأردبيلي (قدس سرّه) صريحا و وافقه المحدث الكاشاني (رحمه الله) قال في شرح الإرشاد فاعلم ان الّذي يظهر انه لا يحتاج في انعقاد عقد البيع الملك الناقل من البائع إلى المشترى و بالعكس إلى الصّيغة المعيّنة كما هو (الشارع) بل يكفى كل ما يدل على قصد ذلك مع الإقباض و هو المذهب المنسوب الى الشيخ المفيد (قدس سرّه) و الى بعض معاصري الشهيد الثّاني (رحمه الله) و هو المفهوم عرفا من البيع لانه كثيرا ما يقال في العرف و يراد ذلك بل انما يفهم عرفا ذلك من لم يسمع من المتفقّهة شيئا و لهذا نسمع يقولون بعنا و يريدون ذلك من غير صدور تلك الصّيغة بل بدون الشعور بها و لهذا يصحّ أنّه أوقع البيع بدون الصّيغة و بالجملة الإطلاق واضح عرفا و ليس ذلك المعنى (المشهور) في اللّغة فإنه مسبوق باللّغة و هو ظاهر و لا في العرف لما مر و لا في الشرع بمعنى وجوده في كلام (الشارع) من الكتاب و السّنة أو الإجماع المستلزم لذلك و (حينئذ) نقول المعتبر ليس الا المعنى الذي ذكرنا و هو المفهوم عرفا لقوله (تعالى) وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و لما يدل على إباحته و ملكيّته؟؟؟ من الاخبار الكثيرة الصّحيحة المتواترة و للإجماع المعلوم إذ لا شك في إباحة ما يطلق عليه البيع و إذا لم يكن إلا العرفي فلا يكون المباح الا هو و لانه لو كان المعتبر غيره ما كان يليق من (الشارع) إهماله مع تبادر غيره و كمال اهتمامه بحال الرعية في بيان الجزئيّات من المندوبات و المكروهات إذ يصير تركه إغراء بالجهل و ذلك لا يجوز عندنا بل السّكوت و عدم البيان في مثل هذا المقام صريح و نصّ في الحوالة على العرف كما في سائر الأمور المحالة إليه إذ لا دليل له الّا هذا و لانّه لا شك في إباحة التصرّف (مطلقا) بمجرّد ما قلناه و لهذا هو المتداول بين المسلمين من زمانه (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى الان من غير نكير بل (الظاهر) ان ذلك صار إجماعيا لأنّ القول بأنّه عقد فاسد كان قولا للعلامة (قدس سرّه) و قد رجع عنه على ما نقل عنه و التصرّف دليل الملك لأنه إنّما أباح صاحب الملك بقصد الملك و البيع فلو لم يحصل ذلك ما كان ينبغي الجواز و لانه يجوز التصرفات الّتي لا يمكن الا مع الملك فإنه يجوز بيع السّلعة لنفسه لا بالوكالة فلو كان اباحة لما كان البيع جائز إذ لا بيع إلا في الملك و لجواز و طي الأمة المبتاعة بالوجه المذكور و معلوم انّه فرع الملك بالنّص و الإجماع و هو ظاهر و لانّه ما وقع صيغة في زمانهم و الا لنقل عادة و ما نقل عند العامة و لا عند الخاصّة و هو ظاهر و لان الملك حاصل عند الأكثر من غير لزوم كما نقل عن كره و معلوم ان لا موجب له الا عقد البيع و هو ظاهر و لان (الظاهر) ان الغرض حصول العلم بالرّضا و هو حاصل و لانّ (الظاهر) انه يصدق أنه تجارة عن تراض و هو كاف كما هو مدلول الآية و للشريعة السمحة السهلة و للزوم الحرج و الضّيق المنفي عقلا و نقلا فان الأكثرين ما يقدرون على الصّيغة المعتبرة يعنى يشق عليهم ذلك و لانّه قد يموت أحدهما فيبقى المال للوارث إذ لا دليل على لزومه (حينئذ) فتأمّل و لقولهم باللّزوم بعد التصرّف فلو لم يكن عقدا مملكا له لم يلزم ذلك و هو ظاهر لان تلف المال ليس بملك نعم يمكن عدم الضّمان حيث كان التصرّف مباحا و لكن ظاهر كلماتهم اللزوم فتأمّل و بالجملة القول بالملكية و بوقوع البيع الحقيقي هو المتجه خصوصا مع عدم القائل بأنّه بيع فاسد و انه لا يجوز مع التصرّف و انه لا دليل لعدم الملكية إلا أصل عدم الملك و استصحاب الملك على ملك المالك حتّى يتحقق و قد تحقق مع الصّيغة المقررة بالإجماع و بقي الباقي و الشهرة إذ لا إجماع عندنا لما عرفت و لهذا ما ادعى الإجماع بل ادعى الشّهرة في (شرح الشرائع) و (التذكرة) و غيرهما و لا عندهم فان مالك و احمد و بعض الحنفيّة على ما قلناه و بعض العامة يقول بذلك في الحقير دون العظيم و فسّر الحقير بنصاب القطع في السّرقة و هذا تحكم و الشّهرة ليست بحجة و هو ظاهر و الأصل و الاستصحاب متروك بالأدلة التي ذكرناها و هي أربعة عشر دليلا من الكتاب و السنة و الإجماع و ترك البيان و عدم نقل الصّيغة و التصرّف المفيد

للملكيّة و الشّريعة السّهلة و لزوم الحرج و الضيق المنفي عقلا و نقلا و اللّزوم بعد التّصرف و التجارة عن تراض و العلم به و الملك بدون اللزوم عند الأكثر

179

و غرض حصول العلم و بقاء المال للوارث بعد موت البائع و أبعد من ذلك اشتراط العربيّة و الماضوية من غير نقل خلاف و بالجملة ما نرى له دليلا قويا الا انّه مشهور و قال بعض الأصحاب يجب التوقف معه و ذلك غير واضح الدّليل و الاحتياط حسن مع الإمكان و لكن إذا وقع من غير الصّيغة قد يشكل العمل بالاحتياط نعم ينبغي الملاحظة في الأمور و عدم الخروج عن الاحتياط علما و عملا ثمّ ظاهر كلام المفيد (قدس سرّه) هو اللزوم بهذا الوجه و وجهه ان هذا العقد أفاد الملك و الأصل فيه هو اللّزوم و بهذا يثبت اللّزوم في العقود و لا دليل عليه غيره و هو ظاهر و لانّ (الظّاهر) ان كل من يقول بأنّه عقد حقيقي يقول باللّزوم و لان مقتضى عقد البيع الحقيقي هو اللّزوم بالاتفاق و لأنّه إذا حصل الملك لشخص فخروجه و إخراجه عنه يحتاج الى دليل و لا دليل فيه و الأصل عدمه و لما مرّ انّهم يقولون باللّزوم بعد التّلف و انه دليل اللزوم قبله إذ اللّزوم بالتلف بعيد و يحتمل عدم اللزوم لأن الأصل عدم اللّزوم و الملك أعم و لان الملك و اللزوم متغايران و ما كانا و قد دلت الأدلة على حصول الأوّل و بقي الثاني على نفيه إذ لا دليل عليه و ما لزم من الأدلة المذكورة إلا الأول فتأمّل و قد يترائى ان الأوّل أولى فإن زوال الملك بعد الحصول يحتاج الى الدّليل و (لظاهر) بعض ما مرّ إذا عرفت هذا فاعلم انّ النّزاع بين القائل بأن المعاطاة مفيدة للملك و ليس بعقد و القائل بأنّه عقد يرجع الى اللّفظي إلا باعتبار اللّزوم و عدمه و ينبغي ان لا ينازع بل يقول عقد غير لازم مع ان (الظاهر) اللّزوم بعد تحقق الملك فلا ينبغي النّزاع و ان ما ذكرناه جار في سائر العقود و ليس بمخصوص بالبيع و لعل العلم حاصل بان الهدايا و التحف و الهبّات التي كانت في زمانه (صلى الله عليه و آله و سلم) و زمانهم (عليه السلام) بالنّسبة إليهم و الى غيرهم و كذا ما كانت في زمان الصّحابة و العلماء كانت تقع من غير صيغة و كانوا يتصرفون فيها تصرّف الملاك مثل البيع و الهبة و الوطي و العتق في حيوة المهدى و الواهب و بعد مماتهم ايضا و الا لنقل و لو نادرا من طريق العامة و الخاصّة و لو بسند ضعيف مع ان (الظاهر) في نقل مثله التّواتر و لهذا لم يقبل البعض في مثله الا التّواتر و هو مؤيّد لما قلناه هذا و قد جعلها بعضهم مثل المعاطاة و قالوا بأنها تفيد الإباحة فقط لا الملك و بعضهم انها تفيد الملك لا اللزوم و يلزم بالتلف و نحوه مع انه ليس بعقد و البعض جعلها عقدا فاسدا و نقل رجوع القائل عنه و المفيد جعلها عقدا حقيقيّا و قد عرفت الكل و (الظاهر) هو الأخير و الإباحة فقط بعيدة و أبعد منه كونه عقدا فاسدا لا يجوز التصرّف لما مر من جواز التصرّف و غيره نعم الملك محتمل و لكن لا ينبغي (حينئذ) النّزاع في انه عقد إذ لا سبب للملك (حينئذ) إلا العقد بقصد المتعاقدين و في نفس الأمر و القول بأن التراضي و التّسليم مع ما يدل عليه مفيد له و هو الملك و ان ليس ذلك بعقد بغير دليل بعيد لأنا ما نريد من البيع و العقد الا ما يفيد الملك على وجه التراضي مع ما يدل عليه بالقصد ثم (الظاهر) من الملك اللزوم فلا ينبغي النّزاع انتهى و قال في المفاتيح و (الظاهر) ان مجرّد التراضي و التقابض كاف في صحة البيع بشرط ان يكون هناك قرينة تدلّ على كونه بيعا بحيث يرتفع الاشتباه و لا يبقى لهما مجال التنازع في ذلك و هو قد يحصل بلفظ من الطّرفين يدل عليه كبعت أو ملكت أو نحو ذلك في الإيجاب و اشتريت و قبلت و نحوهما في القبول و قد يحصل بغير ذلك كالفعل باليد أخذا و تسليما مع القرائن وفاقا لشيخنا المفيد (قدس سرّه) لإطلاق النّصوص من الكتاب و السنة الدّالة على حلّ البيع و انعقاده من غير تقييد بصيغة خاصّة مع عدم دليل أخر عليه و تكليف فهمه من لفظ البيع من قبيل الألغاز و التّعمية الغير اللائق بالشارع و اللفظ لم يكن سببا للنقل بعينه بل لدلالته و الفعل (أيضا) دال على المقصود دلالة مستمرة في العادة فانضم اليه مسيس الحاجة و سيرة الأولين فإن المشترى كان يجيء إلى بيّاع الحنطة و يقول له بكم تبيع منّا منها فيقول بدرهم فيعطيه

الدّرهم و يأخذ منّا منها من غير لفظ أخر يجري بينهما و قد يكون السعر معهودا بينهما فلا يحتاج الى الجواب و السّؤال فإن مثل هذا الفعل صريح في البيع لا يحتمل غيره خصوصا إذا كان البياع انما جلس في دكانه للبيع لا للهبة و الإعارة و الإيداع و غير ذلك و الاحتمال البعيد لا يقدح في مثله فإنه وارد في اللفظ ايضا دال على المقصود دلالة مستمرة في العادة فانضم الى هذا مع اطراد جميع العادات بقبول الهدايا من غير إيجاب و قبول لفظيين مع التصرّف فيها و اى فرق بين ان يكون فيه عوض أو لا إذا لم يرد به الشرع إذا الملك لا بد من نقله في الهبة أيضا و (كذلك) القول في سائر العقود خلافا (للمشهور) بل كاد يكون إجماعا حيث أوجبوا في العقود جميعا لفظا دالا على الإيجاب و أخر على القبول الى ان قال و الأحوط الإتيان بالقول الصّريح فيما له خطر و لا سيما مع اعتضاده بأصالة بقاء ملكية كل واحد لما له الى ان يعلم الناقل انتهى و بالتأمّل في كلامهما يظهر سقوط ما ذكره بعض من تأخر في عنوان مسئلة المعاطاة حيث قال لا إشكال في عدم تحقق العقد بالنيّة و الرّضا خلافا للشيخ المفيد (رحمه الله) و المحقق الأردبيلي و المحدّث الكاشاني حيث قالوا يتحقق العقد بالرّضا و كذا لا يحصل بغير النيّة و الرّضا من الأفعال الّتي تحقق النّهى عن العقد بها كالمنابذة و اللمس و رمى الحصاة خلافا لبعض العامة حيث قال بتحققه بها و ان وقع النّهى عنها في الشّرع و اما التقابض و التعاطي بمعنى إعطاء كل من اثنين عوضا عمّا يأخذه من الأخر (فالمشهور) المعروف عدم حصوله به ايضا خلافا لمن تقدّم خلافه في الرّضا و امّا حصول البيع به ففيه خلاف هذا و وجه السّقوط انهما لم يحكما بكون العقد يتحقق بمجرّد الرّضا و النيّة و انّما حكما بتحققه بالرّضا و التعاطي معا و لذلك حكينا الكلامين بطولهما الا ترى الى ما ذكره المحقق المذكور في أول كلامه حيث قال بل يكفى كل ما يدلّ على قصد ذلك مع الإقباض و في أخر كلامه حيث قال لأنا ما نريد من البيع و العقد الا ما يفيد الملك على وجه التراضي مع ما يدلّ عليه بالقصد و ما ذكره المحدّث المذكور من قوله و قد يحصل بغير ذلك كالفعل باليد أخذا و تسليما مع القرائن بل ظاهر أوائل كلامه لا يعطي إلا وقوع البيع بالقصد و التعاطي دون العقد فلا نستفيد تحقق العقد بالتّعاطي مع القصد الا من قوله و (كذلك) القول في سائر العقود خلافا (للمشهور) حيث أوجبوا في العقود جميعا لفظا دالا على الإيجاب و أخر دالا على القبول و ما أبعد ما بين ما نسبه ذلك البعض إلى هؤلاء الاعلام و بين ما ذكره بعض المعاصرين أيده اللّه تعالى حيث قال لا نعرف خلافا في اعتبار اللّفظ في تحقق العقد (مطلقا) أو في اللازم منه خاصّة بل ظاهرهم الإجماع عليه بل ربما ادعى في اللازم صريحا و احتمل أو جزم بان عليه ضرورة المذهب أو الدّين بل ربما ادّعى تواتر النّصوص

180

فيه عنهم (عليه السلام) كقوله (عليه السلام) انما يحلّل الكلام و يحرّم الكلام و غيره ممّا ورد في البيع و سائر العقود بل هي المرادة من العقود بالمعنى الاسمي كما جزم به بعضهم بل في الكنز ان العقد شرعا اسم للإيجاب و القبول (مطلقا) و لو كان جائز أو لعل ما عن احمد و مالك و غيرهما من الخلاف انّما هو في تحقق البيع و نحوه لا في تحقق العقد مثل ما عن المفيد و اتباعه بل عبارة كره و نحوهما كالنّص في ذلك فنسبة الخلاف إليهم كأنه غفلة واضحة و دعوى ان كلّ بيع عقد فالخلاف في البيع راجع الى الخلاف في العقد لعلّها أوضح غفلة كما لا يخفى على من لاحظ كلامهم و الأمر سهل في نحو ذلك انتهى و لا يخفى عليك سقوطه بعد ما عرفت من كلام المحقق المذكور (قدس سرّه) و المحدّث المذكور (رحمه الله) حيث لم يعتبر اللّفظ في تحقق العقد و سيجيء في كلام (المصنف) (قدس سرّه) ما فيه زيادة على ما قرروه (إن شاء الله)

[الثاني اللزوم بشرط كون الدال على التراضي و المعاملة لفظا]

قوله (رحمه الله) و اللزوم بشرط كون الدال على التراضي و المعاملة لفظا عن بعض معاصري الشهيد الثاني (قدس سرّه) و بعض متأخري المحدّثين

كتب (المصنف) (رحمه الله) في الحاشية ما نصّه لكن في عدّ هذا من الأقوال في المعاطاة تأمل انتهى و الوجه في ذلك انّ هذا يخرج عن الحكم بلزوم المعاطاة و يصير قولا بان البيع بالصّيغة يكفي فيه مطلق اللّفظ حيث لم يعتبر لفظا خاصا فقوله على التراضي أو المعاملة إشارة إلى القولين من كون موضوع المعاطاة ما وقع فيه مجرّد التراضي و الإباحة أو كونه ما قصد فيه المعاملة و لو جعلنا كلمه أو للتّقسيم كان قولا في المسئلة من جهة ان مجرّد التّراضي و باللفظ لا يصير من أقسام البيع بالصّيغة لكنّه بعيد و (الظاهر) ان مستند هذا القول هو انّ العقد لا يتحقق بغير لفظ فعند وجود اللّفظ يجرى حكم قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فيكون لازما و عند انتفائه ينتفي فلا يبقى دليل على اللزوم

[الثالث و الملك الغير اللازم]

قوله و الملك الغير اللازم ذهب اليه المحقّق الثاني (قدس سرّه)

و حجته ما عرفته في كلامه الّذي حكاه (المصنف) (رحمه الله) في ذيل عبارات الأصحاب و ما يذكره فيما سيأتي بقوله و رفع اليد عن عموم أدلّة البيع و الهبة و نحوهما المعتضدة بالسيرة القطعيّة المستمرة و بدعوى الاتفاق المتقدّم عن المحقق الثاني بناء على تأويله لكلمات القائلين بالإباحة أشكل مضافا الى ما يذكره (رحمه الله) في مقام تقوية هذا القول

[الرابع عدم الملك مع اباحة جميع التّصرّفات حتى المتوقفة على الملك]

قوله و عدم الملك مع اباحة جميع التّصرّفات حتى المتوقفة على الملك كما هو ظاهر عبائر كثير بل ذكر في (المسالك) ان كل من قال بالإباحة يسوّغ جميع التصرفات

حجة هذا القول وجوه الأوّل استقرار لسيرة المستمرة على التصرّف في المأخوذ بالمعاطاة من الخواص و العوام و النّسوان و الصّبيان و يؤيّده الإجماع المنقول من الغنية و (الروضة) و لك المعتضد بالشّهرة المحقّقة إذ لم يقل أحد ممن عدا المفيد (رحمه الله) بإفادة المعاطاة للملك الى زمان المحقّق الثاني الثاني الاخبار الدّالة على حصر المحلل و المحرم في الكلام فإنها و ان اقتضت نفى الحل عند انتفاء الكلام لا انّها تحمل على نفى لزوم المعاملة عند انتفائه جمعا بينها و بين ما دلّ على حصول الإباحة بالتّراضي الثالث ما وقع في بعض الاخبار الناهية عن بيع المصحف من قوله (عليه السلام) لا تشتر كلام اللّه و لكن اشتر الجلد و الحديد و الدّقة يدل على ان الاشتراء عبارة عن القول فيكون الخالي عنه خارجا عن عنوان البيع و في الصّحيح رجل اشترى من رجل عشرة الاف طنّ في أنبار بعضه على بعض من أجمة واحدة و الأنبار فيه ثلاثون الف طن فقال البائع قد بعتك من هذا القصب عشرة الاف طن فقال المشترى قد قبلت و اشتريت و رضيت فأعطاه من ثمنه الف درهم و وكل المشترى من يقبضه فأصبحوا قد وقع في القصب نار فاحترقت منه عشرون الف طن و بقي عشرة الاف طن فقال عشرة الاف الّتي بقيت هي للمشتري و العشرون الّتي احترقت من مال البائع فإنّه يدلّ على انّ البيع عبارة عما اشتمل على ألفاظ الإيجاب و القبول حيث فصل الاشتراء و فسّره بقوله فقال البائع (انتهى) فلا يكون ما لم يشتمل عليها بيعا فلا يفيد الملك فيكون الإباحة الرابع استصحاب بقاء ملك المالك الأوّل لو فرض وقوع الشّك في بقائه و توضيح ذلك انه لا مانع من بقاء ملكه الا دعوى تحقق العقد و البيع بالتعاطي و هي ممنوعة لعدم مساعدة العرف على حصول العقد بالتعاطي قطعا و قيام الإجماع المنقول من الغنية و (المسالك) و (الروضة) على عدم تحقق البيع بالتعاطي فيكشف ذلك عن أن تسمية المعاطاة بيعا عرفا إنما نشأت عن المسامحة و لهذا يفرقون بين المحقرات و غيرها و على تقدير وقوع الشّك في تحقق العقد أو البيع بذلك يجرى استصحاب بقاء ملك المالك الأوّل لكن يشكل ذلك بان مقتضاه هو الضمان عند التّلف كما هو مقتضى كل بيع فاسد اللهمّ الا ان (يقال) ان مقصود المتعاطيين انّما هو مجرّد الإباحة كما بنى عليه صاحب (الجواهر) (رحمه الله) دون التّمليك لكنّه ممنوع لما نجد في الخارج من خلافه ضرورة ان مقصود المتعاطيين ليس الا التّمليك و امّا دعوى صدق اسم البيع على المعاطاة فيشملها قوله (تعالى) أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و قوله (تعالى) إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ و لا يثبت بهما سوى الإباحة و افادة البيع للملك انّما ثبتت الإجماع و هو مفقود في المقام فهي ممنوعة لأن المراد بالبيع في الآية هو البيع المعهود المتعارف بين النّاس و من المعلوم ان المعهود فيما بينهم هو حصول الملك لا مجرّد الإباحة (فحينئذ) يكون حلّه عين حصول الملك فتأمل مضافا الى قيام السّيرة المستمرة على التصرّفات الموقوفة على الملك كالبيع و العتق و الصدقة و غيرها فلو كانت المعاطاة تفيد مجرّد الإباحة لم يكن وجه لهذا النّوع من التصرّفات و امّا دعوى قيام السّيرة على مجرد اباحة التصرّف دون الملك فساقطة لان ما وقع في الخارج بين النّاس من التصرّفات انّما هو لعنوان الملك دون مجرّد الإباحة فلو كان الحكم فيها هي الإباحة لوجب على المعصوم (عليه السلام) ردعهم عما اعتقدوه من الملكيّة و لم يتحقق منه (عليه السلام) الرّدع فيدلّ على كون ما اعتقدوه من الملكيّة حقّا لكن يمكن دفعه بان مجرّد وجوب الرّدع انما هو فيما إذا لزم من اعتقاد خلاف الواقع مخالفة عمليّة و الا فلا يجب الرّدع و ما نحن فيه من هذا القبيل ضرورة انه لا يلزم بين اعتقاد الإباحة أو الملك مخالفة في مقام العمل حتّى بالنّسبة إلى التصرّفات الموقوفة على الملك

[الخامس إباحة ما لا يتوقف على الملك]

قوله (رحمه الله) و اباحة ما لا يتوقف على الملك و هو (الظاهر) من الكلام المتقدّم عن حواشي الشّهيد (رحمه الله) على عد و هو المناسب لما حكيناه عن الشّيخ (قدس سرّه) في إهداء الجارية من دون إيجاب و قبول

وجهه ان كلّ شيء إنما يترتّب عليه أثره الّذي من شأنه أن يستتبعه و معلوم انّ الإباحة غير الملك فلا يترتب عليها الا ما من شأنها استتباعه فالتصرّفات المنوطة بالملك كالبيع و العتق و وطي الجارية مثلا لا يصحّ ترتبها على الإباحة التي هي أمر مغاير له و قد ورد في الاخبار مثل لا بيع إلا في ملك و مثل لا عتق إلا في ملك و قال (تعالى) وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ و المفروض عدم افادة لمعاطاة الا للإباحة فلا تكون الأمة المأخوذة شيئا من القسمين و التفصيل قاطع للاشتراك و اما تحليل الأمة على ما هو (المشهور) من الاعتراف به في مقابل قول نادر حكاه الشيخ و ابن إدريس

181

(قدس سرّهما) فهو عنوان أخر متعلق بالاستمتاعات و لا بد فيه من لفظ صريح دال على اباحة كلها أو بعضها و لهذا حكموا بأنّه لا يتعدّى من إباحة إلا دون كالقبلة مثلا إلى الا على كالوطي بخلاف العكس فيجوز التعدّي و قد حكى في لك عن الجماعة انهم قالوا لا يكفى مثل أنت في حل من وطيها لعدم كونه صريحا و هو (رحمه الله) و ان استشكل فيه بقوله و قد تقدّم في باب عقود النّكاح ما فيه و اولى بالإشكال هنا لان التحليل نوع اباحة و دائرتها أوسع الّا ان الاشكال ليس في محلّه للشّك في جواز الاستباحة بما شك في سببيّته لها مع كون المقام من قبيل أمر الفروج الذي دائرته أضيق مضافا الى ان استشكاله (رحمه الله) بعد تسليمه لا يضرّ فيما نحن بصدده من لزوم معلوميّة اباحة الاستمتاع كما يشهد به رواية عمّار عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في المرأة نقول لزوجها جاريتي لك قال لا يحلّ له فرجها الا ان تبيعه أو تهب له و وجه شهادتها هو ان مجرّد قولها جاريتي لك لا يدل صريحا على تحليل الاستمتاعات لاحتمال انّها أرادت إباحة الخدمة و لا حاجة الى ما تكلّفه الشّيخ (رحمه الله) من حملها على ما إذا قالت له انّها لك ما دون الفرج من خدمتها نظرا الى ان من المعلوم من عادة النساء ان لا يجعلن أزواجهن في حلّ من وطي إمائهنّ كما لا حاجة الى ما ارتكبه في الوسائل من حملها على التقيّة و (حينئذ) نقول ان الإباحة الحاصلة بالمعاطاة ليست ممّا يفيد العلم بتحليل الاستمتاع خصوصا الوطي و الأصل عدم جواز التصرّف في مال الغير بغير اذنه خصوصا في الفروج و اما دعوى قيام السّيرة على وطي الأمة المأخوذة بالمعاطاة فهي ممنوعة عند هذا القائل أصلا أو مبنيّة على المسامحة فلا عبرة بها (حينئذ) و قال بعض المعاصرين في مقام الاستدلال على القول المذكور و امّا التفصيل بين التصرّفات الموقوفة على الملك و غيرها فلعله لان المتيقّن من أدلّة الإباحة انّما هو الثاني فيبقى الأوّل على عمومات المنع و لكن فيه ان معاقد الإجماعات مطلقة بل في لك ان من أجاز المعاطاة سوّغ أنواع التصرّفات هذا و فيها ايضا (الظّاهر) ان جماع الجارية كالاستخدام يدخل في الإباحة ضمنا و اما العتق فيتجه عدمه إذ لا عتق إلا في ملك و فيه ان المتجه صحته و كشفه عن سبق الملك على نحو أعتق عبدك عنى و عبدي عنك و نحوهما الاشتراك الجميع في كونه من دلالة الاقتضاء القاضية بذلك و الفرق بينهما لا (يخلو) عن تحكم و لكن لا يلزم منه الكشف عن الملك من حين التعاطي كي يؤيّد البيع المتزلزل و ان زعمه بعضهم و مثله نحو الجماع و الا لم يجز ايضا لمنع كونه كالاستخدام لافتقاره إلى صيغة خاصّة بخلاف الاستخدام و لذا قيل بعدم حواذه خاصّة بإهداء الجارية بالمعاطاة انتهى

[السادس القول بعدم اباحة التصرّف (مطلقا)]

قوله (قدس سرّه) و القول بعدم اباحة التصرّف (مطلقا) نسب الى ظاهر النهاية لكن ثبت رجوعه عنه في غيرها

هذا هو القول بكون المعاطاة بيعا فاسدا كما حكاه المحقق الثاني (قدس سرّه) و غيره و انه رجع عنه و استدل لذلك بوجهين أحدهما ان ما قصد من الملك لم يقع و ما وقع من الإباحة غير مقصود فلا بد من الرّجوع الى عمومات حرمة التصرّف في مال الغير بدون اذنه أو رضاه مع انتفائهما هنا على غير جهة البيع المفروض فساده و رد ما ذكره من عدم وقوع ما هو المقصود بأنّه انما يتم على القول بأنّ المعاطاة لا يترتب عليها إلا الإباحة مع ان المقصود كان هو التّمليك و امّا على القول بأنها تفيد الملك لازما كما هو مذهب المفيد (قدس سرّه) أو جائزا كما هو مذهب المحقّق الثّاني (رحمه الله) فالمقصود واقع و اما ما ذكر من انتفاء الاذن أو الرّضا فيجاب عنه أولا بثبوت أحدهما من المالك تبعا كما هو ظاهر لك و (الروضة) و غيرهما لا بإنشائه ابتداء بل ربما يستظهر ارادة الجميع لذلك بل ظاهر (الحدائق) نسبة إليهم و لكن لا يخفى ما فيه لأن الاذن انّما وقع في ضمن البيع فهو مقيّد به و المقيّد ينتفي بانتفاء القيد و لو فرض تحقق اذن جديد مقصود فهو خارج عن محلّ الكلام و ثانيا بثبوته من (الشارع) بدلالة الإجماعات المنقولة ففي (الحدائق) ان جواز التصرّف مما لا نزاع فيه و لا اشكال مع أصالة بقاء الملك و لا مجال لدعوى عدم إرادتهم للإذن من جانب (الشارع) إذ لو لا إرادتهم له لم يكن وجه لتمسّكهم بالإجماع على إثباته إذ من المعلوم ان الإجماع لا دخل له بإثبات وقوع الاذن من المالك إذ هو من أدلّة الشرعيات و لا ربط له بالعاديات ثانيهما ما ورد من انّه انّما يحلّل الكلام و يحرّم الكلام قال في الوافي في تفسيره الكلام هو إيجاب البيع و انّما يحلل نفيا و يحرّم إثباتا و فيه ان تقريب الاستدلال لهذا القول هو ان الخبر يدل على انحصار المحلّل و المحرم في الكلام فيكون ما ليس فيه كلام فاسدا كما فيما نحن فيه و ارادة هذا المعنى موجب لتخصيص الأكثر لثبوت الإباحة بدون الكلام في موارد كثيرة منها الهدايا و الأكل من البيوت الثمانية المنصوص عليه في الكتاب العزيز مضافا الى ان اللّفظ محتمل لإرادة المحلل صريحا من غير حاجة الى القرينة فيكون الحصر باعتبار عدم صراحة الأفعال لاحتياجها في الإفادة إلى القرينة مع احتماله لمعان أخر أو ظهوره في غير ما يتم به الاستدلال هنا فالحق ان اللفظ بحمل محتمل لوجوه غير صالح للتّمسك به و ستعرف التفصيل في كلام (المصنف) (رحمه الله)

[دراسة حول الأقوال]

قوله و ذهب جماعة تبعا للمحقق الثاني (قدس سرّه) الى حصول الملك و لا (يخلو) عن قوة

هذا القول قوىّ جدا إذ لا إشكال في كون المعاطاة بيعا عرفا كما عرفت بيانه في كلام المحقق الأردبيلي (قدس سرّه) و المحدث الكاشاني (رحمه الله) و حكم البيع افادة الملك بالإجماع و دلالة قوله (تعالى) أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ بناء على ان المفهوم منه عرفا انّما هو صحّة البيع كما افاده (المصنف) (رحمه الله) مضافا الى قيام السيرة المستمرّة على ترتيب آثار الملك على المأخوذ بالمعاطاة و قوله (تعالى) لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ ثمّ ان لزوم الملك ايضا و ان كان من أحكام البيع بدلالة رواية الحلبي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) أيّما رجل اشترى من رجل بيعا فهو بالخيار حتى يفترقا فإذا افترقا وجب البيع و مثلها غيرها الّا انه قام الإجماع على كون هذا القسم الّذي هو المعاطاة غير لازم و قد أجاد صاحب المستند (رحمه الله) حيث قال اعلم ان (الشارع) رتب أحكاما على البيع و ليس هنا نصّ أو إجماع دال على ان البيع أو ما يتحقق به البيع ما هو و (حينئذ) فامّا ان (يقال) انه ليس له معنى لغوي أو عرفي معلوم لنا مع قطع النظر عن الشّرع فيلزم علينا الاقتصار في ترتب الأحكام بما انعقد الإجماع على تحقق البيع به أو (يقال) ان له معنى كل معلوما لنا و (حينئذ) فإما ثبت شرعا بإجماع أو غيره شرط لتحقق البيع أو لا فان ثبت فيقتصر في تحقق البيع شرعا بما هو واجد للشّرط و ان لم يثبت فيحكم بالتّرتب في جميع ما ما يتحقق به البيع عرفا أو لغة و من ذلك و ممّا سيأتي حصلت الاختلافات في عقد البيع فمن ظنّ عدم ظهور معنى لغوي أو عرفي يضطر

182

الى الاقتصار على موضع الإجماع و هذا مخط قول جماعة بتخصيص البيع شرعا بما كان مع الصّيغة المخصوصة الجامعة لجميع الشّرائط المختلف فيها و من ظن ظهوره و لكن زعم الإجماع على اشتراط الصّيغة في تحقق البيع لزمه القول به و لكن يقتصر في الشرط بما هو محل الإجماع يعني ما ثبت الإجماع بزعمه على اشتراطه و هذا ضابط قول جمع ممّن يقول باشتراط الصّيغة في تحقق البيع و لكن يوسع فيها و من لم يظهر ذلك الإجماع له و لم يعثر على دليل أخر ايضا على الاشتراط يوسع في تحقق البيع بما يتحقق به لغة أو عرفا و الى هذا ينظر من اكتفى بمطلق اللّفظ أو بالمعاطاة أيضا و هنا أمر أخر و هو انّه بعد تعيين معنى البيع أو ما يتحقق به البيع عرفا و انه ما سيأتي من انه ما يدلّ على نقل المالك ملكه به الى أخر بعوض معلوم بالطريق المعهود قد يقع الخلاف في الدّال فقد (يقال) باختصاص الدّال الصّريح بالصّيغة المخصوصة فلذا يقول باختصاص تحقق البيع بها و الى هذا نظر طائفة من المشترطين للصّيغة و قد لا (يقال) بالاختصاص فيعمّ و إذ قد عرفت ذلك تعلم ان وظيفتنا أوّلا الفحص عن انّه هل للبيع معنى لغويّ أو عرفيّ نعلمه و انّه ما هو فنقول ان من البديهيّات الّتي لا شك فيها ان لفظي البيع و الشّراء ممّا يستعمله عامّة النّاس من أهل الأسواق و البوادي و الخارجين عن شريعتنا بل عن مطلق الشّريعة استعمالا خارجا عن حدّ الإحصاء و ليسوا شاكين في معناه و لا متردّدين و لا محتاجين في فهمه إلى القرينة فهذا يقول بعث و اشتريت و ذاك أبيع و اشرى و ثالث هل يبيع و هل يشترى الى غير ذلك و يفهم المخاطب مراده من غير قرينة أصلا و لو لم يعلم القدر المجمع عليه شرعا و لم يفهم إجماعا أو شرعا و لم يقرع سمعه صيغة فيقطع بذلك ان ما يتحقق به البيع أمر مضبوط معلوم عند أهل العرف مع قطع النّظر عن الشّرع و هو يدلّ عرفا على نقل المالك ملكه به الى أخر بعوض لصدق المبايعة إذ عند حصول ذلك يستعمل لفظ البيع عندهم و يتبادر عنه حصوله و لا يجوزون سلب الاسم معه سواء كان ذلك بقبض كلّ من العوضين و هو المسمّى بالمعاطاة أو بقبض أحدهما مع ضمان الأخر أو بألفاظ دالة على ذلك و على هذا فلا يشترط في تحقق البيع عرفا صيغة مخصوصة من حيث انّها هي و ان وجب كون الفعل أو اللّفظ دالا على النّقل المذكور عرفا و هذا هو الّذي يظهر من كلمات الأكثر و اليه نظر قول المحقق الشّيخ على (رحمه الله) في شرح (القواعد) نارة ان المعاطاة بيع بالاتفاق و اخرى انه المعروف من الأصحاب و امّا ما يظهر من بعضهم من الخلاف في تسمية المعاطاة بيعا و هو بين شاك فيها و ناف بل عن الغنية الإجماع على العدم و في (الروضة) اتفاقهم على انها ليست بيعا (فالظاهر) ان المراد البيع الشّرعي أي ما يوجب الانتقال شرعا حيث يزعم اشتراط صيغة خاصّة و انعقاد الإجماع عليه فلا تخالف بين دعوى الإجماعين و لو أراد أو نفى البيع العرفي ففاده واضح لوجوه منها الاستعمال فإنّه (يقال) ابتعت الخبر و اللحم و بعته و لو لم يتحقق أمر سوى المعاطاة و الأصل فيه الحقيقة و أعميّة انّما هو مع تعدّد المستعمل فيه و هو هنا غير ثابت و استعماله فيما كان مع الصّيغة بدون التقابض لا يثبته لجواز كون المستعمل فيه هو القدر المشترك و هو النّقل المذكور بل هو (كذلك) و كذا لو فرض استقرار عرف على المبايعة بعمل أو لفظ أخر يصحّ استعمال البيع و الشّراء بعد تحققه و منها عدم صحّة السّلب فإنه إذا اتّخذ أحد حرقة بيع الكرابيس أو الرقيق أو غيرهما و كان بيعها مدّة بالمعاطاة (يقال) انه بيّاع الكرباس مثلا و لو لم يتلفظ بصيغة أبدا و لا يجوز ان (يقال) ليس (كذلك) كما نشاهد في أهل السّوق و أرباب الحرف و لو أمر أحد ببيع كرباس فباعه بالمعاطاة أو بلفظ غير الصّيغ المخصوصة لا يجوز له ان يقول ما بعثه و لو عاتيه لعدم الامتثال لذم و هذا ظاهر جدا و منها التّبادر فإنه يحاور ذكر البيع و الشرى فوق حدّ الإحصاء عند أهل القرى و البوادي و يفهمون معناه و يتبادر عندهم مع انهم لا يعرفون صيغة بل لم يسمعوها في الأكثر و يدل عليه ايضا قول القائل بعت متاعي و لكن ما أجريت الصّيغة و صحّة الاستفسار بعد قوله ذلك

انّك هل أجريت صيغة و يجري أكثر تلك الوجوه أو جميعها في قبض أحد العوضين مع ضمان الأخر و في التّلفظ بالألفاظ المفهمة لنقل المالك ملكه بها بالقصد المذكور فيتحقق البيع بجميع ذلك عرفا ثمّ انّه بما ذكرنا كما يثبت ان البيع يتحقق عرفا بحصول ما يدلّ على النقل المتقدّم (مطلقا) سواء كان لفظا أو غير لفظ (كذلك) يثبت عدم انحصار الدال على ذلك النقل في اللّفظ المخصوص بل و لا في مطلق اللّفظ و جميع ما ذكرنا يدلّ عليه و بعد ثبوت تحقق البيع بما ذكر عرفا يثبت لغة و شرعا أيضا بضميمة الأصل و إذا قد ثبت كونه بيعا شرعا يكون جائز أو يباح به التصرّف لكلّ من الطّرفين فيما نقل اليه و لو لم يتلفّظ بالصّيغة بعمومات الكتاب و السّنة الدّالة على حليّة البيع و جوازه مضافا الى الإجماع القطعي المستفاد من عمل الناس في الأعصار و الأمصار حتّى في زمان النّبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من غير نكير و من فتاوى العلماء بالنّسبة إلى المعاطاة و قول العلامة (قدس سرّه) في النهاية يكون المعاطاة بيعا فاسدا فيلزمه عدم جواز التصرّف شاذ مع انّه ايضا قد رجع عنه و يلزم من جوازه شرعا و إمضاء (الشارع) إيّاه زوال ملكية المبيع من البائع و حصولها للمشتري شرعا إذ لا معنى لتحليل (الشارع) و إمضائه نقل الملك الّذي هو معنى البيع بل قوله في موارد متكثرة بع و بيعوا و أمثالهما إلا بمعنى النّقل شرعا هذا كلامه (رحمه الله) و بما ذكرنا كلّه ظهر سقوط ما استدلّ به القائل بعدم الملك مع اباحة جميع التصرّفات حتّى المتوقّفة على الملك من الوجوه الّتي تقدّم ذكرها عند حكاية ذلك القول ما استقرار السّيرة المستمرة على التصرّف في المأخوذ بالمعاطاة فلانّ ذلك أعمّ من مقصوده فيلائم إفادتها الملك ايضا بل هو بها انسب كما هو واضح و امّا الإجماع المدّعى في الغنية و (الروضة) و لك فلكونه بالنّسبة إلينا منقولا لا يفيد الوثوق بعد ما عرفت من الدّليل على كون المعاطاة بيعا مضافا الى ما سيأتي في كلام (المصنف) (قدس سرّه) عن كره من ان الأشهر عندنا انّه لا بدّ من الصّيغة و انه يدلّ على وجود الخلاف المعتدّ به في المسئلة و لو كان المخالف شاذ العبّر (بالمشهور) و امّا الرواية الدّالة على حصر المحلل و المحرم في الكلام فهي بظاهرها الذي تخيّله المستدلّ لا يساعد مذهبه لأنّه ينتفي الحلّ عند انتفاء الكلام و مقصوده إثبات إباحة التصرّفات حتّى المتوقفة على الملك و حمله على نفى اللّزوم انّما هو لأجل الجمع بينها و بين ما دلّ على حصول الإباحة بالتّراضي كما اعترف به و ذلك موقوف على

183

اعتبار ذلك الدّليل بحيث يصلح صارفا لتلك الاخبار عن ظاهرها و هو ممنوع مضافا الى ما سيأتي في كلام (المصنف) (رحمه الله) من الكلام على دلالة تلك الرّواية و امّا ما وقع في بعض الاخبار الناهية من بيع المصحف من قوله (عليه السلام) لا تشتر كلام اللّه و لكن اشتر الجلد و الحديد و الدّقة و قل اشترى منك هذا بكذا فلمنع الدلالة على توقف الصّحة أو اللّزوم على القول المذكور لأجل تحقق البيع بل انّما هو لأجل تعيين المبيع في مقام لا يمكن تقيينه الا باللّفظ و اين هذا من مدّعاه و امّا الصّحيح المشتمل على بيع أطنان القصب فلانه لا يدلّ على حصر البيع فيما كان مشتملا على الإيجاب و القبول غاية ما في الباب ان ما ذكر فيه أحد أفراد البيع و نحن لا نأبى من ذلك و امّا استصحاب بقاء ملك المالك الأوّل لو فرض وقوع الشّك في بقائه فلان الأصل لا يقاوم الدّليل و قد بيّنا ما فيه كفاية

قوله و لذا صرّح في الغنية بكون الإيجاب و القبول من شرائط صحّة البيع و دعوى ان البيع الفاسد عندهم ليس بيعا قد عرفت الحال فيها

أشار بذيل الكلام الى جواب سؤال مقدور هو انّه يمكن ان يكون كلام ابن زهرة مبنيّا على انّ البيع الفاسد ليس بيعا فلا يكون البيع الّا اسما للصّحيح و (حينئذ) يكون قوله من شرائط صحّة البيع بمنزلة قوله من شرائط تحقق البيع و يلزمه (حينئذ) ان ما ليس مشتملا على الإيجاب و القبول لا يكون بيعا و حاصل الجواب انّك قد عرفت ان البيع و أمثاله من ألفاظ المعاملات ليست إلا أسامي للأعمّ و على هذا يكون الصّحة وصفا زائدا على مهيّة البيع و توقف ثبوت الوصف المذكور للبيع على الإيجاب و القبول لا يتم الا بالنظر الى العقد اللّازم لأن المعاطاة ليست ممّا يتوقف صحّتها على الإيجاب و القبول

[نقل كلام بعض الأساطين بأن القول بالإباحة يستلزم تأسيس قواعد جديدة و المناقشة فيها]

قوله و مع حصوله في يد الغاصب

اى حصول المأخوذ بالمعاطاة و المراد غصب الغاصب بعد وقوع المعاطاة عليه

قوله فالقول بأنه المطالب لانه تملك بالغصب أو التلف في يد الغاصب غريب

الضّمير المنصوب بان يعود إلى المشتري بدليل اسم (الظاهر) في قوله في يد الغاصب و المطالب بصيغة اسم الفاعل فتدبّر

قوله و امّا ما ذكره من لزوم كون ارادة التصرّف مملكا فلا بأس بالتزامه (إلخ)

و قد يجاب عما ذكره بوجهين أحدهما النقض بما لو أباح بعوض فإنّهم ملتزمون بجواز جميع التصرّفات و كون التصرّف على حد التصرّف فيما نحن فيه ثانيهما انه لم يقل أحد بحصول الملك بالتصرّف غاية الأمر انهم حكموا بجواز التصرّف مع عدم الضّمان و هو غير ملازم للملكية

قوله و امّا ما ذكره من تعلّق الأخماس و الزّكوات الى أخر ما ذكره فهو استبعاد محض (إلخ)

و التزم بعض من تأخر هنا بمنع تعلّقها به ما لم يتحقق تصرّف من أحد الجانبين مع ان الغالب حصول التصرّف الموجب للملك

قوله (رحمه الله) و دفعه بمخالفته للسّيرة رجوع إليها

يعنى انه أريد دفع تعلق الزكوات و الأخماس بالمأخوذ بالمعاطاة بكون تعلّقها به مخالفا للسّيرة صار ذلك رجوعا إلى السّيرة في المورد و لا يصير ذلك تأسيس قاعدة جديدة حاصلة من القول بإفادة المعاطاة للإباحة مع قصد المتعاطيين التمليك

قوله (رحمه الله) مع انّ تعلّق الاستطاعة الموجبة للحج و تحقق الغنى المانع عن استحقاق الزكاة لا يتوفقان على الملك

و ذلك لكونهما أعمّ من الملك بالفعل الا ترى ان من يبذل له الزّاد و الرّاحلة لا يملكهما بالفعل و لكن يتحقق الاستطاعة بالتّمكن من الوصول الى ما يحتاج إليه في كلّ زمان و كذا الغنى يحصل بكون الإنسان ذا صنعة يحصل له منها ما يمون به نفسه و عياله الواجبي النّفقة على سبيل التّدريج في كلّ وقت بحسبه

قوله و امّا كون التلف مملكا للجانبين فان ثبت بإجماع أو سيرة كما هو (الظاهر) كان كلّ من المالين مضمونا بعوضه

نظير تلف المبيع قبل قبضه في يد البائع لأنّ هذا هو مقتضى الجمع بين هذا الإجماع و بين عموم على اليد (انتهى) أجاب بعض مشايخنا عن أصل اشكال شارح عد بهذا الوجه بأنّه ان ثبت كون التلف مملكا للجانبين بإجماع أو سيرة كما هو (الظاهر) كان ذلك من جهة تحقق رضا المالك و إمضاء (الشارع) له و ان شئت قلت ان ذلك لكون المعاطاة اباحة بعوض على ما نسب إلى الأكثر و قد أمضاه (الشارع) و لا يلزم من هذا مخالفة شيء من القواعد المقرّرة أو نقول ان تملك كلّ مال الأخر انما هو من باب مقاصة ماله التالف برضاه بالعوض الذي قبضه ثمّ ان ذلك البعض اعترض على (المصنف) (رحمه الله) بأن حكمه بان ذلك مقتضى الجمع بين الإجماع على كون التّلف مملكا و بين عموم على اليد و بين أصالة عدم الملك إلا في زمان المتيقّن بوقوعه ممّا لا وجه له لان مفاد عموم على اليد انّما هو إثبات الضّمان بمعنى لزوم ردّ العين مع وجودها و دفع المثل أو القيمة على تقدير تعذّرها و ذلك غير ما هو ثابت في المقام من تملك العوض المعيّن عندهما

[هل المعاطاة لازمة أو جائزة]

قوله فالقول الثاني لا (يخلو) عن قوة

و قال بعض من تأخر ان هذا القول هو الّذي يقتضيه التحقيق لصدق اسم البيع على المعاطاة فيشمله قوله (تعالى) أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و قوله (تعالى) إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ فانّ مقتضى هاتين الآيتين و ان كان هو اللزوم لكن مقتضى الجمع بينهما و بين الإجماع المدّعى على اشتراط الصّيغة هو القول بالملك الغير اللازم و منه يظهر فساد ما استحسنه الشّهيد الثاني (قدس سرّه) في لك من الاكتفاء بمطلق اللّفظ ضرورة أنّهم يعتبرون الألفاظ المخصوصة كما يشهد به اهتمامهم في ضبطها و حصرها و التّنصيص على خصوصيّاتها و لقيام السّيرة المستمرّة على ترتيب آثار الملك على المأخوذ بالمعاطاة من البيع و الشّراء و الوطي و الوصيّة و غيرها من التصرّفات الموقوفة على الملك و دعوى ان مقصود المتعاطيين انّما هو اباحة التصرّف في العوضين و تسمية ذلك بيعا و انّما وقعت منهم من باب المسامحة و ان هذا غير مناف لما قام عليه السّيرة من جواز جميع التّصرفات حتى الموقوفة على الملك لعدم الفرق بين القول بالإباحة المجرّدة و الملك المتزلزل في شيء من الأحكام الا في النماء كما صرّح به غير واجد فاسدة لمنع المسامحة في ذلك لأنّا نجد أمارات الحقيقة في إطلاق اسم البيع على المعاطاة من التبادر و عدم صحّة السّلب فلا يصغى الى الدعوى المذكورة نعم يمكن ان (يقال) انه بعد الإجماع على عدم لزومها كما هو (الظاهر) لعدم القائل باللّزوم صريحا الا ما نسب الى المفيد (قدس سرّه) مع ما في صحّة النّسبة من التأمّل و بعد عدم اشتراطها بما هو شرط في البيع من البلوغ كما نصّ عليه في شرح (القواعد) و عدم قدح الجهالة في صحّتها كما صرّح به في مفتاح الكرامة و ادّعى عليه اطباق العلماء لا يصح الحكم بكون المعاطاة بيعا لان انتفاء لوازم البيع من اللّزوم كما يدلّ عليه قوله (عليه السلام) البيعان بالخيار ما لم يفترقا بل قوله (تعالى)

184

أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ نظرا إلى انّه ناظر الى ما هو المتعارف بين النّاس و ليس الا البيع اللّازم و من اشتراط البلوغ و قد صرّح الجهالة في صحّته يدلّ على انتفاء الملزوم فالأمر (حينئذ) دائر بين التخصيص و التخصّص و بيان ذلك انّا ان قلنا بكون المعاطاة بيعا فلا بدّ و ان نقول بأنّها قد أخرجت عن عموم الأدلة الدالّة على الأحكام و اللوازم المذكورة فيلزم التّخصيص في عموم تلك الأدلة و ان قلنا بأنها خارجة عن موضوع البيع فلا يلزم التخصيص في تلك الأدلة و من المعلوم انه إذا أراد الأمر بين التخصيص و التّخصيص فالثاني أولى و على هذا فلا تكون المعاطاة بيعا فلا بدّ (حينئذ) امّا من القول بكونها معاملة مستقلة كما اختاره في شرح عد أو القول بكونها مفيدة لمجرّد الإباحة لكن الأوّل فاسد لقيام الإجماع على خلافه و يؤيّده انّه لو كان في الشّرع معاملة مستقلّة غير ما ذكر في الكتب الفقهيّة لتعرضوا لها و لم يحم حول ما اختاره أحد فيتعيّن القول بالثاني هذا و لكن يمكن دفعه بما ذكر من صدق اسم البيع عليها فيشملها أدلته غاية الأمر ان يكون قيام الإجماع على عدم اللّزوم فيها دليلا مخصصا لما يستفاد من أدلة البيع من كون اللّزوم من أوصافه اللّازمة و امّا عدم اشتراط البلوغ فيها و عدم قدح جهالة العوضين فيها فان قام عليهما أو على شيء منهما الإجماع فالحكم (حينئذ) حكم اللّزوم من لزوم التخصيص و الا كان اللازم هو القول بمشاركة المعاطاة لغيرها من أقسام البيع في اشتراط البلوغ أو العلم بالعوضين هذا تمام ما قاله ذلك البعض و لكن لا يخفى ما في دعوى دلالة الآيتين على لزوم البيع فان كونهما إشارتين الى ما هو المتعارف من البيوع لا يقتضي لزومها لانه من الأحكام الشّرعيّة و لو عند أهل العرف و العادة لا من أوصاف الافراد على وجه يترتب عليه الحكم و الحكم على البيع بشيء لا يعطي إلا إثبات ذلك الحكم له من دون نظر الى حكمه عندهم كما هو الشّأن في سائر موارد الحكم على الموضوعات خصوصا إذا وقع بمثل العبارة الواقعة في الآيتين من الحكم بمجرّد الحل و الاستثناء من الأكل بالباطل و قد اعترف ذلك البعض بكون اللّزوم و الجواز من قبيل الأحكام الشرعيّة في غير هذا المورد و صرّح به (المصنف) (رحمه الله) ايضا ثمّ ان هذا الّذي ذكره ذلك البعض هنا مناف لما وقع منه سابقا في مقام الإيراد على الشّهيدين (قدس سرّهما) من ان الطريقة الّتي استقرّ عليها بناء أهل العرف انّما تعتبر في المفاهيم الكليّة دون تمييز المصاديق و مؤيد لما أوردناه عليه هناك من ان أنظار أهل العرف و ان لم تكن معتبر في تمييز المصاديق في غير المقام الا انه يمكن ان (يقال) ان هذا المقام لا يقاس بغيره من المقامات ضرورة ان البيع و نحوه من العقود انّما هي من قبيل ما كان متقررا بين النّاس ثابتا عندهم و قد أمضاه (الشارع) غاية ما في الباب انه زاد على ما كان متقرّرا عندهم شروطا و معلوم ان اللّازم (حينئذ) اتباع ما علم منه من الشرائط الثابتة و ترك ما لم يثبت فيؤخذ بما عندهم لعلمنا بان (الشارع) قد أمضاه و لا يتوهم انا حيث التزمنا بالإمضاء يلزمنا الحكم باللّزوم لانه كان مقررا عندهم لأنا إنّما نلتزم بإمضاء الموضوع و سببيّته للملك في الجملة و لا نلتزم بإمضائه على خصوص وصف اللزوم فنحن نستفيد اللزوم فيما ثبت فيه من الأدلّة الشرعيّة الأخر و ممّا يشيّد أركان ما أوردناه على ذلك البعض هو انّه بناء على ما ذكره يلزم ان يكون أدلّة الخيارات كلها مخصصة لقوله (تعالى) أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و قوله سبحانه إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ ضرورة دلالتها على نفى اللّزوم بالنّسبة إلى مواردها

[مقتضي القاعدة اللزوم مطلقا]

قوله (رحمه الله) مضافا الى إمكان دعوى كفاية تحقق القدر المشترك في الاستصحاب

قال (المصنف) (قدس سرّه) في الرّسالة الاستصحابيّة بعد تقسيم استصحاب المتيقن السّابق إذا كان كليّا في ضمن فرد و شك في بقائه مشيرا الى القسم الّذي هو من قبيل ما نحن فيه و امّا الثاني (فالظاهر) جواز الاستصحاب في الكلّي (مطلقا) على (المشهور) نعم لا يتعيّن بذلك أحكام الفرد الّذي يستلزم بقاء الكلّي بقاء ذلك الفرد في الواقع سواء كان الشّك من جهة الرّافع كما إذا علم بحدوث البول أو المنى و لم يعلم الحالة السّابقة فإنه يجب الجمع بين الطّهارتين فإذا فعل إحديهما و شك في رفع الحدث فالأصل بقاؤه و ان كان الأصل عدم تحقق الجنابة فيجوز له ما يحرم على الجنب أم كان الشّك من جهة المقتضى كما لو تردد من في الدار بين كونه حيوانا لا يعيش إلا سنة و كونه حيوانا يعيش مائة سنة فيجوز بعد السّنة الأولى استصحاب الكلّي المشترك بين الحيوانين و يترتب عليه آثاره الشرعيّة الثابتة دون أثار شيء من الخصوصيتين بل يحكم بعدم كلّ منهما لو لم يكن مانع عن إجراء الأصلين كما في الشّبهة المحصورة و توهم عدم جريان الأصل في القدر المشترك من حيث دور انه بين ما هو مقطوع الانتفاء و ما هو مشكوك الحدوث و محكوم بالانتفاء بحكم الأصل مدفوع بأنّه لا يقدح ذلك في استصحابه بعد فرض الشّك في بقائه و ارتفائه امّا لعدم استعداده و اما لوجود الرافع هذا ما أردنا نقله من كلامه زاد اللّه في إكرامه

قوله فتأمّل

لعله إشارة إلى دفع توهم ان الحكم ببقاء الملك هنا بعد الرّجوع لا يلائم ما ذهب اليه من ترتيب أحكام القدر المشترك دون شيء من الخصوصيّتين لان البقاء بعد الرّجوع انّما هو من آثار الملك اللازم الّذي هو أحد الخاصّين المردّد بينهما و وجه الدفع ان هذا معنى الاستصحاب بالنّظر الى هذا المورد الخاص لأنه عبارة عن الحكم بالبقاء و المفروض ان أحد طرفي الشّك هو الملك المستمر و الأخر هو الملك المتزلزل و ان وقوع الشّك في البقاء و الزّوال انّما هو بعد الرّجوع فمعنى الاستصحاب (حينئذ) هو الحكم بالبقاء في هذه الحالة الّتي هي ما بعد الرّجوع و توضيح هذا ان (يقال) انه لو نذر ان يوقع معاملة لازمة أو يعطى من أوقع معاملة لازمة درهما لا يبرء نذره بإيقاع المعاطاة في الأوّل و إعطاء من أوقعها في الثّاني و يمكن تقرير وجه التّأمّل بوجه أخر و هو ان (يقال) انّه اشارة إلى دفع توهم ان استصحاب القدر المشترك لا يفيد في إثبات ما هو المقصود من الملك اللّازم لأنه أحد الخاصّين المردّد بينهما و قد نفى صحّة إثبات كل من الخصوصيّتين و وجه الدفع انه و ان كان مقتضى القاعدة ذلك الا ان خصوص المقام مقتض لما يخالفه و ذلك لان إبقاء الملك بعد الرّجوع عبارة أخرى عن اللّزوم

قوله (قدس سرّه) لكن الكلام في قاعدة اللّزوم في الملك يشمل العقود أيضا

يعنى ان تبعية القصد المقررة في العقود و ان كانت لا تجري في غيرها من المعاملات الفعليّة فتختصّ بالقوليّة الا ان أصالة اللّزوم في الملك على خلافها فلا تختص بغير العقود بل يجرى فيها ايضا

قوله و كذا لو شك في ان الواقع في الخارج هو العقد اللّازم أو الجائز كالصّلح من دون عوض و الهبة نعم لو تداعيا احتمل التخالف في الجملة

اعلم ان الخلاف في العقد اللازم و الجائز قد يقع بين المالك و غيره و قد يقع بين الخارجين

185

امّا الأوّل فمثاله ان يقول الخارج صالحتنى بغير عوض أو وهبتني (كذلك) فيقول المالك بل بعتك بكذا و (حينئذ) فإن كان لأحدهما بنية دون الأخر كان الحكم لذي البيّنة و لو اقام كل منهما البيّنة التمس المرجّح كالاعدليّة و كثرة العدد ان وجدوا لا عمل بما هو مذكورتى كتاب القضاء و ان لم يكن لأحد الطّرفين بينة احتمل التخالف فيبطل العقد ان المدّعى بهما و احتمل تقديم قول مدعى العقد اللازم لموافقة قوله للأصل و امّا الثاني فمثاله ما لو تنازع زيد و عمرو في عين لبكر فقال أحدهما باعني إياها و قال الأخر و هبني ايّاها بغير عوض و الحكم كما ذكر لكن قد يختلف الحكم بالنظر الى بعض ما هو من هذا القبيل لاشتماله على ما يوجب الاختلاف و لهذا قال العلامة (قدس سرّه) لو ادعى انّه اجرة الدّابة التي في يده و ادّعى أخر أنه أو دعه ايّاها و لا بيّنة حكم لمن يصدقه المتشبّث و لو اقام كلّ منهما بيّنة بدعواه تحقّق التعارض و عمل بالقرعة مع تساوى البيّنتين عدالة و عدد انتهى و وجه مخالفة هذا الفرض لما قبله هو وجود المتشبّث هنا و لهذا اعتبر تصديقه فيه دون ما قبله و الحكم في احتمال التخالف أو تقديم قول من يوافق قوله أصالة اللّزوم عند فقد البيّنة أو تصديق المتشبّث ما عرفت

قوله بناء على ان العقد هو مطلق العهد كما في صحيحة عبد اللّه بن سنان

و في الصّافي في تفسير الآية عن القمي عن الصّادق (عليه السلام) اى بالعهود

قوله (قدس سرّه) ثم لو فرضنا الاتفاق من العلماء على عدم لزومها مع ذهاب كثيرهم أو أكثرهم إلى انّها ليست مملكة و انّما تفيد الإباحة لم يكن هذا الاتفاق كاشفا إذ القول باللّزوم فرع الملكية و لم يقل بها الا بعض من تأخر عن المحقّق الثاني تبعا له و هذا ممّا يوهن حصول القطع بل الظن من الاتفاق المذكور لان قول الأكثر بعدم اللّزوم سالبة بانتفاء الموضوع

لما ذكرت كلمات العلّامة خصوصا كلامه (قدس سرّه) في (التحرير) المفيد بوقوع الخلاف في لزوم المعاطاة أراد ان يبيّن انا لو فرضنا الاتفاق على عدم اللّزوم لم يكن ذلك مما يستكشف به عن تحقق الملك بان تكون المعاطاة تفيد الملك الغير اللازم و ذلك لانّ القول باللّزوم فرع الملكية و نفى الفرع كما يصحّ من بقاء أصله إذا انتفى بنفسه (كذلك) يصحّ بنفي أصله و ذهاب أكثرهم إلى انها ليست مملكة يصير دليلا على ان نفى الفرع هنا انّما هو بنفي أصله بمعنى انها ليست مفيدا لملك حتى تصير لازمة فمع اختيار الأكثر نفى الأصل الّذي هو الملكيّة و عدم مصير أحد إليها لا يحصل القطع بل لا يحصل الظنّ بان مرادهم من العنوان الّذي اتفقوا عليه اعنى عدم اللزوم هو إثبات الملكيّة بدون وصف اللّزوم لانّ قولهم بعدم اللّزوم يصير بدلالة القرينة المذكورة الّتي هي مصير الأكثر الى عدم الملكيّة سالبة بانتفاء الموضوع لكون نفى اللّزوم عندهم من جهة نفى إفادتها للملكية فالحاصل ان نفى اللّزوم لو كان باعتباره في نفسه أمكن استكشاف إثباتهم للملكيّة لكن بعد قيام القرينة على ان نفى الصّفة انّما هو باعتبار نفى الموصوف لا يمكن استكشاف ذلك منه

قوله (رحمه الله) فتأمل

(الظاهر) انه اشارة إلى انّه إذا كان المقصود هو نفى القول بالملك اللازم من دون قصد إثبات الملك لجائز لم يبق حاجة الى ضمّ مقدّمة أخرى و دعوى الإجماع المركب لان نفس الاتفاق على عدم اللّزوم كاف في نفى الملك اللازم واف بدفعه

قوله و كيف كان فتحصيل الإجماع على وجه استكشاف قول الامام عليه عن قول غيره من العلماء كما هو طريق المتأخّرين مشكل لما ذكرنا

هذا بيان لنتيجة الكلام الّذي ذكره قبل قوله ثمّ لو فرضنا الاتفاق من العلماء على عدم لزومها (انتهى) و أشار بالتّعليل الى ما ذكره من عدم تحقق الاتّفاق و من دلالة كلام العلامة على وجود الخلاف المعتدّ به في المسئلة و على هذا فلا يحصل الاستكشاف عن قوله (عليه السلام) بطريق المتأخّرين الذي هو طريق الحدس الحاصل من اتفاق الاتباع و الوصول به الى قول المتبوع لانه و ان كان الإجماع على طريق القدما ممكنا لأهله بأن يكون هناك جماعة معلومي النّسب و ان كانوا كثيرين و انّما قلنا ان ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من الكلام نتيجة ما قبل قوله ثمّ لو فرضنا لظهور قوله و كيف كان في ذلك من جهة ان هذه العبارة إنّما يؤتى بها في مقام الاعراض عن ذيل الكلام و الرجوع الى ما هو المقصود الأصلي مضافا الى انّه لا يمكن ان (يقال) ان قوله لما ذكرنا إشارة الى ما ذكره في نفى دلالة الاتفاق على عدم اللزوم على فرض تحققه على القول بالملك الجائز استنادا الى مصير أكثرهم الى ان المعاطاة ليست مملكة لأنه و ان أمكن ان (يقال) إن غاية مصير الأكثر الى عدم إفادتها للملك انّه يكشف عن ان مراد الأكثر بعدم اللّزوم هي السالبة بانتفاع الموضوع فلا يدلّ على كون مذهب الباقين ذلك فيصير سالبة بانتفاء المحمول لكن لا يصير قول الباقين ممّا يصحّ الاستكشاف به عن قول الامام (عليه السلام) على طريقة المتأخرين و ان كان يصحّ الاستكشاف به على طريقة القدماء من حيث انّ كلّ جماعة تضمّنت أقوالهم قول الامام (عليه السلام) يتحقق بهم الإجماع و لا يقدح خروج معلومي النّسب و ان كانوا كثيرين الا انه يشكل الأمر من جهة ان غاية ما هناك ان يصير قول الباقين ظاهرا في السّالبة بانتفاء المحمول ان لم نمنع الظّهور ايضا استنادا الى عدم القائل بالملك الجائز قبل المحقق الثاني فلا بصير نصا في التزام مهم بالملك الجائر و يصير هذا سببا لعدم حصول الاستكشاف بقولهم عن قول المعصوم (عليه السلام) لا على طريقة المتأخرين و لا على طريقة القدماء فلا ينتظم معنى العبارة لأنه لا بد ان يكون قوله لما ذكرنا إشارة إلى معنى مانع عن الاستكشاف على طريقة المتأخرين غير مانع على طريقة القدماء كما لا يخفى على من تدبّر

قوله و بالجملة فما ذكره في (المسالك) من قوله بعد ذكر قول من اعتبر مطلق اللّفظ في اللّزوم ما أحسنه و ما امتن دليله ان لم يكن إجماع على خلافه في غاية الحسن و المتانة

لم أجد هذه العبارة في لك و الموجود فيها عند قول المحقق (قدس سرّه) و لا يكفى التقابض من غير لفظ و ان حصل من الأمارات ما يدلّ على ارادة البيع ما نصّه هذا هو (المشهور) بين الأصحاب بل كاد يكون إجماعا غير ان ظاهر كلام المفيد (قدس سرّه) يدلّ على الاكتفاء في تحقق البيع بما دلّ على الرّضا به من المتعاقدين إذا عرفاه و تقابضاه و قد كان بعض مشايخنا المعاصرين يذهب الى ذلك ايضا لكن يشترط في الدّال كونه لفظا و إطلاق كلام المفيد (رحمه الله) أعمّ منه و النّصوص المطلقة من الكتاب و السنة الدالة على حلّ البيع و انعقاده من غير تقييد بصيغة خاصّة يدل على ذلك فانّا لم نقف على

186

دليل صريح في اعتبار لفظ معيّن غير ان الوقوف مع المشهور هو الأجود مع اعتضاده بأصالة بقاء ملك كلّ واحد لعوضه الى ان يعلم الناقل فلو وقع الاتفاق بينهما على البيع و عرف كلّ منهما رضى الأخر بما يصير اليه من العوض المعيّن الجامع الشّرائط البيع غير اللّفظ المخصوص لم يفد اللزوم لكن هل يفيد اباحة تصرّف كلّ منهما فيما صار اليه من العوض نظرا إلى اذن كلّ منهما للآخر في التصرّف أم يكون بيعا فاسدا من حيث اختلال شرطه و هو الصّيغة الخاصة (المشهور) الأول فعلى هذا يباح لكلّ منهما التصرّف و يجوز له الرّجوع في المعاوضة ما دامت العين باقية فإذا ذهبت لزمت الى أخر ما قال (رحمه الله)

[ما يدل على عدم لزوم المعاطاة]

قوله (قدس سرّه) و قد يظهر ذلك من غير واحد من الاخبار

يعنى انّه يظهر منها انتفاء اللّزوم بانتفاء مطلق اللّفظ الدال على الإنشاء سواء لم يوجد لفظ أصلا أم وجد و لكن لم ينشأ به التّمليك ففي الصّحيح بعد السّؤال عن بيع كذا و كذا حدّه بكذا و كذا و بهما؟؟؟ فباعه المشترى بربح قبل القبض و أعطاه الثمن لا بأس بذلك الشراء أ ليس كان قد ضمن لك الثّمن قلت نعم قال فالرّبح له و هو يدلّ على جواز البيع من حيث حكمه (عليه السلام) بكون الربح للمشتري بمجرّد ضمان الثّمن على وجه يفيد دوران الحكم مداره لانه (عليه السلام) استفصل عن انّه ضمن له الثّمن فإذا قال نعم قال (عليه السلام) فالرّبح له و لا ريب ان ضمان الثّمن يصدق مع عدم وقوع الإيجاب و القبول بلفظ خاص و من المعلوم ايضا انه لو لم يملك المشترى ما أشتريه لم يصحّ بيعه و لم يكن الرّبح له إذ لا بيع إلا في ملك كما نطقت به الاخبار و في صحيحة جميل الواردة فيمن اشترى طعاما و ارتفع أو نقص أي في القيمة و قد اكتال بعضه فأبى صاحب الطّعام ان يسلّم له ما بقي و قال ان مالك ما قبضت انه (عليه السلام) قال ان كان يوم اشتراه ساعره على انه له فله ما بقي وجه الدلالة ظاهر لأن المساعرة أعمّ من وقوع الإيجاب و القبول بألفاظ خاصّة و قد جعل (عليه السلام) الحكم بكون الباقي للمشتري مع إباء البائع منوط بالمساعرة و ذلك لا يتم الا بلزوم البيع بها و في صحيحة العلاء إني أمر بالرّجل فيعرض على الطّعام الى ان قال فأقول له اعزل منه خمسين كرا أو أقل أو أكثر يكيله فيزيد و ينقص و أكثر ذلك ما يزيد لمن هو قال (عليه السلام) هو لك الحديث فان ظاهره عدم وقوع الصّيغة الخاصّة و قد حكم (عليه السلام) بكون المال له على وجه يظهر منه انه لو حاول البائع منع المبيع من جهة حصول الزّيادة لم يكن له ذلك و مع التنزّل في ظهوره عن عدم وقوع الصّيغة الخاصّة نقول في وجه الدلالة انّه يكفى العموم المستفاد من ترك الاستفصال

قوله (رحمه الله) بل يظهر منها ان إيجاب البيع باللّفظ دون مجرّد التعاطي كان متعارفا بين أهل السّوق و التّجار

هذا الظهور يحصل من ملاحظة اختار متعدّدة بمعنى ان التعارف يستفاد من المجموع لا ان كلّ واحد منها يدلّ عليه لوقوع السّؤال في كلّ منها عن القضيّة المبتلى بها لكن يعلم من الاطلاع على جميع ما ورد في الأبواب المتفرقة من البيع و غيره انّ إيجاب البيع باللّفظ الغير المشتمل على جميع شرائط الصّيغة مما اعتبره الفقهاء من الماضويّة و غيرها كان متعارفا و قد صرّح (المصنف) (رحمه الله) فيما سيأتي في المقدّمة الّتي قررها لبيان خصوص ألفاظ عقد البيع بذلك فقال و الّذي يظهر من النصوص المتفرقة في أبواب العقود اللّازمة و الفتاوى المتعرضة لصيغها في البيع بقول مطلق و في بعض أنواعه و في غير البيع من العقود اللّازمة الاكتفاء بكلّ لفظ له ظهور عرفي معتد به في المعنى المقصود به فلا فرق بين قوله بعت و ملكيّة و بين قوله نقلت الى ملكك أو جعلته ملكا لك بكذا و إذ قد عرفت ذلك نقول ان من جملة الأخبار المشار إليها صحيحة العلاء المذكورة في ذيل الكلام على المتن السّابق حيث اشتمل سؤالها على قول السّائل فأقول له اعزل منه خمسين كرا (انتهى) و منها ما في الوسائل في باب جواز أخذ السّمسار و الدلال الأجرة على البيع و الشراء مسندا عن عبد الرحمن بن ابى عبد اللّه قال سئلت أبا عبد اللّه عن السمسار يشتري بالأجر فيدفع اليه الورق و يشترط عليه انّك تأتي بما تشترى فما شئت أخذته و ما شئت تركته فيذهب فيشترى ثمّ يأتي بالمتاع فيقول خذ ما رضيت و دع ما كرهت قال لا بأس و منها ما في باب جواز بيع المبيع قبل قبضه عن إسحاق المدائني قال سئلت أبا عبد اللّه عن القوم يدخلون السّفينة يشترون الطّعام فيتساومون بها ثم يشتريه رجل منهم فيسئلونه فيعطيهم ما يريدون من الطّعام فيكون صاحب الطّعام هو الّذي يدفعه إليهم و يقبض الثّمن قال لا بأس ما أراهم الا و قد شركوه الحديث وجه الدلالة انه ليس شيء من المعاملتين على وجه وقع فيه الصّيغة الخاصّة المقرّرة و انما وقع المقاولة كما لا يخفى على من تدبر و يمكن استظهار ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من ملاحظة أخبار أخر في أبواب البيع كما لا يخفى على من تتبع و ان كان بعضها أوضح من بعض بل يظهر من بعض الاخبار جواز الاكتفاء بغير الصّيغة التي لم تستجمع جميع ما وقع في كلمات جماعة من الفقهاء (رضي الله عنه) باذن المعصوم (عليه السلام) في ذلك ففي الوسائل عن محمّد بن يحيى عن احمد بن محمّد عن الحسين بن سعيد عن أخيه الحسن عن زرعة عن سماعة قال سالته عن اللّبن يشترى و هو في الضرع فقال لا الا ان يجلب لك منه أسكرجة فيقول اشتر منى هذا اللّبن الّذي في الاسكرجة دما في ضروعها بثمن مسمّى فان لم يكن في الضّرع شيء كان ما في الاسكرجة قال (رحمه الله) و رواه الصّدوق (قدس سرّه) بإسناده عن سماعة انه سئل أبا عبد اللّه و ذكر مثله و رواه الشّيخ (قدس سرّه) بإسناده عن الحسين بن سعيد و الّذي قبله بإسناده عن محمد بن يعقوب

[الخبر الذي يتمسك به في في باب المعاطاة و بيان وجوه دلالته]

قوله عن خالد بن الحجّاج أو ابن نجيح الترديد بين خالد بن الحجاج و خالد بن نجيح

قد نشأ من اختلاف النّسخ الصّحيحة من الكافي و قد رأيت نسخة قرأت على العلامة المجلسي (رحمه الله) قد أقيم؟؟؟ فيها الاختلاف على الوجهين قال العلّامة (قدس سرّه) في إيضاح الاشتباه خالد بن نجيح بالنون المفتوحة و الجيم و الحاء المهملة أخيرا الجوان بالجيم المفتوحة و الواو المشدّدة و النون أخيرا انتهى و قال المجلسي (قدس سرّه) في حواشي الكافي ان خالد بن نجيح مجهول

قوله (رحمه الله) فيكون وجوده محللا و عدمه محرما أو بالعكس أو باعتبار محله و غير محلّه فيحل في محله و يحرم في غيره و يحتمل هذا الوجه الرّوايات الواردة في المزارعة

مثال الأصل عقد النّكاح فان وجوده محلّل و عدمه محرم و مثال العكس صيغة الطّلاق و كذا اللعان و الظهار و غير ذلك و انّما مثلنا بهذه الأمثلة لأنّ (المصنف) (رحمه الله) قرر المقال في معنى الفقرة مع قطع النّظر عن صدر الرّواية و في المستند في الجواب عن الاستدلال بالخبر المذكور للمذهب

187

(المشهور) و هو توقف اللّزوم على تحقق الصيغة الخاصّة ما نصّه انّه ليس ظاهرا في مطلوبهم بل و لا محتملا له لانّه لا يلائم جعل قوله (عليه السلام) انّما يحرم تعليلا السّابقة بل المراد انّه ان كان بحيث ان شاء أخذ و ان شاء ترك و لم يذكر ما يوجب البيع فلا بأس و الا ففيه بأس لأنه انما يحرم و يحلل الكلام فإن أوجب البيع يحرم و الا فيحل كما ورد في صحيحة يحيى بن الحجاج عن رجل قال لي اشتر هذا الثوب أو هذه الدابة و بعنيها أربحك فيها بكذا و كذا قال لا بأس بذلك يشتريها و لا يواجبه البيع قبل ان يستوجبها أو يشتريها و قد ورد هذا الحق في أحاديث أخر كصحيحة الحلبي عن الرّجل بزرع الأرض فيشترط للبزر ثلثا و للبقر ثلثا قال لا ينبغي ان يسمّى شيئا فإنما يحرّم الكلام و نحوه في صحيحة سليمان بن خالد و رواية أبي الربيع الشامي انتهى و في الوافي الكلام هو إيجاب البيع انّما يحلل نفيا و يحرّم إثباتا

قوله لانه مع لزوم تخصيص الأكثر

وجه لزومه خروج التّحف و الهدايا و البيوت الثمانية المنصوص عليها في الكتاب الكريم و الضّيافات و جميع المواريث و موارد الاذن بشاهد الحال و الفحوى

قوله فتأمّل

إشارة إلى منع ما ذكره من الدّعوى و هي عدم إمكان المعاطاة في خصوص المورد ضرورة إمكان أن يأخذ الثّوب من صاحبه بشيء من الوجهين اللذين هما ابقاع صيغة البيع و عدمه بأن يأخذه على وجه المعاطاة ثم يسلمه الى من امره بالشّراء مع كون التّسليم مقرونا بالصّيغة و عدمه نعم في حال المقاولة الاولى ليست ممكنة و لا يلزم من ذلك عدم إمكانها (مطلقا)

قوله (رحمه الله) فان ظاهره على ما فهمه بعض الشراح انه لا يكره ذلك في المقاولة التي قبل العقد و انّما يكره حين العقد

التعبير بالكراهة مبنى على ما هو (المشهور) من كراهة نسبة الربح إلى أصل المال خلافا للمحكي عن (المقنعة) و (النهاية) و (المراسم) و التقى و القاضي فعن الأولين لا يجوز و عن الثالث لا يصحّ و في كره ما لفظه و امّا بيع المرابحة فإن نسب الرّبح إلى أصل المال كان مكروها ليس باطلا عند علمائنا و ذلك بان يقول شريت هذه السلعة بمائة و بعتكها بمائة و ربح كلّ عشرة درهم فيكون الثّمن مائة و عشرة دراهم ثم قال و هذا هو (المشهور) عند الجمهور انتهى و عن (الخلاف) دعوى الإجماع على الكراهة و هذا هو المختار إذ لم نجد للقول بالحرمة أو البطلان مستندا صالحا لذلك عدا رواية العلاء المصححة المذكورة في المتن و رواية الحلبي المصححة عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال قدّم لأبي متاع من مصر فصنع طعاما و دعى له التّجار فقالوا نأخذه منك بده دوازده قال لهم ابى و كم يكون ذلك قالوا في عشرة الاف ألفين فقال لهم أبي فإني أبيعكم هذا المتاع باثني عشر ألفا فباعهم مساومة و رواية حنان بن سدير قال كنت عند ابى عبد اللّه (عليه السلام) فقال له جعفر بن حنان ما تقول في العينة في رجل يبايع رجلا فيقول أبايعك بده دوازده و بده يازده فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) هذا فاسد و لكن يقول اربح عليك في جميع الدّراهم كذا و كذا و يساومه على هذا فليس به بأس الحديث و أنت خبير بأن الأوّلين لا يظهر منهما ما زاد على الكراهة فإن الأمر بجعله جملة واحدة عند جمع البيع في الأوّل لعله من جهة التخلّص عن الكراهة و فعله (عليه السلام) في الثاني لعلّه من جهة التخلّص منها مضافا الى ما في الوسائل عن جراح المدائني قال قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) انى اكره البيع بده يازده و دوازده و لكن أبيعه بكذا و كذا و فيها بعد ذكره ما لفظه و رواه الشّيخ (قدس سرّه) بإسناده عن الحسين بن سعيد عن القاسم بن محمّد مثله و ما فيها عن ابان بن عثمان عن محمّد قال قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) انى لأكره بيع عشرة بإحدى عشرة و عشر ثابتى عشرة و نحو ذلك من البيع و لكن أبيعك بكذا و كذا مساومة قال و امّا في متاع مصر فكرهت أن أبيعه (كذلك) و عظم علىّ فبعته مساومة و فيها بعد ذكره محمد بن الحسن بإسناده عن الحسين بن سعيد عن فضالة عن ابان مثله و دلالة هذه الاخبار على الكراهة أظهر من دلالة الخبرين الأولين على الحرمة أو البطلان من جهة لفظ الكراهة و نسبتها الى نفسه (عليه السلام) بقوله انى لأكره فتكون قرينة على ان المراد بهما ما هو المراد بها من الكراهة و لو تنزلنا عن ذلك الى تساوى الطائفتين من جهة الدلالة قلنا لا مناص (حينئذ) من الرّجوع الى قاعدة التعارض و مقتضاها تقديم ما دل على الكراهة لتأييدها بعمل الأكثر و مع التنزل عن ذلك ايضا فالمرجع أصالة الإباحة في مقابل القول بالحرمة و ان كان هذا لا يتمّ في مقابل القول بالبطلان هذا و في (الجواهر) ما نصّه بل في الصّحيح أو الموثق كالصّحيح انى اكره بيع عشرة بإحدى عشرة و عشرة باثنى عشرة (انتهى) ما يقضى بكراهة المرابحة (مطلقا) و ان لم أجد قائلا به ثم قال نعم في الرّياض قد ذكر بعض الأجلة ان (الظاهر) من المعتبرة هنا كراهة المرابحة و أولوية المساومة لا الكراهة في موضوع المسئلة قال اى صاحب الرّياض (رحمه الله) و هو (كذلك) لو لا المخالفة لفهم الطائفة انتهى (فتأمل)

و ينبغي التنبيه على أمور

الأوّل [في أن المعاطاة قبل اللزوم على القول بالملك بيع]

قوله (الظاهر) ان المعاطاة قبل اللّزوم على القول بإفادتها الملك بيع

يعنى عند أرباب هذا القول و الدليل عليه ما أشار إليه من تمسكهم له بقوله (تعالى) أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و مقابل الظن احتمال انهم يرون انّها معاوضة مستقلة على ما حكاه (المصنف) (رحمه الله) من حواشي الشّهيد (قدس سرّه) فيما سيأتي و لكن لا يخفى عليك انه بعد الاستدلال بالآية المذكورة لا يبقى احتمال المعاوضة المستقلة الا احتمالا موهوما في كلام المستدلين بها مبنيا على غفلتهم عن مذهبهم و هذا الكلام من (المصنف) (رحمه الله) ناظر الى رد ما عن مفتاح الكرامة من نسبته إليهم القول بكونها معاوضة مستقلة قال (رحمه الله) فيما حكى عنه مما ساقه في مقام بيان نفى اشتراط شروط البيع فيها ان ظاهرهم عدم اشتراط ذلك فيها لان (الظاهر) منهم انها معاوضة برأسها

قوله بل (الظاهر) من كلام المحقق الثاني (قدس سرّه) في جامع (المقاصد) انه مما لا كلام فيه

(انتهى) قد تقدّم من (المصنف) (رحمه الله) نقل كلامه بعينه في أوّل المسئلة في ذيل العبارات الّتي حكاها عن الأصحاب

قوله هذا على ما اخترناه سابقا من ان مقصود المتعاطيين في المعاطاة التمليك و البيع

يعنى ان ما ذكره من ان المعاطاة على القول بإفادتها الملك بيع حقيقة و على القول بإفادتها الإباحة بيع عرفي لم يؤثر شرعا إلا الإباحة مبنىّ على ما اختاره من ان محلّ النّزاع في المسئلة انّما هو ما لو قصد المتعاطيان التّمليك

قوله و امّا على ما احتمله بعضهم بل استظهره من ان محلّ الكلام هو ما إذا قصدا مجرد الإباحة فلا إشكال في عدم كونها بيعا عرفا و لا شرعا

حتى على القول بكون المعاطاة مفيدا للنقل و التمليك إذ لا يبقى لذلك القول معنى على هذا التقدير سوى ان (الشارع) اجرى على الإباحة الّتي قصدها المتعاطيان

188

حكم البيع بمعنى إفادتها للتمليك و لا يلزم من هذا تسميتها بيعا عند (الشارع) و لا عند أهل العرف حتّى يثبت لها الشرط المعلّق في الخطاب الشّرعي على البيع بواسطة اندراجها في مفهومه

قوله و حيث ان المناسب لهذا القول التمسّك في مشروعيته بعموم النّاس مسلّطون على أموالهم كان مقتضى القاعدة هو نفى شرطية غير ما ثبت شرطيته كما انه لو تمسّك لها بالسّيرة كان مقتضى القاعدة العكس و الحاصل ان المرجع على هذا عند الشّك في شروطها هي أدلة هذه المعاملة سواء اعتبرت في البيع أم لا

اعلم ان الاستدلال على مشروعيّة هذه الإباحة العوضيّة بعموم النّاس مسلّطون على أموالهم و ان كان محل تأمّل لأنه لا يتأتى منه افادة بيان كيفيات التصرّف و التسلّط لأنّه إنّما سبق لبيان إثبات نفس السّلطنة من حيث هي و بيان الكيفيات موكول الى ما علم من الخارج فلا يفيد ثبوت شرعيّة ما لم يعلم شرعية من الخارج الّا انّ وجه الفرق بين مقتضى الدّليلين واضح لأن الأوّل من قبيل المطلق فينفى ما شك في ثبوته من التقييد بأصالة الإطلاق الحاصل له بخلاف الثاني فإنّه مهمل لا إطلاق له فلا بد من الرّجوع فيما شكّ فيه الى الأصل العملي و مقتضاه انّما هو عدم سببية العاري عن الشرط المشكوك للأثر الذي يراد ترتيبه عليه و قال بعض المعاصرين أيده اللّه ان الإنصاف ان الإباحة المالكية تتبع اذن المالك من غير فرق بين جمع الشرائط أو عدمه على نحو المجانية و لا شاهد على دعوى ان الشارع لم يمض اذن المالك الا مع جمع الشرائط و انه قد نهى عن العمل بها مع فقدها بل إطلاق الأدلّة شاهد على عدمها انتهى و يعلم ما فيه مما ذكرنا فانّ عدم إمضاء (الشارع) لا يحتاج الى شاهد لموافقته للأصل و المحتاج الى الشاهد انّما هو ثبوت الإمضاء و ليس فليس و دعوى ان عموم قوله (عليه السلام) النّاس مسلّطون على أموالهم يقضي بالصحّة ممنوعة لأن مساقه انما هو لإفادة السّلطنة في الجملة الموكول بيانها الى الكيفيات المعهودة فليس العموم المذكور مفيد الشّرعيّة ما لم يعلم شرعيّته من دليل أخر فتدبر ثمّ لا يخفى عليك ان ما ذكره (رحمه الله) من حكم الإباحة العوضيّة المذكورة يجرى على القول بكون المعاطاة معاوضة مستقلة لازمة كما وقع فيما حكى عن الشهيد (رحمه الله) احتماله حيث قال ان المعاطاة معاوضة مستقلة جائزة أو لازمة انتهى و عن مفتاح الكرامة نسبته الى ظاهر الأصحاب في كلامه الّذي قدّمنا نقله عنه و قد صرح فيما حكى عنه ايضا بعدم اشتراط شرائط البيع فيها مدّعيا ان ذلك مقتضى اطباقهم قال (رحمه الله) ان اطباق السّلف و الخلف على تناول ما في يد الصبي فيما كان فيه بمنزلة الإله لوليّه كبيعه للخبز و نحوه قاض بعدم الاشتراط فيها إذ ليس ذلك إلّا معاطاة و كذا اطباقهم على اشتراط التقابض في الصرف قبل؟؟؟ التفرق الا ان يكون معاطاة فإنهم قد صرحوا (حينئذ) بعدم اشتراطه بل عنه (أيضا) ان القول بأنه يشترط فيها شرائط البيع عدا الصّيغة نادر جدا ضعيف لم أجد من صرّح به قبل (المسالك) و ان اغترّ به جماعة ممّن تأخر عنها انتهى فالحاصل انه على القول بكونها معاوضة مستقلة لا يشترط فيها شيء من شرائط البيع الا ما علم اعتباره كالعلم بالرّضا و قصد النّقل بالإقباض و نحوهما و في شرح (القواعد) (الظاهر) من جماعة من الأصحاب دخولها في اسم المعاملة التي جائت في مقامها فيجري فيها شرائطها و أحكامها فإن كانت قائمة مقام البيع جرى فيها أحكام الشّفعة و الخيار و الصرف و السّلم و بيع الحيوان و الثمار و جميع شرائطه سوى الصّيغة و لم يقم على ذلك شاهد معتبر من كتاب أو سنة أو إجماع و الأقوى انّها قسم أخر بمنزلة الصّلح و العقود الجائزة يلزم فيها ما يلزم فيها فتصحّ المعاطاة على المشاهد من مكيل أو موزون من غير اعتبار كيل أو وزن و بنحو ذلك جرة عادة المسلمين نعم لو أرادوا المداقة بنوا على إيقاع الصّيغة و المحافظة على الشروط (فالظاهر) انه متى جاء الفعل مستقلا أو مع ألفاظ لا تستجمع الشرائط مقصودا بها المسامحة جاء حكم المعاطاة و على الأوّل فإن صرّح فيها ببيع أو غيره بنى عليه و الا فالبيع أصل في المعاوضة على الأعيان مقدم على الصّلح و الهبة المعوّضة و الإجارة في نقل المنافع مقدمة على الصّلح و الجعالة ثم اللزوم ليس من المقتضيات الأصليّة و انّما هو من التوابع و اللّواحق الشرعية فقصده غير مخل و ان لم يصادف محزّه و قد تبين ان حكم المعاطاة إنما يجيء من خلل بالصيغة في نفسها أو في نظمها كتقديم القبول أو حصول الفصل الطّويل و لو جاء الخلل من خارج اللّفظ أو منه مرادا به الجامع للشروط فان كان مع التّصريح بالإباحة المجرّدة مطلعة أو مفيدة بالاستمرار أو عدمه فالحكم واضح و الا جرى عليه حكم المقبوض بالعقد الفاسد انتهى و لكن لا يخفى عليك ان استلزام كون المعاطاة معاوضة مستقلة لعدم اعتبار شرائط البيع فيها و انه لا بدّ من الرّجوع الى دليل تلك المعاوضة المستقلة حقّ لما ذكرنا الا ان ما ذكره صاحبا مفتاح الكرامة و شرح القواعد مما لا

(يخلو) عن نظر بل منع امّا الأوّل فلان نسبته الى ظاهر الأصحاب التزامهم بكون المعاطاة معاوضة مستقلة ممّا لا شاهد عليه سوى ما عن موضع من حواشي الشّهيد (قدس سرّه) بل كلماتهم تشهد بخلافه و ان ما ذكره من اطباق السّلف و الخلف على تناول ما في يد الصّبي من الخبز و نحوه ممنوع أيضا إذ لم يعرف ذلك من المتديّنين الذين يعبأ بسيرتهم و معلوم ان اطباق غير المتديّنين لا عبرة به في الأحكام الشرعية و امّا ما ذكره في أضعاف ما حكاه عن لك و نسبته إلى الندرة فيوهنه ما افاده (المصنف) (رحمه الله) هنا في ضمن الشاهد للوجه الأوّل من الوجوه الّتي ذكرها بناء على مختاره من انّ الكلام فيما قصد البيع و امّا الثاني فلان فيه مواقع للنظر أحدها ما ذكره من انّه لم يقم على مذهب الجماعة دليل معتبر من كتاب أو سنة أو إجماع و ذلك لان هذا الإنكار ان كان ناظرا إلى صورة قصد المتعاطيين الى التمليك في مقابل التمليك و معاوضة أحدهما بالاخر فذلك مما لم يقل أحد بصحته حتى يطالب بدليله و يوجه الإنكار إليه بان ذلك مما لم يقم عليه دليل معتبر و ان كان ناظرا إلى صورة قصدهما الى البيع كما هو مذهب القائلين بكون المعاطاة بيعا بدلالة التبادر و عدم صحّة سلب اسم البيع عنه و غير ذلك ممّا تقدم فلا وجه له لأنّهم يقولون بأنه من أقسام مسمّى لفظ البيع و على هذا فكل ما ورد في الكتاب و السنة و قام عليه الإجماع من الشرائط معلقا على اسم البيع يجري في جميع أصناف مسمّاه التي منها المعاطاة بدلالة ذلك الدليل الدّال على اعتبار ذلك الشّرط في البيع و كذا الحال في الإجارة و غيرها من العقود بناء على القول بجريان المعاطاة فيها كما لا يخفى ثانيها ما ذكره من دعوى قيام السّيرة على المعاطاة على المشاهد من مكيل أو موزون من غير اعتبار كيل أو وزن فان ذلك ليس من سيرة المتديّنين و انّما هو مسلك المسامحين في الأمور الشرعيّة الذين لا عبرة بأفعالهم و لا أقوالهم و هو واضح ثالثها ما ذكره من ان اللّزوم ليس من المقتضيات الأصليّة و انّما هو من التوابع و اللواحق الشرعيّة فقصده غير مخل و ان لم يصادف محزه و ذلك لأنّه ان أراد بكون قصده غير مخل انه ان قصده لا بعنوان كونه مقوّما للمعاملة بل كان من قبيل الاعتقاد المقارن لم يكن قصده ذلك مخلّا فهو حق و ان أراد انّه ان قصده لا بعنوان كونه مقوّما لها كان مخلّا قطعا ضرورة كونه مثل قصد التّمليك بها (حينئذ) على القول بكون موضوع

189

المعاطاة عبارة عن الإباحة من المالك و خروج اللّزوم في نفسه عن حقيقة المعاطاة لا يصير مانعا عن إدخال مباشر المعاملة ذلك في معاملته على وجه يكون كالشّرط في تحقق التمليك و ترتيب أثره الّذي هو الملك عليه فإطلاق القول بعدم كون قصد اللّزوم مخلّا ليس في محلّه بل نقول ان (الظاهر) من كلامه انّما هو الشقّ الثاني و قد عرفت انه مخل رابعها ما ذكره من التفصيل بين ما لو جاء الخلل من الخارج كالجهل بأحد العوضين أو من اللفظ مراد به الجامع للشروط مع التّصريح بالإباحة المجرّدة و بين ما جاء الخلل من شيء منهما مع عدم التّصريح بالإباحة المجرّدة بالحكم بجريان حكم المعاطاة و الإباحة في الأولين و جريان حكم المقبوض بالبيع الفاسد من الضّمان و غيره في الأخير و بعبارة أخرى التفصيل بين صورتي المسامحة و عدمها بجريان حكم المعاطاة على الاولى دون الثانية و ذلك لان هذا التّفصيل لا يتم الّا بان (يقال) انّ النّاس يقصدون في صورة المسامحة الإباحة المجرّدة و ان عبروا بلفظ البيع أو يقصدون التمليك (حينئذ) مع قصدهم الى الرّضا بذلك على تقدير عدم حصول الملك بخلاف الصّورة الأخرى فإنّهم يقصدون فيها التّمليك المفيد بصحّة الإنشاء الّذي أوقعوه و هذا ممّا لا يساعد عليه عادتهم و طريقتهم و لا يمكن إحراز تحقق وقوع الفرق في ذلك منهم

قوله يشهد للاوّل كونها بيعا عرفا فيشترط فيها جميع ما دلّ على اشتراطه في البيع

قد (يقال) ان دعوى انّها بيع عرفا فيشترط فيها جميع ما يشترط فيه لدخولها في أدلته و ان لم تؤثر شرعا إلا الإباحة معارضة مع تسليم صدق البيع عليها حقيقة بأن تلك الأدلّة منصرفة إلى البيع اللازم فلا يدخل فيها المعاطاة و ان كانت بيعا متزلزلا و بان السّيرة المستمرة على ترك الشرائط فيها قاضية باستثنائها من تلك الأدلّة ثم قال الّا انّ المانع للانصراف المزبور مستظهر بناء على انّها بيع متزلزل و ان كان متجها بناء على الإباحة المالكية و امّا على الإباحة الشّرعية فالمرجع في ذلك الى معاقد الإجماع و نحوها أو الى السّيرة في المجهول كما في شرح (القواعد) و غيره انتهى و أنت خبير بما فيه امّا أوّلا فلان منع صد و البيع عليها حقيقة موقوف على ثبوت حقيقة أخرى غير الحقيقة العرفية و دعوى ذلك في ألفاظ المعاملات واضح السّقوط و امّا ثانيا فلما عرفت من ان السّيرة ليس منشؤها الا عدم المبالات في الدين فلا عبرة بها و امّا ثالثا فلانّ التفصيل في الانصراف بما عرفت في مقابلة (المصنف) (قدس سرّه) لا وجه له لان كلامه (قدس سرّه) مقيد في أوّله بما هو مختاره في محلّ النزاع من كون مقصود المتعاطيين هو البيع بل نقول ان الحكم باتجاه الانصراف بناء على الإباحة المالكية ممّا لا يعقل له معنى لخروج المعاطاة على تقدير كونها إباحة مالكية عن عنوان البيع رأسا فكيف يسلم الانصراف الّذي هو فرع دخول المتصرّف اليه و المنصرف عنه في عنوان المطلق الموصوف بالانصراف

قوله ظاهر فيما حكم فيه باللزوم و ثبت له الخيار في قولهم البيّعان بالخيار ما لم يفترقا

قد اشتمل هذه الفقرة على حكمي اللّزوم و الخيار بالمفهوم و المنطوق

قوله لكونها بيعا ظاهرا على القول بالملك

يعنى على القول بإفادتها للملك و الا فالكلام انّما هو على مختاره (رحمه الله) من كون محلّ النّزاع هو ما لو قصد المتعاطيان التمليك و من هنا يعلم ان قوله (رحمه الله) و امّا على القول بالإباحة معناه و امّا على القول بإفادتها للإباحة مع كون قصد المتعاطيين الى التمليك كما هو المفروض في أوّل الكلام و التقييد بقوله ظاهرا إشارة إلى احتمال كونها معاملة مستقلة و ان كان موهوما

قوله و بما ذكرنا يظهر وجه تحريم الرّبا فيه ايضا و ان خصّصنا الحكم بالبيع

أراد بالحكم حكم تحريم الرّبا اعلم انه قد وقع الخلاف في ثبوت الرّبا في كلّ معاوضة و اختصاصه بالبيع فالمحكي عن السيّد و الشّيخ و القاضي و ابن المنوج و فخر المحققين و الشهيدين و ابن العبّاس و القطيفي و الحليين و المحقق الأردبيلي (قدس سرّهم) هو الأوّل و هذا هو الذي صرّح به المحقق (قدس سرّه) في كتاب الغصب حيث قال و لا تظنن انّ الرّبا يختص بالبيع بل هو ثابت في كل معاوضة ربويين متفقي الجنس انتهى و ان كان عبارته في باب الرّبا توهم الاختصاص في بادى الرّأي فإنه قال و هو يثبت في البيع مع وصفين الجنسيّة و الكيل أو الوزن و في القرض مع اشتراط النّفع انتهى بل عن المحقق الأردبيلي (رحمه الله) في ايات الأحكام نسبة هذا القول اعنى ثبوته في كلّ معاوضة إلى الأكثر و ذهب ابن إدريس (رحمه الله) الى الثاني قال في (السرائر) و لا يكون الربا المنهي عنه المحرم في شريعة الإسلام عند أهل البيت (عليه السلام) الا فيما يكال أو يوزن فامّا ما عداهما من جميع المبيعات فلا ربا فيها بحال لأن حقيقة الربا في عرف الشّرع هو بيع المثل من المكيل أو الموزون بالمثل متفاضلا نقدا أو نسية انتهى و وافقه العلّامة في (الإرشاد) حيث قال و انّما يثبت في بيع أحد المتساويين جنسا بالاخر (انتهى) و تردد في كتاب الصّلح من (القواعد) حيث قال و لو صالح على عين بأخرى في الربويات ففي إلحاقه بالبيع نظر حجّة القول الأوّل إطلاق ما دلّ على حرمته من الكتاب و السنة إذ هو الزيادة المتحقّق صدقها في البيع و غيره و دعوى انّه البيع أو القرض مع وصف الزّيادة كما يومي اليه تعريف بعضهم له بذلك أو انه الزّيادة فيهما خاصة لغة أو عرفا لا شاهد لها بل الشّواهد جميعا على خلافها حتّى ما ورد في وجه تحريمه من تعطيل المعاش و اصطناع الناس المعروف و نحوهما و الاخبار المستفيضة منها المصحّحة التي رواها في الوسائل عن محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن احمد بن محمّد عن الحسن بن محبوب عن سيف التمار قال قلت لأبي بصير أحب ان تسئل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل استبدل قوصرتين فيهما بسر مطبوخ بقوصرة فيهما تمر مشفق قال فسيلة أبو بصير عن ذلك فقال هذا مكروه فقال أبو بصير و لم يكره فقال ان علىّ بن أبي طالب (عليه السلام) كان يكره ان يستبدل وسقا من تمر المدينة بوسقين من تمر خيبر لانّ تمر المدينة أدونهما و لم يكن على (عليه السلام) يكره الحلال ثمّ قال و رواه الشيخ (قدس سرّه) بإسناده عن الحسن بن محبوب مثله و ترك قوله لانّ تمر المدينة أدونهما و قال ابن الأثير في النهاية في حديث على (عليه السلام) أفلح من كانت له قوصرة و هي وعاء من قصب يعمل للتمر و يشدّد و يخفف و قال العلامة المجلسي (قدس سرّه) في حواشي في لعل المراد بالمشفق ما أخرجت نواته أو اسم نوع منه و يحتمل على بعد ان يكون تصحيف المشقة قال في (النهاية) نهى عن بيع التمر حتى يشقّه و جاء تفسيره في الحديث الاشقاة ان يحمر أو يصفر انتهى و قال (رحمه الله) في ذيل قوله (عليه السلام) لان تمر المدينة أدونهما

190

و (الظاهر) أجودهما كما في (التهذيب) أو وسقين من تمر المدينة بوسق كما في الخبر الثاني انتهى و أراد بالخبر الثاني ما ذكره في (الكافي) بعد هذا الخبر ثمّ انّ وجه الاستدلال هو ان ترك الاستفصال عن أنواع الاستبدال يقتضي عموم الجواب بالنسبة الى جميع اقسامه و قال عبد الرحمن للصّادق (عليه السلام) أ يجوز قفيز من حنطة بقفيزين من شعير فقال لا يجوز الا مثلا بمثل و هو ايضا يفيد العموم من جهة ترك الاستفصال و قال (عليه السلام) في صحيح الحلبي الفضة بالفضة مثلا بمثل ليس فيها زيادة و لا نقصان الزائد و المستزيد في النار و إطلاقه يشمل البيع و غيره و سئل محمّد أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يدفع الى الطحان الطعام فيقاطعه على ان يعطى صاحبه لكل عشرة أرطال اثنى عشر رطلا دقيقا فقال لا قلت الرّجل يدفع السمسم الى العصار و يضمن لكلّ صاع أرطالا مسماة قال لا الى غير ذلك من النصوص الظاهرة بسبب الإطلاق أو ترك الاستفصال في حصول الربا بالزيادة في مطلق المعاوضة المعتضدة بالاحتياط حجة القول الثاني الأصل بعد دعوى ان الرّبا عبارة عن خصوص الزّيادة في البيع و القرض و ان المنساق من الأدلة ذلك سيّما بعد أصالة البيع في المعاوضة كما قيل و لو لانه الكثير الشائع فنصوص الاستبدال و نحوها تنصرف اليه و لا يخفى ما في الدعويين أمّا الأولى فلما عرفت في كلام ابن إدريس (قدس سرّه) من دعوى كون ذلك بحسب عرف الشّرع و لم يقم دليل على ثبوت عرف في الشّرع بعد ثبوت كونه في العرف العام عبارة عمّا هو أعم من ذلك فالأصل بنفيه مضافا الى دلالة الأخبار بترك الاستفصال على خلافه و امّا الثانية فلان ترك الاستفصال يفيد العموم فلا يبقى وجه لدعوى الانصراف هذا و امّا وجه تردّد العلّامة في (القواعد) فقد قال في بيانه المحقق الثاني (رحمه الله) في ذيل قوله ففي إلحاقه بالبيع نظر ما لفظه ينشأ من إمكان اختصاص الرّبا بالبيع فيتمسّك في الصّلح بأصالة الجواز و من ان ظاهر قوله (تعالى) وَ حَرَّمَ الرِّبٰا يقتضي تحريم الزيادة في المتماثلين في كل المعاوضات فلا يختص بالبيع هذا و أنت خبير بأنه لا اثر لمجرّد الإمكان بعد الالتزام بظهور الآية في تحريم الزيادة في المتماثلين في كلّ المعاوضات فلا يبقى مجال للأصل بعد ثبوت ظهور الدّليل الاجتهادي فلا يبقى وجه للتردّد و لهذا قال هو (رحمه الله) و في هذا قوّة و تمسّك بجانب الاحتياط يعني في عدم الاختصاص بالبيع و قد عرفت من جميع ما ذكرنا ان الحقّ هو القول الأوّل و هو الّذي ادّعى عليه في (الجواهر) الشهرة العظيمة ثمّ انه بقي هنا شيء ينبغي التّنبيه عليه و هو ان المحقق الثاني (قدس سرّه) قال بعد كلامه المذكور ما نصّه و من جعل الصّلح بيعا فلا اشكال عنده في تحريم الزيادة ثمّ قال و قد قال الشارح الفاضل ان الشّيخ (رحمه الله) الحقه بالرّبويات و اختاره ابن البراج و هو مبنى على قاعدتين الاولى الصّلح بيع أم لا الثاني الرّبا يختص بالبيع أم يعم و هذا كلام فاسد لانّه لا معنى لإلحاقه بالرّبويات عند الشيخ و ابن البراج إذ هو بيع على قولهما ثمّ بناء ذلك على قاعدتين أعجب و ان كان المبنى كلام (المصنف) (قدس سرّه) فأغرب لأن (المصنف) قد حكم سابقا بأنّه أصل برأسه لا فرع على غيره فكيف يكون تردّده لاحتمال كونه فرعا و انما تردّده لاحتمال عدم اختصاص الربا بالبيع انتهى و أقوال ان ما ذكره من الاعتراض الأوّل و ان كان لا بأس به بناء على الجمود على ما هو مدلول لفظ الإلحاق بحسب أصل وضعه من جهة اقتضائه المغايرة بين الملحق و الملحق به و كون الأوّل فرعا و الثاني أصلا فإن الصّلح ربوي عندهما بالأصالة من حيث كونه بيعا لا ملحق بالرّبويات و لكن الإنصاف أن التوسّع في لفظ الإلحاق بأن يراد به مطلق جعل شيء من قبيل شيء ليس بعيدا عن الاستعمالات العرفية و لا مما يأبى عنه الذوق و على هذا فما ذكره من الاعتراض الثاني لا وجه له لانّه مبنى على كون مرجع الضّمير في قوله و هو مبنى عبارة عن خصوص مذهب الشّيخ (قدس سرّه) أو خصوص كلام العلّامة (قدس سرّه) و لكن (الظاهر) انه عبارة عن مطلق الإلحاق فإنه يختلف باختلاف المسلكين فعند الشّيخ (قدس سرّه) يبتنى على القاعدة الاولى و هي كون الصّلح بيعا و عند من ينكر كونه بيعا و يجعله أصلا برأسه يبتنى على القاعدة الثانية و هي ان الرّبا يعم غير البيع ايضا فافهم و إذ قد عرفت ذلك فلترجع

الى كلام (المصنف) (رحمه الله) فنقول ان الوجه فيما أفاده (رحمه الله) من انه بما ذكره يظهر وجه تحريم الرّبا في المعاطاة هو انها بيع على ما اختاره من ان محمل الكلام في المسئلة انما هو ما إذا قصد المتعاطيان التمليك فتكون على القول بكونها بيعا و إفادتها التمليك بيعا حقيقيّا فيجري فيها حرمة الربا كما تجري فيه بل لنا ان نقول ان لازم مذهب من يقول بعدم كونها بيعا لو قال باختصاص الرّبا بالبيع استنادا الى انصراف إطلاقات الربا اليه من جهة شيوعه فيما بين افراد المعاوضات هو ان يقول بجريانه في المعاطاة أيضا لكونها من الافراد الشائعة الا ان يمنع ذلك من جهة كونها اباحة محضة خارجة عن عنوان المعاوضة رأسا و هو في غاية الإشكال ضرورة انها لو كانت اباحة ايضا لا (تخلو) عن قصد المتعاطيين إلى المعاوضة إذ ليست اباحة مجانية كما يعترف به كل من قال بكونها اباحة و لكن التحقيق بعد ذلك كلّه هو ان اباحة عين في مقابلة اباحة عين اخرى كما هو الشأن في المعاطاة على قول من يقول بان مقصود المتعاطيين ذلك لا يصدق عليها استبدال عين بعين على حذو ما وقع في الاخبار فافهم

قوله (قدس سرّه) بل (الظاهر) التحريم حتى عند من لا يريها مفيدة للملك

يعنى على مختاره في محلّ النّزاع من قصد المتعاطيين للتمليك لكنها لم تفد الملك و انّما افادة الإباحة بحكم (الشارع) كما هو مذهب جماعة و الوجه في ذلك ما ذكره (رحمه الله) بقوله لأنها معاوضة عرفية و ان لم نفد الملك و كان الاولى ان يقول لأنها بيع عرفي لأن الكلام انّما هو على فرض اختصاص حكم حرمة الرّبا بالبيع فلا يتم التعليل الا بدعوى كون المعاطاة بيعا و مجرّد كونها معاوضة لا اثر له (حينئذ) كما هو واضح و قال بعض من تأخر ان (الظاهر) عدم جريان حكم حرمة الربا فيها على القول بإفادتها للإباحة في مفروضنا الّذي هو اختصاص حكم حرمته بالبيع استنادا الى عدم كونها بيعا حقيقة و كونها بيعا في نظر أهل العرف لا يجدى في إثبات ما هو من أحكام البيع عند (الشارع) و أنت خبير بان كون المعاطاة بيعا لا يرجع الى مجرّد أنظار أهل العرف حتى (يقال) ان مجرّد نظر أهل العرف في المصاديق لا اثر له بل مآل ذلك الى ان لفظ البيع قد وضع لمفهوم صادق على المعاطاة أيضا و لا ريب أن إفهامهم في الموضوعات المستنبطة معتبرة و من المعلوم ان (الشارع) انّما يتكلم بالألفاظ المتداولة بين أهل التعارف على مقتضى أوضاعهم و إفهامهم هذا على تقدير اختصاص حكم الرّبا بالبيع و امّا على القول بعدم اختصاصه به كما عرفت انه (الشارع) و المختار فجريانه فيها ظاهر لا اشكال فيه

قوله بل معاوضة شرعيّة كما اعترف بها الشّهيد (رحمه الله) في موضع من الحواشي حيث قال انّ

191

المعاطاة معاوضة مستقلة جائزة أو لازمة انتهى

لا يخفى ما في هذا الكلام من تبر النظم لأن الترقي بلفظه بل من المعاوضة العرفية إلى المعاوضة الشّرعية مقتضاه انها مع كونها معاوضة عرفية منصفة بأنها معاوضة شرعيّة و قد استشهد لكونها معاوضة شرعية بكلام الشّهيد (قدس سرّه) المصرّح فيه بأنها معاوضة عرفيّة متصفة بأنها معاوضة مستقلة فلا يكون بيعا قطعا و معلوم ان غرضه (رحمه الله) من هذا الكلام تقريب ثبوت الرّبا فيها على القول باختصاصه بالبيع عند من لا يرى أنها مفيدة للملك مع قصد المتعاطيين التمليك و ظاهر انه (حينئذ) يكون هذا الترقي مبعدا عن المطلوب لكونه منافرا له و كونه ممّا يجب إثبات عدم جريان الرّبا فيها به ضرورة ان كونها معاوضة شرعيّة مستقلة يخرجها عن عنوان البيع الّذي قد فرض اختصاص الرّبا به اللهمّ الا ان (يقال) ان قوله بل الظّاهر التّحريم حتى عند من لا يريها مفيدة للملك لأنها معاوضة عرفية مسوق لبيان ثبوت الربا في المعاطاة معطوف على قوله و بما ذكرنا يظهر وجه تحريم الربا مع قطع النظر عن القيد الّذي اعتبره في المعطوف عليه بلفظه إن الوصلية مع مدخولها فما في حيّزها غير معتبر في المعطوف فيكون قوله المذكور إشارة إلى ثبوت التّحريم على قول من لا يريها مفيدة للملك بناء على ما يليق به من المبنى و هو عدم اختصاص ثبوت الرّبا بالبيع بقرينة تعليله الّذي هو أعم من البيع و على هذا فيسقط ما ذكرناه هنا و ما ذكرناه في ذيل المتن السّابق من ان الاولى ان يقول لأنها بيع غاية ما في الباب ان العبارة على هذا لا (يخلو) عن قصور و نسبة القصور إليها أولى من الحكم باختلال المطلوب خصوصا بعد ملاحظة ان (المصنف) (قدس سرّه) كثيرا ما يتفق في مصنّفاته القصور في العبارة من جهة عدم المبالات بها و قل ما يتفق له الغفلة عن المطالب لاهتمامه بها

قوله (قدس سرّه) و لو قلنا بان المقصود للمعاطيين إنشاء الإباحة لا الملك فلا يبعد ايضا جريان الربا لكونها معاوضة عرفا

حال هذا الكلام حال ما قبله فان كان ناظرا الى القول باختصاص ثبوت الرّبا بالبيع اتجه عليه ان كونها معاوضة لا يستلزم كونها بيعا و المفروض اناطة ثبوت الربا بالبيع و ان كان ناظرا الى بيان الواقع مع قطع النظر عن اختصاص الرّبا بالبيع و كان مسوقا لإفادة الحكم على ما يليق به من المبنى كان صحيحا

قوله فتأمّل

إشارة إلى أنّ إطلاق أهل العرف اسم المعاوضة عليها انّما هو بالنّظر الى ما هو المركوز في أذهانهم و المتعارف بينهم من قصد المتعاطيين إلى معاوضة العين بالعين و لو فرض انه اتفق في مورد قصد كل منهما اباحة ماله بإزاء إباحة الأخر بأن قصد الأوّل إباحة ماله ليبيح له الأخر ماله فأباح الأخر أيضا لما راى ذلك ثم اطلعوا على قصدهما إلى الإباحة لم يطلقوا على ذلك اسم المعاوضة

قوله (رحمه الله) و امّا حكم جريان الخيار فيها قبل اللزوم (انتهى)

قيد بقوله قبل اللّزوم لانه حرر البحث عن ثبوت الخيار في المعاطاة بالنّسبة إلى حالتيها اللتين هما ما قبل اللزوم و ما بعده و أشار الى حكم الخيار فيما بعد اللزوم بأنه سيأتي بعد ذكر الملزمات و حرر البحث عنه في الأمر السّابع و غرضه (رحمه الله) هنا هو البحث عن ثبوته قبل اللّزوم

قوله بناء على صيرورتها بيعا بعد اللزوم

كما هو أحد الوجهين في كلام الشّهيد الثاني (قدس سرّه) الّذي يذكره (المصنف) (رحمه الله) في الأمر السابع

قوله كخيار الغين و العيب بالنسبة إلى الردّ دون الأرش

التقييد بقوله دون الأرش للإشارة الى ان ثبوت الأرش مع الغبن و العيب لا اشكال فيه و انه مسلم إذ لا محتمل لمانعية عدم لزوم المعاطاة عن ثبوت الأرش فيها بحكم أدلة نفى الضّرر و الّذي يليق بالبحث عنه انّما هو ثبوت الخيارين بحيث يوجبان الرّد و الوجه في ذلك سريان الإشكال إلى ثبوت الخيار من باب ان ما ليس بلازم و انما هو متزلزل و ان أفاد الملك لا يجرى فيه الخيار هذا و لكن أورد عليه بأنه لا منافاة بين كونها اباحة و ثبوت الخيار إذ لا منافاة في ثبوت الخيار من جهتين فيصح ان يثبت فيها جواز الرد لكونها بنفسها متزلزلة و لثبوت الخيار و لكن لا يخفى سقوطه على من تدبّر لان الخيار عبارة عن السّلطنة على فسخ العقد الّذي بناؤه على اللزوم و الاستقرار لولاه و لهذا ترى الفقهاء لا يسمون الرّجوع في الهبة و نحوها من العقود الجائزة خيارا كما لا يخفى على من أحاط خبرا بكلماتهم و عباراتهم فهذا المعنى غير صالح للاجتماع مع تزلزل المعاملة بنفسها

الأمر الثاني [حكم الإعطاء من جانب واحد]

قوله (رحمه الله) ان المتيقن من مورد المعاطاة هو حصول التعاطي فعلا من الطرفين

بل ذلك هو المتبادر من المعاطاة و التقابض و التعاطي و نحوها الموضوع له ألفاظها فلا بد في تحقق مفاهيمها من وقوع القبض من الجانبين فلو قبض أحد العوضين دون الأخر بأن قبض المثمن دون الثّمن كما في النّسية أو قبض الثمن دون المثمن كما في المسلم ففي إلحاقه بها وجوه ثالثها الإلحاق في دفع المثمن و لو مع تأجيل الثمن دون العكس و قد يستشعر ذلك من اقتصار الشّهيد (قدس سرّه) في (الدروس) على الحاقه بها بل في (الروضة) نسبته إليها و لعله لجريان السّيرة فيه دون غيره و لكن قد يدعى جريانها في العكس ايضا كما هو المحكي عن ظاهر كثير ممّن تأخر عن الشّهيد و المحقّق الثاني (قدس سرّهما) و غيرهما بل عن شرح (القواعد) ان (الظاهر) ذلك لقضاء السيرة بقيامها مقام عقود المعاوضات بأسرها بل ربما قطع به بعضهم و لكن توقف في لحوق أحكام المعاطاة على ذلك في (الروضة) قال فيها و مقتضى المعاطاة انها مفاعلة من الجانبين فلو وقعت بقبض أحد العوضين خاصّة مع ضبط الأخر على وجه يرفع الجهالة ففي لحوق أحكامها نظر من عدم تحققها و حصول التراضي و هو اختياره في (الدروس) على تقدير دفع السلعة دون الثمن انتهى و نسج على هذا المنوال في لك ايضا و قد يدفع بعدم ثبوت كون الصحّة موقوفة على صدق اسم المعاطاة حتى يكون عدمه دليلا على عدمها إذ لم ترد بصيغة المفاعلة في نصّ و كونها معقد إجماع محل منع و انما العمدة هي السّيرة المشتركة بين الصّورتين لا مجرّد حصول التراضي فإنه غير مجد بدون السّبب الشّرعي بناء على انّ المعاطاة بيع أو نحوه كما انه غير مجد بناء على كونها إباحة شرعية و لكن تأمّل بعض المعاصرين في ثبوت السيرة و الوجه عندي ثبوتها قطعا بمعنى ان المتشرعين و غيرهم يقصدون بذلك البيع و التمليك و كان ذلك ثابتا في زمان تمكنهم (عليه السلام) من الرّدع و ان أراد المتمسّك بالسيرة قيامها على قصد الإباحة منعناه من جهة عدم قصدهم إليها لا من جهة عدم تأثير الإباحة المالكية مع قصدها و كذا لو أراد الاستكشاف بالسيرة عن الإباحة الشرعيّة مع قصدهم البيع و التمليك فإنّه ممنوع فالوجه عندنا ما يذكره (المصنف) (قدس سرّه) من كون إعطاء

192

العوضين بيعا فعليا و يدل عليه مضافا الى السّيرة ما دل على حل البيع من الأدلة اللّفظية بإطلاقها

قوله و امّا على القول بالإباحة فيشكل بأنّه بعد عدم حصول الملك بها لا دليل على تأثيرها في الإباحة

أورد عليه بان اشكاله بناء على القول بالإباحة انّما يتم على تقدير كون المراد بالإباحة الحاصلة بالمعاطاة هي الإباحة الشرعيّة فإنّه يصحّ ان (يقال) (حينئذ) ان ما ثبت بالسّيرة و غيرها من الإجماعات انّما هو صورة حصول التعاطي من الطّرفين و ان حصول الإعطاء من جانب واحد خارج عن مورد السّيرة و الإجماعات و امّا على تقدير كون المراد بالإباحة هي الإباحة المالكية الحاصلة من اذن المالك في التصرّف كما هو ظاهرهم فالإشكال ليس في محلّه لعدم الفرق (حينئذ) بين الصّورتين من جهة وجود اذن المالك فيها و كون النّاس مسلّطين على أموالهم و أنت خبير بأن الإيراد المذكور انما نشا من عدم إمعان النظر في كلام (المصنف) (قدس سرّه) لانه قد جعل محلّ النّزاع في مسئلة المعاطاة هو ما لو قصد المتعاطيان التمليك و جعل كلّ من القول بالإباحة و القول بالملك ناظرا الى هذا المقام بمعنى ان القائل بالإباحة بقول ان المالك و ان كان قد قصد بالمعاطاة التّمليك الا ان (الشارع) رتب عليها الإباحة فهي افادته و القائل بالملك يقول ان (الشارع) رتب عليها ما قصده المالك بها فإشكال (المصنف) (قدس سرّه) انما هو ناظر إلى الإباحة الشرعيّة دون المالكيّة ألا ترى الى قوله فإنه بعد عدم حصول الملك بها لا دليل على تأثيرها يعنى انّه بعد عدم حصول الملك مع كونه مقصودا كما عرفت في تحرير محل النزاع لا دليل على تأثيرها في الإباحة فتدبر

قوله و ربما يدعى انعقاد المعاطاة بمجرّد إيصال الثّمن و أخذ المثمن من غير صدق إعطاء إلى قوله (قدس سرّه) مع الرّضا بالتصرّف

أورد عليه بعض المعاصرين بعد نقله بان المانع لذلك مستظهر و انّما ذلك من الأخذ بالفحوى و شاهد الحال الذي لا يفرق فيه بين المحقرات و غيرها مع فرض حصوله كما لو علم من حال التاجر و غيره نحو ذلك ايضا و لعلّ ذلك من الشواهد على ان الاذن في المعاطاة من هذا القبيل عند (المشهور) و لا دخل له بالبيع و غيره انتهى و حاصله ان الاذن هنا من جانب المالك و ليس هنا غير الاذن كقصد التّمليك و البيع و يصير هذا شاهدا على مذهب الأكثر من القول بالإباحة عند المعاطاة من الطرفين فلا يكون هناك ايضا سوى اذن المالك و يندفع عنه ما أورد عليه المحقق الثاني (قدس سرّه) من انه مع قصد المالك التمليك و البيع كيف لا يحصل ما قصده و يحصل الإباحة التي لم يقصدها و ذلك لأنا استكشفنا بقصد المالك لمجرد الإباحة في صورة عدم وقوع الإعطاء من أحد الطرفين عن قصده لمجرّد الإباحة في صورة المعاطاة من الطرفين أيضا فإذا ثبت بالسّيرة قصد الإباحة في الأولى ثبت قصدها في الثانية أيضا و أنت خبير بان ما ذكره المانع من كون ذلك من الأخذ بالفحوى و شاهد الحال بان يكون مقصود أخذ ماء السقاء مجرّد أخذ بالاذن كأخذ أحد المتصادفين مال الأخر مجانا استنادا إلى شهادة حاله بالاذن دعوى لا شاهد عليها بل الوجدان يشهد بالعيان بان مقصود أخذ ماء السّقاء و نحوه انما هو معاوضة فلسه بالماء و كذا الحال في غيره من الأمثلة و (كذلك) الحال في صورة المعاطاة من الطرفين فليس مقصودهما إلا المعاوضة بحكم الوجدان و الضّرورة بل نقول انا لو سلمنا ان المقصود في صورة عدم وقوع الإعطاء هو مجرّد الاذن دون المعاوضة منعنا كون صورة المعاطاة من الطرفين مثلها في عدم القصد الى مجرّد الاذن و و الإباحة من المالك ضرورة عدم الملازمة فشناعة الاستشهاد بحال احدى الصّورتين على حال الأخرى مما لا يخفى

قوله و لا يبعد صحّته مع صدق البيع عليه بناء على الملك و امّا على القول بالإباحة فالإشكال المتقدم هنا أكد

قال بعض المعاصرين ربما (يقال) بأنّ الألفاظ الّتي لا ينعقد بها البيع اللّازم لو قلنا بأنّها كالفعل في انعقاد المعاطاة بها فالمتجه صحة المعاطاة بدون إعطاء أصلا بمجرد تقاولهما على مبادلة شيء بشيء فيجري فيها (حينئذ) حكم المبيع قبل قبضه بل قد يدعى السّيرة ايضا على ذلك و ان شكّك فيها بعض من تأخر ثم قال و قال أخر يعني (المصنف) (قدس سرّه) بأنه لا يبعد صحته مع صدق البيع عليه بناء على الملك و امّا على الإباحة فإشكال و لعله في الشّرعيّة و الا فالمالكية لعلّها اولى بذلك من الفعل المجرّد الا ان يمنع ذلك انتهى و قد عرفت ما يندفع به ما ذكره في ذيل كلامه و وجه كون الاشكال المتقدم أكد هنا هو كون المقاولة صريحة في المبادلة المقتضية للملكيّة و عدم كون الفعل في الفرض السّابق الّذي هو مجرّد تحقق الإعطاء من جانب واحد صريحا في المبادلة و الملكيّة و ان ادعينا كون مقصود المعطى هو التّمليك بحكم الوجدان فإذا كانت الإباحة مع عدم تأثير التّمليك المقصود الغير المصرح به ممّا لا دليل عليه فمع عدم تأثير التّمليك و المبادلة المصرّح بهما يكون انتفاء الإباحة أولى بالإذعان

الأمر الثالث [تمييز البائع من المشتري في المعاطاة الفعلية حالات العوضين في المعاطاة]

قوله تميز البائع من المشترى في المعاطاة الفعليّة مع كون أحد العوضين ممّا تعارف جعله ثمنا كالدّراهم و الدّنانير و الفلوس المسكوكة واضح فانّ صاحب الثمن هو المشترى ما لم يصرح بالخلاف

أورد عليه بان الثّمن ما يجعل مدخول الباء في قولهم بعتك الشيء الفلاني بكذا و صاحبه هو المشترى حتى لو كان المبيع و المشترى من قبيل النقدين أو كان المبيع من قبيل النقدين و المشترى من قبيل غيرهما فلو قال بعتك هذا الدّرهم بمن حنطة كانت الحنطة هي الثّمن و صاحبها هو المشترى و الدّرهم هو المبيع و صاحبه هو البائع و على هذا فلا وجه لقوله (قدس سرّه) فان صاحب الثّمن هو المشترى ما لم يصرّح بالخلاف لان مراده بالثّمن هو ما تعارف جعله ثمنا كالنقدين بدلالة معهوديته في أوّل الكلام خصوصا بعد انضمام قوله ما لم يصرّح بالخلاف فان الحكم بكون صاحب الثّمن هو المشترى ما لم يصرّح بالخلاف معناه انه لو صرّح بالخلاف لم يكن مشتريا و هذا انما يتم على ما ذكره من كون الثّمن عبارة عما تعارف جعله ثمنا و كون المشتري عبارة عن صاحبه و لا يتم على كونه عبارة عن مدخول الباء لانه غير قابل للتخلف و التّصريح بالخلاف حتّى يخرج عن كونه مشتريا (حينئذ) مضافا الى انه ان كان مراده (رحمه الله) ان كون أحد العوضين ممّا تعارف جعله ثمنا يفيد القطع بأنّ الثمن في هذه المعاملة الخاصّة انّما هو ذلك الّذي هو من جنس ما تعارف جعله ثمنا فهو ممنوع لما عرفت من ان الثمن عبارة عن مدخول الباء و ان صاحبه هو المشترى و انه قد ينعكس الأمر فيدخل الباء على مقابل النقد فيقال بعتك هذا الدرهم بمن حنطة و معلوم انه لا مجال للحكم بكون

193

صاحب النقد هو المشترى بمجرّد كون المتعارف هو جعله ثمنا و ان كان مراده (رحمه الله) ان ذلك يفيد الظّنّ بكون المشترى هو صاحبه فلا دليل على اعتبار هذا الظّنّ بكون المورد من قبيل الموضوعات الصرفة الّتي لم يثبت اعتبار الظّنّ فيها ضرورة ان كون زيد بايعا و كون عمرو مشتريا من الموضوعات الصّرفة دون المستنبطة و هو (قدس سرّه) ايضا ممّن ينكر اعتبار الظنّ في الموضوعات الصّرفة

قوله و لو لم يلاحظ الا كون أحدهما بدلا عن الأخر من دون نية قيام أحدهما مقام الثمن في العوضية

أورد عليه بان في صحّة مثل هذه المعاملة الّتي هي عبارة عن إنشاء كلّ منهما للتّمليك من دون قصد الى جعل أحدهما عوضا و الأخر معوّضا و صيرورته بيعا اشكالا بل نقول ببطلانه أقول الإشكال في صيرورة هذه المعاملة بيعا لا (يخلو) عن وجه و لكن الحكم ببطلانها غير متّجه لصدق التجارة عن تراض و انحصار عقود المعاوضة في الأنواع المعهودة لم يقم عليه حجة و سيأتي لهذا زيادة توضيح

قوله (قدس سرّه) ففي كونه بيعا و شراء بالنّسبة الى كلّ منهما بناء على ان البيع لغة كما عرفت مبادلة مال بمال و الاشتراء ترك شيء و الأخذ بغيره كما عن بعض أهل اللّغة فيصدق على صاحب اللحم انه باعه بحنطة و انّه اشترى الحنطة فيحنث لو حلف على عدم بيع اللّحم و عدم شراء الحنطة

أورد عليه بان تعريف البيع بمبادلة مال بمال إشارة إلى الكيفيّة الواقعيّة الخاصّة بأن يكون أحدهما بائعا و الأخر مشتريا و ليس مسوقا لبيان ان كلّ ما صدق عليه مفهوم المبادلة فهو بيع و (حينئذ) فلا يفيد هذا التّعريف كون كلّ منهما بايعا و مشتريا كما هو مقصوده (قدس سرّه) من الاستشهاد به أقول لا يخفى سقوط هذا الإيراد لأن مراده (قدس سرّه) ليس هو إثبات صدق البائع و المشترى على كلّ منهما بهذا التعريف حتّى يقابل بما عرفت من الإيراد بل قد ذكر بما هنا أمرين استفاد منهما جميعا صدق البائع و المشترى على كلّ منهما أحدهما تعريف البيع بما ذكر فإنه يستفاد منه ان كلّا من المتعاطيين في الفرض المذكور بادل مالا بمال و ثانيهما تعريف الاشتراء المحكي عن بعض أهل اللّغة فإنه يستفاد منه ان كلا من المتعاطيين في الفرض المذكور ترك شيئا و أخذ بغيره فتدبّر و الإيراد المذكور مبني على تخيل استفادة صدق البائع و المشتري عليهما من مجرّد تعريف البيع بالمبادلة

قوله (رحمه الله) نعم لا يترتب عليهما أحكام البائع و لا المشترى لانصرافهما في أدلة تلك الأحكام الى من اختصّ بصفة البيع أو الشراء فلا يعمّ من كان في معاملة واحدة مصداقا لهما باعتبارين

أقول يمكن المناقشة فيه بأنه ان انصرف البائع و المشترى في أدلّة أحكامهما الى من ذكره مع كونهما واقعين في كلمات (الشارع) التي لا تحمل على المتعارف الا من باب تبعية أهل العرف لمراعاة حالهم فانصراف البيع في كلام من كان من أهل العرف حيث وقع متعلق حلفه بطريق أولى إذ لا يخطر ببالهم غير المتعارف و الحلف انّما يتعلق بما هو مقصود الحالف من اللّفظ لا بغيره فتأمّل و ايضا ليس للبائع معنونا بهذا الوصف العنواني في مقابل المشترى حكم خاص ينفرد به عنه حتّى ينصرف في الدليل الى غير من كان مصداقا لهما و كذا الحال في المشترى و اما قوله (عليه السلام) في خيار الحيوان ثلاثة أيّام للمشتري فالمراد بالمشتري فيه انّما هو أخذ الحيوان فلو قال صاحب الدّراهم بعتك هذه الدّراهم بهذا الحيوان كان له خيار الحيوان

قوله (رحمه الله) وجوه لا (يخلو) ثانيها عن قوة لصدق تعريف البائع لغة و عرفا على الدافع أولا دون الأخر و صدق المشترى على الأخذ أولا دون الأخر فتدبّر

ذكر بعض من تأخر ان المناط في التمييز بين البائع و المشترى هو الدّفع و الأخذ (كذلك) فالدافع أولا هو البائع لصدق الموجب عليه عرفا و الأخذ أولا هو المشترى لصدق القابل عليه عرفا لكن هذا إذا كان هناك ترتب في الإعطاء و الأخذ و امّا ان تقابضا دفعة فيقع المعاملة دفعة لا بمعنى الدفعة الحقيقية لاستحالتها بل بمعنى الدفعة العرفية و (حينئذ) فيكون كل منهما بايعا و مشتريا و يصحّ كونها على هذا الفرض بيعا و شراء بان يلاحظ كلّ منهما بدرهم في نظر كلّ من البائع و المشترى فيقصد البائع انى بعت هذا اللحم الذي يساوي درهما بمقدار من الحنطة يساوي درهما و اشتريت ذلك المقدار من الحنطة الذي يساوي درهما باللحم الموصوف و يتضح بتصويره في العقد باللفظ فنقول انه ان فرض جواز استعمال اللّفظ في أكثر من معنى فقصد البائع بقوله بعت اللّحم بالحنطة معنى قوله بعته بها و اشتريتها به و كذلك المشترى قصد بقوله قبلت أو اشتريت معنى قوله اشتريت اللّحم بالحنطة و بعتها به أو فرض انه ذكر باللّفظ قوله بعت اللحم بالحنطة و اشتريتها به و قبل المشترى بذلك الوجه (فحينئذ) يصير كلّ منهما بايعا و مشتريا صحّ تصوير مثله في التعاطي بأن يلاحظ كلّ من العوضين بالقيمة أولا يلاحظ شيء منهما بها على ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من الفرضين اللذين احتمل فيهما وجوها أربعة منهما كون المعاملة بيعا و شراء فكون كلّ منهما بايعا و مشتريا صحيح هذا اولى فيما ذكره في كلّ من التقديرين نظر امّا الأوّل فلأنّه أنكر على (المصنف) (رحمه الله) في حكمه في أوّل الصّور بكون صاحب الثّمن هو المشترى استنادا الى ان غاية ما هناك ان يكون الغالب كون صاحب الثّمن مشتريا و ان هذه الغلبة لا تفيد سوى الظّنّ و هو ليس حجّة في الموضوعات و هذا الوجه بعينه وارد على ما اختاره هنا إذ ليس كون الدّافع أولا موجبا و الأخذ قابلا الّا مبنيّا على الغلبة و الا فقد يدفع الثمن إلى البائع قبل دفعه المبيع فإذا كان الظّنّ ليس حجّة في الموضوعات لم يكن فرق بين حصوله من غلبة كون صاحب الثّمن هو المشترى و غيره هو البائع و بين حصوله من غلبة كون الدّافع أولا هو البائع و الأخذ هو المشترى و المورد واحد لم يتبدّل فان كان من الموضوعات الصّرفة فهو (كذلك) بالنّسبة إلى الوجهين و ان كان من الموضوعات المستنبطة (فكذلك) بالنّسبة إليهما فان بنى الأمر في الفرق على ان الغلبة هنا توجب صدق اسم البائع و المشترى هنا عرفا بخلافها هناك منعناه فإنّها ان كانت موجبة له فهي (كذلك) في المقامين و الا فلا توجبه فيهما و امّا الثاني فلأنه غير معقول لا لعدم جواز استعمال اللّفظ في أكثر من معنى لان ذلك لا يوجب عدم المعقولية مع ان الكلام انّما هو على فرض جوازه بل لا نحتاج الى فرضه أيضا لإمكان تصوير (المطلق) بذكر البيع و الشّراء كليهما في اللّفظ بل من جهة عدم تعقل كونه بايعا و مشتريا على هذا الفرض ضرورة ان بيع اللحم بالحنطة معناه معاوضة بها فملاحظة ثمن و عوض في مقابل المبيع مقوّم لمعنى البيع لا يتحقّق بدونه أصلا و قطعا

194

فمع تحقق بيع اللّحم بالحنطة لا يعقل شراء تلك الحنطة المأخوذة ثمنا لدخولها في ملكه بعنوان العوضيّة و الثّمنية فلا يعقل شراؤها (حينئذ) نعم لو كانت هناك أشياء أربعة لوحظ بيع أحدها بالاخر و لوحظ شراء الثالث بالرابع كان تحقق البيع و الشّراء (حينئذ) معقولا و الّا فلا فتحققهما بالنّسبة إلى شيئين أحدهما عوض و الأخر معوّض غير معقول فحال تحقق مفهوم البيع بالنّسبة إلى اعتبار العوض ليس الا مثل مفهوم الأب بالنّسبة إلى الابن و بالعكس و دعوى انّهما لما كان لا يصحّ وقوعهما في حال واحد حقيقي فلا بد من وقوعهما في حال عرفي غاية ما في الباب ان يكون المؤثر في الواقع هو السّابق حقيقة واضحة السّقوط ضرورة عدم تحقق معنى للبيع بدون الثّمن فيستحيل تحققه بدنه و الا لخرج الشيء الّذي هو مفهوم البيع عمّا هو عليه و مع تحقق بيع شيء بآخر لا يعقل شراء الأخر به بإنشاء واحد و لو عرفا و مع فرض كون السّابق مؤثر الا يبقى وجود للآخر لانّ وجود الأخر أيضا عبارة عمّا كان مؤثّرا للنّقل فمع فرض عدم التّأثير لا وجود لذلك المفهوم و دعوى تصحيح ما ذكره ذلك البعض بان القبول لما كان مؤخرا عنهما و لا يتم شيء منهما قبل القبول فلذلك صحّ من الموجب إنشاء البيع و الشراء دفعة كما صدرت منه لا وجه لها لعدم قابليّة أصل المفهوم فتدبّر فان قلت إذا كان معنى البيع هو التّمليك بعوض فمن يقول بعت اللحم بالحنطة يصير معنى كلامه أعطيت اللحم و أخذت الحنطة فهو مشتمل على أخذ ضمني قد أبرزه من قال بعت اللحم بالحنطة و اشتريتها به فبهذا الاعتبار يكون بايعا و مشتريا قلت هذا واضح الفساد لان ذلك المعنى الضّمني الّذي ابرز لو كان معنى يعبر عنه بالشّراء كان اللازم تحقق كون كل منهما بايعا و مشتريا بمجرد قوله بعت كذا بكذا مع قول الأخر قبلت البيع ضرورة أنّ الإبراز لا يجعل ما لم يكن مؤثرا قبل مؤثرا بالفعل فعلى هذا يسرى تحقق كونه بايعا و مشتريا في جميع افراد البيع هذا و لا يخفى عليك ان ما أوردناه على ذلك البعض من النظر في كون إنشاء واحد بيعا و شراء بل المنع منه ليس واردا على (المصنف) (رحمه الله) حيث جعل أحد الوجوه الأربعة كونه بيعا و شراء و ذلك لان مبنى كلامه (رحمه الله) غير ما جعله ذلك البعض مبنىّ فإنه (رحمه الله) بنى صدق البيع و الشراء على التعريفين اللّذين وقع كلّ منهما في كلام بعض أهل اللّغة أحدهما تعريف البيع و الأخر تعريف الشراء فصدقهما على إنشاء واحد انّما هو باعتبار تعريفيهما فافهم ثمّ ان بعض المعاصرين بعد ان حكى كلام (المصنف) (قدس سرّه) فذكر الصّور الأربع التي قررها و الوجوه الأربعة الّتي أجراها في الصّورتين الأخيرتين ذكر ما لفظه و لعل هذه الوجوه جارية فيها يعني المعاطاة مع كون مجموع العوضين منهما يعنى من الدراهم و الدّنانير ايضا لاتحاد المناط و قد (يقال) بأن الّذي يساعد عليه العرف و اللّغة و الشّرع ان الموجب هو البائع و القابل هو المشترى (مطلقا) و ان كان أحد العوضين من الدّراهم و نحوها على نحو البيع بالصّيغة فإن تميّز ذلك و لو بالقرائن فلا اشكال و الا فلا يبعد كون الدّافع أولا موجبا و القابض (كذلك) قابلا (مطلقا) ايضا و ان اقترن الدّفع و القبض منهما للعوضين معا فلا مرجع الا الى قصدهما فلو لم يقصدا ذلك أصلا ففي صحّتها اشكال بناء على انّها بيع كما هو محط النظر فتدبر هذا و وجه الوجه الأوّل ان تم فهو جار في الصّورتين الأوليين أيضا و الفرق بينهما و بين الأخيرتين لا (يخلو) من تحكم و غلبة كونها ثمنا من القابل الّذي هو المشترى غير قاضية بكون صاحبها (مطلقا) و ان كان دافعا أولا قابلا لا عرفا و لا لغة بل قد (يقال) بجريان وجه باقي الوجوه فيهما أيضا (فتأمل) جيدا انتهى و يعرف ممّا قدّمنا صحيحة و سقيمه فتدبر

الأمر الرابع [أقسام المعاطاة بحسب قصد المتعاطيين]

[أحدها تمليك بإزاء المال]

قوله أحدها ان يقصد كل منهما تمليك ماله بمال الأخر

أراد (قدس سرّه) بهذا القسم ما لو كانت المقابلة بين المالين دون التمليكين كما هو مناط الوجه الثاني كما ستعرفه ثمّ ان هذا العنوان يتصوّر على وجوه لانه امّا ان يقصد كلّ منهما الإنشاء بإعطائه و دفعه فينشئ الأوّل به تمليك ماله بإزاء مال الأخر و ينشئ الأخر (أيضا) بدفعه و إعطائه تمليك ماله بإزاء مال الأوّل و اما ان يقصد الأوّل بإعطائه إنشاء تمليك ماله بإزاء مال الأخر فيقصد الأخر بأخذه مال الأوّل قبول ذلك المال و تمليك مقاله بإزائه و هذا هو الّذي قصد (قدس سرّه) بيانه هنا و لم يتعرض للاوّل و كان إهماله لوضوحه ثمّ انّه على كل من التقديرين امّا ان يكون من قصدهما خصوص التمليك الحاصل بالبيع بان يقصد البيع أو يكون من قصد كل منهما مجرّد المقابلة بين المالين (مطلقا) على وجه التّمليك (مطلقا) من دون تقييد بخصوص قصد البيع و يحصل من ملاحظتهما مع الأولين أقسام أربعة امّا القسم الأوّل المقصود به البيع فهو المعاطاة المتعارفة التي قد عرفت انّها بيع و امّا القسم الأوّل المقصود به مجرّد المقابلة بين المالين من دون قصد الى خصوص البيع بل الى مطلق التّمليك فتوضيح المقال فيه انه لم يثبت شرعية مثل هذه المعاملة لعدم دليل على ذلك لان الثابت من العمومات و الأدلة انّما هي الإشارة إلى العنوانات الخاصّة المعهودة و ظاهر كلمات الفقهاء (رضي الله عنه) انه لا بدّ من قصد العنوان في كلّ نوع من أنواع العقود ففي البيع لا بدّ من قصد البيع و في الإجارة لا بد من قصد الإجارة و في الصّلح لا بدّ من قصد الصّلح و هكذا فلا يقع شيء من أنواع المعاملات الا بعد قصد ذلك النّوع بخصوصه و هذا ان لم يقم عليه دليل بخصوصه كالإجماع مثلا ان أمكن تحصيله أو كونه المتبادر من العمومات فلا أقل من كونه هو القدر المتيقن ممّا ثبت في الشرع و ان غيره لم يثبت فينفيه الأصل و لكن منهم من حكم بالصحّة و هو مبنىّ على وجوه أحدها ما يظهر من (المصنف) (رحمه الله) في تعريف البيع بل هو صريحه من انّ تمليك عين بعوض لا يكون الا بيعا فهو هو لا يتعداه الى غيره و لذا عرف البيع بأنه إنشاء تمليك عين بمال ثمّ قال نعم يبقى عليه أمور منها انه موقوف على جواز الإيجاب بلفظ ملكت و الا لم يكن مرادفا له و يردّه انّه الحقّ كما سيجيء و قال هناك بعد التّعرض للهبة المعوّضة ما لفظه فقد تحقق ممّا ذكرنا ان حقيقة تمليك العين بالعوض ليست الّا البيع فلو قال ملكتك كذا بكذا كان بيعا و لا يصحّ صلحا و لا هبة معوّضة و ان قصدهما إذا التّمليك على جهة المقابلة الحقيقيّة ليس صلحا و لا هبة معوضة فلا يقعان به الى ان قال فما قبل من ان البيع هو الأصل في تمليك الأعيان بالعوض فيقدم على الصّلح و الهبة المعوّضة محلّ تأمّل بل منع لما عرفت

195

من انّ تمليك الأعيان بالعوض هو البيع لا غير ثانيها ما عن بعض الأساطين (قدس سرّه) في شرح عد من ان البيع هو الأصل في تمليك الأعيان قال بعض من تأخر لعلّ مراده بكونه الأصل هو انّه نظير الوجوب فكما ان له أنواعا من العيني و الكفائي و التعييني و التخييري و غير ذلك لكن العيني لا يحتاج في الانفهام من لفظ الوجوب الى التّقييد بخلاف الكفائي فإنّه يحتاج الى التّقييد بأنّه يسقط بفعل الغير ايضا و (كذلك) التعيّني في مقابل التّخييري فإن الأوّل لا يحتاج الى عطف شيء على المأمور به بخلاف الثاني فإنه محتاج الى التقييد في الكلام بالعطف فينصرف إلى الأوّل من باب عدم ذكر القيد فكذا في المقام فان انفهام البيع من تمليك العين لا يحتاج الى التقييد بخلاف غيره فإنه محتاج في الانفهام الى التقييد بقولنا على وجه الهبة أو الصّلح أو غيرهما هذا و لي فيه نظر لانّه لا ينطبق على ما عليه الوجوب من الحال فان انفهام الوجوب التّعييني من صيغة افعل انّما يتحقق بان يقول افعل هذا و لا يقيّده بعطف شيء عليه بان يقول افعل هذا أو غيره و مثل هذا لا يجري في ملكتك العين لأنّه ان لم يقيد بالعوض كان ظاهرا في الهبة أو العطية مثلا فإذا قال بكذا صار بيعا و يحتمل ان يكون المراد ان البيع أكمل أفراد تمليك العين و أظهرها لكثرة وقوعه في الخارج ثالثها ما احتمله بعض المعاصرين بعد الإشارة إلى الوجهين السّابقين من تنزيله على الصّلح أو الهبة المعوّضة أو انّه معاملة مستقلة لكنه قال بعد ذلك الا ان الجميع يعنى جميع ما ذكر حتّى الوجهين السّابقين محل منع كدعوى الإجماع أو السّيرة المعتبرة على شرعيّة الأخير سيّما مع ظهور كلامهم في حصر أسباب النّقل في الأمور المعهودة عندهم كما اعترف به بعضهم انتهى أقول الأولى الاستناد في المنع إلى أصالة عدم السّببيّة شرعا و الا فحصر أسباب النّقل في الأمور المعهودة و ان وقع في كلام جماعة الا ان ذلك لم يبلغ حد الإجماع و لم نقف له على مستند و لا حجّة في قول الفقهاء إذا لم يحصل به الاستكشاف عن قول الحجة (عليه السلام) بل يمكن الحكم بالصحّة بدعوى دخول مثل ذلك تحت إطلاق التّجارة عن تراض الا ان (يقال) انها إشارة إلى الأمور المعهودة بمعنى ان الآية واردة في مقام الإهمال و إفادة مشروعية هذا الجنس الّذي هو التّجارة عن تراض و التفصيل موكول الى الخارج و الى ما أفادته الأدلة الشرعية في مقام التّفصيل فليس حالها الّا حال ما نجده في العرفيات من أمر المريض بشرب الدّواء الموكول تفصيله الى ما سيفصله بعد ذلك و ما نجده في الشّرعيات من قوله (تعالى) أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ و قوله (تعالى) أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ فلا مجال للتمسّك بإطلاقها لكن ذلك ممّا يمكن منعه بان (يقال) ان سياق الآية حيث نهى فيها عن أكل المال بالباطل و استثنى منه التّجارة دليل على ورودها في مقام البيان و إعطاء القاعدة غاية ما في الباب انه خرج ما خرج من مثل بيع الغرر و بقي الباقي فليس حالها حال قوله (تعالى) أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و نحوه كما لا يخفى على من له خبرة بأساليب الكلام فتدبر تنبيه لا يخفى على من له ملكة الإحاطة بمجامع الكلام انه قد علم ممّا حكيناه عن (المصنف) (قدس سرّه) من ان تمليك العين بعوض عين البيع وجه عدم جعله قصد مطلق تمليك العين من جملة الأقسام بان يجعله قسما و يجعل في مقابله قسما أخر و هو ما قصد به خصوص البيع لأنه إذا كان عين البيع فلا وجه لجعلهما قسمين و يشهد بما ذكرنا ما أفاده في أوّل المعاطاة حيث قال و ربما يذكر هنا وجهان اخران أحدهما ان يقع النّقل من غير قصد البيع الى ان قال و الثاني ان يقصد الملك دون خصوص البيع و يرد الأول الى ان قال و الثاني بما تقدّم في تعريف البيع من انّ التّمليك بالعوض على وجه المبادلة مفهوم البيع لا غير انتهى و امّا القسم الثاني المقصود به البيع و هو الّذي يتصوّر فيه الإيجاب و القبول بإعطاء مال و أخذه بأن يكون دفعه إيجاب البيع و أخذه قبوله حتّى يكون دفع العين الثانية خارجا عن حقيقة المعاطاة بالمرّة من جهة قصد الدّافع بدفعه البيع و قصد الأخذ بأخذه الاشتراء فقد عرفت في كلام (المصنف) (قدس سرّه) في الأمر الثّاني انّه بدّل على صحّته على القول بكون المعاطاة بيعا مملكا كلّ ما دلّ على صحّة المعاطاة من الطّرفين و امّا القسم الثّاني المقصود به مجرّد المقابلة بين المالين فيشتمل

على جهتين إحديهما كون المراد به مطلق التّمليك و الأخرى كون الإيجاب و القبول قد حصلا بإعطاء مال و أخذه و يعلم الحكم فيهما ممّا ذكر في القسم الثاني المقصود به البيع و القسم الأوّل المقصود به مجرّد المقابلة بين المالين فافهم

قوله (قدس سرّه) فيكون الأخر في أخذه قابلا و مملكا بإزاء ما يدفعه

الظرف الأخير متعلّق بقوله قابلا لا بقوله مملكا فتدبّر

قوله (قدس سرّه) و ربما يستعمل في المعاملة الحاصلة بالفعل لو لم يكن عطاء و في صحّته تأمّل

أشار بهذا الكلام إلى صورة إيصال الثّمن و أخذ المثمن من دون صدق إعطاء كما في أخذ ماء السّقاء و وضع الفلس في المكان المعدلة و نظائره ممّا تقدّم من الأمثلة و قد نسب (قدس سرّه) في الأمر الثاني انعقاد المعاطاة به الى دعوى بعضهم

[ثانيها تمليك المال بإزاء التمليك]

قوله (رحمه الله) و هذا بعيد عن معنى البيع و قريب إلى الهبة المعوّضة لكون كلّ من المالين خاليا عن العوض لكن اجراء حكم الهبة المعوّضة عليه مشكل إذ لو لم يملكه الثاني هنا لم يتحقق التّمليك من الأوّل لأنه إنّما ملكه بإزاء تمليكه فما لم يتحقق تمليك الثاني لم يتحقق تملكه الا ان يكون تمليك الأخر ملحوظا له على نحو الداعي لا العوض فلا يقدح تخلّفه

هذا الكلام يتضمن أمور أحدها انّ هذا بعيد عن البيع و وجهه ان المقابلة في البيع انّما هي بين المالين و هنا بين الفعلين اعنى التّمليكين و ثانيها انه قريب من الهبة المعوّضة و وجهه ما ذكره سابقا من ان الهبة المعوضة ما اشترط فيها العوض فليست إنشاء تمليك بعوض على جهة المقابلة بين المالين و العوض المشترط انّما هو تمليك الأخر لا المال ثالثها انه ليس من قبيل الهبة المعوّضة و وجهه ان المقابلة فيها ليست بين المالين فالأوّل انّما وهب ما له بشرط ان يهب الأخر أيضا ماله للاوّل لا انّه قابل التّمليك بالتّمليك و جعل كلّا من الفعلين عوضا عن الأخر و لهذا ذكر (قدس سرّه) سابقا ان ظاهرهم عدم تملك العوض بمجرّد تملك الموهوب بالهبة بل غاية الأمر ان المتهب لو لم يؤدّ العوض كان للواهب الرّجوع في هبته بخلاف ما نحن فيه فانّ المقابلة انّما هي بين التّمليكين و كلّ من الفعلين عوض عن الأخر و لهذا قال هنا الا ان يكون تمليك الأخر ملحوظا له على نحو الدّاعي فإنّه (حينئذ) يصير ما نحن

196

فيه من قبيل الهبة المعوّضة و يخرج عن عنوان المعاوضة الحقيقيّة هذا و ظاهر كلامه في تعريف البيع انه ظاهر الأصحاب لأنه قال هناك فليست يعنى الهبة المعوّضة إنشاء تمليك بعوض على جهة المقابلة و الا لم يعقل تملك أحدهما لأحد العوضين من دون تملك الأخر للآخر مع ان ظاهرهم عدم تملك العوض بمجرّد تملك الموهوب بالهبة بل غاية الأمر ان المتهب لو لم يؤدّ العوض كان للواهب الرّجوع (انتهى) و غير خفي ان مقتضى ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) ان الهبة المشترطة فيها العوض تفتقر إلى إيجاب و قبول بالنّسبة إلى الموهوب أوّلا و الى إيجاب و قبول بالنسبة إلى الموهوب ثانيا عوضا و لكنّ (الظاهر) من كلام جمال المحققين (قدس سرّه) انه يصحّ إيقاع الهبة المعوّضة على وجه مقابلة الموهوب بالعوض قال في ذيل قول الشّهيد الثّاني (قدس سرّه) و خرج بالعوض المعلوم الهبة المشروط فيها مطلق الثواب ما لفظه اى مطلق العوض بان لا يعيّن عوضا معلوما في نفس العقد بان يقول وهبتك هذا على ان تهبني بإزائه شيئا أو بعوض و لم يعيّن هذا كلامه (رحمه الله) و هو يدلّ على انّه يجوز إيقاع الهبة المشروطة بالعوض على وجه مقابلة العين بشيء من المال بحيث لا يتوقف انتقال العوض إلى إنشاء جديد بل هو ظاهر كلام الشّهيد الثاني (قدس سرّه) في (الروضة) حيث قال في ذيل الكلام على تعريف البيع و بقي فيه دخول عقد الإجارة إذ الملك يشمل العين و المنفعة و الهبة المشروط فيها عوض معيّن إذ لو كان عوض الهبة لا ينتقل إلا بإيجاب جديد لم يكن وجه للنقض على تعريف البيع بالهبة المشروط فيها عوض معين و مثله ما ذكره المحقّق الثاني (قدس سرّه) في ذيل قول العلامة (قدس سرّه) البيع انتقال عين مملوكة من شخص الى غيره بعوض مقدر على وجه التراضي من قوله و مع ذلك فتعريف (المصنف) (رحمه الله) صادق على بعض أقسام الصّلح و الهبة انتهى بل يظهر ما ذكرناه من كلام العلّامة (قدس سرّه) في (التذكرة) حيث قال في باب الهبة لو اختلف الواهب و المتهب في شرط الثواب فقال الواهب وهبت منك ببدل و قال المتهب بلا بدل فحصل من ذلك كله ان ليس ظاهر الفقهاء ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) بل (الظاهر) جواز الاكتفاء بإيجاب واحد و قبول واحد و ان العوض يشترط في الإيجاب على وجه كونه هو المال لا فعل الموهوب له و هو ان يهبه عوض المال الموهوب أولا

[ثالثها إباحة المال بإزاء العوض]

قوله (رحمه الله) ثالثها ان يقصد الأوّل إباحة ماله بعوض فيقبل الأخر بأخذه إياه فيكون الصّادر من الأوّل الإباحة بالعوض و من الثاني بقبوله لها التّمليك كما لو صرّح بقوله أبحت لك كذا بدرهم

لا يخفى عليك انه (رحمه الله) اعتبر في هذا الفرض أمرين أحدهما كون الإباحة مقابلة بالمال لا بنفس التمليك الّذي هو فعل الأخر و يدل على هذا تشبيهه بما لو صرّح بقوله أبحت لك كذا بدرهم و ثانيهما ان يكون قبول الأخر بأخذه ما دفعه الأوّل و قد صرّح به

[رابعها إباحة المال بإزاء الإباحة]

قوله (قدس سرّه) أمّا إباحة جميع التصرّفات حتى المتوقفة على الملك (فالظاهر) انه لا يجوز

(انتهى) قد عرفت من كلامه (قدس سرّه) ان اباحة جميع التصرّفات حتى الموقوفة على الملك كالبيع و العتق مع عدم تمليك أصل العين تتصوّر على وجهين أحدهما ان تكون مجانا و ثانيهما ان تكون بعوض و الغرض الان حال الاولى و قد عقبه (رحمه الله) ببيان حال الثانية و تفصيل الحال ان ما ذهب اليه من عدم جواز اباحة التصرّفات الموقوفة على الملك مجانا من دون تمليك العين هو الحقّ الّذي لا محيص عنه و ذهب صاحب (الجواهر) (رحمه الله) الى جوازها قال احديها يعنى الصور المتصوّرة في المعاطاة قصد الإباحة بالأفعال و نحوها مصرّحا بذلك و لو بالقرائن الدّالة على إرادة الإباحة المطلقة و التّسليط على التصرّف نحو التّسليط بالبيع و غيره ممّا يفيد الملك بل ربما يذكر لفظ البيع و نحوه يريدا به الدّلالة على هذا القسم من الإباحة في مقابلة الإباحة لقسم خاص من التصرّفات لا ان المراد منه الملك و التّمليك البيعي مثلا و هذه الصّورة تسمّى بالمعاطاة و مفادها إباحة مطلقة للمال بعوض (كذلك) على نحو المعاوضة بالتّمليك و (الظاهر) انه لا خلاف في مشروعيّته و لو على جهة المعاوضة كما لا خلاف في مشروعيّته بدونها لعموم تسلّط النّاس على أموالهم و بطيب أنفسهم و التجارة عن تراض و نحوها انتهى و لكن التحقيق عدم صحّة الاستناد إلى شيء من الوجوه المذكورة امّا نفى الخلاف خصوصا على وجه (الظاهر) من مدعيه فلا حجة فيه مع ما في أصل موضوعه من المنع و يؤيّده ما حكى عن حواشي الشّهيد (قدس سرّه) في التصرّفات الموقوفة على الملك على القول بالإباحة و ما ذكره الشيخ (قدس سرّه) و غيره في هدية الجارية من عدم جواز وطيها و ما ذكره الأكثر من غير خلاف فيه يعرف كما ذكره بعضهم من انه لو دفع الى غيره ما لا و قال اشتر به لنفسك طعاما من غير قصد الاذن باقتراض المال قبل الشراء أو اقتراض الطّعام أو استيفاء الدّين منه بعد الشّراء لم يصحّ إذ لا يعقل شراء شيء لنفسه بمال الغير فتدبّر و امّا عموم تسلّط النّاس على أموالهم فإنه ليس مسوقا لبيان جعل أسباب السّلطنة و أنحائها و الحكم عليها بجواز ما شاء منها و انّما هو مسوق لبيان إثبات السّلطنة مع سكوته عن الكيفيات و إحالتها على ما يبيّنها كما افاده (المصنف) (رحمه الله) بل نقول انه يشكل التمسّك بالعموم المذكور في جواز التصرّفات المتوقفة على الملك في الإباحة مجانا لان العموم المذكور غير شامل لها فان المتبادر منه انّما هي التصرّفات الجائزة شرعا و هذه التصرّفات غير جائزة عقلا و شرعا بل نقول ان ما دل على توقفها عليه حاكم عليه إذ لا يجوز للمالك ان يأذن فيها كما لا يجوز لغيره ان يفعل شيئا منها بمجرّد اذنه فان إذنه ليس بماض شرعا و انّما يمضى فيما يجوز شرعا فلا سلطنة له على ذلك أصلا و دعوى ان بينهما عموما من وجه بحيث يمكن تخصيص كلّ منهما بالاخر و لا مرجح لأحدهما فيجمع بينهما بالملك التّقديري انا ما قبل التصرّف المزبور يدفعها ان الوجه (حينئذ) انّما هو التوقف في مادة التنافي و الرّجوع الى الأصول إذ لا شاهد على الجمع المزبور و مجرد احتماله غير كاف في ثبوته و العمل به كما هو واضح نعم انّما يتمّ ذلك لو دلّ دليل خاص على صحّة هذه الإباحة العامّة مع ثبوت التّوقف المزبور فإنّه لا محيص عن التّقدير المزبور على نحو ما ثبت من دخول الأبوين و نحوهما في الملك زمانا لا يقبل غير العتق و لكن لم نعثر على ذلك و قد يتمسّك لجواز اباحة جميع التصرّفات مع بقاء أصل العين على ملك مالكه (مطلقا) سواء كان بعوض أم بغيره بقيام السّيرة على وقوعها و (يقال) ان من جملتها المعاطاة غاية ما في الباب انّها من الإباحة بعوض و يجعل من جملة الإباحة مجانا نثار العرس و يدعى قيام السّيرة على جعله ثمنا في المعاوضات و التصرّف فيه بما يتوقف على الملك كما انّه قد (يقال) ان من جملتها الهدايا و قد كان النّبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) و الأئمة (عليه السلام) يتصرّفون فيما يهدى إليهم بأنواع التصرّفات سواء كانت من المتوقفة على الملك

197

أم لا و فيه ان نثار العرس محتمل لان يكون قد اعرض عنه صاحبه فصار بمنزلة المباحات الأصليّة فلذلك يملكه كلّ من يأخذه و اين هو من كونه قد أباح التّصرّفات حتّى ما كان منها منوطا بالملك مع عدم إخراج أصل العين عن ملكه على ما هو محلّ البحث هنا و هذا هو (الظاهر) عندي و يحتمل ان يكون من باب إباحة المقيّدة بأن يكون من قصده الأكل في خصوص المأكول فيصير حاله حال الطعام في الضيافة و امّا غير المأكول فلا اباحة فيه فيلزم ردّه و يحتمل ان يكون من باب الهبة و يحتمل ان يكون من باب اباحة جميع التّصرّفات حتّى الموقوفة على الملك و مع سريان الاحتمالات كيف يصحّ للمدّعى ان يقول ان مقصودهم من النثار انما هو الإباحة مع انا نرى بالوجدان انّهم يعرضون عن نثار العرس و يخرجونه عن ملكهم و اين ذلك من اباحة المنافع (مطلقا) مع بقاء العين على ملك صاحبه كما هو محلّ البحث و ذكر بعض من تأخر أن نثار العرس ممّا يقصد اهله فيه الإباحة و من هذا الباب يحل لآخذه و استظهر قيام السّيرة على التصرّف فيه بما يتوقف على الملك و لكنه منع قياس ما نحن فيه عليه لانّ قيام السّيرة على اباحة نثار العرس لا يستلزم قيامها على قصد الإباحة في غيره من الموارد فلا يتم الكليّة المبحوث عنها و هي مشروعيّة الإباحة مجانا من حيث هي اباحة في جميع التصرّفات حتّى ما يتوقف منها على الملك و أنت خبير بان الوجدان شاهد بخلافه فإن (الظاهر) بل المعلوم عند كلّ من أمعن النّظر في قصد أهل النثار انّهم لا يقصدون اباحة التصرّف فيما يتشرونه مع بقائه على ملكهم و انّما يقصدون الاعراض عنه و بهذا يفترق عن المبحوث عنه و ما ذكرناه من احتمال الاعراض و احتمال غيره فإنّما هو من باب المسامحة مع الخصم في مقام الاستدلال و امّا المعاطاة فدعوى قيام السّيرة فيها على قصد الإباحة و لو كانت بعوض ممنوعة بل ليس مقصود المتعاطيين الا التّمليك فلا مناسبة لها بمحلّ البحث أصلا و امّا الهدايا فلا يقصد بها الإباحة و انّما يقصد بها التمليك لمن أهديت اليه و اين هي من قياسها على محل البحث الّذي قد عرفت ان المناط فيه اباحة جميع التصرّفات حتى المتوقفة على الملك مع بقاء العين على ملك صاحبه ثمّ ان ذلك البعض ذكر ان عمدة ما هو مناط نظر صاحب (الجواهر) (رحمه الله) في حكمه بثبوت الإباحة بالنّسبة إلى التصرّفات (مطلقا) حتى الموقوفة على الملك هو قيام السّيرة على المعاطاة مع ان المتعاطيين يقصدان الإباحة فتكون الإباحة (حينئذ) مالكيته و فيه هي فيها و ان كانت بالعوض الا انّ الإباحة مجانا امّا مساوية لها أو أولى بالمشروعيّة على تقدير ثبوتها لها و صرّح ذلك البعض بأنه ان ثبت السّيرة على المعاطاة و ثبت ان أهل المعاطاة يقصدون بها الإباحة و ان (الشارع) امضاهم على ذلك لا انّهم يقصدون البيع و ان (الشارع) انّما رتب عليها الإباحة ثبت مطلوبه (رحمه الله) و صرّح أيضا بتأييد ما ذكره بأنّه لو لم يكن نظر صاحب (الجواهر) (رحمه الله) الى ما ذكره لم يكن له نفى الخلاف مع ان المسئلة ليست معنونة في كلماتهم فليس نظره (رحمه الله) الا الى ما بنوا عليه الى زمان المحقّق الثّاني (قدس سرّه) من القول بالإباحة و لكنه قال بعد ذلك ان الّذي سهّل علينا الخطب هو انا لا نعتمد في صحّة المعاطاة على السّيرة لعدم تحقّقها حقّ التحقّق و انما نعتمد على قوله (تعالى) أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ بعد إحراز الصّغرى من الخارج و هي كونها بيعا أقول ما ذكره ذلك البعض من ابتناء جواز الإباحة مجانا على ما ذكره مبنىّ على الحدس و الا فليس كلام صاحب (الجواهر) (رحمه الله) مشتملا على ذلك ثمّ ان الفرار الى جعل دليل صحّة المعاطاة هو قوله (تعالى) أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و الالتزام بأنّه لو كان الدّليل هي السّيرة كان الأمر كما بقوله صاحب (الجواهر) (رحمه الله) لا وجه له لانّه يصحّ ان يكون دليلها هي السّيرة و لا يثبت ما ذكره بان (يقال) ان السّيرة إنما قامت على قصدهم البيع غاية ما في الباب ان نمنع من نوع من السّيرة و نثبت نوعا أخر فيكون إفادتها للإباحة لو قلنا بها شرعيّة لا مالكيّة و لنعم ما ذكره بعض المعاصرين في كتابه حيث قال بعد منع قيام الإجماع على اباحة جميع التصرّفات حتّى الموقوفة على الملك مجانا و اولى منه بالمنع؟؟؟ ثبوت السّيرة المعتبرة على ذلك و لا يلزم من ثبوت الإباحة الشّرعيّة في المعاطاة ثبوتها هنا و دعوى

المساواة بينهما أو أولوية المقام منها أو انّها في المعاطاة أيضا مالكيّة فلا فرق بينهما محلّ منع انتهى و قد يستدلّ للجواز في محلّ البحث و هي الإباحة مجانا بمسئلة الأنفال و انهم (عليه السلام) أباحوها لشيعتهم و لا ريب ان من تصرّف منهم في شيء منها يملكه و ظاهر الاخبار الناطقة بإباحتهم (عليه السلام) و تحليلهم (عليه السلام) هو ان مبنى ذلك هو كونها حقّا لهم (عليه السلام) و انهم أباحوا من باب المالكيّة لا ان ما تضمّنه الأخبار المذكورة بيان لحكم شرعي فلو لا ان الإباحة تفيد الملك لم يكن لما تضمنته وجه و حكى بعض أهل الزمان الإشارة الى ذلك عن شرح (القواعد) حيث جعل المعاطاة من باب الأنفال و سائر ما أباحوه لشيعتهم و أجاب بعض أهل الزّمان عن الاستدلال المذكور تارة بان ذلك من باب الاعراض فيصير هو مخرجا عن ملك المالك و يملكه المتصرّف و اخرى بأن محل البحث هنا هو ان يبيح جميع التصرّفات حتّى الموقوفة على الملك من دون تمليك العين و اباحة الأنفال ليست من هذا القبيل قطعا لأنّهم (عليه السلام) رخصوا في تملك العين في الأنفال و نحوها أقول هذا الوجه هو المتعيّن في الجواب فيكون إباحتهم (عليه السلام) لها من باب العطية و جوائز السّلطان و قطايعه فيحصل ملك العين بحيازتها و يتبعها المنافع و امّا الوجه الأوّل فيتجه عليه ان إباحتهم (عليه السلام) مقيّدة بكونها للشيعة و الاعراض على وجه التقييد غير معقول و قد أوردت هذا الإيراد على ذلك البعض فأجاب بأن بعضهم ادعى في نثار العرس ايضا نظير هذا فقال بإباحة التناول بالنّسبة إلى الأطفال و النّسوان دون غيرهم من أرباب الخطر مع مصيره الى كون الحل هناك من جهة الاعراض و أنت خبير بأنه لا يرفع الاشكال هذا هو الكلام في الإباحة مجانا و منه يعلم حال الإباحة المعوّضة بمال فلا يجوز الانتفاع بنظير ما منع في المجانية من المنافع المتوقفة على الملك بطريق أولى لقوة الإشكال في المعوضة من جهة كون التعويض غير ملائم للإباحة فافهم

قوله (رحمه الله) كما صرّح في كره بان قول الرّجل لمالك العبد أعتق عبدك عنى بكذا استدعاء لتمليكه و إعتاق المولى عنه جواب لذلك الاستدعاء فيحصل النقل و الانتقال بهذا الاستدعاء و الجواب و بقدر وقوعه قبل العتق انا ما فيكون هذا بيعا ضمنيّا لا يحتاج الى الشروط المقررة لعقد البيع

قال في كره ما لفظه انّما يفتقر إلى الإيجاب و القبول فيما ليس من الضّمني من البيوع أمّا الضّمني كأعتق عبدك عنّى بكذا فيكفي

198

فيه الالتماس و الجواب و لا تعتبر الصّيغ المتقدّمة إجماعا انتهى و استشكل عليه بعض من تأخّر بأنّ كون المراد من القول المذكور ما ذكره العلامة (قدس سرّه) لم يقم عليه إجماع و انّما هو معنى ذكره هو (رحمه الله) و هو ممنوع فليس المراد هو البيع الضّمني حتّى لا يحتاج الى الشّروط المقرّرة لعقد البيع و انما المراد هو البيع و التمليك الصّريح بان يكون وكيلا عن القائل فيبيع العبد عليه و يقبل عنه بوكالته ثمّ يعتقه بعد ان صار العبد ملكا له بوكالته عنه و اين هذا من البيع الضّمني الذي ادعى (رحمه الله) دلالة الكلام عليه ثمّ استشهد لما ذكره بأنّ علماء الأصول عقبوا قوله أعتق عبدك عنى بكذا بقولهم اى مملكا و لا يفهم منه الا التّمليك الصّريح المستقبل و اين هو من التّمليك الضّمني ثمّ ان ذلك البعض قد اعترف في دفع الإشكال بأن وقوع البيع الضّمني في الكلام المذكور إجماعي و قد صرّح به غيره من فقهائنا الا انّهم اختلفوا في استحقاق عوض العبد على القائل إذا أعتق المالك عنه فتأمّل و إذ قد عرفت ذلك نقول كما قال (المصنف) (قدس سرّه) لا يلزم من ذلك ثبوت مثله في غير هذا المورد مثل بع مالي لك و نحوه فلا مجال لالتزام البيع الضّمني لأن ذلك حكم على خلاف القواعد قد التزمنا به فيما قام عليه الإجماع فكفاية ذلك شرعا في العتق لإجماع أو نحوه غير قاضية بكفايته في غيره إذ قد يفرق بينهما بإمكان حصول الغرض في البيع مثلا بإباحة التصرّف في الثّمن مع كونه ملكا لصاحب العين فلا ضرورة إلى دخولها في ملك البائع قبل البيع كي يكون الثّمن له بدلا بخلاف العتق فإن برأيه الذمّة منه لعلّها موقوفة على دخوله فلا بأس بشرعيّة التّقدير فيه دون غيره

قوله (رحمه الله) و لا شك انّ المقصود فيما نحن فيه ليس الاذن في نقل المال أولا و لا في نقل الثّمن اليه ثانيا

(انتهى) مع انا نقول انه لو قصد مثل ذلك كان خارجا عن مفروض بحثنا الّذي هو بقاء العين على ملك مالكه مع اباحة جميع المنافع حتّى ما يتوقف منها على الملك

قوله و امّا الكلام في صحّة الإباحة بالعوض سواء صحّحنا اباحة التصرّفات المتوقفة على الملك أم خصّصنا الإباحة بغيرها

(انتهى) المراد بالإباحة بالعوض معاوضة إباحة ماله بمال صاحبه بعد الفراغ عن كون نفس الإباحة جائزة شرعا بدون عوض و لهذا أشار بالتّعميم بقوله سواء (انتهى) الى جريان البحث على القولين فإنّا ان قلنا بإباحة التصرّفات المتوقفة على الملك حرّرنا البحث في معاوضة إباحة التصرفات (مطلقا) حتّى المتوقفة على الملك و ان منعنا من اباحة التصرّفات المتوقفة على الملك و اقتصرنا على تجويز اباحة غيرها حررنا البحث في معاوضة إباحة التصرّفات الغير المتوقفة على الملك ضرورة كون ما يتوقف على الملك على هذا التقدير ممّا لا مساغ لتجويزه قطعا و كيف كان فهذا القسم هو الوجه الثالث الذي ذكره بقوله ان يقصد الأوّل إباحة ماله بعوض فيقبل الأخر بأخذه إياه فيكون الصّادر من الأول الإباحة بالعوض و من الثاني بقبوله لها التمليك كما لو صرّح بقوله أبحت لك كذا بدرهم

قوله بل كلاهما ملك للمبيح

اما ماله فلانّه لم يخرجه عن ملكه غاية ما في الباب انه أباح لصاحبه التصرّف فيه و اما مال صاحبه فلان المفروض انّه صار عوضا للإباحة فصار ملكا للمبيح نظير صيرورة الثمن ملكا للبائع

قوله فيشكل الأمر فيه من جهة خروجه عن المعاوضات المعهودة شرعا و عرفا مع التّأمّل في صدق التّجارة عليها فضلا عن البيع الا ان يكون نوعا من الصّلح لمناسبته له لغة لأنّه في معنى التسالم على أمر بناء على انّه لا يشترط فيه لفظ الصّلح كما يستفاد من بعض الاخبار الدالّة على صحّته بقول المتصالحين لك ما عندك و لي ما عندي و نحوه ما ورد في مصالحة الزّوجين و لو كانت معاملة مستقلة كفى فيها عموم النّاس مسلّطون و المؤمنون عند شروطهم

أقول قوى بعض من تأخر عدم شرعيّة مثل هذه المعاملة نظرا إلى انّه لم يثبت من الشّرع فينفيه الأصل بمعنى أصالة عدم تجويز (الشارع) و تقريره له و يجري في مورده على تقدير الشكّ في صحّته كما هو المفروض أصالة عدم انتقال العوض من صاحبه الى غيره و ذلك لعدم اندراج المعاملة المذكورة في العمومات الّتي يحتمل إفادتها لشرعيتها مثل قوله (تعالى) إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ لان الترخيص في أكل المال الناشي عن التجارة الناشئة عن التّراضي ليس ترخيصا في أحداث أيّ عنوان شاء و إبل هو إشارة إلى الترخيص في التجارات المعهودة الناشئة عن التراضي و (كذلك) قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فإنّه إشارة إلى إيجاب الوفاء بالعقود المعهودة المتعارفة و قد تقدم ما يعلم منه سقوطه نعم ما ذكره (المصنف) (قدس سرّه) من التأمّل في أصل صدق مفهوم التجارة على مثل هذه المعاملة في محلّه لكن يبقى صحّة التمسّك بقوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ بناء على تحقق العقد بمجرّد القصد و الفعل و ان لم يقترنا باللّفظ ثمّ ان ظاهر كلام (المصنف) (قدس سرّه) الاشكال و التردّد في الحكم و ان كان يأتي منه (رحمه الله) في الإباحة بالإباحة ما يدل على ان الأقوى عنده في الإباحة بالعوض الصحّة و اللّزوم و وجه الجواز ما أشار إليه من انه يحتمل ان يكون صلحا و يحتمل ان يكون عقدا مستقلا و أورد عليه ذلك البعض بان ما ذكره من المبنى و هو كون معنى الصّلح هو التسالم و ان كان مسلما الا انّه لا يكفي في تحقق الصّلح وقوع مصداق التسالم و التّصالح كيف ما اتفق بل لا بد فيه من قصد عنوان الصّلح و تأدية عقده بمفهوم الصّلح و التسالم على ما هو الشّأن عند أكثر الفقهاء (رضي الله عنه) بل ما هو (المشهور) الّذي يلحق خلافه بالنادر من انّه يعتبر في كل عقد من العقود قصد عنوان ذلك العقد فلا بد في البيع من قصد عنوانه و لا يكفى مطلق تمليك العين و هكذا غيره غاية ما في الباب انه خرج بعض موارد الإجارة بالدّليل و بقي الباقي تحت قاعدتهم المعروفة عندهم و أقول ما ادعاه من الشّهرة لم يتحقق بل (الظاهر) خلافه و لا دليل على اعتبار قصد ما زاد على المفهوم الّذي على المفهوم الّذي يصدق عليه عنوان العقد و قوله (عليه السلام) الصّلح جائز بين المسلمين يجري في كلّ ما صدق عليه الصّلح و تقييده يحتاج الى دليل مضافا الى ان ما استشهد به من بعض الاخبار المفيدة لتحقق الصّلح بان يقول أحدهما للآخر لك ما عندك و لي ما عندي واف بمقصود (المصنف) (رحمه الله) لان الخبر المذكور عبارة عن رواية محمّد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) انه قال في رجلين كان لكلّ واحد منهما طعام

199

عند صاحبه و لا يدرى كلّ واحد منهما كم له عند صاحبه فقال كلّ واحد منهما لصاحبه لك ما عندك ولى ما عندي فقال لا بأس بذلك إذا تراضيا و طابت أنفسهما فإن قلت لا دلالة فيها على المطلوب لان الكلام فيها مسوق لبيان أمر أخر و هو صحّة المصالحة مع الجهل بالعوضين و ليس مساق الكلام لإفادة انه يكفى في الصّلح اىّ لفظ كان و لعلّهما أوقعا عقد الصّلح بلفظه بعد المقاولة المذكورة في الرّواية و لمّا ذكر قد ذكرها في الوسائل في باب جواز الصّلح مع علمهما بما وقعت المنازعة فيه و مع جهالتهما لا مع علم أحدهما و جهل الأخر و اشتراط التّراضي منهما قلت دلالة الكلام على جواز الصّلح على المجهول لا تنافي دلالته على كفاية أيّ لفظ اتفق لأن السّائل قد سئل بما يتضمن أمرين أحدهما انه لا يدرى كلّ واحد منهما كم له عند صاحبه و الأخر انّه قال كلّ واحد منهما لصاحبه لك ما عندك ولى ما عندي فأجاب (عليه السلام) بنفي البأس فصرف الجواب الى أحد جزئي السؤال دون الأخر ممّا لا وجه له و فهم صاحب الوسائل (رحمه الله) مع انه لا حجّة فيه غير مناف لما ذكرناه لانّه عقد الباب لبيان أحد الجزئين و امّا احتمال أنهما أوقعا عقد الصّلح بلفظه بعد المقاولة فمع ان الأصل عدمه ينفيه ظاهر مساق السّؤال و الجواب في الحديث لانّ الظّاهر ذكر جميع ما وقع و كذا الحال فيما ورد في مصالحة الزّوجين لأنه أشار به الى جملة من الاخبار ذكرها في الوسائل في باب انّ المرأة إذا خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا جاز لها ان تصالحه بترك حقها من قسم و نفقة أو بشيء من مالها و جاز له القبول كرواية الحلبي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال سالته عن قول اللّه عزّ و جلّ وَ إِنِ امْرَأَةٌ خٰافَتْ مِنْ بَعْلِهٰا نُشُوزاً أَوْ إِعْرٰاضاً فقال هي المرأة تكون عند الرّجل فيكرها فيقول لها انى أريد أن أطلقك فتقول لا تفعل انى اكره أن تشمت بي و لكن انظر في ليلتي فاصنع بها ما شئت و ما كان سوى ذلك من شيء فهو لك و دعني على حالتي فهو قوله (تعالى) فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا أَنْ يُصْلِحٰا بَيْنَهُمٰا صُلْحاً و هذا هو الصّلح و رواية أحمد بن محمّد عن ابى الحسن الرّضا (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ وَ إِنِ امْرَأَةٌ خٰافَتْ مِنْ بَعْلِهٰا نُشُوزاً أَوْ إِعْرٰاضاً قال النشوز الرّجل يهمّ بطلاق امرأته فتقول له ادع ما على ظهرك و أعطيك كذا و كذا و أحللك من يومي و ليلتي على ما اصطلحا فهو جائز و غيرهما ممّا ليس في الظهور بمرتبتهما فانّ قوله في الرّواية الاولى و هذا هو الصّلح اشارة و حكم على ما ذكره (عليه السلام) من قول الزّوج و الزّوجة و قس عليه قوله (عليه السلام) على ما اصطلحا فهو جائز في ذيل قوله (عليه السلام) الرّجل يهمّ بطلاق امرأته (انتهى) فتدبّر و لا تصغ الى ما قيل أو (يقال)

قوله و لو كانت معاملة مستقلة كفى فيها عموم النّاس مسلّطون و المؤمنون عند شروطهم

أقول امّا ما ذكره من انّه على تقدير كونها معاملة مستقلة يكفي في إفادة صحّتها عموم قوله (عليه السلام) الناس مسلّطون فيتجه عليه انّ عموم السّلطنة انّما هو ناظر الى ثبوت السّلطنة بالتصرّف في أموالهم على اى نحو شائوا من الأنحاء المقررة في الشرع للتصرّف و ليس في مقام التشريع بمعنى أنّه لهم ان يتصرفوا بما شاءوا و ان كان ممّا لم يرد من (الشارع) اذن في ذلك النّوع من التّصرّف و امّا ما ذكره من التمسّك بقوله (عليه السلام) المؤمنون عند شروطهم فيرد عليه ان المسلم من مورد الشّروط انّما هو ما كان قد اشترط؟؟؟ في ضمن عقد آخر و كون العقد المستقل من موارده ممنوع تنبيه ممّا يتصوّر في هذا المقام عكس الصّورة المذكورة لان من قال أبحت لك بدرهم كان موجبا و مبيحا فيصير عكسه ان يكون الموجب هو المملك المعوّض في مقابل اباحة صاحبه ماله إياه بأن يقول أعطيتك أو ملكتك هذا الدّرهم على ان نبيح لي مالك و هذه الصّورة قد تكون على وجه المقابلة و المعاوضة بين الإباحة و التمليك و قد تكون بعنوان ان يكون إباحة الأخر من قبيل الدّاعي لتمليك الأوّل بل تنقسم الى قسمين اخرين باعتبار أخر و هو ان القبول من الثاني قد يكون بأخذ ما دفعه الأوّل و قد يكون بإعطائه ماله كما انّه به ينشئ الإباحة و لا يبعد في هذه الصّورة بأقسامها الحكم بالصحّة نظرا الى تحقق العقد بمجرّد القصد و الفعل و ان لم يقترنا باللّفظ و ان كان في صدق التّجارة على مثل المفروض تأمّل كما ذكره (المصنف) (قدس سرّه) في عكس هذه الصّورة و جعلها بعض المعاصرين اولى بعدم الصحّة من الأصل الّذي جعل الأقوى فيه عدم الصحّة استنادا الى الأصل ثم ان هيهنا صورة أخرى و هي ان لا يكون مقابل الإباحة هو المال و هي على قسمين أحدهما ان يكون مقابل الإباحة و عوضها هو التمليك من الأخر فيكون من معاوضة الإباحة بالتمليك و ثانيهما ان تكون الإباحة من الأوّل لداعي التمليك و لا ارى منعا من صحّة الأوّل بناء على عموم قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و امّا الثاني فجريان عموم سلطنة النّاس على أموالهم و نحوهم فيه محل تأمّل

قوله و على تقدير الصحّة ففي لزومها (مطلقا) لعموم المؤمنون عند شروطهم أو من طرف المباح له حيث انّه يخرج ماله عن ملكه دون المبيح حيث ان ماله باق على ملكه فهو مسلّط عليه أو جوازها (مطلقا) وجوه أقواها أولها ثم أوسطها

قد عرفت منع سريان عموم المؤمنون عند شروطهم و عدم قضائه باللّزوم في مثل المقام الّذي هو ليس التزاما في ضمن عقد أخر و انّما هو عقد برأسه فالأقوى هو القول الأوسط لأنّه بعد خروج مال المباح له عن ملكه كلما شك في انه يجوز له العود اليه يستصحب ملك المبيح و يحكم بعدم جواز تصرّف المباح له الا بإذنه لأن النّاس مسلّطون على أموالهم فله ان يمنع غيره عن ماله

قوله و امّا حكم الإباحة بالإباحة فالإشكال فيه ايضا يظهر ممّا ذكرنا في سابقه و الأقوى فيها أيضا الصحّة و اللّزوم

هو انّه كما انّ الأقوى في الإباحة بالعوض هو الصحّة و اللزوم على تقدير الصحّة (فكذلك) الحال في الإباحة بالإباحة فيصير هذا الكلام قرينة على ان المعتمد عنده في الإباحة بالعوض هو ما ذكره بقوله الا ان يكون نوعا من الصّلح و رجح بعض من تأخر صحة الإباحة بالإباحة مع منعه من ثبوت شرعية الإباحة بالعوض و استند في ذلك الى انّه لا مانع من كلّ من الاباحتين الصّادر إحديهما من أحدهما و الأخرى من الأخر لعلمنا بأنّ الإباحة مرخّص فيها شرعا و على تقدير مقابلتها بالأخرى لا تخرج عمّا كانت عليه و هو قريب الى الصّواب الا انّ هذا لا يثبت مشروعية نفس العقد بتعويض اباحة بإباحة و يترتب على هذا انه يرتفع احتمال اللّزوم عن مثل العقد المذكور و يمكن دعوى صدق التّجارة

200

عن تراض عليه من حيث معاوضة الإباحة بالإباحة و شمول قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ بناء على ما عرفت من صدق العقد على مطلق العهد و ان لم يكشف عنه اللّفظ و انما كان الكاشف هو الفعل و قد عرفت ايضا عدم الدليل على انحصار العقود في خصوص المعاوضات المعهودة فتدبّر و قال بعض المعاصرين في كتابه ان صحّة الإباحة المجانية على الوجه العام أو الخاص بغير التصرّفات المتوقفة على الملك قاضية بصحّة المعاوضية (كذلك) و للأصل و العمومات المعتضدة بنفي الخلاف أو الإشكال في كلام البعض و ربما يشكل بخروجها عن المعاوضات المعهودة شرعا و عرفا مع احتمال منع صدق التجارة عليها فضلا عن البيع و قد يدفع مع إمكان كونها من الصّلح لانّه بمعنى التّسالم على أمر بناء على عدم اشتراط كونه بلفظه كما قيل بان خروجها عنها مع تسليمه غير قادح بعد قضاء العمومات بها حتى نحو قولهم (عليه السلام) المؤمنون عند شروطهم كما قيل و (حينئذ) فتكون معاملة مستقلة و في لزومها أو جوازها وجهان من العموم أوصاله التسلّط كما قيل و لكن في قضاء العموم بذلك تأمّل فالوجه الثاني مع منع كون ذلك من الشّروط الّتي يجب الوفاء بها كما هو واضح و في لزومها بما تلزم به الإباحة في المعاطاة وجهان أقربهما ذلك لاتحاد المناط فتأمّل جيدا انتهى و (الظاهر) ان المراد بالأصل أصالة الجواز و هي انما تفيد جواز اباحة كلّ منهما ماله و لا تفيد كون معاوضة الإباحة بالإباحة معاملة شرعيّة (فتأمل) و مراده بالعمومات ما ذكره صاحب (الجواهر) (رحمه الله) من عموم تسلّط النّاس على أموالهم و عدم حلّ مال امرء الا بطيب نفسه و التجارة عن تراض و مراده من نفى الخلاف هو ما ذكره (رحمه الله) ايضا و هذه الوجوه و ان تقدّم بعض المناقشات فيها الا ان الإنصاف انه يمكن ان يستدلّ للحكم بالصحّة بصدق التّجارة عن تراض من جهة تعويض اباحة بإباحة ربما في ذيل بعض ما نطق من الاخبار بعدم حلّ مال امرء الا عن طيب نفسه من انّه إذا طاب نفسه حلّ فيصير في مقام إعطاء القاعدة تنبيهان الأوّل ان من الأقسام الّتي يمكن تصوّر صدق المعاطاة عليها هو ان لا يقصدا خصوص البيع و التمليك و لا خصوص عنوان الإباحة بل يعطى صاحبه شيئا ليتناول عوضه فيدفعه اليه و قد استشكل في صحّته بعض المعاصرين و قد (يقال) بشرعيته على القول باشتراط الصّيغة في البيع و جعل المعاطاة من باب الإباحة نظرا الى تصحيحه على جهة الإباحة الّتي هي كالأصل فيما يقصد به مطلق التسليط فغيرها محتاج الى قصد أخر بخلافها فإنه يكفي فيها قصد هذا التّسليط المطلق و يمكن ان يكون هذا مراد الشيخ (قدس سرّه) و غيره في المثال الّذي ذكروه من إعطاء البقلي شيئا بل القائل بعدم اشتراط الصّيغة في البيع و بكون المعاطاة من اقسامه كالمحقق الثاني (قدس سرّه) و اتباعه قد يقول بشرعيّة ما ذكر من الإباحة بالإباحة ضرورة عدم إمكان جعله بيعا بعد فرض عدم التّسليط على جهة الملك فيكون إباحة مالكية لطيب نفس المالك و رضاه لسائر التصرّفات و لا بأس به مع عدم إرادة إثبات إنشاء الإباحة المالكية و الا فلا تكون كالأصل بل تحتاج الى قصد ايضا هذا و لا يخفى ان ما ذكرناه من احتمال كون المراد في المثال الّذي ذكر من إعطاء البقلي شيئا هو هذا القسم الّذي هو عبارة عمّا هو أعمّ من البيع و الإباحة بان يعطى شيئا ليتناول شيئا مجرّد احتمال و الا فلا بد و ان يكون مرادهم ما يصحّ توارد الأقوال عليه كما هو الشّأن في كلّ عنوان وقع فيه النزاع و ليس إلا صورة قصد المتعاطيين البيع العرفي و ان كان (الشارع) لم يرتب عليه حكم البيع و انما رتب عليه حكم الإباحة و ذلك لان كلامهم انما هو في مقابلة العامّة القائلين بكونها بيعا و في مقابلة بعض الخاصّة كالمفيد (رحمه الله) على احتمال فلا بد من جعل محل النّزاع قابلا لكونه بيعا و جعل هذا النّزاع العظيم لفظيا ممّا لا وجه له و من هنا يظهر سقوط ما ذكره بعض المعاصرين تبعا لصاحب (الجواهر) (رحمه الله) من ان محل النّزاع ما لو قصد المتعاطيان الإباحة و ذلك لان إجراء (الشارع) حكم الإباحة على ما قصد فيه المتعاطيان التمليك أمر معقول بخلاف العكس ثمّ ان السر في عدم تعرض (المصنف) (قدس سرّه) هنا لذكر هذا القسم هو بناؤه على إنكار وقوعه لانه قال في أوّل المعاطاة ما لفظه و ربما يذكر وجهان أخر ان أحدهما ان يقع النقل من غير قصد البيع و لا تصريح بالإباحة المزبورة

بل يعطى شيئا ليتناول شيئا فدفعه الأخر إليه الى ان قال و يرد الأوّل بامتناع خلو الدافع عن قصد عنوان من عناوين البيع أو الإباحة أو العارية أو الوديعة أو القرض أو غير ذلك من العنوانات الخاصّة انتهى و ان كان دعوى امتناع الخلو ممّا لا يخفى ما فيه و قال بعض المعاصرين في ذيل كلام له معترضا على (المصنف) (قدس سرّه) ما نصّه كما لا يلتفت الى ردّ هذا الوجه بامتناع خلو الدافع عن قصد عنوان خاص من بيع أو إباحة أو عارية أو وديعة أو قرض أو غير ذلك خصوصا بعد الاعتراف بإمكان قصد الملك المطلق كما في بيع لبن الشاة و بعد الاعتراف بأنّ المعيار في المعاطاة وصول المالين أو أحدهما مع الرّضا بالتصرّف بدون إنشاء إباحة أو تمليك و ان كان في دخوله في المعاطاة المتنازع فيها منع ظاهر انتهى و لا يخفى على من راجع كلام (المصنف) (قدس سرّه) في أوّل المعاطاة انه لم يعترف بالإمكان و انّما استدرك في ذيل كلامه انّه يظهر من غير واحد في مثل بيع لبن الشاة و غيره كون التّمليك المطلق أعمّ من البيع فلا اعتراض عليه (رحمه الله) من هذه الجهة و امّا ما ذكره من كون الاعتراف بأنّ المعيار وصول المالين أو أحدهما منافيا لاشتراط القصد الى عنوان خاص من العناوين فهو واضح السّقوط أيضا لأنّه (قدس سرّه) لم يعترف بذلك بل قال في الأمر الثاني ما لفظه و ربما يدعى انعقاد المعاطاة بمجرّد إيصال الثّمن و أخذ المثمن من غير صدق إعطاء أصلا الى ان قال و سيجيء توضيح ذلك في محلّه (إن شاء الله) و ذكر في ذيل الأمر الثامن عند التعرّض لتحقق المعاطاة بالعقد الفاسد ما لفظه الثاني انه لا يشترط في المعاطاة إنشاء الإباحة و التّمليك بالقبض بل و لا بمطلق الفعل بل يكفى وصول كل من العوضين الى مالك الأخر و الرّضا بالتصرّف قبله أو بعده على الوجه المذكور ثم استشكل فيه و بين وجه الاشكال و قال في ذيله فالمعيار في المعاطاة وصول المالين أو أحدهما مع التراضي بالتصرّف و هذا ليس ببعيد على القول بالإباحة انتهى و من المعلوم انه لا يقول بالإباحة ثمّ انه قد تحصّل من جميع ما تقدّم انّ المعاطاة تتصوّر على وجوه أحدها إعطاء كلّ من اثنين عوضا عمّا يأخذه من الأخر

201

بعنوان المبايعة كما في البيع الواقع بالإيجاب و القبول اللفظيّين و ثانيها كون الإعطاء بعنوان الإباحة المطلقة بمعنى اباحة جميع التصرّفات حتّى ما هو موقوف على الملك كوطي الجارية و البيع و غيرهما أو إباحة التصرّفات الّتي لا تتوقف على الملك كالأكل و الشّرب و أمثالهما و على التقديرين فالإباحة اما بالعوض بان يعطى أحدهما ماله الأخر بعنوان الإباحة ليبيح الأخر عوضه له و اما بلا عوض بان يعطى أحدهما ماله الأخر بعنوان الإباحة من دون نظر الى إباحة الأخر عوضه له و كذا الأخر و ثالثها ان يكون الإباحة في مقابل الملك بان يعطى ماله بعنوان الإباحة على ان يكون ما يعطيه الأخر ملكا له و رابعها عكس الثالث و خامسها ان يكون التّمليك في مقابل التمليك بان يملك أحدهما ماله الأخر ليملك الأخر ماله أباه و سادسها ان يكون الملك في مقابل الملك بمعنى إعطاء كلّ منهما ماله للآخر ليصير ملكه لكن بدون قصد شيء من العنوانات الّتي يحصل في ضمنها الملك كالبيع و نحوه فيقصد الملك (المطلق) و سابعها ان يكون إعطاء كلّ واحد منهما من دون نظر الى الإباحة و غيرها الثّاني انه يشترط التطابق بين قصدي المتعاطيين فلو فرض ان أحدهما قصد الإباحة و الاستباحة و الأخر قصد التمليك و التملك لم يقع المعاطاة إلا فاسدة و لو شك أحد المتعاطيين في ان صاحبه قصد على نحو قصده حتى يحصل التّطابق أو قصد على غير ذلك النحو كما قلنا انه قصد أحدهما الإباحة و الأخر الملك حتّى ينتفي التّطابق كانت المعاطاة محكوما عليها بالفساد لعدم إحراز الشرط اما لو شك ثالث في ان المتعاطيين أوقعا المعاطاة على وجه صحيح أو فاسد كان اللّازم هو الحكم بوقوعها صحيحة و هو معنى حملها على الصّحة التي هي أعمّ من الإباحة و البيع و نحوهما مع فرض صحّة الجميع و لا طريق الى تشخيص بعضها كما هو واضح ضرورة كون الصّحيح معنى عاما و العام لا يدل على الخاص بخصوصه و لا وجه للالتفات الى احتمال ارادة بعض الوجوه الفاسدة بعد جريان قاعدة حمل فعل المسلم على الصّحيح و لذا قال بعض القائلين بالفساد في المعاطاة المتنازع فيها بجريان حكم الإباحة على ما هو المتداول بين النّاس ممّا يسمّونه بيعا ما لم نعلم منهم إنشاء البيع و الشراء بتقابضهم و الا كان من البيع الفاسد كإنشائه بالمنابذة و نحوها ممّا نهى عنه (الشارع) و ان كان فيه ما لا يخفى على من أحاط خيرا بما ذكرناه إذ من المعلوم استمرار الطريقة و السّيرة على جواز التصرّف مع العلم المزبور و إنكار ذلك مكابرة و استظهر بعضهم من الغنية جواز المعاطاة بالمنابذة و نحوها و ان النّهى عنها انّما هو عن عقد البيع بها خاصة و قال بعض المعاصرين بعد ذكره و لعله (كذلك) و لكن لا يكاد يظهر لي من عبارتها القصد الى هذا المعنى لانه قال و اعتبرنا حصول الإيجاب من البائع و القبول من المشترى تحرزا عن القول بانعقاده بالاستدعاء من المشترى و الإيجاب من البائع و هو ان يقول بعينه بألف فيقول بعتك فإنّه لا ينعقد بذلك بل لا بد ان يقول المشترى بعد ذلك اشتريت أو قبلت حتّى ينعقد و احترز ايضا عن القول بانعقاده بالمعاطاة نحو ان يدفع الى البقلي قطعة و يقول أعطني بقلا فيعطيه فان ذلك ليس ببيع و انما هو اباحة للتصرف يدل على ما قلناه الإجماع المشار اليه و ايضا فما اعتبرناه مجمع على صحّة العقد به و ليس على صحته بما عداه دليل و لما ذكرناه نهى النّبي (صلى الله عليه و آله و سلم) عن بيع الملامتة و المنابذة و عن بيع الحصاة على التأويل الأخر و معنى ذلك ان يجعل اللمس للشيء و النبذ له و إلقاء الحصاة بيعا انتهى و قوله على التأويل الأخر في مقابل ما ذكره سابقا بقوله و للجهالة بالمبيع نهى (عليه السلام) عن بيع الحصاة على أحد التأويلين و هو ان يعقد البيع على ما يقع عليه الحصاة انتهى

[الأمر الخامس في حكم جريان المعاطاة في غير البيع من العقود و عدمه]

قوله (رحمه الله) الخامس في حكم جريان المعاطاة في غير البيع من العقود و عدمه

(انتهى) قد (يقال) بورود المعاطاة في الإجارة و سائر العقود عدا النّكاح بل عن بعض من تأخر ورودها فيه ايضا و عن تعليق الإرشاد ان من المعاطاة الإجارة و نحوها بخلاف النكاح و الطّلاق و نحوهما فلا تقع و في عبارة مع صد المذكورة في المتن اعتبار المعاطاة في الإجارة و الهبة عن بعضهم بل عن ظاهر الأصحاب و مثلها عبارة لك مع تنظر في جريانها في الهبة و دعوى إطباق الأصحاب في الإجارة قال (رحمه الله) فيها ذكر بعض الأصحاب ورود المعاطاة في الإجارة و الهبة بأن يأمره بعمل معيّن و يعيّن له عوضا فيستحق الأجر بالعمل و لو كان إجارة فاسدة لم يستحق شيئا مع علمه بالفساد بل لم يجز له العمل و التصرّف في ملك المستأجر مع اطباقهم على جواز ذلك و استحقاق الأجر إنما الكلام في تسميته معاطاة في الإجارة و ذكر في مثال الهبة ما لو وهبه بغير عقد فيجوز للقابض إتلافه و تملكه به و لو كانت هبة فاسدة لم تجز و لا بأس به الا ان في مثال الهبة نظرا من حيث ان الهبة لا تختص بلفظ بل كل لفظ يدل على التمليك بغير عوض كاف فيها كما ذكروه في بابه و جواز التصرّف في المثال المذكور موقوف على وجود لفظ يدل عليها فيكون كافيا في الإيجاب اللهم الا ان يعتبر القبول القولي مع ذلك و لا يحصل في المثال فيتجه ما قاله انتهى و في الجواهر بعد ما ذكر هذا الكلام في تصوير وقوع الهبة بالفعل ما لفظه أو يفرض ان الهبة كانت بالفعل الّذي قصد به ذلك كالمعاطاة فيما نحن فيه ثم قال و ليس المهم ذلك انّما المهم بيان حكم المعاطاة بالصورة الثانية في باقي العقود كالقرض و الرّهن و الضمان و الحوالة و الكفالة و المزارعة و المساقات و الصّلح و الإجارة و الجعالة و الوصيّة و نحوها و بيان فائدة الصّيغة في بعضها مع فرض جريانها فيها كالقرض و الضمان و انها اللّزوم كما في المقام فيجوز الرّجوع فيما كان بالمعاطاة منها قبل حصول ما يقتضي لزومها بناء على مساواتها لمعاطاة البيع ايضا فيما تلزم به بخلاف ما لو كان بالصّيغة أو غيره كلّ ذلك و نحوه غير محرر في كلامهم كما ان النّصوص و غيرها خالية عن ذلك و ليس إلا السّيرة الّتي يمكن دعوى حصولها في الجميع على وجه يلحقها اسم تلك المعاملة القائمة مقامها و حكمها عدا ما كان مختصا بالصّيغة منها كاللّزوم بناء على انحصار دليله في آية أوفوا فيثبت (حينئذ) فيها كلّها بل و في بعض ما هو إيقاع كالشّفعة و الإبراء و فسخ الخيار و نحوها فيكشف بذلك (حينئذ) عدم اعتبار الصّيغة في أصل الصّحة كما في المقام و انما هي للزوم فيما لم يثبت جوازه اما فيه كالقرض ففائدتها انّها دالة عليه صريحا من غير

202

حاجة الى قرينة بخلاف الأفعال و نحوها و لذا تعرضوا لها و لضبطها في العقود الجائزة كالعارية و الوديعة و نحوهما ممّا علم قيام الأفعال الدّالة عليها مقامها بل لو قيل بان جواز المعاطاة في البيع للإجماع و السّيرة لا لانحصار دليل اللزوم في آية أوفوا بل يكفى فيه استصحاب الأثر الّذي فرض حصوله منها مضافا الى خصوص ما دل عليه مثلا في الرّهن و نحوه اتجه القول بلزومها ايضا فيها كما لو وقع ذلك بالصّيغة فلا رجوع (حينئذ) في معاطاة الرّهن و الضمان و نحوهما هذا كلامه (رحمه الله) و قد أفاد هذه الجملة لتحرير المقام و الا فهو (رحمه الله) قد عقبها بقوله الا ان الجميع كما ترى و كيف كان فالّذي يمكن ان يبحث عنه في المقام أمور أحدها جريان المعاطاة في غير النكاح من العقود اللازمة و ثانيها جريانها في العقود الجائزة كالوديعة و العارية و نحوهما و ثالثها جريانها في غير الطلاق من الإيقاعات و صاحب (الجواهر) (رحمه الله) قد أنكر جريانها في كل من الأمور المذكورة لكن على وجه خاص و هو كون معاطاة كل عقد يقوم مقامه و يقصد به ما يقصد به ففي معاطاة البيع يقصد البيع و يلحقه أحكامه و هكذا و لذا جعل إنكاره لما ذكر مؤيدا لكون المعاطاة التي أثبتها أكثر الأصحاب تقصد بها الإباحة و الا فهو (رحمه الله) يقول بجريانها في سائر العقود و ممّا يشهد بذلك ما ذكره (رحمه الله) في كتاب الوصيّة في شرح قول المحقق (قدس سرّه) فالإيجاب كل لفظ يدل على ذلك القصد بقوله نعم ينبغي ان يكون استعمال اللّفظ في ذلك جاريا مجرى الاستعمال المتعارف و لا يكفي إرادته ذلك من لفظ غير صالح لإرادته حقيقة و لا مجازا و (كذلك) الكلام في القبول الّذي هو أوسع من الإيجاب و لذا جاز فيه ان يكون فعلا دالا على الرضا بالإيجاب بلا خلاف أجده فيه و في سائر العقود الجائزة نعم ظاهرهم بل صريح بعضهم عدم تحقق العقد في شيء منها بالفعل في الإيجاب لكن لا يخفى عليك مشروعيته في الجميع كما لا يخفى عليك صدق أسمائها كالعارية و الوديعة و نحوهما على ذلك فلا مناص (حينئذ) عن القول بجواز ذلك فيها و لحوق أحكامها له الا انّه ليس عقدا فهو شبه المعاطاة في العقود اللازمة الّتي تندرج في الاسم و لا يجرى عليها حكم العقد و ليس عدم الثّمرة هنا بين المعاطاة و العقد بعد الاشتراك في الجواز مانعا عن ذلك كما هو واضح فينحصر العقد منا بالإيجاب لفظا و القبول (كذلك) أو فعلا و ما عداه معاطاة و هو ما كان إيجابه فعلا سواء كان قبوله (كذلك) أم لا انتهى و الحاصل انه لا ينكر كون المعاطاة المفيدة للإباحة جارية في سائر العقود و له غير ما ذكرناه من الكلمات مما يشهد بذلك في الأبواب المتفرقة لا حاجة الى تطويل المقال بذكرها و يشهد بما ذكرنا قوله في صدر العبارة الأولى إنما المهم بيان حكم المعاطاة بالصّورة الثانية في باقي العقود و ذلك لانّه قدّم للمعاطاة صور أو جعل أوليها ان يقصد بها الإباحة و ثانيتها ان يقصد بها النقل على وجه البيع و كيف كان فالحق في هذا المقام عدم جريانها في النّكاح و الطلاق و الظهار و اللعان و النذر و العهد و اليمين و التّدبير و العتق لعدم قابلية جملة منها و عدم ثبوت المعاطاة في بعضها لعدم الدّليل على وقوعها من سيرة و غيرها و امّا سائر العقود فقد يستدل لثبوتها فيها بوجوه أحدها السّيرة المستمرة على إجرائها فيها على حد إجرائها في البيع و ربما منع من التمسّك بها بعض من تأخّر نظرا إلى انها ناشئة من عدم المبالات في الدّين و استند في توضيح المنع الى قيام السّيرة على المعاطاة في الوقف و على البيع و الشّراء من الصّبي مع اشتراط ثبوت الصّيغة في الوقف إجماعا و بطلان بيع الصّبي و شرائه لكن لا يخفى عليك عدم وضوح الأمر في الوقف بحيث يعد المعاطاة فيه من قبيل ما نشا من عدم المبالات بالدين و ثانيها صدق اسم كل عنوان من عناوين العقود على المعاطاة التي تقوم مقامه كالبيع و الإجارة و نحوهما و ان لم يصدق على معاطاته اسم العقد فتشملها أدلّته بل يمكن ان (يقال) ان المعاطاة تصير لازمة فيما إذا قام مقام عقد لازم لما عرفت في البيع من ان مقتضى الأصل هو اللّزوم ما لم يقم إجماع على خلافه فعلى هذا لا إشكال في صحّة المعاطاة في مثل الرهن و الا قاله و الفسخ و الإبراء و لزومها لان الثلاثة الأخيرة لا

يمكن فيها الجواز و الأوّل أعني الرّهن و ان كان يمكن جواز الرجوع فيه الا انّه ينافي الوثوق الّذي شرع تجويز الرّهن لأجله و الحاصل انا و ان قلنا بالجواز في المعاطاة الا انه يتعين اللّزوم في الأربعة المذكورة لما عرفت ثالثها ما عن (الدروس) من الاحتجاج لاحتمال حصول الملك في معاطاة الهبة المتحققة بمجرّد الفعل بان الهدايا قد كانت تحمل اليه (صلى الله عليه و آله و سلم) و لم ينقل انه كان يراعى العقد فيها و يبعد حمله على الإباحة لانه (صلى الله عليه و آله و سلم) كان يتصرف فيها تصرّف الملاك لكن هذا أخص من المدعى فثبوتها في الهبة لا يقتضي بثبوتها في غيرها مضافا الى انّه يمكن ان يدعى ان باب الهدية عنوان برأسه في الشرع و قد تصدّى بعض المعاصرين أيده اللّه (تعالى) لردّ الاستدلال بأنه لم يثبت ان النّبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) تصرف في الهدايا من أوّل الأمر تصرّف الملاك و لا (يخلو) عن وجه في مقام المخاصمة الا ان الإنصاف حصول الطّمأنينة بتصرفه (صلى الله عليه و آله و سلم) فيها (كذلك) و يكشف عنه استقرار سيرة الناس في خصوص الهدايا في الأعصار و الأمصار من العلماء و الأتقياء على ذلك و وسوسة بعض المعاصرين في اعتبار هذه السّيرة كما ترى رابعها ما في كلام المحقق الثاني (قدس سرّه) من اسناد ذلك الى ظاهر الأصحاب في الإجارة و الهبة و ما في كلام الشّهيد الثاني (رحمه الله) من دعوى إطباق الأصحاب في الإجارة و ان كان ما في كلام هذين العلمين من الإسناد انّما هو من باب الحكاية عن دعوى بعض الأصحاب إسناده إليهم و قد ناقش فيه (المصنف) (قدس سرّه) بما في المتن مضافا الى كونه في كلام الشّهيد الثاني اتفاقا منقولا و في كلام المحقق الثّاني اتفاقا ظنيا منقولا فافهم خامسها عدم القول بالفصل بين البيع و غيره و يأتي فيه تتمة الكلام و العمدة هنا الوجهان الا و لان و ما عداهما ان تم كان مؤيّدا هذا و اعلم ان المحقق الثاني (قدس سرّه) يظهر منه التفصيل بين معاطاة البيع في القرض بإفادتها في الأول الملك دون الثاني فلا تفيد فيه سوى الإباحة قال (رحمه الله) في (جامع المقاصد) عند قول العلامة (قدس سرّه) في باب القرض و لا بد من إيجاب صادر عن أهله إلى قوله و قبول و هو ما يدل على الرضا قولا أو فعلا ظاهر عباراتهم انه لا بد من الإيجاب و القبول و عبارة كره أدل على ذلك و يرد عليه انه قد سبق في البيع الاكتفاء بالمعاطاة التي هي عبارة عن الأخذ و الإعطاء فإذا اكتفى في العقد اللّازم بالإيجاب و القبول الفعليّين فحقه ان يكتفى بهما هنا بطريق اولى ثم قال و ليس ببعيد ان (يقال) انتقال الملك الى المقترض بمجرّد القبض موقوف على

203

هذا الإباحة التصرّف إذا دلت القرائن على ارادتها انتهى و قال في المحكي ان صيغ العقود في القرض انه لا يكفى الدفع على جهة القرض من غير لفظ في حصول الملك نعم يكون ذلك في القرض كالمعاطاة في البيع فيتم اباحة التصرّف فإذا تلف العين وجب العوض و الّذي ينساق اليه النظر ان المعاطاة في البيع تثمر ملكا متزلزلا و يستقر بذهاب احدى العينين أو بعضها و مقتضى هذا ان النماء الحاصل في البيع قبل تلف شيء من العينين يجب ان يكون للمشتري بخلاف الدّفع للقرض فإنه لا يثمر الا محض الاذن في التصرّف و إباحته فيجب ان ان يكون نماء العين للمقرض لبقائها على ملكه انتهى و لا يخفى ما فيه من الغرابة

قوله (رحمه الله) و ظاهر المحكي عن كره عدم القول بالفصل بين البيع و غيره حيث قال في باب الرّهن ان الخلاف في الاكتفاء فيه بالمعاطاة في الاستيجاب و الإيجاب عليه المذكور في باب البيع آت هنا انتهى

أقول جريان الخلاف الواقع في البيع في الرّهن و ان كان أعم من ان يكون كلّ من قال به في البيع قال به في الرّهن لان جريان الخلاف في الرّهن قد يتصوّر بان يكون القائل بالمعاطاة في البيع يقول بها في الرّهن و المانع عنها في البيع يمنع عنها و قد يتصوّر بان يقع الخلاف في جريان المعاطاة في البيع فيقول جماعة بجريانها فيه و اخرى بعدم جريانها فيه ثمّ يختلف الجماعة الأولى فتقول طائفة منهم بجريان المعاطاة في الرّهن و اخرى بعدم جريانها فيه فعلى التّصوير الأوّل و ان كان يتحقق عدم القول بالفصل الا انّه على التّصوير الثاني لا يصحّ ان (يقال) ان كلّ من قال بجريان المعاطاة في البيع قال بجريانها في الرّهن لمصير الجماعة الأخرى من القائلين بجريانها في البيع الى عدم جريانها في الرّهن فالحاصل ان كلام العلّامة (قدس سرّه) مسوق لبيان جريان الخلاف في المقامين لا لبيان ان القائل بالجريان في البيع هو القائل بجريانه في الرّهن و ان المانع منه فيه هو المانع في الرّهن و الذي يجدي في ثبوت عدم القول بالفصل انّما هو الثاني دون الأوّل هذا و أورد عليه بعض المعاصرين بالمنع من دلالة كلام العلّامة (قدس سرّه) على عدم القول بالفصل بوجه أخر و هو ان (الظاهر) ان عرض كره انما هو الإشارة إلى الخلاف في الاكتفاء بها في صحّة البيع و لزومه و عدمهما على نحو خلاف المفيد (رحمه الله) مع (المشهور) إذ لا اشارة لها في كتاب البيع الى الخلاف المعروف فيها بين المتأخرين من انها مع عدم اللزوم تفيد الإباحة أو الملك المتزلزل كما اشتهر بين الكركي (رحمه الله) و من تأخر عنه مع ان هذا الخلاف غير جار في الرّهن قطعا انتهى

قوله لكن استشكله في محكي (جامع المقاصد) بان البيع ثبت فيه حكم المعاطاة بالإجماع بخلاف ما هنا

قال المعاصر المذكور بعد الإيراد الذي حكيناه عنه و لا حاجة في منع دلالة كلام كره على عدم القول بالفصل من اشكاله بان البيع قد ثبت فيه حكم المعاطاة بالإجماع بخلاف الرّهن بل و لا وقع له بعد حكاية الفاضل (قدس سرّه) جريان الخلاف فيه ايضا بل لعله اولى من البيع لمعلومية التوسعة فيه في الجملة عندهم بخلاف البيع كما هو واضح كوضوح منع صدق العرفي عليها حقيقة حتّى في البيع و ان كان قد يطلق عليها من المتسامحين بالشّرع و شيوعه فيما بينهم حتّى انه ربما تبعهم غير المتسامح فيه ايضا و لعله هو الّذي أوقع الكركي (رحمه الله) و اتباعه في الحكم بذلك كما قيل أقول لا ريب في ان الخلاف في معاطاة البيع انما هو راجع الى الكيفية بمعنى ان المعاطاة فيه هل تفيد الإباحة أو الملك اللّازم كما هو مقتضى الخلاف الجاري بين المفيد (رحمه الله) و غيره أو الملك المتزلزل كما ذهب اليه المحقّق الثاني (قدس سرّه) و امّا الخلاف في أصل جريان المعاطاة في البيع فهو أمر غير واقع بل الكل متفقون على صحتها في البيع و لم يقل بأنّها بيع فاسد سوى العلامة (قدس سرّه) في محكي (النهاية) و قد رجع عنه في كتبه المتأخرة عنها فالجميع مطبقون على جريان المعاطاة في البيع و ان اختلفوا بعد ذلك في الكيفية و قد اعترف المعاصر المذكور بان الخلاف الّذي ذكره في كره إشارة إلى الخلاف الواقع بين المفيد (قدس سرّه) و غيره و على هذا يكون ما ذكره المحقق المذكور من ان حكم المعاطاة قد ثبت في البيع بالإجماع في محله فيصير معنى قول العلامة (قدس سرّه) في (التذكرة) ان الخلاف الواقع في كيفية المعاطاة من حيث إفادتها للملك أو الإباحة يجري في الرّهن و لا يكون جريانه الا بان يكون مقتضاه ان المعاطاة فيه هل تفيد الإباحة أو السّلطنة الحاصلة من صيغة الرّهن بحيث لا يقدر الرّاهن على رفعها كما هو مقتضى لزومه من جهته و (حينئذ) يتجه اعتراض المحقق المذكورة على العلامة (قدس سرّه) بان جريان الخلاف في الكيفية فرع جريان المعاطاة و لما كان جريان المعاطاة في البيع مسلما وقع الخلاف في كيفيته و امّا الرهن فلم يقم إجماع على جريان المعاطاة فيه حتى يجرى الخلاف في كيفيتها من حيث إفادتها للإباحة أو غيرها و يظهر سقوط ما ذكره المعاصر المذكور من انه لا وقع لدعوى المحقق المذكور الإجماع في البيع بعد حكاية الفاضل جريان الخلاف في البيع أيضا ضرورة ان مورد الإجماع الذي ادعاه المحقق المذكور غير مورد الخلاف الذي ادعاه العلامة هذا ان كان الضّمير المجرور في قوله لا وقع له عائدا إلى الإجماع و الضّمير المجرور بفي في قوله جريان الخلاف فيه أيضا عائدا إلى البيع و لو كان الضّمير الأوّل عائدا إلى الاشكال و الضمير الثاني عائدا إلى الرّهن فيصير المعنى انه لا وقع لإشكال المحقق الثاني (رحمه الله) بعد حكاية الفاضل (قدس سرّه) جريان الخلاف في الرّهن ايضا كان لازمه تسليم دلالة كلام العلّامة (رحمه الله) بعد ما بيّناه من معنى الخلاف و الوفاق على الإجماع على أصل جريان المعاطاة في الرّهن و كون ذلك مسلما حتّى وقع الخلاف في كيفيته من الإباحة أو اللّزوم فيكون مدلول كلام العلامة (رحمه الله) ما هو أقوى ممّا استظهره (المصنف) (رحمه الله) منه من عدم القول بالفصل و بما ذكرنا ظهر ما في توجيه (المصنف) (رحمه الله) لإشكال المحقق المذكور بقوله و لعل وجه الاشكال عدم تأتّي المعاطاة بالإجماع في الرّهن على النّحو الّذي أجروها في البيع (انتهى) و ذلك لما عرفت من ظهور عبارته (قدس سرّه) فيما ذكرناه بحيث يعلم بعد الالتفات إليه بأنه لا مساس لما ذكره (المصنف) (رحمه الله) بها فتدبر

قوله فتأمل

لعله إشارة إلى ضعف ما ذكره من عدم معروفية الجواز في الوقف من (الشارع) من جهة انّ الجزئيات لا تؤثر من (الشارع) فيكفي في جوازه هنا ما اعترف باشتهاره بل كونه متفقا عليه بينهم من توقف لزوم العقود على اللفظ فإذا الضمّ الى ذلك ما دلّ على صحّته الوقف بغير لفظ كالسيرة مثلا حصل من انضمامهما كون الوقف بغير لفظ صحيحا غير لازم الأمر السادس

204

[الأمر السادس في ملزمات المعاطاة على كلّ من القول بالملك و القول بالإباحة]

قوله في ملزمات المعاطاة على كلّ من القول بالملك و القول بالإباحة

لا إشكال في انّه قد يعرض المعاطاة اللّزوم في الجملة و قد صرّح كثير منهم بأن المعاطاة قد يعرضها اللّزوم حتّى على القول بإفادتها الإباحة بل ربما نفى الخلاف و الاشكال فيه مع تلف العوضين كما عن (ثق) و غيرها و عن شرح (القواعد) انه لا ريب و لا خلاف في أنّها تنتهي اليه و ان التلف الحقيقي أو الشّرعي بالنقل اللّازم للعوضين معا موجب له و احتمال العدم في الشرعي في حكم العدم

قوله اعلم ان الأصل على القول بالملك اللزوم

ذكر بعض من تأخر انه قد تعارف بينهم ان الأصل في كلّ عقد و ما هو بمنزلته اللّزوم و ان توضيح ذلك انه يتصّور الشّك الّذي هو مورد الأصل المذكور على صور ثلث الاولى ان يشك في ان العقد الفلاني أو ما هو بمنزلته كالمعاطاة مثلا هل هو موضوع على اللزوم أو الجواز الثّانية ان يشك في انّ لزومه و جوازه بعد ثبوت لزومه و يؤل إلى انّه باق على لزومه أو طرء عليه الجواز الثالثة ان يشك في لزومه و جوازه بعد ثبوت جوازه كالمعاطاة بعد تلف أحد العوضين أو التصرّف الناقل لا إشكال في ان مقتضى الأصل في الصّورة الاولى هو اللزوم و يدلّ عليه وجوه الأوّل الإجماع الثاني استصحاب بقاء الأثر الحاصل من العقد أو ما هو بمنزلته الثالث قاعدة السّلطنة الرابع قوله (عليه السلام) لا يحل مال امرء مسلم الا بطيب نفسه الخامس قوله (تعالى) وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ السّادس قوله (عليه السلام) البيعان بالخيار ما لم يفترقا فإذا افترقا وجب البيع السّابع قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ الثامن قوله المؤمنون عند شروطهم بناء على تعميمه بالنّسبة إلى نفس العقود ايضا التّاسع قوله (تعالى) أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ بناء على دلالته على اللزوم بتقريب ان اللّه (تعالى) أحله على الوجه الّذي كان مقررا من اتصافه باللزوم عند الناس و لا يخفى عليك ان جريان جميع الوجوه المذكورة مختصّ بما إذا كان متعلق المعاملة الّتي هي العقد أو ما هو بمنزلته من قبيل الأموال و الا جرى بعضها دون بعض فتدبر و اما الصّورة الثانية فحكمها حكم الصّورة السّابقة و يجرى فيها الوجوه المذكورة و اما الصّورة الثالثة فقد ذكر فيها ما افاده (المصنف) (قدس سرّه) في المتن من ان الأصل على القول بالملك هو اللزوم و على القول بالإباحة هو عدم اللّزوم

قوله لما عرفت من الوجوه الثمانية المتقدمة

أشار بها الى الوجوه الّتي ذكرها بعد تقويته القول بالملك للزوم من الاستصحاب و عموم قوله (عليه السلام) النّاس مسلطون على أموالهم و قوله (عليه السلام) لا يحل مال امرء مسلم الا بطيب نفسه و الاستثناء في قوله (تعالى) لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ و الجملة المستثنى منها في الآية المذكورة بتقريب أخر تقدم ذكره و قوله (عليه السلام) البيعان بالخيار ما لم يفترقا و قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و قوله (عليه السلام) المؤمنون عند شروطهم

قوله و هي حاكمة على أصالة بقاء الإباحة الثابتة قبل رجوع المالك لو سلم جريانها

وجه المنع من جريانها هو ان الإباحة بمعنى المصدر المبنى للمفعول الّذي هو صفة للمباح أثر أمر قائم بنفس المبيح و هو الإباحة بمعنى المصدر المبنى للفاعل فترتفع بارتفاع ذلك الأمر هذا و لكن لا يخفى ان ذلك انّما يتم بناء على كون الإباحة مالكيّة و امّا ان قلنا بان محلّ النّزاع هو ما لو قصد المتعاطيان الملك لكن (الشارع) انما رتب الإباحة (فحينئذ) إذا شك في ارتفاع تلك الإباحة برجوع المالك استصحب بقاؤها و يكون الشك من جهة الرافع الّذي هو رجوع المالك بمعنى الشّك في رافعية الشيء الموجود و هو (رحمه الله) يقول بجريان الاستصحاب عند الشّك في الرابع بأقسامه و ان أنكره عند الشّك في المقتضى و يمكن ان (يقال) ان التقييد بقوله لو سلم إشارة إلى تقييد جريان استصحاب بقاء الإباحة بالقول يكون من الإباحة من جانب (الشارع) دون المالك لعدم جريانه بناء على تقدير كونها من جانب المالك فتدبر

قوله و توهم جريان قاعدة الضمان باليد هنا مندفع بما سيجيء

من قوله و التمسّك بعموم على اليد هنا في غير محلّه بعد القطع بان هذه اليد قبل تلف العين لم تكن يد ضمان بل و لا بعده إذا بنى مالك العين الموجودة على إمضاء المعاطاة و لم يرد الرجوع انما الكلام في الضمان إذا أراد الرّجوع و ليس هذا من مقتضى اليد قطعا هذا و قد أورد عليه بان منع جريان قاعدة اليد هنا مناف لما تقدم منه من التمسّك بها و ستعرف توضيحه في ذيل قوله و التمسّك بعموم على اليد هنا في غير محلّه

قوله و امّا على القول بالملك فلما عرفت من أصالة اللزوم

كان الاولى ان يتمسّك هنا بالأولوية لكون اللزوم على تقدير صيرورة كل من العوضين ملك قابضه اولى منه على تقدير بقائه على ملك دافعه و صيرورته مباحا لقابضه و ذلك لان مقتضى دليل اللّزوم على القول بالإباحة هو فوات كلّ من المالين من كيس دافعه من دون ضمان على قابضه و مقتضى هذا فوات محلّ الرّجوع و عدم بقاء مجال له و هو معنى اللّزوم و لا ريب ان فوات محل الرّجوع من الدّافع على تقدير انتقال كل من العوضين إلى قابضه و كون فوات كلّ منهما و تلفه من كيس القابض لمولى بتفويت محلّ الرّجوع من كل منهما على الأخر و قد تلف العوضان جميعا و تلف كل منهما من كيس قابضه الّذي هو المالك فلا يبقى محل للرّجوع من أحدهما على الأخر فتدبر و احتج في لك للزوم بتلف العينين بوجه أخر حيث قال و يجوز له الرّجوع في المعاوضة ما دامت العين باقية فإذا ذهبت لزمت امّا جواز التصرّف فلما مرّ من تسليط كل منهما الأخر على ما دفعه اليه و اذن له فيه و لا معنى لإباحة التصرّف الا ذلك و امّا لزومها مع التّلف فلرضاهما بكون ما أخذه كلّ منهما عوضا عمّا دفعه فإذا تلف ما دفعه كان مضمونا عليه الا انه قد رضى بكون عوضه هو ما بيده فان كان ناقصا فقد رضى به و ان كان زائدا فقد رضى به الدّافع فيكون بمنزلة ما لو دفع المديون عوضا عما في ذمته و رضى به صاحب الدّين ثم قال و فيه نظر أقول وجه النّظر انّه لم يحدث لمالكى العينين بعد تلف كلّ منهما عند قابضها رضى جديد بل كثيرا ما لا يطلع كلّ منهما على تلف ما دفعه الى صاحبه من العوض عنده و لا يلتفت و لا يخطر بباله فليس هنا سوى الرّضا الحاصل في حال دفع كلّ منهما ماله إلى الأخر و ذلك الرّضا لو كان موجبا للزوم لترتب على المعاطاة من أوّل الأمر و لم يتوقف على تلف العينين و ذكر بعض المعاصرين في وجه النّظر ما لفظه و لعله مع كونه انما يتم على الإباحة و مع منافاته للجزم بعد ذلك بتحقق الملك فيهما لمنع كون الرّضا موجبا لذلك نعم قد يكون موجبا لعدم الضّمان و لو للشّك في شمول دليله لذلك كما مر فلاحظ و تدبّر انتهى و لا يخفى على من له خبرة بنقد المطالب ان الوجه ما ذكرناه

قوله و المتيقن من مخالفتها جواز ترادّ العينين و حيث

205

ارتفع مورد التراد امتنع و لم يثبت قبل التلف جواز المعاملة على نحو جواز البيع الخياري حتّى يستصحب بعد التلف لان ذلك الجواز من عوارض العقد لا العوضين فلا مانع من بقائه بل لا دليل على ارتفاعه بعد تلفهما بخلاف ما نحن فيه فان الجواز فيه هنا بمعنى جواز الرّجوع في العين نظير جواز الرجوع في العين الموهوبة فلا يبقى بعد التلف متعلّق الجواز بل الجواز هنا متعلق بموضوع التراد لا مطلق الرّجوع الثابت في الهبة

اعترضه بعض من تأخر بأن منع جريان الاستصحاب هنا استنادا الى ان موضوع جواز الرّجوع انما هو التراد المتوقف على بقاء العينين لا وجه له من جهة عدم صحّة المستند إذ لا دليل على ان موضوع جواز الرّجوع انّما هو التراد بل (الظاهر) ان موضوعه نفس المعاملة الّتي هي المعاطاة كما في العقد الخياري فإن جواز الفسخ هناك من أحكام نفس العقد و لذا يجوز الفسخ في مواضع لا يبقى فيها العين فيرجع بعد الفسخ الى بدلها فكذا الحال هنا كما حكى عن بعض المتأخرين الميل اليه هنا و لا أقل من الاحتمال فلا يتعين كون موضوع جواز الرّجوع هو التراد حتى يترتب عليه المنع من جريان الاستصحاب من جهة انتفاء موضوعه ثمّ ان ذلك البعض قال نعم يصحّ منع جريان الاستصحاب استنادا الى ما يذكره (المصنف) (رحمه الله) من ان الشّك في ان متعلق الجواز هل هو أصل المعاملة أو الرجوع في العين أو تراد العينين يمنع من استصحابه لعدم إحراز الموضوع لكنه أورد على ذلك أيضا بأنّه انما يتم منع الاستصحاب من جهة الاحتمال و الشك المذكور لو بنينا في الاستصحاب على المداقة و عدم جريانه الا عند الشك في المانع و اما لو بنينا فيه على المسامحة و الرّجوع في موضوعه الى العرف كما هو (المشهور) فلا مانع من جريانه هنا كما أجروه فيما شك من أنواع الخيار في كونه فوريا يرتفع بانقضاء أول زمان يمكن فيه الفسخ أو كونه باقيا بعد ذلك ايضا هذا و لا يخفى عليك سقوطه امّا ما ذكره من الاعتراض على مستند منع الاستصحاب من منع كون موضوع جواز الرّجوع هو التراد و مطالبة الدّليل على ذلك فلان (المصنف) (قدس سرّه) لم يدّع ذلك على وجه الحكم و الجزم حتى يطالب بالدّليل و انما جعله القدر المتيقن من حيث انّه ثبت شرعا جواز الرّجوع في العين لكن لم يعلم ان ذلك الجواز مقيد ببقاء العينين و انه المناط و انه غير مقيد بذلك و ان المناط انّما هو نفس المعاملة التي هي المعاطاة حتى يجوز الفسخ و الرّجوع حتى بعد زوال العينين غاية ما في الباب انه عند تلفهما يؤخذ بدلهما و معلوم ان القدر المتيقّن (حينئذ) انّما هو ثبوت جواز الرّجوع عند بقاء العينين و انه لا مجال لجريان الاستصحاب بناء على القدر المتيقّن المذكور لانتفاء الموضوع و منشأ الشّكّ في كون موضوع جواز الرّجوع هو التراد أو نفس المعاطاة هو تقييد الجماعة جواز الرّجوع بقولهم ما دامت العين باقية (الظاهر) في ان متعلّق جواز الرّجوع هو بقاء العينين المحصل للتراد و امّا ما ذكره من الاعتراض على كون الشّك في الموضوع موجبا لعدم جريان الاستصحاب من ان ذلك انما يتم لو بنينا على المداقة و عدم جريان الاستصحاب الا عند الشّك في المانع و لا يتم على المذهب (الشارع) فلان مذهب (المصنف) (رحمه الله) انما هو الأوّل و قد جرى على مقتضاه و ليس من الجائز مؤاخذة صاحب مذهب بمخالفة مسلكه لمذهب غيره و هو واضح هذا ثم انى وجدت في كلام بعض المعاصرين انه قال بعد نقل كلام (المصنف) (قدس سرّه) ان المانع مستظهر بالنّسبة إلى كون متعلق الجواز هو خصوص التراد إذ لا شاهد عليه مع مباينته لنفس المعاملة و ان لزم من جوازها جوازه مع ان ظاهر عبارة الكركي (رحمه الله) و نحوها الّتي هي الأصل في القول المزبور كون الجواز لنفس المعاملة و انها تلزم بالتلف و (حينئذ) فالمتجه بقاؤه بعد التلف على نحو الخيارات كما مال اليه بعض من تأخر انتهى و قد علم ممّا قدّمناه سقوط ما ذكره أولا من مطالبة الشاهد على كون متعلّق الجواز هو خصوص التراد و امّا ما ذكره من ظهور عبارة الكركي (رحمه الله) في كون الجواز ثابتا لنفس المعاملة فيتجه عليه ان عبارته لا اشعار فيها بما ادّعاه من ثبوت الجواز لنفس المعاملة ان لم يكن ظاهرا فيما ذكره (المصنف) (قدس سرّه) قال في مع صد في ذيل كلامه على المعاطاة ما نصّه فيجوز التراد ما دام ممكنا فمع تلف احدى العينين يمتنع التراد و يتحقق اللزوم لأن إحديهما في مقابل الأخرى و يكفى تلف بعض احدى العينين لامتناع التراد في الباقي إذ هو موجب لتبعض الصّفقة و للضرر و لان (المطلق) هو كون إحديهما في مقابل الأخرى انتهى

قوله فان المتيقن تعلقه بالتراد

و إذا كان المتيقن ذلك من بين أطراف الشك و حصل الشّك في تعلق الجواز بغير ما يمكن فيه التراد لم يصح استصحابها مع عدم تحقق الموضوع امّا المتيقّن منها فلعدم احتياجها الى الاستصحاب و امّا غيره فلعدم تحقق الموضوع المتيقّن سابقا ثم ان البحث عن افادة تلف العينين أو إحداهما أو غير ذلك ممّا ستعرفه اللّزوم يجرى على القول بالملك المتزلزل كما يجرى على القول بالإباحة فهي ممّا اختلف فيه أرباب كل من القولين و لكن قد وقع الخلاف على القول بالإباحة في كونها متصفة بمجرّد افادة اللّزوم و في كونه مفيدا للملك فقد (يقال) بان التّلف و أمثاله غير مملكة على ذلك القول و انما هي ملزمة بمعنى تعذر الرّد عقلا أو شرعا أو انها ملزمة تعبّد أو ان كان كل من العينين باقيا على ملك مالكه فتكون من الإباحة اللّازمة كما استظهر (المصنف) (رحمه الله) في ذيل التّنبيه السّابع من حواشي الشّهيد (قدس سرّه) و لكن في (المسالك) و (الروضة) و غيرهما أنّها مفيدة للملك لانه قال في لك انه على تقدير لزومها يعنى المعاطاة بأحد الوجوه المذكورة فهل يصير بيعا أو معاوضة برأسها (انتهى) فكونها مفيدة للملك مسلم و انما وقع التردد في صيرورتها بيعا أو معاوضة مستقلة و مثله في (الروضة) الا انه جعل محلّ الكلام ذهاب العين فافهم

قوله و منه يعلم حكم ما لو تلف احدى العينين أو بعضها على القول بالملك

و ذلك لما عرفت من ارتفاع موضوع التراد الّذي لا يمكن تحقّقه الا ببقاء العينين جميعا اعلم ان (المصنف) (رحمه الله) لما بين حكم تلف العينين أشار الى حكم تلف احدى العينين أو بعضها

فهنا مسئلتان

الاولى حكم تلف احدى العينين

و الأظهر بين عامّة المتأخرين كما عن تعليق الإرشاد الاكتفاء به في تحقق ملك الأخر على العين الباقية بل لا يعرف خلاف في ذلك كما اعترف به بعضهم بل عن ظاهر الكفاية نسبته إلى الأصحاب قال في لك بعد ذكر حكم تلف العينين معا و لو تلفت إحداهما خاصة فقد صرّح

206

جماعة بالاكتفاء به في تحقق ملك الأخرى نظرا الى ما قدّمناه من جعل الباقي عوضا عن التالف لتراضيهما على ذلك و يحتمل هنا العدم التفاتا إلى أصالة بقاء الملك لمالكه و عموم الناس مسلّطون على أموالهم و الأوّل أقوى فإن من بيده المال مستحق قد ظفر بمثل حقه باذن مستحقه فيملكه و ان كان مغاير إله في الجنس و الوصف لتراضيهما على ذلك انتهى و فيه ان مجرّد الظّفر بمثل الحق بالمعنى الذي فهم من كلامه و هو كونه مساويا لماله في المقدار و ان كان مغايرا في الجنس و الوصف لا يوجب صيرورة ذلك المماثل ملكا له بل ذلك هو الحال في المتفق في الجنس و الوصف أيضا إذ الغالب ان صاحب المال لا يطلع على تلف ماله بل لا يلتفت الى ذلك حتى يأخذ ما في يده من باب المقاصة بل المفروض انّما هو صورة عدم قصد المقاصة و كون نفس تلف احدى العينين مملكا و انّما ما ذكره في ذيل الكلام من التّعليل بتراضيهما على ذلك فهو ايضا غير واف بإثبات المطلوب ضرورة انّه لا يصحّ ان يراد به التّراضي المتعقب للتلف فلا بد و ان يراد به التراضي في أصل المعاملة و المبادلة و هو لو كان صالحا للتمليك كان اللازم حصوله به من أوّل الأمر من دون حاجة الى التلف لكن هذا انما يرد لو أريد بتراضيهما على ذلك تراضيهما بالعوض و لو أريد تراضيهما على صيرورة الباقي من ماليهما عوضا عن التالف منهما لو تلف حتى يصير مقصود المتعاطيين عند القائل بإفادة المعاطاة للإباحة قصدهما إلى إباحة تصرّف كل منهما فيما قبضه من مال الأخر ما دامت العينان باقيتين و كون الباقية عوضا عن التالفة لو تلفت إحديهما و كون كلّ منهما عوضا عن الأخرى لو تلفتا جميعا ارتفع الإشكال الا انّ الكلام (حينئذ) يبقى في كون مقصود القائل بالإباحة ذلك و (ظاهر) كلامه (رحمه الله) توجيه التّمليك بتلف احدى العينين على مذهب القائلين بإفادة المعاطاة للإباحة ثمّ على تقدير كون مذهبهم ذلك يصير هذا مبعد إله ضرورة عدم قصد المتعاطيين الى المراتب المذكورة لكن يندفع ذلك بالتزام ان المالك أباح جميع التصرّفات حتى الموجبة لتلف العين كما هو مقتضى كلمات أكثر القائلين بالإباحة هذا و جعل المحقّق الثاني (قدس سرّه) فيما عرفت من عبارة مع صد مبنىّ اللّزوم هو كون جواز الرّجوع منوطا بإمكان التراد و انه مع تلف احدى العينين يمتنع التراد و لم ينبه على مستند إناطته بذلك و لعله استفاده من تعبيرهم بأنه يجوز الرّجوع ما دامت العين باقية كما أشرنا إليه سابقا

المسئلة الثانية في بيان حكم تلف بعض احدى العينين

و قد عرفت من عبارة مع صد المتقدّمة ذكرها ان ذلك يكفي في اللّزوم و حكى مثله عن صيغ العقود و تعليق الإرشاد و في (الروضة) في شرح قول الشّهيد (قدس سرّه) و يجوز الرّجوع فيها مع بقاء العين ما نصه و يفهم من جواز الرّجوع مع بقاء العين عدمه مع ذهابها و هو (كذلك) و يصدق بتلف العينين و إحديهما و بعض كل واحدة منهما إلى أخر ما قال و قطع بذلك بعض الأساطين (رحمه الله) في شرح (القواعد) و جعل المحقق الثاني (قدس سرّه) مستند اللزوم في هذه المسئلة هو كون جواز الرّجوع منوطا بإمكان التراد كما في المسئلة الاولى و لما كان امتناع التراد مع تلف تمام احدى العينين كما هو موضوع المسئلة السابقة أمرا واضحا لم يحتج الى الاستدلال عليه بخلاف ما لو تلف بعض احدى العينين كما هو موضوع هذه المسئلة لإمكان التراد بان يرد من تلف بعض ما عنده البعض الباقي و يسترد من عنده العين الباقية و لذا تعرض لتوجيه امتناع التراد في العبارة المتقدم ذكرها بتعليله بقوله إذ هو موجب لتبعض الصّفقة و للضّرر و جعل في شرح عد الجواز مشروطا بإمكان الرّد و بالخلو عن الضّرر المنفي و استند في ذلك الى السّيرة القطعيّة قال (رحمه الله) انا نعلم من تتبع كلمات القوم و النظر إلى السّيرة القاطعة ان الجواز مشروط بإمكان الرّد و بالخلوّ عن الضّرر المنفي بحديث الضّرار فلو تلف كل أو بعض منه أو من فوائده بتصرف العين أو منفعة أو ركوب أو سكنى أو حرث أو دخول في عمل و نحوها أو بيع أو إجارة أو زراعة أو مساقاة و نحوها على وجه لا يمكن فسخها شرعا أو بإتلاف أو تلف سماوي تعذر الرّد و لم يتحقق مصداقه و لو صدق في البعض امتنع ايضا و مع حصول الضّرر بالتّبعيض و تغيير الصّورة بطحن أو تفصيل أو خياطة أو صبغ و نحوها أو دخل تحت الرّد جاء به ثبوت الضّرر غالبا بتبديل الأوصاف و اختلاف الرّغبات نعم لو بقي الشيء على حاله أو زاده حسنا بصيقل أو إخراج غبار أو ازالة وسخ و نحوها لم يكن فيه ذلك انتهى و أنت خبير بان كون الجواز مشروطا بإمكان الردّ مما لا سبيل الى استفادته من السّيرة و إثباته بها و امّا الضّرر فقد ناقش فيه الشّهيد الثاني (رحمه الله) بعد نقل الاستدلال به عن بعضهم و تعليله بان المطلوب هو كون إحديهما في مقابل الأخرى فقال و فيه نظر فان تبعض الصّفقة لا يوجب بطلان أصل المعاوضة بل غايته جواز فسخ الأخر فيرجع الى المثل أو القيمة كما في نظائره و امّا الضّرر الحاصل من التّبعيض المنافي لمقصودهما من جعل إحديهما في مقابلة الأخرى فمستند الى تقصيرهما في التحفظ بإيجاب البيع كما لو تبايعا بيعا فاسدا و يحتمل (حينئذ) ان يلزم من العين الأخرى في مقابلة التّالف و يبقى الباقي على أصل الإباحة بدلالة ما قدّمناه انتهى و في كلام بعض المعاصرين معترضا على ما عرفته من شرح (القواعد) تبعا لصاحب (الجواهر) (رحمه الله) ان حديث الضّرار لو قضى بذلك لقضى به في الخيار لعدم الفرق بينهما كما قيل و دعوى الإجماع على الفرق بينهما بناء على الملك ممّا لا ينبغي الالتفات إليها انتهى و هو إجمال ما في لك هذا و قد يلاحظ الحال بالنّسبة إلى القولين في المعاطاة من إفادتها للملك أو الإباحة (فيقال) بان المتّجه على القول بها انّما هو ان يلزم من العين الأخرى في مقابلة التّالف و يبقى الباقي على أصل الإباحة و امّا على القول بإفادتها للملك فوجهان كما يظهر مما مر في تلف أحدهما لصدق الفرق بينهما من جهة امتناع التراد هناك وجدانا بخلافه هنا و (حينئذ) فليس لمن عنده الجميع رده و أخذ الباقي من الأخر و عوض التالف منه و ان كان له رده و أخذ الباقي منه خاصّة على الأظهر و امّا من عنده الباقي منه فله رده و أخذ ما قابله خاصة من الأخر و ان كان الأحوط عدم رده (مطلقا) و إذ قد عرفت ذلك كله نقول ان (المصنف) (رحمه الله) ايضا لاحظ الأصل في المسئلتين بالنّسبة إلى القولين في المعاطاة لكن على وجه أخر و هو انه على القول بإفادة المعاطاة للملك فالأصل هو اللزوم و القدر المتيقن من جوازها انّما هو ما لو أمكن تراد العينين على وجه الكمال فيرجع في المشكوك حاله الى أصالة اللّزوم و ترادهما في مفروض المسئلتين غير ممكن اما في الأولى فلانتفاء احدى العينين رأسا و امّا في الثانية فلانتفاء بعضها المانع من الردّ على وجه الكمال و اما

على القول بالإباحة فقد حكى (رحمه الله) أولا عن بعض مشايخه أصالة عدم اللّزوم لأصالة بقاء

207

سلطنة المالك للعين الموجودة و ملكه لها ثمّ اعترض (رحمه الله) عليه بان أصالة بقاء سلطنة المالك معارضة بأصالة برأيه ذمّته عن مثل التالف أو قيمته إذ لو رجع الى ماله لزمه أداء مثل ما أتلفه أو قيمته و لا يجوز له أخذ ماله الباقي مجانا لانه جمع بين العوضين و موجب للضّرر على صاحبه و أكل للمال بالباطل عرفا لان هذه الإباحة معاوضة لا مجانية فلا سبيل له الى الرّجوع فيه و ان كان ماله الا انه مسلوب المنفعة بالنّسبة اليه على نحو العارية اللازمة و شبهها بل ربما قيل بان الرّجوع به مناف لمقتضى المعاوضة فإن مقتضاها ضمانه عليه بالعوض المسمّى ثمّ استشعر اعتراضا بأن أصالة البراءة ترتفع بعموم قوله (عليه السلام) على اليد ما أخذت حتّى تؤدى و هو دليل اجتهادي فيقيد ان من تلف بيده العين التالفة يلزمه أداؤها بمعنى أداء عوضها و الخروج عن عهدتها بالمثل أو القيمة فأجاب بأن اليد تلحظ بالنظر الى أربعة أحوال ما قبل تلف العين و ما بعده إذا كان مالك العين الموجودة بانيا على إمضاء المعاطاة و ما بعده إذا كان غير بان على الرّجوع و لو من جهة عدم الالتفات و ما بعده إذا أراد الرّجوع و اليد في الأحوال الثلاثة الأوّل ليست يد ضمان بلا تأمّل و لا إشكال إنما الإشكال في كونها يد ضمان في الرابع و ليس الضمان في هذا الحال من مقتضى اليد و انّما هو من مقتضى ارادة الرّجوع و الا لثبت بدون ارادة الرّجوع لعدم تخلف المعلول عن العلة فافهم ثم انه (رحمه الله) عدل عما أورده على بعض مشايخه الى ما يوافقه فقال انه يمكن ان (يقال) ان أصالة بقاء السّلطنة حاكمة على أصالة عدم الضّمان بالمثل أو القيمة فيكون صاحب العين الموجودة على القول بالإباحة كما هو المفروض مسلّطا على أخذها فيدفع مثل التّالف أو قيمته ثم انه زاد على ذلك فأفاد ان أصالة عدم الضمان منقطعة بالعلم بضمان التالف ببدله في الجملة و الشك انّما هو في تعيين البدل و انّه هنا عبارة عن المسمّى أو عن المثل أو القيمة و لا مجرى للأصل في تعيين الحادث فلا أصل في المقام فتبقى أصالة بقاء السّلطنة سليمة عن المعارض ثمّ انه زاد على ذلك فأفاد انّه لا حاجة الى إحراز بقاء السّلطنة بالأصل بمعنى استصحابها لقيام الدّليل الاجتهادي على ذلك و هو عموم قوله الناس مسلّطون على أموالهم فإنه بنفسه ناهض بإثبات السّلطنة على المال الموجود بأخذه و على المال التّالف بأخذ بدله الحقيقي و هو المثل أو القيمة فيثبت به جواز الرّجوع من الطّرفين هذا و قد أورد على (المصنف) بوجوه أحدها ما أورده بعض من تأخر و هو انهم قد ذكروا انه لو فسخ من له الخيار بخياره و العين باقية في يد أخذها صارت مضمونة حتّى ان ظاهر كلماتهم انه لو أحرقتها صاعقة بعد الفسخ بلا فصل كان ضمانها على من في يده و (حينئذ) نقول ان الدّليل على ذلك هو قاعدة اليد المستفادة من قوله (عليه السلام) على اليد ما أخذت حتّى تؤديه و الحال انه قبل ذلك لم يكن يده على العين يد ضمان اعنى الضّمان الحقيقي الّذي هو الضّمان بالمثل أو القيمة و ان كان ضمان المعاوضة موجودا فعلم انه لا منافاة بين انتفاء الضّمان سابقا و ثبوته لاحقا و انّه يجرى عموم على اليد بالنّسبة إلى الحال الّذي وجد فيه مورده و مصداقه و ان لم يكن موجودا سابقا فنقول بمثل ذلك فيما نحن فيه ايضا و ان جريان عموم على اليد يختلف بحسب الأحوال فحيث وجد له مورد توجه شموله له و ان لم يكن قبل ذلك موجودا فيتجه على (المصنف) (رحمه الله) المؤاخذة من حيث دعوى القطع بأنّ الضّمان بعد الرّجوع هنا ليس من مقتضى اليد فافهم و ثانيها ما أورده بعض من تأخر أيضا من انه مناف لما ذكره في الردّ على شرح (القواعد) حيث جمع بين عموم على اليد و الإجماع على كون التّلف مملكا و الاستصحاب قال (رحمه الله) هناك و اما كون التّلف مملكا للجانبين فان ثبت بإجماع أو سيرة كما هو (الظاهر) كان كلّ من المالين مضمونا بعوضه فيكون تلفه في يد كلّ منهما من ماله مضمونا بعوضه نظير تلف المبيع قبل قبضه في يد البائع لأن هذا هو مقتضى الجمع بين هذا الإجماع و بين عموم على اليد و بين أصالة عدم الملك إلا في الزّمان المتيقّن بوقوعه فيه توضيحه ان الإجماع لما دل على عدم ضمانه بمثله أو قيمته حكم بكون التلف من مال ذي اليد رعاية لعموم على اليد فذلك الإجماع مع العموم

المذكور بمنزلة الرّواية الواردة في ان تلف المبيع قبل قبضه من مال بائعه فإذا قدر التلف من مال ذي اليد فلا بد من ان يقدر في أخر أزمنة إمكان تقديره رعاية لأصالة عدم حدوث الملكيّة قبله كما يقدر ملكيّة المبيع للبائع و فسخ البيع من حين التّلف استصحابا لأثر العقد انتهى ثالثها ما أورده بعض المعاصرين على قوله و ليس هذا من مقتضى اليد قطعا فقال انه لا سند للقطع المزبور إذ من المتحمّل كونها يد ضمان ابتداء يعني أول حال تلف احدى العينين قبل ارادة مالكها الرجوع و ان المالك مخيرا بين الرّضا بما عنده عوضا عن المثل أو القيمة و بين ردّه و المطالبة بأحدهما و إنكار ذلك مكابرة انتهى ثمّ انّه ينبغي تحقيق المقام في انّ اليد على العوضين في المعاطاة قبل الرّجوع من أحدهما أو كلاهما هل هي يد ضمان أم لا و كذا بعد الرّجوع فنقول امّا قبل الرّجوع فليست اليد يد ضمان لانحصار أسباب الضمان و ليس هنا شيء منها سوى اليد و اليد الموجودة هنا ليست هي اليد في قوله (عليه السلام) على اليد ما أخذت حتّى تؤدّى لأن معناه حتّى تؤدّى ما أخذته و أداؤه عبارة عن أداء العين عند إمكان أدائها و أداء المثل أو القيمة عند تعذّرها لكونهما أقرب شيء إلى العين عند تعذّرها بحيث يمكن ان يدعى ان رد كل منهما ردّ العين و امّا بعد الرّجوع فاليد يد ضمان فإذا رجع أحدهما و عين ماله باقية عند صاحبه كان يد صاحبه عليها يد ضمان لأنّها تبقى (حينئذ) عند من في يده أمانة شرعيّة و الأمانة الشرعيّة و ان كان الحقّ فيها انّه لا يجب على من في يده إلا الإعلام بها و انّه لو توقف نقلها الى المالك على مؤنة كانت على مالكها دون من هي في يده لعدم وجوب النقل عليه حتى يجب دفع المؤنة عليه من باب المقدّمة الا أن الأصل في الأمانات الشرعيّة هو الضّمان الا ما خرج بالدّليل من إجماع أو غيره هذا و بقي في المقام صورة لم ينبّه عليها (المصنف) (رحمه الله) و هي ما لو تلف البعض من كلّ من العينين فنقول انّه لا يرجع أحدهما على الأخر بعوض التالف للأصل و غيره و هل له ردّ الباقي و أخذ ما قابله يبنى على القولين من الإباحة و الملك

208

فعلى الإباحة له ردّ الباقي و أخذ ما قابله لانه ماله و النّاس مسلّطون على أموالهم و على الملك ليس له ذلك لما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من ان الأصل هو اللّزوم و المتيقن خروجه عن تحته انّما هو صورة إمكان رد العينين على وجه الكمال

تنبيهان

الأوّل

ان مقتضى ما عرفت من كون تلف احدى العينين ملزما هو ان لا يكون لصاحب العين الموجودة أيضا الرّجوع إليها و هو ظاهر و حكم صاحب المستند (رحمه الله) بان لصاحب العين الموجودة الرّجوع إليها و فصل في شأن صاحب العين التالفة بعد ذلك قار (رحمه الله) و لو تلفت إحديهما خاصة فلا يجوز الرّجوع لصاحب التالفة و هل له ردّ الموجودة بلا مطالبة شيء لو أراده لمصلحة و امتنع صاحبها (الظاهر) نعم لأصالة عدم اللّزوم و لصاحب الموجودة الرّجوع إليها لذلك ايضا على الأقوى ثمّ الأخر يرجع الى قيمة التالفة أو مثلها كذا قالوا و هو بإطلاقه مشكل بل الموافق للقواعد ان (يقال) لو كان التلف لا من جهة صاحب الموجودة فلا يرجع إليه بشيء لأصل البراءة و عدم دليل على الاشتغال و ان كان منه فان قصد الرّجوع قبل الإتلاف فعليه المثل أو القيمة إذ كونه مأذونا في الإتلاف انما كان مع عدم قصده الرّجوع فمعه يكون غاصبا فيعمل فيه بقاعدة الغصب و ان لم يقصده قبله فمقتضى الأصول و ان كانت براءة ذمته عن المثل أو القيمة لعدم كونه غاصبا و جواز رجوعه الى عينه للأصل الا ان الإجماع و نفى الضّرر يمنعان عن الأمرين معا فلا بد من أحدهما و لكن تعيين أحدهما مشكل و تعيين الاشتغال (مطلقا) أو على كون المعاطاة إباحة محضة لقاعدة الغصب كعدم الرّجوع على كونها تمليكا لئلا يلزم الجمع بين المالين باطل لمنع صدق الغصب و تسليم جواز الجمع بين المالين إذا اشتغلت ذمته بمثل أحدهما أو قيمته الا ان يعيّن الاشتغال بإثبات جواز الرّجوع بمثل النّاس مسلّطون و على اليد انتهى و يرد عليه أولا ان ما ذكره ممّا لم يقل به أحد و ثانيا ان إطلاق جواز الرّجوع المساوي؟؟؟

على القول بالملك ايضا مما لا وجه له لوقوع التلف (حينئذ) في ملكه فلا يبقى وجه لرجوعه الى صاحبه

الثاني انه لو تلف احدى العوضين أو كلاهما بعد الفسخ و قبل الرّد الى مالكه

فلا (يخلو) اما ان يكون التلف من جانب اللّه أو من قبل من كان عنده أو من قبل الغاصب الأجنبي فعلى الأولين يرجع على من كان عنده بالمثل أو القيمة لصيرورته بالفسخ أمانة شرعيّة و الأصل في الأمانات الشّرعيّة هو الضمان سواء قلنا بأن المعاطاة مفيدة للملك أم قلنا بأنها مفيدة للإباحة و على الأخير فيه وجوه أحدها التخيير بين الرّجوع الى الغاصب و بين الرّجوع الى المغصوب منه و ثانيها الرّجوع الى المغصوب منه لانه قبض عوض التالف فعليه ان يخرج عن عهدته لذلك و ثالثها تعيّن الرّجوع الى الغاصب دون غيره لأنه الذي أتلف المال فيلزمه الخروج عن عهدته لذلك و قد كان يلزمه الخروج عن العهدة لو لم يرجع المالك الأول فيكون بعد الرّجوع (كذلك) و قوى الأخير بعض من تأخر هذا ان أتلف الغاصب المال و اما ان كان موجودا عنده رجع المالك الأول الى من غصب منه لانه يجب عليه رفع الحيلولة بينه و بين ملكه و يحتمل الرّجوع الى الغاصب لانه بمجرّد الفسخ رجع المال الى ملك المالك الأوّل فيرجع الى من وجده عنده و هو الغاصب

قوله و لو كان أحد العوضين دينا في ذمّة أحد المتعاطيين فعلى القول بالملك يملكه من في ذمته فيسقط عنه و (الظاهر) انه في حكم التلف لان الساقط لا يعود و يحتمل العود و هو ضعيف و (الظاهر) ان الحكم (كذلك) على القول بالإباحة

لأن إباحة ما في الذمة إسقاط له سواء كان بعوض كما فيما نحن فيه أم لا و ليعلم ان غرض (المصنف) (رحمه الله) انما هو بيان حال نفس الدين الذي هو في الذمة و امّا انه هل يجوز الرّجوع الى عوضه الموجود الّذي هو بيد الأخر فهو مندرج تحت مسئلة جواز الرّجوع مع تلف أحد العوضين لكنه لما كان لا يجوز الرّجوع الى أحد العوضين من دون رجوع إلى الأخر أو مثله أو قيمته لاستلزامه الجمع بين العوض و المعوض عنه صار هذا الفرض بخصوصه مستثنى عن المسئلة المذكورة لاشتماله على خصوصية مفقودة في سائر فروض المسئلة و جزئياتها ثمّ انه أورد عليه بعض من تأخر بالمنع من السّقوط و صيرورته في حكم التلف و استشهد على ذلك بأنّه لو باع الدّين على من في ذمته و اشترط لنفسه الخيار ثم فسخ بخياره الّذي اشترطه لم يكن لأحد ان يدعى ان فسخه بخياره غير مؤثر و مثله خيار المجلس الثابت في البيع و كذا خيار الحيوان و غيره و (حينئذ) نقول انه لو كان قد سقط الدّين ببيعه على من في ذمّته فكيف يعود إلى ذمة من كان عليه لمستحقه فتأثير الفسخ بالخيار دليل على عدم سقوطه ثمّ انا نقول انه لو كان بيع الدّين على من في ذمته سببا للسّقوط لم يتخلف المسبّب عنه في الخيارات فتخلفه عنه دليل على عدم كونه سببا للسّقوط فلا نحكم به هنا ايضا بل نحكم بعدمه و يؤيده انا لم نجد من حكم بما حكم (رحمه الله) به من السّقوط فيما نحن فيه و وجّه بعض المعاصرين السقوط بوجه أخر و لكنّه عقبه بالمنع منه و بنى على نحو كونه ثمنا في العقد مع ثبوت الخيار قال و لو كان أحد العوضين دينا في ذمة أحدهما (فالظاهر) ان مرجعه الى الوفاء و لو بغير الجنس فلا سبيل له الى الرّجوع به و لو قصد كونه ثمنا عنه فإنه غير قادح في صدق الوفاء على (الظاهر) و في (الدروس) و يشبهها اقتضاء المدين العوض عن النقد أو عن عوض أخر فإن ساعره فذلك و إلا فله سعر يوم القبض و لا يحتاج الى عقد و ليس لهما الرّجوع بعد التراضي و ربما يجعل من المعاطاة و انه على القول بالملك يملكه من في ذمته فيسقط عنه أو انه يسقط عنه بدون ملك و يكون بحكم التلف لان الساقط لا يعود مع احتمال العود ضعيفا و كذا على القول بالإباحة الّا ان المانع لذلك (حينئذ) مستظهر بل قد يكون على نحو كونه ثمنا في العقد مع ثبوت الخيار فيه و انّه انّما يسقط عنه مع إتلاف العوض على القول بالإباحة (فتأمل) جيد انتهى كلامه و لكنك خبير بأن الحقّ ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) بعد ما افاده سابقا من كون متعلق جواز الرّجوع هو إمكان تراد العينين بخلاف جواز الفسخ بالخيار فان متعلقة نفس العقد و (حينئذ) فالفرق بين المقامين بين و لا يتجه النقض بالعقد المشتمل على الخيار فان العود الى الدين الذي هو في ذمة المشترى من باب الرّجوع الى المثل بعد الفسخ و وجدان العين تالفة لا من جهة بقاء الدّين و عدم سقوطه فتدبر

قوله (رحمه الله) و لو نقل العينين أو إحديهما بعقد لازم فهو كالتلف

و حكى التصريح به عن كثير منهم بل ربما استظهر من بعضهم الإجماع عليه

قوله (رحمه الله) و لو عادت

209

العين بفسخ

ذكر الفسخ من باب المثال لان عودها بالإرث أو بعقد جديد كالفسخ

قوله لان التصرف الناقل يكشف عن سبق الملك للمتصرّف

فلا مجال لاستصحاب سلطنة المالك الأول على ماله للقطع بزوالها و انتقال المال الى المباح له انا ما ثم انتقاله منه الى الثالث فإذا فرض عود المال من الثالث لم يرجع الا الى من انتقل عنه الى الثالث و هو الثاني و لا شاهد على دعوى ان زوال سلطنة المالك الأول بنقل الثاني الملك الى ثالث مراعى بعدم عود الملك أو عدم فسخ سببه أو ان الفسخ موجب بعودها لارتفاع سبب زوالها به فتعود

قوله و لو كان الناقل عقدا جائزا لم يكن لمالك العين الباقية إلزام الناقل بالرّجوع فيه و لا رجوعه بنفسه الى عينه فالتراد غير متحقق و تحصيله غير واجب

و (الظاهر) ان هذا هو المراد بالتعليل الواقع في كلام الشهيد الثاني (قدس سرّه) في لك حيث قال لو نقل أحدهما العين عن ملكه فان كان لازما كالبيع و الهبة بعد القبض و الوقف و العتق فكالتلف و ان كان جائزا كالبيع في زمن الخيار (فالظاهر) انه (كذلك) لصدق انتقال الملك عنه فيكون كالتلف و عودها بالفسخ احداث ملك أخر بناء على ان المبيع يملك بالعقد و ان كان هناك خيار أمّا الهبة قبل القبض (فالظاهر) انّها غير مؤثرة لأنها جزء السّبب المملك مع احتماله لصدق التصرّف و قد أطلق جماعة كونها تملك بالتصرّف انتهى و بما ذكرنا ظهر انه لا وجه لا ضراب بعض المعاصرين عن تعليل لك الى تعليل (المصنف) (رحمه الله) حيث قال و لو نقلها بعقد جائز و لو للخيار فيه ففي لك و شرح (القواعد) و غيرهما (الظاهر) انه كاللازم لا لصدق انتقالها عنه فيكون كالتلف كما قيل بل لاشتراكهما في المقتضى و التزلزل بالنّسبة إليه غير قاض بالفرق بينهما و لا دليل على إلزامه بالرّجوع فيه و لا على لزومه عليه و لا على رجوعه في الباقية فالتراد غير متحقق و تحصيله غير واجب بل لو اختار فسخه فلا يبعد أنه كالإقالة و نحوها في اللازم ثمّ انه تعرض لبعض ما في عبارة لك المذكورة فقال و (الظاهر) ان الهبة بعد القبض من هذا القبيل و لكن في لك جعلها من اللازم و انها قبل القبض غير مؤثرة على (الظاهر) لأنها جزء سبب المملك مع احتماله لصدق التصرّف و قد أطلق جماعة انها تملك بالتصرّف و عليه منع ظاهر الا ان يراد بعض أقسامها انتهى و التحقيق ان (يقال) انه لو وهبه غيره و اقبضه فلا إشكال في اللّزوم على القولين من كون المعاطاة مفيدة للملك أو الإباحة و اما لو وهبه و لم يقبض و قلنا ان القبض شرط في الصحّة فمقتضى الأصل عدم اللزوم لإمكان التراد و كذا على القول بالإباحة لبقاء سلطنة المالك لكن هذا ينافي ما ذكروه في الخيارات من ان تعريض المشتري الذي له الخيار المبيع للمعاوضة يوجب سقوط خياره لان ذلك رضى منه باللزوم و إسقاط للخيار و ذكر بعضهم في دفع المنافاة وجهين أحدهما ان الخيار في البيع الخياري انما جاء بسبب خارجي و هو يزول بمجرّد فهم الرّضا من ذي الخيار بخلاف ما نحن فيه بان الخيار فيه من مقتضى المعاوضة فلا يسقط بمجرد فهم الرّضا و ثانيهما ان سقوط الخيار هناك انما ثبت بالدليل على خلاف الأصل لأن إسقاطه إبراء فلا بد فيه من اللفظ فيقتصر فيه على مورده و لا يتعدى الى المعاطاة لعدم ثبوته فيها و نحن نقول لا يخفى ان الاشكال و ما أجيب به مبنيان على ان جواز تصرف الأخذ بالمعاطاة انما هو من جانب المالك دون (الشارع) و اما ان قلنا بالإباحة الشّرعية كما هو (الظاهر) فلا وجه للإشكال و لا مسرح للجوابين فافهم

قوله اتجه الحكم بجواز التراد مع بقاء العين الأخرى أو عودها الى مالكها بهذا النحو من العود إذ لو عادت بوجه أخر كان حكمه حكم التلف

يعنى انه ان عادت العين الى الواهب المباح له بوجه الهبة كان للمالك المبيح استردادها و ان عادت بغيرها كما لو باعها المتهب على الواهب لم يكن له استردادها و السرّ في ذلك ان هبة المتهب العين للواهب ليست الا على حد هبتها لأجنبي فلا توجب انتفاء موضوع التراد و كذا بيعها على الواهب ليس الا على حد بيعها على غير الواهب فإنّه كما كان الثاني يوجب سبق الملك من البائع من جهة ما ذكره من قاعدة انتقال العوض (كذلك) الأول فيكون بيع المتهب العين على الواهب بمنزلة إتلافها فيمتنع التراد فالهبة على ما ذكره على خلاف عقد المعاوضة فإنه كاشف عن تملك الموجب المباح له للعين التي أوقع العقد عليها إذ لا يعقل ملك الثمن مثلا مع عدم تملك المثمن و دعوى ان مطلق النّقل عنه ملزم لها تعبدا و ان الرد مقيد ببقاء الملك شرعا مما لم يقم عليه دليل هذا و لكن بقي في العبارة شيء و هو انه كان اللّازم ان يقول أو عودها الى واهبها بهذا النحو إذ لا وجه للتعبير عن المباح له بالمالك و كيف كان فالمراد به هو الواهب و لعل التعبير به مبنى على المشابهة بحسب الصّورة تنبيه لو عاوض على العين المأخوذة بالمعاطاة ثانيا على وجه المعاطاة فعلى القول بإفادتها للملك اللازم تلحق بالعقود اللازمة و على القول بالملك الجائز تلحق بالعقود الجائزة المملكة و ان كان الحكم في القسمين واحدا و على القول بالإباحة لا تصير من قبيل الملزم للمعاطاة الأولى

قوله و لو باع العين ثالث فضولا فأجاز المالك الأوّل على القول بالملك لم يبعد كون أجازته رجوعا كبيعه و سائر تصرّفاته الناقلة

(انتهى) قال بعض من تأخر قد ثبت في الخيار ان التصرّفات الناقلة من ذي الخيار رجوع فلو باع ما كان له الخيار في استرداده من المشترى كان ذلك رجوعا بالخيار إجماعا و لكن لم يثبت مثله هنا فلا يصح ان يكون مجرّد أجازته رجوعا و فسخا هنا فلا بد من سبق ما يدل على الفسخ حتّى يصحّ للاوّل نقله الى الثالث إذ لا يصحّ النّقل الا من المالك و الفرض خروج الملك عنه فلا يكون صيرورته مالكا سابقة على نقله إلى المشتري الثاني فلا وجه (حينئذ) لجواز الإجازة منه حتّى تكون رجوعا الا ان يلتزم بأحد الأمرين من كون مجرّد الرّضا الباطني اجازة و كون الكراهة الباطنية في مقابله ردّا و من كون الفسخ و الرّجوع يحصل بأوّل حرف من قوله أجزت البيع الثاني فيصير المال ملكه و التمليك للمشتري الثاني يحصل بآخر حرف من قوله المذكور و هو (رحمه الله) و ان التزم بالأوّل فيما سيأتي من كلامه الا ان التزامه بذلك مخصوص بالقول بالإباحة فلا يجرى على القول بالملك كما هو مفروض المقام فإنه قال هناك بل هو على القول بالملك نظير الرّجوع في الهبة و على القول بالإباحة نظير الرّجوع في إباحة الطّعام بحيث يناط الحكم فيه بالرّضا الباطني بحيث لو علم كراهة المالك باطنا لم يجز له التصرّف انتهى و سبقه الى ذلك

210

صاحب (الجواهر) (رحمه الله) لكن ذلك البعض قد منع منه على تقدير القول بالإباحة أيضا و طالب من قال بكون الرّضا الباطني اجازة و كون الكراهة الباطنيّة ردا بالدليل و (كذلك) التزم (رحمه الله) بالثاني في بعض كلماته الا ان ذلك البعض منع من ذلك و طالبه بالدّليل فعلى هذا لا وجه لإجازة المالك الأول للبيع الفضولي المفروض على القول بالملك هذا و لكنّك خبير بسقوطه لأن إفادة الكراهة الباطنيّة للرد إذا قارنها ما هو كاشف عنها غير متوقفة على الدليل و كون التصرّفات الناقلة من ذي الخيار رجوعا ليس الا من هذا الباب فليس ذلك لحكم تعبّدي تعلق بها حتّى لا يتعدى الى غير مواردها و من هنا يتضح الوجه في الالتزام بحصول الفسخ و الرّجوع بأول حرف من قوله أجزت البيع الثّاني فيصير المال ملكه و ان التمليك للمشتري الثاني يحصل بآخر حرف من قوله المذكور فتدبّر

قوله و لو أجاز المالك الثاني نفذ بغير إشكال

ضرورة كونه مالكا فيمضي جميع تصرّفاته التي منها الإجازة

قوله و ينعكس الحكم اشكالا و وضوحا على القول بالإباحة

يريد ان أصل الحكم لا ينعكس و انما ينعكس اشكاله و وضوحه باعتبار كون التميز فاعلا في المعنى بمعنى ان كون اجازة المالك الأول رجوعا على القول بالإباحة واضح لان العين على هذا القول لم يخرج عن ملكه و كون اجازة المالك الثاني على هذا القول نافذة مشكل و أنكر بعض من تأخر نفوذ إجازة الثاني بعد ما اعترف بوضوح كون اجازة المالك الأول رجوعا نظرا الى ان المباح له على القول المذكور له التصرّف بالإتلاف و البيع و أجازته و الأخيران في حكم الأوّل لأن المانع الشّرعي كالمانع العقلي فبعد وقوعه لا يصحّ لهما الرّجوع و عندي ان نظره في الاشكال الى ما تقدم من الاشكال من بعضهم كالشّهيد (رحمه الله) بناء على القول بالإباحة في جواز التصرّف بالإتلاف و نحوه ممّا هو موقوف على الملك فلا مجال للإنكار عليه

قوله و لكل منهما ردّه قبل إجازة الأخر و لو رجع الأوّل فأجاز الثاني فإن جعلنا الإجازة كاشفة لفي الرّجوع و يحتمل عدمه لانه رجوع قبل تصرف الأخر فينفذ و يلغو الإجازة

لا فرق في هذا الحكم بين القول بالملك و بين القول بالإباحة و أورد عليه بان كشف لإجازة عن تحقق الملك من حين العقد على القول به مشروط بقابلية المحل و مع فرض تقدم رجوع الأوّل و تأخر إجازة الثاني كما هو مقتضى العبارة لا يبقى مجال لكشف إجازة الثاني عن تحقق النقل من حين العقد الّذي هو سابق على رجوع الأوّل الذي هو مبطل للعقد

قوله و لو امتزجت العينان أو إحديهما سقط الرّجوع على القول بالملك لامتناع التراد و يحتمل الشّركة و هو ضعيف اما على القول بالإباحة فالأصل بقاء التّسلط على ما له الممتزج

(انتهى) حكى عن تعليق الإرشاد و عن الميسية ان ذلك في معنى التّلف و عن شرح (القواعد) انه لا يمكن ردّه بعينه و قبول الجميع فيه منه و دخول مال الغير في ماله من غير فرق بين الأجود و مقابلاته و في لك لو اشتبهت بغيرها أو امتزجت بحيث لا يتميز فان كان بالأجود فكالتلف و ان كان بالمساوي أو الأردى احتمل كونه (كذلك) لامتناع التراد على الوجه الأوّل و اختاره جماعة و يحتمل العدم في الجميع لأصالة البقاء انتهى و الحق ما افاده (المصنف) (رحمه الله) و ليس لأحد ان يدعى انّ الامتزاج مملك أو ملزم تعبدا لإجماع أو سيرة أو نحوهما لأنها دعوى غير قابلة للصدور عن الخبير بطريق الشّرع و مسلك الفقهاء و لم يتعرض (المصنف) (رحمه الله) لصورة اشتباه العينين أو إحديهما بشيء من الأعيان الخارجية المملوكة لغيرهما فيحتمل فيها الرّجوع الى القرعة أو الصّلح لبقاء العين الموجب لإمكان التراد غاية ما في الباب اشتباهها بغيرها و هو غير مانع لان المالك الأوّل يجري في حقه بعد الرجوع ما كان يجري في أخذها بالمعاطاة عند اشتباهها بغيرها

قوله و لو تصرف في العين تصرفا مغيرا للصورة كطحن الحنطة و فصل الثوب فلا لزوم على القول بالإباحة و على القول بالملك ففي اللزوم وجهان مبنيان على جريان استصحاب جواز التراد و منشأ الاشكال ان الموضوع في الاستصحاب حقيقي أو عرفي

قد عرفت من عبارة شرح (القواعد) التي قدمنا حكايتها عند البحث عن كون تلف احدى العينين ملزما ان التصرفات المغيرة للصورة تفيد لزوم المعاطاة و حكى عن الميسية ان قصر الثّوب فضلا عن صبغه و خياطته و نحوهما (كذلك) و ربما يفرق بين الطحن و نحوه و بين الصّبغ و القصر و التفصيل و نحوها فيلحق القسم الأوّل بالتلف دون الثاني و في (المسالك) انه لو تصرف فيها تصرفا غير ناقل للملك و لا جرء سببه فان لم يتغير العين به عن صفتها كالاستخدام و الانتفاء بالإناء و لبس الثّوب فلا اثر له في اللّزوم و ان أوجب تغيير الى حالة اخرى كطحن الحنطة و صبغ الثوب احتمل كونه (كذلك) لأصالة بقاء الملك مع بقائه و لزوم المعاطاة بذلك و به جزم بعض الأصحاب لما تقدم من امتناع الرّاد بسبب الأثر المتجدد و عندي فيه اشكال انتهى و مقتضى التّحقيق ما افاده (المصنف) (قدس سرّه) تنبيه جميع ما ذكر من الملزمات انما هي بالنّسبة إلى أصل العين و بقي البحث عن الأجرة و المنافع و انهما مضمونتان على تقدير رجوع المالك الى العين حتّى يرجع إليهما مالكها أم لا قال في لك لو رجع في العين أو بعضها و قد استعملها من هي في يده لم يرجع عليه بالأجرة و لو كان قد نمت فان كان باقيا رجع به و ان كان تالفا فلا لتسليطه على التصرّف فيه بغير عوض انتهى و تفصيل المقام ان عدم الرّجوع بالأجرة ممّا لا اشكال فيه و امّا المنافع (فالظاهر) انه مع الرّجوع بالعين لا رجوع له بالمستوفاة منها و لا بالنماء المتلف كما صرّح به كثير منهم من غير خلاف فيه يعرف للأصل و غيره و امّا النّماء الموجود المنفصل فله الرّجوع به على القول بالإباحة قطعا و لا وجه لاحتمال العدم فيه (مطلقا) أو في الجملة و امّا على القول بالملك (فالظاهر) انه ليس له الرّجوع وفاقا لجماعة لأنه نماء ملكه كالنماء في زمن الخيار فالحاصل ان حال النماء على القولين تابع لحال العين فيعود الى مالكها لتبعيّته للعين و لكن توقف فيه في (الروضة) لأنّه بعد ان ذكر الخلاف في كون المعاطاة إباحة أو بيعا متزلزلا قال و تظهر الفائدة في النماء فعلى الثاني هو للقابض متى تحقق اللّزوم بعده و على الأوّل يحتمله و عدمه الى ان قال و على تقدير الرّجوع في العين و قد استعملها من انتقلت إليه يأخذها بغير أجرة لإذنه في التصرّفات مجانا و لو نمت فتلف النماء فلا رجوع به كالأصل و الا فالوجهان انتهى و ذكر الوجهين معرّفا باللام إشارة إلى الوجهين المذكورين

211

بقوله سابقا و على الأوّل يحتمله و عدمه و لذلك قيد كون النماء للقابض على الفور؟؟؟؟ بالبيع المتزلزل بقوله متى تحقق اللّزوم بعده هذا و التحقيق ان حال النّماء تابع لحال العين التي هي أصل له فان لم يرجع العين؟؟؟ لم يكن له الرّجوع اليه لتبعيّته لها بحسب قصد المتعاطيين و جريان السّيرة على ذلك و ان رجع إليها رجع الى الموجود المنفصل منه كما هو المفروض و هناك وجه أخر حكى عن دلائل الأحكام و وجه ثالث أشار إليه (المصنف) (رحمه الله) عند الرّد على ما ذكره في شرح (القواعد) من استلزام القول بالإباحة لتأسيس قواعد جديدة و هو انه يحدث النماء من أول الأمر أعني عند وجوده في ملك المشترى حيث قال و يحتملان يحدث النّماء في ملكه بمجرّد الإباحة انتهى و اما النماء المتّصل كالسمن و الصّوف و اللبن مع عدم انفصالها فتتبع العين على الأقوى

قوله ثم انّك قد عرفت ممّا ذكرنا انه ليس جواز الرّجوع في مسئلة المعاطاة نظير الفسخ في العقود اللّازمة حتى يورث بالموت و يسقط بالإسقاط ابتداء أو في ضمن المعاملة بل هو على القول بالملك نظير الرّجوع في الهبة و على القول بالإباحة نظير الرّجوع في إباحة الطّعام بحيث يناط الحكم فيه بالرّضا الباطني بحيث لو علم كراهة المالك باطنا لم يجز له التصرّف فلو مات أحد المالكين لم يجز لوارثه الرّجوع على القول بالملك للأصل لان من له و اليه الرّجوع هو المالك الأصلي و لا يجرى الاستصحاب و لو جن أحدهما (فالظاهر) قيام وليّه مقامه في الرّجوع على القولين

أورد عليه بعض من تأخر بأن كلامه محتمل لوجهين أحدهما انه عند موت أحدهما على القول بالملك يلزم المعاملة فلا يجوز للوارث الرّجوع لانّ رجوع المالك انما كان من قبيل الأحكام كجواز الرّجوع في الهبة قبل القبض فإنه حاصل للمالك و لا يورث فلا يجوز للوارث الرّجوع بعد موت مورثه و على القول بالإباحة يجوز للوارث الرّجوع و هذا الأخير و ان لم يصرح به الا انه يشهد به قوله و على القول بالإباحة نظير الرّجوع في إباحة الطعام ضرورة ان من قدم طعاما الى غيره ليأكله و اباحه له كان له الرّجوع عن الإباحة قبل تناول من قدمه اليه و في الأثناء كما ان المالك لو مات قبل ذلك أو في الأثناء كان للوارث النّهى عن الأكل و التصرّف و ثانيهما انه يلزم على القولين فلا يجوز للوارث الرّجوع فان كان المراد هو الأوّل كان ما ذكره على القول بالملك حقّا لان ما ملكه بالمعاطاة ينتقل الى وارثه فلا يبقى مجال لرجوع صاحبه الا ان جواز رجوع الوارث على القول بالإباحة مما لا وجه له لان لازم ذلك ان ترد الأموال إلى أربابها و لم نر بل نسمع الاقدام على مثل ذلك من أحد فلم يرد أحد ما اشتراه مورثه بالمعاطاة مع ان أكثر العلماء ممّن يقول بالإباحة بل قد عرفت ان الجميع متسالمون على ذلك الى زمان المحقق الثاني (قدس سرّه) و مع هذا لم نسمع و لا من مقلديهم انهم رد و اما اشتراه مورثوهم بالمعاطاة و ان كان المراد هو الثاني اتجه عليه ان الفقهاء (رضي الله عنه) تعرضوا لملزمات المعاطاة و لم يجعل أحد موت أحدهما أو كليهما من الملزمات و لو كان الأمر كما ذكر كان من اللّازم عليهم ان يعدوه منها فالحق ان العين بعد موت أحد المتعاطيين حكمها هو ما كانت عليه قبل موته على القولين فحكم الوارث على القول بإفادة المعاطاة للملك المتزلزل حكم مورثه و على القول بإفادته الإباحة (كذلك) فيصح له ان يرد ما لم يتحقق شيء من الملزمات فالعين في يد الوارث باقية على ما كانت عليه قبل موت المورث بحكم السّيرة هذا و أنت خبير باندفاعه لان عدم تعرضهم للرد بعد موت المورث مع قولهم بالإباحة يكشف عن بطلان القول بالإباحة و ان المركوز في أذهانهم انما كان هو الملك فلهذا جروا على مقتضاه بصفاء سريرتهم و ان ما ذكروه من الإباحة فإنما هو ما جرى على اللسان و المكنون غيره مضافا الى ان بقاء العين بدون طروء شيء من الملزمات الى ما بعد الموت مما يعز وجوده و طروء الغفلة عن لوازم العزيز غير عزيز بل نقول ان الغالب ان الوارث لا يطلع على أسباب النقل الحاصلة لمورثه خصوصا في المحقرات التي هي مورد المعاطاة غالبا فيتصرف فيها بحكم يده الثابتة عليها المقتضية للملك الا ترى الى ان الغالب ان ورثه الظلمة يتصرفون في أموال مورثيهم من باب انهم وجدوها تحت أيديهم و لو اتفق مورد نادر على خلاف ذلك لم يكن ذلك خاليا عن احتمال الغفلة المانع عن بلوغ عملهم حد السّيرة المستمرة المعتبرة فافهم و اما ما ذكره ذلك البعض من انهم لم يذكروا الموت من الملزمات فلا يصير ذلك مما يمكن ان يجعل سندا في حكم شرعي لأن كون ذلك من الملزمات من جملة لوازم ما سكتوا عنه مما يتوقف إثباته على الدليل و هو كون الرجوع في المعاطاة قابلا للإرث لا مما هو من قبيل الأحكام و إثبات كونه حقّا موقوف على الدليل المعتبر شرعا و لم ينصوا على الحكم و لا أشاروا إلى دليله و عدم الدليل في مثل ذلك من التوقيفيّات يقتضي عدم الحكم بالإرث و إذا لم يتحقق الإرث تحقق اللّزوم خصوصا على القول بأنّ الأصل هو اللزوم في المعاطاة خرج ما خرج و بقي الباقي مضافا الى انه كثيرا ما يتفق الغفلة عن لوازم المذهب فلا يصرح به أو يزعم صاحبه وضوحه فلا يتعرض له و صدور الغفلة عمن ليس بمعصوم (عليه السلام) غير عزيز فلا يرد الإيراد به على (المصنف) (رحمه الله) حيث ذكر لازم كل مذهب على ما هو الواقع و أعجب من ذلك تمسك ذلك البعض بالسّيرة في دعوى بقاء العين في يد الوارث على ما كانت عليه في يد المورث و بعد ذلك كله تقول ان كون الرّجوع في المعاطاة ممّا يورث كالخيار حكم شرعي يحتاج الى دليل و انى للمدعى ذلك و احتمال كونه من الأحكام يكفى لإنكار الحكم بكونه يورث لأن الأصل عدم انتقاله الى الوارث و ان كان دلالة عدم سقوطه بالإسقاط على كونه حكما شرعيّا من قبيل الأمور الواضحة ثم

لا يخفى ان مراد (المصنف) (رحمه الله) من الشّقين اللذين ذكرهما ذلك البعض انما هو الأوّل و ان السر في عدم لزوم المعاملة على القول بالإباحة هو انتقال مال المبيح الى وارثه فإن أراد إحداث نقل جديد فعل و الا بقي على ملكه و بما ذكرنا قد يتطرق التأمّل الى ما ذكره بعض المعاصرين في كتابه حيث قال الأقوى انتقال حق الرّجوع الى الوارث كسائر الحقوق و ان لم يكن نظير الفسخ في العقود من غير فرق بين القول بالملك و القول بالإباحة بل (الظاهر) على الثاني انتقال نفس العين الى الوارث كما ان العوض الّذي عند المورث باق على ملك صاحبه و جواز تصرف كلّ منهما بما عنده مع عدم الرّجوع به انّما هو بالإذن السابقة مع إمضاء الوارث و لو إجمالا لها عادة أو بحكم (الشارع) على (الظاهر) لظهور معاقد الإجماع كالسيرة المستمرة فيما يشمل ذلك كما لا يخفى على المتدبر فيها و لكن قد جزم بعضهم بأنه لا يورث و لا يسقط

212

بالإسقاط (مطلقا) لانه من الأحكام نظير الرّجوع في الهبة على القول بالملك و على القول بالإباحة نظير الرجوع في إباحة الطعام بحيث يناط الحكم فيه بالرّضا الباطني بحيث لو علم كراهة المالك باطنا لم يجز له التصرّف فيه فلو مات أحد المالكين لم يجز لوارثه الرّجوع على القول بالملك للأصل لان من له و اليه الرّجوع هو المالك الأصلي و لا يجرى الاستصحاب و لو جنّ أحدهما (فالظاهر) قيام وليه مقامه في الرّجوع على القولين الا ان المانع لذلك مستظهر ان لم يكن عليه إجماع بل قد يمنع في المشبه به (كذلك) بل في المبسوط النصّ على انتقال حقّ الرّجوع إليه في الهبة قبل القبض فإنها بمنزلة البيع في زمن الخيار صحيحة غير لازمة بل فيه (أيضا) النص على الانتقال إليه في الهبة الفعلية لأنها انّما تفيد الإباحة دون الملك بل لا أظن الخلاف فيه بالنسبة إلى إباحة الطّعام فيما لو مات المبيح قبل أكل المباح له لذلك و ما دل على انتقال الخيار و نحوه بالإرث قاض بذلك فيخرج به عن الأصل و دعوى ان المستفاد من السّيرة و نحوها حصر الرّجوع بالمالك الأصلي على وجه لا ينتقل الى ورثته حتى على الإباحة و (حينئذ) فيخص به عمومات الإرث سيّما مع الاعتراف بقيام الولي مقامه في الجنون إذ لو كان ذلك من الأحكام أو من الحقوق المشترط فيها المباشرة و لو على وجه يعم التوكيل خاصّة لم يقم وليّه مقامه (فتأمل) جيدا انتهى و ذلك لانه لما كان مقتضى الأصل هو عدم انتقال المال الى الوارث كما اعترف به هو فلا بد من دليل مخرج و ليس الا ما ادعاه من ظهور معاقد الإجماع فيما يشمل ذلك و السّيرة المستمرة و شيء منهما ممّا لا ينهض بإثبات مطلوبه اما السّيرة فلما عرفت من غفلة النّاس عن كون ما اشتراه مورثوهم بالمعاطاة باقيا على ملك مالكه الأوّل مع كون ما يبقى الى ما بعد الموت على حاله بحيث لا يطرؤه شيء من الملزمات نادر جدا و امّا إطلاق معاقد الإجماع فلأنها ليست الا ان الحقوق تورث أو ان الخيار يورث و قد ادعى (المصنف) (رحمه الله) ان الرّجوع هنا من قبيل الأحكام دون الحقوق و استدل عليه بعدم جواز إسقاطه فشمول معاقد الإجماع لذلك موقوف على كونه من الحقوق أو الخيار و هو ممنوع بل خلافه معلوم مضافا الى ما يتجه على ما ذكره في طي كلامه و هو أمور أحدها ان الترقي بقوله بل (الظاهر) على الثاني انتقال نفس العين الى الوارث مما هو مناف لما ذكره من كون جواز الرّجوع ينتقل الى الوارث لا مؤكد و لا مناسب له ضرورة انّ نفس العين إذا انتقلت الى الوارث صارت ملكه فيترتب عليها آثار الملك و لا مدخل لانتقال جواز الرّجوع في ذلك لان جواز الرّجوع (حينئذ) انما هو من أحكام صيرورة العين ملكا فليس من باب انتقال الحق بنفسه و ثانيها ان ما ذكره من المنع في المشبه به و اقامة الحجة على ذلك بقول الشيخ (رحمه الله) ممّا لا يخفى وهنه لانّ (المصنف) (رحمه الله) لم يرد بتشبيه ما نحن فيه بالهبة الاستدلال عليه بقياسه عليها حتى يورد عليه المنع من ذلك بل مراده التمثيل و التنظير لإفهام (المطلق) و تقريبه إلى الأذهان و يكفي في ذلك قول الأكثر أو جماعة في الهبة بذلك سلمنا لكن قول الشيخ (قدس سرّه) لا حجة فيه و انما الحجة أقوال الحجج (عليه السلام) (فللمصنف) (رحمه الله) ان يقول ان الحق عندي خلاف ما ذكره الشيخ (قدس سرّه) و ثالثها انّ ما ذكره من عدم مظنة الخلاف فيما لو مات مبيح الطعام قبل أكل المباح له إيّاه ممّا لا مساس له بالمقصود ضرورة ان الطّعام بعينه ينتقل الى الوارث فيسوغ في حقه تصرّف الملاك في أملاكهم و رابعها ان ما صرّح به من ان ما دل على انتقال الخيار و نحوه بالإرث قاض بذلك مما لا وجه له لان جواز الرّجوع هنا ليس نوع خيار و لم يدل دليل بعمومه أو إطلاقه على ان ما كان نحو الخيار يورث حتى يؤخذ بإطلاقه أو عمومه و خامسها الاحتجاج على (المصنف) (رحمه الله) بأنه قد اعترف بقيام الولي مقامه في الجنون و انه ينافي إنكاره الانتقال الى الوارث و ذلك لان يد الولي يد المولى عليه كما ان يد الوكيل يد الموكل و مع ذلك لم ينتقل مال المولى عليه و لا حقه الى الولي فلا ملازمة بين التصرف بالولاية و الانتقال إلى الولي بل الملازمة انما هي بينه و بين عدم الانتقال فأين ذلك من الانتقال بالإرث

السابع [هل المعاطاة بعد التلف بيع أو معاوضة مستقلة]

قوله (رحمه الله) و الأقوى عدم ثبوت خيار الحيوان هنا بناء على انها ليست لازمة و انما يتمّ على قول المفيد (قدس سرّه) و من تبعه

الوجه في ذلك انه استفاد من دليل خيار الحيوان كون ثبوته مختصا بما إذا كان البيع لازما من غير جهة الخيار و (الظاهر) ان نظره في ذلك الى رواية علىّ بن رئاب عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في رجل اشترى جارية لمن الخيار للمشتري أو للبائع أو لهما كلاهما فقال الخيار لمن اشترى ثلاثة أيّام نظرة فإذا مضت ثلاثة أيام فقد وجب الشراء و نحوها من الاخبار و ان كان يمكن المناقشة فيه بأن حكمه (عليه السلام) بوجوب الشراء انما هو من خصوص هذه الجهة التي هي خيار الحيوان الا ترى انه لو كان هناك غيره من الخيارات كالعين أو الشرط مثلا لم يلزم البيع من تلك الجهة (فتأمل)

قوله (رحمه الله) و اما خيار العيب و الغبن فيثبتان على التقديرين

يعنى على تقديري القول بكون المعاطاة بيعا لازما كما هو قول المفيد (قدس سرّه) و عدمه وجه ثبوتهما إطلاق أدلتهما و خلوّها عن التقييد بكون البيع لازما مع قطع النظر عنهما فمن أدلة الأول ما رواه جميل عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليه السلام) في الرّجل يشترى الثوب أو المتاع فيجد فيه عيبا فقال ان كان الشيء قائما بعينه رده على صاحبه و أخذ الثمن و ان كان الثوب قد قطع أو خيط أو صبغ يرجع بنقصان العيب و مثله غيره من الاخبار المضبوطة في الكتب الموضوعة لذلك و من أدلّة الثاني رواية الميسر عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال غبن المؤمن حرام و رواية زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) في حديث ان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال لا ضرر و لا ضرار و في (المسالك) (المشهور) بين الأصحاب خصوصا المتأخرين منهم ثبوت خيار الغبن و كثير من المتقدمين لم يذكره و نقل عن (المصنف) (قدس سرّه) في (الدروس) القول بعدمه و الاخبار بخصوصه خالية منه نعم ورد في تلقى الركبان تخيرهم إذا غبنوا و استدلوا عليه (أيضا) بخبر الضرار و يظهر من كره عدم الخلاف فيه بين علمائنا و كيف كان فالأجود ثبوته انتهى فعلم من جميع ذلك ان أدلة الغبن خالية عن اعتبار لزوم البيع لولاه

قوله كما ان خيار المجلس منتف

و ذلك لنظير ما ذكرناه في خيار الحيوان فان (الظاهر) ان نظره في ذلك الى رواية الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال أيما رجل اشترى من رجل بيعا فهو بالخيار حتى يفترقا فإذا افترقا وجب البيع و المناقشة فيه كما عرفت فيما تقدم في خيار الحيوان فتأمل و لهذا لم يسلك (المصنف) (رحمه الله) مسلكه في التفصيل الّذي ذكره

قوله و كيف كان فالأقوى انها على القول بالإباحة بيع عرفي لم يصححه (الشارع) و لم يمضه الا بعد تلف احدى العينين أو ما في حكمه و بعد التلف يترتب عليه أحكام البيع عدا ما اختص دليله بالبيع الواقع صحيحا من أول الأمر

اعترضه بعض المعاصرين بأنّ ظاهر أدلة جميع أحكامه انما هو ذلك فلا يترتب عليه شيء من أحكامه ثم قال و الّذي يظهر انما هو الثاني يعني صيرورتها بعد التلف

213

معاوضة مستقلة ان قام الإجماع على حصول الملك بذلك الّا انه ليس من التمليك بالمعاوضة في شيء و انما هو تمليك تبعي شرعي غير موقوف على قصد و نية كما لا يخفى على المتأمل انتهى و لكنك خبير باندفاعه لانه مبنى على الجمود على ظاهر لفظ البيع الواقع صحيحا من أول الأمر مع الغفلة عن أول كلامه (رحمه الله) فيقابله البيع الّذي عرضه الصّحة بعد ذلك و (حينئذ) فيتجه بحسب (الظاهر) ان جميع أحكام البيع مرتبة على البيع الّذي هو صحيح من أول الأمر لظهور لفظ البيع في الأدلة في ذلك إذ لا ينصرف إلا اليه و لا يخفى على من أمعن النظر في كلامه (رحمه الله) انه التزم بكون المعاطاة بيعا عرفيا كما عرفت في كلامه في أول البحث ان محل النّزاع انما هو ما لو قصد المتعاطيان التمليك لكنه لم يمضه (الشارع) في أوّل الأمر و انما رتب عليها الإباحة و انما أمضاه بعد تلف احدى العينين فالصّحة الطارية التي ادعاها انما هي الصّحة الشّرعيّة الّتي هي من قبيل الأحكام الشّرعيّة بمعنى ترتيب (الشارع) عليها آثار البيع و أحكامه و معلوم ان خطابات الشرع انّما وردت على طبق متفاهم العرف فلا يكون المراد بالبيع في الأدلة سوى البيع العرفي و لا مجال (حينئذ) لدعوى الانصراف إلى الشرعي الّذي رتب عليه (الشارع) الأثر في ابتداء وقوعه ليخرج ما لم يرتب عليه الأثر إلا بعد أمر عارض كالمعاطاة الّتي رتب عليها الأثر بعد تلف احدى العينين مثلا نعم لو كان المراد بالبيع في الخطابات الشّرعيّة خصوص البيع الصحيح الشرعي كان ظاهرا فيما قد وقع صحيحا من أول الأمر و ليس (كذلك) على ما عرفت و (حينئذ) نقول ان الأحكام التي رتبها (الشارع) على البيع العرفي على قسمين أحدهما ما هو حكم البيع الواقع صحيحا شرعيّا من أوّل الأمر كالصّيغة الخاصّة أو مطلق الصّيغة على الخلاف و الأخر ما هو حكم لمطلق البيع العرفي نظرا الى عدم انفهام الاختصاص من دليل ذلك الحكم كالعلم بالعوضين و ثبوت الخيارات كلا أو بعضا ان قلنا بأنّ المستفاد من أدلتها الإطلاق أو ان المستفاد من أدلّة بعضها ذلك كخيار العيب المستفاد من حديث نفى الضّرر

الثامن [العقد غير الجامع لشرائط اللزوم معاطاة أم لا]

قوله و ربما يجمع بين هذا الكلام و ما تقدم من المحقق و الشهيد الثانيين (فيقال) ان موضوع المسئلة في عدم جواز التصرّف

(انتهى) القائل هو صاحب مفتاح الكرامة (رحمه الله) و محصل ما ذكره من الفرق بين البيع الفاسد و غيره هو ان البيع الفاسد ما علم عدم الرّضا من صاحب المال بالتصرّف الا على تقدير صحّة المعاملة و بعبارة أخرى ما انيط فيه الاذن و الرّضا بالتصرّف في المال بصحّة المعاملة فينتفي و اما ان كان الأمر على خلاف ذلك بان تراضيا من أوّل الأمر على اباحة التصرّف من كلّ منهما فيما يقبضه من العوضين (مطلقا) سواء صحت المعاملة أو فسدت أو تراضيا عليها بعد العلم بالفساد و استمر رضاهما فإن المعاملة على هذين التقديرين تكون من المعاطاة هذا و قد يظهر من شرح القواعد ان اللفظ الفاقد للشرط ان أريد به المسامحة اندرج القبض معه في المعاطاة و ان أريد به ما يراد بالصّحيح من المداقة اندرج في المقبوض بالبيع الفاسد و حكى عن مفتاح الكرامة مثله من حيث انه يقصد النقل بالمعاطاة مع الإقباض و العلم بالرضا يصحّ بالكتابة و الإشارة و الكناية و تقديم القبول على الإيجاب و غير ذلك و حيث يقصد النقل بالعقد الصّحيح اللازم بمعنى انّه بدونه لا يكون راضيا بالتصرف لا يصحّ مع اختلال شيء من الشرائط فلا يفيد ملكا و لا اباحة و انما يكون بيعا فاسدا و أنت خبير بأنه لا دخل للمداقة و المسامحة في التمييز بين الأمرين كما لا دخل للعلم بالرّضا و عدمه في ذلك و انما المدار على قصد الإنشاء بالتقابض فيكون معاطاة أو باللّفظ نحوه على وجه يكون التقابض من اثاره فيكون بيعا فاسدا على تقدير انتفاء شيء مما يعتبر فيما قصد به الإنشاء أو يعتبر في ذلك النّوع من المعاملة نعم لو لم نشترط إنشاء التمليك بالتقابض في المعاطاة أمكن إدخال صورة العلم بالرّضا فيها و هو الّذي نبّه عليه (المصنف) (قدس سرّه) في ذيل كلامه و صرّح بأن إدخاله في المعاطاة يتوقف على أمرين و بما ذكرناه من معيار المعاطاة تبيّن سقوط ما عن شرح (القواعد) من تقسيمها الى فعلية و قولية بالصّيغة المخصوصة أو بغيرها و ملفقة من الفعل و إحديهما في إيجاب أو قبول

قوله لا بالتقابض الحاصل بعدهما

فإنّه ان قصد إنشاء البيع بذلك التقابض الحاصل بعدهما مع قطع النّظر عنهما صار هو بنفسه معاطاة و لا يفيد في جعلهما معاطاة و ان لم يقصد به إنشاء البيع و انما أوقع بناء على انه من اثارهما لم يكن هو ايضا من المعاطاة الّتي تنازع فيها الأصحاب فكيف بإفادته جعلهما معاطاة (فتأمل)؟؟؟ كلام بعض المعاصرين انهما لو قصد إنشاء الملك بالتقابض الواقع بعده مع قطع النّظر عن العقد السابق منهما كان من المعاطاة و لعل مراد الثانيين انما هو ذلك خاصة لا ما يشمل التقابض المجرد عن الإنشاء به و انما كان على انه من أنار العقد لبنائهما على تأثيره و لو تشريعا بحيث لولاه لما تقابضا أصلا فإنه ليس من المعاطاة التي تنازع الفريقان فيها قطعا انتهى فإن أراد بيان حال التقابض الذي جعلاه معاطاة و انه الذي قصد به الإنشاء مع قطع النّظر عن العقد فهو خلاف (الظاهر) من العبارتين و ان أراد أنهما أراد انّه يتحقق المعاطاة بالتقابض الواقع عقيب اللّفظ الغير الجامع للشرائط و الإشارة لا بهما (فكذلك) ايضا و قد أشار (المصنف) (رحمه الله) الى الأمرين في ذيل العبارتين اللّتين حكاهما عنهما بقوله و ظاهر الكلامين صورة وقوع الإنشاء بغير القبض بل يكون القبض من اثاره و (حينئذ) تقول ان منشأ مصيرهما الى حصول المعاطاة بالإشارة و بالعقد الغير المستجمع للشرائط هو كون الأقوال أقوى دلالة على الرّضا من الأفعال فإذا حصل المعاطاة بها فحصولها بالأقوال أولى لكن فيه ما أشار إليه المصنف (رحمه الله) من ان الرضا فيه كان مقيدا بحصول الملك و من المعلوم عدم حصوله هنا ثم انّ المنشأ المذكور انما يتم على المختار في المعاطاة من الملك و اما بناء على مذهب الجماعة من القول بالإباحة مع قصد المتعاطيين الى الملك فلا وجه له فافهم

قوله و ان كان على وجه المعاطاة فهذا ليس إلا التراضي السابق على ملكية كلّ منهما لمالك الأخر و ليس تراضيا جديدا

ليس المراد ان التراضي الجديد بعد العلم بفساد العقد عين التراضي الشخصي الواقع في ضمن العقد ضرورة استحالة ذلك بل المراد ان هذا التراضي ليس مغايرا للاوّل باعتبار وجوده في ضمن تقابض و لقاط مستأنف فهو اعادة التراضي الواقع في ضمن العقد و بعبارة أخرى رضا منهما بما وقع سابقا لكل منهما رضى بعد العلم بفساد العقد بمضمونه من دون تقابض جديد فلا يحصل به المعاطاة إلا بالالتزام بالأمرين اللذين يذكرهما (المصنف) (رحمه الله) فان هذا هو الوجه الذي ذكره في مقام التفصيل بقوله و اما ان وقع الرّضا بالتصرّف بعد العقد من دون ابتنائه على استحقاقه بالعقد السّابق و لا قصد لإنشاء تمليك (انتهى) و يشهد بما ذكرناه من التفسير قوله فلا يجوز له ان يريد

214

بقوله المتقدم عن صيغ العقود له ان الصّيغة الفاقدة للشرائط مع التراضي يدخل في المعاطاة بالتراضي الجديد الحاصل بعد العقد لا على وجه المعاوضة و وجه الشهادة ان (الظاهر) ان المراد بقوله لا على وجه المعاوضة ان التراضي الجديد ليس على وجه إيجاد المعاوضة بمعنى تقابض العوضين

قوله و هذا ليس ببعيد على القول بالإباحة

يعنى ان الأخير من طرفي الاشكال و هو عنوان كون التعاطي في كلماتهم لمجرد الدلالة على الرّضا و ان السّيرة تساعد على عدم اعتبار الإنشاء بالتقابض فينتج انه يكفى مجرّد وصول العوضين و الرضا بالتصرّف من كلّ منهما أورد عليه بان اعتراف (المصنف) (رحمه الله) بنفي البعد عن ذلك على القول بالإباحة و قد ذكر من أمثلها أخذ الماء و البقل و غيرهما من الجزئيات من دكاكين أربابها ينافي ما تقدم منه في الأمر الرابع من الإشكال في صحّة إباحة جميع التصرّفات حتى المتوقفة على الملك و لو باللّفظ بان يقول لك أبحت لك كلّ تصرف من دون ان يملكه العين و وجه منافاته لذلك هو انّه إذا نفى إفادة إباحة التصرّف الموقوف على الملك حتى مع النّطق بإباحته مع كونه أقوى و اولى بإفادته لإباحته فكيف يعترف هنا بإفادة الفعل الّذي هو وضع الفلوس و أخذ الماء أو البقل مثلا لإباحة التصرّفات الموقوفة على الملك و أقول لا يخفى عليك انه لا وقع لهذا الإيراد لأن كلامه المذكور في الأمر الرابع مسوق لبيان تحقيق المقام على مقتضى الواقع و بيان ان اباحة التصرفات الموقوفة على الملك هل هي أمر معقول أم لا و قد اختار هناك الثاني و كلامه (رحمه الله) هنا مسوق لبيان انه بعد اختيار القول بالإباحة و الالتزام به على الوجه الذي صار إليه أكثر أربابها من حكمهم بإباحة التصرّفات الموقوفة على الملك ايضا لا يبعد الالتزام بالصّحة فيما إذا تحقق الرّضا و مجرّد وصول العوضين من دون تقابض و من البين انه لا منافاة بين الحكم بأن الإباحة لا تستلزم صحة التصرّفات الموقوفة على الملك و بين الحكم بان لازم أرباب القائلين على الوجه المقرر بينهم من التزامهم بصحة تلك التصرّفات في صورة تحقق التقابض من الطرفين هو التزامهم بصحتها عند حصول الرضا و مجرّد وصول كلّ من العوضين الى مالك الأخر من دون تحقق التقابض من الطرفين فافهم فإنه واضح بعد ما نبهناك به و ان شئت قلت ان كلامه (رحمه الله) هنا ناظر إلى جهة أخرى و هي ان لازم القول بالإباحة هو القول بها في المفروض ايضا مع قطع النظر عن الكيفيّة فإن الكيفية موكولة إلى محل أخر و هو مقام تحقيق ان المعاطاة هل تفيد اباحة التصرّفات (مطلقا) أو غير الموقوف على الملك منها فإذا كان لازم هذا القول هو القول بالإباحة هنا قال كل من أرباب القولين من إباحتها (مطلقا) أو إباحة غير الموقوف على الملك هنا ايضا بمقتضى مذهبه هذا تمام الكلام فيما يتعلق بمسئلة المعاطاة على ما ذكره (المصنف) (رحمه الله)

و ينبغي التنبيه على أمور

الأوّل ان ظاهر إطلاق الأصحاب جريان المعاطاة في المنقولات و غيرها

فمقتضاه صحتها في الجميع و لم نجد من تعرض له صريحا إثباتا و لا نفيا نعم حكى عن دلائل الأحكام انه حكم فيها بعدم جوازها في غير المنقولات و ذكر بعض من تأخر ان فيه وجهين مبنيين على ان صحة المعاطاة مأخوذة من أدلة صحّة البيع نظرا الى صدق اسمه عليها على حد صدق اسمه على البيع بالصّيغة أو انها مأخوذة من السّيرة و الا فمقتضى القاعدة عدم صحتها فعلى الأوّل لا تختص بالمنقولات لجريان تلك الأدلة فيها و في غيرها على حد سواء و على الثاني تختص بالمنقولات لما عرفت من ان المعاطاة قد ثبتت على خلاف القاعدة فيقتصر فيه على القدر الثابت من السّيرة

الثاني ان اشتراط أمر لفظا في ضمن المعاطاة

مثل ان يعمل له العمل الفلاني هل هو على حد اشتراطه في العقود فيصحّ و يلزم أم لا (الظاهر) هو الأوّل لقوله (عليه السلام) المؤمنون عند شروطهم و (حينئذ) لا يجوز التصرّف في العوض الا بعد العمل بما شرط عليه و عن صاحب الدلائل انه حكم بعدم الصحّة و فيه انه ان كان المبنى جواز المعاطاة و ان الاشتراط في ضمنها ينافيه اتجه عليه المنع من المنافاة و يظهر وجهه بالرجوع الى الشروط في ضمن العقود الجائزة و ان كان المبنى عدم الربط بين القول و الفعل اتجه عليه ان مثل ذلك مما لا عبرة به بعد شمول أدلّة الشروط له و من ذلك يظهر انه لا إشكال في اشتراط لزوم المعاطاة في ضمن عقد أخر بل في ضمن معاطاة أخرى لما عرفت من شمول أدلة الشروط لذلك اما لو شرط في ضمن المعاطاة ان لا يبيع القابض للعين إياها من غيره فلا إشكال في عدم صحة الشّرط بناء على الملك لمنافاة الشرط الّذي هو عدم البيع للملكية و امّا بناء على الإباحة (فالظاهر) انه لا إشكال في الصحّة لأن مآل ذلك الى تقييد الإباحة بمعنى انه أباح له غير البيع من التصرّفات

الثّالث انّه لو اختلف المتعاطيان فادعى أحدهما وجود الملزم و أنكره الأخر

كان القول قول المنكر لأصالة عدم وقوع الملزم فما عن شرح (القواعد) من الاستشكال فيه غير سديد لان الاختلاف في الملزم يقع على وجهين أحدهما وقوع الاختلاف بحيث يدعي أحدهما وقوع اللازم كالعقد الجامع للشرائط و الأخر وقوع الجائز كالمعاطاة مثلا و ثانيهما وقوع الاختلاف في وجود الملزوم بعد اتفاقهما على ان الواقع في أول الأمر ما هو جائز كالمعاطاة فيدعي أحدهما تعقب الملزم بعد وقوعها على وجه الجواز و ينكره الأخر و على التقديرين لا إشكال في جريان الأصل المساعد لمقالة المنكر اما على الأوّل فلان أصالة عدم زوال ملك القابض عما انتقل اليه من الأصول المعتبرة و هي موافقة لمقتضى اللّزوم و امّا على الثاني فلوضوح جريان أصالة عدم وقوع الملزم و تعقبه بها ثم انه ان علم الفسخ و وجود الملزم و اشتبه المتقدم منهما و المتأخر (فحينئذ) ان علم تاريخ أحدهما و جهل تاريخ الأخر بنى على تأخر مجهول التاريخ عن معلومه بناء على اعتبار أصالة تأخر الحادث و ان كانا كلاهما مجهولي التاريخ فمقتضى قاعدة حمل فعل المسلم و قوله على الصّحيح هو الحكم بتقدم الفسخ على الملزم إذ في صورة العكس يكون الفسخ لغوا ثم انه ان ادعى وقوع سبب خاص يترتب عليه اللزوم فان كان من الأمور التي لا تعلم الا من قبله كأكثر أفراد التلف قبل قوله بغير بينة و لا يكلف إحضارها و ان لم يكن (كذلك) بل كان من الأمور الواضحة لم يقبل قوله الا بالبينة و أطلق في (الجواهر) تقديم قول المنكر و عمم الحكم بالنّسبة إلى القسمين قال (رحمه الله) في طيّ كلام له و من ذلك يظهر الحال (حينئذ) فيما لو اختلفا في حصول سبب اللّزوم و عدمه فان القول قول منكره استصحابا للجواز من غير فرق بين الإطلاق في ذلك و الاستناد الى سبب خاص من تلف أو إتلاف أو عقد أو تصرف و كون بعض افراده لا يعلم الّا من

215

قبله لا يسقط حق الغير انتهى و أنت خبير بان فتح باب عدم سقوط حق الغير بقاعدة كون المدعى به لا يعلم الا من قبل المدعى يوجب سقوط الركون الى تلك القاعدة لأن الركون إليها انما هو في مقامات بتعلق بالمدّعى به حق الغير و الا لكانت قاعدة اعتبار الدّعوى التي لا معارض لها مغنية عن تلك القاعدة

[الكلام في عقد البيع]

[مقدمة في خصوص ألفاظ عقد البيع]

قوله (قدس سرّه) مع الإشارة إليه في بعض النّصوص

قد تقدّم منه (رحمه الله) الكلام على قوله (عليه السلام) انما يحلل الكلام و يحرّم الكلام و قال في ذيله و كيف كان فلا تخلو الرّواية عن اشعار أو ظهور ثم ذكر روايات أخر مشعرة باعتبار اللّفظ في عقد البيع

قوله لكن هذا مختص بصورة القدرة اما مع العجز عنه كالأخرس

(انتهى) و قد أجاد (قدس سرّه) حيث لم يجعل موضوع المسئلة خصوص الأخرس بل جعله العاجز و غير القادر و في (الشرائع) و يقوم مقام اللّفظ الإشارة مع العذر و في القواعد و لا تكفي الإشارة إلا مع العجز و في الإرشاد و لو تعذر النطق كفت الإشارة و عن (التحرير) لا تكفي الكتابة و لا الإشارة مع القدرة و تجزى الأخرس و شبهه الإشارة و في (المسالك) بعد ما حكيناه عن (الشرائع) ما لفظه كما في الأخرس و من بلسانه افة فإنه يكفي في انعقاد بيعه و قبوله له الإشارة المفهمة و الكتابة على ورق أو لوح أو خشب أو تراب و نحوها و اعتبر العلامة (قدس سرّه) في الكتابة انضمام قرينة تدل على رضاه انتهى و قال المحقق الأردبيلي (قدس سرّه) في شرح ما حكيناه عن (الإرشاد) ما لفظه إشارة الى ان اللفظ المعتبر انما يشترط مع الإمكان و مع التعذّر يقوم مقامه الإشارة كما في الأخرس و من بلسانه افة فإنها بمنزلة تكلمه انتهى بل في (الروضة) و تكفي الإشارة الدالة على الرّضا على الوجه المعين مع العجز عن النّطق لخرس و غيره و لا تكفى مع القدرة و عن مفتاح الكرامة قد طفحت عباراتهم بان العاجز عن النطق لمرض و شبهه كالأخرس انتهى و لم نجد من خصّ الحكم بالأخرس لكن وقع في (الجواهر) ما ينبئ عن وجود المخصص حيث قال و دعوى اختصاص ذلك في خصوص الأخرس كما ترى كما لا يخفى على من أحاط خبرا بمدرك المسئلة انتهى و في كلام بعض المعاصرين ظاهر المتن و نحوه كما في عبارات كثير منهم أو الأكثر عموم الحكم لغير الأخرس كما هو خبرة كثير منهم انتهى نعم قال في كشف اللثام في كتاب النكاح و لو عجزا عن النّطق لخرس أصلي أو طار أو أحدهما أشار بما يدل على القصد للضّرورة و لفحوى ما ورد في الطّلاق و هو مما قطع به الأصحاب و لو وكلا أو أحدهما كان أحوط و لم أجد نصّا من الأصحاب فيمن عجز لإكراه و نحوه انتهى فان ظاهره تخصيص الحكم بالأخرس هناك لانّه قيّد في أوّل كلامه العجز عن النطق بكونه لخرس و أنكر في أخره وجدان نصّ من الأصحاب فيمن عجز لإكراه و نحوه نعم جعل الخرس أعم من الأصلي و العرضي و لكن قال في كشف اللّثام في كتاب الطلاق و لو عجز عن النطق لخرس و غيره فكتب و نوى صحّ انتهى فعمم الحكم بالنّسبة الى غير الخرس ايضا و مستند الحكم اعنى اكتفاء العاجز (مطلقا) بالإشارة قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ كما صرّح به بعض من تأخر و لهذا جعل الحكم المذكور موافقا للأصل و القاعدة و علله بان عقد الأخرس و نحوه ممّن شاركه في العجز ليس إلا عبارة عن إشارته فيتوجّه عندها الأمر بالوفاء بالعقود أقول قد أشار الى هذا الوجه ايضا المحقق الأردبيلي (قدس سرّه) في ذيل ما حكيناه عنه حيث قال فإنها بمنزلة تكلمه و لهذا تجب الإشارة بدل القراءة و التكبير و غيرهما انتهى أقول الأمر في القراءة و التكبير و غيرهما كما ذكره الا ان بينهما و بين العقد فرقا من جهة و هي ان الإشارة في القراءة و نحوها الى اللّفظ و لهذا لزم هناك مراعاة ما هو من وظائف تأدية اللّفظ كتحريك اللّسان مثلا و في العقد الى المعنى و بهذا انفرد عن سابقته لعدم اعتبار تحريك اللّسان فيه و كما لا يعتبر في الإشارة العقد تحريك اللّسان لا يعتبر تحريك الإصبع و نحوها كما صرّح به كثير منهم و انما المعتبر ان يأتي بما يدلّ على مقصوده الّذي هو إنشاء البيع كسائر مقاصده الّتي يبرزها بإشاراته كما يبرزها المتكلم بكلماته هذا و ذكر بعض من تأخر انه يظهر اثر الفرق بين تخصيص الحكم بالأخرس لدليل خاص و بين تعميمه بالنّسبة الى كلّ عاجز استنادا إلى القاعدة في الوصية مثلا إذا لم يقدر الموصى على التكلم لضعف أو مرض فعلى الأوّل لا تقوم الإشارة مقام اللّفظ (حينئذ) و على الثاني تقوم مقامه أقول هذا مبنىّ على ان حكم العجز (مطلقا) أو خصوص الخرس لا فرق فيه بين البيع و النّكاح و الطلاق و غيرها من الأبواب و لكن حكم الوصيّة بخصوصها مما وقع النص عليه عن أهل العصمة (عليه السلام) ففي صحيح الحلبي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) ان أباه حدثه عن أبيه ان امامة بنت ابى العاص بن الرّبيع و أمها زينب بنت رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) كانت تحت على (عليه السلام) بعد فاطمة (عليه السلام) فخلف عليها بعد على (عليه السلام)

) المغيرة بن نوفل فذكر انها توجعت وجعا شديدا حتى اعتقل لسانها و أتاها الحسن (عليه السلام) و الحسين (عليه السلام) ابنا على (عليه السلام) و هي لا تستطيع الكلام فجعلا يقولان لها و المغيرة كاره لما يقولان أعتقت فلانا و اهله فجعلت تشير برأسها و لا كذا و كذا فجعلت تشير برأسها نعم لا تفصح بالكلام فأجازا ذلك لها و خبر على بن جعفر (عليه السلام) عن أخيه (عليه السلام) المروي عن قرب الاسناد و سئلته عن رجل اعتقل لسانه عند الموت أو امرأة فجعل أهاليهما يسئلانهما أعتقت فلانا و فلانا فيومئ برأسه أو تومئ برأسها في بعض نعم و في بعض لا و في الصّدقة مثل ذلك أ يجوز ذلك قال نعم هو جائز و بمضمونهما أفتوا و كذا الكلام في كفاية الكتابة في الوصيّة مع العجز كما وقع التصريح به منهم بل حكى نفى الخلاف عن التنقيح و الإجماع عن الإيضاح و خبر سدير عن ابى جعفر (عليه السلام) قال دخلت على محمّد بن الحنفية و قد اعتقل لسانه فأمرته بالوصيّة فلم يجب فأمرت بطشت فجعل فيه الرمل فوضع فقلت له خط بيدك فخط وصيته بيده في الرمل و نسخته انا في و صحيفة و قد يستدل على التّعميم بالنّسبة الى غير الأخرس أيضا مضافا الى ما عرفت من ان المناط في الأخرس انّما هو العجز عن التلفّظ فتثبت حيث ما تحقق قال بعض المعاصرين بعد حكايته ما لفظه و لا بأس به مع كونه كالأخرس في دوام العذر و عدم رجاء زواله عادة كذي الافة و نحوه و لعله مراد نحو (المسالك) و الا كما في المرض و الإكراه و نحوهما مما يزول عادة فلا (يخلو) عن نظر أو منع و دعوى ان المناط هو العجز حين ارادة العقد (مطلقا) عهدتها على مدعيها انتهى و هو وجيه الا انه بإطلاقه مما لا وجه له بل اللازم إلحاق ما يزول بعد فوات المقصود بالعذر الدائم فمن كان به مرض حكم الأطباء بان علاجه الزواج مثلا مع اعتقال لسانه بسبب ذلك المرض لا بد و ان يعتبر في حقه الإشارة من جهة ان زواله بحسب العادة انما يكون بعد النكاح فهو و ان كان مرجو الزوال الا انه قبل وقوع السّبب المذكور لا يرجى زواله فهو عذر دائم قبل وقوع النكاح المتوقف على العقد بالإشارة فافهم

قوله لانّ الوجوب بمعنى الأشراط كما فيما نحن فيه هو الأصل

نظرا الى ان مقتضى الأصل عدم سببيّته ما شك في سببيّته من جهة احتمال اشتراطه بشرط مفقود

216

قوله بل لفحوى ما ورد من عدم اعتبار اللّفظ في طلاق الأخرس

هذا مبنى على ما أشرنا إليه من كون الحكم في جميع الأبواب من جهة العجز عن النّطق على نسق واحد

قوله مع انّ (الظاهر) عدم الخلاف في عدم الوجوب

نعم قد عرفت فيما حكيناه من عبارة كشف اللّثام في كتاب النّكاح ما لفظه و لو وكلا أو أحدهما كان أحوط و وقع في كلام بعض المعاصرين بعد حكاية كلام (المصنف) (رحمه الله) ما لفظه فالقول بوجوب التوكيل على الأخرس و نحوه كما أرسله بعضهم في غير محله نعم قد يتجه ذلك فيما لا يلحق بالأخرس كالمريض و نحوه مع الحاجة الى عقده فعلا اقتصارا على المتيقن إذ لا ضرورة اليه مع إمكان التوكيل كما هو واضح كوضوح عدم ثبوت إجماع على عدم الفرق بينهما في نحو ذلك انتهى و قد عرفت منا ما يتعلق بمثله

قوله ثم لو قلنا بأن الأصل في المعاطاة اللزوم بعد القول بإفادتها للملكية فالقدر المخرج صورة قدرة المتبايعين على مباشرة اللفظ

مقصوده (قدس سرّه) من هذا الكلام هو الالتزام بأن المعاطاة الصادرة عن العاجز عن مباشرة اللّفظ كالأخرس و نحوه لازمة و ان كانت معاطاة و من شأنها انّها ان صدرت عن غيره كانت جائزة ثم لا يخفى ان القادر على إيقاع العقد بالصيغة قد يوقعه بها و يصير بيعا في تمليك الأعيان أو غيره من العناوين كالإجارة و نحوها في غيره و قد يوقعه بغيرها مثل مجرّد الإعطاء و الأخذ و يسمّى معاطاة و يوصف الأوّل باللّزوم في مثل البيع و يوصف الثانية أعني المعاطاة بالجواز عند غير المفيد (قدس سرّه) و من حذا حذوه سواء قيل بكونها بيعا أم بكونها مجرد اباحة و امّا غير القادر كالأخرس مثلا فهو بسبب عدم قدرته على أحد القسمين لا يظهر منه الا ما هو على نهج واحد فلذلك صار تمييز بيعه بالصّيغة مثلا عن المعاطاة محلّ غموض و اشكال فقال صاحب (الجواهر) (رحمه الله) في طي كلامه نعم يعتبر وجود القرينة الدّالة على ارادة العقد بها أو المعاطاة و بها يحصل الفرق بين العقد و المعاطاة في العاجز انتهى و محصله انه يقع منه القسمان فما قصد فيه العقد بالصّيغة فهو ذاك و ما قصد فيه المعاملة بالأخذ و الإعطاء فهو معاطاة و هذا هو الفارق بينهما في الواقع و الكاشف عن ذلك في الخارج انما هي القرينة الدالة على شيء منهما و قال (رحمه الله) في طي كلامه بعد ذلك و لكن قد سمعت سابقا إطلاق الأصحاب قيام الإشارة مقام العقد من غير إشارة إلى بيع المعاطاة و فيه إشارة الى عدم كونها بيعا و اللّه العالم انتهى و محصله انهم أطلقوا تحقق البيع بالإشارة على وجه يكون كالبيع بالصّيغة من غير إشارة في شيء من عباراتهم إلى تبعية الإشارة للمشار اليه من العقد أو المعاطاة و ذلك قاض بعدم كون المعاطاة بيعا عندهم و الا للزمهم التفصيل المزبور و فهم منه بعض من تأخر انه (رحمه الله) أراد به ان الأخرس أو من هو بمنزلته لا معاطاة له أصلا و الذي أفاده كلام (المصنف) (رحمه الله) هو ان المعاطاة بالنّسبة إليه موجودة الا انها محكوم عليها باللزوم نظرا الى ان الأصل في المعاطاة لما كان هو اللّزوم لما عرفت من الوجوه الثمانية المذكورة في كلامه و كان القدر المتيقن ممّا خرج عن الأصل هي معاطاة القادر بقي معاطاة غيره تحت حكم ما دلّ على اللزوم فهنا على ما فهمه ذلك البعض وجوه ثلاثة أحدها انّ المعاطاة و البيع بالصّيغة يقعان من العاجز عن اللّفظ و الفارق بينهما هو القصد في الواقع و القرينة في (الظاهر) و هذا هو الّذي يعطيه الكلام الأوّل الّذي حكيناه عن صاحب (الجواهر) (رحمه الله) ثانيها انه لا معاطاة له أصلا نظرا الى ان (الشارع) أقام إشارته مقام اللفظ و ما عدا اللفظ داخل تحت الإشارة و هذا هو الذي فهمه ذلك البعض من كلام صاحب (الجواهر) (رحمه الله) الذي حكيناه عنه ثانيا ثالثها انه يقع منه المعاطاة كما يقع منه غيرها الا ان معاطاته متّصفة باللّزوم و ليست على حد معاطاة غيره حتى يتصف بالجواز و هو الذي أفاده كلام (المصنف) (رحمه الله) و رجح ذلك البعض الوجه الأوّل و أورد على الوجه الثاني أولا بأنه مخالف للوجدان فانا نجد انه قد يقصد البيع اللازم و قد يقصد المعاطاة و ثانيا بأنّ الإطلاق ممّن قسم البيع الى لازم عقدي و جائز فعلى غير ثابت حتى يصير دليلا على ان المعاطاة ليست بيعا و لا عقدا و من غيرهم غير مجد لأنهم يقولون بإفادة المعاطاة الإباحة فإطلاقهم قيام الإشارة مقام العقد مبنى على مذهبهم و هو القول بالإباحة و هو أمر معلوم منهم لا حاجة الى إثباته بالاستدلال باللوازم أقول لم يرد صاحب (الجواهر) (رحمه الله) بكلامه الثاني ان العاجز لا معاطاة له و انما أراد ان المعاطاة ليست بيعا عندهم و الفرق بينهما بين فيسقط ما أورده ذلك البعض أولا و اما ما أورده ثانيا فهو متجه و قد أخذه من بعض المعاصرين لكنه لا يقتضي كون مراده (رحمه الله) نفى المعاطاة عن العاجز هذا و أورد ذلك البعض على الوجه الثالث و هو ما افاده (المصنف) (رحمه الله) بأنه لا وجه للحكم باللزوم (مطلقا) في بيع العاجز مع ما نراه عيانا من انه قد يقصد البيع اللّازم و هو البيع بالصّيغة و قد يقصد البيع الجائز و هو البيع بالإعطاء و الأخذ و ان شئت قلت انه قد يقصد لزوم البيع و قد يقصد جوازه ثمّ انه وجهه بان اللزوم و الجواز من قبيل ما هو مسبّب من البيع و غيره من المعاملات و

العقود و انهما من جملة أحكامها و ليسا عنوانين للمأتي به و من المعلوم ان ما يجب القصد اليه و ان ما يؤثر قصده انما هو العنوان فالبيع عنوان في مقابل الصّلح و لهذا يجب قصده حتّى انه لو لم يقصده لم يقع و اللزوم ليس عنوانا للبيع و ان كان متصفا به على خلاف الهبة و لذا لا يجب قصده و لا اثر للقصد و كما ان للعقود أنواعا (كذلك) لكل نوع صنف كالسلم و نحوه للبيع و هذا ايضا لا يجب قصده و لا اثر للقصد فيه ففيما نحن فيه الأخرس أو من هو بمنزلته انما قصد البيع دون اللزوم أو الجواز أو خصوص عنوان صنف من أصنافه و لو قصده فلا اثر له و المفروض ان المعاطاة بيع و لذلك كان الأصل فيه اللّزوم فإذا خرج معاطاة القادر عن تحت أصالة اللزوم بقي معاطاة العاجز تحتها ثم ردّه بأن إنكار القصد في معاطاة العاجز لا يخلو امّا ان يكون من جهة إنكار القصد في معاطاة غيره و ان حالها حال الكلي الذي هو من افراده و امّا ان يكون من جهة اختصاص معاطاة العاجز من بين سائر أفراد المعاطاة بعدم القصد فما عداها من الافراد مشتمل على القصد و أياما كان فالقصد الّذي لإنكاره مجال انّما هو القصد الى المسبّب و الحكم

217

دون السّبب فإنّه لا مجال لإنكاره و بعبارة أخرى قصد اللزوم و الجواز مما لا يعتبر و لو فرض انه قصد شيئا منهما لم يكن مؤثر أو امّا قصد إنشاء البيع بالصّيغة بأن يقصد بإشارته إنشاء البيع بالصّيغة أو قصد مجرّد التعاطي بان يعطى الدّرهم على متعارف إعطاء القادر على الصّيغة و يكون من قصده اشتراء التمر بدله فيعطيه الأخر إيّاه بهذا العنوان فلا شك في لزوم القصد اليه و الا كان فعلا غير مقصود و هو ممّا لا يترتب عليه الأثر فإذا قصد كلّا منهما ترتب عليه أثره قطعا لان السّبب يستلزم مسببه و يستتبعه بالضّرورة فيترتب على الإشارة المقصود بها البيع بالصّيغة اللزوم و يترتب على البيع بالتعاطي الجواز هذا و لكنك خبير بان هذا الرّد انما يصح ان يواجه به من كان منكرا للقصد في المعاطاة و لا مساس له بكلام (المصنف) (رحمه الله) و ان ذلك التّوجيه انما يناسب كلام من لم يكن وجه مختاره مذكورا في كلامه و أنت ترى ان (المصنف) (رحمه الله) قيد أولا بفرض الكلام على القول بأن الأصل في المعاطاة اللزوم ثم بين ان القدر المتيقن خروجه عن أصالة اللّزوم الى الجواز انما هي صورة قدرة المتبايعين على مباشرة اللّفظ فيبقى معاطاة العاجز من جهة الشك فيها داخلة تحت أصالة اللزوم و غاية ما هناك ان (يقال) اى وجه للأخذ بالقدر المتيقن فإنه لا يتم الا بعد الشك و هو لا بد له من سبب بل الأخذ بالمتيقن انما يتمّ لو لم يكن إطلاق لفظي فنقول ان المخرج للمعاطاة عن أصالة اللّزوم لا يصلح ان يكون غير الإجماع و ليس لمعقده إطلاق لفظي فيسري الشك الى شموله لمعاطاة العاجز فتبقى على أصالة اللّزوم بعد خروج ما هو المتيقن من معقده و هو معاطاة القادر و سبب الشك في شموله لمعاطاة العاجز هو انهم ذكروا أن الإشارة من غير القادر تقوم مقام اللفظ فيحتمل ان يكون المراد قيام إشارته (مطلقا) مقام اللفظ فما أورده ذلك البعض على (المصنف) (رحمه الله) غير وارد كما ان ما أورده على ثاني كلامي صاحب (الجواهر) (رحمه الله) لا وجه له لأنّه (رحمه الله) لم يرد إلا استفادة ان المعاطاة ليست بيعا و انما هي إباحة من كلامهم و اين هذا من ارادة ان الأخرس و من بمنزلته لا معاطاة له كما فهمه ذلك البعض فحصل من ذلك ان ليس هنا الا وجهان أحدهما ما ذكره صاحب (الجواهر) (رحمه الله) من انه يتبع في امتياز معاطاته عن البيع بالصّيغة القصد و القرينة و الثاني ان معاطاته لازمة كما ذكره (المصنف) (رحمه الله) بناء على القول بأصالة اللزوم في المعاطاة و التحقيق انه لا ريب في ان الأخرس و من بحكمه قد يصدر منه ما هو المتعارف من القادر من إعطاء شيء و أخذ شيء و هي معاملة فعليه و لو صدر منه اشارة كانت تلك الإشارة متوجهة إلى شيء من الأعيان الخارجية كما لو أشار الى التمر عند إعطاء الدراهم لتمييز المثمن الذي يريده كما يصدره كثيرا من القادر ايضا هذا ممّا يشارك فيه القادر و ليس ممّا يعجز عنه الأخرس و غيره حتى يحتاج الى البيان موضوعا أو حكما و قد يصدر منه الإشارة إلى إنشاء العقد بدلا عن إنشائه الّذي كان يصدر من القادر باللّفظ و مرادهم بقيام إشارة الأخرس مقام اللفظ انّما هي الإشارة إلى الإنشاء قاصدا بها ذلك فهنا أمران أحدهما ما يشارك فيه العاجز عن اللفظ غيره كالأفعال و هو بالنّسبة الى هذا قادر غير عاجز فيجري عليه ما يجرى على غيره من هذه الجهة لكونه داخلا في عنوان القادر بهذا الاعتبار و لا حاجة الى تخصيصه ببيان حكمه و ثانيهما ما هو عاجز عنه و هو الإنشاء باللّفظ و هذا هو الّذي يحتاج الى البيان و الى ان تكليفه ما ذا و اى ما يقوم منه مقام اللّفظ و لهذا لم يتعرّضوا لحكم معاطاته لكونه قادرا فيها و تعرضوا لحكم إنشائه اللّفظي و من هنا يعلم سقوط ما ذكره صاحب (الجواهر) (رحمه الله) من انهم أطلقوا قيام الإشارة مقام العقد من غير إشارة إلى بيع المعاطاة و فيه إشارة الى عدم كونها بيعا و ذلك لما عرفت من كونه بالنّسبة إلى المعاطاة قادرا لا يحتاج الى البيان مضافا الى ان المقام انّما هو مقام البحث عن الصّيغة فلا بدّ لهم من بيانها و بيان ما يقوم مقامها كاشارة الأخرس مثلا و لا مساس للمعاطاة الّتي هي الإعطاء و الأخذ بهذا المقام و ان قيل ان المراد بالإشارة كل ما عدا اللّفظ فيشمل الأفعال قلنا نعم و لكن كلّ ما كان من

الأفعال قائما مقام الإنشاء اللّفظي يجرى عليه حكم اللّفظ و يدخل فيما ذكروا من ان إشارة الأخرس تقوم مقام اللّفظ لا كل فعل و لا كلّ اشارة فافهم و لهذا قال المحقق الثاني (رحمه الله) في صيغ العقود على ما حكى عنه تكفي إشارة الأخرس الدالة على ارادة صيغ العقود و الإيقاعات و يترتب عليها أثرها و (الظاهر) بل المعلوم ان ذلك مراد جميع الأصحاب كما جزم به بعضهم و ظاهر عبارة (الشرائع) و غيرها يساعد على ذلك لانّه قال و يقوم مقام اللّفظ الإشارة مع العذر و معلوم انّه في صورة المعاملة بالإعطاء و الأخذ على ما هو المتعارف لا عذر لعدم عجزه عمّا هو قاصد له و (الظاهر) ان صاحب (الجواهر) (رحمه الله) أشار بكلامه الأول الذي حكيناه عنه الى هذا البيان و التفصيل الّذي ذكرناه لك في مقام التحقيق و ان كان قد اكتفى هو بالإشارة و بعد ان خطر ببالي ما عرفته من البيان و التحقيق قد عثرت على كلام بعض المعاصرين أيّده اللّه (تعالى) تضمّن الإشارة الى ما ذكرناه قال و لعلّ عدم تعرّضهم لمعاطاته لمعلوميّة عدم الفرق فيها بينه و بين غيره لعدم عجزه عنها كما هو واضح و (حينئذ) فلا يراد من إطلاقهم الإشارة إلا الإشارة إلى الصّيغة بل ربما (يقال) بان معاطاته لازمة و ان قلنا بجوازها من غيره فلعلّ إطلاقهم لذلك إذ لا فرق (حينئذ) بين معاطاته و عقده الا انه كالمقطوع بعدمه كما لا يخفى على من لاحظ كلماتهم انتهى و لو صدرت منه معاملة فشك في كونها معاطاة أو معاملة بالصّيغة قال بعض من تأخر حمل على الاولى لأن ما يصدر من الأفعال في المعاطاة لا بد من وقوعها في المعاملة بالصّيغة و تختصّ بزيادة الإشارة للإنشاء العقدي فإذا شك فيها فالأصل عدمها (فتأمل) فإن إثبات عنوان المعاطاة الوجودي بمثل ذلك الأصل العدمي لا (يخلو) عن مخالفته للقواعد الّتي حققناها في الأصول نعم ينتفي الأحكام المرتبة على المعاملة بالصّيغة من غير اشكال

قوله (رحمه الله) و (الظاهر) أيضا كفاية الكتابة مع العجز عن الإشارة لفحوى ما ورد من النصّ على جوازها في الطلاق

ففي رواية يونس في رجل أخرس كتب في الأرض بطلاق امرأته قال إذا فعل في قبل الطّهر بشهود و فهم منه كما يفهم من مثله و يريد الطّلاق جاز طلاقه على السنة و رواية أبي حمزة الثمالي قال سئلت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قال لرجل اكتب يا فلان الى امرأتي بطلاقها أو اكتب الى عبدي بعتقه