مقالة في تحقيق إقامة الحدود في هذه الأعصار

- السيد الشفتي المزيد...
233 /
5

تصدير

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين سيّدنا و نبيّنا محمّد و آله الطيّبين الطاهرين، و اللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.

و بعد، شرّع الله سبحانه الأحكام و السنن؛ لتنظيم حياة المجتمع الإنساني و بناء الإنسان، ليسمو في مدارج الكمال، و التقصير في تطبيق هذه الأحكام و السنن يكون سببا للآثار الوضعيّة السلبيّة على سنن الكون؛ فيتعرّض الإنسان لشتّى المصائب و الكوارث الطبيعيّة في الدنيا.

و لمّا كان الإسلام خاتم الأديان فلا بدّ أن تكون هذه الأحكام و السنن صالحة لكلّ زمان و مكان فهي خالدة ما خلد الدهر، فحلال محمّد حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة.

إنّ إقامة الحدود من الأحكام التي شرّعها الله تعالى لحفظ بيضة الإسلام و وقاية الناس من التصرّفات الخاطئة؛ لأنّ المجرم إذا أمن العقوبة أساء الأدب.

إنّ هذه المقالة- عزيزي القارئ- تكشف عن آراء العلماء الكبار الذين قالوا بجواز إقامة الحدود في عصر الغيبة، و تجد عدّة منهم قد حكموا بوجوبها بشرائط خاصّة، و قالوا: يجب على المجتهد الجامع للشرائط المبسوط اليد في زمان الغيبة أن يقيم الحدود الشرعيّة، و لا يعطّل أحكام الله، و أحد هؤلاء القائلين بوجوب إقامة الحدود هو المرحوم حجّة الإسلام الشفتي، و قد استدلّ على ذلك بما يظهر من إطباق علماء الطائفة و عمومات الكتاب و السنّة

6

المعتضدة بأقوال الأصحاب على العمل بمضمونها، و بذلك أثبت (رحمه اللّه) نظريّته في وجوب إقامة الحدود في هذه الأعصار.

و قد تمّ تحقيق هذه المقالة في قسم إحياء التراث الإسلامي. فلنشكر جميع الإخوة الأعزّاء المشاركين في إنجاز هذا المشروع، خصوصا الشيخ علي أوسط عبد العلي زاده الملقّب بالناطقي، و الأخ النقيب لطيف فرادى.

و نسأل المولى عزّ و جلّ أن يوفّقنا جميعا لخدمة الإسلام و يجعل عملنا خالصا لوجهه تعالى.

و الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى الله على سيّدنا محمّد و آله الطاهرين.

قسم إحياء التراث الإسلامى مركز الأبحاث و الدراسات الإسلاميّة

7

مقدّمة التحقيق

فيها: تمهيد و فصلان و خاتمة- الفصل الأوّل: نبذة من حياة حجّة الإسلام السيّد الشفتي.

- الفصل الثاني: موقف حجّة الإسلام السيّد الشفتي من نظريّة الحدود.

- الخاتمة: عملنا في الرسالة.

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد

الحمد للّه ربّ العالمين، و صلّى الله على أشرف المرسلين و خاتم النبيّين محمّد و على عترته الطيّبين الطاهرين مصابيح الدجى في الظلمات الحالكة و سفن النجاة في البحار المغرقة.

و بعد، اعتادت الأمم و الشعوب أن تكرّم علماءها و رجالاتها، و أن تؤرّخ أعمالهم و إنجازاتهم التي ساهمت في بناء صرح الحضارة الإنسانيّة فسمّوا النظريّات و الأفكار بأسماء مكتشفيها وفاء لهم من جانب و تشجيعا و حثّا للآخرين لاقتفاء آثارهم استمرارا للإبداع و الابتكار خدمة للبشريّة.

فذكر هؤلاء في الدنيا يتوقّف على أهمّيّة ما قدّموا كمّا و كيفا، و ذكرهم في الآخرة يتوقّف على مدى مراقبة الإنسان و إخلاصه للّه في جميع أعماله و رضى اللّه تعالى عنه. فيجب أن تكون الأعمال مقترنة بالطاعات للّه سبحانه.

أمّا رسولنا الأكرم و أئمّتنا- (سلام الله عليهم أجمعين)- فذكرهم مخلّد في الدارين؛ لأنّهم حملوا رسالة السماء و كلّفوا بتبليغها. فكانوا لأوامر الله ممتثلين و لنواهيه متجنّبين، لا تأخذهم في الله لومة لائم، منتهجين طريقا وسطا «اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبدا و اعمل لآخرتك كأنّك تموت غدا». (1) لا تغليب لجانب على جانب، فاعتبروا الدنيا مزرعة للآخرة؛ لأنّ الآخرة هي دار البقاء.

و السيّد حجّة الإسلام الشفتي (رحمه اللّه) خلّده التأريخ علما بارزا من أعلام الفكر الإسلامي؛

____________

(1). الفقيه 3: 94/ 356.

10

لأنّه قدّم للمسلمين ما استطاع أن يقدّمه، و عالج ما استطاع أن يعالجه، و بذلك فقد خلّدته أعماله الجليلة، فإذا ذكر المطاف في مكّة أو ذكرت «فدك» ينصرف الذهن إلى السيّد الشفتي (رحمه اللّه)، و كذا لو ذكر الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. فإن دلّ هذا على شيء فإنّما يدلّ على صدق نيّته و إخلاصه للّه في أعماله فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفٰاءً وَ أَمّٰا مٰا يَنْفَعُ النّٰاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ (1).

سلك (رحمه اللّه) مسلك أئمّتنا (سلام الله عليهم) في عباداته و مراقباته و تضرّعه و أخلاقه و سخائه و قضائه و حرصه على تطبيق الشريعة الإسلاميّة.

رأى (رحمه اللّه) أنّ إقامة الحدود واجبة على المجتهدين، و يجب أن يجروا الحدود طبق الموازين الشرعيّة، و أن لا يهملوا أيّ حكم من أحكام الله تعالى، و أنّ الداعي لتقرير الحدود من الشارع الحكيم إنّما هو لحفظ بيضة الإسلام و وقاية الناس من التصرّفات الخاطئة الموجبة لهلاك النفوس و اختلال النظام؛ و لأجل هذا كان يصرّ على إقامة الحدود، و لا يترك جرما- صغيرا كان أم كبيرا- إلّا و أجرى عليه الأحكام الشرعيّة، فكتب لأجل ذلك رسالة الحدود التي أثبت فيها جواز إقامة الحدود في هذه الأعصار للفقهاء، مستدلّا عليه بما يظهر من إطباق علماء الطائفة و عمومات الكتاب و السنّة.

____________

(1). الرعد (13): 17.

11

الفصل الأوّل نبذة من حياة المصنّف (رحمه اللّه)

اسمه

محمّد باقر بن محمّد نقيّ- بالنون- الموسوي الجيلاني الشفتي الأصفهاني.

نسبه

محمّد باقر بن محمّد نقيّ بن محمّد زكيّ بن محمّد تقيّ بن شاه قاسم بن مير أشرف بن شاه قاسم بن شاه هدايت بن الأمير هاشم بن السلطان السيّد عليّ القاضي بن سيّد عليّ بن السيّد محمّد بن السيّد عليّ بن السيّد محمّد بن السيّد موسى بن السيّد جعفر بن السيّد إسماعيل بن السيّد أحمد بن السيّد محمّد بن السيّد أحمد بن السيّد محمّد بن السيّد أبي القاسم بن السيّد حمزة ابن سيّدي و مولاي و سندي و مقتداي موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، عليه و عليهم أكمل التسليمات و التحائف (1).

ولادته و نشأته

ولد في سنة (1175 ه) في قرية من قرى رشت من نواحي طارم العليا، يقال لها

____________

(1). مطالع الأنوار 1: 2.

12

«چرزه» (1) و بينها و بين شفت عشرة فراسخ، و انتقل إلى شفت و هو ابن سبع سنين.

هاجر إلى العراق (1192 ه) طلبا للعلم، و هو ابن سبع عشرة سنة، و تشرّف بزيارة العتبات المقدّسة في كربلاء، و حضر درس الأستاذ الأكبر محمّد باقر البهبهاني و السيّد صاحب الرياض (2).

و قيل: إنّه حضر درس الأستاذ البهبهاني تبرّكا (3).

و في النجف الأشرف حضر درس السيّد المعظّم المهديّ بحر العلوم و الشيخ الأكبر جعفر كاشف الغطاء.

و في الكاظمية حضر درس السيّد محسن الأعرجي، فقرأ عليه القضاء و الشهادات.

مكث في العتبات المقدّسة ما يقرب من ثماني سنين بلغ فيها السيّد درجة سامية و مكانة عالية (4).

و لمّا حلّت سنة (1200 ه) سافر إلى قم المقدّسة أيّام زعامة المرحوم المحقّق الميرزا أبي القاسم القميّ، و حضر مجلسه بما ينيف على ستّة أشهر، و كان يقول: أرى لنفسي الرقى الكامل في هذه المدّة القليلة بقدر تمام ما حصل لي في مدّة مقامي بالعتبات العاليات، فكتب له الميرزا (رحمه اللّه) إجازة مبسوطة (5).

سافر إلى كاشان فحضر درس عالمها الفذّ الأخلاقي الشهير المولى محمّد مهدي النراقي مؤلّف جامع السعادات (6).

و في سنة (1206 ه) نزل أصفهان و عزم على الإقامة فيها، فاجتمع عليه طلّاب العلم الأفاضل حتّى عرف في وسطه، و تألّق نجمه، و طبّق ذكره نوادي العلم بها، و ما أكثرها و أعظمها يوم ذاك! و لم يزل اسمه على مرّ الزمن يزداد ذيوعا و شيوعا حتّى احتلّ مركزا عظيما، و حصل على رئاسة عامّة و مرجعيّة كبرى و زعامة عظمى.

____________

(1). و هي الآن من محافظة زنجان.

(2). طبقات أعلام الشيعة 2: 193 (ق 13).

(3). الفوائد الرضوية: 428.

(4). طبقات أعلام الشيعة 2: 193 (ق 13).

(5). روضات الجنّات 2: 100.

(6). طبقات أعلام الشيعة 2: 193 (ق 13).

13

التقى مع الحاجّ محمّد إبراهيم الكلباسي و كانا صديقين كريمين، درسا في معاهد النجف، و توطّدت أواصر المودّة بينهما، و بلغا مبلغ الزعامة، و سكنا في وقت واحد مدينة أصفهان، و لم تؤثّر تلك الزعامة على صفو المودّة بينهما، فلم يختلفا (1)؛ لأنّ غايتهما العمل للّه وحده و نشر و تطبيق مبادئ الإسلام، و ليس هذا بغريب؛ لأنّ المبادئ أسمى من النفوس.

قال السيّد الإمام الخميني (رحمه اللّه): «لو اجتمع جميع الأنبياء على شيء لما اختلفوا» (2).

فقره و فاقته

السيد الشفتي رجل عصامي يمتلك إرادة صلبة لا تزعزعه العواصف، و لا تثنيه الأزمات عن مسيرته، قطع الفيافي و الجبال و الوديان طلبا للعلم، فليس غريبا أن يجوع و يرتدي ملابس الفقر، فطريق العلم غير معبّد لسالكيه، فلا بدّ أن يعيش كلّ هذه المعاناة؛ ليدفع ثمن العلم الباهظ محتفظا بكرامته و إبائه ما دام يمتلك نفسا أبيّة لا تلجئه إلى دنيء الأمور و خسيسها.

فمعاناة الفقر التي رويت عنه ما هي إلّا دروس و عبر ليس فقط لطلّاب العلوم، بل لكلّ من يريد الرقيّ في سلّم المعالي.

و من يتهيّب صعود الجبال * * * يعيش أبد الدهر بين الحفر

و من لم يعانقه شوق الحياة * * * تبخّر في حرّها و اندثر

إنّ السيّد صاحب الرياض جعل له في كلّ يوم رغيفين (3).

و حكى المرحوم التنكابني: أنّه كان يحتذي نعلا بلا كعب (4). هذا ما كان من أمره في كربلاء.

و أمّا في النجف الأشرف فالفقر ملازم له و الفاقة لا تفارقه بنحو لا يتصوّر، فقد روي عن صديقه الكلباسي أنّه وجده يوما مرميّا على الأرض، فأسعفه بوجبة طعام، فعاد إلى حاله (5).

____________

(1). طبقات أعلام الشيعة 2: 193- 194 (ق 13).

(2). صحيفۀ نور 11: 81.

(3). قصص العلماء: 155.

(4). قصص العلماء: 155.

(5). قصص العلماء: 154.

14

و ما جرى له مع السيّد المرحوم بحر العلوم خير شاهد على إبائه.

ذكر المرحوم التنكابني أنّ السيّد الشفتي كان كثير الاحتياط في الطهارة و النجاسة، و غالبا يذهب إلى دار أستاذه السيّد بحر العلوم و يطهّر من حوض الماء، و في أحد الأيّام اطّلع عليه أستاذه، و عرف فقره و فاقته فقال له: عليك أن تأتي إلى هنا أوقات الطعام، و أصرّ عليه، فقال له السيّد: إن طلبت منّي ذلك مرّة أخرى فسأخرج من النجف، فإذا أردتني أن أبقى في النجف أدرس فنرجو ألّا تأمروا بذلك.

و في أصفهان عند ما أخرجه المدرّس المشرف على المدرسة في «چهار باغ» لم يكن عنده شيء إلّا منديل لسفرة الطعام و كتاب مدارك الأحكام.

و كانت له مؤاخاة مع والد صاحب قصص العلماء فدعاه حجّة الإسلام للذهاب إلى منزله، و بعد مضيّ مدّة من الليل مدّ السفرة، و أحضر خبزا مكسّرا يابسا مضى عليه عدّة أيّام، و تعشّيا من ذلك الخبز (1).

سبب التحوّل في حياته

ذكر المرحوم التنكابني أنّ السيّد الشفتي في أواخر أيّام فقره وصله شيء من المال، فذهب إلى السوق ليشتري له و لعياله قوتا ليسدّ الجوع عنهم، رأى أن يشتري الشيء الأزهد ثمنا، فاشترى «المعلاق»، و عند رجوعه لفت نظره خربة، فنظر فيها فرأى كلبة مع صغارها ضعيفة نحيفة و صغارها تولول، و ليس في ثدي الكلبة شيء، فرمى حجّة الإسلام «المعلاق» إلى الكلبة و صغارها، و قدّمها على نفسه و عياله، فهجمت الحيوانات و أكلت و السيّد واقف ينظر، و بعد الانتهاء نظرت الكلبة نظرة إلى السماء و كأنّها تدعو.

و نقلوا عنه أنّه قال: بعد تلك المعاملة للكلبة أقبلت الدنيا عليّ (2).

إذا وفّق الرحمن يوما لعبده * * * تساعده الأيّام من كلّ جانب

هيّأ الله الأسباب، و بدت تباشير الخير تلوح، و ذلك بعد أن أرسل أحد رجال «شفت» مقدارا

____________

(1). قصص العلماء: 154- 155.

(2). قصص العلماء: 155.

15

من المال إلى السيّد من دون قصد إلى مقدار معيّن، و قال له: أنت حرّ التصرّف في مقدار منه، ما دام المالك حيّا، و كلّ ما له من منافع و أرباح فهو لك. (1)

اشتغل السيّد بذلك في التجارة بين رشت و أصفهان- كما صرّح بذلك صاحب الفوائد الرضوية (2)- فتحسّنت أحواله الاقتصادية، و توسّعت تجارته، فأصبح التاجر الأوحد في زمانه.

و ذكر المرحوم التنكابني: أنّ داره اشتملت على دور و بيوت كثيرة، و كان يعيل مائة شخص من الخدم. و عنده من القرى و الضياع و العقارات ما لا يحصى، و كان له في أصفهان أكثر من ألفي دكّان، و أملاكه في بروجرد و يزد، و قراه في شيراز (3).

أخلاقه

الأخلاق من المنجيات الموصلة للسعادة الأبديّة، فالتحلّي بها من أهمّ الواجبات، فيجب على كلّ عاقل أن يجتهد في اكتساب فضائل الأخلاق.

قال الرسول (صلّى اللّه عليه و آله): «إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق» (4) فكان (عليه السلام) كما وصفه القرآن الكريم وَ إِنَّكَ لَعَلىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ (5)، كذلك أئمّتنا- (سلام الله عليهم)- سموا في معالي ذري الأخلاق، و شهد أعداؤهم بذلك، و الفضل ما شهدت به الأعداء (6).

و السيّد الشفتي (رحمه اللّه) من سلالة سيّد المرسلين توارث الأخلاق أبا عن جدّ، فكان حسن الأخلاق كريمها، وصفه صاحب الروضات بكونه عاقلا ديّنا فقيها حليما عارفا بارّا صابرا شكورا ليّنا (7).

و قال عنه الشيخ الفاضل محسن خنفر من مشاهير علماء النجف الأشرف: إنّ فضيلة

____________

(1). قصص العلماء: 155.

(2). الفوائد الرضوية: 429.

(3). قصص العلماء: 156.

(4). بحار الأنوار 16: 210؛ و 68: 373 و 382.

(5). القلم (68): 4.

(6). مجمع البيان 10: 333، ذيل الآية 5 من سورة القلم (68).

(7). روضات الجنّات 2: 99.

16

السيّد محمّد باقر أكثر من شهرته، و شهرته أقلّ من فضله (1).

كان (رحمه اللّه) على قدر كبير من التواضع، ففي إحدى زياراته للعتبات المقدّسة في كربلاء التقى به أحد أصدقائه أيّام التحصيل، و كان السيّد يصلّي الجماعة في إيوان سيّد الشهداء (عليه السلام)، فجاء ذلك الصديق، و قبّل يده، و قال: نتمنّى أن تأتي إلى المدرسة لتشرّفها و نهيّئ لك طعام «الشوربا» و خبزا، فقال له السيّد: لو دعوتني قبل الآن لما ذهبت، و لكن دعوتك الآن كاشفة عن بساطة و سهولة، فلبّى دعوته (1).

سخاؤه

الكرم خلق الله و خلق الأنبياء، و سادة الناس في الدنيا الأسخياء، و كلّما ازداد الإنسان سخاء و حسن خلقا ازداد شرفا و محبّة، و السيّد الشفتي من الكرماء المعروفين، و له في الكرم حوادث:

منها أنّه كان (رحمه اللّه) إذا ما جاءه مال الإمام يجمع ذلك الذهب الأحمر و الفضّة البيضاء في مكان واحد و يوزّعه على الفقراء و السادات، فيعطي لكلّ واحد قبضة منه، و في بعض الأحيان يجعله على شكل صرر لكلّ واحد صرّة أو أكثر، و خلال ساعة ينفد جميع المال.

و ممّا يلفت النظر تجمّع الناس الفقراء و السادات في الشوارع المؤدّية إلى بيت السيّد خلال التوزيع.

و في يوم الغدير كان كلّ تاجر من أصفهان يدفع للسيّد ما يناسبه من المال ليوزّعها على الفقراء، فكان يعطي لكلّ فقير قبضة مهما بلغ مقدارها.

و كان ينفق ماله للفقراء و الطلّاب، و يرعى الرؤساء و الأعيان و التجّار و الأمراء، و يمدّهم بالقروض.

بلغ به الكرم حتّى أصبح يعيل (1000) عائلة فقيرة في أصفهان، ينفق عليهم اللحم و الخبز (3).

____________

(1). قصص العلماء: 158.

(3). قصص العلماء: 164؛ الفوائد الرضوية: 429؛ بيان المفاخر 1: 141- 142.

17

عبادته

كان السيّد الشفتي (رحمه اللّه) عالما ربّانيّا روحانيّا ممّن عرف حلال آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و حرامهم، و شيّد أحكامهم و خالف هواه و اتّبع هواه و اتّبع أمر مولاه، و كان دائم المراقبة لربّه لا يشغله شيء عنها (1).

له أحوال خاصّة انفرد بها دون غيره، ففي تكبيرة الإحرام في الصلاة كان يمدّ لفظ الجلالة، و لمّا سئل عن ذلك قال: أنطق بالكلمة و لا أملك أمري، فيكون منّي من غير اختيار.

و كانت صلاته كلّها بخضوع تامّ و حزن، بل كان يقرأ مع بكاء، و أنّ صلاته كانت مع قلب حاضر تمام الحضور، و قال المرحوم التنكابني: كانت صلاة حجّة الإسلام على نهج صلاة أمير المؤمنين (عليه السلام) و يقال: إنّ حجّة الإسلام كان يصلّي الجماعة، و لم يسه أبدا إلّا يوم توفّي ولده السيّد هاشم، فقد سها في يومها في صلاة الظهر (2).

كان يشتغل بالتضرّع من نصف الليل حتّى الصباح في ساحة مكتبته كالمجنون، أو يناجي ربّه و يلطم رأسه و صدره، و كان يعلو منه حنين و أنين بدون اختيار، و لو كان الجيران مستيقظين لسمعوه.

كان (رحمه اللّه) يتوقّى التظاهر في تضرّعه و خشوعه، فقد روى عنه بعض الأجلّة أنّه كانت تجري دموعه بمجرّد أن يخلو مجلسه من الناس (3).

و عن بعض خواصّه قال: خرجت معه إلى بعض قراه، فبتنا في الطريق، فقال لي: ألا تنام، فأخذت مضجعي، فظنّ أنّي نمت، فقام يصلّي، فو الله إنّي رأيت فرائصه و أعضاءه ترتعد بحيث كان يكرّر الكلمة مرارا من شدّة حركة فكّيه و أعضائه حتّى ينطق بها صحيحة (4).

ذكر المرحوم التنكابني أنّه عرض له الفتق نتيجة البكاء و الولولة، و قد منعه الأطباء من البكاء و لم يجد نفعا، و كان قرّاء عزاء المنبر الحسيني لا يرتقون المنبر ما دام السيّد

____________

(1). الفوائد الرضوية: 429.

(2). قصص العلماء: 152- 153.

(3). الفوائد الرضوية: 429.

(4). الفوائد الرضوية: 429.

18

حاضرا، و إذا صعد أحدهم على المنبر في حضوره لم يكن يذهب بل يبقى يبكي (1).

أساتذته

1- الآخوند ملّا علي بن جمشيد نوري المازندراني الأصفهاني.

2- بحر العلوم، السيّد محمّد مهدي بن مرتضى الطباطبائي النجفي.

3- التستري، الشيخ أسد الله بن إسماعيل الدزفولي الكاظمي.

4- الطباطبائي، السيّد محمّد بن أمير السيّد علي الحائري الأصفهاني.

5- الطباطبائي، مير سيّد علي بن محمّد علي بن أبي المعالي الصغير.

6- كاشف الغطاء، الشيخ جعفر بن خضر الجناجي النجفي.

7- الكاظمي، الشيخ سليمان بن معتوق.

8- المحقّق الأعرجي، السيّد محسن بن حسن بن مرتضى الأعرجي الكاظمي.

9- الميرزا الشهرستاني، محمّد مهدي بن أبي القاسم الموسوي.

10- الميرزا القميّ، أبو القاسم بن الملّا محمد حسن الگيلاني.

11- النراقي، المولى محمّد مهدي بن أبي ذرّ بن الحاجّ محمّد الكاشاني.

12- الوحيد البهبهاني، الأستاذ محمّد باقر بن المولى محمّد أكمل الأصفهاني.

درسه و إجازاته

كان درس السيّد الشفتي في نهاية الدقّة و المتانة، و غاية التفصيل في أقوال الفقهاء، فيذكر وجوها و احتمالات كثيرة لفهم عباراتهم.

يحضر درسه خلق كثير من كبار العلماء و المجتهدين و الطلّاب، لكنّ درسه كان قليلا، فيدرّس في الأسبوع يومين أو ثلاثة أو أقلّ.

و في بعض الأحيان تأتيه المرافعات أثناء الدرس (2).

أفرد له صاحب بيان المفاخر في الجزء الأوّل فصلا مفصّلا يتعلّق بدرس السيّد الشفتي

____________

(1). قصص العلماء: 152.

(2). قصص العلماء: 151.

19

و طلّابه و إجازاته، و عدّد منهم (148) بين طالب و مجاز (1).

و أمّا إجازاته فقد ذكرها الشيخ آغا بزرك الطهراني في طبقات أعلام الشيعة (2: 195 ق 13) بقوله:

له إجازات كثيرة مفصّلة لمجتهدي تلاميذه، رأيت منها مجموعة في مكتبة المولى محمّد علي الخوانساري في النجف فيها ثلاث عشرة إجازة تقرب من خمسة آلاف بيت، و المجازون هم:

1- الحاجّ محمّد إبراهيم الأصفهاني.

2- الميرزا محمّد الرضوي.

3- المولى محمّد علي المحلّاتي.

4- السيّد فضل الله الأسترآبادي.

5- المولى محمّد صالح الأسترآبادي.

6- الشيخ علي النخجواني.

7- السيّد محمّد تقي الزنجاني.

8- الحاجّ عبد الباقي الكاشاني.

9- السيّد محمّد علي الأبرقوئي.

10- المولى مرتضى قلي.

11- المولى محمّد رفيع الگيلاني المعروف بشريعتمدار.

12- المولى عبد الوهّاب.

13- الآقا محمّد المجتهد.

مؤلّفاته

1- اتّحاد معاوية بن شريح و ابن ميسرة. منضمّة إلى سائر رسائله الرجالية.

2- أصحاب الإجماع. طبع ضمن رسائله الرجالية.

____________

(1). بيان المفاخر 1: 238- 395.

20

3- أصحاب العدّة. طبع ضمن رسائله الرجالية.

4- تحفة الأبرار. رسالة فتوائية لعمل المقلّدين كتبها على حذو كتابه مطالع الأنوار في شرح الشرائع، كبير، و كان هذا مستخرجا منه، أوّله «نحمدك اللهم».

5- تحفة الأبرار الملتقط (المستنبط) من آثار الأئمّة الأطهار (عليهم السلام). رسالة فارسيّة مبسوطة يتعرّض فيها للأدلّة غالبا. طبعت سنة (1409 ه) في مجلّدين بتحقيق السيّد مهدي الرجائي.

6- جواز الاتكال على قول النساء في انتفاء موانع النكاح. رسالة مدرجة من السؤال و الجواب.

7- الرسائل الرجالية. تشتمل على اثنتين و عشرين رسالة في أحوال عشرين رجلا من الرواة، و هم: أبان بن عثمان، و أبو بصير، و أحمد بن محمّد، و حسين بن خالد، و سهل بن زياد، و عبد الحميد العطّار، و عمر بن يزيد، و محمّد بن أحمد، و محمّد بن خالد اليقطيني، و معاوية، و إبراهيم بن هاشم، و أحمد البرقي، و إسحاق بن عمّار، و حمّاد بن عيسى، و شهاب بن عبد ربّه، و المقصودون من عدّة الكليني: ماجيلويه، و محمّد بن إسماعيل، و محمّد بن سنان، و محمّد بن فضيل.

8- رسالة في تطهير العجين بالتبخير و عدمه. الرسالة ضمن مجموعة في موقوفة مدرسة (البروجردي في النجف).

9- رسالة في شكوك الصلاة (الشكيّات). فارسي، مختصر ضمن مجموعة من رسائله.

10- رسالة في القضاء و الشهادات. رسالة بطريق الاستدلال التامّ زمن قراءته في تلك المباحث على شيخه السيّد محسن الكاظمي.

11- رسالة في الوقف على النفس و بطلانه. و قد حكم ببطلان كثير من الأوقاف الكذائية القديمة، و رجوع الموقوفات إلى الوارث الخاصّ أو العامّ، و عومل معها بالملكية و بعد وفاته أيضا.

12- الزهرة البارقة، و في نسخة «الباهرة». في الحقيقة و المجاز في ثمانية آلاف بيت، مشتمل على كثير من مباحث علم الأصول و العربية و مباحث الألفاظ و المبادي اللغوية.

و طبعت بعد وفاته بأمر من تلميذه و صهره الآقا محمّد مهديّ بن الحاجّ الكلباسي.

21

13- سؤال و جواب. في مجلّدين فارسي و عربي، في جملة من المسائل الفقهيّة.

14- شرح البهجة المرضية في شرح الألفية. من نظم ابن مالك و شرح العلّامة السيوطي.

و ذكره التنكابني في قصص العلماء (ص 150) بقوله: و منها حاشية على السيوطي من أوّل الكتاب حتّى بحث التمييز أو الحال، كتبها مع الأدلّة و جميع الأقوال و تحقيق الحقّ، و قد أتمّ ابنه السيّد أسد الله الحاشية بأمر منه.

15- شرح جوابات المسائل. الصادرة عن المحقّق القمّي صاحب القوانين، شرح فيه جملة من جواباته في حياته حسب أمره.

16- مطالع الأنوار. شرح استدلالي كبير على شرائع الإسلام في سبعة مجلّدات، و المجلّد السابع فهرست للكتاب نفسه و لم يتمّ بحث الصلاة.

طبع الكتاب (1402 ه) على نفقة لجنة خيريّة قائمة بنشر آثار آل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و اتحفه السيّد آية الله المرعشي (رحمه اللّه) بمقدّمة أثنى فيها على الكتاب بقوله:

و لعمري و ربّ الراقصات و داحي المدحوّات سفر جليل قليل النظير، بل عديم المثيل من حيث احتوائه على آلاف من الفروع و المسائل الشرعية، بحيث لا يستغني عن المراجعة إليه و الاستفادة منه أرباب الاستنباط و ردّ الفروع إلى الأصول، فجزاه الله بهذا الصنع الجميل جزاء من أحسن عملا، و حشره تحت لواء جدّه مولانا سيّد المظلومين أمير المؤمنين (عليه السلام) ... فيا أيّها العلماء المحقّقون و أرباب الأنظار الصائبة و النوابغ في تطبيق الفروع على الأصول عليكم بهذا المؤلف النفيس و الاستفادة من إفاداته و الاستنارة من دقائقه و أنواره.

17- مناسك الحجّ. فارسي.

18- نماز برهنه. رسالة فارسيّة في الصلاة (1).

____________

(1). راجع فهرس مؤلّفاته في المصادر التالية:

روضات الجنّات 2: 100- 102؛ أعيان الشيعة 9: 188؛ بيان المفاخر 2: 17- 82، الذريعة 1: 81 و 2: 119- 120 و 3: 403- 404 و 10: 246- 247 و 11: 149 و 12: 72- 73 و 243 و 13: 127 و 179 و 14: 218 و 17:

141 و 21: 142 و 22: 257 و 24: 311 و 25: 136.

22

مكتبته

كان السيّد الشفتي يشتري الكتب إلى آخر عمره، و كان يقول: كلّ الكتب عندي، و في السنة التي ذهب فيها حجّة الإسلام إلى مكّة حسبوا مكتبته فبلغت قيمتها (50) ألف تومان (التومان يعادل الليرة الذهبيّة). و عند ما توفّي السيّد أرادوا تقسيم تركته كانت المكتبة حصّة ابنه السيّد أسد الله، و أخذ باقي الورثة سائر الأملاك (1).

المسجد الأعظم في بيدآباد

من أعمال السيد الشفتي الخالدة بناء المسجد الأعظم في بيدآباد، بدأ العمل في بنائه سنة (1245 ه) و تبلغ مساحته (8075 م) أنفق ما يقرب من مائة ألف دينار شرعي، مال بقبلته إلى يمين سائر المساجد يسيرا، جعل فيه حجرات للطلّاب، لم ير مثله في البناء في العالم، و كان السيّد (رحمه اللّه) يدرّس فيه، و يجلس للمرافعات بين الناس (2).

«فدك» و المطاف في مكّة المكرّمة

و من أعماله الجليلة التي إذا ذكرت بعده ذكر السيّد (رحمه اللّه) و هي أنّه ذهب سنة (1231 ه) إلى مكّة المكرّمة، و كان ذلك أيّام محمّد علي باشا المصري، و كانت له زيارة خاصّة له فأخذ منه «فدك»، و كفّل بها سادات المدينة؛ و كذلك حدّد المطاف للمسلمين في مكّة المكرّمة (3).

وفاته

توفّي (رحمه اللّه) بمرض الاستسقاء يوم الأحد الثاني من شهر ربيع الأوّل سنة (1260 ه) و عمّ الحزن و أغلقت أبواب الأسواق أيّاما. و انتشر نعيه إلى سائر بلاد الإسلام كالهند و تركستان و ما وراء النهر و أقاموا عليه العزاء.

____________

(1). قصص العلماء: 156- 157.

(2). راجع روضات الجنّات 2: 102- 103؛ الفوائد الرضوية: 429.

(3). قصص العلماء: 160.

23

رثاه تلميذه صاحب الروضات بقصيدة إلى تمام ثمانين بيتا.

لمن العزاء و هذه الزفرات ما هي في الزمر * * * تبكي السماء و في الأرض الفساد به

ظهر

و جرت عيون الدمع من صمّ الجبال و حاولت * * * لتزول و انشقّت جيوب الصبر و اشتمل الضرر

و اغبرّت الآفاق و اختلّ السياق بأسره * * * و تغيّرت شمس المشارق منه و انخسف القمر

من فقد سيّدنا الإمام الباقر العلم الذي * * * جلّت عن العدّ المحامد منه و الكرامات الكبر

إلى آخر بيت في القصيدة حيث أرّخ سنة وفاته:

و سألت طبعي القرم عن تأريخ رحلته * * * فجرّ ذيلا و قال: (الله أنزله كريم المستقرّ) (1)

[الله (66)+ أنزله (93)+ كريم (270)+ المستقرّ (831) سنة 1260 ه].

أولاده

خلّف (رحمه اللّه) من الأولاد الميرزا زين العابدين و المير محمّد مهدي و السيّد محمّد علي و السيّد أسد الله و السيّد مؤمن، جلّهم علماء فضلاء، انتهت إليهم الرئاسة العلميّة بعد أبيهم في أصفهان (2).

قال صاحب الفوائد الرضوية: له (رحمه اللّه) أولاد متعدّدون إلّا أنّ أحدهم كان قابلا للفتوى و مقيما مقامه في الأمور العامّة و صلاة الجماعة، و هو الحاجّ ميرزا أسد الله، لم ير مثله في الزهد و الورع و التقوى، بلغ مبلغ والده في الزهد و المقبوليّة عند العامّة (3).

____________

(1). روضات الجنّات 2: 103- 104.

(2). أعيان الشيعة 9: 188.

(3). الفوائد الرضوية: 429.

24

الفصل الثاني موقف حجّة الإسلام السيّد الشفتي من نظريّة الحدود

نظريّة علماء الشيعة في القضاء

إنّ أحكام الإسلام لا بدّ أن تطبّق بالكامل، و لكن في بعض الأزمنة إذا وجدت أسباب سياسيّة لمنع حكم أو أكثر يتعطّل إجراء تلك الأحكام.

و في حالة وجود دولة ظالمة تحكم على الناس بالظلم لا يمكن لعلماء الإسلام و المجتهدين إجراء الأحكام.

و إذا وجد في الدولة شخص فقيه مقتدر مبسوط اليد له نفوذ بالدولة، و يتمكن من إجراء أحكام الله، يجب عليه حينئذ إجراء تلك الحدود.

الذي أوضحناه هو أحد خصوصيّات المذهب الشيعي فوظيفة الفرد الشيعي أن يطيع الأوامر التي يصدرها المجتهد العادل، و يسعى إلى إقامة الدولة الإسلامية حتّى يتمكّن المجتهدون من تطبيق الأحكام.

أمّا الدعاوى و المرافعات بين الناس فإنّ القاضي يحكم بها بموجب الأدلّة الظاهرة، و يجب أن يمتلك القاضي صلاحيّة العلم و الاجتهاد و العدالة. و العلماء يقسمون إلى قسمين:

القسم الأوّل: هم الذين يمتلكون صلاحيّة العلم و الاجتهاد و العدالة؛ و لأجل أخذهم بالاحتياط ابتعدوا عن هذه المهمّات.

أمّا القسم الثاني: فهم الذين تصدّوا للأمور، و لهم قدرة الحكم من صلاحيّة العلم و الاجتهاد و العدالة.

25

و بما أنّ القضاء واجب كفائي ساعد ذلك على إفساح المجال للعلماء و المجتهدين الذين أخذوا بالاحتياط أن ينصرفوا للدرس و التأليف.

و أمّا الذين تصدّوا للأمور العامّة و حلّ المشاكل الاجتماعية و الدينية و الحسبية و القضاء في الأمور الشرعية فيجب أن يكون الرجل المناسب في المكان المناسب.

و أمّا ما يتعلّق بقطع اليد و إجراء القصاص، فإنّه يتعلّق بموافقة المجتهد المبسوط اليد و المتمكّن من تنفيذ الحكم في زمانه و مكانه (1).

نظريّة حجّة الاسلام في إقامة الحدود

قال في بيان المفاخر: يعتقد السيّد الشفتي أنّ إقامة الحدود واجبة على المجتهدين، و يجب أن تجري الحدود طبق الموازين الشرعية، و أن لا يهملوا أيّ حكم من أحكام الله تعالى.

و بهذا كان يصرّ على إقامة الحدود، و لا يترك جرما صغيرا كان أم كبيرا، فيجري عليه الأحكام الشرعية. فالذين يستوجبون التعزير يعزّرهم، و الذين يستوجبون الحدّ يقيم عليهم الحدّ، و يقطع يد السارق بعد أن تثبت عليه السرقة، و القاتل يحكم عليه بالقصاص، و يصدر أمرا بقتله، و في بعض الأحيان كان يجري الحكم بنفسه (2).

و قال صاحب الروضات: بلغ عدد من قتله (رحمه اللّه) في سبيل ربّه تبارك و تعالى من الجناة و الجفاة أو الزناة أو المحاربين اللاطين زمن رئاسته ثمانين أو تسعين، و قيل: مائة و عشرين (3).

و قال المرحوم التنكابني: في المرّة الأولى التي حكم فيها بالقتل بسبب اللواط، كان كلّ من يطلب منه تنفيذ ذلك يرفض حتّى قام بنفسه و ضربه فلم تؤثّر، فقام شخص و ضربه على رقبته، و صلّى عليه حجّة الإسلام (4).

____________

(1). بيان المفاخر 1: 153- 155.

(2). بيان المفاخر 1: 161.

(3). روضات الجنّات 2: 101.

(4). قصص العلماء: 159.

26

و كان يبكي في صلاته و يطلب من الله المغفرة و الرحمة للمقتول، و في بداية أمره لم يكن السيّد الشفتي معروفا في أصفهان، و في أحد الأيّام بينما كان مارّا في أحد الأزقّة رأى جماعة منشغلين باللهو و الموسيقى فتقدّم قاصدا ضربهم فمسكوه و حبسوه، فعلم الطلّاب بخبره، فأخبروا إمام الجمعة، فأرسل من أخرجه من الحبس (1).

مرافعاته و قضاؤه

ذكر المرحوم التنكابني: أنّ السيّد الشفتي يصلّي الصبح في المسجد، ثمّ يجلس للمرافعات حتّى يجيء وقت الظهر، فيصلّي الظهر بوضوء الصبح، و في بعض الأحيان تأتيه المرافعات أثناء الدرس (2).

أمّا قضاؤه فكان في غاية الإتقان و الإحكام، و كانت تطول عنده المرافعة و تمتدّ أحيانا إلى سنة أو أقلّ أو أكثر، و كان يتملّك فراسة عجيبة في أمر القضاء (2).

توثيق الرسالة

ذكرت الرسالة في كتب التراجم و فهارس المخطوطات بأسماء مختلفة:

1- رسالة في حكم إقامة الحدود في زمن الغيبة. ذكرها في روضات الجنّات 2: 101 و قال: «و كان يذهب إلى وجوب ذلك على المجتهدين، و يقدم على إجرائه بالمباشرة» و قريبا منه العلّامة الأمين في أعيان الشيعة 9: 188.

2- رسالة في إقامة الحدود في عصر الغيبة. ذكرها الطهراني في الكرام البررة من طبقاته، و نقل عنه في بيان المفاخر 2: 80. و قريبا منه في فهرست مكتبة المرحوم آية الله الگلپايگاني.

3- وجوب إقامة الحدود الشرعيّة زمن الغيبة على المجتهد. ذكرها الطهراني في الذريعة 25: 31، و المدرّس التبريزي في ريحانة الأدب 2: 27- 28.

____________

(1). قصص العلماء: 158.

(2). قصص العلماء: 159.

27

4- الحدود. ذكرت في فهرست مكتبة المرحوم آية الله المرعشي النجفي 10: 111، الرقم 3712.

5- مقالة في تحقيق إقامة الحدود في هذه الأعصار. صرّح المصنّف به في خطبة الكتاب و قال: «هذه مقالة في تحقيق إقامة الحدود في هذه الأعصار التي غاب حجّة الله تعالى عن الأنظار (عجّل الله تعالى فرجه) و قريبا منه في أوّل المخطوطين.

فالاسم الصحيح للرسالة هو: مقالة في تحقيق إقامة الحدود في هذه الأعصار.

ماهيّتها

إنّ هذه الرسالة تشتمل على إحدى المباحث الفقهيّة المهمّة التي تعدّ من شئون الدولة الإسلاميّة و هي مبحث إقامة الحدود في عصر الغيبة، و للفقهاء فيها آراء، فمنهم من ذهب إلى جواز إقامة الحدود في عصر الغيبة، و منهم من قال بعدم الجواز، و عدّة منهم أفتوا بوجوبها بشرائط خاصّة، و قالوا: يجب على الفقيه الجامع لشرائط الإفتاء، المبسوط اليد في زمان الغيبة أن يقيم الحدود الشرعيّة و لا يعطّل أحكام الله.

و أحد هؤلاء الفقهاء القائل بوجوب إقامة الحدود للفقيه هو حجّة الاسلام الشفتي، و قد تتبّع أقوال العلماء و جمع آراءهم في هذه الرسالة، من القائلين بجواز إقامة الحدود و القائلين بعدم الجواز.

و قد اعتمد في أسلوب البحث على طرح الأسئلة، ثمّ الإجابة عليها بالأدلّة و الأقوال الواردة في المسألة ثمّ يناقشها بما يحتمل النصّ من جميع الوجوه، ثمّ يوجّه الاحتمال الذي يوافق غرضه، ثمّ يعزّزه بالأدلّة و الأقوال المكثّفة الصريحة في ذلك.

ففي مقدّمة البحث عرّف معنى الحدّ و من خلال نقل كلمات الفقهاء حدّد البحث و حصر الأقوال في المسألة في أربعة ثمّ ورد في أصل المسألة و لتنقيح البحث عقد له مقامات أربعة:

المقام الأوّل: في جواز إقامة المولى الحدود على مماليكه.

المقام الثاني: في جواز إقامة الزوج الحدود على الزوجة مطلقا.

المقام الثالث: في جواز إقامة الوالد الحدّ على ولده و عدمها.

28

المقام الرابع: في أصل المطلب، أي جواز إقامة الحدود للفقهاء في هذه الأعصار كما يجوز لهم الأنظار و الإفتاء و الحكم بين الناس.

و بما أنّ السيّد الشفتي (رحمه اللّه) لا يعتمد بأكثر القواعد الأصوليّة المتداولة بين المتأخّرين، و يعتمد في الأكثر على الأخبار و الظنون الخاصّة؛ و لذا نراه يطبق مبانيه التي بيّنّاها فيتصرّف بالقواعد و الأحكام، و كان مهتمّا بالمباحث الرجاليّة و الفقهيّة. و كانت استدلالاته و مناقشاته في غاية الدقّة و المتانة، مراعيا لطريقة الإنصاف، و عند نقل آراء الفقهاء و العلماء ينقل كلماتهم بعين ألفاظها لاقتضاء الأمانة ذلك.

[الخاتمة]

عملنا في الرسالة

أ) اعتمدنا على مخطوطين:

1- مخطوطة مكتبة آية الله الگلپايگاني (رحمه اللّه) المرقّمة 435، تقع في 43 صفحة على القطع الكبير، في مجموعة «سؤال و جواب». ذكرت في فهرستها ج 2، المرقّمة 6/ 23 باسم «رسالة في إقامة الحدود في هذه الأعصار».

و قد رمزنا لها بالحرف «گ».

2- مخطوطة مكتبة آية الله المرعشي النجفي (رحمه اللّه) المرقّمة 3712. ذكرت باسم «الحدود»، يقع في 53 ورقة، و هي مملوءة بالأخطاء. كما أنّ فيها سقوطات و تصحيفات كثيرة.

و قد رمزنا لها بالحرف «م».

ب) اعتمدنا في تخريج الروايات على الأصول الأربعة: الكافي، و كتاب من لا يحضره الفقيه، و التهذيب، و الاستبصار.

و في تخريج الأقوال و الآراء على المصادر التي أشار إليها الماتن. و في الألفاظ اللغويّة اعتمدنا المعاجم اللغوية التي أشار إليها، مثل القاموس، و المغرّب.

ج) و في تقويم النصّ و تصحيح المتن سلكنا طريقة التلفيق بين النسختين، و في موارد اختلاف النسختين و نصوص الروايات و المصادر الأخرى أثبتنا ما يوافق النصّ بعد القطع بصحّته و أشرنا لما يحتمل الصحّة من جهة ثانية.

29

د) و عملنا فهارس فنيّة للكتاب، تسهيلا لمهمّة الباحثين و المراجعين، و تحتوي على فهرس الموضوعات و الآيات الكريمة و الأحاديث الشريفة و الأعلام و الكتب و مصادر التحقيق، و ألحقناها في نهاية الكتاب.

شكر و ثناء

و في نهاية المطاف نحمد الله سبحانه و نشكره على توفيقه إيّانا لتحقيق هذه الأثر و إصداره بالشكل اللائق به.

و نرى لزاما علينا أن نتقدّم بالشكر الجزيل و الثناء الجميل إلى المسئولين في مركز الأبحاث و الدراسات الإسلاميّة حيث أتاحوا لنا فرصة إنجاز هذه العمل المبارك، و إلى كلّ من ساهم في إخراج هذا الكتاب و هم السادة الفضلاء:

الأخ النقيب لطيف فرادى لمشاركته في كلّية مراحل العمل: من استنساخ الرسالة و المقابلة و المراجعة إلى المصادر و توزيع النصّ و كتابة مقدّمة التحقيق.

حجّة الاسلام الشيخ علي أوسط الناطقي لمشاركته في تقويم نصّ الرسالة و إشرافه على جميع مراحل العمل.

الأستاذ الأديب أسعد الطيّب، لمراجعته العلميّة.

و الشيخ ولي الله القرباني و الشيخ محسن النوروزي، لمساعدتهما في مقابلة المخطوطين و استخراج الأحاديث و الأقوال.

و الشيخ عباس المحمّدي و السيّد خليل العابديني لمراجعتهما النهائيّة قبل الطبع.

قسم إحياء التراث الإسلامي مركز الأبحاث و الدراسات الإسلاميّة

30

صورة الصفحة الأولى من نسخة «م»

31

صورة الصفحة الأخيرة من نسخة «م»

32

صورة الصفحة الأولى من نسخة «گ»

33

صورة الصفحة الأخيرة من نسخة «گ»

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

مقالة في تحقيق إقامة الحدود في هذه الأعصار

لحجّة الإسلام السيّد محمّد باقر الشفتي (رحمه اللّه)

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه المتفرّد بالقدم و الكمال، المتقدّس بقدس جماله عن مشابهة الأشياء و الأمثال، و الصلاة و السلام على من اصطفاه الله نجاة عن الضلال، و على ابن عمّه الخليق من طينته المنجي عن الشدائد و الأعلال، و آله و عترته الهداة لما ينجي من تألّم الأصفاد و الأنكال.

و بعد يقول الملتجئ إلى باب سيّده الكريم المتعال، الذي يكون العفو عن السيّئات لديه أحبّ من المؤاخذة بالخطيئات، ابن محمّد نقيّ الموسوي محمّد باقر، وقاهما الله عن الشدائد في العرصات:

هذه مقالة في تحقيق إقامة الحدود في هذه الأعصار التي غاب حجّة الله تعالى من الأنظار (عجّل الله تعالى فرجه)، و أكحل عيوننا بتراب نعاله بحقّ أشرف البريّة و أكمل المخلوقات، عليه و على جدّه و آبائه آلاف التحيّة من بارئ الأرضين و السماوات.

[معنى الحدّ]

فنقول: قال في الصحاح:

الحدّ: الحاجز بين الشيئين، و حدّ الشيء منتهاه، تقول: حددت الدار أحدّها حدّا، و التحديد مثله، و فلان حديد فلان: إذا كان أرضه إلى جنب أرضه، و الحدّ: المنع، و منه قيل للبوّاب: حدّاد (1).

____________

(1). الصحاح 1: 462، «ح د د».

38

و في اصطلاح أئمّة الميزان:

هو المعرّف للشيء المشتمل لذاتيّاته؛ و لذا قيل: التعريف بالفصل القريب حدّ، و بالخاصّة رسم، و إن اشتمل كلّ منهما على الجنس القريب فتامّ، و إلّا فناقص (1).

و عند غيرهم: هو المعرّف للشيء مطلقا، و إن اشتمل على الخاصّة (2).

و في الشرع اختلف كلماتهم في ذلك، ففي الشرائع: «كلّما له عقوبة مقدّرة يسمّى حدّا، و ما ليس كذلك يسمّى تعزيرا» (3).

و لا يخفى أنّ الظاهر من العبارة أن يكون الضمير في «يسمّى» عائدا إلى «كلّما»، فمقتضاه أن يكون ذلك الشيء حدّا، و ليس كذلك، فالمراد أنّ تلك العقوبة تسمّى حدّا، فالمراد أنّ الحدّ عقوبة مقدّرة لمعصية معيّنة.

و فيه: أنّ طرده منقوض ببعض التعزيرات، كما في تزويج الذمّيّة على المسلمة، و وطء الرجل زوجته حائضا أو في نهار شهر رمضان، و في إتيان البهائم و نحوها ممّا تكون العقوبة فيه مقدّرة، مع أنّه ليس من أفراد المحدود.

روي في باب ما يجب فيه التعزير من حدود الكافي:

عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل تزوّج ذمّيّة على مسلمة و لم يستأمرها، قال: «يفرّق بينهما»، قال: قلت: فعليه أدب؟ قال: «نعم، اثنا عشر سوطا و نصف ثمن حدّ الزاني» (4).

و في الباب:

عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يأتي المرأة و هي حائض، قال:

«يجب عليه في استقبال الحيض دينار و في استدباره نصف دينار»، قال: قلت: جعلت فداك يجب عليه شيء من الحدّ؟ قال: «نعم خمسة و عشرون سوطا ربع حدّ الزاني» (5).

____________

(1). حاشية ملّا عبد الله: 40.

(2). نفس المصدر.

(3). شرائع الإسلام 4: 136.

(4). الكافي 7: 241/ 8، باب ما يجب فيه التعزير ....

(5). الكافي 7: 243/ 20، باب ما يجب فيه التعزير ....

39

و في الباب أيضا:

عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل أتى أهله و هي حائض، قال: «يستغفر الله و لا يعود»، قلت: فعليه أدب؟ قال: «نعم خمسة و عشرون سوطا ربع حدّ الزاني» (1).

و في الباب:

عن مفضّل بن عمر عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل أتى امرأته و هي صائمة، قال: «إن كان استكرهها فعليه كفّارتان، و إن كانت طاوعته فعليه كفّارة و عليها كفّارة، و إن كان أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطا نصف الحدّ، و إن كانت طاوعته ضرب خمسة و عشرين سوطا و ضربت خمسة و عشرين سوطا» (2).

و في باب الحدّ على من يأتي البهيمة:

عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، و عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، و عن إسحاق بن عمّار، عن أبي إبراهيم (عليه السلام)، في الرجل يأتي البهيمة، فقالوا جميعا: «إن كانت البهيمة للفاعل ذبحت، فإذا ماتت أحرقت بالنار، و لم ينتفع بها، [و ضرب هو] خمسة و عشرين سوطا ربع حدّ الزاني، و إن لم تكن البهيمة له قوّمت و أخذ ثمنها منه، و دفع إلى صاحبها، و ذبحت و أحرقت بالنار، و لم ينتفع بها» (3).

و سنده في التهذيب (4) صحيح.

و كذا ينتقض طرده بالقصاص، سواء كان في الطرف أو في النفس؛ لوضوح أنّه يصدق على قطع يد قاطع اليد أنّه عقوبة مقدّرة لأجل معصية خاصّة.

و هكذا الحال في قصاص النفس، فلو حدّد الحدّ بأن يقال: إنّه عقوبة مقدّرة

____________

(1). الكافي 7: 242/ 13، باب ما يجب فيه التعزير ....

(2). الكافي 7: 242/ 12، باب ما يجب فيه التعزير ....

(3). الكافي 7: 204/ 3، باب الحدّ على من يأتي البهيمة.

(4). تهذيب الأحكام 10: 60/ 218، و فيه: «يونس بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، و الحسين بن خالد عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، و صباح الحذّاء، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي إبراهيم موسى (عليه السلام)».

40

للزاني و اللائط و القاذف و السارق و الشارب و المحارب و الساحر و المرتدّ و هكذا يسلم عن ذلك.

و أمّا ما ذكره شيخنا الشهيد الثاني في مقام التحديد في المسالك حيث قال:

و هو لغة: المنع- إلى أن قال:- و شرعا: عقوبة خاصّة تتعلّق بإيلام البدن بواسطة تلبّس المكلّف بمعصية خاصّة، عيّن الشارع كمّيّتها في جميع أفراده.

و التعزير لغة: التأديب. و شرعا: عقوبة أو إهانة لا تقدير لها بأصل الشرع غالبا (1).

ففيه ما لا يخفى؛ لأنّ التحديد إنّما هو للتعريف، و ما ذكره إنّما يناسب فيما إذا حصلت معرفة الحدود من غير طريق التعريف، كما لا يخفى على المتأمّل.

و قال الفاضل الأسترآبادي في آيات الأحكام (2): و هو عقوبة قد عيّنها الشارع على كبيرة زجرا عنها. و فيه ما عرفت.

و على أيّ حال فالأهمّ الاشتغال إلى ما هو أهمّ من ذلك.

[الأقوال في جواز إقامة الحدود و عدمه للفقهاء]

فنقول:

اختلف الأصحاب- (قدّس الله تعالى أرواحهم)- في أنّه هل تسوغ إقامة الحدود و التعزيرات في هذه الأمصار للفقهاء أم لا؟ فقيل بالجواز لكلّ أحد، لكن على ولده و أهله و مماليكه، إذا لم يخف في ذلك ضررا من الظالمين، و بالعدم في غير ذلك مطلقا، و لو للفقيه الجامع لشرائط الفتوى، و هو الظاهر من شيخ الطائفة في النهاية قال:

أمّا إقامة الحدود فليس يجوز لأحد إقامتها، إلّا لسلطان الزمان المنصوب من قبل الله تعالى، أو من نصبه الإمام لإقامتها، و لا يجوز لأحد سواهما إقامتها على حال. و قد

____________

(1). مسالك الأفهام 14: 325.

(2). لم يطبع منه إلى الآن إلّا المجلّد الأوّل في مكتبة معراجي بطهران، و هو من الطهارة إلى الأمر بالمعروف.

41

رخّص في حال قصور أيدي أئمّة الحقّ و تغلّب الظالمين أن يقيم الإنسان الحدّ على ولده و أهله و مماليكه، إذا لم يخف في ذلك ضررا من الظالمين، و أمن بوائقهم، فمتى لم يأمن ذلك لم يجز له التعرّض لذلك على حال.

و من استخلفه سلطان ظالم على قوم، و جعل إليه إقامة الحدود، جاز له أن يقيمها عليهم على الكمال، و يعتقد أنّه إنّما يفعل ذلك بإذن سلطان الحقّ لا بإذن سلطان الجور، و يجب على المؤمنين معونته و تمكينه من ذلك ما لم يتعدّ الحقّ في ذلك، و ما هو مشروع في شريعة الإسلام، فإن تعدّى فيما جعل إليه الحقّ في ذلك لم يجز له القيام [به]، و لا لأحد معاونته على ذلك، اللهمّ إلّا أن يخاف في ذلك على نفسه، فإنّه يجوز له حينئذ أن يفعل ذلك في حال التقيّة ما لم يبلغ قتل النفوس، و أمّا قتل النفوس فلا يجوز فيه التقيّة على حال.

و أمّا الحكم بين الناس و القضاء بين المختلفين فلا يجوز ذلك أيضا، إلّا لمن أذن له سلطان الحقّ في ذلك. و قد فوّضوا ذلك إلى فقهاء شيعتهم في حال لا يتمكّنون فيه من تولّيه بنفوسهم، فمن تمكّن من إنفاذ حكم أو إصلاح بين الناس أو فصل بين المختلفين فليفعل ذلك، و له بذلك الأجر و الثواب (1).

و منهم من منع من إقامتها على غير العبيد كابن إدريس، قال في السرائر- بعد أن حكى الكلام المذكور عن النهاية إلى قوله: و أمن بوائقهم- ما هذا لفظه:

قال محمّد بن إدريس مصنّف هذا الكتاب: الأقوى عندي أنّه لا يجوز له أن يقيم الحدود إلّا على عبده فحسب، دون ما عداه من الأهل و القرابات؛ لما قد ورد في العبيد من الأخبار، و استفاض به النقل بين الخاصّ و العامّ.

و قد روي أنّ من استخلفه سلطان ظالم على قوم و جعل إليه إقامة الحدود جاز له أن يقيمها عليهم على الكمال، و يعتقد أنّه إنّما يفعل ذلك بإذن سلطان الحقّ لا بإذن سلطان الجور. و يجب على المؤمنين معونته و تمكينه من ذلك ما لم يتعدّ الحقّ في ذلك، و ما هو مشروع في شريعة الإسلام.

- إلى أن قال:- قال محمّد بن إدريس مصنّف هذا الكتاب: و الرواية أوردها شيخنا أبو

____________

(1). النهاية: 300- 301.

42

جعفر في نهايته، و قد اعتذرنا له فيما يورده في هذا الكتاب- أعني النهاية- في عدّة مواضع، و قلنا: إنّه يورده إيرادا من طريق الخبر لا اعتقادا من جهة الفتيا و النظر؛ لأنّ الإجماع حاصل منعقد من أصحابنا و من المسلمين جميعا، أنّه لا يجوز إقامة الحدود؛ و لأنّ المخاطب بها الأئمّة و الحكّام القائمون بإذنهم في ذلك، و أمّا غيرهم فلا يجوز له التعرّض بها على حال، و لا يرجع عن هذا الإجماع بأخبار الآحاد، بل إجماع مثله أو كتاب الله أو سنّة متواترة مقطوع بها.

فإن خاف الإنسان على نفسه من ترك إقامتها، فإنّه يجوز له أن يفعل في حال التقيّة ما لم يبلغ قتل النفوس، فلا يجوز فيه التقيّة عند أصحابنا بلا خلاف بينهم.

و أمّا الحكم بين الناس و القضاء بين المختلفين فلا يجوز أيضا إلّا لمن أذن له سلطان الحقّ في ذلك، و قد فوّضوا ذلك إلى فقهاء شيعتهم المأمونين المحصّلين الباحثين عن مآخذ الشريعة، الديّانين القيّمين بذلك في حال لا يتمكّنون فيه من تولّيه بنفوسهم، فمن تمكّن من إنفاذ حكم و هو من أهله، أو إصلاح بين الناس، أو فصل بين المختلفين فليفعل ذلك، و له به الأجر و الثواب ما لم يخف في ذلك على نفسه، و لا على أحد من أهل الإيمان، و يأمن الضرر فيه، فإن خاف شيئا من ذلك لم يجز له التعرّض له على حال (1).

قال شيخنا الراوندي في فقه القرآن في تفسير قوله تعالى: الزّٰانِيَةُ وَ الزّٰانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وٰاحِدٍ مِنْهُمٰا مِائَةَ جَلْدَةٍ (2) ما هذا لفظه:

و الخطاب و إن كان متوجّها إلى الجماعة فالمراد به الأئمّة بلا خلاف؛ لأنّ إقامة الحدود ليس لأحد إلّا الإمام، أو من نصبه الإمام (3).

و قال شيخنا الطبرسي في مجمع البيان في تفسير الآية:

فَاجْلِدُوا [هذا] خطاب للأئمّة أو من كان منصوبا للأمر من جهتهم؛ لأنّه ليس لأحد أن يقيم الحدود إلّا للأئمّة (عليهم السلام) و ولاتهم بلا خلاف (4).

____________

(1). السرائر 2: 24- 25.

(2). النور (24): 2.

(3). فقه القرآن 2: 372.

(4). مجمع البيان 7: 124، ذيل الآية 2 من سورة النور (24).

43

و منهم من جوّز إقامتها على جميع الناس، لكن للفقيه الجامع لشرائط الفتوى بشرط الإمكان، و هم الأكثر.

قال في المقنعة:

أمّا إقامة الحدود فهو إلى سلطان الإسلام و المنصوب من قبل الله تعالى، و هم أئمّة الهدى من آل محمّد- عليه و (عليهم السلام)-، أو من نصبوه لذلك من الأمراء و الحكّام، و قد فوّضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم مع الإمكان، فمن تمكّن من إقامتها على ولده و عبده، و لم يخف من سلطان الجور إضرارا [به] على ذلك فليقمها، و من خاف من الظالمين اعتراضا عليه في إقامتها أو خاف ضررا بذلك على نفسه أو على الدين فقد سقط عنه فرضها.

و كذلك إن استطاع إقامة الحدود على من يليه من قومه، و أمن بوائق الظالمين، فقد لزمه إقامة الحدود عليهم، فليقطع سارقهم، و يجلد زانيهم، و يقتل قاتلهم، و هذا فرض متعيّن على من نصبه المتغلّب لذلك على ظاهر خلافته له و الإمارة من قبله على قوم من رعيّته، فيلزمه إقامة الحدود و تنفيذ الأحكام و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و جهاد الكفّار و من يستحقّ ذلك من الفجّار.

و يجب على إخوانه من المؤمنين معونته على ذلك إذا استعان بهم ما لم يتجاوز حدّا من حدود الإيمان، أو يكون مطيعا في معصية الله من نصبه من سلطان الضلال، فإن كان على وفاق للظالمين في شيء يخالف الله تعالى [به] لم يجز لأحد من المؤمنين معونته فيه، و جاز لهم معونته بما يكون به مطيعا للّه تعالى من إقامة حدّ و انفاذ حكم على حسب ما تقتضيه الشريعة دون ما خالفها من أحكام أهل الضلال (1).

و في المراسم:

أمّا القتل و الجراح في الإنكار فإلى السلطان أو من يأمره السلطان، فإن تعذّر الأمر لمانع فقد فوّضوا (عليهم السلام) إلى الفقهاء إقامة الحدود و الأحكام بين الناس بعد أن لا يتعدّوا واجبا، و لا يتجاوزوا حدّا، و أمروا عامّة الشيعة بمعاونة الفقهاء على ذلك ما استقاموا على الطريقة و لم يحيدوا، فإن اضطرّتهم تقيّة أجابوا داعيها، إلّا في الدماء خاصّة، فلا تقيّة فيها.

____________

(1). المقنعة: 810.

44

و قد روي أنّ للإنسان أن يقيم على ولده و عبده الحدود إذا كان فقيها، و لم يخف من ذلك على نفسه، و الأوّل أثبت (1).

قوله: «و الأوّل أثبت» له احتمالان من جهة التخصيص و الإطلاق: أمّا الأوّل؛ فلأنّ الرواية المذكورة لمّا اقتضت انحصار الجواز في الولد و العبد، و لم يكن ذلك بمرضيّ عنده، أشار إليه بقوله: و الأوّل أثبت، أي جواز إقامة الحدود بعنوان الإطلاق أثبت و أولى من هذه التخصيص.

و أمّا الثاني؛ فلأنّ مقتضى إطلاق الرواية جواز إقامة الحدّ على الولد و العبد للوالد و السيّد بعنوان الإطلاق و لو حال حضور الإمام (عليه السلام)، و لم يكن ذلك بمرضيّ عنده، كما يستفاد من قوله: «فإلى السلطان أو من يأمره السلطان»، قال: «و الأوّل أثبت».

ثمّ قال:

و من تولّى من قبل ظالم، و كان قصده إقامة الحقّ، أو اضطرّ إلى التولّي، فليتعمّد تنفيذ الحقّ ما استطاع، و ليقض حقّ الإخوان (1).

و في الكافي لأبي الصلاح:

تنفيذ الأحكام الشرعيّة و الحكم بمقتضى التعبّد فيها من فروض الأئمّة (عليهم السلام) مختصّة بهم، دون من عداهم ممّن لم يؤهّلوه لذلك.

فإن تعذّر تنفيذها بهم (عليهم السلام) و بالمأهول لها من قبلهم لأحد الأسباب، لم يجز لغير شيعتهم تولّي ذلك، و لا التحاكم إليه، و لا التوصّل بحكمه إلى الحقّ، و لا تقليده الحكم مع الاختيار، و لا لمن لا يستكمل شروط النيابة عن الإمام في الحكم من شيعته.

- إلى أن قال:- فمتى تكاملت هذه الشروط فقد أذن له في تقلّد الحكم، و إن كان مقلّده ظالما متغلّبا، و عليه متى عرض لذلك أن يتولّاه؛ لكون هذه الولاية أمرا بمعروف و نهيا عن منكر تعيّن فرضها بالتعريض للولاية عليه، و إن كان في الظاهر من قبل المتغلّب فهو نائب عن وليّ الأمر (عليه السلام) في الحكم و مأهول له؛ لثبوت الإذن منه و من آبائه (عليهم السلام) لمن كان بصفته في ذلك فلا يحلّ له القعود عنه؛ و إن لم يقلّد من هذه حاله النظر بين الناس فهو في

____________

(1). المراسم: 260- 261.

45

الحقيقة مأهول [لذلك] بإذن ولاة الأمر (عليهم السلام)، و إخوانه في الدين مأمورون بالتحاكم و حمل حقوق الأموال إليه، و التمكين من أنفسهم بحدّ أو تأديب تعيّن عليهم، لا يحلّ لهم الرغبة عنه و لا الخروج عن حكمه (1).

و في الغنية:

يجب في متولّي القضاء أن يكون عالما بالحقّ في الحكم المردود إليه؛ بدليل إجماع الطائفة.

و أيضا فتولية المرء ما لا يعرفه قبيحة عقلا، و لا يجوز فعلها.

و أيضا فالحاكم مخبر في الحكم عن الله تعالى و نائب عن رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله)، و لا شبهة في قبح ذلك من دون العلم.

و أيضا قوله تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ (2)، و من حكم بالتقليد لم يقطع على الحكم بما أنزل الله.

و يحتجّ على المخالف بما رووه في خبر تقسيم القضاء: «و رجل قضى بين الناس على جهل فهو في النار». و من قضى بالفتيا فقد قضى على جهل.

و يجب أن يكون عدلا بلا خلاف إلّا من الأصمّ، و خلافه غير معتدّ به.

و ينبغي أن يكون كامل العقل، حسن الرأي، ذا حلم و ورع، و قوّة على القيام بما فوّض إليه.

و يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه في جميع الأشياء من الأموال و الحدود و القصاص و غير ذلك- سواء في ذلك ما علمه في حال الولاية و قبلها- بدليل إجماع الطائفة (3).

و في المبسوط:

للسيّد أن يقيم الحدّ على ما ملكت يمينه بغير إذن الإمام- عبدا كان أو أمة، مزوّجة كانت الأمة أو غير مزوّجة- عندنا و عند جماعة، و قال قوم: ليس له ذلك. و من قال له ذلك.

فمنهم من قال: له التغريب أيضا، و هو الأصحّ. و منهم من قال: ليس له ذلك.

____________

(1). الكافي في الفقه: 421- 423.

(2). المائدة (5): 44.

(3). غنية النزوع 1: 436، باختلاف يسير.

46

و أمّا الحدّ لشرب الخمر فله أيضا إقامته عليهم عندنا؛ لما رواه عليّ (عليه السلام): «أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» و هذا عامّ.

و أمّا القطع بالسرقة، فالأولى أن نقول: [له] ذلك؛ لعموم الأخبار. و قال بعضهم: ليس له ذلك.

فأمّا القتل بالردّة، فله أيضا [ذلك]؛ لما قدّمناه. و منهم من قال: ليس له ذلك. و الأوّل أصحّ عندنا.

و من قال: للسيّد إقامة الحدّ عليهم، أجراه مجرى الحاكم و الإمام، فكلّ شيء للحاكم أو الإمام به إقامة الحدّ من إقرار و بيّنة و علم فللسيّد مثله. و منهم من قال: ليس له أن يسمع البيّنة؛ لأنّ ذلك يتعلّق به الجرح و التعديل، و ذلك من فروض الأئمّة. [و] الأوّل أصحّ عندنا.

فإذا ثبت أنّه يسمع البيّنة و إليه الجرح و التعديل كالإمام، فمتى ثبت ذلك عنده عمل به.

و من قال: ليس له ذلك قال: الإمام يسمع البيّنة، و يبحث عنها، فإذا صحّت عنده حكم بها، و كانت الإقامة إلى السيّد، و كان للإمام ما إليه، و للسيّد ما إليه.

و أمّا إقامته بعلمه فقد ثبت عندنا أنّ للحاكم أن يحكم بعلمه فيما عدا الحدود، و في أصحابنا من قال: و كذلك في الحدود. [و] في الناس من قال مثل ذلك على قولين (1).

و في الخلاف:

للحاكم أن يحكم بعلمه في جميع الأحكام من الأموال و الحدود و القصاص و غير ذلك، سواء كان من حقوق الله أو حقوق الآدميّين، فالحكم فيه سواء. و لا فرق بين أن يعلم ذلك بعد التولية في موضع ولايته، أو قبل التولية، أو بعدها قبل عزله، و في غير موضع ولايته، الباب واحد (2).

ثمّ نقل الخلاف و الأقوال بين العامّة فقال: «دليلنا إجماع الفرقة و أخبارهم» (3).

____________

(1). المبسوط 8: 11- 12.

(2). الخلاف 6: 242، المسألة 41.

(3). المصدر: 244، المسألة 41.

47

و فيه أيضا:

من فعل ما يجب به الحدّ في أرض العدوّ من المسلمين وجب عليه الحدّ، إلّا أنّه لا يقام عليه الحدّ في أرض العدوّ، بل يؤخّر إلى أن يرجع إلى دار الإسلام.

و قال الشافعي: يجب الحدّ و إقامته، سواء كان هناك إمام أو لم يكن.

و قال أبو حنيفة: إن كان هناك إمام وجب و أقيم، و إن لم يكن هناك إمام لم يقم.

- إلى أن قال:- دليلنا على وجوب الحدّ قوله تعالى: الزّٰانِيَةُ وَ الزّٰانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وٰاحِدٍ مِنْهُمٰا مِائَةَ جَلْدَةٍ (1) و لم يفصل.

و قوله: وَ السّٰارِقُ وَ السّٰارِقَةُ فَاقْطَعُوا (2) و إنّما أخّرناه لإجماع الفرقة على ذلك (3).

و في الجامع مشيرا إلى الأمر بالمعروف:

و يجبان باليد و اللسان و القلب، و يبدأ بالوعظ و التخويف، فإن لم ينجع أدّب، فإن لم ينجع إلّا بالقتل و الجراح فعل، فإن لم يتمكّن فبالقلب. و قيل: إذا بلغ إلى القتل و الجراح لم يجز إلّا بإذن الإمام. و الأوّل أصحّ.

و فيه أيضا في مباحث الحدود:

و يتولّى الحدود إمام الأصل، أو خليفته، أو من يأذن له فيه.

و روي أنّ السيّد يقيم الحدّ على ما ملكت يمينه، و الوالد على ولده.

و للإمام أن يحكم بعلمه في حقوق الله كالزنى و اللواط من غير مطالبة أحد، و في حقوق الناس كالدين، و بحدّ السرقة عند المطالبة، و خليفته كذلك. و قيل: لا يحكم خليفته بعلمه في حقوق الله، و يحكم به في حقوق الناس (4).

و في الشرائع مشيرا إلى النهي عن المنكر:

و لو افتقر إلى الجراح أو القتل هل يجب؟ قيل: نعم، و قيل: لا، إلّا بإذن الإمام، و هو الأظهر.

____________

(1). النور (24): 2.

(2). المائدة (5): 38.

(3). الخلاف 5: 522، المسألة 9.

(4). الجامع للشرائع: 243 و 548.

48

و لا يجوز لأحد إقامة الحدود إلّا للإمام مع وجوده، أو من نصبه لإقامتها، و مع عدمه يجوز للمولى إقامة الحدّ على مملوكه. و هل يقيم الرجل [الحدّ] على ولده و زوجته؟ فيه تردّد.

و لو ولي وال من قبل الجائر، و كان قادرا على إقامة الحدود، هل له إقامتها؟ قيل: نعم، بعد أن يعتقد أنّه يفعل ذلك بإذن إمام الحقّ. و قيل: لا. و هو أحوط.

و لو اضطرّه السلطان إلى إقامة الحدود جاز حينئذ إجابته ما لم يكن قتلا ظلما؛ فإنّه لا تقيّة في الدماء.

و قيل: يجوز للفقهاء العارفين إقامة الحدود في حال غيبة الإمام، كما لهم الحكم بين الناس مع الأمن من ضرر سلطان الوقت، و يجب على الناس مساعدتهم على ذلك.

و لا يجوز أن يتعرّض لإقامة الحدود و لا للحكم بين الناس، إلّا عارف بالأحكام، مطّلع على مأخذها، عارف بكيفيّة إيقاعها على الوجوه الشرعيّة (1).

و في النافع مشيرا إليه أيضا:

أمّا لو افتقر إلى الجراح أو القتل لم يجز إلّا بإذن الإمام، [أو من نصبه.] و كذا الحدود لا ينفذّها إلّا الإمام، أو من نصبه. و قيل: يقيم الرجل الحدّ على زوجته و ولده و مملوكه. و كذا قيل: يقيم الفقهاء الحدود في زمان الغيبة إذا أمنوا، و يجب على الناس مساعدتهم (2).

و في كشف الرموز: «و أمّا البحث في الفقهاء فقد قال الشيخان و سلّار: قد فوّضوا ذلك إلى الفقهاء. و لنا فيه نظر» (3).

و في التذكرة:

و لا يجوز إقامة الحدود إلّا للإمام، أو من نصبه الإمام لإقامتها، و لا يجوز لأحد سواهما إقامتها على حال، و قد رخّص في حال الغيبة الإمام أن يقيم الإنسان الحدّ على مملوكه إذا لم يخف ضررا على نفسه و ماله و غيره من المؤمنين، و أمن من بوائق الظالمين.

قال الشيخ (رحمه اللّه): و قد رخّص في حال الغيبة إقامة الحدّ على ولده و زوجته إذا أمن الضرر.

____________

(1). شرائع الإسلام 1: 312.

(2). المختصر النافع: 139، باختلاف يسير.

(3). كشف الرموز 1: 434، بتفاوت.

49

و منع ابن إدريس ذلك في الولد و الزوجة، و سلّمه في العبد.

و في رواية حفص بن غياث أنّه سأل الصادق (عليه السلام): من يقيم الحدود، السلطان أو القاضي؟ فقال: «إقامة الحدود إلى من إليه الحكم».

و هل يجوز للفقهاء إقامة الحدود في حال الغيبة؟

جزم به الشيخان عملا بهذه الرواية؛ لما يأتي أنّ للفقهاء الحكم بين الناس، فكان إليهم إقامة الحدود؛ لما في تعطيل الحدود من الفساد.

و قد روي أنّ من استخلفه سلطان ظالم على قوم و جعل إليه إقامة الحدود جاز له أن يقيمها عليهم على الكمال، و يعتقد أنّه إنّما يفعل ذلك بإذن سلطان الحقّ لا بإذن سلطان الجور، و يجب على المؤمنين معونته و تمكينه من ذلك ما لم يتعدّ الحقّ في ذلك، و ما هو مشروع في شريعة الإسلام، فإن تعدّى من جعل إليه الحقّ لم يجز له القيام به، و لا لأحد معاونته على ذلك. و منع ابن إدريس ذلك.

نعم، لو خاف الإنسان على نفسه من ترك إقامتها لجاز له ذلك؛ للتقيّة ما لم يبلغ قتل النفوس، فإن بلغ الحال ذلك لم يجز فعله، و لا تقيّة فيها على حال (1).

و في المنتهى:

لا يجوز لأحد إقامة الحدود، إلّا للإمام أو من نصبه الإمام لإقامتها، لا يجوز لأحد سواهما إقامتها على حال. و قد رخّص في حال غيبة الإمام أن يقيم الإنسان الحدّ على مملوكه- إلى أن قال:- قال الشيخ (رحمه اللّه): و قد رخّص [أيضا] في حال الغيبة إقامة الحدّ على ولده و زوجته إذا أمن الضرر. و منع ابن إدريس ذلك، و سلّمه في العبد.

- إلى أن قال:- فهل يجوز للفقهاء إقامة الحدود في حال الغيبة؟ جزم به الشيخان عملا بهذه الرواية. و عندي في ذلك توقّف.

و قال فيما بعد ذلك بفاصلة قليلة:

قال الشيخان (رحمه اللّه): يجوز للفقهاء العارفين إقامة الحدود في حال غيبة الإمام، كما لهم الحكم بين الناس مع الأمن من الضرر- إلى أن قال:- و هو قويّ عندي (2).

____________

(1). تذكرة الفقهاء 9: 445، المسألة 265، باختلاف يسير.

(2). منتهى المطلب 2: 994- 995، (الطبعة الحجريّة).

50

و في التحرير:

لا يجوز لأحد إقامة الحدود غير الإمام أو من نصبه الإمام لإقامتها، و قد رخّص في حال غيبة الإمام أن يقيم الإنسان الحدّ على مملوكه إذا لم يخف ضررا على نفسه و لا ماله و لا على أحد من المؤمنين.

قال الشيخ: و قد رخّص في حال الغيبة إقامة الحدّ على الولد و الزوجة مع الأمن. و منعه ابن إدريس.

و هل يجوز للفقهاء إقامة الحدود حال الغيبة؟ جزم به الشيخان، و هو قويّ عندي، و يجب على الناس مساعدتهم على ذلك (1).

و في القواعد:

أمّا إقامة الحدود فإنّها للإمام خاصّة أو من يأذن له، و لفقهاء الشيعة في حال الغيبة ذلك.

و للمولى في حال الغيبة إقامة الحدّ على مملوكه. و في إقامته على ولده و زوجته قول بالجواز.

و لو ولي من قبل الجائر عالما بتمكّنه من وضع الأشياء في مظانّها، ففي جواز إقامة الحدّ له بنيّة أنّه نائب عن سلطان الحقّ نظر، فإن ألزمه السلطان بها جاز ما لم يكن قتلا ظلما، فلا تقيّة و إن بلغ حدّ تلف نفسه (2).

و في الإرشاد مشيرا إلى النهي عن المنكر:

لو افتقر إلى الجراح أو القتل افتقر إلى إذن الإمام على رأي، و لا تقام الحدود إلّا بإذنه، و يجوز إقامتها على المملوك. و قيل: على الولد و الزوجة.

و للفقيه الجامع لشرائط الإفتاء- و هي: العدالة و المعرفة بالأحكام الشرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة- إقامتها، و الحكم بين الناس بمذهب أهل الحقّ، و يجب على الناس مساعدته على ذلك و الترافع إليه، و المؤثر لغيره ظالم.- إلى أن قال:- و الوالي من قبل الجائر إذا تمكّن من إقامة الحدود، قيل: جاز له معتقدا نيابة الإمام. و الأحوط المنع (3).

____________

(1). تحرير الأحكام 2: 242/ 2973.

(2). قواعد الأحكام 1: 525.

(3). إرشاد الأذهان 1: 352.

51

و في التبصرة:

و لو افتقر إلى الجراح لم يفعله إلّا بإذن الإمام، و الحدود لا يقيمها إلّا بأمره. و يجوز للرجل إقامة الحدّ على عبده و ولده و زوجته إذا أمن الضرر، و للفقهاء إقامتها حال الغيبة مع الأمن، و يجب على الناس مساعدتهم (1).

و في التلخيص مشيرا إلى الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر:

و يجبان بالقلب مطلقا، فإن لم يؤثّر فباللسان، فإن لم يؤثّر فباليد ما لم يبلغ الجراح، فيشترط الإمام على رأي، إلّا في المملوك و الأهل و الولد على رأي. و كذا إقامة الحدود.

و الوالي من الجائر و القادر يقيمها [معتقدا] نيابة الأصل على رأي.

و لو اضطرّ إلى ما لا يجوز، استعمله، إلّا [في] الدماء، و تجوز النيابة من العادل، و قد تجب. و يحرم من غيره مع استعمال المحرّم، و يجوز لا معه. و للفقهاء العارفين الحكم و الفتوى، و يجب مساعدتهم، و المؤثّر لغيرهم ظالم (2).

و في المختلف- بعد ذكر الخلاف و النسبة إلى السيّد عدم افتقار النهي عن المنكر إلى إذن الإمام و لو انجرّ الأمر إلى الجرح و القتل- ما هذا لفظه: «و الأقرب ما قاله السيّد» (3).

و قال فيما بعد ذلك مشيرا إلى إقامة الحدود:

و الأقرب عندي جواز ذلك للفقهاء.

- إلى أن قال:- و العجب أنّ ابن إدريس ادّعى الإجماع في ذلك مع مخالفة مثل الشيخ و غيره من علمائنا فيه (4).

و في الدروس:

يقضي الإمام بعلمه مطلقا، و غيره في حقوق الناس. و في حقوق الله تعالى قولان:

أقربهما القضاء.

____________

(1). تبصرة المتعلّمين: 90.

(2). تلخيص المرام: 89، بتفاوت يسير.

(3). مختلف الشيعة 4: 476، المسألة 86.

(4). مختلف الشيعة 4: 478، المسألة 88، و 479، المسألة 89.

52

و فيه في مباحث الأمر بالمعروف:

و الحدود و التعزيرات إلى الإمام و نائبه و لو عموما، فيجوز في حال الغيبة للفقيه- الموصوف بما يأتي في القضاء- إقامتها مع المكنة، و تجب على العامّة تقويته، و منع المتغلّب عليه مع الإمكان، و يجب عليه الإفتاء مع الأمن، و على العامّة المصير إليه و الترافع إليه في الأحكام، فيعصي مؤثّر المخالف و يفسق، و لا يكفي في الحكم و الإفتاء التقليد.

- إلى أن قال:- و يجوز للمولى إقامة الحدّ على رقيقه إذا شاهد أو أقرّ الرقيق أو قامت عنده بيّنة تثبت عند الحاكم على قول. و للأب الإقامة على ولده كذلك و إن نزل، و للزوج على الزوجة، حرّين أو عبدين أو أحدهما، فيجتمع على الأمة ولاية الزوج و السيّد. و لا فرق بين الجلد و الرجم؛ لما روي أنّه لو وجد رجلا يزني بامرأته فله قتلهما. و منع الفاضل من الرجم و القطع بالسرقة.

و لا يشترط في الزوجة الدخول. و في اشتراط الدوام نظر، أقربه المنع، فيجوز إقامته في المؤجّل.

و في جواز إقامة المرأة الحدّ على رقيقها و المكاتب على رقيقه و الفاسق مطلقا نظر، و لا يملك إقامة الحدّ على المكاتب و المبعّض.

و لو اشترك الوليّان، اشتركا في الاستيفاء، و لا يجوز لأحدهما الاستقلال.

و لو ولي من قبل الجائر كرها، قيل: [جاز] له إقامة الحدّ معتقدا النيابة عن الإمام. و هو حسن إن كان مجتهدا، و إلّا فالمنع أحسن (1).

و في اللمعة:

فيجوز للفقهاء حال الغيبة إقامة الحدود مع الأمن، و الحكم بين الناس مع اتّصافهم بصفات المفتي، و هي: الإيمان، و العدالة، و معرفة الأحكام بالدليل، و القدرة على ردّ الفروع إلى الأصول. و يجب الترافع إليهم، و يأثم الرادّ عليهم.

و يجوز للزوج إقامة الحدّ على زوجته و الوالد على ولده و السيّد على عبده (2).

____________

(1). الدروس الشرعيّة 2: 47- 48 و 77- 78.

(2). اللمعة الدمشقيّة: 46.

53

و في غاية المراد:

و اختار المصنّف [في المختلف] الجواز للفقهاء؛ لأنّ تعطيل الحدود يفضي إلى ارتكاب المحارم، و لما رواه عمر بن حنظلة عن الصادق (عليه السلام)- إلى أن قال-: «انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فارضوا به حكما؛ فإنّي قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما بحكم الله استخفّ و علينا ردّ، و الرادّ علينا كالرادّ على الله، و هو على حدّ الشرك بالله عزّ و جلّ».

و الترافع و وجوب قبول حكمه عامّ (1). انتهى.

و يظهر منه الميل إلى الجواز.

و في تعليقات المحقّق الثاني على الشرائع: «القول بالجواز- مع التمكّن من إقامتها على الوجه المعتبر و الأمن من الضرر له و لغيره من المؤمنين و من ثوران الفتنة- لا يخلو من قوّة» (2).

و في تعليقاته على الإرشاد بعد أن عنون كلام الارشاد: «قيل: و على الولد و الزوجة» ما هذا لفظه: «الأصحّ أنّه لا بدّ في الوالد و الزوج من كونه جامعا لشرائط الفتوى، فيجوز له ذلك».

و قال في الوالي من قبل الجائر: «و الأصحّ أنّه لا يجوز له ذلك إلّا إذا كان بالصفات» (3).

و في المسالك بعد أن عنون العبارة السالفة من الشرائع- أي قوله: و قيل: يجوز للفقهاء إقامة الحدود في حال غيبة الإمام- ما هذا لفظه:

هذا القول مذهب الشيخين و جماعة من الأصحاب، و به رواية عن الصادق (عليه السلام)، و في طريقها ضعف، و لكنّ رواية عمر بن حنظلة مؤيّدة لذلك، فإنّ إقامة الحدود ضرب من الحكم، و فيه مصلحة كلّيّة و لطف في ترك المحارم و حسم لانتشار المفاسد، و هو قويّ (4).

____________

(1). غاية المراد 1: 511.

(2). حاشية شرائع الإسلام (ضمن حياة المحقّق الكركي و آثاره/ 11): 212.

(3). حاشية إرشاد الأذهان (ضمن حياة المحقّق الكركي و آثاره/ 9): 310- 311.

(4). مسالك الأفهام 3: 107- 108.

54

و في الروضة عند التكلّم في إقامة السيّد و الزوج و الوالد على المملوك و الزوجة و الولد:

هذا الحكم في المولى مشهور بين الأصحاب لم يخالف فيه إلّا الشاذّ، و أمّا الآخران فذكره الشيخ (رحمه اللّه)، و تبعه جماعة منهم المصنّف، و دليله غير واضح، و أصالة المنع تقتضي العدم.

نعم لو كان المتولّي فقيها فلا شبهة في الجواز (1).

و في التنقيح بعد أن عنون عبارة النافع:

و كذا قيل: يقيم الفقهاء الحدود في زمان الغيبة، القائل هو الشيخان، و كذا [قال] سلّار ما لم يكن قتلا أو جرحا، و منع منه ابن إدريس، قال: هو رواية شاذّة.

و اختار العلّامة قول الشيخين؛ محتجّا بأنّ تعطيل الحدود يفضي إلى ارتكاب المحارم و انتشار المفاسد، و ذلك مطلوب الترك في نظر الشارع، و بما رواه عمر بن حنظلة عن الصادق (عليه السلام) في حديث طويل، يقول فيه: «انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا، و نظر في حلالنا و حرامنا» إلى آخر الحديث.

- قال:- و هذا يؤيّده العمومات و النظر، أمّا العمومات فقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «العلماء ورثة الأنبياء».

و معلوم أنّهم لم يورّثوا من المال شيئا فتكون وراثتهم العلم أو الحكم، و الأوّل تعريف المعرّف، فيكون المراد هو الثاني و هو المطلوب. و قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل». و معلوم أنّ أنبياء بني إسرائيل لهم إقامة الحدود.

و أمّا النظر فهو أنّ المقتضي لإقامة الحدّ قائم في صورتي حضور الإمام و غيبته، و ليست الحكمة عائدة إلى مقيمه قطعا، فتكون عائدة إلى مستحقّه أو إلى نوع المكلّفين، و على التقديرين لا بدّ من إقامتها مطلقا (2).

و اكتفى في غاية المرام و المهذّب البارع بنقل القولين من دون ترجيح لأحدهما من الآخر في البين.

قال في غاية المرام بعد أن أورد العبارة السالفة من الشرائع أي قوله: «و قيل: يجوز

____________

(1). الروضة البهيّة 2: 419- 420.

(2). التنقيح الرائع 1: 596- 597.