الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول)

- السيد علي الموسوي القزويني المزيد...
707 /
3

[تعليقة في الاجتهاد و التقليد]

الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على محمّد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

و بعد فهذا هو الجزء الأخير ممّا علّقناه في فنّ الاصول على معالم الاصول.

المطلب التاسع: في الاجتهاد و التقليد. (1)

____________

(1) و قد جرت عادة الاصوليّين قديما و حديثا من العامّة و الخاصّة بإيراد مباحث الاجتهاد كمسائل التقليد في الكتب الاصوليّة، و هذا يوهم كونها من مسائل اصول الفقه كما هو ظاهر كثير و صريح غير واحد منهم، و لعلّ وجهه صدق تعريف الأكثرين إيّاه ب«العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة الفرعيّة» عليها، فإنّها أيضا قواعد مهّدت لاستنباط الأحكام من حيث إنّ الاستنباط لا يتمّ إلّا بشرائطه، و من حيث قبوله التجزئة و عدمه، و من حيث إنّه لا بدّ له من مستنبط يعتبر فيه من حيث استنباطه امور، إلى غير ذلك ممّا يذكر في تلك المباحث من حيث ارتباطها بمقام الاستنباط الملحوظ في نفسه، أو وصفا في المستنبط من حيث هو، أو من حيث رجوع الغير إليه في مقام التقليد.

و يشكل: بأنّ هذا و إن كان يقرّب كونها من مسائله، و لكن يبعّده خلوّها عمّا هو ضابط مسائل الفنّ من كونها باحثة عن أمر يرجع إلى موضوع الفنّ، بكون موضوعاتها موضوع العلم أو جزءا منه أو نوعا منه أو عرضا ذاتيّا له أو نوعا من عرضه الذاتي، و لذا يقال: إنّ موضوع العلم ما كان جهة جامعة بين مسائله، و موضوع البحث في مباحث الاجتهاد ليس هو الأدلّة بأحد هذه الاعتبارات الخمس كما هو واضح، و إنّما هو الاجتهاد أو المجتهد.

نعم على القول بكفاية صدق تعريف العلم على مسألة في كونها من مسائل هذا العلم تمّ ما ذكر لا مطلقا.

و يمكن الذبّ عنه: بأنّ الاستنباط يقع على الأدلّة فهو من الأحوال المختصّة بها،

4

[في تعريف الاجتهاد]

أصل الاجتهاد (1) في اللغة: تحمّل و هو المشقّة (2) في أمر. يقال: اجتهد في حمل الثقيل، و لا يقال ذلك في الحقير.

____________

و المباحث المذكورة باحثة عن الاستنباط أو المستنبط من حيث الاستنباط، و هو بحث عمّا يرجع إلى الأدلّة بالأخرة.

و ربّما يشكل الحال في أنّ من مميّزات مسائل العلم اندراجها في غاية العلم، و الغاية المطلوبة من تدوين اصول الفقه- على ما ظهر من تعريفه- كونها مقدّمات قريبة أو بعيدة تؤخذ في الاستدلالات على المسائل الفرعيّة، و لذا تعدّ من مباني الفقه، و المسائل المبحوث عنها في باب الاجتهاد ليست من المقدّمات المأخوذة في استدلالات المسائل الفرعيّة.

و يمكن الذبّ عنه أيضا: بأنّ الغاية المطلوبة من تدوين هذا الفنّ ابتناء استنباط المسائل الفرعيّة على مسائله، سواء كانت مقدّمات تؤخذ في استدلالات المسائل الفرعيّة، أو امورا يتوقّف الاستنباط على تحقّقها الخارجي.

و ما ذكرناه في توجيه عدّ هذه المباحث من مسائل الفنّ أسدّ ممّا صنعه شارح المختصر في بيانه من جعل موضوعه ثلاثة: الأدلّة و الاجتهاد و الترجيح.

و عن بعضهم إضافة التعادل أيضا إلى الترجيح، ليكون مباحث الاجتهاد باعتبار كونها باحثة عن حال الاجتهاد مندرجة في مسائل الفنّ كما أنّ مباحث التعادل و الترجيح مندرجة فيها باعتبار كونها باحثة عنهما، فإنّه- مع كونه خلاف ما اشتهر بين أرباب الفنّ و عليه جمهورهم من حصر موضوعه في الأدلّة- يرد عليه: رجوع البحث في مباحث البابين إلى الأدلّة.

أمّا باب الاجتهاد فلما وجّهناه هنا.

و أمّا باب التعادل و الترجيح فلما بيّنّاه في أوائل الكتاب فراجع و تأمّل.

نعم ينبغي القطع بخروج مباحث التقليد عن مسائله، و كون إيرادها في كتبه تبعا، بل الإنصاف أنّ مباحث الاجتهاد أيضا خارجة عن مسائله كما بيّنّاه ثمّة.

(1) افتعال من الجهد و هو فتحا و ضمّا- على ما في كلام غير واحد من أئمّة اللغة- الوسع و الطاقة، و عن الفرّاء الفرق بين مفتوحه فللمشقّة و مضمومه فللوسع و الطاقة، و ربّما ذكر له معنى آخر و هو الغاية و النهاية كما في المجمع.

(2) كما في شرح المختصر للعضدي، و محكيّ الوافية، و شارح الزبدة، و تبعهم بعض

5

و أمّا في الاصطلاح (1)

____________

الأعلام و بعده بعض الفضلاء، و هذا منهم كما ترى يخالف ما في كلام الأكثرين من أخذه لغة بمعنى بذل الوسع و الطاقة أو ما يرادفه، و كأنّه منهم انكار لورود هذه المادّة مطلقا لغير المشقّة، أو إنكار لبناء هذه الهيئة عمّا هو للوسع و الطاقة، و لو لا أحد هذين الوجهين لتوجّه إليهم عدم الوجه في العدول عن اعتبار كون نقل هذا اللفظ إلى ما يأتي من المعنى المصطلح عليه من باب نقل العامّ إلى الخاصّ- كما هو قضيّة ما صنعه الأكثرون- إلى اعتبار كونه نقلا من اللازم إلى ملزومه- كما هو مقتضى تفسيرهم المذكور- مع كون الأوّل أولى في نظر الاعتبار، لغلبة هذا النقل بحسب الخارج، و كون العموم و الخصوص من أظهر المناسبات و أقواها.

و تحقيق الحال: أنّ الإقدام على ما فيه مشقّة كحمل الثقيل تحمّل للمشقّة و إعمال للوسع و الطاقة، و لا إشكال في أنّ لفظ «الاجتهاد» باعتبار الوضع اللغوي على ما يشهد به الأمارات القويّة و الاستعمالات الواردة في الكتاب و السنّة و غيرهما مختصّ بموارد المشقّة، كما نصّ عليه غير واحد من الطائفة.

و إنّما الإشكال في أنّ المأخوذ في وضعه هل هو أوّل المفهومين ليكون الثاني من لوازمه، أو ثانيهما مقيّدا بما فيه مشقّة لا مطلقا؟ غير أنّه لو قيل بالأوّل لسلم الوضع عن اعتبار التقييد في مسمّى اللفظ الّذي ينفيه الأصل، مع إمكان منع ورود هذه المادّة لغير المشقّة على وجه الحقيقة، و الاستعمالات الواردة في الكتاب و السنّة و غيرهما متّفقة في إرادة المشقّة كما يظهر للمتتبّع، و لا ينافيها ورود الاستعمال على ندرة في غيرها، كما في قوله تعالى: لٰا يَجِدُونَ إِلّٰا جُهْدَهُمْ (1) أي وسعهم على ما في المجمع (2)، لتوسعة باب التوسّع الّذي يعضده الندرة، و لو سلّم الوضع في المادّة مطلقة أو مضمومة فبناء الهيئة عنها بهذا المعنى في حيّز المنع.

(1) و اعلم أنّ له في اصطلاح المتشرّعة أو أرباب العلوم الشرعيّة أو الفقهاء و الاصوليّين أو خصوص الفقهاء إطلاقات كثيرة، فقد يطلق و يراد منه النظر في معرفة الأحكام الشرعيّة- و لو اصوليّة- بطريق الاستدلال، و منه قولهم: يجب الاجتهاد في اصول الدين و لا يكفي فيه التقليد.

و قد يطلق و يراد منه صرف النظر في معرفة الأحكام الفرعيّة الواقعيّة عن أدلّتها علميّة

____________

(1) التوبة: 79.

(2) مجمع البحرين: مادّة «جهد».

6

..........

____________

أو ظنّية أو تعبّديّة، و إليه يرجع ما في قولهم: «الأدلّة الاجتهاديّة». قبالا للأدلّة الفقاهيّة.

و قد يطلق و يراد منه صرف النظر في معرفة الأحكام الفرعيّة- واقعيّة أو ظاهريّة- عن مداركها و لو كانت من قبيل الاصول العامّة العمليّة، و منه اخذ بعض الحدود الآتية، و نشأ منه جملة من الإيرادات الآتية على ما يأتي من المصنّف.

و قد يطلق و يراد منه صرف النظر في معرفة الأحكام الفرعيّة بغير النصوص، و منه ما في قولهم: «هذا اجتهاد في مقابلة النصّ» دفعا لمقالة من يخالف النصّ تمسّكا باعتبارات ظنّيّة، و لعلّه منه اخذ بعض التعاريف الآتية.

و قد يطلق و يراد منه صرف النظر في معرفة الأحكام الفرعيّة بالطرق الظنّية، و هو بهذا المعنى وقع محلّا للنزاع بين الأخباريّة و الاصوليّة، و منه اخذ أكثر التعاريف الآتية و هو اصطلاح خاصّ للفقهاء.

و يمكن رجوع سابقه إليه، بناء على كون النصّ مرادا به ما لا يحتمل معه الخلاف لفظا أو غيره، و الشائع فيما بينهم و لا سيّما أصحابنا المتأخّرين و متأخّريهم إلى زماننا هذا إطلاقه على ما اشتمل على قوّة ردّ الفروع إلى الاصول.

فالمجتهد حينئذ من له تلك القوّة، و إليه ينظر ما يأتي من تعريف الزبدة.

و ممّا شاع أيضا إطلاقه في كلام القدماء و غيرهم و في الأخبار أيضا- على ما سيأتي ذكره- على القياس و الرأي و نحو ذلك من الطرق الفاسدة المتداولة عند المخالفين.

و كيف كان فقد ذكروا له بحسب الاصطلاح تعاريف مختلفة، فعن الذريعة: «أنّ الاجتهاد عبارة عن إثبات الأحكام الشرعيّة بغير المنصوص، بل بما هو طريقة الأمارات و الظهور».

و عن المعارج: «أنّه في عرف الفقهاء بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعيّة».

و عن معراج الوصول: «أنّه بذل القدرة في إدراك الأحكام الشرعيّة الّتي لم يعلم بالنصّ».

و عن الإحكام: «أنّه في اصطلاح الاصوليّين مخصوص باستفراغ الوسع و طلب الظنّ بشيء من الأحكام الشرعيّة على وجه يحسّ من النفس العجز عن المزيد عليه».

و عن المبادئ و شرحه: «أنّه في الاصطلاح عبارة عن استفراغ الوسع في النظر فيما هو من المسائل الظنّية الشرعيّة على وجه لا زيادة فيه».

و عن النهاية المحكيّ في المنية عن آخرين: «الاجتهاد استفراغ الوسع في طلب الظنّ بشيء من الأحكام الشرعيّة بحيث ينتفي اللوم عنه بسبب التقصير».

7

فهو استفراغ الفقيه وسعه (1)

____________

و في التهذيب و المنية: «أنّه في الاصطلاح- كما في الأوّل- و في عرف الفقهاء- كما في الثاني- استفراغ الوسع من الفقيه لتحصيل ظنّ بحكم شرعي».

و في المختصر و شرحيه: «أنّه في الاصطلاح استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظنّ بحكم شرعي».

و في الكتاب و غيره ممّن سبقه و لحقه: «أنّه استفراغ الفقيه وسعه في تحصيل الظنّ بحكم شرعي».

و في فوائد العلّامة: «أنّه بحسب الاصطلاح استفراغ في تحصيل الحكم الشرعي بطريق ظنّي».

و في المجمع: «نقل في الاصطلاح إلى استفراغ الوسع فيما فيه مشقّة لتحصيل ظنّ شرعي».

و عن الوافية: «أنّ الأولى في تعريفه: أنّه صرف العالم بالمدارك و أحكامها نظره في ترجيح الأحكام الشرعيّة الفرعيّة».

و في بعض شروح الكتاب المسمّى بأصل الاصول- أنّه بعد ما نقل تعريف الوافية و حكم بكونه أسلم- قال: «و أحسن منه أن يقال: صرف العالم نظره في تحصيل المسائل الشرعيّة الفرعيّة بمداركها».

و عن الزبدة: «أنّ الاجتهاد ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي من الأصل فعلا أو قوّة قريبة».

(1) و في كلام غير واحد أنّ استفراغ الوسع معناه بذل تمام الطاقة بحيث يحسّ من نفسه العجز عن المزيد عليه، و لعلّ وجهه أنّ الاستفراغ استفعال بمعنى الطلب، فإذا اضيف إلى الوسع كان معناه طلب الفقيه فراغ وسعه، و فراغ الوسع عبارة عن الخلوص و الخلوّ عنه، و يشكل ذلك: بأنّ طلب الشيء لا يستلزم حصوله في الخارج.

نعم قد يقال: بأنّ المأخوذ في وضع الاستفعال هو الطلب المستلزم للحصول كما في «استخرجته فخرج».

و فيه: أنّ ذلك لزوم غالبي لا دائمي، ضرورة أنّه لو قيل: «استفسرت منه فما فسّر لي» و «استعلمت منه فما أعلمني» لم يكن مناقضا و لا موجبا للتجوّز، كما أنّه في المثال المذكور لا يوجب تكرارا.

8

..........

____________

فالإنصاف: أنّها لمطلق الطلب، و عليه فلو نظر في دليل المسألة و حصل له الظنّ بالحكم الشرعي في أوّل نظره أو فيما لم يبلغ حدّ العجز عن المزيد عليه لم يكن منافيا لكونه مستفرغا وسعه، فيكون هذا الفرض مشمولا للتعريف مع كونه من أفراد المعرّف (1).

و يندفع به ما قيل على عكس التعريف من أنّ استفراغ الوسع غير معتبر في تحصيل كلّ من الأحكام.

و توضيحه: أنّ أقصى ما يجب على المجتهد الاطمئنان بتحصيل ما يستفاد من الأدلّة الموجودة، و ذلك قد يحصل بأوّل نظره في دليل المسألة كما في كثير من المسائل الّتي مداركها ظاهرة، و قد لا يحصل إلّا بعد استفراغ منتهى الوسع كما في بعض المسائل المشكلة، و قد يكون بين الأمرين.

و من البيّن تحقّق الاجتهاد في جميع ذلك فلا ينعكس الحدّ.

و لا حاجة معه إلى تكلّف أن يقال: إنّ بذل الوسع إنّما يعتبر بالنسبة إلى مجموع المسائل الّتي يحتاج إلى استنباطها لا حصوله في كلّ مسألة، و حينئذ يكتفى في كلّ منها بما يحصل به الاطمئنان، ليرد عليه: أنّه لا يلائم ذكر الحكم في الحدّ بصيغة المفرد.

و لا إلى أن يقال: من أنّ المراد باستفراغ الوسع ما هو المعتبر في عرف المجتهدين لا الاستفراغ العقلي، و القدر المعتبر أمر معروف و هو ما يحصل به الظنّ بعدم الظفر بالمعارض ظنّا يعتدّ به، ليتوجّه إليه: أنّ الإيراد على ظاهر الحدّ فلا يدفعه حقيقة المراد بعد تسليم ظهور الاستفراغ في العقلي، و إلّا ليسلم قاطبة الحدود عن النقوض و الإبرامات.

و توهّم خروج المفروض عن المعرّف فلا يضرّ خروجه عن التعريف- مع أنّه بناء على التحقيق المتقدّم غير خارج- لا يلائم ما عليه جمع من أجلّاء أصحابنا من أصالة حجّية الظنّ الاجتهادي و عدم وجوب تحصيل الظنّ الأقوى، مع الإجماع المحكيّ عليه عن بعض الأجلّاء، بل لا يتمّ ذلك على ما عليه الآخرون من أصالة حرمة العمل بالظنّ إلّا ما خرج بالدليل- كما هو الحقّ- لو قيل بأنّه لا دليل على خروج غير الظنّ الأقوى بعد ملاحظة أنّه لو وجب تحصيل الظنّ الأقوى في كلّ مسألة لزم مضافا إلى العسر و الحرج تعطيل الأحكام و سدّ باب الاستنباط القاضي بالخروج عن الدين، و لو وجب في بعضها

____________

(1)- قد أبدل المصنّف (رحمه اللّه) في حاشية من حواشيه على القوانين هذه العبارة بقوله: «... لم يكن منافيا لكونه مستفرغا وسعه و كان ذلك من أفراد المعرّف ...» راجع حاشية القوانين 2: 121.

9

..........

____________

دون بعض لزم الترجيح بغير مرجّح، بل ربّما قيل بأداء بذل تمام الوسع إلى صرف تمام الوقت في تحصيل مسألة واحدة.

و لا ريب أنّ هذه الامور المعتضدة بمحكي الإجماع تنهض مخرجة عن الأصل مسقطة لاعتبار الظنّ الأقوى.

و مع الغضّ عن ذلك فأقصى ما يقتضيه الأصل المذكور كون الأقوائيّة في الظنّ شرطا للاعتبار، و لا يلزم من كون شيء شرطا للاعتبار اعتباره في ماهيّة الاجتهاد إلّا على توهّم كون التعريف للصحيح منه، و هو ضعيف جدّا لمنع اعتبار الصحّة في مفهوم الاجتهاد اصطلاحا على ما سنقرّره.

و أمّا قيد «الفقيه» فهو احتراز عن غيره كالمنطقي الصرف إذا استفرغ وسعه في طلب شيء من الأحكام بطريق الاستدلال، و المقلّد إذا استفرغ وسعه في طلب فتوى المفتي الّتي هي في حقّه حكم شرعي.

و اعترض عليه: باستغناء خروج من ذكر عن هذا القيد إمّا لأنّ استفراغ الوسع لا يتأتّى من غير الفقيه إذا لم يكن له قوّة ردّ الفروع إلى الاصول كما هو المفروض، أو لأنّ مثل هذا الاستفراغ لا يسمّى استفراغا للوسع في تحصيل الحكم الشرعي، فهو مخرج بجنس التعريف و لا حاجة إلى اعتبار قيد آخر.

و يدفعه: منع عدم تأتّي استفراغ الوسع عمّن ذكر خصوصا المقلّد المستفرغ وسعه في طلب الفتوى، فإنّ إمكان ذلك و تحقّقه في الخارج معلوم بحكم الضرورة، سواء قلنا بكفاية الظنّ بالفتوى في حقّه، أو قلنا بلزوم العلم بها، إذ على التقدير الثاني كونه لا يستفرغ وسعه إلّا في طلب العلم بالفتوى لا ينافي إمكان تأتّي ذلك منه، و المعتبر في الحدود أخذ الماهيّة الكلّية صادقة على ما أمكن تحقّقه في الخارج من الأفراد و إن لم يتحقّق بعد فعلا، بل و على تسليم الامتناع و لو بحسب العادة فهو لا يمنع اندراجه تحت الماهيّة الصادقة عليه على فرض وجوده، حيث إنّ فرض الممتنع ليس من الممتنع، و كما أنّه لا يشترط في أفراد الكلّي فعليّة الوجود فكذا لا يشترط فيها إمكان الوجود على ما قرّر في محلّه، و هذا بعينه جار في المنطقي أيضا على فرض الامتناع، و إلّا فعدم الامتناع في حقّه أيضا ضروري، لجواز توصّله بمقتضى قواعده المنطقيّة إلى إثبات حكم شرعي، خصوصا إذا استند فيه إلى القياس المعبّر عنه عنده بالتمثيل.

10

..........

____________

و بما عرفت جميعا يظهر لك ضعف دعوى عدم تسمية ذلك استفراغا للوسع في تحصيل الحكم الشرعي، هذا بالقياس إلى المنطقي إذا حمل الحكم الشرعي في التعريف على الحكم الواقعي الثابت في حقّ المشافهين و غيرهم من المتمكّنين من العلم الواقعي.

و أمّا لو حمل على الحكم الفعلي أو على مصطلح الاصولي- و هو خطاب اللّه المتعلّق بأفعال المكلّفين- اتّجه منع تسمية استفراغه استفراغا للوسع في طلب الحكم الشرعي بهذا المعنى، لعدم كون مطلوبه حكما فعليّا في حقّه و لا خطابا متعلّقا بفعله، من حيث إنّه لم يكلّف بطلب هذا الحكم، و لو طلبه ليس له بناء العمل عليه.

لكن يرد على ما ذكر في الإيراد- من أنّه خارج بجنس التعريف-: منع ذلك، لاستناد خروجه على هذا البيان إلى قيد «الحكم الشرعي» غير أنّ أصل الإيراد و هو الاستغناء عن قيد «الفقيه» و عدم الحاجة إليه باق على حاله.

إلّا أن يقال- على تقدير أخذ الحكم بالمعنى الاصولي-: إنّ التعلّق بفعل المكلّفين أو فعل جنس المكلّف لا يقتضي التعلّق بفعل هذا الشخص بالخصوص، فالقضيّة في حقّه صادقة إذا جعل التعلّق عبارة عنه في الجملة و لو بالقياس إلى غيره كالمشافه و من بحكمه.

و هاهنا اعتراض آخر ينشأ من قيد «الفقيه» و هو استلزامه الدور المستحيل، فإنّ قضيّة أخذ «الفقيه» من أجزاء الحدّ توقّف معرفة الاجتهاد على معرفة الفقه، و المفروض أنّه لا فقه إلّا بالاجتهاد لتأخّر رتبة الفقاهة عنه.

و قد يقرّر الدور بوجه آخر و هو: أن أخذ «الفقيه» في حدّ الاجتهاد يعطي توقّف حصول الاجتهاد على تحقّق الفقاهة، ضرورة كونه الاستفراغ الحاصل من الفقيه.

و من البيّن توقّف حصول الفقاهة على الاجتهاد، فيلزم الدور في تحقّق الاجتهاد في الخارج لا في التصوّر.

و يدفعه في تقريره الأوّل: أنّ المتوقّف على الاجتهاد إنّما هو الفقه بمعنى العلم الفعلي بالأحكام، لا العلم بمعنى الملكة المقتدر بها على العلم الفعلي.

و من الواجب حمل «الفقيه» على من له هذه الملكة إمّا لكون مبدأ اشتقاقه اسما لها على التحقيق في ألفاظ العلوم، أو لتوقّف حفظ حدّ الفقه عن إشكال انتفاض عكسه بخروج أكثر الفقهاء على تقدير إرادة الجميع من الأحكام عليه.

11

..........

____________

و يظهر من المحقّق التفتازاني جواز الحمل عليها كما جزم به بعض الفضلاء (1) بناء على أوّل الوجهين، و لعلّه إلى ذلك يرجع ما عن شيخنا البهائي من «أنّ المراد من الفقيه من مارس فنّ الفقه و إن لم يكن مجتهدا، احترازا عن الأجنبي كالمنطقي الصرف» و إطلاق «الفقيه» عليه كثير و إن كان إطلاقه على المجتهد أكثر، نظرا إلى أنّ الملكة بهذا المعنى إنّما تحصل بالممارسة و إن اعتبر معها امور اخر كما تقدّم الإشارة إليه في حدّ الفقه.

و عليه فما اعترض عليه بعض الأعلام من أنّ من قرأ الكتب و زاول رءوس المسائل أو بعض الكتب الاستدلاليّة أيضا و لكن لم يحصل له بعد قوّة ردّ الفرع إلى الأصل لا يسمّى استفراغ وسعه اجتهادا، في غير محلّه.

و بما ذكرناه يندفع أيضا ما أورد على عكس الحدّ من أنّ «الفقيه» لا يصدق إلّا مع العلم بجميع الأحكام أو القدر المعتدّ به الّذي يحصل به الغرض المطلوب من وضع الفنّ، فخرج استفراغ وسع من لم يبلغ العلم بالجميع أو القدر المعتدّ به، و على فرض صدقه على من علم مسألة أو مسألتين أو أزيد يخرج من استفرغ في طلب ذلك و هو في كلّ من الفروض من أفراد المعرّف، فإنّ كلّ ذلك مبنيّ على حمل «الفقه» على العلم بالأحكام فعلا.

و يمكن دفع الدور أيضا على هذا التقدير و إن انتقض معه العكس بإبداء اختلاف الجهة، إذ المتوقّف في جانب الاجتهاد معرفة ماهيّة الاجتهاد و وجودها الذهني لتوقّفه على معرفة الفقه، و المتوقّف في جانب الفقه وجوده في الخارج دون معرفته، لتوقّفه على تحقّق الاجتهاد فعلا مع كونه معلوما بنفسه و لو بالنظر الغير المأخوذ فيه الاجتهاد فلا دور، لجواز توقّف شيء على غيره في الوجود الذهني مع توقّف ذلك الغير عليه في الوجود الخارجي، كما في العلّة و المعلول في الاستدلالات الإنّيّة.

هذا بناء على الإغماض عمّا يساعد عليه النظر جريا على ما اعتمد عليه غير واحد من الأجلّاء في دفع الدور، و إلّا فمقتضى ما بنوا عليه من أخذ «الفقه» هنا بمعنى العلم الفعلي عدم توقّفه في الوجود الخارجي أيضا على الاجتهاد بالمعنى المأخوذ فيه «الفقه» بهذا المعنى، لأنّه بماهيّته عبارة عندهم إمّا عن العلم بجميع الأحكام، أو عن العلم بالبعض المعتدّ به، أو عن العلم بالبعض المطلق الغير المنافي للعلم بالجميع ليشمل التجزّي و لو في مسألة.

____________

(1) الفصول: 387.

12

..........

____________

و لا ريب أنّ الماهيّة في تحقّقها الخارجي بكلّ من تقاديرها الثلاث مسبوقة بالاستنباطات المعرّاة عنها، لأنّها ما لم تبلغ حدّا تحقّق معه الماهيّة المأخوذة في مفهوم الاجتهاد كانت معرّاة عن تلك الماهيّة، و عراها يقضي بعدم صدق الاجتهاد بالمعنى المأخوذ فيه تلك الماهيّة عليها، فتكون الماهيّة في تحقّقها الخارجي موقوفة على ما ليس باجتهاد، و إذا تحقّق عنوان الاجتهاد في الخارج بتحقّق ماهيّة الفقه فيه كان فارغا عن توقّف تحقّقها عليه.

و هذا بعد انتقاض عكس التعريف على الوجه الّذي بيّنّاه سابقا من أفضح ما يلزمهم، حيث إنّ المعروف فيما بين الأوائل و الأواخر المصرّح به في كلامهم و كلام غيرهم من أهل التحقيق توقّف الفقه بالمعنى المذكور على الاجتهاد في تحقّقه الخارجي، فلا يبقى لهم مناص عن أخذ «الفقه» هنا بمعنى الملكة المشار إليها، ليكون الاستنباطات من أوّلها إلى آخرها متضمّنة للفقه فيصدق عليها عنوان الاجتهاد من أوّل الأمر، و يكون العلم بالأحكام في جميع مراتبه مسبوقا بالاجتهاد موقوفا عليه.

ثمّ إنّ التفتازاني قال في شرحه: «ظاهر كلام القوم أنّه لا يتصوّر فقيه غير مجتهد، و لا مجتهد غير فقيه على الإطلاق. نعم لو اشترط في الفقه التهيّؤ للكلّ و جوّز الاجتهاد في مسألة دون مسألة تحقّق مجتهد ليس بفقيه» انتهى.

و هذه الملازمة على فرض ثبوتها مبنيّة على أخذ كلّ من الاجتهاد و الفقه باعتبار الملكة، أو الأوّل باعتبار الفعل و الثاني باعتبار الملكة، دون ما لو اخذا معا باعتبار الفعل، أو أخذ الأوّل باعتبار الملكة و الثاني باعتبار الفعل كما يظهر وجهه بتأمّل.

و هذه أيضا من الشواهد على أنّ الاجتهاد باعتبار الفعل مأخوذ فيه الفقه باعتبار الملكة، و أنّ الفقه بهذا الاعتبار لا بدّ من أخذه في تعريف الاجتهاد باعتبار الفعل ليندفع به كلّ من إشكالي الدور و انتقاض العكس.

و أمّا التقرير الثاني من الدور فيندفع أيضا بملاحظة ما ذكرناه، و ملخّصه: أنّ التوقّف في جانب الاجتهاد توقّف الاجتهاد باعتبار الفعل على الفقه باعتبار الملكة، فلو توقّف الفقه باعتبار الفعل حينئذ على الاجتهاد بهذا الاعتبار لم يلزم دور كما لا يخفى، مع أنّه لو سلّم الدور بينهما باعتبار وجودهما الخارجي على تقدير أخذهما معا باعتبار الفعل فهو ممّا لا دخل له بما هو مقصود المقام من معرفة ماهيّة الاجتهاد بمعرفة ماهيّة الفقه الغير المتوقّفة

13

في تحصيل الظنّ (1)

____________

على معرفة الاجتهاد، فلا يفسد به التعريف.

(1) قد عرفت أنّ أكثر التعاريف كان مشتملا على قيد «الظنّ» و فائدته على ما صرّح به كلّ من تصدّى ببيان فوائد أجزاء التعاريف المتقدّمة من العامّة و الخاصّة الاحتراز عن استفراغ الفقيه وسعه لتحصيل العلم، و علّله العضدي بقوله: «إذ لا اجتهاد في القطعيّات» غير أنّه غير واحد من أفاضل متأخّرينا أورد عليه بفساده لو اريد به ما يعمّ القطعيّات النظريّة، إذ معرفة النظريّات أيضا تسمّى فقها و تحصيلها من أدلّتها يسمّى اجتهادا، فلا يحسن إخراجه، و لعلّه لأجل ذا عدل في الوافية (1) و غيرها في التعريف إلى ما لم يؤخذ فيه الظنّ.

و قد يضاف إلى هذا الفرض الغير الخارج عن الاجتهاد ما لو انتهى استفراغ الوسع إلى دليل تعبّدي غير منوط اعتباره بالظنّ، و ما لو انتهى إلى التوقّف في خصوص المسألة المستلزم للأخذ بالاصول العامّة العمليّة، فإنّ كلّ ذلك من المعرّف مع انتفاء الظنّ فيه، كما في صورة انتهائه إلى القطع بالحكم.

لكن يندفع الكلّ بمنع استلزام القيد خروج هذه الصور، نظرا إلى أنّ الظرفيّة في قولهم:

«في تحصيل الظنّ» يؤدّي هنا مؤدّى «لام» الغاية، بل هي الواقعة في جملة من التعاريف مكان الظرفيّة.

و لا ريب أنّ فعل شيء لغاية معيّنة لا يستلزم حصول تلك الغاية في الخارج دائما متى ما كان جائز الحصول في نظر الفاعل، بل قد يصادف حصولها و قد يصادف حصول غيرها، و قد يصادف عدم حصول شيء، غير أنّ قضيّة كون الفعل لأجل تلك الغاية صادقة على جميع التقادير.

و من الواضح أنّ قطعيّات الفقه ليست امورا محدودة مضبوطة بحيث يعرفها المستنبط قبل دخوله في الاستنباط ليكون في دخوله في استنباط حكم المسألة طالبا لتحصيل القطع به من أوّل الأمر، بل هو لعلمه الضروري بانسداد باب العلم بالأحكام الشرعيّة غالبا و عدم انفتاحه إلّا في نادر منها لا يدخل في شيء من المسائل إلّا و هو من أوّل الأمر طالب للظنّ بالحكم الشرعي، فاستفراغ الوسع لتحصيل الظنّ صادق في حقّه في الجميع.

____________

(1) الوافية: 243 حيث قال: «و عندي أنّ الأولى في تعريفه: أنّه صرف العالم بالمدارك و أحكامها نظره في ترجيح الأحكام الشرعيّة الفرعيّة».

14

..........

____________

غاية الأمر أنّه بحسب الخارج قد يصادف حصول الظنّ، و قد يصادف حصول القطع، و قد يصادف حصول التعبّد، و قد يصادف عدم حصول شيء من ذلك الّذي هو منشأ التوقّف.

هذا مع أنّ الإشكال بالنسبة إلى صورة القطع بالحكم من أصله فاسد لوجوب الالتزام بالخروج من جهة خروجها عن المعرّف، فإنّ هذا التعريف و مرادفاته كشف لمسمّى اللفظ الثابت له بحسب اصطلاح الفقهاء، و المستفاد من كلماتهم بل صريح عباراتهم تواطئهم في هذا الاصطلاح على تخصيصه بالظنّيّات لنكتة كتواطئهم على تخصيصه بغير الضروريّات.

و قد عرفت من العضدي التصريح بذلك و صرّح به أيضا بعض الفضلاء قائلا- في دفع السؤال-: و «فيه أنّ مصطلح القوم منعقد على تخصيص الاجتهاد بالظنّيّات».

و يستفاد التصريح به من بعض الأفاضل.

و ممّا يفصح عن ذلك أيضا عدم تعرّض أحد من قدمائنا و لا غيرهم من أوائل متأخّرينا كالمحقّق و العلّامة و أحزابهما لهذا الإشكال، مع كون التعاريف المذكورة بمرأى منهم.

بل قد عرفت أنّهم بأنفسهم قد أخذوا الظنّ فيما اختاروه من التعاريف، كما في الذريعة و المعارج و النهاية و التهذيب و المنية و غيرها.

و هذا هو الّذي دعا الأخباريّين المنكرين للعمل بالظنّ إلى مخالفة المجتهدين بإنكارهم الاجتهاد و عدّهم إيّاه من المبتدعات، فإن شئت لاحظ كلام العلّامة البهبهاني في الفائدة السابعة من فوائده العتيق حيث قال: «الثالث: أنّهم يحكمون بحرمة الاجتهاد و يأبون عن الاسم و عن كونهم مجتهدين، بسبب أنّ الاجتهاد بحسب الاصطلاح استفراغ الوسع في تحصيل الحكم الشرعي بطريق ظنّي، فالتقييد بالظنّ هو المنشأ، مع أنّ القيد هو الظنّ المعتبر شرعا لا غيركما لا يخفى».

و قال أيضا في صدر الفائدة الثامنة: «قد عرفت أنّ مناط الفرق بين الأخباري و المجتهد هو نفس الاجتهاد أي العمل بالظنّ، فمن اعترف بالعمل به فهو مجتهد و من ادّعى عدمه بل كون عمله على العلم و اليقين فهو أخباري».

و قال أيضا في أواخر فوائده الجديد: «الاجتهاد و التقليد إنّما يتمشّيان في الامور التكليفيّة الّتي وقع الحاجة إلى معرفتها، و مع ذلك يكون باب العلم إلى معرفتها مسدود أو يكون الطريق منحصرا في الظنّ، و لو لم يكن أحد هذين الشرطين لم يجر فيه الاجتهاد و التقليد» إلى آخر ما قال.

15

بحكم شرعيّ (1).

____________

و من الواضح أنّ نفي الاجتهاد عن الامور العلميّة ليس إلّا من جهة أنّه بحسب الاصطلاح عبارة عمّا اخذ فيه الظنّ.

و يستفاد ذلك أيضا من ملاحظة كلماتهم في مباحث الاجتهاد و شروطه، بل كونه مشروطا بالشروط الآتية بنفسه من الشواهد بما ذكرنا، نظرا إلى أنّ المدار في الطرق العلميّة على إفادتها العلم من غير ابتنائها على مراعاة هذه الشروط، و إنّما يلزم مراعاتها في الطرق الظنّية، إذ بدونها لا يكاد يحصل منها الظنّ أو يستقرّ أو يعوّل عليه، و بالتأمّل في ذلك يظهر النكتة الداعية إلى تخصيص الاصطلاح بالظنّيات، و ملخّصه اختصاص المباحث المتعلّقة به بالظنّيات.

فتحصّل بجميع ما ذكر: أنّ استفراغ الوسع لتحصيل القطع بالحكم ليس اجتهادا بالمعنى المصطلح عليه هنا المتنازع فيه بين الأخباريّة و الاصوليّة، و إن كان اجتهادا بالمعنى اللغوي، أو بالمعنى الآخر ممّا يناسب المعنى اللغوي ممّا تقدّم من إطلاقاته، و كأنّ شبهة السائل نشأت عن ذلك غفلة عن حقيقة الحال، و بمثل ذلك يجاب أيضا عن النقض بما ينتهي إلى التعبّد أو التوقّف، فإنّ هذا النحو من الاستفراغ و إن كان يصدق عليه الاجتهاد غير أنّه اجتهاد بالمعنى اللغوي، أو غيره ممّا يناسبه من إطلاقاته المتقدّمة غير ما اخذ فيه الظنّ.

و لك أن تقول: بأنّ الاجتهاد بهذا المعنى أصله من العامّة، و هم- على ما يظهر من إطلاقاته و ملاحظة ما ورد في الأخبار و كلام علمائنا الأخيار في ذمّ الاجتهاد- خصّوه بالظنّ الغير المستند إلى كتاب و لا سنّة أصلا، بأن يستند إلى رأي أو قياس أو استحسان أو غيره من الطرق المعمولة لديهم الخارجة عن الأربعة المعمولة لدى الأصحاب، فوافقهم في أصل الاصطلاح و إن كان خالفوهم في جعل الظنّ عبارة عمّا يستند إلى الكتاب أو السنّة و الإجماع أو غيره ممّا ليس من طرق العامّة، سواء تعلّق في الأوّلين بالسند أو الدلالة أو الجهة أو الترجيح أو غيره.

(1) يخرج به استفراغ الوسع لتحصيل الظنّ بحكم عقلي أو حسّي كما ذكروه، و اعترض عليه تارة: بأنّه يندرج في الحدّ استفراغ الفقيه وسعه في تحصيل الظنّ بالأحكام الاصوليّة ممّا يندرج في اصول الدين كخصوصيّات عالم المعاد أو البرزخ، أو في اصول الفقه كحجّية الحسن و الموثّق و الضعيف المنجبر بالشهرة و نحوها مع عدم

16

..........

____________

اندراج شيء من ذلك في الاجتهاد عرفا.

و اخرى: بأنّه يندرج فيه استفراغ وسعه في تحصيل الأحكام الظنّية الخاصّة المتعلّقة بالموضوعات كتعيين الهلال لوجوب الصوم أو الإفطار و البيّنة، و سائر ما يتعلّق به القضاء مع عدم اندراج ذلك أيضا في الاجتهاد.

و هذا بناء على ظهور الحكم الشرعي فيما من شأنه أن يؤخذ من الشارع واضح الدفع، لعدم كون شيء من الامور المذكورة و نظائرها ممّا من شأنه الأخذ من الشارع كما لا يخفى.

لا يقال: الظنّ بالامور المذكورة و إن لم يكن ظنّا بالحكم الشرعي بهذا المعنى غير أنّه يستلزم الظنّ بالحكم الشرعي، ضرورة أنّه مع الظنّ بهلال شهر رمضان يحصل الظنّ بوجوب الصوم، و مع الظنّ بهلال شهر شوّال يحصل الظنّ بحرمة الصوم و وجوب الإفطار، و هما حكمان شرعيّان بالمعنى المذكور.

لأنّا نقول: بأنّ الحكمين معلومان بحكم ما دلّ على وجوب الصيام أو الإفطار عند ثبوت الهلال و لو ثبوتا ظنّيّا، فالناظر في الهلال إنّما يطلب تحصيل صغرى محمولها ظنّ الهلاليّة إحرازا لموضوع الحكمين المعلومين بالخارج بمقتضى الأدلّة الشرعيّة كما في سائر الموضوعات عامّة و خاصّة.

و إنّما المعضل في المقام دفع سؤال الظنّ بالأحكام الاصوليّة الاعتقاديّة و العمليّة لكونها في الجملة من الحكم الشرعي بالمعنى المذكور، و دفعه جماعة- منهم بعض الأعلام و بعض الأفاضل- بظهور الحكم الشرعي في الفرعي.

و يشكل ذلك: بأنّه لو صحّ ذلك لقضى بخروج قيد «الفرعيّة» في حدّ الفقه توضيحيّا و هو خلاف ما صرّحوا به و أذعن به المجيب.

نعم إنّما يندفع ذلك بما في بيان المختصر- من أنّ المراد بالحكم الشرعي خطاب اللّه المتعلّق بأفعال المكلّفين من حيث الاقتضاء و التخيير، إذ ليس شيء من الأحكام الاصوليّة مطلقا ممّا يتعلّق بفعل المكلّف- لو لا فيه قضاؤه بخروج قيد «الشرعي» مستدركا، إذ الحكم بالمعنى المذكور لا يكون إلّا شرعيّا.

إلّا أن يقال: بأنّ هذا المفهوم تعريف للحكم الشرعي كما هو ظاهر عبائرهم لا للحكم فقط ليكون «الشرعي» قيدا آخر معتبرا مع الحكم بالمعنى المذكور.

و بعبارة اخرى: أنّ مجموع اللفظين اسم للمعنى المذكور، فلا يراد هذا المعنى من

17

..........

____________

الأوّل بانفراده و لا من «الشرعي» بانفراده معنى آخر.

و ربّما يشكل إرادة هذا المعنى بأنّ الظنّ بالحكم بمعنى خطاب اللّه المتعلّق بفعل المكلّف يقتضي كون المظنون مع قطع النظر عن تعلّق الظنّ به خطابا متعلّقا بفعل المكلّف بجميع أحواله.

و قضيّة ذلك خروج كثير من المسائل الظنّية، إذ الظنّ ليس بدائم المطابقة للواقع، و من المظنونات الّتي يعدّ استفراغ الوسع لتحصيل الظنّ بها اجتهادا ما ليس خطابا متعلّقا بفعل المكلّف لو قطع النظر فيه عن تعلّق الظنّ، ففسد به عكس الحدّ. إلّا أن يقال: بأنّ كون الشيء خطابا متعلّقا بفعل المكلّف أعمّ من أن يكون كذلك قبل تعلّق الظنّ به كما في الأحكام الواقعيّة بناء على اتّفاق تعلّقها لا محالة بفعل مكلّف من مشافه أو غيره، أو يكون كذلك بعد تعلّق الظنّ بها كما في مورد النقض، دون ما كان كذلك قبله خاصّة أو صار كذلك بعده خاصّة.

لكن يدفعه: خروجه من الظاهر المنساق من اللفظ عرفا.

نعم يمكن أن يقال: إنّ الظنّ حيثما يحصل للمجتهد فهو يعتقد ظنّا أنّ متعلّق ظنّه هو الحكم بهذا المعنى، فالحكم بهذا المعنى أعمّ من أن يكون كذلك بحسب الواقع أو بحسب الاعتقاد و لو ظنّا.

أو يقال: إنّ الاستفراغ لتحصيل الظنّ بالحكم بهذا المعنى لا يستلزم اتّفاق حصول الظنّ و لا حصول [القطع به] بل قد يستتبع اتّفاق حصول القطع به، و قد يستتبع حصول الظنّ به، و قد يستتبع حصول الظنّ بغيره بحسب الواقع، و قد يستتبع عدم حصول شيء كما بيّنّا سابقا، و المأخوذ في الحدّ كون الاستفراغ حاصلا لأجل حصول غاية الظنّ بالحكم بالمعنى المذكور، لا استلزام حصوله لحصول تلك الغاية و الفرق بين المعنيين واضح.

و الإشكال يتوجّه على المعنى الثاني دون الأوّل، و هو الظاهر المنساق من الحدّ.

ثمّ وجه تقدّم الاجتهاد باعتبار الفعل على الفقاهة بهذا الاعتبار- على ما أشرنا إليه سابقا- أنّ العلم بالأحكام الفعليّة المأخوذ في مفهوم «الفقه» بالاعتبار المذكور علم مأخوذ في نتيجة قياس يحرز صغراه بالاجتهاد، حيث يقال- بعد الفراغ عن الاجتهاد في حكم المسألة-: «هذا ما أدّى إليه اجتهادي، و كلّما أدّى إليه اجتهادي فهو حكم اللّه في حقّي و حقّ مقلّدي» فالمجتهد و الفقيه الفعليّان يتصادقان على شخص واحد باعتبارين مترتّبين،

18

..........

____________

فالثاني باعتبار أنّه عالم بالأحكام الفعليّة و الأوّل باعتبار أنّه محصّل لصغرى القياس المنتج لكونه فقيها و يصدق مع هذين العنوانين عناوين ثلاث اخر «المفتي» و «القاضي» و «الحاكم».

فالأوّل باعتبار أنّه مخبر عن حكم اللّه بحسب رأيه و مؤدّى اجتهاده.

و القاضي باعتبار أنّه ملزم لأحد المتخاصمين في شبهة حكميّة أو موضوعيّة بالحقّ المتنازع فيه.

و الثالث باعتبار عموم ولايته على الأيتام و الغيّب و المجانين و أموالهم شرعا.

ثمّ إنّه قد عرفت عن الزبدة تعريف الاجتهاد باعتبار الملكة «بأنّه ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي من الأصل فعلا أو قوّة قريبة» و يظهر منه حصر إطلاقه بحسب الاصطلاح في هذا المعنى، مع أنّه قد ظهر ممّا سبق أنّه لم يتعرّض لذكره أحد من المصنّفين ممّن قبله من أهل الخلاف و غيرهم.

نعم إطلاق المجتهد على صاحب هذه الملكة شائع في هذه الأعصار و ما قاربها، و كأنّه أخذ التعريف المذكور من ذلك و الظاهر أنّه اصطلاح آخر مخصوص بأصحابنا.

و كيف كان فعن الفاضل الجواد: أنّه يخرج بقيد «الملكة» المستنبط لبعض الأحكام من أدلّتها بالفعل من غير أن يصير ذلك ملكة له بل كان حالا، فإنّه ليس اجتهادا، و كذا من حفظ جملة من الأحكام تلقينا و عرف مع ذلك أدلّتها، لعدم حصول الملكة معه، و «اللام» في «الحكم» للجنس فيدخل المتجزّي، و التقييد ب«الشرعي» لإخراج العقلي، و ب«الفرعي» الأصلي كالاعتقادات و ب«من الأصل» الضروري كالصلاة و الزكاة.

ثمّ قال: و بالقوّة القريبة يدخل من له تلك الملكة من غير أن يستنبط بالفعل بل يحتاج إلى زمان، إمّا لتعارض الأدلّة أو لعدم استحضار الدليل أو الاحتياج إلى التفات أو نحو ذلك، و حيث إنّ الاجتهاد هو الملكة فالمجتهد من له تلك الملكة و المجتهد فيه هو الحكم المستنبط من الأصل.

أقول: لا يخفى ما في قوله: «يخرج بقيد الملكة» من المسامحة الواضحة، لأنّ الجنس و ما هو بمنزلته ليس قيدا و الخروج فرع الدخول، و المراد به دخول شيء في الجنس، فما لم يذكر الجنس لا دخول فلا خروج، و لعلّه أراد بالخروج عدم دخول ما ذكر في الجنس لانتفاء الملكة.

ثمّ ظاهر قوله: «بالقوّة القريبة يدخل ...» إلى آخره، أنّه لو لا هذا القيد لم يدخل ما ذكر،

19

..........

____________

و لعلّه لتوهّم ظهور الاستنباط أو الاقتدار فيما هو بالفعل و عدم شمولهما لما هو بالقوّة كما توهّمه غيره، و يدفع (1) الاطلاق و منع الظهور و لا سيّما قوله: «يقتدر» ضرورة أنّ الاقتدار على شيء لا يستلزم فعليّة حصوله، فالقيدان و إن صحّ مؤدّاهما زائدان مستغنى عنهما فيكونان لتوضيح انقسام ذي الملكة إلى قسميه.

نعم لو قيل في التعريف: «ملكة يستنبط بها الحكم الشرعي» كان دعوى الظهور في الفعل غير بعيدة، و في كلام بعض الفضلاء: أنّ التقييد بقوله: «أو قوّة قريبة» مفسد للحدّ، لأنّ الاستنباط بالقوّة القريبة معناه القوّة القريبة للاستنباط، و هي معنى الملكة فيرجع الحدّ إلى أنّ الاجتهاد ملكة الملكة، و فساده واضح.

و قد يوجّه القيد بتخيّل دفع هذا الإشكال بكون قوله: «أو قوّة قريبة» عطفا على الملكة، على أن يكون المعنى: أنّ الاجتهاد إمّا ملكة الاستنباط الفعلي أي الحاصل، أو قوّة قريبة من الاستنباط الفعلي.

و يرد عليه- مع عدم مساعدة ظاهر عبارة الحدّ عليه-: أنّ القوّة القريبة من الاستنباط الفعلي إن اريد بها ما يعمّ القوّة القريبة من ملكة الاستنباط الفعلي فسد طرد الحدّ بالقياس إلى من له القوّة القريبة من الاجتهاد دون الاستنباط كالعالم بالفتوى مثلا، و إن اريد بها ما لا يعمّ ذلك فسد أصل الحدّ لاشتماله على التكرار، نظرا إلى أنّ القوّة القريبة من الاستنباط الفعلي على هذا التقدير عبارة اخرى من ملكة الاستنباط الفعلي.

فالوجه في دفع الإشكال أن يقال: إنّ قيدي الفعل و القوّة القريبة راجعان إلى الاقتدار لا إلى الاستنباط كما فهمه الفاضل، و حينئذ فلا اعتراض إذ الاقتدار على الاستنباط المسبّب عن الملكة ينقسم إليه بالفعل و إليه بالقوّة القريبة من الفعل، نظرا إلى عدم كون الملكة بالقياس إليه علّة تامّة بل هي من باب المقتضي، فقد يصادف وجود جميع شروط الاقتضاء الّتي منها استحضار الدليل و الالتفات إليه و فقد جميع الموانع الّتي منها تعارض الأدلّة، و قضيّة ذلك حصول الاقتدار على الاستنباط فعلا، فإن صادف فقد بعض الشروط أو وجود بعض الموانع لزم منه عدم الاقتدار على الاستنباط بالفعل، بل إنّما هو حاصل بالقوّة القريبة من الفعل كما هو واضح.

____________

(1) كذا في الأصل، و الصواب: «و يدفعه ...» الخ.

20

..........

____________

و يمكن على تقدير رجوع القيدين إلى الاستنباط أيضا دفع الاعتراض بمنع كون القوّة القريبة مرادا بها هنا ما يرادف الملكة ليتوجّه المحذور المذكور، بل المراد بها بقرينة مقابلتها الفعل ما يرادف الشأن، فإنّ الاستنباط قد يكون فعليّا و قد يكون شأنيّا، و الملكة المقتدر بها عليه أعمّ منهما، و لذا ترى أنّ الفاقد لها كما أنّه لا يتأتّى منه فعل الاستنباط كذلك ليس من شأنه أن يتأتّى منه ذلك.

ثمّ إنّه قد يشكل الفرق بين الاجتهاد باعتبار الملكة و الفقه بهذا الاعتبار من حيث إنّه عبارة عن ملكة يقتدر بها على العلم بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن الأدلّة، بل ربّما يظهر ممّا في المجمع توهّم المرادفة بينهما و لذا قال في تعريف المجتهد: «أنّه العالم بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة بالقوّة القريبة من الفعل» و هذا كما ترى في غاية البعد عن اصطلاحهم و خلاف ما يظهر من مطاوي كلماتهم.

و يمكن دفع الإشكال بالفرق بينهما من وجوه:

أحدها: أنّ المعتبر في «الفقه» كون الملكة حاصلة بالقياس إلى جميع الأحكام بقرينة الجمع المعرّف باللام، و في «الاجتهاد» كونها حاصلة بالقياس إلى ما يعمّ البعض أيضا بقرينة المفرد المعرّف بلام الجنس، و يظهر الثمرة في صدق المجتهد على من له ملكة البعض فقط كالمتجزّي دون الفقيه، فالمتجزّي حينئذ مجتهد غير فقيه.

و ثانيها: أنّ المعتبر في «الفقه» إضافة الملكة إلى العلم الظاهر في الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، و في «الاجتهاد» إضافتها إلى مطلق الاعتقاد الشامل للظنّ أيضا، بقرينة أخذ الاستنباط في مفهومه المتناول للاستنباط الظنّي أيضا، و قضيّة ذلك كون الاجتهاد أعمّ موردا من الفقه كما في سابقه.

و ثالثها: كون المأخوذ في مفهوم «الفقه» الأحكام الفعليّة الّتي هي أعمّ من الواقعيّة و الظاهريّة على ما تقدّم تحقيقه في حدّ الفقه، و المأخوذ في مفهوم «الاجتهاد» الحكم المعرّى عن وصف الفعليّة، نظرا إلى أنّ مقام الاجتهاد ما يحرز به ما هو موضوع الحكم الفعلي و هو المستنبطات الّتي ما لم تندرج في دليل حجّيّة ما حصل بالاستنباط من الظنّ أو العلم بمؤدّيات الأدلّة المعهودة المتعارفة لا تصير أحكاما فعليّة.

و رابعها: أنّ المأخوذ في «الفقه» ملكة يقتدر بها على العلم بالنتيجة الحاصلة عن مقدّمتين قطعيّتين، يحرز صغراهما بالاجتهاد و لذا اخذ فيه الاستنباط الّذي معناه الاستخراج الّذي

21

..........

____________

مرجعه إلى النظر في الأدلّة التفصيليّة.

و معلوم أنّ الملكة المضافة إلى النظر يغاير الملكة المضافة إلى العلم الحاصل بالنظر.

فإن قلت: إنّ العلم من الامور التوليديّة المترتّب حصولها على حصول المقدّمتين قهرا، فلا يضاف إليه ملكة إلّا و هي الملكة المضافة إلى المقدّمتين، فهي أمر واحد يضاف إليهما أوّلا و بالذات و إليه ثانيا و بالعرض، فالملكة المأخوذة في «الفقه» هي الملكة المأخوذة في «الاجتهاد» بعينها فلا تغاير بينهما.

قلت: هذا إذا اعتبرنا الملكة المضافة إلى النتيجة في مقابلة الملكة المضافة إلى مجموع المقدّمتين و ليس المقام كذلك، فإنّ الملكة المأخوذة في مفهوم الاجتهاد ليست هي الملكة المضافة إلى مجموع المقدّمتين، بل هي ملكة مختصّة بالصغرى و هي بمجرّدها لا تكفي في حصول الملكة المضافة إلى النتيجة، بل لا بدّ معها من ملكة اخرى يتحصّل بها الكبرى، فالهيئة الحاصلة عن مجموع الملكتين هي الملكة المضافة إلى النتيجة لا الملكة المختصّة بالصغرى وحدها، و قضيّة ذلك كون ملكة الاستنباط جزءا من ملكة الفقاهة، فحصل بذلك التغاير فيما بين الاجتهاد و الفقه شبه تغاير الجزء و الكلّ.

- تعليقة- [في إثبات إمكان المجتهد المطلق]

قد عرفت أنّ الاجتهاد قد يلاحظ باعتبار الفعل و قد يلاحظ باعتبار الملكة و هذان إذا اضيفا إلى جميع المسائل و إلى بعضها يتصوّر في المقام صور كثيرة، و هي حصول كلّ من الملكة و الفعليّة بالقياس إلى جميع المسائل، و حصولهما معا بالقياس إلى بعضها، و حصول الملكة بالقياس إلى الجميع و الفعليّة بالقياس إلى البعض، و حصول الفعليّة بالقياس إلى الجميع و الملكة بالقياس إلى البعض، و حصول الملكة بالقياس إلى الجميع أو البعض معرّاة عن الفعليّة، و حصول الفعليّة بالقياس إلى الجميع أو البعض معرّاة عن الملكة، فهذه ثماني صور.

ثمّ إنّ المجتهد عندهم ينقسم إلى مطلق و متجزّ، و يدخل في الاجتهاد المطلق من الصور المذكورة ثلاث صور و هي ما لو حصلت الملكة و الفعليّة معا بالقياس إلى الجميع، أو حصلت الملكة بالقياس إلى الجميع مع فعليّة البعض، أو معرّاة عن الفعليّة بالمرّة، كما أنّه يدخل في المتجزّي صورتان و هما: حصول الملكة بالقياس إلى البعض خاصّة مع الفعليّة بالقياس إليه، أو معرّاة عنها، و هما بكلتيهما على ما صرّح به الفحول و يساعده عليه عناوينهم

22

..........

____________

في كتب الاصول و غيرها محلّ للنزاع الآتي في بحث التجزّي في الاجتهاد و إن قصر عنه جملة من أدلّتهم كما ستعرف، بناء على أنّ حصول الفعليّة غير معتبر في نظر من يجوّز التجزّي في الاجتهاد كما يقتضيه إطلاقهم بإمكان تجزّي الملكة.

و سيلحقك زيادة بيان في ذلك عند البحث في مسألة التجزّي.

و أمّا الصور الثلاث الباقية و هي فعليّة الجميع مع ملكة البعض، أو معرّاة عنها بالمرّة، و فعليّة البعض معرّاة عنها أيضا فهي خارجة عن موضوع الاجتهاد المطلق، كما أنّها خارجة عن موضع النزاع في مسألة التجزّي، لظهور اتّفاقهم على امتناع الجميع كما يقتضيه إطلاقهم بتوقّف الاجتهاد باعتبار الفعل عليه باعتبار الملكة.

و أمّا الاجتهاد المطلق فظاهرهم الاتّفاق على إمكانه في جميع صوره الثلاث، و إن كان إيرادهم المعروف على حدّ «الفقه» المتقدّم في محلّه بعدم انعكاس الحدّ لو اريد بالأحكام جميعها يومئ إلى وجود القول بعدم إمكان الصورة الاولى منها أو عدم وقوعها أو ندرتها، و لم نقف من الاصوليّين و لا غيرهم من العامّة و الخاصّة على من جزم بتعذّره إلّا بعض الأخباريّة بالقياس إلى الصورة الاولى كالأمين الأسترآبادي في فوائده المدنيّة، حيث إنّه بعد ما أبطل طريقة المجتهدين على ما زعمه و أثبت طريقة الأخباريّين بما ستقف على ضعفه و فساده عقد فصلا على حدة في إثبات تعذّر المجتهد المطلق، و قال: «الفصل الثالث:

في إثبات تعذّر المجتهد المطلق.

أقول: بعد ما أحطت خبرا بالآيات و الروايات المتقدّمة لم يبق مجال للمجتهد المطلق، و نزيدك بيانا فنقول: في كثير من الوقائع لا يجري التمسّك بالبراءة الأصليّة و لا بالاستصحاب، و لا تفي بها عمومات الكتاب و لا عمومات السنّة و لا إجماع هناك، و من أمثلة ذلك دية عين الدابّة كما مرّ من أنّ بعد العلم باشتغال الذمّة و الحيرة في القدر المبرئ للذمّة لا تجري البراءة الأصليّة و غيرها.

فإن قلت: كيف يزعم عاقل تحقّق المجتهد المطلق مع كون كتب الخاصّة و العامّة مشحونة بقول الفقهاء: «و فيه تردّد» و ما أشبهه من العبارات؟

قلت: زعمهم ذلك مبنيّ على مقدّمات تقدّمت و هي: أنّ اللّه تبارك و تعالى نصب دلالات ظنّية على المسائل الاجتهاديّة لا القطعيّة، و أنّه ليس شيء من الدلالات المنصوبة من قبله تعالى مخفيّا عند أحد بحيث يتعذّر تحصيلها بالتتبّع، و إنّ سبب تردّد الفقيه في بعض

23

..........

____________

المسائل تعارض الدلالات المنصوبة من قبله تعالى في نظره، و أنّ حكم اللّه في حقّه و حقّ مقلّديه ما دام كذلك التخيير.

و العجب كلّ العجب من متأخّري أصحابنا حيث قالوا بهذه المقدّمات مع أنّه تواترت الأخبار عن الأئمّة الأطهار ببطلانها، فإنّها [صريحة] في أنّ له تعالى في كلّ واقعة خطابا صريحا قطعيّا خاليا عن المعارض، و في أنّ كثيرا منها مخفيّ عندهم (عليهم السلام)، و في أنّه يجب التوقّف في كلّ واقعة لم نعلم حكمها.

و ممّن تفطّن بتعذّر المجتهد المطلق الآمدي من الشافعيّة، و صدر الشريعة من الحنفيّة مع كثرة طرق الاستنباطات الظنّية عندهم، فالعجب كلّ العجب من إماميّ يزعم عدم تعذّره مع قلّة طرق الاستنباطات الظنّية عنده» انتهى (1).

و هذا الكلام كما ترى من صدره إلى ذيله مختلّ النظام، و وجوه الإيراد على فقراته كثيرة تظهر بالتأمّل، لكنّ الّذي يتعلّق منها بمحلّ الكلام هو أن يقال: إنّ تعذّر الاجتهاد المطلق إن اريد به تعذّر العلم أو الظنّ في كلّ واقعة من أوّل الوقائع الّتي عيّن لها بحسب الواقع أحكام إلى آخرها فهو حقّ لا ينكره أحد و لا يقول أحد من الإماميّين بعدم تعذّر ذلك، غير أنّ الاجتهاد الّذي عليه بناء عملهم قديما و حديثا ليس مقصورا على هذا الفرض، لما تقدّم من اعترافهم بأنّه قد يفضي إلى القطع و قد يفضي إلى الظنّ كما هو الغالب، و قد يفضي إلى الأخذ بمقتضى الاصول العامّة العمليّة التعبّديّة الّتي هي المرجع بعد تعذّر الوصول إلى الواقع علما أو ظنّا.

و إن اريد به تعذّره مطلقا حتّى بالقياس إلى مواضع التعبّد من الاصول و غيرها فهو كذب و فرية، كيف و لا يخلو واقعة اجتهاديّة إلّا و أنّ المجتهد على تقدير اجتهاده فيها يصل إلى حكمها الواقعي علما أو ظنّا إن أصابه فيها دليل اجتهادي معتبر واضح الدلالة خال من المعارض الّذي عجز عن علاجه، أو حكمها الظاهري المستفاد من الأسباب التعبّديّة من الاصول العامّة، و الّذي يقول الإمامي و غيره بعدم تعذّره هو الاجتهاد بهذا المعنى.

و الحاصل: أنّ الّذي يتعذّر الوصول إليه في جميع المسائل إنّما هو الحكم الواقعي المثبت في كلّ واقعة، و هو لا يقضي بتعذّر الوصول إلى الحكم الفعلي الثابت في كلّ واقعة الّذي هو

____________

(1) الفوائد المدنيّة: 261.

24

..........

____________

قد يكون حكما واقعيّا و قد يكون حكما ظاهريّا.

و الّذي يتّفق كثيرا للفقهاء من التردّد و التوقّف في المسائل فإنّما هو بالنظر إلى الأحكام الواقعيّة لا الأحكام الفعليّة، و لعلّ الشبهة نشأت عمّا تقدّم في تعريف الأكثر للاجتهاد من أخذهم فيه الظنّ، و قد عرفت توجيهه عند دفع الإيراد عليه بخروج قطعيّات الفقه و موارد التعبّد و مجاري الاصول العامّة العمليّة.

ثمّ إنّه في فصل آخر صرّح بعدم اعتبار الملكة فيمن يستنبط الحكم الشرعي إذا كان متمسّكه الخبر الصحيح الصريح فقال: «الفصل الرابع: في إبطال القسمة المذكورة، و قد تقدّمت الوجوه الدالّة عليه، و نزيدك بيانا، فنقول: يجوز لفاقد الملكة المعتبرة في المجتهد أن يتمسّك في مسألة مختلف فيها بنصّ صحيح صريح خال عن المعارض لم يبلغ صاحب الملكة أو بلغ و لم يطّلع على صحّته، و لا يجوز له أن يتركه و يعمل بظنّ صاحب الملكة المبنيّ على البراءة الأصليّة أو على استصحاب أو عموم أو إطلاق» انتهى (1).

و فيه: أنّه إن أراد بالنصّ الصحيح الصريح ما يفيد القطع بحكم اللّه الواقعي النفس الأمري على وجه يكون بالقياس إليه حكما فعليّا، فما ذكره حقّ، غير أنّ الفرض لا يختصّ بكون سبب القطع هو النصّ، بل هذا كلام يجري في جميع أسباب العلم. و إن أراد به ما عدا ذلك فما ذكره دعوى لا شاهد بها من عقل و لا نقل، بل الدليل الشرعي و هو الإجماع ناهض بخلافه، فإنّ تكليف فاقد الملكة في الصورة المفروضة هو الرجوع إلى صاحب الملكة جدّا.

- تعليقة- [وجوب العمل بمؤدّى الاجتهاد]

إذا بلغ العالم رتبة الاجتهاد باجتماعه للشرائط المعتبرة فيه و لم يكن متجزّيا- بأن كان ذا ملكة عامّة و قوّة كلّية بالقياس إلى جميع المسائل- و اجتهد في المسألة على الوجه المعتبر شرعا تعيّن عليه العمل بمؤدّى اجتهاده مطلقا، و لم يجز له تقليد غيره في تلك المسألة و لو كان ذلك الغير أعلم منه إجماعا، و لا مخالف في المسألة إلّا جماعة من الأخباريّة لشبهات عرضت لهم، و محلّ خلافهم على ما أشرنا إليه سابقا الاجتهاد بالمعنى المصطلح المأخوذ فيه الظنّ، فمرجعه إثباتا و نفيا إلى جواز التعويل على الظنّ الحاصل

____________

(1) الفوائد المدينة: 263.

25

..........

____________

بالاجتهاد و عدمه، فانّهم على ما عزي إليهم أنكروا جواز ذلك في نفس الأحكام و موضوعاتها الّتي هي من قبيل العبادات، مع مصيرهم إلى الجواز في الموضوعات الّتي ليست من قبيل العبادات.

و يرد عليهم: عدم تعقّل الوجه في هذا الفرق، إذ لو كان غرضهم في نفي الحجّية أنّ الظنّ بنفسه و من حيث هو مع قطع النظر عن قطعي قام بحجّيته لا يصلح حجّة في الشريعة بخلاف العلم لكونه بنفسه حجّة، فهذا كلام يجري في الحكم و موضوعه مطلقا. و الفرق تحكّم.

و لو كان غرضهم أنّ الظنّ في الموضوع ممّا قام القطعي باعتباره إذ لولاه لانسدّ باب الاستنباط، فبطل به إنكارهم على المجتهدين في تجويزهم العمل به في الأحكام، إذ كلّ من قال به إنّما قال عن قطعي بلغه، فتعويل المجتهد في الحقيقة إنّما هو على القطع لا الظنّ من حيث هو.

و من هنا يقال: إنّ الظنّ في طريق الحكم و هو لا ينافي قطعيّة نفس الحكم.

و بالجملة لا إشكال لأحد في أنّ الظنّ بنفسه لا يصلح حجّة، بل هو من هذه الجهة في حكم الشكّ فيقبح في حكم العقل التعويل عليه في إطاعة اللّه تعالى و امتثال أحكامه بأخذ متعلّقه حكما شرعيّا يجب امتثاله بعنوان القطع، بل هو عند التحقيق من الامور المستحيلة لأوله إلى تجويز الجمع بين النقيضين كما لا يخفى. بل مجرّد الشكّ في الاعتبار و العدم كاف في الحكم بعدم الاعتبار على ما هو من مقتضى قاعدة التوقّف، و هو مع ذلك معلوم من الضرورة و الإجماع.

قال العلّامة البهبهاني في التاسعة من فوائده: «و أيضا إجماع المسلمين على أنّه في نفسه ليس بحجّة، و لذا كلّ من يقول بحجّية ظنّ يقول بدليل، فإن تمّ و إلّا فينكر عليه و يقال بعدم الحجّية»- إلى أن قال:- «و أيضا ظنّ الرجل أمر و حكم اللّه أمر آخر، و كونه هو بعينه أو عوضه محتاج إلى دليل حتّى يجعل هو إيّاه أو عوضه شرعا» انتهى.

بل هو مدلول عليه بالنصوص كتابا و سنّة.

أمّا الكتاب: فالعمومات المانعة عن العمل بالظنّ و الناهية عن اتّباع ما وراء العلم.

و أمّا السنّة: فالأخبار البالغة فوق حدّ التواتر معنى، و قد جمع العلّامة المتقدّم ذكره كثيرا منها في رسالته المعمولة في الاجتهاد و الأخبار، و يكفي في ذلك ما روي من قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

26

..........

____________

«من شكّ أو ظنّ فأقام على أحدهما فقد حبط عمله، إنّ حجّة اللّه هي الحجّة الواضحة».

و ما عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام): «و من عمى نسي الذكر و اتّبع الظنّ بارز خالقه».

و عن الصادق (عليه السلام): «إيّاك و خصلتين ففيهما هلك من هلك، إيّاك أن تفتي الناس برأيك و تدين بما لا تعلم».

و ما عن الباقر (عليه السلام): «من أفتى الناس برأيه فقد دان اللّه بما لا يعلم، و من دان اللّه بما لا يعلم فقد ضادّ اللّه حيث أحلّ و حرّم فيما لا يعلم».

و ما عن الصادق (عليه السلام) أيضا: «أنهاك عن خصلتين فيهما هلك الرجال عن أن تدين اللّه بالباطل و تفتي الناس بالباطل».

و ما عنه أيضا: «حقّ اللّه على الخلق أن يقولوا ما يعلمون و يكفّوا عمّا لا يعلمون، فإذا فعلوا ذلك فقد أدّوا إلى اللّه حقّه».

و ما عن أبي جعفر (عليه السلام): «حقّ اللّه على العباد أن يقولوا ما يعلمون و يقفوا عند ما لا يعلمون».

و ما عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «لا يسعكم فيما ينزل بكم ممّا لا تعلمون إلّا الكفّ عنه، و التثبّت و الردّ إلى أئمّة الهدى حتّى يحملوكم فيه على القصد، و يجلوا عنكم فيه العمى و يعرّفوكم فيه الحقّ، قال اللّه تعالى فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ (1)*.

و ما عنه أيضا: «قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر ممّا يصلح».

و عن أبي الحسن (عليه السلام): «إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به، و إذا جاءكم ما لا تعلمون فها، و وضع يده على فيه».

و ما عن أبي الحسن (عليه السلام) عن رجلين أصابا صيدا و هما محرمان، الجزاء بينهما أو على كلّ واحد منهما جزاء؟ فقال: «لا بل عليهما أن يجزي كلّ واحد منهما الصيد. قلت: إنّ بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه؟ فقال: إذا أصبتم بمثل ذلك فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتّى تسألوا عنه فتعلموا».

و ما عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «من دان اللّه بغير سماع عن صادق ألزمه اللّه البتّة إلى العناء،

____________

(1) الأنبياء: 7.

27

..........

____________

و من ادّعى سماعا بغير الباب الّذي فتحه فهو مشرك، و ذلك الباب المأمون على سرّ اللّه المكنون».

و ما عنه (عليه السلام): «ما أحد أحبّ إلى منكم، إنّ الناس سلكوا سبلا شتّى منهم من أخذ بهواه، و منهم من أخذ برأيه، و أنّكم أخذتم بأمر له أصل».

و ما عنه أيضا: «أنّ الناس أخذوا هكذا هكذا، فطائفة أخذوا بأهوائهم، و طائفة قالوا بآرائهم، و طائفة قالوا بالرواية، و إنّ اللّه هداكم بحبّه و حبّ من ينفعكم حبّه عنده» إلى غير ذلك من الأخبار الّتي يأتي كثيرا منها أيضا فيما بعد ذلك إن شاء اللّه.

و لا يذهب عليك أنّ ذمّ الطائفة القائلة بالرواية لا ينافي القول بحجّية خبر الواحد، لأنّ المراد من القول بالرواية الركون إلى كلّ رواية من كلّ راو من دون اعتبار السند و لا مراعاة الصدق و الصدور و لا جهة الصدور و لا الدلالة مثلا.

و بالجملة الأخذ بالرواية من دون مراعاة الشروط المحرزة للسند و الصدور وجهة الصدور و الدلالة و نحوها ممّا يكون محلّا للشبهة المانعة عن الركون و الاعتماد.

و ملخّص الكلام: أنّ قضيّة ما ذكر كلّه أنّ الأصل الأصيل الأوّلي في الظنّ عدم الحجّيّة ما لم ينهض دليل علمي على الأخذ به، و هذا الأصل ممّا لا ينكره أحد من علمائنا الأعلام من المتقدّمين و المتأخّرين إلّا من شذّ منهم و ندر، كما يستفاد ذلك من بعض الأعلام في غير موضع من كتابه.

و من جملة ذلك ما ذكره في بحث الاجتهاد عند منع نهوض آيات تحريم العمل بالظنّ دليلا عليه من قوله: «فالحاصل أنّ الآيات إن سلّمنا وجوب العمل على عمومها مع إخراج الظنّ المعلوم الحجّية فيجب العمل على هذا الدليل مع إخراج الظنّ المعلوم عدم حجّيته، فارتفع بهذا الدليل القطعي العقلي الظهور الّذي ادّعيت من الآية.

فصار المحصّل: أنّ كلّ ظنّ لم يثبت بطلانه فهو حجّة، و بطل القول بأنّ الأصل حرمة كلّ ظنّ إلّا ما ثبت حجّيته» انتهى.

و ربّما يحكى القول بجواز العمل به في الأحكام و موضوعاتها مطلقا، فإن أراد القائل به كونه من مقتضيات نفس الظنّ من دون اعتبار قيام حجّة عليه فقد خبط خبطا عظيما، و خرج ما أقمناه من الأدلّة القطعيّة حجّة عليه، و لم نقف في أصحابنا على من يقول بتلك المقالة، و إنّما يقولون بعدم جواز العمل به مطلقا إلّا ظنّ المجتهد المستجمع لشرائط الفتوى

28

..........

____________

في المسائل الاجتهاديّة، لا لأنّه في نفسه حجّة بل لقيام القاطع عليه من العقل و الشرع، بل الظنّ في كلامهم هنا ليس على إطلاقه و إن وصف في كلام غير واحد بالإطلاق قبالا للظنّ الخاصّ، بل المراد به الظنون المطلقة المجهولة الحال من جهة الأدلّة الخاصّة من الحجّية و عدمها.

و ما عرفته عن بعض الأعلام فهو أيضا ليس قولا بأصالة الظنّ لا عن قاطع كما نصّ به في طيّ العبارة المتقدّمة، و يمكن كون مراده بما ادّعاه من الأصل ما يكون أصلا ثانويّا كما يستفاد من مواضع اخر من كتابه و إن كان هنا بعيدا، و لعلّ الأخباريّة غفلوا عن مقصود المجتهدين من أصحابنا فساقوا عليهم بما ساقوا، و اعترضوا عليهم بما تقف عليها من التجشّمات الواهية و التكلّفات الفاسدة.

و من جملة ذلك ما في كلام الأمين الأسترآبادي في فوائده المدنيّة (1) من احتجاجه في إبطال مقالة المجتهدين بالعمومات الناهية الكتابيّة كقوله تعالى: أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثٰاقُ الْكِتٰابِ أَنْ لٰا يَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ إِلَّا الْحَقَّ (2) و قوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لٰا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (3)* و قوله تعالى: وَ لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (4) و قوله تعالى: إِنْ هُمْ إِلّٰا يَظُنُّونَ (5)* و إِنْ هُمْ إِلّٰا يَخْرُصُونَ (6)* و قوله تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ (7) إلى غير ذلك من الآيات.

و من جملته أيضا احتجاجه بما ورد عن الأئمّة الهدى (عليهم السلام) من الخطب و الوصايا و الأخبار الّتي منها أكثر ما تقدّم و منها غيرها.

فعن نهج البلاغة (8) في ذمّ القضاة: «ترد على أحدهم القضيّة في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه، ثمّ ترد تلك القضيّة بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله، ثمّ تجتمع القضاة بذلك عند إمامهم الّذي استقضاهم فيصوّب آراءهم جميعا، و إلههم واحد و نبيّهم واحد و كتابهم واحد، أ فأمرهم اللّه بالاختلاف فأطاعوه؟ أم نهاهم عنه فعصوه؟ أم أنزل اللّه سبحانه دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه؟ أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا و عليه أن يرضى؟

أم أنزل اللّه سبحانه دينا تامّا فقصّر الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن تبليغه و أدائه؟ و اللّه سبحانه يقول:

____________

(1) الفوائد المدنيّة: 185.

(2) الأعراف: 169.

(3) النجم: 28.

(4) الإسراء: 36.

(5) الجاثية: 24.

(6) الأنعام: 116.

(7) المائدة: 44.

(8) نهج البلاغة: 61، الكلام 98.

29

..........

____________

مٰا فَرَّطْنٰا فِي الْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ (1) و فيه تبيان لكلّ شيء، إلى آخره» (2).

و عنه (عليه السلام) أيضا في كلام له: «إنّ من أحبّ عباد اللّه إليه عبدا أعانه اللّه على نفسه، فاستشعر الحزن و تجلبب الخوف؛ فزهر مصباح الهدى في قلبه، و أعدّ القرى ليومه النازل به، فقرّب على نفسه البعيد و هوّن الشديد، نظر فأبصر، و ذكر فاستكثر، و ارتوى من عذب فرات، سهّلت له موارده فشرب نهلا و سلك سبيلا جددا، قد خلع سرابيل الشهوات، و تخلّى من الهموم إلّا همّا واحدا انفرد به، فخرج من صفة العمى و مشاركة أهل الهوى، و صار من مفاتيح أبواب الهدى و مغاليق أبواب الردى، قد أبصر طريقه و سلك سبيله، و عرف مناره، و قطع غماره، و استمسك من العرى بأوثقها، و من الحبال بأمتنها، فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس، قد نصب نفسه للّه سبحانه في أرفع الامور من إصدار كلّ وارد عليه، و تصيير كلّ فرع إلى أصله، مصباح ظلمات، كشّاف عشوات، مفتاح مبهمات، دفّاع معضلات، دليل فلوات، يقول فيفهم و يسكت فيسلم، قد أخلص للّه فاستخلصه، فهو من معادن دينه و أوتاد أرضه، قد ألزم نفسه العدل، فكان أوّل عدله نفي الهوى عن نفسه، يصف الحقّ و يعمل به، لا يدع للخير غاية إلّا أمّها و لا مظنّة إلّا قصدها، قد أمكن الكتاب من زمامه فهو قائده و إمامه، يحلّ حيث حلّ ثقله، و ينزل حيث كان منزله.

و آخر قد يسمّى عالما و ليس به، فاقتبس جهائل من جهّال و أضاليل من ضلّال، و نصب للناس أشراكا من حبائل غرور و قول زور، قد حمل الكتاب على آرائه و عطف الحقّ على أهوائه، يؤمن من العظائم و يهوّن كبير الجرائم، يقول: أقف عند الشبهات و فيها وقع، و يقول:

اعتزل البدع و بينها اضطجع، فالصورة صورة إنسان و القلب قلب حيوان، لا يعرف باب الهدى فيتّبعه، و لا باب العمى فيصدّ عنه، و ذلك ميّت الأحياء، فأين تذهبون و أنّى تؤفكون، و الأعلام قائمة و الآيات واضحة، و المنار منصوبة، فأين يتاه بكم! بل كيف تعمهون و بينكم عترة نبيّكم و هم أزمّة الحقّ أعلام الدين و ألسنة الصدق، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن، وردوهم ورود الهيم العطاش.

أيّها الناس خذوها عن خاتم النبيّين (أنّه يموت من مات منّا و ليس بميّت، و يبلى من بلى منّا و ليس ببال) فلا تقولوا بما لا تعرفون، فإنّ أكثر الحقّ فيما تنكرون، و أعذروا من

____________

(1) الأنعام: 38.

(2)- الفوائد المدنيّة: 194.

30

..........

____________

لا حجّة لكم عليه و أنا هو، أ لم أعمل فيكم بالثقل الأكبر و أترك فيكم الثقل الأصغر، و ركزت فيكم راية الإيمان، و وقّفتكم على حدود الحلال و الحرام، و ألبستكم العافية من عدلي، و فرشت لكم المعروف من قولي و فعلي، و أ رأيتكم كرائم الأخلاق من نفسي، فلا تستعملوا الرأي فيما لا يدرك قعره البصر و لا يتغلغل اللّه الفكر» (1).

و عنه (عليه السلام) أيضا أنّه قال: «إنّ من أبغض الخلائق إلى اللّه عزّ و جلّ رجلان: رجل و كلّه اللّه إلى نفسه، فهو جائر عن قصد السبيل مشعوف بكلام بدعة، قد بهج بالصوم و الصلاة (2) فهو فتنة لمن افتتن به، ضالّ عن هدى من كان قبله، مضلّ لمن اقتدى به في حياته و بعد موته، حمّال خطايا غيره رهن بخطيئته.

و رجل قمش جهلا موضع في جهّال الناس، غاريا غباش الفتنة، قد سمّاه أشباه الناس عالما و لم يعن فيه يوما سالما، بكّر فاستكثر من جمع ما قلّ منه خير ممّا كثر، حتّى إذا ارتوى من آجن و اكتنز من غير طائل، جلس بين الناس قاضيا، ضامنا لتخليص ما التبس على غيره، و إن خالف قاضيا سبقه لم يأمن أن ينقض حكمه من يأتي بعده كفعله بمن كان، و إن نزلت به إحدى المبهمات المعضلات هيّأ لها حشوا [رثّا] من رأيه ثمّ قطع به، فهو من لبس الشبهات مثل غزل العنكبوت لا يدري أصاب أم أخطأ، لا يحسب العلم في شيء ممّا أنكره، و لا يرى أنّ [من] وراء ما بلغ فيه مذهبا، إن قاس شيئا بشيء لم يكذب نظره، و إن أظلم عليه أمر اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه، لكيلا يقال له لا يعلم، ثمّ جسر فقضى، فهو مفتاح عشوات ركّاب شبهات، خبّاط (3) جهالات، لا يعتذر ممّا لا يعلم فيسلم، و لا يعضّ في العلم بضرس قاطع فيغتم، يذري الروايات ذرو الريح الهشيم، تبكي منه المواريث و تصرخ منه الدماء يستحلّ بقضائه الفرج الحرام، و يحرم بقضائه الفرج الحلال، لا مليء بإصدار ما عليه ورود، و لا هو أهل لما منه، فرط من ادّعائه علم الحقّ» (4).

و عنه (عليه السلام) في خطبة له: «و ما كلّ ذي قلب بلبيب، و لا كلّ ذي سمع بسميع، و لا كلّ ناظر ببصير، فيا عجبا و ما لي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها،

____________

(1) نهج البلاغة: 118، الخطبة 87. الفوائد المدنيّة: 197.

(2) و في النسخ المتداولة المطبوعة: «و دعاء ضلالة» بدل: «قد بهج بالصوم و الصلاة».

(3) و في المصدر: «خبات» و الصواب ما أثبتناه.

(4) نهج البلاغة: 59، الخطبة: 17 مع اختلاف في بعض العبارات.

31

..........

____________

لا يقتفون إثر نبيّ و لا يقتدون بعمل وصيّ، و لا يؤمنون بغيب و لا يعفون عن عيب، يعملون في الشبهات و يسيرون في الشهوات، المعروف فيهم ما عرفوا و المنكر عندهم ما أنكروا، مفزعهم في المعضلات إلى أنفسهم، و تعويلهم في المبهمات على أنفسهم، كان كلّ امرئ منهم إمام نفسه، قد أخذ منها فيما يرى بعرى وثيقات و أسباب محكمات» (1).

و عنه (عليه السلام) في وصيّة لابنه الحسن (عليه السلام): «دع القول فيما لا تعرف، و الخطاب فيما لا تكلّف، و أمسك عن طريق إذا خفت ضلالته، فإنّ الكفّ عند حيرة الضلالة خير من ركوب الأهوال.

[و اعلم] يا بنيّ: إنّ أحبّ ما أنت آخذ به إليّ من وصيّتي تقوى اللّه و الاقتصار على ما فرضه اللّه عليك، و الأخذ بما مضى عليه الأوّلون من آبائك، و الصالحون من أهل بيتك، فإنّهم لم يدعوا أن نظروا لأنفسهم كما أنت ناظر، و فكّروا كما أنت مفكّر، ثمّ ردّهم آخر ذلك إلى الأخذ بما عرفوا و الإمساك عمّا لا يكلّفوا، فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما كانوا علموا فليكن طلب ذلك بتفهّم و تعلّم لا بتورّط الشبهات و علق الخصومات، و ابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة بإلهك و الرغبة إليه في توفيقك و ترك كلّ شائبة أولجتك في شبهة، أو أسلمتك إلى ضلالة، فإذا أيقنت أن قد صفا قلبك فخشع، و تمّ رأيك و اجتمع، و كان همّك في ذلك همّا واحدا فانظر فيما فسّرت لك، و إن أنت لم تجمع لك ما تحبّ من نفسك و فراغ نظرك و فكرك فاعلم إنّما تخبط العشواء، و تتورّط الظّلماء، و ليس طالب الدين من خبط أو خلط، و الإمساك عن ذلك أمثل، فتفهّم يا بنيّ وصيّتي» (2).

و عن كتاب مجالس الصدوق و عن عبد العزيز بن مسلم قال: كنّا في أيّام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) بمرو فاجتمعنا في مسجد جامعها في يوم جمعة في بدء مقدمنا، فأدار الناس أمر الإمامة، و ذكروا أكثر اختلاف الناس فيها، فدخلت على سيّدي و مولاي الرضا (عليه السلام) فأعلمته ما خاض الناس فيه، فتبسّم (عليه السلام) ثمّ قال: يا عبد العزيز جهل القوم و خدعوا عن دينهم، إنّ اللّه عزّ و جلّ لم يقبض نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حتّى أكمل له الدين، و أنزل عليه القرآن فيه تفصيل كلّ شيء، و بيّن فيه الحلال و الحرام، و الحدود و الأحكام، و جميع ما يحتاج إليه كملا، فقال عزّ و جلّ: مٰا فَرَّطْنٰا فِي الْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ (3) و أنزل في حجّة الوداع و هي في آخر عمره الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلٰامَ دِيناً (4) و أمر

____________

(1) نهج البلاغة: 121، الخطبة 88.

(2) نهج البلاغة: 392، الكتاب 31.

(3) الأنعام: 38.

(4) المائدة: 3.

32

..........

____________

الإمامة من تمام الدين، و لم يمض (عليه السلام) حتّى بيّن لامّته معالم دينهم، و أوضح لهم سبيله، و تركهم على قصد الحقّ، و أقام لهم عليّا (عليه السلام) علما و إماما، و ما ترك شيئا يحتاج إليه الامّة إلّا بيّنه، فمن زعم أنّ اللّه عزّ و جلّ لم يكمل دينه فقد ردّ كتاب اللّه عزّ و جلّ، و من ردّ كتاب اللّه عزّ و جلّ فهو كافر، فهل يعرفون قدر الإمامة و محلّها من الامّة فيجوز فيها اختيارهم، إنّ الإمامة أجلّ قدرا و أعظم شأنا و أعلى مكانا و أمنع جانبا و أبعد غورا من أن تبلغه الناس بأبعد عقولهم أو أن ينالوها برأيهم أو يقيموا إماما باختيارهم، إنّ الإمامة خصّ اللّه عزّ و جلّ بها إبراهيم الخليل (عليه السلام) بعد النبوّة و الخلّة مرتبة ثالثة و فضيلة شرّفه بها، و أشاد بها ذكرها، إنّ الإمام اسّ الإسلام النامي و فرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة و الزكاة و الصيام و الحجّ و الجهاد، و توفير الفيء و الصدقات، و إمضاء الحدود من الأحكام، و منع الثغور و الأطراف، الإمام يحلّ حلال اللّه و يحرّم حرام اللّه، و يقيم حدود اللّه، و يذبّ عن دين اللّه، و يدعو إلى دين ربّه بالحكمة و الموعظة الحسنة و الحجّة البالغة، الإمام واحد دهره لا يدانيه أحد، و لا يعادله عالم، و لا يؤخذ منه بدل، و لا له مثل و نظير، مخصوص بالفضل كلّه من غير طلب منزلة و لا اكتساب، بل اختصاص من المفضّل الوهّاب، راموا إقامة الإمام بعقول حائرة بائرة ناقصة و آراء مضلّة، فلم يزدادوا منه إلّا بعدا، قاتلهم اللّه أنّى يؤفكون، لقد راموا صعبا و قالوا إفكا، و ضلّوا ضلالا بعيدا، و وقعوا في الحيرة إذ تركوا الإمام عن بصيرة، و زيّن لهم الشيطان أعمالهم فصدّهم عن السبيل، و كانوا مستبصرين رغبوا عن اختيار اللّه و اختيار رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى اختيارهم، و القرآن يناديهم وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ مٰا يَشٰاءُ وَ يَخْتٰارُ مٰا كٰانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحٰانَ اللّٰهِ وَ تَعٰالىٰ عَمّٰا يُشْرِكُونَ (1) إنّ العبد إذا اختاره اللّه عزّ و جلّ لامور عباده شرح صدره لذلك، و أودع قلبه ينابيع الحكمة، و ألهمه العلم إلهاما، فلم يعي بعده بجواب و لا يحير فيه عن الصواب، و هو معصوم مؤيّد موفّق مسدّد، قد أمن الخطأ و الزلل و العثار، خصّه اللّه بذلك ليكون حجّة على عباده، و شاهدا على خلقه، و ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء و اللّه ذو الفضل العظيم» (2).

و عن الكافي عن داود بن فرقد قال حدّثني رجل عن سعيد بن أبي الخضيب البجلّي قال: كنت مع ابن أبي ليلى مزاملة حتّى جئنا إلى المدينة، فبينا نحن في مسجد الرسول إذ

____________

(1) القصص: 68.

(2) أمالي الصدوق: 536، ح 1.

33

..........

____________

دخل جعفر بن محمّد (عليه السلام)، فقلت لابن أبي ليلى: تقوم بنا إليه، فقال: و ما نصنع عنده؟

فقلت: نسأله و نحدّثه، فقال: قم، فقمنا إليه، فسألني عن نفسي و أهلي، ثمّ قال: من هذا معك؟ فقلت: ابن أبي ليلى قاضي المسلمين، فقال له: أنت ابن أبي ليلى قاضي المسلمين؟

قال: نعم، قال: تأخذ مال هذا فتعطيه هذا، و تقتل هذا، و تفرق بين المرء و زوجه، لا تخاف في ذلك أحدا؟ قال: نعم، قال: فبأيّ شيء تقضي؟ قال: بما بلغني عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و عن عليّ و عن أبي بكر و عمر، فقال: فبلغك عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال إنّ عليّا أقضاكم؟ قال:

نعم، قال: فكيف تقضي بغير قضاء عليّ و قد بلغك هذا؟ فما تقول إذا جيء بأرض من فضّة و سماء من فضّة ثمّ أخذ رسول اللّه بيدك فأوقفك بين يدي ربّك، فقال: يا ربّ إنّ هذا قضى بغير ما قضيت؟ قال: فاصفرّ وجه ابن أبي ليلى حتّى عاد مثل الزعفران، ثمّ قال لي: التمس لنفسك زميلا، و اللّه لا اكلّمك من رأس كلمة أبدا» (1).

و عن الفقيه قال الصادق (عليه السلام): «الحكم حكمان: حكم اللّه و حكم الجاهليّة، فمن أخطأ حكم اللّه عزّ و جلّ حكم بحكم الجاهليّة، و من حكم بدرهمين بغير ما أنزل اللّه عزّ و جلّ فقد كفر باللّه».

و عن الكافي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «الحكم حكمان: حكم اللّه و حكم أهل الجاهليّة، و قد قال اللّه عزّ و جلّ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّٰهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (2) و اشهد على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهليّة» (3).

و عنه عن عبد الرحمن بن الحجّاج قال كان أبو عبد اللّه (عليه السلام) قاعدا في حلقة ربيعة الرأي، فجاء أعرابي فسأل ربيعة الرأي عن مسألة فأجابه، فلمّا سكت قال له الأعرابي:

أ هو في عنقك؟ فسكت عنه ربيعة و لم يردّ عليه شيئا، فأعاد عليه المسألة فأجابه بمثل ذلك، فقال الأعرابي: أ هو في عنقك؟ فسكت ربيعة، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «هو في عنقه قال أو لم يقل، و كلّ مفت ضامن» 4.

و عنه عن أبي عبيدة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «من أفتى الناس بغير علم و لا هدى من اللّه لعنته ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب، و لحقه وزر من عمل بفتياه» 5.

و عنه أيضا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ خصّ عباده بآيتين من كتابه أن

____________

(1) الكافي 7: 408، ح 5.

(2) المائدة: 50.

(3) 3- 5 الكافي 7: 407، ح 2 و 1.

34

..........

____________

لا يقولوا حتّى يعلموا و لا يردّوا ما لم يعلموا، و قال عزّ و جلّ أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثٰاقُ الْكِتٰابِ أَنْ لٰا يَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ إِلَّا الْحَقَّ (1) و قال بَلْ كَذَّبُوا بِمٰا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمّٰا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ (2) (3).

و عنه (عليه السلام) أيضا عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، و تركك حديثا لم تروه خير من روايتك حديثا لم تحصه» (4).

و عنه أيضا عن أبي بصير قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب اللّه و لا سنّته فننظر فيها؟ فقال: لا، أما أنّك إن أصبت لم تؤجر و إن أخطأت كذبت على اللّه عزّ و جلّ» (5).

و عنه أيضا قال: حدّثني جعفر عن أبيه (عليهما السلام) إنّ عليّا (عليه السلام) قال: «من نصب نفسه للقياس لم يزل دهره في التباس، و من دان اللّه بالرأي لم يزل دهره في ارتماس، قال: و قال أبو جعفر (عليه السلام) من أفتى الناس برأيه فقد دان اللّه بما لا يعلم، و من دان اللّه بما لا يعلم فقد ضادّ اللّه حيث أحلّ و حرّم فيما لا يعلم» (6).

و عنه أيضا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث طويل: «و من عمى نسي الذكر و اتّبع الظنّ و بارز خالقه» (7).

و عن كتاب المحاسن عن داود بن فرقد عمّن حدّثه عن عبد اللّه بن شبرمة قال: ما أذكر حديثا سمعته من جعفر بن محمّد إلّا كاد أن يتصدّع قلبي، قال: قال أبي عن جدّي عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، قال ابن شبرمة: و اقسم باللّه ما كذب أبوه على جدّه، و لا كذب جدّه على رسول اللّه، فقال: قال رسول اللّه: «من عمل بالمقائيس فقد هلك و أهلك، و من أفتى الناس و هو لا يعلم الناسخ من المنسوخ و المحكم من المتشابه فقد هلك و أهلك» (8).

و عنه أيضا عن محمّد بن مسلم قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ قوما من أصحابنا تفقّهوا و أصابوا علما و رووا أحاديث، فيرد عليهم الشيء فيقولون فيه برأيهم؟ فقال: لا، فهل هلك من مضى إلّا بهذا و أشباهه» (9).

و عن كتاب بصائر الدرجات عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «إنّما هلك من كان قبلكم بالقياس، و إنّ اللّه تبارك و تعالى لم يقبض نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حتّى أكمل له جميع دينه في حلاله

____________

(1) الأعراف: 169.

(2) يونس: 39.

(3) الكافي 1: 43، ح 8.

(4) الكافي 1: 44، ح 3.

(5) الكافي 1: 56، ح 11.

(6) الكافي 1: 57، ح 17.

(7) الكافي 2: 391، ح 1.

(8) المحاسن 1: 326، ح 61.

(9) المحاسن 1: 336، ح 87.

35

..........

____________

و حرامه، فجاءكم بما تحتاجون إليه في حياته و تستغنون به و بأهل بيته بعد موته، و أنّه مخفيّ عند أهل بيته حتّى أنّ فيه لأرش [الخدش] الكفّ» (1).

و عن الكافي عن أبي شيبة قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «ضلّ علم ابن شبرمة عند الجامعة، إملاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و خطّ عليّ (عليه السلام) بيده، إذ الجامعة لم تدع لأحد كلاما فيها علم الحلال و الحرام، إنّ أصحاب القياس طلبوا العلم بالقياس فلم يزدادوا من الحقّ إلّا بعدا، أنّ دين اللّه لا يصاب بالقياس» (2).

و عنه عن عمر بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «إنّ اللّه تبارك و تعالى لم يدع شيئا يحتاج إليه الامّة إلّا أنزله في كتابه و بيّنه لرسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و جعل لكلّ شيء حدّا، و جعل عليه دليلا يدلّ عليه، و جعل على من تعدّى ذلك الحدّ حدّا» (3).

و عنه أيضا عن سليمان بن هارون قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «ما خلق اللّه حلالا و لا حراما إلّا و له حدّ كحدّ الدار، فما كان من الطريق فهو من الطريق، و ما كان من الدار فهو من الدار حتّى أرش الخدش فما سواه، و الجلدة و نصف الجلدة» 4.

و عنه عن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحلال و الحرام، فقال: «حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة، و حرامه حرام أبدا إلى يوم القيامة، لا يكون غيره و لا يجيء غيره» (5).

و عنه أيضا عن حمّاد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «ما من شيء إلّا و فيه كتاب و سنّة» (6).

و عنه أيضا عن المعلّى بن الخنيس قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «ما من أمر يختلف فيه اثنان إلّا و له أصل في كتاب اللّه، و لكن لا تبلغه عقول الرجال» (7).

و عنه أيضا عن سماعة عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: قلت له: أ كلّ شيء في كتاب اللّه و سنّة نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو يقولون فيه؟ قال: «بلى كلّ شيء في كتاب اللّه و سنّة نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» (8).

و عنه أيضا عن سماعة عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: قلت: أصلحك اللّه أتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الناس بما يكتفون به في عهده؟ فقال: «نعم و ما يحتاجون إليه إلى يوم القيامة، فقلت: فضاع من ذلك شيء؟ فقال: لا، هو عند أهله» (9).

____________

(1) بصائر الدرجات: 147، ج 3.

(2) الكافي 1: 57، ح 14.

(3) 3 و 4 الكافي 1: 59، ح 2 و 3.

(5) الكافي 1: 58، ح 19.

(6) الكافي 1: 59، ح 4.

(7) الكافي 1: 60، ح 6.

(8) الكافي 1: 62، ح 10.

(9) الكافي 1: 57، ح 13.

36

..........

____________

و عن الفقيه قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «الحمد للّه الّذي لم يخرجني من الدنيا حتّى بيّنت للامّة جميع ما تحتاج إليه» (1).

و عن الكافي عن أبي إسحاق السبيعي عمّن حدّثه قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول:

«أيّها الناس اعلموا أنّ كمال الدين طلب العلم و العمل به، ألا و أنّ طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال، إنّ المال مقسوم مضمون لكم قد قسّمه عادل بينكم و ضمنه و سيفي لكم، و العلم مخزون عند أهله، و قد امرتم بطلبه من أهله فاطلبوه» (2).

و عنه أيضا عن عبد اللّه بن ميمون القدّاح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال: إنّ هذا العلم عليه قفل، و مفتاحه المسألة» (3).

و عنه أيضا عن جماعة قالوا: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) لحمران بن أعين في شيء سأله: «إنّما يهلك الناس لأنّهم لا يسألون» (4).

و عن كتاب المحاسن عن محمّد بن حكيم عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «أتاهم الرسول بما يستغنون به في عهده و ما يكتفون به من بعده، كتاب اللّه و سنّة نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» (5).

و عن الكافي عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل: «و اللّه كذلك لم يمت محمّد إلّا و له بعيث نذير، قال: فإن قلت: لا فقد ضيّع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من في أصلاب الرجال من أمّته، قال السائل: و ما يكفيهم القرآن؟ قال: بلى إن وجدوا له مفسّرا، قال: و ما فسّره الرسول؟

قال: بلى قد فسّره لرجل واحد، و فسّر للامّة شأن ذلك الرجل و هو عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، قال السائل: يا أبا جعفر كان هذا أمر خاصّ لا يحتمله العامّة، قال: أبى اللّه أن يعبد إلّا سرّا، حتّى يأتي إبّان أجله الّذي يظهر فيه دينه» (6).

و عن الاحتجاج عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يوم الغدير: «ألا إنّ الحلال و الحرام أكثر من أن احصيهما و اعرّفهما في مقام واحد، فامرت أن آخذ البيعة عليكم و الصفقة منكم بقبول ما جئت به عن اللّه عزّ و جلّ في عليّ أمير المؤمنين و الأئمّة من بعده، يا معاشر الناس تدبّروا القرآن، و افهموا آياته، و انظروا في محكماته، و لا تتّبعوا متشابهه، فو اللّه لن يبيّن لكم زواجره و لا يوضح لكم تفسيره إلّا الّذي أنا آخذ بيده» (7).

____________

(1) الفقيه 3: 112، ح 3432.

(2) الكافي 1: 30، ح 4.

(3) الكافي 1: 40، ح 3.

(4)- الكافي 1: 40، ح 2.

(5) المحاسن 1: 368.

(6) الكافي 1: 249، ح 6.

(7) الاحتجاج 1: 65، 60.

37

..........

____________

و عن الكافي عن منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): «قلت للناس أ ليس تزعمون أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هو الحجّة من اللّه على خلقه؟ قالوا: بلى، قلت: فحين مضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من كان الحجّة على خلقه؟ فقالوا: القرآن، فنظرت في القرآن فإذا هو يخاصم به المرجئ و القدري و الزنديق الّذي لا يؤمن حتّى يغلب الرجال بخصومته، فعرفت أنّ القرآن لا يكون حجّة إلّا بقيّم، فما قال فيه من شيء كان حقّا، فقلت لهم: من قيّم القرآن؟ فقالوا: ابن مسعود قد كان يعلم، و عمر يعلم و حذيفة يعلم، قلت: كلّه؟ قالوا: لا، فلم أجد أحدا يقال إنّه يعرف ذلك كلّه إلّا عليّا (عليه السلام)، و إذا كان الشيء بين القوم فقال هذا: لا أدري، و قال هذا: لا أدري، و قال:

أنا أدري، فأشهد أنّ عليّا (عليه السلام) كان قيّم القرآن، و كانت طاعته مفترضة، و كان الحجّة على الناس بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و أنّ ما قال في القرآن فهو حقّ، فقال رحمك اللّه» (1).

و عنه أيضا عن زيد الشحّام قال: «دخل قتادة بن دعامة على أبي جعفر (عليه السلام) فقال: يا قتادة إنّك فقيه أهل البصرة؟ فقال: هكذا يزعمون، فقال أبو جعفر (عليه السلام): بلغني أنّك تفسّر القرآن، قال له قتادة: نعم، فقال أبو جعفر (عليه السلام): فإن كنت تفسّره بعلم فأنت أنت، و إن كنت إنّما فسّرت من تلقاء نفسك فقد هلكت و أهلكت، و إن كنت قد أخذته من الرجال فقد هلكت و أهلكت، ويحك يا قتادة إنّما يعرف القرآن من خوطب به» (2).

و عن المجالس مسندا إلى عبّاس قال: صعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المنبر فخطب و اجتمع الناس إليه، فقال: «يا معاشر المؤمنين إنّ اللّه عزّ و جلّ أوحى إليّ أنّي مقبوض، و أنّ ابن عمّي عليّا مقتول، و إنّي أيّها الناس اخبركم خبرا إن عملتم به سلمتم و إن تركتموه هلكتم، إنّ ابن عمّي عليّا هو أخي و وزيري و هو خليفتي، و هو المبلّغ عنّي و هو إمام المتّقين، و قائد الغرّ المحجّلين، إن استرشدتموه أرشدكم و إن اتّبعتموه نجوتم، و إن خالفتموه ضللتم، و إن أطعتموه فاللّه أطعتم، و إن عصيتموه فاللّه عصيتم، إنّ اللّه عزّ و جلّ أنزل إليّ القرآن و هو الّذي من خالفه ضلّ، و من ابتغى علمه عند غير عليّ فقد هلك.

أيّها الناس: اسمعوا قولي و اعرفوا حقّ نصيحتي، و لا تخلفوني في أهل بيتي إلّا بالّذي امرتم به، من طلب الهدى من غيرهم فقد كذبني» (3).

و عن الاحتجاج [في احتجاج] الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام) على الجماعة

____________

(1) الكافي 1: 168، ح 2.

(2) روضة الكافي: 311، ح 485.

(3) أمالى الصدوق: 62، ح 11.

38

..........

____________

المنكرين فضله و فضل أبيه بحضرة معاوية، قال (عليه السلام): «أ تعلمون أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال في حجّة الوداع: أيّها الناس إنّي تركت فيكم ما لم تضلّوا بعدي: كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي، ثمّ قال: و المعوّل علينا في تفسيره» (1).

و عن أوّل كتاب الروضة من الكافي عن حفص المؤذّن و عن إسماعيل بن جابر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه كتب بهذه الرسالة إلى أصحابه، و أمرهم بمدارستها و النظر فيها و تعاهدها و العمل بها، و كانوا يضعونها بها في مساجد بيوتهم، فإذا فرغوا من الصلاة نظروا فيها، و هي طويلة و موضع الحاجة منها أنّه (عليه السلام) قال: «أيّتها العصابة المرحومة المفلحة أنّ اللّه [عزّ و جلّ] أتمّ لكم ما آتاكم من الخير، و اعلموا أنّه ليس من علم اللّه و لا من أمره أن يأخذ أحد من خلق اللّه في دينه بهوى و لا رأي و لا مقائيس، قد أنزل اللّه القرآن و جعل فيه تبيان كلّ شيء، و جعل للقرآن أهلا و لعلم القرآن أهلا، لا يسع أهل علم القرآن الّذين آتاهم اللّه علمه أن يأخذوا فيه بهوى و لا برأي و لا مقائيس، أغناهم اللّه عن ذلك بما آتاهم اللّه من علمه و خصّهم به و وضعه عندهم كرامة من اللّه أكرمهم بها، و هم أهل الذكر الّذين أمر اللّه تعالى هذه الامّة بسؤالهم.

و هم الّذين من سألهم- و قد سبق في علم اللّه أن يصدّقهم و يتّبع أثرهم- أرشدوه و أعطوه من علم القرآن ما يهتدي به إلى اللّه بإذنه و إلى جميع سبل الحقّ، و هم الّذين لا يرغب عنهم و عن مسألتهم و عن علمهم الّذي أكرمهم اللّه به و جعله عندهم إلّا من سبق عليه في علم اللّه الشقا في أصل الخلق تحت الأظلّة، فاولئك الّذين يرغبون عن سؤال أهل الذكر، و الّذين آتاهم اللّه علم القرآن و وضعه عندهم و أمرهم بسؤالهم، و اولئك الّذين يأخذون بأهوائهم و آرائهم و مقاييسهم حتّى دخلهم الشيطان، لأنّهم جعلوا أهل الإيمان في علم القرآن عند اللّه كافرين و جعلوا أهل الضلالة في علم القرآن عند اللّه مؤمنين، حتّى جعلوا ما أحلّ اللّه في كثير من الأمر حراما، و جعلوا ما حرّم اللّه في كثير من الأمر حلالا، و ذلك أصل ثمرة أهوائهم، و قد عهد إليهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قبل موته، فقالوا: نحن بعد ما قبض اللّه عزّ و جلّ رسوله يسعنا أن نأخذ بما اجتمع عليه رأي الناس بعد قبض اللّه رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و بعد عهده الّذي عهده إلينا و أمرنا به مخالفا للّه و رسوله، فما أحد أجرأ على اللّه و لا أبين

____________

(1) الاحتجاج 1: 273، و العبارة الاخيرة للحسين (عليه السلام)، فراجع الاحتجاج 1: 299.

39

..........

____________

ضلالة ممّن أخذ بذلك، و زعم أنّ ذلك يسعه.

و اللّه إنّ للّه على خلقه أن يطيعوه، و يتّبعوا أمره في حياة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و بعد موته، هل يستطيع اولئك أعداء اللّه أن يزعموا أنّ أحدا ممّن أسلم مع محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أخذ بقوله و رأيه و مقاييسه؟ فإن قال: نعم، فقد كذب على اللّه و ضلّ ضلالا بعيدا، و إن قال: لا، لم يكن لأحد أن يأخذ برأيه و هواه و مقاييسه فقد أقرّ بالحجّة على نفسه، و هو ممّن يزعم أنّ اللّه يطاع و يتّبع أمره بعد قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و قد قال اللّه و قوله الحقّ: وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلّٰا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّٰهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللّٰهُ الشّٰاكِرِينَ (1) و ذلك لتعلموا أنّ اللّه يطاع و يتّبع أمره في حياة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و بعد قبض اللّه محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و كما لم يكن لأحد من الناس مع محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أن يأخذ بهواه و لا رأيه و لا مقاييسه خلافا لأمر محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فكذلك لم يكن لأحد من بعد محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أن يأخذ بهواه و لا برأيه و لا مقاييسه» (2).

و عن كتاب المحاسن عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رسالة إلى أصحاب الرأي و المقاييس، «أمّا بعد، فإنّ من دعا غيره إلى دينه بالارتياء و المقاييس لم ينصف و لم يصب حظّه، لأنّ المدعوّ إلى ذلك لا يخلو أيضا من الارتياء و المقاييس، و متى ما لم يكن بالداعي قوّة في دعائه على المدعوّ لم يؤمن على الداعي أن يحتاج إلى المدعوّ بعد قليل، لأنّا قد رأينا المتعلّم الطالب ربّما كان فائقا لمعلّم و لو بعد حين، و رأينا المعلّم الداعي ربّما احتاج في رأيه إلى رأي من يدعو، و في ذلك تحيّر الجاهلون و شكّ المرتابون و ظنّ الظانّون، و لو كان ذلك عند اللّه جائزا لم يبعث الرسل بما فيه الفصل و لم ينه عن الهزل و لم يعب الجهل.

و لكنّ الناس لمّا سفهوا الحقّ و غمطوا النعمة و استغنوا بجهلهم و تدابيرهم عن علم اللّه و اكتفوا بذلك دون رسله و القوّام بأمره، و قالوا: لا شيء إلّا ما أدركته عقولنا و عرّفته ألبابنا فولّاهم اللّه ما تولّوا و أهملهم و خذلهم حتّى صاروا عبدة أنفسهم من حيث لا يعلمون، و لو كان اللّه رضي منهم اجتهادهم و ارتيائهم فيما ادّعوا من ذلك لم يبعث اللّه إليهم فاصلا لما بينهم، و لا زاجرا عن وصفهم.

و إنّما استدللنا إنّ رضا اللّه غير ذلك ببعثه الرسل بالامور القيّمة الصحيحة، و التحذير

____________

(1) آل عمران: 144.

(2) روضة الكافي: 2- 6، ح 1.

40

..........

____________

عن الامور المشكلة المفسدة، ثمّ جعلهم أبوابه و صراطه و الأدلّاء عليه بامور محجوبة عن الرأي و القياس، فمن طلب ما عند اللّه بقياس و رأي لم يزدد من اللّه إلّا بعدا، و لم يبعث رسولا قطّ، و إن طال عمره قابلا من الناس خلاف ما جاء به حتّى يكون متبوعا تارة و تابعا اخرى، و لم ير أيضا فيما جاء به استعمل رأيا و لا مقياسا حتّى يكون ذلك واضحا عندنا كالوحي من اللّه، و في ذلك دليل لكلّ ذي لبّ و حجى أنّ أصحاب الرأي و القياس مخطئون مدحضون و إنّما الاختلاف فيما دون الرسل لا في الرسل.

فإيّاك أيّها المستمع أن تجمع عليك خصلتين إحداهما: القذف بما جاش به صدرك و اتّباعك لنفسك إلى غير قصد و لا معرفة حدّ، و الاخرى: استغناؤك عمّا فيه حاجتك، و تكذيبك لمن إليه مردّك و إيّاك و ترك الحقّ سأمة و ملالة و انتجاعك الباطل جهلا و ضلالة، لأنّا لم نجد تابعا لهواه، جائزا عمّا ذكرناه قطّ رشيدا» (1).

و في كتاب المجالس عن عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): قال اللّه جلّ جلاله: ما آمن بي من فسّر برأيه كلامي، و ما عرفني من شبّهني بخلقي، و ما على ديني من استعمل القياس في ديني» (2).

و عن المحاسن للبرقي قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «إنّ القرآن شاهد الحقّ و محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لذلك مستقرّ فاتّقوا اللّه، فإنّ اللّه قد أوضح لكم أعلام دينكم و منار هداكم، فلا تأخذوا أمركم بالوهن، و لا أديانكم هزوا فتدحض أعمالكم و تخطئوا سبيلكم، و لا تكونوا أطعتم اللّه ربّكم، أثبتوا على القرآن [الثابت] و كونوا في حزب اللّه تعالى تهتدوا، و لا تكونوا في حزب الشيطان فتضلّوا، يهلك من هلك عن بيّنة و يحيى من حيّ عن بيّنة، و على اللّه البيان، بيّن لكم فاهتدوا، و بقول العلماء فانتفعوا، و السبيل في ذلك كلّه إلى اللّه فمن يهدى اللّه فهو المهتدى، و من يضلل اللّه فلن تجد له وليّا مرشدا» (3).

و في الكافي في باب ثواب الأعمال عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إنّ الّذي يعلّم العلم منكم له أجر مثل أجر المتعلّم و له الفضل [عليه]، فتعلّموا العلم من حملة العلم و علّموه اخوانكم كما علّمكموه العلماء» (4).

و عنه أيضا عن ابن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ العلماء ورثة الأنبياء و ذلك

____________

(1) المحاسن 1: 331، ح 76.

(2) أمالي الصدوق: 15، ح 3.

(3) المحاسن 1: 418، ح 363.

(4) الكافي 1: 35، ح 2.

41

..........

____________

بأنّ الأنبياء لم يورّثوا درهما و لا دينارا، و إنّما ورّثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظّا وافرا، فانظروا علمكم [هذا] عمّن تأخذونه، فإنّ فينا أهل البيت في كلّ خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين» (1).

و عنه أيضا عن سليم بن قيس الهلالي قال: قلت لأمير المؤمنين (عليه السلام): إنّي سمعت من سلمان و المقداد و أبي ذر شيئا من تفسير القرآن و أحاديث عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) غير ما في أيدي الناس، ثمّ سمعت منك تصديق ما سمعت منهم، و رأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة في تفسير القرآن و من الأحاديث عن نبيّ اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أنتم تخالفونهم فيها و تزعمون أنّ ذلك كلّه باطل، أ فترى الناس يكذبون على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) متعمّدين و يفسّرون القرآن بآرائهم؟

قال: فأقبل عليّ (عليه السلام) فقال: «قد سألت فافهم الجواب، إنّ في أيدي الناس حقّا و باطلا، و صدقا و كذبا، و ناسخا و منسوخا، و عامّا و خاصّا، و محكما و متشابها، و حفظا و وهما، و قد كذب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على عهده حتّى قام خطيبا فقال: أيّها الناس قد كثرت عليّ الكذّابة، فمن كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار، ثمّ كذّب عليه من بعده، و إنّما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس:

رجل منافق يظهر الإيمان متصنّع بالإسلام لا يتأثّم و لا يتحرّج أن يكذب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) متعمّدا، فلو علم الناس أنّه منافق كذّاب لم يقبلوا منه و لم يصدّقوه، و لكنّهم قالوا: هذا قد صحب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و سمع منه و أخذوا عنه و هم لا يعرفون حاله، و قد أخبره اللّه عن المنافقين بما أخبره و وصفهم بما وصفهم فقال عزّ و جلّ: وَ إِذٰا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسٰامُهُمْ وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ (2) ثمّ بقوا بعده فتقرّبوا إلى أئمّة الضلالة و الدعاة إلى النار بالزور و الكذب و البهتان، فولّوهم الأعمال و حملوهم على رقاب الناس، و أكلوا بهم الدنيا، و إنّما الناس مع الملوك و الدنيا إلّا من عصم اللّه فهذا أحد الأربعة.

و رجل سمع من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) شيئا لم يحمله على وجهه، و وهم فيه، فلو علم المسلمون أنّه و هم لم يقبلوه، و لو علم هو أنّه و هم لرفضه.

و رجل ثالث سمع من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) شيئا أمر به ثمّ نهى عنه و هو لا يعلم، أو سمعه ينهى [عن شيء] ثمّ أمر به و هو لا يعلم، فحفظ منسوخه و لم يحفظ الناسخ، فلو علم أنّه

____________

(1) الكافي 1: 32، ح 2.

(2) المنافقون: 4.

42

..........

____________

منسوخ لرفضه، و لو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنّه منسوخ لرفضوه.

و آخر رابع لم يكذب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مبغض للكذب خوفا من اللّه و تعظيما لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، لم ينس بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به كما سمع، لم يزد فيه و لم ينقص منه، و علم الناسخ و المنسوخ، فعمل بالناسخ و رفض المنسوخ، فإنّ أمر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مثل القرآن ناسخ و منسوخ، و خاصّ و عامّ، و محكم و متشابه، قد كان يكون من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الكلام له وجهان: كلام عامّ و كلام خاصّ مثل القرآن، و قال اللّه عزّ و جلّ في كتابه وَ مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (1) فيشتبه على من لم يعرف و لم يدر ما عنى اللّه به و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و ليس كلّ أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يسأله عن الشيء فيفهم، و كان منهم من يسأله و لا يستفهمه حتّى أن كانوا ليحبّون أن يجيء الأعرابي و الطارئ فيسأل رسول اللّه حتّى يسمعوا.

و قد كنت أدخل على رسول اللّه كلّ يوم دخلة و كلّ ليلة دخلة فيخلّيني فيها، أدور معه حيث دار، قد علم أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيري، فربّما كان في بيتي [يأتيني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أكثر ذلك في بيتى] و كنت إذا دخلت عليه ببعض منازله أخلاني و أقام عنّي نساءه، فلا يبقى عنده غيري، و إذا أتاني للخلوة معي في منزلي لم تقم عنّي فاطمة و لا أحد من بنيّ، و كنت إذا سألته أجابني، و إذا سكتّ عنه و فنيت مسائلي ابتدأني، فما نزلت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) آية من القرآن إلّا أقرأنيها و أملا عليّ فكتبتها بخطّي، و علّمني تأويلها و تفسيرها، ناسخها و منسوخها، و محكمها و متشابهها، و خاصّها و عامّها، و دعا اللّه أن يعطيني فهمها [و حفظها]، فما نسيت آية من كتاب اللّه و لا علما أملاه عليّ و كتبته منذ دعا اللّه لي بما دعا، و لا ترك شيئا علّمه اللّه من حلال و لا حرام و لا أمر و لا نهي كان أو يكون و لا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية إلّا علّمنيه و حفظته، فلم أنس حرفا واحدا، ثمّ وضع يده على صدري و دعا اللّه لي أن يملأ قلبي [علما و] فهما و حكما و نورا، فقلت يا نبيّ اللّه: بأبي أنت و أمّي منذ دعوت اللّه لي بما دعوت لم أنس شيئا، و لم يفتني شيء لم أكتبه أ فتتخوّف عليّ النسيان و الجهل فيما بعد؟ فقال: لا لست أتخوّف عليك النسيان و الجهل» (2).

____________

(1) الحشر: 7.

(2) الكافي 1: 62، ح 1.

43

..........

____________

و عن رئيس الطائفة بسنده عن خدّاش عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): جعلت فداك أنّ هؤلاء المخالفين علينا يقولون: إذا أطبقت السماء علينا أو أظلمت فلم نعرف السماء كنّا و أنتم سواء في الاجتهاد، فقال: «ليس كما يقولون، إذا كان ذلك فليصلّ الأربع وجوه» (1) إلى غير ذلك من الروايات الّتي أوردها في المقام، و إنّما أطنبنا بإيراد ما أوردناه جميعا هنا مبالغة في إبداء خطأ المخالف و قلّة تدبّره في فهم الأخبار.

و من أعجب العجاب أنّ الرجل يعدّ نفسه أخباريّا متديّنا بمضامين الآثار و هو لا يفهم الأخبار، و لا يبلغ نظره بحقيقة المقصود ممّا أورده من الآثار، حيث إنّه يورد في إبطال الاجتهاد و إفساد طريقة المجتهدين ما لا ربط له بغرض المجتهدين و لا ينافي طريقتهم، و ليس ذلك إلّا من جهة القصور عن قواعد الاجتهاد و ضوابط الاصول.

و كيف كان فاستدلاله بالآيات يدفعه: أنّ المجتهد بعد ما أقام الدليل القطعي على التعبّد بظنّه فكلّ ما يقوله من مظنوناته حقّ ثابت من اللّه سبحانه.

غاية الأمر أنّه في موضع مصادفة الظنّ للواقع يكون هو الحقّ الواقعي و في غيره يكون هو الحقّ التنزيلي من جهة وجوب إجراء آثار الواقع عليه ما لم ينكشف خلافه، و إن لزم حينئذ في حكم العقل تضمّنه مصلحة يتدارك بها مصلحة الواقع الفائتة، و الظنّ من حيث هو و إن كان لا يغني من الحقّ في حكم العقل و الشرع على ما تقدّم ذكره، لكنّ الشرع قد يأمر بأخذ المظنون حقّا على معنى ترتيب آثار الواقع عليه كما هو مفروض المقام من موجب القطعي المقام عليه، و عليه فالمجتهد لا تتبّع إلّا ماله به علم ناش عن هذا القطعي، و كون من لم يحكم بما أنزل اللّه كافرا أو فاسقا أو ظالما مسلّم و لكنّه لا مدخل له بمحلّ البحث، إمّا لأنّ المراد منه كتمان الحقّ ممّن يعلمه. أو الحكم بالباطل مكان الحقّ المعلوم لدى الحاكم، و ليس فيما يحكم به المجتهد الجامع للشرائط ما يكون من هذا القبيل بعد قيام القطعي على مظنوناته بعنوان أنّها أحكام فعليّة، و هي الامور الّتي تجب التديّن بها فعلا و ترتيب آثار الواقع عليها ما لم ينكشف فساد الظنّ فيها.

و أمّا استدلاله بالروايات ممّا استدللنا على أصالة عدم الحجّية النفسيّة و من غيرها.

____________

(1) التهذيب 2: 45، ح 12.

44

..........

____________

فيدفعه: أنّ المجتهد- على ما عرفت- في كلّ من موارد شكّه الّذي يرجع فيه إلى الاصول العامّة القطعيّة، و ظنّه المعلوم بكون متعلّقه هو حكم اللّه الفعلي في حقّه مقيم على العلم و هو الحجّة الواضحة، فليس ذلك من متابعة الظنّ في شيء، و إلّا لم يحتج إلى تجشّم إقامة القطعي و هو منزّه عن الإفتاء بالرأي، بل هو يفتي بالشرع على التقدير المذكور، كما أنّه ليس متديّنا بما لا يعلم، بل هو متديّن بما يعلم أنّه لا دين له من الشرع سواه، و هو قائل بما يعلم و كافّ عمّا لا يعلم في جميع أحواله، و ليس من أخذ بهواه أو رأيه، بل هو آخذ بما له أصل و هو المظنون الّذي أصله القاطع، و ليس ممّن يستقلّ بهواه و يستبدّ برأيه و يعتمد على مقاييسه معرضا عن أهل العصمة و متولّيا عن حجج اللّه الواضحة و أعلامه الظاهرة، ليندرج في مورد الخطب و الوصيّة المتقدّمين مع كثير من الروايات، كيف و هو ينادي بأعلى صوته بمحظوريّة كلّ واحد من هذه الامور في الشريعة، و كلماته في الكتب الاستدلاليّة من الفقه و اصوله مشحونة بدعوى الإجماع و الضرورة من المذهب في ذلك، و كثيرا ما تراه في المسائل الخلافيّة يزيّف خلاف ما رجّحه بكونه قياسا أو استحسانا ليس من مذهبنا.

و بالجملة العاقل المنصف بملاحظة سوق المذكورات و متونها يجزم أنّه لم يقصد منها إلّا ذمّ المعاندين للأئمّة، المتابعين لأهل البدع و الضلالة، الآخذين في دين اللّه و رسوله بعقولهم القاصرة و أهوائهم الفاسدة و آرائهم الكاسدة مع قيام الحجّة و وضوح البيّنة، و ردعهم عن الضلالة و الباطل إلى الهداية و الحقّ الواضح البيّن الّذي هو موضوع لطاعة اللّه و طاعة رسوله دون غيره، و ليس في شيء منها ما ينافي طريقة المجتهدين، بعد قيام الحجّة القاطعة بانحصار طريق طاعة اللّه و طاعة رسوله و طاعة أوصيائه الأئمّة المعصومين فيها، من حيث انقطاعهم عن إمام زمانهم و تعذّر الوصول إلى حضرته و المسألة عنه بالنسبة إليهم، و المفروض أنّ التكليف بما فوق الوسع و الطاقة غير معقول، و ورود الحكم في كلّ واقعة و بقائه إلى يوم القيامة مع فرض اشتراط التكليف به و وجوب امتثاله بالعلم المتعذّر حصوله لا ينفي طريقيّة الظنّ إليه، و لا وجوب الأخذ بالمظنون على أنّه ذلك الحكم من الشارع، المريد للطاعة و الانقياد مطلقا حتّى في تلك الحالة، و ليس في استنادهم إلى القرآن حيثما يستندون إليه ما يكون من باب التفسير بالرأي الّذي هو عبارة عن كشف المشكلات و إيضاح المبهمات و المشابهات بلا مستند معتبر ينتهي إلى من لا يدركها إلّا هو، ضرورة أنّ الأخذ بموجب الدلالات الواضحة و المداليل العرفيّة الّتي يساعد عليها القواعد المعمولة في العرف و العادة

45

..........

____________

لا يسمّى تفسيرا في العرف، و على فرض تسليمه فليس مستندا إلى الرأي، بل هو تفسير بمقتضى القواعد المحكمة و الضوابط المتقنة الّتي لو لا التعويل عليها لانسدّ باب المخاطبة و المحاورة بالمرّة، و المفروض أنّ اللّه سبحانه ليس له في مكالماته طريقة مخترعة اختارها لنفسه مغايرة لطريقة العرف ليوجب عدم الاعتداد بتلك الطريقة، كما نطق به قوله عزّ من قائل:

وَ مٰا أَرْسَلْنٰا مِنْ رَسُولٍ إِلّٰا بِلِسٰانِ قَوْمِهِ (1) و ما ورد: من «أنّه أجلّ من أن يخاطب قوما و يريد منهم خلاف ما يفهمون».

و الاجتهاد الغير المرضي الوارد في رواية المحاسن- بقرينة كون السياق في منع العمل بالقياس و الرأي- مرادا به القياس، أو النظر في استخراج علّة الحكم بالاستنباطات المعهودة لدى أصحاب القياس، و عليه يحمل ما في مرسلة خدّاش بناء على ورودها في مورد تعذّر الاجتهاد بمراجعة الأمارات الشرعيّة المقرّرة لاستعلام القبلة عند الاشتباه، و إلّا فالمنع من مطلق الاجتهاد في هذا المقام حتّى الشرعي منه ضروريّ البطلان.

و من هنا حكي عن جماعة من متأخّري أصحابنا أنّهم قالوا هذه الرواية متروكة الظاهر من حيث تضمّنها لسقوط الاجتهاد بالكلّية.

و ممّا يرشد إلى صحّة ما قلناه من الحمل ما عن ذريعة السيّد قائلا: «و في الفقهاء من فرّق بين القياس و الاجتهاد، و جعل القياس ما له أصل يقاس عليه، و جعل الاجتهاد ما لم يتعيّن له أصل كالاجتهاد في طلب القبلة و في قيمة المتلفات بالجنايات و منهم من عدّ القياس من الاجتهاد و جعل الاجتهاد أعمّ منه» (2).

و مع الغضّ عن ذلك فالمنع عن الاجتهاد في مورد خاصّ من موارد الاشتباه في الموضوعات لا يقضي بالمنع عنه في سائر الموارد من الموضوعات و الأحكام، و محلّ النزاع مشروعيّة الاجتهاد في نفس الأحكام، فالرواية أعمّ منه من وجهين و هي قضيّة في واقعة خاصّة، فلا عموم فيها و لا إطلاق يشمل المقام، و مع ذلك الفرق بين هذه الواقعة و محلّ البحث في غاية الوضوح، من حيث إمكان إدراك الواقع بالاحتياط فيها من دون محذور من العسر و الحرج و غيره، بخلاف محلّ البحث الّذي لا يمكن الاحتياط في كثير من صوره، و استلزامه العسر و الحرج لو وجب في سائرها كما لا يخفى على المتأمّل المنصف هذا.

____________

(1) ابراهيم: 4.

(2) الذريعة إلى أصول الشريعة 2: 672 مع تفاوت يسير في العبارة.

46

..........

____________

و العجب ممّن يدّعي العلم و يبادر إلى تخطئة قاطبة أهل العلم الّذين هم ورثة الأنبياء و حفظة الشريعة الغرّاء و كفلة أيتام أهل العباء، بحيث لولاهم لانهدم الدين المبين و انعدم آثار شرع خاتم النبيّين كيف يخبط في نظره و يخطئ في فهمه فيحمل الرواية هنا على ما يقطع الجاهل بسقوطه عن المقام و بعده عنه كما بين الأرض و السماء فضلا عن العالم، فيقول: هي محمولة على ظاهرها، و معناها سقوط الاجتهاد في نفس أحكام اللّه تعالى بالكلّية، و مع ذلك يدّعي انفتاح باب العلم و أنّه في أخذه بالأخبار المرويّة عن أهل العصمة يعمل به دون الظنّ و غيره من الاصول المقرّرة.

و الّذي صنعه في الرواية كما ترى دون الظنّ بل الوهم أيضا فضلا عن كونه علما.

ثمّ إنّ له في منع الاجتهاد و إبطال طريقة أصحابنا المجتهدين (رضوان اللّه عليهم) شكوك اخر أوردها في المقام مضافة إلى ما عرفته من الوجهين، و يعجبني التعرّض لنقلها هنا لما في الاطّلاع عليها و على ما يفسدها من زيادة وضوح لبطلان هذه الطريقة و حقّيّة طريقة المجتهدين.

منها: أنّ كلّ من قال بجواز التمسّك بالاستنباطات الظنّية في نفس أحكامه تعالى من محقّقي العامّة و جمع من متأخّري الخاصّة اعترف بانحصار دليله في الإجماع بحيث لولاه لم يكن جائزا، للأدلّة المانعة من الآيات و الرواية.

و من المعلوم أنّ كون ثبوت إجماع الامّة في هذا الموضع مفيدا للقطع محلّ المنع، و سنده. أوّلا: ما ورد في كلام الصادقين (عليهم السلام) من أنّ حجّيّة الإجماع من مخترعات العامّة.

و ثانيا: أنّه قد تواتر الأخبار عن الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) بانحصار طريق أخذ هذا العلم في السماع عنهم (عليهم السلام) بواسطة أو بدونها (1).

و ثالثا: أنّه قد تواترت الأخبار أيضا بأنّه لا يجوز تحصيل الحكم الشرعي النظري بالكسب و النظر، لأنّه يؤدّي إلى اختلاف الآراء في الاصول و الفروع الفقهيّة كالمناكح و المواريث و الديات و القصاص- كما هو المشاهد- فتنتفي فائدة بعث الرسل و إنزال الكتب على ما هو المشهور بين علماء الإسلام من أنّ فائدتهما رفع الاختلاف ليتمّ نظام المعاش.

و رابعا: كلّ ما يؤدّي إلى الاختلاف يؤدّي إلى الخطأ لامتناع اجتماع النقيضين، و الحكيم

____________

(1) الوسائل 18: 41 الباب 7 من أبواب صفات القاضي.

47

..........

____________

المطلق- عزّ شأنه- يأبى حكمته عن أن يبني شريعته على ما يؤدّي إلى الخطأ» انتهى ملخّصا (1).

و فيه- بعد منع انحصار دليل جواز البناء على الاجتهاد بل وجوبه في الإجماع كما ستعرفه-: أنّ الثابت في المقام بطريق الجزم و الإيقان إنّما هو فوق الإجماع و هو الضرورة كما ستعرفه أيضا، و مع الانحصار في الإجماع فهو أيضا معلوم مفيد للعلم، و حجّيته على ما يقول به أصحابنا ليست من مخترعات العامّة فإنكارها على هذا التقدير يفضي إلى إنكار حجّية رأي المعصوم و معتقده.

و انحصار طريق أخذ هذا العلم- إن اريد به العلم بأحكام اللّه تعالى- في السماع عنهم و لو بالواسطة في حقّ المتمكّنين من الوصول إليهم لا يقضي بكونه كذلك في حقّ من لا سبيل له إلى هذا الطريق أصلا، مع أنّ الأخذ من الطرق الاستنباطيّة الّتي منها الظنّ المعلوم كونه طريقا أخذ منهم بالواسطة، و لا خصوصيّة للسماع في العلم بالأحكام المقرّرة في الشرع.

و لزوم الاختلاف في الآراء منقوض بما أوجبتموه من استنباط الأحكام عن الأخبار، لكثرة متعارضاتها و قلّة ما يسلم منها عن المعارض، مع ما فيها من سائر وجوه الاختلالات من جهة السند و المتن و الدلالة، بل أكثر الاختلافات الحاصلة فيما بين الفقهاء إنّما نشأت من هذه الجهة، بل المبالغة في إعمال النظر لاستفادة المطلب منها و عن غيرها من الآيات أدخل في رفع الاختلاف أو قلّته، لأدائه إلى حصول التوفيق بين متعارضاتها أو ترجيح بعضها على بعض كما لا يخفى.

مع أنّ الاختلاف قد يكون من مقتضى المصلحة الإلهيّة كما ورد في الأخبار، مع أنّ فائدة بعث الرسل و إنزال الكتب إنّما هو إرشادهم إلى مصالح الأشياء و مفاسدها و حملهم على الطاعة و الانقياد، و حصولها لا ينافي الاختلاف الناشئ عن الاستناد إلى طريق مرخّص فيه غير لازم المصادفة للواقع إذا كان ترخيصه مسبوقا بملاحظة مصلحة في نفسه مردّدة بين مصلحة الواقع و ما يتدارك به تلك المصلحة على تقدير فواتها بعدم اتّفاق المصادفة، و الشريعة مبنيّة على ما يؤدّي إلى إدراك مصلحة الواقع أو بدله المجعول للعاجز عن إدراك الواقع، و هو ما يتدارك به ما فات من مصلحة الواقع، و الخطأ إنّما ينافي حكمته تعالى على

____________

(1) الفوائد المدنيّة: 181- 183.

48

..........

____________

تقدير عدم التدارك لا مطلقا.

و منها: أنّ خلاصة ما استدل به الإماميّة على وجوب عصمة الإمام من «أنّه لولاها لزم كون اللّه سبحانه آمرا لعباده باتّباع الخطأ و هذا قبيح» جارية في وجوب اتّباع المجتهد، و هذا هو النقض الّذي أورده الفخر الرازي على الإماميّة (1)، غير أنّه لا يرد على الأخباريّة منهم لأنّهم لا يجوّزون الاعتماد في أحكامه تعالى على الظنّ (2).

و فيه: مع النقض بالظنّ في الموضوعات و العمل بالأخبار الّذي لا يكاد يسلم عن الخطأ أيضا كما عرفت، أنّ الخطأ- و هو الوقوع في مخالفة الواقع- قد ينشأ عن فقد حالة في النفس مانعة منه و هي العصمة، و قد ينشأ عن أسباب خارجة حصلت من باب الطوارئ و هي وجوه الاختلال الطارئة للأدلّة، و المنفي عن الإمام (عليه السلام) ما يكون من قبيل القسم الأوّل، إذ لو كان جائزا لكان وقوعه في الحقيقة مسندا إلى اللّه تعالى، فيكون أمره تعالى للعباد باتّباع الإمام الغير المعصوم إيقاعا لهم في الخطأ، لأنّ نصبه إماما يجوز في حقّه الخطأ مؤدّاه وجوب متابعته في جميع ما يقول به حتّى مواضع خطائه، و هو إيقاع لهم في الخطأ في هذه المواضع و أنّه قبيح، إمّا لأنّه نقض للغرض من حيث إنّ الغرض من نصب الإمام حفظ شرعه و إرشاد عباده إلى الأحكام المأخوذة في هذا الشرع على ما ينبغي و كما هو حقّه، أو لمنافاته الحكمة من حيث إنّ حكمة الحكيم اقتضت هداية العباد و إرشادهم إلى مصالح امورهم و مفاسدها، و الإيقاع في الخطأ إضلال لهم فيكون قبيحا، و أيّا ما كان فيجب عليه إعطاؤه الإمام الّذي ينصبه ما يؤدّي إلى حسم مادّة هذا النحو من الخطأ.

بخلاف ما يتّفق في التعبّد بالظنّ أو الطرق الظنّية الّتي من شأنها التأدية إليه، فإنّه لا يسند إليه تعالى حيثما وقع، و إنّما يسند إلى أسبابه الخارجيّة، و لا قبح في ترخيصه في الأخذ بهما بعد ملاحظة قبح التكليف بما فوق الطاقة و قبح الإلجاء الّذي يؤول إليه منعه من طروّ تلك الأسباب لو وجب عليه، كما يرشد إليه أخذهم عدم البلوغ حدّ الإلجاء في مفهوم اللطف الّذي يوجبونه عليه تعالى، و لا يلزم منه تفويت مصلحة الواقع إذا اعتبر فيهما وجود ما يتدارك به المصلحة الفائتة كما عرفت.

و من هنا تعرف- كما أشرنا إليه- أنّ هذا الخطأ بالإضافة إلى الواقع يعدّ خطأ و أمّا

____________

(1) انظر التفسير الكبير 20: 208- 209.

(2) الفوائد المدنيّة: 186.

49

..........

____________

بالإضافة إلى موضوعه و هو العاجز عن إدراك الواقع فهو عين الصواب، مع أنّ الاستدلال منقوض بالطرق العلميّة على تقدير انتصابها في الوقائع و كفايتها في استعلام الأحكام الواقعيّة، لأنّ العالم أو مطلق المكلّف الّذي يرجع إليها غير مصون عنه بفقده الحالة النفسانيّة المانعة منه و هي العصمة، و من هنا يتّجه لمنكري عصمة الإمام أن يأخذوا هذا الفرض موردا للنقض، بناء على أنّ أصحابنا المثبتين لها في الإمام لا يعتبرونها في سائر علماء الامّة غير الإمام و لا في نوّاب الأئمّة الّذين كانوا وسائط بينهم و بين سائر المكلّفين النائبين عنهم.

و قد يدفع الإشكال بإبداء الفرق بين الإمام و غيره من العلماء و المجتهدين، بأنّ الإمام (عليه السلام) أمين اللّه على كافّة الأنام و له الرئاسة العامّة و وجوب الطاعة على الخاصّ و العامّ، و هو مرجع الجميع في استفادة الأحكام، و مع ذلك لا يستند في العلم بها إلى الأسباب الظاهريّة، و من البيّن أنّ مجرّد العدالة غير كاف في اطمئنان النفس بمثل ذلك، إذ لا تطمئنّ النفس بقول العدل إذا ادّعى شيئا خارجا عن المعتاد خارقا للعادة الجارية بين الناس، بل يتسارع الظنون إليه بالتهمة.

نعم لو دلّ دليل على عصمته كان قوله برهانا ناطقا لا مجال لإنكاره، فالفرق بينه و بين المجتهد ظاهر من وجوه شتّى، فاعتبار العصمة فيه لا يقضي باعتبارها في المجتهد الّذي هو بمنزلة الراوي عنهم، و لا يكون السبيل الّذي يستنبطه ذلك المجتهد قطعيّا بعد القطع بوجوب العمل بمؤدّاه.

و لعلّه راجع إلى ما سنبيّنه و إلّا فعموم الرئاسة كما هو ثابت للإمام كذلك ثابت للمجتهد الجامع للشرائط أيضا.

نعم الغالب على المجتهدين اختصاص الراجعين إليه الآخذين بقوله بطائفة دون اخرى و أهل بلد دون آخر، و لكنّه لا يقضي باختصاص رئاسته بحسب القابليّة الشرعيّة.

فتحقيق المقام في حسم مادّة الإشكال أن يقال: إنّ الإمام لا يعقل في حقّه انسداد باب العلم، و هو ما دام حاضرا متمكّنا عن التصرّف لا يعقل في حقّ أهل عصره المتمكّنين من الوصول إليه أيضا انسداد بابه، فلا مقتضي في حقّهم لجعل الطرق الغير العلميّة لاستفادة الأحكام، لعدم عجزه عن بيان الواقع و لا عجزهم عن إدراكه، فلو جاز في حقّه الخطأ لكان الأمر باتّباعه مطلقا مؤدّيا إلى الإضلال و نقض الغرض و تفويت مصلحة الواقع، بخلاف العاجزين عن إدراكه بطريق علمي لانسداد باب العلم و لو في الغالب، لكونهم في زمان

50

..........

____________

الغيبة أو في زمان الحضور مع عدم تمكّنهم من الوصول إليه أو عدم تمكّنه من التصرّف على ما هو حقّه.

فإنّ قضيّة ذلك أن يجعل في حقّهم من الطرق الغير العلميّة ما يكون بدلا عن الطرق العلمي قائما مقامه لينفعهم في مواضع تعذّر العلم، فلو أخطئوا حينئذ بعدم إصابة الواقع لم يكن مستندا إلى اللّه تعالى بل إلى الأسباب الخارجة مع لزومه استدراك ما يتدارك به مصلحة الواقع.

فأمرهم بمتابعة ما لا يكاد يسلم عن عدم مصادفة الواقع ليس إضلالا لهم ليكون قبيحا منافيا لحكمة الشارع الحكيم، و لذلك اختصّ اعتبار العصمة بالإمام دون غيره من المجتهدين و الرواة الّذين هم وسائط بينه و بين الرعيّة النائين عنه الغير المتمكّنين من الوصول إليه، و الّذي يفصح عن هذا الفرق مجعوليّة الأحكام المعمولة عند التقيّة المتّفق عليها عند أصحابنا المدلول عليها بالأخبار المتواترة، فإنّ هذه الأحكام كلّها أبدال من الأحكام الواقعيّة جعلت للعاجزين عن الأخذ بالأحكام الواقعيّة لحصول الإطاعة و الانقياد بها.

و ممّا يؤيّد ذلك أيضا وقوع التعبّد في الشريعة بالقواعد العامّة المقرّرة لاستكشاف الأحكام في الموضوعات المشتبهة كأصالة طهارة الماء، و أصالة صحّة فعل المسلم، و قبول أخبار ذي اليد، و البيّنة، و سوق المسلمين و نحوها، مع عدم إفادة شيء من ذلك القطع بالواقع و لا دوام مصادفته له كما لا يخفى.

و لو لا ذلك من باب الاكتفاء به في مقام الانقياد و الطاعة كان محذور الإضلال و تفويت مصلحة الواقع المنافي للحكمة قائما.

و منها: أنّ المسلك الّذي مداركه غير منضبطة- مع كثرة ما يقع فيها من وجوه التعارض و اضطراب الأنفس و رجوع كثير من فحول العلماء عمّا أفتوا به أوّلا- لا يصلح لأن يجعله الشارع الحكيم مناطا لأحكامه، و من المعلوم أنّ اعتبار ظنّ المجتهد المتعلّق بنفس أحكامه تعالى مستلزم لهذه المحذورات (1).

و فيه- بعض النقض بالأخبار الغير العلميّة لوفور جميع هذه المذكورات فيها، لما فيها من طروّ الاختلالات من وجوه شتّى-: أنّ الظنّ بمعنى اطمينان النفس و سكونها أمر

____________

(1) الفوائد المدنيّة: 180.

51

..........

____________

منضبط و لا يقع فيه التعارض، لاستحالة الظنّ بكلا طرفي النقيض كاستحالة العلم بهما أو العلم بأحدهما و الظنّ بالآخر، و عدم الانضباط في المدارك لا يقضي بخروجه عن الانضباط، كما أنّ وقوع التعارض فيها لا يقدح في انضباطه. غاية الأمر أنّه إمّا يحصل بإعمال طرق الجمع مع إمكانه، أو بمراجعة المرجّحات مع وجودها فيترتّب عليه الحكم، أو لا يحصل بتعادل المتعارضين مع عدم إمكان الجمع، أو معه حيث لا شاهد له من العرف و العادة بحيث أوجب الظنّ بالمؤدّى، فيتعيّن حينئذ مراجعة الاصول العامّة العمليّة، و هذا أيضا أمر منضبط.

و بالجملة فهذا المسلك على كلا تقديري حصول الظنّ و عدمه في غاية الانضباط، و اتّفاق الرجوع عن الفتوى السابقة أحيانا غير مناف لكونه منضبطا.

و منها: أنّ المسلك الّذي يختلف فيه الأذهان بل الأحوال الطارئة لذهن واحد، غير صالح لأن يكون مناط أحكام مشتركة بين الامّة إلى يوم القيامة (1).

و فيه: أنّ حصول الاختلاف في الأحكام الفعليّة المجعولة للعاجز عن الوصول إلى الأحكام الواقعيّة لا ينافي وقوع اشتراك جميع الامّة إلى يوم القيامة في الأحكام الواقعيّة، و المنوط بمسلك الظنّ إنّما هو الأحكام الفعليّة لا الأحكام الواقعيّة المشتركة بين الجميع، فلا مانع من صلاحية الظنّ لأن يجعل مناط تلك الأحكام.

و منها: أنّ الشريعة السهلة السمحة كيف تكون مبنيّة على استنباطات صعبة مضطربة 2.

و فيه: أنّه إذا لم يجز ابتناء الشريعة السهلة السمحة على استنباطات صعبة مضطربة متمكّن منها، فكيف يجوز ابتناؤها على استنباطات علميّة متعذّرة لانسداد باب العلم فيها غالبا على الفرض، و عدم جواز الأمرين معا يقضي بانسداد باب الاستنباط بالمرّة و هو كما ترى.

و منها: أنّ في ابتناء أحكامه تعالى على الاستنباطات الظنّية مفاسد أكثر من أن تحصى:

من إفضائه إلى وقوع الفتن و الحروب و سفك الدماء بين المسلمين، و من هنا ذكر علماء العامّة و ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة في مقام الاعتذار عن الحروب الواقعة بين الصحابة العدول الأخيار أنّ السبب فيها اختلاف اجتهاداتهم في أحكام اللّه تعالى (3)، و من عدم جواز أخذ أحد المتخاصمين ما يستحقّه من الآخر قهرا فيما لو وقع بينهما في مال أو

____________

(1) 1 و 2 الفوائد المدنيّة: 190.

(3) شرح نهج البلاغة 20: 34.

52

..........

____________

فرج أو دم خصومة دنيويّة مبنيّة على اختلاف اجتهادهما، و ما ذكره علماء العامّة من أنّهما يرجعان حينئذ إلى قاض منصوب من السلطان فيجب عليهما الأخذ بما يحكم به القاضي ممّا لا يرضى به الذهن السليم فكيف يرضى به الشارع الحكيم؟ و من إفضائه إلى تجهيل المفتي نفسه أو إبطال القاضي حكمه إذا ظهر له ظنّ أو قطع مخالف لظنّه السابق (1).

و فيه: منع الملازمة، كيف و لم يعهد من لدن حدوث بناء الاجتهاد بين أصحابنا المجتهدين إلى الآن فتنة أو حرب أو سفك دم وقع بين المسلمين مستندا إلى اجتهاد المجتهدين ليس إلّا، بل و هذه الامور حيثما وقعت على غير حقّ فإنّما تقع من اتّباع الشيطان و النفس الأمّارة الداعية للإنسان إلى طلب الجاه و الرئاسة و المال و الثروة، أو من متابعة أهل البدع و الضلال المفسدين في أرض اللّه المعاندين له و لرسوله المبغضين لخلفاء اللّه و حججه، و إلّا فما كان من هذه الامور منشؤه الخصومة الشرعيّة المسموعة في نظر أهل الشرع في مال أو فرج أو نفس أو نحو ذلك لشبهة موضوعيّة أو حكميّة و بني على الأخذ بقواعد الاجتهاد و مراجعة المجتهدين الّذين هم حكّام الشرع بالحقّ لم يكن يقع شيء منها على وجه الأرض أصلا، لاستحكام تلك القواعد و غاية انتظام هذه الضوابط، فإنّ حكم الحاكم الشرعي المستند إلى اجتهاده الصحيح المستفاد من الشارع هو الحجّة القاطعة الّتي إذا وقعت نافذة لا تستتبع فتنة و لا حربا و لا سفك دم و لا غير ذلك من المفاسد.

و من هنا اندفع الشبهة في مسألة الخصومة بين مجتهدين مختلفين في الرأي أو مقلّدي هذين المجتهدين، فإنّ الخصومة بينهما ترتفع بمراجعة ثالث موافق لأحدهما في الرأي أو مخالف لهما و الأخذ بحكمه على سبيل اللزوم تعبّدا من اللّه سبحانه، و هذا أيضا ممّا لا محذور فيه أصلا.

و أمّا تجهيل النفس و إبطال الحكم بعد انكشاف مخالفة الواقع جزما أو ظنّا على التفصيل الآتي في محلّه فممّا لا يتضمّن محذورا أيضا، بل هو غير عزيز في الشرع و لو مع البناء على الأدلّة القطعيّة أو الأخبار فقط، و لو كان محذورا في نظر العقل أو الشرع فهو مشترك اللزوم و طريق الدفع واحد.

____________

(1) الفوائد المدنيّة: 191.