كتاب المكاسب - ج4

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
422 /
3

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الإهداء

سيدي ... أبا صالح

هذه جهودي بين يديك متواضعة بذلتها في سبيل تخليد فقه (أئمة أهل البيت) و هم آباؤك و أجدادك الطاهرون عليهم الصلاة و السلام في سبيل احياء تراثنا العلمي الأصيل، اهديها أليك ... يا حافظ الشريعة يا من يملأ الأرض قسطا و عدلا بعد ما ملئت ظلما و جورا فأنت أولى بها ممن سواك، و لا أراها متناسبة و ذلك المقام الرفيع.

و أراني مقصرا و قاصرا غير أن الهدايا على قدر مهديها.

فتفضل عليّ يا سيدي (عجل اللّه تعالى لك الفرج) بالقبول، فانه غاية المأمول.

عبدك الراجي

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

[تتمة المكاسب المحرمة]

[تتمة النوع الرابع ما يحرم الاكتساب به لكونه عملا محرما في نفسه]

[تتمة المسألة الرابعة عشر الغيبة]

[تتمة بقي الكلام في أمور]

[الثاني في] كفارة الغيبة

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

فى كفارة الغيبة (الثاني) (1): في كفارة الغيبة الماحية لها.

و مقتضى كونها (2) من حقوق الناس توقف رفعها على اسقاط صاحبها حقه.

أما كونها من حقوق الناس فلأنه ظلم على المغتاب (3)، و للأخبار (4) في أن من حق المؤمن على المؤمن أن لا يغتابه (5)، و أن حرمة عرض المسلم

____________

(1) أي من الامور التي ذكرها الشيخ في الجزء الثالث من المكاسب من طبعتنا الحديثة في ص 328 عند قوله: بقي الكلام في امور.

(2) أي مقتضى كون الغيبة.

(3) و هو المستغاب، لأن ذكره بسوء موجب لسقوطه في المجتمع الانساني فيكون ظلما قد حكم العقل بقبحه.

(4) تعليل ثان لكون الغيبة من حقوق الناس، اذ التعليل الأول هو كون الغيبة ظلما.

(5) راجع (وسائل الشيعة). الجزء 8. ص 546. الباب 122 من أبواب وجوب اداء حق المؤمن. الأحاديث.

هذه الرواية تدل بوضوح على أن الغيبة من حقوق الناس.

و كلمة (من) هنا للتبعيض، حيث ان حقوق المؤمنين غير منحصرة بهذا الحق فحسب، بل هناك حقوق اخرى غير هذا.

فلو خرق المؤمن هذا الحق على أخيه فلا بد أن يتحمل تبعات هذا الخرق.-

8

كحرمة دمه و ماله (1).

و أما توقف رفعها على ابراء ذي الحق فللمستفيضة المعتضدة بالأصل (2) (منها) (3): ما تقدم من أن الغيبة لا تغفر حتى يغفر صاحبها و أنها ناقلة للحسنات و السيئات.

____________

- و من جملة التبعات الاعتذار إليه، و طلب العفو منه، فإن عفا فبفضله و إن سخط عليه فلحقه.

و لو لا ذلك لم يكن معنى لجعله حقا من الحقوق.

و طلب الاعتذار و العفو و إن كان ثقيلا جدا، لما يعرض الشخص من الاستكانة، لكنه يجب و يكون عقابا للمستغيب الذي هتك ستر أخيه و عرضه.

(1) نفس المصدر. ص 599- 600. الأحاديث.

خلاصة الحديث: أنه كما يجب أن يصان و يحفظ دم المسلم و ماله:

كذلك يجب أن يحفظ و يصان عرضه: بأن لا تمس كرامته بسوء و لا يهتك و تحفظ معنوياته.

(2) المراد من الأصل هنا الاستصحاب، أي استصحاب اشتغال ذمة المستغيب بحق من المغتاب بالفتح حينما اغتابه فلا يسقط هذا الحق حتى يعفو عنه.

(3) أي و من تلك الأخبار المستفيضة الدالة على توقف رفع الغيبة على ابراء ذي الحق حقه: ما تقدم في الجزء الثالث من المكاسب من طبعتنا الحديثة. ص 318- 319.

9

(و منها) (1): ما حكاه غير واحد عن الشيخ الكراجكي بسنده المتصل الى علي بن الحسين عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): للمؤمن على أخيه ثلاثون حقا لا براءة منها إلا بادائها (2)، أو العفو الى أن قال: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يقول: إن أحدكم ليدع (3) من حقوق أخيه شيئا

____________

(1) أي و من تلك الأخبار المستفيضة الدالة على توقف رفع الغيبة على اسقاط ذي الحق حقه، سواء تمكن من الوصول أم تعذر.

(2) أي باداء تلك الحقوق.

المراد بالاداء هنا هي المحافظة على تلك الحقوق، و عدم الاخلال بها بمعنى أن مراعاة تلك الحقوق لا يتصور إلا بادائها و المحافظة عليها.

و المراد من العفو هنا إما اسقاط الحق قبل الاعتداء عليه كما اذا قال شخص لزيد: أنت في حل من غيبتي.

و إما الاسقاط بعد الاعتداء و هو المراد هنا، حيث ان المؤمن يستغيب أخاه المؤمن فيتعلق بذلك حق له عليه في ذمته فيذهب المستغيب إليه ليطلب العفو منه.

ثم الأحرى بالأخ المسلم حين يبيح له أخوه المسلم أن يستغيبه: أن يكف عنه، و يستر عليه، و يحافظ على حرمته أكثر و أكثر.

(3) أي يترك، و المعنى أن الأخ المؤمن عند ما يستغيب أخاه المؤمن يتعلق بذمته حق للمستغاب بسبب غيبته له فيطالب المستغاب المستغيب يوم القيامة بذلك الحق فيحكم للمستغاب بذلك الحق المسبب من الغيبة و يحكم على المستغيب.

10

فيطالبه (1) به يوم القيامة فيقضى (2) له و عليه (3).

و النبوي المحكي فى السرائر و كشف الريبة: من كانت لاخيه عنده مظلمة في عرض، أو مال فليستحللها من قبل أن يأتي يوم ليس هناك درهم و لا دينار فيؤخذ من حسناته، فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فتتزايد على سيئاته (4).

و في نبوي آخر من اغتاب مسلما أو مسلمة لم يقبل اللّه صلاته و لا صيامه أربعين يوما و ليلة، إلا أن يغفر له صاحبه (5).

و في دعاء التاسع و الثلاثين من أدعية (الصحيفة السجادية) (6)

____________

(1) الفاعل في فيطالبه المستغاب كما عرفت آنفا.

و مرجع الضمير في به: شيئا في قوله (صلى اللّه عليه و آله): إن أحدكم ليدع من حقوق أخيه شيئا، و الباء في به سببية، أي بسبب الغيبة.

(2) بصيغة المجهول بمعنى يحكم، و مرجع الضمير في له المستغاب و في و عليه المستغيب، و قد عرفت معنى هذه الجملة آنفا.

(3) (وسائل الشيعة). الجزء 8. ص 550. الباب 122 من أبواب أحكام العشرة. الحديث 24.

(4) (بحار الأنوار). الطبعة الجديدة. الجزء 75. ص 243 السطر 9. و المراد من فليستحللها: طلب الحلية.

(5) (مستدرك وسائل الشيعة). المجلد 2. ص 106. الحديث 35.

(6) راجع (الصحيفة السجادية) طبعة افسيت من منشورات (المكتبة الاسلامية) بخط (الحاج حسن الهريسي) ص 128.

إليك نص عبارتها صلوات اللّه على منشئها.

«اللّهمّ و أيّما عبد نال منّي ما حظرت عليه و انتهك-

11

و دعاء يوم الاثنين من ملحقاتها (1): ما يدل على هذا المعنى (2) أيضا.

و لا فرق في مقتضى الأصل (3)، و الأخبار (4) بين التمكن من الوصول الى صاحبه (5)، و تعذره (6)،

____________

- منّي ما حجرت عليه فمضى بظلامتي ميّتا، أو حصلت لي قبله حيّا فاغفر له ما ألمّ به منّي».

(1) أي من ملحقات (الصحيفة السجادية).

(2) و هو أن الغيبة من الحقوق في كونها متوقفة على ابراء ذي الحق.

راجع نفس المصدر. ص 224.

أليك نص عبارتها صلوات اللّه و سلامه على منشئها:

«و أسألك في مظالم عبادك عندي فأيما عبد من عبيدك أو أمة من إمائك كانت له قبلي مظلمة ظلمتها إياه فى نفسه أو في عرضه، أو في ماله، أو في أهله و ولده، أو غيبة اغتبته بها، أو تحامل عليه بميل أو هوى، أو أنفة، أو حميّة أو رياء، أو عصبة غائبا كان أو شاهدا، و حيّا كان أو ميتا فقصرت يدي، و ضاق وسعي عن ردّها إليه و التحلل منه فأسألك يا من يملك الحاجات و هي مستجيبة بمشيّته، و مسرعة إلى إرادته:

أن تصلّي على محمد و آل محمد و أن ترضيه عنّي بما شئت».

(3) و هو الاستصحاب المذكور في ص 8.

(4) و هي التي اشير إليها في ص 7.

(5) أي الى صاحب الحق و هو المستغاب.

(6) أي و بين تعذر الوصول الى صاحب الحق فالأخبار في هذا المقام مطلقة لا تفرق بين الحالتين: حالة امكان الوصول، و حالة تعذره في توقف رفع الغيبة على اسقاط ذي الحق حقه.

12

لأن تعذر البراءة (1) لا يوجب سقوط الحق كما في غير هذا المقام (2).

لكن (3) روى السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) أن كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته كلما ذكرته (4).

____________

(1) و هو عدم امكان الوصول عند صاحب الحق حتى يمكن للمستغيب إبراء الذمة منه: لا يوجب سقوط حق المستغاب فالحق باق في ذمة المستغيب الى أن يسقطه عنه صاحبه.

(2) من موارد تعلق الحق بذمة آخر كما لو استدان شخص من زيد أو سرق، أو غصب منه، فانه يتعلق بذمة المدين، أو السارق أو الغاصب من الدائن، أو المسروق منه، أو المغصوب منه حق، و تشتغل ذمته بذلك الحق، و لا يسقط إلا بالأداء.

و كيفية الأداء: إما باعطائه حقه، أو بالاستبراء منه.

و إن كان صاحب الحق ميتا يجب دفعه الى ورثته.

فان تعذر كل ذلك بقي الحق في ذمته الى يوم القيامة.

(3) استدراك عما أفاده الشيخ آنفا من أن مقتضى الاصل و الأخبار عدم سقوط الحق بتعذر الوصول.

و خلاصة الاستدراك: أن هذا الخبر يدل على أن تعذر الوصول مسقط للحق، و يكتفى في كفارة الغيبة بالاستغفار فقط فيكون خبر السكوني خاصا يقيد به تلك الاطلاقات المتقدمة الدالة على عدم سقوط الحق، سواء تعذر الوصول الى صاحب الحق أم لا.

(4) راجع (وسائل الشيعة). الجزء 8. ص 605. الباب 155 الحديث 1.

لكن الحديث مروي عن حفص بن عمير لا عن السكوني، و رواة حديث حفص كلهم ثقات إلا حفص بن عمير، حيث انه لم يوثق و ان كان حسنا-

13

و لو صح سنده (1) أمكن تخصيص الاطلاقات المتقدمة به فيكون

____________

- و أما رواية السكوني فمروية في نفس المصدر. ص 606. و هي واردة في وجوب رد المستغيب عن غيبة أخيه، أليك نص الحديث.

عن السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): من ردّ عن عرض أخيه المسلم وجبت له الجنة.

و هناك أحاديث اخرى في وجوب الاستغفار على المستغيب.

راجع (مستدرك وسائل الشيعة). المجلد 2. ص 108. الأحاديث.

(1) أي لو صح سند حديث السكوني الدال على أن الاستغفار يكون طريقا آخر لسقوط حق المغتاب بالفتح: لصار مخصصا للمطلقات المتقدمة المعبر عنها بالمستفيضة التي ذكرها الشيخ بقوله: منها و منها و منها في ص 8- 9 لأنها تدل على توقف رفع الغيبة على اسقاط المغتاب بالفتح حقه المتعلق بذمة المغتاب بالكسر مطلقا، سواء تمكن المغتاب بالكسر من الوصول الى المغتاب بالفتح أم تعذر.

و لا يخفى أن الحديث المذكور مروي عن حفص بن عمير، لا عن السكوني حتى يخدش فيه فيقال: لو صح سند الحديث.

و قد عرفت أن سلسلة رواة الحديث كلهم ثقات إلا حفص بن عمير و هو حسن و ان لم يوثقه علماء الرجال.

إذا تكفي هذه الرواية الحسنة في تخصيص المطلقات المتقدمة التي جلها ضعاف.

ثم لا يخفى عليك أيضا: أن حديث حفص بن عمير مطلق أيضا لأنه دال على أن الاستغفار من المغتاب بالكسر في حق المغتاب بالفتح يكون كفارة، سواء تمكن المغتاب بالكسر من الوصول الى المغتاب بالفتح أم لا و سواء عفا صاحب الحق عن حقه أم لم يعف.

14

الاستغفار طريقا أيضا الى البراءة، مع احتمال (1) العدم أيضا، لأن (2) كون الاستغفار كفارة لا يدل على البراءة فلعله كفارة للذنب من حيث

____________

- اذا يكون بين الحديث، و المطلقات المتقدمة: التعارض، لا العموم و الخصوص من وجه، فحينئذ نحتاج الى الجمع بينهما، لئلا يتساقطا عند عدم المرجح كما هو طريق التعارض.

و قد ذكر (الشيخ الانصاري) طريق الجمع و نحن نذكره عند قوله و يمكن الجمع بينهما.

(1) أي و يحتمل عدم حصول براءة المستغيب، لان مجرد كون الاستغفار كفارة للغيبة لا يدل على سقوط حق المغتاب بالفتح فذمة المستغيب مشغولة للاستصحاب.

(2) تعليل لكون الاستغفار لا يدل على براءة ذمة المستغيب.

و خلاصته: أن هنا حقين: حقا للّه عز و جل، و حقا للمغتاب بالفتح فالاستغفار يكون كفارة لحقه تعالى، لأنه تمرد عن نهيه بغيبته لاخيه فيستحق العقوبة فباستغفاره يسقط حقه عز و جل، لأنه غفّار رحيم.

و أما حق المغتاب فلا يسقط بالاستغفار فتبقى ذمة المغتاب بالكسر مشغولة الى أن يسقطها و يبرؤها المغتاب بالفتح.

و قد ثبت في محله أن الحقوق في الاسلام على قسمين: قسم مختص للّه تعالى كالصلاة و الصوم و الحج، و ما شاكلها.

و قسم مشترك بينه، و بين عباده كالسرقة مثلا، فإن السارق بسرقته يتوجه نحوه حقان: رد السرقة الى صاحبها، لأنها من حقوق الناس و قطع يده، لأنه حق اللّه عز و جل، و الغيبة من هذا القبيل.

15

كونه حقا للّه تعالى نظير (1) كفارة قتل الخطأ التي لا توجب براءة القاتل.

إلا (2) أن يدعى ظهور السياق في البراءة.

قال في كشف الريبة بعد ذكر النبويين الأخيرين المتعارضين (3):

و يمكن الجمع بينهما: بحمل (4) الاستغفار على من لم تبلغه غيبة المغتاب

____________

(1) تنظير لكون الاستغفار كفارة لحق اللّه عز و جل المتعلق بذنب المغتاب بالكسر للخالق.

و خلاصته: أن في قتل الخطأ يتعلق شيئان: وجوب الكفارة و هو عتق رقبة، و وجوب دفع الدية الى ولي المقتول، فلو أعتق الرقبة التي هو حق اللّه عز و جل و لم يدفع الدية الى ولي الدم التي هي من حقوق الناس لم تسقط ذمة القاتل و لم تبرأ الى أن يدفعها إليهم، و لو مات فالى وارثه فالذمة مشغولة حتى تؤدي.

(2) استثناء عما أفاده: من أن الاستغفار الوارد في حديث السكوني كفارة لحق اللّه عز و جل، لا لحق المغتاب بالفتح.

و خلاصته: أنه لو ادعي ظهور الحديث المذكور في براءة ذمة المستغيب عن حق المستغاب فلا مجال لاحتمال عدم حصول براءة الذمة.

(3) و هما: رواية حفص بن عمير التي عبر عنها الشيخ بالخبر السكوني و روايته المحكية في (السرائر و كشف الريبة) المرويتين عن النبي (صلى اللّه عليه و آله).

وجه التعارض: أن الاولى تصرح بأن كفارة الاغتياب الاستغفار.

و الثانية تصرح بأن كفارة الاغتياب وجوب استحلال المستغيب عن حق المستغاب فحفظا للسقوط لا بد من الجمع.

(4) هذا طريق الجمع.

و خلاصته: أن يحمل خبر السكوني الدال على أن الاستغفار كفارة

16

فينبغي له الاقتصار على الدعاء و الاستغفار، لأن في محالته (1) اثارة للفتنة و جلبا للضغائن.

و في حكم من لم تبلغه: من (2) لم يقدر على الوصول إليه، لموت أو غيبة

أقول (3): إن صح النبوي الأخير سندا فلا مانع عن العمل به:

____________

- للغيبة و مسقطا لها: على المستغاب الذي لم تبلغه غيبة المستغيب فينبغي للمستغيب أن يكتفي بالدعاء و الاستغفار و يقتصر عليهما، لأن طلب الحلية من المستغاب موجب لاثارة الفتنة، و لجلب الأحقاد و الضغائن فيزيد في الطين بلة.

و لربما يقابله بالمثل فيتصدى لغيبته.

و يحمل الخبر النبوي الدال على وجوب الاستحلال من المستغاب:

على المستغيب الذي يمكن له الوصول الى المستغاب الذي بلغته الغيبة، و ليس له أي محذور في الاستحلال.

(1) ما رأينا في كتب اللغة التي بأيدينا أن كلمة محالة تأتي بمعنى الاستحلال، بل جاء بمعنى الحلول و النزول في المكان.

و لعل السهو من النساخ.

(2) أي حكم المستغيب الذي لم يمكن وصوله الى المستغاب للاستحلال منه إما لموت المستغاب، أو لبعد مكانه: حكم المستغاب الذي لم يطلع على الغيبة في أنه يكتفي بالدعاء و الاستغفار للمستغاب و يقتصر عليهما.

(3) من هنا كلام الشيخ.

و خلاصته أن حديث السكوني لو صح سندا فلا مانع لدينا من جعله طريقا لبراءة ذمة المستغيب عن حق المستغاب مطلقا، سواء اطلع المستغاب على الغيبة أم لا، و سواء تمكن المستغيب من الوصول الى المستغاب-

17

بجعله طريقا الى البراءة مطلقا في مقابل الاستبراء، و إلا (1) تعين طرحه و الرجوع الى الأصل، لإطلاق (2) الأخبار المتقدمة.

و تعذر (3) الاستبراء، أو وجود المفسدة فيه لا يوجب وجود مبرئ آخر.

نعم (4) أرسل بعض من قارب عصرنا عن الامام الصادق (عليه السلام)

____________

- أم تعذر، فيكون هذا الحديث في مقابل الحديث الدال على وجوب الاستحلال و الاستبراء.

(1) أي و ان لم يصح سند الحديث المذكور فالثابت المتعين طرحه و الرجوع الى الأصل الذي هو الاستصحاب المذكور و هو بقاء حق المستغاب بذمة المستغيب فلا يسقط بالاستغفار، بل لا بدّ من الاستحلال حتى تبرأ ذمته.

(2) تعليل لوجوب طرح خبر السكوني الدال على أن كفارة الغيبة الاستغفار: أي الأخبار المتقدمة المعبر عنها بالمستفيضة المشار إليها في ص 8- 9 بقوله: منها و منها و منها تصرح بعدم براءة ذمة المستغيب إلا بالاستحلال

(3) الواو استينافية و كلمة (تعذر) مبتدأ خبره: جملة (لا يوجب) و الجملة هذه رد على ما أفاده (الشهيد الثاني) في كشف الريبة في مقام الجمع بين النبويين المتعارضين المذكورين في ص 10: من أن الاستحلال موجب لاثارة الفتنة، و جلب الضغائن.

و خلاصة الرد: أن المحذور المذكور لا يكون دليلا على وجود محلل آخر و هو الاستغفار.

و كذلك تعذر الوصول الى المستغاب لا يوجب وجود مبرئ آخر و هو الاستغفار.

(4) استدراك عما أفاده: من أن إثارة الضغائن، أو عدم التمكن من الوصول الى المستغاب لا يكون دليلا على وجود مبرئ آخر و قد ذكر الاستدراك الشيخ في المتن.

18

أنك إن اغتبت فبلغ المغتاب فاستحل منه، و إن لم يبلغه فاستغفر اللّه له (1) و في رواية السكوني المروية في الكافي في باب الظلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): من ظلم أحدا ففاته فليستغفر اللّه له، فانه كفارة له (2).

و الانصاف (3) أن الأخبار الواردة في هذا الباب كلها غير نقية السند و أصالة البراءة تقتضي عدم وجوب الاستحلال و الاستغفار، و أصالة (4) بقاء الحق الثابت للمغتاب بالفتح على المغتاب بالكسر تقتضي عدم الخروج منه إلا بالاستحلال خاصة.

____________

(1) (مستدرك وسائل الشيعة). المجلد 2 ص 105. الحديث 19.

(2) (أصول الكافي). الجزء 2. ص 334. الحديث 2.

(3) من هنا يريد الشيخ أن يحقق حول ثبوت الحق في ذمة المستغيب، و عدمه.

و خلاصة ما أفاده: أن الأخبار المستفيضة التي ذكرت في ص 8- 9.

حول ثبوت الحق في ذمة المستغيب و استدل القائل بها كلها ضعيفة الاسناد لا تنهض دليلا على المدعى، فعليه لا مانع من الرجوع الى أصالة البراءة للشك في ثبوت الحق بمجرد الغيبة، و ليس في البين سوى الأخبار المستفيضة و هي ضعيفة الاسناد فلا يجب الاستحلال و الاستغفار.

و يعارض هذا الأصل أصل آخر و هو الاستصحاب فكل منهما يقتضي خلاف ما يقتضيه الآخر، فان أصالة البراءة تقتضي عدم اشتغال ذمة المستغيب لا بالاستحلال، و لا بالاستغفار.

و الاستصحاب يقتضي بقاء ذمة المستغيب على الحق، و اشتغالها به فلا بد في سقوطه من أحد الأمرين: الاستحلال، أو الاستغفار.

(4) المراد منه الاستصحاب كما عرفت آنفا.

19

لكن (1) المثبت لكون الغيبة حقا بمعنى وجوب البراءة منه ليس إلا الأخبار غير (2) نقية السند، مع (3) أن السند لو كان نقيا كانت الدلالة ضعيفة، لذكر حقوق أخري في الروايات: لا قائل بوجوب البراءة منها.

و معنى القضاء (4) يوم القيامة لذيها على من عليها: المعاملة معه

____________

(1) هذا اشكال على معارضة الاستصحاب للاصل الآخر.

و خلاصته: أن مدرك الاستصحاب هي الأخبار المستفيضة المذكورة و قد عرفت أنها مخدوشة الأسناد فليس له مقاومة لأصالة البراءة فلا يعارض البراءة.

(2) منصوب على الحالية للاخبار أي حال كون الأخبار غير نقية السند.

(3) اشكال ثان على عدم حجية الاستصحاب المذكور هنا.

و خلاصته: أنا لو تنازلنا عن الخدشة في الأسناد و قلنا بصحتها فلا دلالة للاخبار المذكورة على المدعى و هو وجوب الاستحلال، أو الاستغفار لوجود حقوق اخرى في روايات أخرى مع أنها لا تكون واجب الأداء فكذلك الاستحلال، أو الاستغفار الذي هو أحد الحقوق المذكورة لا يكون واجبا.

و قد اشير الى تلك الأخبار المتضمنة لتلك الحقوق في ص 9.

فتحصل من هذا الاشكال أن شيخنا الأنصاري يريد أن ينفي مقتضى الاستصحاب في المقام.

(4) أي معنى القضاء الوارد في الرواية المشار إليها في ص 10.

في قوله (عليه السلام): يقضى له و عليه: أن اللّه سبحانه و تعالى يعامل مع هذا المؤمن الذي لم يؤد حقوق الاخوة الدينية في حق أخيه معاملة-

20

معاملة (1) من لم يراع حقوق المؤمن، لا العقاب (2) عليها كما لا يخفى على من لاحظ الحقوق الثلاثين المذكورة في رواية الكراجكي (3).

فالقول بعدم كونه حقا للناس بمعنى وجوب البراءة نظير الحقوق المالية لا يخلو عن قوة، و ان كان الاحتياط في خلافه (4) بل لا يخلو (5)

____________

المؤمن الذي لم يراع حقوق الاخوة أصلا فلم يعطه درجة من راعى الحقوق و التزم بها و أدّاها.

و ليس معنى القضاء: أن من لم يراع حقوق الاخوة الاسلامية يعاقب يوم القيامة و يعذب عليها.

و الدليل على أن المراد من القضاء هي المعاملة المذكورة: ذكر الحقوق الاخرى الواردة في رواية الكراجكي التي اشير إليها في ص 9، فانها ليست واجبة الأداء حتى يعاقب عليها يوم الآخرة.

و مرجع الضمير في ذيها و عليها: الحقوق الواردة في الأخبار.

و المراد من كلمة ذي: صاحب الحقوق و هو المستغاب، و من كلمة من الموصولة المستغيب.

(1) خبر للمبتدإ المتقدم في قوله: و معنى القضاء.

(2) أي و ليس المراد من القضاء العقاب الاخروي كما عرفت.

(3) التي اشير إليها في ص 9.

(4) أي في خلاف القول بأن الغيبة ليست من قبيل الحقوق المالية حتى تجري فيها أصالة البراءة.

بل قول الحق أنها من الحقوق المالية التي لا بدّ فيها من الاستحلال أو الاستغفار.

(5) أي القول بكون الغيبة نظير الحقوق المالية لا يخلو عن قرب الى الواقع و الصواب.

21

عن قرب، من (1) جهة كثرة الأخبار الدالة على وجوب الاستبراء منها (2) بل (3) اعتبار سند بعضها.

و الأحوط الاستحلال إن تيسر (4)، و إلا الاستغفار غفر اللّه لمن اغتبناه و لمن اغتابنا بحق محمد و آله الطاهرين (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

[الثالث: فيما استثني من الغيبة، و حكم بجوازها بالمعنى الأعم.]

(الثالث) (5): فيما استثني من الغيبة، و حكم بجوازها بالمعنى الأعم.

____________

(1) تعليل لكون الاحتياط المذكور قريبا للواقع و الصواب.

(2) أي من الغيبة.

(3) هذا تعليل ثان لكون الاحتياط المذكور قريبا للواقع و الصواب و خلاصته: أن سند بعض الاخبار المستفيضة الدالة على وجوب الاستحلال معتبر: و هي الصحيفة السجادية، و دعاء يوم الاثنين منها اللتين اشير إليهما في ص 10- 11.

و انما أفاد هذا التعليل، لأنه (قدس سره) أفاد آنفا أن اسناد الأخبار المستفيضة ضعيفة فلا تنهض للمطلوب، بالإضافة الى عدم دلالتها على المدعى فهنا أراد أن يتدارك ذلك فقال: بل سند بعضها معتبر.

(4) بأن لا يترتب عليه مفسدة، أو كان ممكن الوصول الى المستغاب

(5) أي الأمر الثالث من الامور الباقية التي ذكرها المصنف في الجزء الثالث من المكاسب من طبعتنا الحديثة. ص 328 بقوله: و بقي امور.

ثم إن الاستثناء هنا حكمي لا موضوعي أي المستثنى خارج عن الغيبة حكما، فعليه يكون الاستثناء متصلا، لا منقطعا.

و المراد من الجواز هنا معناه الأعم و هو الوجوب، أو الاستحباب أو الكراهة، و ان كان لكل واحد منها مميز و فصل خاص، لكن تجتمع في معنى جامع و هو كونها سائغ الفعل، و هذا معنى الجواز بالمعنى الأول المعبر عنه بالراجح.

22

فاعلم أن المستفاد من الأخبار المتقدمة (1) و غيرها: أن حرمة الغيبة لأجل انتقاص المؤمن و تأذيه منه، فاذا فرض هناك مصلحة راجعة الى المغتاب

____________

- و في قبال الجواز الراجح بالمعنى الأعم المرجوح بالمعنى الأعم و هي الكراهة و الحرمة، و يجتمع الجواز بالمعنى الأعم، و المرجوح بالمعنى الأعم في الكراهة، حيث إنها حاوية للصفتين.

و للجواز بالمعنى الأعم أمثلة أليك تلك الأمثلة:

(الأول): الوجوب كما اذا توقف انقاذ نفس محترمة على غيبتها فتجب الغيبة حينئذ كما لو أراد الظالم قتل مؤمن محقون الدم فيأخذ المنقذ المتمكن من انقاذه في غيبته فيطعن فيه فيقول: انه مجنون مثلا حتى ينقذه من القتل.

(الثاني): الاستحباب كما اذا توقف انقاذ مال المؤمن على غيبة الآخذ فيشرع المنقذ بغيبته ليحفظ المال.

(الثالث): الاباحة و هو ما كان ذكره و تركه على السواء كما اذا كان شخص متجاهرا بالفسق فيجوز غيبته، و يجوز تركها اذا لم يكن في الغيبة و تركها مفسدة.

و يقال لهذا الثالث: الجواز بالمعنى الأخص أيضا كما يقال للثلاثة:

الراجح، و للحرام و المكروه المرجوح، اذ للمرجوح مرتبتان:

عليا: و هو الفعل المشتمل على المبغوضية الشديدة جدا فهذا يسمى بالحرام.

و دنيا و هو الفعل المشتمل على نوع من المبغوضية التي لم تبلغ الشدة و هذا يسمى بالمكروه.

(1) و هي الأخبار المذكورة في ص 310- 320 في الجزء 3 من المكاسب و المراد من غيرها الأخبار التي لم يذكرها الشيخ و قد ذكرت في مصادرها راجع نفس المصدر.

23

بالكسر، أو بالفتح، أو ثالث دل العقل، أو الشرع على كونها (1) أعظم من مصلحة احترام المؤمن بترك ذلك القول (2) فيه: وجب (3) كون الحكم على طبق أقوى المصلحتين (4) كما هو الحال في كل معصية من حقوق اللّه (5)، و حقوق الناس (6)،

____________

(1) أي المصلحة.

(2) و هي الغيبة، و الباء في بترك ذلك القول بيان لمصلحة احترام المؤمن أي مصلحة اغتياب المؤمن اعظم من مصلحة احترامه بترك الكلام البذي فيه اذا كان هناك دليل من الشرع، أو العقل يدل على ذلك

و جملة (دل العقل، أو الشرع) مرفوعة محلا نعت لقوله: مصلحة راجعة أي ليس كل مصلحة تجوز اغتياب المؤمن، بل المصلحة التي كانت من قبل الشارع، أو العقل السليم، فانه حينئذ يجب تقديم المصلحة الأقوى على الضعيف، لاندكاك الضعيف في القوي، و اضمحلاله فيه.

(3) جواب لاذا الشرطية في قوله: فاذا فرض، و قد عرفت معنى الوجوب آنفا.

(4) و هما: مصلحة اغتياب المؤمن عند وجود الدليل العقلي، أو الشرعي و مصلحة احترام المؤمن و هو ترك الكلام السيئ فيه.

(5) فانه اذا دار الأمر بين معصية صغيرة، و معصية كبيرة من معاصي اللّه عز و جل في مقام الاجبار و الاكراه تقدم المعصية الصغيرة على الكبيرة كدوران الأمر بين تقبيل المرأة الأجنبية. و بين وطئها، فان التقبيل مقدم على الوطء، لاندكاك الضعيف في القوي.

و قد تقدم بيان ذلك في الجزء 3 من المكاسب من طبعتنا الحديثة في ص 317 فراجع.

(6) كما لو اجبر الانسان على سرقة مال زيد بين القليل و الكثير-

24

و قد نبه عليه (1) غير واحد.

قال (2) في جامع المقاصد بعد ما تقدم عنه في تعريف الغيبة (3):

إن ضابط الغيبة المحرمة كل فعل يقصد به هتك عرض المؤمن، أو التفكه به (4)، أو اضحاك الناس منه (5).

و أما ما كان لغرض صحيح فلا يحرم كنصح المستشير (6)، و التظلم (7)

____________

- فلا شك في تقديم القليل على الكثير، لاندكاك الضعيف في جنب القوي.

و هذه قاعدة عقلية و شرعية عند دوران مثل هذه الامور.

(1) أي على تقديم المصلحة القوية على المصلحة الضعيفة كثير من (علمائنا الامامية).

و المراد من غير واحد الكثير.

(2) من هنا يشرع (الشيخ) في ذكر أقوال العلماء في تقديم المصلحة القوية على الضعيفة فقال: قال في (جامع المقاصد)، فقول جامع المقاصد أول الأقوال.

(3) عند قوله في الجزء الثالث من المكاسب من طبعتنا الحديثة في ص 330: إن حد الغيبة على ما في الأخبار أن تقول في أخيك:

ما يكرهه لو سمعه مما هو فيه.

(4) أي بعرضه.

(5) كلمة من هنا بمعنى على أي إضحاك الناس على اخيه المؤمن بواسطة الكلمات المضحكة.

(6) كما لو استشار زيد شخصا في مصاحبة عمرو، أو التجارة معه أو المصاهرة، أو غير ذلك من الامور الدنيوية.

(7) و هي الشكاية عند الآخر ليعرف الظالم، يقال: تظلم زيد عند عمرو أي شكا عنده.

25

و سماعه (1)، و الجرح و التعديل (2)، ورد من ادعى نسبا ليس له (3) و القدح في مقالة باطلة (4) خصوصا في الدين. انتهى (5).

و في كشف الريبة (6) اعلم أن المرخص في ذكر مساوي الغير غرض صحيح لا يمكن التوصل إليه الا بها. انتهى (7).

____________

(1) أي و سماع التظلم.

(2) لا معنى لذكر التعديل هنا، لأن الكلام في الغيبة و التعديل لا ينسجم معها و إنما جاء به لاجل بيان المراد من الجرح أي المراد من الجرح هو جرح الشاهد من طرف الخصم، أو جرح رواة الحديث عند المحدثين.

(3) كمن يدعي انتماءه الى علي أمير المؤمنين، أو أحد أولاده المعصومين (عليهم صلوات اللّه و سلامه) و هو ليس منهم.

أو يدعي نسبا ليرث منهم و هو ليس منهم، فانه يجوز غيبة مثل هذا الرجل بالقدح فيه حتى يعرفه الناس.

و لا يخفى أن الظاهر جواز غيبته في خصوص دعواه هذه، لا مطلقا.

(4) المراد من القدح في مقالة باطلة هو القدح في شخص المدعي لتلك المقالة بأن تنسب إليه الأفاعيل و الأكاذيب حتى يسقط في المجتمع و لا تميل إليه القلوب ليشق عصى المسلمين، فهذا يجوز غيبته بشتى الوسائل لكونه خطرا على الامة المسلمة.

(5) أي ما أفاده صاحب جامع المقاصد في هذا المقام.

(6) هذا ثاني الأقوال في تقديم المصلحة القوية على المصلحة الضعيفة.

(7) أي ما في كشف الريبة.

راجع المصدر. ص 41. مطبعة النعمان عام 1382. النجف الأشرف.

26

و على هذا (1) فموارد الاستثناء لا تنحصر في عدد.

[الظاهر استثناء موضعين لجواز الغيبة من دون مصلحة.]

نعم الظاهر استثناء موضعين لجواز الغيبة من دون مصلحة.

[أحدهما: ما اذا كان المغتاب متجاهرا بالفسق]

(أحدهما): ما اذا كان المغتاب متجاهرا بالفسق، فان من لم يبال بظهور فسقه بين الناس لا يكره ذكره بالفسق.

نعم لو كان (2) في مقام ذمه كرهه (3) من حيث المذمة، لكن المذمة على الفسق المتجاهر به لا تحرم كما لا يحرم لعنه.

و قد تقدم عن الصحاح اخذ المستور في المغتاب (4).

و قد ورد في الأخبار المستفيضة جواز غيبة المتجاهر.

منها: قوله (عليه السلام) في رواية هارون بن الجهم: اذا جاهر الفاسق

____________

(1) أي بناء على أن الغرض الصحيح الشرعي هو المجوز لترخيص الغيبة و هو الملاك و المناط فلا تنحصر مواردها في عشرة مواضع كما ذكرها الفقهاء، فأينما وجد جازت الغيبة.

(2) أي المستغيب لو كان في مقام ذم المستغاب.

(3) جواب للو الشرطية، و الفاعل في كرهه المستغاب.

و لا يخفى أنه يوجد أشخاص على وجه البسيطة لا يكرهون حتى هذا النوع من الذم، لسلب الغيرة، و كل صفة انسانية عنهم و قد بلغوا في ذلك أردأ المراتب و أرذلها.

(4) أي في تعريف الغيبة، حيث قال في ص 332 من الجزء الثالث من طبعتنا الحديثة: الغيبة أن يتكلم خلف انسان مستور بما يغمه لو سمعه فالمتجاهر بالفسق ليس له ستار حتى يهتك، فبمقتضى هذا التعريف لا يكون للمتجاهر غيبة أصلا فخروجه عنها خروج موضوعي فالاستثناء منقطع.

27

بفسقه فلا حرمة له و لا غيبة (1).

و قوله (عليه السلام): من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له (2).

و رواية أبي البختري: ثلاثة ليس لهم حرمة: صاحب هوى مبتدع و الامام الجائر. و الفاسق المعلن بفسقه (3).

و مفهوم قوله (عليه السلام): من عامل الناس فلم يظلمهم، و حدثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروته، و ظهرت عدالته و وجبت اخوته، و حرمت غيبته (4).

و في صحيحة ابي ابن يعفور الواردة في بيان العدالة بعد تعريف العدالة أن الدليل على ذلك أن يكون ساترا لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين

____________

(1) (وسائل الشيعة). الجزء 8. ص 604- 605. الباب 154 من أبواب أحكام العشرة. الحديث 4.

(2) (بحار الأنوار) الجزء 75. ص 260. الحديث 59.

(3) نفس المصدر. ص 253. الحديث 33، و في المصدر المعلن الفسق.

(4) (وسائل الشيعة). الجزء 8. ص 597. الباب 152 من أبواب العشرة. الحديث 2.

فان مفهوم لم يظلمهم هو الظلم، و مفهوم و من حدثهم فلم يكذبهم هو الكذب، و مفهوم و وعدهم فلم يخلفهم هو الخلف فاذا وصف الرجل بهذه المفاهيم فقد جازت غيبته، لعدم عدالته و مروته بهذه الصفات.

و لا يخفى أن الصفات المذكورة لا تخص المتجاهر فلو كان الشخص يظلم في الخفاء، أو يكذب: أو لا يفي بما وعد و اطلع على هذه الأعمال الآخرون جازت غيبته لهم بمقتضى اطلاق الرواية.

28

تفتيش ما وراء ذلك من عثراته (1): دل على ترتب حرمة التفتيش على كون الرجل ساترا فتنتفي (2) عند انتفائه.

و مفهوم قوله (عليه السلام) في رواية علقمة المحكية عن المحاسن:

من لم تره بعينك يرتكب ذنبا و لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة و الستر، و شهادته مقبولة و ان كان في نفسه مذنبا، و من اغتابه بما فيه فهو خارج عن ولاية اللّه تعالى، داخل في ولاية الشيطان الى آخر الخبر (3): دل (4) على ترتب حرمة الاغتياب، و قبول الشهادة: على كونه من أهل الستر، و كونه (5) من أهل العدالة على طريق اللف و النشر (6)

____________

(1) راجع (من لا يحضره الفقيه). الجزء 3. ص 24. باب العدالة. الحديث 1.

(2) أي تنتفي حرمة التفتيش عند ما لا يكون الرجل ساترا للمعاصي:

بأن كان متجاهرا بها.

(3) (وسائل الشيعة). الجزء 8. ص 601- 602. الباب 152 من أبواب العشرة. الحديث 20.

فمفهوم إن لم تره بعينك يرتكب ذنبا: ان رأته عينك يرتكب ذنبا.

و مفهوم إن لم يشهد شاهدان على الذنب فهو من أهل العدالة و الستر فشهادته مقبولة: إن شهد عندك شاهدان على ذنب زيد فليس من أهل العدالة و الستر، و شهادته مردودة.

(4) جملة دل مرفوعة محلا خبر للمبتدإ المتقدم في قوله: و مفهوم أي مفهوم هذا الخبر دل على أن المرتكب بالذنب اذا رأته عينك.

(5) بالجر عطفا على مجرور على في قوله: على كونه.

(6) أي اللف و النشر المشوش، حيث إن الامام (عليه السلام) قدم أهل العدالة على أهل الستر و كان المناسب تقديم أهل الستر على أهل العدالة-

29

أو على اشتراط الكل (1): بكون الرجل غير مرئي منه المعصية، و لا مشهود عليه بها.

و مقتضى المفهوم (2) جواز الاغتياب مع عدم الشرط خرج منه (3) غير المتجاهر.

و كون (4) قوله: من اغتابه الى آخره جملة مستأنفة غير معطوفة على الجزاء خلاف الظاهر.

ثم إن مقتضى اطلاق الروايات (5) جواز غيبة المتجاهر فيما تجاهر به

____________

- لأنه يقصد من جملة من لم تره بعينك يرتكب ذنبا: أن الرجل يكون متسترا في هذه الحالة.

و يقصد من جملة و لم يشهد عليه شاهدان: أن الرجل حينئذ يكون عادلا، فيكون هذا النوع من الكلام من قسم اللف و النشر المشوش.

(1) و هما: عدم رؤية العين، و عدم شهادة الشاهدين على الذنب كما أفادهما الشيخ بقوله: بكون الرجل غير مرئي منه المعصية، و لا مشهود عليه.

(2) أي مقتضى مفهوم اشتراط الوصفين المذكورين آنفا المعبر عنهما باشتراط الكل: أنه يجوز غيبة من رأته العين و شهد على الذنب شاهدان لأنه خارج عن تحت عدم جواز غيبة المؤمن.

(3) أي خرج من هذا الجواز غير المتجاهر بالفسق و المعلن به، فانه لا تجوز غيبته.

(4) أي إن قيل: إن جملة و من اغتابه إلى آخرها الواردة في رواية علقمة مستقلة لا ربط لها بالجمل السابقة في الرواية.

فانه يقال: إن هذا خلاف الظاهر، حيث ان الظاهر أنها معطوفة على سابقتها و هو الجزاء.

(5) أي مقتضى الأخبار التي اشير إليها آنفا: أن المتجاهر بالفسق-

30

و لو مع عدم قصد غرض صحيح، و لم أجد من قال باعتبار قصد الغرض الصحيح و هو ارتداعه عن المنكر.

نعم تقدم عن الشهيد الثاني (1) احتمال اعتبار قصد النهي عن المنكر في جواز سب المتجاهر، مع اعترافه (2) بأن ظاهر النص و الفتوى عدمه.

و هل يجوز اغتياب المتجاهر في غير ما تجاهر به صرح الشهيد الثاني و غيره بعدم الجواز، و حكي عن الشهيد (3) أيضا.

و ظاهر الروايات (4) النافية لاحترام المتجاهر و غير الساتر هو الجواز

____________

- تجوز غيبته في الفسق الذي يتجاهر به و لو لم يكن للمستغيب غرض صحيح و هو ارتداع المتجاهر عن فسقه، و مفهومه عدم جواز غيبته فيما لم يتجاهر به.

(1) في ص 13 من الجزء الثالث من طبعتنا الحديثة عند قوله: و هل يعتبر في جواز سبه؟

(2) أي مع اعتراف (الشهيد الثاني) بأن ظاهر النص و هي الأخبار الواردة في جواز غيبة المتجاهر بالفسق التي ذكرت في ص 27- 28 مطلقة ليست مقيدة بقصد الارتداع.

و كذا فتاوى العلماء الصادرة بجواز غيبة المتجاهر بالفسق مطلقة ليست مقيدة بقصد الارتداع.

(3) أي (الشهيد الأول) أنه لا يجوز غيبة المتجاهر بالفسق في غير ما تجاهر به.

(4) و هي التي ذكرت في ص 27 تصرح بالجواز مطلقا سواء أ كانت الغيبة فيما تجاهر به أم لا، فان كلمة لا في قوله (عليه السلام) في ص 27: الفاسق بفسقه فلا حرمة و لا غيبة له: تنفي الطبيعة أي طبيعة الغيبة، و طبيعة الاحترام، حيث انها موضوعة لنفي الجنس و الماهية.

31

و استظهره (1) في الحدائق من كلام جملة من الأعلام، و صرح به (2) بعض الأساطين.

و ينبغي الحاق ما يتستر به بما يتجاهر فيه (3) اذا كان دونه في القبح فمن تجاهر باللواط العياذ باللّه جاز اغتيابه بالتعرض (4) للنساء الأجنبيات.

و من تجاهر بقطع الطرق جاز اغتيابه بالسرقة.

و من تجاهر بكونه جلاد السلطان يقتل الناس و ينكلهم (5) جاز اغتيابه بشرب الخمر.

____________

(1) أي جواز غيبة المتجاهر مطلقا.

(2) أي بجواز غيبة المتجاهر مطلقا.

(3) أي و ينبغي الحاق الذنب المستور بالذنب المتجاهر به في جواز الغيبة اذا كان الذنب المستور أقل قبحا من الذنب المتجاهر به.

و لعل دليل الشيخ على الالحاق: الأولوية، لأنه اذا جازت غيبة المتجاهر في الذنب العظيم فبطريق أولى تجوز غيبته في الذنب الخفيف.

(4) ليس المقصود من جواز التعرض أن يقال في حقه: إنه يزني مثلا، بل المراد ما دون ذلك: بأن يقال في حقه: إنه ينظر الى النساء أو يتشبب بهن، أو يعاشرهن و هن كاشفات عاريات، و إلا فنسبة الزنا إليه موجبة لحد القذف فلا تجوز.

(5) في بعض نسخ الكتاب نكّل بالنون كما اثبتناه هنا، و في بعضها بالتاء، فعلى الاول من باب التفعيل معناه اصابة النازلة يقال: نكّل بزيد اي اصابته نازلة و حينئذ يحتاج الفعل الى الباء كما مثلنا لك.

اللهم إلا أن يكون نكّل بمعنى الصرف و الابعاد يقال: نكّله عن الشيء اي ابعده و صرفه عنه فلا يحتاج الى الباء.

و على الثاني يكون من باب الافتعال من اتكل يتكل و اصله اوتكل-

32

و من تجاهر بالقبائح المعروفة جاز اغتيابه بكل قبيح.

و لعل هذا (1) هو المراد بمن ألقى جلباب الحياء، لا من تجاهر بمعصية خاصة و عدّ مستورا بالنسبة الى غيرها كبعض عمال الظلمة (2).

ثم المراد بالمتجاهر من تجاهر بالقبيح بعنوان أنه قبيح، فلو تجاهر به مع اظهار محمل (3) له لا يعرف فساده إلا القليل كما اذا كان من عمال الظلمة و ادعى في ذلك عذرا (4) مخالفا للواقع، أو غير مسموع منه لم يعد متجاهرا.

____________

- و مضارعه يوتكل و المصدر اوتكال قلبت الواو الساكنة ياء ثم ابدلت الياء تاء فاجتمعت ياءان ادغمت الاولى في الثانية فصار اتكل، و معناه ايقاع الامر بهم.

(1) اي و لعل المتجاهر بالقبائح المعروفة هو المعني في قول الامام (عليه السلام): من القى جلباب الحياء فلا غيبة له المشار إليه في ص 27 كما في عصرنا الحاضر، حيث يتجاهرون بالمعاصي على رءوس الأشهاد و بمرأى و مسمع من الناس و قد القوا جلباب الحياء عن اساسه، و اراحوا أنفسهم عن كل قيد و كأنهم يقولون لا حساب و لا عقاب، و لا جنة و لا نار و هم يباهون بذلك و يفتخرون به.

(2) حيث كانوا يظلمون الناس جهارا، و يرتكبون المعاصي و القبائح خفاء.

(3) اي وجه صحيح للمعصية.

(4) بأن قال: اني انما اقدمت على ذلك لأدفع عن ظلامة المؤمنين فحينئذ لا يعد متجاهرا فلا تجوز غيبته.

33

نعم لو كان اعتذاره واضح الفساد (1) لم يخرج عن التجاهر.

و لو كان متجاهرا عند أهل بلده، أو محلته مستورا عند غيرهم هل يجوز ذكره عند غيرهم؟ ففيه اشكال.

من (2) امكان دعوى ظهور روايات المرخصة فيمن لا يستنكف عن الاطلاع على عمله مطلقا، فرب متجاهر في بلده متستر في بلاد الغربة أو في طريق الحج و الزيارة، لئلا (3) يقع عن عيون الناس.

و بالجملة فحيث كان الأصل (4) في المؤمن الاحترام على الاطلاق وجب الاقتصار على ما تيقن خروجه (5)، فالأحوط الاقتصار على ذكر المتجاهر بما لا يكرهه لو سمعه، و لا يستنكف من ظهوره للغير.

____________

(1) بأن يعلم عموم الناس كذب ما يدعيه المتجاهر كما اذا خالفت أفعاله أقواله.

(2) دليل لعدم جواز غيبة الرجل المستور في غير بلاده، لعدم شمول الروايات المذكورة في ص 26- 28 لها، لانها ظاهرة في المتجاهر الذي لا يتحاشى عن ظهور عيبه.

و هذا معنى قوله: لا يستنكف عن الاطلاع على عمله مطلقا.

(3) تعليل لكون الانسان يمكن ان يكون متسترا في بلاد الغربة أو في طريق الحج.

و المراد من كلمة يقع في قوله: لئلا يقع: السقوط اي لا يسقط.

(4) و هي العمومات الواردة في احترام المؤمن مالا و دما و عرضا.

و هذا معنى قوله: على الاطلاق.

(5) اي خروج العيب الذي يجوز اغتيابه من جميع الجهات.

34

نعم لو تأذى من ذمه بذلك (1) دون ظهوره لم يقدح في الجواز و لذا (2) جاز سبه بما لا يكون كذبا.

و هذا (3) هو الفارق بين السب و الغيبة، حيث إن مناط الأول المذمة و التنقيص فيجوز، و مناط الثاني اظهار عيوبه فلا يجوز إلا بمقدار الرخصة.

[الثاني: تظلم المظلوم و اظهار ما فعل به الظالم و ان كان متسترا به]

(الثاني) (4): تظلم المظلوم و اظهار ما فعل به الظالم و ان كان (5) متسترا به كما اذا ضربه في الليل (6) الماضي و شتمه، أو أخذ ماله

____________

(1) اي بذكر العيب، لكنه لا يأبى بظهور العيب، فالاذية هذه لا تقدح في جواز سب المتجاهر بالمعصية.

(2) اي و لا جل أن تأذي المتجاهر من ذكر عيبه المتجاهر به لا يقدح في جواز ذكره: جاز سبه بكلمات صادقة في حقه بأن يقال له: لا غيرة لك، لا شرف لك، لا حياء لك، لا ما اذا كانت الكلمات غير صادقة عليه

(3) اي تأذي المتجاهر من الذم بذكر عيبه، دون ظهور العيب هو الفارق بين السب و الغيبة، لأن مناط السب ادخال النقص عليه و ذمه فيجوز، و مناط الغيبة اظهار عيوب المتجاهر فلا يجوز إلا بمقدار الرخصة من الشارع، و موارد الرخصة محدودة معينة.

(4) اي الموضع الثاني من الموضعين الذين استثنيا من حرمة الغيبة من دون مصلحة: تظلم المظلوم، و المراد من التظلم هو شكوى المظلوم مما وقع عليه من الظلم من ظالم معين، أو غير معين عند ثالث.

(5) اي و ان كان الظالم الذي هو المستغاب متسترا في ظلمه.

(6) كان الأجدر أن يقول: في الليلة الماضية، حيث إن الجنس لا يمكن ارادته من الليل اذا استعمل مع الألف و اللام.

و العهد لا ينسجم، لأنه لم يتقدم منه ذكر.-

35

جاز ذكره (1) بذلك عند من لا يعلم ذلك منه، لظاهر قوله تعالى:

وَ لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولٰئِكَ مٰا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّٰاسَ وَ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ (2).

و قوله تعالى: لٰا يُحِبُّ اللّٰهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلّٰا مَنْ ظُلِمَ (3) فعلى تفسير القمي أنه لا يحب اللّه أن يجهر الرجل بالظلم و السوء و يظلم إلا من ظلم فقد اطلق له أن يعارضه بالظلم (4).

و عن تفسير العياشي عنه (عليه السلام) من أضاف قوما فأساء ضيافتهم فهو ممن ظلم فلا جناح عليهم فيما قالوا فيه (5).

____________

- ثم إنه لا يلزم أن يضربه ليلا، فانه من الممكن أن يضربه متسترا في داره نهارا، أو في مكان لا يراه احد.

(1) اي جاز ذكر الظالم بما فعله من الظلم عند ثالث و هو لا يعلم بالظلامة، أو لا يعلم أن زيدا متصف بالظلم.

(2) الشورى: الآية 41- 42.

الشاهد في الآية الثانية إنّما السبيل على الّذين يظلمون الناس حيث إنها تدل على ثبوت الحق للمظلوم على الظالم فيجوز له أن يسلك ايّ سبيل ضد ظالمه، و من جملة السبل الشكوى منه عند غيره.

(3) النساء: الآية 148.

الشاهد في الاستثناء و هو قوله تعالى: إلا من ظلم، حيث جوز الباري عز و جل للمظلوم أن يجهر بالسوء الذي وقع عليه و هو الظلم.

(4) راجع (تفسير القمي). الجزء الاول. ص 157 طباعة مطبعة النجف عام 1386.

و المراد من كلمة اطلق اجاز، و الفاعل في اطلق الباري عز و جل.

(5) (وسائل الشيعة) الجزء 8. ص 605 الحديث 6.-

36

و هذه الرواية و ان وجب توجيهها (1) إما بحمل الاساءة على ما يكون ظلما و هتكا لاحترامهم، أو بغير ذلك، إلا أنها دالة على عموم من ظلم في الآية الشريفة، و أن كل من ظلم فلا جناح عليه فيما قال في الظالم.

و نحوها (2) في وجوب التوجيه رواية اخرى في هذا المعنى محكية عن المجمع: أن الضيف ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته فلا جناح عليه

____________

- الظاهر ان المراد من قوله (عليه السلام). فلا جناح عليهم فيما قالوا فيه:

الشيء الذي يرجع الى خصوص الضيافة، لا مطلق القول.

(1) وجه احتياج الرواية الى التوجيه أن الاساءة لها مفهوم عام من جملتها اجلاس الضيف في مكان لا يليق به و بمقامه فلو اجلسه فيه فيا ترى أنه تجوز غيبته و الوقيعة فيه.

و قد ذكر الشيخ كيفية التوجيه باحد الامرين بقوله:

إما بحمل الاساءة على ما يكون ظلما كما لو سرق رب البيت من ضيفه مالا.

أو بغير ذلك كما لو استهزأ رب البيت بالضيف.

و لو لا التوجيه المذكور لاشكل التمسك بالرواية في جواز غيبة من أساء مع ضيفه بنحو العموم.

(2) اي و نحو هذه الرواية المشار إليها في ص 35 الرواية الواردة في (مجمع البيان). الجزء 3. ص 131. الآية 148.

و لا يخفى أن الرواية المذكورة في المصدر لا تحتاج الى التوجيه، حيث إن الامام (عليه السلام) يقول: فلا جناح عليه في أن يذكره بسوء ما فعله، اي الفعل الذي صنع به فهي مصرحة بتحديد ما يقوله المظلوم في حق الظالم، لا مطلقا، فالرواية هذه تقيد تلك الرواية المطلقة المشار إليها في ص 35 فيكون التقييد توجيها آخر للرواية.

37

في أن يذكره بسوء ما فعله.

و يؤيد الحكم (1) فيما نحن فيه: أن في منع المظلوم من هذا الّذي هو نوع من التشفي حرجا عظيما، و لأن (2) في تشريع الجواز مظنة ردع للظالم و هي مصلحة خالية عن مفسدة فيثبت الجواز، لأن الأحكام تابعة للمصالح (3).

و يؤيده (4) ما تقدم: من عدم الاحترام للامام الجائر، بناء على أن عدم

____________

(1) اي و يؤيد استثناء تظلم المظلوم عن حكم الغيبة: أن منع المظلوم عن اظهار تظلمه موجب للعسر و الحرج الّذين هما منفيان في الدين في قوله عز من قائل: «وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (1).

(2) هذا تعليل ثان لجواز تظلم المظلوم بغيبة الظالم.

و خلاصته أن حكمة تشريع جواز تظلم المظلوم بكل ما يقوله في حق الظالم احتمال ردع الظالم عن ظلمه و هذا النوع من الاحتمال فيه مصلحة تجوز و تبرر غيبة الظالم من قبل المظلوم.

و قد سبق في الجزء 3 من المكاسب من طبعتنا الحديثة في ص 13 في جواز غيبة المتجاهر بالفسق: تقييد بعض الفقهاء جواز غيبته بقصد الارتداع.

و المراد من الردع هنا الردع عن تكرر ظلم الظالم ثانيا بالنسبة الى المظلوم خاصة، أو الاعم منه و من الآخرين.

(3) بناء على (مذهب الامامية): من أن الأحكام كلها تابعة للمصالح و المفاسد التي موجودة في نفس المأمور به و المنهي عنه، و فائدة هذه المصالح ترجع الى نفس المكلف، كما ان أضرار المفاسد كلها ترجع الى المكلف أيضا

(4) اي و يؤيد استثناء جواز تظلم المظلوم بغيبة الظالم بكل ما يقوله-

____________

(1) الحج: الآية 78

38

احترامه من جهة جوره، لا من جهة تجاهره، و إلا لم يذكره في مقابل الفاسق المعلن بالفسق، و في النبوي: لصاحب الحق مقال (1).

و الظاهر (2) من جميع ما ذكر عدم تقييد جواز الغيبة بكونها عند

____________

- في حق الظالم: ما تقدم ص 27 عند قوله (عليه السلام): ثلاثة ليس لهم حرمة: صاحب هوى مبتدع و الامام الجائر، و الفاسق المعلن بفسقه فان استثناء الامام الجائر عن حرمة الغيبة انما كان لظلمه و جوره فيشمل تظلم المظلوم.

(1) (إحياء العلوم) الجزء 3. ص 152. طباعة المطبعة التجارية الكبرى بمصر.

(2) اي الظاهر من الآيات و الأخبار، و التعليلات و المؤيدات التي ذكرها الشيخ: عدم تقييد جواز غيبة الظالم عند من يرجى ازالة الظلم لأن الاستثناء الوارد في قوله تعالى: إلا من ظلم مطلق لا يختص بمن يرجى تدارك الظلامة، بل يجوز للمظلوم كشف ما ارتكبه الظالم عند من شاء و متى اراد.

و السر في ذلك: أن المظلوم باظهار ظلامته عند القاضي، أو عند أخيه المؤمن لعله يتمكن من اخذ حقه من الظالم إما بقهره من قبل المستمع أو نصحه و ارشاده، أو تهديده، أو بتدارك حقه و لو بعضا من الكل و لا اقل بتسليته بأن يقول المستمع للمظلوم: اصبر فان للظالم غدا يوما أشد من يومك هذا فسينتقم اللّه منه بالقريب العاجل.

فالعبارة هذه مما تقلل من اذى المظلوم من الظالم.

و هناك فائدة بدنية في جواز اظهار المظلوم ظلامته: و هو أن المظلوم لو لم يظهر ظلامته عند الآخرين لربما ابتلي بالآلام الجسمية، و الأمراض-

39

من يرجو ازالة الظلم عنه بسببه، و قواه بعض الأساطين، خلافا لكاشف الريبة (1)، و جمع (2) ممن تأخر عنه فقيدوه، اقتصارا (3) في مخالفة الأصل:

____________

- الروحية فباظهاره ظلامته يفرغ ما في قرارة نفسه فترتفع عنه عقده النفسية المسبّبة من ظلم الظالم.

هذا بالإضافة الى أن اظهار الظلامة يوجب حط مقام الظالم في المجتمع فيترتب عليه آثاره: من عدم الركون إليه، و سلب الاعتماد و الثقة عنه و الاجتناب منه.

اجل هكذا كان ديدن المسلمين القدامى عند ما يرون منكرا.

و من المؤسف جدا أن في عصرنا هذا الذي اصبح المنكر معروفا و المعروف منكرا حتى بلغ الامر منتهاه، و السيل زباه: يشجع الفاسق و يستقبل الشارب، و يعامل السارق، و يرحب الظالم.

(1) حيث قال فيه: فأما المظلوم من جهة القاضي. (اي صدور الظلم منه على المظلوم) فله أن يتظلم الى من يرجو منه إزالة ظلمه، و ينسب القاضي الى الظلم.

راجع (كشف الريبة) طباعة مطبعة النعمان. (النجف الاشرف) ص 41.

(2) اي و خلافا لجمع عن علمائنا المتأخرين، حيث قيدوا جواز غيبة المظلوم الظالم برجاء ازالة الظلم عنه، لا مطلقا حتى و لو لم يحتمل الازالة

(3) منصوب على المفعول لاجله اي تقييد المتأخرين الجواز برجاء ازالة الظلم عنه لاجل الاقتصار على اليقين المخالف للاصل، فان التكلم بالسوء خلف الغير خلاف الاصل الذي هي حرمة عرض المؤمن نفسا و مالا و ما يمس كرامته فيقتصر على القدر المتيقن و هو رجاء ازالة الظلم

40

على المتيقن من الأدلة، لعدم (1) عموم في الآية، و عدم (2) نهوض ما تقدم في تفسيرها للحجية، مع (3) أن المروي عن الامام الباقر (عليه السلام)

____________

(1) تعليل للاقتصار المذكور.

و خلاصته أن آية وَ لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولٰئِكَ مٰا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ.

و آيه لٰا يُحِبُّ اللّٰهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلّٰا مَنْ ظُلِمَ: لا تدلان على عموم الشكوى حتى عند من لا يرجى منه ازالة الظلامة.

و لا يخفى أن الآيتين الكريمتين مطلقتان من هذه الناحية فلا إشعار فيهما على الاقتصار المذكور فتشملان الشكوى حتى عند من لا يرجى منه ازالة الظلامة و التدارك، لأن الاطلاق كالعموم في الشمول الأفرادي، غير أن الشمول فيه بمقدمات الحكمة: و هو كون المتكلم في مقام البيان، لا الاجمال و الاهمال، و عدم نصب قرينة من المتكلم على خلاف الاطلاق، و عدم وجود قدر متيقن في البين فاذا تمت المقدمات حصلت النتيجة و هو الاطلاق و فيما نحن فيه المقدمات حاصلة بتمامها.

(2) تعليل ثان للاقتصار المذكور.

و خلاصته أن ما ورد في تفسير الآيتين عن القمي و العياشي أيضا لا يدل على العموم.

أما ما جاء عن القمي في تفسير آية لٰا يُحِبُّ اللّٰهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلّٰا مَنْ ظُلِمَ فليس بمعلوم الورود عن المعصوم (عليه السلام)

و أما ما جاء عن العياشي في تفسير آية إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّٰاسَ وَ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ فغير معتبر السند.

(3) هذا ترق من (الشهيد الثاني) في كشف الريبة لمدعاه و هو الاقتصار المذكور.-

41

في تفسيرها المحكي عن مجمع البيان: أنه لا يحب اللّه الشتم في الانتصار إلا من ظلم فلا بأس له أن ينتصر ممن ظلمه بما يجوز الانتصار به في الدين

قال (1) في الكتاب المذكور: و نظيره وَ انْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مٰا ظُلِمُوا

____________

- و خلاصته أن صاحب (مجمع البيان) افاد فيه أن المروي عن (الامام الباقر) (عليه السلام) في تفسير آية لٰا يُحِبُّ اللّٰهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلّٰا مَنْ ظُلِمَ: أنه لا بأس لمن ظلم أن ينتصر ممن ظلمه بالشيء الذي يجوز الانتصار به في الدين اي بالكلمات التى يجوز ان يتلفظ بها شرعا، لا بالكلمات التي لا يجوز التكلم بها شرعا كأن يقول له: يا زاني يا شارب، فانها موجبة لحد القذف.

(1) و قال صاحب (مجمع البيان) نظير هذا قوله تعالى: (وَ انْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مٰا ظُلِمُوا).

راجع (مجمع البيان) الجزء 3. ص 131 طباعة (طهران) عام 1382 هذا ما افاده (الشهيد الثاني) حول الاقتصار المذكور في الترقي.

و انت خبير بعدم ربط التفسير المذكور بما نحن فيه ابدا، اذ أي ربط للانتصار بما ورد في الدين مع شكوى المظلوم عن الظالم عند الغير سواء تتدارك ظلامته أم لا.

و العجب من (الشهيد و شيخنا الأنصاري) كيف غفلا عن هذه النقطة المهمة.

ثم لا يخفى عليك أن الآيات لا تدل على الاقتصار المذكور، بل تدل على الاطلاق كما عرفت، فالذي يدل على الاقتصار هو الاصل العقلائي الأولي: و هو احترام المؤمن بما له من المال و الدم و العرض، و لذا قال الشيخ: و ما بعد الآية لا يصلح للخروج بها عن الاصل الثابت المقرر

42

و ما بعد (1) الآية لا يصلح للخروج بها عن الاصل الثابت بالأدلة العقلية و النقلية (2)، و مقتضاه الاقتصار على مورد رجاء تدارك الظلم فلو لم يكن قابلا للتدارك لم تكن فائدة في هتك الظالم.

و كذا لو لم يكن ما فعل به ظلما، بل كان من ترك الأولى و ان كان يظهر من بعض الأخبار جواز الاشتكاء لذلك فعن الكافي، و التهذيب بسندهما عن حماد بن عثمان قال: دخل رجل على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فشكا إليه رجلا من أصحابه فلم يلبث أن جاء المشكو فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ما لفلان يشكوك؟ فقال له: يشكوني أني استقضيت منه حقي قال: فجلس أبو عبد اللّه (عليه السلام) مغضبا، ثم قال: فقال:

كأنك اذا استقضيت حقك لم تسىء.

____________

(1) من هنا كلام (الشيخ الأنصاري) يقصد به الاقتصار على مورد يتدارك فيه الظلامة.

و المراد من بعد الآية المؤيدات التى ذكرها الشيخ بقوله: و يؤيد الحكم و يؤيده و خلاصة مقصوده: أن كل ما ذكرنا من المؤيدات للآيات الدالة على جواز تظلم المظلوم عند الغير و لو لم يتدارك ظلامته: لا يصلح لرفع اليد عن الاصل الاصيل الثابت المسلم و هو حكم العقل باحترام المؤمن دما و مالا و عرضا فالآيات و ما ذكر لها من المؤيدات لا تصير سببا للخروج عن هذا الاصل الثابت بالأدلة العقلية و النقلية، فعليه لا بدّ من الاقتصار في جواز غيبة الظالم: على مورد يتدارك فيه الظلامة.

(2) المراد من الأدلة العقلية هو حكم العقل بقبح الظلم و لا شك أن التظلم عند الغير و لو لم يتدارك ظلامته ظلم في حق الظالم.

و من الأدلة النقلية هي الأخبار المتقدمة، و الآيات الكريمة الدالة على عدم جواز تظلم المظلوم عند من لا يرجى منه تدارك ظلامته.

43

أ رأيت ما حكى اللّه عز و جل في كتابه: و يخافون سوء الحساب (1) أ ترى أنهم (2) خافوا اللّه عز و جل أن يجور عليهم، لا و اللّه ما خافوا إلا الاستقضاء (3) فسماه اللّه عز و جل سوء الحساب، فمن استقضى فقد أساء (4).

و مرسلة ثعلبة بن ميمون المروية عن الكافي قال: كان عنده قوم يحدثهم اذ ذكر رجل منهم رجلا فوقع (5) فيه و شكاه.

فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): و أنّى لك باخيك الكامل و أي الرجال المهذب (6)،

____________

(1) الرعد: الآية 20.

(2) اى المؤمنون الذين وصفهم اللّه عز و جل في كتابه العزيز في قوله: و يخافون.

(3) مصدر باب الاستفعال من استقضى يستقضي معناه: طلب الحق

(4) (فروع الكافي) الجزء. 5 ص 100- 101.

باب آداب اقتضاء الدين. الحديث 1.

(5) بفتح العين و القاف وزان حضر يحضر معناه هنا الاغتياب.

(6) المصدر السابق. الجزء 2. ص 651. باب الاغضاء. الحديث.

و أي الرجال المهذّب بعض شطر بيت تمامه:

و لست بمستبق أخا لا تلمّه * * * على شعث اي الرجال المهذّب

و البيت من قصيدة (للنابغة الذبياني) يعتذر بها من (النعمان بن المنذر) ملك الحيرة عند ما سعى إليه بعض الوشاة في حقه: بأنه هجاه.

و مطلع القصيدة هكذا:

فلا تتركنّي بالوعيد كأنني * * * الى الناس مطلي به القار اجرب

44

فان (1) الظاهر من الجواب أن الشكوى انما كانت من ترك الأولى الذي لا يليق بالأخ الكامل المهذّب.

و مع ذلك (2) كله فالأحوط عد هذه الصورة من الصور العشر

____________

و الى هذا المعنى يشير الشاعر:

إن تجد ذنبا فسدّ الخللا * * * جلّ من لا عيب فيه و علا

و لا يخفى أن الامام (عليه السلام) في مقام إعطاء درس كامل للانسان عن كيفية معاشرته مع أصدقائه في حياته المؤقتة: بأن يغض النظر عن زلات الإخوان و الأصدقاء، فان من اراد صديقا بلا عيب بقي بلا صديق.

(1) تعليل لجواز اشتكاء المظلوم عند الغير لترك الأولى.

و خلاصته أن جواب الامام (عليه السلام): و أنّى لك باخيك الكامل و أي الرجال المهذب ظاهر في كون شكوى الرجل عنده كانت لأجل ترك الأولى.

(2) خلاصة هذا الكلام: أنه بناء على عدم دلالة آية لا يحب اللّه الجهر بالسوء من القول على جواز عموم شكوى المظلوم عند الغير و لو لم تتدارك ظلامته: فلو اشتكى المظلوم عند الغير لترك الأولى و قلنا بجواز ذلك لرواية حماد بن عيسى، و مرسلة ثعلبة بن ميمون على ذلك: فالأحوط أن يكون جواز مثل هذه الشكوى لاجل وجود غرض صحيح أقوى من مصلحة احترام المؤمن.

بعبارة اخرى أن المنشأ في خروج تلك الصور العشر المستثناة عن الغيبة هو المنشأ لخروج هذه الصورة عنها، و المنشأ هو الغرض الصحيح الشرعي الذي هو اهم من غرض احترام المؤمن فيكون حينئذ خروجها عنها خروجا حكميا لا موضوعيا.-

45

الآتية التي رخص فيها في الغيبة لغرض صحيح أقوى من مصلحة احترام المغتاب.

كما أن الأحوط جعل الصورة السابقة (1) خارجة عن موضوع الغيبة بذكر المتجاهر بما لا يكره نسبته إليه من الفسق المتجاهر به، و ان جعلها (2) من تعرض لصور الاستثناء منها.

[فيبقى من موارد الرخصة لمزاحمة الغرض الأهم صور تعرضوا لها]

فيبقى (3) من موارد الرخصة لمزاحمة الغرض الأهم صور تعرضوا لها

[منها: نصح المستشير]

(منها) (4): نصح المستشير، فان النصيحة واجبة للمستشير فان خيانته قد تكون أقوى مفسدة من الوقوع في المغتاب.

____________

(1) و هي صورة تجاهر الانسان بالذنب و المعصية، فان خروجها عن الغيبة خروج موضوعي لا حكمي، لأن المتجاهر بالفسق لا غيبة له لا حرمة له كما علمت في ص 27 أن لا النافية تنفي طبيعة الغيبة طبيعة الاحترام، فلا يحتاج في خروجه عن الغيبة الى وجود غرض صحيح شرعي اهم من مصلحة احترام المؤمن.

(2) اي و ان جعل بعض الفقهاء خروج المتجاهر بالفسق عن الغيبة خروجا حكميا بأن كان داخلا فيها ثم خرج عند ما تعرض للصور المستثناة عن الغيبة.

(3) من هنا يريد الشيخ أن يشرع في الموارد المستثناة من الغيبة فاخذ في عدها واحدة واحدة و قد أنهاها الى عشر صور، و جعل الملاك في خروجها وجود مصلحة فيها اقوى من مصلحة احترام المؤمن فيكون الملاك بمنزلة كبرى كلية تنطبق على صغرياتها عند ما وجدت، فعليه لا تنحصر الموارد في عشر صور.

(4) اي من تلك الموارد المرخصة في الغيبة: نصح المستشير.

هذه هي الصورة الاولى من الصور العشر.-

46

و كذلك النصح (1) من غير استشارة، فان من أراد تزوج امرأة و انت تعلم بقبائحها التي توجب وقوع الرجل من أجلها في الغيبة و الفساد فلا ريب أن التنبيه على بعضها و ان أوجب الوقيعة فيها (2) أولى من ترك نصح المؤمن، مع ظهور عدة من الأخبار في وجوبه (3).

[منها: الاستفتاء]

(و منها) (4): الاستفتاء بأن يقول للمفتي: ظلمني فلان حقي

____________

- ثم ان استثناء نصح المستشير عن حرمة الغيبة ليس على اطلاقه كما يستفاد من كلمات الأصحاب، لعدم اطراد التعليل المذكور في استثنائه في كل مورد، فلرب شخصية تكون اهم من شخصية المستشير، اذ ليس كل مصلحة تجوّز الوقيعة في الناس كما اذا كانت تافهة فلا بد من ملاحظة الأهم و المهم.

(1) اي يستثنى من عدم جواز الغيبة: النصح من دون استشارة كما لو راى أخاه المؤمن يريد التورط في زواج أو سفر، أو شركة أو زمالة أو حضور درس عند شخص ليس فيه صلاح فينصحه في هذه الموارد و يبين له عواقب امره، و ان استلزم الغيبة مع القيد الذي ذكرناه: و هو اذا لم يمكن نصح المستشير بغير الغيبة.

(2) اي في المرأة التي يريد الرجل تزوجها.

(3) اي في وجوب نصح المؤمن.

و لا يخفى أن القدر المتيقن من وجوب النصح: نصح المؤمن المستشير لا مطلقا و ان لم يكن في مقام الاستشارة.

نعم يجب النصح في بعض الموارد كما لو يؤول امر زيد الى التهلكة لو تركت النصيحة في حقه.

(4) اي و من تلك الموارد المستثناة لاجل الغرض الصحيح الشرعي:

الاستفتاء.-

47

فكيف طريقي في الخلاص.

هذا (1) اذا كان الاستفتاء موقوفا على ذكر الظالم بالخصوص و إلا (2) فلا يجوز.

و يمكن الاستدلال عليه (3) بحكاية هند زوجة أبي سفيان، و اشتكائها الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و قولها: إنه رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني و ولدي (4) فلم يرد (صلى اللّه عليه و آله) عليها غيبة أبي سفيان.

____________

- هذه ثانية الموارد المستثناة.

(1) اي جواز الغيبة عند الاستفتاء مقيد بذكر الشخص الظالم بالخصوص بأن يقول: ظلمني زيد.

(2) اي و ان لم يكن الاستفتاء موقوفا على ذكر الظالم بالخصوص، بل يكفي ذكره على نحو العموم كأن يقول المستفتي: ظلمني فلان فلا يجوز للمستفتي غيبة الشخص المعين.

ثم إن افاد هذا العموم فيها، و إلا فيضيق المستفتي دائرة الغيبة شيئا فشيئا حتى تصل النوبة الى شخص الظالم: بأن يقول: شخص من أهالي المدينة ظلمني، فان افاد فهو، و إلا فيقول: رجل من خبازي المدينة ظلمني، فان افاد فهو، و إلا فيقول: من خبازي الشارع الفلاني فان افاد فبها، و إلا فيذكر اسمه بشخصه و عنوانه.

(3) اي على جواز الغيبة في الاستفتاء.

(4) الحديث هذا مروي عن طرق (اخواننا السنة).

راجع طبقات (ابن سعد) الجزء 9. ص 172.

و عن طرقنا راجع (مجمع البيان) الجزء 9. ص 276.

و (بحار الأنوار) الجزء 21. ص 98.

48

و لو نوقش في هذا الاستدلال (1) بخروج غيبة أبي سفيان عن محل الكلام: أمكن الاستدلال بصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

قال: جاء رجل الى النبي (صلى اللّه عليه و آله) فقال: إن امي لا تدفع يد لامس (2).

فقال: احبسها، قال: قد فعلت، فقال (صلى اللّه عليه و آله):

فامنع من يدخل عليها، قال: قد فعلت، قال (صلى اللّه عليه و آله):

فقيدها (3)، فانك لا تبرّها بشيء أفضل من أن تمنعها عن محارم اللّه عز و جل الى آخر الخبر (4).

____________

(1) و هي شكاية هند زوجة ابي سفيان، حيث إن غيبته خارجة عما نحن فيه: و هي حرمة غيبة المؤمن، لأنه متى آمن حتى يقال:

لا تجوز غيبته.

أ ليس هو القائل كلمته الخالدة ببقاء الدهر و التي خرجت عن نياط قلبه، و صميم عقيدته و المنبئة عن غرائزه النفسية:

(فو الذي يحلف به ابو سفيان ما من جنة و لا نار).

فيكون خروج ابي سفيان عن حرمة الغيبة خروجا موضوعيا فلا يصح الاستشهاد بالرواية.

(2) كناية عن ان أمه تزني و لا ترد من يطلب منها الفعل الشنيع.

(3) اي اجعل القيد في رجليها حتّى لا تتمكن من الخروج عن البيت و يحتمل أن يراد عدم استطاعتها من تمكين نفسها لمن يروم العمل معها و المراد من البر الاحسان.

(4) (من لا يحضره الفقيه). الجزء 4. ص 51. الحديث 6.

وجه الاستدلال بالحديث: أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لم يمنع-

49

و احتمال (1) كونها متجاهرة مدفوع (2) بالأصل.

[منها: قصد ردع المغتاب عن المنكر الذي يفعله]

(و منها) (3): قصد ردع المغتاب عن المنكر الذي يفعله، فإنه أولى من ستر المنكر عليه فهو في الحقيقة احسان في حقه، مضافا (4) الى عموم أدلة النهي عن المنكر.

____________

الولد عن غيبة أمه فعدم منعه يدل على جواز الغيبة في الاستفتاء.

(1) دفع وهم حاصل الوهم: أن عدم ردع (الرسول الأعظم) (صلى اللّه عليه و آله) الولد عن غيبة أمه إنما كان لتجاهرها بالفسق و هو الزنا

و قد عرفت في ص 26: أنه يجوز غيبة المتجاهر بالفسق.

(2) جواب عن الوهم المذكور.

و خلاصته: أن الوهم مدفوع بالاصل الذي هو حمل فعل المسلم على الصحة، لأن هذه المرأة و ان كانت فاسقة بفعلها الشنيع، إلا أنها ليست متجاهرة به، للشك في ذلك.

و يحتمل أن يراد من الاصل الاستصحاب الازلي بمعنى أنها قبل تلبسها بالفسق لم تكن متجاهرة، و في زمان تلبسها به نشك في تجاهرها به فنستصحب عدمه.

(3) اي و من الصور العشر المرخصة لجواز الغيبة لمزاحمة غرض اهم مع مصلحة احترام المؤمن: قصد ردع المغتاب.

هذه ثالثة الموارد المستثناة.

ينبغي أن تقيد هذه الصورة: بعدم إجزاء طرق اخرى في ردعه:

من النصيحة و التهديد، و أما لو افيدت هذه الطرق فلا تجوز غيبته.

(4) اي و لنا دليل آخر على استثناء ردع المغتاب بالكسر عن حريم

50

[منها: قصد حسم مادة فساد المغتاب عن الناس كالمبتدع الذي يخاف من اضلاله الناس.]

(و منها) (1): قصد حسم مادة فساد المغتاب عن الناس كالمبتدع الذي يخاف من اضلاله الناس.

و يدخل عليه (2) مضافا الى أن مصلحة دفع فتنة عن الناس أولى من ستر المغتاب: ما عن الكافي بسنده الصحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): اذا رأيتم أهل الريب (3) و البدع من بعدي فاظهروا البراءة منهم، و اكثروا من سبهم، و القول فيهم و الوقيعة، و باهتوهم (4) كيلا يطمعوا في الفساد في الاسلام، و يحذرهم

____________

- حرمة الغيبة: و هي أدلة النهي عن المنكر، فانها عامة تشمل ردع المغتاب بالكسر، للقدر الجامع بينها، و بين النهي عن المنكر.

راجع حول أدلة النهي عن المنكر (وسائل الشيعة) الجزء 11.

ص 393. الباب 1 من أبواب الأمر و النهي. الأحاديث.

(1) اي و من الصور العشر المجوزة للغيبة لمزاحمة غرض اهم من مصلحة احترام المؤمن: قصد حسم مادة الفساد و قطعها.

هذه رابعة الموارد المستثناة.

(2) اي و يدل على جواز غيبة المبتدع الذي يخاف من اضلاله بالإضافة الى ما ذكرناه.

(3) بكسر الراء و فتح الياء جمع ريبة بكسر الراء و سكون الياء و فتح الباء و المراد منه المشككون الذين يشككون في دين الناس و عقائدهم و يصدونهم عن الاعتقاد بالدين.

و البدع: جمع بدعة و هو إدخال ما ليس من الدين في الدين.

و إخراج ما في الدين عن الدين.

(4) من باهت يباهت مباهتة من باب المفاعلة.

و الظاهر: أن المراد به هنا: الزام أهل البدع و إقحامهم بالبراهين-

51

الناس، و لا يتعلموا من بدعهم: يكتب (1) اللّه لكم بذلك الحسنات و يرفع لكم به الدرجات (2).

[منها: جرح الشهود]

(و منها) (3): جرح الشهود، فان الاجماع دل على جوازه

____________

- القاطعة، و الحجج الواضحة حتى يجعلوهم متحيرين لا يتمكنون من الجواب كما قال العزيز عز اسمه الشريف:

(فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ). البقرة: الآية 258.

و معنى الطمع في الاسلام اعم من أن تكون البدعة محقا للاسلام.

أو مغيرا لأركانه: بزيادة، أو نقيصة.

(1) مجزوم بفعل الامر قبله في الحديث الشريف في قوله (صلى اللّه عليه و آله):

فاظهروا و اكثروا و باهتوهم، ثم حرك بالكسر، لالتقاء الساكنين.

(2) (اصول الكافي). الجزء 2. ص 375. الحديث 4.

(3) اى و من الصور العشر التى رخصت الغيبة فيها لمزاحمة غرض اهم من مصلحة احترام المؤمن، جرح الشهود.

هذه خامسة الموارد المستثناة.

و المراد من الشهود شهود الخصم في المحكمة الشرعية بمعنى أن المدعي يأتي بشهود لصدق دعواه فيجرحهم المنكر.

ثم هل جرح الشهود يعم شهود رمضان، أو عيد الفطر، أو عيد الاضحى، أو لا؟.

و هل الاجماع هنا موجود أم لا؟

لست ادري.

اللهم إلا أن تقول بإطلاق معقد الاجماع.

و هل الوجه الّذي ذكره الشيخ لجرح الشهود يجري هنا: بأن يقال إن مصلحة عدم الحكم بشهادة الفساق أولى من مصلحة الستر على الفاسق

52

و لأن مصلحة عدم الحكم بشهادة الفساق أولى من الستر على الفاسق.

و مثله (1) بل أولى بالجواز جرح الرواة، فان مفسدة العمل برواية الفاسق أعظم من مفسدة شهادته.

و يلحق بذلك (2) الشهادة بالزنا، و غيره (3) لاقامة الحدود.

[منها: دفع الضرر عن المغتاب]

(و منها) (4): دفع الضرر عن المغتاب، و عليه (5) يحمل ما ورد في ذم زرارة من عدة أحاديث، و قد بين ذلك الامام (عليه السلام) بقوله في بعض ما أمر به عبد اللّه بن زرارة بتبليغ أبيه: اقرأ مني على والدك السلام فقل له:

إنما أعيبك دفاعا مني عنك، فان الناس يسارعون الى كل من قربناه

____________

(1) اي و مثل جرح الشهود في جواز الغيبة: جرح رواة الأحاديث الواردة عن (الرسول الاعظم و اهل بيته الكرام) صلى اللّه عليهم اجمعين

(2) اي و يلحق بجرح شهود الدعوى، و شهادة الرواة: جرح شهود الزنا.

(3) اي و غير الزنا مما يوجب الحد كالسرقة و شرب الخمر فياتي المشهود عليه بالجرح ضد الشاهد، ليدفع عن نفسه الحد.

(4) اي و من الصور العشر التي رخصت الغيبة فيها لمزاحمة غرض اهم دفع الضرر عن المغتاب بالفتح.

هذه سادسة الصور المستثناة.

كأن يقول شخص في حق شخص آخر حينما يرى أن زيدا يريد الظلم به: إنه مجنون أو سفيه أو جاهل، أو وضيع لا قدر له في المجتمع ليدفع الظلم عنه.

ثم يجب على هذا المستغيب أن يقتصر على ما يدفع الضرر عنه و لا يتعداه

(5) اي و على دفع الضرر عن المغتاب.