كتاب المكاسب - ج6

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
381 /
5

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الاهداء

سيدي. أبا صالح.

هذه جهودي بين يديك متواضعة بذلتها في سبيل تخليد فقه (أئمة أهل البيت) و هم آباؤك و أجدادك الطاهرون عليهم الصلاة و السلام في سبيل احياء تراثنا العلمي الأصيل، أهديها أليك .. يا حافظ الشريعة يا من يملأ الأرض قسطا و عدلا بعد ما ملئت ظلما و جورا فأنت أولى بها ممن سواك، و لا أراها متناسبة و ذلك المقام الرفيع.

و أراني مقصرا و قاصرا غير أن الهدايا على قدر مهديها.

فتفضل عليّ يا سيدي (عجل اللّه تعالى لك الفرج) بالقبول، فإنه غاية المأمول.

عبدك الراجي

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

كتاب البيع

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم الى يوم الدين.

[كتاب البيع]

(كتاب البيع) (1)

[في معنى البيع]

[البيع لغة]

و هو في الاصل (2) كما عن المصباح المنير (3) مبادلة (4) مال بمال

____________

(1) مصدر باع يبيع اجوف يائي، و هو من الأضداد كالجون و الطهر حيث يطلق الاول على السواد و البياض، و الثاني على الطهر و الحيض.

فالبيع يطلق تارة على البيع، و اخرى على الشراء كلفظة الشراء حيث إنها من الأضداد، اذ مرة تطلق على البيع، و ثانية على الشراء.

و هذا الاطلاق و الاستعمال في كل من المعنيين على سبيل الحقيقة، لا أن في احدهما حقيقة، و في الآخر مجازا.

بعبارة اخرى أن لفظه البيع في كل من المعنيين مشتركة بالاشتراك اللفظي لكلا المعنيين.

(2) اى لفظة البيع في الوضع اللغوي.

(3) كتاب في علم اللغة يأتي شرحه و شرح مؤلفه في (أعلام المكاسب)

(4) مصدر باب المفاعلة من بادل يبادل معناه التبادل بين اثنين:

بمعنى أن كل واحد من المتبادلين يأخذ ما في يد صاحبه بعد تمليك كل منهما ما يملكه للآخر.

بعبارة اخرى: أن البائع يعطي ما في يده لصاحبه ازاء ما يأخذه من المشتري من الثمن، و المشتري يعطي ما في يده لصاحبه ازاء ما يأخذه من البائع من المثمن.

10

و الظاهر (1) اختصاص المعوض بالعين، فلا (2) يعم ابدال المنافع بغيرها، و عليه (3) استقر اصطلاح الفقهاء في البيع.

نعم (4) ربما يستعمل في كلمات بعضهم في نقل غيرها.

____________

(1) اى الظاهر من لفظة البيع، لا من تعريف صاحب المصباح المنير كما اشتبه على بعض الأفاضل: أن المعوض مختص بالعين، و لا يجوز جعله منفعة.

و منشأ هذا الظهور شيئان: التبادر. و صحة السلب.

(أما الاول): فلتبادر العين من لفظة البيع عند اطلاقاتها و موارد استعمالاتها في قول القائل: بعت، فإنها متى اطلقت يراد منها بيع الأعيان لا بيع المنافع.

و قد قيل قديما و حديثا: إن التبادر من علائم الحقيقة.

(و أما الثاني): فلصحة سلب البيع عن تمليك المنفعة بعوض في قولك: بعتك منفعة الدار سنة بعشرة دنانير، فيصح أن يقال: إن بيع المنفعة ليس ببيع.

و قد قيل قديما و حديثا: صحة السلب من علائم المجاز، و عدمها من علائم الحقيقة، فاستعمال لفظة البيع في المنفعة تكون مجازا.

(2) الفاء تفريع على ما افاده: من الاستظهار المذكور، اى فعلى ضوء هذا الاستظهار لا تشمل لفظة البيع تبديل المنافع بغير المنافع: بأن تجعل المنافع معوضا و العين عوضا في قولك: بعتك سكنى الدار سنة كاملة بعشرة دنانير.

و كذلك لا تشمل تبديل المنافع بالمنافع في قولك: بعتك سكنى الدار سنة بسكنى الدار سنة.

(3) اى و على الاستظهار المذكور: من أن المعوض مختص بالعين

(4) استدراك عما افاده: من اختصاص المعوض بالعين

و خلاصته: أن بعض فقهاء الامامية قد استعمل لفظة البيع في تبديل المنافع: بأن جوز جعل المعوض منفعة فيصح أن يقال: بعتك منفعة الدار سنة

11

بل يظهر ذلك (1) من كثير من الأخبار كالخبر (2) الدال على جواز بيع خدمة المدبر، و بيع سكنى الدار التي لا يعلم صاحبها (3)

____________

مع وجود الاستظهار المذكور: بمعنى أنه يقول بصحة وقوع المنافع في المعوض.

(1) و هو استعمال البيع في تبديل المنافع.

(2) من هنا يروم الشيخ الاستشهاد بالأحاديث على ما أفاده: من استعمال البيع في تبديل المنافع.

راجع حول الخبر (من لا يحضره الفقيه) الجزء 3. ص 72.

الحديث 7.

أليك نص الحديث:

عن ابن أبي مريم عن (أبي عبد اللّه) (عليه السلام) قال: سئل عن الرجل يعتق جاريته عن دبر أ يطؤها إن شاء، أو ينكحها، أو يبيع خدمتها حياته؟

قال: نعم اي ذلك شاء فعل

فالشاهد في اطلاق البيع على خدمة الجارية المدبرة.

(3) هذا ثان الأحاديث للاستشهاد المذكور.

راجع (وسائل الشيعة). الجزء 12 ص 250. الباب 3 من أبواب عقد البيع. الحديث 5.

أليك محل الشاهد من الحديث:

قلت: يبيع سكناها، أو مكانها في يده فيقول: أبيعك سكناي و تكون في يدك كما هي في يدي؟

قال: نعم يبيعها على هذا

فالشاهد في اطلاق البيع على مبادلة المنافع.

12

و كأخبار بيع الأرض الخراجية و شرائها (1).

و الظاهر (2) أنها مسامحة في التعبير، كما (3) أن لفظة الإجارة تستعمل عرفا في نقل بعض الأعيان كالثمرة على الشجرة.

و أما العوض (4) فلا اشكال في جواز كونه منفعة (5) كما في غير

____________

(1) هذا ثالث الأحاديث للاستشهاد المذكور.

راجع نفس المصدر. ص 275. الحديث 7.

أليك نصه:

عن محمد بن مسلم قال: سألته عن شراء أرضهم.

فقال: لا بأس أن تشتريها فتكون- اذا كان ذلك- بمنزلتهم تؤدي فيها كما يؤدون فيها

فالشاهد في اطلاق الشراء على مبادلة المنافع.

(2) أي الظاهر من استعمال لفظة البيع في المنافع في الموارد الثلاثة في الأخبار المذكورة، و في غير هذه الأخبار.

و لا يخفى أن الاستعمال المذكور ليس مسامحة، حيث كان السائد في العصور الغابرة في معنى البيع معناه الأعم الذي يشمل الأعيان و المنافع ثم اختص في اصطلاح الفقهاء بمبادلة العين و هي لا تشمل المنافع.

(3) تنظير للمسامحة المذكورة، أي المسامحة المذكورة نظير المسامحة في اطلاق لفظة الاجارة الموضوعة لنقل المنافع و استعمالها في نقل الأعيان كما في بيع الثمرة على الأشجار.

(4) و هو الثمن.

(5) هذا بناء على أن العوض و المعوض يتشخصان في الخارج و معلومان.

و أما إذا لم يكونا معلومين و متشخصين فكيف يمكن تعيين العوض حتى يجعل منفعة بإزاء عين اخرى؟

13

موضع من القواعد و التذكرة و جامع المقاصد

و لا يبعد عدم الخلاف فيه (1).

نعم (2) نسب إلى بعض الأعيان (3) الخلاف فيه.

و لعله (4) لما اشتهر في كلامهم: من أن البيع لنقل الأعيان.

و الظاهر (5) ارادتهم بيان المبيع.

نظير (6) قولهم: إن الإجارة لنقل المنافع.

____________

(1) أي في وقوع المنافع عوضا.

(2) استدراك عما أفاده: من عدم وقوع الخلاف في وقوع المنافع عوضا.

(3) قيل: المراد منه (الاستاذ الأكبر الوحيد البهبهاني).

و قيل: (الشيخ جعفر كاشف الغطاء) أي هذا البعض أفاد بوجود المخالف في وقوع المنافع عوضا.

(4) توجيه من الشيخ لما أفاده هذا البعض الذي هو من أعيان فقهاء الطائفة الإمامية، أي و لعل منشأ هذه المخالفة هي الشهرة الواقعة في كلمات الفقهاء: من أن لفظة البيع موضوعة لنقل الأعيان ثمنا و مثمنا.

و لا شك أن لفظة الأعيان لا تشمل المنافع، حيث إن المال قد اخذ في مفهوم البيع في جانب العوض، كما قد اخذ في جانب المعوض فلا يصح وقوع المنافع في العوض و المعوض.

(5) ردّ من الشيخ للتوجيه المذكور.

و خلاصته: أن القائل بعدم وقوع المنافع عوضا بدعوى أن البيع موضوع لنقل الأعيان: يقصد منه المبيع فقط الذي هو المعوض، لا العوض فإن المنافع لا يصح أن تقع معوضا، و أما العوض فيصح وقوع المنافع فيه:

(6) تنظير للرد المذكور.

14

و أما عمل (1) الحر فإن قلنا: إنه قبل المعاوضة عليه من الأموال (2) فلا اشكال، و إلا (3) ففيه اشكال:

____________

و خلاصته أنه كما يراد من لفظة المنافع في تعريف الفقهاء الاجارة:

بأنها موضوعة لنقل المنافع: العوض فقط اي العوض في الاجارة يصح أن يقع منفعة.

و أما المعوض فلا، فإنه لا بدّ أن يكون من الأعيان و هي النقود و الدراهم و الدنانير.

كذلك يراد من لفظة الأعيان في تعريف الفقهاء البيع: بأنه موضوع لنقل الأعيان: المعوض فقط، لا العوض اي المعوض لا يصح وقوع المنافع فيه و أما العوض فيصح وقوعها فيه كما عرفت.

(1) لما كان الكلام في البيع و قلنا: إن له عوضا و معوضا، و إنه لا بدّ أن يكون المعوض عينا فلا يصح وقوع المنافع فيه.

بخلاف العوض: فإنه يصح وقوع المنافع فيه.

و كان من جملة المنافع الأعمال الحرفية كالكتابة و البناية و التجارة و الخياطة و ما ضار بها من الأعمال الحرفية الصادرة من الانسان في الخارج:

اراد أن يذكر أنه هل يصح وقوع هذه الأعمال عوضا أولا؟

هذا بعد الفراغ عن عدم جواز وقوعها معوضا

فهنا فصل و أفاد فقال: إن عمل الانسان إن كان قبل المعاوضة عليه يعد من الأموال: بحيث يبذل بإزائه المال عرفا و يقصده العقلاء فلا اشكال في وقوعه عوضا، لأنه مال عرفا مقصود للعقلاء

(2) اي بعد من الأموال كما عرفت

(3) هذا هو الشق الثاني للتفصيل المذكور الذي افاده الشيخ اي و إن لم نقل: إن عمل الحر يعد من الأموال؛ و لا يبذل بإزائه المال ففي جعله عوضا

15

من (1) حيث احتمال اعتبار كون العوضين في البيع مالا قبل المعاوضة يدل عليه (2) ما تقدم عن المصباح (3).

و أما الحقوق (4) فإن لم تقبل المعاوضة بالمال،

____________

اشكال، لوقوع البيع على شيء تحققت ماليته و سبقت

و من الواضح أن عمل الحر قبل الشروع فيه لا يكون مالا حتى يباع و يجعل عوضا، و بعد الشروع في العمل يحصل تدريجيا اي شيئا فشيئا فهو تدريجي الحصول لا يمكن تحققه في الخارج إلا بعد إنهاء العمل كله.

فكيف يصح جعله عوضا مع اعتبار المالية في البيع، حيث اخذت في مفهومه عند تعريف صاحب (مصباح المنير) بقوله في ص 7: البيع مبادلة مال بمال.

(1) كلمة من بيان لوجه الاشكال في جعل عمل الانسان عوضا لو لم يعد مالا. و قد عرفت وجه الاشكال آنفا.

(2) اي على احتمال اعتبار كون العوضين مالا في البيع.

(3) عند نقل الشيخ عنه في ص 7 بقوله: كما عن مصباح المنير:

مبادلة مال بمال، فالمال قد اخذ في مفهوم البيع.

ثم البيع له أركان أربعة: البائع و المشتري، و العوض و المعوض

(4) بعد أن ذكر الشيخ عمل الانسان، و أنه هل يمكن أن يجعل عوضا أولا: اراد أن يذكر الحقوق المقررة من قبل الشارع، و التي ثبت أن لها كيانا من قبله، فاخذ في عد تلك الحقوق و التفصيل بينها، و اثبات أن أيا منها يصح جعله عوضا في البيع، و أيا منها لا يصح.

ثم لا يخفى عليك أن في بعض نسخ الكتاب لفظة (الاخرى) موجودة هكذا: و أما الحقوق الاخرى.

و هذا ليس بصحيح، لأنه لم يسبق من شيخنا الأنصاري (قدس سره)

16

كحق (1) الحضانة و الولاية (2) فلا اشكال.

و كذا لو لم تقبل النقل كحق الشفعة (3)

____________

ذكر حق من الحقوق حتى يقول: و أما الحقوق الاخرى، و لا شك أن هذه الزيادة من النساخ الذين حرفتهم الكتابة و هم اميون لا يعرفون شيئا سوى الكتابة.

(لا يقال): إن الشيخ قد ذكر عمل الحر فهو يعد حقا.

(فإنه يقال): إن عمل الحر لا يعد من الحقوق.

(1) هذا احد الحقوق التي لا يصح جعله عوضا في البيع

و الحضانة بكسر الحاء و فتحها من حضن يحضن وزان نصر ينصر فهو متعد معناها جعل الصبي في الحضن.

و يسمى تربية الطفل حضانة، للملازمة بينها و بين تربيته.

و هذا الحق ليس قابلا للمعاوضة بالمال فلا يصح جعله ثمنا و لا مثمنا و كذا ليس قابلا للنقل حتى يقابل بالمال، و البيع تمليك الغير.

(2) هذا ثان الحقوق التي ليست قابلة للمعاوضة فلا يصح جعله ثمنا و لا مثمنا في البيع، و كذا ليس قابلا للنقل حتى يقابل بالمال، و البيع تمليك الغير.

و الولاية بكسر الواو و فتحها معناها السلطة على الطفل و تولي اموره

(3) هذا ثالث الحقوق التي ليست قابلة للمعاوضة فلا يصح جعله ثمنا و لا مثمنا في البيع، و لا قابلا للنقل حتى يقابل بالمال، و البيع تمليك الغير.

و الشفعة بضم الشين و سكون الفاء و فتح العين وزان غرفة جمعها شفع وزان غرف معناها شرعا استحقاق الشريك الواحد الحصة المبيعة لشريكه في الارض، أو في الدار.

و للشفيع اخذ الشفعة فورا بعد علمه بها بالثمن المسمى في متن العقد

17

و حق الخيار (1)، لأن (2) البيع تمليك الغير.

____________

من غير أن يتعلق بالشريك شيء من المصاريف الاخرى.

(1) هذا رابع الحقوق التي ليست قابلة للمعاوضة، و لا للنقل فلا يصح أن يجعل ثمنا في البيع، للزومه تسلط المرء على نفسه.

خذ لذلك مثالا:

لو اشترى من له الخيار شيئا ممن عليه الخيار و جعل ثمن الشيء نفس الخيار الذي كان له فقد اصبح من عليه الخيار ذا حق على فسخ العقد، حيث جاءت له القدرة و السلطة على الفسخ من قبل الشارع فيلزم حينئذ تسلط الانسان على نفسه و هو غير معقول.

ثم إن الخيار بكسر الخاء اسم مصدر من الاختيار معناه تسلط احد البائعين على فسخ العقد.

و هو على قسمين:

(احدهما) يجعل من الشارع و هي ستة:

خيار المجلس، خيار العيب، خيار الحيوان، خيار الغبن، خيار الرؤية، خيار التأخير.

(ثانيهما): يجعل احد المتبايعين، أو كليهما الخيار لنفسه بواسطة الشرط في متن العقد.

و قد ذكر الشيخ جميع أقسام الخيار و أحكامه في كتاب الخيار من (المكاسب) و أسهب فيه، و نحن عند ما نقدم على طبعه إن شاء اللّه نعلق عليه حسب ما تقتضيه عباراته في الخيار (قدس اللّه نفسه الزكية).

و أما الشفعة فراجع (اللمعة الدمشقية) من طبعتنا الحديثة الجزء 4 من ص 396 الى ص 417.

(2) تعليل لعدم وقوع الحقوق المذكورة عوضا و لا معوضا في البيع

18

و لا ينتقض (1) ببيع الدين على من هو عليه، لأنه (2) لا مانع

____________

(1) اي التعليل المذكور و هو قوله: لأن البيع تمليك الغير.

خلاصة هذا النقض أنكم قلتم: إن الحقوق المذكورة لا تصح جعلها عوضا و لا معوضا في البيع، لعدم قابليتها للمعاوضة بالمال، لأن البيع تمليك الغير، و في الحقوق ليس شيء حتى يملكه الغير.

و نحن نرى بالعيان أن الفقهاء أفتوا بجواز بيع الدين على المدين و نفس العلة و المناط: و هو عدم القابلية موجودة في بيع الدين على من هو عليه الدين، مع أنه ليس شيء موجود حتى يباع و يملكه الآخر.

فما تقولون هنا؟

و أما بيع الدين على المدين فخذ لذلك مثالا:

كانت ذمة زيد مشغولة لعمرو بمبلغ يساوي مائة دينار ثم باع الدائن هذا الدين بمبلغ قدره تسعون دينارا فقبل المشتري ذلك و اشتراه منه فتسقط ذمة المدين عن الدين المذكور، لأن الدائن ببيعه طلبه هذا للمدين فقد أسقط ما في ذمته، و اذا سقط ما في ذمته فلا يبقى عليها شيء حتى يملكه الدائن للمدين و يبيعه عليه، فالقول بالجواز خرم للقاعدة المذكورة: و هو إن البيع تمليك الغير.

(2) هذا جواب من الشيخ عن الانتقاض المذكور.

و خلاصته: أن سقوط ما في ذمة المدين التي اشتغلت للدائن فرع تملكه للدين حتى يصدق السقوط فاذا ثبت التملك ثبت السقوط، و إلا فلا

ففيما نحن فيه و هو بيع الدين على من هو عليه الدين يملّك الدائن طلبه الذي بذمة زيد المدين لزيد فيتملكه المدين بعد الشراء فتبرأ ذمته عن الدين فيسقط حق الدائن فيصدق مفهوم البيع في حق المدين و لا تنخرم القاعدة الكلية أبدا فهي بحالها كما كانت عليه، لعدم المانع من اجتماع التمليك و السقوط

19

من كونه تمليكا فيسقط، و لذا (1) جعل الشهيد في قواعده الإبراء مرددا بين الإسقاط و التمليك

و الحاصل (2): أنه يعقل أن يكون مالكا لما في ذمته فيؤثر تمليكه

____________

فيصح تفرع أحدهما على الآخر كما هنا.

نعم يمكن أن يكون اجتماع التمليك و السقوط موجبا للالتباس و الاشتباه فيقال: بانخرام القاعدة المذكورة.

لكنه بعد التأمل الدقيق يرتفع الاشتباه، حيث لا مانع من اجتماع التمليك و السقوط كما عرفت آنفا.

(1) اي و لاجل أنه لا مانع من اجتماع التمليك و السقوط، و أن بيع الدين على من هو عليه: هو مفهوم البيع: جعل (الشهيد الاول):

الإبراء، اي إبراء ذمة المدين عن الدين مرددا بين التمليك و الإسقاط:

بمعنى أن الإبراء إنما يتحقق في الخارج بعد تمليك الدائن طلبه للمدين ثم إسقاط ذمته عنه، فحصوله متوقف على الامرين لا محالة بحيث لو لم يكن التمليك لم يحصل السقوط، و لو لم يحصل السقوط لم يحصل الإبراء.

ثم إنه من الإمكان أن يكون مراد (الشهيد) من جعل الابراء مرددا بين الإسقاط و التمليك: أن الابراء على قسمين:

التمليك و الإسقاط، اي معنى إبراء الدائن ذمة المدين هو تمليك الدائن المدين أولا ثم يؤثر هذا التمليك في سقوط ما في ذمة المدين فيسقط ما ذمته من الدين قهرا فلا يجتمع التمليك و السقوط حتى يقال: كيف يعقل ذلك.

(2) اي و قد تحصل من مجموع ما قلناه في حق الشفعة و الخيار و الحضانة و الولاية: من عدم وقوعها عوضا، لعدم قابليتها للمعاوضة و النقل، لاستلزام الوقوع عدم التعلل و الاستحالة المذكورة.

و من مجموع ما قلناه في إمكان بيع الدين على من هو عليه الدين

20

السقوط، و لا يعقل أن يتسلط على نفسه.

و السر (1) أن الحق سلطنة فعلية لا يعقل قيام طرفيها بشخص واحد، بخلاف الملك، فإنه نسبة بين المالك و المملوك و لا يحتاج إلى من يملك عليه حتى يستحيل اتحاد المالك و المملوك عليه فافهم (2).

____________

لإمكان تملك المدين ما في ذمته بالبيع ثم سقوط ما في الذمة عن الدين قهرا بعد التملك من دون لزوم محذور في البين: الفرق بين الحقوق المذكورة، و بين بيع الدين، حيث إنه لا يعقل جعل الحقوق المذكورة عوضا في البيع، و يعقل بيع الدين على من هو عليه الدين بعد تملك المدين ما في ذمته، و سقوط ما في ذمته بتمليك الدائن له.

(1) تعليل لامكان بيع الدين على من هو عليه، و عدم تعقل جعل الحقوق عوضا، اي العلة في ذلك.

و خلاصة التعليل: أن الحق سلطة و قدرة فعلية له طرفان و هما:

من له الحق، و من عليه الحق.

و من الواضح أنه لا بد في تحققهما في الخارج بقيامهما بشخصين فلا يمكن قيامهما بشخص واحد، و إلا لزم الاتحاد و هو مستحيل.

بخلاف الملك، فإنه نسبة بين المالك و المملوك و هذه النسبة لا تحتاج في تحققها في الخارج الى من يملك عليه حتى لا يعقل قيام طرفيها بشخص واحد سواء قلنا: إن الملكية من الامور الواقعية المتأصلة التي لها حقيقة كشف عنها الشارع، أم قلنا: إنها من الامور المجعولة المفتعلة من العرف أو الشرع فنفس علقة الملكية كافية في تحقق الملك في الخارج فلا مانع من اتحادهما، و لا يلزم استحالة.

(2) لعل المراد أن شراء بعض الحقوق كحق الشفعة و الخيار معناه إسقاطه فلا مجال لتوهم تسليط المشتري على نفسه حتى يقال: إنه امر غير معقول.

21

و أما الحقوق القابلة للانتقال كحق التحجير (1)، و نحوه (2) فهي و إن قبلت النقل و قوبلت بالمال في الصلح إلا أن في جواز وقوعها (3) عوضا في المبيع اشكالا: من (4) اخذ المال في عوضي المبايعة لغة (5) و عرفا (6)، مع (7) ظهور كلمات الفقهاء عند التعرض لشروط،

____________

(1) التحجير عبارة عن حيازة انسان ارضا من الأراضي المفتوحة عنوة المشتركة بين المسلمين تبلغ مساحتها خمسين كيلومترا فرضا، ثم يحجر جوانبه الاربعة بمقدار يصدق عليه التحجير مع قصد التحجير فيكون هذا الحائز أولى من الآخرين بهذا المكان المحجر في التصرف فليس لاحد أن يتصرف في المكان إلا باجازة الحائز و اذنه، لأن التحجير مع القصد هو الموجب للملكية الناشئة من حق الاختصاص.

و قد سبق الاشارة الى حق الاختصاص في الجزء 1 من (المكاسب) من طبعتنا الحديثة ص 286- 291- 292، و في الجزء 2. ص 154.

(2) كحق السبق و الأولوية في الأماكن العامة مثل الحسينيات و المساجد و الحرم و الأروقة للأئمة الأطهار (صلوات اللّه عليهم)، و المدارس الدينية فإن شخصا لو سبق الى هذه الأماكن فهو أولى من الآخرين، و ليس لهم دفعه عن مكانه و الجلوس فيه، فلو صلى فيه الآخر بطلت صلاته.

(3) اي وقوع هذه الحقوق عوضا في المبيع كما عرفت.

(4) كلمة من بيان لكيفية ورود الاشكال في وقوع حتى التحجير و حق السبق عوضا في المبيع، و قد ذكر الشيخ الاشكال في المتن فلا نعيده.

(5) كما افاده صاحب المنير بقوله في ص 7: البيع مبادلة مال بمال

(6) حيث إنهم يفهمون من البيع أنه مبادلة مال بمال.

فالمال مأخوذ في مفهوم البيع على كل حال.

(7) اي و بالإضافة الى دلالة اللغة و العرف على اخذ المال في مفهوم

22

العوضين (1) و لما يصح أن يكون اجرة (2) في الاجارة:

____________

البيع: لنا دليل آخر على عدم جواز وقوع حق التحجير، و حق السبق عوضا في البيع و إن كانا قابلين للنقل.

و ذاك الدليل هو تصريح الفقهاء في حصر الثمن في المال في موضعين من أبواب الفقه.

(احدهما) في المبيع حيث ذكروا عند شرائط العوضين: أنه لا بدّ من كون العوضين مما يتمول.

(ثانيهما): في الاجارة، حيث قالوا: لا بد أن تكون الاجرة في الاجارة مما يتمول.

فهذا التصريح يتنافى و جعل حق التحجير، و حق السبق عوضا في المبيع، حيث إنهما ليسا مالا حتى يصح جعلهما عوضا و ان كانا قابلين للنقل.

و لا يخفى أنه بناء على كونهما قابلين للانتقال لم لا يصح جعلها عوضا؟

اللهم إلا أن يراد من المال النقود و العرض.

(1) هذا هو الموضع الاول من الموضعين الذين اشرنا إليه بقولنا:

احدهما في المبيع.

(2) هذا هو الموضع الثاني من الموضعين الذين اشرنا إليه بقولنا:

ثانيهما في الاجارة.

فعلى ضوء ما ذكره الشيخ ظهر لك أن الحقوق حسب تقسيمه على ثلاثة أقسام:

(الاول): ما لا يقبل المعاوضة بالمال فلا يصح جعله عوضا كحق الحضانة و الولاية، فإنه لا يعوض بالمال

نعم يمكن جعله مجانا كما لو طلقت المرأة و لها ولد صغير فتأخذه امرأة اخرى و تحضنه مجانا.

23

في حصر (1) الثمن في المال.

[تعاريف الفقهاء و المناقشة فيها]

ثم الظاهر (2) أن لفظ البيع ليس له حقيقة شرعية (3)، و لا متشرعية

____________

(الثاني): ما لا يقبل المعاوضة و لا النقل فلا يصح جعله عوضا فلا يقابل بالمال لا مجانا و لا عوضا كحق الشفعة و الخيار، للزوم المحذور المذكور: من تسلط المرء على نفسه و هو قبيح.

(الثالث): ما يقبل الانتقال فيقابل، مجانا، و بالعوض كحق التحجير و حق السبق و الأولوية.

(1) الجار و المجرور متعلق بقوله: مع ظهور.

(2) اي من كلمات الفقهاء، و الأخبار.

(3) لا بأس باشارة إجمالية الى الحقيقة الشرعية و معناها.

فنقول: لا شك في وجود الحقائق اللغوية، و أن الألفاظ الموجودة باللغات المختلفة موضوعة للماهيات الخارجية.

خذ لذلك مثالا.

إن لفظة (ماء) قد وضعها الواضع العدبي للجسم السيال البارد بالطبع.

و لفظة (زيد) للهيكل الخارجي المعبر عنه بالحيوان الناطق، مع قطع النظر عن الصفات الطارئة على المسمى كالعذب، أو أنه ملح اجاج و كالسواد و البياض، و الطول و القصر، و غير هذه من الصفات.

و هكذا في بقية اللغات المنتشرة في العالم اجمع، فإن واضعها قد وضع الألفاظ المستعملة في الماهيات الموجودة لمعانيها المتداولة، بين أمته و أبناء قومه.

و لا شك أن هذا الواضع واحد يتبعه جيل من الناس من اهل لسانه و بيئته.

24

بل هو باق على معناه العرفي كما سنوضحه ان شاء اللّه تعالى.

____________

ثم الوضع إما تعييني، أو تعيني.

و الاول يحصل يجعل لفظ خاص بإزاء معنى خاص كما في وضع لفظ زيد للهيكل الخارجي و تخصيصه به.

أو معنى عام كوضع لفظ انسان بإزاء معنى عام و هو (الحيوان الناطق):

و الثاني و هو (الوضع التعيني): يحصل بكثرة استعمال اللفظ في معنى بحيث يألف الذهن منه، و يبلغ الى حد كلما ذكر اللفظ تبادر منه المعنى المذكور الذي استعمل اللفظ فيه.

ثم الوضع على أربعة أقسام

(الاول: الوضع الخاص و الموضوع له الخاص) كوضع لفظ زيد باعتبار معنى جزئي: و هو الهيكل الخارجي الخاص.

(الثاني: الوضع العام و الموضوع له العام) و هذا يكون المتصور فيه كليا بنفسه، لا بوجهه.

الثالث: الوضع العام و الموضوع له الخاص) اي يكون المتصور كليا و الموضوع له أفراد ذلك الكلي، لا نفسه.

بعبارة اخرى أن الموضوع له جزئي غير متصور بنفسه، بل بوجهه.

(الرابع: الوضع الخاص و الموضوع له العام) اي يكون المتصور جزئيا، و الموضوع له كليا لذلك الجزئي.

لا شك في استحالة قسم الرابع، لأن القول بذلك مستلزم للقول بامكان وقوع الخاص وجها و مرآة و عنوانا للعام، لأننا قلنا: إنه لا بدّ أن يتصور المعنى الموضوع له حين الوضع بنفسه، أو بوجهه، لاستحالة الحكم على المجهول.

25

..........

____________

و المفروض في هذا القسم أن المعنى الموضوع له لم يكن متصورا و إنما المتصور هو الخاص لا غير، و لو كان بنفسه و لو بسبب تصور الخاص لعد من القسم الثاني الذي هو الوضع العام و الموضوع له العام.

و لا كلام في إمكان القسم الثاني و وقوعه.

و أما القسم الثالث و هو الوضع العام و الموضوع له الخاص فهو ممكن و واقع و قد مثلوا له بالحروف الجارة، و أسماء الاشارة، و الضمائر و الموصولات، و أدوات الاستفهام.

لكن ذهب (صاحب الكفاية) إلى أن الوضع و الموضوع له و المستعمل فيه في الحروف و ما ذكر من الأسماء عام و الخصوصية إنما جاءت و نشأت من ناحية الاستعمال.

ثم أورد هو على مقالته هذه فقال: إنه بناء على ذلك لم يبق فرق بين الأسماء و الحروف فيجوز استعمال لفظة الابتداء الاسمي في من الحرفية الابتدائية، و بالعكس، و الحال أن الاسم معناه استقلالي، و الحرف معناه آلي

فأجاب عن الاشكال بعدم جواز استعمال كل منهما مكان الآخر، حيث إن الاسم وضع ليستعمل في معناه إذا لوحظ مستقلا بنفسه.

و الحرف إنما وضع ليستعمل في معناه إذا لوحظ آلة و حالة لغيره.

و قد اشبعنا الكلام في شرحنا على الكفاية (دراسات في اصول الفقه) الجزء 1. من ص 30 الى ص 38. فراجع.

ثم إن للبحث صلة طويلة لا يناسب المقام ذكرها هنا، و إنما ذكرنا هذا المختصر، ليكون القارئ الكريم على بصيرة تامة على الاصطلاحات الدارجة في الكتب الاصولية.

هذا كله في الحقائق اللغوية.

26

..........

____________

و أما الحقائق العرفية فكذلك لا شك في وجودها و تحققها في الخارج كاتفاقهم على القيام لمن ورد في المجالس مثلا.

و أما الحقائق الشرعية، أي الماهيات المختلفة المجعولة من قبله كماهية الصلاة المركبة من شروط و أجزاء بما لها من شروط و أجزاء فمما لا شك فيه أن الصلاة بالكيفية المذكورة، و كذلك بقية العبادات و المعاملات من العقود و الايقاعات بالكيفية الخاصة إنما جاءت من قبل الشارع المقدس و لم تكن بمثابة الماهيات المفتعلة من أرباب الشرائع و الأديان في الأزمنة السابقة، و العصور الغابرة و إن كانت موجودة في زمانهم و الناس مكلفون باتيانها.

خذ لذلك مثالا:

الصلاة عند الشريعة الاسلامية لها شروط و هي الطهارة: من التوضؤ بالكيفية الخاصة المذكورة في الكتب الفقهية، و إباحة الماء، و المكان، و العلم بدخول وقت الصلاة، و بالقبلة.

و أجزاء: من النية و التكبيرة و القراءة و القيام و الركوع و السجود و التشهد و التسليم فهذه الأجزاء و الشرائط اخترعها الشارع و جاء بها للناس من قبل الباري عز و جل

ثم لا شك في تبادر هذه المعاني من الصلاة، و غير هذه المعاني من غير الصلاة: من بقية العبادات و المعاملات عند اطلاقها عند المتشرعين.

فلو قال زيد لعمرو: صل يتبادر إلى ذهن عمرو الصلاة بالكيفية التي ذكرناها لك من الأجزاء و الشرائط.

و إنما الكلام في أن الشارع هل له عرف خاص كعرف أهل اللغة و عرف أهل الآفاق في وضع هذه الألفاظ لتلك المعاني بوضع خاص

27

..........

____________

مستقل على حدة: بأن قال:

أيتها الامة المسلمة إني وضعت لفظة الصلاة التي كانت موضوعة لمطلق الدعاء لهذه الماهية المركبة من الأجزاء و الشرائط.

و كذا وضعت لفظ الصوم الذي كان موضوعا لمطلق الإمساك:

للإمساك الخاص المعين زمانا و شروطا

و هكذا لفظة الزكاة التي كانت موضوعة لمطلق النماء وضعتها للنمو الخاص المعين تحت شروط و قيود خاصة.

و كذا لفظ الحج الذي كان موضوعا لمطلق القصد: وضعته للقصد الخاص تحت شروط و قيود خاصة.

و هكذا بقية الماهيات المخترعة: من العبادات و المعاملات: من العقود و الايقاعات.

و من الماهيات الموجودة في الخارج لفظة البيع و لا شك في أن الشارع قد استعمل لفظة البيع في ماهية خاصة بما لها من قيود و شرائط: من كمال المتعاقدين من حيث البلوغ و العقل و الاختيار.

و من معلومية العوضين: من حيث القدر و الجنس و الوصف بعد العلم بأن الواضع قد وضعها لمطلق مبادلة مال بمال، و للنقل و الانتقال بأي وجه حصل، سواء أ كان المتعاقدان بالغين أم لا، عاقلين أم لا، مختارين أم لا

و سواء أ كان العوضان معلومين أم لا.

إذا عرفت ما تلوناه عليك فاعلم أن الشيخ و كثيرا من الأعلام الذين بلغوا القمة في التحقيق أنكروا الحقائق الشرعية، أي وضع الألفاظ الواردة في العبادات و المعاملات لتلك الماهيات المخترعة، و الحقائق المجعولة بالوضع التعييني بالكيفية التي ذكرناها لك.

بل الألفاظ المذكورة باقية على معانيها العرفية و هي مبادلة مال بمال من دون أن يتصوروا تلك الماهيات بما لها من شرائط و أجزاء.

28

إلا أن الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) قد اختلفوا في تعريفه (1).

ففي المبسوط و التذكرة و غيرهما: انتقال عين من شخص (2) إلى غيره (3) بعوض مقدر على وجه التراضي (4).

و حيث إن في هذا التعريف مسامحة (5) واضحة عدل آخرون إلى تعريفه: بالايجاب (6) و القبول (7) الدالين على الانتقال.

____________

نعم لا شك في استعمال الشارع الألفاظ المذكورة في تلك المعاني لكنه لم يعلم كيفية استعماله لها هل كان بنحو النقل بأن قال: نقلت لفظة الصلاة مثلا الموضوعة للدعاء و وضعتها لهذه الصلاة بما لها من أجزاء و شرائط.

أو غلب هذا الاستعمال في زمانه و اشتهر حتى أفاد بغير قرينة؟

ثم لا يخفى عليك أنه بناء على ما أفاده الشيخ: من بقاء تلك الألفاظ على معانيها العرفية لو شككنا في شرطية شيء، أو جزئيته نجري أصالة البراءة.

و أما إذا قلنا بالحقيقة الشرعية فلا بد من الاتيان بها عند الشك فيها.

(1) أي في تعريف البيع.

(2) و هو البائع.

(3) و هو المشتري.

(4) أي بين المتبايعين.

(5) وجه المسامحة أن الانتقال من آثار البيع المترتبة عليه، فالبيع الذي هو النقل من قبل البائع موجب لحصول الانتقال الى المشتري بعد قبوله ذلك النقل فليس البيع هو الانتقال فهو من باب المطاوعة من باب كسرت الكوز فانكسرت.

(6) أي من قبل البائع الذي ينشأ نقل المبيع الى المشتري.

(7) أي من قبل المشتري الذي ينشأ نقل الثمن الى البائع.

29

و حيث (1) إن البيع من مقولة المعنى دون اللفظ مجردا، أو بشرط قصد المعنى (2)، و إلا (3) لم يعقل انشاؤه باللفظ: عدل جامع المقاصد إلى تعريفه (4): بنقل العين بالصيغة المخصوصة (5).

____________

(1) هذا اشكال على التعريف الثاني

و خلاصته: أن المقصود من لفظ بعت و قبلت مدلولهما و هو النقل و الانتقال، لا مجرد لفظهما مع قطع النظر عن دلالتهما على المقصود المذكور.

(2) أي و ليس البيع من مقولة اللفظ بشرط قصد المعنى من اللفظ

(3) أي و لو كان البيع من مقولة اللفظ المجرد عن قصد المعنى.

أو المركب من اللفظ و المعنى: لم يعقل إنشاء البيع باللفظ، حيث إن النقل و الانتقال لا يحصلان إلا بقصد المعنى فكيف يعقل إنشاء ذلك باللفظ المجرد، أو باللفظ مع قصد المعنى، فإن اللفظ لا ينشأ باللفظ.

ثم اعلم أن الصور الممكنة في البيع أربعة:

(الاولى): أن يكون البيع من مقولة المعنى فقط، و ليس للفظ في ايجاده مدخلية أبدا، سوى أنه معبر عن المعنى، و لذا لو أمكن التعبير عنه بغير اللفظ لجاز ذلك كما في بيع المعاطاتي.

(الثانية): أن يكون من مقولة اللفظ المجرد عن المعنى.

و هذا قطعي الانتفاء.

(الثالثة): أنه من مقولة اللفظ بشرط قصد المعنى.

(الرابعة): أنه من مقولة المعنى بشرط التعبير به عن اللفظ.

و في الصورة الثالثة و الرابعة لا يمكن تصحيح المعاطاة في البيع.

(4) أي تعريف البيع.

(5) و هو الايجاب و القبول الدالين على النقل و الانتقال بلفظ بعت و قبلت.

و هذا ينطبق على الصورة الرابعة فقط.

30

و برد عليه (1) مع (2) أن النقل ليس مرادفا للبيع، و لذا (3) صرح في التذكرة بأن ايجاب البيع لا يقع بلفظ نقلت، و جعله من الكنايات (4) و أن (5) المعاطاة عنده بيع مع خلوها عن الصيغة: أن (6) النقل بالصيغة أيضا لا يعقل انشاؤه بالصيغة.

____________

(1) أي و يرد على تعريف المحقق الكركي البيع بأنه نقل العين بالصيغة المخصوصة.

(2) اي و بالإضافة الى أن النقل ليس مرادفا للبيع، حيث إن النقل يشمل الصلح على القول بأنه عقد مستقل، و يشمل الهبة، سواء أ كانت معوضة أم لا.

(3) اي و لاجل أن النقل ليس مرادفا للبيع، حيث إنه أعم من البيع لشموله الصلح و الهبة المعوضة و غيرها.

(4) جمع كناية بكسر الكاف مصدر كنى يكني معناه في الاصطلاح التعبير عن شيء معين بلفظ غير صريح في الدلالة على ذلك الشيء المعين.

و إنما يؤتى بالكناية لغرض من الأغراض العقلائية كالايهام على السامعين مثلا.

ثم التعبير عن الشيء المعين بلفظ غير صريح قد يكون بذكر لوازم و وسائط كثيرة كقولك: زيد كثير الرماد، فإن كثرة الرماد تدل على كثرة الطبخ، و كثرة الطبخ تدل على كثرة الضيوف و الواردين، و كثرة الواردين تدل على كرم زيد وجوده الذي هو المقصود الاصلي من الكناية

(5) اي و يرد على تعريف (المحقق الكركي) أيضا أن المعاطاة عنده بيع مع أنه خال عن الصيغة.

(6) هذه الجملة (أن النقل) مرفوعة محلا فاعل لقوله: و يرد عليه، اي و يرد على المحقق مضافا الى ما ذكر من الايرادين و هما: عدم

31

و لا يندفع (1) هذا: بأن المراد من البيع نفس النقل الذي هو مدلول الصيغة، فجعله (2) مدلول الصيغة اشارة إلى تعيين ذلك الفرد (3) من النقل، لا أنه (4) مأخوذ في مفهومه حتى يكون مدلول بعت نقلت

____________

كون النقل مرادفا للبيع، و كون المعاطاة عنده بيعا: أن النقل بالصيغة لا يعقل انشاؤه بالصيغة، لدخول إنشاء الصيغة في مفهوم البيع في تعريف المحقق بقوله: (إن البيع نقل العين بالصيغة المخصوصة) و الحال أن الصيغة لا تأتي الا باللفظ فكيف يعقل إنشاء اللفظ باللفظ.

و المراد من الصيغة المخصوصة: خصوص الانشاء بلفظ بعت.

(1) اي و لا يندفع ايرادنا على المحقق: بأن البيع لا يعقل انشاؤه بالصيغة: بما ذكره الدافع.

و خلاصة ما ذكره الدافع عن الايراد: أن مراد (المحقق الكركي) من النقل في تعريفه البيع: إن البيع نقل العين بالصيغة المخصوصة: نفس النقل الذي هو مدلول الصيغة، و ليس للإنشاء دخل في مفهوم البيع حتى يرد عليه ما ذكر: من عدم تعقل إنشاء البيع بالصيغة، بل البيع يتحقق و لو من دون ذكر الصيغة كما في المعاطاة، و إنما جعل البيع مدلول الصيغة الذي ينشأ بالصيغة: إشارة الى تعيين ذلك الفرد من النقل الذي هو البيع المنشأ بالصيغة من قبل البائع.

(2) اي البيع كما عرفت آنفا.

(3) و هو البيع الذي يقع بانشاء الصيغة من قبل البائع كما عرفت آنفا

(4) اي لا أن الانشاء له دخل في مفهوم البيع و أنه مأخوذ فيه حتى يرد على المحقق ما ذكر: من أنه يلزم إنشاء نقل الصيغة بالصيغة حتى يقال: إنه غير معقول كما عرفت آنفا.

32

بالصيغة، لأنه (1) ان اريد بالصيغة خصوص بعت لزم الدور، لأن المقصود معرفة مادة بعت.

____________

(1) جواب من الشيخ عن الدفاع المذكور الذي دافع عن المحقق.

و خلاصة الرد: أن (المحقق الكركي) إن اراد من الصيغة المخصوصة في قوله: (البيع نقل العين بالصيغة المخصوصة): خصوص لفظ بعث لزم الدور، لوقوع المعرف بالفتح الذي هو لفظ البيع في قوله: البيع نقل العين معرفا بالكسر، اي عرف البيع بالبيع، كأنه قال هكذا:

البيع نقل العين بالبيع فيلزم حينئذ (الدور الباطل)، و هو توقف الشيء على نفسه.

و إن اراد من الصيغة المخصوصة في قوله: البيع نقل العين بالصيغة المخصوصة) الأعم من البيع بحيث يشمل التمليك: وجب الاقتصار على مجرد التمليك و النقل فيؤتى بالصيغة المفيدة للنقل و التمليك.

و معنى الدور هو توقف الشيء على نفسه كتوقف وجود الألف على الباء و الباء على وجود الألف، و أقسام الدور ثلاثة.

(الاول): الدور المصرح و هو توقف الشيء على نفسه بلا واسطة في البين كما عرفت في المثال المذكور عند تعريف معنى الدور، فإن توقف الألف على الباء، و الباء على الألف نتيجته توقف الشيء على نفسه بغير واسطة.

و هذا الدور باطل، لأن معنى توقف الألف على الباء: أن الباء مقدم وجودا على الألف، و معنى توقف الباء على الألف: أن الألف مقدم وجودا على الباء فالنتيجة أن الألف متوقف على الألف فيلزم خلف الفرض، حيث كان الفرض أن الألف متوقف على الباء، لا على الألف حتى يلزم توقف الشيء على نفسه.

33

و إن اريد بها (1) ما يشمل ملكت وجب الاقتصار على مجرد التمليك و النقل (2).

[فالأولى تعريفه: بأنه إنشاء تمليك عين بمال]

فالأولى (3) تعريفه: بأنه إنشاء تمليك عين بمال، و لا يلزم

____________

(الثاني): الدور المضمر و هو كالاول في توقف الشيء على نفسه لكنه مع الواسطة.

سواء أ كانت الواسطة واحدة كما في قولك: الألف متوقف على الباء و الباء متوقف على الجيم أم متعددة كما في قولك:

الألف متوقف على الباء، و الباء متوقف على الجيم، و الجيم متوقف على الدال.

و هذا باطل أيضا، لعين الملاك الموجود في الاول.

(الثالث): الدور المعي، و هو عدم توقف الشيء على نفسه كما في توقف احدى اللبنتين على الاخرى، فإنه لا يلزم في هذا التوقف محذور توقف الشيء على نفسه كما في الأول و الثاني.

و هذا ليس باطلا، لعدم الاستحالة الموجودة في الاولين.

(1) أي بالصيغة المخصوصة المذكورة في قول المحقق: إن البيع نقل العين بالصيغة المخصوصة.

هذا هو الشق الثاني من ايراد الشيخ على تعريف المحقق الثاني البيع في قوله: البيع هو نقل العين بالصيغة المخصوصة.

(2) اى يلغى التقييد بالصيغة في التعريف، لعدم وجود خصوصية في مدلول ملكت حتى يتقيد بها النقل، فينبغي أن يقال في تعريف البيع هكذا: البيع هو النقل أو التمليك اى الاتيان بصيغة مفيدة للنقل و التمليك.

(3) هذا كلام الشيخ و هو يروم أن يعرف البيع بتعريف مخالف للتعاريف المتقدمة فقال: فالأولى أي المناسب في تعريف البيع أن يقال:

34

عليه (1) شيء مما تقدم.

[يبقى عليه امور:]

نعم (2) يبقى عليه امور:

[منها: أنه موقوف على جواز الايجاب بلفظ ملكت]

(منها) (3): أنه موقوف على جواز الايجاب بلفظ ملكت، و إلا لم يكن مرادفا له

و يرده (4) أنه الحق كما سيجيء

[منها: أنه لا يشمل بيع الدين على من هو عليه]

(و منها) (5): أنه (6) لا يشمل بيع الدين على من هو عليه،

____________

إن البيع إنشاء تمليك عين بمال.

(1) اي و لا يرد على تعريفنا البيع: بأنه إنشاء تمليك عين بمال أي اشكال من الاشكالات الواردة على تعاريف القوم.

(2) استدراك عما افاده: من عدم ورود اشكال على تعريفنا البيع: بأنه إنشاء تمليك اي نعم يبقى على تعريفنا بعض الامور ترتقى الى خمسة قد ذكرها الشيخ بقوله: منها و منها و منها و منها و منها.

(3) أي من بعض تلك الامور الواردة على تعريفنا البيع بأنه إنشاء تمليك عين بمال.

هذا هو الامر الاول من الامور الخمسة

و خلاصته أن لازم هذا التعريف جواز إنشاء البيع و ايجاده بلفظ ملكت، حيث قال: البيع إنشاء تمليك عين.

(4) اي و يرد هذا الاشكال، أن إنشاء البيع و ايجاده بلفظ ملكت هو الحق كما يأتي في قوله في ص 51: و يظهر من بعض من قارب عصرنا استعماله في معان أخر، غير ما ذكر: احدها التمليك المذكور.

(5) أي و من بعض تلك الامور:

هذا هو الامر الثاني من الامور الخمسة.

(6) أي التعريف المذكور للبيع لا يشمل بيع الدين على من هو عليه و هو المدين.

35

لأن الانسان لا يملك مالا على نفسه.

و فيه (1) مع ما عرفت و ستعرف: من تعقل تملك ما على نفسه و رجوعه (2)

____________

(1) أي و في عدم شمول تعريفنا البيع بيع الدين على من هو عليه الدين نظر و اشكال.

و النظر هذا مشتمل على دليلين.

(الاول): أنه بالإضافة الى ما عرفت في ص 18- 19: من أن تملك الانسان مالا على نفسه و ما في ذمته امر معقول.

(الثاني): أنه بالإضافة الى أن هذا النوع من التملك مآله الى سقوط ما في الذمة عن الدين، لأنه نظير التهاتر القهري الذي هو عبارة عن ثبوت طلب لشخص بذمة زيد قدره مائة دينار فباع زيد للدائن مائة طن من الحنطة بمبلغ قدره مائة دينار فاشتغلت ذمة كل واحد من الدائن و المدين الذي هو البائع بمثل ما اشتغلت ذمة الآخر و هي مائة دينار، فإن الدائن اشتغلت ذمته بثمن الحنطة، و المدين اشتغلت ذمته بالدين الّذي جاء من قبل الدائن فتسقط ذمة كل واحد منهما سقوطا قهريا يسمى (بالتهاتر):

أن تمليك الدائن دينه للمدين، و تملك المدين لما في ذمته من قبل الدائن لو لم يكن امرا معقولا لم يعقل البيع اصلا و ابدا، اذ ليس للبيع لغة مفهوم سوى مبادلة مال بمال كما عرفت في تعريفه عن صاحب مصباح المنير في ص 9

و كذا ليس له مفهوم سوى النقل و التمليك و التعويض.

(2) بالجر عطفا على مجرور (من الجارة) في قوله: من تعقل أي و من رجوع بيع الدين على من هو عليه الدين.

36

الى سقوطه عنه نظير (1) تملك ما هو مساو لما في ذمته، و سقوطه بالتهاتر (2): أنه (3) لو لم يعقل التمليك لم يعقل البيع، اذ ليس للبيع لغة و عرفا معنى غير المبادلة و النقل و التمليك، و ما يساويها من الألفاظ (4)، و لذا (5) قال فخر الدين (6): إن معنى بعت في لغة العرب ملكت غيري، فاذا لم يعقل ملكية ما في ذمة نفسه (7) لم يعقل شيء مما يساويها (8)

____________

هذا هو الدليل الثاني و قد عرفته عند قولنا في ص 35: الثاني أنه بالإضافة الى أن.

(1) هذا تنظير لإمكان تعقل تملك الانسان ما على ذمته و في نفسه و قد عرفت خلاصته في الدليل الثاني في ص 35.

(2) مصدر باب المفاعلة من تهاتر يتهاتر، و معناه السقوط القهري كما عرفت.

(3) جملة أنه لو لم يعقل مرفوعة محلا على أنها مبتدأ مؤخر خبره قوله: و فيه و قد عرفت معناه في الدليل الثاني.

(4) كالمعاوضة.

(5) أي و لاجل أنه ليس للبيع مفهوم لغة و عرفا سوى المبادلة و النقل و التمليك.

(6) هو نجل العلامة الحلي يأتي شرح حياته في أعلام المكاسب.

(7) مرجع الضمير المشتري المدين الذي يشتري طلب الدائن المستقر في ذمته بمبلغ اقل من ذلك.

(8) أي يساوي الملكية، لأن من لوازم النقل و المبادلة الملكية، بل النقل عين التمليك.

37

فلا يعقل البيع (1).

[منها: أنه يشمل التمليك بالمعاطاة]

(و منها) (2): أنه يشمل التمليك بالمعاطاة، مع حكم المشهور، بل دعوى الاجماع على أنها ليست بيعا.

و فيه (3) ما سيجيء: من كون المعاطاة بيعا، و أن مراد النافين نفي صحته (4).

[منها: صدقه على الشراء]

(و منها) (5): صدقه على الشراء، فإن المشتري بقبوله للبيع يملك ماله بعوض المبيع.

و فيه (6) أن التمليك فيه ضمني و إنما حقيقته التملك بعوض،

____________

(1) لأنك قد عرفت أنه ليس للبيع مفهوم لغة و عرفا سوى المبادلة

(2) هذا هو الامر الثالث من الامور الخمسة المذكورة الباقية على تعريف الشيخ البيع.

(3) هذا جواب عن الأمر الثالث

و خلاصته أن المعاطاة هو البيع بعينه مشتمل على كل ما يشمله البيع سوى الصيغة و هو الايجاب و القبول.

(4) أي صحة المعاطاة: بمعنى أن مرادهم من نفي البيع عن المعاطاة نفي الصحة عنه؛ لا نفي اصل بيعيته، اى المعاطاة الفاقدة للصيغة فاقدة للصحة.

(5) هذا هو الأمر الرابع من الامور الخمسة المذكورة الباقية على تعريف الشيخ البيع.

(6) هذا جواب عن الأمر الرابع.

و خلاصته: أن تمليك المشتري ماله و سلعته للبائع انما هو ضمني أي في ضمن تمليك البائع ماله للمشتري، لا تمليك استقلالي مباشري

38

و لذا (1) لا يجوز الشراء بلفظ ملكّت تقدم على الايجاب أو تأخر (2) و به (3) يظهر اندفاع الايراد بانتفاضه بمستأجر العين بعين، حيث (4) إن الاستيجار يتضمن تمليك العين بمال أعني المنفعة.

____________

لأن المشتري بقبوله المبيع ازاء ما دفعه للبائع فقد اصبح البائع مالكا للثمن فحقيقة الشراء في الواقع هو التملك بعوض و هذا لا يحتاج الى التمليك المباشري الاستقلالي.

(1) اي و لأجل أن حقيقة الشراء هو التملك بعوض.

(2) وجه عدم جواز الشراء بلفظ ملكت مشددة أنه تمليك بدوي استقلالي، لا ضمني و الحال أن الشراء تمليك ضمني.

و لا يخفى أن عدم جواز الشراء بلفظ ملكت في صورة تأخر ملكت عن الايجاب محل تأمل.

(3) أي و بما قلنا: من أن التمليك في الشراء ضمنى، لا مباشري استقلالي يظهر اندفاع النقض الوارد على تعريفنا البيع: بأنه إنشاء تمليك عين بمال.

و خلاصة النقض: أنه لو استأجر شخص عينا بعين: بأن استأجر دارا من زيد و دفع في مقابل ثمنها دارا له بمدة معينة قبال المدة المستأجرة من زيد فيصدق هنا التعريف المذكور للبيع؛ حيث إن مستأجر العين بالعين قد انشأ تمليك عين بمال فلا يكون التعريف مطردا أي مانعا للأغيار و من شأن التعريف أن يكون مانعا للأغيار و جامعا للأفراد.

(4) هذا جواب عن الانتقاض المذكور.

و خلاصته: أنه كما قلنا: إن التمليك في الشراء ضمني، كذلك التمليك في الاستيجار ضمني، لأن من يستأجر العين بالعين و يجعل العين

39

[منها: انتقاض طرده بالصلح على العين بمال، و بالهبة المعوضة.]

(و منها) (1): انتقاض طرده بالصلح على العين بمال، و بالهبة المعوضة.

و فيه (2) أن حقيقة الصلح و لو تعلق بالعين ليست هو التمليك على وجه المقابلة و المعاوضة، بل معناه الأصلي هو التسالم، و لذا (3) لا يتعدى

____________

ازاء العين المستأجرة يقبل منافع الدار الى مدة سنة كاملة، و بهذا القبول تصبح العين التي هو عوض عن المنافع ملكا للمؤجر الذي أجر عينه للمستأجر بإزاء عينه، فليس القبول من مستأجر العين بالعين تمليكا مباشريا للمؤجر، بل تمليك ضمني كما في الشراء.

(1) هذا هو الامر الخامس من الامور الخمسة المذكورة.

و خلاصته أن التعريف المذكور منتقض بالصلح على العين، و بالهبة المعوضة، لأنه لو صالح زيد عمرا على عين، أو وهب شيئا لعمرو بشرط أن يهب له شيئا ازاء هبته له، لصدق التعريف المذكور عليهما، حيث إن المتصالح و الواهب قد أنشئا تمليك عين بمال بعد أن اوقعا الصلح على العين، و الهبة على العين المعوضة.

إذا لا يكون التعريف مانعا للأغيار.

(2) هذا جواب عن الأمر الخامس.

و خلاصته: أن حقيقة الصلح ليست هو التمليك على وجه المقابلة و المعاوضة و إن تعلق بالعين.

بل مفهومه هو التسالم بين المتخاصمين بتنازل احدهما للآخر، فلفظ الصلح موضوع للتسالم لا غير، لا للمعنى الذي ذكره القائل.

(3) هذا دليل لكون الصلح موضوعا للتسالم بين المتخاصمين.

و خلاصته: أن الدليل على ذلك أن لفظ الصلح لا يتعدى بنفسه

40

بنفسه الى المال.

نعم هو (1) متضمن للتمليك اذا تعلق بعين، لا (2) أنه نفسه

و الذي يدلك على هذا (3) أن الصلح (4) قد يتعلق بالمال عينا، أو منفعة (5) فيفيد التمليك.

و قد يتعلق بالانتفاع (6) فيفيد فائدة العارية و هو مجرد التسليط.

و قد يتعلق بالحقوق (7) فيفيد الإسقاط، أو الانتقال.

و قد يتعلق بتقرير أمر بين المتصالحين (8) كما في قول أحد الشريكين

____________

الى المال فلا يقال: صالحتك المال، أو الدار، بل يقال: صالحتك على كذا بتعديه بحرف الجار.

(1) أي الصلح

(2) اى و ليس الصلح نفس التمليك مباشرة و استقلالا، بل يفيد التمليك ضمنا.

(3) أي الذي يرشدك الى أن مفهوم الصلح هو التسالم فهو الموضوع له للصلح، لا التمليك، بل التمليك فيه ضمني.

من هنا يروم الشيخ أن يذكر مؤيدات لمدعاه: و هو أن مفهوم الصلح هو التسالم و قد ذكر له مؤيدات خمسة.

و نحن نذكرها واحدا بعد واحد تحت رقمه الخاص.

(4) هذا هو المؤيد الاول لمدعاه.

(5) هذا هو المؤيد الثاني لمدعاه.

(6) هذا هو المؤيد الثالث لمدعاه.

(7) هذا هو المؤيد الرابع لمدعاه.

(8) هذا هو المؤيد الخامس لمدعاه.

41

لصاحبه: صالحتك على أن يكون الربح لك و الخسران عليك فيفيد مجرد التقرير، فلو كانت حقيقة الصلح هي عين كل من هذه المعاني الخمسة لزم كونه مشتركا لفظيا و هو واضح البطلان (1) فلم يبق إلا أن يكون

____________

فرض المسألة في المؤيد الخامس هكذا:

شخصان قد اشتركا في مال قدره الف دينار مثلا، ثم اتجرا فيه و ربحا، إلا أن الربح موزع بين الناس دينا، ثم ارادا فسخ الشركة فيقول احدهما للآخر:

اعطني مالي الذي شاركته مع مالك فالربح لك و الخسران عليك اى لست أنا مسئولا عن الخسائر، كما أني لست سائلا عن الأرباح.

و إنما يقول ذلك و يقدم عليه، ليسلم ماله عن التلف فيتصالحان على ذلك و يقرران هذا الامر، و يفسخان هذه الشركة.

و قد جاء الحديث الشريف طبق هذا. أليك نص الحديث.

عن (الصادق) (عليه السلام) في رجلين اشتركا في مال و ربحا فيه، و كان من المال دين، و عليهما دين فقال احدهما لصاحبه:

اعطني رأس المال و لك الربح، و عليك التوى (1)

فقال: لا بأس اذا اشترطا، فاذا كان شرط يخالف كتاب اللّه فهو رد الى كتاب اللّه عز و جل.

(وسائل الشيعة) الجزء 13. ص 165. الباب 4 من أحكام الصلح. الحديث (1)

(1) للزومه تعدد الوضع و الاصل عدمه كما عليه علماء العربية،

____________

(1) بالتاء المنقوطة مشتق من توى يتوى توى وزان هوى يهوى هوى معناه: الهلاك و التلف.

42

مفهومه معنى آخر: و هو التسالم فيفيد في كل موضع فائدة من الفوائد المذكورة بحسب ما يقتضيه متعلقه (1).

فالصلح على العين بعوض تسالم عليه و هو يتضمن التمليك، لا أن مفهوم الصلح في خصوص هذا المقام و حقيقته هو إنشاء التمليك.

و من هنا (2) لم يكن طلبه من الخصم اقرارا له، بخلاف طلب التمليك (3).

و أما (4) الهبة المعوضة و المراد بها هنا ما اشترط فيه العوض فليست

____________

لأن المتسالم عليه عندهم هو عدم الاشتراك في الأوضاع اللغوية.

(1) فان تعلق الصلح بالمال اقتضى تعلقه التمليك، و كذا لو تعلق بالمنفعة.

و ان تعلق بالانتفاع اقتضى العارية.

و هكذا في بقية ما تعلق به من المعاني المذكورة

(2) أي و من أن حقيقة الصلح ليست تمليك عين على وجه المقابلة و المعاوضة، بل مفهومه هو التسالم و التوافق بين المتصالحين، و تنازل من احدهما للآخر: لم يكن طلب الصلح من الخصم اقرارا منه على أن العين للخصم.

(3) حيث إن طلب التمليك من الخصم إقرار منه: بأن المتنازع فيه ملك للخصم.

(4) هذا وجه النظر من الشيخ في انتقاض التعريف المذكور للبيع بالهبة المعوضة.

و خلاصته: أن الهبة المعوضة التي اشترط فيها العوض في متن العقد نظير الهبة الغير المعوضة التي لم يشترط فيها العوض: في أنها تمليك

43

إنشاء تمليك بعوض على جهة المقابلة (1)، و إلا (2) لم يعقل تملك احدهما لاحد العوضين من دون تملك الآخر للآخر (3) مع أن ظاهرهم عدم تملك العوض بمجرد تملك الموهوب الهبة.

بل غاية الامر أن المتهب لو لم يؤد العوض كان للواهب الرجوع في هبته.

____________

مستقل يقصد بها وقوعها عوضا عما يهبه صاحبه له فقط، و ليس في هذه الهبة المعوضة حقيقة المعاوضة و المقابلة كما كانت هذه الحقيقة موجودة في البيع، حيث إن البائع بقوله: بعتك يقصد انتقال عينه الى المشتري بمجرد الايجاب، و المشتري بقوله: قبلت يقصد انتقال ماله الذي هو الثمن الى البائع بمجرد القبول، فلو تخلف احدهما عن سلعته بطل البيع.

فلو كان مفهوم الهبة المعوضة إنشاء تمليك عين بمال على جهة المقابلة و المعاوضة لما صح تعقل تملك احد العوضين، من دون تملك الواهب الآخر العوض الآخر، مع أنه يصح تملك احدهما احد العوضين من دون تملك الآخر العوض الآخر.

نعم يبقى شيء واحد في هذه الحالة و هو رجوع الواهب عن هبته لو لم يؤد المتهب العوض، فالمتهب يملك الهبة سواء دفع العوض أم لا.

(1) و لربما يكون جعل العوض مقصودا، لاجل أن تكون الهبة لازمة كما اذا وهب زيد لصديقه شيئا ثم اراد أن تكون لازمة فيطلب من الموهوب له عوضا جزئيا، ليحصل الفرض و هي الهبة المعوضة.

(2) أي و لو كانت الهبة المعوضة تمليكا بعوض على جهة المقابلة كما هو الحال في البيع كما عرفت معنى هذا عند قولنا: فلو كان مفهوم الهبة المعوضة الى آخره.

(3) لأنه بناء على أن مفهوم الهبة المعوضة هو التمليك على جهة المقابلة

44

فالظاهر (1) أن التعويض المشترط في الهبة كالتعويض الغير المشترط فيها: في (2) كونه تمليكا مستقلا يقصد به وقوعه عوضا، لا (3) أن

____________

كما يقول القائل يكون تملك كل منهما العوض متوقفا على تمليك كل منهما هبته، مع أنه لم يحصل التمليك إلا من جانب واحد فقط.

و المفروض أن الواهب لم يملك العوض بمجرد تملك الموهوب له الهبة ما دام لم يهب الموهوب له العوض الى الواهب كما هو ظاهر الفقهاء

نعم للواهب الرجوع في هبته لو لم يؤد الموهوب له العوض كما عرفت.

(1) الفاء جواب لأما في قوله: و أما الهبة المعوضة.

و قد عرفت الجواب في الهامش 4 من ص 42 عند قولنا: و خلاصته

(2) كلمة (في الجارة) بيان لوجه الشبه بين الهبة المعوضة المشترط فيها التعويض في العقد.

و بين الهبة الغير المعوضة التي لم يشترط فيها التعويض.

و قد عرفت وجه الشبه في الهامش 4 من ص 42 عند قولنا: في أنها تمليك مستقل يقصد بها.

(3) أي و ليست حقيقة المعاوضة و المقابلة مقصودة في كل من العوضين في الهبة المعوضة التي اشترط فيها العوض في متن العقد، و الهبة الغير المعوضة التي لم يشترط فيها العوض.

و قد عرفت وجه ذلك في الهامش 3 من ص 43 عند قولنا:

فلو كان مفهوم الهبة المعوضة.

45

حقيقة المعاوضة و المقابلة مقصودة في كل من العوضين كما يتضح ذلك (1) بملاحظة التعويض الغير المشترط في ضمن الهبة الاولى (2).

فقد تحقق مما ذكرنا (3) أن حقيقة تمليك العين بالعوض ليست إلا البيع، فلو قال: ملكتك كذا بكذا كان بيعا و لا يصح صلحا و لا هبة معوضة و ان قصدهما (4)، اذ (5) التمليك على جهة المقابلة الحقيقية

____________

(1) و هو أن حقيقة المعاوضة و المقابلة ليست مقصودة في كل من العوضين في الهبتين: الهبة المعوضة، و الهبة الغير المعوضة، فإن الواهب الأول الذي تصدر منه الهبة الأولى لا يقصد من هبته سوى كونها تمليكا مستقلا لا يتوقف هذا التمليك على تمليك الطرف الآخر له العوض.

كما أن الواهب الثاني في الهبة الثانية كذلك.

و يسمى الواهب في الهبة الاولى المتهب الأول.

و الواهب في الهبة الثانية المتهب الثاني.

(2) و هي الصادرة من الواهب الأول

(3) من أن مفهوم الصلح هو التسالم و التوافق، و مفهوم الهبة المعوضة و غير المعوضة هو التمليك المستقل يقصد بهذا التعويض وقوعه عوضا لا غير

و ليست حقيقة المعاوضة مقصودة في الصلح و الهبة كما كانت مقصودة في البيع.

(4) أي و إن قصد الصلح و الهبة المعوضة، و غير المعوضة من لفظ ملكتك الذي ليس صريحا فيهما، بل يقع البيع به فقط.

(5) تعليل لعدم وقوع الصلح، و الهبة المعوضة بلفظ ملكتك و ان قصدهما به؛ بل يقع البيع به.

و خلاصته: أن التمليك الواقع في قول القائل: ملكتك الدار مثلا القاصد به المقابلة الحقيقية: و هو انتقال كل من المثمن الى المشترى،

46

ليس صلحا، و لا هبة فلا يقعان به (1)

نعم (2) لو قلنا بوقوعهما بغير الألفاظ الصريحة توجه تحققهما مع قصدهما فما (3) قيل: من أن البيع هو الأصل في تمليك الأعيان بالعوض

____________

و الثمن الى البائع: ليس مفهوم الصلح، و الهبة المعوضة، و غيرها، اذ مفهوم الصلح كما عرفت هو التسالم، و مفهوم الهبة المعوضة، و غيرها هو التمليك المستقل.

(1) أي بلفظ ملكتك و ان قصد الصلح و الهبة المعوضة به.

(2) استدراك عما افاده: من عدم وقوع الصلح، و الهبة المعوضة و غيرها بلفظ ملكتك و ان قصدهما به.

و خلاصته: أنه لو قلنا بوقوع الصلح، و الهبة المعوضة، و غيرها بغير اللفظ الصريح: و هو صالحتك و وهبتك من الألفاظ الكنائية كقولك:

ملكتك فلا بد من قصد الصلح و الهبة من هذا اللفظ الغير الكنائى، لأن هذا اللفظ صالح لوقوعه في البيع و الصلح، و الهبة المعوضة، و غيرها.

بخلاف لفظة باع و أية صيغة اشتقت من هذه المادة، فإنها صريحة في البيع و لا يحتمل غيره منها.

و كذلك لفظة صالحتك، فإنها صريحة في الصلح، و لفظة وهبتك صريحة في الهبة، و لا يحتمل غيرهما منهما

(3) الفاء تفريع على ما افاده: من أنه لا بدّ من قصد الصلح و الهبة من لفظة ملكتك لو قلنا بوقوعهما بهما، حيث إنها صالحة للبيع و الصلح و الهبة، لأنها من الألفاظ الكنائية، و ليست تخص البيع.

و خلاصته: أنه بعد أن عرفت ذلك فلا مجال للقول باختصاص لفظة ملكتك بالبيع، و أنه عند الشك في المراد منها هل أنه البيع أو الصلح، أو الهبة تحمل على البيع، لتقدمه عليهما و ان قصد بها

47

فيقدم على الصلح و الهبة المعوضة: محل (1) تأمل، بل (2) منع، لما (3) عرفت: من أن تمليك الأعيان بالعوض هو البيع لا غير.

____________

الصلح و الهبة، لجريان الاصل العقلائي، حيث إن العقلاء يقدمون البيع على الصلح و الهبة.

(1) بالرفع خبر للمبتدإ المتقدم و هو قوله: فما قيل

هذا تعليل لعدم مجال للقول بذلك

وجه التعليل: أن اللفظ الكنائي صالح لارادة المعاني المتعددة منه و لا سيما اذا اريد منه معنى خاص كما في ملكتك: حيث إنه صالح لارادة البيع و الصلح و الهبة منه. و قد اريد منه الصلح و الهبة، فلم يختص بالبيع عند إرادة الصلح و الهبة منه.

(2) اى إرادة البيع من لفظة ملكتك مع قصد الصلح و الهبة ممنوعة.

هذا رأي الشيخ في قبال قول القائل بحمل لفظة ملكتك على البيع و ان اريد منها الصلح و الهبة.

و قد عرفت وجه المنع في الهامش 3 من ص 46 عند قولنا: حيث إنها صالحة لارادة معنى البيع و الصلح و الهبة، و لا سيما عند إرادة الصلح و الهبة من لفظة ملكتك.

(3) تعليل من القائل بتقديم البيع على الصلح و الهبة فيما اذا وقع تمليك شيء بلفظة ملكتك التي هي من الألفاظ الكنائية، و ليست هذه الجملة تعليلا للتأمل، أو بل منع الواقعين في كلام الشيخ كما هو الظاهر حيث وقعت بعد قوله: محل تأمل، بل منع: اذ الشيخ لا يقول بتقديم البيع على الصلح و الهبة لو وقعت معاملة بلفظة ملكتك الصالحة للجميع و لا سيما اذا قصد منها الصلح، أو الهبة.

48

نعم (1) لو اتي بلفظ التمليك بالعوض و احتمل إرادة غير حقيقته كان مقتضى الاصل اللفظي حمله على المعنى الحقيقي فيحكم بالبيع، لكن الظاهر أن الأصل بهذا المعنى (2) ليس مراد القائل المتقدم.

و سيجيء توضيحه (3) في مسألة المعاطاة في غير البيع ان شاء اللّه

[بقي القرض داخلا في ظاهر الحد]

بقي القرض داخلا في ظاهر الحد (4)

____________

بل القائل بذلك هو القيل، فإنه يقول بتقديم البيع في مورد يقصد بلفظة ملكتك تمليك العين في مقابل العوض.

(1) استدراك عما افاده: من عدم مجال لتقديم البيع على الصلح أو الهبة.

و خلاصته: أنه عند الاتيان بلفظة ملكتك بكذا، و احتمال إرادة المعنى الحقيقي منها و هو البيع تحمل اللفظة على المعنى الحقيقي، لأنه مقتضى الأصل اللفظي عند الشك في إرادة المعنى الحقيقي من اللفظ، أو المجازي اذا كان اللفظ غير صريح في معنى كما فيما نحن فيه، حيث إن ملكتك كما عرفت اكثر من مرة صالح للبيع و الصلح و الهبة، و أنه غير صريح في البيع.

فالأصول اللفظية حاكمة على هذا التقديم، و لا مجال لارادة الصلح أو الهبة منه، لكونهما معنى مجازيا له.

(2) و هو الأصل اللفظي، حيث إن القيل اراد من الأصل الأصل العقلائي كما عرفت في الهامش 3 من ص 46- 47 عند قولنا: لجريان الاصل العقلائي.

(3) اي توضيح هذا الأصل اللفظي و أنه حاكم عند الشك، و أن البيع مقدم على الصلح و الهبة في مثل لفظة ملكتك.

(4) أي في تعريف الشيخ البيع بقوله: البيع إنشاء تمليك عين

49

و يمكن اخراجه (1): بأن (2) مفهومه ليس نفس المعاوضة، بل هو تمليك على وجه ضمان المثل، أو القيمة، لا (3) معاوضة للعين بهما و لذا (4)

____________

بمال: حيث إن القرض هو إنشاء تمليك عين لو قال: اقرضتك مائة دينار، أو ملكتك هذا و عليك عوضه.

(1) أي اخراج القرض من تعريف الشيخ البيع؛ فلا يكون التعريف شاملا للأغيار.

(2) الباء بيان لكيفية خروج القرض عن التعريف، أي مفهوم القرض ليس نفس المعاوضة الحقيقية، كما كانت هذه المعاوضة الحقيقية ملاكا في البيع.

(3) أي و ليس مفهوم القرض هي المعاوضة للعين بالمثل، أو القيمة

(4) أي و لاجل أن مفهوم القرض خارج عن مفهوم المعاوضة للعين بالمثل، أو القيمة، بل مفهومه تمليك عين على وجه ضمان المثل، أو القيمة لا يجري فيه ربا المعاوضة.

مقصود الشيخ من عدم جريان ربا المعاوضة في القرض: أن ربا البيع يشترط فيه أن يكون العوضان من المكيل، أو الموزون، أو من جنس واحد حتى يجري فيه الربا، مع أن ربا القرض محرم مطلقا، سواء أ كان العوضان عن المكيل، أم من الموزون، أم من جنس واحد، أم لم يكونا كذلك.

فحرمة الزيادة ثابتة فيه بنحو الإطلاق، لأنه يشترط في حرمة الربا النفع و الفائدة، و هذه الفائدة و النفع في أي شيء حصلت في المكيل، أو في غيره، في الموزون أو في غيره، في التجانس أو في غيره: يحصل الربا فيحرم القرض، فهذا هو السر في عدم جريان ربا المعاوضة في القرض

50

لا يجري فيه ربا المعاوضة، و لا الغرر (1) المنفي فيها، و لا (2) ذكر

____________

و ليس المقصود من عدم جريان الربا: أن الربا لا يجري في القرض كما قد يتوهم

(1) أي و لأجل أن القرض خارج عن مفهوم المعاوضة، و ليس هو نفسها، بل مفهومه تمليك عين على وجه الضمان بالمثل، أو القيمة:

لا يجري فيه الغرر المنفي في المعاوضة و هو البيع، لأن الغرر هو الخطر فلا بد في المعاوضة: من علم المتعاقدين بالمبيع، و الثمن، و القدرة على تسليم المبيع الى المشتري، و تسليم الثمن الى البائع، و هذه الشروط لا تجري في القرض، لعدم القدح بجهالة المال المقرض بالفتح كما و كيفا.

فلو استقرض زيد من عمرو مبلغا فاخذ المقرض بالكسر قبضة من الدراهم و اقرضها لزيد من غير عد صح القرض.

نعم يعتبر علم المقترض بعد القرض بالمبلغ، ليتمكن من ادائه، حتى تبرأ ذمته عن الدين بعد أن اشتغلت به، و هذا العلم لا دخل له في أصل صحة القرض.

و هكذا لو استقرض شخص من شخص آخر طعاما فاقرضه مقدارا من الطعام من دون كيل و وزن صح القرض.

نعم يعتبر علم المقترض بالمقدار حتى يتمكن من ادائه و تبرأ ذمته، و هذا لا دخل له في اصل صحة القرض كما علمت آنفا.

و لا يخفى عليك أن الفقهاء اختلفت كلماتهم في القرض المجهول فبين قائل بالصحة، و بين قائل بالبطلان.

راجع كلماتهم في الكتب الفقهية المطولة و ليس هنا محل ذكرها.

(2) أي و لأجل أن مفهوم القرض مغاير لمفهوم المعاوضة و المقاولة:

لا يشترط فيه ذكر العوض، كما اشترط ذلك في المعاوضة.

51

العوض، و لا (1) العلم به فتأمل (2)

ثم إن ما ذكرناه تعريف للبيع المأخوذ في صيغة بعت و غيره من المشتقات (3)

[يظهر من بعض من قارب عصرنا استعماله في معان اخرى غير ما ذكر]

و يظهر من بعض من قارب عصرنا (4) استعماله (5) في معان اخرى غير ما ذكر

[أحدها: التمليك المذكور، لكن بشرط تعقبه بتملك المشتري]

(احدها (6)): التمليك المذكور، لكن بشرط تعقبه (7) بتملك المشتري، و إليه (8) نظر بعض مشايخنا؛ حيث اخذ قيد التعقب بالقبول مأخوذا في تعريف البيع المصطلح (9)

____________

(1) أي و لاجل أن مفهوم القرض مغاير لمفهوم المعاوضة و المقاولة لا يشترط في القرض العلم بالعوض؛ مع أن العلم به مشروط في المعاوضة.

(2) أي فيما ذكر: من عدم جريان ربا المعاوضة، و الغرر المنفي و ذكر العوض، و العلم بالعوض، لأنه نوقش في كل واحد منها، و ليس هنا مقام ذكر المناقشة.

(3) أي من مشتقات مادة بعت: و هو باع يبيع باعوا باعا باعت بعن لا أبيع لا نبيع بعت بعنا.

(4) و هو (الشيخ الكبير كاشف الغطاء)

(5) أي استعمال لفظ البيع.

(6) من هنا شرع الشيخ في عد موارد استعمال البيع في معان اخرى فقال: احد تلك المعاني التمليك.

(7) أي تعقب التمليك يتملك المشتري: بأن يقول المشتري بعد ايجاد البيع و انشائه: قبلت

(8) أي و الى هذا المعنى الذي افاده (كاشف الغطاء): من تعقب التمليك بلفظ قبلت من قبل المشتري اشار (صاحب الجواهر).

(9) و هو إنشاء تمليك عين بمال.

52

و لعله (1) لتبادر التمليك المقرون بالقبول من اللفظ، بل (2) و صحة السلب عن المجرد، و لهذا (3) لا يقال: باع فلان ماله إلا بعد أن يكون قد اشتراه غيره (4)

و يستفاد من قول القائل: بعت مالي أنه اشتراه غيره، لا أنه أوجب البيع فقط (5)

____________

(1) أي و لعل منشأ تقييد التمليك بتعقب المشتري القبول بقوله:

قبلت هو التبادر، أي تبادر هذا المعنى من لفظة البيع عند إطلاقه متى اطلق من حاق اللفظ و سياقه، لا من القرائن الخارجية.

و قد قيل قديما و حديثا: إن التبادر علامة الحقيقة، و عدمه علامة المجاز كتبادر الحيوان المفترس من الاسد، و عدم تبادر الرجل الشجاع منه

(2) أي و لعل منشأ تقييد التمليك المذكور بتعقب المشتري القبول بقوله: قبلت هي صحة سلب البيع عن البيع المجرد عن القبول.

و قد قيل حديثا و قديما: صحة السلب علامة المجاز، و عدمها علامة الحقيقة.

و معنى صحة السلب أن يصح للانسان أن يسلب المعنى الحقيقي عن اللفظ اذا استعمل في معنى ليس معناه حقيقة كسلب الماء عن الماء المستعمل في الأمراق، و عصير الفواكه: بأن يقال: إن ماء الأمراق و ماء عصير الفواكه ليس ماء مطلقا حقيقة، بل هو من السوائل، فاطلاق الماء عليه مجاز.

(3) أي و لأجل صحة سلب البيع عن البيع المجرد عن القبول

(4) و هو المشتري: بأن يقول متعقبا للايجاب: قبلت.

(5) أي من دون أن يقول المشتري: قبلت.

53

[الثاني: الاثر الحاصل من الايجاب و القبول و هو الانتقال]

(الثاني (1)): الاثر الحاصل من الايجاب و القبول و هو الانتقال (2) كما يظهر من المبسوط و غيره.

[الثالث: نفس العقد المركب من الإيجاب و القبول]

(الثالث (3)): نفس العقد المركب من الايجاب و القبول (4) و إليه (5) ينظر من عرّف البيع بالعقد.

قال: بل الظاهر اتفاقهم على إرادة هذا المعنى (6) في عناوين أبواب المعاملات (7) حتى الاجارة و شبهها التي ليست في الاصل اسما لاحد طرفي العقد.

[المناقشة في هذه الاستعمالات]

أقول (8): أما البيع بمعنى الايجاب المتعقب للقبول فالظاهر أنه

____________

(1) أي المعنى الثاني من معان اخرى للبيع الذي استعمل فيها.

(2) المراد من الانتقال هو الاثر الحاصل من نقل المبيع الى المشتري و نقل الثمن الى البائع شرعا، لا عرفا، فإن العرف يرى الاثر من انتقال المبيع الى المشتري من دون توقفه على قبول المشتري.

(3) أي المعنى الثالث من معان اخرى للبيع الذي استعمل فيها.

(4) اي البيع يطلق على نفس الصيغة ايجابا و قبولا.

(5) أي و الى المعنى الثالث للبيع نظر من عرّف البيع بالعقد و قال:

إن البيع هو العقد، أى هي الصيغة المركبة من الايجاب و القبول.

(6) و هو المعنى الثالث للبيع: من أنه نفس العقد المركب من الايجاب و القبول.

(7) أي من اولها الى آخرها من قولهم: كتاب البيع، كتاب الاجارة، كتاب الحوالة، كتاب القرض، كتاب الرهن، كتاب الجعالة

(8) من هنا يروم الشيخ أن يناقش (كاشف الغطاء) فيما افاده:

من استعمال البيع في معان اخرى فقال ما حاصله:

54

ليس مقابلا للاول (1) و إنما هو فرد انصرف إليه اللفظ في مقام قيام القرينة على إرادة الايجاب المثمر (2) اذ لا ثمرة في الايجاب المجرد (3)

فقول المخبر: بعت إنما اراد الايجاب المقيد (4)، فالقيد (5) مستفاد من الخارج، لا أن البيع مستعمل في الايجاب المتعقب للقبول (6)

و كذلك (7)

____________

إن المعنى الاول من المعاني المذكورة للبيع ليس مغايرا للمعنى الذي نحن ذكرناه في تعريف البيع: من أنه إنشاء تمليك عين بمال حتى يجعل معنى مستقلا للبيع، بل المعنى الاول هو فرد انصرف إليه لفظ البيع بواسطة القرينة الخارجية: و هو كون العقد عبارة عن الايجاب المثمر الذي هو الانتقال الى المشتري.

و من الواضح أن هذا الاثر لا يحصل إلا بعد قول المشتري: قبلت لأنه لا ثمرة في الايجاب المجرد عن القبول.

(1) و هو تعريف الشيخ البيع: بأنه إنشاء تمليك عين بمال كما عرفت.

(2) و هو الانتقال كما عرفت.

(3) اي المجرد من القبول كما عرفت.

(4) أي بالقبول المتعقب للبيع كما عرفت.

(5) و هو القبول المتعقب للبيع كما عرفت.

(6) كما افاده الشيخ كاشف الغطاء، لأن الذي ذكره فرد انصرف إليه البيع كما عرفت آنفا.

(7) أى و هكذا لفظ نقلت و ابدلت و ملكّت مستعملة في الايجاب المتعقب للقبول من المشتري، و هذا القيد مستفاد من القرينة الخارجية التي عرفتها في ص 54 عند قولنا بواسطة القرينة الخارجية